العقد الفريد لبيان الراجح من الخلاف في جوار التقليد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
العقد الفريد لبيان الراجح من الخلاف في جوار التقليد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
ومنه التوفيق والإعانة
الحمد لله الذي جعل هذه الأُمَّةَ خيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاسِ، ووضَعَ عنها الإِصْرَ والأغلال، وطهَّرَنا من رجس المُخالفة والأدناس، وجعَلَ العُلماء المُجتَهدينَ بينَ الأنام أعلاماً مهَّدَ بهم علم قواعدِ الشَّرع، وأوضَحَ بآرائهم معضلاتِ الأحكامِ إكراماً؛ لينال الفلاحَ مَن اتَّبَع أحداً منهم إلى يوم الواقعة؛ إذ اتفاقهم حُجَّةٌ قاطِعةٌ، واختلافهم رحمة واسعةٌ تُضيء القُلوبُ بأنوار أفكارهم، وتُسعَدُ النُّفوسُ بِاتِّباع آثارهم، فله الشُّكرُ على فضله المزيد، وله الحمد على نعمه التي لا تُحصى، وأغلاها كلمة التوحيد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله تفرَّدَ بالكمال، وتوحد بالإيجادِ والإكمال، وأشهد أن سيدنا وسنَدَنا وذُخرَنا ومَلاذنا محمداً عبده ورسوله، ذخيرتنا إذا انقطعتِ الأَوْصال، وتواصَلَتِ العلائق، وعُرِضَتِ الأعمال، ولم يبقَ إِلَّا المجازاة والقصاص، أو المَن بفيض الملكِ المُتعال.
والصَّلاة والسَّلامُ على هذا النَّبيِّ الكريم، الرَّؤوفِ الرَّحيمِ، القائل: بعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة»، وقال أيضاً: «الدِّينُ يُسْر، ولن يُشَاةَ الدِّينَ أحد إلا غلبه، وعلى آله الكرام، وصحبه المُرتقين أشرفَ مَقامِ إلى يوم القيامة.
وبعد:
فيقول العبد الواثق بكَرَم ربِّه الوفي، أبو الإخلاص حسَن الشَّرنبلالي الحنفي: قد ورَدَ سؤال في رجُل حنفي المذهب، يسيل منه دم أو نحوه، أراد تقليد الإمام مالك رحمه الله في عدَمِ نقض الوضوءِ بذلك الخارج، وتقليده أيضاً في عدم النقض باللمس الذي لا لذة معه، كما قال به الإمام الأعظم أبو حنيفة مطلقاً، فهل يجوز له التقليد؟ وما الحكم في ذلك؟ ابسُطُوا الجواب، ولكُمُ التَّوابُ مِنَ الكريمِ الوَهَّابِ.
فأَجَبتُ بجَوازِ التَّقليد من غير تقييد بالعُذرِ، مجانِباً التَّلفيقَ، مُصاحِباً للتَّوفيق بالتحقيق، وسأذكُرُ عنْ أَئِمَّتِنا جواز ذلك بجملة منَ الفُرُوعِ؛ كَقَولِ أَهلِ الأصولِ إِنْ شاء الله تعالى، وجمعتُه بهذه الأوراق، امتثالاً لأمرِ النَّبِيِّ، حيثُ أَمَرَ بجمع العلمِ والتقييد، وسّميته: «العِقْدَ الفَريدَ لبيانِ الرَّاجِحِ مِنَ الخلافِ في جوازِ التَّقليد».
راجياً من الله سبحانه وتعالى القبول فهو خير مسؤولٍ، وأكرَمُ مأمولٍ. فقلت: نعم؛ يصح تقليد الإمام مالك رحمه الله في عدَمِ نقض الوضوء ممَّا يسيل من دم وقيح، سواء كانَ منَ المَخرجِ أو غيره، وسواء كانَ التَّقليد لمعذور، أو سالم منَ العُذر، وسواء كانَ التَّقليد بعد العمل بما يُخالفه من مذهب أبي حنيفة، أو كانَ قبل العمل به.
ولكن على المُقلّد الإتيان بما هو مسنون أو مُستَحَبُّ عند الإمام أبي حنيفةً، وهو شرط عند الإمام مالك؛ كأن يتوضأ ناوِياً، مُرَتِّباً، مُوالياً غسله، مُدَلّكاً جَسَدَه. فإنْ قُلتَ: كيف هذا معَ قولِ العلامةِ الشَّيخِ الإمامِ كَمالِ الدِّينِ ابنِ الهُمامِ في تحريره»: مسألة: لا يرجعُ فيما قلَّدَ فيه؛ أي: عمِلَ به اتفاقاً، انتَهَ؟
قُلتُ: لا يمنعُ ذلك ما قلته من صحةِ التَّقليد، بحَمْلِ المنعِ على خُصوص العَينِ، لا خُصوص الجِنْسِ.
وهذه المسألة ذكرها الآمدي، وابنُ الحاجبِ أبو عُمَرَ عُثمانُ في «الأصول»، وتبعه في جمع الجوامع وغيره.
ونصه كما في شرح أصولِ ابنِ الحاجبِ: العامي - أصولِ ابنِ الحاجب العامي - وهو غيرُ المُجتَهِد ـ إذا عمِلَ بقولِ مُجتهد في حُكم مسألة، فليس له الرجوع إلى غيرِه اتفاقاً؛ لأنَّه التزم ذلك ه القَولَ بالعَمَلِ به. وأما قبل العمل به فله الرُّجوع إلى غيرِه مِنَ المُجتهدينَ، انتَهَى.
ونظر فيه بما في كلام غير ابنِ الحاجب والآمدي وموافقيهما بما يُشعِرُ بإثباتِ الخلافِ بعد العمل، فله التَّقليد بعد العمل بقولِ غيرِ مَن قلَّدَه، كما في «حاشية العلامة ابن أبي شريف» وغيرهما.
وسنذكر عن ابن أمير الحاج شارحِ التَّحرير»، وتبعه في شرحه السَّيِّدُ بادشاه ما نصُّه: قالَ الزَّركشي: ليس كما قالا - يعني الآمدي وابن الحاجب ـ ففي كلام غيرهما ما يقتضي جَرَيانَ الخلافِ بعدَ العَمَلِ أَيضاً، انتَهَى أي: فلنا اتِّباعُ القائلِ بجَوازِ التَّقليد بعد العمل بقولِ غيرِ مَن قلَّدَه وعَمِلَ وأيضاً القائل بالمنع ليس على إطلاقه؛ لأنَّ القول بالمنع من صحةِ التَّقليد بعد العمل محمول على ما إذا بقي من آثارِ الفعلِ السَّابق أثرٌ يُؤدِّي إلى تلفيق العمل بشيءٍ مُرَكَّبٍ من مذهبَينِ، لقول العلامة المُحقِّقِ الشَّهَابِ ابنِ حجرٍ في شرح المنهاج: يتعينُ جمله - أي: حمل ما قاله ابنُ الحاجب والآمدي - على ما إذا بقي من آثارِ العَمَلِ الأَوَّلِ ما يلزَمُ عليه معَ الثَّاني تركُبُ حقيقةٍ لا يقولُ بها كل من الإمامين؛ كتقليد الإمامِ الشافعي في مسح بعض الرّأس، والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. وكما لو أُفتِي بَبَينُونَةِ زَوجته في نحو تعليق، فنَكَحَ أُختَهَا، ثمَّ أُفتِيَ بأَنَّهُ لا بَينونة، فأراد أن يرجع للأولى، ويُعرِضَ عن الثانية من غير إبانتها.
وكأن أخذَ بشُفعة الجوار؛ تقليداً للإمام أبي حنيفة رحمه الله، ثمَّ استحقَّتْ عليه، فأراد تقليد الإمام الشافعي في تركها، فيمتنع فيهما؛ لأنَّ كلَّا مِنَ الإمامين لا يقولُ به حينَئِذٍ، فاعلم ذلك فإنَّه مُهم، ولا تغتر بظاهر ما مرَّ، انتهى.
يعني: من كلام ابن الحاجبِ ومَن وافقه، انتهى.
وقد اتَّبَعَ ذلك العلامة ابنُ قاسم في حاشيته»، لكنَّه انتقد التصوير، فقال: قوله: «كأنْ أُفني .... إلى آخرِ ما في شرح الرملي»؛ كأَنْ أُفَتِيَ شخص ببينونَةِ زَوجته بطلاقها مكرهاً، ثمَّ نَكَحَ بعد انقضاءِ عِدَّتِها أُختها مُقلّداً أبا حنيفة بطلاقِ المُكرَه، ثمَّ أفتاه الشافعي بعدم الحِنْثِ، فيمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلدا للشَّافعي، وأن يطأ الثانية مقلداً لأبي حنيفة؛ لأنَّ كلَّا منَ الإمامين لا يقولُ به حينَئِذٍ كما وضَحَ ذلك الرملي رحمه الله في فتاويه» رادا على مَن زَعَمَ خِلافَهُ، مُعْتَرا بظاهرِ ما مرَّ، انتهى.
يعني: من كلام ابن الحاجب وموافقيه، انتهى.
قوله: «ثمَّ أُفتي ... إلخ، في هذا المثالِ نظر سيظهرُ، قوله: «ثمَّ اسْتُحِقَّتْ عليه؛ أي: كان باغ ما أخذه بشفعة الجوار، ثمَّ استحقَّتْ.
قوله: «لأنَّ كلَّا من الإمامين .... إلى آخره، فيه نظر في الأولى؛ إذ قضيَّة قول الثاني فيها أنَّ الزَّوجة الأولى باقيةٌ في عِصمَتِه، وأنَّ الثانية لم تدخُلُ فِي عِصمَتِه، فالرجوع للأولى، والإعراضُ عن الثانية من غير إبانةٍ مُوافِقُ لَقَولِه، فليتأمل. انتَهَى عبارة العلامة ابن القاسم في حاشيته.
وكذلك نبة على حمل كلامِ ابن الحاجبِ ومُوافقيه، العلامةُ خِتامُ المُحققينَ، الشيخ شمس الدين محمَّدٌ الرَّملي رحمه الله في شرحه، كما قال العلامة ابنُ حجر: ولا ينافي ذلك - أي: جواز التقليد بعد العمل ـ قول ابن الحاجِبِ كالآمدي: من عمل بمسألة بقولِ إمام، لا يجوز له العمل فيها بِقَولِ غيرِه اتفاقاً؛ لتعين حمله على ما إذا بقي من آثارِ العَمَلِ الأَوَّلِ ما يلزَمُ عليه معَ الثاني تركُبُ حقيقة لا يقولُ بها كل من الإمامين؛ كتقليد الشَّافعي رضي الله عنه في مسح بعض الرأس، والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة.
وقد ذكر الشبكي في الصَّلاةِ من فتاويه نحو ذلك مع زيادة إيضاح فيه، وتبعه جمع عليه، حيث قالوا: إنَّما يمتنع تقليدُ الغَيرِ في تلك الحادثة بعينها لا مثلها، خلافاً للشَّارحِ المحلي رحمه الله، انتَهَى.
وسنذكر عنِ ابنِ الهُمامِ ما يُفيدُ هذا، انتَهَى.
ثمَّ قالَ الرَّمليُّ: كأَنْ أُفتِيَ شخص ببينونة زوجته في نحوِ تعليق، فنكَحَ أُختَها، ثمَّ أُفتِيَ بعدم البينونة، فأرادَ رُجوعه للأُولى وإعراضه عن الثانية من غير إبانتها، فهو ممتنع؛ لأنَّ كلَّا من الإمامين لا يقولُ به حينئذ، كما أوضَحَ ذلك الوالد رحمه الله في «فتاويه» رادا على مَن زعَمَ خِلافَه، مُغتَرًا بظاهرِ ما مرَّ، انتَهَى
يعني: ما مرّ من كلام ابن الحاجب وتابعيه.
وسأذكرُ إِنْ شاءَ اللهُ تعالى عن شرحِ التَّحرير» لتلميذ ابنِ الهُمامِ مَا يُوافِقُ قولَ العلامة ابن حجر، والمُحقِّقِ الرَّملي.
وإِنَّما قدَّمتُ كلامَهُما؛ لما فيه من زيادة الإيضاح، لبيانِ أَنَّ المُرادَ بالمنعِ المَنعُ في خُصوصِ العَينِ، أو بقاء أثر منَ الفعلِ السَّابِقِ يُؤدِّي إلى ما لا يقولُ به كلٌّ مِنَ الإمامين، وهو المُعبّر عنه بالتلفيق.
ولما فيه من رَدُّ ما يُتوَهَّمُ من ظاهر عبارةِ ابنِ الحاجب، ومن رَدُّ ما صرَّحَ به في شرح جمع الجوامع للشيخ خالد الأزهري رحمه الله مستنداً لذلك الإيهام؛ حيثُ قالَ: وإذا عمِلَ العامَّيُّ بقولِ مُجتهد في حادثة، فليس له الرجوع عنه إلى فَتَوَى غيرِه في مثل تلك الواقعة إجماعاً، كما نقله ابن الحاجبِ وغيره، انتهى عبارةُ الشَّيخ خالد رحمه الله.
وأنت ترى أنه ليس في كلامِ مَتْنِ جمع الجوامع، ولا كلام ابن الحاجب التصريح بالمنع عن مثل ما قلد فيه، بل احتمال له، ولنا أن نمنع ذلك الاحتمال، ونقول: ليس في كلام ابن الحاجب و جمع الجوامع إلا المنع عن الرجوع عن عين ما قلد فيه وعمل به؛ لأن عبارة ابن الحاجبِ التَّقليد هو العمل بقولِ الغير من غيرِ حجة، ثم قال: ولا يرجعُ عنه بعد تقليده اتفاقاً، وفي حكم آخرَ المُختارُ جَوازُه، لنا: القطع بوقوعه، ولم يُنكر، انتهى.
لأنَّ قولَه: «في حُكمِ آخر» يُراد به حادثةٌ أُخرى، أعم من أن تُمائِلَ ما فعله أو تُخالِفه، وإن أريد به ما يُخالِفُه فقط، قلنا: المنع، وكذا الكلام على عبارة جمع الجوامع. وسنذكر ما يُحقق هذا إن شاء الله تعالى، فهذا قد علمت به جواز التقليد بعد العمل في جنس ما عمل بخلافه، ثمَّ رأيتُ مُوافقة هذا من مُؤلَّف للسَّيِّدِ الإمام الشريف عليّ السَّمْهُودِيِّ الشَّافعي، سمَّاه «العِقْدَ الفريد في أحكام التقليد»: المختارُ أنَّ كلَّ مسألة اتَّصَلَ عَمَلُه بها فلا مانع من اتباع غير مذهبه الأوَّلِ، وبه يُعلَمُ ما في حكاية إطلاق الاتفاق على المَنعِ، ولعلَّ المُرادَ اتَّفَاقُ الأصوليين. ثمَّ إِنْ كانَ المُرادُ من مَنعِ الرُّجوعِ، حيثُ عمل في الواقعة غير تلك الواقعة المنقضية، لا ما يحدث بعدها من جنسها، فهو ظاهِرُ؛ كَحَنَفَي سلَّمَ شُفعةً بالجِوارِ عملاً بعقيدته، ثمَّ عن له تقليدُ الشَّافِعِيِّ حتّى ينزع العقار ممَّن سلَّمه له، فليس له ذلك، كما أنَّه لا يُخاطَبُ بعد تقليده للشَّافعيّ بإعادة ما مضى من عباداته التي يقولُ الشافعي بطلانها؛ لِمُضِيّها على الصِّحَّةِ في اعتقادِه فيما مضى.
فلو شرى هذا الحنفي بعد ذلك عقاراً آخر، وقلَّدَ الشَّافعيَّ في عدَمِ القَولِ بِشُفعةِ الجوار، فلا يمنعه ما سبقَ من أن يُقلّده في ذلك، فله أن يمتنع من تسليم العقارِ الثَّاني. فإنْ قالَ الآمدي وابنُ الحاجبِ ومَن تبعَهُما بالمَنعِ في مثل هذا، وعمَّمُوا ذلك في جميع صُوَرٍ ما وقع العمل به أولاً، فهو غيرُ مُسلَّم، ودَعوَى الاتفاق عليه ممنوعةٌ «الخادم»: أنَّ الإمامَ الطَّرسُوسي رحمه اللهُ حَكَى أَنَّه أُقيمَتْ صلاة الجمعةِ، وهَمَّ القاضي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ بالتكبير، فإذا طائر قد ذَرَقَ عليه، فقال: أنا حنبلي، ثمَّ أحرم، ودخل في الصَّلاةِ، انتَهَى.
قلتُ: ومَعلومٌ أَنَّه إنَّما كانَ شافِعِيّا يتجنَّبُ الصَّلاةَ بذرقِ الطَّائِرِ، فلم يمنعه عمله؛ أي: السَّابِقُ بمذهبه في ذلك من تقليد المُخالفِ عند الحاجة إليه.
وفي «الخادمِ» أيضاً أنَّ القاضي أبا عاصِمِ العامري الحنفي كانَ يُفتي على بابِ مسجدِ القَفَّالِ، والمُؤذِّنُ يُؤذِّنُ المغرب، فترك ودخَلَ المسجد، فلما رآه القَفَّالُ، أمر المُؤذِّنَ أن يُثنّيَ الإقامة، وقدَّمَ القاضي، فتقدَّمَ وجهَرَ بالبسملة مع القراءة وأتى بشعارِ الشَّافعيَّةِ في صَلاتِه، انتهى.
ومعلوم أنَّ القاضي أبا عاصِمٍ، إِنَّما يُصلِّي قبل بشعارِ مَذهَبِه، فلم يمنعه سبق عَمَلِهِ بِمَذهبه في ذلك أيضاً.
ثمَّ قالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ: ثمَّ رأيتُ في فَتاوَى التَّقيِّ السُّبكي»، أَنَّه سُئِلَ عن ذلك في ضمن مسائل، إلى أنْ قالَ السُّبكي: ودَعوَى الاتِّفاقِ فيها نظر، وفي كلام غيرهما ما يُشعِرُ بِإِثْبَاتِ الخلافِ بعد العمل أيضاً.
وكيف يمتنعُ إذا اعتقد صحته، ولكِنَّ وَجهَ ما قالاه، أنَّه بالتزامه مذهب إمامٍ يُكلَّفُ به، ما لم يظهَرْ له غيرُه، والعامي لا يظهَرُ له الغَيرُ، بخلافِ المُجتَهدِ، حيثُ ينتقل من أمارة إلى أمارة.
هذا وجه ما قاله الآمدي وابنُ الحاجب، ولا بأس به، لكنني أرى تنزيله على خصوص العين، فلا يبطل عَينُ ما فعله، وله فعل جنسه بخِلافِه، انتَهَى عبارةُ السَّيِّدِ مُلخصاً.
واعلم أيضاً أنَّه يجوز العمل بجملة مسائل، كلُّ منها على مذهَبِ إِمَامٍ مُستقل؛ لما علمته، ولقولِ العلامة ابن الهمام: وهل يُقلِّدُ غيرَه»؛ أي: غيرَ مَن قلَّدَه أَوَّلاً في شيء في غيره»؛ أي: غير ذلك الشَّيء، كأن يعمَلَ أَوَّلاً في مسألةٍ بقولِ أبي حنيفة، وثانياً في أُخرَى بقولِ مُجتهد آخر؟
المختارُ» كما ذكره الآمدي وابنُ الحاجب: «نعم؛ للقطع» بالاستقراء التام بأَنَّهم؛ أي: المُستفتين في كل عصر من زَمَنِ الصَّحابة، وهلُمَّ جَرًّا كَانُوا يستفتُونَ مرَّةً واحِداً ومرَّةً غيرَه، غير مُلتزمين مُفتِياً واحداً»، وشاع وتكرر، ولم يُنكَرْ، انتَهَى. كذا في شرح ابنِ أمير حاج.
قلتُ: وفي هذا بيان منه أنَّ المُرادَ منَ المنعِ منعُ التَّقليدِ في جنسِ فيُناقِضُ ما مضى، إلا أن يُحمَلَ ما في هذا على غيرِ المُختارِ، ولا يمنع منه دَعوَى الإجماع؛ لما تقدَّمَ من عدم تسليمه، وحمل المنعِ على بقاء أثرٍ يُؤدِّي إلى الجمعِ بين ما لا يقولُ به كلُّ منَ الإمامَينِ المُقلَّدَينِ، فليتنبه له؛ إذ السُّؤالُ وعَدَمُ التزامِ مذهب شامل للعمل ثانياً، بخلاف ما عمِلَ أَوَّلاً.
وقد أفادَ العلامة ابنُ الهُمامِ جواز تتبع رُخَصِ المذاهبِ كما سنذكُرُه، وهذا كما قال المحقق العلامة شمسُ الدِّينِ الرَّملي: نقل القرافي الإجماع على تخييرِ المُقلِّدِ بين قولي إمامه على جهةِ البَدَلِ، لا الجمع، إذا لم يظهر له ترجيح أحدهما، ولعله أرادَ إجماع أئمة مذهبه، وإلَّا؛ فمُقتَضَى مذهبنا - يعني معاشرَ الشَّافعيّةِ ـ كما قاله السُّبكي منع ذلك في القضاء والإفتاء دونَ العمل لنفسه، انتَهَى.
قُلتُ: ومذهب الحنفيَّةِ المنع عن المرجوح حتَّى لنفسه؛ لكون المرجوح صارَ منسوخاً، انتهى.
ثمَّ قال: وبه يُجمَعُ بينَ قولِ الماوَرْدِي: يجوز عندنا - وانتصر له الغزالي - كما يجوز لمن أداه اجتهاده إلى تساوي جهتين أن يُصلِّيَ إلى أيهما شاءَ إجماعاً. وقول الإمام - أي: إمام الحرمين: يمتنع إنْ كانا في حُكمَينِ مُتضادَّينِ؛ كإيجاب وتحريم، بخلافِ نحو خصال الكفَّارة.
وأجرى السبكي ذلك، وتبعوه في العملِ بخلاف المذاهب الأربعة؛ أي: ممَّا علمت نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده.
وحمل على ذلك قول ابنِ الصَّلاحِ: لا يجوز تقليد غيرِ الأئمة الأربعة؛ أي: في قضاء أو إفتاء، ومحلُّ ذلك وغيره من سائرِ صُورِ التَّقليد، ما لم يتَتَبَّع الرُّخَصَ بحيثُ تنحل ربقةُ التَّكليف من عُنُقِه، وإِلَّا؛ أثِمَ به، بل قيل: يفسق، وهو وجيه، قيل: ومحل ضعفه أن يتبعها من المذاهبِ المُدوّنة، وإلا فَسَقَ قَطعاً، انتَهَى.
وقال العلامة ابنُ قاسم في حاشيته»: قوله: «دونَ العمل لنفسه»؛ أي: ممَّا يُحفَظُ. قوله: «أي: ممَّا علمتَ ... إلخ، قد يُشكِلُ معَ فرضِ علمِ النِّسبةِ، الشُّروط الفرق بين المذاهب الأربعةِ وغيرها، في تقييد غيرها بغير القضاء والإفتاء، كما هو قضية هذا الكلام. قوله: «بل قيلَ: فَسَقَ .... إلخ، الأوجَهُ خِلافُه. انتَهَى عبارة المرحوم ابن قاسم.
وسنذكر إن شاء الله تعالى وَجهَ ذلك، وتقييده برُخَصِ تُخالِفُ الكتاب أو السُّنَّةَ المشهورة عن القرافي.
ثمَّ عُدنا إلى ما وَعَدْنا به من كلامِ العلامة ابن أمير الحاج، شارح «تحرير أُستاذه المُحقِّقِ الكَمال ابن الهمام، وقد اختَصَرَه الشَّارِحُ الثَّاني، وهو السَّيِّدُ بادشاه فقالَ: مسألة: «لا يرجعُ المُقلِّدُ فيما قلَّدَ فيه من الأحكام أحداً منَ المُجتَهدِينَ؛ «أي: عَمِلَ به، تفسير لـ «قلد»، والضمير المجرور راجع إلى الموصولِ «اتّفاقاً»، نقل الآمدي وابنُ الحاجبِ الإجماع على عدَمِ جَوازِ رُجوعِ المُقلِّدِ فيما قلَّدَ فيه. وقال الزركشي: وليس كما قالا، ففي كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلافِ بعد العمل أيضاً. وهل يُقلّد غيرَه؛ أي: غيرَ مَن قَلَّدَه أَوَّلاً في حكم «غيره؛ أي: غير الحكم الذي عمل به أَوَّلاً؟
«المختارُ» في الجواب: «نعم»، يُقلّد غيره في غيره، تقدير الكلام: المختار جواز التقليد لغيره في غيره للقطع» بالاستقراء بأنَّهم»؛ أي: المُستفتين في كل عصر من زمان الصحابة إلى الآنَ كانُوا يستفتونَ مرَّةً واحداً منَ المُجتهدين، ومرة غيره؛ أي: غير المُجتهدِ الأَوَّلِ حال كونهم غير مُلتزمين مفتياً واحداً، وشاع ذلك من غير نكير.
وهذا إذا لم يلتزم مَذهَباً مُعيَّناً، فلو التزم مذهباً مُعيَّناً؛ كأبي حنيفة أو الشافعي، فهل يلزم الاستمرار عليه؟ فلا يُقلّد غيره في مسألة من المسائل أم لا؟ فقيل: يلزم»، كما يلزمه الاستمرار في حكم حادثةٍ مُعيَّنةٍ قلَّدَ فيه، ولأنَّه اعتقد أنَّ مذهبه حقٌّ، فيجب عليه العمل بموجب اعتقاده، وقيل: لا يلزم، وهو الأصح؛ لأنَّ التزامه غيرُ مُلزم؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يُوجب على أحدٍ أن يتمَذْهَبَ بمذهب رجل من الأئمة، فيُقلده في كل ما يأتي ويذَرُ دون غيره.
والتزامه ليس بنذر حتى يجب الوفاء به، قلتُ: ولو نذره، لا يلزمه كما لا يلزمه البحث عن الأعلم وأسد المذاهب على المُعْتَمَدِ، قالَه السَّيِّدُ السَّمهودي. وقالَ ابنُ حَزْمٍ: إِنَّه لا يحِلُّ لحاكم ولا مُفت تقليد رجلٍ، فلا يحكُمُ ولا يُفتي إلا بقولِه، وقولُ ابنِ حزمٍ لم يُؤخَذْ به.
وهو كما حكي عنه من دعواه الإجماع على أنَّ مُنتَّبَعَ الرُّخَصِ فاسق، وهو مردود بما أفتى به الشَّيخُ المُتَّفَقُ على علمه وصَلاحِه، العلامة عز الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلام في فتاويه»: لا يتعيَّنُ على العامي إذا قلَّدَ إماماً في مسألةٍ أن يُقلّده في سائر مسائل الخلافِ؛ لأنَّ النَّاسَ من لدُنِ الصَّحابة إلى أن ظهرَتِ المذاهب يسألُونَ فيما يسنَحُ لهم العلماء المُختلفين من غير نكير.
وسواء اتَّبَعَ الرُّخَصَ في ذلك أو العزائم؛ لأنَّ مَن جَعَلَ المُصيبَ واحداً - وهو الصَّحيحُ - لم يُعيَّنه، ومَنْ جَعَلَ كلَّ مُجتهد مُصيباً، فلا إنكار على مَن قلَّدَ الصواب.
وقال أيضاً: وأما ما حكاه بعضُهم عن ابنِ حَزمٍ من حكايته الإجماع على منعِ تتبعِ الرُّخَص من المذاهب، فلعله محمول على من تتبعها من غير تقليد لمن قال بها، أو على الرُّخَضِ المُركَّبةِ في الفعل الواحدِ، كذا في «العقد الفريد في أحكامِ التَّقليد» للسَّيِّدِ عليِّ السَّمْهُودِي الشَّافعيّ. بل قيل: لا يصح للعامي مذهب؛ لأن المذهب لا يكون إلا لمن له نوع. نظر وبصيرة بالمذهب، أو لمن قرأ كتاباً في فروع مذهب، وعرف فتاوى إمامه وأقواله.
وأمَّا مَن لم يتأهل لذلك، بل قال: أنا حنفي، أو شافعي، لم يصِرْ من أهلِ ذلك المذهب بمُجرَّدِ هذا، كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي، لم يصر فقيهاً أو نحوِيًّا. وقال الإمام صلاحُ الدِّينِ العلائي: والذي صرَّحَ به الفُقَهَاءُ في مشهورِ كتبهم جواز الانتقال في آحادِ المسائل، والعمل فيها بخلاف مذهبه، إذا لم يكُنْ على وجهِ التَّتَّبِعِ ِللرُّخَصِ، انتَهَى.
قلت: والمُرادُ بخِلافِ مذهبه المسائل التي عمل بها، لا التي اعتقدها بدونِ عمَلِ؛ لقولِ الكَمالِ ثمَّ حقيقةُ الانتقال - أي: عنِ المَذهب ـ إنَّما يتحقق في حكم مسألة خاصة، قلّد فيه وعمل به، وإلَّا؛ فقوله: قلدتُ أبا حنيفة رحمه الله تعالى فيما أفتى به من المسائل مثلاً، والتَزَمْتُ العمل به على الإجمال، وهو لا يعرِفُ صُوَرَها، ليس حقيقة التقليد، بل هذا حقيقة تعليق التَّقليد، أو وَعدٌ به، كأَنَّه التَزَمَ أَن يعمَلَ بِقَولِ
أبي حنيفة بما يقع له من المسائل التي تتعيَّنُ في الوقائع.
فإن أرادوا - يعني: المشايخ القائلينَ منَ الحنفية بأنَّ المُنتقل من مذهب إلى مذهب آثم يستَوجِبُ التَّعزير - إنْ أرادوا هذا الالتزام، فلا دليل على وُجوبِ اتَّبَاعِ المُجتهدِ المُعين بإلزامه نفسه ذلك قولاً أو نيَّةً شرعاً - قلتُ: وكذلك لا يلزم بالعمل على الصحيح كما تقدَّمَ، انتهى - بل الدَّليلُ اقتضى العمَلَ بقولِ المُجتَهدِ فيما إذا احتاج إليه بقوله تعالى: {فَسْألوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، والسُّؤال إنَّما يتحقق عند طلبِ حُكم الحادثة المُعيَّنة حينئذ، إذا ثبَتَ عنده قولُ المُجتهد، وَجَبَ عمله به انتهى، كما نقله السَّيِّدُ على السَّمْهُودِيُّ رحمه الله.
ثمَّ قالَ السَّمْهُودِيُّ: وإذا أفتاه مُفتيان واختلفا، يُخيَّرُ على الأظهَرِ، انتهى.
وقيل: المُلتزم كمَن لم يلتزم بمعنى أنه إنْ عَمِلَ بحكم تقليداً لمجتهد لا يرجع عنه؛ أي: عن ذلك الحكم، وفي غيره؛ أي: غير ذلك الحكم، له تقليد غيره من المجتهدين وهذا القول في الحقيقة تفصيل لقوله: (وقيل: لا، قالَ المُصنِّفُ؛ يعني: ابن الهمام: (وهو)؛ يعني: هذا القول الغالب على الظَّنِّ»، كنايةٌ عن كمال قُوَّتِه، بحيث جعل الظَّنَّ مُتعلّقاً بنفسه، فلا يتعلّق بما يُخالِفُه، ثمَّ بَيَّنَ وجَهَ عَلَيْتِهِ بِقَولِه: العَدَمِ ما يُوجِبُه، أي: لزوم اتباع من التزم تقليده «شرعاً»؛ أي: إيجاباً شَرْعيًّا؛ إذ لا يجب على المقلد إلا اتِّباعُ أهل العلم؛ لقوله تعالى: {فَسألوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 443، وليس التزامه منَ المُوجِباتِ شَرْعاً، ويَتَخرَّجُ» أي: يُستنبط منه»؛ أي: من جواز اتِّباع غير مُقلّده الأوَّلِ، وعدم التضييق عليه جواز اتباعه رُخَصَ المذاهب»؛ أي: أخذه من المذاهب ما هو الأهون عليه فيما يقعُ من المسائل، ولا يمنع منه مانع شرعي؛ إذ للإنسان أن يسلَّكَ المَسلَكَ الأخَفَّ عليه إذا كانَ له، أي: للإنسان، إليه أي: ذلك المسلكِ الأخَفٌ، «سبيل».
ثمَّ بَيَّنَ السَّبِيل بقوله: «بأن لم يكُنْ عمِلَ بآخر، أي: بقول آخر مخالفاً لذلك الأخف «فيه» أي: في ذلك المحلِّ المُختَلَفِ فيه، انتهى عبارةُ السَّيِّدِ بادشاه. وقال ابن أمير حاج عقب كلامِ الماتنِ ابنِ الهُمام في هذا المحل ما نصه: وقالَ أيضاً ـ يعني: شيخه ابن الهمام في «شرح الهداية، عقب ما قدمناه من بيان حقيقة الانتقال: والغالبُ أنَّ مثل هذه - يعني: التشديدات التي ذكَرُوها، فقالوا: المُنتَقِلُ من مذهب إلى مذهب باجتهادٍ وبُرهانِ آثِمٌ يستَوجِبُ التَّعزير، فبلا اجتهاد وبُرهان أولى، ولا بد أن يُراد بهذا الاجتهادِ معنَى التَّحري وتحكيم القلب؛ لأنَّ العامي ليس له اجتهاد، فتلك التشديدات ـ إلزامات منهم - أي: المشايخ ـ لكَفُّ النَّاسِ عن تتبع الرخص، وإلَّا؛ أخَذَ العاميُّ في كل مسألة بقولِ مُجتهد يكون قوله أَخَفَّ عليه. وأنا لا أدري ما يمنع هذا منَ العقل والسمع، وكونُ الإنسان يتبع ما هو أخفُ على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمتُ منَ الشَّرع ذمّه عليه، انتهى عبارة ابن أمير حاج. قلت: لكن تقييد الكَمالِ في تحريره سلوك الأحفٌ بعدَمِ العمل بما يُخالفه قبله، يمنعُ التَّقليد في مثل الحكم على غير المذهَبِ الذي قلده أولاً، فيعود على ما جنح إليه المُحقق بالنقض؛ لأنه يرجع إلى جواز التقليد في شيء لم يكن عمل بما يُخالفه، وفيه منع وتشديدٌ ومُخالفة لما هو منصوص عليه في المذهب، بخلافه، كما سنذكره عن المُحقِّقِ ابن الهمام نفسه نصا، كما هو مقتضى إطلاقه هنا فيما نقل عنه تلميذه.
فلا يتجه المنعُ إلَّا في خُصوص عين ما فعله؛ لأنه لا يملك إبطاله بإمضائه، كما لو قضى به، ولا يتجه المنعُ في خُصوص الجنس، وهو الذي يقتضيه نص قوله: وكان يُحِبُّ ما خُفِّفَ عليهم؛ إذ لا يُناسِبُهُ التَّقييدُ بِعَدَمِ العَمَلِ بما قلَّدَ فيه؛ لأنَّه ليس فيه حينئذ تخفيفٌ؛ لأنَّ التَّخفيف في العمل بما يُنافي العمل السَّابق من جنيه مقلّداً لإمام آخر، خُصوصاً معَ العُدْرِ، وليس فيه تعلق بما مضى، كما بَيَّنَّاه، انتهى.
ثمَّ قالَ الشَّارحُ: «وكانَ لا يُحِبُّ ما خُفِّفَ عليهم»، في «صحيح البخاري» عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: «عنهم، وفي رواية بلفظ: «ما يُخفَّفُ عنهم» أي: أمَّتِه. وذكروا عِدَّةَ أحاديث صحيحة دالة على هذا المعنى.
قلتُ: وذلك لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، ورَوَى الشَّيخان وغيرهما حديث: «إِنَّما بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ ولم تُبعَثُوا مُعسِّرِينَ». ولأحمد بسند صحيح: «خيرُ دينِكُم أَيسَره.
ورَوَى الشَّيخُ نصر المقدسي في كتابِ الحُجَّةِ» مرفوعاً: «اختِلافُ أُمَّتِي رحمة».
ونقله ابن الأثيرِ في مُقدِّمة «جامعه» من قول مالك، وفي المدخل للبيهقي عن القاسم بن محمد أنّه قال: اختلافُ أُمَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم رحمة.
ويترجح ما قاله بعضُهم على حمله على الاختلافِ في الأحكام بما في «مسندِ الفردوس عن ابنِ عباس مرفوعاً: «اختِلافُ أصحابي لكم رحمة»؛ لأنَّ في «المدخل للبيهقي: أن عمر بن عبد العزيز قالَ: ما يسرني أنَّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختَلِفُوا؛ لأنَّهم لو لم يختَلِفُوا لم تكُنْ رُخصَةٌ.
وأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في حديثٍ لابنِ عباس رضي الله عنهما قال فيه: «إِنَّ أصحابي بمنزلة النُّجومِ، فأيُّما أخَذْتُم به اهتَدَيْتُم، واختلافُ أصحابي لكُم رَحمةٌ، قلتُ: واختِلافُ الصَّحابة هو مَنشأُ اختِلافِ الأُمَّةِ.
ولما أرادَ هارونُ الرَّشيدُ حملَ النَّاسِ على مُوطَّأ مالك، كما حمل عثمانُ النَّاسَ على القُرآنِ، قال له مالك: ليسَ إلى ذلك سبيل؛ لأنَّ أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم افتَرَقُوا بعده في الأمصار فحَدَّثوا، فعند أهل كلّ مصر علم، وقد قال: «اختِلافُ أُمَّتِي رحمة».
وهذا كالصَّريح في أنَّ المُرادَ الاختِلافُ في الأحكام، قاله السَّيِّدُ علي السَّمْهُودِيُّ رحمه الله.
وقال الكمال في «فتح القدير» من باب الاعتكاف: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأناةَ والرفق في كل شيء، حتى طلبه في المشي إلى الصَّلاةِ، وإِنْ كانَ ذلك يُفوِّتُ بعضَها معه بالجماعة، وكرة الإسراع، ونهى عنه، وإنْ كانَ ذلك مُحصلاً لها كلها في الجماعة؛ تحصيلاً لفضيلة الخُشوع؛ إذ هو يذهَبُ بِالسُّرعةِ، انتهى.
قلت: وهو معنى حديث في الجامع الصغير للسيوطي عن عُمر مرفوعاً: أفضَلُ أُمَّتي الذين يعملُونَ بِالرُّخَص»، انتَهَى.
ثم قال السيد بادشاه شارح «التحرير»، وما نقل عن ابن عبد البر من أنَّه لا يجوز للعامي تتبعُ الرُّخَص إجماعاً، فلا نُسلّمُ صِحةَ النَّقل عنه، ولو سلم، فلا نُسلّمُ صِحةَ دَعوَى الإجماع، كيف وفي تفسيق المتتبع للرخص روايتان عن أحمد؟ وحمل القاضي أبو يعلى الروايةَ المُفسِّقة على غيرِ مُتأَوّل ولا مُقلّد وقيده» أي: جواز تقليد غير مُقلّده «مُتأخر» وهو العلامة القرافي «بأن لا يترتب عليه» أي: تقليد الغَيرِ ما يمنعانه» بإيقاع الفعل على وَجهِ يُحكم ببطلانه المُجتهدان معاً؛ لمخالفته الأوّلَ فيما قلّد فيه غيره، والثاني في شيء مما يتوقف عليه صحة ذلك العمل عنده.
فالموصول عبارة عن إيقاع الفعل على الوجه المذكور، والضمير المفعول للموصول، ثمَّ أشار إلى تصوير هذا التلفيق بقوله: «فَمَن قلَّدَ الشَّافعي في عدَمِ» فرضيَّةِ الدَّلكِ» للأعضاء المغسولة في الوضوء والغُسل، وقلد «مالكاً في عدَمِ نَقض اللمس بلا شهوة للوضوء وصلَّى، إِنْ كَانَ الوُضوءُ بذلك صحت صلاته عند مالك، وإلا»؛ أي: وإن لم يكن بذلك «بطَلَتْ عندهما»؛ أي: مالك والشافعي.
ولا يخفى أنَّه كانَ مُقتَضَى السَّياق أن يذكُرَ: بطلتْ عندهما، من غيرِ ذكرِ الشَّرطِ والجزاء؛ لأنَّه قد عُلِمَ مِنَ التَّقليدَينِ أنَّ المُقلّد المذكورَ تَرَكَ الدَّلكَ، ولمَسَ بلا شهوة، ولم يُعِدِ الوضوء، لكنَّه أرادَ أن يُشير إلى أنَّ تَقْلِيدَ الشَّافعي في عدم فرضيَّةِ الدَّلكِ، لو وقع. منه الدَّلكُ معَ عدَمِ اعتقادِ فرضيَّته، تصح صلاته عند مالك. فإِنْ قُلتَ: على هذا كانَ ينبغي أن يذكُرَ شرطيَّةٌ أُخرَى في تقليد مالك؟
قلتُ: اكتفى بذلك؛ لأنَّه يُعلَمُ بالمُقايسة، واعتُرِضَ عليه بأنَّ بُطَلانَ الصُّورة المذكورة عندَهما غيرُ مُسَلَّم؛ فإنَّ مالِكاً مثلاً لم يقُلْ: إِنَّ مَن قلَّدَ الشَّافعي في عدَم الصَّداق إِنَّ نكاحه باطِلٌ، ولم يقُلِ الشَّافعيُّ: إِنَّ مَن قَلَّدَ مَالِكاً فِي عدَمِ الشُّهُودِ إِنَّ نکاحه باطِلٌ، انتهى.
وأُورِدَ عليه أنَّ عَدَمَ قولهما بالبطلان في حقٌّ مَن قلَّدَ أحدهما، وراعى مذهبه في جميع ما يتوقَّفُ عليه صِحَّةُ العمل، وما نحنُ فيه مَن قلَّدَهُما وخالف كلا منهما في شيء، وعدم القول بالبطلان في ذلك، لا يستَلزِمُ عدَمَ القَولِ به في هذا.
وقد يُجاب عنه بأنَّ الفارق بينهما ليسَ إلَّا أنَّ كلَّ واحدٍ مِنَ المُجتَهدين لا يجد في صورة التلفيق جميع ما شرط في صحتِها، بل يجد بعضها دون بعض، وهذا الفارقُ لا نُسلّم أن يكونَ مُوجِباً للحكم بالبطلان، وكيفَ نُسلّمُ والمُخالفة في بعض الشُروطِ أهوَنُ منَ المُخالفة في الجميع؟ فيلزم الحكمُ بالصَّحَّةِ في الأهونِ بالطَّرِيقِ الأَوْلى، ومَن يدعي وُجودَ فارق آخر، أو وجود دليل آخر على بطلانِ صورةِ التَّلفيقِ على خلافِ الصُّورة الأولى، فعليه بالبرهان.
فإن قلت: لا نُسلّم كونَ المُخالفة في البعض أهوَنَ مِنَ المُخالفة في الكلِّ؛ لأنَّ المخالف في الكُل تبعَ مُجتهداً واحداً في جميع ما يتوقف عليه صحة العمل، وهاهنا لم يتبع واحِداً؟ قلتُ: هذا إنَّما يتمُّ لك إذا كانَ معَكَ دليلٌ من نص أو إجماع، أو قياس قوي يدلُّ على أنَّ العمل إذا كانَ له شروط يجب على المُقلَّدِ اتِّباعُ مُجتهدٍ واحدٍ في جميعِ ما يتوقف عليه ذلك، فائتِ به إنْ كنتَ منَ الصَّادِقِينَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، انتَهَى كلامُ السَّيِّدِ بادشاه رحمه الله.
وأقول: لا يخفى أنَّ السَّيِّدَ رحمه الله يدّعي صِحةَ التَّلفيق، وغيره ينفيه، والنافي لا يحتاجُ لدليل؛ لأنَّه يهدِمُ دليل المُدَّعي، حتَّى يُقيمَ البُرهان الجليَّ، ولا بُدَّ من وُجودِه
فالمطلوب إثباتُ دليل لجواز التلفيق، ولم نجده في كلامِ السَّيِّدِ.
ووجدنا في كلام ابن الهمام أنه يتخرج من جواز الباع المُقلد غير من قلده أولاً، ومن عدَمِ التضييق عليه جَوازُ اتباعِه رُخَص المذاهب من غيرِ مانعِ شرعي، انتَهَى.
فنقولُ: إِنَّ تلكَ الرُّخَصَ جُزئيَّاتُ المسائل، لا أَجْزَاؤُها؛ كمسألة المُزارعةِ والمساقاة، قال الإمامُ الأعظَمُ ِبعَدَمِ جوازهما، وقال صاحباه بالجواز، وفرَّعَ الإمامُ الأعظَمُ صُوَرَ الصِّحَّةِ بشُروطِها على قول صاحبيه، وبَيَّنَ الصُّوَرَ التي لا تصح لفَقْدِ شرطها، وذلك لعلمه احتياج النَّاسِ إلى الأخذ بقولهما، فلو جازَ التَّلفيق ما اشتَرَطَ للصَّحَّةِ شُروطاً، وما حكَمَ ببطلانِ الصُّورِ التي فُقِدَت فيها الشُّروط.
ولذا نص أئِمَّتُنا على أنَّ مِن شرطِ صِحَّةِ الاقتداء بالمُخالفِ، أَلَّا نُشَاهِدَ منه ما يمنَعُ صِحةَ الاقتداء به عندَنا؛ كما لو سال منه دم بعد الوضوء، أو كانَ عليه مني كثير، ولم يتوضأ بعد ذلك، ولم يغسل المني، فلو جاز التلفيق، ما اشترطوا ذلك.
فإِذَنْ الرُّخَصُ التي تُتَّبِعُ منَ المذاهب؛ كصِحَّةِ البيع بالتعاطي، والنكاح بلا ولي، والنكاح بشهادةِ امرأتين ورجُلٍ فُسَّاق، وصِحَّةِ الصَّلاةِ مَعَ لمسِ المرأةِ والذَّكَرِ مَعَ وُجودِ ما يُبتَنَى عليه ذلك.
وكتقليد الإمام الشافعي رحمه الله في أنَّ الكِناياتِ رَواجِعُ، وفي صِحَّةِ التوضؤ بماءٍ فيه نجس وقد بلغ قلتين، ولم يظهر فيه أثره، وصِحَّةِ الصَّلاةِ بعد خروج دم وقيء، وفي ثوبه كثير مني.
وكتقليد الإمام مالك رحمه الله في أنَّ الماء وإنْ قُلْ لا ينجُسُ إِلَّا بِالتَّغير، وفي طهارةِ الأَزْواثِ، ولُعَابِ الكِلابِ، وباقي المسائلِ المُجتهد فيها.
فإذا لم يكن نكاح الحنفي صحيحاً على ما يراه الإمام الشافعي، لا يقول بجواز مُراجعته لمن أبانَها بكناية، لفَقدِ النِّكَاحِ مِن أصله على أصله.
ولذا قال أئمَّةُ الحنفيَّةِ: إِنَّ هذا الزَّوجَ لو طلقها ثلاثاً، له أن يستحكم الشَّافعي في إبطاله ذلك النكاح، وإلغاء الطلاق الحاصل فيه، وإِنَّما احتيج للحكم؛ لأنَّ المُقلد في شيء لا يملك إبطاله بعينه؛ لأنَّ إمضاء الاجتهادِ لا يُنقَضُ باجتهادٍ آخر، بخلافِ حكم الحاكم؛ فإنَّ المقضي عليه بخلاف ما كان يراه، له الأخذ بالحكم وتركُ رأيه، كما سنذكره. فالجزئيات مشروطة بشروطها عند القائل بها، ينتفي بانتفائها، وتُوجَدُ بوجودِها، فلا تجد شيئاً حالة التلفيق.
ولذا قال العلامةُ المُحقِّقُ قاسمٌ في ديباجة «تصحيح القُدوري» ما نصه: لا يصح التقليد في شيءٍ مُركَّب باجتهادين مختلفين بالإجماع؛ كما إذا توضأ ومسَحَ بعض الرَّأْسِ، ثمَّ صلَّى بنجاسةِ الكلب.
قال في كتابِ توقيف الحُكّام على غَوامِض الأحكام: بطلتْ بالإجماع، وقال فيه: والحكمُ المُلفّقُ باطل بإجماع المسلمين، فلو أثبت الخط مالكي، فحكم الشافعي، لم ينفذ، وذكر مثلاً آخر وقال: وكثيرٌ من جَهَلةِ القُضاة يفعلون الحكم المُلفّقَ، انتَهَى ما قاله العلّامة قاسم تلميذُ خاتمةِ المُحققين ابنِ الهُمامِ رحِمَهُم الله. وحيثُ علمتَ الإجماع على أنَّه لا يجوزُ التَّلفيق، لا في التَّقليد ولا في العمل، ولا الحكم به، فلا تلتفت إلى ما فهمه صاحب «أنفَعِ الوَسائلِ» الطَّرَسُوسِيُّ، من نسبةِ التَّلفيقِ لحاكم صدَرَ منه الحكم بصحة وقف مُشتمل على حصّةٍ صَدَرَ منَ محجُورٍ، فحكم بصحته، وهو قاضي القضاةِ حُسامُ الدِّينِ الرّازي في سنة إحدى وثمانين وستّ مئة، ونفّذه حنبلي.
حيث قال الطَّرسوسيُّ: إنَّ الحكم المذكور في التحقيق، حُكم مُركَّب من مذهبَينِ، مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه لا يرَى الحَجْرَ بالسَّفَهِ، ومذهب أبي يوسُفَ، فَإِنَّ الوقف صحيح عنده، والحكم بنفاذ تصرُّف المحجور غير صحيح، وعند أبي حنيفة عکسه.
ثم قال: قلتُ: هذا مُشكِلٌ، لكن رأيتُ في «مُنية المفتي» مثل هذه الواقعة المُركبة من مذهبَينِ، وقد نصَّ فيها على الجواز، وصورة ما ذكره، قال: لو قضَى القاضي بشهادةِ الفُسَّاقِ على غائب، أو بشهادة رجل وامرأتين في النكاح على غائب، فإِنَّه ينفُذُ، وإنْ كانَ مَن يُجوِّزُ القضاء على الغائب يقولُ: ليس للفاسق شهادة، ولا للنساء في باب النكاح شهادة، هذه عبارة «المُنية»، فقد جعل الحكم وإِنْ كانَ مُركَّباً من مذهبين جائزاً.
فكذا نقول في هذه المسألة؛ لأنَّه حكَمَ بصِحَّةِ الوَقْفِ وإِنْ كانَ محجُوراً عليه بسَفَهِ، ومَن قالَ: إِنَّ تَصُرُّفَ المَحجورِ نافذ، لا يقولُ بِصِحَّةِ الوَقْفِ، ومَن يقولُ: إِنَّ الوقف صحيح، يقول: إنَّ تصرُّفَه بعد الحجرِ غير نافذ، فصارَتْ هذه المسألة كمسألة المنية»، فاندَفَعَ الإشكال، انتهى عبارة الطرسوسي.
ووَجْهُ ردُّ ما فهمه أنَّ الحاكم لم ينُصَّ على أنَّه لفّقَ حُكمه، وليس في المنية» ذلك، ولم يتمَحْض التلفيق طريقاً للحكم ليُحمل عليه؛ فإنَّ معنى قول «المُنية»: «وإنْ كانَ مَن يُجوِّزُ القضاء على الغائب .... إلخ؛ أي: من غير خلافٍ فيه عنده، وعندنا فيه اختلاف، أو يقولُ: «يجوز» بمعنى «يحِلُّ»؛ فإنَّه لا يلزمُ مِنَ النَّفاذِ الحِلُّ؛ فإنَّ الحكم على الغائب نافذ عند شمس الأئمة وغيره، كما ذكره العمادي، وشهادة الفاسِقِ يصح الحكم بها، وإن لم تحل.
والقاضي الرَّازِيُّ لا يُقدِمُ على حكم إلا وله فيه نوع اجتهاد؛ إذ لا يخلو ذلك العصر عن مثله، فنقول بأنَّه عمل فيها بمَذهَبِ الغَيرِ، إِنْ لم يتبع شمس الأَئِمَّةِ، وهو نافذ من المتعمد، وإنْ كانَ الفتوى الآنَ على عدمه؛ لحمله الآن على غيرِ الصَّلاحِ، ولا نحتاج إلى هذا؛ فإنَّ الإمامَ لا ينفي صِحَّةَ الوَقْفِ وجوازه، بل لزومه إلَّا بإحدى ثلاث معلومة في محلها، فقد حكَمَ الرّازي بمذهبه، فلا تلفيق، بل لا يجوز نسبةُ التلفيق للحاكم المذكور؛ لأنَّه خَرْقُ للإجماع، وحاشا أن يُوجَدَ من مثل هذا القاضي ذلك، وله منه مندوحةٌ، والله أعلَمُ.
وإنْ أورد وقف المشاع فيما ذُكِرَ، فَقَولُ أبي يوسف قد يكون روايةً عن الإمام بجوازه، وإن انتفى كونه روايةً عنه، فقد حكَمَ بمَذهَبِ أبي يوسف في المشاع ولم يمنعه الحجر؛ لعدم توفر شروطه المانعة، فلا تلفيق، وبالله التوفيق.
ولترجع إلى الكلام معَ السَّيْدِ بادشاه رحمه الله، فنقولُ: إِنَّهُ مَعَ التَّلفيق لا نجد شيئاً لنحكم عليه بالصَّحَّةِ أو الفَسادِ، وادعاء أهونيَّةِ التَّقليد في البعض منَ الكُل، يستلزم وجود موصوف ليُقال بوصفه بالأهونيَّة، ولا وُجودَ لشيء حالة التلفيق، فانتفى ادعاء الأَهْوَنيَّةِ، فلا نحتاجُ لإقامة دليل من نص ولا إجماع ولا قياس.
على أنَّا وَجَدْناه في كلامِ المُجتَهِدِ معَ الإجماع على منع التلفيق كما قدمناه، فلزِمَ حصول شروط من قلَّدَه، كما قال به العلامة القرافي رحمه الله، والله أعلم، انتَهَى. ثم قالَ السَّيِّدُ: وربَّحَ الإمامُ العَلائِيُّ القول بالانتقال؛ يعني: عن عين ما فعله فينقضه في صورتين، إحداهما: إذا كانَ مذهب غير إمامه أحوط؛ كما إذا حلَفَ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ على فعل شيءٍ، ثمّ فعل شيء، ثمَّ فعله ناسياً أو جاهلاً، وكانَ مَذهَبُ إمامه عدم الحِنْثِ، فأقامَ مَعَ زَوجَتِه عاملاً به، ثمَّ تحرَّجَ منه؛ لَقَولِ مَن يَرَى فِيهِ وُقوعَ الحِنْثِ؛ فإنَّه يُستَحَبُّ له الأخذُ بالأحوط والتزامُ الحِنْثِ.
والثانية: إذا رأى للقولِ المُخالفِ لمذهب إمامه دليلاً قويًّا راجحاً، إذ المُكلَّف مأمور باتباع نبيه، وهذا مُوافِقُ لِما رُوي عن الإمام أحمد والقُدوري، وعليه مشى طائفةٌ منَ العُلماء، منهم ابنُ الصَّلاحِ، وابن حمدان ـ وهو الأَذْرَعي -، انتهى عبارة السيد بادشاه، مختصر عبارة ابن أمير حاج، لكن مع زيادة ذلك البحث الذي علمت ما فيه من أمر التلفيق.
وقال ابنُ أمير حاج ما نصه: وقالَ الرُّوياني: يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها بثلاثة شروط: أنْ لا يجمع بينهما على صورة تُخالِفُ الإجماع؛ كَمَن تزوج بغيرِ صداق، ولا وليّ، ولا شُهود؛ فإنَّ هذه الصورة لم يقل بها أحد، انتهى.
قلتُ: وهذا مُؤَيَّد، بل نصّ، لما ذكرناه من دَفْعِ جوازِ التَّلفيقِ؛ لأنَّ الشَّيءَ ينتفي بانتفاء رُكنه، أو فَقْدِ شَرْطِه، انتهى.
ثم قال الروياني: وأن يعتقد فيمَن قلَّدَه الفَضْل بوصول أخباره إليه، ولا يُقلَّدَ أُمياً في عماية.
وأن لا يتتبَّعَ رُخَص المذاهب.
وتعقب القرافي هذا بأنَّه إن أرادَ بالرُّخَص ما يُنقَضُ فيه قضاء القاضي، وهو أربعة ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النَّصَّ، أو القياس الجلي، فهو حسَنُ مُتعين؛ فإنَّ ما لا نُقره مع تأكده بحكم الحاكم، فأولى أَلَّا نُقِرَّه قبل ذلك.
وإن أراد بالرُّخَص ما فيه سهولةٌ على المُكلّفِ كيفَما كَانَ، يَلْزَمُه أَن يكونَ مَن قلد الإمام مالكاً في المياه والأرواثِ، وترك الألفاظ في العُقودِ مخالفاً لتقوى الله، وليس كذلك، وتُعقِّبَ الأوَّلُ بإنَّ الجمع المذكور ليس بضائرِ؛ فإنَّ مالكاً مثلاً لم يقل: إنَّ مَن قلَّدَ الإمامَ الشَّافعيّ في عدم الصَّداق أن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكونَ أَنكحة الشافعية عنده باطلةٌ، ولم يقُلِ الشَّافعي: إِنَّ مَن قَلَّدَ الإمام مالكاً في عدَمِ الشُّهودِ أَنَّ نكاحه باطل، وإلَّا لِزِمَ أن تكونَ أنكحة المالكية بلا شُهود عنده باطلة.
قلتُ: لكن في هذا التوجيه نظرٌ غيرُ خافٍ، ومن المعلوم أنَّها لا تكون أنكِحَةً عند القائل بها إلا بشروطها، وإلا فليسَتْ أنكِحَةٌ، فانتَفَى جَوازُ التَّلفيق، انتهى. ووافق ابن دقيق العيدِ الرُّوياني على اشتراط أن لا يجتمع في صورة يقعُ الإجماع على بطلانها، وأبدلَ الشَّرطَ الثَّالث بأن لا يكون ما قلَّدَ فيه مما ينقضُ فيه الحكم لو وقع.
واقتصَرَ الشَّيخُ عز الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلام على اشتراط هذا، وقال: وإنْ كانَ المَأخَدَانِ مُتقارِبَينِ، جازَ.
والشَّرطُ الثَّاني انشِراحُ الصَّدِرِ للتَّقليد المذكور، وعدم اعتقادِه، لكونه مُتلاعِباً الدِّينِ مُتساهلاً فيه، ودليل هذا الشَّرطِ قوله: والإثم ما حاكَ في الصدر، ثمَّ قال: يعني أنَّ ما حاكَ في صدر الإنسان فهو إثْمٌ، وإنْ أفتاه غيرُه أَنَّه ليس بإثم.
وهذا إنَّما يكونُ إذا كانَ صاحبه ممَّن شُرِحَ صدره للإيمان، وكانَ المُفتي له يُفتي بمُجرَّدِ ظَنُّ أو ميل إلى هوًى من غير دليل شرعي. فأما ما كانَ معَ المُفتي به دليل شرعيٌّ، فالواجب على المُستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدرُه، وهذا كالرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ، مثلُ الفِطْرِ في السَّفَرِ والمَرَضِ، وقد كان أحياناً يأمرُ الصَّحابة بما لا ينشرح صدرُ بعضهم؛ كأمرِه بِنَحْرِ هَدْيِهم، والتّحلَّلِ من عُمرة الحديبية، ومُقاضاته لقُرَيش بأن يرجع من عامه، وعلى أنَّ مَن أتاه منهم يرده إليهم وبالجملة فما ورَدَ به نص ليسَ لمُؤمنِ إِلَّا طاعته، وتلقيه بانشراح صدرٍ، وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله، ولا عمَّن يُقتَدَى بقوله منَ الصَّحابة وسلَفِ الأُمَّةِ، فإذا وقع في نفس المُؤمِنِ المُطْمَئِنَّ قلبه بالإيمانِ، المُنشَرحِ صدره بنور المعرفة واليقين منه شيءٌ وحاكَ في صدره لشُبهة موجودة، ولم يجِدْ مَن يُفتي فيه بالرُّخَص إِلَّا مَن يُخبر عن رأيه، وهو ممن لا يُوثَقُ بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى، فهاهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المُفْتُونَ.
وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا.
بقي هل مُجرَّدُ وقوع جوابِ المُفتي وحقيقته في نفس المُستفتي يلزمه العمل به؟
فذهَبَ ابنُ السَّمعاني إلى أنَّ أُولى الأَوْجُهِ أنَّه يلزَمُه، وتعقَّبَه ابنُ الصَّلاحِ بأنَّه لم يجده لغيره.
قلتُ: وما ذكره ابن السمعاني يُوافِقُ ما في «شرح الزَّاهدي على مُختصر القدوري».
وعن أحمدَ العِياضي: العبرة بما يعتقده المُستفتي، فكل ما اعتَقَدَه من مذهب حل له الأخذ به ديانةً، ولم يحِلَّ له خِلافُه، انتَهَى.
وما في «رعاية الحنابلة»: ولا يكفيه ما لم تسكن نفسه إليه، وفي نفسه إليه، وفي «أُصولِ ابنِ مفلح»: الأشهر يلزَمُه بالتزامه، وقيل: ويظنُّه حقا، وقيل: ويعمل به، وقيل: يلزَمُه إِنْ ظنه حقاً، وإنْ لم يجِدْ مُفتِياً آخر لزِمَه، كما لو حكَمَ به حاكِمُ، انتَهَى يعني: ولا يتوقَّفُ ذلك على التزامه، ولا سكون نفسه إلى صحتِه، كما صرَّحَ به ابنُ الصَّلاحِ، وذكَرَ أَنَّه الذي تقتضيه القواعد.
وشيخنا المُصنِّفُ ـ يعني ابنَ الهُمام - على أَنَّه لا يُشترَطُ ذلك، لا فيما إذا وُجِدَ غيره، ولا فيما إذا لم يُوجَدْ، ثمَّ في غير ما كتاب من الكتب المذهبية - أي: الحنفية - المُعتبَرةِ، أَنَّ المُستفتي إِنْ أمضى قولَ المُفتي لزِمَه، وإلَّا فلا، حتَّى قالوا: إذا لم يكُنِ الرَّجُلُ فقيهاً فاستَفْتَى فقيهاً فأفتاه بحلالٍ أو حرام، ولم يعزم على ذلك؛ يعني: لم يعمل به حتَّى أفتاه فقيه آخَرُ بخلافه، فأخَذَ بقوله وأمضاه، لم يجُز له أن يترك ما أمضاه فيه، ويرجع إلى ما أفتاه به الأوَّلُ؛ لأنَّه لا يجوز له نَقْضُ ما أمضاه مُجتَهِداً كانَ أو مُقلّداً، لأنَّ المُقلَّدَ مُتعبَّدُ بالتَّقليد، كما أنَّ المُجتَهِدَ مُتعبَّدٌ بالاجتهاد.
ثمَّ كما لم يجز للمُجتهد نقضُ ما أمضاه، فكذا لا يجوز للمُقلّد؛ لأنَّ اتصال الإمضاء بمنزلة اتِّصالِ القَضاءِ، يمنعُ النَّقضَ، فكذا اتصال الإمضاء، انتهى عبارة العلامة ابن أمير حاج بنوع اختصارٍ. قلت: ومن ذلك ما قاله محمد رحمه الله في «إملائه»: لو أنَّ فقيهاً قالَ لامرأته أنت طالق، البتَّةَ، وهو ممن يراها ثلاثاً، ثم قضى عليه قاض بأنَّها رجعيَّةٌ، وسِعَه المُقام معها.
وكذا كل قضاء مما يختلفُ فيه الفُقَهاءُ من تحريم أو تحليل أو عتاق، أو أخذ مال أو غيره، ينبغي للفقيه المقضي عليه الأخذُ بقضاء القاضي ويدع رأيه، ويُلزِمَ نفسَه ما ألزمه القاضي، ويأخُذَ ما أعطاه.
قال محمد: وكذلك رجُلٌ لا عِلمَ له، ابتُلي ببليّة، فسأل عنها الفُقَهَاءَ، فأفتوه فيها بحلال أو حرام، وقضَى عليه قاضي المُسلمين بخلاف ذلك، وهو مما يختلفُ فيه الفُقَهاءُ، فينبغي له أن يأخُذَ بقضاء القاضي، ويدَعَ ما أفتاه الفُقَهَاءُ.
وإن قضى له قاض بحلال أو حرام، ثم رجع إلى قاض آخر فقضى له في ذلك بشيء بعينه، يُخالِفُ قضاء الأوَّلِ، وهو مما يختلفُ فيه الفُقَهَاءُ، أَخَذَ بقضاء الأوَّلِ، وأبطل قضاء الثاني؛ لأنَّ الحكم إذا وقع في موضع اجتهاد، لم يجز لقاض منَ القُضاة فسخه، ولا يُؤثر عليه حُكمُ الثَّاني، إلا أنْ يكونَ الأَوَّلُ لا يسوغ فيه الاجتهاد، فلا يُعتد به. وقال محمد: ولو أنَّ فقيهاً عالماً قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو يرى أنَّها ثلاث، وأمضى رأيه فيها فيما بينه وبينها، وعزَمَ على أنها حرمَتْ عليه، ثم رأى رأي عُمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك هو ا الصواب، وأنها تطليقةٌ واحدةٌ، يملك الرجعة، أمضى رأيه الذي كانَ عزَمَ عليه من امرأته، ولا يردُّها زوجةً برأي حدَثَ منه. ولا يُشبه هذا قضاء القاضي له بخلاف رأيه الأوَّلِ؛ لأنَّ قضاء القاضي يهدِمُ الرأي والرأي لا يهدِمُ الرَّأْيَ وإن كان يرى أن البنّة، رجعيَّةٌ، فعزَمَ على أنها واحدة يملِكُ الرَّجعة، فعزم على أنها امرأته، ثم رأى أنَّها ثلاث تطليقات، وأنَّها لا تحِلُّ له حتَّى تنكِحَ زَوجاً غيره لم تحرم، وكانت امرأته على حالها.
وهذا على ما قدمناه: أنَّه إذا عَزَمَ على إمضاء الاجتهاد، ولم ينفسِخُ باجتهادٍ آخر، كذا في شرح الكَرْخي على القُدوري رحمه الله، فنبَّه مَن ذَهَبَ عليه، فمَنَعَ مَن قَلَّدَ الإمام الأعظم في نقض وضوئه بخُروج الدَّمِ مثلاً في صلاة وطهارتها، من تقليده الإمام مالكاً في عدَمِ النَّقض به في صلاةٍ أُخرَى وطَهارتها، بما يُتوَهُمُ مِمَّا علمته من العبارات التي نقلناها، وبما قال في جامعِ الفُصولينِ: ولم يجز لحنفي أن يأخُذ بقول مالك والشافعي فيما خالف مذهبه، وله أن يأخُذُ بقَولِ قاضٍ حَكَمَ عليه بخِلافِ مذهبه، انتهى
لأنَّ المنع من تقليد الإمام مالك وغيره منَ الأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ إِنَّما هو على أحدِ الأقوالِ الثَّلاثةِ أَنَّه فيمَن التَزَمَ مذهباً مُعيَّناً أنَّه يلزَمُه، فلا يُقلِّدُ غيرَه في مسألة من المسائل.
والأصح أنَّه لا يلزَمُه كما قدَّمناه عن شارحي «التحرير»، أو هو على ما إذا بقي من آثارِ العَمَلِ السَّابِقِ ما يمنعُ اللَّاحِقَ كما قدَّمناه، وليس العمل بما يُخالِفُ ما عمله إبطالاً لعمله السَّابق؛ لأنَّ المُقلّد مُتعَبَّدُ بالتَّقليد كالاجتهاد، واللَّاحِقُ لا يُبْطِلُ السَّابق كما في قضاء أمير المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه في المسألة المُشتركة، المُسماة باليميَّةِ والحِمارِيَّةِ، بتشريكِ الإخوة الأشفّاءِ مَعَ الإخوةِ لأم، وقد كانَ قضَى بسقوط الأشقاء في حادثة، ثمَّ سُرَّكَ بينهم في هذه، فقال: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي.
وقد قُلنا: إِنَّ قولَ العلامة ابن الهمام في «التحرير» الذي قدَّمتُه: «لا يرجعُ فيما قلد فيه اتفاقاً؛ معناه الرجوع في خُصوص العَينِ، لا خُصوص الجنس بنقض ما فعله مُقلّداً في فعله إماماً؛ كصلاةِ ظُهرٍ بمَسحِ رُبعِ الرَّأْسِ، ليس له إبطالها باعتقاده بعدَمِ التّمامِ لُومَ مسح كل الرأس كما قد علمته، لا الرجوع بمعنى منعِ الشَّخص من تقليده غير إمامه في شيءٍ يفعله مُخالفاً لما صدَرَ منه؛ كصلاة يوم على مذهب أبي حنيفة، وصلاة يوم آخر على مذهب غيره. وإنْ كانَ المُراد بالرجوع العمل في نظير ما مضى بخلافِ مُعتَقَدِ مَن قَلَّدَه، كما يتراءى من ظاهر متن «التحرير» وشرحيه، ففي كلامهما خلافه، ومع ذلك قد علمت تقييده بأن يبقى أثر يمنعُ منَ الفِعل لا مُطلَقاً، وعلى كلِّ منَ الأَمْرَين يثتُ المُدَّعَى، وهو جواز تقليد الإمام مالك أو غيره فيما يفعله مخالفاً لما فعله على مذهب أبي حنيفة.
ولهذا قال الكَمالُ المُحقِّقُ في شرحه على الهداية»، المُسمَّى بـ «فتح القدير» من باب التحكيم: في «الفَتاوَى الصُّغرى»: الحكمُ فِي الطَّلاقِ المُصَافِ ينفذ، لكن لا يُفتى به، وفيها: رُوِيَ عن أصحابنا ما هو أوسعُ من هذا، وهو أنَّ صاحب الحادثة لو استفتى فقيهاً عَدْلاً، فأفتاه ببطلان اليمينِ المُضافة، وسعه اتباع فتواه، وإمساك المرأة المحلوفِ بطلاقها، ورُوي عنهم ما هو أوسع من هذا، وهو أنه إذا استفتى أولاً فقيهاً، فأفتاه ببطلان اليمين، وسعه إمساك المرأة، فإن تزوج أخرى، وكانَ حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، فاستفتى فقيها، فأفتاه بصحة اليمين؛ فإنَّه يُفارِقُ الأخرى، ويُمسِكُ الأُولى بفتواهُما، انتَهَى عبارة الكمال رحمه الله، ومثله في الفَتاوَى البَزَّازِيَّة.
قلتُ: فهذا بيان للمُرادِ بقوله في «التحرير»: «لا يرجع فيما قلد فيه أي: بخصوص عينه، أمَّا مثله فيُقلد ما يُوافِقُ المُفتي مُخالِفاً للسَّابق في حادثتين، وإلا ناقض كلامه في الأُصولِ؛ إذ هو رُجوع لخلافِ ما عمل به إذا أُريد به الجنس، وإذا أُريد به العَينُ لا مُناقضَةً.
وقد نصَّ عليه في الفَتاوَى الصُّغرَى» حيثُ قال: لو أفتاه مُفت بالحِلِّ، ثم أفتاه آخَرُ بالحُرمة بعدما عمل بالفتوى الأولى، فإنَّه يعمل بالفتوى الثانية في حقٌّ امرأةٍ أُخرى، لا في حقٌّ الأُولى، ويعمل بكلامِ المُفْتِيَين في حادِثِتَينِ، انتَهَى.
واعلَمْ أَنَّه يصِحُ التَّقليدُ بعدَ الفِعل؛ كما إذا صلَّى ظانًا صِحتَها على مذهبه، ثمَّ تبيَّنَ بطلانها في مذهبه، وصحتها على مذهب غيره، فله تقليده، ويجتزى بتلك الصَّلاةِ على ما قال في «البَزَّازيَّةِ»: رُوِيَ عنِ الإمام الثاني، وهو أبو يوسُفَ رحمه الله أنَّه صلَّى يومَ الجمعةِ مُغتَسِلاً من ماء الحمام، وصلَّى بِالنَّاسِ وتَفَرَّقُوا، ثمَّ أُخبِرَ بِوُجودِ فأرة ميتة في بئر الحمَّامِ، فقال: إذن نأخذ بقولِ إِخواننا من أهل المدينة: إذا بلَغَ الماء قُلتَين لم يحمِلْ خَبَئاً، انتَهَى.
ونقله العلامة ابن أمير حاج عن «القُنية على جهة الاستشكال في أنَّ المُجتهد بعد اجتهاده في حكم ممنوع من تقليد غيرِه مِنَ المُجْتَهَدينَ فيه، انتَهَى.
ولا يرد علينا؛ لأنَّ الإيراد على المُجتهد لا المُقلّد في ذلك.
وأَمَّا صِحَّةُ الإقدام على التَّقليد فيما هو مُخالف لمذهبه من المسائل؛ فلما قدمناه عن الأصوليين على الصحيح، ولما قال في «يتيمةِ الدَّهرِ: سُئِلَ الإمامُ الحُجَندي رحمه الله عن رجل شافعي المذهب ترك صلاةَ سنة أو سنتين، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة، كيف يجب عليه القضاء؟ يقضيها على مذهبِ الشافعي، أو على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها، جازَ، انتَهَى.
وهذا نص في صِحَّةِ التَّقليد بعد العملِ بخِلافِ ما عمِلَ من جنسه، فتحصل مما ذكرناه أنَّه ليس على الإنسانِ التِزامُ مذهب مُعيَّن، وأنَّه يجوز له العمل بما يُخالِفُ ما عمله على مذهبه، مُقلّداً فيه غير إمامِه، مُستَجمعاً شُروطه، ويعمَلُ بِأَمَرَينِ مُتضادَّينِ في حادثتين، لا تعلق لواحدة منهما بالأُخرى.
وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمامٍ آخر؛ لأنَّ إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا يُنقَضُ.
تتمة: حقيقةُ التَّقليدِ العَمَلُ بقَولِ مَن ليسَ قوله إحدَى الحُجَجِ الأربعِ الشَّرعيَّةِ بلا حجة منها، فليسَ الرُّجوع إلى النبي، والإجماع منَ التَّقليد؛ لأنَّ كلَّا منهما حُجَّةٌ شرعيَّةٌ منَ الحُجَجِ الأربعةِ، وعلى هذا اقتصر الكمال في «تحريره». وقالَ ابنُ أمير: حاج وعلى هذا عمَل العامّيّ بقَولِ المُفتي، وعمل القاضي بقولِ العُدول؛ لأنَّ كُلَّا منهما وإنْ لم يكُنْ إحدَى الحُجَج، فليس العمل به بلا حُجَّةٍ شرعيَّة لإيجاب النَّصَّ أخذَ العامي بقولِ المُفتي، وأخذ القاضي بقولِ العُدول، انتهى.
قلتُ: وفيه تأمل؛ لأنَّ النَّصَّ وإنْ أو جَبَ أخذ العامي بقولِ المُفتي مُجرَّداً عن الدَّليلِ، فعدَمُ عِلمه بالدليل تقليد في الحكم وإلَّا لِزِمَ العَامِّيَّ إمضاء فتوَى المُفتي وليس بلازم إلا بالإمضاء بالفعل كما علمته.
وقال في «الحاوي القُدسيّ»: التَّقليدُ جَعَلُ الشَّيء كالقِلادَةِ فِي العُنُقِ حقًّا كَانَ أو باطلاً، وهو أنواع: واجب، وجائز، وحرام.
فالواجب تقليد المعصوم عن الخطأ، وهو النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المبعوث بالحقِّ، وهذا ليس بتقليد حقيقة؛ إذ التَّقليد في الشَّرعِ عبارةٌ عن قبولِ قَولِ الغَيرِ، من غيرِ أن يعرِفَ حقيقته، لكِنْ يُسمَّى تقليداً عُرْفِيًّا.
والتَّقليدُ الجائز تقليدُ العوام لعُلَماءِ الدِّينِ في الفروع بالإجماع، وفي أُصولِ الدِّينِ، مُختَلَفٌ فيه؛ لاستواء المُكلَّفين به لأصله، وهو النَّظَرُ والاستدلال فيما كانَ معقولاً، وسهولة التّعلُّم لِما كانَ منقولاً، خاصةً قدر ما يتعلَّق به صِحَّةُ الإيمانِ والإسلام، وفي تقليد العالم للعُلَماء في الفُرُوعِ أيضاً اختِلافٌ.
وأمَّا التَّقليدُ الحرام فهو كتقليد الآباء والأكابرِ في الأباطيل، انتهى.
تتمة: قالَ السَّيِّدُ عليّ السَّمْهُودِيُّ رحمه الله تعالى: لا إنكار على من فعل ما اختَلَفَ المُجتَهِدون في تحريمه؛ لأنَّ المُصيبَ واحدٌ لا نعلمه، فلا إثم على المخطئ، ولا يُنكِرُ الحنفي على الشَّافعيّ النِّكَاحَ بلا ولي؛ لكونه يرى حِلَّه، والشافعي يعتَرِضُ على الشَّافعي فيه؛ ليكونَ مُنكَراً باتفاقِ المُحتسب والمُحتسَب عليه.
وقال السُّبكيُّ: إِنَّ الذي أقوله في مسألةِ الشَّطْرَنجِ، أَنَّه لا يحرُمُ على الشَّافعي لعبه مع الحنفي، إنَّما يحرُمُ على الحنفي.
وقالَ الشَّيخُ عز الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلامِ إِنَّ الأُولى التزامُ الأَسدَّ والأحوط له في دينه؛ أي: من كل مذهب، وكذا في «الإفصاح» لابن هبيرة.
واتَّفَقَ العُلَماء على استحبابِ الخُروج من الخلافِ، فإذا كانَ بينَ التَّحريم والجواز، فالاجتناب أفضَلُ، وإنْ كانَ في الإيجاب والاستحباب، فالفعل أفضَلُ، وإنْ كانَ في المَشروعيّة وعدمها، فالفعل أفضَلُ؛ كقراءة البسملة في الفاتحة، فإنَّها مكروهة عند مالك، واجبةٌ عندَ الشَّافعي، وسُنَّةٌ عند أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
فإنْ ورَدَ ما لا يُمكنه الخروج من الخلافِ فيه؛ نحو الجهر بالبسملة، سُنَّةٌ عند الشافعي، والإسرارُ بها سُنَّةٌ عند أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك السُّنَّةُ تركُ ذِكرِها، ففي مثل هذا الأَوْلى اتِّباعُ الأكثرِ.
وعلى هذا أرَى ما استَمَرَّ منَ الخُلفاء الراشدين من تركِ الجَهْرِ بها في الجوامع، مع أن الخطباء قد يكون منهم من يعتقد مذهب الشافعي، إلا أنّهم استمروا على الإسرارِ بها؛ لِما ذُكِرَ، وهو المانع لي من الجهرِ، لأنّي مع الأكثر، فلولا ذلك لجهَرْتُ، انتهى كلام ابنِ هُبَيرةَ رحِمَهُ اللهُ.
واعلَمْ أَنَّ السُّنَّةَ شأنها عدَمُ المُلازَمةِ عليها، بما يُؤدِّي إلى اعتقادِ العوام وُجوبَها، وقد حقَّقَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ أنَّ الاحتياط في ترك القراءة خلف الإمام في جميع الصَّلوات؛ لأنَّ أقوَى الدَّليلين منعُ المأمومِ منَ القراءة خلف الإمامِ مُطلَقاً، والله المُوفّق بمنه وكرمه.
قالَ: وكان الفراغ من تأليفه يومَ الجمعةِ المُباركِ سادسَ شهرِ رَجَبِ الحَرامِ سنةَ ست وأربعين وألف. وكان انتهاء كتابة هذه النسخةِ المُباركةِ في يومِ الجمعةِ المُباركةِ ثانيَ عَشْرِي جُمادَى الأَوَّلِ الذي هو من شهور سنة إحدى وستّينَ وألفٍ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عُدوانَ إِلَّا على الظَّالِمينَ.
والصَّلاة والتسليم على سيّدِ المُرسَلين محمدٍ وآله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيمِ، نِعمَ المولى ونعمَ النَّصيرُ. آمين