تحفة النحرير وإسعاف الناذر الغني والفقير
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تحفة النحرير وإسعاف الناذر الغني والفقير
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثِقَتي ورجائي
الحمد لله الذي أكرَمَ خِيارَ عِبادِه، وأفاضَ عليهم عزيز إمداده، ويسر لهم القيام بخدمته، وأبدَلَهُم ما يشُقُ بأيسر موجود من نِعمَتِه، والصَّلاة والسَّلامُ على حبيبه وصفوته، وعلى آله وأصحابه والتابعينَ وذُرِّيَّتِه.
وبعد:
فيقول العبد المُقصِّرُ في خِدمَتِهِ، حَسَنُ الشُّرُنْبُلا ليُّ لطَفَ اللهُ بذُرِّيَّتِه، وتغَمَّدَه بمَغفِرَتِه: هذه نُبدَةٌ يسيرةٌ لتحرير مسألةِ النَّذْرِ بحَسَبِ عَجْزِهِ وقِلَّةِ بِضَاعَتِهِ، سَمَّيْتُها: تُحفة التحرير وإسعاف النَّاذِرِ الغَنِيِّ والفقير بالتخيير على الصحيح والتحرير لما ورَدَ سؤال فيمَن قالَ: إِنْ دخَلْتُ دارَ زيد، فعَليَّ الله تعالى صَوْمُ سَنَةٍ، فما الحكم؟
فأجَبتُ كما في «الهدايةِ: يُجزِتُه كَفَّارة يمين بعد دخوله. ثم إنني أرَدْتُ ذكر المسألة من أصلها، وما ذكره الشُّراحُ في حلها.
قال في «الهداية»: ومَن نذَرَ نَدْراً مُطلَقاً، فعليه الوَفاءُ به؛ لقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن نذَرَ وسمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى»، وإِنْ علَّقَ النَّذْرَ بشرط فوُجِدَ الشَّرْطُ، فعليه الوَفاءُ بنَفْسِ النَّذرِ؛ لإطلاق الحديثِ، ولأنَّ المُعلَّقَ بالشَّرطِ كالمُنجَّزِ عندَه، وعن أبي حنيفةً رجَعَ عنه، وقال: إذا قالَ: إِنْ فعَلتُ كذا، فعليَّ حَجَّةٌ، أو صَومُ سنةٍ، أو صَدَقَةً ما أملِكُه؛ أجزأه من ذلك كفَّارة يمين، وهو قول محمد، ويخْرُجُ عن العُهدة بالوفاء بما أَنَّه سُمّى أيضاً.
وهذا إذا كانَ شَرْطاً لا يُريدُ كونَه؛ لأنَّ فيه معنى اليمين، وهو المنع، وهو بظاهره نذر، فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاءَ، بخلاف ما إذا كانَ شَرْطاً يُرِيدُ كونَه؛ كقوله: إِنْ شفَى الله مريضي؛ لانعدام معنى اليمين فيه، وهذا التفصيل هو الصَّحيحُ، انتهى.
وقالَ الشَّيخُ أكمَلُ الدِّينِ في «العناية» رحِمَهُ اللهُ: وَمَن نذَرَ نَذْراً مُطلَقاً؛ مثل أن قالَ: لله عليَّ صَوْمُ سنةٍ، ولم يُعلّقه بشيء، فعليه الوَفاءُ بِهِ؛ لَقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن نَذَرَ وسَمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى».
وإِنْ علَّقَ النَّذْرَ بشَرط سواء كانَ شَرْطاً أرادَ كونه أو لم يُرِدْ، فَوُجِدَ الشَّرط فعليه الوَفاءُ بنَفْسِ النَّذْرِ، ولا ينفَعُه كفَّارة يمين؛ لإطلاق الحديثِ؛ فَإِنَّه لم يُفَصِّلُ بينَ كَونِ النَّذِرِ مُطلَقاً، أو مُعلَّقاً بشَرْطٍ، ولأنَّ المُعلَّقَ بالشَّرط كالمُنجَّزِ عندَه، ولو نُجِّزَ عندَ وُجودِ الشَّرطِ، لم تُجزئه الكفَّارة، فكذا هاهنا.
وعن أبي حنيفةَ أنَّه رَجَعَ عنه؛ أي عن تعيينِ الوَفَاءِ بِنَفْسِ النَّذْرِ المُعلَّقِ بِشَرْطٍ مُطلَقاً، ورَجَعَ إلى التَّخيير بينَ كفَّارة اليمين وبينَ الوَفاءِ بالمَنذُورِ في المُعلَّقِ ممَّا لا يُرادُ كُونُه.
وقال: إذا قالَ: إِنْ فَعَلْتُ كذا فعلَيَّ حَجَّةٌ، أو صوم شهر، أو صدقة ما أملكه؛ أجزأه من ذلك كفَّارة يمين، وهو قول محمَّد، ويخرُجُ عن العُهدَةِ بالوفاء بما سمّى أيضاً، حتّى لو كانَ مُعسِراً كانَ مُخيَّراً بينَ أن يصوم ثلاثة أيام، وأن يصوم شهراً، وهذا مَروِيٌّ عن أبي حنيفة في النَّوادِرِ.
ووَجهُه ما رُوِيَ فِي السُّنَنِ مُسنَداً إلى عُقبَةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفَّارةُ النَّذرِ كفَّارَةُ اليَمينِ»، قالُوا: هذا إذا كانَ شَرْطاً لا يُرِيدُ كَونَه؛ لأنَّ بينَ الحديثين كما ترى تعارضاً، فحَمَلُوا الحديثَ الأوَّلَ على النَّدْرِ المُرْسَلِ، وعلى نَذْرِ مُقيَّد أراد الحالِفُ كَونَه، والثَّاني على مُقيَّد لا يُرِيدُ كَونَه؛ جَمعاً بينَ الآثَارِ. والمعنى الفقهِيُّ في ذلك أنَّ في الشَّرطِ الذي لا يُريدُ كَونَه كَلامَه يَسْتَمِلُ على معنى النَّذْرِ واليمين جميعاً.
أما معنَى النَّذِرِ، فظاهِرُ، وأمَّا معنَى اليمين؛ فلأنَّه قُصِدَ به المنع عن إيجادِ الشَّرطِ، فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاءَ، والتَّخييرُ بينَ القليل والكثير في الجنس الواحد باعتبار معنيين مختلفين جائز، كالعبد إذا أذِنَ له مولاه بالجمعةِ، فَإِنَّه مُخيَّرٌ بينَ أَداءِ الجمعة ركعتين، وبينَ أداءِ الظَّهِرِ أَربَعاً.
والنذر واليمينُ معنَيَانِ مُختَلِفانِ؛ لأنَّ النَّذِرَ قُربةٌ مقصودة واجبٌ لعَينه، واليَمينُ قربة مقصودة لغيره، وهو صيانة حُرمة اسم الله تعالى، بخِلافِ ما إذا كانَ شَرْطاً يُرِيدُ كَونَه؛ كقوله: إِنْ شَفَى الله مريضي؛ لانعدام معنَى اليمين فيه، وهو المنع؛ لأنَّه قصد إظهارَ الرَّغبة فيما جعَلَه شَرْطاً.
قالَ المُصنِّفُ: وهذا التَّفصيل - أي: الذي ذكَرْنا بينَ شَرْطٍ لَا يُرِيدُ كَونَه وبَينَ شَرْطٍ يُريدُه - هو الصّحيح، وفيه نظر؛ لأنَّه إنْ أرادَ حَصْرَ الصَّحَّةِ فِيه من حيثُ الرّوايةُ فليس بصحيح؛ لأنَّه غير ظاهرِ الرّواية، وإنْ أرادَ حَصْرَها فيه من حيثُ الدرايةُ لدفع التّعارُضِ؛ فالدَّفْعُ مُمكِنٌ من حيثُ حَمْلُ أحدهما على المُرْسَلِ والآخرِ على المُعلق، من غير تفرِقةٍ بين ما يُريدُ كَونَه وما لا يُريده على أنه فيه إيماء إلى القصورِ " في الذهاب إلى ظاهرِ الرّواية، انتهى كلام الأكمل.
أقولُ: التَّنظيرُ غَيْرُ مُسلَّمٍ، أَمَّا الجواب عن مَنْعِ الشَّيخِ أَكمَلِ الدِّينِ الصِّحَّةَ روايةً بما ذُكِرَ من أَنَّه غيرُ ظاهرِ الرّواية؛ فليسَ حَصْرُ الصَّحَّةِ من هذا القبيل، بل حَصْرُ الصَّحَّةِ من حيثيَّةِ رُجوع الإمام إليه؛ لأنَّه َرجَعَ إليه قبل موته بسبعةِ أَيَّامٍ، فصار هو الصَّحيحَ؛ لأنَّ المَرجوع عنه لا يُقاوِمُ المَرجوع إليه في الصِّحَّةِ؛ لأنَّ الذي استَقَرَّ أمرُ المُجتَهِدِ ورأيه عليه صارَ هو المَذهَبَ للإمام، فيصيرُ المُسَطَّرُ عنه في ظاهرِ الرّواية كالمنسوخ بما بعده. فجَعْلُ الشَّيخِ أَكمَلِ الدَّينِ رَحِمَهُ اللهُ ظَاهِرَ الرّوايةِ وَجْهَا لَمَنعِ الصِّحَّةِ لِما في النَّوادِرِ غيرُ مُسلَّم؛ لأنَّه لا يكونُ ما أراده الأكمَلُ إِلَّا إِذا تَقابَلَ ظَاهِرُ الرِّوايةِ والنَّوادِرُ، وتعارضا من غيرِ رُجوع عن إحدى الروايتين.
فأمَّا معَ الرجوع كما بَيَّنَّاهُ فلا يتأتى ذلك، ولهذا أفتى بما في النَّوادِر إسماعيل الزَّاهِدُ، ومشايخ بَلْخَ، وبعضُ مشايخ بخارى، واختارَهُ شَمسُ الأَئِمَّةِ، والقاضي المَرْوَزِيُّ، وقال في «البَزَّازِيَّةِ»: وعليه الفَتْوَى.
وقال في «الفيض»: والمُفتَى به ما رَوَيناه عن أبي حنيفة من رجوعه، وكذا اختاره الصَّدرُ الشَّهيد.
وفي «الخُلاصة»: وعن أبي حنيفةَ أَنَّه رجَعَ قبلَ مَوتِه بسبعةِ أَيَّامٍ، وقالَ: تَجِبُ فيه الكفَّارةُ، واختارَهُ شَمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ والصَّدرُ الشَّهِيدُ وبه يُفتى، وقد جَعَلَه مثناً في مَجمَعِ البَحْرَينِ»، فقالَ: ومَن نَذَرَ نَدْراً مُطلَقاً، لِزِمَه الوفاء به، والصّحيحُ في المُعلَّقِ بشرط لا يُرادُ لزوم الكفَّارة، وفي المُرادِ الإيفاء، انتَهَى.
لكنَّه لم يُفصِحْ عنِ المُرادِ، حيثُ حَكَمَ بلزومِ الكفَّارَةِ فِي المُعلَّقِ بما لا يُراد، وهو غَيرُ مُرادِ الإمامِ في المُعلَّقِ بما لا يُراد؛ فإنَّه خيَّره فيه بينَ الكفَّارِةِ وبينَ الوَفاءِ بما نذَرَه، ولم أرَ مَن نبَّةَ على كلامِ المَجمَعِ.
وقال الزيلعيُّ: وإِنْ سَمَّى - أي: النَّاذِرُ - شيئاً، ففي المُطلَقِ يجب الوفاء به، وكذا في المُعلَّقِ إنْ كانَ التَّعليقُ بشرطٍ يُرادُ كَونُه، وإِنْ كانَ لا يُرادُ كَونُه قيلَ: يجب عليه الوفاء بالنَّذِرِ، وقيلَ: يُجزِئُه كفَّارة اليمين إنْ شاءَ، وإِنْ شَاءَ أَوفَى بالمنذور، وهو الصَّحيحُ، رجَعَ إليه أبو حنيفة قبل موته بثلاثةِ أَيَّامٍ، وقيل: بسبعةٍ، انتَهَى.
وفي «الدُّرَرِ والغُرَرِ»: نذَرَ مُعَلَّقاً بشرط لا يُريدُه، وَفَّى أو كفَّرَ، وبه يُفْتَى، رجَعَ إليه أبو حنيفة، وبه كانَ يُفتي شمس الأئِمَّةِ وغيرُه من كبارِ الفُقَهَاءِ، انتَهَى.
وكذا قالَ صَدرُ الشَّريعة وبما لم يُرِدْه وفَّى أو كفَّرَ هو الصَّحِيحُ، انتهى. فبهذا ظهَرَ حَصْرُ الصّحة بـ «الهداية» روايةً فيما رجَعَ إليه الإمامُ، واتَّضَحَ حَصْرُ تصحيح «الهداية» لها.
فإِنْ قُلتَ: إِنَّ رُجوع الإمام ليسَ عاما، بل كانَ خاصا، فإِنَّه ما خيرَ بينَ الوَفاءِ بالمنذور وبينَ كفَّارة اليمينِ إِلَّا في المُعلَّقِ بما لا يُرادُ كَونُه؛ لأنَّ الإمامَ لمَّا صوَّرَه بقوله: إذا قال: إن فعلت كذا، فعَليَّ حَجَّةٌ، أو صَومُ سنةٍ، أو صدَقةُ ما أملكه؛ أجْزَاه من ذلك كفَّارة يمين، كانَ مخصوصاً بهذا النوع؛ إذ لا يحتمِلُ التَّصوير غيرَه؛ لأنَّه مُعلَّقٌ بفعلِ النَّاذِرِ، فبقي ما عداه على لزومِ عَينِ المَنذور، وهو المُطلَقُ والمُعلّق بما يُرادُ كُونُه.
فما الحاجة إلى استدراكِ صاحِبِ «الهداية» وغيره بقوله: «وهذا إذا كانَ شَرْطاً» لا يُريدُ كَونَه مع نقله تصوير الإمامِ رُجوعه؟
وما وجه قولِ ابنِ الهُمام واختار المُصنِّفُ - أي: صاحِبُ «الهداية» والمُحققونَ أنَّ المُرادَ بالشَّرطِ الذي يُجزِئُ معَه الكَفَّارةُ الشَّرطُ الذي لا يُريدُ كَونَه، مثل دخول الدَّارِ، سيما مع نص الإمام على ذلك.
وكذا قولُ الشَّيخ أَكمَلِ الدِّينِ رحمه الله: وعن أبي حنيفة أنَّه رجَعَ عنه؛ أي: عن تعيين الوفاءِ بنفس النَّدْرِ إلى القَولِ بالتَّخيير ... إلى آخره، مع تصوير الإمام المذكور.
قلتُ: إنَّه لمّا كانَ ظَاهِرُ قول حاكي الرجوع شُمول المنذورِ بقوله: الوليد بن أبان أنَّ الإمامَ رَجَعَ قبل موته بسبعةِ أَيَّامٍ، وقالَ: يتخَيَّرُ، كان قول صاحب الهدايةِ ومَن وافَقَه إظهاراً وبيانا لتحقيق حكم النوع الذي رجَعَ عنه الإمامُ؛ لئَلَّا يفهم أحَدٌ شُمول الرجوع، فيُجْرِي التَّخيير عُموماً في كل منذور. نعم؛ كانَ الأولى والأحسَنُ أن يُقالَ: أفاد الإمام بهذا التصوير تخصيص رُجوعه عن لزومِ عينِ المَنذورِ المُعلَّقِ بما لا يُرادُ كَونُه، ورَجَعَ إِلى التَّخيير.
فبقي لزومُ عَينِ المَنذور في غيره، وهو ما يُرادُ كَونُه، والنَّدْرُ المُرسَلُ؛ إذ لا يحتمل التصوير بذلك النوع غيره.
وكان الأولى من تقديرِ الأكمَلِ مُضافاً أن يُصَرِّحَ بِمُضافِه فيقول: وعن أبي حنيفة أنَّه رجَعَ عن إطلاق تعيين الوفاءِ بنَفْسِ النَّذْرِ إلى القَولِ بالتَّخيير ... إلى آخرِه، فيكونُ أَحسَنَ من قوله: رجَعَ عن تعيينِ الوَفَاءِ بنفسِ النَّذْرِ.
وراوي الرجوع سمَّاهُ الكَمالُ، قال - أي: الكَمالُ بنُ الهُمامِ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ عن عبد العزيز بن خالد الترمذي: خرَجْتُ حاجًا، فلمَّا وَصَلتُ الكوفة قرأتُ كتابَ النذور والكفَّاراتِ على أبي حنيفة، فلما انتهيتُ إلى هذه المسألة قالَ: قِفْ؛ فإنَّ من رَأيي أن أرجِعَ، فلمَّا رَجَعْتُ منَ الحجّ إذا أبو حنيفة قد تُوُفِّيَ رحمه الله، فأخبرني الوليد بن أبان أنَّه رجَعَ قبل موته بسبعة أيام، وقالَ: يتخير - أي: في المُعلَّق ـ بما لا يُرادُ گونه.
وبهذا كان يُفتي إسماعيل الزَّاهِدُ، وقال الوَلوالجيُّ: مَشايِخُ بَلْخَ وبُخارَى يُفتُونَ بهذا، وهو اختيار شمس الأئِمَّةِ، قال: لكثرةِ البَلوَى في هذا الزَّمانِ انتَهَى.
والمُحقِّقونَ فَصَّلُوا بينَ ما يُرادُ كَونُه وما لا يُرادُ بما نص عليه الإمام تصويراً، فَأَوْضَحُوا المُرادَ واختارُوا ما صححه صاحِبُ «الهداية» منَ التَّفصيل؛ لأنَّه الذي رجَعَ إليه الإمام.
وقد حقَّقَ الكَمالُ بنُ الهُمام ذلك بقوله: واختارَ المُصنِّفُ - يعني: صاحِبَ «الهداية - والمُحقِّقُونَ أَنَّ المُرادَ بالشَّرطِ الذي يُجزِئُ مَعَه الكفَّارةُ الشَّرطُ الذي لا يُريدُ كَونَه، مثلُ دُخولِ الدَّارِ، وكلامِ فُلانٍ؛ فإنَّه إذا لم يُرِدْ كَونَه، يعلمُ أَنَّه لم يُرِدْ كونَ المنذور، حيثُ جَعَلَه مانِعاً من فعل ذلك الشَّرط؛ لأنَّ تعليق النَّذرِ بعمل ما لا يُرادُ گونه بالضَّرورة يكون لمنع نفسه عنه، فإنَّ الإنسانَ لا يُريدُ إيجابَ العباداتِ دائماً، وإن كانَتْ مَجلَبَةٌ للتَّوابِ؛ مخافة أن تثقُلَ، فيَتَعَرَّضَ للعِقابِ، ولهذا صَحَّ عنه عليه السَّلامُ أَنَّه نهى عن النَّذِرِ وقالَ: «إنَّه لا يأتي بخير»، الحديث.
* تنبيه لتجديدِ حُكم يبتَني على ما ذكرناه، بل هو من أفرادِ ما صَدَقَ عليه.
وهو أَنَّ مَن قال لزوجته: إِنْ قَربْتُكِ، فعليَّ حَجٌ أو صَومُ كذا ونحوه الله تعالى يكون مولياً؛ فإِنْ قَربَها في مُدَّةِ الإيلاء، لزِمَه الجزاء، ويتخَيَّرُ بينَ الوَفَاءِ بِعَينِ المَنذورِ وكفَّارة يمين على الصَّحِيحِ المُفتَى به.
وهذا لم أُسبَقْ إلى إفادَتِه فيما علِمتُه، فلِلَّهِ الحمد والمنة.
وأمَّا الشَّرطُ الذي يُريدُ كَونَه؛ مثلُ قَولِه إِنْ شفَى الله مريضي، أو قَدِمَ غائِبي، أو ماتَ عَدُوِّي؛ فلِلَّهِ عليَّ صَومُ، شهر، فوُجِدَ الشَّرطُ، لا يُجزِتُه إِلَّا عَينُ المَنذورِ؛ لأنَّه إِذا أرادَ كَونَه، كانَ مُريداً ذاتَ النَّذرِ، فكانَ النَّدْرُ في معنى المُنجَّزِ، فَيَندَرِجُ في حكمه، وهو وجوب الإيفاء به، فصارَ مَحْمِلُ ما ـ أي: مَحْمِلُ الحَدِيث الذي ـ يقتضي الإيفاء المُنجز والمُعلَّقَ المُرادَ كَونُه.
ونص الحديثِ: «مَن نذَرَ وسَمَّى فعليه الوفاء بما سَمَّى»، ومحمل ما يقتضي إجزاء الكفَّارَةِ المُعلَّق الذي لا يُرادُ كُونُه، وهو المُسمَّى عند طائفة منَ الفُقَهَاءِ نَذْرَ اللجاج.
ومذهَبُ أحمدَ فيه كهذا التفصيل الذي اختارَهُ المُصنِّفُ.
واستَدَلَّ ابنُ الجَوزِيّ في التَّحقيق الاكتفاء في خُصوص هذا النَّذْرِ بحديثِ مُسلِم، معَ أَنَّه مُطلَقٌ، وليسَ إِلَّا؛ لِما قُلنا. انتَهَى.
وهذا هو المُقتضي لإجزاء الكفَّارة كما تقدَّمَ.
قلتُ: فهذا التسليم، وتحقيق وحكاية موافقة الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ لِما قال به الإمام الأعظَمُ أبو حنيفة برجوعه إليه، فهو ممَّا اتَّفَقَ عليه إمامانِ عظيمانِ مُجتَهِدانِ، صدَرَ ذلك منَ الكَمالِ تأييداً لـ «الهداية»، وفيه لطيفُ رَدُّ على ذلك الأكمل، رحِمَهُم الله تعالى.
ثمَّ قالَ الكَمالُ بعد تقريره الذي تقدَّمَ: وهذا التَّقريرُ أُولَى مِمَّا قيلَ؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا لم يُرَدْ كَونُهُ كانَ في معنى اليمين، فإنَّها تُعقَدُ للمَنعِ، فَأَجْزَأَ فيه الكفَّارَةُ، بِخِلافِ الذي يُريدُ كَونَه، فإنَّه يرد على هذا التقرير أنَّ اليمين كما تكونُ للمنع تكونُ للحَمْلِ، فلم يختص معناها بما لا يُرادُ كُونُه، فالفَرقُ على هذا تحكُمْ، انتَهَى.
هذا ما يتعلَّق ببيانِ صِحَّةِ إرادةِ حَصْرِ صاحب «الهداية» الصِّحَّةَ رِوايةً، ولم يذكُرِ المُحَشَّي العلامةُ سَعْدي شيئاً في هذا المحل.
وقد علمت الجواب عن صاحِبِ «الهدايةِ، وأَوضَحْنا صِحَّةَ إرادتِه رِوايةً. وأما الجوابُ الثَّاني: فتَعلَمُه بما نذكُرُه جَواباً للشَّيخِ أَكمَلِ الدِّينِ، وكلامه معَ صاحب «الهداية» بموجب قوله؛ أي الشَّيخِ أكمَلِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وإِنْ أَرادَ حضرها ـ أي: الصحة - فيه ـ أي: التفصيل - من حيثُ الدرايةُ لدَفْعِ التَّعارُضِ فالدَّفعُ مُمكِنٌ من حيثُ حَملُ أحدهما - أي: الحديثين - على المُرْسَلِ، والآخَرِ على المُعلَّقِ من غير تفرقة بين ما يُريدُ كَونَه وما لا يُريدُه.
أقول: هذا لا يكفي لدفع التّعارُضِ؛ لأنَّه إذا لم يُوجَدِ التَّفرقةُ فيما بينَ ما لا يُريدُ كَونَه وما لا يُريدُه، يبقَى التَّعارُضُ على حاله؛ لأنَّ الأمرَ بوَفاء ما نذَرَه يكونُ في أحدهما مطلقاً، فيُعارِضُه الثَّاني بقوله: كفَّارةُ النَّذرِ كفَّارة اليمينِ مُطلَقاً، فلا يكفي حمل أحدهما على المُرسَلِ والثَّاني على المُقَيَّد، لدَفعِ التَّعارُضِ على إطلاقِ الحمل؛ لأنَّ الأحدَ دائِرٌ غيرُ مُعيَّن، فلا بُدَّ مِنَ التَّفرقةِ لدَفعِ التَّعارُضِ.
ويُرجعُ الحمل على التَّفرقةِ إشارة الحديثِ الثَّاني بقولِه: «كفَّارةُ النَّذرِ كفَّارةُ اليَمينِ؛ لأنَّ النَّذِرَ المَحْضَ لا كفَّارة فيه إلَّا على إرادةِ التَّأويل، والكفَّارة فيما فيه معنى اليمين، ولا يكون إلا فيما لا يُرادُ كَونُه، فكانَ التَّفصيل هو الصَّحيحَ دِرايةً أيضاً - أي: كما أنه صحيح روايةً - لوُجوعِ الإمامِ إليه كما قدَّمناه، وهو مفاد نص الإمامِ بما صوَّرَ به المسألةَ، فكانَ كلامُ المُحقِّقينَ إيضاحاً له ليسَ مُثبتاً غير ما قاله الإمام، واختاروه للفتوى.
قوله - أي: الشَّيخِ أَكمَلِ الدِّينِ: على أنَّ فيه إيماء إلى القُصورِ في الذَّهَابِ إلى ظاهر الرّواية.
أقولُ: ضَميرُ أَنَّه» و «فيه» يرجعُ إلى حَصْرِ الصَّحَّةِ من حيثُ الدرايةُ؛ أي: إِنَّ حَصْرَ التّفصيل درايةً فيه إيماء؛ أي: إشارة إلى القصور عن التفصيل في الذَّهَابِ؛ أي في الأخذ والاستناد إلى ظاهرِ الرّواية؛ أي: إلى اعتقادِ حُكمِها بعدَمِ التَّفرقةِ، فالمَعنَى أَنَّ ظَاهِرَ الرّواية يقصُرُ عن إفادة ذلك؛ لحُكمِها بلزومِ عَينِ المنذورِ مُطلَقاً، سواءٌ عَلَّقَ بما يُرادُ كَونُه أو لا يُرادُ، هذا حل كَلامِه.
ولقائل أن يقول: نعم؛ هو كذلك، مُشيراً إلى تصورِ ظاهرِ الرّواية عن التفصيل المذكور، وهو وَجهُ رُجوع الإمامِ الأعظَمِ عن ظاهرِ الرّواية إلى ما في النَّوادِرِ؛ لأنَّ حديثَ عُقبة يقتضيه، وهو المعنى الفقهيُّ المُستفاد منه، وذلك المعنى هو النَّظَرُ لِما في النَّذرِ المُعلَّقِ بما لا يُرادُ من معنى اليمين، وهو المنع عن الفعل الذي لا يُرادُ حصوله بلزومِ المَنذور، فإنَّه إذا لم يُرِدْ كَونَه يعلمُ بالضَّرورةِ أَنَّه لم يُرِدْ كَونَ المَندُورِ حيثُ جعَلَه مانِعاً من فعل ذلك الشَّرطِ، انتهى.
وقال المُحَشِّي سَعدي رحمه الله تعالى: قَولُه: وإِنْ أَرادَ حَصْرَها فيه».
أقولُ: فيه أنَّه يجوز أن يُرادَ حَصرها فيه من حيثُ الدَّرايةُ لدَفعِ التَّعارُضِ من حيثُ المعنى الفقهي، انتهى.
أقول: هو تأييد منه وتوضيح لقول «الهداية»، وحَصْرِها الصَّحَّةَ فيما ذكرتُه، فتبيَّنَ بما سَطَّرناه، وبما عن المُحققينَ أَورَدْناه ونقَلْناهُ، حَصِرُ الصَّحَّةِ في كلامِ «الهداية»، والله سُبحانَه هو المان بفَضلِهِ ومِنَتِه.
كتبه حَسَنُ الشُّرنبلالي في مُستَهَل ربيع الأَوَّلِ سنةَ سِت وستينَ وأَلفٍ، غفر الله له ولوالديه، ولطَفَ بذُرِّيَّتِه وإخوانه والمُسلمين، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
***