تحقيق السؤدد باشتراط الربع أو السكنى في الوقف للولد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تحقيق السؤدد باشتراط الربع أو السكنى في الوقف للولد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
حَمْداً لمن بعنايته لذوي رعايته قد أسعد، وشُكراً له تعالى لمنه عليهم بمعرفة أحكامِ الوُقُوفِ وأشهَد فأطلَعَهُم على دقائقِ أسرارِ النُّصوص وأَوْجَد، والصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الله الواحِدِ الأحد، على السَّيِّدِ السَّنَدِ الأمجد، مَلْجَأَ الأنبياءِ ومَلاذِ الأصفياء إذ يُقصد، الحبيبِ المُصطَفَى خير خلق الله أحمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين على الأبد.
وبعد:
فيقولُ العبدُ المُلتَجِيُّ إِلى مَولاهُ الصَّمَدِ، حَسَنُ الشُّرُنْبُلاليُّ وقدِ اسْتَمَدَّ لبيانِ حادثة من وافِرِ المَدَدِ، تتعَلَّقُ باشتراط استحقاقِ الرَّيع وسكنى الولد، هل يملِكُ كُلاً باشتِراطِ الأَحَدِ؟ أو يقتَصِرُ على ما بيَّنَ له كما وَرَدَ؟ وسميتُها:
«تحقيق السُّؤدد باشتِراطِ الرَّيع أو السُّكنَى في الوَقْفِ للوَلَد»
وهو أَنه قد وَرَدَ سُؤالٌ فيمَن شُرِطَ له الرَّيعُ فقط، هل يملكُ السُّكْنَى؟ أو شُرِطَ له السكنى، هل يملكُ إجارَةَ المَوقُوفِ وإعارته؟ أو ليس له إلَّا القرارُ؟ وما حكم العمارة؟ بينوا الجواب بأوضح عبارة، ولكُمُ الثواب من الكريم الوَهَّاب.
وهذا الجواب بالنُّصوص المُصَرِّحة بالحكم، وبيان ما فيها من الاضطراب، وتحريره ليعلمها أُولُو الألبابِ، طَمَعاً في القبول وتيسير الحساب يومَ المَآبِ. قالَ الشَّيخُ الإمامُ المُحقِّقُ كَمالُ الدِّينِ بنُ الهُمامِ في «شرح الهدايةِ، فَتحِ القَديرِ»: وليس للموقوفِ عليهمُ [الدارُ سُكناها، بل الاستغلال، كما ليس للموقوفِ عليهم]
السُّكنَى الاستغلال، انتهى ومثله في «أوقاف الإمامِ هِلال [الرَّأيِ ابنِ يحيَى البَصرِي، وهو من أصحابِ أبي يوسف]، و «التجنيس والمزيد».
لكن اقتصر الإمامُ هِلال رحمه اللهُ في أوقافه» على مسألةِ مَن له السُّكَنَى، ومَنعِه منَ الإجارة، فلم يذكُرُ حُكمَ مَن لهُ الغَلَّةُ إذا أرادَ السُّكَنَى. واقتَصَرَ في «التجنيس» على قَلْبِ المسألة، فاقتَصَرَ على مسألة مَن له الغلَّةُ ومنعه من السكنى.
فقال الإمامُ هِلال رحمه الله: أرأيتَ مَن صارَ له في سُكَنَى هذه الدَّارِ حَقٌّ، أَلَهُ أَن يُؤَجُرَه؟ قال: لا.
قلت: ولِمَ؟ قال: لأنَّه يُوجِبُ للمُستأجر فيها حق الإجارة، فلا يجوز له ذلك، ألا ترى أنَّ أبا حنيفة رحمه اللهُ كانَ يقولُ: لو أَنَّ رَجُلاً أَوصَى لَرَجُلِ بِسُكَنَى دارٍ لم يكن له أن يُؤَخِّرَها، فكذلك الذي يُجعَلُ له سكنى هذا الوقف ليس له أن
يُؤَجِّرَه، ثم ذكَرَ أَنَّه يُسكِنُ مَن أحَبَّ بغير إجارة كالمُستَعِيرِ يُعيرُ للسكنى، انتهى. وقال في «التَّجنيس والمزيد»: رجلٌ وَقَفَ منزلاً على ولديه وأولادهما أبداً ما تناسلوا، فأرادوا السكنى ليس لهم حَقُّ في السُّكَنَى؛ لأنَّ حقهما في الغلة لا غير، انتهى.
فقد نصَّ الإمامُ هِلال على شَطْرِ ما قالَه الكَمالُ، ونص صاحِبُ التَّجنيس
والمزيد» وهو مُؤلِّفُ «الهداية رحمهم الله تعالى على الشَّطِرِ الثّاني.
وجملة ذلك هو نَصُّ الخصَّافِ في «أوقافه» رحِمَهُ اللهُ في البابِ الثَّامِنِ الذي ترجمته: بابُ الرَّجلِ يجعَلُ دارَه موقوفةً ليسكنها قوم بأعيانهم، ومن بعدهم تكونُ غَلْتُها للمساكين، بقوله: فإذا بقي من أولاده واحدٌ قالَ: سُكناها له، فإذا أراد هذا
الواحد أن يُكرِيها [ويأخُذَ كراها، قال: ليس له أن يُكرِيَها، إِنَّما له أن يُسكِنَها. قلت: وإنْ كانَ فيها فضل عن سكناه؟ قال: ليس له ذلك؛ أي: كراها، ليسَ لمَن جُعِلَ له سكنى دارٍ أن يستَغِلَّها، ولا لمَن جُعِلَ له غله دارٍ أن يسكنها، انتهى [ما قاله الخصَّافُ في هذا الباب].
ثمَّ إِنَّ الإمام الخصَّافَ رحمه الله خالَفَ صنيعه هذا من حيثيّةِ أنَّ المُوصَى له بالغَلَّةِ و الموقوف عليه الغله له أن يسكن.
ووَجهُ المُخالفة ما سنذكره عن «المُحيط»: أنَّه لاختلافِ المشايخ لعَدَمِ الرّواية، فلهذا ذكَرَ الخصَّافُ رحمه الله في كل باب قولاً مشى هنا على ما قال به بعضُهم من منع السكنى، وفي البابِ الرَّابِعِ والثَّلاثينَ على ما قاله الآخَرُونَ من جَوازِ سُكَنَنِي مُستَحِقُ الغَلَّةِ بالوصيَّةِ.
ونصه: في الباب الرابع والثلاثينَ، الذي ترجمته بابُ الرَّجل يقفُ الدَّارَ على قوم ليسكنوها أو يستغلوها.
قلتُ: فهل لهذا الموصى له بالسكنى أن يستَغِلَّ هذه الدَّارَ؟
قال: لا، ليس له ذلك من قِبَل أن استغلاله إيَّاها إنَّما هو بأن يُؤَجِّرها، ويأخُذَ عَلَّتَها، وليس له أن يُوجُرَها، من قبل أنه إذا أجرها وجَبَ للمُستأجر فيها حق بإجارتها منه. قلت: فما تقولُ إِنْ أوصى له بغلَّةِ الدَّارِ أَيَّامَ حياته أو سنينَ معلومة؟ قالَ: الوصِيَّةُ جائزة.
قلتُ: فهل لهذا الموصى له بالغَلَّةِ أن يسكُنَ هذه الدَّارَ؟
قال: نعم، له أن يسكنها من قِبَلِ أنَّ سكناه وسكنى غيره فيها سواء، وليسَ يُوجِبُ بذلك لأحد فيها حقاً، وهذا لا يُشبِهُ المُوصَى له بالسكنَى أَن يُؤَخِّرها؛ لأنَّ سُكَنَى المُوصَى له بالغَلَّةِ هو مثلُ سُكَنَى المُستأجر لها.
قلتُ: فالوَقْفُ بالسكنى والغلَّةِ هو مثل الوصيَّةِ؟
قال: نعم، الحكم في ذلك سواء.
قلتُ: فإذا وَقَفَ الرَّجلُ داراً له على قوم بأعيانهم على أن يسكُنُوها، فليس لهم أن يستَغِلُّوها؛ لأنَّهم يُوجِبُونَ بإجارتها حقاً للمُستأجِرِ؟
قال: نعم.
قلتُ: فَإِنْ وَقَفَ الدَّارَ على قومٍ يأخُذُونَ غَلَّتَها، هل لهم أن يسكُنُوها؟
[قالَ: إِنِ اتَّفَقُوا على ذلك كان لهم أن يسكُنُوها].
قلتُ: فإِنِ اخْتَلَفُوا، فقال بعضُهم: نسكُنُ، وقال بعضُهم: نستَغِلُ؟
قال: يأمرُهُم الحاكِمُ بالمُهايأة، فإذا تَهايَؤوا عليها، كانَ لمَن أراد أن يسكُنَ فيها سكن، ومَن أراد أن يستغلَّ اسْتَغَلَّ، انتهى كلام الخصَّافِ رحمه الله.
نقد جوَّزَ السُّكنَى للمَوقُوفِ عليه الدَّارُ لأخذ غَلَّتِها، وللمُوصَى له بالغَلَّةِ في هذا الباب، ومنعه في الباب السابق، والاختلافُ في البابين لاختلافِ المشايخ رحِمَهُم الله؛ لعدَمِ الرّواية كما سنذكره عن «المحيط».
وبيَّنَ هُنا وَجهَ الجوازِ بأنَّه لا يُوجِبُ بإجارتها حقاً للمُستأجر لم يكُنْ مَشروعاً، بل كانَ مَشروعاً لأخذِ الغَلَّةِ لمُستَحِقَّها، فسُكنَى المَوقُوفِ عليه المُستَحِقُّ للغَلَّة، وسُكنَى المُوصَى له بها مثل سكنى المُستأجِرِ سواء، لا يُوجِبُ بذلك حقاً لغَيرِه مُمتَنِعاً، فجازَ له السكنى، وأنَّه لا يُشبِهُ المُوصَى له بالسكنى والموقوفُ عليه للسكنى من قِبَلِ أَنَّه لا يُؤَجِّرُها؛ لأنَّه إذا أَجْرَها المُستَحِقُّ للسُّكنَى وَجَبَ للمُستأجر فيها حقٌّ بإجارتها منه، وهو ليس بمُستَحِقُّ له.
وأَمَّا مُستَحِقُّ الغَلَّةِ، فالإجارةُ مُوجِبةٌ للمُستأجِرِ حقاً فيها لأخذِ الغَلَّةِ منه لمُستَحِقَّها، فسُكَنَى مُستَحِقُّ الغَلَّةِ لا تُوجِبُ لأحدٍ غيره حقاً، فجازَتْ له السكنى، وهذا الفَرقُ جلي.
وفي الترخانية»: كان أبو بكر الإسكافُ يقولُ: المَشروط له الغَلَّةُ والمُوصَى له بها له أن يسكن، انتهى.
فهو موافق لما قاله الخصافُ في هذا الباب.
ويُوافق ما قاله الخصَّافُ في هذا البابِ ما ذكره في «البَزَّازِيَّةِ» عَنِ النَّوازِلِ» بقوله: وفي النَّوازِلِ»: وقَفَ عليه [غلَّةَ] دار له السكنى، وإِنْ وَقَفَ عليه السكنى، لم يكن له الاستغلال، ولكنْ قالَ في البَزَّازِيَّةِ» قبل هذا ولا يملكُ المَصْرِفُ السكنى في دار له أو حانُوتٍ وُقِفَ عليهم، بدليل ما ذكره أبو جَعْفَرٍ أَنَّ إِجارته من المصرف تجوز، ومعلوم أن استئجار دارٍ له حقُّ السُّكَنَى لا يجوزُ، فَجَوازُهَا دَلَّ على ما ذُكِرَ، انتهى. أي: من أنَّ من له الغَلَّهُ لا يملك السكنى، ثمَّ عقبه بكلام «النَّوازِلِ فَكانَ على ا جهة إظهار ما يُخالِفُه، فتكونُ الواو في قوله: وفي «النَّوازِلِ»» للحال، فالتقديرُ أَنَّ إفادة كلام أبي جَعفَرِ يُخالِفُه نصّ النَّوازِلِ» على استحقاقِ السُّكَنَى؛ كالغَلَّةِ للمَوقوفِ عليه، والمفهوم لا يُعارِضُ المَنطوق، انتهى.
فأقولُ: أيضاً لقائل أن يقول لبيان ترجيح القَولِ بِجَوازِ سُكَنَى مُستَحِقِّ الغَلَّةِ
بالوَقْفِ ما ذكره في المُحيط»: أنَّ الوقفَ مَقيس على الوصيَّة، ولا نصَّ عنِ المُتقدِّمينَ في حُكمِ سُكَنَى المُوصَى له بالغَلَّةِ.
واختلف المتأخُرونُ في جَوازِ سُكنَى الدَّارِ للمُوصَى له بغَلَّتِها، وجعَلُوا الاختلاف في الوصيَّةِ اختلافاً في الوَقْفِ دلالةً، والحال أنَّه لا مساواة كما بينه، فالقائل بمنع سكناهُ جَعَلَ وَجْهَ مَنعِه احتمالَ ظُهورِ دَين على الموصي، ولا يُستَوفى حال سكنى المُوصَى له بسكناه، وإذا أُجْرَتِ الدَّارُ المُوصَى لَه بِغَلَّتِها أَمْكَنَ قَضاءُ دَينِ الموصي بأجرتها، وهذا الوجه لا يُتَصَوَّرُ في الدَّارِ المَوقوفةِ، فَإِنَّهَا خَرَجَتْ عن ملك الواقف، فلا سبيل إلى أخذ شيء من غلَّتِها لدينه، فافتَرَقَ الحال بين الوصيةِ والوَقْفِ وامتنع قياسُ الوَقْفِ على الوصية لهذا الفارق.
على أنه قد يُقالُ: إِنَّ النَّظَرَ لتَوَهُم دَين على المُوصِي لَمَّا جُعِلَ مانِعاً من سُكَنَى الموصى له بالغلَّةِ كذلك يلزم أن يمنع من سكنى المُوصَى له بالسكنى بهذه الغَلَّةِ، فتنعدم صورة الوصية بالشكنَى، لهذا، وهي لازمةٌ، وقد نص عليها أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فظَهَرَ صِحَّةُ قولِ مُجوّز سكنَى مُستَحِقُّ الغَلَّةِ بالوقفِ.
وظهر توجيه الخصَّافِ لجَوازِ سكناه بأن سكنى مُستَحِقُّ الغَلَّةِ وسُكَنَى غيره في الوقف سواء؛ لأنَّه لا يُوجِبُ حقاً للغير.
وكذا ظهر توجيه قول القائل بجواز سكنى المُوصَى له بِغَلَّتِها فيها؛ لأنَّه لما ملك أن يُسكن غيره لأخذِ الغَلَّةِ المُوصَى له بها فلآن يملك أن يسكنها بنفسه أولى كما في «المحيط». ولم ينظُرْ مُجوِّزُ السُّكنى إلى احتمالِ ظُهورِ دَين على الموصي؛ لأنَّه أمرٌ مَوهُومٌ فكأنه يقول: نمنع القول بعدَمٍ جَوازِ سُكنَى المُوصَى له بالغَلَّةِ؛ إذ لا وَجهَ لَه إِلَّا توهم
ظهور دين على الموصي، والحال أنَّه لا دين ظاهر حالَ إرادتِهِ السُّكَنَى مَعَ قُدرَتِهِ على إسكان غيره، فيسكُنُ؛ فإنَّ الأصل براءةُ الذِّمَّةِ حتى يتبيَّنَ خِلافُه.
وكذا يقولُ مُجوِّزُ سُكَنَى المُوصَى له بالغَلَّةِ راداً على مانع سكناهُ مُتَمَسِّكاً ذلك المانع في منعه بصِحَّةِ إجارةِ الدَّارِ له: لنا أن نَمنَعَ صِحةَ إِجارَةِ الدَّارِ للمُوصَى له بغَلَّتِها، فلا يُستتَجُ من صِحَّةِ إجارتِه عَدَمُ استحقاقِ سكناها؛ لأنَّ المُستَحِقَّ للغَلَّةِ إذا استأجر على ما ذكره بجواز إجازته، يردُّ عليه ما أخذ منه منَ الغَلَّةِ، أو أنه لا تُؤْخَذُ منه؛ إذ لا فائدة في الأخذ ثمَّ الرَّدُّ عليه؛ كالحربي إذا جاءَنا بأمان، وهم يأخُذُونَ جميع ما بيد من دخَلَ منَّا إليهم بأمان، لا نأخُذُ الجميع، بل نُبقي له قدر ما يُوصِلُه لَمَأْمَنِهِ؛ لأنَّه يجب أن يدفع إليه قدر ذلك لو أخذنا الكل، فلا فائدةً في أخذه ثمَّ رَدُّه عليه، كما ذكره الزيلعي، كذلك الحكم هنا في الغَلَّةِ، لا فائدة في استئجارِ الدَّارِ لمُستَحِقُ عَلَّتِها، فلا نُجَوِّزُها له، واستَحَقَّ السكنى.
وكلبس الرّجلِ اليُمنى قبل غسلِ اليُسرى وإدخالها في الخف، لا حاجة إلى نزع اليمين ثمَّ أبيها؛ لأنَّه اشتغال بما لا يُفيدُ، كما ذكره الزِّيلَعِيُّ.
وكذا إجارَةُ الدَّارِ ممَّن له غَلَّتُها اسْتِغال بما لا يُفيدُ؛ لأنَّ ما يجب عليه منَ الأُجرةِ على ما ذكر القائل بصِحَّةِ إجارةِ المُستأجر هو المُستَحقُ لِما يُؤخَذُ منه، فلا فائدة في الأخذ منه، ثمَّ رَدَّ المأخوذ منه، وله أن يمتنع من الإعطاء، بمنزلة مَن ظَفِرَ بِجِنسِ ماله على غريمه لا يُنزَعُ منه، وكمَنْ وجَبَ عليه شيءٌ لمَن له عليه مثله، فَلَزِمَ أَنَّ هذه الإجارة اشتغال بما لا يُفيدُ، فَمُنِعَتْ.
وكذا يلزم لو صَحتِ الإجارة لمُستحقِّ الغَلَّةِ أن يكونَ مُطالباً ومطالباً بجهةٍ واحدة، وهو ممتنع، كالوكيل بالبيع والإجارة، لا تصح كَفالته بالثَّمَنِ والأُجرةِ؛ لأنَّه بر مطالباً ومطالباً بجهةٍ واحدةٍ، وهو لا يجوز. يصير
فلهذا لا يُسلَّمُ القَولُ بصِحَّةِ إجارةِ الدَّارِ لمُستحقِّ غَلَّتِها؛ لأنَّه لا دليل ظاهِرٌ عليه، لتُنتج الصَّحَّةُ عدَمَ استحقاقِ السُّكنى لمَن شُرِطَ له الرَّيعُ، وَظَهَرَ أنَّ الاشتغال بهذه الإجارة اشتغال بما لا يُفيدُ، فانتَقَتْ وثبت استحقاق السكنى لمَن له الغَلَّةُ، وظهَرَ صِحَّةُ كَلامِ النَّوازِلِ المُجوِّز لها.
وإشارة قاضيخان بقوله: دارٌ، موقوفةٌ، قال بعضُهم: لا يكونُ للمَوقُوفِ عليه أن يسكن الدار ... إلى آخر ما نقل من كلام أبي جعفَرِ الذي تقدَّمَ؛ لأنَّ قولَه: «قالَ بعضُهم يُفيدُ أنَّه يُخالِفُه ويقول بضده، وهو كنص الخصافِ في الباب الأخير، فيكونُ هو الراجح على المنع من استحقاقه السُّكنى؛ خصوصاً إذا شُرِطَتْ له النظارة، كيف يُنصَوَّرُ [أن يُؤَجر لنفسه ما يستحقُ غلته؟ وقد جُعِلَ الخلاف في استحقاق سكنى الموصى له بالغلَّةِ اختلافاً في الوَقْفِ دلالةً؛ لعدم الرواية عنِ المُتقَدِّمين، وعلمت عدم المساواة؛ لأنَّ العلَّةَ المانعة في الوصيَّةِ على أحدِ القَولَينِ، وهي خشية ظهور دين على الموصي، لا تكونُ في الوَقْفِ كما تقدَّم، فلا دلالة على الخِلافِ فِي الوَقْفِ مسلمة
وإِنْ جَعَلَ العلَّةَ لمَنعِ الموقوفِ عليه للغلَّة احتياج الوَقْفِ للعمارة فهي ممنوعةٌ كما سنذكره].
فظَهَرَ أَنَّه لا وَجهَ لمَنعِ مُستحِقٌ رَيعِ الوَقْفِ من سكناه، وتَرَبَّحَ كلامُ الحَصَّافِ الأخير المُجوّز له السكنى.
ولا يُعارَضُ هذا بما قد رأيتُه على هامش «أوقاف الخصَّافِ» في البابِ الثَّامن، وصُورَتُه: وما ذكره الخصَّافُ رَحِمَهُ اللهُ هُنا من أنَّ مَن جُعِلَ له الغَلَّةُ ليسَ له السُّكَنَى هو المذهب، وأما ما ذكره بعد ذلك؛ أي: في البابِ الرَّابِعِ والثَّلاثِينَ من أَنَّه يملِكُ السُّكنّى أيضاً فلعله اختياره، انتَهَى. [وأقولُ ليس ذلك مُسلَّماً، والتحريرُ خِلافُه؛ لِما ذكرناه، ولما سنذكره]؛ لأنَّ الذي يظهرُ أنَّه أخذه من «شرح منظومة ابنِ وَهْبانَ» حيثُ قال: [من الطويل]
ومَن وُقِفَتْ دار عليه فما لَهُ سوى الأجرِ والسُّكني، فما يتقرَّرُ]
قالَ: والمسألة منَ التَّجنيس».
ثم قال: وفي «الظَّهِيرِيَّةِ»: المُوصَى له بغَلَّةِ الدَّارِ إِذا أَرادَ سُكناها بنفسه، قال أبو بكر الإسكافُ: له ذلك، وقال أبو القاسِمِ وأبو بكر بن سعيد: ليس له ذلك، وعليه الفتوى، والوصيّةُ أُختُ الوَقْفِ، فعلى هذا تكونُ الفَتوَى في الوَقْف على هذا، بل أولى؛ لأنَّه لم يُنقَل فيه اختِلافُ المشايخ، انتهى.
وأقول: ليس ذلك مُسلَّماً، والتَّحريرُ خِلافهُ لِما ذكرناه، ولما [سنذكره،
ثمَّ] إِنَّ ابنَ وَهبَانَ جَعَلَ وَجْهَ مَنعِ المَوقوفِ عليه مِن سُكناه احتياج الدَّارِ للعمارة، ولا تُعمَرُ بسُكناه.
وقالَ ابنُ الشَّحنة العلّامة عبد البر: وهذا لا ينهَضُ؛ لأنَّ القاضي يأمره بالعمارة، فإن امتنع أو عجَزَ أَجْرَها فتُعمَرُ؛ أي: ثمَّ تُردُّ إليه بعده، فتأمل، انتَهَى. فالشَّارِحُ ابنُ الشَّحنةِ رَحِمَهُ الله يجنَحُ إِلى القَولِ بجَوازِ سكناه، كما علمته.
وهو التحقيق
ثمَّ إِنِّي أقولُ لإيضاح ذلك: إِنَّ اختيار الخصَّافِ جَوازَ سُكَنَى الدَّارِ الموقوفِ عليه في الباب الأخير: إِنَّما كانَ اختياره؛ لأنَّه لا مُخالِفَ له في نص الرواية؛ لأنَّه لا نصَّ عنِ المُتَقَدِّمينَ في المسألةِ المَقيس عليها، وهي استحقاق السُّكنَى، أو عدَمُ الاستحقاق في صُورةِ الوصيّة بالغلَّةِ، فَضْلاً عنِ المَقيس، وهو الوَقفُ، ليكونَ النَّصُّ هو المذهَبَ، أو يكون عليه الفتوى.
فالقول بأنَّ الفَتوَى عليه لا وَجْهَ له، وهو] القَولُ المُقابِلُ لِما اختارَهُ الخصَّافُ ومشى عليه سابقاً، هو قول لبعض المُتأخرينَ، وقد بيّنَ في «المُحيطِ» وجهَهُ في حقٌّ المُوصَى له بالغَلَّةِ بأنَّه إنَّما لا يملِكُ المُوصَى له بالغَلَّةِ سُكنَى الدَّارِ؛ خشية ظُهورِ على الميِّتِ المُوصي، فيقضي منَ الغلَّةِ، ولا يقضي من سكنى المُوصَى له، فمُنِعَ عنها، وليسَتِ المَوقوفة كالمُوصَى بسكناها؛ لخروج الموقوفة عن ملكِ الواقِفِ بالمرَّةِ، فلم تُوجَدِ المُساواةُ بينَ المَوقوفِ والمُوصَى بغَلَّتِه من هذا القبيل دَينِ
لمنعِ المُستحِقِّ لَعَلَّةِ الوَقْفِ مِنَ السُّكني؛ خشية ظهورِ دَين على الواقف؛ لعدم تصور أخذه من الموقوفِ عليه على هذه الحالة، ولمَنعِ وَجْهِ مَنعِه باحتياج العمارة كما بَيَّنَّاه، وقد بينا أرجَحيَّة القَولِ بجوازِ سُكنَى مُستحق الريع، وذَكَرْنا اقتصارَ النَّوازِلِ» عليه، وإشارة قاضيخان إلى رُجحانِه.
وقد استفدنا أنه لا نصَّ في الرّواية على ذلك ممّا قاله في المُحيطِ الرَّضَوِي»: وإن شرط الواقِفُ أَنَّ غلتها له؛ أي: للمَوقُوفِ عليه، فلا رواية فيه؛ أي: في استحقاقه السكنى عنِ المُتقَدِّمين.
واختلف المُتأخرونَ في المُوصَى له بغلَّةِ الدَّارِ إذا أراد أن يسكنها، قيل: ليس له ذلك وله أن يُؤَجُرَها؛ لأنَّه لو جاز أن يسكنها فربَّما يظهرُ دُيون على المُوصِي، ولا يُمكن أن تُقضَى ديونه من سكنَى مُستحِق الأجرة.
ولو أجرها أمكن أن تُقضَى ديونه من الأجرةِ، وقيل: له ذلك؛ لأنه لمَّا مَلَكَ أن يُسكِن غيره فلآن يملك أن يسكنها بنفسه أولى، فالاختلافُ في الوصيَّةِ بالغَلَّةِ يكونُ اختلافاً في الوَقْفِ دلالةً، انتهى. وأقولُ: لا شَكٍّ على هذا أَنَّكَ تَرَى أنَّ مَنْعَ المُستحق للربع مِنَ السُّكَنَى في الوقف على ما قال به بعضُهم، وذكره الخصَّافُ في البابِ الثَّامن، إنَّما هو بالقياس من حيثُ الدلالة على أنَّ اختلاف المُتأخرينَ فِي جَوازِ سُكَنَى المُوصَى له بالغلة يكون اختلافاً في الوَقْفِ دلالةً، وعلمتَ عَدَمَ المُساواة في وجه المنع؛ لأنه في جانبِ المُوصي خشية ظهور دين عليه، فيُمكِنُ قَضاؤُه من الغَلَّةِ لا من سكنى الموصى له، فمُنِعَ منَ السُّكنى لهذا، وليس ذلك بمُمكن في الوَقْفِ،
فالدلالة ليسَتْ مُسَلَّمَةٌ، كيف والحال أنه لا نصَّ في الوصيَّةِ بالغَلَّةِ أيضاً عن المتقدمين لإجارة سكنى المُوصَى له بالغَلَّةِ، ولا لمنعه عنها؟
ونص المتأخرينَ المُحقِّقينَ على سُكَنَى الموقوف للموقوفِ عليه المستحق غلته؛ كالخصَّافِ في البابِ الرَّابع والثلاثينَ، لا مُعارِضَ له بوجه صحيح كما علمته، فاعتمد عليه؛ لظهورِ وَجْهِ جَوازِ سُكَنَى المُستحق للربع. الحمد لله المُلهِم للصواب
الحافظ منَ الزَّيغ. تنبية: حاصل ما تقدَّمَ وهو جوابُ الحادثة مُلخصاً: أَنَّه لا خلاف في أنَّه لا يملك الاستغلال مُستحِقُ السُّكنى، حتّى لو كانَتْ منازِلُ موقوفةٌ لسُكَنَى الإمامِ ليسَ له أن يُؤَجُرَها كما في التتر خانية.
واختلف في جَوازِ السُّكنى لمُستَحِقُّ الغَلَّةِ، والرَّاجِحُ بما تقدَّمَ جَوازُها له، والمانع من جوازها له مُتَمَسكُ إِمَّا بصحة إجارةِ الدَّارِ له، وإِمَّا بِخَشِيةِ ظُهورِ دَين على الموصي
وعَلِمْتَ انْدِفاع كُلَّ مِنَ الوَجْهَين بغيرِ مَينِ، وعَلِمْتَ انْدِفاعَ مَنْعِ المَوقوفِ عليه منها] بالاحتياج للعمارة، فيَتَنبَّهُ مَن يُريدُ عُمومَ نَفْعِ المَوقوفِ عليهم لهذا، فيُعَمِّمُ النَّفع لهم لهذا سَكَناً [وإسكاناً]، [وغلة واستغلالاً، ولا يقتصر على السكني فقط، ولا على الاستغلال فقط، لدفع هذا الاختلاف، والله سبحانه المُوفّق بمَنْه وكرمه.
تتمة لأحكام السكنى: لو زاد المكان الموقوف للسكنى على حاجة مستحقها لا يُؤجره، وله أن يُعيره.
قال في «الإسعاف»: لو لم يبقَ من أولادِ الواقفِ المشروط لهم السكنى غير واحد، وأراد أن يُؤجِّرَ الدَّارَ، أو ما فضَلَ عنه منها، ليس له ذلك، وإنما له السكني فقط.
ولو كثُرَتْ أولاد الواقِفِ وضاقَتِ الدَّارُ عليهم، ليس لهم أن يُؤَجِّرُوها، وإِنَّما تُقسَّط سكناها على عدَدِهم، ومن مات منهم بكل ما كان له من سكناها، ويكون لمَن بقي منهم، فلو كانُوا ذُكوراً وإناثاً، وأرادَ كلٌّ منَ الرِّجالِ والنِّساءِ أَن يُسكِنُوا مَعَهم نساءَهم وأزواجَهُنَّ مَعَهُنَّ وحَشَمَهُم، جازَ ذلك لهم إِنْ كَانَتِ الدَّارُ ذَاتَ مَقاصير وحُجَر، ويُغلَقُ على كل واحدةٍ باب.
وإنْ كانَتْ داراً واحدةً لا يُمكنُ أن تُقسَمَ بينهم، لا يسكُنُها إِلَّا مَن جَعَلَ لهم الواقِفُ السُّكنَى دُونَ غيرهم من نساء الرّجالِ ورجالِ النِّساءِ.
ولو جَعَلَ سُكَنَى دارِه لبناتِه دُونَ الذُّكور، كانَتْ لَبَنَاتِهِ لصُلْبِهِ فقط، ولو كانَ لهنَّ أزواج، كانَ الحكم فيهم كالمتقدّمة، ولو شرط أنَّ مَن تَزَوَّجَ مِنْهُنَّ فلا سُكَنَى لها، سقَطَ حَقُّ مَن تزوَّجَتْ، ثُمَّ لا يعودُ حقها بمَوتِه أو طلاقِها إِلَّا أَن يَشْرُطَ أَنَّ مَن مَاتَ زَوجها أو طلقها عادَ حقها في السُّكَنَى.
* تتمَّةٌ في العمارة: إنْ كانَ الموقوفُ عليهم سكنى الدَّارِ جماعةً، فطلب بعضُهم مَرَمَّتَها وامتَنَعَ الآخَرُونَ، تُقسم شكنَى الدَّارِ بينهم، فيُدفَعُ لكل ما
أصابه، فيرته ويسكنه، ومن أبى ينبغي للقاضي أن ينزِعَه منه ويُؤَجِّرَ حِصَّتَه، فيرمها بأجرتها، ثم تُرَدّ عليه بعد الاستغناء عن المَرَمةِ.
وجاز للقاضي إجارتُها للعمارة؛ لأنَّ في تركها خرابها، وليس كإجارة من له السكنى لا العمارة؛ يعني: حتّى تكونَ مُمتنعةً فيُؤَجِّرُها القاضي ويرم المستحق بما يمنعُ الدَّارَ من التَّغير عن حالها التي وُقِفَتْ عليه، وليسَتْ عليه الزيادة.
وإن صارَتِ السُّكنى للمساكين يُنفَقُ عليها من غَلَّتِها لعمارتها وإصلاحها، وما بقي فهو للمساكين والفُقَراءِ ميراثاً.
وإذا مات الذي له السكنى بعدما بناها، كان البناء ميراثاً لَوَرَثَتِه دونَ أَهلِ الوَقْفِ وتُؤمَرُ الورثة برفعه، فإن أرادَ المُستحِقُّ للسكنى أخذ البناء بقيمته ليس له ذلك إلَّا برِضًا الوَرَبَّةِ واصطلاحهم على شيء.
فإن كان الميِّتُ عمَّرَ بالآجُرُ حيطانَها وجَصَّصَها، وأدخَلَ فيها الجدوع ولا يُخلَّص إلَّا بضَررٍ شديد على البناءِ لا تُرفَعُ، ولو رضِي به المُستَحِقُّ الآن للسكنى؛ لما فيه من الضرر على المُستَحِقُّ بعده، وليس كالمالك للدار، وقد استحقت بعد العمارة، فإنَّ له تحمل الضّرر لا لاختصاصه به، ويُقال للذي صار له السكنى الآنَ: إِنْ شِئتَ فَأَعْطِ الورثة قيمةَ مَرَمَّتِهم الساعة، فتكون له، فإِنْ أَبِي أُجْرَتْ فأُعطِي الورثة قيمةَ مرَمَّتِها من أجرتها، ثمَّ تُرَدُّ بعدَ المُدَّةِ للمُستحِق.
فإنْ كانَتِ المَرَمَّةُ التي رَمَّها الميِّتُ ليسَتْ قائمةً بعينها ولكنَّها مُستهلكةٌ لا تُرَى ولا تظهر؛ مثل غسل الحيطان بالجص، ومثل الإثارة في الأرض، وسَفْيِ النَّخلِ، ليس لورثة هذا الميت من مَرَمَّةِ ذلك قليل ولا كثير، وإن كان قد أنفق الميتُ فيه
نفقةً عظيمة؛ لأن هذا ليس بشيءٍ قائم بعينه يُرَى ويظهَرُ، كَمَن غَصَبَ ثَوباً فَقَصَّرَه لم يستَحِقَّ أُجرةً، ويأخُذُ الثَّوبَ صاحبه ولا يُعطيه شيئاً، وكمَن أثارَ أَرضَ غيره ليس له على صاحبها شيء، انتهى. والله سُبحانَه المُوفِّقُ بِمَنه وكرمه.
وكان انتهاء الفراغ من كتابة هذه الورقات بيدِ مُؤلّفها قُبيل الفجرِ ليلةَ عرَفَةَ تاسع ذي الحجّةِ الحرام سنة تسع وخمسين وألفٍ، غَفَرَ الله له ولوالديه ولمشايخه وإخوانه، وستر ذُرِّيته، وبلغه بغيته، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ. آمين.
***
وفي" «الفَتاوَى الخيريَّةِ»: سُئِلَ في رجُل وقف داراً على أولاده، ثمَّ على أولادهم، ثم وثم، وجعَلَ آخِرَه لجهة لا تنقطع، فهل تكونُ وَقْفاً عليهم يسكنُونَها أو يستَغِلُّونَها؟ أو لهمُ السُّكنى والاستغلال؟ وهل إنْ أسكنها أحدهم لبقيَّتهم مطالبته بأجرة المثل؟
فأجاب: ليس لهم سكناها، ففي فتح القدير: وليس لموقوف عليهم الدَّارُ سُكناها، بل لهم الاستغلال، كما أنَّه ليس للموقوفِ عليهم السكنى الاستغلال.
وصرَّحَ في البحر» بوُجوبِ أُجرةِ المثلِ للشَّرِيكِ إِذا سَكَنَ مَن له الاستغلال
وفعل ما لا يجوز.
والحاصل أنَّ الواقف إذا أطلَقَ أو عيَّنَ الاستغلال، كانَ للاستغلال، وإِنْ قيَّد بالسكنى تقيّد بها، وإنْ صَرَّحَ بهما، كانَ للسكنى وللاستغلال، جَرْياً على كونِ شرطِ الواقف كنص الشارع، فمَن له الاستغلال فقط لا حَقَّ له في السكنى، ومَن له السكنى لا حق له في الاستغلال.
وإذا سكَنَ الشَّريكُ بالغلبةِ، وجَبَ عليه أجرُ المثل مُطلَقاً، سواء كانتِ الدَّارُ للسكنى أو للاستغلال.
وإن سكن في دارِ السُّكنى والشريك الآخر لم يسكُن للضّيق، لا يستحق
لنصيبه أجرةً؛ لأنَّ المتَضيَّقَ ليس له إلَّا السكنى ولو كانَ إلى جَنْبِ الآخر، وليس له طلب أجرة لحصته، وهو محلُّ كلام الخصَّافِ بأنَّه لا أُجرة على الساكن يعني الذي امتنع على السكنى للضّيقِ أو لغيره، حيثُ لم يمنعه الشريك عنها، فتدبر ذلك وافهمه فقد اختَلَطَ على البعض كلامهم في هذا المحل فلم يعلمه، انتهى
***
حُكمُ ما لو شَرَطَ الواقِفُ سُكنَى وإسكاناً فقط
وسيل خير الدين أيضاً في دار موقوفة على أولاد الواقف الأربعة وسماهم سكناً وإسكاناً، ثم من بعد كل منهم على أولاده، وثم وثم وثم على جهة بر لا تنقَطِعُ.
هل إذا سكنها أحدُ المَوقُوفِ عليهم بماله من حق السكنى المشروطة له بهذا الشَّرطِ يستحقُ عليه الباقُونَ أُجرةً أم لا يستحقُونَ؟
فأجابَ: لا يستحقُ عليه الباقون أجرةً؛ إذ سكناه بماله منَ الحقِّ المَشروط له بنَصَّ الواقفِ الذي هو وجوب العمل كنص الشارع.
قال في البحرِ» ناقلاً عن «فَتحِ القَديرِ»: ليس لأحد من الموقوف عليهم السكنى أن يُكرِيها، ولو زادَتْ على قدر حاجة سكناه، نعم له الإعارة لا غير، ولو كثُرَ أولاد الواقِفِ ووَلَدُ ولَدِه ونَسله حتّى ضاقَتِ الدَّارُ عليه ليس لهم إلَّا شكناها تقسط على عددهم.
وإن كانوا ذكوراً وإناثاً إنْ كانَ فيها حُجَّرٌ ومَقاصِيرُ، كَانَ للذكور أن يُسكِنُوا نِساءَهُم معهم، وللنساء أن يُسكِنَّ أزواجَهُنَّ مَعَهُنَّ، وإِنْ لم يَكُنْ فيها حُجَّرٌ، لا يستقيم أن يُقسم بينهم، ولا تقعُ مُهايأةٌ، إنَّما سكناها لمَن جَعَلَ له الواقِفُ ذلك
لا لغيرهم. ومن هنا يُعرَفُ أَنَّه لو سَكَنَ بعضُهم فلم يجدِ الآخرُ موضعاً يكفيه لا يستوجب الآخَرُ أُجرةَ حِصَّته على الساكنين، بل إن أحبَّ أن يقعُدَ معَه في بُقعةٍ من تلكَ الدَّارِ بلا زَوجةٍ أو زَوجِ إنْ كانَ لأحدهم ذلك فعَلَ، وإلَّا تَرَكَ المُتضَيَّقُ وخَرَجَ، أو جَلَسُوا معاً، كل في بقعةٍ إلى جنبِ الآخَرِ.
والأصل المذكور في الشروح والفروع في أوقاف الخصاف، ولم يُخالفه أحد فيما علِمْتُ، وكيف يُخالف وقد نقلوا إجماعهم على الأصل المذكور؟ انتهى.
واشتراط الإسكان لا يُوجِبُ استحقاق الأُجرة على مَن سكَنَ منهم؛ لأَنَّهُ قدِ استَوفَى حقَّهُ المشروط له، وهو السُّكنى، فلم يكُنْ عَاصِباً لمَنافِعِ الوَقْفِ حَتَّى نقول بوجوب الأجرة عليه على قولِ مَن قال بوجوبِ الأجرة على غاصِبِ الوَقْفِ. فتنبه لذلك، انتهى.
وسُئِلَ في دارٍ مَوقُوفة على جهةِ شَرْطِ الواقفِ السُّكنُ فيها لامرأتين مدَّةَ حياتهما، فسَكَنَتْ إحداهما، وطلَبَتِ الأُخرَى السُّكنى فلم تمنعها، وأبَتِ المُهايأة أو القسمةَ،
وفَتحَ بابِ آخر. فهل للثانية أن تُجبِرَ أُختها على القِسمةِ، وفَتح باب آخر، وعلى المُهايَاةِ؟ أم ليسَ لها ذلك؟ حيثُ إنَّ الواقف شرَطَ السَّكَنَ لهما، والمحل قابل لسكنهما معاً من غير قسمةٍ، حيثُ لم تُوافِقها الثَّانيةُ على القسمة، ولا على المُهايأةِ.
وهل إذا كانَ الواقف شرَطَ السُّكنَى للمرأتين بهذه الدَّارِ مدة حياتهما، هل لهما أن يُسكِنا أزواجَهُما معَهُما من غيرِ رِضًا المُستَحِفِّينَ فِي الوَقْفِ أم لا؟
وهل إذا تراضيا على القسمة وفتح باب آخَرَ للدَّارِ الموقوفة، هل لهما ذلك من غيرِ رِضًا المُستحِقِّينَ أم لا؟
فأجابَ: ليسَ للثانية أن تُجِيرَ أُختها على القسمة ولا على المُهايَاةِ، ولكل منهما أن تُسكِنَ زَوجَها معها وتمنَعَ القِسمةَ وإن تراضيا على الوجه المذكور. وقد صرح بالمسألة صاحب البحر» عن «فتح القدير في كتابِ الوَقْفِ في قوله: ولا يُقسَمُ وإن وقف على أولادِه، انتهى "
وسيل في أحدِ الشُّركاء في الوَقْفِ إذا سكَنَ جميعَ الدَّارِ الوَقْفِ بدونِ إذنِ البقية هل تجب عليه لهم الأجرة أم لا؟
فأجاب: نعم تجِبُ عليه، قال في البحر» نقلاً عنِ القُنية»: أحدُ الشَّريكَينِ إذا استعملَ الوَقْفَ كلَّه بالغلبة بدونِ إذنِ الآخَرِ، فعليه أُجرةُ حِصّةِ الشَّرِيكِ، سواء كانت وَقْفاً على سكناهما أو موقوفةً للاستغلال، انتهى.
وسُئِلَ في وَقْفٍ صُورَتُه: أنشأ الواقِفُ وَقْفَه هذا على نفسه، ثم على بناته عمرة
وزاهدة وشمسية وآسية بينهنَّ بالسوية شارِطاً السكنى لهنَّ عند حاجتِهِنَّ إليها. قالَ: الوَقْفُ إلى زاهدةً وشمسية وآمِيةَ، فَتَغَلَّ زَوْجَا زاهدةً وشمسية وآسيةً على دارين من دُورِ الوَقْفِ وسَكَنا بها معَ زَوجَتيهما مع الغنية عنهما، وآسية قاصرة لا زوج لها نحو إحدى عشرة سنةً، فلمَّا تَزَوَّجَتْ آسيةُ سَكَنَ زَوجها بها كذلك في دارٍ من دُورِ الوَقْفِ أيضاً، والدُّورُ مُتفاوتةٌ، فما الحكم الشرعي في ذلك؟ ابسُطُوا لنا
الجواب
فأجاب: اعلَمُ أوّلاً أنَّ مِنَ المُقرَّر في المذهَبِ أَنَّ مَن له سكنى دارٍ ليس له
إيجارها وأخذُ غلَّتِها إلا بتنصيص من الواقفِ ومَن له إيجارُ دارٍ وأخذُ عَلَّتِها ليسَ له سكناها إلا بتنصيص من الواقف - فيه ما تقدَّمَ فِي الرِّسالة ـ وحيثُ فَصَرَ الواقفُ السكنى على حالة الحاجة ليس لهنَّ عند عدمِها السُّكني، إنَّما لهنَّ الاستغلال فقط، فإذا سكَنَّ مَعَ عَدَمِها فأُجرة المثل لتلك الدُّورِ واجبةٌ، لَكِنْ على أزواجِهِنَّ لَا عَلَيْهِنَّ؛ لما تقرر أنَّها على المتبوع لا على التّابع في الغضبِ، فيأخُذُها النَّاظِرُ منهم ويصرِفُها على العمارة إن كانت هناك عمارةٌ، وَإِلَّا يُوزِّعُها عليهِنَّ.
فإن قلت: ما فائدة الأخذ منهنَّ والرَّدُّ عليهنَّ؟
قلتُ: حيثُ كانَتِ الدَّارُ مُتفاوتةً، واعتُبِرَتْ كلُّ دارٍ على حدةٍ في أُجرةِ مِثلِها لأجل الشركة الحاصلة في الوَقْفِ فيما خَصَّ غيرَ السَّاكِنِ يُؤخَذُ مِنَ السَّاكن فيُدفَعُ له. قال في البحر» نقلاً عن القنية»: أحدُ الشَّريكين إذا اسْتَحَلَّ الوَقْفَ كلَّه بِالغَلَيةِ بدون إذن الآخر، فعليه أجرةِ حِصّةِ الشَّريك، سواء كانت وَقْفاً على سكناهما أو موقوفةٌ للاستغلال، انتَهَى.
وهذا صريح في أنَّ السُّكنى بالغَلَبة مع الحاجة بدون إذنِ الشَّرِيكِ مُوجِبةٌ لأُجرة المثل لحصة الشريك، وقد عُلِمَ الجواب ممَّا قرَّرناه على كلا الحالين، فتأمل ذلك واعْتَيْمه، فقَلَّ مَن مَرَّرَ الجواب في المسألة على هذا الوَجْهِ.
وسئل في مُتولّي وَقْفٍ على ذُرِّيَّةِ شخص، فَسَكَنَه أحد الموقوفِ عليهم بالغَلَبَةِ، فصار يدفع عنه مَغارِمَ السُّلطانِ كالعَوارِض ونحوها بغير إذنِ شريكه، فطلب منه أجرةً المثلِ لحِصَّته، فأبى وتعلَّل بدفعِ المَغارِمِ، هل يجب عليه أجر مثلِ حِصَّته أم لا؟
وهل تعلله مقبول أم لا؟
فأجاب: عليه أجرةً حِصَّةٍ شريكه، سواء كانَ وَقْفاً على السُّكني أو موقوفاً للاستغلال؛ كما صَرَّحَ به في البحر نقلاً عن القُنية».
وليس للساكن أن يتعلَّل بما ذُكِرَ؛ إذ لا يلزمُ شريكه المذكور شيء ممَّا دَفَعَ منَ الغُرْمِ، حيثُ لم يأذن له بالدفع ليرجع عليه بحصته منها، كما أنه ليس للذي لم يسكن أن يقول للآخر: أنا أسكُنُ بقدر ما سكَنتَ؛ لأنَّ المُهايَاةَ إِنَّما تكونُ بعد الخصومة، انتهى. ثمَّ سُئِلَ فيما لو وَقَفَ زيد داراً وشرَطَ سكنها على بناتٍ بِكْرِ، وَجَعَلَ آخره لجهة بر، وكتب بذلك صَكَّاً شرعياً، وتزوَّجَتْ كلُّ واحدةٍ منهُنَّ برجُلٍ، وامتنع أمر أن يسكُنا معاً، فهل لهنَّ السُّكني على الانفراد، وليس لإحداهُنَّ الامتناع عن المُهايَةِ؟ وهل إذا سَكَنَتْ إحداهُنَّ مُدَّةً معلومة للأُخرَى السَّكَنُ نظير ذلك، حيثُ تعذَّرَ سُكنا هُنَّ معا؟ فأجاب: ليسَ لواحدة منهُنَّ الاختصاص بالسكنى دون غيرها، بل حقهُنَّ في ذلك على التساوي، فيسكُنُ في الدَّارِ كلُّهُنَّ، فَإِنِ اتَّفَقْنَ فِي المُهايَاةِ، جَازَ، وإلا؛ فتَسكُن كلُّ واحدةٍ بِقَدْرِ ما يخُصُّها فيها بلا مُهاياة، كما أفاده في «الخلاصة»
و البزازيَّة» و «الترخانية» وغيرها.
وتعدُّرُ سُكناهُما معاً غَيْرُ مُسَلَّم، وقد تقرَّرَ أَنَّ مَن له السُّكَنَى ليس له الاستغلال، ومن له الاستغلال ليس له السكنى على الأصح، والمُهاياةُ في الوَقْفِ لا جبر عليها؛
لأنَّها قِسمةٌ، ولا تجوزُ قِسمةُ الوَقْفِ على وَجْهِ الجَبْرِ، وإِنْ كانَت قسمةَ حِفْظِ وعِمارة فيه عُلِمَ أَنَّه ليس للأُخرَى السَّكَنُ نظير ما سكنَتْ إحداهُنَّ.
قال في فتح القدير بعد أن ذكرَ منَ الفُروع الكثيرة: ومن هذا يُعرَفُ أَنْ لو سكَنَ بعضُهم فلم يجد الآخَرُ مَوضِعاً يكفيه، لا يستَوجِبُ الأُجْرَةَ في حِصّتِه على الساكن، بل إن أحب أن يسكُنَ معَه في بقعة من تلك الدَّارِ بلا زَوجةٍ أو زَوجِ إنْ كانَ لأحدهم ذلك، وإلا ترَكَ المُتضيِّقُ وخَرَجَ، أَو جَلَسُوا معا، كل في بقعة إلى جَنْبِ الآخَرِ.
وقد ذكر في «القُنية» وغَيْرِها: أنَّ المُهايأةَ إِنَّما تكون بعدَ الخُصومة، فنحنُ بعدَ أن حققنا وحرَّرْنا جَوازَ المُهايَأةِ في الوَقْفِ باتِّفاقِ المَوقُوفِ عليهم، كما هو صريح كلامِ «الإسعاف»، وحَمْلِ ما في أوقافِ الخصَّافِ على قسمةِ التَّمليكِ، فهي إِنَّما تكونُ فيما يُستَقبَلُ لا فيما مضى. فتَدَبَّرُ ولا تغتر ممَّا وَقَعَ في بعض الشُروحِ مِمَّا يُفهِمُ خِلافَ ذلك، انتَهَى.