الجزء 1 · صفحة 7
أحكام القرآن
للعلامة المحدث الشيخ ظفر أحمد التهانوي الحنفي
على ضوء ما أفاده حكيم الأمة الفقيه الداعية الكبير مولانا الشيخ أشرف علي التهانوي
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
ترقيم الكتاب: موافق للطبعة.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة من المؤلف
الحمد لله الرحيم الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان وعلمه البيان، وأنزل عليه ما هو شفاء ورحمة لأهل الإيمان، هو الذي قدر الأرزاق والأقدار والأوزان بيده الخير كله، وما شان وزان. محمده على ما هدانا لهذا وما كنا لنهتدى أولا أن هدانا الله، بيده ملكوت كل شئ وهو الذى في السماء إله وفى الأرض إله هو المستعان في بداية كل أمرو نهايته ولفظه ومعناه، وهو المستغاث لتيسير كل عسير فلا نستعين إلا إياه، ولا نعبد غيره ولا نرجو أحدا سواه والصلوة والسلام على من بعث لمعالم التنزيل معلما، ولمدارك التأويل متمماء أتى من روح المعانى وبيان القرآن، ما هو كشاف المعضلات الفرقان، سيدنا محمد أفضل الخلق وسيد الرسل حبيب الله ومصطفاء وعلى آله وأصحابه الذين حموا حماء، وكشفوا عن مشكله دجاء، ورضى الله عن التابعين لهم بإحسان، لاسيما إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان، الذى او كان الدين عند الثريا لتناوله كما أشار إليه سيد ولد عدنان رضى الله تعالى عنه وأرضاه وخصه بمزيد الفضل منه والرضوان.
أما بعد: فلما وفقني الله سبحانه بمحض فضله وإنعامه لتكميل إعلاء السنن، الجامع لأحاديث تؤيد مذهب إمام الزمن، في نحو عشرين مجلدا مع مقدمتين بترتيب حسن، أشار على من إشارته حكم وطاعته غنم، آية من آيات الله، مظهر.
الجزء 1 · صفحة 9
قوله عليه الصلاة والسلام: «الذين إذا رأوا ذكر الله، مجدد الملة، حكيم الأمة، سند علماء الدهر، شيخ مشائخ العصر، مسند الوقت أعظم المفسرين، سلطان العلم والعمل، وفي التفسير والحديث والفقه أمير المومنين، مقدام العلماء الراسخين، أشرف العلماء والأولياء الكاملين، سيدنا ومولانا محمد المدعو بأشرف على تهانوى متعنا الله تعالى وسائر المسلمين بطول بقائه بالخير والعيش الهني؛ أن أجمع ما يستدل به على مسائل الإمام الأعظم إمام الأئمة، أبي حنيفة النعمان من النصوص القرآنية والإشارات الربانية، فيما اختلف فيه أئمة الاجتهاد، من الحلال والحرام والصحة والفساد، وألحق به تكميلا للفائدة وتميما للعائدة ما يحتج به غيره من الأئمة مع جوابه، أوما يوهم بظاهره خلاف ما عليه الجمهور مع أبي حنيفة وأصحابه. وكان قد أمر بذلك أولا للمولوى محمد شفيع الديو بندى مدرس دار العلوم بديو بند، والمفتى بها سابقا، فلم يفرغ - أطال الله بقاءه لكثرة ما عنده الأشغال لإتمامه وتكميله، بطمانية القلب وفراغ البال، ولم يكتب في عدة سنين إلا أوراقا عديدة ذكر فيها احكاما معدودة؛ تستفاد من أوائل سورة البقرة ولو أنه وجد الفراغ لذلك لأتى من العجب العجاب، ما يسبق به المهرة، ولكنه كان من القدر المقدور وقوع قرعة الفال باسم هذا المجهول المكسور مع ما هو فيه من قلة البضاعة في العمل، وقصر الباع عن هذا الأمر الجلل؛ والعبد الضعيف لم يحم حول حماه، إلا امتثالا لأمر من أمره يكشف عن كل مشكل دجله، وهو مظهر قوله " اتقوا فراسة المومن، فإنه ينظر بنور الله ". فتحملت هذا الحمل الثقيل وتجشمت هذا الخطب الجليل مستمدا من بحار علومه، مقتبسا من أنوار بدوره ونجومه، راجياً من الله سبحانه تيسير كل. ببركة هذا الشيخ النبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
إن المقادير إذا ساعدت ... الحقت العاجز بالقادر
الجزء 1 · صفحة 10
ثم دعاني بعض الأحباب إلى جامعة داكا المحميته مكان أستاذى بحر العلوم مولانا محمد إسحاق البردوانى المرحوم - تغمده برحمة الحي القيوم - فاستجبت دعوته - وليتني لم أجبها - ففوض الشيخ رحمه الله تعالى تأليف أحكام الحزبين الأولين الأحزاب السبعة للقرآن إلى، وتأليف الحزبين منها إلى المولوى جميل أحمد التهانوى، وتأليف الحزبين إلى مولانا محمد شفيع المومى إليه سابقا، وتأليف الحزب. الأخير إلى مولانا محمد إدريس الكاندهلوى، فكمل الآخران عملها، وضاعت مسودة المولوى جميل أحمد منه، فتكفلت أنا ومولانا محمد شفيع تكميل حصته، والله، وعليه التكلان، فها أنا أشرع في المقصود يبذل المجهود، مستعينا بفضل المستعان الحق وعون المعبود.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الفاتحة
أحكام البسملة: الأحكام التي يتضمنها قوله: " بسم الله الرحمن الرحيم" الأمر باستفتاح الأمور للتبرك بذلك والتعظيم الله عز وجل به. وذكرها على الذبيحة شعار، وعلم من أعلام الدين، وهو في الذبيحة فرض بقوله: «فاذكروا اسم الله عليها صواف، وقوله: " ولا تأكلوا مالم يذكر اسم الله عليه ". وهو في الطهارة، والأكل والشرب، وابتداء الأمور نفل. انتهى من الجصاص (?:?).
الجزء 1 · صفحة 11
روى أحمد بسند صحيح عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال: عثر بالنبي فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي: و لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلت ذلك تعاظم وقال: بقوتى صرعته، وإذا قلت: و بسم الله، تصاغر حتي يصير مثل الذباب. فهذا من تاثير بركة بسم الله. ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول ذى بال) فتستحب في أول الخطبة؛ لماجاء: كل أمر (ذى بال) لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم. وتستحب عند دخول الخلاء؛ لما ورد في الحديث، وتستحب فى أول الوضوء؛ لما رواه أحمد وأصحاب السنن من رواية أبي هريرة وأبي سعيد وغير هما مرفوعا: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم وهو حديث حسن. ومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا (وقد بسطنا الكلام في ذلك في أبواب الطهارة من الإعلاء). وتستحب عند الأكل: لما في صحيح مسلم: إن رسول الله قال الربيبة عمر بن أبي سلمة: " قل الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك ". وكذلك تستحب عند الجماع: لما في الصحيحين: عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: و لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: " بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا " فإنه إن يقدر بينها ولد لم يضره الشيطان، أبدا،: قال ابن العربي: واتفق الناس على أنها آية من كتاب الله تعالى في سورة النمل.
الجزء 1 · صفحة 12
اختلاف العلماء في كونها آية فى أول كل سورة: واختلفوا في كونها آية في أول كل سورة: فقال أبو حنيفة ومالك رحمهم الله: ليست في أوائل. السور بآية منها، وإنما هي استفتاح ليعلم بها مبدأها، وقال الشافعي رحمه الله: هي آية في أول الفاتحة قولا واحدا، وهل تكون آية في أول كل سورة؟ اختلف قوله في ذلك. قال ابن العربي: وددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسئلة؛ فكل مسئلة له ففيها إشكال عظيم. فائدة الخلاف في ذلك أن قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلوة عند مالك والشافعي (وواجبة عند أبي حنيفة، فما ذكره ابن العربي أنها تستحب عنده، باطل (فتدخل بسم الله الرحمن الرحيم في الوجوب عند من يراه أو في الاستحباب كذلك.
حكم التسمية قبل الفاتحة عند أبي حنيفة: واختلف الروايات عن أبي حنيفة في ذلك، فنسن التسمية قبل الفاتحه عنده في ظاهر الرواية، وروى الحسن عنه وجوبها قبل الفاتحة سراً، صححه الزيلعي في شرح الكنز، والزاهدى عن المجتبى. وقد أطال الفخر الرازي في هذا المقام، وأوردست عشرة حجة لإثبات أنها آية الفاتحة. وليس بشيء، لأن البعض منه مجاب عنه، والبعض لا يقوم حجة علينا: لأن الصحيح من مذهبنا أنها آية مستقلة، وهى من القرآن وإن لم تكن الفاتحة نفسها، وقد أو جب الكثير مناقراءتها في الصلوة. وقد تصدى صاحب روح المعانى للجواب عن كل حجة ذكرها الفخر بالتفصيل، من أراد البسط في ذلك فليرا جعه، وليراجع إعلاء السنن أيضا.
الجزء 1 · صفحة 13
فإن قيل: فهل تجب قراءتها فى الصلوة جهراً؟ قلنا: لا تجب ولا يسن الجهربها فإن أنس بن مالك رضي الله عنه روى: أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر: فلم يكن أحد منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ونحوه عن عبدالله بن مغفل. فإن قيل: الصحيح من حديث أنس: " فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العلمين" وقد قال الشافعي: " معناه: أنهم كانوا لا يقرأون شيئا قبل الفاتحة ". قلنا: هذا تأويل لايليق بالشافعى لعظيم فقهه، وأنس وابن مغفل إنما قالا هذا ردا على من يرى قراءة بسم الله الرحمن الرحيم.
ترجيح التسمية سرا في الصلوة: وبالجملة فإن مذهبنا يترجح بأن أحاديثنا وإن كانت أقل فإنها أصح بوجه عظيم وهو المعقول في مسائل كثيرة من الشريعة وذلك أن مسجد رسول الله بالمدينة انقرضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة. من لدن، زمان رسول الله إلى زمان مالك ولم يقرأ أحد قط فيه ه بسم الله الرحمن الرحيم اتباعاً للسنة ام ملخصا (: - 3) بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها سرا قبل الفاتحة، وأكثرهم أوجبواها. وبذلك تجتمع الآثار الواردة في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.
قراءة الفاتحة في الصلوة
قال ابن العربي: قد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأسندنا لكم أنه قال: قال الله تعالى ه ابن آدم، أنزلت عليك سبعا: ثلاثاً لى، وثلاثاً لك، وواحدة بيني وبينك فأما الثلاث التي لى: فالحمد لله رب العلمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. وأما الثلاث إلى لك: فإهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وأما الواحدة التي بينى وبينك: فإياك نعبد وإياك تستعين، يعنى من العبد العبادة ومن الله سبحانه العون.
الجزء 1 · صفحة 14
ذكر الاختلاف في قراءة المأموم الفاتحة: قال أصحاب الشافعي: هذا يدل على أن المأموم يقرأها، وإن لم يقرأها فليس له حظ في الصلوة. قلنا: نعم، ولكن قرعاة الإمام له قراءة؛ كما ورد في الحديث، وأوردنا له طرقا عديدة في إعلاء السنن: بعضها صحاح، وأكثرها مراسيل حسان. وغفلت الشافعية عن دلالة هذا الحديث على أن «بسم الله الرحمن الرحيم، ليس بجزء من الفاتحة. والحديث رواه مسلم عن أبي هريرة بلفظ: قال الله تعالى: وقسمت الصلوة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل الخ .. قال ابن البر: هذا قاطع تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه (زيلعي ?: ???).
قال: ابن العربي: ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يقرأها المأموم إذا أسر الإمام خاصة. قاله ابن القاسم. الثاني: قال ابن وهب، وأشهب في كتاب محمد: لا يقرأ. (قلت هو قول أصحاب أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنهم، بدليل قوله: من كان له إمام فقراءته له قراءة) قال محمد بن الحكم: يقرأها خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزأه، كأنه رأى ذلك مستحيا. والمسئلة عظيمة الخطر، والصحيح عندى وجوب قرأتها فيا أسر، وتحريمها فيا جهر إذا سمع قراءة الإمام، لما عليه من فروض الإنصات له، والاستماع لقراءته، لأن أمر النبي بقرائتها عام في كل صلاة وحالة، وخص من ذلك الجهر بوجوب فرض الإنصات، وبقى العموم فى غير ذلك على ظاهره. وهذه نهاية التحقيق في الباب والله أعلم (ص - 4). قلت: قد جنح إلى هذا التحقيق بعض الحنفية، والجمهور منهم على كراهة قراءة المأموم فى السرية أيضا، لقوله عليه السلام: ه من كان له إمام فقراءته له قراءة) وقوله: (واذا قرأ فأنصتوا، وهو يعم الجهرية والسرية جميعاً. والبسط في إعلاء، فليراجع.
هل تتعين قراءة الفاتحة في الصلوة فرضاً؟
الجزء 1 · صفحة 15
وهل تتعين قراءة الفاتحة في الصلوة ولا تجزئ الصلوة بدونها؟ فعلى قولين مشهورين، فعند أبي حنيفة رحمه الله ومن وافقه من أصحابه وغيرهم: أ أنها لا تتعين فرضاً، بل مهما قرأ به من القرآن أجزاء في الصلوة؛ وتتعين وجوباً، فلو قرأ آية من القرآن وترك الفاتحة نسياناً وجب عليه سجود السهو، وتركها عمداً يورث النقصان فيها حتى تجب إعادتها، ولو لم يعد أئم، والفرض صار مؤدى. واحتجوا بعموم قوله تعالى: و فاقرأوا ما تيسر من القرآن، وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المني في صلوته: أن رسول الله الله قال له: «إذا قمت إلى الصلوة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن،. قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلنا.
الجواب عن حجج الجمهور في الباب: وقال بقية الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء: إنها تتعين في الصلوة فرضا لا تجزئ الصلوة بدونها، واحتجوا بما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: «من صلى صلوة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج ثلثا غير تمام، والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث غير تمام وهو كما نرى إنما ينتهض حجة على من قال باستحباب قراءة الفاتحة في الصلوة دون وجوبها، وأما على أبي حنيفة وأصحابه فلا؛ فإنهم قائلون بنقصان صلوة من لم يقرأ بها وأوجبوا عليه الإعادة. كما مر. واحتجوا أيضا بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب قلنا: مثله يستعمل لنفى الجواز ولنى الكمال، كما في قوله: و لا صلوة الجار المسجد إلا في المسجد، و لا وضوء لمن لم يسم. وحديث أبي هريرة بلفظ: فهى خداج غير تمام، يؤيد نفى الكمال لاني الجواز، فحملناه على نبي الكمال وقلنا بوجوب قراءتها في الصلوة، فأدنى ما يطلق عليه القرآن وهو الآية التامة منه فرض عندنا.
الجزء 1 · صفحة 16
حجة أبي حنيفة فى الباب: لإطلاق الكتاب، وإطلاق قوله للمسني صلوته: ثم اقرأ ما تيسر من القرآن وخصوص الفاتحة واجب بالأخبار والآثار التي ذكرها الخصوم، وفى ذلك عمل بالدليلين وهو أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، خصوصا إهمال الكتاب. كما ارتكبه الخصم. ومن أراد البسط فليراجع إعلاء السنن.
تفصيل عدد الآيات في الفاتحة: فائدة: لا خلاف أن الفاتحة سبع آيات فإذا عددت فيها بسم الله الرحمن الرحيم اية اطرد العدد، وإذ أسقطتها تبين لنا تفصيل العدد فيها. قلنا: إنما الاختلاف بين أهل العدد في قوله: و أنعمت عليهم، هل هو خاتمة آية أو نصف آية، ويركب هذا الخلاف على الخلاف في عد {بسم الله الرحمن الرحيم} والصحيح أن قوله: {و أنعمت عليهم} خاتمة آية، لأنه كلام تام مستوفى، ورعاية القافية غير لازمة في تعداد الآي، واعتبره بجميع سور القرآن وآياته تجده صحيحا إن شاء الله تعالى، قاله ابن العربي (1: 4) قلت: وما أسنده ابن العربي من الحديث بلفظ: قال الله تعالى: ابن آدم، أنزلت عليك سبعا: ثلاثا لى، وثلاثا لك، وواحدة ببني وبينك إلى قوله: وأما الثلاث التي لك:: فإهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، صريح في كون قوله: أنعمت عليهم. خاتمة آية، وإلا لم تكن ثلثاً للعبد، ولا المجموع سبعاً، لابتداء العدد فيه من قوله: والحمد لله رب العلمين فلو ثبت الحديث بهذا اللفظ فهو قاطع للنزاع. والله تعالى أعلم.
سورة البقرة
تحقيق حكم المنافقين
قال ابن العربي: الحكم المتسفاد ههنا أن النبي لم يقتل المنافقين مع علمه بهم، وقيام الشهادة عليهم أو في أكثرهم (ومعلوم أن نزول هذه الآيات بعد فرض القتال، لأنها نزلت بالمدينة وقد كان الله تعالى فرض قتال المشركين بعد الهجرة).
الجزء 1 · صفحة 17
وجوه ترك المنافقين على حالهم: واختلف العلماء في ذلك على ثلثة أقوال: احدها أنه لم يقتلهم، لأنه لم يعلم حالهم سواه. وقد اتفق العلماء عن بكرة عن أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر الأحكام هل يحكم بعلمه أم لا. الثاني أنه لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه فلا تنفر عنه، وقد أشار هو إلى هذا المعني فقال: وأخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. الثالث قال أصحاب الشافعي: إنما لم يقتلهم لأن الزنديق - وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان - يستتاب ولا يقتل. وهذا وهم من علماء أصحابه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم، ولا يقول أحد: إن استتابة الزنديق غير واجبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم مع علمه بهم.
الرد على من قال: إن الزنديق يستتاب ولا يقتل: فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق جائزة (غير واجبة) قال ما لم يصح قولا لأحد. وأما قول من قال: إنه لم يقتلهم، لأن الحاكم لايقضى بعلمه في الحدود فقد قتل بالمجرد بن زياد بعلمه الحارث بن سويد حين أغفله الحارث يوم أحد فقتله بأبيه، وكان المجرد قتله يوم بغاث، فأخبر به جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقتله به؛ لأن قتله كان غيلة، وقتل الغيلة حد من حدود الله عز وجل. والصحيح أن النبي إنما أعرض عنهم تألفاً ومخافة من سوء المقالة الموجبة للتنفير، كما سبق من قوله. وهذا كما كان يعطى الصدقة للمؤلفة قلوبهم، مع علمه بسوء اعتقادهم تألفألهم انتهى (1: 6).
قلت: هذا في الأحكام لابن العربي المجرد بن زياد - بالراء قبل الدال. وإنما هو المجلد بن زياد - بتقديم الذال المعجمة على الراء وفى الاحتجاج بقصته على أن النبي كان يقضى في الحدود بعلمه نظر؛ فقد أخرج الحاكم من طريق محمد بن يحيى بن حبان: أن المجذر كان قد قتل في الجاهلية سويد بن الصامت،
الجزء 1 · صفحة 18
فلما كان يوم أحد قتل الحرث بن سويد المجذر غدرا، وهرب فلجأ بمكة مرتدا ثم أسلم يوم الفتح، فقتله رسول الله بالحذر انتهى من الاصابة (6: 44). والظاهر من هروبه ولحاقه بمكة أنه كان قد اعترف بالقتل. والله تعالى أعلم. ومما يدل على عدم قضائه لا بعلمه في الحدود قوله في المرأة التي لاعنت زوجها وجاءت بالولد على الصفة المكروهة: " لولا الأيمان، لكان لي ولها شان والحديث في الصحيح.
الفرق بين المنافق والزنديق: والذي يظهر من قوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " أنه كان مأموراً بالحكم على الظاهر دون عقد الضمير، مالم يظهر بالفول أو العمل ظهوراً بيناً لايشك فيه أحد من الشهود. والمنافقون في عهده ما لم تقم على كفرهم شهادة ظاهرة؛ بل كان ظاهرهم مع المسلمين يصلون ويتصدقون ويجاهدون، وكان منهم من هو معلوم النفاق بالقرائن والأمارت، لا بالبينات والشهادات، وكان يعرفهم بلحن القول وبالسيماء، ويعرف نفاق بعضهم بالوحى، ولكنه لم يقتلهم لكونه مامورا بالحكم على الظاهر دون عقد الضمير. وليس الزنديق الذى يسر الكفر ويظهر الإيمان وقامت البيئة العادلة على إبطانه الكفر مثل هولاء المنافقين الذين لم يقم على كفرهم بينة، وإنما علم نفاقهم بالقرائن والأمارات، أو بلحن القول والسماء أو الوحى الذي استأثر الله به نبيه الله ولم يطلع غيره عليه. وفي سورة براءة وسورة محمد وغيرهما آيات فى ذكر المنافقين وقبول ظاهرهم، دون حملهم على أحكام سائر المشركين. إذا انتهينا إلى مواضعها ذكرنا إن شاء الله أحكامها، واختلاف الناس في الزنديق واحتجاج من يحتج بها في ذلك، فانتظر.
الجزء 1 · صفحة 19
الإيمان ليس بالإقرار بدون الاعتقاد: وفى قوله تعالى: " وما هم بمؤمنين". دلالة على أن الإيمان ليس هو الإقرار بدون الاعتقاد؛ لأن الله تعالى قد أخبر عن إقرارهم بالإيمان ونفى عنهم سمته بقوله: " وماهم بمؤمنين " قاله الجصاص (25:1).
تحقيق أن الكفار مخاطبون بالفروع أم لا
الكفار مخاطبون بالإيمان إجماعاً، وكذا بالمشروع من العقوبات والمعاملات وكذا بالفروع وعامة الشرائع في حكم المواخذة في الآخرة بلاخلاف، ذكره في المنار وغيره. وأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فالصحيح أنهم غير مخاطبين به، وما نسب إلى أهل العراق من مشائخنا، وإلى الأكثر من أصحاب الشافعي من كونهم مخاطبين بوجوب الأداء في الدنيا، فهو مؤول بأنهم مأمورون بأن يؤمنوا ثم يصلوا كما في عامة كتب الأصول. وذهب النجاريون إلى أنهم مكلفون بالفروع في حق الاعتقاد فقط، والصحيح المؤيد بالنصوص والآيات. هو ما ذهب إليه الجمهور أنهم مخاطبون بإعتقاد الشرائع، وكذا بأدائها باستجماع شرائطها، منها تقديم الإيمان. ولكن لا يظهر فائدة الاختلاف إلا في الآخرة، بأنهم كما يعذبون على ترك اعتقاد حقيتها يعذبون على ترك العمل بها أيضا. ويؤيده ظواهر الآيات كقوله تعالى: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة، وقوله سبحانه: (ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين،، ولعل إمامنا أبا حنيفة رحمه لأجل هذا لم ينص ظاهراً على شى فى المسئلة، ولكن في كلام صاحبه الثاني ما يدل عليها، كذا في الروح.
الجزء 1 · صفحة 20
قلت: وكذا في كلام محمد ما يدل عليها أيضاً، فقد قال في الحجج، قال أهل المدينة: لا يحل للمسلم تخليل الخمر، ولا يحل بيعه، ولا أكله. قال محمد: وما بأس بهذا؛ أليس جلد الميتة يدبغ وهو للمسلم فيحل الانتفاع به، وقد حرم الله الميتة كما حرم الخمر أرائيم إن كانت الخمر النصراني، فأفسدها فجعلها خلا، أترون بأساً للمسلم أن يشتريها فيأكلها؛ قالوا: فإن قلنا: هذا لا بأس به، فما تقولون؟ قيل لهم: كأنكم ترون الخمر حلالا للكافر والخمر حرام للمسلم والكافر، وعلى جميع الناس أن يحرموا ما حرم القرآن وأن يحلوا ما أحل القرآن انتهى (ص - 258).
ومما يستدل به للجمهور قوله: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " فإن لفظة الناس عامة للمؤمنين والكفار. قال في الكشاف: المراد بعبادة المؤمنين ازدياد هم منها وإقبالهم وثباتهم عليها. وأما عبادة الكفار فمشروط فيها مالا بدلها منه، وهو الإقرار (بالقلب واللسان للتوحيد والرسالة) كما يشترط على المأمور بالصلوة شرائطها من الوضوء والنية وغيرها، ومالا بد للفعل منه فهو مندرج تحت الأمر به، وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه انتهى.
الجزء 1 · صفحة 21
فما روى عن ابن مسعود وعلقمة من: إن كل شي ينزل فيه {يا أيها الناس}، مكي ويا أيها الذين آمنوا، مدنى إن صح ولم يؤول لا يوجب تخصيص هذا العام بوجه بالكفار، بل هم أيضاً داخلون فيه ومأمورن بأداء العبادة كالإعتقاد انتهى. وفى المظهري: {يا أيها الناس اعبدوا} خطاب لجميع الناس من أهل الخطاب، عموماً الموجودين ومن سيوجد، تنزيلا لهم منزلة الموجودين، لما تواتر من دينه صلى الله عليه وسلم و أن مقتضى أحكامه وخطابه شامل للقبيلين، ثابت إلى يوم القيامة. والخطاب بوجوب العبادة شامل للمؤمنين والكفار، فالكفار مأمورون بها بعد إتيان شرطه من الإيمان انتهى. وأما ما روى عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: (اعبدوا ربكم، وحدوه، فراده - والله أعلم - أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه، لأن معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة والتذلل له بالاستكانة. قاله الطبري (1 - 125).
الفرق بين الخبر والبشارة
قال ابن العربي: قال علمائنا البشارة هى الإخبار عن المحبوب، والنذارة الإخبار بالمكروه، وذلك في البشارة يقتضى أول مخبر بالمحبوب، ويقتضى في النذارة كل مخبر، وترتب على هذا مسئلة من الأحكام: وذلك قول المكلف: من بشرني من عبيدى بكذا فهو حر، فاتفق العلماء على أن أول مخبر له به يكون عتيقادون الثاني ولو قال: من أخبرنى من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول أم لا؟ اختلف الناس فيه، فقال أصحاب الشافعي: يكون حرا،، لأن كل أحد منهم بخير، وعند علمائنا أي المالكية لا يكون حرا؛ لأن الحالف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك يختص بالأول، وهذا معلوم عرفاً، فوجب صرف اللفظ إليه انتهى) ص - ? - ?).
الجزء 1 · صفحة 22
قلت إذا قال: من أخبرنى بكذا فالقول ما قاله الشافعي، لأنه عقد اليمين على خبر مطلق؛ فيتناول سائر المخبرين، بخلاف ما إذا قال: بشرنى، فإنه عقدها على خبر مخصوص بصفة، وهو ما يحدث عنده السرور والاستبشار، ولا تحدث الانخير الأول دون غيره. قاله الخصاص (1 - 30).
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: و فيشر هم بعذاب أليم، فاستعمل البشارة في المكروه. فالجواب: أنهم كانوا يعتقدون أنهم يحسنون، وبحسب ذلك كان نظرهم (وانتظارهم) للبشرى، فقيل لهم بشارتكم على مقتضى اعتقادكم عذاب إليم، فخرج اللفظ على ما كانوا يعتقدون انتهى قاله ابن العربي (1 1 _8).
الأصل في الأشياء الإباحة
اختلف العلماء في هذا الباب على ثلاثة أقوال: الأول: إن الأشياء كلها على الحظر حتى يأتى دليل الإباحة، وهو مذهب عامة الشافعية؛ الثاني: إنها كلها على الإباحة حتى يأتى دليل الحضار. وهو مذهب الكرخي، وأبي بكر الرازي وطائفة من الفقهاء الحنفية والشافعية، وجمهور المعتزلة، كذا في التفسير الأحمدي ومسلم الثبوت. الثالث: إنها لاحكم لها حتى يأتى الدليل بأى حكم اقتضاه فيها (وهو قول الأشعرى ومن تبعه (كذا في أحكام القرآن لابن العربي المالكي.
وقال الإمام أبو بكر الجصاص في قوله تعالى: و هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا،: إنه يحتج به على أن الأشياء على الإباحة مما لا يحظره العقل فلا يحرم منه شيء إلا ما قام دليله. ونظيره: قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الارض) وقوله تعالى: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطبيبات من الرزق، (8:2). ومثله في الروح.
الجزء 1 · صفحة 23
تحقيق الخلاف بين الحنفية والشافعية فى أن الأصل هو الإباحة أو الحفار والذي ظهر للعبد الضعيف أن الخلاف بين الحنفية والشافعية في إصالة الإباحة أو الخطر ليس في جميع الأشياء؛ وإنما الخلاف بينهم في بيع الربويات بجنسها أو ما يشاركها فقط، فالأصل عند الشافعية والمالكية في بيع الربويات التحريم الاما قام الدليل على إباحته، واحتجوا بقوله (صلى الله عليه وسلم (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا وزناً بوزن مثلا بمثل سواء بسواء) (لفظ مسلم رحمه الله تعالى في حديث أبي سعيد). وفي حديث عبادة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن يبع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح الاسواء بسواء عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربا، (لفظ مسلم أيضا) ومن قوله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه عمر رضى الله عنه: (الذهب بالورق رباً إلاهاوها) الحديث متفق على صحته. ومن قوله (صلى الله عليه وسلم): (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف تم إذا كان يدا بيد) لفظ مسلم في حديث عبادة.
وجه الاستدلال أنه (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الأول صدره بالنهي ثم استثنى منه وفي حديث عمر رضي الله عنه صدر بالحكم على ذلك بالربا ثم استثنى، وفي الحديث الآخر. وهو بقية حديث عبادة - علقه على شرط، والمشروط عدم عند عدم الشرط والاصل عدمه. فجروا على هذا الأصل في مسائل من باب الربا: كمسألة بيع الحفنة بالحفنتين، والجهل بالمائلة، وغير ذلك من مظان الاشتباه وتعارض المآخذ، إذا تساوت أو جبوا الحكم بالتحريم عملا بالأصل.
الجزء 1 · صفحة 24
وخالفهم الحنفية في ذلك، وقالوا: الأصل في بيع الربويات بجنسها الجواز لإندارجه في قوله تعالى: (وأحل الله البيع، وعقود الربا وسائر ما نهى عنه من البيوع مخرج من ذلك الأصل. ومآل التحقيق أن عقد الربا اشتمل على وصف مفسد، فهو كسائر البيوع التي اقترن بها ما يفسدها. قال الشريف المراغي الشافعي: الأصل عندنا في الأموال الربوية التحريم، والجواز ثبت على خلافه عند المفاضلة. وقال المنذري: الأصل في الأموال الربوية خطر البيع حتى يتجه تحقيق التماثل، وعند أبي حنيفة رحمه الله الأصل إباحة البيع حتى يمنعه حقيقة التفاضل.
الجزء 1 · صفحة 25
ترجيح قول الحنفية: إن الأصل في بيع الربويات الإباحة: وقول الحنفية أصح، فقد اشتهر عن الشافعي رحمه الله في كلامه في معني قوله تعالى: «وأحل الله البيع، أن أظهر معانيه عنده أنها عامة تناول كل بيع، وتقتضى إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل. وذكر في شرح المهذب أن هذا القول أصح الأقول عنده وعند أصحابه. وعقد الربا فرد من أفراد البيوع، فيكون الأصل فيه الجواز كما قلنا، وما خرج منها بالتخصيص كان على خلاف الأصل وقد صرح الشافعي رحمه الله في الأم بأن أصل البيوع كلها مباح إلاما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وما في معناه وقد اضطربت الشافعية والمالكية في التخلص من. هذا الإشكال، فقالوا مرة: مسلم أن الآية شملت دلالتها كل بيع وأخرج منها عقود الريا بقوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب) الحديث وبقوله تعالى: (وحرم الربا، فصار هذا ـ أي قوله وحرم الربوا ـ أصلا ثانيا أخص من الأول؛ لأن هذا خاص بالربويات، ثم استثنى من هذا الأصل الثاني أحوال: وهو ما إذا حصلت المساواة والحلول والتقابض في الجنس الواحد، والحلول والتقابض خاصة في الجنسين، قالوا: فأبو حنيفة رحمه الله نظر إلى الأصل الأول وهو إباحة البيوع - وجعل صورة المفاضلة في الربويات، ثم جعل حالة التماثل مخرجة منه. وقالوا أخرى بمنع تسمية شي من البياعات الفاسدة بيعا، وقالوا: إن نفى الحكم عن الاسم يمنع من وقوع الاسم عليه الامجازاً، قاله القاضي عبد الوهاب المالكي، شرح المهذب (10: 24).
الجزء 1 · صفحة 26
الجواب عن حجج الخصوم فى الباب: وهذا كما ترى كله تمشية للمذهب. لا يخلو عن تمحل وتكلف، وتحكم مستغنى عنه. أما قولهم: إن قوله تعالى: (وحرم الربا (أصل ثان أخص من الأول وهو قوله و أحل الله البيع ففيه أن الربا إن كان فرداً من افراده فلا معنى لجعل قوله، وحرم الربا، 12 أصلا ثانيا لكونه منطويا تحت الأول مستثنى منه في الحكم، وإن لم يكن فردا من افراده فلا معنى لجعله أصلا لبيع الربويات من الأموال، وهذا ظاهر جداً. وأما قولهم بمنع تسمية شيء من البياعات الفاسدة بيعاً فباطل بالإجماع، لم يزل الفقهاء خلفاً عن سلف يقسمون البيع إلى صحيح وفاسد. وتعليلهم بإن نوى الحكم عن الاسم يمنع من وقوع الاسم عليه باطل أيضاً، ألاترى ان المرأة المستكرهمة على الزنا مرفوع عنها حكم الزنا وهى زانية لغة، وعرفاً، وشرعاً، وكذلك من. أكره على شرب الخمر، ونحوها شارب خمر إجماعاً، مع كونه مرفوعاً عنه.
حكمه. فكذلك البيع إذا تحقق معناه - وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي - فلا بد من وقوع اسم البيع عليه حقيقة، إذ لا معنى للحقيقة إلا تحقق معنها فافهم.
الجزء 1 · صفحة 27
وأما احتجاجهم ببعض ألفاظ الحديث فنقول: قد اختلفت الرواة في ذلك، ففي بعض ألفاظ مسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزداد فقد أربا، وهكذا هو في حديث ابن عمر عن أبي سعيد عند البخاري وهذا. حديث عبادة عند الجماعة، ولفظ أبى هريرة عند مسلم، ولفظ ابن عمر عند مالك في المؤطا وفي مسند أحمد عن شرجيل أن ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد حدثوا أن رسول الله قال: و الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل عينا بعين كذا في شرح المهذب (65:10) فليس في هذا اللفظ صيغة نهى واستثناء، فكان المعنى الحكم بإيجاب المائلة. وإذا اختلفت الرواة في لفظ الحديث يرحج ما هو أشبه بالكتاب، واللفظ الذى رحجناه أشبه بقوله تعالى: {وأحل الله له البيع وحرم الربا}.
وأيضا فإن النهى والاستثناء في معنى كلام واحد عندنا وهو النهى عما وراء المستثنى وإيجاب المستنى فمعنى قوله:" و لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد"، أى بيعوهما مثلا بمثل إلخ كما ذكره الأصوليون منا، وأقاموا على ذلك الحجة والبرهان. فقول السبكي في تكملة شرح المهذب: إن دعواهم هذه ممنوعة لا دليل عليها (??: ?? (دليل على عدم مراجعته لأصول القوم.
وأيضا لا يتصور الحكم بدون مجلسه الماثلة وهو القابل لها، فعرفنا أن المحل الذي لا يقبل الماثلة فى الكيل والوزن إجماعا خارج من حكم الربا.
الجزء 1 · صفحة 28
فهذا هو محل اختلاف الحنفية والشافعية فى كون الأصل هو الإباحة أو التحريم، وليس منشأه كون الأصل في الأشياء كلها الإباحة عند فريق والحفر عند آخر. وإنما منشأه كون قوله تعالى: (وأحل الله البيع، أصلا قد استثنى منه الربا بقوله: (وحرم الربا، أو كون قوله: (وأحل الله البيع: أصلا وقوله: (وحرم الربا، اصلا آخر فافهم، واغتنم هذا التحرير، فلعلك لا تجده عند غيرى إن شاء الله تعالى.
ثم كون الأصل عند بعض الحنفية والشافعية الإباحة في الأشياء كلها لا ينافي كون شيء منها حراما لعينه كالزنا والخمر، أو لغيره كأكل مال الغير، أو مكروها كراهة تنزية أو تحريم كأكل الفرس أو سور الحرة؛ لأن كل ذلك قد ثبت بالأدلة القطعية أو الظنية، وإنما الكلام فيما لم يوجد فيه دليل أصلا.
وأما ما تمسك به الإباحية من أن مال المسلمين مباح لكل واحد أن يأخذ ما شاء لا يمنع أحد أحدا، وإن الله تعالى إذا أحب عبدا لم يضره ذنب ومباشرة حرام، كما صرح به الإمام الزاهد فمعاذ الله منسه، وأين هذا من ذلك؟ ولهذا قال القاضي البيضاوى في جوابه: وهو يقتضى إباحة الأشياء النافعة ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض الأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل، لا أن كل واحد لكل واحد كذا فى التفسيرات الاحمدية (ص: ????) فقط ما ذكره ابن العربي من أنه لو أبيح جميعه الجميعهم جملة منثورة النظام، لأدى ذلك إلى قطع الوصائيل والأرحام، والنهارش فى الحطام انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب
المقالة الرضية في حكم سجدة التحية
تحقيق حكم السجود لغير الله
الجزء 1 · صفحة 29
اعلم أن كلمة الأمة المحمدية على صاحبها الصلوة والتحية قد اجتمعت على أن السجود لغير الله تعالى كفر بواح، وارتداد صراح، لو على وجه العبادة والتقرب إليه (أعاذنا الله تعالى منه) وهو مما يستحيل أن يكون مباحا في شريعة من الشرائع، أو لأمة من الأمم في وقت من الأوقات، ولم يرو عن ا أحد ممن ينتحل ملة سماوية أو شريعة إلهية جوازه أو ارتكابه، وإن كان على وجه التحية والتعظيم دون العبادة، فالمسجود له إن كان مما لا يسجد له إلا كافر وكانت السجدة من شعار الكفرة كالسجود للصنم أو الشمس، أو الصليب، أو لغيرها من الأبنية والأشجار التي يسجد لها البراهمة في بلاد الهند، فهو أيضا كفر إجماعاً، لا يختلف فيه إثنان: ولا ينتطح فيه عنزان؛ لأنا لا نحكم إلا بالظاهر وهو لا يحتمل التأويل فمن سجد للصنم أو الشمس، أو ذهب إلى الكنائس والمنادر مع شد الزنار في وسطه، جعل يتأول بأنه لم يفعل ذلك بنية العبادة بل للتحية والتعظيم، كذبه الظاهر، لأن هذه الأشياء لا سبيل إلى تعظيمها إلا بقصد العبادة عادة. ولو اعتددنا بأمثال هذه التأويلات عذرا في هذا الباب لم يبق كافر كافرا، فإن عبدة الأصنام كلهم يزعمون أنهم إنما يعبدونها ليقربوهم إلى الله زلفى، نعم: يكون حكمنا بذلك مقصوراً على الظاهر في أحكام الدنيا، وأمر الباطن والحقيقة موكولا إلى عالم السرائر والضمائر.
الجزء 1 · صفحة 30
قال العلامة ابن الحجر الهيثمي في الإعلام بقواطع الإسلام عن شرح المواقف: إن من صدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك سجد للشمس كان غير مؤمن بالإجماع، لأن سجوده لها يدل بظاهره أنه ليس بمصدق، ونحن نحكم بالظاهر فلذلك حكمنا بعدم إيمانه (إلى قوله: (حتى لو علم أنه لم يسجدها على سبيل العبادة واعتقاد الإلهية بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق لم يحكم بكفره بينه وبين الله، وإن أجرى عليه حكم الكافر فى الظاهر انتهى (1: 33 مع الزواجز) و مثله في الزواجر لابن حجر أيضا، حيث قال: وفى معنى ذلك كل من فعل فعلا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان مصرحا بالإسلام، كالمشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها (2411).
فالحاصل: إن السجود لغير الله تعالى إن كان يقصد العبادة، أو على شعار الكفرة بوجه يدل بظاهره أنه للعبادة فهو كفر إجماعا وإن كان فاعله ينكر قصده للعبادة، إلا إذا ثبت عذره فى ذلك من الإكراه وأمثاله، أو علم باليقين أنه فعله استهزاء أو سخرية، فلا يحكم بكفره كما في الزواجر (24.1).
الجزء 1 · صفحة 31
بقى ما إذا لم يقصد العبادة والمسجود له مما لا يسجد له الكفار فهذا مما اختلفوا في كونه كفراً أو ارتدادا، بعد ما اتفقوا على أنه حرام ومعصية كبيرة يخشى على فاعلها الكفر، كما في الإعلام (? (34) عن الروضة النووى: قال: وليس من هذا ما يفعله كثيرون من الجهلة الظالمين من السجود بين يدى المشائخ، فإن ذلك حرام قطعا بكل حال، سواء كان للقبلة أو لغيرها، وسوأ قصد السجود الله تعالى أو غفل. وفى بعض صوره ما يقتضى الكفر) أعاذنا الله تعالى من ذلك) انتهى وكما في خطر رد المحتار عن الزيلعي (5: ???): ذكر الصدر الشهيد أنه: لا يكفر بهذا السجود لأنه يريد به التحية. وقال شمس الأئمة السرخسي: إن كان لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر. وفى الظهيرية: يكفر بالسجدة مطلقا وفي كراهية الهندية: فى الباب الثامن والعشرين: من مسجد للسلطان على وجه التحية، أو قبل الأرض بين يديه لا يكفر، ولكن يأتم، لارتكابه الكبيرة، هو المختار. قال الفقيه أبو جعفر الهند وانى: وإن سجد للسلطان بنية العبادة أو لم تحضره النية فقد كفر، كذا في جواهر الأخلاطى انتهى.
الجزء 1 · صفحة 32
ثم من ذهب إلى أنه كفر مطلقا قال: إنه لا فارق بين السجود للصنم والشمس، وبين السجو للآباء والمشائخ وغيرتهم من المخلوقين. ومن فرق بينها قال: إن مشروعية التعظيم في حق الآباء والمشائخ وأمثالهم، وجواز السجود لهم في الشرائع السابقة، كما في قصة يوسف عليه السلام وفي قصة آدم عليه السلام من محمود الأبوين والإخوة للأول وسجود الملائكة للثانى، قامت شبهة دارثة لحكم الكفر ممن سجد لهم، وعند وقوع الشبهة لا نحكم بكفره وإن كان على شفا حفرة منه لخطر الحكم بكفر المسلم هذا ملخص ما في الأعلام (??:?) بعد ما ذكر من استشكال العز بن عبد السلام الفرق بينها ما نصه: وعلى هذا فهذا الجنس (أى سجود التحية) قد ثبت للوالد و لو فى زمن من الأزمان وشريعة من الشرائع، فكان شبهة دارثة لكفر فاعله، بخلاف السجود لنحو الصنم أو الشمس، فإنه لم يرد هو ولا ما يشابهه في التعظيم في شريعة من الشرائع، فلم يكن لفاعل ذلك شبهة، لا قوية ولا ضعيفة، فكان كافرا. ولا نظر لقصد التقرب فيما لم ترد الشريعة بتعظيمه بخلاف ما وردت بتعظيمه فاندفع الاستشكال وانضح الجواب عنه، هذا بيان مذاهب الأئمة في السجود لغير الله تعالى وتفصيل أحكامه. وأما قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا، الآية فقال ابن العربي رحمه الله في الأحكام له: اتفقت الأ على أن السجود لآدم لم يكن سجود عبادة وإنما كان على أحد وجهين: إما سلام الأعاجم بالتكفى والإنحناء والتعظيم، وإما وضعه قبلة كالسجود للكعبة وبيت المقدس - وهو الأقوى، لقوله في الآية الأخرى فقعوا له ساجدين -) وهو مشعر بأنهم أمر وا بوضع الوجوه على الأرض بين يديه) ولم يكن على معنى التعظيم، وإنما صدر على وجه الإلزام للعبادة واتخاذه قبلة، وقد نسخ الله تعالى جميع ذلك في هذ الملة انتهى (1: 8).
الجزء 1 · صفحة 33
وقال الجصاص، قد كان السجود جائزا في شريعة آدم عليه السلام للمخلوقين، ويشبه أن يكون قد كان باقيا إلى زمان يوسف عليه السلام، فكان فيما بينهم لمن يستحق ضربا من التعظيم ويراد إكرامه وتنجيله بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا، وبمنزلة تقبيل اليد، وقد روى عن النبي صلى الله عليخ وسلم في إباحة تقبيل اليد أخبار وقد روى الكراهة، إلا أن السجود لغير الله تعالى على وجه التكرمة والتحية منسوخ بما روت عائشة وجابر بن عبدا عبد الله وأنس رضى الله تعالى عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: و ما ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها، لفظ حديث انس بن مالك انتهى قال: ومن الناس من يقول: إن السجود كان الله، وآدم كان بمنزلة القبلة لهم، وليس هذا بشتي، لأنه يوجب أن لا يكون لآدم في ذلك حظ من التفضيل والتكرمة) على الساجدين له، لأن كون الشي قبلة لا يستلزم أن يكون أفضل من الساجد له، كالكعبة وبيت المقدس، فإن المؤمن أعظم حرمة منهما عند الله تعالى). وظاهر ذلك يقتضى أن يكون آدم مفضلا مكرما، يدل على ذلك قول إبليس فيها حكى الله تعالى: (أ أسجد لمن خلقت طينا؟ قال أرأيتك هذا الذي كرمت على، فأخبر أن امتناعه من السجود كان لأجل ما كان من تفضيل الله وتكرمته بأمره إياه بالسجود له، ولو كان الأمر بالسجود له على أنه نصب قبلة للساجدين من غير تكرمة له ولا فضيلة لما كان لآدم في ذلك حظ ولا فضيلة تحسد كالكعبة المنصوبة للقبلة انتهى (?: ??، ??) مع تقديم وتاخير).
الجزء 1 · صفحة 34
قال العبد الضعيف عفا الله عنه إن ملاحظة ما اختصت به هذه الأمة المحمدية. على صاحبها ألف ألف صلوة وتحية، من المرايا في الأحكام وأعلامها، وما تكفل الله سبحانه وتعالى لها من حفظ هذه الشريعة وأحكامها، تقتضى حمايتها عن أسباب الشرك ودواعيه كما حميت عن عينه وداواعيه. فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، بخلاف الأمم السابقة، فإنها إنما حرم عليها عين الكفر والشرك، ولم يحرم عليهم كل ما عسى أن يكون سببا للابتلاء به، لأن الله تعالى لا يشدد على الناس ما لم يشددوا على أنفسهم بالتجاوز عن الحدود، ولأجل ذلك كانت التصاوير والتماثيل وصنعتها مباحة للأمم السابقة كما يشعر به قولة تعالى. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل» الآية وقوله تعالى: «وأخلق لكم من الطين كهيئة الطير» وأمثاله، وحرم كل ذلك على هذه الأمة لكونه قد صار استعمالها بالتعظيم ذريعة إلى الابتلاء بالشرك. ومن هذا القبيل نهيه عليه السلام عن الصلوة عند طاوع الشمس وغروبها واستوائها كما رواه الستة، ونهيه عليه السلام للعبيد أن ينادوا سيدهم بيارب، وللسيد أن ينادى عبده بيا عبد، كما رواه مسلم في الصحيح. حذرا أن يكون ذلك في مدى الدهر ذريعة إلى الشرك وعبادة المخلوقين. فتهلك الأمة كما هلكت الأمم قبلها.
وإذا تقرر ذلك فقد حصحص الحق في حكم سجود التحية أنه ليس بكفر في نفسه، ولا شركا في ذاته، ولذا أبيح في الشرائع السابقة، إلا أنه صار ذريعة إلى الشرك في القرون الخالية فضلوا به وهلكوا، فاقتضت العناية الإلهية بهذه الأمة الأمية تحريم السجود لغير الله تعالى عليها مطلقا وإن كان بمعزل عن قصد العبادة ونسخ ما كان عليه الأمم السابقة من جواز السجود بقصد التحية والتعظيم، فافهم وكن مع الشاكرين لنعمة الله، والقابلين لها ولا تكن من الجاحدين.
الجزء 1 · صفحة 35
الجواب عن نسخ ما ورد فى الكتاب في سجود التحية بأخبار الآحاد لا يقال: كيف جاز لكم القول بنسخ الكتاب بخير الواحد؛ لأنا نقول: إن الخبر الذي جعلته الأمة ناسا لظاهر القرآن قد بلغ حد الشيرة بل هو متواتر، كما ذكره أمير المؤمين في التفسير أعظم المفسرين في زمانه، حجة الله على العالمين في عصره وأوانه، أشرف العلماء والمشائخ، حكيم الأمة مجدد الملة، في هو امش تفسيره بيان القرآن بما لفظه: سجدة التحية كان مشروعا. في شرع من قبلنا ونسخ في شرعنا، والناسخ ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وفي العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح انتهى قال الترمذي: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك، وصهيب، وعقبة بن مالك بن جعشم، وعائشة، وابن عباس، وعبد الله بن أبي أو في، وطلق بن على، وام سلمة، وأنس، وابن عمر انتهى. وفى نيل الأوطار: وقد روى حديث أبي هريرة المذكور بإسناد فيه سليمان بن داؤود اليامي، وهو ضعيف، وأخرج قصة معاذ المذكورة في الباب (التي عزاها المائن إلى أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن أبي أولى) البزار بإسناد رجاله رجال الصبح، وأخرجها أيضا البزار والطبراني بإسناد آخر، وفيه النحاس بن قهم، وهو ضعيف وأخرجها أيضا البزار والطير اني بإسناد آخر رجاله ثقات. وقضية السجود ثابتة من حديث ابن عباس عند الزار، ومن حديث سراقة عند الطبراني، ومن حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه ومن حديث عصمة عند الطبراني وعن غير هؤلاء. وحديث عائشة الذي ذكره المصف ساقه ابن ماجه بإسناد فيه على بن زيد بن جدعان، وفيه مقال (ضعفه كثيرون ووثقه بعضم، وأخرج لمه مسلم مقرونا بغيره كما في التهذيب) وبقية إسناده من رجال الصحيح. وأورد هذا الحديث ابن الجارود في المنتقى، فهو صحيح عنده؛ فإنه لا يأتى إلا بالصحيح كما صرح به السيوطى في ديباجة جمع الجوامع).
الجزء 1 · صفحة 36
وحديث عبد الله بن أبي أوفى ساقه ابن ماجه بإسناد صالح انتهى مختصرا.
وفي الترغيب للمنذرى بعد رواية أنس بن مالك مع قصة الجمل: رواه أحمد بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون، والبزار بنحوه، ورواه النسائي مختصرا، وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة بنحوه باختصار، وفيه بعد رواية قيس بن سعد: رواه أبو داؤد، وفي إسناده شريك، وقد أخرج له مسلم وقد وثق (قلت: ولما سكت عنه أبو داؤد، فهو حجة عنده (وفيه بعد حديث ابن أبي أوفى: رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه انتهى وساق في كنز العمال بهذا (المعنى من (الحديث متونا عديدة وطرقا كثيرة، فرد (بعضا منها سوى التي ذكرناها آنها حاكم عن بريدة وقيس بن سعد (ولم يتعقبها السيوطى بشي. بل صححها في الصغير صريحا، فها حديثان (صحيحان والتر مذى عن أنس والطبراني في الكبير عن ابن عباس، والبيهقي عن أبي هريرة، وعبد بن حميد عن جابر، والطبراني في الكبير، وسعيد بن منصور عن زيد بن أرقم انتهى. وفي الخصائص الكبرى روايات كثيرة، منها رواية ثعلبة بن أبي مالك عند أبي نعيم، ورواية يعلى بن مرة عند الطبراني وأبي نعيم.
وجدت في قرطاس عتيق بخطى ولم يحضرني الآن من أن كنت أخذته أن الحديث رواه أبو داود والطبراني والحاكم والبيهقي عن قيس بن سعد، والترمذي عن أبي هريرة، والدارى والحاكم عن ريدة، وأحمد. عن معاذ، والطبراني عن سراقة بن مالك، وصهيب، وعقبة بن مالك، وغيلان بن مسلم. ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة، والبيهقى أيضا عن أبي هرير. كذا في جمع الجوامع للسيوطي انتهى ما في القرطاس
فهذه أسانيد عديدة: بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف يتقوى بآخر. ومنتهى هذه الأسانيد إلى عشرين صحابيا لو اقتصرنا على الطرق المارة (المذكورة). والحديث إذا روى من عشرة فهو متواتر على القول المختار (كما في تدريب الراوى).
الجزء 1 · صفحة 37
إجتماع الأمة على حرمة سجود التحية: فهذا الحديث متواتر بالأولى. وإن اختلف أحد في تواتره، للاختلاف في العدد الذى يحصل به التواتر فلا يمكنه أن ينكر كونه مشهورا، ويكفى المشهور لنسخ المواتر على ما تقرر في الأصول. وأطلنا الكلام فيه للضرورة الداعية (إليه) فى هذ الزمان. وإلا فإجماع الأمة على حرمة هذا. السجود) يكفينا، فلم تر أحد من السلف ولا من الخلف اختلف في حرمة سجدة التحية مع تصفح كثير من كتب التفسير والحديث والفقه، وما نقل عن بعض الصوفية في تواريخهم لم يثبت عنهم.
لا عبرة بقول الصوفية في الباب: وإن ثبت فلا عبرة بقولهم (في هذا الباب لأنهم ليسوا ممن يعتد بقولهم في الإجماع، وإن سلم كونهم ممن يعتد بقوله في الإجماع، فلا يعتد به في هذا المقام، لأن الإجماع السابق لا يرتفع باختلاف اللاحق؛ نعم: لا يلام عليهم لعدم اشتغا لهم بالتحقيقات العلمية: ومع ذلك لا يحتج بقولهم (ولا يؤخذ بفعلهم (وصنيعهم لا سيما إذا ثبت النكير (على ذلك) عن بعض أكابرهم.
وإنما يحتاج إلى هذا الكلام إذا سلم أن سجود الملائكة لآدم وسجود إخوة يوسف وأبيه له كان سجودا حقيقيا بوضع الوجه على الأرض) تحية لهما، والحال أنه مختلف فيه، فقال بعضهم: لم يكن سجودا حقيقيا بل هو كناية عن التعظيم، وقال بعضهم: كان آدم و يوسف بمنزلة الكعبة لنا، فاللام بمعنى إلى، وقال بعضهم: اللام للسبب أى كانت السجدة الله تعالى شكرا لما أنعم الله عليهم لأجل يوسف وآدم على نبينا وعليها السلام. وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وحينئذ لا يحتاج إلى إثبات النسخ، ويثبت الحرمة بخبر الواحد: ونقول، أيضا: إن الآية وإن كانت قطعي الثبوت ولكنها ظني الدلالة فلا بعد في نسخها حديث ظني الثبوت قطعى الدلالة، كما لا يحى، والله أعلم بالصواب.
وجوب الجماعة للصلوة
الجزء 1 · صفحة 38
قال الجصاص في قوله تعالى: «وأقيموا الصلوة واتوا الزكوة واركعوا مع الراكعين، ما حاصله: إن الآية دالة بمطلق الأمر، وقيد (مع الركعين) على وجوب الجماعة، سواء أريد بالركوع الركوع المصطلح عليه أو الصلوة نفسها: كما في قوله تعالى: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا، حيث أريد به صلوة الفجر انتهى ملخصا. قلت: وإنما الحطت عن الفرضية، الظنية الدلالة وإن كان النص قطعيا، كما فى الروح، ومن لم يقل بوجوب الجماعة حمل الأمر على الندب أو المعية على الموقفة انتهى. وقال ابن العربي: كان من أمر الله سبحانه بالصلوة والزكوة والركوع أمر بمعلوم متحق سابق الفعل بالبيان، وخص الركوع: لأنه كان أثقل عليهم من كل فصل، قال بعض من أسلم للنبي صلى الله عليه وسلم: على أن لا أخر إلا قائماً. وقيل إنه الإنحناء لغة، وذلك يعم الركوع والسجود انتهى (1: 10)
وفى الدر المختار: الجماعة سنة مؤكدة للرجال. قال الزاهدى: أرادوا بالتأكيد الوجوب (ثم قال) وقيل: واجبة، وعليه العامة، أي عامة المشائخ و به جزم في التحفة وغيرها. قال في البحر: هو الراحج عند أهل المذهب انتهى وكذا نسبه في البدائع إلى عامة المشائخ. وفي رد الهتار عن النهر: هو أعدل الأقوال وأقواها انتهى. وفى المظهرى: وعند الجمهور سنة مؤكدة قريب من الواجب، يترك سنة الفجر مع كونها أكد السنن عند خوف فواتها انتهى.
هل يجوز تبديل ألفاظ النص؟
الجزء 1 · صفحة 39
قال الجصاص في قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم: يحتج به فيما ورد من التوقيف فى الأذكار والأقوال بأنه غير جائر تغييرها وتبديلها إلى غير ذلك. وربما احتج به علينا المخالف في تجويز تحريمة الصلوة بلفظ التعظيم والتسبيح، وفى تجويزنا القراءة بالفارسية على مذهب أبي حنيفة، وفي تجويز الكاح بلفظ الهبة، والبيع بلفظ التمليك، وما جرى مجرى ذلك. وهذا لا يلزمنا فيما ذكرنا؛ لما روى عن الحسن: إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى لفظ في ضد المعنى الذي أمروايه؛ إذا كانوا مأمورين بالإستغفار والتوبة، فصاروا إلى اللفظ الإصرار والإستهزاء. فأما من غير اتفاق المعنى فلم تتناوله الآية. انتهى كلامه ملخصا.
وهذا هو الجواب الكلى، وأما الجزئ فإن المأمور به عند التحريمة مجرد ذكر الله؛ بدليل قوله تعالى: (وذكر اسم ربه فصلى، كما سيأتي هناك، وهو يحصل بكل ما اشتمل على ذكر الله مع تعظيمه. وخصوص لفظة و الله أكبر لم يرد الأمر بها إلا في أخبار الآحاد، فقلنا بوجوبها دون افتراضها شرطا. وأما القراءة بالفارسية فلا تجوز للقادر على العربية إجماعا، والذي يعزى إلى الإمام في ذلك فهو مرجوع عنه، كما ذكره المحققون من أهل المذهب. وأما جوازها للعاجز عن العربية فلكونه مأموراً بالذكر، حتى يتعلم آية من القرآن، والذكر يجوز بالإجماع بكل لسان. وأما لفظا النكاح والبيع فلم يرد الأمر باستعمالها دون غيرهما في هذه العقود، وغاية ما فيه أنها كانا يستعملان فيها عرفا وشرعا. وهذا لا يقتضى عدم إجزاء غير هما عنهما، لا سيما وقد قال الله في باب النجارة: ه وابتغوا من فضل الله، ونحوه، وهو يفيد جواز عقد النجارة مما يشعر معنى الابتغاء والابتذال، فافهم.
الجزء 1 · صفحة 40
قال ابن العربي: قال بعض من تكلم في القرآن أن هذا الله يدل على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها لا يجوز؛ وهذا الإطلاق فيه نظر، وسبيل التحقيق فيه أن نقول: إن الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا تخلو أن يقع التعبد بالفظها أو يقع التعبد بمعناها، فإن كان التعبد وقع بلفظها (?) فلا يجوز تبديلها وإن وقع التعبد بمعناها جاز تبديلها مما يؤدى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه، ولكن لا تبديل إلا بالاجتهاد، ومن المستقل بالمعنى المستوفى لذلك العالم بأن اللفظين الأول والثاني المحمول عليه طبق المعنى.
تحقيق رواية الحديث بالمعنى: قال: ويتعلق بهذا المعنى نقل الحديث بغير لفظه إذا أدى معناه، وقد اختلف الناس في ذلك، فالمروى عن واثلة بن الأسقع. قال: وليس كل ما أخبرنا به رسول الله لا ننقله إليكم بلفظه، حسبكم المعنى وهذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة، وأما من سواهم فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى وإن استوفى ذلك المعنى: فإنا لوجوزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث: إذ كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل مانقل وجعل الحرف بدل الحرف فيما رأه، فيكون خروجا من الأخبار بالجملة، والصحابة بخلاف ذلك؛ فإنه اجتمع فيهم أمران عظيمان: أحدهما الفصاحة والبلاغة، إذ جبلتهم عربية ولغتهم سليمة، الثاني: أنهم شاهدوا أقوال النبي وفعله فإفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله، وليس من أخبر كمن عاين؛ ألا تراهم يقولون في كل حديث: أمر رسول الله بكذا، ونهى رسو الله عن كذا، ولا يذكرون لفظه، وكان ذلك خيرا صحيحا ونقلا لازما، وهذا لا ينبغى
أن يستريب فيه منصف لبيانه انتهى، (1: 10).
الجزء 1 · صفحة 41
قلت: لا شك في رزانة هذا الكلام ومتانته، وإليه ذهب طائفة من أصحاب الحديث، والفقه، والأصول. قالوا: لا يجوز لغير الصحابي أن يروى الحديث إلا بلفظه، وإليه ذهب ابن سيرين، وثعلب، وابو بكر الرازي من الحنفية. وروى عن ابن عمر، وقال جمهور السلف والخاف من الطوائف منهم. الأمة الأربعة: يجوز بالمعنى في جميعه، أى في حديث النبي وفي غيره، إذا قطع بأداء المعنى، وكان عالما بالألفاظ ومدلو لاتها ومقاصدها، خبيرا بما يحيل معانيها، بصيرا بمقادير التفاوت بينها، وإلا فلا. وأسند البيهقي في المدخل عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يحدث بأحاديث، الأصل واحد والكلام مختلف. وأسند عن ابن عون قال: كان الحسن وإبراهيم. والشعى يأتون بالحديث على المعاني. وكان القاسم بن محمد، و ابن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه. وأسند عن وكيع قال: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس.
قال شيخ الإسلام: ومن أقوى حجهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانها للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى. وقال القاضي عياض: ينبغى سدباب الرواية بالمعنى؛ لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن، كما وقع للرواة كثيرا قديما وحديثا. (قلت: ولعل هذا هو مراد ابن العربي فتأمل). وهذا الخلاف إنما يجرى في غير المصنفات، ولا يجوز تغيير شئى من مصنف وإبدا له بلفظ آخر، وإن كان بمعناه قطعاً؛ لأن الرواية بالمعنى رخص فيه من رخص؛ لما كان عليهم في ضبط الألفاظ من الحرج، وذلك غير موجود فيما استلمت عليه الكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره انتهى ملخصا من التدريب (ص 162).
الجزء 1 · صفحة 42
وقال الحافظ في الفتح فى حديث: و لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، ما نصه: أو أن البخارى كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ، كما عرف مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا. وإنما لم أيجوز عسكه؛ لموافقة من وافق مسلما على لفظه (لا يصلين أحد الظهر (بخلاف البخاري انتهى (7: 314) وهذه مزية جليلة وفضيلة نبيلة امتاز بها مسلم، كما امتاز بحسن سياقه للحديث وجمعه طرقه كلها في موضع ولأجل ذلك رحج بعضهم كتاب مسلم على صحيح البخارى. وفيه دليل على تجويز البخارى رواية الحديث بالمعنى من غير محافظة على اللفظ، والله تعالى أعلم.
الاحتجاج بشرع من قبلنا
قال ابن العربي: أخبرهم سبحانه في هذه القصة (أى قصة البقرة عن حكم في زمن موسى عليه السلام، هل يلزمنا حكمه أم لا؟ اختلف الناس في ذلك، والمسألة تلقب بأن شرع من قبلنا من أنبياء هل هو شرع لنا؟ حتى يثبت نسخه أم لا؟ في ذلك خمسة أقوال - فذكرها، ثم قال -: الصحيح القول بلزوم شرع من قبلنا لنا مما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم عنهم (أو قصه الله علينا من غير نكير) دون ما وصل إلينا من غيره؛ لفساد الطرق إليهم، هذا هو صريح مذهب مالك في أصوله كلها (وهو مذهب السادة الحنفية - شكر الله سعيهم -كما تقرر في الأصول).
ونكتة ذلك أن الله تعالى أخبرنا عن قصص النبيين، فما كان من آيات الازدجار وذكر الاعتبار ففائدته الوعظ، وما كان من آيات الأحكام فالمراد به الامتثال له والاقتداء به. قال ابن عباس رضي الله عنها: قال الله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، فنبينا صلى الله عليه وسلم ممن أمره أن يقتدى. وبهذا يقع الرد على ابن الجوينى حيث قال: إن نبينا لم يسمع قط أنه رجع إلى أحد منهم (أى من أهل الكتاب) ولا باحثهم عن حكم، ولا استفهمهم. فإن ذلك الفساد ما عندهم. أما الذى نزل به عليه الملك فهو الحق المفيد للوجه الذي ذكرناه، ولا معنى له غيره انتهى.
الجزء 1 · صفحة 43
قال: ولما ضرب بنو إسرئيل الميت بتلك القطعة من البقرة قال: دمى عند فلان هذا.
الجواب عن حجة مالك في صحة القول بالقسامة بقول المقتول: وقد استدل مالك في رواية ابن القاسم و ابن وهب عنه على صحة القول بالقسامة بقول المقتول: دمى عند فلان هذا وقال مالك: هذا مما يبين أن قول الميت: دمى عند فلان، مقبول ويقسم عليه انتهى (?: ??).
قلت: لا دلالة في الآية على ذلك، وغاية ما فيه قبول قول الذي أحياه الله بعد موته بعد ما كان الله قد أخبرنا بأنه سيحتي بكذا ويخبركم بالحق، ولا يكون ذلك إلا إذا كان الإحياء على يد نبي يخبرنا عن أمر الله فيه بالوحى. فلا دلالة فيه على قبول قول من احياه الله بعد موته مطلقا، لأنه بعد ما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الآدميين كلهم في القبول والرد، فضلا عن أن يكون فيه دلالة على قبول قول من هو في سياق الموت من الأحياء، وكيف يقبل قوله في الدم وهو لا يقبل في درهم؟ وإنما تستحق بالقسامة الدية. ومن أراد البسط في ذلك فليراجع الإعلاء. وأما قصة يهودى كان قد رضخ رأس جارية بالحجر فقد وقع التصريح فيها باعتراف اليهودى بالقتل بعد ما أشارت الجارية إليه فافهم.
عدم حصر الحيوان وتعيينه بالوصف
قال ابن العربي: في هذه الآية دليل على حصر الحيوان بالصفة، خلافا لأبي حنيفة، حيث قال: لا يحصر الحيوان بصفة، ولا يتعين محلية. قال ابن عباس: لو أن بني إسرائيل لما قيل لهم: و اذ بحوا بقرة، بادروا إلى أى بقرة كانت فذبحوها لأجزأ ذلك عنهم، وامتثلوا ما طلب منهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، فمازالوا يسئلون ويوصف لهم، حتى تعينت. وهذا كلام صحيح ودليل مليح انتهى (?: ??).
الجزء 1 · صفحة 44
الجواب عن حجة المالكية في الباب قلت: نعم وإنما تعينت بوصف الله لها لا يوصف الناس، ولم يقل أبو حنيفة: إن الحيوان لا يحصر بوصف الله، ولا يتعين بما يذكره من الحلية، وإنما قال: لا يحصر بوصف الناس. وأيضاً فإنما تعينت هذه البقرة لأنه لم يوجد على ما ذكر الله من الصفة غيرها في بلدهم،
ولو وجدت على هذا الوصف بقرتان أو ثلث لم تتعين إحداها بمجرد الوصف بدون الإشارة إليها، فافهم. فإن الوصف بأى شئ كان فهو معنى كلى يحتمل الصدق على أفراد كثيرة، ولا ينحصر في فرد واحد إلا بالإشارة، أو باتفاق أن لا يوجد هذا الوصف إلا فى شئ واحد فى مكان بعينه. ألا ترى أن الإنسان مفهوم كلي لا ينحصر في فرد، ولو انفق وجود انسان واحد في جزيرة أو فلاة ليس فيها غيره فتعين بالوصف، هل يكون ذلك دليلا على كون الإنسان منحصرا في هذه الفرد بعينه بالوصف؟ كلا: والله تعالى أعلم.
الأمر المطلق وأحكامه، وجواز النسخ قبل العمل
قال الإمام أبو الحسن الكرخي من الحنفية: إن الأمر المطلق عن الوقت محمول على الفور، ومذهب الجمهور أنه على التراخي؛ لئلا يعود على موضوعه بالنقص، فيبطل فائدة الإطلاق (كذا في المنار). وفى التوضيح وغيره من كتب الأصول: إن المطلق يجرى على إطلاقه، والمقيد على تقييده، وأن موجب الأمر عند الإطلاق الوجوب وأن النسخ قبل العمل يجوز بعد ما تمكن منه. فهذه أحكام قد ذكرها الفقهاء الحنفية في أصولهم رحمهم الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 45
وقد دل قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون}، على جميع ذلك؛ حيث قال الجصاص: وهذا يدل على أنهم كانوا تاريكين للأمر بدأ، وأنه قد كان عليهم المسارعة إلى فعله، فقد حصلت الآية على معان: أحدها أن المطلق يجرى على إطلاقه (أمرا كان، أو نهيا، أو غيرهما). والثاني أن الأمر على الفور وإن على المأمور المسارعة إلى فعله على حسب الإمكان، حتى تقوم الدلالة على جواز التأخير (وللجمهور أن يقولوا: إن الذم والنكير لم يكن على مجرد التراخي في الامتثال بل على التعسف والتعمق؛ كما يدل عليه ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنها: «لو ذبحوا أى بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، قال في الروح: سنده صحيح، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعا مرسلا انتهى). والثالث جواز ورود الأمر بشي مجهول الصفة، مع تخيير المأمور في فعل ما يقع الاسم عليه منه. والرابع وجوب الأمر (أى دلالة الأمر على الوجوب) وأنه لا يصار إلى الندب وغيره إلا بدلالة؛ إذ لم يلحقهم الذم إلا بترك الأمر المطلق من غير ذكر وعيد. والخامس جواز النسخ قبل وقوع الفعل بعد التمكن منه، و ذلك لأن زيادة هذه الصفات في البقرة كل منها قد نسخ ما قبلها انتهى. قال: ولا دلالة فيه على جوار نسخ الفرض قبل مجيئى وقته؛ لأن كل فرض من ذلك قد كان وقت فعله عقيب ورود الأمر فى أول أحوال الإمكان انتهى (1: 35).
حرمان القاتل ميراث القتيل
الجزء 1 · صفحة 46
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: و كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه. فقتله - فذكر القصة إلى أن قال: فذبحوها أى البقرة، فضربوه ببعضها،، فقام فقالوا: من قتلك؟ فقال هذا، لابن أخيه، ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، فلم يورث قاتل بعد». ورواه ابن جرير من حديث ايوب عن محمد بن. سيرين عن عبيدة بنحو من ذلك (ابن كثير 1: 108). ثم ذكر القصة عن السدى، وأبي العالية، وغير هما، وقال: فيها اختلاف في سياقها، الظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهى مما مجوز نقلها، ولكن لا نصدق ولا نكذب، فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم (?: 110)
قلت: قد وافق الحق منها حر مان القاتل ميراث القتيل. قال الجصاص: وفى هذه القصة سوى ما ذكرنا حرمان مراث المقتول، ثم ذكر الحديث عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني، وقال: قد اختلف في ميراث القاتل. وروى عن عمر وعلى وابن عباس وسعيد بن المسيب أنه لا ميراث له، سواء
كان القتل عمدا أو خطأ، وأنه لا رث من ديته ولا من سائر ماله. وهو قول أبي حنيفة والثورى وأبي يوسف ومحمد وزفر إلا أن أصحابنا قالوا: إن كان القائل صبيا أو مجنونا ورث. وقال ابن وهب عن مالك: لا رث القاتل عمدا من دية من قتل شيئا ولا من. ماله، وإن قتله خطأ ورث من ماله ولم برث من دينه. وروى مثله عن الحسن ومجاهد والزهرى، وهو قول الأوزاعي. وقال المزنى عن الشافعي: إنه إذا قتل الباغى العادل أو العادل الباغي لا يتوارثان؛ لأنها قاتلان. قال: الجصاص: حدثنا عبد الباقي بسنده عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج والمثنى ويحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله و ليس للقاتل من الميراث شيئى».
الجزء 1 · صفحة 47
(قلت: وهكذا رواه النسائى من رواية عمرو بن شعيب عن عمر مرفوعا في قصة، وهو منقطع، ووصله عبد الباقى بن قانع فرواه من طريق الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر عن النبي ا ل، ذكره الجصاص. ورواه ابن ماجه ومالك فى المؤطا والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي، قال البيهقي: رواه محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا قلت: وكذا أخرجه النسائى من وجه آخر عن عمرو وقال: إنه خطأ، وأخرجه ابن ماجه والدار قطني من وجه آخر عن عمرو في أثناء حديث، وفى الباب عن عمر من شيبة بن أبي كثير الأشجعي أخرجه الطبراني في قصة، وأنه قتل امرأته خطأ، فقال النبي: و أعقلها ولا ترشها .. وعن على الجذامي نحوه أخرجه الخطابي (?) وأخرج الدار قطى من حديث ابن عباس: ولا يرث القاتل شيئاء وفي إسناده كثير بن سليم ضعيف، ورواه البيهقي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل قال عبد الرزاق: هو عمرو بن برق عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: «من قتل قتيلا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره. وعمروبن برق ضعيف عندهم ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ه القاتل لا يرث، وفيه إسحق بن عبد الله بن أبي فروة، تركه أحمد وغيره، كذافي التلخيص (ص: 665).
قال الجصاص: فثبت بهذه الأخبار حرمان القاتل ميراثه من سائر مال المقتول، وأنه لا فرق فى ذلك بين العامد والمخطئ؛ لعموم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وقد استعمل الفقهاء هذا الخبر وتلقوه بالقبول، فجرى مجرى التواثر كقوله عليه السلام: ولا وصية لوارث، ونحوه من الأخبار التي مخرجها من جهة الإفرد وصارت في حيز التواتر، لتلقى الفقهاء لها بالقبول، فجاز تخصيص آية المواريث بها.
الجزء 1 · صفحة 48
ويدل على تسوية حكم العامد والمخطئ فى ذلك ما روى عن على وعمر وابن عباس من غير خلاف من أحد من نظرائهم عليهم، وغير جائز فيما كان هذا وصفه من قول الصحابة في شيوعه واستفاضته أن يعترض عليه بقول التابعين. ولما وافق مالك على أنه لا يرث من ديته وجب أن يكون ذلك حكم سائر ماله في الحرمان، لأن ديته ماله وميراث عنه، بدليل أنه تقضى منها ديونه، وتنفذ منها وصاياه، ويرثها سائر ورثته على فرائض الله تعالى. وتوريثه بعض الميراث دون بعض خارج من الأصول، وقد اتفقوا في قاتل العمد وشبه العمد لا يرث سائر ماله كما أنه لا يرث دينه إذا وجبت، وإنما حرم للتهمة في إحراز الميراث بقتله، فهذا المعنى موجود في قاتل الخطأ، لأنه يجوز أن يكون إنما أظهر رمى غيره وهو قاصد به قتله لئلا يقاد منه ولا يحرم الميراث، وأما الصى والمجنون فلا يحرمان الميراث بالقتل من قبل أنها غير مكلفين، وحرمان الميراث على وجه العقوبة في الأصول انتهى ملخصا (?: ??).
وأما قول الشافعى فأجاب عنه الطحاوى فى اختلاف العلماء بأنا لا نعلم خلافا أن القاتل يقود يجب له أن يرث المقتول، وكذا المرجوم للزنا يرثه من رجمه؛ لأنه قتله بحق، فكذا عادل قتل الباغى وإذا ثبت هذا فيرث باغ قتل عادلا، لأنه في حكم قتل مستحق (عنده لا دعائه جور الإمام ومن تبعه) إذ لا قود فيه ولادية فكأنه قتله بحق انتهى من الجوهر التي (?: ???)
تحقيق تمنى الموت
الجزء 1 · صفحة 49
قال صاحب روح المعانى تمني الموت لأجل الاشتياق إلى دار النعيم ولقاء الكريم غير منهى عنه، إنما المنهى عنه تمنيه لأجل ضر أصابه؛ فإنه أثر الجزع وعدم الرضاء بالقضاء، وفى الخبر و لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، وإن كان لا بد فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحيوة خيرا لي، وأمتني ما كان الوفاة خيرا لي: (1: 296). وفى المرقاة للعلامة القارى: وقال التور بشتى: إن النهى عن تمنى الموت وإن كان مطلقاً لكن المراد به المقيد - ثم ساق الحديث المذكور إلى أن قال: فعلى هذا يكره تمنى الموت من ضر أصابه في نفسه أو ماله لأنه في معنى التيرم من قضاء الله تعالى، ولا يكره التمنى الخوف فساد في دينه (2: 361).
وفى قوله تعالى: «قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، دلالة واضحة على جواز التمنى للاشتياق إلى دار النعيم؛ فإن الأمر بالتمنى متفرع عليه، كما ذكره في الروح مفصلا. قال: وقد ثبت عنه أنه لما بلغه قتل من قتل ببير معونة قال: «يا ليتنى غودرت معهم في لحف الجيل. و قال عمر الله بصفين:
غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه
وروى عن حذيفة والله أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة (1: 296).
تحقيق السحر وحكمه
الكلام في السحر في مواضع: الأول في معناه من حقيقته وأنواعه، والثاني في أن له حقيقة أم لا؟ والثالث فى أقوال الفقهاء في حكمه، والرابع ما يستفاد من الآية في بابه، والخامس هل يمكن تأثر الأنبياء والرسل بالسحر أم لا؟ والسادس الفرق بينه وبين المعجزة.
الجزء 1 · صفحة 50
أما حقيقته ومعناه فالسحر - بالكسر - كل ما لطف مأخذه وخفى سببه (قاموس). والمراد به أمر غريب يشبه الخارق وليس به؛ إذ يجرى فيه التعليم ويستعان في تحلصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح، قولا كالرقي اللتي فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره، وعملا كعبادة الكواكب والتزم الجنابة و اعتقادا كاستحسان ما يوجب التقريب إليه ومحبته له. ولا يستتب ذلك إلا لمن يناسبه في الشر والخبث؛ فإن التناسب شرط التضادم والتعاون، فكما أن الملائكة لا تعاون إلا أخبار الناس المشبهين بهم في المواظبة على ذكر الله وعبادته والتقرب إليه بالقول والفعل، كذلك الشياطين لا تعاون إلا الأشرار المشبهين بهم في الخبث والنجاسة قولا وعملا واعتقادا. ولهذا فسره الجمهور بأنه: خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة. وبهذا يتميز الساحر عن النبي والولى: وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات المركبة على النسبة الهندسية تارة. وعلى ضرورة الخلاء ملاء أخرى وبمعونة الأدوية كالنار بخيات، أو يريه صاحب خفة اليد فتسميته صحرا على التجوز. كذا في الروح مختصرا (305:1).
قلت: ومثله ما يعمل بالحركات الفكرية والتصرفات الخيالية من الأفعال الغريبة بحيث يتحير فيها العقول. وقد عمت بلواها في زمننا هذا، ويعرف بمسمريزم.
قال الإمام الراغب الأصفهاني: السحر يقال على معان: الأول الخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعيذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة بدء وما يفعله التمام بقول مزخرف عائق للاسماع، وعلى ذلك قوله: تعالى: و سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وقال: «يخيل إليه من سحرهم، والثاني
الجزء 1 · صفحة 51
استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله: و هل أنبئكم تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، وعلى ذلك قوله تعالى: (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). والثالث من يذهب إليه الأغتام (?) وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع فيجعل الإنسان حمارا، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين انتهى.
قلت: وإليه ذهب الإمام أبو بكر الجصاص في الأحكام له أنه لا حقيقة له، وبه قال أبو جعفر الأستراباذى من أصحابنا، وبه قالت المعتزلة. والجمهور على أنه يمكن أن يكون له حقيقة، وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيث يطير في الهواء، ويمشى على الماء ويقتل النفس ويقلب الإنسان حمارا. والفاعل الحقيقى في كل ذلك هو الله تعالى، ولم تجر سنة بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم السلام، كذا في روح المعانى. وقال البغوى: السحر وجوده حتى عند أهل السنة، ولكن العمل به كفر انتهى.
وأفاد شيخنا حكيم الأمة - متنعا الله تعالى وسائر المسلمين ببركاته وطول حياته أنه لم يقم دليل عقلى ولا سمعى على امتناع انقلاب الأعيان أو حدوثها بالسحر حقيقة. وما نقل عن الفلاسفة من امتناع انقلاب الحقائق فمرادهم بالحقائق الوجوب والامتناع والإمكان لاحقائق الأجسام والأبدان كيف ولهم تفصيلات في أبواب الكون والفساد تقتضى جواز انقلابها. والذى ذكره الجصاص من أنه لو كان للسحر حقيقة، لما بقى ساحر فقيرا ذليلا كما هو المشاهد من أحوال السحرة. فجوابه ظاهر أنه لا يلزم من انتفاء ذلك في كل ساحر رأيناه امتناعه في نفس الأمر والمشاهدة لم تحط بجميع السحرة حتى يحكم عليهم بالفقر والذلة، وأن لا حقيقة السحر واحد منهم.
الجزء 1 · صفحة 52
وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى:: سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاوا بسحر عظيم، بأن السحر العظيم لما لم يفعل ما هو أزيد من التخييل وسحرالأعين، كما هو منطوق النص، فما ظنك بما هو دونه من أنواع السحر؟ ومن أين له أن يقلب اعيان حقيقة أو يحدثها؟ فهو ساقط. أما أولا: فلأن العظيم ليس بمنحصر في فرد واحد حتى لا يكون غيره عظيما، بل يمكن أن يكون له أنواع وأفراد كثيرة كل واحد منها عظيم. وهذا مما لا يخفى على من له ممارسة بالعربية ومزاولة بمحاورات القرآن والسنة. الأترى إلى قوله تعالى: و أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، وفي الحديث و أشد الناس عذابا المصورون، أخرجه البخاري ومسلم. وسئل رسول الله الا الاول عن أي الأعمال أفضل؟ فأجاب كل سائل بأعمال مختلفة، كما لا يخفى على من له نظر فى الحديث، وأما ثانيا: فلأنه لا يلزم من كون هذا السحر عظيما أن لا يكون غيره أعظم منه، يقلب الأعيان حقيقة أو يحدثه؛ فإن للعظمة درجات.
وأما احتجاج الجصاص بقوله تعالى: (ولا يفلح الساحر حيث أتى، فمعناه إذا أتى فى مقابلة المعجزة الإلهية كما هو ظاهر من السياق وبالجملة فلا دليل على امتناع انقلاب الأعيان أو حدوثها بالسحر عقلا أو نقلا؛ بل ظاهر حديث كعب الأحبار جوازه وثبوته، ولا وجه يصرفه عن الظاهر
رقية الحفظ من السحر: والحديث أخرجه مالك رحمه الله في الموطا في بات التعوذ عند النوم، ولفظه: عن القعقاع بن حكيم أن كعب الأحبار قال: لولا كلمات أقولهن لجعتنى اليهود جمارا. فقيل له: وماهن؟ فقال: " أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيئى اعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت وما لم أعلم من شر ما خلق وبرأ وذرأ ".
الجزء 1 · صفحة 53
الفرق بين السحر والمعجزة: والفرق بين السحر والمعجزة بوجوه: أما الأول فإن السحر لا يظهر إلا على يد خبيث شرير النفس سيني الأعمال، المواظب على النجاسة، البعيد عن الطهارة فى ثيابه وبدنه، وهو مع ذلك لا يتقى الله، ولا يدعو الناس إلى الله با بل يعاون الشيطان وعبدة الأوثان، يفوض الأمور إلى الكواكب وأمثالها، دون الملك الديان. والمعجزة لا تظهر إلا على يد نبي طاهر مطهر، صادق مصدق، لم يجرب عليه كذب قط؛ وهو مع ذلك مواظب على أحسن الأعمال، يتكلم بالحكمة وأطيب الاقوال، يتقى الله في السر والإعلان، يدعو الناس إلى عبادة الرحمان،، وهجر الأوثان، وترك طاعة الشيطان. وإن ظهرت أمثال معجزته على يد أتباعه فهى كرامة للولى ومعجزة للنبي، لأنها لم تظهر على يد من تبعه إلا ببركته.
وأما الثاني فإن معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، كلما تأملتها ازددت بصرة في لكونها من الله، ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ظهر عجزهم عنها لكونها مما لا مدخل للكسب والتعليم والتعلم فيها؛ ومخاريق السحرة مبناها على أعمال مخصوصة، متى شاء من شاء أن يتعلمها بلغ فيه مبلغ غيره، وبأتي بمثل ما أظهره سواه، قاله الجصاص (1: 49).
وأما الثالث فإن الساحر متى ادعى النبوة لنفسه بطل حره، فلا يظهر منه شيء؛ فلا يجتمع السحر مع دعوى النبوة قط لا لأنه ممتنع عقلا: بل لأنه لوادعى النبوة كاذبا فلا يجوز من الله تعالى إظهار الخوارق على يده، لئلا يحصل التلبيس. قاله الإمام الرازي (: 426).
الجزء 1 · صفحة 54
أقوال الفقهاء في السحر والساحر: وأما أقوال الفقهاء في السحر والساحر، فقال الجصاص: اتفق هؤلاء السلف - أي عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب وقيس بن سعد، وجندب، وعمر بن عبد العزيز رضى الله عنهم - على وجوب قتل الساحر، ونص بعضهم على كفره. فروى ابن شجاع عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال في الساحر: يقتل إذا علم أنه ساحر، ولا يستتاب، ولا يقبل قوله: إنى أترك السحر وأتوب منه؛ فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه، وإن شهد عليه شاهدان أنه ساحر، فوصفوا ذلك بصفة يعلم أنه سحر قتل ولا يستتاب (إلى أن قال (وأما المرأة فإذا شهدوا عليها أنها ساحرة، أو أقرت بذلك لم تقتل وحبست وضربت حتى يستيقن لهم تركها للسحر، وكذلك الأمة واللعية إذا شهدوا أنها ساحرة، أو أقرت بذلك لم تقتل وجهست حتى يعلم منها ترك ذلك كله وهذا كله قول أبي حنيفة رحمه الله. قال ابن شجاع: فحكم في الساحر والساحرة حكم المرتد والمرتدة.
وحكى محمد بن شجاع عن أبى على الرازي: قال: سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر: يقتل ولا يستتاب ألم يكن ذلك بمنزلة المرتد؟ فقال: الساحر قد جمع مع كفره السعى فى الأرض بالفساد، والساعي بالفساد إذا قتل قتل. قال فقلت لأبي يوسف: ما الساحر؟ قال: الذي يقتص له من العمل مثل ما فعلت اليهود بالنبي، وبما جاءت به الأخبار إذا أصاب به قتلا، فإذا لم يصب به قتلا لم يقتل؛ لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقتله إذ كان لم يصب به قتلا انتهى (1: 51)
الجزء 1 · صفحة 55
وأما مالك فإنه أجرى الساحر مجرى الزنديق؛ فلم يقبل توبته كما لا يقبل توبة الزنديق. وقال ابن العربي المالكي في الأحكام: إن الكل حرام كفر، قاله مالك وإليه ذهب الإمام أحمد رحمه الله فيا ذكره في رد المحتار عن الفتح. وقال الشافعي رحمه الله: السحر معصية إن قتل بها الساحر قتل، وإن أضربها أدب على قدر الضرب ذكره ابن العربي في الأحكام. وعند الجصاص مثله. فهذا بيان المذاهب فيه وأقوال الأئمة.
والحق الحقيق بالقبول الذى لا يجوز الحيد عنه والعدول، وإليه يرجع كلام الأئمة الفحول، هو ما قاله الإمام أبو منصور: إن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ؛ بل يجب البحث عن حقيقته. فإن كان في ذلك روما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا ذكره في الروح ورد المحتار. وهذا الذي اختاره الإمام أبو بكر الجصاص في الأحكام له بما نصه: وأما الضرب الأول، الذى ذكرنا من سحر أهل بابل في القديم، ومذهب الصائبين فيه، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله: (وما أنزل على الملكين، فيما يرى - والله أعلم – فإن القائل به، والمصدق به، والعامل به كافر. وهو الذي قال أصحابنا فيه عندى أنه لا يستاب (5:1).
وفى المدارك: إن السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور دون الإناث عند الحنفية كما في المرتد، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق، و يستوى فيه الذكور والإناث. وهذا هو الذى اختاره في رد المحتار معزيا للمخانية بما نصه: إنه لا يكفر بمجرد عمل السحر ما لم يكن فيه اعتقاد أو عمل ما هو مكفر ثم قال: والظاهر أن ما نقله في الفتح عن أصحابنا مبنى على أن السحر لا يكون إلا إذا تضمن كفرا انتهي.
الجزء 1 · صفحة 56
قلت: ويؤيده ما مر عن الروح من تقسيم السحر إلى الحقيقة والمجاز فالسحر حقيقة عندهم هو ما تضمن اعتقادا أو عملا يوجب الكفر، وما سوى ذلك، فتسميته سرا مجاز، فتحصل من ذلك أن في حكم السحر تفصيلا عند الحنفية، وما روى عن الإمام من إطلاق الحكم بالكفر محمول على ما هو المتبادر المعروف بلفظ السحر عندهم، وهو سحر أهل بابل المذكور في القرآن. ولعل هذا هو محمل كلام الإمام مالك وأحمد رحمها الله تعالى، وقول الشافعي رحمه الله محمول على ما ليس بمكفر اعتقادا ولا عملا فيبعد كل البعد أن يقول في ما اشتمل على الكفر من السحر: إنه معصية وليس بكفر، فافهم. ثم وجدت النووى قد صرح بذلك وقال: إن كان في السحر قول أو فعل يقتضى الكفر كفر الساحر، وتقبل توبته إذا تاب عندنا، وإذا لم يكن فى سحره ما يقتضى الكفر عزر واستتيب انتهى من فتح البارى (??: ???) فقول الجصاص: فلم يجعل الشافعي الساحر كافرا بسحره؛ وإنما جعله جانيا كسائر الجناة (1: 51) رد عليه فإن النووى أعلم منه يقول إمامه. والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 57
وأما المستفاد من الآيات فهو إطلاق حكم الكفر على سحر أهل بابل، وما عزاء الشياطين إلى سليمان عليه وعلى نبينا الصلوة والسلام، حيث عبر عن هذا السحر بالكفر في قوله تعالى: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر، فإن الشياطين لم تكن ادعت على سليمان عليه السلام إلا السحر فنفاه سبحانه وتعالى عن سليمان، وحكم بكفر الشياطين الذين تعاطوه؛ ومثله في قوله تعالى: ه إنما نحن فتنة فلا تكفر، أى لا تكفر بعمل هذا السحر واعتقاده. فثبت أن ذلك كفر وأيضاً يدل عليه قوله تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق، يعني - والله أعلم - من استبدل السحر بدين الله ماله في الآخرة من خلاق يعنى من نصيب (وهذا من سمة الكفر؛ فإن المؤمن ولو عاصياً فله في الآخرة نصيب) ثم قال ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير، الآية فجعل ضد هذا الإيمان فعل السحر، لأنه جعل الإيمان في مقابلة السحر، وهذا يدل على أن الساحر كافر. قاله الجصاص (1: 53).
والآن بقى علينا التفحص عن سحر أهل بابل وسحر الشياطين الذي حكم التنزيل بكفره مطلقا أنه أى نوع من أنواع السحر؟ فالتحقيق أنه كان سحرا فيه تعظيم الكواكب واعتقاد ألوهيتها، أو ادعاء أنه معجزة كمعجزات الأنبياء عليهم السلام يدل على ذلك قول إبراهيم وهو يخاطب قومه من أهل بابل لما جن عليه الليل ورأى كوكبا هذا ربى فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، هذا أكبر فلما أفلت قال: يقوم إلى برئ مما تشركون، إلى وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وفيه دلالة على أن قومه كانوا يعتقدون الكواكب والقمر والشمس أربابا من دون الله، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلوة والسلام: «فنظر نظرة في النجوم فقال: إنى سقيم وهو مشعر بكون قومه كانوا ينسبون الحوادث إلى النجوم.
الجزء 1 · صفحة 58
قال الجصاص والدليل على أن المراد بالآية هذا الضرب من السحر ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحرة) زاد ما زاد رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس بإسناد صحيح كما في العزيزى (3: 315) يعنى كلما ازداد من علم النجوم ازداد اقتباسا من السحر). قال وهذا يدل على معنيين أحدهما أن المراد بالآية هو السحر الذي نسبه عاملوه إلى النجوم، وهو الذي ذكرناه من سحر أهل بابل والصائبين، لأن سائر ضروب السحر الذي ذكرنا ليس لها تعلق بالنجوم عند أصحابها. والثاني أن إطلاق لفظ السحر المذموم يتناول هذا الضرب منه، وهذا يدل على المتعارف عند السلف من السحر، هو هذا الضرب منه، ومما يدعى فيه أصحابها المعجزات، وإن لم يعلقوا ذلك بفعل النجوم دون غيرها من الوجوه اللتي ذكرنا، وأنه هو المقصود وبقتل فاعله إذ لم يفرقوا فيه (أى فيها يدعى فيه أصحابها المعجزات) بين عامل السحر بالأدوية والنميمة والسعاية والشعوذة، وبين غيره ومعلوم عند الجميع أن هذه الضروب من السحر لا توجب قتل فاعلها إذا لم يدع فيه معجزة لا يمكن من العباد فعلها انتهى. ولم يدع أن معجزات الأنبياء من جنس ما يفعله من السحر، كما قالت الشياطين في سحرهم: إن سلمان (عليه السلام) ملك الناس بهذا، فرده علماء بني إسرئيل وصلحاء هم، وقالوا: معاذ الله أن يكون هذا من علم سليمان. وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشا في العوام من اليهود أن سليمان عليه السلام كان ساحرا، ولذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فبرأ الله سليمان عليه السلام على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
الجزء 1 · صفحة 59
فتحصل من ذلك أن التنزيل العزيز لم يحكم بالكفر إلا على السحر الذي فيه عبادة غير الله، أو اعتقاد ألوهية، أو ما يدعى فيه أنه معجزة مثل معجزات الأنبياء عليهم السلام، لا مطلقا كما هو مختار المحققين، وإليه يرجع كلام الأئمة، وقد مرمنا تفصيله.
تحقيق تأثر الأنبياء بالسحر: وأما تأثر الأنبياء عليهم السلام بالسحر فقد روى عن عائشة رضى الله عنها: أنه عليه السلام سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، الحديث. وفي رواية: كان صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا رواه البخاري ومسلم. ومثله عن زيد بن أرقم عند النسائي، وفيه: فأتاه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك. وفى مرسل يحيى بن يعمر عن عائشة عند عبد الرزاق: سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنكره بصره. وعنده في مرسل سعيد بن المسيب: حتى كادينكر بصره. ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد: فقالت أخت لبيد بن الأعصم: إن يكن نبيا فيخبر وإلا فيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله. قلت: فوقع الشق الأول، كما في هذا الحديث الصحيح أن الله أفتاه فيا استفتاه فيه، وأتاه ملكان، فقال أحدهما للآخر: إن لبيد بن الأعصم طبه في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، وهو في بئر ذروان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البئر حتى استخرجه الحديث. وفي رواية عمرة عن عائشة: أنه وجد في الطلعة تمثالا من شمع تمثال رسول الله وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا فيه وتر، فيه إحدى عشرة عتمدة فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألما، ثم يجد بعدها راحة، فجعل يقرأ ويحل حتى قام كأنما نشط من عقال (فتح البارى 10: 996).
الجزء 1 · صفحة 60
الحواب عن إيراد الجصاص على حديث تأثر النبي بالسحر: وما قاله الجصاص رحمه الله: إن مثل هذه الأخبار من وضع الملحدين وقال: إنه لم يقل كل الرواة: إنه اللي اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له انتهى فلم أجد له وجها وجيها؛ فإن الحديث قد جاء عن غير واحد من الصحابة، عن غير واحد من الطرق الصحيحة بأسانيد رجالها كلهم ثقات، والذي حمل الجصاص ومن تبعه على رد الحديث أن تجويز هذا بعدم الثقة بما شرعه من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء. وهذا يحط منصب النبوة ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل قلنا: لا مجال لهذا الاحتمال، وإنما يتأتى ذلك لو نقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به، ولم ينقل عنه في خبر من الأخبار ما يوهم ذلك. والدليل قد قام على صدق النبي فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة لأجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، والظاهر من حمل المطلق من الأحاديث على المقيد منها أن المراد بالتخييل المذكور هو ما يتعلق بأمر النساء فقط، فيظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطأ، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك - كما هو شأن المعقود، فيخيل إليه أنه وطئهن. ولم يكن وطئهن. وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه مثله في اليقظة. فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسد، وظواهر جوارحه، لا على تمييزه و معتقده.
الجزء 1 · صفحة 61
قال المهلب: صون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح أن شيطانا أراد أن يفسد عليه صلاته (بشعالة من النار) فأمكنه الله منه، فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ؛ بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل (فى أمر النساء (لا يستمر بل يزول. ويبطل الله كيد الشياطين. وقال بعض العلماء لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة انتهى. من فتح الباري (???:??).
وبالجملة فكان ذلك نظير ما ورد في الروايات الصحيحة من نسيانه صلى الله عليه وسلم أحيانا في الصلوة بمشهد من الصحابة، ولم يلتبس الأمر على أحد لأجله، ولم نسمع بمن خاف ارتفاع الأمن عن النبوة بسببه، بل ألحقوه بسائر العوارض البشرية اللتي ثبت عروضها للأنبياء عليهم السلام من الحمى والوجع ونحوهما، فكذلك تأثره بالسحر في جسده وظواهر جوارحه، وفى طروء النسيان بسببه في بعض أفعاله من الأمور الدنيوية مثل إتيان الأهل ونحوه؛ بل قال أستاذي - رحمه الله تعالى [العلامة بحر العلوم حافظ الحديث مولانا محمد إسحاق البردوانى برد الله مضجعه]: إنه لو لم يتأثر بالسحر أصلا لظن الجهلة به أنه سياحر، لما في زعمهم أن الساحر لا يتأثر بالسحر، فأبطل الله فلتهم ذلك بإحداث أثره في النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، حتى عرفوا بأن سمرهم فيه ثم أخبره الله بمن سحره، فاستخرجه. وفى رواية عمرة عن عائشة: فأخذه النبي، فاعترف، فعفا عنه. وفى مرسل عمر بن الحكم: فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير (التى جعلتها اليهود له) (فتح الباري (:: ???).
الجزء 1 · صفحة 62
وما قاله الجصاص: إنه يلزم عليه تصديق قول الكفرة: «إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، فنقول: كلا، فإن مرادهم بذلك ليس إلا نفى الوحى عنه وحصر ما يتلوه من الكلام فى السحر كما هو ظاهر من كلمات الحصر وسياق النظم، وما قال: إنه يعارض قوله تعالى: (ولا يفلح الساحر حيث أتى، فقد مرمنا جوابه أنه إذا عارض المعجزة.
وأفاد شيخنا حكيم الأمة (متعنا الله تعالى بطول حياته) أن تأثر الأنبياء بالسحر ثابت في حق موسى عليه السلام بنص القرآن، حيث قال: و يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، أى إلى موسى عليه السلام وقال تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى، فالظاهر أنه ظنها حيات فخاف منها على نفسه أو على أمته.
وبالجملة لم يقم دليل عقلى ولا سمعى على امتناع تأثر الأنبياء عليهم السلام به مطلقاً، بل قد وردت الأحاديث الصحيحة بثبوته في الجملة، وهو ظاهر القرآن. نعم: لا يجوز تأثرهم به فيما يتعلق بالتشريع والتبليغ فيجوز فيه تأثرهم به، ولكنه لا يروج عليهم ولا يثبت، بل يكشفه الله عنهم بوحيه، وليس في ذلك ما يسم شان النبوة بسمة نقص، كما لا يسمه عروض النسيان والخطأ في الإجتهاد وأمثالها من العوارض لهم. هذا هو التحقيق في هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.
أقسام السحر وأحكامها، فذلكة: قد تحصل مما ذكرنا أن السحر أقسام، اولكل قسم منه أحكام، فأولها: ما كان فيه اعتقاد أو عمل ما هو كفر كالاستعانة بالشياطين والتقريب إليهم، أو اعتقاد تأثير الكواكب بالاستقلال، أو ادعاء أنه. معجزة كمعجزات الانبياء عليهم السلام، أو عمل ما فيه إهانة القرآن كأن يدعى في كلام مؤلف أنه مثل القرآن أو فوقه فهو كفر إجماعا، وهو المحكوم عليه بالكفر في الكتاب العزيز، وحكم عامله أنه يقتل، ولا يستتاب. والمسلم، والذى، والحر والعبد، والذكر، والأنثى سواء على المختار، كما في الدر ومثله صرح الشامي معزيا للمختارات.
الجزء 1 · صفحة 63
ووجه الفرق بين الكافر بسبب السحر وسائر المرتدين أنه قد جمع أمرين: الارتداد، والسعى بالفساد. والساعي في الأرض بالفساد يستوى فيه الذكر والأنثى والحر والعبد، والمسلم والذى، كما مر عن أبي يوسف. ومن قال في المرأة الساحرة: إنها لا تقتل؛ بل تحبس وتضرب حتى يستيقن توبتها، كالمرتدة كما هو مختار الجصاص، ومثله في الزيلعي عن المنتقى، فلعله في التي ارتدت بسحرها ولم تسع في الأرض بالفساد والإضرار بالمسلمين، وإلا فقتل الساعي بالفساد متفق عليه، ويستوى فيه الذكر والأنثى. ويؤيده ما فى كتاب عمر رضي الله عنه إلى الجرز بن معاوية وهو: عامله على الأهواز: اقتلوا كل ساحر، قال بجالة: فقتلنا في يوم ثلاث سواحر (فتح البارى 6: 185).
وحكم تعلمه وتعليمه أنه حرام على المختار عن الشمني. قلت:: مقتضي الإطلاق تحريمه، ولو تعلم لدفع الضرر عن المسلمين، وقيل بجوازه لدفع الضرر عنهم، كما ذكره الشامي عن ذخيرة الناظر، وفي كراهية الهندية: وعلم يجب الاجتناب عنه وهو السحر، وعلم الحكمة، والطلسمات، وعلم النجوم إلا بقدر ما يحتاج إليه في معرفة الأوقات، وطلوع الفجر، والتوجه إلى القبلة، والهداية في الطريق. إنتهى (5: 387).
الجزء 1 · صفحة 64
وقال الحافظ في الفتح وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضى الكفر كفر، واستتيب منه، ولا يقتل، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضى الكفر عزر) قلت: هذا في تعلمه وتعليمه قبل تعاطيه متفق عليه غالبا وإنما الخلاف في من تعاطاه) قال: وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه. فأما الأول فلا محظور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذ سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم معناً، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، مخلاف تعاطيه والعمل به (قلت: وفيه أن حكاية ما فيه الكفر قولا أو عملا لا يجوز إلا لضرورة، ومجرد المعرفة بالسحر لا ضرورة فيه. وأما كيفية عبادة أهل الأوثان فتعرف بالنظر لا بالقول والعمل فافهم).
وأما الثاني فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلا، والاجاز للمعنى المذكور انتهى (??: ???).
حكمة إنزال الملكين لتعليم السحر: وأما إنزال السحر على الملكين وتعليمها له فلا ينافي ما قلنا؛ لما قال الجصاص: إن الله تعالى أرسل الملكين ليبينا للناس معانى السحر، ويعلموهم أنه كفر وكذب وتمويه، حتى يجتنبوه، كما بين الله على ألسنة رسله سائر المحظورات والمحرمات، ليجتنبوه ولا يأتوه. فلما كان السحر كفر ا، وتمويها، وخداعا، وكان أهل ذلك الزمان قد اغتروا به، وصدقوا السحرة فيما ادعوه لأنفسهم به (من أنهم يأتون بمثل ما يأتى به الأنبياء والرسل من المعجزات، وإن خوارق الأنبياء من جنس السحر أيضاً) بين ذلك على لسان هذين الملكين ليكشفا عنهم غمة الجهل، ويزجراهم عن الاغترار به: كما قال الله تعالى: (وهديناه النجدين، يعنى سبيل الخير والشر، ليجتبى الخير ويجتنب الشر. انتهى بتغيير بسير.
الجزء 1 · صفحة 65
و قال شيخنا - عمت بركاته - فى بيان القرآن: إن الحكمة في إرسال الملكين لكشف هذه الغمة دون أن يبعث لذلك نبي من الأنبياء: إن الأنبياء مظاهر للرشد والهداية، والسحر لا يستتب إلا بنقل أقوال وأفعال هي كفر أو فسق؛ فلا ينبغي لمظهر الهداية والرشد التكلم أو العمل به - ولو على سبيل الحكاية - بخلاف الملائكة؛ فإنهم مأمورون بإحداث كل ما يحدث في العالم من الشر والخير فإن كل ذلك بحسب التكوين حكمة ومصلحة، وبحسب التشريع منقسم إلى قسمين الخير، والشر، على أن الغرض إنما هو تمييز الأنبياء من السحرة، فكان أن يقوم به ثالث غير الفريقين أولى وأخرى، فأرحل الله الملكين لذلك، وهو سبحانه وتعالى أعلم.
وثانيها: ما لم يكن فيه وجه كفر ولكن فيه إضرارا بالمسلمين وسعيا في الأرض بالفساد، فذلك حرام فعله وتعليمه وتعلمه، كما يستفاد من مقدمة رد المحتار. وعامله وإن لم يكن كافرا لكنه يقتل للسعى بالفساد. قال الشامي: ثم إنه لا يلزم من عدم كفره مطلقا. عدم قتله؛ لأن قتله بسبب سعيه بالفساد كما مر، فإذا ثبت إضراره بسحره ولو بغير مكفر يقتل:، دفعا لشره كالخناق وقطاع الطريق (1: 47). سواء حصل هذا السحر بكلمات، أو أدوية معمولة، أو حركات فكرية، أو المسمريزم، أو غير ذلك من الحيل: بل ولو بأدعية أو أذكار أو بآيات من القرآن، فإذا ثبت إضراره بالمسلمين قتل، كما سيأتى التنبيه عليه.
الجزء 1 · صفحة 66
وثالثها: ما لم يكن فيه كفر ولا إضرار بالمسلمين، ولكنه يستلزم معصية في عمله، كاستعمال النجاسات والمحرمات، وتسخير الجنة والجنيات جبرا وقهراً من غير رضاهم به، وترك الذكر والصلوات وما استازم المعصية فهو معصية شرعا، أو يترتب عليه معصية أو مفسدة، كفساد اعتقاد العامة والتلبيس عليهم، كما يفعله أصحاب المسمريزم في زماننا، يخدعون الناس بأنهم يحضرون الأرواح وهى تجيب عما يسألونها، وكل ذلك خداع ومكر، وإنما يخاطبهم روح المعمول به المغشي عليه، فإنه إذا غشى على الرجل أو نام يرى روحه ما لا يرى غيره، والنائم والمغشي عليه إنما لا يجيب من يخاطبه إذا كان النوم والغشي ثقيلا، وأما إذا كان غير ثقيل فإنه يتكلم ويجيب، لا سيما إذا تصرف فيه العامل بقوته الفكرية. لم أر من صرح بذكر هذا النوع وحكمه جزئيا؛ ولكن مقتضى القواعد أن ذلك معصية أيضاً، فإن المفضى إلى المعصية كمستلزمها، وحكم تعليمه وتعلمه كحكم عمله وعامله يعزر ولا يقتل.
ورابعها: ما لا يكون فيه كفر، ولا ضرر، ولا إضرار، ولا معصية، ولا يفضى إلى معصية، ولا يترتب عليه مفسدة، ولا انهماك فهو في نفسه مباح لا بأس به ما لم يقصد به التلهى والتلعب، بل كان لغرض صحيح على أصل صحيح، وإن أريد به التلهى ففيه من التفصيل ما في اللهو واللعب، كما يستفاد كلام الشامي في مقدمة رد المحتار معزياً للخيرة الناظر.
الجزء 1 · صفحة 67
حكم الرقى والعزائم: تنبيه فى الرقى والعزائم: الرقية إذا كانت لغرض مباح بأدعية ما ثورة، أو آيات قرآنية، أو بما يشبهها من الكلمات المنقولة من الصلحاء والمشائخ فهي مما لا بأس بها؛ بل يثاب عليها إذا كانت بما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يرقى بها، وكان الفرض اتباع السنة أو نفع إخوانه المسلمين لا غير. وإن كانت بكلمات فيه استعانة من الشياطين أو الكواكب فلحقة بالسحر المكفر. وإن كانت بكلمات غير معلومة المعنى فكروه؛ مخافة أن يلقى نفسه في تهلكة الكفر. وما كان منها بآيات قرآنية أو أسماء إلهية وأمثالها إلا أن المقصود بها إضرار مسلم، كالتفريق بين الزوجين بلا سبب شرعى، أو تسخير مسلم بحيث يصير مسلوب الاختيار في الحب أو البغض لأحد، أو في بذل المال للعامل فحرام؛ لكونه ظلما. ولعل هذا هو المراد بما ذكره في الخانية في أمر التولة بوزن عنبة - وهي ما يفعل ليحبب المرأة إلى زوجها - أنها حرام، كما في مقدمة رد المحتار؛ وإلا فنفس المحبة بين الزوجين أمر مطلوب شرعا، فكيف يحرم تحصيله بما لا معصية فيه؟ قاله شيخنا حكيم الأمة دام مجده وعلاه ويحتمل أن يكون التولة إذ ذاك مشتملة على كلمات فيها استعانة بغير الله، أو على كلمات غير معلومة المعنى، كما يستفاد من قول الشامي، وعلله ابن وهبان بأنه ضرب من السحر. قال ابن الشحنة: ومقتضاه أنه ليس مجرد كتابة آيات بل فيه شيء زائد انتهى (1: 46).
الجزء 1 · صفحة 68
حكم إطلاق السحر عن المسحور وطريقه: فائدة علق البخاري عن قتادة: قلت السعيد بن المسبب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. فأما ما ينفع فلم ينه عنه. قال الحافظ في الفتح: وقد أخرج أبو داؤد في المراسيل عن الحسن رفعه: و النشرة من عمل الشيطان، ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن عن جابر. قال ابن الجوزى: النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر. وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور فقال: لا بأس به وهذا هو المعتمد، ويجاب عن الحديث والأثر بأن قوله: (النشرة من عمل الشيطان، إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا كان خيرا، وإلا فهو شر. ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره، لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعويذ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة على نوعين.
قال: وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطنت لا تضره، وهى أن يخرج الإنسان في موضع عضاء فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل، ثم يدقه ويقرأ ثم يغتسل به، وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين
حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرا فيه آية الكرسى والقوا قل، ثم يحسوا منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به. فإنه يذهب عنه كل ما به وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. و ممن صرح بجواز النشرة المزنى صاحب الشافعي، وأبو جعفر الطبرى وغير هما.
الجزء 1 · صفحة 69
ثم وقفت على صفة النشرة في كتاب الطب النبوى الجعفر المستغفري عن نصوح بن واصل بخطه قال: سألنى حماد بن شاكر: ما الحل وما النشرة؟ فلم أعرفها فقال: هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها، فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة من قضبان وفأساذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج نارا في تلك الحزمة، حتى إذا حمى الفأس استخرجه من النار وبال على حره، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى: وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيها ماء عذبا، ثم يغلى ذلك في الماء غليا يسيرا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى: قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام اهـ. وحاشد من رواة الصحيح عن البخاي (??: ???).
تحقيق خبر هاروت وماروت: فائدة: قال القاضي ابن العربي في الأحكام له: وإنما سقنا هذا الخبر أى خبر هاروت وماروت - لأن العلماء رووه ودونوه، فخشينا أن يقع لمن يضل به. وتحقيق القول فيه أنه لم يصح سنده (مرفوعا) ولكنه جائز كله في العقل؛ وليس بممتنع أن تقع المعصية من الملائكة (عقلا مطلقا، وبعد تركيب الشهوة فيهم نقلا أيضا، فلم يبقوا إذا ملائكة) وليس يمتنع أن يوجد منهم خلاف ما كلفوه، ويخلق فيهم الشهوات، فإن هذا لا ينكره إلا رجلان أحدهما جاهل لا يدرى الجائز من المستحيل، والثانى من شم ورد الفلاسفة، فرآهم يقولون: إن الملائكة روحانيون، وإنهم لا تركيب فيهم، وإنما هم بسائط، وشهوات الطعام والشراب والجماع لا تكون إلا في المركبات من الطبائع الأربع وهذا تحكم في القولين انتهى (1: 14).
سد الذرائع وحظر التشبه بالكفار
الجزء 1 · صفحة 70
اتفقت الأمة على أن الأمر المباح أو المستحب إذا لحقه منكر، وصار ذريعة لمعصية أو بدعة، وإن لم يكن ذلك من قصد العامل وغرضه، وجب إزالة هذه المعصية كيفما كان. ثم اختلفوا، فمنهم من قال: يترك هذا المستحب رأسا لسد الذرائع المعصية، وحسها لمادة الابتداع في الدين، ومنهم من قال: يزاح هذا المنكر، ولا يترك لأجله المعروف المستحب، وإلى الأول ذهبت الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
ويستدل لهم بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا، الآية (البقرة) حيث قال ابن كثير في تفسيره: نهى الله تعالى عباده أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وأفعالهم، وذلك لأن اليهود كانوا يعانون الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص ـ عليهم لعائن الله ـ فإذا ارادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولوا: (راعنا، ويورون بالرعونة كما قال تعالى: و من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين،. قال البيضاوي و ليا بألستهم،: فتلابها و صرفاً للكلام إلى ما يشبه السب، حيث وضعوا و راعنا و المشابه لما يتسابون به موضع و انظرنا،. ولا يخفى نزاهة ساحة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن يوروا كما كانت اليهود يورون، أو يلووا ألسنتهم كما كانوا يلوون؛ ومعهذا تراهم نهوا عن هذه اللفظة. وما هذا إلا من باب سد الذرائع إلى المنكر، وقطع التشبه بالكفار وهذا أصل أصيل، تتفرع عليه مالا يحصى من الفروع.
ومن ههنا يعلم معنى البدعة الإضافية التي ذكرها العلامة الشاطبي في كتابه الاعتصام ولنذكر ههنا جملة جميلة منها. قال: قد يكون اصل العمل مشروعا ولكنه يصير جاريا مجرى البدعة من باب الذرائع) إلى أن قال) ووجه دخول الابتداع ههنا أن كل ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي ليست بسنة على طريق العمل بالسنة إخراج
الجزء 1 · صفحة 71
للناقلة عن مكانها المخصوص بها شرعا، ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوام ومن لا علم عنده أنها سنة، وهذا فساد عظيم، لأن اعتقاد ما ليس بسنة، والعمل بها على حد العمل بالسنة نحو من تبديل الشريعة، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو بما ليس بفرض أنه فرض، ثم عمل على وفق اعتقاده فإنه فاسد، فهب العمل في الأصل صحيحا، فإخراجه عن بابه اعتقادا أو عملا من باب إفساد الأحكام الشرعية.
ومن ههنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننا قصداً، لثلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض كالأضحية وغيرها، كما تقدم ذلك. ولأجله أيضا نهى أكثر هم عن اتباع الآثار، كما خرج الطحاوى وابن وضاح وغيرهما عن معزوز بن سويد الأسدى قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما انصرفنا إلى المدينة انصرفت معه، فلما صلى لنا صلوة الغداة فقراء فيها و ألم تركيف فعل ربك» و «لإيلاف قريش، ثم رأى ناساً يذهبون مذهباً، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجدا ههنا صلى فيه رسول الله. فقال: إنما هلك كان قبلكم بهذا، يتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعا. من أدركته من الصلوة في شي من هذه المساجد التى صلى فيها رسول الله فليصل فيها، وإلا فلا يعتمدها.
وقال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس - مفتى أهل طرسوس - يقول: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التى بويع تحتها التي (صلى الله عليه وسلم)، فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. وقال بن وضاح: وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك الآثار للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ما عدا قباء وحده (إلى قوله) وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير. وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعد مشروعا
الجزء 1 · صفحة 72
ما ليس معروفا، وقد كان مالك يكره المجينى إلى بيت المقدس، خيفة أن يتخذ ذلك سنة. وكان يكره محتى قبور الشهداء وبكره مجتي قباء خوفا من ذلك، مع ما جاء في الآثار من الترغيب فيه ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه.
وقال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول: لما أتاه سعد ابن أبي وقاص قال: وددت أن رجلى تكسرت وأنى لم أفعل (إلى أن قال) وقال سعيد بن حسان: كنت أقرأ على ابن نافع، فلما قرأت بحديث التوسعة ليلة عاشوراء قال لي: حرق عليه، قلت: ولم ذلك يا أبا سعد؟ قال: خوفا من أن يتخذ سنة
فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفا من البدعة، لأن اتخاذها سنة بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا هو شأن السنة وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك (انتهى كلام الشاطي باختصار).
قلت: وهذا هو مذهب أئمتنا الحنفية رحمهم الله تعالى، ومن ههنا قال الحلبى في شرح المنية تحت) سجدة الشكر وما يفعل عقيب الصلوة): فمكروه، لأن الجهال يعتقدونه سنة أو واجبة، وكل مباح يؤدى إليه فمكروه. وقال الشامي في مكروهات الصلوة من رد المحتار (1: 43): إذا تردد الحكم بين سنة وبدعة كان ترك السنة أولى. ومثله فى جنائز العالمكيرية وزاد فيها: إن ما تردد بين الواجب والبدعة يأتى به احتياطا. وقال الطبي والسيرافي في حواشيها على المشكوة تحت حديث ابن مسعود: لا يجعل أحدكم للشيطان شيئا من صلوته، يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه؛ لقد رأيت رسول الله كثيرا ما ينصرف عن يساره، الحديث ما نصه: فيه أن من أصر على مندوب وجعله عزما، ولم يعمل بالرخصة، فقد أصاب منه الشيطان؛ فكيف من أصر على بدعة أو منكر؟
كذا في مجموعة الفتاوى اللكنوية (?: 295) وبالجملة فسد الذرائع وقطع التشبه بالكفار باب واسع في الدين. تبنى عليه ما لا يحصى من الفروع والأحكام وأصل ذلك كلها ما في هذه الآية الكريمة من الدلالة الواضحة عليه.
الجزء 1 · صفحة 73
وقال ابن العربي: يخرج منه فهم التعريض بالقذف وغيره. قال علمائنا بأنه ملزم للحد خلافا للشافعي وأبي حنيفة، حيث قالا: إنه قول محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. ويمليلنا أنه قول يفهم منه القذف، فوجب فيه الحد، كالتصريح؛ وقد يكون أبلغ. من التصريح في بعض المواضع في الدلالة على المراد، وإنكار ذلك عنادا اهـ (1: 15). قلنا ولكنه مع كونه أبلغ لا يكون أصرح من التصريح بحيث لا يحتمل غير المراد، وإلا لم يكن تعريضا، وهذا هو الشرط في الحد، لا بلاغة الكلام وفصاحته؛ فلا يعرف ذلك إلا الخواص دون العوام. وغاية ما في الآية النهى عن كلام يستعمله أهل الشرير يريدون به غير ما يريد به غيرهم، فنهى الله تعالى المسلمين عن ذلك، لئلا يقتدى بهم الكفار في اللفظ ويقصدون المعنى الفاسد فيه، فيتشابها في الظاهر. ولا دلالة فيها على مسئلة الحد بالتعريض أصلا، فافهم وتدير.
مباحث النسخ
قوله تعالى: {و ما تنسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} الآية قال الإمام الراغب: النسخ إزالة شيء بشي يتعقبه، كنسخ الشمس الظل أو الظل الشمس، والشيب الشباب. فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات: وتارة يفهم منه الأمران. ونسخ الكتاب: إزالة الحكم بحكم يتعقبه، قال تعالى: ه ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها، قيل: معناه ما نزيل العمل بها أو نحذفها عن قلوب العباد، وقيل: ما نوجده وننزله من قولهم: نسخت الكتاب إذا كتبه عن معارضة. (قاموس) انتهى وفى القاموس نسخه كمنعه أزاله وغيره وأبطله واقام شيئا مقامه، والشي مسخه. وهذا الكلام كله في موضوع النسخ في أصل اللغة ومهما كان في أصل اللغة معناه فإنه في إطلاق الشرع: إنما هو بيان مدة الحكم، كذا ذكره الجصاص.
الجزء 1 · صفحة 74
وقوله تعالى: " أو ننسها "، وقرى: " أو ننسأها،" فعلى الأول هو من النسيان، وعلى الثانى من النسأ - مهموزاً - بمعنى التأخير، يقال: نسأ الله في أجلك وأجلك أخره ومده، ومنه النسيئة بيع الشئ بالتأخير - فإذا أريد به النسيان فإنما هو أن ينسيهم الله تعالى التلاوة حتى لا يقرأ ذلك، ويكون على أحد وجهين: إما أن يؤمروا بترك تلاوته فينسوه على الأيام، وجائز أن ينسوه دفعة ويرفع من أذهانهم، ويكون ذلك معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام. وأما معنى قراءة و أو ننساها، فإنما هو بأن يؤخرها، فلا ينزلها وينزل بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة أو يكون أصلح للعباد منها. ويحتمل أن يؤخر إنزالها إلى وقت يأتي فيأتي بدلا منها لو أنزلها في الوقت المتفهم فيقوم مقامها في المصلحة (جصاص بلفظه).
وأما قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} فإنه روى عن ابن عباس رضى الله عنه وقتادة و بخير منها، لكم في التسهيل والتيسير كالأمر بأن لا يولى واحد من عشرة في القتال ثم قال: والآن خفف الله عنكم، الآية و أو مثلها كالأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد ما كان إلى البيت المقدس. وروى عن الحسن بخير منها، في الوقت في كثرة الصلاح، «أو مثلها، فحصل من اتفاق الجميع أن المراد خير لكم؛ إما في التخفيف، أو في المصلحة. ولم يقل أحد منهم و بخير منها، في التلاوة إذ غير جائز أن يقال: إن بعض القرآن خير من بعض في معنى التلاوة والنظم، إذ جميعه معجز كلام الله (جصاص بلفظه).
الجزء 1 · صفحة 75
واتفقت أهل الشرائع على جواز النسخ و وقوعه، وخالفت اليهود غير العيسوية في جوازه، وقالوا: يمتنع عقلا، وأبو مسلم الإصفهاني في وقوعه فقال: إنه وإن جاز عقلا لكنه لم يقع، كذا في الروح. وقال الجصاص:: زعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد به نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين كالسبت والصلوة إلى الشرق والغرب. وقد كان هذا الرجل ذا حظ البلاغة وكثير من علم! اللغة غير محظوظ من علم الفقه وأصوله، وكان سليم الإعتقاد غير مظنون به، غير ظاهر أمره، ولكنه بعد من التوفيق بإظهار هذه المقاله؛ إذ لم يسبقه إليها أحد، بل قد عقلت الأمة سلفها وخلفها من دين الله وشريعته نسخ كثير من شرائعه، و نقل ذلك إلينا نقلا لا يرتابون به ولا يجيزون فيه التأويل، كما قد عقلت أن في القرآن عاما وخاصا ومحكما ومتشابها، فكان دافع وجود النسخ في القرآن كدافع خاصه وعامه ومحكمه ومتشابهه، إذ كان ورود الجميع ونقله على وجه واحد. فارتكب هذا الرجل في الآى المنسوخة والناسخة وفى أحكامها أموراً خرج بها عن أقاويل الأمة (انتهى كلام الجصاص باختصار 1: 68).
أنواع النسخ: ثم إن فقهاء الأمة بعد اتفاقهم على وقوع النسخ في القرآن اختلفوا فيه في مواضع:
الجزء 1 · صفحة 76
الأول نسخ الكتاب بالسنة وعكسه، فقد جوزه أئمتنا الحنفية خلافا للشافعية رحمه الله، واستدلوا بقوله تعالى: (نأت بخير منها، على عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة؛ فإنها ليست خيرا من الكتاب البتة. وأجاب عنه الجصاص بأن هذا إغفال من قائله من وجوه: أحدها أنه غير جائز أن يكون المراد و بخير منها، في التلاوة والنظم لاستواء الناسخ والمنسوخ في إعجاز النظام. والآخر اتفاق السلف على أنه لم يرد النظم، لأن قولهم فيه على أحد المعنيين: إما التخفيف أو المصلحة، وذلك يكون بالسنة كما يكون بالقرآن، ولم يقل أحد منهم أنه أراد التلاوة. فدلالة هذه الآية على جواز نسخ القرآن بالسنة أظهر من دلالتها على امتناع جوازه بها (جصاص ?: 68).
ولما ثبت أن النسخ في اصطلاح الشرع بيان مدة الحكم النحل الإشكال عن نسخ الكتاب بالسنة وعكسه؛ فإن السنة عامتها بيان للكتاب بلا خلاف، وكذلك الكتاب قد يبين مدة حكم شرع على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وما قيل: إن في نسخ الكتاب بالسنة مظنة تهمة على الرسول صلى الله عليه وسلم وفى عكسه تنقيص لشأنه في الظاهر، فنشأه الغلط في معنى النسخ الاصطلاحي، والتخلص من أمثال هذه الأوهام والأغاليط مما لا يمكن كما ترى.
والاختلاف الثاني أن بعضهم لا يجوزون أن يكون الناسخ أشق، مستدلا بقوله تعالى: «بخير منها أو مثلها، وقد ظهر وهنه مما ذكرناه من كلام الجصاص من أن المراد بالخيرية والمثلية يحتمل المغنيين التخفيف أو المصلحة، ولا يخفى أن الأشق ربما يكون أصلح.
الجزء 1 · صفحة 77
والثالث أن الزيادة على النص نسخ أم لا؟ فأقره الحنفية وأنكره الشوافع. وتقريره على ما في التوضيح أن المختلف فيها بيننا وبينهم زيادة الجزء وزيادة الشرط، وأما زيادة الجزء فإما تكون بثلاثة أمور: الأول بالتخيير في اثنين بعد ما كان الواجب واحداً، فالزيادة ههنا ترفع حرمة ترك ذلك الواجب الواحد. والثاني بالتخيير فى الثلثة بعد ما كان الواجب أحد اثنين، فالزيادة ههنا حرمة ترك أحد هذين الأثنين. والثالث بإيجاب شئ زائد، فالزيادة ههنا ترفع أجزاء الأصل. وأما زيادة الشرط فإنها ترفع أجزاء الأصل (توضيح بلفظه). وبالجملة فزيادة الجزء والشرط يستلزم رفع حكم شرعى البتة، ولا معني للنسخ سواه على ما عرفت فدلت الآية بلفظ النسخ على ما ذهب إليه الحنفية رحمهم الله تعالى. و الله سبحانه وتعالى أعلم.
حكم المساجد ودخول أهل الذمة فيها
المساجد وقف للمسلمين عامة: قوله تعالى: (مساجد الله، يقتضي أنها الجميع المسلمين عامة الذين يعظمون الله تعالى. وهذا حكمها بإجماع الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها، فصارت عامة الجميع المسلمين بمنفعتها ومسجديتها، فلو بنى الرجل فى داره مسجدا وحجره عن الناس واختص به لنفسه لبقى على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم لكان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك. وقوله تعالى: (أو لئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، يعنى إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم، فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها، يعنى إن دخلوها فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم منها، وأذيتهم على دخولها. وهذا يدل أنه ليس للكافر دخول المسجد بحال اه من ابن العربي (ص 15). وأقر الجصاص دلالة الآية على ذلك، وقال: وأصحابنا يجيزون لهم دخول المسجد: وسنذكر ذلك في مواضعه انتهى (1: 61)
الجزء 1 · صفحة 78
وجه تجويز أبى حنيفة دخول أهل الذمة المساجد: قال في الروح: وإنما جوز أبو حنيفة دخول أهل الذمة المساجد لهذه الآية، فإنها تفيد دخولهم بخشية وخشوع (وأهل الذمة كذلك يدخلون، وأما أهل الحرب فليس لهم ذلك إلا أن يأذن لهم المسلمون ويدخلوا كأهل الذمة بخشية و خضوع) وقد صح أن وفد ثقيف قدموا عليه عليه الصلوة والسلام فأنز لهم المسجد، وصح عنه (صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الفتح:" و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن ". وأما قوله تعالى: ه إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، فالمراد به النهى عن دخولهم الحرم بقصد الحج) بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان، وإلا فهو محمول على التنزيه، فافهم.
حكم القبلة
قال الجصاص: اختلف أهل العلم فيمن صلى في سفر مجتهدا إلى جهة تم تبين أنه صلى لغير القبلة، وقال أصحابنا جميعا، والثوري: إن وجد من يسأله فيعرفه جهة القبلة فلم يفعل لم تجز صلاته، لأن هذا ليس موضع اجتهاد، وإنما أجزنا صلاة من اجتهد في الحال التى يسوغ الاجتهاد فيها، وإذا وجد من يسئله عن جهة القبلة لم يكلف أن يصلى باجتهاده؛ وإنما كلف المسئلة عنها. فإذا لم يجد من يعرفه جهتها فصلاها باجتهاده أجزأته صلاته، سواء صلاها مستدبر القبلة، أو مشرقا، أو مغربا عنها. وروى نحو قولنا: عن مجاهد، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، وعطاء، والشعبي. وقال الحسن، والزهرى، وربيعة: يعيد في الوقت: فإذا فات الوقت لم يعد. وهو قول مالك رحمه. وروى عنه إنما يعيد في الوقت إذا صلاها. ا مستدير القبلة، أو شرق، أو غرب؛ وإن تيامن قليلا أو تياسر قليلا فلا إعادة عليه. وقال الشافعي رحمه الله: من اجتهد فصلى إلى المشرق ثم رأى القبلة في المغرب استأنف، فإن كانت شرقا ثم رأى أنه منحرف، فتلك جهة واحدة وعليه أن ينحرف ويعيد بما مضى.
الجزء 1 · صفحة 79
من اشتبه عليه القبلة فصلى باجتهاده جازت صلوته إلى أى جهة صلاها: قال الجصاص: ظاهر الآية يدل على جوازها إلى أى جهة صلاها، وذلك أن قوله تعالى: و فثم وجه الله، معناه فثم رضوان الله، وهو الوجه الذي أمر ثم بالتوجه إليه، وقد روى في حديث عامر بن ربيعة وجابر اللذين قدمنا أن الآية في هذا أنزلت انتهى (?: ??).
قلت: حديث عامر أخرجه الترملى عنه بلفظ: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أبن القبلة؟ فصلى كل رجل منا على خياله. فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله الله، فنزل: (فأينما تولوا فثم وجه الله». وفيه أشعث بن سعيد السمان، قال الترمذى: يضعف في الحديث، وقال البخاري: ليس بمتروك ولا بالحافظ عندهم، وقال ابن عدى: مع ضعفه يكتب حديثه، وقال الفلاس: كان لا يحفظ وهو رجل صدق، كما في التهذيب. ومثله يكون حسن الحديث في الدرجة الثانية.
وفى الباب عن معاذ بن جبل، رواه الطبراني ولم يعلله الهيثمي في مجمع الزوائد بشيء، وعن جابر بن عبد الله عند الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث محتج برواته كلهم غير محمد بن مسلم، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح. وتعقبه الذهبي وقال هو أبو سهل واه، انتهى. كذا في الإعلاء (2: 136) قلت: تابعه عبدالملك بن أبي سليمان العزرمى عن عطاء عن جابر بنحوه عند الجصاص في الأحكام له. وعبد الملك هذا صدوق من رجال مسلم والأربعة.
وفى الباب عن طلق بن على أن قوما خرجوا في سفر، فصلوا فتاهوا عن القبلة، فلما فرغوا تبين لهم أنهم كانوا على غير القبلة فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (تمت صلوتكم .. وروى ابن طيعة عن بكر بن سوادة عن رجل سأل ابن عمر عمن يخطئ القبلة في السفر ويصلى قال: «فأينما تولوا فثم وجه الله (1:1).
الجزء 1 · صفحة 80
فهذه آثار عديدة يقوى بعضها بعضا - قد يحسن الحديث بتعددها، كما قاله القاري في شرح النقاية (1: 66) - تدل على أن سبب نزول الآية كان صلاة هؤلا الذين صلوا إلى غير القبلة اجتهادا، فإن قيل: روى أنها نزلت في التطوع على الراحلة (قاله ابن عمر، وسنده صحيح كما في الأحكام لابن العربي (1: 16) وروى أنها نزلت في بيان القبلة. قلنا: لا يمتنع أن يتفق هذه الأحوال كلها، ونزلت الآية في جميعها؛ فلا منافاة في تعدد أسباب النزول والله تعالى أعلم. وإذ تقرر ذلك فقوله تعالى: و أينما تولوا فثم وجه الله. عموم في كل جهة، سواء كان مستدبر القبلة أو مشرقا عنها أو مغربا، فلا معنى التخصيص شيء منها بلا دليل.
عتق الولد إذا ملكه أبوه
قال الجصاص: قوله تعالى:: وقالوا اتخذ الله ولدا، سبحانه، بل له ما في السموات والأرض، فيه دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده، لأنه تعالى نفي الولد بإثبات الملك بقوله: «بل له ما فى السوات والأرض، يعنى ملكه وليس بولده، فاقتضى ذلك عتق ولده عليه إذا ملكه. وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده فقال عليه السلام: و لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقته. فدلت الآية على عتق الولد إذا ملكه أبوه. واقتضى خبر النبي صلى الله عليه وسلم عتق الوالد إذا ملكه ولده.
وقال بعض الجهال: إذا ملك أباه لم يعتق عليه حتى يعتقه، لقوله: فيشتريه فيعتقه، وهذا يقتضى عنما مستأنفا بعد الملك. فجهل حكم اللفظ في اللغة والعرف جميعا، لأن المعقول منه فيشتريه فيعتقه بالشرى، إذ قد أفاد أن شراه موجب لعتقه. وهذا كقول النبي: و الناس غاديان: فبائع نفسه فمويقها ومشتر نفسه فمعتقها، يريد أنه معتقها بالشرى لا باستثناف عنق بعده انتهى (66:1).
الجزء 1 · صفحة 81
قلت: ولو استدل لذلك بقوله: و من ملك فارحم محرم فهو حر) لكان أحسن. والحديث رواه أحمد، وأبو داؤد، والنسائى، وابن ماجه، والحاكم وقال: على شرطها وأقروه، كما في العزيزي (3: 364).
خلال القطرة
قال ابن العربي في قوله تعالى: (وإذا بتلى إبراهيم ربه بكلمات، الآية: ما تلك الكلمات؟ وقد اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا، لبابه قولان: أحدهما أنها شريعة الإسلام، فأكملها إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: و ما قام أحد بوظائف الدين مثله، يعنى - والله أعلم - قبله، فقد قام بها بعده كثير من الأنبياء وخصوصا سيدنا محمدا، الثاني أنها الفطرة التي أوعز الله تعالى بها إليه ورتبها عليه. وروت عائشة رضى الله عنها في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، و انتقاص الماء - ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة:. وروى عمار بن ياسر الحديث وقال: " والاستنشاق " وزاد " الختان " وذكر " الانتضاح " بدل " انتقاص الماء ".
وقد قال بعض علمائنا: إن معنى قوله: إنها من الفطرة يعنى من السنة. وإنا نقول: إنها من الملة، وقد روى أن إبراهيم ابتلى بها فرضا، لنا سنة وهى والذي يصح أن إبراهيم عليه السلام ابتلى بها تكليفا غير معين من الفرض أو الندب في جميعها أو انقسام الحال فيها، وقد اتفقت الأمة على أنها من الملة، واختلفوا في مراتبها. فأما قص الشارب، وإعفاء اللحية فمخالفة للأعاجم، فإنهم يقصون لحاهم ويوفرون شواربهم أو يوفرونها معاً. وأما الختان فقد اختلف العلماء فيه فرأى الشافعي أنه سنة، لما قرن به من إخوته فى هذا الحديث، ورأى مالك أنه فرض؛ لأنه تكشف له العورة؛ ولا يباح الحرام إلا للواجب انتهى ملخصا (1: 16).
الجزء 1 · صفحة 82
قلت: فلا يتم الاستدلال بقوله: (عشر من الفطرة على كون الكل سنة غير واجبة كما زعمه بعض الجهال في زماننا، قالوا: إعفا اللحية وقص الشارب سنة لا يفسق تاركها، لأن المراد بالفطرة الملة؛ فإن لفظة السنة في لسان الشارع أعم من السنة في اصطلاح الأصوليين.
دليل وجوب إعفاء اللحية وقص الشارب: وقد قام الدليل على وجوب إعفاء اللحية وقص الشارب، وهو ما رواه أحمد والنسائى والترمذي وقال: حديث صحيح عن زيد بن أرقم رضى الله عنه قال: قال رسول الله: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا، وهذا وعيد لا يرد مثله إلا على ترك الواجب. وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله: و جزوا الشوارب وارخوا اللحى، خالفوا المجوس) رواه أحمد ومسلم. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: و خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب، متفق عليه، زاد البخاري ه وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه، كذا في النيل (1: 111). والأمر للوجوب، كما تقرر فى الأصول. والمراد بالمشركين في حديث ابن عمر المحوس كما ورد في حديث أبي هريرة عند مسلم، فإنهم كانوا يقصون لحاهم ومنهم من كان يحلقها، قاله الحافظ في الفتح (10: 296).
وفيه أيضا: قال أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد ممن نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها (??: ???). وفيه أيضا من رواية ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول الله المجوس فقال: إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم، قال: فكان ابن عمر يستقرض سبلته فيجزها كما يجز الشاة أو البعير. أخرجه الطبرى والبيهقي (10 296).
الجزء 1 · صفحة 83
إن الأخذ من اللحية وهى دون القبضة لم يبحه أحد: وقال العلائي في كتاب الصوم من الدر قبيل فصل العوارض: إن الأخذ من اللحية وهي دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة و مخنثة الرجال - لم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهنود ومجوس الأعاجم انتهى فحيث أدمن على فعل هذا المحرم يفسق وإن لم يكن ممن يستخفونه ولا يعدونه قادحا للعدالة انتهى، من تنقيح الفتاوى الحامدية (1: 369). ولما بعث باذان اليمن كتاب كسرى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) مع قهر مانه وبعث معه رجلا آخر من الفرس، فلما قد ما عليه و المدينة، وكانا على زى الفرس من حلق لحاهم وإعفاء شوار بهم، كره صلى الله عليه وسلم النظر إليهما، ثم قال لهما: ويلكما: من أمركما بهذا، قالا: أمرنا ربنا - يعينان كسرى - فقال رسول الله: ولكن أمرني ربي بإعفاء لحيتى وقص شاربي، الحديث كذا في السيرة الحلبية (?: ?) وفيه دلالة وأى دلالة على أنه كره ذلك للكفار فضلا عن المسلمين وكره النظر إلى من حلق اللحية ووفر الشوارب. وفيه أيضاً أن ذلك لم يكن من عوائد العرب، فلم ينقل قط أنه (صلى الله عليه وسلم) كره النظر إلى أحد من العرب لأجل زيه. وفى ذلك أوضح دليل على حرمة الفعل وشناعته، فافهم ولا تكن من الجاهلين.
عصمة الأنبياء عليهم السلام
الجزء 1 · صفحة 84
قوله تعالى: و قال إنى جاعلك للناس إماما، قال: ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين، الإمام اسم للقدوة الذى يؤتم به، وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملا للنبي والخليفة وإمام الصلوة، بل كل من يقتدى به في شيء ولو باطلا؛ إلا أن المراد به ههنا النبي المقتدى به، فإن من عداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته، ولأن الله تعالى أسند هذا الجعل إلى نفسه خاصة، وهو يليق بالنبوة لأن الإمامة المتنازع فيها مسند إلى جعل الناس، لأنها شورى. وإذا تقرر أن المراد بالإمامة النبوة فهى المرادة بالعهد في قوله: و لا ينال عهدي الظالمين، لكونه في جواب قول إبراهيم: (ومن ذريتي، أي اجعل بعض ذريتي إماما أيضاً. وإنما عبر عنها بالعهد للإشارة إلى أنها أمانة الله تعالى وعهده الذي لا يقوم به إلا من شاء الله تعالى من عباده.
دليل عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل النبوة: وفيه دلالة على عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة لأن كل ذنب ظلم، لأنه تجاوز عن الحق وتعد عليه؛ وكثير من الذنوب يسمى ظلما في الشرع. فدلت الآية على أن نيل النبوة لا يجامع الظلم السابق، فإذا تحقق النيل كما في الأنبياء علم عدم اتصافهم حال النيل بالظلم السابق.
الجزء 1 · صفحة 85
والقول بأن المتبادر من الظلم الكفر، لأنه الفرد الكامل من أفراده، كما في الروح، پرده كونه في جواب من سأل النبوة لبعض ذريته، ويبعد منه كل البعد أن يسأ لها للمؤمن منهم والكافر جميعا؛ فإن عدم صلاحية الكافر لهما مما لا يخفى على مؤمن على فضلا عن نبي جليل مثل إبراهيم الخليل صلوة الله وسلامه عليه. فالحق أن المراد بالظلم خلاف العدل، فكل نبي معصوم عن الكبائر من الذنوب. فيما نقل عن الأنبياء مما يشعر بكذب أو معصية فما كان منقولا بطريق الآحاد فردود، وما كان منقولا بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن؛ وإلا فمحمول على ترك الأولى، أو كونه قبل النبوة، وتفصيل ذلك في الكتب المبسوطة. كذا في الأحمدية (ص: ??). ومن أصحابنا من جعل الآية دليلا على أن الفاسق لا يصلح للخلافة، ومبنى ذلك حمل العهد على الإمامة، وجعلها شاملة للنبوة والخلافة وحمل الظالم على من ارتكب معصية مسقطة للعدالة.
الجواب عن استدلال الشيعة على نفى إمامة الصديق وصاحبيه: واستدل بها بعض الشيعة على نفى إمامة الصديق وصاحبيه رضى الله تعالى عنهم، حيث أنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك وإن الشرك لظلم عظيم، والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة. وأجيب بأن غاية ما يلزم أن الظالم فى محال الظلم لا تتأله، والإمامة إنما نالتهم - رضى الله عنهم - في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم. وأنت خبير بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التي يدعونها، ودون إثباته خرط القتاد.
أحكام الحرم
الجزء 1 · صفحة 86
قوله تعالى: {وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} إنما هو حكم منه بذلك لا خبر، وكذلك قوله تعالى: (ومن دخله كان أمنا .. كل هذا من طريق الحكم لا على وجه الإخبار بأن من دخله لم يلحقه سوء، لأنه لو كان خيرا لوجد بخيره على ما أخبر به، وقد قال في موضع آخر: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلو كم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم}، فأخبر بوقوع القتال فيه، فدل أن الأمر المذكور إنما هو من قبل حكم الله تعالى بالأمن فيه، وأن لا يقتل العائذ به واللاجئ إليه. وكذلك كان حكم الحرم منذ عهد إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا، وقد كانت العرب في الجاهلية تعتقد ذلك للمحرم وتستعظم القتل فيه، على ما كان بقى فى أيديهم. من شريعة إبراهيم عليه السلام. وأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) (في غير ما حديث صحيح) أن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض، وحظر فيها سفك الدماء، وأن حرمتها باقية إلى يوم القيامة. وأخبر أن من تحريمها تحريم صيدها وقطع الشجر والكلأ، ومع ما حرم الله تعالى من حرمتها بالنص فإن من آياتها ما يشاهد فيها من أمن الصيد فيها، وذلك أن سائر بقاع الحرم مشبهة لبقاع الأرض، ويجتمع فيها الظبي والكلب، فلا. بهيج الكتب الصيد ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه عاد هو إلى النفور والحرب. وذلك دلالة على توحيد الله سبحانه وتعالى. وقد روى عن جماعة من الصحابة حظر صيد الحرم وشجره، ووجوب الجزاء على قتله أو قطعه. انتهى ملخصا من الخصاص (1: 74).