الجزء 1 · صفحة 1
كمال الدراية بجمع الرواية والدراية
شرح ملتقى الأبحر
للعلامة محمد بن ولي بن رسول الإزميري الحنفي
توفي سنة (1165هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 7
كمال الدراية وجمع الرواية والدراية
شرح ملتقى الأبحر
تأليف
العلامة محمد بن ولي بن سول الإزميري الحنفي
توفي سنة (1165) هـ
المجلد الأول
الجزء 1 · صفحة 8
(بسم الله الرحمن الرحيم) خطْبَةُ الْكِتَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(بسم الله الرحمن الرحيم)
[مقدمة المؤلف]
يا واجب الوجود، ويا مفيض الخير والجود ويا معلي معالم العلم وأعلامه ويا مظهر شعائر الشرع وأحكامه، ويا مرسل الرسل صلوات الله تعالى عليهم أجمعين، إلى سبيل الحق هادين، ويا مُخلِفَهم علماء إلى سنن سبلهم داعين، كيف لا أحمدك أنت الذي [امتنت] على عبادك المخلصين والمخلصين، وحليت ظواهرهم وبواطنهم بالتجليات العرفانية والنفحات الامتنانية الإحسانية، والتخلقات القرآنية والملكات الرضوانية، حتى استعدوا للاختصاصات، الرحمانية، وهدى إلى الصراط المستقيم.
وكيف لا أصلي على حبيبك الأعظم، محمد مظهر الاسم الأعظم، ممد الهمم من دفائن الجود والكرم، مظهر مكارم الأخلاق على وجه الأكمل والأتم، حتى نفعه على الصحيح والسقيم، والمسافر والمقيم، صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول الفقير محمد بن ولي بن رسول القرشهري نزيل أزمير لما من الله تعالى علي بجعله من جملة المشتغلين بكتابه العظيم ومن متابعي سنن نبيه الكريم، وعصمني من مخالفة أهل السنة والجماعة، وحملني على اعتقاد الحق وإلهام الصدق .. صرفت العنان والعناية في طلب التحقيق إلى حضرة لطفه الذي هو مصدر التوفيق، وترددت إلى مجالس مجاورة العلماء العظام، وتزودت من لطائف مناظراتهم الأعلام، فشرعت أقتنص الشرائف من مواردهم، وأقتبس الفرائد من فوائدهم، ولم أزل في تخلية أفكاري بدُرَرٍ انتشرت من أقلامهم على القراطيس، ولم أنل في تخلية أسراري غير غُررٍ أسفرت عند الصبح في أفق التدريس، فألفت أولاً
الجزء 1 · صفحة 9
.....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيما يكمل بتحصيله القوة النظرية متناً، ثم شرحته شرحاً تكميلاً لها، ثم أردت أن أؤلف فيما يكمل بتحصيله القوة العملية، فاشتغلت أولاً بأصوله برهة من الزمان وعلّقت فيه على المختصر الموسوم بالمرآة» ما وفقت، ثم جمعته جمعاً يتوسل به إلى عكوسها، ثم رأيت المختصر المنسوب إلى مولانا الشهير بالحلبي الموسوم ب- ملتقى الأبحر» حاوياً لأكثر، قواعده جامعاً لأوفر فوائده، مشيراً إلى المختار من الفتوى، فشرحته شرحاً جامعاً لدلائله وشواهده كاشفاً لمغلقاته، مزيلاً لمعضلاته متمسكاً بحبل التوفيق، مستهدياً إلى سواء الطريق، مشيراً فيه إلى مواضع الخلاف بين الأئمة، ولما تيسر لي إتمامه، وختم بالخير اختتامه .. جبرته بدعاء من أيده الله تعالى بالسلطنة العظمى والخلافة الكبرى، وزاده بسطة في الفضل والندى وشيد ملكه بجنود لا قِبَل لها، وأيده بمعقبات من السماوات العلى، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه بأمر ربه الأعلى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ليحق به الحق ويقطع دابر الكافرين.
أعني به حضرة السلطان الأعظم، والخاقان الأكرم، مالك رقاب الأمم من طوائف العرب والعجم، المختص من لدن حكيم عليم، بفضل ميم ولطف عميم، شمل الورى ألطافه وعمهم أعطافه السلطان بن السلطان السلطان الغازي مصطفى خان بن السلطان محمد خان هو الذي رفع رايات العلم والكمال بعد انطماسها، وعمر مرابط الفضل والأفضال بعد تدارسها، فعادت رياض العلوم إلى ردائها مخضرة الأطراف، وآضت حدائقها إلى بهائها مزهرة الجوانب والأكناف، وسميته ب كمال الدراية وجمع الرواية والدراية مستعيناً بالله تعالى، وهو المستعان في كل وقت و آن وعليه التكلان.
وها أنا أشرع فيما أردت جمعه وترتيبه، فأقول: لما كان الاقتداء بأسلوب
الجزء 1 · صفحة 10
الْحَمدُ للهِ الذِي وفَقَنَا للتَّفقُهِ فِي الدِّينِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب المجيد، والعمل بحديثي الابتداء من أهم الأمور في أمثال هذا المقام .. قال رحمه الله بعد التسمية (الحمد) قدمه وإن كان ذكر المحمود أهم في نفسه؛ رعاية للمقام؛ فإن قيل: المقام مقام من تحمد لا ما تفعل؛ لأن مقام التصنيف يعيّن فعل الحمد، وإنما الاشتباه في المحمود؛ لاحتماله لكل من يُعينه في التحصيل من الأستاذ والشركاء، فالمناسب: «الله أحمد» .. قلنا: ممنوع، بل المناسب «أحمد الله» لاهتمام المقام، لكنه عدل إلى الاسمية بقصد الدوام والثبات.
(الله) أصله إلاه حذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف، ثم جعل علماً لذات الواجب الوجود.
وقيل: إنه علم ابتداء بلا تصرف فيه أصلاً.
وقيل: إنه اسم لمفهوم الواجب لذاته، وهذا المفهوم كلي انحصر في فرد، فلا يكون الاسم الموضوع بإزائه علماً؛ لأنه جزؤه.
والصحيح كونه علماً، وإلا .. لما أفاد «لا إله إلا الله» التوحيد؛ لأن الكلي في نفسه يحتمل الكثرة، ولأنه لا بد للذات المنزهة من اسم يجري عليه أوصافه وذلك لا يكون إلا بوضع العلمية؛ لأن الغلبة الاسمية لا يكفي في ذلك على الأصح، وإن قال بعض المحققين فإن قيل: وضع العَلَم يقتضي علم الواضع بكنه ذات العلم، والعِلْمُ بكنه ذات الواجب تعالى غير ممكن أو غير واقع للبشر، على الاختلاف المشهور .. قلنا: العلم بأوصافه كاف في وضع العلم بلا حاجة إلى العِلم بكنهه، ولو سُلّم .. لكان الواضع هو الله تعالى لا البشر.
ثم إنه عربي، وقيل: معرب من العبر أو العبراني أو السرياني.
(الذي وفقنا للتَّفْقُهِ في الدِّين) إشارة إلى المحمود عليه.
الدين: «وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة، باختيارهم المحمود، إلى ما هو الخير لهم بالذات».
الجزء 1 · صفحة 11
الذي هُوَ حبله المتين، وفَضْلُهُ المُبينُ، ومِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فخرج بالإلهي: الأوضاع البشرية نحو الرسوم السياسية والتدبيرات المعاشية والصناعية.
وسائق: الأوضاع الإلهية الغير السائقة كإنبات الأرض وإمطار السماء.
وبذوي العقول: الأوضاع الإلهية الطبيعية التي لا تختص بذوي العقول؛ كالطباع التي تهتدي بها الحيوانات لخصائص منافعها ومضارها.
وبالاختيار الأوضاع الاتفاقية والقسرية كالوجدانيات.
وبالمحمود: الكفر.
(الذي هو حبلُه المتين الحبل: الرباط على ما في «القاموس»، أي: ما يربط به، ولا يخفى عليك ما فيه من التشبيه وفي إضافته إلى الله إشارة إلى ما ذكرناه من تعريف الدين.
ومتانته: عبارة عن استحكامه بحيث لا يقبل النسخ أصلاً، وأن من تدين به نجا
في الدارين.
وفضلُهُ) يعطيه من يشاء؛ إذ لا وجوب ولا إيجاب عليه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
(المُبينُ) أي الواضح أو الموضح.
وميراثُ الأنبياء والمرسلينَ) من قبيل عطف الخاص على العام والأصح عدم التعيين في العدد.
وفيه إشارة إلى أن الأنبياء عليهم السلام كلهم على عقيدة واحدة لا خلاف بينهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين على ما أشار إليه قوله تعالى: {أُولَيك الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ اقْتَدِة}، وإنما الخلاف في الشرائع؛ فإنها مختلفة، ولذا اختلف مشايخنا في أن نبينا هل هو متعبد بشريعة من قبله قبل بعثته، أم لا؟
قيل: إنه متعبد.
الجزء 1 · صفحة 12
وحُجَّتُهُ الدَّامِغَةُ عَلَى الخلقِ أَجْمَعِينَ، ومَحَجَّتُهُ السَّالَكةُ إِلَى أَعلَى عِلَّتِينَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: لا.
ومنهم من توقف.
ثم اختلف القائلون بالتعبد.
فقيل: بشريعة نوح.
وقيل: بشريعة إبراهيم.
وقيل: بشريعة موسى.
وقيل: عيسى.
وقيل: آدم عليهم السلام.
وحُجَّتُهُ الدَّامِغَةُ) أي: الواصلة إلى النفوس السليمة، بحيث يقطع عروق الشبه والشكوك يقال: «دمغ رأسه» ضربه حتى وصل الضرب إلى دماغه، ولا يخفى ما فيه من التشبيه.
على الخلقِ أَجْمَعينَ): فيه إشارة إلى أن نبينا خاتم الأنبياء مبعوث لجميع الخلائق؛ من الإنس والجن والمَلَكِ، حتى الجمادات بأن ركب [فيها] العقل و آمنت به ولجميع من تقدمه من الأنبياء وأممهم، ولنفسه أيضاً.
وأن الأنبياء نوابه في تبليغ الشرائع على ما صرحوا به بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ به و لتنصرنه}
ومحجَّتُه السالكة إلى أعلى عليينَ المَحجّة بفتح الميم: جادة الطريق والحجة بالضم البرهان. كذا في «المصباح».
ثم لما كان نبينا و واسطة في فيضان الفيض وحصول الخير إلينا، إذ لا مناسبة
الجزء 1 · صفحة 13
وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خِيرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بيننا وبين الفياض .. المطلق .. فلا بد لنا من واسطة ذي الجهتين، ونبينا بجهة ولايته يستفيد من الفياض، وبجهة رسالته يُفيض علينا، ولذا قيل إن ولايته أفضل من رسالته، فحق علينا أن نجعل صلاتنا عليه من روادف حمده تعالى، وإن كان هو لا يحتاج إلى صلاتنا.
فقال: (والصَّلاةُ) وهي: الرحمة من الله تعالى.
والاستغفار من الملائكة.
والدعاء من المؤمنين.
وهي فرض مرة في العمر على ما في «الشفا»، وكذا السلام، حتى قالوا إفراد أحدهما عن الآخر في الذكر مكروه، والمستحب جمعهما في الذكر، ولذا عطف عليه (والسَّلام) أي: التحية عَلَى خَيْرِ خَلقِهِ مُحمَّدٍ عَلَمٌ منقول. وقيل: مرتجل والصحيح هو الأول، سماه جده عبد المطلب في سابع ولادته بإلهام من الله تعالى. قيل: الله تعالى ألف اسم، وكذا نبينا ألف اسم. وقيل: له تسعة وتسعون. وقيل ثمانون. وقيل: خمس مئة. وقيل: أربع مئة. وقيل: إنه توقيفية مثل أسماء الله تعالى.
(المبعوث) بالنبوة على رأس أربعين سنة، وبالرسالة على رأس ثلاث وأربعين سنة.
و به حصل التوفيق بين حديث أنس بن مالك أنه الله بعث على رأس أربعين سنة، وحديث ابن عباس أنه الله بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة.
بيانه أن الله تعالى بعثه على رأس أربعين سنة بالنبوة، فجاء جبرائيل في غار
2
رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حراء فأنزله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى ما لو يعلم ه ثم فتر الوحي ثلاث سنين، وقرب بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين من زمان فترة الوحي، وكان إسرافيل عليه السلام يعلمه [الكلمة والشيء] ولم ينزل عليه بلسان إسرافيل القرآن، فلما مضى ثلاث سنين .. نزل جبرائيل عليه السلام -ب- يَأَيُّهَا الْمُدَّيْرُ تُرْ فَأَنذِر وبهذا زمان رسالته، والأول زمان نبوته، فكان نبوته مقدماً على رسالته.
(رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) جمع عالم، وهو اسم للقدر المشترك بين أجناس ذوي العلم.
وقيل: بين أجناس ما علم به الصانع مطلقاً.
فعلى الأول يقال: عالم الملك، وعالم الجن، وعالم الإنس.
وعلى الثاني يقال: عالم الأفلاك، وعالم القيام، وعالم النبات، وعالم الحيوان وعالم الأرض أيضاً.
وعلى القولين يصح إطلاقه على كل من تلك الأجناس وعلى مجموعها أيضاً؛ كالإنسان بالنسبة إلى أفراده.
لا اسم لمجموع ذوي العلم، أو لمجموع ما علم به الصانع، وإلا .. لما صح جمعه؛ لعدم التعذر في شيء من هذين المجموعين، وإنما جمع هنا ليشمل الأجناس كلها شمولاً واضحاً على ما بينه الشريف العلامة في «حاشية الكشاف».
وقيل: إنه ليس بجمع بل اسم جمع للعالم؛ لأن العالم يشمل ذوي العلم وغيره، والجمع بالياء والنون يختص بذوي العلم.
والجواب على القول الأول ظاهر، وعلى القول الثاني: إنه إنما جمع اعتباراً بتغليب ذوي العلم على غيره.
فإن قيل: هذا لا يكفي في صحة هذا الجمع، لأن من شرطه أن يكون مفرده
الجزء 1 · صفحة 14
وعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْعُلَمَاءِ العَامِلِينَ.
وبعد:
فيقولُ المُفتقرُ إِلَى رحمةِ ربّهِ الغني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي: قد سَأَلَني بعضُ طالبي الاستفادةِ أَنْ أجمعَ لَهُ كتاباً يشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلِ الْقَدُورِيّ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وصفاً لذوي العلم إذا لم يكن عَلَماً، والعالم ليس وصفاً اسم جنس .. قلنا: إنه وإن لم يكن وصفاً حقيقة، إلا أن فيه معنى الوصف؛ أعني: كونه مما يعلم به، لأنه ليس إطلاقه على ما أطلق عليه، كإطلاق لفظ الجماد، ولهذا لم يجمع هذا بالواو والنون؛ لعدم معنى الوصف فيه أصلاً.
(وعلى آله) إعادة كلمة «على» لإفادة نوع استقلال، والممنوع كماله.
وصحبه وهو عند سيبويه: اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي، الذي هوأخص من مطلق الصاحب.
وعند الأخفش: جمع له بالمعنى المذكور.
والصحابي كل مسلم رأى النبي و و ولو لحظة عند أهل الحديث.
وذهب أكثر الفقهاء والأصوليين إلى أنه كل مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم وطالت صحبته.
(والتابعينَ) التابعي كل مسلم لقي صحابياً ولم يلق النبي مسلماً.
وقيل: من صحبه لحظة أو طولاً.
والعلماء العاملين.
وبعد: مبني على الضم؛ لافتقاره إلى المضاف إليه. والعامل فيه إما الواو لنيابته عن «إما»، وإما المقدرة في الكلام، أو الموهومة فيه وهو الأصح، لما في «الرضي» أن حذف «إما) وتقديره في نظم الكلام مشروط يكون مدخول الفاء أمراً أو نهياً، وما قبله منصوباً نحو: {وَرَبَّكَ فَكَبّر}.
فيقولُ المُفتَقِرُ إلى رَحْمَةِ رَبِّهِ الغني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي: قد سألني بعض طالبي الاستفادة أن أجمعَ له كتاباً يشتمل على «مسائلِ القُدوري»
الجزء 1 · صفحة 15
وَالْمُخْتَارِ» و «الكنز» و «الوقايةِ بِعِبَارَةٍ سهلةٍ غيرِ مُعْلَقَةٍ .. فأجِبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ وأضفتُ إِلَيْهِ بعضَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِن مَسَائِلِ الْمجمع» ونبذةً مِنَ الْهِدَايَةِ»، وصرَّحتُ بِذِكْرِ الْخَلَافِ بَينَ أَئِمَّتنا وقدَّمتُ مِن أَقَاوِيلِهِم مَا هُوَ الْأَرْجَحُ، وأخرتُ غَيْرَهُ إِلَّا إِنْ قيَّدتُهُ بِمَا يُفِيدُ التَّرْجِيحَ.
وَأَمَّا الْخَلَافُ الْوَاقِعُ بَينَ الْمُتَأَخِرِينَ أَو بَينَ الْكتبِ الْمَذْكُورَةِ .. فكلُّ مَا صدرته بلفظ: (قِبْلَ) أو (قَالُوا) .. إِن كَانَ مَقْرُوناً ب-: (الأصحَ) وَنَحْوِهِ .. فَإِنَّهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَمَتَى ذكرتُ لفظ التَّنْنِيَةِ مِنْ غير قرينة تدلُّ عَلَى مرجعهَا .. فَهُوَ لأبي يُوسُفَ وَمُحَمّدٍ.
وَلمْ آلُ جهداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
و «المختار» و «الكنز» و «الوقاية» بعبارة سهلةٍ غيرِ مُغلقَةٍ .. فأجبته إلى ذلك، وأضفتُ بعض ما يُحتَاجُ إليهِ مِن مسائل (المجمع ونبذة النبذ بلا هاء: الشيء القليل، وبالتاء وضم النون القطعة على ما في «القاموس».
منَ «الهدايةِ» وصرَّحتُ بذكرِ الخلافِ بينَ أئمتنا، وقدَّمتُ مِن أقاويلهم ما هو الأَرجحُ، وأَخَّرت غيرَهُ، إِلَّا إِن قيَّدته بما يفيد الترجيح.
وأما الخلاف الواقع بين المتأخِرينَ، أو بينَ الكتب المذكورة .. فكل ما صدرته بلفظ (قيل) أو (قالوا) وإن كان مقروناً ب-: (الأصحَ) ونحوه .. فإنه مرجوح بالنسبة إلى [ما] ليس كذلك.
ومتى ذكرتُ لفظ التثنية من غير قرينة تدلُّ على مرجعها فهو لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
ولمْ آلُ جهداً من الأَلْوِ بمعنى التقصير. أو: بمعنى المنع.
فعلى الأول: يجوز أن يكون جهداً حالاً من فاعله؛ بمعنى مجتهداً، وأن يكون متعلقاً به بحذف الجار، أي: لم أقصر في جهدي.
وعلى الثاني: يتعدى إلى المفعولين، أي: لم أمنعك جهداً.
الجزء 1 · صفحة 16
فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَصَحَ وَالأقوى، وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ للْفَتْوَى، وَحَيْثُ اجْتَمَعَ فِيهِ من الكتب المذكورة.
سمّيته ب-:
«مُلْتَقَى الأَبْحُر»
ليُوافق الاسْمُ الْمُسَمّى وَاللهَ سُبْحَانَهُ أَسَأَلُ أَن يَجعَلَهُ خَالِصاً لوجهِهِ الكريم، وَأَنْ يَنْفَعِنِي بِهِ يَوْمَ لَا ينفعُ مَالٌ وَلَا نُونَ .. إِلَّا مَن أَتَى الله بقلبٍ سليم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(في التنبيه على الأصح والأقوى، وما هوَ المُختارُ للفتوى).
ثم شرع لبيان وجه التسمية بقوله: (وحيثُ اجتمع فيه الكتب المذكورة سميته بملتقى الأبحرِ»؛ ليوافق الاسم المسمَّى والله سبحانه [أسألُ] أن يجعله خالصاً) من الرياء.
واعلم أن درجات الإخلاص ثلاث.
أعلاها: أن يعمل العبد الله تعالى وحده بقصد امتثال أمره وحق عبوديته، بلا ملاحظة ثواب وعقاب في الآخرة، ونفع وضر في الدنيا، حتى لو علم أن الله تعالى يعاقبه بفعله ذلك لفعله أيضاً لامتثال أمره.
وأوسطها: أن يعمل لله تعالى مع قصد الثواب ورفع العقاب في الآخرة.
وأدناها أن يعمل الله تعالى مع ملاحظة الثواب ورفع العقاب، والإكرام الدنيوي أيضاً.
وأما العمل لمحض غرض دنيوي .. فهو رياء.
(لوجهه) من المشابهات على مذهب المفوضة، وعبارة ذاته المقدسة المأولة. (الكريم، وأن ينفعني به يومَ لا ينفع مال ولا بنونَ إِلَّا مَن أتى الله بقلبٍ سليم)،
وأنا أسأل الله أن يجعل كتابي هذا خالصاً لوجهه، وينفعني به يوم لا ينفع.
الجزء 2 · صفحة 16
كِتَابُ الطَّهَارَة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَأَغْسِلُواْ .... }.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كِتَابُ الطَّهارة
الكتاب في اللغة: مصدر كتب بمعنى جَمَعَ سمي به المفعول للمبالغة. أو اسم بمعنى المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس، ثم أطلق على المنظوم عبارة قبل أن يُكتب؛ لكونه مما يكتب.
وفي الاصطلاح طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة، شملت أنواعاً أو لا.
والطهارة في اللغة: النظافة.
وفي الاصطلاح نظافة مخصوصة متنوعة إلى وضوء وغسل وتيمم وغسل البدن والثوب.
وإنما وحدها لأنها في الأصل مصدر يتناول القليل والكثير، ومن جمعها .. قصد الأنواع.
قال الله تعالى: {يَاتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ} أي إذا أردتم القيام إليها مُحدثين، على ما عليه الأكثرون؛ لأن كل فعل اختياري سبب من القصد والإرادة، فيصح أن يُذكر ويُراد السبب.
وقال بعض أهل التفسير: إن الآية على عمومها بلا تقدير محدثين، إلا أن أمرفاغسلوا للإيجاب في حق المحدث، وللندب في حق غيره.
ويلزمه استعمال لفظ واحد في حالة واحدة في أمرين معاً.
{فَاغْسِلُوا} أي: مرة؛ لأنه لبيان الفرض، وهو مرة لما في البخاري معلقاً أن النبي الله بين بفعله أن فرض الوضوء مرة مرة؛ أي لكل عضو. ولأن الأمر لإيجاد حقيقة الفعل لا للمرة ولا للكرة، والحقيقة لا يمكن وجودها إلا في ضمن الفرد، والأقل متيقن، ولا يعدل إلى غيره بلا موجب، فيحمل عليه لتيقنه.
الجزء 2 · صفحة 17
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم الغسل بالفتح إسالة الماء ولو قطرة، حتى لو لم يتقاطر .. لم يجز؛ بناء على العدم الأصلي؛ لأن الطهارة الشرعية حكم شرعي ثبت بنص الغسل، فبقي ما لا يتناوله على العدم؛ لأن الأصل في الحوادث العدم، وما لم يوجد فيه التقاطر .. لم يتناوله النص، فبقي على العدم، و ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ضعيف على ما صرح به النووي وغيره من أرباب الجرح والتعديل.
وقيل: إنما لم يجز بناء على أن مفهوم الخلاف حجة في الروايات عندنا، وهو ضعيف؛ لأن الآية في معرض الاستدلال، فيكون من باب الدراية، فلا تقبل المفهوم. فإن قيل: إن من أصابه مطر فسال بنفسه، أو وقع في حوض .. فقد جاز وضوؤه ولا إسالة فيه.
قلنا: الشروط يعتبر وجودها وحصولها، لا إيجادها وتحصيلها، وقد تحقق بالسيلان.
وقال أبو يوسف إن الغسل مجز بل المحل، سال أو لم يسل، حتى جاز الوضوء بالثلج وإن لم يتقاطر.
والحجة عليه ما بيناه؛ لأن مجرد البلّ مسح لا غسل، والدلك سنة عندنا، وفرض عند مالك، سواء كان في المحل نجاسة أو لا في المشهور عنه. وفي رواية عنه: إن كان في المحل نجاسة.
قلنا: المعتبر هو الإزالة مطلقاً، بالدلك أو لا؛ إذ لا معتبر بتعيين الطريق بعدحصول المقصود.
{وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} هذا دليل على فرضية غسل يد واحدة بعبارته؛ بناء على أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، وعلى فرضية غسل الآخر بدلالته لما بينهما من التساوي، وكذا الحال في الأرجل.
قيل: دليل الأخرى الإجماع، وهو ضعيف، وإلا لزم عدم ثبوت فرضيتهما قبل
الجزء 2 · صفحة 18
إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
زمن الإجماع، ولأنه إن كان عن قطعي فلا حاجة إليه لإثبات الفرضية؛ لكفاية
القطعي. وإن كان عن ظني .. لزم أن لا دليل على الفرضية قبل زمن الإجماع.
وقيل: فعله المنقول عنه تواتراً وهو أيضاً ضعيف، لأن فعله صلى الله عليه وسلم وإن نقل متواتراً لا يفيد الفرضية، وغاية النقل تواتراً إفادة العلم على ثبوت دوام فعله، ولا يلزم منه كونه فرضاً.
نعم يفيد الوجوب لو قارن المنع عن تاركه ثم لما كان اليد في اللغة يطلق من الأصابع إلى المنكب، والمراد ههنا غير ذلك بيَّنه بقوله: {إلَى الْمَرَافِقِ}، جمع مرفق، وهو مفصل الذراع في العضد.
{وَامْسَحُواْ} أي: مرة؛ لما بيناه، فصار حجة على الشافعي فيما ذهب إليه منتكرار مسح الرأس بمياه مختلفة؛ لأنه بالتكرار يصير غسلاً لا مسحاً. المسح في اللغة: إمرار الشيء على الشيء بالمماسة، وهو المراد في التيمم.
وفي الشرع: إصابة اليد المبتلة وهو المراد في الوضوء [والمقصود ههنا البلة؛ لأن اليد آلة فلا تقصد إلا للإيصال إلى المحل، فحيث وصل.
استغنى عن استعمالها، فالمعنى إصابة البلة مطلقاً، سواء أخذت من الإناء أو بقيت في اليد بعد غسل عضو من المغسولات، أو أصاب شيء مبتل من ماء مأخوذ للمسح أو أصابه مطر، أو غسل وجهه مع الرأس، أو مشى في الحشيش فابتل ظاهر الخف.
فإنه يجوز في كلها، وكذا لو غمس رأسه في إناء يجوز عند أبي يوسف.
ولا يجوز ببل باق في يده بعد مسح العضو الممسوح، ولا بيل مأخوذ من عضو مغسول؛ لكونه مستعملاً.
بُرُهُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} قُرِئ بالنصب والجر، وكلاهما مشهوران، فتعارضا.
فذهب بعض الظاهرية إلى الجمع بين المسح والغسل.
ومحمد بن جرير إلى التخيير بينهما؛ عملاً بالدليلين.
الجزء 2 · صفحة 19
إلَى الْكَعْبَينِ}
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبعضهم إلى النصب في حالة التحفّي والجر في حالة التخفف.
والجمهور على أنه يجب الغسل مع الكعبين. فقيل إن الجر، جواري، وهو على القراءتين معطوف على المغسول لا الممسوح؛ لما دلت عليه الأحاديث المشهورة من وجوب الغسل والوعيد على الترك، وأن الغسل أقرب إلى الاحتياط، لما فيه من معنى المسح أيضاً.
ولأن من قال بالمسح لم يجعل مغيّا بالكعبين.
وقيل: إنه معطوف على الممسوح على القراءتين، وليس الجر بجواري؛ لأنه ليس موقعه، لكن في إحدى.
القراءتين معطوف على لفظه، وفي الأخرى على
محله، لا ليمسح بل لينبه على الاقتصاد في الغسل على ما في «الكشاف» من الأرجل من بين الأعضاء المغسولة مظنة الإسراف في صب الماء عليها، فعطفت على الممسوح لا ليمسح، ولكن للتنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وجيء بالغاية دفعاً للظن أنها من الممسوحات؛ لأن المسح لم يضرب له غاية فيالشرع.
أقول: المسح يطلق على معنيين أحدهما: الإصابة. والآخر الإسالة على ما في المصباح» إما بالاشتراك، أو بالحقيقة والمجاز، فعلى هذا: إن الأرجل معطوف على الممسوح على القراءتين باعتبار لفظه ومحله، لكن باعتبار أن المسح في المعطوف عليه بمعنى الإصابة، وفي المعطوف بمعنى الإسالة، فإن قلنا بعموم المشترك أو عموم المجاز .. فالأمر ظاهر، وإلا فالعامل في المعطوف محذوف؛ أي: وامسحوا بأرجلكم.
ولما كان الرّجلُ يطلق إلى الفخذين، بين المراد بقوله: {إلَى الْكَعْبَينِ}
الكعب: هو العظم الناتئ عند ملتقى الساق والقدم.
وعن هشام عن محمد عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك.
الجزء 2 · صفحة 20
[مَطْلَبٌ فِي فَرَائِضِ الوُضُوء]
فَفَرضُ الْوضُوءِ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والصحيح هو الأول؛ لما روي عن نعمان بن بشير في صفة الصف في الصلاة فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه، ولأن ما في ظهر القدم من العظم من كل قدم كالمرفق في اليد، فلو كان المراد ذلك العظم، لما عدل عن الجمع إلى التثنية، ولأن الاثنين من الاثنين يعبر عنه بصيغة الجمع نحو: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} الآية؛ أي: قلباكما.
وأما الاثنين من الواحد فيعبر عنه بالتثنية، فلو كان المراد التثنية من رجلين، لقيل: إلى الكعبات فعلم أن المراد التثنية من رجل واحد. وقيل: إن هذا سهو من هشام؛ لأن محمداً رأى ذلك، وحديث قطع المحرم الخُفَّين إذا لم يجد نعلين.
[مطلب في فرائض الوضوء]
ولما ذكر الدليل، فرع عليه حكمه بقوله: فَفَرضُ الوضوء فإن قيل: الدليل مدني بالاتفاق، والصلاة فرضت بمكة، واتفقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل منذ فرض الصلاة إلا بوضوء، فبأي شيء ثبت فرضيته قبل نزول الدليل؟!
قلنا: لا، ثم إنه فرض قبله كيف وقد قال ابن الجهم: إنَّ الوضوء كان في الإسلام سنة ثم نزل فرضيته.
ولو سلم، فيجوز تقديم الحكم على دليله؛ كما في آية الجمعة، على ما صرحوا به.
ولو سلم، فيجوز أن يثبت فرضيته قبله بالوحي الغير المتلو؛ كتعليم جبرائيل على ما أخرجه ابن لهيعة عن الأسود مرسلاً معتضداً بوصل أحمد من طريق ابن لهيعة، أو بالأخذ من شرائع من قبلنا؛ لما روي أنه قال حين توضأ ثلاثاً ثلاثاً هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي لكن هذا مما ضعفه النووي وغيره
الجزء 2 · صفحة 21
............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باختصاص الوضوء بهذه الأمة.
ثم اختلفوا في سبب فرضيته فقيل: هو القيام إلى الصلاة؛ لظاهر ما تلوناه. قلنا: ظاهره متروك؛ لما في مسلم أن النبي [ه/ب] كان يصلي الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ولأنه لا يمكن العمل بظاهره؛ لأنه إما أن يتوضأ جالساً أو قائماً، وكلاهما، باطل، أما الأول: فلإمضائه إلى تفويت الصلاة بالاشتغال إلى الوضوء، وأما الثاني: فللزوم وجوب التوضؤ قائماً؛ لأن ما لا يمكن حصول الواجبإلا به فهو واجب.
وقيل: إنه الحدث.
قلنا: الحدث رافع للطهارة، فلا يصلح سبباً لها؛ لأن السبب هو المفضي إلىلمسبب.
وقيل: إنه هو الصلاة.
قلنا: الصلاة مشروطة بالوضوء، متأخرة عنه، فلا يكون سبباً لما قدم عليه.
وقيل: إنه وجوب الصلاة.
قلنا: إنه لا يتمشى في النوافل.
فالصواب: أن إرادة الصلاة بشرط الحدث؛ لأن معنى الآية عند الجمهور: إذا أردتم القيام إلى الصلاة محدثين بقرينة تعليق التَّيَمُّم بالحدث في آية التَّيَمُّم؛ لأن النص في البدل نص في الأصل، فيكون الأصل أيضاً معلقاً بالحدث، والمعلق عليه شرط لوجود المعلق فيكون الحدث شرطاً، وإرادة القيام بشرط الحدث مسبباً، على ما في الأصول.
ثم الفرض في اللغة: القطع.
وفي الشرع ما ثبت بقطعي، وحكمه أن يستحق تاركه بلا عذر العقاب والتفسيق ويكفر جاحده ومستخفه.
الجزء 2 · صفحة 22
غسلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسَّ الرَّأْسِ.
وَالْوَجْهُ: مَا بَينَ قُصَاصِ الشَّعَرِ وَأَسفلِ الذَّقَنِ وشحمتي الْأُذُنَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقد يطلق على ما يفوت الجواز بفوته كالوتر، يفوت بفوته جواز صلاة الفجرللمتذكر له.
غسل الأعضاء الثلاثةِ ومسحُ الرَّأْسِ أي مرة مرة؛ لما ذكرناه.
والوجه هو في اللغة ما يتوجه إليه الإنسان من المواجهة.
وفي الشرع: ما بينَ قُصاصِ الشَّعَرِ، وهو مثلث القاف أعلاها الضم إلى أسَفَلِ الذَّقَنِ، وهو مجمع اللحيين، والأسفل غير داخل في الوجه. والمراد: عند عدم نبات اللحية، لأن بعد نباتها لا يجب إيصال الماء إلى ما تحتها إن لم تُر بشرتها، وإلا يجب الإيصال.
واختلف في شعر اللحية بأن الواجب غسلها، أو مسح ربعها، أو ما يلاقيالبشرة على ما سنذكره
ولو أمر الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب غسل الذقن.
وفي البقالي لو قص الشارب لا يجب تخليله.
وإن طال يجب تخليله؛ لأن قطعه مسنون فلا يعتبر قيامه في سقوط غسل ما تحته، بخلاف اللحية فإن المسنون هو الإعفاء.
وعد في «التجنيس» إيصال الماء إلى منابت شعر الحاجبين والشارب من الآداب من غير تفصيل.
وَشَحْمَتَي الأُذنين وبهذا تم حد الوجه طولاً وعرضاً؛ لأن المواجهة تحصل بهذه الجملة غالباً إنما قلنا غالباً؛ لأن قوله من قصاص الشعر خرج مخرج الغالب، وإلا: فحده الحقيقي في الطول من ملتقى عظمي الجبهة والقحف إلى ملتقى اللحيين كان عليه شعر أو لا.
الجزء 2 · صفحة 23
فَيُفرضُ غسلُ مَا بَينَ العِذَارِ وَالْأُدْنِ؛ خِلَافاً لأَبي يُوسُفَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فعلى هذا:
صار الفم، وموق العينين وما يظهر من الشفة عند الانضمام - على قول من لم يتبع الشفة مطلقاً للفم- داخلاً في الوجه.
والصلعة، والنزعتان، وما يتكتم من الشفة عند الانضمام وداخل العينين خارجاً عنه.
لأن الأغم لا يكفيه الغسل من قصاص الشعر، والأصلع لا يجب عليه الغسل إلى قصاص الشعر على الأصح على ما في الخلاصة»؛ لأن ما جاوز حد الجبهة فمن الرأس، وما لم يبلغ إليها فمن الوجه.
ولا يجب إيصال الماء إلى داخل العينين للحرج والضرر. ومنهم من قال: لا يضم كل الضم، ولا يفتح كل الفتح حتى يصل إلى أشفان وجوانب عينيه، كذا في
خان قاضي ولو رمدت عينه فرمضت يجب إيصال الماء تحت الرمض إن بقي خارجاً بتغميض العينين، وإلا فلا.
فيفرضُ غسل ما بينَ العذارِ والأُذُنِ لأنه من الوجه على الصحيح.
والعذار ما سال على الخد من اللحية مأخوذ من عذار الفرس. خلافاً لأبي يُوسفَ، له: أن العذار أسقط حكم ما تحته كالحاجب والشارب فكذا ما وراءه؛ لأنه أقرب إليه وأبعد من الوجه.
ولهما: أن العذار ليس بمسقط، بل ينقل حكم ما تحته إليه؛ كالشار والحاجب، وما وراءه يبقى على ما كان قبل النابت إذ لا ناقل ثمة.
الجزء 2 · صفحة 24
والمرفقانِ والكعبَانِ يدخلَانِ فِي الْغَسْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمرفقان والكعبان يدخلان في فرض الغسل، خلافاً لزفر، له: أن «إلى» للغاية فلا يدخل تحت المغيا بتعارض الأشباه والقياس إلى الليل في الصوم ليس بشيء؛ لعدم الجامع.
ولنا ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضدين، وغسل رجليه حتى أشرع في الساق وعليه انعقد الإجماع علىما صرح به الشافعي في «الأم»، والرأي في مقابلة ما رويناه وذكرناه غير معتبر.
وما قيل في الدخول أن «إلى» بمعنى «مع» فليس بشيء؛ لأن اليد يطلق إلى المنكب ولما توجه الخطاب بغسله وجب غسله بتمامه إلى وقت البيان، وجعل «إلى» بمعنى «مع» لا يدل على إسقاط البعض؛ لأنه من قبيل التنصيص على بعض متعلق الحكم باسمه، وذلك لا يُخرج ما عداه، فلا يصلح بياناً، ولو أخرج كان لمفهوم اللقب، وذلك ليس بشيء بحجة عندنا في الدرايات.
يتعين
وكذا ما قيل إنه غاية لمقدّر، أي: اغسلوا أيديكم مسقطين إلى المرافق؛ لأنه لا يقتضي الإسقاط عما فوق المرفق، بل يحتمل الإسقاط عما تحته؛ لاحتمال أن يكون المعنى: أسقطوا من الأصابع إلى المرفق، وأن يكون من المنكب إلى المرفق، فلم الأول، ودعوى بديهة الأول غير مسموع في محل النزاع، وكذا ما قيل: إن صدر الكلام إن كان متناً، ولا لما بعد «إلى» فهو للإسقاط، وإلا فهي للمد، وما نحن فيه من قبيل الأول؛ لأنه ينزع إلى إثبات اللغة بالرأي، ولأنه غير مطرد؛ لانتقاضه بنحو: «لا يكلمه يوماً إلى عشرة أيام، فإنه لا يدخل العاشر مع تناول الصدر له، فالأوجه ما ذكرناه، وكذا الكلام في الكعبين.
قطعت يده أو رجله فلم يبق من المرفق والكعب شيء سقط الغسل.
ولو بقي وجب. ولو شلت يداه أو عجز عن الوضوء والتَّيَمُّم، يمسح ذراعيه مع المرفقين على
الأرض، ووجهه على الحائط، ولا بد عن الصلاة.
الجزء 2 · صفحة 25
والمفروض في مسح الرَّأْسِ قدرُ الرّبع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن قطع اليدان والرجلان .. قال بعضهم: سقط عنه الصلاة على ما في «الخلاصة».
ولو خلق له يدان على المنكب .. فالتامة الأصلية يجب غسلها، والأخرى
هي زائدة، فما حاذى منها محل الفرض يجب غسله، وما لا .. فلا كذا في فتح القدير». وقال التنوي. لو خلق للإنسان وجهان .. وجب غسلهما.
ولو خلق له ثلاث أيد أو أرجل أو أكثر وهم متساويات .. وجب غسل الجميع. وإن كانت اليد الزائدة ناقصة وهي نابتة في محل الفرض .. وجب عليها مع الأصلية إن كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين أو حناء.
قال في «جامع الأصغر» جاز وضوؤه ولا يجب إيصال الماء تحتها في القرويوالمصري.
وقال الدبوسي: هذا صحيح وعليه الفتوى
وقال الإسكاف يجب إيصال الماء إلى ما تحته إلَّا الدرن، لتولده منه.
وقال الصفار يجب الإيصال إلى ما تحته إن طال الظفر.
وقيل: هذا حسن؛ لأن الغسل وإن كان مقصوراً على الظاهر .. لكن إذا طال الظفر يصير بمنزلة عروض الحائل.
وفي «النوازل»: يجب في المصري لا القروي؛ لأن دسومة أظفار المصري مانعة لوصول الماء، بخلاف القروي
والمفروض أي: الواجب في مسح الرَّأْسِ قدرُ الرُّبُعِ. الرَّأْسِ قدرُ الرُّبع من أي جانب كان من الرأس؛ لإطلاق النص عن تعيين المحل.
وقال الشافعي أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لإطلاق النص، والمطلق يسقط بأدنى ما ينطلق ولو شعرة. قلنا: لو كان كذا .. لفعله و ولو مرة في العمر؛ لإسقاط الواجب، ولم ينقل
الجزء 2 · صفحة 26
...................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلينا عنه ما دون الناصية قطعاً، وليس في الشرع واجب لم يفعله الشارع في مدة عمره قصداً، ولم يُعلّمه، بل إنما فعله دائماً في ضمن السنة؛ أي: الربع أو الاستيعاب، ولأنه لا يمكن المسح على شعرة إلا بالزيادة عليها، وما لا يمكن الواجب إلا به .. فهو واجب، فالزيادة واجبة، فلا تكون هي واجبة.
وقال مالك: الاستيعاب اعتباراً بقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} في التَّيَمُّم؛ ولأن آية الوضوء مجملة بيناها بما رواه البخاري من حديث عبد الله بن زيد أنه توضأ ومسح رأسه واستوعب. قلنا: لو كان الاستيعاب واجباً .. لما تركه إلى الناصية، ولأن اعتبار مسح الرأس بمسح الخف أولى من اعتباره بمسح التَّيَمُّم؛ لجامع الوضوء، ولعدم القياس بين الأصل والبدل، وحديث عبد الله محمول على الاستحباب؛ جمعاً بين الدليلين.
ولنا: أن الباء:
- قد تدخل على الآلة نحو مسحت بيدي فيكون لاستيعاب المحل.
- وقد تدخل على المحل كما نحن فيه؛ أعني {برءوسِكُمْ} فيما تلوناه فيكون لاستيعاب الآلة وهي اليد، ومقدار اليد غالباً مقدار الربع.
فإن قيل: إن الباء في {برُءُوسِكُمْ} للتبعيض فيفيد جواز الأقل من الربع .. قلنا: ممنوع، بل هو للإلصاق؛ فإن المحققين من أهل العربية ينفون كون التبعيض معنى مستقلاً للباء، فيحمل على الإلصاق كونه معنى مجمعاً عليه، ولو سلم .. فلا ينافي ما ادعيناه؛ لأن المسح فيما نحن فيه يتعدى إليه بنفسه، تقديره: «وامسحوا برؤوسكم أيديكم»، فيفيد استيعاب اليد، وهو لا يستوعب الرأس، فلزم البعض الذي هو مقداراليد.
ولنا أيضاً أن محكم الآية دلت على فرضية حقيقة المسح، ولا يمكن وجودها إلَّا في ضمن الفرد المعين، وذلك إما الأقل، أو الاستيعاب، أو ما بينهما،
الجزء 2 · صفحة 27
وَقِيلَ: يَجْزِئُ وَضِعُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولما أبطلنا الطرفين. تعيّن الوسط، وذلك مجمل بيناه بما رواه البيهقي عن عطاءمرسلاً معتضداً بوصل أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه»، ومقدم الرأس مقدار الربع وتعيين المحل ليس بمعتبر، وقد اشتهر في كتب أصحابنا أن إجمال الآية مبين بحديث المغيرة أنه توضأ ومسح بناصيته. قلنا: إنما يصلح بياناً لو اقتضى ذلك استيعاب الناصية.
لم لا يجوز أن تكون الباء فيها للتبعيض على ما في «المصباح»؟ أو يكون ذكرها لدفع التوهم أنه مسح على الفود أو القذال؟ ولو سلم .. فكون الناصية مقدار الربع ممنوع، بل هو أقل منه على ما في «المصباح»، ولو سلم .. فلم أن لا يجوز يكون الاقتصار عليها بناء على عذر السفر؛ لوروده فيه؟
وقيل: يُجزى من أي جانب كان من الرأس وضع ثلاثِ أَصابع، رواه ابن رستم عن محمد وهشام عن أبي حنيفة ويعقوب واختاره كثير من مشايخنا، وفي «الظهيرية»: وعليه الفتوى.
وفي «التحفة» وهو ظاهر الرواية، وعللوه بأن الواجب إلصاق اليد، والأصابع أصلها، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل.
قلنا: إن المسح من المقدرات الشرعية التي يعرف قدرها باليد، فيعتبر عين قدر اليد، ولأن الرأي في مقابلة ما رويناه غير معتبر، ولأنه لو كان كافياً عن الواجب .. لفعله ولو مرة تعليماً للجواز.
وقولنا: عين قدر «اليد» إشارة إلى أنه لو أصاب المطر قدر الفرض سقط، ولا يشترط إصابته باليد؛ لأنه آلة لم تقصد إلا للإيصال إلى المحل، فحيث وصل .. استغنى عن استعمالها.
الجزء 2 · صفحة 28
وَلَو مدَّ بِإِصبع أو إِصْبَعَينِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: «وضع» إشارة إلى أن مجرد وضع الثلاث بلا مد كاف في الفرض على
هذه الرواية.
وأما لو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة .. فلم يجز بالاتفاق إلا أن يمدها إلى القدر المفروض والماء يتقاطر؛ لما في «المحيط»: لو المحيط»: لو مسح بأطراف أصابعه والماء متقاطر .. جاز، وإن لم يتقاطر .. لا يجوز؛ لأن الماء إذا تقاطر ينزل من أصابعه إلى أطرافه، فإذا مدها صار كأنه أخذ ماء جديداً.
وعلى رواية صاحب الخلاصة» لا يشترط فيه التقاطر حيث قال: «لو مسح بأطراف أصابعه .. يجوز، قطر الماء أو لم يقطر»، وهو الأصح. ولو مسح بأصبع واحدة بجوانبها الأربعة. لم يذكر في ظاهر الرواية. وقال بعض مشايخنا إنه لا يجوز. وصححه في «الخلاصة». وقال بعضهم: إنه يجوز، وصححه في «البدائع».
القدير
ولو مسح بأصبع وأعاد إلى الماء ثلاث مرات .. يجوز.
ولو مد إلى قدر الربع أو ثلاث أصابع أصبعاً أو أصبعين مفتوحتين أو مضمومتين منتقص ماؤهما قبل البلوغ إلى مقدار الفرض، وذلك لما في «فتح أن عدم جواز مد الأصبع بناء على أن البلة فيه تتلاشى وتنقضي قبل بلوغه قدر الفرض، بخلاف الأصبعين فإن الماء ينحمل فيه بين الأصبعين المضمومتين فضل زيادة تحتمل الامتداد إلى قدر الفرض وهذا مشاهد أو مظنون فوجب إثبات الحكم باعتباره، فعلى اعتبار الاكتفاء بقدر ثلاث أصابع .. يجوز مد الأصبعين المضمومتين؛ لأن ما بينهما من الماء يمتد قدر ثلاث أصابع، وعلى اعتبار توقف الإجزاء على الربع .. لا يجوز؛ لأن ما بينهما مما لا يغلب على الظن بلوغه إلى مقدار الربع. انتهى.
الجزء 2 · صفحة 29
لا يجوزُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي «قاضي خان»: لو خان لو مسح بأصبعين لا يجوز، إلا أن يمسح بالإبهام والسبابة مفتوحتين يضعهما مع ما بينهما من الكف على رأسه، فيجوز، ويكون ذلك بمنزلة ثلاث أصابع.
لا يجوز عند الثلاث، خلافاً لزفر بناء على أن المعتبر عنده إصابة البلة بأي وجه كان واليد آلة غير مقصودة.
ولنا فيه وجهان:
أحدهما أن ما على الأصابع من البلة يصير مستعملاً بمجرد الوضع وإن لم ينفصل؛ لأنه ما وضعه لإزالة الحدث أو للقربة، فلا يسقط الفرض بإمرارها، بخلاف الغسل حيث سقط الفرض فيه بالإمرار؛ لأن حكم الاستعمال يسقط في المغسول للحرج اللازم بإلزام إصابة كل جزء بإسالة غير المسال على الجزء الأخير، ولا حرج في المسح لأنه يحصل بمجرد الإصابة بخلاف استيعاب الرأس؛ لأن الممسوح إنما يأخذ حكم الاستعمال قبل الانفصال في المفروض منه لا في المسنون منه؛ لأن مقدار السنة لا يمكن تحصيلها إلا بالمد، بخلاف مقدار الفرض.
وثانيهما: أن بالمد يلزم انفصال البلة الأصبع ولو حكماً، فيصير مستعملاً بالانفصال، ويؤيد هذا تعليلهم لما روي عن أبي يوسف أنه لو أدخل رأسه الإناء يجزئ عن المسح والماء طهور على حاله، بأن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الانفصال، والمصاب بالرأس لم ينفصل، والباقي في الإناء ليس الذي أقيم به الفرض، فلم يصر مستعملاً، وإنما لم يكف الانفصال الحكمي في المسح المسنون .. فرقاً بينه بينه وبين المفروض منه، وعلى الوجهين يلزم عدم جواز مد الأصابع الثلاث أيضاً إلى قدر الفرض منصوبة أو موضوعة للزوم الاستعمال فيه، وبه صرح في «البحر» حيث قال: لو مسح بثلاث أصابع ومدها حتى بلغ القدر المفروض .. لم يجز عندنا؛ خلافاً لزفر، كما في أصبع أو أصبعين، وهذا مخالف لما قدمناه من «المحيط» و «الخلاصة من جواز مد الثلاث تقاطر الماء أو لم يتقاطر على تصحيح
الجزء 2 · صفحة 30
ويفرضُ مسحُ ربع اللّحْيَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«الخلاصة»، وقد جزم في «فتح القدير» بأنه لم أر في مد الثلاث إلى مقدار الفرض
إلَّا الجواز. فالأوجه ههنا اختيار طريق شمس الأئمة .. فإنه قال: إن المنع في مد أصبع أو أصبعين غير معلل باستعمال البلة، بدليل أنه لو مسح بأصبعين في التَّيَمُّم لا يجوز مع عدم شيء يصير مستعملاً، بل [الوجه عتبه] أنا مأمورون بالمسح باليد، والأصبعان منها لا تسمى يداً، بخلاف الثلاث؛ لأنها أكثر ما هو الأصل فيه، وهذا وجه حسنه مشايخنا ولا يرد عليه ما يرد على الوجهين المذكورين من عدم جواز مد الثلاث، ولكن يرد عليه لزوم تعيين الإصابة باليد، لكن اللازم منتف بمسألة
المطر على ما ذكرنا. اللهم. إلا أن يقال إن المراد تعيينها أو ما يقوم مقامها من الآلات عند قصد الإسقاط بالفعل اختياراً، لكن لا بد أن تكون تلك الآلة التي هي غير اليد قدر ثلاث أصابع من اليد، حتى لو كان عوداً لا يبلغ ذلك القدر .. لم يجز مده، على ما نص به في «فتح القدير».
ولا يجوز المسح على القلنسوة والعمامة ولا على الخمار .. إلا إذا كان الماء متقاطراً يصل إلى الشعر.
ولو كانت على رأسها خضاب فمسحت على الخضاب؛ إن اختلطت البلة بالخضاب وخرجت عن حكم الماء المطلق .. لا يجوز، على ما في «الخلاصة». ولو كانت على رأسه ذؤابتان مشدودتان فمسح على أعلاهما .. لا يجوز، على ما في «فتح القدير».
ويُفرضُ مسحُ رُبع اللحية في رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ اعتباراً بمسح الرأس، وعنه مسح كلها، وعنه ثلثها، وعنه عدم وجوب شيء، وعنه وجوب غسل ما يلاقي البشرة، وعنه ما أشار إليه بقوله: «والأصح مسح ما يلاقي البشرة»، واختاره قاضي خان في شرح الجامع الصغير؛ لأنه لما سقط فرضية ما تحتها .. انتقل
الجزء 2 · صفحة 31
[مَطْلَب فِي سُنَن الوُضُوء]
وسته
غسلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الرسغينِ ابْتِدَاءً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوظيفة إلى الخلف وهو المسح.
وهذا كله في غير الكثة وغير المسترسل:
أما الكثة فيجب إيصال الماء تحتها على رواية واحدة.
وأما المسترسل عن الذقن فلا يجب إيصال الماء إليه لا غسلاً ولا مسحاً؛ لأنه ليس من الوجه، إلا في رواية عن أبي يوسف.
وسنته
[مَطْلَب في سُنَنِ الوُضُوء]
• غسل كل من اليدين إلى الرُّسعَينِ ابتداء؛ لما في «البخاري» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في
وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده هكذا رواه محمد في «الموطأ». وقوله: «فليغسل» يقتضي الوجوب، وتعليله بتوهم النجاسة يقتضي الاستحباب، فقلنا بأمر متوسط بينهما، وهو: السنة.
والمعتبر عموم العلة لا خصوص الاستيقاظ، حتى سن الغسل قبل إدخالها
الإناء، سواء قام من نوم، أو لا، لمن توهم نجاسة يده.
وأما إذا تيقن نجاستها .. فالغسل واجب اتفاقاً.
وإذا تيقن طهارتها - بأن درى أين باتت يده كمن لف على يده خرقة فاستيقظ وهي
على حالها - فالجمهور على أن لا كراهة في الغمس في الإناء، لكن غسلهمستحب على ما في «فتح الباري».
وكيفية هذا الغسل على ما في «الخلاصة»: إن كان الإناء صغيراً .. أخذه بشماله ويصب على يمينه ثلاثاً.
الجزء 2 · صفحة 32
..............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن كان كبيراً ومعه صغير .. فكذلك، ولا يدخل أصابع اليسرى مضمومة دون الكف ويصب على اليمنى حتى يغسلها ثلاثاً، ثم يدخل اليمنى بالغاً ما بلغ، ويغسل اليسرى كذلك إن لم يكن على يده نجاسة.
وإلا يحتال بحيلة أخرى بأن يأمر غيره أن يغترف بيده ليصب على يديهليغسلهما.
وإن لم يجد ذلك .. يرسل في الماء منديلاً ويأخذ طرفه بيده ثم يخرج من البئر، فيغسل اليد بقطراته، ثم يغسل اليد الأخرى.
أو يأخذ الثوب بأسنانه فيغسل يديه ثلاثاً، فإن يجد رفع الماء بفمه فيغسل كذلك.
وإن لم يقدر فيتيمم ويصلي ولا إعادة عليه على ما في «المضمرات». وقال في «الخلاصة»: لو أخذ الماء بفمه يريد به المضمضة .. لا يصير الماء مستعملاً عند محمد وقال أبو يوسف: لا يبقى طهوراً.
والوجه في هذا - على ما ذكروا: أن نقل البلة في الوضوء من إحدى اليدين أو الرجلين إلى الأخرى .. لم يجز، وفي الغسل جائز؛ لأن أعضاء الوضوء مختلفة حقيقة وعرفاً ومتحدة حكماً من حيث دخولها تحت خطاب واحد، فتعارض الاختلاف الحقيقي مع اتحاد الحكمي، فرجح الاختلاف بالعرف، ولا كذلك الغسل؛ فإن جميع الأعضاء متحدة حكماً وعرفاً، فرجح الاتحاد فيه بالعرف. وقال بعض مشايخنا لا حاجة في هذا الغسل إلى الصب على كل يد على حدة؛ لأنه يمكنه غسل كفيه بالماء الذي صب على الكف اليمنى كما هـ وليس هذا نقل البلة من عضو إلى آخر، بل هو صب الماء من عضو إلى آخر، وذلك جائز، ولا يلزمه استعمال المستعمل، وإنما يلزم لو كان مقصوده بصبه على إحدى يديه إزالة الحدث أو القربة وأما لو كان قصده منه الصب على يده الأخرى بعد غسل ذلك اليد بصب مستقل من إناء .. فلا، فكأنه جعلها آلة لاستعمال الماء في يده
الجزء 2 · صفحة 33
وَالتَّسْمِيَةُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأخرى، وقد مر نظيره آنفاً من «الخلاصة».
ثم قيل: إن هذا الغسل فرض والسنة تقديمه على ما هو الظاهر من كلامالمصنف.
وقيل: إنه سنة تنوب عن الفرض، ووقته قبل الاستنجاء.
وقيل: بعده.
والأصح: قبله وبعده.
والتسمية؛ أي: ابتداء بأن يقول: «بسم الله العظيم، والحمد لله على الإسلام»، وهو المنقول عن رسول الله، على ما في «الخبارية». وقال في «المحيط»: السنة مطلق الذكر؛ كالحمد لله، ولا إله إلا الله، والأصل فيها ما رواه الدارقطني عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تطهر أحدكم .. فليذكر اسم الله، وليس الأمر للوجوب على ما ذهب إليه أكثر أصحابنا؛ لأن النبي لا لا لا لا لو لم يعلمها حين علم الأعرابي الوضوء.
وقال بعض أصحابنا إنه للوجوب، وهو مذهب أحمد.
والحجة عليه ما ذكرناه أنه لم يعلمها حين علم الوضوء.
وما روي عن أبي هريرة أنه الله صلى الله عليه وسلم: قال: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله محمول على نفي الفضيلة.
واختلف في وقتها:
قيل: قبل الاستنجاء.
وقيل: قبله وبعده وهو الأصح.
ولو نسيها ابتداء ثم ذكرها في خلال الوضوء فسمى .. لا تحصل السنة، بخلاف الأكل ونحوه؛ لأن الوضوء كله شيء واحد لا يتجزأ، فيشترط عند ابتدائه وقد فات وكل لقمة من الأكل فعل مبتدأ، ولم تفت كذا في «الزَّيْلَعي».
الجزء 2 · صفحة 34
وَقِيلَ: مُسْتَحبَّةٌ.
والسواك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ورُدَّ بأن هذا إنما يستلزم في الأكل تحصيل السنة في الباقي، لا استدراك ما فات.
والجواب عنه أنه استدراك لما فات بما رواه أبو داود مرفوعاً: «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله على طعامه .. فليقل: بسم الله أوله وآخره»، ولا حديث في الوضوء.
وقيل: مُستحبّة؛ لعدم اشتهار مواظبته له، ولذا لم يذكرها علي وعثمان في حكاية وضوء النبي الله على ما في «البخاري»، والحجة عليه ما رويناه، وعدم ذكرهما يحتمل أنهما ذكرا وضوء، والتسمية خارجة عنه.
والسواك - بكسر السين على الأفصح - يطلق على الآلة، وعلى الفعل، وهو المراد ههنا.
وعلى الأول يحتاج إلى تقدير مضاف؛ أي: استعمال السواك. قيل: إنه واجب للصلاة على ما حكاه الماوردي
ولو تركه .. لم تبطل صلاته.
:وقيل: تبطل لو تركه عمداً.
وقيل: إنه مستحب
وقيل: إنه سنة.
ثم اختلف القائلون بالسنية، فقال بعضهم: إنه من سنة الوضوء، وهو المشهور عند أصحابنا؛ لما رواه النسائي: لولا أن أشق على أمتي .. لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء». وهكذا ذكره البخاري معلقاً، وصححه الحاكم.
وقال بعضهم: إنه من سنة الصلاة؛ لرواية البخاري: «لأمرتهم بالسواك مع كل
صلاة، وعند كل صلاة».
الجزء 2 · صفحة 35
وغسلُ الْفَمِ بِمِيَاءٍ، وَالْأَنفِ بِمَيَاهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال بعضهم: إنه من سنة الدين؛ لما رواه أحمد والترمذي: «من سنن المرسلين الختان، والسواك»، وهو المنقول عن أبي حنيفة، ورجحه الحافظ العيني في «حاشية الهداية» معلّلاً بأنه عند الصلاة ربما يجرح الفم وأخرج الدم، ثم لا يخفى عليك أن السنية لا تثبت إلا بالمواظبة بدون الترك، ولا شيء من الأحاديث المروية في هذا الباب يثبت المواظبة عند الوضوء أو عند الصلاة، بل غايتها: إثبات المواظبة في أحيانه مطلقاً، وبهذا يظهر قوة القول الثالث، ولهذا رجح ابن الهمام من محققي أصحابنا كونه مستحباً في الوضوء.
ولما ذكرناه: يجمع بين كونه مستحباً في الوضوء، وسنة في الدين. وفي المحيط»: العلك للنساء يقوم مقام السواك للرجال؛ لأنها يخاف منه سقوط أسنانها؛ لأن مبناها ضعيف، والعلك مما يُنفّي الأسنان ويشد اللثة. انتهى وإن لم يجد السواك .. يفعل بأصبعه ينال ثوابه على ما في «الخلاصة». ويستاك عرضاً لا طولاً؛ لئلا يجرح لحم الأسنان.
ويستاك عند اصفرار السن، وتغير رائحة الفم والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، والوضوء ثلاث بثلاث مياه
وغسلُ الفم بمياه أي بثلاث غرفات جمع ماء بالهمزة، أصله ماه بالهاء، قلبت همزة، فردت الهاء في الجمع.
والأنف بمياه، وإنما عدل عن المضمضة والاستنشاق؛ لأن الغسل يشعر بالاستيعاب، فكان أولى؛ لإشعاره السنة فيها أعني المبالغة، لقوله: «بالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائماً».
فإن قيل: حد المبالغة فيهما وصول الماء إلى رأس حلقه، وإلى ما فوق المارن، على ما في «الخلاصة»، ولم تثبت مواظبته بذلك.
قلنا: ولم يثبت عدم مواظبته أيضاً، فرجحنا المواظبة عليها، بقوله: «بالغ» مع
الجزء 2 · صفحة 36
وتخليل الأصابع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثبوت المواظبة على نفس المضمضة والاستنشاق احتياطاً؛ لأن جميع من حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً وقولاً اثنان وعشرون نفراً بحسب الاستقراء، كلهم حكى
المضمضة والاستنشاق.
وفي كلامه إشارة إلى أن السنة تقديم المضمضة على الاستنشاق، وإلى أن كلاً منهما بثلاث غرفات. وقال الشافعي: إنه يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها، فيتمها بثلاث غرفات.
وقيل: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً ثم يستنشق منها ثلاثاً. وقيل: يجمع بينهما أيضاً بغرفة، ولكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض ثم يستنشق.
والحجة عليهم ما رويناه.
ولو كان بين أسنانه شيء من الطعام .. يجب أن يصل الماء إلى ما تحته إن كان كثيراً يتبين للناظر، كما في سقوط السن على ما في «الخلاصة» أي: يجب؛ لتحصيل السنة.
ولو شرب الماء ولم يمج في الفم .. أجزأه عند من لم يعتبر المج في المضمضة.
وتخليل الأصابع من اليدين والرجلين؛ لما صح في سنن الأربعة أنه قال: «إذا توضأت فأسبغ الوضوء، وخلّل بين الأصابع»، ولم نقل به الوجوب على ما ذهب إليه مالك وأحمد، لحديث الأعرابي حيث لم يذكر فيه التخليل، فقلنا بالسنية. والوعيد في قوله: من لم يخلل أصابعه بالماء .. خللها الله تعالى بالنار يومالقيامة». مصروف إلى ما لم يصل الماء بين الأصابع.
الجزء 2 · صفحة 37
وَاللَّحْيَةِ، وهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ: هُوَ فِي اللَّحْيَةِ فَضِيلَةٌ عِنْدَ الإِمَامِ وَمُحَمّدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكيفيته في الرّجُلِ أن يبدأ بخنصر يده اليسرى خنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر رجله اليسرى، على ما ورد في الأثر.
وزاد بعضهم من الأسفل، ورده في «العيني» بأن هذه الكيفية مما لا أصل لها، وإنما المروي أنه بالخنصر فقط، وكونه من أسفل، والله أعلم.
وعلى تقدير وقوعه إما أن يبدأ من أسفل الأصابع إلى فوق من ظهر القدم، وإما أن يبدأ من أسفل الأصابع إلى فوق من بطن القدم، وفي الأصابع بالتشبيك، والمراد التخليل بعد التثليث؛ لأنه سنة التثليث، على ما في «الظهيرية».
واللحية بتفريق شعرها من جهة الأسفل إلى فوق لغير المحرم، بعد التثليث، إن كانت كثيفة لا تري ما تحتها، وإلا .. يجب غسل ما تحتها على ما مر، وأما المحرم .. فلا يخللها؛ حذراً من نتف شعره.
وهو أي كون تخليل اللحية سُنَّةٌ المختارُ، وبه قال أبو يوسف ومحمد في رواية؛ لما أخرجه الترمذي من حديث عامر بن شقيق الأسدي، عن أبي وائل، عن عثمان: أن النبي مال الله توضأ وخلل لحيته، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: احتج البخاري ومسلم بجميع رواته إلا عامر بن شقيق، ولا أعلم فيه طعناً, بوجه، وله شاهد صحيح من حديث عمار بن ياسر وأنس وعائشة، ثم أخرج أحاديثهم، كلها ينطق عن تخليل النبي صلى الله عليه وسلم لحيته. وقيل: هو أي التخليل في اللحية فضيلة أي مستحب عند الإمام ومحمد، محتجاً:
بأن الأحاديث المروية فيها لم يثبت بشيء منها المواظبة، بل مجرد الفعل، إلا في شذوذ من الطرق، وبذلك القدر لم تثبت السنية.
وبأن السنة لإكمال الفرض في محله، وداخل اللحية ليس بمحل الفرض بخلاف الفم والأنف؛ فإنه من الوجه من وجه من حيث أن لها حكم الخارج من وجه حتى لا يفسد الصوم بإدخالها شيئاً.
الجزء 2 · صفحة 38
وتثليثُ الْغَسْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأبو يوسف لما رأى كثرة الأحاديث فيها .. ذهب إلى سنيتها؛ لعدم اعتبار الرأي
في مقابلة النص كيف وقد ورد في حديث أنس أنه ت وتوضأ وخلل لحيته، ثم قال: بهذا أمرني ربي» كذا في حديث أبي داود وأمره تعالى مغن عن صريح المواظبة؛ لأنه حامل عليها، ولهذا رجح في «المبسوط» قول أبي يوسف. وتثليث الغسل المستوعب؛ لما رواه أبو داود أنه لا توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص .. فقد أساء وظلم الإساءة تتعلق بالنقص، والظلم بالزيادة؛ أي من نقص من أعضاء الوضوء أو من الحد المحدود أو زاد عليها باعتقاد أن السنة لا تحصل إلا بهذه الزيادة - وإلا فالزيادة على الثلاث لطمأنينة القلب عند الشك أو بنية وضوء آخر - جائزة؛ لما روي أن الوضوء على الوضوء نور على نور، قال في «الخلاصة»: إذا فرغ من الوضوء وأتمه ثم استأنف الوضوء .. لا يكره بالاتفاق. انتهى.
واستشكل هذا بأن الوضوء عبادة غير مقصودة لذاتها، فإذا لم يؤد به عمل مما هو المقصود بالذات كالصلاة وسجدة التلاوة ومس المصحف ودخول المسجد .. ينبغي أن لا يشرع تكراره قربة؛ لكونه إسرافاً محضاً.
والجواب عنه على ما فهم من «فتح الباري: أنه لا يشترط عند الحنفية لتجديد الوضوء شيء من أداء العبادة المقصودة بالذات ولا اختلاف مجلس يحتمل نقض الوضوء فيه، بل لو جدد الوضوء بقصد القربة .. فهو جائز لا لوم له؛ لما رويناه، ولأن الوضوء قد يقصد به القربة فيشترط فيه النية، وقد يقصد به كونه وسيلة محضة فلا يشترط فيه النية.
فباعتبار كونه وسيلة .. يجوز أن يفضي إلى فرد آخر من نوعه، باعتبار كونه قربة.
ثم اختلفوا في هذا الثلاث:
فقيل: الأول فرض، والثاني: سنة، والثالث: نقل.
الجزء 2 · صفحة 39
وَالنِّيَّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: الثاني والثالث معاً سنة.
:وقيل الثاني نفل، والثالث سنة.
وقيل: الثلاث يقع فرضاً؛ كإطالة القيام والركوع، وهو المروي عن الإسكاف. وأضاف التكرار إلى الغسل؛ احترازاً عن المسح؛ لأن تكراره ليس بمشروع. والنية أي برفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو عبادة لا تصح إلا بالطهارة، أو الوضوء.
وأما النية بمطلق الطهارة .. فلا يكفي في حصول السنة؛ لتنوعها. ومحلها عند غسل الوجه، أو قبل سائر السنن عند غسل اليدين على الاختلاف.
وقال الشافعي ومالك: إنها فرض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، واعتباراًبالتيمم. لنا إطلاق آية الوضوء، وسكوته حين علم الأعرابي الوضوء عن بيانها، ولأن الشيء إذا خلق على أي طبع .. يوجد ذلك الطبع فيه بلا حاجة إلى النية، وما روياه ظني الثبوت؛ لكونه خبر آحاد، وظني الدلالة؛ لكون ظاهره غير مراد، لأن كثيراً ن الأعمال يحصل حساً بلا نية مثل الطلاق والعتاق، فلا بد لتصحيحه من منا التقدير؛ أي: حكم الأعمال بالنيات.
والحكم نوعان:
أخروي وهو الإثم والثواب، مداره النية.
ودنيوي وهو الصحة والفساد مداره وجود الأركان والشروط المعتبرة في الشرع، ولا يجوز إرادتهما معاً؛ لاختلافهما، فحملناه على المتفق عليه وهو الثواب. فإن قيل: يجوز أن يكون الحكم مشتركاً معنوياً بين النوعين، فيجوز إرادتهما معاً.
الجزء 2 · صفحة 40
وَالتَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قلنا: المقدر ضرورةً لا يتعدى محلها، وقد اندفعت بتقدير الثواب فلا حاجة إلى الآخر.
والاعتبار بالتيمم فاسد؛ لأن التطهير فيه ليس بمعقول المعنى، بل محض تعبد، فيحتاج إلى النية، بخلاف الماء؛ لكونه خلق طهوراً، ولأن التَّيَمُّم ينبئ عن القصد، يقال: يممته أي قصدته فلا يتحقق بدون النية؛ لأن المعاني اللغوية معتبرة في الشرعية، ولأن شرط القياس:
- أن لا يكون حكم الأصل متأخراً عن حكم الفرع، والتيمم شرع متأخراً عن الوضوء بعد الهجرة.
- وأن يكون الفرع نظير الأصل، والتَّيَمُّم ليس نظير الوضوء فالقياس عليه باطل.
واختلفوا في تعريفها، والأوجه: أنها توجه القلب نحو إيجاد الفعل أو تركه، موافقاً لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، فعلى هذا التروك يحتاج إلى النية أيضاً على الأصح؛ لأنه كف النفس، فيكون من قبيل الفعل، ولأن التروك - لو قصد بها تحصيل الثواب وامتثال الشرع - لا بد لها من النية؛ فإنه لو ترك الزنا باعتبار تحريم الشرع لا لنفرة الطبع وغيرها من الموانع يثاب عليه، وكذا الشرب. ولو توضأ بسؤر الحمار أو نبيذ التمر .. شرط له النية على الأصح وفي «القنية»: أنها ليست بشرط فيه.
والترتيب المنصوص فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره.
وقال الشافعي: إنه فرض؛ لأن الفاء في آية الوضوء للترتيب والتعقيب. قلنا: إنها مطلق وزيادة الترتيب عليه نسخ فلا يجوز، والمذكور بعد الفاء حرف الجمع المطلق وهو الواو والفاء دخل على هذه الجملة التي لا ترتيب بين أجزائها،
الجزء 2 · صفحة 41
واستيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحَ. وَقِيْلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُسْتَحِبَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيفيد تعقيب هذه الجملة للقيام إلى الصلاة، ونحن نقول به، وكلامنا في ترتيب الأجزاء، والواو لا يفيده؛ كقول المولى لعبده: «إذا دخلت السوق فاشتر لحماً وخبزاً وعنباً، وإنما وسط الممسوح بين المغسولين للدلالة على الاقتصار في العمل على ما بيناه، لا على الترتيب، فيكون سنة المواظبته الله، والقول بأنه مستحب .. قول بلا سند.
واستيعاب الرأس بالمسح مرة، وقال الشافعي: ثلاثاً، بمياه مختلفة؛ لما رواه أبو داود أنه مسح رأسه ثلاثاً، واعتباراً بالغسل.
قلنا: إن مبنى المسح على التخفيف، والتكرار ينافيه وإنه يصير بالتكرار بمياه غسلاً لا مسحاً، وما رواه محمول على ما بدأ بمقدم رأسه ثم جر أصابعه إلى مؤخر رأسه ثم ردها إلى مقدم رأسه ثم جرها ثانياً تحقيقاً للاستيعاب بماء واحد، وهو المراد بما روي عن أبي حنيفة من جواز التثليث بماء واحد، والقياس على الغسل فاسد للفارق بينهما.
واختلفوا في كيفية الاستيعاب، قال بعضهم: يضع بطون ثلاث أصابع من كل كف على مقدم الرأس، ويعزل السبابتين والإبهامين، ويجافي الكفين ويجريهما إلى مؤخر الرأس، ثم يمسح الفودين بالكف.
وقال بعضهم: يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ويمدهما إلى قفاه على وجه يستوعب رأسه. وهو الصحيح؛ لأن القول بالتجافي لم يثبت له أصل، وما قيل من الاستعمال ليس بشيء؛ لأنه لا بد من الوضع والمد؛ فإن كان مستعملاً بالوضع الأول .. فكذا بالثاني، فلا يفيد تأخيره، ولأنه لا استعمال في إقامة السنة بدون الانفصال الحقيقي على ما قدمناه.
وقيل: القائل هو صاحب القدوري» هذهِ الثلاثةُ مستحبة يثاب على فعلها ولا يُلام على تركها.
الجزء 2 · صفحة 42
وَالوِلَاءُ.
وَمَسحُ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءِ الرَّأْسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأصح أنها سنة؛ لتضافر وجوه السنية فيها على ما في محله.
والولاء بكسر الواو والمد: التتابع في الأفعال من غير أن يتخللها جفاف عضو مع اعتدال الهواء، كذا قالوا.
والظاهر منه أن يختم الوضوء قبل جفاف عضو من الأعضاء، حتى إن العضو الأول إذا جف بعد الغسل الثاني .. فلا يكون ولاء.
وقيل: الولاء أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول، والظاهر منه أن ختم
الوضوء بلا جفاف عضو ليس بلازم في الولاء.
وقال مالك: الولاء فرض؛ لمواظبته [عليه].
قلنا: دعوى الفرضية زيادة على آية الوضوء، فيكون نسخاً، ولا قائل بالوجوب .. فيكون سنة. ومسحُ الأُذنين بماء الرأس.
ولو مسح بماء جديد .. فحسن على ما في «الخلاصة» وهذا إذا لم يمس العمامة بأن كانت موضوعة، وإلا .. فلا بد من ماء جديد، لذهاب بلة أصبعيه. والأصل فيه: قوله: الأذنان من الرأس رواه ثمانية من الصحابة قاله حين مسح رأسه وأذنيه بماء جديد واحد.
وهذا:
لأن المراد به ليس بيان الحقيقة؛ لأن النبي لا إنما بعث لبيان الأحكام. ولا بيان أنهما ممسوحان كالرأس، لا بماء الرأس؛ لأن الاشتراك بين الشيئين في أمر لا يوجب كون أحدهما من الآخر كالرّجل من الوجه؛ لاشتراكهما في الغسل. بل لبيان أنهما ممسوحان بماء الرأس كما هو المناسب لذكره عند مسح الأذنين بماء واحد.
الجزء 2 · صفحة 43
[مَطْلَب فِي مُستحبَّات الوُضُوء]
ومُستحَبُّه:
التَّيَامُنُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكيفيته أن ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين وباطن الأذنين بباطن السبابتين، حتى يصير ماسحاً ببل لم يصر مستعملاً، كذا قالوا، وعن الحلواني وشيخالإسلام أنه يدخل الخنصر في أذنيه ويجريهما.
[مطلب في مستحبات الوضوء]
ومستحبه
التيامن لما في الصحيحين أن النبي يحب التيامن في تنقله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
وقيل: إنه سنة.
والأصح هو الأول؛ إذ لا دليل على المواظبة، والمحبوبية المذكورة لا تستلزم المواظبة؛ لأن جميع المستحبات محبوبة، وما رواه أبو داود وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم لا يدل أيضاً على المواظبة؛ لجواز أن يكون الأمر للندب.
وقال النووي: القاعدة المستمرة في الشرع ما كان من باب التكريم والتشريف؛ كلبس الثوب، والسراويل والخف ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، وترجيل الشعر، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام في الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه: يستحب التيامن فيه.
وأما ما كان بضده؛ كدخول الخلاء والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخف، وما أشبه ذلك .. يستحب التياسر فيه.
الجزء 2 · صفحة 44
ومسحُ الرَّقَبَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن من أعضاء الوضوء ما لا يستجب فيه التيامن وهو الأذنان والكفان والخدان، بل يطهران دفعة واحدة؛ فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه .. قدم اليمين انتهى.
والذي ظهر منه أن أخذ الماء لغسل الوجه باليدين معاً مستحب، حتى صرح النووي في صفة الوضوء الصحيح عند الجمهور أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين معاً لكونه أسهل وأقرب إلى الإسباغ؛ لما في «الصحيحين» أنه صلى الله عليه وسلم أدخل يديه في الإناء وأخذ الماء لوجهه باليدين، فغسل وجهه ثلاثاً.
ومسحُ الرَّقبة بظهر اليدين؛ لعدم استعمال بلهما.
وقيل: إنه سنة.
وأما مسح الحلقوم .. فبدعة.
ومن مستحبات الوضوء تطويل الغرة، والتحجيل؛ أي: غسل شيء من مقدم الرأس ما يجاوز الوجه زائداً على القدر الذي يجب غسله، وغسل ما فوق المرفقين والكعبين.
الجزء 2 · صفحة 45
[مَطْلَب فِي نوَاقِضِ الوُضُوء]
والمعاني الناقضةُ لَهُ:
خْرُوجُ شَيْءٍ مِن أُحدِ السبيلين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[مَطْلَبٌ فِي نَوَاقِضِ الوُضُوء]
والمَعَانِي النَّاقِضِةُ لَهُ أي العلل المؤثرة في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه؛ لأن النقض متى أضيف إلى الأجسام .. يراد منه إبطال تأليفها، ومتى أضيف إلى المعاني .. يراد منه إخراجه عما هو المطلوب منه والمطلوب من الوضوء استباحة الصلاة.
خُرُوجُ شَيْءٍ ولم يقل: ما خرج من البدن كما هو المشهور ههنا؛ لأن حمل المعين على المعنى لا يصح، لكن الأول هو المشهور؛ لموافقته ظاهر قوله حين سئل ما الحدث يا رسول الله؟ قال: ما خرج من السبيلين»، ولأن إضافة النقض إلى الخروج من قبيل الإضافة إلى علة العلة؛ لأن المؤثر في رفع الشيء وجود ضده، وضد الطهارة هي النجاسة القائمة بعين الخارج، والخروج علة لتحقق صفة النجاسة؛ لأنها صفة شرعية لا بد لها من علة، حتى لو لم تخرج لا تكون ناقضة لعدم العلة والإضافة إلى العلة أولى من الإضافة إلى علة العلة والمعاني الشرعية لها حكم الأعيان من حيث البقاء فيصح حمل العين عليها. من أحد السبيلين، والمراد بالخروج ههنا: الظهور حقيقة أو حكماً، لا السيلان، فلا ينتقض بالبول النازل إلى قصبة الذكر؛ لعدم ظهوره، وينتقض بالبول النازل إلى القُلْفَة على الصحيح؛ لظهوره حكماً. وإنما لم يجب إيصال الماء تحت القلفة في الغسل عند بعض المشايخ؛ للحرج.
وعن شمس الأئمة الكردري أنه يجب، وهو الصحيح.
الجزء 2 · صفحة 46
سوَى ريحِ الفرج وَالذَّكرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكذا المرأة إذا نزل بولها إلى داخل فرجها الخارج ولم يخرج إلى الظاهر .. ينتقض.
وكذا المني إذا نزل إلى هذا الموضع يجب الغسل.
الخنثى إذا تبين أنها رجل أو امرأة .. فالفرج الخارج منها بمنزلة الجرح يعتبر فيه السيلان لا الظهور.
وقيل: ينتقض وضوؤها بخروج شيء من فرجه جميعاً، سال أو لم يسل. سوى ريح الفرج والذَّكَرِ على الصحيح؛ لأن الريح في الذكر متوهم ناشئ من الاختلاج، والفرج محل الوطء وليس فيه نجاسة تنجس الريح بالمرور عليها، وهو نفسه طاهر، حتى لو لبس سراويل مبتلة وابتل من اليتيه المواضع التي يمر بها في الريح، فخرج الريح .. لا تنجس.
وأشار بإطلاقه إلى أن الريح الخارج من الذكر وفرج المرأة مفضاة أو لا، منتنة أو لا، مسموعة أو لا .. غير ناقضة.
وهو الظاهر من إطلاقاتهم، لكن المفهوم من قاضي خان: أن الريح الخارج من الذكر وفرج غير المفضاة غير ناقضة بالاتفاق، منتنة أو لا. وأما الخارج من فرج المفضاة فناقضة على قول محمد وأبي حفص البخاري، ورجح بأن الغالب في الريح كونها من الدبر.
وغير ناقضة على اختيار الكرخي، لكنه يستحب له الوضوء.
وقيل: إن كان مسموعاً أو منتنا .. فناقض، وإلا .. فلا.
والدودة الخارجة من الدبر أو الذكر وقُبل المفضاة أو غير المفضاة ناقضة
إجماعاً على ما في «السراج».
وقيل: الدودة الخارجة من قبلها لا ينقض؛ كالريح الخارج منه.
والأصح هو الأول؛ قيل لتولدها من النجاسة، وقيل: لاستصحابها بالنجاسة،
الجزء 2 · صفحة 47
وَخُرُوجُ نجَسٍ مِنَ الْبَدنِ؛ إِن سَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكذا حال الحصا الخارجة من الذكر أو الفرج.
ولو كان به حصاة فشق ذلك الموضع وأخرجها فاستمال البول إليه فكالجرح.
وإن كان بذكره شق له رأسان أحدهما يخرج منه ماء يسيل في مجرى الذكر، والآخر في غيره، ففي الأول ينتقض بالظهور، وفي الثاني بالسيلان.
ولو حشى ذكرَهُ فالانتقاض بمحاذاة بلة الحشوة رأسَ الذكر، لا بنزوله إلى القصبة.
ولو احتشت في الفرج الداخل فالنقض بمحاذاة حرفه، خلافاً لأبي يوسف في قوله: إذا علمت أنها لو لم تحشه لخرج .. نقض.
ولو أدخلت أصبعها فيه .. نقض؛ لأنها لا تخلو عن بلة.
وكذا العود في الدبر كالمحقنة وغيرها، تعتبر فيه البلة إذا كان طرف منه خارجاً.
ولو غيَّبه .. نقض إذا خرج بلا تفصيل، كذا في فتح القدير». وذكر في «الخلاصة»: لو أدخل أصبعه في دبره عند الاستنجاء ينتقض وضوؤه ويفسد صومه.
وخُرُوجُ نَجَسٍ هو بفتح العين: عين النجاسة، وبكسرها: ما لا يكون
طاهراً؛ كالثوب النجس.
مِنَ البدنِ أي بدن الحي لأن الخارج من بدن الميت لا ينقض حتى لا يعاد غسله بل يزال عين الخارج إن سَالَ بأن يعلو وينحدر عند أبي يوسف، واختاره السرخسي.
الجزء 2 · صفحة 48
بِنَفْسِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعن محمد: إذا انتفخ على رأس الجرح وصار أكبر من رأسه .. نقض. بنفسهِ فيه إشارة إلى أن الإخراج غيرُ ناقض على ما اختاره في «الهداية»، حيث قال: إذا قشرتَ نفطة فخرج منها بنفسه ماء أو صديد أو غيره وسال عن رأس الجرح .. نقض وإلا .. فلا.
وأما إذا عصرها فخرج بعصره .. لا ينتقض؛ لأنه مُخرج وليس بخارج. وعليه ما قالوا إن خرج من قرح شيء أو دم أو صديد أو قيح فسال عن رأس الجرح .. ينقض الوضوء، وإن مسحه أو أهال التراب عليه أو وضع عليه خرقة أو قطنة أو رفع الدم بنجسه؛ فإن كان بحال لو تركه سال بنفسه .. فعليه الوضوء؛ لتحقق الخروج تقديراً، وإن كان بحال لو تركه لا يسيل .. لا وضوء عليه.
وما قاله في «فتح القدير» أيضاً: إنه لو ربط الجرح فنفذت البلة إلى طاق لا إلى الخارج .. نقض إن كان بحيث لولا الرباط سال، وإلا فلا؛ لأن القميص لو تردد على الجرح فابتل لا يتنجس ما لم يكن كذلك؛ لأنه ليس بحدث. وما قاله في «الرسالة البلالية» أن ما خرج بوضع الحمصة في محل من البدن بعد كي محلها عليها وعلى الورقة والخرقة الموضوعة عليها ليس ناقضاً للوضوء ولا نجساً، فما أصاب الثوب منه لا يمنع صحة الصلاة؛ لأن ما لا يكون سائلاً بنفسه لا يكون نجساً، ولا ناقضاً للوضوء. هذا، وقال في «النوازل»: إذا عصرت القرحة فخرج منها شيء لكن بحال لو لم يعصرها لا يخرج .. ينتقض؛ لأنه حدث عمداً.
واختاره في «الخلاصة»، وقيل: هو الأصح؛ لأن الخروج لازم للإخراج، ولا بد من وجود اللازم عند وجود الملزوم، وردَّه في «العناية» بأن الإخراج ليس بمنصوص عليه وإن كان يستلزمه، فكان ثبوته غير قصدي ولا معتبر به.
قلت: الذي يقتضيه النظر أن العلة في النقض هو عين الخارج على ما قدمناه،
الجزء 2 · صفحة 49
...............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والعين متحقق في صورة الإخراج، فيترتب عليه حكمه، وإلا .. ينزع إلى تخصيص العلة، والمجوز مخلص، وللمانع بيان المخلص على ما عرف في الأصول. إلى ما يلحقه حكم التطهير الإضافة بيانية، وتحقق الخروج هنا بالسيلان لا بمجرد الظهور، فالمعنى: سيلانه إلى موضع يلحقه التطهير؛ أي: في الجملة، إما في الوضوء أو في الغسل أو في إزالة النجاسة الحقيقية، فلا يرد عليه ما قيل: إنه إذا اقتصد وخرج دم كثير وسال ولم يتلطخ رأس الجرح .. فإنه ينتقض الوضوء، ولم يخرج إلى ما يلحقه حكم التطهير؛ لأن الخارج قد سال إلى موضع يلحقه التطهير من ثوب أو مكان؛ فإنه يجب تطهيرهما حالة إرادة الصلاة فيهما، كالبدن وقصبة الأنف وصماخ الأذن وداخل الفم مما يلحقه التطهير، حتى لو نزل الدم إلى واحد منها انتقض وضوؤه وعن محمد: إنه لا ينتقض بوصوله إلى قصبة الأنف ما لم يصل إلى المارن، كذا في «الحدادي»، وصححه الإمام السرخسي، وهو قول زفر، بخلاف داخل العينين وموضع الورم وقصبة الذكر .. فإنها ليست مما يلحقه حكم التطهير، فلا ينتقض الوضوء بالوصول إليها.
وقال الشافعي الخارج من غير السبيلين غير ناقض؛ لأن غسل غير موضع النجاسة تعبدي غير معقول المعنى، فيقتصر على المورد، وهو مخرج المعتاد، كالماء لا يقاس عليه سائر المائعات في تطهير الحدث.
قلنا: إن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة شرعاً، وهو القدر معقول المعنى في السبيلين، بمعنى أن زوالها إنما هو سبب أن الخارج نجس خارج من البدن؛ إذ لا أثر لخصوصية المحل، وقد وجد هذا في غير السبيلين أيضاً، فيتعدى إليه حكمه، بخلاف كون الماء مطهراً عن الحدث؛ فإنه ليس بمعقول المعنى؛ إذ ليس في أعضاء الوضوء نجاسة حتى يزال، فلا يتعدى حكمه إلى سائر المائعات، فلا يجوز الوضوء بها.
الجزء 2 · صفحة 50
والقيء مِلْءُ الْفَمِ وَلَو طَعَامًا أَو مَاءً أَو مِرّةً أَو علقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: اشتراط السَّيَلان في الفرع ينافي القياس المذكور؛ لأنه ليس بشرط في الأصل .. قلنا: إن الانتقاض إنما هو بالخروج، وهو يتحقق في الأصل بالظهور، وبالفرع بالسيلان، فكأنه علة لتحقق الفرع.
والقَيْءُ مصدر قاء الرجل ما أكله ثم أطلق على الطعام المقذور الخارج من المعدة، ملء الفم وهو ما لا يمكن إمساكه إلا بكلفة على ما اختاره [في] «الخلاصة»، وقيل: هو ما لا يمكن الكلام معه.
وقال الشافعي: القيء ليس بناقض؛ لما روي أنه قاء ولم يتوضأ.
وقال زفر: لم يشترط ملء الفم؛ لإطلاق قوله: «القلس حدث». ولنا: ما صححه الحاكم أن النبي اللقاء فتوضأ، وما رواه الشافعي محمول على القليل، وما رواه زفر على الكثير؛ جمعاً بين الدليلين.
ولو وصلية طعاماً أو ماء، ولو من ساعة أكله وشربه.
والصبي إذا ارتضع وقاء من ساعته .. يكون نجساً، وهذا هو المختار. وعن الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا ينتقض ما لم يستحل ويتغير، والصحيح المختار؛ لأنه قد خالط النجاسة في المعدة.
وقال نجم الدين الزاهدي محل الخلاف ما إذا وصل إلى معدته، وإن كان بعد في المري .. لا ينتقض بالاتفاق.
ولو قاء دواء أو حية كبيرة ملأت فاه .. لا ينتقض على ما في «القنية»، بناء على طهارتهما في أنفسهما، ولم يتداخلها النجاسة، وما يستتبعه قليل لا يبلغ ملء الفم. أو مِرَّةً بكسر الميم، خَلَطْ من أخلاط البدن أعم من الصفراء والسوداء.
أو عَلَقاً وهو ما اشتد من الدم حمرته وجمد والمراد به ههنا: ما صعد من الجوف وملأ، فاه لا ما نزل من الرأس؛ لأنه غير ناقض بالاتفاق، على ما في
الجزء 2 · صفحة 51
لا بلغماً مُطلقاً خلافاً لأبي يُوسُفَ فِي الصَّاعِدِ مِنَ الْجَوْفِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«شرح المنية»؛ لأنه بالانجماد خرج عن كونه دماً، وليس بقيء لعدم خروجه من المعدة.
لا بلغماً مطلقاً أي: نزل أو صعد، ملأ الفم أو لا، اختلط بالطعام، أو لا، إلا إذا كانت الغلبة للطعام، بحيث يملأ الفم لو انفرد بنفسه، ولو كانت الغلبة للبلغم بحيث يملأ الفم لو انفرد .. فإنه لا ينتقض عندهما.
وأما لو استويا .. ففي «الخلاصة» أنه لا ينتقض. وفي «صلاة المحسن»: العبرة للغالب من كلّ من الطعام والبلغم ولو استويا .. يعتبر كل على حدة.
وقال في فتح القدير: وهذا أولى مما في «الخلاصة»:
خلافاً لأبي يُوسفَ في الصَّاعِدِ مِنَ الجوف إذا كان ملء الفم؛ فإنه حينئذ ناقض عنده، بناء على أن البلغم الصاعد نجس عنده، أو يتنجس بمجاورة ما في المعدة من النجاسة، وقد خرج إلى ما يلحقه حكم التطهير، بخلاف النازل؛ فإن الرأس ليس بمحل النجاسة.
ولهما: أن البلغم طاهر عندهما ولا يتخلله النجاسة للزوجيته، وما يتصل به قليل، والقليل لا ينقض في القيء ما لم يبلغ حد الكثرة - وهو ملء الفم - بخلاف ما لو قاء البلغم قليلاً قليلاً مع اتحاد المجلس أو السبب، وبلغ حد الكثرة حيث لا يصير ناقضاً؛ لأن الجمع إنما يعتبر فيما إذا كان غالباً غير مستهلك، وأما في المغلوب المستهلك .. فغير معتبر، وما يتصل بالبلغم القليل مغلوب مستهلك.
وبخلاف ما إذا وقع البلغم في النجاسة ثم ارتفع؛ حيث حكم بنجاسته وإن قل؛ لأنه بالانفصال عن البدن قلت ثخونته ولزوجته وازدادت رقيته .. فيقبل النجاسة. ولو صلى ومعه خرقة المخاط .. لا يجوز عند أبي يوسف إن كان كثيراً فاحشاً؛ لنجاسته على ما في «الخلاصة».
وعن الطحاوي أنه قال: يكره أخذ البلغم بطرف كمه ويصلي معه.
الجزء 2 · صفحة 52
وَيُشْتَرِطُ فِي الدَّمِ الْمَائِعِ: مُسَاوَاةُ البَزَاقِ لَا الْمَلْءُ خلافاً لمُحَمدٍ،.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: هذا القول منه دليل على ميله لقول أبي يوسف ولا يخفى عليك أنه لا دليل فيه على ذلك؛ لأن البلغم قد يستتبعه قليل من النجاسة، والصلاة مع قليل النجاسة مكروهة بالاتفاق. وفي «البدائع»: أنه لا خلاف بينهما في هذه المسألة؛ لأن قول أبي يوسف في الصاعد من المعدة، وهو حدث بالاتفاق وقولهما في الصاعد من حواشي الحلق وأطراف الرئة، وهو ليس بحدث بالاتفاق.
واختلفوا في ماء فم النائم؟
قيل: إنه ملحق بالقيء إذا صعد من الجوف بأن كان أصفر أو منتناً، واختاره أبو نصر.
وقيل إنه طاهر عندهما، نجس عند أبي يوسف وهو الصحيح، على ما في «الخلاصة».
قالوا: نجاسة القيء مخففة، بدليل: ما روي عن أبي حنيفة: لو قاء طعاماً أو ماء فأصاب إنساناً شبراً في شبر .. لا يمنع.
وبدليل: قول المحسن إنه لا يمنع ما لم يفحش، وتعقبه ابن الهمام بأنه لا
خلاف ولا تعارض فيه، فالحكم بكونها حقيقة لا يعرى عن الإشكال.
ويشترط في الدَّمِ المائع والقيح مساواة البزاق؛ فإن ساواه .. ينقض استحساناً؛ ترجيحاً لاحتمال السيلان بنفسه على السيلان بقوة البزاق؛ للاحتياط.
والمساواة. تعلم بالاحمرار، وحكم عليه أحد الطرفين يعلم دلالة.
لا الملءُ هذا عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد فإنه يعتبر الملء اعتباراً بسائر أنواع القيء، وقول أبي يوسف مضطرب.
واعلم أن تحقيق هذه المسألة على ما ظهر من «غاية «البيان» و «المنية»
الجزء 2 · صفحة 53
.......
ـــــــــــــــــــــــــــــ
و «شرحها» و «التبيين» و «ذخيرة العقبى وغيرها: أن الدم إما نازل من الرأس، أو صاعد من الجوف، أو خارج من نفس الفم، وعلى التقادير الثلاثة: إما منجمد، أو مائع. فإن كان نازلاً منجمداً .. فلا ينقض بالاتفاق؛ لخروجه بالانجماد عن كونه دماً، وليس بقيء؛ لعدم خروجه من المعدة بالاندفاع، وتسميتهم قيئاً مسامحة، على ما في «شرح المنية».
وإن كان نازلاً مائعاً؛ فإن كان مختلطاً بالبزاق .. يعتبر المساواة بالاتفاق. وإن كان غير مختلط .. ينقض قليله وكثيره بالاتفاق؛ لأنه كالرعاف، فيعتبر فيه السيلان.
وإن كان صاعداً منجمداً .. يعتبر ملء الفم بالاتفاق؛ لأنه قيء وليس بدم، وإنما هي سوداء محترقة.
وإن كان صاعداً مائعاً .. فإن كان مختلطاً بالبزاق .. يعتبر المساواة أيضاً.
وإن كان غير مختلط .. ينقض قليله وكثيره بلا اعتبار ملء الفم عندهما؛ اعتباراً بسائر الخارج من القرحة الظاهرة؛ لأن المعدة ليست بموضع الدم، فيكون من قرحة في الجوف فيتعبر كسائر القروح، خلافاً لمحمد فيه؛ فإنه يعتبر ملء الفم لما ذكرناه. وإن كان خارجاً من نفس الفم فإن كان منجمداً .. فغير ناقض؛ لعدم كونه دماً وقيئاً، كما في النازل المنجمد.
وإن كان مائعاً مختلطاً .. فيعتبر المساواة.
وإن كان غير مختلط .. فينقض قليله وكثيره بلا اعتبار ملء الفم؛ لعدم كونه قيئاً بالاتفاق بلا خلاف عن محمد.
فظهر منه أن محل الخلاف هو الدم الصاعد المائع الغير المختلط بالبزاق لا المخلوط ولا النازل ولا الخارج من نفس الفم ولا المنجمد ففي كلام المصنف اشتباه واختلاط.
الجزء 2 · صفحة 54
وَهُوَ يَعْتَبِرُ اتِّحَادَ السَّبَبِ لجَمع مَا قَاءَ قَلِيلاً قَلِيلاً، وَأَبُو يُوسُفَ: اتِّحَادَ المجلس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم اختلفوا في التصحيح؛ صحح صاحب المحيط» قول محمد، وصاحب «البدائع» قول أبي حنيفة.
أقول: قياس أبي حنيفة على سائر ما خرج من القروح الظاهرية أقوى من قياس محمد على سائر أنواع القيء؛ لأن الكلام في مطلق الدم المرتقي من الجوف إلى الفم، لا في الدم الخارج من خصوص المعدة، حتى يتعين كونه قيئاً فيقاس على سائر أنواع القيء؛ فإذا كان كذلك .. فكل دم يرتقي من الجوف إلى الفم يحتمل أن يكون من قرحة في نفس المعدة، ويحتمل أن يكون من قرحة في غير المعدة، فعلى الثاني: يتعين القياس على سائر القروح؛ لعدم كونه قيئاً، وعلى الأول: يجوز أن يقاس على سائر أنواع القيء؛ لكونه من المعدة، وعلى سائر القروح؛ لكونه من القرحة في المعدة، فيكون القياس عليها أرجح.
وهو يعتبرُ اتحاد السَّببِ وهو الغثيان، فإن قاء قبل سكون النفس عن الأول .. فهو متحد، وإن سكنت ثم قاء .. فهو حدث جديد. لجمع ما قاءَ قليلاً قليلاً وكان بحيث لو جمع كان بملء الفم.
وأبو يوسف اتحاد المجلس، لأن له أثراً في جمع المتفرقات حتى يتحد الأقوال المتفرقة في النكاح والبيع وغيرهما من العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات المتعددة لآية السجدة.
ولمحمد أن الأصل إضافة الأحكام إلى الأسباب وإنما ترك في بعض الصور كسجدة التلاوة؛ للضرورة؛ إذ لو اعتبر السبب .. لا يبقى التداخل؛ لأن كل تلاوة سبب.
والأصح قول محمد على ما في «الكافي» لما ذكرناه.
ولو اتحد السبب والمجلس .. يجمع بالاتفاق.
الجزء 2 · صفحة 55
وَمَا لَيْسَ حَدثاً .. لَيْسَ نجساً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو تعدد .. لابالاتفاق.
وفي المحيط» يجمع كيفما كان، وهو قول أبي علي الدقاق، ولا رواية عن أبي حنيفة في هذه المسألة.
وما ليس حدثاً أي ناقضاً للوضوء لعدم سيلانه .. ليس نجساً على ما روي عن أبي يوسف. وقال محمد ما ليس حدثاً .. فهو نجس حتى لو أخذ ما لم يسل عن رأس الجرح بقطنة فألقاها في الماء يتنجس الماء عنده.
والصحيح: قول أبي يوسف على [ما] في «الهداية»؛ لقوله تعالى: أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا؛ لأن الظاهر منه أن غير المسفوح لا يكون محرماً، فلا يكون نجساً، والدم الذي لم يسل غير مسفوح، فلا يكون نجساً، وإن كان محرماً في الآدمي، بناء على حرمة لحمه؛ لأن هذه الحرمة لا توجب نجاسته، ولأن الخارج النجس يستلزم كونه حدثاً في الحي، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. لا يقال: عدم كونه حدثاً يجوز أن يكون لكونه غير خارج، لا لكونه غير نجس؛ لأن علة النقض ذات وصفين الخروج والنجاسة، فيجوز انتفاؤه لكونه غير خارج؛ لأنا نقول غير الخارج لا يعطى له حكم النجاسة ما دام في محله، وإلا .. لم يحصل لأحد طهارة أصلاً، حتى لو صلى وهو حامل سخلة أو بيضة حال محها دماً جازت صلاته؛ لكونه في محله بخلاف قارورة فيها دم وسدت فمها؛ فإن الصلاة لم يجزيها، فكان انتفاء الخروج مستلزماً لانتفاء النجاسة، بخلاف دم الاستحاضة والجرح السائل؛ فإنهما حدث لكن لا يظهر أثره حتى يخرج الوقت، وهذا ينزع إلى العلة، لكن المخلص معروف، هذا وكان الإسكاف والهندواني يفتيان بقول محمد، لكن الأكثرين اختاروا قول أبي يوسف؛ لما ذكرناه، ولكونه أيسر على تخصيص الخلق، حتى لو أصاب ثوب أحد قدر الدرهم لا يمنع الصلاة على قوله.
الجزء 2 · صفحة 56
وَالْجُنُونُ.
والشكر.
وَالْإِغْمَاءُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والجنون وهو: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادراً، ولهذا عصم الأنبياء عليهم السلام، وإنما صار ناقضاً للوضوء؛ لعدم مبالاته وتمييز الحدث عن غيره.
والشكرُ وهو أن لا يعرف الرجل من المرأة، ولا الأرض من السماء، على:
ما اختاره صدر الشهيد وصاحب «الخلاصة»، وهو المعتبر في باب الحد أيضاً. وقال الحلواني إذا دخل في مشيته تحرك .. فهو سكر ينتقض به الوضوء. وفي «المجتبى»: وهو الأصح.
والإغماءُ وهو: آفة توجب اختلال القوة الحيوانية بغتة، وإنه لا يخل بالأهلية والعقل كالنوم، ولهذا لم يعصم عنه الأنبياء، وهو أشد من النوم؛ لأنه حدث في كل حال، بخلاف النوم على ما سيأتي.
وبعضهم عد الغشاء. من النواقض أيضاً، وبعضهم أدرجه في الإغماء، وهو الصحيح؛ لأنه نوع منه.
وأما العته فهو آفة توجب الاختلاف بالعقل بحيث يصير مختلط الكلام فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم.
واختلف الأصوليون في حكمه على ثلاثة أقوال:
الجزء 2 · صفحة 57
وقهقهةُ بَالِغِ فِي صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قيل: إنه كالصبي العاقل في كل الأحكام حتى العبادات، وسقط عنه الخطاب.
وقيل: إنه كالصبي العاقل إلا في العبادات، فإنها لا تسقط عنه.
وقيل: إنه كالصبي العاقل، إلا أنه إذا زال العته توجه عليه الخطاب بالأداء، ويقضي ما مضى إذا لم يكن فيه حرج كالقليل عبارة الكل: الاتفاق على صحة أدائه للعبادات، فعلم منه أن العته لا ينقض الوضوء، كذا في «البحر».
وقَهْقَهَةُ بالغ نوماً أو عمداً أو سهواً أو نسياناً على الصحيح، وهو ما يكون مسموعاً له، و لجيرانه، وسواء ظهرت أسنانه أو لا على ما رواه الحسن عن أبي حنيفة، وحكم التَّيَمُّم فيها كالوضوء.
والضحك ما يكون مسموعاً له دون جيرانه، ويبطل به الصلاة وسجدة التلاوة والسهو وصلاة الجنازة الوضوء، على ما في «الخلاصة». والتبسم ما لا يسمع أصلاً، وليس بمبطل لشيء منهما.
قيد بالبالغ؛ لأن الصبي إذا قهقه في الصلاة لا يبطل وضوؤه؛ لأن كون القهقهة حدثاً
مبني على كونها جناية في حالة المناجاة، ولا جناية في فعل الصبي، لعدم كونه مكلفاً، لكن يبطل بها صلاته لما فيها من معنى الكلام.
وقيل: إن القهقهة نفسها حدث، وعلى هذا يبطل وضوء الصبي أيضاً. والصحيح هو الأول؛ لموافقتها الأحاديث الواردة فيها، إلا الأمر بإعادة
الوضوء والصلاة، ولا يلزم منه كونها حدثاً.
في صلاة ذات ركوع وسجود، قال الشافعي ومالك: لا تنقض مطلقاً؛ اعتباراً بخارج الصلاة.
قلنا: هذا قياس تركناه في ذات ركوع وسجود بما رواه أبو حنيفة عن منصور عن الحسن البصري عن الخزاعي أن النبي يا لا لا لو كان يصلي وأصحابه خلفه، فجاء
الجزء 2 · صفحة 58
......................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أعرابي وفي بصره ضعف فوقع في ركبته فضحك بعض أصحابه، فلما فرغ من صلاته .. قال: «ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعاً»، فعلى هذا: لا يبطل وضوء من صلّى المكتوبة أو التطوع راكباً بالإيماء في مصر أو قرية، أو قهْقَة فيها، أو افتتح التطوع راكباً خارج المصر ثم دخل المصر ثم قهقه، أو صلَّى في المصر ركعة تطوعاً راكباً ثم خرج من المصر يريد به السفر ثم قهقه.
وقال أبو يوسف: يبطل وضوؤه بناء على أن التطوع على الدابة يجوز في المصر عنده، أو قهقه الإمام أو أحدث متعمداً ثم قهقه المأموم، أو صلى فريضة عند طلوع الشمس أو عند غروبها سوى عصر يومه وقهقه فيها، أو سلم المقتدي قبل الإمام بعدما قعد قدر التشهد ثم قهقه، أو انقضت مدة مسحه في الصلاة ثم قهقه فيها .. فإنه لا يبطل وضوؤه في جميع هذه الصور؛ لوقوعها خارج الصلاة فلا يتناولها النص المذكور، ولأنه ورد في داخل الصلاة.
وكذا لا يبطل بها طهارة الغسل.
وكذا لو اقتدى الصحيح، بالمومئ، أو القارئ بالأمي، أو بالذي يصلي إلى غير القبلة، أو المتوضئ بالمتيمم، ثم رأى الماء ثم قهقه المقتدي.
والأمي إذا شرع في الصلاة ثم [تعلم] سورة، أو العاري إذا شرع ثم وجد جد ثوباً ثم قهقه، والمملوكة إذا شرعت وهي مكشوفة الرأس ثم عتقت ومضت على صلاتها ثم قهقهت .. فإنه لا ينتقض وضوء هؤلاء بقهقهتهم؛ لوقوعها في خارج الصلاة. ولو سلم الإمام ثم قهقه المأموم قبل أن يسلم هو بنفسه قيل: بطل وضوؤه. وفي «الخلاصة» جعل الأصح أنه لا يبطل.
والخلاف مبني على أنه بعد سلام الإمام هل هو في الصلاة إلى أن يسلم هو بنفسه؟ أو لا.
محدث غسل بعض أعضاء الوضوء ففني الماء فتيمم وشرع في الصلاة فقهقه ثم وجد الماء، فعند أبي يوسف يغسل باقي الأعضاء ويصلي.
الجزء 2 · صفحة 59
............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعندهما يغسل جميعاً؛ بناء على أن القهقهة هل تبطل ما غسل من أعضاء الوضوء .. فعنده: لا، وعندهما: نعم.
والذي يقتضيه النظر قول أبي يوسف؛ لأن مورد النص هو الوضوء لا بعض الأعضاء.
ولو اغتسل جنب وصلى فقهقه، قيل: يبطل الوضوء ويعيد الصلاة. وقيل: لا؛ لأنه ثابت في ضمن الغسل؛ فإذا لم يبطل المتضمن .. لا يبطل المتضمن.
والصحيح هو الأول على ما في فتح القدير» عن «المحيط»؛ لأنه يجب إعادته عقوبة له.
ولو قهقه بعد كلام الإمام عمداً .. بطل وضوؤه على الأصح على ما في «فتح القدير»، على خلاف ما في «الخلاصة».
ولو قهقه النائم في صلاة ذات ركوع وسجود ينتقض وضوؤه لا صلاته، فيتوضأ ويبني عليه على ما روى شداد بن أوس عن أبي حنيفة.
وقيل: إن قهقهة النائم لا تنقض الوضوء ولا الصلاة واختاره فخر الإسلام في «البزدوي» وصححه في «التبيين؛ لأنها ليست بحدث في نفسها، وبالنوم يبطل كونها في معنى الكلام، وكونها جناية.
وعامة المتأخرين على أنها ناقضة لها؛ احتياطاً.
ولو قهقه المومي بعذر في نفل أو فرض انتقض وضوؤه على ما في «فتح
القدير».
واحترز بقوله: ذات ركوع وسجود عن صلاة الجنازة؛ لأنها لا ينتقض
الوضوء فيها؛ لعدم تناولها النص المذكور.
الجزء 2 · صفحة 60
ومباشرةً فَاحِشَةً، خلافاً لمُحَمد.
ونوم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومباشرة فاحشة وهي أن يمس بطنه بطنها أو ظهرها، وفرجه منتشراً فرجها من غير حائل من جهة القبل أو الدبر.
وقيل: مماسة الفرج ليس بشرط.
والظاهر هو الأوّل على ما في «الزَّيْلَعي».
وقال محمد: المباشرة الفاحشة ليس بناقض ما لم يعلم خروج شيء وهو القياس.
ولهما أنها سبب غالب لخروج المذي؛ مثل التقاء الختانين، فيقام مقامه؛ كالسفر مقام المشقة.
وفي «القنية»: وكذا المباشرة بين الرجل والغلام وكذا بين الرجلين توجب الوضوء عليهما، ولا يجب من مجرد مسها ولو بشهوة - ولو فرجها - ولا من مس
الذكر؛ خلافاً للشافعي في الأولى مطلقاً، وفي الثانية إذا مس بباطن الأصابع.
ولنا في العدم، وقوله تعالى: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} يراد به الجماع عند أكثر المفسرين، ونحن نأخذ به لا المس باليد، على ما سنبينه.
الأول: عدم دليل النقض بشهوة وبغير شهوة، فبقي الانتقاض على وفي الثاني: ما رواه أصحاب السنن غير ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة؟ فقال: «هل هو إلا بضعة منك؟!».
• ونَوْمُ هي فترة طبيعية تحدث في الإنسان بلا اختيار، وتمنع الحواس الظاهرة والباطنة عن العمل مع سلامتها، واستعمال العقل مع قيامه، فيعجز العبد به عن أداء الحقوق.
ولذا قالوا: النوم يضاد العلوم والإدراكات كلها.
وأما ما رآه النائم من الرؤيا .. فهو خلق الله تعالى في قلبه، ما رآه كخلقه في
الجزء 2 · صفحة 61
....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اليقظان، وهو تعالى يفعل ما يشاء، لا يمنعه نوم ولا غيره، وربما يقع ذلك في القيظة كما رآه في المنام، وربما جعل ما رآه عَلَماً على أمر آخر يخلقه الله تعالى في الحال أو كان قد خلقه، ولا يخفى عليك أن هذا لا يقتضي إدراك العقل أو الحواس، وهو مذهب أهل السنة والجماعة في الرؤيا.
ثم هذا في نومنا.
وأما نوم النبي .. فليس بناقض على أي وجه كان؛ لما رواه أبو حنيفة مرفوعاً: تنام عيني ولا ينام قلبي» كذا في «الصحيحين».
وهو من خصائصه.
فإن قيل: قد صح أن النبي الا الله ينام في الوادي عن صلاة الصبح ثم قضاها مع أصحابه فلو كان قلبه يقضان لما تركها .. أجيب: بأن نومه نوعان:
أحدهما: ينام فيه قلبه وعيناه.
والثاني ينام فيه عيناه دون قلبه، فيجوز أن يكون نومه في الوادي من قبيل
النوم الأول.
ثم اختلفوا في النوم؛ قيل: إنه لا ينقض على أي حال كان.
وقيل: إنه ناقض على أي حال كان.
وقيل كثيره ناقض وقليله لا بكل حال.
وقيل: إنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد.
وقيل: نوم الساجد فقط.
وقيل: لا ينقض في الصلاة مطلقاً،
وينقض في خارجها.
وقيل: إذا نام جالساً ممكن مقعده على الأرض لم ينقض، وإلا ينقض؛ قل أو
كثر في الصلاة أو خارجها. وهو قول الشافعي
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين؛ كالراكع
الجزء 2 · صفحة 62
مُضْطَجَع، أو متكئ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والساجد والقائم والقاعد لا ينقض في الصلاة أو خارجها.
وإن نام على غير هذه الهيئة .. ينقض، وإليه أشار بقوله: مضطجع أو مستلق أو مكب على وجهه؛ لزوال مسكة اليقظة فيهما. لأن النوم على هذه الهيئات سبب لاسترخاء المفاصل، فلا يخلو عن خروج ريح عادة، والثابت عادة كالمتيقن به. إلا ترى أن من دخل الخلاء ثم شك في وضوئه .. فإنه يحكم بنقض وضوئه؛ لأن العادة جرت عند الدخول إلى الخلاء بالتبرز، بخلاف ما إذا شك بدون الدخول. وأشار بإطلاقه إلى ما في قاضي خان من نَوْعَيّ الاضطجاع؛ قال: إن غلب عيناه فنام ثم اضطجع في حال نومه فهو بمنزلة ما لو سبقه الحدث، يتوضأ ويبني وإن تعمّد النوم في الصلاة مضطجعاً فإنه يتوضأ ويستقبل ولا يبني، وإلى ما في الخلاصة وصححه الزَّيْلَعي؛ أنه لو عجز عن الصلاة قائماً أو قاعداً بمرض، فصلى بالإيماء مضطجعا ونام فيها فإنه .. ينتقض وضوؤه عند ابن المبارك. لكن قال في «الذخيرة والنوم مضطجعاً؛ إنما يكون حدثاً إذا كان الاضطجاع على غيره، وأما إذا كان على نفسه فلا يكون حدثاً.
حتى إن نام واضعاً إليتيه على عقبيه، وصار شبه المنكب على وجهه، واضعاً بطنه على فخذيه .. لا ينتقض وضوؤه. كذا في «الكفاية» وعزاه في «الخلاصة» إلى محمد وينتقض عند أبي يوسف، وهو الصحيح؛ لأنه في تلك الصورة ارتفع جانب الخلف من المقعدة، وزوال التمكن والمسكة. ولو نام محنياً ورأسه على ركبتيه .. لا ينقض على ما في «فتح القدير».
وقيل: ينقض أو مُتَّكِي اتكاء افتعل يستعمل بمعنيين: أحدهما الجلوس مع التمكن، والثاني القعود مع تمايل معتمداً على أحد الجانبين. على ما في «المصباح»، فلا وجه لما في غاية البيان أن المراد بالاتكاء ههنا، وضع رأسه على ركبتيه أو على يديه؛ لأن هذه الحالة ليست باتكاء على ما ترى بل يقال لها: الاحتباء؛ والوضوء لا ينتقض به على رواية ابن المبارك.
الجزء 2 · صفحة 63
أَو مُسْتَندٍ إِلَى مَا لَو أُزِيلَ لسقطَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمراد بالاتكاء ههنا هو المعنى الثاني لا الأول. لما في «الخلاصة» أنه لو نام متوركاً؛ وهو أن يبسط قدميه من جانب، ويلصق اليتيه بالأرض .. لا ينتقض وضوؤه. وقد قال في «العناية»: المراد بالاتكاء الناقض ههنا هو الجلوس على أحد وركيه؛ أي بحيث يكشف من المخرج. فحملنا على ما في «الخلاصة» على المعنى الأول، وما في «العناية» على المعنى أو مستند إلى ما لو أزيل لسقط وهذا لا يخلو إمّا أن تكون مقعدته زائلة عن الأرض، أو لا.
فإن كانت زائلة .. ينتقض إجماعاً.
وإلّا .. ففي رواية الطحاوي ينتقض.
وفي رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة .. لا ينتقض؛ لاستقرار مقعدته فيأمن عن
خروج شيء، وهو ظاهر المذهب على ما في «الكافي». وقيل: إنه الصحيح. وجه الطحاوي أن عين النوم ليس بحدث ومناط النقض الحدث، فلما خفي الحدث بالنوم .. أدير الحكم على ما ينتهض مظنة له، والمظنة ما تحقق معه الاسترخاء على الكمال، وقد وجد في هذا النوم من الاستناد؛ إذ لا يمسكه إلا سند، وتمكن المقعدة مع غاية الاسترخاء لا يمنع الخروج؛ إذ قد يكون الدافع قوياً؛ خصوصاً في زماننا؛ لكثرة الأكل والشرب، فلا يمنعه إلا مسكة اليقظة، وقد زالت. ولو نام في السرج والإكاف أو المحمل .. لا ينتقض وضوؤه على رواية أبي يوسف، سواء كان هابطاً أو صاعداً، لاستواء مقعدته.
إلا إذا اضطجع في المحمل؛ فإنه حينئذ يسترخي مفاصله.
وكذا: لو نام على التنور ورجلاه مدليان .. ينتقض. ولو نام مرتبعاً بلا سند على شيء .. لا ينتقض.
وإن سند ينتقض مطلقاً، على اختيار الحلواني لا على اختيار الطحاوي.
إلّا إن كان بحيث لو أزيل السند لسقط.
الجزء 2 · صفحة 64
لا نوم قاعدٍ أو قَائِم أو رَاكِعِ أو سَاجِدٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا نوم قاعد؛ متربعا أو لا، في الأرض أو السرج أو في الإكاف، إلا إذا كان مضطجعاً أو مستنداً على ما مرّ.
وفي «الخلاصة»: لو نام قاعداً فسقط على الأرض، عن أبي حنيفة أنه إن انتبه قبل أن يصيب جنبه الأرض، أو عند إصابته بلا فصل .. لا ينتقض وضوؤه. وعن أبي يوسف .. ينتقض.
وعن محمد أنه إن انتبه قبل أن تزول مقعدته عن الأرض .. لا ينتقض، وإن زالت قبل الانتباه .. ينتقض.
والفتوى على قول أبي حنيفة.
وقال الحلواني ظاهر المذهب عن أبي حنيفة كما روي عن محمد، قيل: هو المعتمد، وسواء سقط أو لم يسقط.
وإن نام جالسا؛ وهو يتمايل ربما تزول مقعدته عن الأرض وربما لا تزول، قال الحلواني ظاهر المذهب: أنه لا يكون حدثاً.
أو قائم أو راكع أو ساجد لتعمد النوم فيها أو غلبته عيناه في ظاهر المذهب. وعن أبي يوسف: أنه إذا تعمد النوم في سجوده .. ينتقض وضوؤه، ولو تعمده في قيامه أو قعوده أو ركوعه .. لا ينتقض؛ لأن الغالب في نوم السجود الاسترخاء وبالتعمد صار جانياً بخلافه غير المعتمد لعدم تصور الجناية في حقه حالة الصلاة. وعن بعض أصحابنا: السجود إن كان متجافياً على وجه السنة لا ينتقض؛ لبقاء المسكة.
وإن كان لا على وجه السنة .. ينتقض لزوال المسكة.
وعن الإسبيجابي: أنه إذا نام في سجود. عامداً .. ينتقض ولو غلبة النوم لا.
هذا كله في الصلاة.
وأما إذا نام خارجها، ففي «الخلاصة»: لا فرق بينه وبين من في الصلاة في
الجزء 2 · صفحة 65
وَلَا خُرُوجُ دودةٍ من جرح ولحم سقط مِنْهُ. وَمَسُّ ذكرٍ وَامْرَأَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ظاهر الرواية. وصححه في «الهداية لاشتراكهما في العلة؛ أعني زوال المسكة ولإطلاق ما رواه البيهقي مرفوعاً: أنه لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه؛ فإنه إذا اضطجع .. استرخت مفاصله.
وعن أبي شجاع عن أصحابنا: أن النوم إنما لا يكون حدثاً في هذه الأحوال في الصلاة، وأما في خارجها .. يكون حدثاً.
وقوله: ساجد يعم السجدة الصلاتية، والتلاوة، وكذا سجدة الشكر عند محمد، خلافاً لأبي حنيفة على ما في «فتح القدير»، وسجدة السهو داخلة في الصلاتية.
ولا خروج دودة من جرح لأنها لتولدها من لحم طاهر .. طاهرة، وما يستتبعها من النجاسة قليل.
وكذا الخارجة من الأنف والأذن والفم.
بخلاف الخارجة من السبيلين على ما قدمناه.
و لا لحم سقط منه لأن الساقط منه طاهر، وما يستتبعه من النجاسة قليل.
و لا مس ذكر ودبر وفرج. وهو قول أبي حنيفة. وقال الطحاوي: لم يُعلم أحد من الصحابة أفتى بالوضوء من مس الذكر، غير بن عمر.
وقد خالفه في ذلك أكثر الصحابة؛ لما رواه أبو داود مرفوعاً: أنه سئل عن رجل يمس ذكره في الصلاة؛ فقال: هل هو إلَّا بضعة منك؟!» وصححه ابن حبان، وهو حجّة على الشافعي في قوله بوجوب الوضوء في مس الذكر والفرج إذا كان بباطن الأصبع.
و لا مس امرأة من قبيل الإضافة إلى الفاعل والمفعول والمعتبر مس
الجزء 2 · صفحة 66
.............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
البشرة، لا الشعر أو السن، وقد وقع الخلاف فيها في الصدر الأول، فعن علي وابن عباس: عدم النقض مطلقاً، لا وضوء اللامس ولا وضوء الملموس؛ بشهوة أو لا، كان اللامس رجلاً أو امرأة.
وعن ابن مسعود: أنه ينتقض وضوء اللامس مطلقاً بشهوة أو لا، وله في الملموس قولان؛ وهو قول الشافعي محتجاً بظاهر قوله تعالى: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ}. قلنا: يراد بالمس ههنا الجماع، لأنه تعالى بين حكم الحدث الأصغر والأكـ عند القدرة على الماء بقوله: {إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاة} إلى قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَأَطَهَرُوا} فبيّن فيه أن حكم الأكبر: الغسل، ثم أراد أن يبين حكمهما عند عدم القدرة على الماء بقوله: {وَإِن كُنتُم تَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} ولفظ ل {َلامَسْتُمُ} يستعمل في الجماع، فيجب حمله عليه ليكون بياناً لحكم الحدث الأكبر عند عدم الماء؛ كما بيّن حكمهما عند وجوده، فإذا أريد به الجماع .. لا يجوز أن يراد به المس باليد؛ لعدم عموم المجاز، ولا عموم المشترك. ولو قال: ولا أكل ما مسته النار لكان أشمل؛ لأنّ طائفة من العلماء ذهبوا إلى وجوب الوضوء بأكل ما مسته النار، محتجين بما رواه في الصحيحين» مرفوعاً: توضؤوا مما مسته النّار، وأجاب عنه جماهير العلماء من الخلف والسلف بوجهين؛ أحدهما: أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار، قال النووي حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، بأسانيدهم الصحيحة.
والثاني: أن المراد بالوضوء في الحديث المذكور هو وضوء ما مسته النار، وهو غسل اليدين والفم والأنف والوجه وغسل اليدين إلى الذراعين، لا وضوء الصلاة، ويدل على أنّه منسوخ بما رواه الترمذي في «الشمائل»: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من جنب
مشوي ثم قام إلى الصلاة، والحال أنه ما توضاً.
الجزء 2 · صفحة 67
[مَطْلَب فِي فَرَائِضِ الغُسْل]
وَفَرضُ الغُسْلِ: غسلُ الْفَمِ وَالْأَنفِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[مطلب في فرائض الغسل]
وفرض الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، لأن المضمضة والاستنشاق ليسا بشرطين في الغسل المسنون.
وهو أربعة على ما سيأتي.
ولا في الغسل المستحب وهو غسل الكافر حين أسلم ولم يكن جنبا.
غسل داخل الفم والأنف لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا؛ لأن صيغة التطهير للمبالغة وهي في الغسل لا في الوضوء، إلا أن ما تعذر أو تعسّر غسله مستثنى منه للحرج.
فلا يجب غسل داخل العينين ولو مكتحلة بالكحل النجس.
وكذا داخل القلفة في القياس.
إلا أنهم أوجبوه استحساناً.
وقال الشافعي أنهما سنتان كما في الوضوء؛ لما رواه مسلم من الفطرة وعد
منها المضمضة والاستنشاق.
قلنا: إنه محمول على حالة الحدث، بدليل ما روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هما فرضان في الجنابة نفلان في الوضوء» والفطرة أعم من السنة،
وقياسه على الوضوء فاسد؛ إذ لم يرد في الوضوء صيغة المبالغة.
ولو اغتسل الجنب ونسي المضمضة وشرب الماء اختلفوا فيه. قيل: لا يخرج عن الجنابة إن شرب على وجه السنة، وإن شرب لا على وجه
السنة يخرج عنها.
وقيل: لا يخرج مطلقاً إلا أن يمج الماء في فيه، واختاره الناطقي.
الجزء 2 · صفحة 68
وَسَائِرِ الْبَدنِ .. لَا دلكُهُ.
قِيْلَ: وَلَا إِدْخَالُ المَاءِ جِلدَةَ الأَقلَفِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: هو الأحوط.
ولو اغتسل وبين أسنانه فرجة وتأكد فيها الطعام بحيث لا يصل الماء إليه .. قيل: لا يجوز ما لم يخرج ويجري عليه الماء، واختاره الناطقي.
وقيل: يجوز واختاره في «التجنيس» و «قاضي خان».
قيل: الأحوط هو الأول.
وقال في «فتح القدير والدرن اليابس في الأنف كالخبز الممضوغ والعجين .. يمنع، ولا يمنع ما انتضح من غسله في إنائه، بخلاف ما لو قطر كله في الإناء انتهى. وسائر البدن، حتى يجب تحريك القرط والخاتم الضيقين إن ظن عدم وصول
الماء تحتها.
ولو اغتسلت من الحيض والنفاس أو الجنابة وفي أظفارها عجين، أو الخباز أو الطيان، أو الصباغ، إذا اغتسل أو توضأ في أظفاره عجين، أو طين، أو درن .. اختلفوا فيه قيل: يتم غسله ووضوؤه؛ لأنّ ذلك لا يمنع وصول الماء إلى باطنه.
وقيل: يمنع فلا يتم. غسله ووضوؤه.
ويستوى في ذلك القروي والمصري.
وقيل: يجب في المصري دون القروي، وقد ذكرناه في الوضوء.
لا دلكه وعن أبي يوسف وهو قول مالك: أنه واجب عملاً بصيغة اطهروا
لأنها للمبالغة؛ وذلك بالدلك.
قلنا: بتسييل جميع
البدن خرجنا عن عهدة المبالغة قلنا: دلكه سنة لإكمال
محله. الفرض في
قيل: ولا يجب إدخال الماء جلدة الأقلف، واختاره في «قاضي خان».
الجزء 2 · صفحة 69
............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: وهو الأصح للحرج.
وفي الاستحسان أنه يجب، وصححه الإمام الكردي؛ لأن لداخل القلفة حكم الظاهر، حتى إنَّ البَؤل إذا نزل إليه وجب الوضوء. وبالمَنِي وَجَبَ الغُسْل.
الجزء 2 · صفحة 70
[مَطْلَب فِي سُنَنِ الغُسْل]
وسته:
غسلُ يَدَيْهِ، وفرجه، ونجَاسَةٍ إِن كَانَت.
وَالْوُضُوء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[مَطْلَب فِي سُنَنِ الغُسْل]
وسنته:
غَسْلُ يَدَيْهِ؛ لما في البخاري أن النبي الا الله كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فيغسل يديه، ثم يتوضأ، وفي رواية وكيع عن هشام: أنه يغسل ثلاثاً.
ولذا زاد في «الخلاصة» ثلاثاً.
وفرجه هكذا روته عائشة عن النبي الله، وهو أعم من القبل والدبر.
ونجاسة هكذا روي منكرا، عن حميد الدين الضريري، وفي «النهاية» وهو الأصح. قيل: ذكر النجاسة مغن عن ذكر الفرج؛ لأن الفرج إنما يغسل للنجاسة.
قلنا: عدم الغنى غير معتبر في تعدد السنن، ولو سلم فلا غنية؛ لأن تقدم غسل الفرج ليس للنجاسة بل للسنة سواء كان فيها نجاسة أو لا؛ مثل تقديم الوضوء على غسل باقي الأعضاء؛
إن كانت أي وجدت.
والوضوء عطف على قوله: «غسل يديه» أي: مرة قبل الغسل.
وقيل قبله أو بعده على ما في «النووي». وأما التوضؤ قبله وبعده .. فليس بلازم على الاتفاق على ما في «النووي».
وما نقل عن شرح شروط الصلاة أن يتوضأ قبله وبعده .. محمول على قبله أو بعده بمعنى إن لم يتوضأ قبله سهواً أو نسياناً، يتوضأ بعده؛ لحديث عائشة أن
الجزء 2 · صفحة 71
إِلَّا رجلَيْهِ.
وتثليثُ الْغَسْلِ الْمُسْتَوْعِبِ.
ثمَّ غسلُ الرجلَيْنِ، لَا فِي مَكَانِهِ إِن كَانَ فِي مستنقعِ المَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رسول الله و إذا أراد أن يغتسل .. توضأ، قبله، وإذا نسي الوضوء قبله .. يتوضأ بعده. وإلا فهو مخالف للاتفاق.
واختلفوا هل يمسح رأسه في الوضوء قبل الغسل؟ قيل: يمسح. وصححه «قاضي خان»
وقيل: لا، ويكتفى بغسله بعده.
إلا رجليه لما في «البخاري» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه.
وقال الشافعي: يكمل وضوءه ولا يؤخر رجليه؛ لما في «الصحيحين» أنه كان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة .. قلنا: إنه محمول على ما إذا لم يكن في مستنقع الماء؛ عملاً بالدليلين، ولأنّ غسلهما في مستنقع الماء لا يغني عن غسلهما مرة ثانية؛ لأن ما أصابهما من الغسلات انتقل إليه الحدث، فيكون مستعملاً، والماء المستعمل: وإن كان طاهراً عند محمد إلَّا أن الأفضل غسلهما تنزّها.
وتثليث الغسل المستوعب؛ لما في البخاري» أنه قال: «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً».
وكيفيته أن يفيض على منكبه الأيمن ثلاثاً، ثم منكبه الأيسر ثلاثاً، ثم على
رأسه، وهو المروي عن الحلواني.
وقيل: يبدأ بالأيمن، ثم بالرّأس، ثم بالأيسر.
وقيل: يبدأ بالرأس، ثم بالأيمن، ثم بالأيسر.
ثم غسل الرجلين لا في مكانه إن كان في مستنقع الماء؛ لما رويناه وبيناه.
الجزء 2 · صفحة 72
وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ نقضُ ضَفيرتِهَا وَلَا بَلُّهَا إِن بَلْ أَصْلَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولا يخفى ما فيه من الاستدراك؛ لأنّ تأخير غسل رجليه إلى ما بعد الغسل، لا يكون إلا فيما إذا كان في مستنقع الماء. وإلا فلا يؤخره؛ إلا أن يقال: إن الشرط المذكور متعلق بقوله: «ثم غسل»، لا بقوله: «لا في مكانه».
وليس على المرأة نقض ضفيرتها ولا بَلها يجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى المرأة وإلى الضفيرة إن بل أصلها متعلّق بكلّ من النقض والبل، وأما إذا لم يبل أصلها؛ بأن لم يصل الماء دواخل شعرها .. ففي وجوب نقضه لغسل بواطن شعرها قولان عن أبي حنيفة.
أحدهما: وجوب النقض وهو قول مالك والشافعي.
وثانيهما: أنه لا يجب على ما في «فتح الباري».
وفي تخصيص المرأة إشارة إلى أن حكم الرجل بخلافها؛ لأن مفهوم الخلاف معتبر عند باقي الرّوايات؛ ففي فتح الباري: فرق طائفة بين الرجال والنساء فأوجبوا النقض على الرّجل بعد بلوغ الماء أصول شعره، دون المرأة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، واختاره صدر الشهيد.
هذا إذا كانت ذوائبه مفتولة؛ كما يفعله العلويون.
وأما إذا كانت منقوضة .. فيجب إيصال الماء تحتها بالاتفاق، كما في اللحية على ما في «كمال الدراية».
واختلفوا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل؟ قيل: إنه مستحب
وقيل مكروه.
وقيل: مباح.
وقيل: يكره في الصيف دون الشتاء.
وقال في «فتح الباري: فعل التنشيف قول أبي حنيفة وأحمد.
الجزء 2 · صفحة 73
[مَطْلَب فِي موجِبَات الغُسلِ]
وَفُرِضَ لِإِنزَالِ مَنيَ ذِي دَفْقٍ وشهوةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[مطلب في موجبات الغسل]
وفرض الغسل الإنزال مني الصحيح أن سبب الغسل هي الجنابة هيا ونحوها، وأما الإنزال ونحوه .. فهو علة، العلة، وإضافة الحكم إلى العلة، أولى من إضافته إلى علة العلة.
ذي دفق يقال: دفق الماء دفقاً اصب شدة وشهوة.
وليس المراد بالدفق معناه الحقيقي، وإلّا لزم أن لا يتناول اللفظ من أنزل وذكره مماش لشيء مانع من الدّفق لا من الخروج بل المراد به الدفق بالقوة؛ أي: ما يستعد الدفق، وهو: أن يكون المني بحيث يدفق عند الخروج، لو لم يمنع منه مانع، فلا يبعد أن يجعل الشهوة تفسيراً لها، وينتظم العبارة على قول أبي حنيفة ومحمد بلا كلفة من أنه لا يشترط في الغسل الدفق مع الشهوة؛ على ما ذهب إليه أبو يوسف، بل الشرط عندهما هو الشهوة فقط.
وعلى مني المرأة أيضاً؛ لأن منتها إنما هي عن شهوة لا عن دفق.
وقال الشافعي - وهو قول عن محمد، وزفر على ما نقله في «معراج الدراية»، ومختار بعض مشايخنا أيضاً، على ما في «الذخيرة» - أنه يجب الغسل بخروج المني مطلقاً، سواء كان بشهوة أو لا؛ لما رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من الماء» ولنا قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَهَرُوا، لأن الجنب من خرج منه المني على وجه الشهوة
يقال: أجنب الرجل إذا قضى شهوته، وغيره ليس في معناه، فلا يلحقه لا قياساً ولا دلالة، فبقي على العدم الأصلي؛ لأن الغسل فرض بعد الإسلام بمدة، فما لا دليل عليه .. بقي على ما كان عليه قبله وما رواه منسوخ عند جمهور الصحابة ومن بعدهم؛ بالأمر بالغسل بالتقاء الختانين أو هو محمول على نفي وجوب الغسل
الجزء 2 · صفحة 74
وَلَو فِي نومٍ؛ عِنْدَ انْفِصَالِهِ لَا خُرُوجِهِ، خلافاً لأبي يُوسُفَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بالرؤية في النوم ولم يُنزِل على ما روي عن ابن عباس على طريقة مفهوم الخلاف أو على خروج المني عن شهوة؛ لأن قوله: من الماء» يتناول المذي والودي، وليس فيهما غسل بالإجماع، فيحمل على أخص الخصوص؛ وهو حالة الشهوة، والخارج في هذه الحالة هو المني؛ لما رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها: وأما المني فهو الماء الأعظم الذي منه الشهوة وفيه الغسل.
أو على ما تأولناه من الآية: حملاً للمطلق على المقيد؛ لاتحاد الحادثة،
والاتحاد كاف في حمل المطلق على المقيد عنده. ولو - وصلية - في نوم لقوله: «فلتغتسل حين سئل عن المرأة التي ترى في منامها مثل ما يرى الرجل.
عند انفصاله من الصلب متعلق بالشهوة لا عند خروجه من رأس الذكر أو الفرج عندهما؛ خلافاً لأبي يوسف، حيث شرط الشهوة عند الخروج. واعلم أنه لا يجب الغسل إذا انفصل عن مقرّه من الصلب بشهوة، إلَّا إذا خرج على رأس الذكر بالاتفاق.
وإنما الخلاف في أنه هل يشترط مقارنة الشهوة للخروج؟
فعند أبي يوسف .. نعم.
وعندهما .. لا. وكون محل الخلاف هذا يُعلم مما سنتلو عليك، من وجهي الطرفين.
ولأبي يوسف أن الغسل لا يجب إلا بالانفصال والخروج معاً، والشهوة حالة الانفصال شرط بالاتفاق، فكذا حالة الخروج لأنه جزء علة.
ولهما: أن الغسل واجب بهما معاً، فبالنظر إلى وجود الشهوة حالة الانفصال .. يجب الغسل، وبالنظر إلى عدمها حالة الخروج .. لا يجب، فأوجبناه احتياطاً.
فإن قيل: الريح الخارجة من المفضاة يحتمل الخروج من القبل والدبر، فينبغي
الجزء 2 · صفحة 75
ولرؤية مستيقظ لم يَتَذَكَّرِ الاحْتِلَامَ بللاً وَلَو مذياً، خلافاً لَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن يرجح خروجها من الدبر، حتى يكون ناقضاً للوضوء احتياطاً، كما فيما نحن فيه، لكنهم قالوا .. إنها غير ناقضة.
قلنا: لا، ثم إنها غير ناقضة.
بل هي ناقضة عند بعض المشايخ على ما ذكرناه، ولو سلم أنها غير ناقضة، ولكن الشك هناك جاء من الأصل، فتعارض الموجب وغير الموجب، وتساويا وتساقطا، فعملنا بالأصل الثابت يقيناً؛ وهو الطهارة.
وأما ههنا .. فقد جاء دليل عدم الوجوب من الوصف؛ وهو عدم الشهوة، ودليل الوجوب من الأصل؛ وهو وجود نفس الماء مع الشهوة .. فكان في إيجاب الاغتسال ترجيحاً لجانب الأصل على جانب الوصف، وهو صحيح؛ لأن دليل الوجوب قد سبق بمزايلته بالشهوة عن محلّه، وعدم الخروج بالشهوة بعد المزايلة والسبق من أسباب الترجيح.
وثمرة هذا الخلاف تظهر فيمن، احتلم أو استمنى بكفه، أو جامع امرأته في غير الفرج فلمّا انفصل المني عن مقرّه من الصلب بشهوة، أخذ إحليله حتى سكنت فأرسل فخرج بلا شهوة .. يجب الغسل عندهما، لا عنده.
وفيمن اغتسل بعد الجماع قبل النوم، والبول أو المشي، ثم خرج منه المني بلا شهوة .. يعيد الغسل عندهما، لا عنده.
أحد هذه الثالثة .. لا يعيد بالاتفاق.
وكذا .. لا يعيد الصلاة التي صلاها بعد الغسل الأوّل، قبل خروج ما تأخر من المني اتفاقاً.
ولرؤية مستيقظ لم يتذكر الاحتلام بللاً في ثوبه أو فخذه ولو - وصلية - مذياً خلافاً له يعني يجب له الغسل عندهما، لا عنده؛ لاحتمال انفصاله عن شهوة، ثم نسي، ورق هو بالهواء، خلافاً له.
الجزء 2 · صفحة 76
.............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قيل: هذا الخلاف من ثمرة الخلاف المتقدم، وردّه ابن الهمام بأنّ هذا الاحتمال ثابت في الخروج كذلك كما هو ثابت في الانفصال كذلك، فالحق ليست بناء على الخلاف المتقدم، بل هو يقول: لا يثبت وجوب الغسل بالشك في وجود الموجب.
وهما: احتياطاً؛ لقيام ذلك الاحتمال وقاسا على ما لو تذكر الاحتلام، ورأى ماء رقيقاً، حيث يجب الغسل اتفاقاً حملاً للرفة على ما ذكرناه هذا كلامه.
ولا يخفى عليك: أنه لا يمنع البناء على الخلاف المتقدم؛ لأنه إنما يقول: بعدم ثبوت وجوب الغسل بالشك في وجود الموجب؛ بناء على قوله السابق من أنه لا يجب الغسل إلا عند تحقق الموجب؛ وهو الخروج بشهوة نعم، قوله: وقاسا، وجه آخر، غير ما تقدم. وقال ابن الهمام: قول أبي يوسف أقيس، وأخذ به خلف بن أيوب، وأبو الليث وفي «السراج الوهاج»: والفتوى على قول أبي يوسف في الصيف، وعلى قولهما في غيره، في الفروع كلّها.
واعلم أن مسألة المستيقظ يحتمل وجوهاً؛ لأنه: إما تيقن أنّ ما رآه مني، أو مذي، أو ودي، أو شك أنه مني أو مذي، أو أنه مني أو ودي، أو أنه مذي أو ودي، وكل منهما:
إما أن يكون مع تذكر الاحتلام أو لا، فصار اثني عشر وجهاً.
والغسل .. يجب بالاتفاق في ستة منها:
- فيما إذا تيقن أنه منّي؛ تذكر الاحتلام أو لا.
- وفيما إذا تيقن أنه مذي؛ وتذكر الاحتلام أو شك أنه مني أو مذي، أو أنه مني أو ودي، و أنه مذي أو ودي؛ وتذكر الاحتلام في الكل.
ولا يجب بالاتفاق في ثلاثة منها:
الجزء 2 · صفحة 77
............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيما إذا تيقن أنه ودّي؛ تذكر الاحتلام أو لم يتذكر.
أو شك أنه مذي أو ودي ولم يتذكر الاحتلام.
ويجب عندهما، لا عند أبي يوسف في ثلاثة منها:
فيما شك أنه مني أو ودّي، أو أنه مني أو مذي،
أو تيقن أنه مذي ولم يتذكر الاحتلام على ما في «البحر»؛ قال في «المنية»: إن المستيقظ إذا شك أن ما رآه مني أو مذي، ولم يتذكر الاحتلام .. لا يجب الغسل اتفاقاً، فكلام المصنف؛ يحتاج إلى تأمل صادق في تطبيقه على محل الخلاف من هذه الاحتمالات.
وقال في المدة؛ فكان مراده ما يكون صورته صورة المذي، لا حقيقة المذي. انتهى. فعلى هذا يكون مراد المصنف بقوله: «ولو مذيا ولو على صورة مذي.
«الخلاصة»: ولسنا نوجب الغسل بالمذي لكن المني يرق بإطالة وكذا المراد بقولهم: أو تيقن أنه مذي.
ويؤيده ما قاله ابن الهمام التيقن متعذر مع النوم.
قال في فتح القدير: ولو تذكر الاحتلام والشهوة ولم ير بللا لا يجب الغسل اتفاقاً؛ أي: سواء خرج منه مذي بعد ساعة بعد التيقظ، أو لم يخرج؛ على ما ذكره نجم الدين النسفي.
ولا يعارضه ما ذكر في ذخيرة الفقهاء»: أن من احتلم ولم ير بللا، فتوضأ وصلى الفجر، ثم نزل منه مني .. يجب عليه الغسل؛ لأنه إنما يجب عليه الغسل بنزول المني، ولا كلام فيه لا بالاحتلام السابق، حتى لا يعيد صلاة الفجر؛ ولو كان بالاحتلام .. لزمه إعادتها.
وإنما يعارضه ما ذكره قاضي خان عن بعض الفقهاء إذا وجدت المستيقظة لذة الجماع؛ كان عليها الغسل وإن لم تر بللا.
الجزء 2 · صفحة 78
ولإِيلَاجِ حَشَفَةٍ فِي قُبُلٍ أو دبرٍ من آدَمِيّ حَيّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكذا المستيقظ على ما صرّح به في «فتح الباري».
قلنا: مراده بالاتفاق في ظاهر الرواية، لا مطلقاً، واتفاق أكثر الفقهاء، وكلام المصنف ساكت عن هذا القول لا مناف إلا أن يلاحظ مفهوم الخلاف.
وروي عن محمد في مستيقظ وجد ماء ولم يتذكر احتلاماً؛ إن كان ذكره منتشراً قبل النوم .. لا يجب الغسل، وإلا .. يجب؛ لأنه بناء على أنه عن شهوة، لكن ذهب عن خاطره، فظهر منه أنّ مدار الوجوب كون المرأة من الماء؛ احتمال كونه منياً، والغالب في صورة الانتشار قبل النوم كونه مذياً.
فإن قيل: قد ذكر في «الظهيرية» بال فخرج منه مني؛ إن كان ذكره منكسراً لا غسل عليه؛ وإن كان منتشراً فعليه الغسل فعلم منه أن مجرد كون الماء منياً لا يكفي في الوجوب .. قلنا: كون الماء في هذه الصورة منياً ممنوع، كيف وإن المنّي لا يكون إلا عن شهوة، على ما ذكرناه عن عائشة، ولهذا نقل في التجنيس: وجوب الغسل حالة الانتشار؛ بأنه وجد الخروج والانفصال عن شهوة، هذا ولو غشي عليه، أو سكر؛ فأفاق ثم وجد مذياً لا غسل عليه بالاتفاق؛ لأن المذي لا بد له من سبب، ولا سبب له حال الغشي والسكر، بخلاف حال النوم؛ لأنه مظنة الاحتلام وبالمستيقظ احترز عنه. ولإيلاج حشفة بالحاء المهملة رأس الذكر من موضع الختان؛ في قبل امرأة يجامع مثلها؛ لأن الإيلاج في فرج البهيمة والميتة والصغيرة التي لا يجامع مثلها بلا إنزال .. لا يوجب الغسل عندنا.
أو دبر من آدمي حتي احترز بالآدمي عن البهيمة، وبالحي عن الميتة؛ لما ذكرناه. واعلم أنّ مطلق الإيلاج في الآدمي؛ يتناول إيلاج الذكر في القبل والدبر، وإيلاج الإصبع فيهما:
- وفي إيلاج الإصبع في الدبر خلاف في إيجاب الغسل؛ على ما في «فتح القدير».
الجزء 2 · صفحة 79
وَإِن لم يُنزِلْ، عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي صوم «التجنيس»: المختار أنه لا يجب الغسل بإدخال الإصبع في الدبر، ولا القضاء؛ لأنه ليس آلة للجماع، فصار كالخشبة.
وفي إضافة الإيلاج إلى الحشفة إشارة إلى «التجنيس» وإن - وصلية - لم ينزل على الفاعل والمفعول به؛ لما في «الصحيحين» «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جدّها .. فقد وجب الغسل».
لم يقيد بالإنزال؛ فدل على الوجوب بإيلاج القبل صراحة؛ والدبر في معناه فيلحق به، بالإجماع بخلاف البهيمة والميتة والصغيرة، التي لا تشتهى عند عدم الإنزال؛ لأنها ليست في معنى المشتهات، فلا يلحق بها .. فلا يصح إقامة السبب فيها مقام المسبب؛ وهو الموجب الغسل في الإيلاج وبدون الإنزال، وليس هذا تخصيص النص ابتداء بالمعنى على ما ظنّ بل هو قول بموجب «إنّما الماء من الماء» يعني أن الغسل إنما يجب عند خروج الماء حقيقة أو حكماً، ولو سلم.
ولكنه جائز عند بعض الفقهاء.
ثم الاعتبار في الجماع تغييب الحشفة من صحيح، الذكر، فإذا غيبها بكمالها .. تعلقت به جميع الأحكام.
ولا يشترط تغييب جميع الذكر بالاتفاق.
ولو غيب بعض الحشفة .. لا يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق.
وأما إذا كان الذكر مقطوعاً؛ فإن بقي منه دون الحشفة .. لم يتعلق به شيء من الأحكام. وإن كان الباقي قدر الحشفة؛ فحسب تعلق الأحكام بتغييبه بكماله.
وإن كان زائداً على قدر الحشفة ففيه وجهان:
أصحهما أن الأحكام .. تتعلق بقدر الحشفة منه.
والثاني .. لا يتعلق شيء من الأحكام إلا بتغييب جميع الباقي.
الجزء 2 · صفحة 80
...................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو لف على ذكره خرقة وأولج في فرج المرأة ولم ينزل .. قيل يجب عليها الغسل.
وقيل: لا يجب.
وقيل: إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول اللذة والرطوبة .. لا يجب، وإلّا .. والأول أحوط، وصححه النووي.
ولو استدخلت المرأة ذكر بهيمة .. يلزمها.
بخلاف ما لو جومعت فيما دون الفرج فسبق الماء إلى فرجها. أو جومعت البكر وبكارتها لا تزال بعد حيث .. لا غسل عليهما؛ إلَّا إذا ظهر الحَبَل؛ لأنه حينئذ تحقق أنهما أنزلتا.
وبخلاف ما لو قالت المرأة إن جنياً يأتيني في النوم مراراً، وأجد ما أجد معي وإذا جامعني زوجي، حيث .. لا غسل عليهما ما لم تر الماء؛ على ما في «فتح القدير.
وقال في «البحر»: عليها الغسل لوجود الإيلاج وكأنه عمّم الإيلاج للآدمي والجني.
فاستفيد منه: أنه لو قال رجل: إنّ معي جنية أجامعها في النوم؛ واجد معها ما أجد مع امرأتي عند الجماع يلزمه الغسل على ما في «البحر». وقال في «فتح القدير» وحكي .. وجوب الغسل على ما غابت الحشفة فيفرجه.
خلافاً في «المبتغى» فعلى هذا .. لا يجب الغسل بإيلاج حشفة في الفرج إلا على الفاعل فقط؛
قلت الذي ظهر من عبارة «المبتغى ليس هذا؛ حيث قال فيه: وتواري حشفة
الجزء 2 · صفحة 81
ولانقطاع حيض ونفاس.
لا لمذي، وودي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في قبل أو دبر، على الفاعل والمفعول .. يوجب الغسل أنزل أو لم ينزل. وفي الميتة والبهيمة وما دون الفرج لا بد من الإمناء.
والصغيرة التي لا تُشتهى .. لا غسل عليها؛ ما لم تنزل على رأي. انتهى. فإن الظاهر منه أن الخلاف إنما هو في الصغيرة الغير المشتهاة؛ لا مطلقاً. ولانقطاع حيض ونفاس فيه: أن الانقطاع طهر؛ فلا يوجب الأطهار؛ فالأولى أن يقول: ولحيض ونفاس؛ لأنهما سبب له؛ غير أنهما لا يفيدان حال قيامهما؛ كحال جريان البول؛ فإذا انقطع أفاد.
وحاصله: أنه يوجب الغسل بشرط الانقطاع؛ فإن قيل: إنهما دمان مخصوصان والجوهر لا يصح سبباً للمعنى .. قلنا له نظير في الشرع؛ كالبيت للحج. أو نقول: المراد بهما معناهما اللغوي لا الدم المخصوص
واختلفوا فيمن ولدت ولم تر دما أصلا؟
قيل: يجب عليها الغسل.
وقيل: لا.
والأول أصح.
والخلاف فيما إذا ألقت مضغة أو علقة.
لا لمذي فيه ثلاث لغات أشهرها فتح الميم وسكون الدال؛ وهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند شهوة لا بشهوة ولا، دفق وهذا لما في «الصحيحين» أن عليا أمر المقداد فسأل النبي الا الله مع عنا المذي فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ» قال أبو حنيفة
والشافعي: يغسل ما أصابه المذي من الذكر
وقال مالك: جميعه
وقيل: مع الأنثيين.
وودي ماء أبيض ثخين، يخرج بعد البول.
الجزء 2 · صفحة 82
واحتلام بِلَا بَلل، وإِيلَاجِ فِي بَهِيمَةٍ أَو مِيتَةٍ بِلَا إِنْزَالٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: فعلى هذا كيف يتصور كونه من نواقض الوضوء لأنه قد انتقض بالبول؟
قلنا: الأسباب المتعاقبة، أوجبت أحداثاً متعددة، يجزيه عنها وضوء واحد؛ لما قاله محمّد فيمن حلف لا يتوضأ من الرعاف فبال ثم رعف ثم توضأ أنه يحنث، وهذا صريح في أن الرعاف بعد البول يوجب الحدث، هذا في ظاهر الرواية. وقيل: الوضوء من الأول وهو المروي عن الجرجاني؛ ورجحه في «فتح القدير بما حاصله أن العلة الأولى لما عملت عملها - كان عمل الثاني من قبيل تحصيل الحاصل فلا تعمل نعم؛ لو وقعت الأسباب دفعة .. أضيف الحكم إليها إلى كلها ولا ينفي ذلك كون كلّ علة مستقلة؛ لأن معنى الاستقلال: كون العلة بحيث لو انفردت عمل عمله وهذه الحيثية ثابتة لكل منها في حال الاجتماع وعن الهندواني إن اتحد الجنس؛ كأن بال ثم بال فهو من الأول، وإلا فمنهما. واحتلام بلا بلل لما في الصحيحين جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الماء» علق الحكم بالشرط؛ فإذا عدم الشرط .. انعدم الحكم بالعدم الأصلي؛ لا لأنّ العدم علّة العدم، إذ لا تعليل بالإعدام عندنا، وقد ذكرنا بعض ما يتعلق بها في مسألة المستيقظ.
ثم ما ذكر جواب ظاهر الرواية.
وقيل: يجب الغسل على الرجل باحتلامه بلا بلل في جميع الروايات. وبإيلاج في بهيمة أو ميتة بلا إنزال لنقصان السبب فيهما، فلا يقام مقام المسبب على ما ذكرناه
ولم يذكر الصغيرة الغير المشتهاة؛ لما فيه من الخلاف السابق
الجزء 2 · صفحة 83
..............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكذا لا يجب بإيلاج الخنثى المشكل ذكره في فرج امرأة أو دبرها؛ لاحتمال أن يكون امرأة وهذا الذكر منه زائد فيصير كمن أولج إصبعه.
وكذا إذا أولج رجل ذكره في فرج خنثى مشكل بلا إنزال لجواز أن يكون الخنثى رجلاً والفرج منه بمنزلة الجرح.
الجزء 2 · صفحة 84
[مطلب في الغسل المسنون]
وَسُنَّ لِلْجُمُعَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[مطلب في الغسل المَسْنُون]
وسُنَّ الغسل لِلْجُمُعَةِ وقال مالك: إنه واجب؛ لما في «البخاري» مرفوعاً: من جاء منكم الجمعة فليغتسل».
قلنا: إنه ممنوع بما صححه الترمذي مرفوعاً أيضاً أنه أفضل، ولئن قيل: لم يعلم له تاريخ مؤخر فلا يكون ناسخاً .. قلنا: نحمل الأمر على الندب عملاً بالدليلين. ومنه ظهر قوة قول من قال: غسل الجمعة مستحبّة.
ولنا أن نقول: إن حكم هذا الأمر قد انتهى بانتهاء علته؛ على ما أفاده ما رواه أبو داود عن عكرمة أنّ ناساً من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ فقال: لا، ولكنه طهور وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبر كيف بدأ الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف
ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار، وعرق النّاس في ذلك الصوف، حتّى ثارت منهم رياح، حتى آذي
بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرياح قال: «يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أمثل ما يجده من دهنه وطيبه».
قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف، وكفوا عن العمل، ووسع مسجدهم. فإذا انتهى حكم هذا بانتهاء علّته؛ يعني العمل بما صححه الترمذي من الأفضلية فيكون مستحباً.
ثم اختلفوا؛ فقال أبو يوسف: هو لصلاة الجمعة.
وقال حسن بن زياد ليومها.
وهذا الخلاف جارٍ في غسل العيدين وعرفة أيضاً؛ على ما في «البدائع».