سعادة الماجد بعمارة المساجد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
سعادة الماجد بعمارة المساجد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جَعَلَ بناء المساجدِ قُصوراً لبانيها في أعلى عليين، تفَضّلاً منه وترغيباً للمحسنينَ، فقال في مُحكَمِ كتابه المُبينِ: وَإِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلوةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَيْكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:]، والصَّلاة والسَّلامُ على سَيِّدِنا محمَّدٍ المُصطَفَى المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وذُرِّيَّتِه وحِزبهم والتّابعينَ.
وبعد:
فهذه: «سَعادَةُ الماجِدِ بعِمارة المساجد»، ورغبة طالبِ العُلومِ إِذا غابَ عن دَرسِه في أَخْذِه المعلوم».
جمعها الفقير إلى لطف الله الخفي، أبو الإخلاص حَسَنُ الوَفَائيُّ السُّرُنُبُلالي الحنفي، حينَ وَرَدَ السُّؤال عن هذه الحادثة؛ رَغبةً في النِّعمة الأبدية للأُمَّةِ الوَارثَةِ، وصُورَتها: سُؤال في وَقْفٍ على مدرسة أو مسجد تخرَّبَ، ولم يُرْجَ عَودُ ذلك كما كانَ إِمَّا لَعَدَمِ إِمكانِه، وإِمَّا لَوَجْهِ آخر من وُجوهِ التَّعذراتِ، فهل يجوز للإمام أو نائبه نَقُلُ ذلك الوَقْفِ لأقرب المساجد إليه، وصَرْفُه في وجوه الخير في ذلك المسجدِ؟ وإذا فَعَلَ ذلك هل يُثاب على ذلك؟
أوضحوا الجواب أثابَكُمُ اللهُ الجنَّةَ بِمَنْه وَكَرَمِه.
الجواب: الحمد الله مانحِ الصَّوابِ، لا يجوز نقل أوقاف المدرسة، ولا تغيير ما شرطه واقفها، وكذلك المسجد على المفتى به من المذهب، انتهى.
وإيضاح ذلك ودليله بما قاله العلامةُ الشَّيخُ زَينُ الدِّينِ في «البحرِ الرَّائِقِ»: قال محمَّدٌ رحمه الله: إذا خَرِبَ المسجد وليس له ما يُعمَّرُ به وقد اسْتَغْنَى النَّاسُ
عنه لبناء مسجدٍ آخَرَ، أو لخَرابِ القَرْيَةِ، أو لم يخرب لكِنْ خَرِبَتِ القَرِيةُ بِنَقلِ أَهْلِها واستغنوا عنه، فإنَّه يعودُ إلى ملكِ الواقفِ أو وَرَثَتِه.
وقال أبو يوسف رحِمَه الله: هو مسجِدٌ أبداً إلى قيام الساعة لا يعود ميراثاً، ولا يجوزُ نَقلُه ونَقل ماله إلى مسجدٍ آخر، سواء كانُوا يُصَلُّونَ فيه أو لا، وهو الفَتْوَى، كذا في «الحاوِي القُدسِي».
وفي المجتبى»: وأكثر المشايخ على قول أبي يوسُفَ، ورَبَّحَ في فتح القدير قول أبي يوسُفَ بأَنَّه الأوجَهُ. انتَهَى
وكذا قالَ الشَّيخُ العلامةُ عمرُ بنُ نُجَيمٍ في «شرحه للكنْزِ» المُسَمَّى بـ «النَّهْرِ»، انتهى
قُلتُ: لكنَّ التَّرجيحَ لقَولِ أبي يوسُفَ، ذكره في «فتح القدير» عند قوله: الوَقْفَ يلزَمُ بمُجرَّدِ القَولِ عند أبي يوسف، وعند قوله: وإذا جعَلَ الواقِفُ عَلَّةَ الوَقْفِ أو الوِلاية لنفسه جازَ عند أبي يوسف، لا في خُصوص هذه المسألةِ، انتَهَى
وقال في «النَّهْرِ»: وما ذكره عن محمَّدٍ من جواز بيعه رواية هشام عنه، والمذكورُ في السِّيَرِ الكبير» عدَمُ جَوازِ؟ بيعه انتَهى
والقولُ بجواز البيع فَرْعُ عَدَم صِحَّةِ وَقفِيَّته، وهو ضعيف، والصحيحُ الجواز. قال في خزانة المُفتين»: لو وَقَفَ أرضَه على مسجدِ قوم بأعيانهم ولم يجعل
آخره على المساكين؛ على قولِ الكُلِّ يصح، هو المُختار، كذا بعلامة «ظ». ثم قال في الفَتاوَى الكُبرى»: رجُلٌ وقَفَ أرضاً له على مسجد ولم يجعل آخره للمساكن، المختارُ أنَّه يجوز في قولهم جميعاً، وإذا خَرِبَ المسجد واستَغْنى عنه أهلها، وصار بحيث لا يُصلَّى فيه، عاد ملكاً لواقفه أو لورثيه حتَّى جاز لهم أن يبيعوه أو يبنوه داراً.
وقيل: هو مسجد أبداً، وهو الأصحُ، فلو بنّي أهل المحلة مسجداً آخر، فاجتَمَعُوا على بيع الأوَّلِ ليَصْرِفُوا ثمنه إلى الثاني، فإِنْ عُرِفَ واقِفه أو وارِثُه، لم يجُز لهم ذلك، وإن لم يُعرَف، فالأصح أنه ليس لهم ذلك، ثمَّ نقل عن «الفَتاوَى الكُبرى»: مسجد عتيق لا يُعرَفُ بانيه خَرِبَ، فاتَّخِذَ مسجِدٌ آخر، ليس لأهل المسجدِ أن يبيعوه ويستعينُوا بِثَمَنِه في مسجد آخر؛ لأنه مسجد أبداً، انتهى.
وفي يتيمة الدهرِ»: سُئِلَ عليُّ بنُ أحمدَ عن مسجد خَرِبَ ومات أهله، ومحِلَّةٌ أُخرى فيها مسجد، هل لأهلها أن يصرِفُوا وَجهَ المسجدِ الخَرابِ إلى هذا المسجدِ؟ قال: لا، انتهى.
وإذا علمت هذا فما ذكره في الدُّرَرِ والغُرَرِ»، و فتاوي قاضيخان من جواز نقل المسجد إذا خَرِبَ خِلافُ ما عليه الفتوى، وهو المذكور في الحاوي القدسي»،
وخِلافُ الصَّحيح المذكور في خزانة المُفتينَ»، وبذلك تعلَمُ فَتَوَى بعض مشايخ عَصرِنا بما يُخالِفُ ذلك ممَّا ذُكِرَ في «القنية» وغَيْرِها، بل ومَن كانَ قبلهم؛ كالشَّيخ الإمام أمين الدين محمَّدِ بنِ عبد العال، والشَّيخِ الإِمامِ أحمدَ بنِ يونسَ الشَّلْبيِّ، والشَّيخِ زَينِ بنِ نُجَيمِ، والشَّيخِ محمَّدٍ الوَفائي، فمنهم من أفتى بنقل بناء المسجدِ، ومنهم مَن أفتى بنقله ونَقل ماله إلى غيره من المساجد.
وقد مشَى الشَّيخُ الإمام محمَّدُ بنُ سراج الدِّينِ الحانوتي على القَولِ المُفتَى به من عدَمِ نقل بناء المسجد، فقال فيما جُمعَ من فتواه: لا يُفتى بجواز بيع المسجد؛ لأنَّ قول أبي يوسف رحمه الله هو مسجد أبداً، ولم يُوافِقُ أُولئِكَ المذكورين قبله؛ لِما
قدمناه لك من بيانِ المُفتَى به، وفَتواهُم مُخالِفةٌ له، ومُخالِفةٌ لِما في «الهداية». ونصها - كما قالَ الكَمالُ بنُ الهُمام -: ولو خَرِبَ ما حَوْلَ المسجدِ، واستُغنِيَ عنه؛ أي: استغنى عنِ الصَّلاةِ فيه أهل تلك المحِلَّةِ أو القَرِيةِ إِنْ كَانَ في قريةٍ فَخَرِبَت وحُوِّلَتْ مزارع يبقى مسجِداً على حاله عند أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي. ثمَّ قال: ولو جَعَلَ جَنازَةً ومَلاءةً ومُعْتَسَلاً وَقْفاً في محلَّةٍ ومات أهلها كلُّهم لا يُرَدُّ إلى الوَرَثِةِ، بل يُحمَلُ إلى مكان آخر، فإنْ صَحَ هذا عن محمد، فهو روايةٌ في الحضَرِ والبوادي أنَّها لا تعود إلى الوارِثِ.
وهكذا نقل عن الشيخ الإمام الحلواني في المسجد والحوض إذا خَرِبَ، ولا يحتاج إليه؛ لتفرُّقِ النَّاسِ عنه، أنَّه تُصرَفُ أوقافه إلى مسجدٍ آخر، أو حَوْضِ آخَرَ، انتَهَى. فهذا المساقُ المُصدَّرُ بصيغة: «نُقِلَ عنِ الشَّيخِ الإِمَامِ مُفيدٌ عَدَمَ العَمَلِ بِمَا نُقِلَ عنه؛ المُخالَفَتِه نصَّ الإمامِ الأعظَمِ، ولزوم بقاء المسجدِ والوَقْفِ على حاله. وعلِمْتَ مَبَنَى الخِلافِ في جَوازِ النَّقْلِ وعَدَمِه، وعلِمْتَ الصَّحيحَ والمفتى به من غيره، فلا يُعدل عن قول الإمامِ الأعظَمِ الذي هو كقول أبي يوسُفَ المَوصُوفِ بأنَّه الفتوى إلى ما هو دُونَه.
وقال في «البدائع»: لو جَعَلَ دارَه مسجِداً، فخَرِبَ جِوارُ المسجد، واستغني عنه، لا يعود إلى ملكه، [ويكون مسجِداً عند أبي يوسف رحمه الله، وعند محمَّدٍ يعود إلى ملكه].
وَجْهُ قولِ محمدٍ: أَنَّه أَزالَ مُلكَه بوَجْهِ مخصوص هو التَّقرُّبُ إلى الله تعالى بمكان يُصلّي فيه النَّاسُ، فإذا استغني عنه فقد فاتَ عَرَضُه، فيعود إلى مُلكِه، كما لو كفَّنَ ميتاً ثمَّ أكله السَّبُعُ وبقي الكَفَنُ، يعودُ إلى مُلكِ المُكَفِّنِ، كذا هذا.
ووَجْهُ قول أبي يوسف رحمه الله: أنَّه لمَّا جَعَلَه مسجداً فقد حرَّرَه وجعله الله تعالى خالصاً على الإطلاق، وصَحَ ذلك، فلا يحتمل العَوْدَ إلى مُلكِه كالإعتاق، بخلافِ تكفين الميت؛ لأنَّه ما حرَّرَ الكَفَنَ، وإنما دفَعَ حاجةَ المَيِّتِ به، وهو سَتْرُ عورته، وقد استغنى عنه، فيعود ملكاً له.
وقوله: «أزالَ مُلكَه بوَجهِ» وقعَ الاستغناء عنه.
قُلنا: ممنوع؛ فإنَّ المجتازينَ يُصَلُّونَ فيه، وكذا احتمال عَوْدِ العمارة قائم، وجهة القرية
قد صحت بيقين، فلا تبطل باحتمال عدم حصولِ المقصودِ، انتهى عبارة «البدائع.
وهي تدفَعُ قَولَ السَّائلِ فِي السُّؤالِ: ولم يرجُ عَوْدَ ذلك كما كانَ.
وبهذا التوجيه يُعلَمُ الفَرقُ بينَ ما ذكره في التَّتَرخانِيَّةِ» وغيره من جَوازِ نقلِ حَوْضِ، وبئر، ورباط ودابَّة، وسيف بشغر، وقنديل، وبساط، وحصير بمسجد، لغير محله، وبين عدم جواز نقل مسجد ووقفه إلى غيره.
وقال في «البَحرِ»: الفتوى على قولِ محمد رحمه الله في آلاتِ المسجدِ؛ أي: أنَّه إذا استغنى عنها هذا المسجدُ تُحوَّلُ إلى مسجد آخر، والفتوى على قول أبي يوسف في تأبيد المسجد، انتهى
وإذا علمْتَ الحُكمَ في المسجدِ ووَقْفه وغَلَّتِه، وَوَجْهَ عَدَمِ نَقلِهما، فلا تُنقَلُ أوقاف على مدرسةٍ جُعِلَتْ تقويةً لأهلِ العلمِ وإحياء له بصرفها لغير ذلك بطريق الأولى، ولم أرَ أحداً من أئِمَّتِنا قالَ بجَوازِ إبطالِ وَقْفٍ على مُدَرِّسِ وطَلَبَتِه، وجَعَلَه مصرِفاً لغيرِ ذلك الوَجْهِ.
فمَن تَوَهَّمَ أَنَّ حُكمَ الوَقْفِ على مُدَرِّسِ كالحُكم على كالحكم على المسجد، وأَجرَى جَوازَ النَّقل فيهما، فقد غَفَلَ غَفلةٌ عظيمةٌ ممَّا أوهَمَه السَّائلُ في ذلك السُّؤالِ. وقال العلامةُ المُحقِّقُ شيخ الإسلام عبد البر بنُ الشَّحْنَةِ رَحِمَهُ اللهُ فِي شَرْحِه لمنظومة ابنِ وَهبَانَ رَحِمَهُ اللهُ ما نصه:
وليس بأجر قط معلوم طالب فعَن دَرْسِه لو غابَ للعلمِ يُعذَرُ ثمَّ قالَ: إنَّه نقَلَ ما نظَمَه منَ الجزء الثَّاني منَ التَّعليقة في المسائلِ الدَّقيقةِ» لا بنِ الصَّائغ وهو بخَطَّه قال: وما يأخُذُه الفقهاء في المدارِسِ لَا أُجرة؛ لعَدَمِ شَرْطِ الإجارة، ولا صَدَقَةٌ؛ لأنَّ الغني يأخُذُها، بل إعانة لهم على حَبْسِ أنفُسِهم للاشتغال، حتى لو لم يحضر المدرسة بسببِ اشتغال وتعليق، جازَ أخذُهُم الجامكيَّة، ولم يعزُها لكتاب، لكن فيما تقدَّمَ عن قاضيخان ما يشهَدُ له، حيثُ علل بأنَّ الكتابة من جملة التّعليم، والله أعلَمُ، انتَهَى تمت بحمد الله تعالى تأليفاً في أواخر جمادى الثاني سنة خمسين وألفٍ، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً، والحمد الله وحده.