نفيس المتجر بشراء الدرر
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
نفيس المتجر بشراء الدرر
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي ونعم الوكيل
الحمد الله عالِمِ غَيبِ الدَّارَينِ، الكاشف عن القلب والعين الوَهْمِ والرَّينِ، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمد سيد الكونين، وعلى آله وأصحابه القائمين بأداءِ الفَرْضِ والسُّنَّةِ المُنَزَّلِ في شأنهم أعظَمُ مِنَّةٍ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:] ظَفِرُوا بتسليم المشري بخير بيع سليم عن قَلْبِهِ، {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم به} [التوبة:].
وبعد:
فيقول العبدُ الرَّاجي صحبة أولئك الموالي، حَسَن الوَفَائيُّ الحنفي الترنبلالي: هذه نبذة لتحريرِ صِحَّةِ البيعِ المُسمَّى جِنسُه، دُونَ قَدْرِهِ ووَصْفِه كالمُشارِ إليه، وإظهارِ النَّصَّ الشَّاهِدِ بأنَّ المُخالِفَ له لا يُعوّل عليه، وسميتها:
«البديعة المهمة لبيان نقض القسمة»
قالَ مُؤَلِّفُها أَفاضَ الله عليه وعلينا سجالَ الرَّحمةِ، ومَنَّ وسَتَرَ: وكفى في صحة البيع الإشارة في أعواض أُعَمّ مِنَ المَبيعِ والشَّمنِ غير ربوية، وشرط معرفة مبيع؛ يعني: معرفة جنس مبيع يحتاج إلى التسليم بما يرفَعُ الجَهالة وما قاله من انتفاء الجهالة بثبوتِ خيار الرؤية مدفوع بأن خيار الرؤية قد يسقط بروية بعض المبيع، فتبقى الجهالةُ المُفضية إلى المنازعة، وكذا قد يبطل خيار الرؤية قبلها بنحو بيع أو رَهْنٍ لما اشتراه، كما سيأتي بيانه في بابها، ولذا قال المُصنِّفُ هُناكَ صَع البيع والشراء لما لم يرياه، والإشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز، اهـ.
فأفاد أن انتقاء الجهالة بهذه الإشارة شرط جواز أصل البيع ليثبت بعده خيار الرؤية. نعم؛ صحح بعضُهم الجواز بدون الإشارة المذكورة، لكنه محمول على ما إذا حصل انتفاء الجهالة بدونها، ولذا قال في النهاية» هُناكَ صَحَ شراء ما لم يرَه؛ يعني شيئاً مُسمى موصوفاً، أو مشاراً إليه أو إلى مكانه، وليس فيه غيره بذلك الاسم، اهـ.
وقال في «العناية»: قال صاحِبُ «الأسرار»: لأن كلامنا في عين هي بحالةٍ لو كانَتِ الرُّؤية حاصلة
بأنْ باعَ غائباً؛ يعني: سَمَّى جِنسَه، وأشار إلى مكانه، وليسَ فيه مُسمّى بذلك الامس غيره فإنَّه جائز، وشُرِطَ معرفةُ قَدْرِ ثَمَنٍ كعشرة في الذِّمَّةِ؛ احترازاً عنِ المُشار إليه، ومعرفة وصفه؛ أي: الثَّمنِ؛ كبُخارِي وسَمَر قَندِي، انتَهَى.
فقد نص في الدُّرَرِ» على أنَّ معرفةً قَدْرِ المبيع ووصفه ليسَتْ شَرطاً لصحةِ بَيعِه، سواء كانَ مُشاراً إليه أو إلى مكانه الخالي عن سميه، وسنذكرُ عن «المُحيط» و «البزَّازِيَّةِ» أنَّ الإشارة لا يُحتاجُ إليها للصحة، وأنَّه يُكتفى بذكرِ جنسِ المبيع مع وجوده في ملك بائعه، ولا يدفع هذا قول «مواهبِ الرَّحمنِ»: ويُشترَطُ معرفة المبيع بما ينفي جهالته قطعاً للمنازعة، وقدرُ الشَّمنِ ووَصفه لو في الذَّمَّةِ لا المُشار إليه، انتهى.
إذ المعرفةُ ببيانِ جنس المبيع فقط؛ لأنَّ الوَصْفَ والقَدْرَ ترتفعُ جَهالتهما بخيار الرؤية في المبيع الغائبِ، فلا يُشترَطُ الصِحَّةِ بيعه ذِكرُ وَصفه، ولا قَدرِه؛ لأنَّ جَهالَتَهُما لا تُفضي إلى مُنازِعَةِ مَفسدة، لارتفاع النزاع بخيارِ الرُّؤيةِ.
فقول صاحب الاختيار» و «البرهان»: وإِنْ كانَ المبيعُ غائباً ولا يُعرَفُ بالأنمُوذَج؛ كالثَّيابِ والحيوان، فلا بُدَّ من ذكر جميع الأوصاف؛ قطعاً للمُنازَعة، ويكون له خِيارُ الرُّؤيةِ، انتَهَى.
فممنوع من حيثية اشتراط جميع الأوصاف لصِحَّةِ بيعِ غائبٍ لا يُعرَفُ بالأُنمُوذَج؛ لِما قال في «الخُلاصة»: باعَ عَبْداً له ولم يصِفُ ولم يُشِرْ إِليه؛ إنْ كانَ له عبد واحد يجوز.
قال: بعتُ منك الجارية التي اشتريتها من فُلان، أو الجارية التي في هذا البيتِ، اشتَرَى جِرابَ هَرَويّ على أنَّ فيه عشرينَ ثَوْباً، وبيَّنَ لكُلِّ ثَمَناً فَوَجَدَها تسعةَ عشر، جازَ البيع.
اشترى مساحةً أو أرضاً وذكرَ حُدودَها ولم يذكُرُ ذَرْعَها لا طُولاً ولا عَرْضاً جاز البيع، ولو لم يذكُرِ الحُدودَ، ولم يعرفِ المُشترِي الحدودَ] جازَ البيعُ إذا لم يقع بينهما تَجاحُدٌ.
قالَ لآخَرَ: إِنَّ لكَ في يدي أرضاً خَرِبةً لا تساوي شيئاً، فبعها مني بكذا، فقال: بعتها ولم يعرفها البائع وهي تُساوي أكثر من ذلك، جازَ.
رجُلٌ قالَ لآخَرَ: بِعتُكَ جميعَ ما لي في هذه القرية منَ الرَّقيق، أو البر، أو الشَّيابِ، فهاهنا خمس مسائل: أحدها هذه الثَّانيةُ: الدَّارُ الثَّالثةُ: البيتُ الرَّابعةُ: الصندوق. الخامسة: الجُوالِقُ.
وكل وجه على وجهين، إما أن يعلَمَ المُشتري بما في هذه المواضع أو لم يعلَمْ إِنْ علِمَ، جازَ في الكُلِّ، وإنْ لم يعلَمْ ففي القريةِ والدَّارُ لا يجوزُ، وفي البَواقي، جاز، انتهى.
وقال الكمالُ: وشَرطه - أي: صحة البيع - كونُه - يعني: المبيع - مالاً مُتقَوماً
شَرْعاً، مَقدُورَ التّسليم في الحال، أو في ثاني الحال، فيدخُلُ السَّلمُ، انتَهَى
فلم يجعَلْ ذِكرَ الوَصْفِ والقَدْرِ شَرْطاً لصحة البيع.
[وكذا قوله في «الهدايةِ»: ومَن باعَ أرضاً دخَلَ ما فيها منَ النَّخْلِ والشَّجَرِ وَإِنْ لم يُسمه، وكذا بناء الدَّارِ، وإنْ لم يُسَمِّه، مع أنَّ ذلك كلَّه وَصفٌ في المبيع، فلم يجعل ذكره شَرْطاً لصحة البيع].
وكذا دخول الشربِ والطَّريقِ بذكرِ حُقوقِ المبيع ينفي اشتراط تعيين أوصاف المبيع، فهذا كلَّه مُوجِبٌ صِحَّةَ شِراء ما لم يره من غير ذكر أوصافه وقدره، ويثبت له خيار الرؤية، وبه يندَفِعُ ما في شرح المُختار» و «البُرهانِ»؛ لأَنَّ ذِكرَ الوَصْفِ والقَدْرِ لا يُفيدان لزوم بيع ما لم يرَهُ، كما لا يتوَقَّفُ الانعِقادُ على ذكرهما بما ذكَرْناهُ مِنَ النقول.
وقد تدافع كلام صاحب «البُرهان»، فإنَّه قال في بابِ خِيارِ الرُّؤيةِ: المَبيعُ - أي: الذي لم يُرَ - مَعلومُ العَينِ مَقدورُ التّسليم، ولا ضَرَرَ في بيعه، فيصح كالمرئي، والجَهالَةُ إِنَّما تُفْسِدُ العقد إذا كانَت تُفضي إلى المُنازَعَةِ؛ كشاةٍ من قطيعه، فأما إذا كانت لا تُفضي إليها، لا تُفْسِدُه؛ كبيع. قفيز منَ الصُّبرَةِ، وجَهالة الأوصاف بسببِ عدَمِ الرُّؤية لا تُفضي إليها بعدما صارَ معلومَ العَينِ، وإنَّما تأثير هذه الجهالة في انعِدامِ تَمامِ الرّضا به، وذا شَرط انبِرامِ العقد، لا شَرطُ جَوازِه، انتهى كلامه.
فهو يدفَعُ ما قدَّمَه؛ لأنَّ هذا هو التحقيق، ولا يُخالِفُ ذلك قول «الكَنْزِ»: ولا بُدَّ من معرفةِ قَدْرٍ ووَصْفِ ثَمَنِ غيرِ مُشارٍ؛ لأنَّ التنوين يتعيَّنُ أن يكونَ في «قَدْرٍ» بدلاً عنِ المُضاف إليه، وهو الثَّمَنُ إِنْ قُرِئَ مُنوَّناً، ويجوزُ تَركُ التَّنْوينِ على نيَّة إضافتِه للشَّمَنِ المَذكور، على حَدَّ قَولِ بعض العرب بعتُه بِنِصْفِ ورُبع درهم، فالتَّقديرُ: ولا بُدَّ من معرفةِ قَدْرِ ثَمَن ووَصْفه، ويكون على حد قول: ما بين ذراعي وجبهة الأسد، إشارةً إلى أنَّ المبيع لا يُسْتَرَطُ لِصِحَّةِ بَيعِه بيانُ قَدْرِهِ ووَصْفه، ولو معَ گونه ليسَ مشاراً إليه، فيكفي ذِكرُ جِنْسِه.
وبمثل هذا شرَحَ مُنلا مِسكين عبارةَ الكَنْزِ» بقوله: ولا بُدَّ من معرفةِ قَدْرِ ووَصْفِ ثمن غَيرِ مُشارِ؛ أي: إذا كانَ الشَّمنُ غير مُشار إليه، لا بُدَّ من معرفةِ قَدْرِه ووَصْفه، انتَهَى. فقد خَصَّ معرفةَ القَدْرِ بالثّمَنِ كوَصفه.
وبمثله قد صرَّحَ صاحِبُ الكَنْزِ في الكافي» بقوله: والثَّمَنُ إِذا كانَ غَيرَ مُشَارٍ إليه، لا بُدَّ من معرفةِ قَدْرِهِ ووَصْفِه، ثمَّ قال: وإذا كانَ الثَّمَنُ أَو غَيْرُه مُشاراً، لا يُحتاجُ إلى معرفة مقداره في جواز البيع؛ لأنَّ الإشارة أبلغ أسباب التعريف، وجَهالة الوَصْفِ لا تُفضي إلى النزاع، ولا تمنع الجواز، بخِلافِ السَّلَمِ؛ فَإِنَّ معرفةَ قَدْرِ رَأْسِ المال شرط فيه عند أبي حنيفة، انتهى.
فأراد بقوله: «وجهالةُ الوَصفِ» جهالةَ القَدْرِ، بقرينَةِ قَولِه: «بخِلافِ السَّلَمِ؛ فَإِنَّ معرفة قذر رأس المالِ شَرط فيه، مع الإشارة.
وكذا وقع في «الهداية، وأوله الشراح كما ذكرناه.
فإِنْ قُلتَ: إنَّ مفهوم قوله: «أو غيره مُشاراً إليه» يُفيدُ اشتراط معرفةِ قَدْرِ المبيع الذي لم يُشَر إليه؟
قلت: هذا المفهوم ليسَ احترازياً ولا عاما لأنَّه مُعارَضُ بالمنطوقِ؛ لقوله بعده: ويُباعُ الطَّعامُ، كيلاً، وجُزافاً، وفي سُنبُلِه، فهو مخصوص برأس مالِ السَّلَمِ، وبالمسلم فيه. وقول الإتقاني في غاية البيانِ»: واحترَزَ بالأعواضِ المُشارِ إليها عمّا لم يُشِرْ إليه كما في السَّلَم؛ لأنَّ معرفةَ القَدْرِ في المُسلّم فيه شرط لجواز العقدِ؛ لأنَّ الجَهالَةَ فيه مُفضِيةٌ إلى المُنازَعَةِ المانعة منَ التّسليم والتَّتَسلُّم؛ لأنَّ رَبَّ السَّلَم يُطَالِبُ المُسلَمَ إليه بالمُسلَمِ فيه زائداً على ما يدفَعُه المُسلَمُ إليه، فتقَعُ المُنازَعةُ لا محالة؛ لأنَّ أحدَهُما لا يرضى بما قالَ الآخَرُ، انتَهَى.
لا يمنع ما ذكرناه؛ لأنَّ المبيعَ الذي لم يُشر إليه، وقد ذكر جنسَه يثبتُ فيه خِيارُ الرُّؤيةِ، ولا يثبتُ خِيارُ الرُّؤيةِ في المُسلَمِ فيه، فكان هو الفرق بين المبيعِ المُطلَقِ والمُسلم فيه، فدل على أن المفهوم من عبارة «الهداية» مخصوص برأس مال السَّلَمِ والمُسلَمِ فيه لا غيرُ؛ لوُجودِ النَّص بمطابقتِه، فلا مُخالفة.
ولقد أحسَنَ صدرُ الشَّريعة رحمه الله حيثُ ميّز بينَ ذكرِ الشَّمنِ والمبيع، فقالَ: ولما ذكر الإيجاب والقبول أراد أن يذكُرَ الثَّمن والمبيع، وإِنَّما قدَّمَ ذِكرَ الشَّمنِ؛ لأنَّه
وسيلة إلى حصول المبيع، وهو المقصود، والوسائل مُقدَّمةٌ على المقاصد، فقال: وصَح في العوضِ المُشارِ إليه بلا علمٍ بقَدْرِه وصِفَتِه لا في غيرِ المُشار إليه؛ فإِنَّه حينئذ لا بُدَّ من أن يذكُرَ قَدْرَه ووَصْفَه وثَمَنَ حالٌ وإِلى أَجَلٍ عُلِمَ، ثُمَّ بعدَ ذِكرِ الثَّمَنِ شرع في ذكرِ المبيع فقال: وفي الطَّعامِ والحبوب كيلاً وجزافاً إن بيع بغير جنسه، وبإناء أو حجرٍ مُعيَّنٍ إِنْ لم يدرِ قَدْرَه، انتَهَى.
فانظر إلى حُسنِ صنيع صدرِ الشَّريعةِ المُوافقِ لِما شَرَحَ به منلا مسكين كلام «الكنز»، و به زال الاشتباه الذي يُظَنُّ من عبارة «الكنز»، ويظهرُ صِحَّةُ شَرْحِنا عبارةً الكَنْزِ» بأنَّ التَّنْوينَ في قوله: ولا بُدَّ من معرفة قَدْرِ بدل منَ المُضاف إليه، وهو الثّمنُ خاصةً، كما صرح به منلا مسكين رحمه الله.
وإذا علمت هذا، فلا نُسلّم تفسير العيني وصاحبِ البَحْرِ» عبارة «الكنز» بقوله: أي: لا يصح البيعُ إلَّا بمَعرِفَةِ قَدْرِ المبيع إنْ لم يُشر إليه؛ لأنَّه يُناقِضُ قول الكثر» فيما بعده: ويُباعُ الطَّعامُ كَيلاً وجزافاً، وبإناء وحَجَرٍ لم يدر قدره؛ لأنه عام يسْمَلُ المُشار إليه وغيره، ويُناقِضُ قولَه صَحٌ بيعُ بُرُ في سُنبله، وباقلاء في قشره. وقال في «البزازيَّةِ»: يجوز بيع كلِّ ما لا يتفاوَتُ؛ كالبر بلا إشارة ولا إضافة لو كان في ملكه قدر المبيع كلَّه؛ يعني: إِنْ ذُكِرَ له قَدْرٌ.
وفي البَزَّازِيَّةِ» أيضاً: باعَ حِنطةً غيرَ مُعيَّنةٍ ولا مُشاراً إليها، لكنَّها في ملكه في السَّوادِ، وعلِمَ به المُشتَري، فلا خِيارَ له، وإنْ لم يعلم له الخيارُ، وذِكرُ الخيارِ دَلَّ على جواز البيع، ولو كانَ الكُلُّ في المصر في موضعين، يجوزُ بلا إشارة في الأصح، ومثله في «الخُلاصة».
ثمَّ قال: ذكر الإمامُ ظَهِيرُ الدِّينِ: باعَ كُرّاً منَ الحِنطةِ إِنْ في ملكه أقل منه، بطل في المعدوم، وإن في ملكه لكِنْ من نَوعَينِ في موضعين، لا يجوز، وإن من نَوع في مَوضِعَينِ، جازَ، وإذا علمَ المُشتَرِي بمَكانِها، فله الخيارُ إِنْ شَاءَ أخذَها في مكانها، وإِنْ شاءَ فَسَخَ، انتَهَى.
وهذا خيار تخيير لا رُؤية؛ لأنَّه حكم به قبلَ الرُّؤيةِ.
وقال في «المُحيط من باب خيارِ الرُّؤيةِ: باعَ حِنطةٌ له ولم يُشِرْ إليها، جازَ؛ لأنَّه باع ما يملكه، كما لو باع عبده ولم يُشِرْ إليه، فإن لم يكُن في ملكه حنطة، أو لم يكُنْ قدر ما باغ، بطَلَ؛ لأنَّه باعَ المعدومَ، انتَهَى.
ولقوله في البَحرِ»: ومن شرائطِ الصَّحَّةِ أن يكونَ المَبيعُ معلوماً علماً يمنعُ منَ المُنازَعَةِ، فالمجهول جهالة مُفضية إليها غير صحيح؛ كشاةٍ من هذا القطيع، انتهى
لأَنَّ جَهالَةَ قَدْرِ ما سُمِّيَ جِنسُه ولم يُشَرْ إليه جَهالَةٌ لا تمنَعُ الصَّحَّةَ، فَلا مُنازَعَةَ؛ لثبوتِ الخيارِ برؤيته كما ذكرناه.
وكذا قوله في باب خيارِ الرُّؤية: شراء ما لم يرَه جائز؛ أي: صحيح؛ لِما رَواهُ ابن أبي شيبة والبيهقِيُّ: مَنِ اشترى شيئاً لم يرَهُ، فله الخِيارُ إِذا رَآهُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَه، وإن شاءَ تركه، وجهالته لا تُفضي إلى المُنازَعَةِ؛ لأنَّه لو لم يُوافِقُه يَرُدُّه، فصار كجَهالَةِ الوَصْفِ أو القَدْرِ في المُعيَّنِ المُشار إليه.
وإطلاق الكتاب يقتضي جواز البيع سواءٌ سُمِّي جنس المبيع أو لا، وسواء أشار إلى مكانه أو إليه وهو حاضر مستور أو لا، مثل أن يقول: بعث منك ما في كمِّي، وعامَّةُ المشايخ قالُوا: إطلاق الجواب يدلُّ على الجواز عنده، وطائفةٌ قالوا:
لا يجوز؛ لجهالة المبيع. وكذا قوله: ولو اشترى عِدْلاً وباعَ منه ثوباً، أو وَهَبَ ... إلى آخره، أطلق فيه صحة البيع مع عدمِ ذِكرِ قَدْرِ الشَّيَابِ وعَدَدِها والإشارة إليه. وكذا بيع ما هو مُغَيَّبٌ في الأرضِ وعُلِمَ وجُوده؛ كالجزَرِ والبَصَلِ والفِجْلِ يصح بيعه وإن لم يُعلَمْ قَدرُه، فهذا كله يمنعُ اشتراط معرفةِ قَدْرِ المبيع لصحة بيعه، ويُوافِقُ كلام «الكنز» على ما قرَّرْناه، وكما شرحه منلا مِسكين رحمه الله. ولهذا لم يذكر صاحِبُ «الكنز» في أصله الوافي» وشرحه الكافي» اشتراط معرفةِ قَدْرِ المبيع، ولم يذكُرِ الزَّيلَعِيُّ شارِحُ الكَنْزِ» اشتراط عِلمٍ قَدْرِ المبيع الذي لم يشر إليه، فلم يكُن تفسيرُ العَيني وصاحبِ البَحرِ» مقبولاً لِما ذكرناه.
ويُستَدَلُّ له بقَولِ كلِّ من عُثمان بن عفان رضي الله عنه، وطلحةَ بنِ عبيد الله: إني قد غُبِنْتُ؛ لأنَّه يُفيدُ عَدَم علمِ كلِّ من البائع والمُشتَرِي وَصْفَ المبيع وقدره معَ صِحَّةِ البيع؛ لقول كل منهما: لي الخيار؛ لأنه لو علم ذلك لم يدع الغبن، فهذا دليل ما ذكرناه من أنَّه لا يُشترط لصحة بيعِ الغائبِ بيانُ قَدْرِه ووَصْفه.
ودافع تفسير العيني وصاحِب البَحرِ» عبارة «الكنز» كما ذكرناه، ولحذف الصلة في كلامِ «الكنز» حيث لم يقُلْ: غير مُشارٍ إليه أو إليهما، صلح لأن ترجع للشَّمنِ خاصَّةً، فليس فيه ما يُعيِّنُ الرجوع للثَّمَنِ والمبيع، فلم يكُنْ شاهداً لهما.
ولهذا قالَ الشَّيخُ قاسمُ بنُ قُطلُوبُغَا في «شرح النقاية»: ويُعرَفُ المبيع في بيع المثليات؛ يعني: المُختلفة الجنس بالإشارة لا لذكرِ القَدْرِ والصفة؛ [يعني: لا يحتاج لذكرِ القَدْرِ والصّفةِ إِلَّا في السَّلَم، فإِنَّه يُشترط فيه القَدْرُ والصِّفةُ، انتهى.
فقولُ ابنِ المَلَكِ: وشُرِطَ في صِحَّةِ البيع معرفة المبيع بما ينفي الجهالة؛ لأنَّ المُعاملاتِ شُرِعَتْ لقَطْعِ المُنازَعاتِ، وجَهالَةُ قَدْرِهِ وَوَصْفه تُفضي إلى المُنازَعَةِ، انتهى قول غير مسلم؛ لأنَّه يجعل العلم بالقدرِ والوَصْفِ شَرْطاً للصحة، ولم يقل به محقق الميناء لأن المبيع إذا لم ير ولم يُعلَمُ قَدْرُه ولا وصفه، يصح، ويثبتُ فيه خيارُ الرُّؤيةِ، وبه تنقطِعُ المُنازَعةُ، فلا احتياج لمعرفةِ قَدْرِ المبيع ووَصْفه. وليس في متن «المجمع ما يُفيد اشتراط معرفةِ القَدْرِ، كما لا يُفيده «الكنز»، فقد اتَّفَقَ المتنان، وصدرُ الشَّريعة، ومُنلا مسكين شارح عبارة «الكنز» على عدم اشتراط معرفةِ قَدْرِ المبيع، بل إنه لا يحتاجُ صحة البيع إلى الإشارة للمبيع، ولا لمكانه، على ما قال في البَزَّازِيَّةِ»: باغ حنطة أو شعيراً في ملكه ولم يصف ولم يشر والمبيع موجود في ملكه، صح، وكذا لو باع أرضه ولم يذكر الحدود ولم يُشر إليها، وكذا لو قال بعتُكَ كُراً من حنطة وفي ملكه كُرّ واحد، انصرف إليه، وإنْ كانَ أنقص من كُر، فالبيع باطِل في الكر؛ لأنه باع المعدوم والموجود، انتهى.
وقدَّمنا أنه يصح بقَدْرِ الموجود، ولذا لا يصح بيعُ بزرِ نحو البطيخ الذي في ضمنه حال گونه صحيحاً؛ كنَوَى الثَّمرِ قبل استخراجه بالكسرِ؛ لأنه في حكمِ المعدوم؛ إذ لا يُسَمَّى بِزْراً حينَئِذٍ، بخلافِ البر في سُنبله.
وفي الفتاوى الصُّغرى: ولو اشترى من آخَرَ حِنطة أو شعيراً، وكانَ المَبيعُ في ملك البائع، لكنه لم يضف البيع إليه بالإشارة ولم يبعُهُ بطريق السَّلَمِ، جاز؛ لأنَّه باغ ما يملكه، انتهى.
وفي يتيمةِ الدَّهرِ»: ذكرَ في حِبَلِ الخصَّافِ»: لو قال: بعتك طعامي الذي هياته بكذا، يجوز، قالَ الحُلواني صاحِبُ الكتاب: جوز البيع على هذه الصفة، ويحتاج الجواز هنا لشيء آخر، وهو أن يُشير إلى المَوضِعِ الذي فيه الطَّعامُ أو
يُعرفه بشيء، أو من خنبق كذا، فأما إذا أطلق إطلاقاً فإنَّه لا يجوز ذلك، ولكنَّ صاحِبَ الكتاب - يعني: الخصَّافَ - جوّزَ هذا، فهذا مَذهَبُه، انتَهَى.
بشيء، فأما إذا قالَ: بِعتُ منكَ طَعاماً، لا يجوز ذلك ما لم يقل: من بَيْدَر كذا، وقدَّمنا أنَّه يجوز بلا إشارة في الأصح، انتهى.
ثمَّ قال في «اليتيمة»: وذكرَ حُسامٌ في «واقعاتِه» في باب البيوع الجائزة بعلامة التَّاءِ: أنَّه إذا باع شعيراً ولم يُضفِ المبيعَ إليه بالإشارة ولم يبعه سلماً، جازَ كما قال الخصَّافُ، انتهى. وهذا في بيع الجُملةِ، أمَّا لو باع نصيبه من نحوِ دارٍ ولم يذكر قدرَه؛ بأنْ قالَ هذه الدَّارِ بكذا، وعلمَ المُشتَرِي نصيبه ولم يعلَمْهُ منك لآخَرَ: بِعتُ نصيبي البائع، جازَ بعد أن يُقرَّ البائع أنَّه كما قالَ المُشتَري، وإنْ لم يعلم المُشتَري، قال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: لا يجوز علم البائع أو لم يعلَمْ، وقال أبو يوسف: يجوزُ علِمَ البائع أو لم يعلم، كذا في الفَتاوَى الصُّعْرَى».
فيهذا علِمْتَ صِحَّةَ البيع في المَوجودِ بذكرِ جِنسِه دونَ قَدْرِهِ وَوَصْفِه، ودُونَ الإشارة، كما لو ذكرَ قَدْرَه ولم يُشر إليه، وهو موجود في ملكه.
وتعلَمُ أَنَّ ما في شرحِ نظمِ الكَنْزِ» لشيخ الإسلام العلّامة علي المقدسي شيخ مشايخي رحِمَهُم الله من قوله وسكَتَ المُصنِّفُ عن شرطه - يعني شَرْطَ الوَصْفِ:
في المبيع - قياساً على الثَّمَنِ، أو بطريقِ الدّلالة؛ لأَنَّه إِذا شُرِطَ في الشَّمنِ الغَيرِ مقصودِ في العقد، ففي المقصودِ أَولَى، هذا على ما في الفَتْحِ مَنِ اسْتِراطِ ذكرِ الوَصْفِ في المبيعِ كالثَّمَنِ، وفي البدائع» نَفاهُ فيهما، واقتَصَرَ المُصنِّفُ على ما ذكره في الشَّمنِ، فَلْيُتأَمَّلْ فِي الفَرْقِ، انتَهَى.
وأقولُ: الفَرقُ أَنَّ الثَّمَنَ إذا لم يكُنْ مُشاراً إليه لا يُعلَمُ إِلَّا بِقَدْرِه، ومعَ علمٍ قَدْرِه لا بُدَّ من وَصْفِه؛ لاختِلافِ أوصافِ النُّقودِ المُؤدِّي إلى الجَهالَةِ والمُنازَعَةِ المُفضِيةِ
لإبطال البيع. وأمَّا المَبيعُ فمَعَ ذِكرِ الجنس والإشارة إلى مكانه الخالي عن سَمِيه، أو مع ترك الإشارة على ما قدمناه أنَّه يُكتفى بذكرِ الجنس، فالصحة حاصلة، وعدَمُ لزوم العقدِ ثابت رافع للمُنازَعة للخيار الذي ثبت بالرُّؤيةِ، فلا يفتَقِرُ صِحَّةُ العقد لذكرِ القَدْرِ ولا الصفة.
ثمَّ إِنَّ قَولَ شارحِ النَّظم: هذا على ما في «الفتح» من اشتِراطِ ذِكرِ الوَصْفِ في المبيع كالثَّمَنِ، فأقولُ: ليس في عبارة «فتح القدير» اشتراطُ ذِكرِ الوَصْفِ المبيع، بل في الثَّمن فقط، لقوله: والأعواضُ المُشار إليها سواء كانت مبيعاً؛ كالحبوبِ والنِّياب، أو أثماناً كالدراهم والدنانير، لا يُحتاج إلى معرفة في مِقدارِها في جَوازِ البيع ثم قال: والتَّقييد بمقدارِها في قوله: لا يحتاجُ إلى معرفة مقدارها احترازاً عن
الصفة، فإنَّه لو أراهُ دَراهِمَ، وقال: اشتريته بهذه فوجدها زُيوفاً أو بهرجةً كان له أن يرجع بالجياد، انتهى
فليس فيه اشتراط معرفة صفة المبيع، وكان المفهوم المُفيد معرفةَ قَدْرِ المبيع الذي لم يُشِرْ إليه غيرَ مُرادٍ لنَصّه بعده على جَوازِ البيعِ جُزافاً.
وقوله: وفي «البدائع نفاه فيهما، أقول: فيه تأمل أيضاً؛ لأنَّ عبارة «البدائع»: ومنها؛ أي: من شرائطِ الصَّحَّةِ أن يكونَ المَبيعُ معلوماً، وثَمَنُه معلوماً عِلماً يمنعُ المُنازَعةَ، فإنْ كانَ أحدهما مجهولاً جَهالةً مُفضِيةٌ إلى النزاع، فسد البيع، وإِنْ كانَ مجهولاً جهالةً لا تُفضي إلى المُنازَعَةِ لا يفسُدُ؛ لأنَّ الجهالة إذا كانَت مُفضِيةٌ إلى المنازعة كانت مانِعةٌ منَ التَّسليم والتّسلَّم، فلا يحصل مقصود البيع، وإذا لم تكُن مفضية إلى المُنازعة لا تمنع من ذلك، فيحصُلُ المقصود، انتهى.
وهذا موافق لما قدَّمناه؛ لأنَّه لا شكّ أنَّ جَهالَةَ وَصْفِ الثَّمَنِ كجَهالَةِ قَدْرِهِ، مُفضِيةٌ للمُنازَعَةِ المَانِعَةِ مِنَ التّسليم والتّسلُّم، كما أنَّ جَهالَةَ جِنسِ المبيعِ الذي لم يُشر إليه مانعةٌ، فقد أفادَتِ البَدائعُ اسْتِراطَ مَعرفةِ وَصْفِ الثَّمَنِ وقَدْرِه، وأفادَتْ معرفة جنس المبيع إذا لم يُشر إليه، فادّعاءُ نَفيها الوَصْفَ غَيْرُ مُسلَّم، وكانَت مُفيدةً لِما تُفيده عبارة «الكنز» وغيره من أنَّ مَعرفةَ قَدْرِ المبيع الذي لم يُشر إليه ليسَتْ شرطاً لصِحَّةِ البَيعِ؛ لأنَّ تُبوتَ خِيارِ الرُّؤية مانع منَ المُنازَعَةِ المُفسِدة، بخِلافِ الثَّمَنِ الذي لم يُشر إليه.
وبيع ثمرة على شجرٍ استثني منها أرطال صحيح على رواية «الكَنْزِ»؛ لأنَّ الباقي جهالته غيرُ مُبطلة، فهو يُفيدُ صِحَّةَ البيع مع العلم به، وجَهالَةِ قَدْرِه؛ لأنَّ الإشارة هنا ليسَتْ للمَبيعِ مُنفَرِداً حَتَّى يُستَغنَى بها عن ذكرِ قَدْرِهِ لو شرط علمه.
ولهذا بينَ في «الهدايةِ» مفهوم كلامه المُتقدِّمِ بقوله: والأثمانُ المُطلَقَةُ - أي عن قيد الإشارة - لا يصح حتّى تكونَ مَعلومةَ القَدْرِ؛ كخمسة، والصفة؛ كعشرة دراهم بخارِيّةٍ أو سَمَر قَنديّة، وكذا حنطة بحريّة أو صعيدية، وهذا لأنها إذا كانَتِ الصِّفةُ مَجهولة تتحقَّقُ المُنازَعةُ في وصفها، فالمُشتَرِي يُرِيدُ دَفَعَ الأَدْوَنِ، والبائع يطلُبُ الأرفَعَ، فلا يحصل مقصود شرعيَّة العَقْدِ، وهو دَفَعُ الحاجة بلا منازعة.
وقد بَيَّنَ الشَّارِحُ أَنَّ الحِنطة ونحوَها ثَمَن مَوصُوفٌ لا مبيع؛ يعني: إذا دخَلَ عليها الباء، ثم مثل بما إذا باغ عبداً بشوبِ موصوف في اللمة إلى أجل، جاز، ويكون بيعاً في حق العبد حتى لا يُشترط قبضه في المجلس، وهكذا عبارة القُدوري رحمه الله تعالى].
فتَلَخَّصَ ممَّا ذكرناهُ أَنَّ جَهالَةَ قَدْرِ المَبيعِ الذي سُمِّيَ جِنسُه وجَهالَةَ وَصفه لا تمنع، سواء كان المبيعُ مُشاراً إليه أو غيرَ مُشار إليه؛ لأنَّ المُشار إليه عُلِمَ بالإشارة، والغائبُ يثبتُ فيه خِيارُ الرُّؤيةِ، فانتَفَتِ الجَهالةُ المانِعةُ منَ الصَّحَّةِ، فلم يحتج إلى بيانِ قَدْرِه ولا بيانِ وَصْفِه لصِحَّةِ بَيعِه. هذا ما تيسر تسطيره وتحريره بفَضْلِ الله سبحانه و تعالى كما جرى به تقديره، بتاريخ أواسط جُمادَى الثّاني سنةَ ثَمانِ وخمسين وألف، خُتِمَتْ بخير آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ، والصحابة والتابعين، بدوام إنعامِ رَبِّ العالمين، ولا عُدوانَ إِلَّا على الظَّالِمِينَ. آمين آمين آمين.