الأحكام الملخصة في حكم ماء الحمصة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الأحكام الملخصة في حكم ماء الحمصة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حَسْبي وكَفَى
الحمد لله الذي شرع لنا ديناً قيماً غير ذي عِوَج، وكلَّفَنا بما لم يجعل علينا فيه من حَرَج، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله قدوَةِ النَّاسكينَ، وعُمدَةِ المُتطهرين، وصحابته أئمة الدِّينِ، والتابعين لهم بإحسان إلى يومِ الدِّينِ.
وبعد:
فيقولُ العبدُ المُضطَرُّ إلى كرَمِ الله ذي المِنَنِ أبو الإخلاص حَسَنُ الشُّرُنْبُلالي الحنَفِيُّ، عامله الله بلطفه الجليّ والخفي، وغفَرَ له ولوالديه ولمشايخه وإخوانه، والمسلمين آمين
هذه نبذة يسيرة، جواب لحادثة شهيرة، سمّيتها:
الأحكام المُلَخَّصةً في حكم ماءِ الحِمّصة
جمعتها؛ إجابةً لطالبها، أعطاه الله تعالى من فضله ما يُؤَمِّلُه من أعزّ المطالب وأكملها، واستَعَنْتُ بالله سبحانه وتعالى مُستَمِدًّا من جلائل آلائه ومِننه، وقد ورَدَ سؤال.، عن صفةٍ منَ الطَّب استنبطها بعضُ الحُذَاقِ في حرفتِه، وهي: أن تُوضَعَ حمصةٌ في محلّ من الجسدِ بعد كيّ محلّها، أو مواضع متعددة فيه؛ لإذهاب ما هو مضر بإخراج شيء لا يسيلُ بقُوَّتِه، بل يحصُلُ رَشْحٌ يَظْهَرُ على نحو ورقةٍ تُوضَعُ على الحمصة، أو خرقة لإماطته، بحيث لو تُرِك الموضع المذكور، لم يبق لمحل الحمصة انفتاح، ويذهَبُ بِجُملتِه.
فهل هذا الرَّشْحُ القاصِرُ عن سيلانه عن المحل بقُوَّتِه ينقُضُ وُضوءَ صاحبه، ويكون مبطلاً لطهارته؟ أو هو ليس بناقض ولو كانَ الفِعل باختياره وإيجاده مقصوداً بإرادته؟ وهل ذلك الرشح نجس يجب تطهيرُ محله، أو هو محكوم بطهارته؟ بينوا لنا الحكم بالنَّقْلِ الصَّحيح المسطورِ عنِ الإمامِ الأَعظَمِ أبي حنيفةَ المُقدَّمِ على كل إمام بعلو رُتبته، ولكمُ التَّوابُ الجزيل بذلك، وبدفعِ الشُّبهة، ورَدُّ التَّوهُم ممَّن ينسب للمذهب بمُجرَّدِ، دعوته، آدام الله بوجودكم نفع العبادِ غَرْباً وشرقاً بمزيد الإمداد، والثوابِ الجزيل من الله تعالى يومَ التَّنادِ.
الجواب:
الحمد لله مانح الصَّوابِ، هذا الرَّشْحُ الحاصِلُ بوَضعِ الحِمْصِةِ وَضَعَ الإِنسانِ ليس ناقضاً ولا نجساً، فما أصابَ الثَّوبَ منه لا يمنعُ صِحَّةَ الصَّلاةِ ولو كان في مواضع كثيرة يظهرُ فيها بمُلاقاةِ الثّوبِ، ووضعه عليه؛ لأنَّ ما لا يكون سائلاً عن محله بقُوَّةِ نفسه لا يكون نجساً ولا ناقضاً للوضوء، كما نص عليه أَئِمَّتُنا.
قال في الفيض البُرهانِ الكَرَكِي الذي وصفه بقوله: جمعتُ مسائل فقهية مُحرَّرةً مَرْضِيَّةٌ؛ إعانة لمن تصدَّرَ للفتوى، وتذكرةً لمَن وَصَلَ في الفقه الغايةَ القُصَوَى، حرَّرتُها من كتب أصحابنا بعد كثرة المُراجعاتِ، وتكريرِ الفِكْرِ والمُطالعاتِ، ووَضَعتُ في كتابي هذا ما هو الرَّاجِعُ والمُعتَمَدُ، ليُقطَعَ بصحة ما يُوجَدُ فيه، ومنه يُستَمَدُّ، ما نصه: والدَّمُ والقَيحُ والصَّديدُ إذا خَرَجَ مِنَ البَدَنِ ينقُضُ بشرطِ السَّيَلانِ والوصول إلى موضع يلحَقُه حُكمُ التَّطهيرِ شرعاً، سواء كانَ في أعضاء الوضوء أو الغُسلِ. وقوله: «إلى مَوضِع يلحقه حكمُ التَّطهير»؛ يعني يُطلَبُ تطهيره افتراضاً، كما في الجنابة في أيّ عُضوِ كانَ، أو وجوباً، أو نَدْباً، كما إذا كانَ قليلاً في أعضاء الوضوء، وفي مكانِ الصَّلاةِ، ثمَّ الدَّمُ الذي يظهرُ على رأسِ الجُرح ولم يَسِلْ، لو أخذه شخص بقطنة فألقاه في ماءٍ قليل لا يُنجِّسُه في الصحيح؛ لأنَّ ما لا يكونُ حَدَثاً لا يكون نجساً. وكذا لو أصاب ثوبه منه أو بدنَه مُتفرِّقاً أكثرُ مِن قَدرِ الدَّرهم لا يمنعُ جَوازَ الصَّلاةِ به، ولو غرَزَ في عُضوه إبرةً، أو شوكةً، أو نحوَهُما، فبرَزَ منه الدَّمُ، وعلا على رأس الجُرح، وصارَ أكثر من موضعِ الغَرْز، لا ينقُضُ على الصَّحِيحِ، انتَهَى. وفي «التتر خانيَّةِ» عن «مجموعِ النَّوازلِ»: إذا غرَزَ في عُضوه شَوْكاً أو إبرةً، فخرج منه دَم وظهَرَ الدَّمُ ولم يسل، لا يَنْقُضُ وضوءه.
وفي «فَتاوَى خُوارِزْمَ: الدَّمُ إذا لم ينحَدِرْ عنِ رأس الجرح، ولكِنْ علا فصار أكثر من رأسِ الجُرح، الفتوى على أنَّه لا ينقُضُ وضوءه.
وكذا في التَّجنيس والمزيد قالَ: إذا علا الدَّمُ فصارَ أكثر من رأسِ الجُرح، لم ينقض وضوءه، هو الصَّحيحُ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ السَّيَلانُ.
وكذا قالَ الزِّيلَعِيُّ شارِحُ «الكَنْزِ»: لو علا على رأسِ الجُرح ما لم ينحَدِرْ، لم ينقُضُ؛ لأنَّه ليس بسائل، وبه يتحقَّقُ الخُروجُ، وقال محمد رحمه الله: ينقُضُ، والأَوَّلُ أصح، ولا فرق بينَ الدَّمِ والصَّديدِ والقَيحِ والماءِ، انتَهَى.
ولو مُسِحَ قبل أن يسيل: إنْ كانَ بحيثُ لو [تُرِكَ سال، انتقضَ؛ لوُجودِ السَّمَلانِ، وإن كان بحيث لو تُرِكَ لا يسيل، لا ينقُضُ؛ لانعدامه؛ أي: السَّيَلانِ، إِلَّا أَنَّه إِنَّما يُجمَعُ ذلك الذي ظهَرَ ومُسِحَ مَرَّاتٍ إذا كانَ المسحُ في مجلس واحدٍ؛ لأنَّ للمَحَلَّ أثراً في جمعِ الأشياء المُتفرِّقةِ، انتهى.
ومثله في «التَّتَر خانيَّةِ» قال: وإذا مسَحَ الرَّجلُ الدَّمَ عن رأس الجراحةِ، ثمَّ خَرَجَ ثانياً فمَسَحَه؛ يُنظَرُ: إِنْ كانَ ما خَرَجَ بحال لو تركه سالَ، أَعادَ الوضوء، وإِنْ كَانَ بحيثُ لو تركه لا يسيل، لا ينقُضُ الوضوء، ولا فرق بين أن يمسحه بخِرقةٍ أو إصبع وكذلك إذا وَضَعَ عليه قطنةً، أو شيئاً آخَرَ حتّى ينشف، ثمَّ وضعه ثانياً وثالثاً؛ فإنَّه يُجمَعُ جميع ما يَنْشفُ؛ فإنْ كانَ بحيثُ لو تركه، سال، جُعِلَ حدثاً، وإِنَّما يُعرَفُ هذا بالاجتهاد وغلبة الظَّنِّ.
وفي الينابيع»: وهذا عند أبي حنيفة ومحمَّدٍ، خلافاً لأبي يوسف، وكذلك إن ألقى عليه التُّرابَ، ثمَّ ظهر ثانياً فتربه، ثمَّ ثالثاً، أو ألقى عليه دقيقاً أو نُخالةً، فهو كذلك، قالوا: وإِنَّما يُجمَعُ إذا كانَ في مجلس واحدٍ مرَّةً بعدَ أُخرَى، أَمَّا إِذا كانَ في مجالس مختلفة، لا يُجمع.
ومثله في «البَحرِ الرَّائِقِ شرحِ كَنزِ الدَّقائقِ.
فهذه التقولُ والنُّصوصُ مُصَرِّحةٌ بأنَّ فعلَ الإنسان؛ كغَرزه الإبرة ونحوها؛ كالحِمصة، الحكم فيها للسَّيَلانِ وعدَمِه، فما لم يسل بقُوَّةِ نفسه لا يكون ناقضاً للوضوء، ولا نجساً، فما] أصابَ الثّوبَ منه ولو كانَ في محال كثيرة لا ينجُسُ؛ لأنَّ المحلَّ المُصابَ لا يصِلُّ منه إليه إِلَّا بِلَل غيرُ سائل، وهو طاهِرٌ. وكذا باقي المحال، فلا يضُرُّ كثرَتُها، وكذلك إذا أصابَ مائِعاً لا يُنجِّسُه على الصَّحيح؛ لأنَّ الطَّاهِرَ لا يُنجِّسَ شيئاً لا جامداً ولا مائعاً كما قدمناه.
وفي «الكنز» وغيره: ما لا يكونُ حَدَثاً لا يكون نجساً، ونَقَلَ في «البَحرِ» عنِ السِّراحِ الوَهَّاجِ أَنَّ الفَتوَى على قول أبي يُوسُفَ فيما إذا أصابَ الجامداتِ؛ كالتيابِ، والأبدان؛ أي: فلا يُنجِّسُها، وعلى قولِ محمدٍ فيما إذا أصابَ المائعات؛ كالماء وغيره، انتهى.
ولكنَّ هذه التّفرقة غير ظاهرة؛ لأنَّ الصَّحيحَ أنَّ ما لا يكونُ حَدَثاً لا يكون نجساً، فلا فَرْقَ بين إصابته مائعاً أو جامِداً، فبهذا علمتَ أنَّ ماءَ الحِمصةِ الذي لا يسيل بقُوَّة نفسه طاهر لا ينقُضُ الوضوء، ولا يُنجِّسُ الثّوبَ ولا الخرقة الموضوعة عليه، ولا الماء إذا أصابه. فإذا دخل صاحبه الحمام، أو النهر، أو الحوضَ، فَدخَلَ المَاءُ الجُرْحَ، فَعَصَرَ الجُرْحَ، وخرج منه الماء وسال، لا ينقُضُ الوضوء؛ لما علمتَ أنَّ ما ليسَ بحَدَثٍ لا يكون نجساً، فلا ينجُسُ الماء الذي وصَلَ إلى الجُرح الذي ليس فيه دم سائل، ولا قيح سائل.
تنبيه: قد علمتَ حُكْمَ ماءِ الحِمصة الذي ليس له قُوَّةُ السَّيلانِ بنفسه، فلو كانَ الخارج من الحِمصة له قُوَّةُ السَّيَلانِ بنفسه، يكون ذلك السَّائلُ الخارج نجساً ناقضاً للوضوء، ويلزَمُ غَسلُ ما أصابه منَ الثَّوبِ، ولا يجوز لصاحبه الصَّلاةُ حالة سيلانه، فإنَّه ناقض للوضوء، نجس، ولا يصير به صاحبَ عُدْرٍ [ولو اسْتَوعَبَ سَيَلانُه وَقتاً كاملاً؛ فإنَّ صاحبَ العُذرِ هو الذي لا يقدر على رَدَّ عُدْرِه، ولو بالرَّبطِ والحَشْوِ الذي يمنع خروج النَّجَسِ، وصاحِبُ الحِمصة التي يسيل الخارج منها بوضعها إذا ترك الوضع، لا يبقى بالمحل شيء يسيل، فلا يُتصَوَّرُ له طَهَارَةٌ، ولا صحة صلاةٍ معَ سيلائِها؛ لنَقْضِ وُضوئه بالخارج الذي يقدِرُ على منعه من الخروج بتَرْكِ الوَضْعِ، فلا يبقى له مخلَص معَ الوَضْعِ والسَّمَلانِ؛ لبقاءِ وُضوئه، وصحة صلاتِهِ إِلَّا بِالتَّقليد، وهو أن يعتقد قول الإمامِ الشَّافعي، أو الإمام مالك رحمهما الله تعالى في بقاء وهو الطَّهارة، وعدم نقض الخارج من غيرِ السَّبيلين للطَّهارة.
ولكن عليه أن يُراعِيَ شروط مَن قلَّدَه، فيأتي بشُروطِ الطَّهارة عندَه؛ كالترتيب، والنيّة، وغَسْلِ النَّجاسة القليلة، وقراءة الفاتحة، والبسملة في كل ركعة، ولو كانَ مقتدياً عندَ الإمامِ الشَّافعي رحمه الله.
ويأتي بالدَّلكِ للأعضاء في غُسلِه، ووُضوئه عند الإمام مالك، واستيعاب الرَّأْسِ بالمسح، ونحو ذلك.
ولا يصح أن يُلفّقَ في عبادةٍ؛ كما لو مسح بعض رأسه، وتوضَّأَ بماءٍ وَلَغَ فيه الكلب لم يبلغ قُلتَين، فقلَّدَ الإمام مالكاً في طهارة ذلك الماء، وقلَّدَ الإمام الشافعي في مسح بعض الرَّأسِ، وفي تَرْكِ الدَّلكِ؛ فإنَّه لا طَهارة له على مذهب كلُّ منهما. فإنَّ الإمام مالكاً - وإنْ قالَ بطَهارة ذلك الماء الذي شرِبَ منه الكلبُ يُلزمه بمسح كُلِّ الرَّأْسِ والدَّلكِ، وهو مفقود، والإمام الشافعي وإن قالَ بصِحَّةِ مسح القليل منَ الرَّأس، وتركِ الدَّلكِ لا يرى له طهارة ذلك الماء الذي شرِبَ الكلبُ، بل يقول بأنَّه نجس، ولا يطهرُ مُستعمِلُه إلَّا بالغسل سبعاً معَ واحدةٍ بالتُّرابِ، وإذا لم يُترب لا يطهر، ولو غسَلَه ألفَ مرَّةٍ بالماء فقط، وقد ذكرتُ في رسالتي التي سميتها بـ «العِقْدِ الفَريدِ في بيانِ الرَّاجح من جَوازِ التَّقليد»، وذكرتُ فيها أَنَّ التَّلفيق باطِل بالاتفاق بالتحقيق، فمن أرادَ ذلك فلْيُراجعها.
وهذا آخر ما تيسَّرَ جمعه بحَمدِ الله المان بالتوفيق، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمَّدٍ المُرْسَلِ بالهداية وأقوم دين، وأوضح طريق، وعلى آله وأصحابه خيرِ حِزْبٍ وفريق، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين بدوامِ التَّصديقِ.
قالَ المُؤلِّفُ رحمه الله تعالى: انتَهَى تأليفها في أوائل شهر القعدة الحرام من الهجرة النبوية سنة تسع وخمسين وألف، على صاحبها أفضَلُ الصَّلاةِ والسّلام.