الزهر النضير على الحوض المستدير
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الزهر النضير على الحوض المستدير
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله مُيسر الحساب، مُسيِّرِ السَّحاب الكريمِ الوَهَّاب، مالكِ مفاتيحالغَيبِ، مُفيض الإنعامِ على كلِّ أَوَّاب.
والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمَّدٍ صاحبِ المَقامِ المحمود، المُشفّعِ بغيرِ شك وارتياب، وعلى آله وأصحابه خير آلٍ وأكرم صحاب، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ بدوامِ إنعام الله على توالي الأيام والأحقاب.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ المُلتَجِى إلى مولاه القَدِيرِ في السِّرِ والعَلَن، المُرتَجي دوام الإمداد وكلَّ فيض حَسَنُ الشُّرُنبلالي الحنفي، غفَرَ الله له ولوالديه ولمشايخه وإخوانه، وستر ذُرِّيَّته وأمدَّهُم بفَضلِه؛ فإنَّه أهوَنُ عليه: إِنَّ هذه نُبذةٌ يسيرة سميتها:
«الزهر النضير على الحوض المُستَديرِ»
لتوضيح ما يصحّ به الوضوء من حوض مُدوّرٍ تبلغ مساحته مئة ذراع، وبيان البرهان على صحتِه بقول صاحب «الدرر» على الحوضِ المُدوَّرِ: يُعتَبرُ فيه ستة وثلاثون ذراعاً هو الصحيح؛ فإنَّ هذا المقدارَ إِذا رُبِّعَ، كانَ عَشراً في عشر؛ لأنَّ الدائرة أوسعُ الأشكال، وهو مُبَرهَن عليه عند الحساب، كذا في الظهيرية»، انتهى.
قلتُ: وكذا قال المرغيناني: ستَّةٌ وثلاثونَ هو الصَّحِيحُ، وهو مُبَرهَنٌ عند الحساب، كذا بخط أستاذي عن شرح المنية لابن أمير حاج رحمه الله، وبيان الحكم فيه حيثُ نقلتُ ما يُخالِفُه في حاشيتي على الدُّرَرِ عن الكَمالِ المُحقِّقِ ابنِ الهُمامِ في فتح القدير حيثُ قال: فإنْ كانَ الحوضُ مُدَوَّراً، فقُدِّر بأربعة وأربعينَ، وثَمانية وأربعين، والمُختارُ ستّةٌ وأربعونَ، وفي الحسابِ يُكتفى بأقل منها بكسر للنِّسبةِ، لكنْ يُفتَى بستَّةٍ وأربعين كيلا يتعَسَّرَ رِعاية الكسر، والكل تحكمات غيرُ لازمة، إنَّما الصَّحيحُ ما قدَّمناه من عدمِ التَّحكُّم بتقديرِ مُعيَّنٍ، انتَهَى كلامُ الكَمالِ رحمه الله.
فلما رأيتُ هذا الخلاف، قلتُ في «الحاشية»: والتَّفَاوُتُ بينَ ما نقله المُصنِّفُ والكَمالُ من جهة الحساب بعيد، والصواب واضح لمن يعرِفُ الحساب.
ولما رأيتُ وجوبَ بيانه؛ ليُعرَفَ وجه الحساب الفارق بينَ التَّقاديرِ المُختلفة اختلافاً فاحشاً بغيرِ وَجهِ عندَ ذَوي المعارفِ الأنجاب، وأنَّ إلزام التكليف بما زادَ عن ستّة وثلاثين في المُدوَّرِ لا وجه له للتَّقدير بعشر في عشر عندَ عند جميع أردتُ بعدَ مُضيّ ستّ وعشرين سنةً لم أرَ فيها مَن نبَّة على ذلك، وكأنَّه لم يخطر ببال، فشرعتُ مُعتَمِداً على القُدرةِ اللَّدُنّيةِ، وسطّرتُ ما فتحَ اللهُ سُبحانَه ومَنَّ به عليَّ من إقامةِ البُرهان الذي أشار إليه صاحِبُ «الدُّرَرِ» و «الفَتاوَى الظَّهيريَّةِ» بما نص عليه في كتب الحساب.
حيث قالوا: إِنَّ الدَّائرة شكل بسيط مُستَوِ يحيط به خط واحد، في داخله نقطه كل الخطوط المُستقيمة التي تخرُجُ منها وتنتهي إلى الخط المُحيطِ مُتساوية، وتلك النُّقطة هي مركز الدائرة، وقُطرُ الدَّائرة هو الخط الذي يمرُّ على المركز، وينتهي في الجانبين إلى الخط المُحيط بها، ويقطعُها نِصفين، وكلُّ دائرة يحتاجُ فيها إلى ثلاثةِ أشياء: عِلمُ مُحيطها، وعِلمُ مِقدار مساحتها، وعِلمُ قُطرها.
وهي لا تخلو إمَّا أَنْ لا يُعلَم لها قُطرُ ولا مساحةٌ ولا مُحيط، أو يُعرَفَ أحدها، إمَّا القُطرُ فقط، أو المساحة فقط، أو دَورُها فقط، ولا بُدَّ من علم أحدها ليعلم به باقيها، فإذا جهلت لا بد من ذرع قطرها أو دَورِها، فإذا علم توصلت به إلى باقيها.
فمثال ما نحن بصدده قول الإمام الحدادي في السراج الوهاج شرح القُدورِيّ»: وإنْ كانَ الغَديرُ مُدَوَّراً اعتُبِرَ أنْ يكونَ قُطره أحد عشر ذراعاً، وخمس ذراع، ودوره ستة وثلاثين ذراعاً، فمساحته أن تضرِبَ نِصف القُطِرِ، وهو خمسةٌ ونصفٌ وعُشر في نصف الدَّور، وهو ثمانية عشر، يكون مئة ذراع وأربعة أخماس ذِراع، انتهى.
وهذه صورة المدور وقطره، ونصف قطره كما ترى.
وقال العلامة شيخ مشايخنا الشَّيخُ عليّ المَقدِسيٌّ رَحِمَهم الله في شرحه نظم «الكنز» بعد نقله عبارةَ السِّراجِ الوَهَّاجِ»: وذلك لأنَّا ضَرَبْنا جانبَ الكسرِ، وهو ستَّةٌ وخمسون في الصحيح، وهو ثمانية عشر، خرج ألف وثمانية، قسمناها على مخرج الكسرِ، خَرَجَ ما ذُكِرَ، انتَهَى.
وأقولُ مُستَمِداً من فَيضِ الفتّاح لإفادة الإيضاح والبرهان الذي يكشفُ عن دَعواه لكل طالب فيرتاح، ويترحم علينا وعلى أولئك الأساتذة ذوي الفلاح، فلقد تعِبْتُ في تحصيل ذلك معَ شغل البالِ، وراجَعْتُ جملةً من كتُبِ الحسابِ العَوالِ، حتَّى ظَفِرْتُ بذلك في مُؤلَّف للشَّيخِ الإمام أبي القاسمِ محمَّدِ بنِ أَبي زيدِ الفَرَضِيَّ في مساحة الأشكال.
أمَّا بيانُ بُرهان قولِ الشَّيخ علي المقدسي: «قسمناها على مخرج الكسر»: فإنَّه يريد به العشرة التي هي مخرجُ العُشرِ؛ لدخولِ النّصفِ في العُشْرِ، وأرادَ بقَولِه: «خرَجَ ما ذكره المئة وأربعة أخماس بقسمة الألف والثمانية على العشرة.
وأما البرهان على صِحَّةِ قولِ «السراج»: «اعتُبِرَ أن يكونَ قُطرُه أَحدَ عشرَ ذِراعاً وخمسَ ذِراع؛ فلأننا قد علمنا الدَّوْرَ والمساحة، فقسمنا المساحة التي هي تكسير الدائرة، وهي المئة ذراع وأربعة أخماس ذراع على ربعِ الدَّورِ، وهو تسعةٌ، فخرَجَ أحد عشر ذراعاً وخمس ذراع، وهذا هو القُطرُ، فظهَرَ بُرهان قوله: «اعتُبِرَ أن يكونَ قطره .... إلى آخره.
وإن شئت فاقسم المساحة التي هي مئة ذراع وأربعة أخماس ذراع على نصف الدور، وهو ثمانية عشر ذراعاً، يكونُ الخارج خمسة أذرع ونصفاً وعُشراً، فأضعفها، تكونُ أحد عشرَ ذِراعاً وخمس ذراع. وتسهيل القسمة بتفصيل المقسوم على المقسوم عليه، فمن تسعين على ثمانية عشر يخرج خمسةٌ، ومن تسعة يخرجُ نصف، ومن ذراع وأربعة أخماس عُشر ذراع فالجملة خمسةٌ ونصفٌ وعُشر، فإذا ضعفتها تبلغ الخمسة عشرة، والنصفُ واحداً، والعُشر خمساً، فجملتها أحد عشرَ ذِراعاً وحَمُسُ ذراع.
وإذا قسَمْتَ على ربعِ الدَّورِ ابتداءً، لا تحتاج لتضعيف؛ لأنه يخرجُ المطلوب
ابتداء كما علمته، فهذا هو البرهان الواضح لبيان كونِ القُطِرِ ما ذكره. وأما بُرهان قوله: ودَورُه سنةً وثلاثين ذراعاً»: فبقسمة المساحة التي هي مئة ذراع وأربعة أخماس ذراع على نصفِ القُطر، وهو خمسةٌ ونصفٌ وعُشر، وتضعيفُ، فذلك المُضاعَفُ هو الدَّورُ، وطريقُ القِسمةِ أن تُبسطَ كَلَّا مِنَ المَقسوم الخارج، والمقسوم عليه من جنس الكسر، وهو العُشر في هذه الصورة؛ لأنَّ الخمسة والنصف والعشر التي هي نصفُ القُطر مخرجُها عشرةً، وبسطها ستة وخمسون، وبسط الدَّورِ ألف وثمانية؛ لأنَّ المئة وأربعة أخماس تبسط أعشاراً، وتحل الستة والخمسون إلى ضلعيها سبعة وثمانية، وتقسم ألفاً وثمانيةً على ثمانية، يخرج مئة وستة وعشرون، فاقسمها على الضّلعِ الثَّاني وهو سبعةٌ، يخرُج ثمانيةَ عشرَ، فَأَصْعِفْها تبلغ ستّةٌ وثلاثين، وهو الدور.
وأما بُرهان قوله: «فمساحته منةٌ وأربعة أخماس ذراع»: فهو بُرهان واضِح من قوله: «تضرب نصف القُطر، وهو خمسةٌ ونصفٌ وعُشْرٌ في نصفِ الدَّورِ، وهو ثمانية عشر يكون منة ذراع وأربعة أخماس ذراع.
وبيانه أنَّك إذا ضربت خمسةً في ثمانية عشر تبلغ تسعين، وإذا ضربتَ نِصفاً ثمانية عشر يبلغ الخارج تسعةً، وإذا ضربت عشراً في الثَّمانية عشر يخرُجُ واحدٌ صحيح وأربعة أخماس.
وإِنْ شِئتَ تُعبر عن الأخماس بالأعشارِ، فتكون ثمانية أعشار هي أربعة أخماس. وإن شئتَ فخُذْ ما تحصَّلَ من ضَرب البسط في نصفِ الدَّورِ، وهو ألف وثمانيةٌ، واقسمه على مخرج الكسر، وهو عشرةٌ، يخرج مئة وأربعة أخماس كما تقدَّمَ. وإن شئتَ فاضرِبْ ربعَ القُطر في كلِّ المُحيط، وإِن شئتَ فَاضْرِبْ رَبُّعَ المُحيط في جميعِ القُطر، فالخارج في الصورتين هو المساحة، فإذا ضربت تسعةً في أحد عشرَ ذِراعاً وخمس، كان ذلك الخارج مئة وأربعة أخماس ذراع، وهو المطلوب. وكذلك إذا ضَرَبْتَ ربُعَ القُطر في كلِّ المُحيط يخرُجُ كما ذكرناه بحمد الله. هذا هو البرهان الذي لا شكّ فيه ولا خفاء، الحمد الله الذي هدانا لهذا، وما كُنَّا لنَهتَدِيَ لولا أَنْ هَدانا الله.
فائدةٌ مهمَّةٌ للتَّنبيه على قولِ الكَمالِ الذي ذكرناه، ونصه: والكُل تحكمات غيرُ لازمةٍ، إنَّما الصَّحيحُ ما قدَّمناه من عدَمِ التّحكُّم بتقديرِ مُعيَّنٍ، انتَهَى.
أما قوله: «والكلُّ»؛ يعني التَّقادير الواردة في المُدوَّرِ وغيرِه، فالمُدوَّرُ قُدِّر بأربعةٍ وأربعين، وثمانية وأربعين، والمُختارُ ستة وأربعونَ، إلى آخر ما قدمناه من كلامه، فقد علِمْتَ البُرهان على أنَّ ستّة وثلاثين هو قول الحساب، مع أنَّ الكمال لم يذكر السنّة والثلاثين.
وأما قوله: والكُل تحكمات غير لازمةٍ»: فغيرُ مُسلَّم؛ لما قاله صاحبُ الاختيار شرحِ المُختارِ»: واعتبرناه - يعني: الماءَ الكثيرَ - فَوَجَدناه ما لا يخلُصُ بعضه إلى بعض.
فنقولُ: كلُّ ما لا يخلُصُ بعضُه إلى بعض لا ينجُسُ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه، وهذا معنى قولهم: لا يتحرَّكُ أحدُ طَرَفَيه بتحريكِ الطَّرفِ الآخرِ. وامتَحَنَ المشايخ عدَمَ الخُلوص بالمساحةِ فَوَجَدُوه عشراً في عشر، فقَدَّرُوه بذلك تيسيراً، والمُختارُ في العُمْقِ ما لا ينحَسِرُ أَسفَلُه بالغَرْفِ، انتَهَى. فلم يكُنْ تحكُّماً منهم رحِمَهُم الله، بل حُكماً بمَحسوس مُقدَّرٍ لِما أراده الإمام، و به كانَ التَّيسيرُ ضَبطاً للمذهب.
وأما قوله: «إنَّما الصَّحيح ما قدمناه من عدم التحكم بتقدير»، فيُعارِضُه امتحان المشايخ، وتقديرهم عدم الخلوص بالعشر في عشر، وعليه صاحبُ «الكنز» قد مشي.
وقال الزيلعيُّ: وهذا - أي: العشر في العشرِ ـ هو الذي اختاره صاحب الكتاب، ومشايخ بلخ، وابنُ المُبارك، وجماعةٌ منَ المُتأخرين. قال أبو اللَّيثِ: وعليه الفتوى، انتهى.
وقال قاضيخان وعامة المشايخ قالوا: إنْ كانَ ـ أي: الحوضُ - عَشراً في عشر، فهو كبير، ويجوزُ التَّوضُّو والاغتسال في ذلك الحوض الكبير.
وقال في «الخُلاصة»: وفي «الفَتاوَى»: الحوضُ الكبيرُ مُقدَّر بعشرة أذرع في عشرة. وفي البَزَّازِيَّةِ»: الكبيرُ عشر في عشر.
وقالَ الشَّيخُ أكمَلُ الدِّينِ في «العناية»: ورُوِيَ عن أَبي سُلَيمانَ الجُوزَجَانِيِّ أَنَّه اعتبر بالمساحةِ إِنْ كانَ عَشراً في عشر فهو ممَّا لا يخلُصُ.
وعن محمد في «النَّوادِرِ» أنَّه سُئِلَ عن هذه المسألة فقالَ: إِنْ كانَ مثل مسجدي هذا، فهو مما لا يخلُصُ بعضُه إلى بعض، فلما قامَ مُسِحَ مسجِدُه فكانَ ثمانياً في ثمان في رواية، وعشراً في عشر في رواية، وبقول أبي سُليمانَ الجُوزَ جاني أخذَ عَامَّةُ المشايخ، انتهى.
فبهذا يُنفَى التَّحيكم، ويثبتُ الصَّحيحُ كما علمته، وحيثُ اعْتَمَدْنا فيما سطَرْنا على كتاب «التكسير ومساحة الأشكال»، فلنذكُر نصه:
قالَ الشَّيخُ الإمام أبو القاسم محمَّدُ بنُ أبي زيدِ الفَرضِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في كتابه المذكور: إذا قيلَ لك: دائرة قطرها سبعة، كم تكسيرها؟
فمعرفة تكسيرها بمعرفة دورها، ومعرفةُ دَورِها بضَرْبٍ قُطرِها في ثلاثةٍ وسُبعٍ، فما كانَ فهو دَورتُها، وذلك اثنان وعشرونَ.
فإن قيل لك: دَورُها اثنان وعشرونَ، وقُطرُها سبعة، كم تكسيرها؟ فاضرِبْ نصفَ دَورِها في نصف قطرها، فما كانَ فهو التَّكسير، وذلك ثمانية وثلاثون ونصفٌ. فإن قيل لك: التَّكسير ثمانية وثلاثون ونصف، والدَّورُ اثنان وعشرون، كم القُطرُ؟ فاقسم التكسير على نصفِ الدَّورِ فما خرجَ أضعفه فما كانَ فهو القُطرُ، وذلك سبعة.
فإن قيل لك: كم الدَّورُ؟ فاقسم التكسير على نصفِ القُطِرِ فما خَرَجَ فَأَضعفه، فما كانَ فهو الدَّورُ، وذلك اثنان وعشرونَ.
فإن قيل لك: الدَّورُ اثنان وعشرون كم القُطرُ؟ فاقسِمِ الدَّورَ على ثلاثة وسبع، فما خرج فهو القُطر، وذلك سبعةٌ، وهو ما أرَدْتَ، فافهم وبالله التوفيق، وهذه صورتها: الدور القطر نصف القطر.
وطريق القسمة أن تضرِبَ ثلاثة في سبعة، وزِدْ على الحاصل واحداً في بسط السُّبُعِ يبلُغُ اثْنَيْنِ وعشرين، فاضرِبُها في مَقامِ السُّبُعِ يبلغ مئة وأربعة وخمسينَ، فاقسمها على بَسطِ المَقسوم عليه، وهو اثنان وعشرونَ.
وطريقها أن تحلَّها إلى اثنين وأحد عشر، يخرُجُ بقسمها على اثنين، فاقسمِ السَّبعةَ والسَّبعين على الضّلعِ الثَّاني، وهو أحد عشر، يخرُجُ سبعةٌ، وهو القُطرُ، فحصَلَ ما أَرَدْتَ، انتهى كلامُ الشَّيخ أبي القاسمِ رحمه الله.
وقال صاحبُ «روضة الحسابِ»: كلُّ مُدوَّرةٍ إِذا ضربتَ قُطَرَها في ثلاثةٍ وسُبُعِ فهو دورها، وهو اصطلاح بينَ النَّاسِ، فعلى هذا إذا ضَرَبتَ قُطَرَها في مثلِهِ ونَقَصْتُ منه سبعة ونصفاً فهو تكسيرها، مثاله: مُدوّرةٌ قُطرُها سبعة أذرع، ويحيط بها اثنانِ وعشرون، فاضرِبِ القُطر في مثله يكون تسعةً وأربعين، فأَلقِ سبعة ونصف سبعة، وهو عشرة ونصف، فالباقي ثمانية وثلاثون ونصفٌ، وهو تكسيرها، والله الموفق، وهذه صورتها:
ولأهل الهندسة فيها قول، وهو: أن تضرِبَ القُطر في مثلِه، ثمَّ في عُشْرِه، ثمَّ يُؤخَذُ جَدْرُ ما اجتمَعَ، فهو الدَّورُ، فإذا ضَرَبْتَ نِصف القُطر وهو ثلاثة ونصفٌ في نصفِ ما يُحيط بها، وهو أحد عشر يكون ثمانية وثلاثين ونصفاً، وهو تكسيرها، وهو سواء، انتهى.
وقال غيره: كلُّ دائرة نسبةُ قطرها إلى محيطها كنسبة سبعة إلى اثنين وعشرينَ تقريباً، فتكون الدائرةُ مثلَ القُطر ثلاثَ مَرَّاتٍ وسُبُعَ مرَّةٍ، فإذا قيلَ: دائرة قطرها عشرةٌ، كم محيطها؟ فاضرب عشرةً في اثنين وعشرين، واقسم الخارج على سبعة، يخرجُ واحد وثلاثون وثلاثة أسباع، وهو المُحيط، انتَهَى.
قلتُ: وإنما قال: «تقريباً»؛ لأنَّه لمّا كانَ قُطرُ الدَّائرةِ خَطَّا مستقيماً ومُحيطها خَطَّا مُستديراً، فمتى كانَ مُحيطُ الدَّائرة معلوماً، كانَ القُطرُ مجهولاً ضرورةً، فعلى هذا لا يعلَمُ نسبة قطرِ الدَّائرة من محيطها تحقيقاً إِلَّا اللهُ سُبحانه وتعالى.
وكذلك نهاية العددِ لا يعلَمُه إِلَّا الله؛ لأنَّ كلَّ عددٍ فُرِضَ يُمكِنُ الزِّيادة عليه، وكذلك الجَذْرُ الأَصَمُّ؛ لأنَّ الجذرَ مِقدار إذا ضُرِبَ في نفسه قامَ منه العدد، وجذر الواحد مُساوِ له؛ لأنه واحد، وجذر العددِ الصَّحيح أقل منه، كالتّسعة جَذْرُها ثلاثة، وجَدْرُ الكسرِ أكثَرُ منه؛ لأنَّ الرُّبُعَ جَدْرُه نِصف، والأعداد منها ما له جذرٌ ويُسمَّى المفتوح، كالواحد والأربعةِ والتَّسعة والستة عشر، ومنها ما لا جذر له معلوم، وإنْ كانَ لا بُدَّ له من جَذْرٍ في نفس الأمر، كالعشرة، ويُسمَّى الأصَمَّ، فلا نعلمه على التحقيق بوجه، ولهذا تقول فلاسفة الهند: سُبحانَ العالم بمخارج الجذرِ الأصم، انتَهَى.
وقال غيره: الأصل أبداً في مساحةِ المُدوّراتِ أن تضرِبَ القُطر أبداً في ثلاثة وسبع يكون مساحة الدائرة، والقُطرُ هو ثلُثُ الثَّلاثَةِ وسُبُع؛ لأنَّ القُطَرَ هو ثَلُثُ مساحةِ الدائرة، وهو أيضاً ثلُثُ الثَّلاثة وسبع أبداً.
ومنَ المُدوّراتِ أرضٌ مُدوّرةٌ قُطرُها عشرة أذرع، كم تكسيرها؟ وكم الذي يُحيط بها؟
أما تكسيرها: فثمانية وسبعون ذراعاً وأربعة أسباع.
بيان ذلك أن تضرِبَ القُطرَ وهو عشرةٌ في مثله، فيكونُ مئةً، أَلقِ منها سُبعَها ونصف شبعها، وهو أحد وعشرون وثلاثة أسباع ذراع، يبقى ثمانية وسبعونَ وأربعةُ أسباع ذراع.
فإن أردت أن تعلم كم الذي يحيط بها فاضرب القطر وهو عشرة في ثلاثة وسبع يكون أحداً وثلاثين وثلاثة أسباع ذراع. وإن شئتَ فاضرِبِ القُطرَ وهو عشرةٌ في اثنين وعشرين يكون مئتين وعشرين، اقسِمُها بينَ سبعةٍ يصير ذلك واحداً وثلاثين وثلاثة أسباع، وذلك بابها وحسابها، وهذه صُورَتُها كما ترى، وبالله التوفيق.
وكذلك كلُّ ما كانَ منَ المُدوّراتِ صُغُرَ أو كبر فعلى هذا المثالِ.
أرض مُدوّرةٌ قُطرُها عشرة، أرَدْنا علم أوسع مربعة يقع عليها من خارج، وأوسع مُربَّعة يكون في داخلها، وتكسير كل واحدةٍ منَ المُربَّعَاتِ، أَمَّا حسابها: فإِنَّ كلَّ حدّ منَ المُربَّعةِ التي من خارج عشرة تكسيرها مئة. وأمَّا المُربَّعةُ التي داخلَ المُدوّرةِ: فإِنَّ كلَّ حدّ من حُدودِها جَدْرُ خمسين، وهو سبعة ونصف سبع؛ الواحد الباقي من الخمسين من ضعفِ الجذر وهو أربعة عشر، فكان نصف سبع، فجُملة ذلك سبع ونصفُ سُبع، وهو الجذر وتكسيرها خمسين ذراعاً، باب ذلك أن تضرِبَ قُطرَ المُدوّرة وهو عشرة في مثلها، يكونُ مئةً، فهو تكسير المُربَّعة التي وقعَتْ لأَنَّنا ضرَبنا سبعةً في سبعة، فالحاصل تسعة وأربعون، وسمينا خارجاً؛ لأنَّ حدَّ المُربَّعةِ مثلُ قُطرِ المُدوّرة سواء، فإنْ أَرَدْتَ أن تعلم كم أوسعُ مُربَّعةٍ يقع فيها من داخلِ المُدوّرةِ به، فاضْرِبْ قُطرَ المُدوّرة وهو عشرةٌ في مثلها يكونُ مئة، نصفها خمسونَ، فَجَذرُها هو حدُّ المُربَّعَةِ الصَّغيرة من كل جانب، وتكسيرها خمسون ذراعاً، وذلك بأبها وحِسابها، وهذه صُورَتُها، وبالله التوفيق.
وفي مقابلة أرشميدس في تكسير الدائرة: كلُّ دائرة فهي المُساوية لمثلث قائم الزاوية يكونُ أحدُ ضِلعَيه المحيطين بالزاوية القائمة مُساوِياً لنصفِ قُطر تلك الدائرة، والثاني مُساوِياً لمُحيطها، والحاصِلُ أَنَّها تُساوي سطح نصف قطرها في الخطّ المُساوي لنصفِ مُحيطها، ثمَّ َقالَ: فسطحُ نصفِ القُطر في نصفِ المُحيطِ مُساوِ لسطح الدائرة، ثمَّ َقالَ: الشَّكلُ الثَّاني محيط الدائرة أطول من ثلاثة أضعافِ قُطرها بأقل من سبع القطر، وأكثر من عشرة أجزاء من أحدٍ وسبعين جزءاً منَ القُطر، وذكرَ صورتها على أشكالها، انتهى.
وقال غيره: إذا أردتَ تقريب بلوغ المُدوَّرِ بالمساحةِ مقدارَ المُربَّعِ بها فخُذْ مُدوّرة من ورق واحدٍ، واطوها أربعاً، ثمَّ قُصَّها تخرُجْ أَربعةُ أرباع، شكل ربعِ الدَّائرة مع استقامة في جانب، فضَعِ الأركانَ المُستديرة إلى جانب بعضها تصير الأركان المُستقيمة أربعة من خارج، فتبلغ المُستقيمة مساحةَ الدَّائرةِ المُدوّرة التي قصيتها أربعاً بهذه الصورة كما ترى، فافهم.
تتميم في مساحة قطع الدائرة، وهي التي يُحيطُ بها خط مستقيم، وهو الوَتَرُ، وخط غير مستقيم، وهو القوس، وهي ثلاث:
الأولى: ما أحاط به قوس نصفِ الدَّائرة، ووترها، قُطرُ الدَّائرة وسهمها، وهو الخطُّ الخارجُ من مُنتَصَفِ القَوسِ إِلى مُنتَصَفِ الوَتَرِ مثل نصفِ وتَرِها.
وطريق مساحتها أن تضرِبَ نصفَ وتَرِها في نصف القوس فما كان فهو مساحتها، ومتى جُهِلَ القَوسُ تضربُ نصف الوتر في ثلاثة وسبع، فما حصل فهو القَوسُ، وإنْ جُهِلَ الوتر تقسمُ ضِعفَ القَوسِ على ثلاثة وسبع، فما خرج فهو الوتر، فلو كانَ الوتر سبعةً كانَ القوسُ أحد عشر، والمساحةُ تسعة عشر وربعاً، وإِنْ كانَ القوسُ اثنين وعشرين كانَ الوتر أربعةَ عشرَ، والسَّهم سبعة، والمساحة سبعة وسبعين على هاتين الصورتين، كما ترَى، فافهم.
هذا بيانُ المُدوّرِ كلَّا أو بعضاً، وإذا كانَ الغَديرُ مُربَّعاً فَإِنَّه يُعتبرُ أن يكونَ كُلُّ جانب منه عشرة أذرع، فتكون مساحته مئة ذراع ليصح التطهير فيه، وكذا إذا كانَ طولاه عشرين وعشرين، وعرضاه خمسة وخمسةً، فهو في حكمه؛ لأنَّ مساحته منةٌ ذراع، كذا في شرحِ القُدُورِيِّ السِّراحِ الوَهَّاجِ»، وفيه خلافٌ لغيره.
ثمَّ قال في «السِّراحِ الوَهَّاجِ: فإِنْ كَانَ مُثَلَّثَاً على هذه الصورة:
فإنّه يُعتبر أن يكون كل جانب منه خمسة عشر ذراعاً وتُمسَ ذراع، حتى تبلغ مساحته مئة ذراع، فمساحته في هذه الصورة أن تضرب أحد جوانيه في نفسه، فما صح أخذت ثلثه وعُشْرَه، فهو مساحته، فمساحته في هذه الصورة أن تضرِبَ خمسة عشر وخمساً في نفسه يكونُ متَتَينِ واحِداً وثلاثين وجزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من ذراع، فثلثه على التقريب سبعة وسبعونَ ذِراعاً، وعشره على التَّقريب ثلاثة وعشرونَ ذراعاً، فذلك منه ذراع. ويبقى قليل لا يبلغ عشر ذراع، انتَهَى نصه، والله المُوفّقُ بمنّه وكرمه، والحمد الله الذي يسر لنا هذا المقدار لبيان الحكمِ والتَّعليل الواضح بأظهر دليل، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّمَ.
كانَ تأليفها بتاريخ أواخر شهر شوال سنة سبع وخمسين وألف.