إكرام أولي الألباب بشريف الخطاب
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
إكرام أولي الألباب بشريف الخطاب
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعينُ
الحمد الله الأوَّلِ الذي لم يزَلْ عليًّا كبيراً، الآخِرِ الذي لا يزال غنيًّا قديراً، الظَّاهِرِ الذي أظهَرَ أدلَّةَ آياتِه، فهي للعقول ظاهرة الباطِنِ الذي حجَبَ الأوهام عن إدراكِ كُنْهِهِ، فهي عن الفكر فيه قاصرةٌ حائرة، المُتكَلَّمِ بالكلامِ القَديمِ، المُنَزَّهِ عن التَّأخيرِ والتَّقديمِ، وعن الصَّوتِ والحروفِ والجهات الحاصرة.
أكرَمَ مَن أَسْمَعَه كلامه، ورفَعَ بمُخاطَبَتِه به شفاهاً مَقامَه، فكانَتِ الرُّتَبُ لمَن دونه عن الوصول إليه قاصرَة، وخَصَّ بمُشاهدةِ ذاتِه العليَّةِ حينَ مُشافهَتِه بالخطاب منَ الحضرةِ الأحَدِيَّةِ نبيَّه المُصطَفَى، وحبيبه المُجتبى، محمَّداً المُختار لهذه المزيَّةِ الفاخرة بليلة الإسراء، كما خصه بالمَقامِ المحمود، والوسيلة العُظمى في الآخرة،
صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذُرِّيَّتِه وعِتْرَتِه الطَّاهرة. وأكرَمَ مَنْ آمَنَ به بالخُلودِ في الجنانِ والحُورِ والوِلْدَانِ والخَيْراتِ الحِسانِ، وحلاهم بأنواع الحُلِيُّ والحرير، وناداهم العليُّ الكبير: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَشْكُورًا} [الإنسان: ??]، فزادَهُم به من فَضلِه بهجةً وسُروراً، وتجلى لهم تجلياً جليًّا مُنَزَّهاً عن الأَين كريماً عليَّا، فتقَرُّ الأعيُنُ بمُشاهدة تلكَ الذَّاتِ، وتلَذُّ بها، فتتَمَنَّى دَوامَها دونَ ما سواها من عظيم اللَّذَّاتِ، وتتلألأ ذَواتُهم بالأنوارِ الفائقةِ نُورَانِيَّةَ بِهِيِّ الأقمار، جبر قلوبهم بما به متَّعَهم، ورَقَّاهُم ووَقاهُم وأكرمهم بما منَحَهُم، وأثبَتَ في عقائدِهم حصول النَّظِرِ لبارِئهم بأعينهم الباصِرةِ، فقال تعال: {وُجُوهٌ يَوْمَذِ نَاضِرَهُ إِلَى رَبِّهَا ناظرة} [القيامة: 22 - 23].
فهذا نص على الرُّؤية من الكتاب المكنون، وتضمَّنَها أيضاً عُموم قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [الزخرف: 71]. ووَرَدَ في الصَّحيحَينِ أيضاً البُشرى بها، قال صلى الله عليه وسلم لنا منبهاً بفصيح خطابه، كما نقله عنه من سبقَكُم: هل تُضَامُونَ في رُؤية القمرِ ليلةَ البدرِ ليس بينكم وبينَه سَحابٌ؟ كذلك ترونَ ربَّكُم»، وهو حديثٌ صحيح مشهورٌ، رَواهُ أَحَدٌ وعشرون من أكابر الصَّحابة، وذكر أسمائهم بمَحَلَّه مَسطورٌ في حاشية شيخ الأساتذة الأكارم، تلميذ العلّامة ابن الهمام قاسم على «شرح المُسايرة» لأستاذه المذكور.
ليسَ كالمُشاهَدةِ مُشتَهى، ولا كلَذَّةِ الأعْيُنِ مِنَ النَّظَرِ لبارئها، فهي المُنَى إليها ينتهي، لا يُحرمُ المُشتاقُ إذ ذاك من رؤية مولاه، ولا تُحجَبُ عيناه من النَّظَرِ إلى الله، نسألُكَ اللَّهُمَّ بك، مُتوسّلينَ إليك بحبيبك أن تُمتّعنا بالنَّظر إليكَ، وأن تجمَعَنا بك عليك، آمين.
وبعد:
فيقول العبد الفقير إلى مولاه الغني القدير، أبو الإخلاص حَسَنُ الشُّرنبلالي الوفائي الحنفي، عامَلَه الله بلطفه الجليّ والخفيّ: قد ألهم الله سبحانه وأفاضَ نُورانيَّةَ التَّدبرِ حال تلاوة القُرآنِ بالتَّفكَّرِ في بديع قدرة العزيز المنّان، مفادً ما تضمنه قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَيكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30].
هل كانَ القَولُ منه سُبحانَه للملائكة عليهم السَّلام بلا واسطة، أم بواسطة، كإيحائه للرُّسُلِ تبليغاً للخليقة؟
وكان هذا التدبُّرُ إلهاماً من الله سبحانه وتعالى؛ إيقاظاً لتجلّي هذه الفريدة من خِدْرِها، مُتحلّيةً بعِقْدِ جواهِرِ البيانِ بصَدْرِها، مُستَدعيةَ الطَّلبِ بغاية الاشتياق إلى استفادة مثله فيما كانَ لآدم عليه السَّلامُ، وما كانَ لذُرِّيته عند أخذ الميثاق، وفيما كانَ منَ المُحاورةِ بينَ ربِّ العِزَّةِ الملكِ المَعبودِ، والمُخالفِ لأمرِه لَمَّا أَمَرَ الملائكة بالسجودِ، وفيما يُمائِلُ ذلك من خطاب العزيزِ الوَدُودِ.
وتحرير القَولِ في مسألةِ الكلامِ النَّفسي القائم بذاتِ الله سبحانه أزلاً، وتفسير الآيةِ الشَّريفةِ المُستفاد منها ذلك عن أهل الشَّريعة والحقيقة الجامعينَ بينهما عِلماً وعملاً.
وما كانَ للمُصطَفَى المخصوص بمزيد العناية الأبديَّةِ مِن مُشاهدةِ الذَّاتِ العَلِيَّةِ حال إسرائه، ومُشافهَتِه بخطاب الحضرَةِ الأحدِيَّةِ.
وتحرير الأقوال في ذلك بما تطمئن به وتركَنُ إِليه النُّفوسُ المُطَهَّرَةُ الزَّكَيَّةُ، والباعث على تحرير هذه السطور وإنْ كانَ الحكمُ المُستفاد منها عندَ ذَوي الفضائل من جملة المشهور تركُ غالب أهلِ التَّفسير ذكر المسؤول عنه في مظلَّتِه، وبه تزداد الرغبة في قنيته؛ لتكثر الفائدة، وتتوفَّرَ العائدة، فجمعته راجياً من فضل الله القبول، فهو خير مسؤول، وأكرم مأمول، وسمّيته:
«إكرام أولي الألباب بشريف الخطاب»
قال الله سبحانه وتعالى في سورةِ شُورى: {وَمَا كَانَ لِبَشَر}؛ أي: ما صَحْ لَفَردِ من أفرادِ البَشرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ بوجه منَ الوُجوهِ إِلَّا وَحْيا بأن يُوحِيَ إليه، ويُلهمه ويقذف في قلبه، كما أَوْحَى إلى أُمَّ مُوسَى، وإلى إبراهيم عليه السَّلامُ مَناماً في ذَبح ولده، وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داود عليه السَّلامُ في صَدْرِه. أو بأن يُسمعه كلامه، كما قال تعالى: {أَو مِن وَرَاي حِجَابٍ}؛ فإنَّه تمثيل بحال الملك المُحتجِبِ الذي يُكلِّمُ بعض خواصه من وَراءِ حِجَابٍ، يُسْمَعُ صَوتُه ولا يُرَى شخصه، وذلك كما كُلَّمَ مُوسَى عليه السَّلامُ، وكما يُكلَّمُ الملائكةُ عليهم السلام، كذا في تفسير العلامة أبي السعودِ المُفتي رحمه الله.
وفي «الكشاف»: قوله تعالى: أَو مِن وَرَآيِ حِجَابٍ، مَثَل؛ أي: كما يُكَلَّمُ الملك المُحتَجِبُ بعض خواصه وهوَ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ، فيُسْمَعُ صَوتُه ولا يُرَى شَخصه، وذلك كما كُلَّمَ مُوسَى عليه السَّلامُ، ويُكلَّمُ الملائكةُ عليهم السلام.
ومثله في تفسير الشيخ الإمام الحسن النيسابوري.
وسنذكر دليل ذلك منَ السُّنّةِ الشَّريفةِ إِنْ شاءَ اللهُ تعالى، ورُوِيَ أَنَّ مُوسَى عليه السَّلامُ كانَ يسمَعُ ذلك الكلام من كلِّ جهة.
أو بأنْ يُكلِّمه بواسطةِ المَلَكِ، وذلك قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}؛ أَي: مَلَكاً، فيوحي ذلك الرَّسُولُ إلى المُرسَلِ إليه الذي هو الرَّسُولُ البَشَرِيُّ، بِإِذْنِهِ؛ أي: بأمره وتيسيره مَا يَشَاءُ أَن يُوحِيَه إليه.
وهذا هو الذي يجري بينَه تعالى وبين الأنبياء عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عامَّةِ الأوقات من الكلام.
ورُوِيَ أَنَّ اليهود قالت للنبي: ألا تُكلّمُ اللهَ وتنظُرُ إليه إنْ كنتَ نبيًّا كما كلَّمَ مُوسَى ونظر إليه، فإنَّا لن نُؤْمِنَ حتّى تفعل ذلك، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لم ينظُرْ مُوسَى إلى الله، فنزلَتْ هذه الآيةُ {إِنَّهُ عَلِيُّ} مُتعال عن صفاتِ المخلوقين، لا يتأتى جرَيانُ المُفاوضةِ بينَه تعالى وبينهم إلَّا بأحدِ الوُجوهِ، {حَكِيمُ} [الشورى: 51] يُجري أفعاله على سننِ الحكمة، فيُكلِّم تارةً بواسطة، وأُخْرَى بِدُونِها، إِمَّا إِلهاماً، وإمَّا خطاباً، كذا في «تفسير العلامة المُفتي» و «الكَشَّافِ».
وقال العلامة الإمامُ البَيضاوِيُّ رحمه الله: فيُكلِّم تارةً بواسطة، وتارةً بغير واسطة، إما عياناً، أو من وَراءِ حِجاب، انتَهَى.
وأرادَ بقوله: «إِمَّا عياناً» الرَّدَّ على المعتزلة النَّافِينَ للرؤية بقولهم: الآية سِيقَتْ لنَفْيِ أن يراه أحدٌ من البشر حينَ يُكلِّمه، فكيفَ في غير تلك الحالة؟ والجواب بالمَنعِ كما سنذكره، أو الحَملُ على الرؤيةِ في الدُّنيا، كما قال الإمامُ الفَخْرُ الرَّازِيُّ: فيُزادُ في اللفظ قيد، فيكونُ التَّقدير: وما كان لبشر أن يُكلّمه الله في الدُّنيا إلا على أحد هذه الأقسامِ الثَّلاثةِ، إِمَّا على الوَحْيِ والإلهام والقذف في القلب، أو المنام كما أوحى إلى أُمَّ مُوسَى، وإلى إبراهيم عليه السَّلامُ في ذَبْحِ ولده، وعن مُجاهِدٍ: أَوْحَى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داودَ عليه السَّلامُ في صَدْرِه. وإما على أن يُسمِعَه كلامه من غير واسطة، وهذا أيضاً وَحْي، بدليل أنَّه تعالى أسمَعَ مُوسَى عليه السَّلامُ كلامه من غير واسطة، معَ أَنَّه سماه وَحْياً، قالَ تعالى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 13]، انتَهَى.
ويَعلَمُ بعلمٍ ضروري سامعُ الكلام الذي هو صفةٌ قديمةٌ مُنَزَّهةٌ عن كونها بحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وعن كونها بجهةٍ: أَنه كلام الله عزَّ وجَلَّ، وسنذكر تتمةَ الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
وقال في «تفسير الخازِنِ»: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا} [الشورى: 51]، قال بعضُ العُلَماءِ: إِنَّ المُرادَ بالوَحْيِ الكلام من غير واسطة، والجمهور على أن المراد بالوحي هنا الإلهام، والروية في المنام، انتهى. وقد قال العلامة الإمامُ البَيضاوِيُّ: رحمه الله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ، وما صَحَ لبشر هو أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً} كلاماً خفيًا يُدرَك بسرعةٍ؛ لأنَّه تمثيل ليس في ذاتِه مُرَكَّباً من حُروفِ مُقطَّعَةٍ يتوقَّفُ على تموجاتٍ مُتعاقبة، وهو ما يعُمُّ المُشافهة به؛ كما رُوِيَ في حديث المعراج، وما وُعِدَ به في حديثِ الرُّؤيةِ والمهتف به، كما اتَّفَقَ لمُوسَى عليه السَّلامُ في طُوِّه والطُّورِ، لكنَّ عَطْفَ قوله: أَوْ مِن وَرَابِي حِجَابٍ عليه يخصه بالأَوَّلِ، فالآية دليل على جَوازِ الرُّؤيةِ، لا على امتِناعِها.
وقيل: المُرادُ الإلهام والإلقاء في الرُّوعِ، والوحي المنزل به الملَكُ إلى الرُّسُلِ، فيكونُ المُراد بقوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}: أَو يُرسل إليه نبيا فيُبلغ إليه وَحْيَه كما أمره، وعلى الأوَّلِ المُرادُ بالرَّسولِ الملَكُ المُوحِي إِلى الرَّسولِ.
تنبيه:
قُلتُ: لا يذهَبْ عليك أن تفهم عن هذا الإمام الجليل - أعني: البيضاوي رحمه الله - القَوْلَ بتأثير تموج الهواء في إحداثِ الكلامِ البَشَرِيَّ؛ لأنَّ الصَّوتَ والحرف مع كونهما من الكيفيَّاتِ المَحسوسة والموجوداتِ الخارجيَّةِ يحدثانِ عندَنَا بِمَحْضِ خَلْقِ الله تعالى من غيرِ توسط تأثير لتموحِ الهواء والقَرْعِ والقَلْعِ كسائر الحوادث.
وعند الفلاسفة: الصَّوتُ كيفيَّةٌ تحدثُ في الهواء بسبب تموجه المعلول للقَرْعِ، الذي هو إِمْسَاسٌ عنيف، أو القَلْعِ الذي هو تفريقٌ عنيف، بشرط مُقاومة المقروع للقارع، والمقلوع للقالعِ، كما في قَرْعِ الماء، وقَلْعِ الكِرْباسِ، بخِلافِ القُطْنِ؛ لعدمِ المُقاومة.
والمراد بالتموج حالة شبيهة بتموج المال، تحدث بصدم بعد صدم، مع سكون بعد سُكون، وليسَ الصَّوتُ نفسَ التَّموجِ، أو نفسَ القَرْعِ والقَلْعِ على ما توَهَّمَه بعضُهم؛ بناءً على اشتباهِ الشَّيء بسببه القريب أو البعيد؛ لأنَّ التَّمَوُّجَ والقَرْعَ والقَلْعَ ليست من المسموعات قطعاً، بل رُبَّما يُدرَكُ الأوَّلُ باللمس، والأخيرانِ بالبصر. وقد يُتَوَهَّمُ أَنَّه لا وُجودَ للصَّوتِ في الخارج، وإنَّما يحدثُ في الحِس عند وصولِ الهواءِ المُنمَوجِ إلى الصماخ، واستُدلَّ على بطلان ذلك بأنَّه لو لم يُوجَدْ إلا في الجس لما أدركَ عند سماعه جهته، ولا حده منَ القُربِ والبُعدِ؛ لأنَّ التَّقديرَ أَنَّه لا وجود له في مكان وجهةٍ خارج الحِس واللَّازِمُ باطل قطعاً؛ لأنَّا إِذا سَمِعْنَا الصَّوتَ نعرف أنه وصل إلينا من جهة اليمين أو اليسار، من مكان قريب أو بعيد. لا يُقال: يجوز أن يكون إدراك الجهةِ لأجل أنَّ الهواء المُتمَوِّجَ يجيء منها، وتمييز القريب والبعيد لكَوْنِ أثر القارع القريب أقوى من البعيد، وإن لم يكُنِ الصَّوتُ موجوداً في الجهة والمسافة؛ لأنَّا نقولُ: لو صَحَ الأَوَّلُ لَما أُدرِكَتِ الجهة التي على خلافِ الأُذُنِ السَّامعةِ، وليس كذلك؛ لأنَّ السَّامعَ قد يسُدُّ أذنه اليمنى، ومجيء الصوت من يمينه، فيسمعه بأذنه اليُسرى، ويعرِفُ أَنَّه جَاءَ من يمينه، معَ القَطْعِ بِأَنَّ الهواء المُتموِّج لا يصِلُ إلى اليُسرى إلا بعد الانعطاف عن اليمين.
ولو صَحَ الثَّاني لزِمَ أن يُثبِتَه الصَّوتُ بحَسَبِ القُوَّةِ والضَّعَفِ بالقُربِ والبُعدِ، فلم يُميز بين البعيدِ القَوِيِّ والقَريب الضعيف، وليس كذلك. وقال الإمامُ فَخرُ الدِّين: اختلَفُوا في أَنَّه هل يُعتبرُ في السَّمع وصول الهواء الحامل للصوتِ إلى الصماخ؟ فعندنا غيرُ واجب، كذا في عُمدَةِ المُريد شرح جَوهَرةِ التَّوحيد»، وهو الكبير من شُروحِها الثَّلاثةِ، لمُؤلِّفها مولانا وأُستاذنا العلامة الشيخ إبراهيمَ اللَّقَانِي رحمه الله وأعطاهُ ما تَمنَّاهُ.
وأما إعراب الآيةِ الشَّريفة: فقال العلامة الإمامُ البَيضاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بعدما تقدَّمَ: و {وحياً} بما عُطِفَ عليه مُنتَصِبٌ بالمصدر؛ لأنَّ {مِن وَرَاى حِجَابٍ} صفة كلام محذوف، والإرسال نوع من الكلام، ويجوز أن يكونَ «وحياً» و «يُرسِلَ» مصدرَينِ، و من وراء حجابِ ظَرفاً وقعَتْ أحوالاً، انتَهَى.
وقال في تفسير الكَرْماني: قوله تعالى: {أَوَيُرْسِلَ رَسُولًا} لا ينتَصِبُ بـ «أنْ» في قوله أن يُكَلَّمَهُ؛ لأنَّ الحمل عليه إنكار لإرسال الرسل، وذلك كُفر، بل هو منصوب بإضمار «أن»، والتَّقديرُ: إِلا وَحْياً أو إرسالاً رسولاً، والمعنى: إلا أن يُوحِيَ وحياً، أو أن يُرسل رسولاً.
ومَن رَفَعَ «يُرسِلُ»، فـ «يُوحِي» استئنافٌ، أو عَطفٌ على الحالِ، فَإِنَّ التَّقدير: إلا مُوحِياً، أو يُرسل رسولاً فيُوحِي.
وقوله: أَو مِن وَرَآي حِجَابٍ، من مُتعلّق بمُضمَر تقديره أو أن يُكلِّم من وراء حجاب، ويبعد تعلقه بقوله: {أَن يُكَلِمَهُ اللهُ}؛ لأنَّ ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعد «إلا»، وأجاز أبو علي ذلك في الطَّرفِ خاصَّةً، وهاهنا ظرفٌ.
قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} إشارة إلى قوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا بدليل قوله: رُوا مِنْ أَمْرِنَا؛ يعني: جبريل.
الغَرِيب: قالَ الشَّيخُ الإمامُ: يحتمل أنه إشارة إلى الخِلالِ الثَّلاثِ؛ فإِنَّه عليه السَّلامُ كانَ في بَدء أمرِه يَرَى الرُّؤيا، وقد سمع الكلام ليلةَ المِعراج من وراء حجاب، وأتاه جبريل عليه السَّلامُ على الدَّوامِ، بل زاد على سائر الأنبياء عليهم السَّلامُ فيمَن يقول: إنَّه عليه السَّلامُ رأى اللهَ سُبحانه وتعالى ليلةَ المِعراج؛ فَإِنَّه إِذا أُثبتتِ الرُّؤيةُ أُثبِتَ الكلام من غيرِ حِجاب، وتلك فضيلةٌ له صلاة الله عليه، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلين انتهى.
قلت: وسنذكرُ أنَّه صح عندَ الجمهور رؤيةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَبَّه عزَّ وجلَّ بعيني رأسه، انتهى ..
وفي تفسير الإمامِ عبد الله أحمدَ بنِ محمد البسيلي»: قوله تعالى: {وَمَا كانَ لِبَشَرِ} [الشورى: 51] الآيةَ: هي مانعةُ خُلو فقط، انتَهَى.
أي: فهي غير مانعة الجمعَ، وقد حصل الجمعُ لسيّدِنا محمَّدِ، انتَهَى. ثمَّ قال: وذكر أبو حيَّان عن أبي البقاء: أنَّ «كان» شأنيّةٌ، وأنَّ «يُكلَّمَه» فاعل بما في المجرور من معنى الفعل، وأبطله؛ فإنَّ «كانَ الشَّأنيَّةَ لا بدَّ من كون الجملة المُفسّرة لها مُصرَّحاً بجُزأيها، قالَ اللَّهُمَّ إذا جُعِلَت الجملةُ مُبتدأ وخبراً، فيصح كُونُها شأنيَّةً، انتَهَى.
يُرَدُّ بكونها أيضاً لا يكونُ مُصرَّحاً بجُزئيها؛ لأنَّ خبر المبتدأ في مُقدَّرٍ المجرور، فاللَّازِمُ واحد، انتهى.
وفي «الدر المصون في علومِ الكتاب المكنون»: قوله سُبحانَه: {أَن يُكَلِّمَهُ} أن ومنصوبها اسم «كان» وليس خبر «ما».
وقال أبو البقاء: «أن» والفعل في موضع رفع على الابتداء، وما قبله على الخبر، أو فاعل بالجار؛ لاعتماده على حرفِ النَّفي، وكأَنَّه وَهِمَ فِي التَّلاوةِ، فَزَعَمَ أَنَّ القُرآنَ وما لبشر أن يُكلِّمه معَ أَنَّه يُمكِنُ الجواب عنه، بتكلف.
وإلا وَحْيًا يجوز أن يكون مصدراً؛ أي: كلام وَحْيِ.
وقال أبو البقاء: استثناء مُنقطع؛ لأنَّ الوَحْي ليس من جنس الكلام، وفيه نظَرُ؛ لأنَّ ظَاهِرَه أنَّه مُفرَّغ، والمُفرَّغ لا يُوصَفُ بذلك، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال.
قوله تعالى: {أَوَيُرْسِلَ} قرأ نافع «يرسل برفع اللام، وكذلك «فيوحي» فسكنت ياؤُه، والباقون بنصبهما.
فأمَّا القِراءة الأولى: ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه رفع على إضمار مبتدأ؛ أي: أو هو يُرسِلُ.
الثَّاني: أنَّه عطف على وحياً» على أنَّه حال؛ لأنَّ وَحياً في تقدير الحال أيضاً، فكأَنَّه قالَ: إِلَّا مُوحِياً أو مُرسِلاً.
الثَّالثُ: أن يُعطَفَ على ما يتعلَّق به من وراء؛ إذ تقديره: أو يُسْمِعُ مِن وراء حجاب، ووحياً في موضع الحال، عطف عليه ذلك المُقدَّرُ المَعطوف عليه أو
يُرسل»، والتَّقديرُ: إِلا مُوحِياً أو مُسمِعاً من وراء حجابٍ أو مُرسلاً.
وأَمَّا الثَّانِيَةُ: ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يُعطَفَ على المُضمَرِ الذي يتعلَّق به «من وراء حجاب»؛ إذ تقديره: أو يُكلِّمه من وراء حجاب، وهذا الفعلُ المُقدَّرُ معطوف على «وَحْياً»، والمعنى: إلا بوَحْيِ، أو إسماع من وراء حجاب، أو إرسال رسول، ولا يجوز أن يُعطَفَ على «يُكلِّمه» لفَسادِ المعنى.
قُلتُ: إذ يصيرُ التَّقديرُ: وما كانَ لبشر أن يُرسِلَ الله رسولاً، فيفسد لفظاً ومعنى.
وقالَ مكَّيُّ: لأنه يلزَمُ منه نفي الرُّسل، ونفي المُرسَلِ إليهم.
الثاني: أن يُنصَبَ بـ «أن» مُضمَرةً، وتكون هي وما نصبته معطوفين على «وَحياً»،
«وحياً» حال، فيكون هنا أيضاً حالاً، والتقديرُ: إِلَّا مُوحِياً أو مُرسِلاً.
وقال الزمخشري: «وَحْياً» و «أن يُرسِلَ مصدرانِ واقِعَانِ مَوقِعَ الحال؛ لأنَّ «أن يُرسل في معنى إرسالاً، ومن وراء حجاب ظرف واقع موقع الحال أيضاً؛ كقوله: {وَعَلَى جُنُوبِهِم} [آل عمران: ???]، والتَّقدير: وما صَحَ أن يُكلِّمَ أحَداً إلا مُوحِياً، أو مُسمِعاً من وراء حجاب، أو مرسلا.
وقد رد عليه الشَّيخُ: بأن وقوع المصدر موقع الحال غير منقاس، وإنما قاس منه المُبرِّدُ ما كانَ نَوعاً للفعل، فيُجيز: «أَتيتُه رَكْضاً»، ويمنَعُ «أَتيتُه بُكاء»؛ أي: باكياً، وبأنَّ «أن يُرسل لا يقع حالاً؛ لنص سيبويه على أنَّ «أن» والفعل لا يقعُ حالاً وإن كان المصدرُ الصَّريح يقعُ حالاً، تقول: «جاء زيدٌ ضَحِكاً»، ولا يجوز «جاءَ زيدٌ أن يضحَكَ».
قلتُ: وبذلك يُرَدُّ على الإمامِ البَيضاوِيّ رحمه الله؛ لمتابعتِه الزَّمخشرِيَّ فيما قاله، انتهى.
الثالث: أَنَّه عَطف على معنَى وحياً»؛ فإنَّه مصدرٌ مُقدَّر بـ «أن» والفعل، والتَّقدير: إلَّا بأن يُوحِيَ إليه، أو بأن يُرسِلَ، ذكرَه مكَّي وأبو البقاء.
وقوله: أَوْ مِن وَرَاي حجاب العامة على الإفرادِ، وابن أبي عبلةَ «حُجُب جمعاً، وهذا الجار يتعلق بمحذوف تقديره: أو يُكلِّمه من وراء حجاب.
وقد تقدَّمَ أنَّ هذا الفعل معطوف على معنى «وَحياً»؛ أي: إلا أن يُوحِيَ أو يُكلِّمه. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يتعلَّق «من» بـ «يُكلَّمَه» الموجودة في اللَّفْظِ؛ لأنَّ ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعد «إِلَّا»، ثمَّ قال: وقيلَ: «من» مُتعلِّقة بـ «يُكلِّمه»؛ لأَنَّه ظرفُ، والظَّرفُ يُتَسَعُ فيه، انتَهَى.
وقال الإمامُ البَسِيلي: قالَ السَّفاقُسِيُّ: ليسَ مُطلَقاً، بل إلَّا أن يكونَ مُستثنى منه أو تابعاً على الأصح، انتهى.
وبتسليم هذا الرَّدَّ إِنْ كانَ العامل فيه مُقدَّراً قبل الاستثناء فهو منفي، فيمتنع عمله؛ لأنَّ المعنى يُبطله، وإن كان مُقدَّراً بعده، فيكون مثبتاً لكنه يلزم عليه عملُ المُستثنى، وهو لا يعمل، انتهى.
وأما تفسير الآية الشَّريفة على طريقة أهل الحقيقة الجامعين بينها وبين الشَّريعة: فقد علمت أنَّ اللهَ سُبحانه كلَّمَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج بلا واسطةٍ مُواجهةً، ولم يبقَ حجاب.
وأمَّا مَن سِوَى المُصطَفَى المَخصوص بهذه الحضرة الأحدِيَّةِ، ومُشاهَدَةِ الذَّاتِ العلية: فلِقُصوره عن بلوغ هذا المَقامِ إِنَّما حصل له التشريف بسماع الكلام، فهو محجوب ولو بحِجاب من الأوهام، لما قال العارِفُ بالله تعالى سيدي الشَّيخُ عبد الوَهَّابِ الشَّعراني في القواعدِ السَّنية في توحيد أهل الخصوصية» عند الكلام على قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وراي حِجَابٍ} [الشورى: 51]. اعلَمْ أَنَّ أَدْنَى الحُجُبِ الصُّورةُ التي يقعُ في الذُّهنِ التَّجَلِّي فيها؛ فإنَّه تعالى ما هو
الصورة، تعالى الله عن ذلك، ولا يشهَدُ منَ الحقِّ إلا التَّجلّي الصُّورِي، انتهى. قلت: وهذا في غير الأنبياءِ صَلَواتُ الله وسلامه عليهم؛ لما سنذكره عنه في تفسيره، انتهى.
وقال أيضاً في الحديثِ الشَّريف: «إنَّ الله تعالى احتجب عن العُقولِ كما احتجبَ عن الأبصار، وإنَّ الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم»، رواه الحكيم الترمذي، فأخبر أنَّ العقل لم يُدركه بفكره، ولا بعين بصيرته كما لم يُدركه البصر، انتهى. ويتضح ذلك بما قاله سيدي الشَّيخُ عبدُ الوَهَّابِ الشَّعراني في تفسيره الآيةَ الشريفة حيث قالَ: قَوله عزّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وَرَايِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلَى حَكِيمٌ} [الشورى: 51]:
اعلَمُ أَنَّ المانع من سَماعِ كلامِ الحقِّ تعالى إنَّما هو البشرية، فإذا ارتفع العبد عنها كلمه الله تعالى من حيثُ كلَّم الأرواح؛ لأنَّ الأرواح لا تقبلُ التَّحيز والانقسام، فإذا زال العبد عن بشريته في نظره، وتحقق بمشاهدته رُوحه؛ كَلَّمَه الله تعالى بما يُكلَّمُ به الأرواح المجردة عن المواد، فلذلك قررنا غير ما مرَّةٍ أَنَّ الإِنسَانَ إِنَّمَا سُمِّيَ بِشَراً؛ لمُباشرته للأمور التي تعوقه عن اللحوق بدرجةِ الرُّوحِ. فلما لم يلحق كلَّمه الله تعالى في الأشياء، وتجلى له فيها، بخلافِ مَن لحق بدرجة الرُّوحِ؛ كالأنبياء عليهم السَّلام، فلا يتجلى الحق تعالى لغير نبي إِلَّا في حجابِ الصُّور.
ولولا هدايته تعالى للعبد ما عرَفَ أنَّه ربُّه، وفي مثل هذا يقعُ التَّجلّي الإلهي في الآخرة الذي يقعُ فيه الإنكارُ من بعض النَّاسِ، فمَن كَشَفَ اللهُ تعالى عنه الحِجَابَ عرف الحقِّ في كل تجَل، ومَن حجبه أنكره في كل تجل لم يتجل له في الدُّنيا.
واعلم أنَّ الحقيقة تأبى أنْ يُكلَّمَ الله غير نفسه، أو يسمعه غير نفسه، فلا بُدَّ إِذا خاطب عبداً على قَصْدِ إسماعه أن تكونَ جميع قواه؛ لأنَّه مُحالٌ أن يُطيقَ الحادِثُ سماع كلام القديم، ولم يكُنِ الحق تعالى قوَّاهُ عندَ النَّجْوى.
ولذلك خَرَّ مُوسَى صعِقاً؛ إذ لم يكُنِ استعداد يقبلُ به التَّجلّي اللائق بمقامه، وثبت نبينا محمداً؛ لقُوَّةِ استعداده، ولما لم يكُنْ للجبل درجة المحبَّةِ التي يكونُ بها الحق سمع عبده وبصَرَه وجميعَ قواه؛ لم يقدِرْ على سماع خطاب الله ذاك، فافهم.
واعلم أن حديث الحقِّ للخلق لا يزال أبداً، غيرَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يَفهَمُ أَنَّه حديث؛ كعُمَرَ بنِ الخطَّابِ، ومَن ورثه من الأولياء، ومنهم من لا يعرِفُ ذلك، بل يقول: ظهر لي كذا وكذا، ولا يعرفُ أنَّ ذلك من حديث الحق معه في نفسه كما سيأتي بيانه في قوله عليه السَّلام: «إنْ يكُنْ من أُمَّتِي مُحدَّثونَ، فَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ. وكان شيخُنا رضي الله عنه يقولُ: كانَ عُمَرُ من أَهلِ السَّماعِ المُطلَقِ، الذين يُحدثهم الله في كل شيء، ولكن له ألقاب، وهو أنَّه إن أجابوه تعالى به، فهو حديث، وإن أجابوه بهم فهي مُحادثةٌ، وإنْ سَمِعُوا حديثه، فليس بحديث في حقهم، وإنما هو خطاب أو كلام.
وقد ورد في المُتهجدينَ أنَّهم أهلُ المُسامرة، فقد علَمْتَ أَنَّ الوَحْيَ ما يُلقيه الله تعالى في قُلوبِ خَواص عباده على جهة الحديثِ، فيحصل لهم من ذلك علم بأمرٍ ما، فإن لم يكن كذلك، فليسَ بوَحْيِ ولا خطاب؛ فإنَّ بعضَ النَّاسِ يجدون في قلوبهم علماً بأمر ما، مثل العلوم الضرورية عندَ النَّاسِ، فهو علم صحيح، لكن ليس صادِراً عن خطاب، وكلامنا إنَّما هو في الخطابِ الإلهي المُسمَّى وَحْياً، فإِنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ هذا الصنف منَ الوَحْيِ كلاماً، ومن الكلامِ يُستفاد العلم بالذي جاء له ذلك الكلام، وبهذا يُفرِّقُ مَن وَجَدوا ذلك، انتهى.
والحديث الذي أحالَ على البيان في سياقه فقد ذكره هذا العارِفُ بقوله: وقال: «إنْ يكُن من أُمَّتِي مُحدَّثون فعُمَرُ بنُ الخطَّابِ؛ المُرَادُ بالمُحدِّثِينَ الذين يفهمونَ عن الله تعالى ما حدَّثَهُم به في كل شيء، وهم أهلُ السَّماعِ المُطلق، فإن أجابوه به فهو حديث، وإن أجابوه بهم، فهي مُحادثةٌ، وإن سمِعوا حديثه فليس بحديث في حقهم، وإنما هو خطاب أو كلامٌ، وأهل الحقائق يمنعون المُحادثة، ولا يمنعون المناجاة؛ لأنَّ الحق لا يُحدثه منهم أحد، لكن يُناجُونَه ويُسامِرونه كالمتهجدين هم أهل المُسامرة.
واعلَمْ أَنَّ كلَّ ما سمِعَه العبد حديث بلا شكٍّ وإن اختلفَتْ ألقابه؛ كالسَّمَرِ والمناجاة والمُناغاة والإشاراتِ.
ثمَّ اعلَمْ أنَّه لا تكليف في حديثِ المُحدَّثينَ معَ الله تعالى، بخِلافِ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلامُ الذين يأخُذونَ بواسطةِ الرُّوحِ الأَمينِ مِن عَيْنِ الملكِ، فالمُحدَّثُ ما له سوى الحديثِ، وما يُنتجه من الأحوالِ والمَقاماتِ، وأمَّا النَّبِيُّ فيُنتجُ وَحيه الأمر والنَّهيَ والشَّرائعَ المُنزلةَ، فلا تشريعَ للمُحَدَّثِينَ منَ الأولياءِ، إِنَّما لهم التَّعريفُ بما أجمل عندَ العُلماء في الشَّريعةِ فقط. وكثيراً ما يتكلَّمُ بعضُ الأولياء بأمورٍ مُتوقفة على الذُّوقِ، فيتخَيَّلُ مَن لا ذَوقَ له أنَّ هذا يدَّعي النُّبوَّةَ، وأنَّه جاءَ بشريعةٍ خاصَّةٍ غير شريعة نبيه، وليس الأمر كذلك كما قررناه مراراً، انتهى كلامه على الحديثِ.
ثم قال في تفسيره الآية واعلَمْ أَنَّه لا ينزل على قلوبِ الأولياء من وَحْيِ الإلهام إلا دقائق ممتدَّةٌ من الأرواح الملكية لا نفس الملائكة؛ لأنَّ الملك لا ينزِلُ بوَحي على غير قلب نبي أصلاً، ولا يأمرُ بأمر إلهي جملةً واحدةً؛ لأنَّ الشَّريعة قد استقرَّتْ وتبيَّنَ الفَرضُ والواجب وغيرهما.
فانقَطَعَ الأمر الإلهي جملة بانقطاعِ النُّبُوَّةِ والرِّسالة، ولذلك قال عليه السَّلام: إنَّ النُّبوَّةَ والرّسالة قد انقَطَعَتْ، فلا نبي بعدي ولا رسول»، فما بقي بعد انقطاع النُّبوَّة إلا وَحْيُ المُبشِّراتِ، وهو الوَحْيُ الأعَمُّ، فيكونُ منَ الحقِّ إلى العبد من غيرِ واسطة، ويكون أيضاً بواسطة، والنُّبوَّةُ من شأنها الواسطة، فلا بد من واسطة الملكِ فيها، لكن الملك لا يكون حال إلقائه للولي ظاهراً، بخلافِ الأنبياءِ، يَرُونَ الملك حال الكلام، والوليُّ لا يشهَدُ الملك إلا في غير حالِ الإلقاء، فإن سمع كلامه لم يرَهُ، وإن رآه لا يُكلمه، فلا يجمَعُ بينَ الشُّهودِ للملك حال الإلقاءِ إلا الأنبياء، فالعارِفُونَ لا يُبالون ما فاتهم من النبوَّةِ مَعَ بقاء المُبشِّراتِ عليهم.
إلا أَنَّ النَّاسَ يتفاضلون فيها، فمنهم من لا يبرح في بشارة الواسطة، ومنهم من يرتفع عنها؛ كالأفراد، فإنَّ لهم المُبشِّراتِ بارتفاع الوسائط، وما لهم النُّبوَّاتُ، ولهذا يُنكر عليهم الأحكام؛ لأنَّهم ضاهَوا الأنبياء من كونهم يعملون بما يرونه من تعريفات
الحق لهم، كأنه شريعةٌ مُستقِلَّةٌ في الظَّاهر، وليس ذلك بشريعة، إنَّما هو بيان لها. فالمُنقَطِعُ إِنَّما هو وَحْيُ التشريع لا غير، أمَّا التَّعريف بأمورٍ مُجملة في السُّنَّةِ فهو باق لهذه الأُمَّةِ؛ ليكونوا على بصيرة فيما يدعونَ النَّاسَ إليه؛ لأنَّه خبر إلهي، وإخبار من الله للعبد على يد ملك مُغَيَّبٍ على هذا المُلهَم، ولا يكونُ الإلهام إلا في الخير لا في الشَّرِّ، فلا يُقالُ فِي الشَّرِّ: أُلِهِمْتُ بكذا. وأما قوله تعالى: {فَأَلهُمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: ?]، فالمراد: فألهمها فجورها؛ لتجنيبه، لا لتعمل به، وتقواها؛ لتعمل به.
واعلم أنَّ أكمل الإلهام أن يُلهم العبد لاتباعِ الشَّرع، والنَّظرِ في الكُتُبِ التي جاءَتْ من عند الله تعالى، ويقف عندَ حُدودِها وأوامرها، حتّى يزول صدى طبيعته، وتنتقش فيها صُورُ العالم، ويرى ما حُجِبَ عن النَّاسِ لَصَّفاءِ نفسه وشفافها. وقد بسطنا الكلام على الإلهام في كتاب اللواقح.
وأما قوله تعالى: {أَوْ مِن وَرَاى حِجَابٍ} [الشورى: 51]: فهو خِطاب إلهي يُلقيه على السمع لا على القلب، فيُدرِكُه مَنْ أُلقي عليه، فيفهم منه ما قصَدَه مَن يسمعه ذلك، وقد يحصل له ذلك في صورِ التَّجلّي، فتخاطبه تلك الصّورة، وهي عَينُ الحِجابِ، فيُفهَمُ من ذلك الخطابِ علم ما يدلُّ عليه، ويعلمُ أنَّ ذلك حِجابٌ، وأنَّ المُتكلّم من وراء ذلك الحجاب.
وكلَّ مَن أدرَكَ صورةَ التَّجلّي الإلهي يعلَمُ أنَّ ذلك هو الله، فما يزيدُ صاحب هذا الحال على غيرِه إِلَّا معرفته بأنَّ المُخاطِبَ له مِن وراء الحجاب الحقُّ. وأَمَّا قَولُه: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}: فهو ما ينزل به الملك، أو ما يجيء به الرَّسول البَشَرِيُّ إلينا إذا نقلا كلام الله خاصَّةً، كالتَّالِينَ، فإنْ نقَلَا عِلْماً وجَداه في أَنفُسِهما وأفصحا عنه، فذلك ليس بكلام إلهي.
وسيأتي في البابِ الثَّالِثِ أَنَّ مِنَ الأولياءِ مَن يُعطي الترجمة عن الله تعالى في حال الإلقاء والوَحْيِ الخاص بكل إنسان، فيكونُ المُترجم موجدَ الصُّورِ الحروفِ اللَّفظيَّةِ، أو المرقومةِ، ويكونُ روحُ تلك الصُّورِ كلام الله تعالى لا غيرُ، فَإِنْ كَانَتِ التّرجمةُ عن علم، فليسَ صاحبها مترجماً بقولِ الولي: حدثني قلبي عن ربي؛ يعني: من الوجه الخاص.
فاعلم ذلك وتأمل ما قرَّرتُه لك؛ فإنَّه نفيس، والله تعالى يَتَوَلَّى هُداك. وقال ـ أعاد الله تعالى علينا من بركاته ـ في «سورةِ الكَهْفِ» في قوله عزّ وجل: {وَكَيْفَ نَصْبرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خبرًا} [الكهف: 68]: علم الخضر عليه السَّلامُ الذي أعطاه الله له لم يكن بواسطة ملك، إنَّما هو من الوجه الخاص، فإِنَّ وَحْيَ الرُّسُلِ عليهم الصَّلاة والسَّلامُ إنَّما هو بواسطة الملكِ بين الله وبينَ رُسُلِه، ولا خبَرَ لَمُوسَى بهذا الذوقِ في عين إمضاء الحكم في عالم الشهادة. وقال الخضِرُ المُوسَى: أنا على عِلم علَّمنيه الله لا تعلمه أنت، فهو تعريف إلهي وعصمةٌ يُعطيها هذا المقام، ليس للرسالة في ذلك مَدخَلٌ، انتَهَى.
وقال - أعاد الله علينا من بركاته - في سورةِ والنَّجمِ»: اعلَمْ أَنَّ رُؤيَةَ الله تعالى جائزة في الدُّنيا لمن شاءَ الله، واقعةٌ في الآخرة لكُلِّ مَن لا يُشْرِكُ بالله شيئاً، فبعضُهم يراه بصورة التقييد، وبعضُهم بصفة الإطلاق.
ثمَّ قال: واعلَمْ أَنَّ رُؤية الخلق لربهم على قَدْرِ معرفتِهم به، وأكملهم رُؤيَةٌ مَن ينظر إلى ربه بمرآة نبيه لا بمرآة نفسه.
واعلَمْ أَنَّ الرُّؤيةَ في المَنامِ خاصَّةُ بالنَّشأةِ العُنصرية الحيوانية خاصةً، فلا رُؤيا للمَلَكِ؛ لأن مكانَ الرُّؤيا ما تحتَ مُقعرِ فَلَكِ القَمَرِ خاصَّةً، وفي الآخرةِ ما تحتَ مُقَطَّرِ فلك الكواكب الثَّابتة، وما فوق فلكِ الكواكب لا نوم فيه، وقد بسطنا الكلام على نومِ أهلِ جَهَنَّمَ وأحوالهم في لواقح الأنوار».
وقال ـ أعاد الله علينا من برَكاتِه - في سورةِ شُورَى»: الحيرة لا تزول من قلب عبد إلا إن تجلى الحقُّ له في غير مادةٍ، فمن تجلى له الحق في غير عالم المواد زالت عنه الحيرة، وعلم من الله تعالى على قَدْرِ ما كانَ ذلك التَّجلّي من غير تعيين؛ لأنَّ أحداً لا يقدر على تعيين ما قد تجلى له من الحق. إلا أنه قد تجلى في غير مادَّةٍ لا غير، فإذا رجَعَ من هذا التَّجلي إلى عالم الموادِ صحبه تجلّي الحقِّ، فما من حضرة يدخُلُها إلا ويعرِفُ الله تعالى في تجليها؛ لأنَّه قد ضَبَطَ من معرِفَتِه أوّلاً ما ضَبَطَ، فيعلَمُ أنَّ التجلّي قد تحوَّل في أمرٍ آخر، فلا يجهَله بعد ذلك أبداً، ولا يُحجب عنه.
فإنَّ الله تعالى ما تجلى لأحد هذا التّجلّي فانحجَبَ عنه بعد ذلك أبداً، فإذا نزَلَ هذا العبد إلى عالمِ خَياله وقد عَرَفَ الأمور على ما هي عليه مشاهدة بعد أن كان عرفها قبل ذلك عِلماً وإيماناً، رأى الحقِّ في صُورةِ الخيالِ مُقيَّداً، فلم يُنكره، فهذا هو العارف بالله تعالى، رضي الله عنهم، انتهى، ومن خطه نقلتُه نفعنا الله به. تنبيه: قدَّمنا أنَّ الأرواح لا تقبلُ التَّحيز والانقسام، وبيانه بما قالَ الشَّيخُ الإمام جلال الدين المحلَّيُّ الشَّافعي في شرح جمع الجوامع: حقيقةُ الرُّوحِ وهي النَّفْسُ لم يتكلم عليها محمد الله وقد سُئِلَ عنها؛ لعَدَمِ نزولِ الأمر ببيانها، قال تعالى: وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]، فنمسك نحنُ عنها، ولا تعبر عنها بأكثر من موجود، كما قالَ الشَّيخُ الجنيد وغيره.
والخائِضُونَ فيها اختَلَفُوا، فقالَ جُمهورُ المُتكلّمين: إنَّها جسم لطيفٌ مُشتبك بالبَدَنِ اشتباك الماء بالعودِ الأخضر، وقال كثيرٌ منهم: إنَّها عرَضُ، وهي الحياة التي صارَ البَدَنُ بوُجودِها حَيًّا.
قالَ السُّهْرُ وَرْدِيُّ: ويدلُّ للأَوَّلِ وَصفُها في الأخبار بالهبوط والعُروج والتَّردُّدِ في البرزخ، وقال الفلاسفة وكثيرٌ منَ الصُّوفيَّةِ: إِنَّهَا لَيسَتْ بِجِسمٍ ولا عَرَضِ، وإِنَّما هي جوهرٌ مُجرَّدٌ قائم بنفسه غيرُ مُتحيّز، مُتعلّق بالبدنِ للتدبير والتحريكِ، غير داخل فيه ولا خارج عنه، انتهى.
وأما تحريرُ القولِ على الكلامِ النَّفسيّ: فلْتَعْلَمْ أَنَّه قالَ الشَّيخُ الإمام محمَّدُ بنُ أبي بكرِ الرَّازِيُّ الحنَفِيُّ في «الأسئلةِ المُبهِةِ والأجوبة المُسْكِيةِ ما نصه: فإن قيلَ: كيف يُقالُ: إِنَّ الله تعالى كلَّمَ محمَّداً مواجهة ليلة المعراج بغير حجاب ولا واسطة؟ وقد حصَرَ الله تعالى تكليمه للبشرِ في طريق الوَحْيِ، وهو الإلهام كما كلَّمَ أمَّ مُوسَى عليه السَّلامُ، والإسماع من وراءِ حِجَابٍ كما كلَّمَ مُوسَى عليه السَّلامُ، وإرسال الرَّسولِ كما كلَّمَ الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلام بواسطة جبريل، وكما كلمَ الأُمم بواسطة الرُّسُلِ؟
قلنا: المُرادُ بالوَحْيِ الأَوَّلِ هنا الإشارة، ومنه قولهم: وَحْيُ العينِ، ووَحْيُ الحاجِبِ؛ أي: إِشارَتُهما، وقوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا} [مريم: ??]، فتكليمه لمُحمَّد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج كانَ مُواجهةً بالإشارة، انتَهَى
قلتُ: فيه تأمل؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّه لم يُؤوِّله بالإشارة إلا لقصْرِه تفسير الوَحْيِ بالإلهام، فجعلَه قَسِيماً لسماع الكلامِ من وراء حجاب، وبه ينتفي التكليمُ سَماعاً بلا حجاب.
وقد علمت بما قدَّمناه عن الإمامِ البَيضاوِي شُموله المُشافهَةَ بالخِطابِ، وقد يُمكن أن يكون جوابه على طريقِ الشَّيخ أبي منصور الماتريدي رحمه الله؛ من أنَّ كلام الله سبحانه القائم بذاته غير مسموع؛ لاستحالةِ سَماعِ ما ليس بصوتٍ؛ إذ السَّماعُ الشَّاهِدِ يتعلَّق بالصَّوتِ ويدورُ معَه وُجُوداً وعَدَماً، وعلى ذلك كان ينبغي له في الجواب عن قولِ السَّائلِ في القِسمِ الثَّاني: الإسماع من وراء حجاب. ويُمكنُ بما قالَه الشَّيخُ أكمَلُ الدِّينِ في شرح وصيَّة الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله: ذكرَ في «التَّأويلات أَنَّ مُوسَى عليه السَّلامُ سَمِعَ صَوْتاً يَدُلُّ على كلام الله تعالى، وخُصَّ بكونه كليم الله؛ لأنَّه سمع من غيرِ واسطة الكتابِ والملكِ، لا أنَّه ليس فيه واسطةُ الصَّوتِ والحرفِ.
وعند الشيخ أبي الحسَنِ الأَشْعَرِي رحمه الله: كلامه مسموع؛ لِما أَنَّ كلَّ موجود كما يجوز أن يُرى، يجوز أن يُسمَعَ، انتَهَى.
وعلى طريق الأشعري ينتفي قصر تأويلِ الوَحْيِ على الإشارة؛ لِما عَلِمْتَ أَنَّه غير منحصر، وهو شامل للمُشافهة بالخطاب المسموع، وهو المُرادُ بالوَحْيِ في حقه تعالى، لما أنَّ الحقيقة في التكلُّمِ ثابتةٌ في حقه تعالى، فَلا يُعدَلُ إِلى غيرِها، وما جُعِلَ وَحْيُ العين بإشارتها كالحاجب إلا لتعذر الحقيقة فيها، انتهى.
على أنَّ في كلامِ الشَّيخِ محمَّدِ بنِ أبي بكرِ الرَّازِيِّ المَذكور بكتابه المُسمَّى بـ «الهداية» الذي شرح به: «يقول العبد في بَدء الأمالي» لقاضي القضاة سراج الدِّينِ علي بن عُثمانَ الأوشي ما يقتضي أن يكون الجواب كما قالَ البَيضاوِيُّ: إِنَّ الوَحْيَ يعُمُّ المُشافهة والإلهام.
غايتُه أَن يُفسِّرَ المُشافهَةَ بالصِّفةِ اللائقة به تعالى، وهذه عبارته وكلام الله تعالى ليس من جنس الحروفِ والهجاء، والنَّعْمةِ والأصوات، بل هو صفةٌ أزليَّةٌ مُنافية للشكوتِ والآفات والخرس، واللهُ مُتكلم بهذه الصفة، ثم قال: وبهذه الصفة أسمَعَ الله جبريل بلا حرفٍ ولا هجاء، وسمع جبريل بحرف وهجاء، وقرأ على مُحمَّد صلى الله عليه وسلم بحرف وهجاء، وقرأَ محمد صلى الله عليه وسلم على الصحابة بحرف وهجاء.
ثمَّ قال: وكلامُ الله أبداً بلا كيفية قولاً، وأُنزِلَ على نبيه وَحْياً، وصدَّقَ به المؤمنونَ حقا، وأيقنوا أنَّه كلام الله على المعنى الذي قُلنا بالحقيقة، صفةٌ أزليَّةٌ لا ككلام البريَّة. فإن قيل لك: هل قال الله؟ قُلْ نَعَمْ، فإن قيل: متى؟ قُلْ: قبل متى، وإن قيل: أينَ؟ فَقُلْ: لا أينَ، وإن قيل: كيف؟ فقُل: بلا كيف، فإن قيل: فلِمَ؟ فَقُلْ: بلا لِمَ.
فإن قيل: غَليظاً أم خَفيفاً أم دقيقاً؟ فقُل: لا غَلِيظٌ ولا خَفيفٌ ولا دقيق. فإن قيل: بصوتٍ أم بغير صوتٍ؟ فقُل بلا صوت؛ لأنَّ الأصوات يُدرَكُ تجانُسُها بالحس، فلو كان كلامه صوتاً، لكان من جنس هذه الأصوات، وذلك مُحالٌ؛ لاقتضائه الحدوث، وكلامه كلام واحدٌ غيرُ مُتجنِّي ولا مُتَبَعضٍ، قائم بذاته.
أما معناه: فمفهوم بما في الكتُبِ منَ الدَّلالاتِ بالحروف والكلماتِ والآياتِ لحاجة العباد، وكذلك كلامه ليسَ بعَربي ولا سُرْياني ولا عِبري ولا قبطِيَّ؛ لأنَّ هذه اللغات أوصافُ لفظ مُركَّب من الحروفِ، بل هي عبارات عن الكلام، وهذه العبارات حروفٌ وأصوات وأوصاف، وهي مخلوقة في محالها، وهي الألسنة واللَّهَواتُ، وإنَّما تُسَمَّى قُرآناً وكلام الله؛ لأنَّ كلامه يتأدَّى بها.
وقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرَّهَانَا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2]؛ أي: العبارات دونَ الكلام القائم بذاته، وكلامه يجوز أن يُسمَعَ على المعنى الذي ذكرنا، انتهى. فكان ينبغي له أن يُجيب بأنَّ المُرادَ بالوَحْيِ السَّمَاعُ للخطاب على الصفةِ اللائقةِ به سبحانه، و به كلَّمَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج مشافهةً، انتَهَى. ويمنعَ حَصْرَ الوَحْيِ فـ الإلهام، انتهى.
لكنَّ قولَه فيما تقدَّمَ: وبهذه الصفة أسمَعَ اللهُ جبريل بلا حرف ولا هجاء، وسمع جبريل بحرفٍ وهجاء انتهى. استلزمَ الفَرْقَ بينَ صفة الإسماع والسَّماعِ، وهو دقيق
مُتعذِّر، معَ حُكمه بأنَّه يجوز أن يُسمَعَ كلامه تعالى على المعنى الذي ذكرنا.
وقد قال العلامةُ السَّعد التفتازاني نقلاً عن بعض المحققين: الكلام القائم بذات الله تعالى لا ترتب فيه، حتَّى أنَّ من سمع كلامه؛ كمُوسى عليه السَّلامُ سمِعَه غيرَ مُرَتَّبِ الأجزاء؛ لعدم احتياجه إلى الآلة، انتهى.
قلت: وهو مُفادُ نصَّ الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفة في «الفقه الأكبر»؛ حيث قال فيه: وسمِعَ مُوسَى كلام الله تعالى، قالَ اللهُ تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقد كانَ مُتكلّماً، ولم يكُنْ كلَّمَ مُوسَى، وقد كانَ اللهُ تعالى خالقاً، ولم يخلق الخلق، فلما كلَّمَ مُوسَى كلَّمَه بكلامه الذي هو صفته الأزَلِ، وصفاتُه كلُّها خِلافُ صفاتِ المخلوقين، ويتكلَّمُ لا ككلامنا، نحنُ نتكلم بالآلات والحروفِ والله متكلّم بلا آلة ولا حرف، والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غيرُ مخلوق، انتَهَى.
فهذا النَّصُّ عن الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفةَ مُوافقٌ لِما يَقُولُه الشَّيخُ أبو الحَسَنِ علي بن إسماعيل الأشعري؛ لأنَّ استدلال الإمامِ الأعظَمِ بقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}، كذلك استدلَّ به الأشعري لسَماعِ مُوسَى عليه السَّلامُ الكلام النَّفسيّ، والحمل على الإسنادِ الحقيقيّ مُتعيّن، ولا مُوجِبَ للعدول عنه؛ لما قال العلامة أبو السعودِ المُفتي في تفسيره»: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] مصدرٌ مُؤكِّدٌ رافع لاحتمال المجاز.
قال الفرَّاءُ: العربُ تُسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريقٍ وصَلَ، ما لم يُؤكَّد بالمصدر، وإذا أُكَّد به لم يكُنْ إلا حقيقة الكلام.
والمعنى أنَّ التَّكلم بغير واسطةٍ مُنتَهَى مراتبِ الوَحْيِ، خُصَّ به من بينهم - أي: الأنبياء - موسى، وقد فضَّل الله نبينا محمداً بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم، صلَّى الله عليهم وسلَّمَ، انتهى.
وأَمَّا قَولُ الإمام أبي منصور الماتريدي: إِنَّه غير مسموع": فقد ساق صاحب التبصرة من عبارة الماتريدي في كتابِ التَّوحيد» ما يقتضي سماع ما ليس بصوتٍ. ثم قال: فجوزَ - يعني الماتريدي - سماع ما ليس بصوتٍ، قاله ابن أبي شريف في شرح المسايرة، وقال قبله ولا يتحقق ما يصلح أن يكون محلاً للخلاف؛ أي: بين الأشاعرة والماتريديَّة؛ لأنَّه إما أن يُفرَضَ الكلام في الاستحالةِ عَقْلاً فلا يتأتى إنكار إمكان أن يخلق الله للقُوَّةِ السَّامعةِ إدراك الكلامِ النَّفسي، أو يفرضَ في الاستحالة عادةً، ولا يتأتى إنكارُ إمكان ذلك خَرْقاً للعادةِ، انتهى.
ولذا قال العلامةُ العَيني في شرحِ البُخارِيُّ: فإِنْ قِيلَ: كيفَ كَانَ سماعُ النَّبِيِّ والملكِ الوَحْيَ مِنَ الله تعالى؟
أجيب بأنَّ الغَزالي رحمه الله قال: وسَماعُ النَّبيِّ والملكِ عليهما السّلامُ الوَحْيَ منَ الله تعالى بغير واسطة يستحيل أن يكون بحرف أو صوت، لكن يكون بخلق الله تعالى للسَّامِعِ عِلْماً ضروريا بثلاثة أمور: بالمُتكلّم، وبأنَّ ما سمعه كلامه، وبمُرادِه من كلامه.
والقدرة الأزليَّةُ لا تقصر عن اضطرارِ النَّبيِّ والملكِ إلى العلم بذلك، وكما أنَّ كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر، فسَماعُه الذي يخلقه لعبده ليسَ من جنسِ سماع الأصوات، ولذلك عَسُرَ علينا فَهم كيفيَّةِ سَماعِ مُوسَى عليه السَّلامُ لكلامه تعالى الذي ليس بحرف ولا صوتٍ كما يعسُرُ على الأكمه كيفية إدراك البصير للألوان، انتهى.
ولكن قد عقبه بقوله: أمَّا سَماعُه عليه السَّلامُ: فيحتمل أن يكون بصوتٍ وحرفٍ دالّ على معنَى كلامِ الله، انتَهَى.
وهذا مع كونه أولى من عبارة غيره من الماتُريديَّةِ الحَنَفِيَّةِ الجَازِمِينَ بأَنَّ مُوسَى سمع صوتاً دالا على الكلام النفسي، فكل ذلك خلافُ ما يقتضيه كلام الإمام الأعظم في الفقه الأكبر كما قدمناه.
على أنَّ ذلك الخلاف لا بُدَّ له من دليل نصّا؛ لأنَّ السَّمعَ بِخِلافِه، وإِنْ يَكُنْ ذلك قياساً لأمر الغائب على الشَّاهِدِ، فليس بلازم أن يكون طريقُ السَّمعِ تعلقَ السَّماعِ بالصوتِ، فيدورَ معَه وُجوداً وعدَماً؛ لعَدَمِ مُماثلة الكلامِ الأزلي الكلام البشرِيَّ، فيجوزُ سَماعُ الكلامِ الأزلي على الصفةِ التي قالها أبو حنيفة والغزالي فيما تقدَّمَ. ولذا قال شيخ الإسلام العلامةُ قاسمُ بنُ قُطُلُوبُغَا في «حاشِيَتِهِ على المُسايَرَةِ» لشيخه الكمالِ بنِ الهُمام: إنَّه تعالى مُتكلّم بكلامٍ قديمٍ، قَولُهُ: مُتكلّم؛ أي: مُسمِعٌ الكلامَ مُعيَّناً؛ لأنَّ التَّكَلَّمَ إسماعُ الغَيرِ، انتَهَى.
وقد خالف الماتريدي بعضُ المتأخرينَ منَ الحنفية؛ نحو الشَّيخِ الإمامِ الأَجَلٌ أكرم الزَّاهِدِ الصَّفَّارِ، كما خالف الأشعري الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وهو من أجَلَّ الشَّافعيّةِ ومَن تابعه منهم، انتَهَى.
هذا؛ وقد أجمعَ المُتكلّمونَ على أنَّ صفةَ الكلام لا يُتعَقَّلُ كيفيتها، كبقيَّة الصَّفاتِ؛ لأنَّ كلامه تعالى لا هو عن صَمْتِ مُتقدِّم، ولا سكوت مُتوهم؛ إذ هو قديم أزلي، كذا في «اليواقيت والجواهر في بيانِ عَقائدِ الأكابر» للعارفِ الإمامِ الشَّيخِ عبدِ الوهاب الشعراني.
وأما كيفية إتيان الوَحْيِ، وبيان معناه، فقد سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن كيفية إتيانِ الوَحْيِ، فبيَّنَه بقوله: «يأتيني مثلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ»، مع بيانِ حاملِ الوَحْيِ أيضاً بقوله: «وأحياناً يتمثل لي الملك رجُلاً فيُكلِّمني»؛ أي: كلاماً صريحاً ظاهر الفهم والدلالة.
ورُوِيَ من حديثِ عُمَرَ رضي الله عنه: كُنَّا نسمع عندَه مثل دوي النَّحل، والحكمة في ضرب المثل المذكورَ: أَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ مُعتَنِياً بالبلاغةِ، مُكاشَفاً بالعُلومِ الغيبيَّة، وكانَ يُوفِّرُ على الأُمَّةِ حِصَّتَهُم بِقَدْرِ الاستعدادِ.
فإذا أراد أن يُنبتهم بما لا عهد لهم به مِن تلكَ العُلومِ صاغَ لها أمثلة من عالَمِ الشَّهادة؛ ليعرِفُوا بما شاهَدُوه ما لم يُشاهِدُوه، فضرَبَ مَثَلاً للوَحْيِ بالصوتِ المُتداركِ الذي يُسمَعُ ولا يُفهَمُ منه شيء؛ تنبيهاً على أنه يرد على القَلبِ في لبسة الجلالِ، فيأخذه هَيبةُ الخِطابِ حينَ الوُرودِ بمجامعِ القُلوبِ، ويُلاقي من ثِقَلِ القَولِ ما لا علم له بالقول، معَ وُجودِ ذلك، فإذا كُشِفَ عنه وجدَ القَولَ المُنزَّلَ بيِّنا، فيُلقَى فِي الرُّوعِ واقعاً موقع المسموع. وهذا الشَّربُ مِنَ الوَحْيِ شبيه بما يُوحَى إلى الملائكةِ، إِذا قضَى اللهُ في السَّمَاءِ أمراً ضرَبَتِ الملائكةُ بأجنِحَتِها خُضْعَاناً لقوله، كأَنَّه سلسلة على الحجَرِ، فإذا فُزِّعَ عن قُلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحقِّ، وهو العليُّ الكبير.
والصَّلْصَلَةُ - بفتحِ الصَّادَينِ المُهمَلتَينِ -: الصَّوتُ المُتدارك الذي لا يُفهَمُ أوَّلَ وَهْلة، ويُقال: هي صَوتُ كلّ شيءٍ يُصوِّتُ؛ كصَلْصَلَةِ السِّلسلة، كذا في «شرح البخاري» للإمامِ العيني.
وأمَّا تقسيمُ الوَحْيِ: فقال في «الدُّرِّ المنثور» للجَلالِ السُّيوطي رحمه اللهُ: أَخْرَجَ البيهقي في «الأسماء والصفاتِ عن يونُسَ بن يزيدَ رضي الله عنه قال: سمعتُ الزهرِيَّ رضي الله عنه حِينَ سُئِلَ عن قَولِ اللهِ تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وحيا} [الشورى: 51] الآية، قال: نزلَتْ هذه الآيةُ تعُمُّ مَن أوحى الله إليه منَ النَّبِيِّينَ، فالكلام كلام الله الذي كلَّمَ به مُوسَى من وراء حجاب، والوَحْيُ ما يُوحِي الله به إلى نبي من أنبيائه، فيُثبت الله ما أرادَ من وحيه في قلبِ النَّبيِّ، فيتكلم به النَّبيُّ ويُبينه، وهو كلام الله ووَحْيُه، ومنه ما يكون بين الله ورسله، ومنه ما لا يتكلَّم به أحدٌ من الأنبياء عليهم السّلامُ، ولكنَّه سِرُّ غَيب بينَ الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء عليهم السَّلامُ، ولا يكتبونه لأحدٍ، ولا يأمرُونَ بكتابته، ولكنَّهم يُحدِّثون به النَّاسَ حديثاً، ويُبيِّنون لهم أنَّ اللهَ أَمَرَهُم أَن يُبيِّنوه للنَّاسِ ويُبلغوه.
ومنَ الوَحْيِ ما يُرْسِلُ اللهُ به مَن يشاءُ لِمَنِ اصْطَفَى من ملائكته، فيُكَلَّمُونَ أنبياءه، ومن الوَحْي ما يُرسل به إلى من يشاء فيوحُونَ به وَحْياً في قلوبِ مَن يشاء من رُسُلِه، انتهى.
وقال الإمام أبو عبد الله القيميُّ الأصبهاني: الوَحْيُ أصله التفهيم، وكل ما فهم به شيء من الإلهام والإشارة والكتب فهو وَحْي.
قيل في قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيَّا} [مريم: 11]؛ أي: كتَبَ، وأَوْحَى ووَحَى، لُغتان، والأوَّلُ أفْصَحُ، وبها وَرَدَ القُرآنُ، وقد يُطلَقُ ويُراد به اسم المفعول به؛ أي: المُوحَى.
وفي اصطلاحِ الشَّريعة: هو كلامُ الله المُنزَل على نبي من أنبيائه، كذا في «شرح البخاري» للعيني وأما معاني لفظ الوَحْيِ الواردة في القُرآنِ العزيز: فبيانها بما قالَ الشَّيخُ الإمامُ العلامة أبو القاسمِ الرَّاغِبُ في تفسيره لغةَ القُرآنِ العظيمِ»: أصلُ الوَحْيِ الإشارة السريعة، ولتضَمُّنِ السُّرعة قيلَ: أمرٌ وَحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكونُ بصوتٍ مُجرَّدٍ عنِ التّركيب، وبإشارة ببعض الجوارح،
وبالكتابة، وقد حُمِلَ على ذلك قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيَّا} [مريم: ??]، فقد قيل: رَمَزَ، وقيل: أشار، وقيل: كتَبَ، وعلى هذه الوجوه المذكورة في قوله: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَولِ غُرُورًا} [الأنعام: ???]، وقوله: {وَإِنَّ الشَّيَطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ} [الأنعام: ???]، فذلك في الوَسْواس المُشار إليه بقوله: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 4]، وبقوله عليه السَّلامُ: «إِنَّ الشَّيَاطِينِ لمَّةٌ ... » الخبر.
ويُقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وَحْي، وذلك أَصْرُبٌ حَسَبَ ما دل عليه قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وَرَايِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51]، وذلك إما برسول مُشاهَدٍ تُرى ذاتُه ويُسمع كلامه؛ كتبليغ جبريل عليه السَّلامُ في صورة مُعيَّنة، وإما بسماع كلام من غير معاينة؛ كسماع مُوسَى كلام الله تعالى، وإما بإلقاء في الرُّوع؛ كما ذكره عليه السلام: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي»، أو بإلهام؛ نحو قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أَمْ مُوسَى أَن أَرضِعِيهِ} [القصص: 7]، وإما بتسخير؛ نحو قوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى الفَعَل} [النحل: 68]، أو بمنام؛ كما قال عليه السَّلامُ: «انقطَعَ الوَحْيُ وبقيتِ المُبشِّراتُ، رُؤيا المُؤمِنِ». فالإلهام والتسخيرُ والمنام دلَّ عليه قوله: {إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وَرَايِي حِجَابٍ} [الشورى: 51]، وتبليغ جبريل عليه السَّلامُ في صورة مُعيَّنةٍ دلَّ عليه قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}، وقوله عزّ وجلَّ: {َمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَى وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93]، فذلك ذمّ لمن يدعي شيئاً من أنواع ما ذكرنا منَ الوَحْيِ؛ أي نوع ادعاه من غير أن حصل له.
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} [الأنبياء: 25]، فهذا الوَحْيُ هو عام في جميع أنواعه، وذلك أن معرفة وحدانية الله تعالى، ومعرفة وُجوبِ عبادتِه ليست مقصورةً على الوَحْيِ المُختص بأُولي العزمِ مِنَ الرُّسُلِ، بل ذلك يُعرَفُ بالعقل والإلهام، كما يُعرَفُ بالسَّمع، فإذا القَصْدُ من الآيةِ تنبيه أَنَّه من المُحالِ أن يكونَ رسول لا يعرفُ وَحدانية الله تعالى، ووُجوبَ عبادتِه.
وقوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِينَ} [المائدة: 111]، وذلك وَحْيُ الله تعالى بوساطة عيسى عليه السَّلام، وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73]، فذلك وَحْيُ الأمم بوساطة الأنبياء عليهم السّلامُ.
ومنَ الوَحْيِ المُختَصّ بالنَّبيِّ: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [يونس: 109]. وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ} [يونس: ??]، فوَحيه إلى مُوسَى عليه السَّلامُ بوساطة جبريل عليه السَّلامُ، وهارون عليه السَّلامُ بوساطةِ مُوسَى عليه السَّلامُ. وقوله تعالى: {إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئكة أَنِي مَعَكُمْ} [الأنفال: 12]، فذلك وَحْي إليهم بوساطة اللوح والقلم فيما قيل.
وقوله تعالى: {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: ??]، فإنْ كانَ الوَحْيُ إلى أهلِ السَّماءِ فقط، فالمُوحَى إليهم محذوفٌ ذِكرُهم، كأَنَّه قال: أوحى إلى الملائكة، وإنْ كانَ المُوحَى إليه هي السَّماواتِ، فذلك تسخيرُ عندَ مَن يجعلُ السَّماءَ غيرَ ونُطق عندَ مَن يجعله حيًّا.
وقوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 5]، قريب منَ الأَوَّلِ.
وقوله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114]، فحَثَّ له على التَّثبتِ في السَّماع وعلى تركِ الاستعجال في تلقيه وتلقنه، انتهى، وكذا في التفسير.
وقد قال العارِفُ بالله تعالى الشَّيخُ عبدُ الوَهَّابِ الشَّعراني في الكبريت الأحمر» عن الباب الثاني من «فتوحاتِ الشَّيخِ الأكبر»، قال في قوله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114]: اعلَمْ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُعطِيَ القُرآنَ مُجمَلاً قبلَ جبريل عليه السَّلامُ من غير تفصيل الآياتِ والسُّوَرِ، فقيل له: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ}، الذي عندك قبلَ جبريل، فتلقيه على الأُمَّةِ مُجمَلاً، فلا يفهمه أحدٌ عنك؛ لعدم تفصيله، {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]؛ أي: بتفصيل ما أُجمل من معاني التوحيد والأحكام، لا زِدْني أحكاماً كما توهمه بعضُهم، فقد كانَ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «اترُكُوني ما ترَكْتُكُم، فاعلَمْ ذلك، انتهى.
قلتُ: وأُعطِي ذلك؛ ليكونَ مُماثلاً لإلقاء الزَّبورِ في صَدْرِ داودَ عليه السَّلامُ، وزيد عليه بإنزالِ القُرآنِ بعده مُفصَّلاً؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَعطِي مثل ما كانَ لجميع الأنبياء صلَواتُ الله وسلامه عليهم أجمعينَ بالزّيادةِ التي لا نهاية لها.
تتميم لتفسير الآية الشّريفة، ورُقِيِّ النَّبي و ورؤيته بعين رأسه لربه وخطابه صلى الله عليه وسلم مشافهة، وذكر تعددِ الإسراء، وما تحرَّرَ فيه من الأقوال:
ثمَّ قال الفخر الرازي: وحينَئِذٍ؛ أي: وحينَ َقدَّرَ القيد المراد في اللفظ بكون الكلام في الدُّنيا، فيُقالُ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِمَهُ اللهُ في الدنيا إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وَرَاي حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى: 51] إلخ لا يلزمُ القسم الثاني المنفي بالحصر في الآية، وهو - أي: المنفي - أن يتكلَّمَ اللهُ تعالى معَ العبدِ حالما يراه العبد، وزيادة هذا القيد وإن كان على خلاف الأصل؛ لأنَّه يجب المصير إليه؛ للتوفيق بين هذه الآية وبين الآياتِ الدَّالَّة على حصولِ الرُّؤية في يوم القيامة، انتهى.
ولكن قد علمت بكلام الإمامِ البَيضاوي: أنَّ الوَحْيَ يَعُمُّ المُشافهة، فلا حصر؛ ليحتاج لزيادة القيد، ولكن زاده على تقدير تسليمِ دَلالتها على نفي الرؤية، ولذا قال في الشرح المقاصدِ»: قالتِ المُعتَزلَةُ: سِيقَتِ الآيةُ لنفي أن يراه أحدٌ مِنَ البشر حينَ يُكلمه تعالى، فكيف في غير تلك الحالة؟
والجواب مَنعُ ذلك، بل إنَّما سِيقَتِ الآيةُ لبيان أنواع تكليم الله تعالى البشر، والتكليمُ وَحْياً أعم من أن يكونَ معَ الرُّؤية أو بدونها، بل ينبغي أن يُحمل على حال الرؤية؛ ليصح جَعَلُ قَولِه أَوْ مِن وَرَاى حِجَابٍ عَطفاً عليه تتميماً له؛ إذ لا معنى له سوي كونه بدونِ الرُّؤية يكون تمثيلاً بحال من احتجبَ بِحِجَابٍ، انتهى. قلت: ويُعينه على ما قدَّمناه عن البيضاوي أنَّ عطف قوله: {أَوْ مِن وَرَاءي حِجَابٍ} على {وحيا} يخصه بالمشافهة، انتهى.
ثم قال: ولو سُلَّمَ دَلالتها على نفي الرُّؤيةِ ونُزولها في ذلك، فيُحمَلُ على الرُّؤيةِ في الدنيا؛ جمعاً بين الأدلَّةِ، وجَرْياً على مُوجب القرينة؛ أعني: سبَبَ النُّزولِ، انتهى. تنبية على شُمولِ الوَحْيِ الخطابَ مُشافهة حالَ الرُّؤية كما أفاده البيضاوِيُّ، لا إشكال في رُؤيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَبَّه عزَّ وجلّ، وكلامه معه ليلة المعراج.
وأما على تقدير القيدِ الذي ذكره الفَخرُ الرَّازِيُّ: فَنَفَيُّ الرُّؤيَةِ فِي الدُّنيا غيرُ مانعِ رؤية النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة بالخطاب ليلة المعراج؛ لإمكان تخصيص العام، أو لأنه كان في الملكوت الأعلى لا في عالم الدُّنيا، لانقطاع الواسطة ووُقوفِ جبريل عليه السَّلامُ عند حده، ومُجاوزة النبي ذلك المقام، وزيادةِ رقيه إلى ما لا يعلَمُه إِلَّا العزيز العلام، فخاطبه حال نظَرِه بعينيه إليه بفَرْضِ الصَّلَواتِ وغيرها من تعدادِ ما أنعم به عليه، وخصه به من المواهبِ السَّنِيَّاتِ المُماثلة، بل الفائقة ما كان لسائر النَّبيِّينَ عليهم أزكى السَّلامِ وأشرَفُ التَّحياتِ، حين دنا منه على تلك الحضراتِ. قال في معراج الشَّامي: أصل التّدلّي: التزولُ إلى الشَّيء حتَّى يَقرُبَ منه، وقيل: تدَلَّى الرَّقْرَفُ المُحمَّد حتى جلس عليه، ثمَّ دَنا محمد من ربه، انتهى. وقالَ ابنُ عادل في تفسيره اللُّبَابِ من علوم الكتاب: الرَّفرَفُ: ما يُجلَسُ عليه؛ كالبساط ونحوه، انتهى.
وقد قال العارِفُ بالله سيدي عبدُ الوَهَّابِ الشَّعراني: والرَّقْرَفُ نظيرُ المحفّةِ عندنا، فقَعَدَ عليه الصَّلاة والسَّلامُ عليه وسلَّمه جبريل إلى الملكِ النَّازِلِ بالرَّفْرَفِ فسأله الصحبة ليأنس به، فقال له جبريلُ: لا أقدر، ولو خَطَوتُ خُطوةً احترقتُ، فما منَّا إلا له مقام معلوم، وما أسرى الله بك يا محمَّدُ إِلَّا ليُريك من آياته فلا تغفل، انتهى.
وقالَ في نَظْمِ الجُمَانِ مختصر أخبارِ الزَّمانِ» للعلامةِ الشَّيخ أحمدَ المَقْرِي: لَمَّا تأخَّرَ عنه جبريل عندَ سِدرَةِ المُنتَهَى، قال رسول الله: إلى أين يا جبريل؟ قال: يا محمد، قد كنتُ أحسبُ أني عرفتُ الله قبلك، والآن عرفْتُ قَدْرِي وقَدْرَك، والله لو تقدمت قدر أَنْمَلَةٍ واحدةٍ، لاحترقْتُ بأنوارِ السُّبُحَات، وما منا إلا له مقام معلوم، انتهى.
ثم قال العارِفُ الشَّعراني: فودَّعَه جبريلُ وانصرَفَ النَّبيُّ معَ ذلك الملكِ والرفرف يمشي به، إلى أن ظهَرَ لمُستوى سمِعَ منه صريف القلم والأقلام في الألواح بما يكتب الله تعالى بها ممَّا يُجريه في خلقه، وما تنسخه الملائكة من أعمال عباده، وصريف الأقلام صوتُها.
واعلم أنَّ هذه الألواح هي ألواحُ المَحوِ والإثباتِ، وهذه الأقلام الذي سمع صوتها رُتبتها دونَ رُتبة القلم الأعلى، ودونَ اللوح المحفوظ؛ فإنَّ الذي كتبه القلم الأعلى لا يتبدَّلُ، ويُسمَّى اللوح المحفوظ منَ المَحْوِ، فلا يمحو ما كتبه فيه، فهذه الأقلام تكتُبُ دائماً في ألواح المحوِ والإثباتِ، ومنها نزلَتِ الشَّرائعُ والصُّحُفُ والكتب على الرُّسُلِ، ولهذا دخَلَ في الشَّرائعِ النَّسِخُ، بل في الشَّرعِ الواحد كما بسطنا الكلام عليه في مُقدِّمة «المنهج المُبينِ»، وكلُّ قَلَمِ مَلَكٌ، قالَ اللهُ تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجانية: 29]، انتهى.
وقال ابن عادل في تفسيره: عن ابن عباس: أَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، ثُمَّ قَالَ له: اكتب، قال: ما أكتُبُ؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامةِ من عمل أو أجَلٍ، أو رِزْق أو أثر، فجَرَى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامةِ، قال: ثمَّ خَتَمَ فمَ القَلَمِ فلم ينطق، ولا ينطِقُ إلى يوم القيامة.
قال: وهو قلم من نور، طوله كما بينَ السَّماءِ والأرض.
ورَوَى مُجاهِدٌ قالَ: أَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ القلم، فقال: اكتُبِ القَدَرَ، فَكَتَبَ ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري النَّاسُ على أمرٍ قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبرُ يجب حمله على المَجاز؛ لأنَّ القلم الةٌ مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حيا عاقلاً فيأمر وينهى؛ فَإِنَّ الجمع بين كونه حيواناً مُكلَّفاً وبين كونه آلة للكتابةِ مُحال، بل المُرادُ منه أنه تعالى أجراه بكُلِّ ما يكون، وهو قوله تعالى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117]، فإنَّه ليس هناك أمر ولا تكليف، وهو مُجرَّدُ نفاذِ القُدرةِ من غير منازعة ولا مدافعةٍ، انتهى.
ثمَّ قَالَ العارِفُ الشَّعراني: ثُمَّ لمَّا سمع صرير الأقلام زُج به صلى الله عليه وسلم فِي النُّورِ زَجَّةٌ، فأفَرَدَه الملك الذي كانَ معَه، وتأخَّرَ عنه، فلم يرَه، فاستَوْحَشَ لَمَّا لم يرَهُ معَه، وبقي لا يدري ما يصنَعُ، وأخذه هَيمان مثلُ السَّكراتِ في ذلك النُّورِ، وأصابه الوَجْدُ، فأخذ يميل ذات اليمين وذاتَ الشِّمالِ، واستفرغه الحال، وكان سببه إيقاع تلك الأقلام وصريفها في الألواح، فأعطَتْ منَ النَّغَماتِ المُستَلَذَّةِ ما أَدَّاه إلى ما ذكَرْناهُ من سريان الحال فيه، وحكمه عليه، فتقوى بذلك الحال، وأعطاه الله تعالى في نفسه علماً علم به ما لم يكن يعلمه قبل ذلك عن وَحْي من حيثُ لا يدري وجهته. فطلب الإذن في الرؤية بالدخول على الحقِّ، فسمِعَ صَوْتاً يُشبِهُ صَوتَ أبي بكرٍ وهو يقول: يا محمَّدُ قِفْ إِنَّ َربَّكَ يُصلِّي، فراعَهُ ذلك الخطاب، وقال في نفسه: أَرَبِّي يُصلِّي؟ فلما وقع في نفسه هذا التَّعجب من هذا الخطاب وأنس بصوت أبي بكر الصديق، تُلي عليه: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَيكُتُهُ} [الأحزاب: 43]، فعلِمَ عند ذلك ما هو المراد بصَلاةِ الحقِّ، فلما فرغ منَ الصَّلاةِ مثل قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31].
فأوحى الله تعالى إليه في تلك الواقعة ما أوحى، ثمَّ أُمِرَ بالدُّخولِ، فَدَخَلَ فرأى عين ما علمَ لا غير، وما تغيّر عليه صورة اعتقادِه، كذا في «تفسير العارف بالله تعالى سيدي الشيخ عبدِ الوَهَّابِ الشَّعراني رحمه الله، انتهى.
وقال في «معالمِ التَّنزيل»: قالَ الضَّحَّاكُ: دَنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه تعالى فتدَلَّى، فأَهْوَى للسُّجودِ فكانَ منه قاب قوسين أو أدنى، انتَهَى.
ومثله في البابِ التَّأويل»؛ «تفسير الخازن»، وقال فيه أيضاً: وقد ورَدَ في «الصحيحين من حديث المعراج عن أنس: ودنا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ فتدَلَّى حَتَّى كَانَ منه قاب قوسين أو أدنى، وهذه رواية أبي سلمة عن ابنِ عباس رضي الله عنهما. وقال في نَظْمِ الجُمانِ مختصَرِ أخبارِ الزَّمانِ»: اختَلَفُوا في قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فتدلى} [النجم: ?]، قيل: إنَّهما بمعنى واحد، وقيل: الدُّنْو: القُرْبُ، والتّدلّي: الوَحْيُ.
وقيل: الدُّنُو لِلمُحمَّدٍ، والتَّدلّي لجبريل.
وقيل: إنَّهما يعودان على رسول الله، وقيل: على الله تعالى.
وقال جعفر الصادق رضي الله عنه: وكلَّمَ الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بغير واسطة عندما دَنا فتدلى، قالَ: لَمَّا فارَقَني جبريل، وانقَطَعَتِ الأصواتُ، سمعت كلام ربي وهو يقولُ: لِيَهْدَأَ رَوْعُكَ يا محمد، ادْنُ ادْنُ، فلم يجد أينَ يضَعُ القَدَمَ إلا في حضرَةِ القُدس، وقالَ: التَّحِيَّاتُ الله ... إلخ، ثمَّ كَلَّمَه ناظراً إليه، كما سنذكره، انتهى. وقال أهل العلم: لَمَّا تخلَّفَ جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى صورة أبي بكر، فقالَ: يا رَبِّ، َأوَسَبَقَني أبو بكرٍ إلى هذا المَقامِ؟! قيل له: لا، ولكِنْ لَمَّا انقَطَعْتَ عن الأجناس خلَقْنا لك صورةً تُؤنِسُك على صورة أبي بكر كما كانَ أنيسك في الغارِ. ودنو الله تعالى وتدلّيه برَفْعِ الحجب عن عبدِه وقَطْعِه إليه عمَّن سواه، لا بكيفية معروفة، بل بإشراق الأنوار وشرَفِ المِقدارِ، ومن هذا المعنى قَولُه: «ينزِلُ ربُّنا إلى سماء الدُّنيا؛ أي: نُزول إفضال وإجمالٍ وإحسانٍ وإقبال، والحقُّ مُنزّه عن الجهات والمسافات والانتقال والحركات والسكنات.
وكذلك قوله تعالى: مَن تقرَّبَ منّي شِبراً تقرَّبْتُ منه ذِراعاً، ومَن تقرَّبَ مِنِّي ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتى إليَّ يمشي أتيته هرولة، كلُّ ذلك بمعنى الإجابة والقبول، وبلوغ عبده المأمول، فمَن قربَت عليه أفهام هذه المعاني لم يبعُد عليه فَهم الإسراء، ومَن اتَّصَلَ عقله بالعالم البسيط أدرك حقيقة جولانِ الأرواحِ في عالمها، فقف على هذا المعنى يقرُب عليكَ فهم الإسراء. وبالله التوفيق.
تنبيه:
قالَ في «الدُّرِّ المَنثور»: قالَ رسولُ الله: «دونَ الله سبعون ألفَ. الله صلى الله عليه وسلم: حجاب من نور وظلمة، ما تسمعُ من نفس من حس تلك الحُجُبِ إِلا زهقَتْ (نفسُه)، انتَهَى يُخَصُّ منه حضرةُ المُصطَفَى المَقبولِ؛ لبلوغه رُتبةٌ ليس لأحدٍ غيره إليها وصولٌ، انتهى.
واعلَمْ أنَّ سبعين ألف حجاب التي بين الله وبين خلقه، إنَّما هي من جهة الخلق تمنعنا عن رؤيته تعالى؛ لئلا نحترق من نوره عزّ وجلَّ، فنحنُ خلف حجابِ الحُجبِ، والحق منا بمكان الوريد بل أقرَبُ إلينا منَّا.
وهذا القُربُ هو سبب عدَمِ الرُّؤية منَّا، وإذا كنا لا نرى أنفُسَنا إذا تعلقنا بالحقِّ، فكيف نراه؛ أي: في الدُّنيا، فغايةُ القُربِ حجاب، كما أَنَّ غايةَ البُعدِ حجاب، فافهَمْ، كذا في تفسير العارف بالله سيدي الشَّيخِ عبدِ الوَهَّابِ الشَّعراني»، نفَعَنَا اللهُ ببركاتِه، ذكره في «سورة الواقعة».
فالحبيب المصطفى خاطبه العليُّ الأعلى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]، {لمَّا دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: ?-?]، زادَ في الدُّنْو والقُربِ، فكان منه قدر قاب قوسين بل أدنى من ذلك؛ إذ التحقيقُ هُنا أنَّ هذا إشارة إلى تأكيد المحبَّةِ والقُربِ ورفع المنزلة والرتبة كما قدمناه.
وأصله أنَّ الحليفين كانا إذا أرادا عَقْدَ الصَّفاء والعَهْدِ والوَفاءِ خرجَا بِقَوسَيهِما وألصَقَا بينَهما، يُريدانِ بذلك أَنَّهما مُتَظَاهِرانِ مُتحاميانِ يُدافِعُ كُلَّ عن صاحبه، وقابُ القَوسِ صَدرُه الذي يُشدُّ عليه السَّيرُ، وهو محلُّ مَسكه باليد، فإذا أُلصِقَ قابُ هذا لِقابِ هذا، فقد اتَّصلا بلا بَوْنِ البَتَّةَ، وذلك مُقارِبُ لنصف الإصبع.
و «أو» للتَّخيير، إنْ شِئْتُم قدَّرُوا ذلك القُربَ بقاب قوسين أو أدنى منهما، أو هي بمعنى «بل»، أو هي للتشكيك لهم في قَدْرِ القُربِ، فالتَّمثيلُ بِقابِ قَوسَينِ مُؤوَّلٌ بأَنَّه قُرب معنوي باللُّطْفِ والرَّحمةِ والتكريم، لو تمثل لم يكُنِ التَّعبير عنه إلا بما ذُكِرَ، فهو إشارة لمَقامِه، وإعلان بعظيمٍ رُتبته.
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابنُ مَردَوَيهِ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتدلى}، قال: هو محمَّدٌ، دنا فتدلَّى إلى ربِّه.
وأخرج ابنُ جَرِيرٍ وابنُ مَردَوَيهِ عنه قالَ: دَنا رَبُّه فتدَلَّى، فالمراد بالعبدِ في قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} [النجم: 10] محمد، كما أخرجه النَّسائيُّ، وابنُ المُنذِرِ، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابنُ مَردَوَيهِ عن ابنِ َعبَّاسٍ فهو الأقرب في الآية؛ لقول حبرِ الأُمَّةِ ابنِ عبّاسٍ، وهو المُناسِبُ في الشَّرَفِ؛ لِما صَحَّ عندَ الجُمهور من رؤية محمد الا الله و لربه بعين رأسه، وثَبَتَ القَولُ به عن ابنِ عبّاس، وهو لا يُقالُ من قِبَلِ الرَّأْيِ، فَوَجَبَ المصير إليه، انتَهَى.
قلتُ: وسنذكرُه نَصَّا عن ابن عباس، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، انتهى.
ثمَّ قال: والمُثبِتُ مُقدَّم على النَّافي؛ لزيادة العلم، وقولُ الصِّدِّيقة عائشة رضي الله عنها وكرَّمَ وجه أبيها الصِّدِّيقِ بنَفْيِ رُؤيةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لربه، أخذاً من قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ} [الأنعام: 103]؛ أُجيب عنه بأنَّها لم تعلم بذلك، وعلمه ابنُ عَبَّاسٍ، وبأنَّ نفي الإدراكِ المُراد به نفي الإحاطة، قاله الشيخ أبو الحسَنِ البَكْرِيُّ في تفسيره انتهى.
قلتُ: وكذا ذكرَ الشَّيخُ نجمُ الدِّينِ الغيطي، قال الإمام النووي وغيره: لم تنفِ عائشة رضي الله عنها الرُّؤيةَ بحديث مرفوع، ولو كانَ مَعَهَا لذَكَرَتْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتْ على الاستنباط على ما ذكرَتْ من ظاهرِ الآيةِ.
ثمَّ قالَ الشَّيخُ نجمُ الدِّينِ: وقد تُعقِّبَ قولهم: إنَّها لم تنفِ ذلك بحديث مرفوع ... إلخ: بأن ذلك عجيب، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن مسروق أَنَّه لمَّا قالَ لعائشة: ألم يقل الله: {وَلَقَدْ رَءاهُ بِالْأُفقِ المُبِينِ} [التكوير: ??]، {وَلَقَدْرَها نَزَلَةٌ أُخْرَى} [النجم: 13]، فقالت له: أنا أوّلُ الأُمَّةِ سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إنَّما هو جبريل».
وأخرَجَه ابنُ مَردَوَيه أيضاً عن مسروق أنّها قالت له: أنا أوَّلُ مَن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، فقُلتُ: يا رسول الله، هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: «لا، إِنَّما رأيتُ جبريلَ مُنهَبِطاً».
ثم قالَ الشَّيخُ نجمُ الدِّينِ نَقلاً عن الشيخ تقي الدِّينِ السُّبكي: إِنَّه قال في تفسيره بعد سياق حديث عائشةَ رضي الله عنها ما نصه: أبدَيْنا فيه احتمالاً، فلذلك يستمر ما ادعاه هؤلاء الأئمَّةُ من أنَّ عائشةَ لم تذكر فيه نصَّا، وبانَ بهذا أنَّ الرَّاجح في تفسير الآيةِ أنَّ الرُّؤيةَ بالبصرِ، وأَنَّها الله تعالى انتهى.
قلت: ولعله أرادَ بقوله: لم يذكر فيه نصّا، يعني قاطعاً، وإِلَّا فكيفَ يُقالُ: لم يذكر فيه نصا، وقد ذُكِرَ النَّصُّ في صحيح مُسلم كما تقدَّمَ.
وقد قالَ الشَّيخُ نجمُ الدِّينِ أيضاً قبل هذا في مبدأ الفَوائدِ المُتعلقة بقِصَّةِ الإسراء: ويُجاب عمّا يُعزَى لعائشةَ بأنَّه لم يرِدْ بسندٍ يصلُحُ للحُجَّةِ، بل في سنده انقطاع وراو مجهول، وبتقدير صحتِه، فعائشة لم تكُن زوجةً إذ ذاك، ولا كانت في سِنِّ مَن يضبط الأمور، وعلى القول بأنَّ الإسراء كانَ بعدَ المَبْعَثِ بعام لم تكُنْ وُلِدَت بعد، فإذا لم تُشاهِدٌ ذلك دلّ على أنَّها حدَّثَت به عن غيرِها، انتَهَى.
وهذا غير ظاهر في ردّ المَروِيّ عنها رضي الله عنها، والذي ينبغي أن يُعوّل عليه ما قاله بعضُهم: الأولى بأن يُجابَ بأنَّ المِعراج كانَ مُكرَّراً، مرَّةً بشخصه، ومرَّةً بروحه، وقول عائشةَ رضي الله عنها حكاية عن الثانية، كما حكاه الشَّيخُ أبو بكرٍ الشنواني رحمه الله.
وسنذكرُ النَّقلَ بصِحَّةِ تكرار الإسراء، وأنَّ المنقول عن عائشةَ رضي الله عنها صحيح بما يناسبه، وأن ما يُخالِفُه صحيح أيضاً للتعدد.
ثمَّ قالَ الشَّيخُ أبو الحسنِ البَكرِيُّ رحمه الله: فالتحقيقُ أَنَّه صلى الله عليه وسلم رَأَى رَبَّه بعين رأسه.
{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} [النجم: 11] بالتخفيف لغير أبي جعفر وهشام؛ أي: ما كذَبَ فُؤَادُ محمد صلى الله عليه وسلم، ولهما بالتشديد؛ أي: ما كذَّبَ قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بعينه، وعرَفَه بقولِه، ولم يشُكٍّ أنَّه حق.
{وإِذْ يَغْشَى السَدْرَة} [النجم: 16] معمول لـ «رأى»؛ أي: رآه حينَ يَغْشَى السدرة ما يغشى من طيرٍ أو غيره من الملائكة، أو فراش من ذهب، وقيل: جَراد من ذهب، وقيل: هو أغصانُ السدرة من لؤلؤ وياقوت وزَبَر جَدٍ، فرآها محمد، ورأى ربَّه - كما أخرَجَه آدم بن إياس، والبيهقي في «الأسماء والصفاتِ» عن مجاهد فالضمير في رآه يعود على الله تعالى؛ أي: أَنَّ محمداً رأى ربَّه مَرَّتَينِ، أوَّلَ ما أُسرِيَ به، وبعدما راجَعَه في تخفيف الصَّلواتِ، وهذا مذهب ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهُما. انتَهَى.
وقوله: «مَرَّتَينِ يُمكنُ أن يكونَ لإثباتِ تكرار تلك الرُّؤيةِ، لا بقيد المرَّتَينِ فقط؛ إذ المراجعة كانت تسعَ مرَّاتٍ، والرُّؤية ثابتةٌ حالَ المُراجعة، لم تُخصص بمرَّةٍ منها، فكانت الرُّؤيةُ مُكرَّرةً بعددِ المُراجعة انتَهَى.
وقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: ??]، قيل: عِماد القلبِ من ذاتِ الرَّبِّ من غير تكييف؛ لقوله: «إِنَّ اللهَ اختَصَّ مُوسَى بالكلام، وإبراهيم بالخُلَّة، ومحمَّداً بالرؤية».
ورُؤية الحق أمرٌ لا يفهمه الخلقُ عُموماً؛ لأنَّه من خُصوصِيَّتِهِ، وَمَن فَهِمَ حقيقة الكلامِ المُوسَوِيُّ فَهمَ النَّظَرَ المُحمَّديّ.
وقد اجتمعَ ابنُ عبَّاس معَ كعب الأحبار، فقالَ ابنُ عبَّاس: نحنُ بنو هاشم نقول: إنَّ محمداً رأى ربَّه مرَّتَينِ، فكبر كعب حتَّى جاوَبَتْه الجبال، فقالَ: إِنَّ اللهَ تعالى قسم رؤيته وكلامه بين محمَّدٍ َومُوسَى، فكلَّمَه مُوسَى، ورآه محمَّدٌ، كذا في نَظْمِ الجُمَانِ مُختصر أخبارِ الزَّمانِ»، للعلامةِ الشَّيخ أحمدَ المَقْرِي المالكي رحمه الله.
وقال الخازِنُ في «تفسيره»: الرَّاجح عندَ أكثرِ العُلماءِ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَبَّه عزَّ وجلَّ بعيني رأسه ليلة الإسراء، والأصل في المسألة حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ حَيْرِ الأُمَّةِ، وهو المرجوع إليه في المُعضلاتِ، وقد راجعه ابنُ ُعمَرَ رضي الله عنهم وأرسل: هل رأى محمَّدٌ رَبَّه، انتَهَى.
وقال في «معالم التنزيل»: اختَلَفُوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل عليه السَّلامُ، وقالَ آخَرون: هو الله تعالى، ثمّ اختَلَفُوا في معنى الرُّؤية، فقال بعضُهم: جَعَلَ بصره في فُؤادِه، فرآه بفُؤادِه، وهو قَولُ ابنِ عباس، قال: رآه بفُؤادِهِ مَرَّتَينِ انتَهَى. قال ابن حجر: بمعنى أنه خلقَ فيه إدراكاً كإدراك البصر، وليسَ المُراد مجرَّدَ العلم؛ لأنَّه حاصل له ولغيره، فلا خُصوصيَّةَ، انتهى.
وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقةً، وهو قول أنس والحسَنِ وعِكرِمةً، قالوا: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه تعالى، ورَوَى عكرمة عن ابن عباس قالَ: إِنَّ اللهَ تعالى اصطَفَى إبراهيم عليه السَّلامُ بالخُلَّةِ، واصطَفَى مُوسَى عليه السَّلام، بالكلام واصطفى محمداً بالرُّؤية، انتهى.
ونقله في تفسير الخازن عنه أيضاً، وقدَّمنا عن الشَّيخِ أبي الحَسَنِ البَكْرِي رحمَهُ اللهُ أَنَّ رُؤيته بعين بصره لربه، وثبَتَ القَولُ به عن ابنِ عبّاس، انتَهَى فما في معالمِ التَّنزيل» على روايةٍ أُخرَى عن ابنِ عباس؛ لما قالَ الشَّيخُ الإمامُ أبو محمَّدٍ عليُّ بنُ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ البغداديُّ الصُّوفي، المعروف بالخازن في «تفسيره المُسمَّى لباب التَّأويل في معاني التَّنزيل»: رُوِيَ عن ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهما أَنَّه رأى ربَّه بفُؤادِه مَرَّتَينِ، وعنه أنَّه رأى بعينه، انتَهَى.
وقال الشَّيخُ نجمُ الدِّينِ الغيطي في «معراجه»: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابنِ عباس أنَّه كان يقولُ: نظَرَ محمَّدٌ إلى ربِّه مَرَّتَينِ، مَرَّةً ببصره، ومرة بفُؤادِه، انتهى.
وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن ابنِ عباس رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيتُ ربِّي عزَّ وجلَّ».
وقال العلامةُ الشَّيخُ أحمدُ المَقَرِي في نظمِ الجُمان مختصر أخبارِ الزَّمانِ»: قد حكى النقاش عن أحمدَ بنِ حنبل رحمه الله أنَّه قالَ: أنا أقولُ بقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ، بعينه رآه رآه، ومدَّ أحمد صَوتَه حَتَّى انقطَعَ نفسه، انتهى.
ثمَّ قالَ الغيطيُّ رحمه الله: وذهبَ ابنُ عبّاس إلى أنه رآه عزَّ وجلَّ ببصره، وبه قال سائر أصحاب ابنِ عباس، وبه أخذ كعب الأحبار والزهري، وصاحبه مَعْمَرٌ وآخرون.
وحُكي عن الحسَنِ أَنَّه كان يحلِفُ أنَّ محمداً رأى ربَّه، وبه قالَ الشَّيخُ أبو الحسن الأشعري وسائر أتباعه.
وقال الإمامُ النَّوويُّ: الرَّاجح عند أكثرِ العُلماءِ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأى ربَّه بعيني
رأسه ليلةَ المِعراج، وبسط – أي: النَّوويُّ - الكلامَ على ذلك، انتَهَى.
قلتُ: فليس اختِلافُ الرّواية عن ابنِ عباس وارداً على شيء واحد بل باختلافِ ما به الرُّؤية؛ فإنَّه قد سُئِلَ رسولُ الله: هل رأيتَ ربَّكَ؟ فقالَ: «رأيتُه بقلبي، ولم أرَه بعيني»، ثمَّ سُئِلَ أُخرى فقالَ: «رأيتُه بعيني، انتَهَى.
قلت: هذا أحسَنُ شيءٍ يُوفَّقُ به بينَ قول عائشةَ رضيَ اللهُ عنها بما رَوَتْه مُوافِقاً لإحدى الروايتين عن ابنِ عباس، وبين ما قاله ابنُ عَبَّاسٍ مُخالِفاً لِما رَوَتْه عائشة كما رواه، فالاختِلافُ بحسَبِ اختلافِ الرِّواية عن النبي، والرّوايةُ الأخيرة هي المُثبتة للرؤية البصرية، انتهى.
وأيضاً يُوَفَّقُ بوقوع الإسراء مُكرّراً، وصفته كما قال العلامة الشيخ أحمد المَقْرِي في نظمِ الجُمَانِ مختصر أخبارِ الزَّمانِ ما نصه: قد سُئِلَ بعض الأئمة عن الإسراء وصفته، فقال: لا خلاف في وقوعه، وإنما وقع الخلاف في وقته وصفته، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما أُسرِيَ به حدَّثَ، ثمَّ أُسرِيَ به صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثَ، ثمَّ أُسرِيَ به فحدَّثَ، وكلَّما أُسرِيَ به حدَّثَ، فنقل الرُّواة كلُّ واحدٍ ما سمع منه، فلذلك اختلفَتْ صِفَته، انتهى.
وما يُعارِضُ هذا من قولِ شيخ الإسلام ابن حجر في «شرح الهمزيَّة»: الأصح أنَّه إسراء واحد، وأنَّ ما خالفه وأمكن تأويله تعيَّنَ - أي: التَّأويل - وإلا حكم عليه بأنَّه وَهم، انتهى، ليسَ وجهه ناهضاً معَ وُرودِ النَّص؛ خصوصاً وقد حُكِمَ بصِحَّةِ كلّ منَ الرِّواياتِ المُخالفة كما سنذكُرُه.
ثمَّ قال: وأما وقته فأوَّلُ ما أُسرِيَ به ساعَةَ وَضْعِه لمَّا خَرَجَ من بطنِ أُمِّه، فطاف به جبريل مشارق الأرض ومغاربها، وغاصَ به في البحار، وصعد به إلى المُنتَهَى، كل ذلك في طرفة عين، ورُدَّ إلى أُمّه، ثمَّ كَانَ صلى الله عليه وسلم سارياً أبداً، فما شاهدَتْه الخلق من ذلك تكلموا به، وما لم يُشاهِدُوه لم يتكَلَّمُوا به.
فمن ذلك إسراؤُه وهو ابن ثلاث سنين مع أخيه يرعى خلف بُيوتِ بني سعد.
ومن ذلك إسراء آخَرُ وهو ابن عشر سنين ينقُلُ الحجارة معَ قُريش، ومع أعمامه. ومن ذلك إسراء آخَرُ قبل نزولِ الوَحْيِ لَمَّا قَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلوني».
ثمَّ آخَرُ بعدَ نُزولِ الوَحي بسنة ونصف، لما قالَ: «دَثْروني دَثْروني». ومن ذلك إسراء عام وإسراء خاص، فالعام: عند نزول كل وحي إسراء، والخاص: مثل هذا الذي يتكلَّم عليه العُلماء، ولم يخُصُّوا فيه قولاً واحداً، ولم يُقِرُّوه بصفة متفق عليها.
فمن أرادَ عِلمَ ذلك فليعلَمْ أَنَّ رواياتهم صحيحةً غيرُ مُحيطة بحقيقتها؛ لعدمِ إحصائها.
وانظُرْ زيادةَ الرُّواةِ ونُقصانَهم في شق صدره صلى الله عليه وسلم، وفي ترتيب الأنبياء عليهم السَّلامُ في السَّماواتِ، وفي دخولِ الجنَّةِ وفي رُؤيةِ النَّارِ، وفي سماع صرير الأقلام وغشيانِ سِدرةِ المُنتَهَى بالأنوار، إلى غير ذلك.
كل ذلك ممَّا ذكره النبي ونقلته الرواة، كلُّ صفةٍ في وقتها، فمَن تَبَيَّنَ له ذلك وعمل عليه لم يبقَ له إشكال، ومن ظنَّ أَنه لم يُسْرَ بِهِ إِلَّا مَرَّةً واحدةً فَإِنَّما عمل على هذا الإسراء الذي وقع له وهو ابنُ إحدى وخمسين سنةً، وفيه فُرِضَتِ الصَّلاةُ، ورُدَّت من الخمسين إلى الخمس، انتهى.
وهذا هو الإسراء الذي لم يتعدَّدُ لفَرضِ الصَّلاةِ فيه دون غيره، انتهى.
ثم قال: ومن الرواياتِ الصّحيحةِ أيضاً التي نُقلَتْ عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «بينما أنا قاعِدٌ ذات يوم إذ دخل جبريل عليَّ، فوكزني بين كتِفَيَّ، فقُمتُ إلى شجرةٍ فيها مثلُ وِكرَي الطَّائِرِ، فَقَعَدَ في واحدةٍ، وقعَدْتُ في الأُخرَى، فَسَمَتْ حَتَّى سُدْتُ الخَافِقَينِ، ولو شِئتُ لمَسِسْتُ السَّماءَ، وأنا أُقَلْبُ طَرْفي، ونظَرْتُ جبريل كأَنَّه جَلَسَ وفتح باب السَّماءِ، ورأيتُ النُّورَ الأعظم، والحُجُبَ، وفُرِجَت فَأُوحِيَ إِليَّ ما شاءَ أَن يُوحَى.
وفي رواية: ركِبَ البُراق حتَّى أتى بها الحِجاب الذي يلي عرش الرَّحمنِ، فخرج منه ملك، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه جبريل، فقال: أنا أقرَبُ الخلقِ مَكاناً، ولم أرَ هذا الملَكَ قطُّ، فقال الملكُ الله أكبر، الله أكبر، فإِذا النَّداءُ: صدَقَ عبدي، أنا أكبَرُ، ثمَّ قال الملك: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فإِذا النَّداءُ: صَدَقَ عبدي، لا إله إلا أنا، ثم كذلك إلى تمام الأذانِ، ثمَّ أخذَ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدَّمَه، فصلَّى بأهل السَّماءِ، وفيهم آدم ونوح.
فكلُّ هذه الروايات صحيحة لا يشُلُّ فيها عاقل، وأوقاتها مجهولةٌ، وإسراء صاحبها غير محدودٍ ولا موقوف ولا مؤقت، ودليل ذلك أَنَّه صلى الله عليه وسلم رُوحاني أبداً، وإنْ كانَ بشَرِيَّا، فلا يُرَى لصُورتِه ظِلّ في شمس ولا قمر ولا سراج، ويرى صلى الله عليه وسلم من خلفه كما يرى من أمامه، ولا يحجُبُ بصرَه الجبال ولا المسافات البعيدة، فكيف يحجُبُ بصرَه السماوات والأجرامُ اللَّطيفةُ؟
ومن هنا الخِلافُ بينَ العُلماءِ، هل عُرِجَ برُوحِه أو بِجَسَدِهِ؟ فَمَن تَيَقَّنَ أَنَّ جسمه لطيفٌ شفاف قال: عُرِجَ بجسمه ورُوحِه، ومَن لم يعلم ذلك ولا تيقنه قال بروحه فقط.
ويا عَجَباً مَن يُخاطِبُه الجمادات، وتُحادِثُه الروحانيَّاتُ، وتُطيعه العَوالِمُ الكليات والجزئياتُ، كيفَ يُنكَرُ الإسراء بجسمه؟ ويُبعِدُ ذلك أَحَدٌ في وَهمِه. والله ما من مُعجزةٍ أُيَّدَ بها رسولٌ إلا قد أُيَّدَ رسول الله الله بمثلها أو خير منها.
قال أهل الإشاراتِ: ويدخُلُ هذا المعنى في معنى قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، ولذلك شريعته نسخت جميع الشرائع، ومُعجزاته صلى الله عليه وسلم احتوت على جميعِ المُعجزاتِ، وحالاته صلى الله عليه وسلم خارجة عن معقولِ البشَرِ، ولذلك وقع الاختِلافُ؛ لكون كلّ واحدٍ يُعبر عنها بما فهم، وبما سمِعَ وعقل.
وإسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق ظهورِ عُقولِ الخلق كافة، لاحظه أبو بكر رضي الله عنه بعين قلبه، ورآه أبو جهل بعين رأسه، أدرك جماله ابن أم مكتوم وهو أَعْمى، وأُوَيسُ القَرْنيُّ مِن بعيد، وهو لم يره بعين رأسه. قالَ عُمرُ وعليٌّ لأُوَيس: ما الذي أخَّرَك عن رؤيته وقد لحقت زمانه؟ فقال لهما:
وهل رأيتُماه أنتما؟ والله ما قد رآه جبريل وميكائيل، فكيف بنا نحن؟ والذي حدَّثَهم به رسول الله لا يفهم منه كلُّ واحدٍ بِقَدْرِ إدراك؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء: «فَاستَيْقَظْتُ»، فمَن قالَ: لم يُسرَ بِجَسَدِهِ وإِنَّما أُسرِيَ بِرُوحِه عمدَ على أنه وقع في النَّومِ الذي هو ضدُّ اليقظة، ومَن قالَ بُرُوحِه وجَسَدِهِ، عَمَدَ على استغراقه في عجائب الملَكُوتِ، ثمَّ كانَ استيقاظه رُجُوعاً إلى حالة البشرِيَّةِ مِمَّا كَانَ فيه من مُشاهدة الملأ الأعلى.
وليسَ في مَقامِ النُّبُوَّةِ ما يشغَلُ القَلبَ عن الله إِلَّا الامتثال بالرجوع إلى الحدود من مُراقبة المعبودِ، ومما يدلك على أنَّ الإسراء غير واحد قوله: وأنا نائم في الحَظِيمِ، قالَ مرَّةً أُخرَى: «وأنا نائم في الحِجْرِ»، وقالَ مرَّةً أُخرى: «وأنا مُضْطَجِعُ بينَ رجُلَينِ»، وقالَ مرَّةً أُخرى: «وأنا جالس». وقد ذُكِرَ عنه الإسراء في أوَّلِ الإسلام قبلَ مَولدِ عائشةَ رَضِيَ الله عنها، ثمَّ ثبتَ عنها في حديثِ الإسراء: ما فقَدَتْ جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلكَ اللَّيلِةِ.
وقد ثبت عنه هو حديث إسراء بعدَ مَبْعَثه بعام ونصفٍ، وكانَتِ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها في الهجرة بنت ثمانية أعوام.
وثبت عنه حديثُ إسراء قبل الهجرة بخمس سنين، ثمَّ ثبت قبل الهجرة بعامين، ثمَّ إِنَّ قوماً عَمِلُوا على قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] أَنَّه دليل على الإسراء بالرُّوحِ، وقوماً على قوله تعالى: {مَازَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: ??] أَنَّه دليل على الإسراء بالجسم والرُّوحِ، وكلُّ ذلك صحيح لا شك فيه لِمَن فِهِمَ بالفَهم
الخاص، والمعنى الخاص، بخاص من خاص، انتهى.
فائدة:
خُصَّ النَّبي او بالرؤية والمُكالمة؛ لأنه صاحبُ الشَّفاعةِ في القيامةِ، فيُوَسَطُ قبلها؛ لئَلَّا يقَعَ له حشمة، البديهة، كما تقعُ لغيره من الأنبياء عليهم الصَّلَاةُ والسَّلامُ.
فأرادَ الله سبحانه وتعالى أن يُزيلها عنه قبل ذلك المَقامِ؛ ليَتَمَكَّنَ من المقامِ المحمود، وأهلَه سُبحانه وتعالى قبلَ المَشْهَدِ الأعلى للمُشاهدة والكلام، فيتفرغ في المشهد الأعلى، ويتمكّن في المقام المحمودِ، كذا في «المعراج الشامي»، عن ابنِ دحية، انتهى.
ولمَّا عُرِجَ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، ودخل حضرة الحقِّ الخاصَّةَ التي طُلِبَ لها، رأى منَ الحقِّ عين ما كانَ يعلمُ لا غيرُ، وما تغيَّرَتْ عليه صورة اعتقادِه، انتهى، قاله الشَّيخُ العارِفُ بالله سيدي عبدُ الوَهَّابِ الشَّعراني في «القواعدِ السَّنيَّة في توحيدِ أهلِ الخصوصيَّةِ»، وقدَّمناه عنه أيضاً في تفسيره».
تنبيه:
عُلِمَ مما تقدَّمَ خِطاب الله الملائكة عليهم السّلامُ، والنَّبيَّ محمَّداً، وَمُوسَى عليه السَّلام بلا واسطة، ونزيدك فائدةً منَ السُّنَّةِ الشَّريفة لإثباتِ خطاب الملائكة عليهم السلام بلا واسطة، وقد يكون بواسطة.
قالَ الجَلالُ السُّيوطي رحمه الله في «الحبائكِ»: أَخرَجَ أحمد، والترمذي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قضَى ربُّنا أمراً سبَّحَ حملة العرش، ثمَّ يُسبِّحُ أهلُ السَّماءِ الذين يلُونَهم حتَّى يبلُغَ التَّسبيحُ أهلَ هذه السَّماءِ الدُّنيا، ثمَّ قال الذين يلُونَ حَمَلَةَ العَرْشِ لحمَلَةِ العَرْشِ: ماذا قالَ رَبُّكُم؟ فيُخبرونَهم ماذا قال، فيستَخبِرُ بعض أهلِ السَّماواتِ بعضاً حتَّى يبلغ الخبرُ أهلَ هذه السَّماءِ الدُّنيا، فيخطَفُ الجن السَّمعَ، فيقذفُونَ إلى أوليائهم ويرمُونَ، فما جاؤُوا به على وَجْهِه فهو حقٌّ، ولكنَّهُم يقذفُونَ فيه فيزيدُونَ»، انتَهَى.
وهو يُفيد سماع حملةِ العَرْشِ بلا واسطة، انتهى.
وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله: «إذا قضَى الله الأمر في السَّماءِ، ضَرَبَتِ الملائكةُ بأجنِحَتِها خُضْعاناً لقَولِه، كأَنَّه سلسلة على صَفْوانٍ، فإذا فُزِّعَ عن قُلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي الحق وهو العليُّ الكبير، فيسمَعُها مُستَرِقو السَّمع، انتَهَى.
وهو يُفيدُ السَّماعَ بلا واسطة، انتهى.
وأخرج ابن جرير عن أبي زيد قال: لمَّا خَلَقَ اللهُ النَّارَ، ذُعِرَتْ منها الملائكةُ ذعراً شديداً، وقالُوا: ربَّنا لِمَ خَلَقْتَ هذه؟ قالَ: لمَن عَصاني مِن خَلْقِي، ولم يكُن الله يومئذ خلقٌ إِلَّا الملائكة، قالوا: يا رب، ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ قالَ: لا، إنِّي أُريد أن أخلُقَ في الأرض خَلْقاً وأجعَلَ فيها خليفة يسفكون الدِّمَاءَ ويُفسِدُونَ في الأرض، قالوا: وتَجْعَلُ فيها مَن يُفْسِدُ فيها؟ فاجعَلْنا نحن فيها، فنحنُ نُسبِّحُ بِحَمدِكَ ونُقدِّسُ لك، قال: إنّي أعلَمُ ما لا تعلمون، انتهى وهو بلا واسطةٍ. انتهى.
أخرج ابن أبي الدُّنيا في كتابِ التَّوبةِ» عن ابنِ عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَن لبّى الملائكةُ، قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]، فراد دوه فأعرَضَ عنهم، فطافُوا بالعَرشِ ستّ سنين يقولون: لبَّيْكَ لبَّيْكَ؛ اعتذاراً إليك، لبَّيْكَ لبَّيْكَ، نستَغفِرُك ونتوب إليك، انتَهَى.
والخطاب بلا واسِطَةٍ، انتهى.
وأخرج أبو الشَّيخ عن أبي بكر الهُذَليّ قال: ليس شيء من الخلقِ أَقرَبَ إلى الله من إسرافيل، وبينه وبين الله سبعةُ حُجُب، وله جَناح بالمشرقِ وجَناح بالمغرب، وجناح في الأرضِ السَّابعةِ، وجَناح عند رأسه، وهو واضع رأسه بينَ جناحيه، فإذا أرادَ اللهُ بالأمر، نزلَتِ الألواح على إسرافيل بما فيها من أمر الله، فينظُرُ فيها إسرافيل، ثمَّ يُنادي جبريل فيُجيبه، فلا يسمع صوته أحدٌ من الملائكة إلا صَعِقَ، فإذا أفاقوا قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحق وهو العليُّ الكبير، وإنَّ ملَكَ الصُّورِ الذي وُكِّلَ به إنْ إِحدَى قدميه لفي الأرض السابعة وهو جاثٍ على رُكبتيه، شاخص بصره إلى إسرافيل، ما طرف منذ خلقه الله ينظُرُ متى يُشيرُ إليه فينفُخُ في الصُّورِ، انتَهَى.
وفيه الخِطاب بواسطة. انتهى.
ولكِنْ قالَ ابنُ عادل ينفُخُ إسرافيل في الصُّورِ ثلاثَ نفخات: نفخة الفَزَعِ، ونفخة الصعق، ونفخة القيامِ لرب العالمين، انتهى.
وهو يقتضي أنَّه صاحِبُ الصُّورِ انتَهَى.
وأخرج أبو الشَّيخ عن أبي سفيانَ قالَ: أَقرَبُ الخلقِ مِنَ الله اللُّوحُ، وهو مُعلَّقٌ بالعرش، فإذا أرادَ اللهُ أن يُوحِيَ بشيء، كتب في اللوحِ، فيجيءُ اللَّوحُ حتَّى يَقرَعَ جبهة إسرافيل، وإسرافيل قد غطّى وجهَه بجناحيه لا يرفَعُ بصرَه؛ إعظاماً الله تعالى، فينظُرُ فيه، فإنْ كانَ إلى أهل السَّماءِ دفعه إلى ميكائيل، وإنْ كانَ إلى أهل الأرض، دفعه إلى جبريل، فأوَّلُ ما يُحاسَبُ يومَ القيامةِ اللَّوحُ يُدعَى به ترعُدُ فرائِصُه، فيُقال له: هل بلغت؟ فيقولُ: نعم، فيقولُ: مَن يشهَدُ لك؟ فيقول: إسرافيل، فيُدعَى إسرافيل ترعُدُ فرائصه، فيُقال له: هل بلَّغَك اللّوحُ؟ فإذا قال: نعم، قالَ اللَّوحُ: الحمد لله الذي نجاني من سوء الحسابِ، ثمَّ كذلك، انتَهَى.
تنبيه:
قال أكثرُ الصَّحابة والتابعينَ رضوان الله عليهم أجمعين: إنَّ الملائكة الذين قيل لهم اسجدوا لآدمَ إنّهم كلُّ الملائكة؛ لعمومِ اللَّفظِ وعَدَمِ المُخَصِّص، وقيل: هم ملائكة الأرض، أو المُختارُونَ معَ إبليس حينَ بعثه اللهُ عزَّ وجلَّ لمُحارَبةِ الجِنِّ حينَ كانُوا سُكَّانَ الأرضِ، فأفسدوا فيها وسَفَكُوا الدماء فقَتَلُوهم إلا قليلاً قد أخرَجُوهم منَ الأرضِ، وألحَقُوهُم بجزائرِ البِحارِ وقُلَلِ الجبال، وسكَنُوا - أي: الملائكة - الأرضَ، وخفَّفَ اللهُ عنهم العبادة، وأعطى الله إبليسَ مُلكَ الأر ومُلكَ السَّماءِ الدُّنيا، وخزانة الجنَّةِ، فكان يعبد الله تعالى تارةً في الأرض، وتارةٌ في السَّماءِ، وأُخرَى في الجنَّةِ، فأخَذَه العُجْبُ، فكان من أمره ما كانَ، انتَهَى.
وقد كان فيها - أي: الأرضِ - قبل أن يُخلَقَ آدَمُ بألفي عام الجنُّ بنو الجان، ففَسَدُوا في الأرض، وسفَكُوا الدّماء، فلمَّا أفسدوا في الأرضِ بَعَثَ عليهم جنوداً منَ الملائكةِ، فَضَرَبُوهم حتَّى ألحقوهُم بجزائر البحور، انتهى. كذا في «الدر المنثور» في حديث ساقه الجلال بسنده رحمه الله.
وأمَّا الخِطاب معَ إبليس: فقالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ: دلَّتِ المُناظرات المذكورة في القُرآنِ بينَ الله وبين إبليس أنَّه كان يتكلَّمُ مع إبليس من غير واسطة، فذلك هل يُسمَّى وحياً منَ الله إلى إبليس أم لا؟ الأظهَرُ أنَّه منه، ولا بُدَّ في هذا المَوضِعِ من بحث عَامِضِ كامل، انتَهَى.
وقال العلامةُ البَيضاوِيُّ: وهذه المُخاطَبَهُ وإنْ لم تكُن بواسطة لم تدلّ على منصب إبليسَ؛ لأنَّ خِطاب الله تعالى على سبيل الإهانة والإذلال للمُستَهينِ والذّليلِ، انتهى.
وأمَّا خِطاب الله تعالى لآدمَ: فحيثُ علمتَ ذلك في جانبِ إبليس، فتُبُوتُ التَّكَلُّمِ بالنَّص منه سبحانه بلا واسطةٍ معَ آدمَ صَلَواتُ الله وسلامه عليه بطريق الأولى، لكن خطاب تكريم وتشريف، ولو [كانَ] الخطاب معه بواسطة لعلمه بعض الملائكة، وقال تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائكة} [البقرة: 31] الآيةَ، فقولهم: «لا علم لنا» ينفي كونه بواسطة أمر منهم.
وكذا قوله: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] خطاب، والأصل في القول الحقيقة، فلا يُحمل على غيرِها بلا ضرورةٍ، انتهى.
وقال الإمام العلامةُ العَيني في «شرحه على البُخارِيَّ»: فإِنْ قُلتَ: ما أصل السريانية؟
قلتُ: قالَ ابنُ سلام: سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ اللهَ حِينَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسماءِ عَلَّمَهِ سِرًّا مِنَ الملائكة، وأنطقه بها حينَئِذٍ، انتَهَى.
وقالَ الشَّيخُ الإمامُ الأجَلُّ، رئيسُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، سيف الحقِّ أبو المُعين النَّسَفيُّ في «عقيدَتِه»: كلَّمَ اللهُ آدمَ وَمُوسَى عليهما السلام من وراء حجاب، انتهى. يعني حجابَ الرُّؤيةِ، وقال في الدُّرِّ المنثور عن أبي ذر، قلتُ: يا رسولَ الله مَن أوَّلُ الأنبياءِ؟ قالَ: «آدم»، قلتُ: نبي كانَ؟ قَالَ: «نعم مُكلَّم».
وأخرج أحمد، والبُخاريُّ في تاريخه»، والبزار، والبيهقي في «الشُّعَبِ»، عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، أيُّ الأنبياء كانَ أوَّلَ؟ قالَ: «آدم»، قلتُ: يا رسولَ اللهِ أَنبي كانَ؟ قَالَ: «نعم، نبي مُكلَّمٌ.
وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفاتِ»، عن أبي أمامة الباهلي: أَنَّ رَجُلاً قالَ: يا رسول الله أنبي كانَ آدم؟ قالَ: «نعم، نبيٌّ مُكَلَّمْ»، قالَ: كم بينه وبين نوحٍ؟ قالَ: «عشرة قرون»، قال: كم بين نوحٍ وبين إبراهيم قالَ: «عشرة قرون»، قال: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قال: يا رسول الله، كم كانَتِ الرُّسُلُ من ذلك؟ قال: ثلاث مئةٍ وخمسة عشر جما غفيراً».
وعن أبي أمامة أنَّ أبا ذر قال: يا نبي الله، أيُّ الأنبياءِ كَانَ أَوَّلَ؟ قالَ: «آدم»، قالَ: أونبي كانَ آدم؟ قالَ: «نعم، نبيٌّ مُكلَّم، خلقه الله بيده، ثمَّ نَفَخَ فيه من رُوحِه، ثمَّ قَالَ له: يا آدم»، انتهى.
وكانَ آدم عليه السَّلامُ مُرسَلاً، روى أبو ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أنبيا كانَ آدَمُ مُرسَلاً؟ قالَ: «نعم».
قالَ ابنُ عادِلٍ: فإن قيل: لِمَن كانَ رسولاً، ولم يكُنْ في الأرضِ أحدٌ؟ فيُقالُ: كان رسولاً إلى ولده، وكانُوا أربعينَ ولَداً في عشرينَ بَطْناً، في كلَّ بطنٍ ذَكَرٌ وأُنثَى، وتوالدُوا حتَّى كَثُروا، وأُنزِلَ عليه تحريمُ الميتةِ والدَّمِ ولحم الخنزير وآدَمُ كُنيته أبو البشَرِ، وقيل: أبو مُحمَّدٍ، وقيل: كُنيته في الأرضِ أبو البشَرِ، وفي الجنَّةِ أبو محمد.
وفي «آدمَ ستَّةُ أقوال، أرجَحُها أَنَّه اسمٌ أَعجَمِيٌّ لا اشتقاق له.
وأمَّا كلام الله تعالى وخطابه لذُرِّيةِ آدمَ فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: ???] الآية، «ألستُ بربكم؟» على إرادةِ القَولِ؛ أي: قائِلاً: «ألست بربكم»، ومالك أمركم، ومُرَبِّيكُم على الإطلاق من غير أن يكونَ لأحدٍ مَدخل في شَأْنٍ من شُؤونكم؟ فينتَظِمُ استحقاق العبوديَّةِ، ويستلزم اختصاصه بها.
قد حُمِلَت هذه المقالة على الحقيقة، كما رُوِيَ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما أنَّه لما خلَقَ الله تعالى آدم عليه السَّلامُ مُسَحَ ظهره، فأخرج منه كل نسمةٍ هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فنُودِيَ يومَئِذٍ: جفَّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.
ورُوِيَ عن عمر رضي الله عنه أنَّه سُئِلَ عن الآية الكريمة فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عنها فقالَ: «إِنَّ الله تعالى خلق آدم، ثمَّ مَسَحَ ظهره بيمينه فاستَخْرَجَ منه ذُريَّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء اللجنَّةِ، وبعمل أهل الجنَّةِ يعمَلونَ، ثمَّ مَسَحَ ظَهرَه فاستخرج منه ذُريَّةً فقال: خلقت هؤلاء] للنَّارِ، وبعمل أهل النَّارِ يعمَلونَ».
وليس المُرادُ أنَّه أَخرَجَ الكُلَّ من ظهره عليه السَّلامُ بالذَّاتِ، بل أخرَجَ من ظهرِه أبناءه الصُّلبيَّة، ومن ظُهورِهم أبناءَهُم الصُّلبيَّةَ، وهكذا إلى آخرِ السَّلسِلَةِ، لَكِنْ لمَّا كانَ الظَّهِرُ الأصلي ظهره عليه السَّلامُ، وكانَ مَساقُ الحديثينِ الشَّرِيفَينِ بيانَ حالِ الفريقين إجمالاً من غير أن يتعلَّق بذكرِ الوسائط غرَضُ علمي؛ نُسِبَ إخراجُ الكُلِّ إليه، انتهى.
وقالَ ابنُ جَرِيرٍ: خرجَتْ كلُّ نفسٍ مخلوقة للجنَّةِ بيضاء نقيةً، وكلُّ نفس مخلوقة للنَّارِ سوداء أمثال الخردَلِ في صورةِ الذَّرِّ، انتَهَى.
وخاطَبَ الله تعالى العُزير عليه السَّلامُ قال له: {وكَمْ لَبِثْتَ} [البقرة: 259]؟ القائل هو الله تعالى، أو ملَكٌ مأمور بذلك من قِبَلِه تعالى.
قيلَ: نُودِيَ مِنَ السَّماءِ: يا عُزَيْرُ، كم لبِثْتَ قبل اليوم؟
وسمع كلام الله تعالى السبعونَ المُختارُونَ من قومِ مُوسَى، لَمَّا كَلَّمَ اللهُ مُوسَى، وهم يسمَعُونَ، فلمَّا سَمِعُوا كلامَ ربِّ العِزَّةِ، أرادوا أن يرَى مُوسَى رَبَّه، فكانَ ما كانَ.
تتمة للفائدة:
ذهَبَ أكثرُ المُتكلّمينَ إلى أنَّ الملائكة أجساد لطيفةٌ قادِرونَ على التّشكُل بأشكال مختلفةٍ، مُستدِلَّينَ بأنَّ الرُّسُلَ عليهم السّلامُ كَانُوا يَرَونَهم كذلك.
والملائكةُ جمعُ «مَلْأَك» على الأصل، كالشَّمائل جمعُ «شَمْأل»، والتَّاءُ لتأنيثِ الجمع، وهو مقلوبُ «مَألكِ» منَ الألوكة، وهي الرِّسالةُ؛ لأَنَّهم وَسائط بينَ الله وبينَ النَّاسِ، فهم رُسُلُ اللهِ، أو كالرُّسُلِ إليهم، كذا قاله البيضاوِيُّ في تفسيره. وقال الإمامُ العلامة شيخُ الإسلام العينيُّ في «شرح البُخارِيِّ»: الملَكُ أصله «مَلاكُ»، تُرِكَت الهمزة لكثرة الاستعمال، واشتقاقه من الألوكة، وهي الرسالة، يقال: ألكني إليه؛ أي: أرسَلَني، ومنه سُمَّي الملَكُ؛ لأنَّه رسول من الله تعالى، وجمعه ملائكة.
قال الزمخشري: الملائكةُ جمعُ «ملاكِ»، على الأصل، كالشمائل جمعُ «شَمْأَلِ»، وإلحاقُ التَّاءِ لتأنيثِ الجمع، قُلتُ: إنَّما كَانَ كذلك حتَّى لا يُظَنَّ أَنَّه جمعُ «ملك»، لأن وزنه «فعل»، وهو لا يُجمَعُ على «فعائل».
وفي «العُباب»: الألوكُ والألوكة والمألكة والمألكُ: الرسالة، وإِنَّما سُمِّيَت الرّسالةُ أُلوكةً؛ لأنَّها تُؤلَكُ في الفم، من قول العرب: الفرَسُ تألكُ الرّجامَ أَلْكا؛ أي: تعلكُه عَلْكاً.
قالَ ابنُ عبَّادٍ: قد يكونُ الألوك الرَّسول، وقال الصَّغاني: والتركيب يدلُّ على تحمل الرسالة، انتهى.
وقد أوضَحَ ذلك الشَّيخُ الإمامُ ابنُ عادل في «تفسيره» فقال: و «ملائكةٌ»: جمعُ «ملك»، واختُلِفَ في «ملَكِ» على ستَّةِ أقوال، وذلك أَنَّهم اختلَفُوا في ميمه، هل هي أصلية أم زائدة؟ والقائلون بأصالتها اختلَفُوا، فقال بعضُهم: «ملَكٌ»، ووَزَنُه «فَعَل» منَ المُلكِ، وشدَّ جمعه على «فعائِلَة»، فالشُّذوذ في جمعه فقط.
وقال بعضُهم: بل أصله «ملاك»، والهمزةُ فيه زائدةٌ، كَشَمالِ، ثمَّ نُقِلَت حركة الهمزةِ إلى اللَّامِ فحُذِفَتِ الهمزة؛ تخفيفاً، والجمعُ جاءَ على أصلِ الزِّيادةِ، فهذانِ قولان عند هؤلاء.
والقائلون بزيادتها اختَلَفُوا أيضاً، فمنهم من قالَ: هو مُسْتَقٌ من «أَلكَ»؛ أي:
أرسل، ففاؤه همزة وعينه لام، ويدل عليه قوله: [من المنسرح] ابلغ آباد ختنوس مَأْلُكَةٌ عن الذي قد يقال م الكذب وقال آخر: [من الرمل]
وغُلامٍ أرسَلَتْهُ أُمُّهُ بألوك فبذلنا ما سَأَل وقال آخر: [من الرمل]
أبلغ النعمان علي مالكاً له قد طال حبسي وانتظاري
فأصل «ملك»: «مالكٌ»، ثمَّ قُلِبَتِ العينُ إلى موضع الفاء، والفاء إلى موضع العين، فصار «ملاكاً» على وزن مَعفَل»، ثمَّ نُقلت حركة الهمزة إلى اللَّامِ وحُذِفَتِ الهمزة تخفيفاً، فيكونُ وَزِنُ «ملك» «معلا» بحذف الفاء. ومنهم من قالَ: مُشتَقٌ من «لَأَكَ»؛ أي: أرسل أيضاً، ففاؤُه لام، وعَيْنُه همزةٌ، ثمَّ نُقلت حركة الهمزة، وحُذِفَت كما تقدَّمَ، ويدلُّ على ذلك أَنَّه قد نُطِقَ بهذا الأصل، قال: [من الطويل] فلَسْتَ لإنْسِيَّ ولكن لمَلاكِ تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ ثمَّ جاء الجمعُ على الأصل، فرُدَّتِ الهمزة على كلا القَولَينِ، فَوَزْنُ ملائكة» على هذا القَولِ مَفاعِلَة»، وعلى القول الذي قبله «مَعافِلَة» بالقَلبِ.
وقيل: مُشتق من لاكَه يلُوكُه»: إذا أدارَه يُديره؛ لأنَّ المَلَكَ يُديرُ الرِّسالة في فيه، فأصلُ «مَلَكِ»: «مَلْوَكٌ»، فنُقِلت حركةُ الواوِ إلى اللَّامِ السَّاكنةِ قبلها، فتحرَّكَ حرفُ العلة وانفتح ما قبله، فقُلِبَت ألفاً، وصارَ (ملاكاً»، مثل «مَقام»، ثمَّ حُذِفَتِ الأَلفُ تخفيفاً، فوَزْنُه مَفَلٌ بحذفِ العين، وأصل ملائكة «مَلاوِكَةٌ»، فقُلِبَتِ الواوُ همزةً، ولكنَّ شرط قلب الواو والياء همزةً بعد ألفِ «مفاعل أن تكون زائدةً؛ نحو «عَجائِزَ» و «رسائل»، على أنه قد جاء ذلك في الأصل قليلاً، قالوا: «مصائِبَ ومَنابِرَ»، وقُرِئَ شاذًا: «مَعائِشَ» بالهمزة.
فهذه خمسة أقوال.
السَّادِسُ: قالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ: لا اشتقاقَ للمَلَكِ عندَ العَرَبِ، والهاء في ملائكة» لتأنيثِ الجمع، نحو «صَلادِمَة»، وقيل: للمُبالَغةِ؛ كعَلَّامةٍ ونسَّابة، وليسَ بشيء.
وقد تُحذَفُ هذه الهاءُ شُذوذاً، قال الشاعر: [من الطويل]
أبا خالدٍ صَلَّتْ عليكَ المَلائِكُ انتهى.
وأما كثرتُهم: فقد قال العلامة أبو السُّعودِ المُفتي: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَطَّتِ السَّماءُ وحُقِّ لها أن تيْطَّ، ما فيها موضِعُ قدّم إلا وفيه ملك ساجِدٌ أو راكع. ورُوِيَ أَنَّ بني آدمَ عُشْرُ الجِنِّ، وهُما عُشْرُ حيوانات البرّ، والكُلُّ عُشْرُ الطُّيور، والكُل عُشر حيواناتِ البِحارِ، وهؤلاء كلُّهم عُشرُ ملائكةِ الأَرضِ المُوكَّلينَ، وهؤلاءِ كلُّهم عُشر ملائكةِ السَّماءِ الدُّنيا، وكلُّ هؤلاءِ عُشر ملائكةِ السَّماءِ الثَّانية، وهكذا إلى السَّماءِ السابعة.
ثمَّ كُلُّ أولئك في مُقابلة ملائكةِ الكُرسيّ نَزْرٌ قليلٌ، ثُمَّ جَميعُ هؤلاءِ عُشْرُ ملائكةِ سُرادِق واحدٍ من سُرادِقاتِ العَرشِ التي عدَدُها سِتُّ مئة ألفٍ، طول كلِّ سُردِاق وعَرضُه وسمكه إذا قوبلت به السَّماوات والأرضُ وما فيها وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس، وما فيه من مقدارِ شبرٍ إلا وفيه ملَك ساجِدٌ أو راكع أو قائم لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتقديس. ثمَّ كلّ هؤلاء في مُقابلة الملائكةِ الذين يحومُونَ حول العرش كالقطرةِ في البحر.
ثم ملائكةُ اللَّوحِ الذين هم أشياعُ إسرافيل عليه السلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السَّلامُ، لا يحصُرُ أجناسهم، ولا مُدَّةَ أعمارهم، ولا كيفيَّاتِ عباداتهم إلا بارِؤُهم العليم الخبير على ما قال: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31].
ورُوِيَ أَنَّه عليه السَّلامُ حينَ عُرِجَ به إلى السَّماءِ رأى ملائكةٌ في موضع بمنزلة شرف، يمشي بعضُهم تجاه بعض، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السَّلامُ: إلى أين يذهَبُونَ؟ فقال جبريل عليه السَّلامُ: لا أدري، إلَّا أني أراهُم منذُ خُلِقْتُ، ولا أرى واحداً منهم قد رأيتُه قبل ذلك، ثمَّ سألا واحدا منهم: منذ كم خُلِقْتَ؟ فقال: لا أدري، إلا أنَّ الله عزّ وجلَّ يخلُقُ في كل أربع مئة ألف سنة كوكَباً، وقد خَلَقَ منذُ خلَقَني أربع مئة ألف كوكب، فسُبحانَه ما أعظم قدره وما أوسعَ ملكوته! انتَهَى.
وكذا في تفسير ابن عادل جميعاً، وكذا في «تفسير الحسَنِ بنِ محمَّدٍ القُمّي، المُشتهر بنظام النيسابوري إلا سُؤال جبريل.
وفي كتاب «التشريفات في المُعجزاتِ عن سيد السَّاداتِ»: رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السَّلامُ فقال: «يا جبريلُ، کم عُمرتَ منَ السِّنينِ؟ فقال: يا رسول الله: لستُ أعلَمُ، غير أنَّ في الحجاب الرَّابع نجماً يطلُعُ في كل سبعين ألف سنةٍ مرَّةً، ورأيتُه اثنين وسبعينَ ألفَ مرَّةٍ، فقال: «يا جبريلُ، وعِزَّةِ ربي جل جلاله أنا ذلك الكوكب»، رواه البُخاريُّ، انتَهَى.
وهذا ما يسره الله سُبحانَه بفضله وكرمه، نسأله سُبحانَه دوام إسباعِ نِعَمِه التي لا تُحصى، وإفاضات كرمه التي لا تُستَقْصَى، علينا وعلى أولادنا وذُرِّيَّاتِنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا ومحبينا وذُرِّياتِنا، ويُحسِن عاقبتنا، ويُلهِمَنا حُجَّتَنا، ويُمَتِّعَنا بحواسنا مُدَّةَ حياتِنا، وأن يحشُرَنا معَ النَّبيِّينَ والصَّدِّيقِينَ وَالشُّهداءِ والصَّالحين، ويُمتعنا بالنَّظَرِ إلى وجهه الكريم، بدار السلام من غير سابقة عذاب، إنه الكريم المنَّانُ الوَهَّابُ.
فنَظَرُه إلينا حينَ يمُنُّ بنَظَرِنا إليه لَنِعمَ الختام، والغاية القصوى من مِنَنِ المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلامِ.
بتاريخ غرَّةِ شهر شعبان سنة أربع وأربعينَ وألفٍ كانَ انتهاء تأليف هذه الرسالة بفضل الله تعالى وحُسنِ توفيقه.
وكانَ الفَراغُ من جمعِها في غُرَّةِ صفر سنة ثمانٍ وستِّينَ وألفٍ.