تحقيق الأعلام الواقفين على مفاد عباراتِ الواقِفِين
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تحقيق الأعلام الواقفين على مفاد عباراتِ الواقِفِين
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبالله الإعانة
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمد خير خلق الله وخاص عباده المُقرّبين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ حَسَنُ الشُّرُنبلاليُّ الحَنَفِيُّ غَفَرَ اللَّهُ ذُنوبَه، وستَرَ عُيُوبَه، ورَحِمَه ومشايخه ووالديه والمُسلمين آمين
هذه رسالةٌ مُتضَمَّنةٌ لجوابِ حادثةٍ مُهمَّةٍ في شَرْطِ واقِفٍ، أَرَدتُ تسطيرها لكَثرَةِ وقوع مثلها، واشتباه الحكم فيها على كثير ممَّن تصدَّرَ للفتوى، فأفتى بخِلافِ النَّصَّ فيها، ورأيتُ مثلها قد أفتى فيه شيخ مشايخنا العلامة نورُ الدِّينِ الشَّيخُ الإمام علي المَقدِسي رحِمَهُم الله، وقد خالَفَ فَتواه غيرُه من أكابر عصرِه من أهل مذهَبِه، كباقي أئِمَّةِ المذاهبِ الثَّلاثةِ، فأثبت ذلك حِفْظاً له عنِ الضّياعِ، امتثالاً لأمرِ الشَّارِعِ بتقييد العِلمِ بالكِتابةِ، رَجاءَ الثّوابِ مِنَ الكريم الوهَّابِ، وسميتُه:
«تحقيق الأعلام الواقفين على مُفادِ عباراتِ الواقِفِينَ».
وصُورةُ السُّؤال: ما قَولُكم - رَضِيَ اللهُ عنكُم - في واقفٍ وَقَفَ على أولاده يحيى
وعبد الجواد وعليّ، ثمَّ على أولادهم، ثمَّ على أولاد أولادهم، ونسلهم، وعقبهم، طبقةً بعد طبقةٍ، ونَسْلاً بعدَ نَسْلِ، الذَّكرُ والأُنثَى في ذلك سواء.
ثمَّ مَن مات منهم وترَكَ وَلَداً، أو وَلَدَ وَلَدٍ وإِنْ سَفَلَ انتَقَلَ نصيبه من ذلك إلى وَلَدِه، أو وَلَدِ وَلَدِه، وإنْ سَفَلَ الذَّكرُ والأُنثَى في ذلك سواء، وإنْ لم يَكُنْ له وَلَدٌ ولا وَلَدُ وَلَدٍ، ولا أسفل من ذلك، انتَقَلَ نصيبه إلى إخوته المُشارِكينَ له في الاستحقاقِ
بالوَقْفِ المَذكورِ مُضافاً لِما يستَحِقُونَه.
هذا شَرْطُ الواقِفِ.
ثم مات عبد الجواد عن أخويه ولم يُعْقِبْ.
ثم مات يحيى عن ابن وبنتين، فماتَتْ إِحدَى البنتين عن أولاد ثلاثة، وماتت الأُخرى في حياة أخيها ولم تُعْقِبْ، فانتَقَلَتْ حِصَّتُها لأخيها.
ثمَّ ماتَ علي ابنُ الواقِفِ عن بنتَينِ، ثمَّ ماتَ ابنُ يحيى ولم يُعْقِبْ أَحَداً أولادِ أُختِه، وأولاد عمه، وهما بنتا عليّ، فهل تنتَقِلُ حِصَّتُه لأولاد عمه، أو أولادِ أُختِه، و يُسَوَّى بين الجميع؟، فأَجَبْتُ حامِداً لله مانحِ الصَّوابِ، بأنَّه يُقسَمُ رَيعُ الوَقْفِ أَثَلاثاً، ثُلُتُه لأولادِ بنتِ يحيى، ولكل من بنتي على ثلثاً؛ لأنَّه لما مات علي ابنُ الواقِفِ انتَقَضَتِ القِسمة بگونه آخرَ الطَّبقة، فصارَ المُستَحِقُونَ أربعة، منهم الموجود حقيقةً، ثلاثة بنتا عليّ وابنُ يحيَى، والرَّابِعُ المَوجود تقديراً بنتُ يحيى التي أعقَبَتِ ابناً وبنتين، فلأولادها نصيبها، وهو الرُّبعُ الرّابعُ، ولأخيها الرُّبعُ الثَّاني، ولكل من بنتي علي ابنِ الواقفِ
ربع، ولما مات ابن يحيى ولم يُعْقِبْ، وليس له إخوةٌ، رَجَعَتْ حِصَّتُه إلى الوَقْفِ فاستَحَقَّها الموجودونَ، فَانقَسَمَ رَيعُ الوَقْفِ أَثلاثاً كما ذكَرْنَاهُ.
هذا مقتضى نص الواقفِ، وبمثلِهِ صَرَّحَ الخصَّافُ، حيثُ قَالَ: قُلتُ: أرأيتَ إِنْ كان عدد البطن الأعلى عشرة أنفُس، فمات منهم اثنان، ولم يتركا ولداً، ولا وَلَدَ وَلَدٍ، ولا نسلاً، ثم ماتَ آخَرانِ بعد ذلك، وترَكَ كلّ واحدٍ منهما وَلَداً ووَلَدَ وَلَدٍ، ثمَّ مات بعد هذين أخوان ولم يتركا ولَداً، ولا وَلَدَ وَلَدٍ، ولا نسلاً، فتنازَعَ الأربعة الباقونَ منَ البَطْنِ الأعلى، وولد الابنين الميتين.
فقال الأربعةُ: نصيبُ الميتين الأولين اللذين لم يتركا ولداً راجع علينا وعلى
أولاد أخوينا هؤلاء، ونصيبُ الميتين الآخرين لنا دُونَ أولادِ أخوينا؛ لأَنَّ هَذَينِ الميتين الآخرين ماتا بعدَ مَوْتِ أَبَوَي هَذَينِ، فلا حَقَّ لهما فيما يرجعُ من نصيب الآخرين. قال: السَّبيل في ذلك أن تُقسَمَ الغَلَّهُ يومَ تأتي على سِتَّةِ أسهم، على هؤلاء الأربعة، وعلى الميتين اللذين تركا أولاداً، فما أصاب الأربعة كان لهم، وما أصابَ الميتين كان ذلك لأولادهما، وسقَطَ سهام الأربعة الموتى الذين لم يتركُوا أولاداً، من قِبَلِ أَنَّ الواقِفَ قالَ: فمَن مات منهم ولا وَلَدَ له رَجَعَ نصيبه على أصل هذه الصدقة، فقد رددنا نصيب من مات منهم ولا وَلَدَ له إلى أصلِ الغَلَّةِ، ثمَّ قَسَمْنا ذلك على مَن يستَحِقُها، فأعطَيْنا كلَّ ذي حقٌّ حقَّهُ، انتَهَى عبارةُ الخَصَّافِ رحِمَهُ اللهُ.
وكذلك يرجعُ نصيبُ مَن لم يُبيِّنِ الواقِفُ مُستَحَقِّه لأصل الوَقْفِ، كما نص عليه.
وصورة الحادثة التي أفتى فيها شيخُ الإسلام على المقدسي رحمه الله: ما قولكم - رضي الله تعالى عنكم - في وَقْفٍ عِبارَتُه بعد تعيين الجهات الموقوفة: يختص الواقِفُ بَرَيعِ جميع الوَقْفِ المذكور، ثمَّ من بعده على أولاده الذكور والإناث الموجودين والحادثين، وعلى والديه فلانة وشقيقته فلانة، يُقسم بينَ الأُختِ والوالدة والأولاد على عدَدِ رُؤوسهم، ثم من بعدِ أولاده على أولادهم كذلك الذكور والإناث من ولد الظهر، ثمَّ من بعدهم على أولادهم كذلك، ثم على أولاد أو لا يهم كذلك، ثمَّ على ذُرِّيَّتِهم ونَسلِهم وعقبهم كذلك، تحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى.
على أنَّه مَن تُوُفِّيَ منهم وله وَلَدٌ، أو وَلَدُ وَلَدٍ وإِنْ سَفَلَ من ولدِ الظَّهِرِ خاصةً انتَقَلَ نصيبه إليه، ومَن تُوُفِّيَ منهم عن غيرِ ولدٍ ممَّن يستحقُ الدخول في هذا الوقفِ انتَقَلَ نصيبه إلى إخوته المُشارِكينَ له في الاستحقاق من أهل هذا الوَقْفِ، فإن لم يكُن له إخوة من أهل هذا الوَقْفِ انتَقَلَ نصيبه لمَن هو في طبقتِه وذَوي دَرَجَتِه من أهل هذا الوَقْفِ. وعلى أنَّه مَن تُوُفِّيَ منهم قبل دخوله في هذا الوَقْفِ واستحقاقه لشيء من منافعه وترك ولداً، أو وَلَدَ وَلَدٍ وإِنْ سَفَلَ من وَلَدِ الظَّهر خاصةً، وآل الحال في الوَقْفِ أن لو كانَ المُتوفّى حَيَّاً مَوجُوداً لدخَلَ في هذا الوَقْفِ واسْتَحَقِّ شيئاً من مَنافِعِه، قامَ وَلَدُه وإِنْ سَفَلَ مَقامه في الاستحقاق، واسْتَحَقَّ ما كانَ أصله يستحقه من ذلك أن لو كان حياً موجوداً.
فانحصر الاستحقاق في شخص يُسمَّى إبراهيم بينه وبين الواقفِ رَجُلانِ انقرضا، ولإبراهيم المذكور ولد اسمه أحمد، تُوُفِّيَ في حياته عن بنته فاطمة، اثم
تُوُفِّيَ إبراهيم عن بنتِ ابنه فاطمة، وعن أولاد أربعة له، وهم أبو البقاء ومحمد وزينب وسيدة المُلوكِ، فَقُسمَ رَيعُ الوَقْفِ بينهم أخماساً؛ عملاً بقولِ الواقِفِ: ومَن
مات قبل دخوله في هذا الوَقْفِ وتَرَكَ وَلَداً وإنْ سَفَلَ قامَ مَقامَه في الاستحقاق. ثمَّ تُوفِّيَ محمَّدٌ وزَينب وأبو البقاء عن أختهم سيدة المُلوكِ، وعن بنتِ أخيهم فاطمة، فهل يُقسَمُ الرَّيعُ بينهما نِصفين، أم تستَحِقُّ فاطمةُ الخمس فقط، والأربعةُ الأخماس لعمتها سيدةِ المُلوكِ؟ وماذا حكم الله في ذلك؟ أفتونا مأجورينَ أَتَابَكُمُ اللهُ الجنَّةَ بمنه وكرمه. آمين.
فأجابَ الشَّيخُ على المَقدِسي شيخ الإسلام رحمه الله، ومِن خَطَّه نقَلتُه:
الحمد الله العلي العليم، الهادي إلى الصراط المستقيم.
قد وقعت هذه المسألة في سالِفِ الزَّمانِ، وأجاب عنها طائفةٌ من أعيانِ الفُقَهَاءِ وفقهاء الأعيان، وقالوا: إنَّهما في قسمةِ الرَّيعِ مُستويانِ، وكتبوا بذلك خُطُوطَهم، معَ الإشارة إلى الدليل لا على وَجْهِ التَّفصيل، وإيضاحِ البَيانِ، وطُلِبَ مِنَ الفقير ذلك معَ النَّاقُلِ والإمعان، وإيرادِ الحُجَّةِ والبُرهانِ، بِقَدْرِ الوُسْعِ والإمكان.
فقال وبالله التوفيق والمُستَعانُ معَ أَنَّه ليس بخافٍ عبارات كتب الأوقاف من الإيهام المُؤَدِّي إلى اختِلافِ الأفهام، والإجمالِ المُوسّع لباب الاحتمال، لكنَّ الذي لاح للبال في توجيه ذلك المقال: أنَّ الواقِفَ قَالَ أَوَّلاً: يُقسَمُ بينَ الأُختِ والوالدةِ والأولاد على عدَدِ الرُّؤوس؛ أي: بالسوية بينهم.
ثم قال: من بعد أولاده على أولادهم كذلك؛ أي: على عددِ الرَّؤوس؛ يعني
بالسَّويَّةِ أيضاً، وإنَّما فسرناه بذلك؛ لأنَّه لم يذكر بعد ذلك الطَّبقةَ الأُولى إلَّا قوله: على عددِ رؤوسهم.
ثمَّ ذكرَ الطَّبقةَ الثَّانية، وقال بعدها كذلك، فيتعيّنُ رُجوع الإشارة المذكورة إلى ذلك القيدِ؛ أعني: التّسوية بينهم في القِسمةِ، ثمَّ ذكر هذا بعد في سائرِ الطَّبقاتِ كما تراه في السُّؤالِ، فأشعَرَ بذلك أنَّ مُرادَه التّسوية بين أفرادِ كلَّ طبقة حقيقية كانت أو حكميَّة.
الثاني: وهو العُمدة في الاستدلالِ قَولُه: على أَنَّ مَن تُوُفِّيَ منهم قبل دخوله في الوَقْفِ واستحقاقه لشيء من مَنافِعِه، وترَكَ وَلَداً أو ولَدَ وَلَدٍ ... » إلى آخره، ففيه لفظانِ
من أدواتِ العُموم: أحدهما: قوله: «مقام» المُضافِ فإنَّهم صَرَّحُوا بأنَّه يعُمُ، كما قالوا في قولِه تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور:]؛ أي: كل أمر الله تعالى، وفرَّعُوا عليه ما لو أوصى لوَلَدِ زيد، أو وَقَفَ على وَلَدِ زيد، وله أولاد ذُكور وإنات كانَ للكُلِّ. الثاني: لفظ «ما» وإنَّها من أدواتِ العُموم، كما هو في الأُصولِ معلوم، والعام يُوجِبُ الحكم فيما يتناوَلُه قطعاً عندنا، حتَّى قُلْنا بِنَسخِ الخاص به، خلافاً للإمامِ الشَّافعيّ رَضِيَ الله عنه.
وهذا مذكور في عامَّةِ كتُبِ الأصولِ مِنَ المَنارِ» وغيره، وممَّا فَرَّعُوا عليه ما لو قال شخص لأمَتِه: إنْ كانَ ما في بطنك غُلاماً فأنتِ حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْ غُلاماً وجارِيةً لا
تعيق؛ لأنَّ الشَّرط أن يكونَ جميعُ ما في بطنها غُلاماً، ولم يكُنْ، إلى غير ذلك من الفروع التي لا تطيل بذكرها.
هذا؛ وقد ذكر الإمام أبو بكر الخصَّافُ الذي أَذعَنَ لفَضْلِهِ أهلُ الوِفاقِ والخلاف: أنَّ العبرة بالأخير من كلام الواقفين في كلام طويلٍ مُسْتَمِلٍ على فوائد جليلة في تفاريع الوَقْفِ على الأولاد، وقد نقله عنه طائفةٌ منَ الشَّافعية، وكان لهم عليه الاعتماد، ولا شَكٍّ أنَّ قولَه: على أنَّ مَن تُوُفِّيَ .... إلى آخره، من آخر تلك الكلمات، فيكون هو المُعتمد وعليه التَّباتُ.
فنقول تفريعاً على ما قرَّرناه من الأصولِ: قوله «مقامه» يَسْمَلُ المَقامَ في استحقاقه شيئاً ابتدأ، والمقام في استحقاقه ما يصير إليه بعد الدخول. وكذا لفظ «ما» في ما كانَ يستحقُّ» يشمل ما كانَ يَستَحِقُه ابتداءً كالذي للجد مثلاً إذا مات الأب في حياته، ثمَّ ماتَ، فإنَّه لو كانَ الأب موجوداً لاستحقه، فيأخُذه ولده، ويقوم مقامه في ذلك، ويشمل ما كانَ يَستَحِقُه بعد الدخول.
كما لو ماتَ مَن لا وَلَدَ له، وله أخٌ وابن أخ ماتَ قبل دخوله، فإنَّه لو كان هذا الأخ موجوداً لاستحق مع أخيه، فيقومُ ولده مقامه في ذلك، فلما مات محمد وزينب وأبو البقاء عن أختهم وبنتِ أخيهم قامت بنتُ أخيهم مَقامَ أبيها، ولو كان أبوها حياً لا ستَحَقَّ مع إخوته ما كانَ لأبيه، وشارك إخوته فيه، ولا ستَحَقَّ ما صارَ إليه عن إخوته معَ أُختِه سيدةِ المُلوكِ، فتقومُ فاطمةُ بنتُه مَقامه في ذلك، وتستَحِقُه عَمَلاً بعُمومِ «ما»، فيُقسَمُ الرَّيعُ بينهما. وبما قررناه يندفعُ ما تمسَّكَ به بعضُ الشَّافعيّة في نظيره، ولعله الولي العراقي
في ترجيح قوله: مَن تُوُفِّيَ عن غير ولد فنصيبه لإخوته، إِنَّ هذا خاص، والخاص يُقدم على العام؛ لما أشرنا إليه أنَّه مذهَبُ الشَّافعي، على أنَّ الإمام العلامة الشبكي قد رجع في مثل هذه الواقعة إلى أنَّ العَمَّ ونحوه لا يحجُبُ ولدَ الأَخِ.
وإن قوله: تحجُبُ العُليا السفلى محمول على الوالد، يحجُبُ الوَلَد فقط، ويُعمَل بقوله: «على أنَّ مَن تُوفِّيَ قبل استحقاقه على عمومه كما ذكره في جوابه عن سؤال أولاد سيدةِ المُلوكِ، كما يطلع عليه مَن رأى فتاواه.
فإن قيل: كيف تُعطى سيّدةُ المُلوكِ عندَ مَوتِ الأخير من الإخوةِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الدفع للإخوة أن يكون جمعاً، وأقله في هذا وفي أمثاله اثنانِ؟ قلتُ: يُمكنُ أن يُقالَ: لمَّا تقرَّرَ قيامُ فاطمةَ مَقامَ أبيها بنص الواقفِ، وهو أخ،
صار كأنه موجود معها، فحصل معنى الجمع حكماً.
أو يُقال: إن اعتُبرت حقيقة الجمع في ذلك يلزمُ حِرمان الأقرب وإعطاء الأبعد، وهو بعيد جداً، فلا أقل من أن نعتبرها من طبقة المُتوَفَّى وذَوي دَرَجَتِه، وتسوي بينها وبين بنت أخيها؛ إذ يصدق عليها ذلك الوَصْفُ عِندَ عَدَمٍ شَرْطِ الدفع للإخوة، وهو التعدد.
أو يُقال: لفظ «إخوة» مُشتمل على شيئين: الجنس، ومعنى الجمعية، ويجوز استعمال اللفظ في بعض معناه على سبيلِ التَّجريد، فيُراد منه هنا الجنس فقط بقرينة السباق والسياق، فإنَّه لم يُذكر في سابقه ما يخُصُّ الجمع، بل ما يصدق بالمُفرد، وهو لفظ الولد، وفي لاحقه لم يُؤْتَ إِلَّا بِلفظ مِنَ الشَّامِل للمفرد والجمع. الرسالة - تحقيق الأعلام الواقفين على مُفادِ عبارات الواقفين
فهذان شاهِدَانِ عَدْلانِ على أنَّ المُرادَ بِالوَسَطِ أيضاً مثلُ ما أُريد بالطَّرَفينِ؛ أعني: مُجرَّدَ الجنس الصادق بهما، وحينئذ يكون في الكلام بيان حكم الأخ الواحد وغيره، بخلافِ غير هذا الوَجْهِ، فإنَّه عليه يبقى حكم الواحد محتمل التردُّدِ والتَّكلُّف.
ولو كنتُ أملكُ الحكم، لقَضَيتُ بأنه هو المُرادُ في هذا المَقامِ وأمثاله، كما لا يخفى على الواقفين على عباراتِ الواقفين]، وبالتأمل يندَفِعُ اعتراض بعض المعترضين، والله سبحانه وتعالى أعلَمُ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
وسلم أجمعين. وكتبه العبد الفقيرُ المُقصِّرُ المُرتَجي عليُّ بنُ عَانِمِ المَقدِسِيُّ الخَزْرَجِيُّ الحنفي، حامِداً مُصلَّياً مُسلّماً، عَجِلاً خَجِلاً، مُسْتَغْفِراً مُحَسْبِلاً.
قلت: وقد أشار إلى هذا الشَّيخُ الإمام الفريد في التحقيق إلى التنبيه على التَّحفظِ منَ الوقوع فيما أفتى به مُخالِفوه من أهلِ مَذهبه وغيرهم، وقد اطلعت على ذلك مجموعاً ضمن سؤال منقول عن خُطوطهم، وها أنا ذاكره للعلم به، مكتفياً عن صورة السُّؤال بما قدَّمتُه؛ إذ الصورة واحدةً، وإنْ وقَعَ مخالفة في بعض الألفاظ بما لا يضُرُّ؛
كالولد مقامَ البِنتِ؛ إذ لا يتغير به الحكم.
فكتَبَ الشَّيخُ بدرُ الدِّينِ الشَّهَاوِيُّ الحَنَفِيُّ:
الحمد لله وحده، من مُوجِدِ الكَونِ أَسْتَمِدُّ التَّوفيق والعَوْنَ.
نعم، يستحق الولد الباقي من الأولاد الأربعة أربعة أخماس من ربعِ الوَقْفِ ووَلَدُ أخيه يستَحِقُّ الخمس الباقي، ولا يُقسَمُ الرَّيعُ بينهما عَمَلاً بقولِ الواقِفِ: على
أنَّ مَن ماتَ منهم عن غيرِ ولدٍ ممَّن يستحِقُ الدُّخول في هذا الوَقْفِ انتقَلَ نصيبه إلى إخوته وأخواته المُشارِكينَ له في الاستحقاق.
ويشهد بذلك عبارةُ الشَّيخِ الإمامِ القُدوة الكبير في العلمِ أبو بكر بن أحمدَ بنِ عمرو الخصَّافِ في «أوقافه»، وكذلك في عبارة كتابِ الإسعاف في الجمع بينَ هلال والخصَّافِ للشَّيخِ الإمامِ بُرهانِ الدِّينِ الطَّرابلسي الحنفي وغيرهما من كتب المذهَبِ المَعنيَّةِ والحالة هذه، والله سُبحانَه أَعلَمُ بالصَّوابِ.
وكتبه بدرُ الدِّينِ محمَّدٌ الشَّهاوِيُّ الحنفي حامِداً الله تعالى، ومُصلِّياً على نبيه محمَّدٍ وصَحبِه ومُسلَّماً، آمين.
قلت: هذا لو اقتَصَرَ الواقف على ذلك الشَّرطِ، ولم يقتصر، بل الحقُّ اشتراط قيامِ فَرْعِ مَن مات قبل استحقاقه مقامه في الاستحقاق، وبه عملتُ في أخذ فاطمةَ نصيب أبيها، وجعلها كابن مع عميها وعمَّتَيها والحكم كذلك في استحقاقها ما يستَحِقُّه أبوها من نصيب من يموتُ من إخوته وأخواته لو كانَ حَيَّاً معَ مَن بقي من إخوته وأخواته، فتأخُذُ فاطمه بنته معَ عَمَّتِها سَيَّدةِ المُلوكِ بالسَّويَّةِ.
وكتَبَ الشَّيخُ ناصِرُ الدِّينِ الطَّبْلاوِيُّ الشَّافِعِيُّ:
الحمد لله رب العالمين.
جوابي
كذلك من أنَّ القِسمةَ تتعيَّنُ على ما ذُكِرَ كما ذُكِرَ، أَنَّ للولد الباقي من
الأربعة الأولاد الأربعة أخماس، ولولد أخيه الخمس الباقي، وزيادة أنَّه ليس لحاكم أن يحكُمَ بضِدَّ ما حكَمَ به الحاكِمُ الحنفيُّ المذكور، ولا أن ينقُضَه، والله أعلَمُ. وكتبه محمد بن سالم بن عليّ الطَّبَلاوِيُّ الشَّافِعِيُّ حَامِداً الله مُصَلِّياً مُسلّماً، انتهى.
قلتُ: أمَّا حُكمُ الحنفي في ذلك، فلم يُصادف محلَّه، وأمَّا الشَّافعي، فقد عَلِمْتَ
بكلام الشيخ الإمامِ عليَّ المَقدِسي ما فيه، انتهى.
وكتب الشيخ شهاب الدين أحمد البهوتي الحنبلي:
الحمد لله، اللهم وفقني واهدِني للصَّوابِ.
جوابي كذلك والله سُبحانَه أعلَمُ بالصَّوابِ. كتبه أحمد البهوتي الحنبلي حامداً
مُصَلِّياً مُسلّماً مُحَسبِلاً مُحَوقِلاً، انتَهَى.
قلتُ: وفيه كما في الذي قبله.
وكتَبَ الشَّيخُ ناصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ المالكي:
الحمد لله رَبِّ العالمين.
حيثُ كان الحاكم في الوقفِ حنَفَيَّاً وأفتى على مذهَبِه بِصِحَّةِ حُكمِه، فالأمرُ والشَّأن كما أفتى به، والمُعوَّلُ عليه في ذلك هو فَتوَى الحَنَفِيَّ، مَعَ أَنَّ مَذهَبَ عُلَمائِنا أيضاً موافق لمذهب الحنفي في ذلك. والله سبحانه أعلَمُ بالصَّوابِ. كتبه الفقيرُ ناصِرُ الدِّينِ اللقانيُّ المالكي حامِداً مُصَلِّياً مُسلّماً.
قلتُ: أَمَّا فتوى الحنفيَّةِ الذين صَدَرَتْ منهم وخالَفُوا ما هو التحقيق في المسألة فقد علِمْتَ عدَمَ صِحَّتِها من حيثيَّةِ القِسمة، وأمَّا الحكم بصحة أصل الوَقْفِ فلا كلام فيه.
وأمَّا مذهب المالكي في نفس القسمة فهو كما حَرَّرَه الشَّيخُ المَقدسي وبيَّناه؛ لأنَّ شيخَ مذهب المالكيَّةِ فريد العصرِ في التَّحقيق الإمامَ العُمدةَ الهُمامَ نُورَ الدِّينِ عليّاً الأُجْهُورِيَّ المالكي حفظه الله أفادَني بلَفْظِه أنَّ المُعَوَّلَ عليه في كلامِ الواقِفِينَ ما تفيده الجملة الأخيرة عند المالكية.
قلت: فهم مُطبِقُونَ مُتَّفقونَ معَنا على ما يُفيدُه آخِرُ كلامِ الواقفين، وقد عَلِمْتَ ذلك بكلام الإمامِ الخصَّافِ، فلا تغتر بعُلُوِّ مَقامِ المُحِيبِ المالكي المُوافق للحنفي
السَّابق عليه بجوابه الذي لم يُصِبْ، والله المُوفّق بمَنَّه.
وكتبَ الشَّيخُ شهابُ الدِّينِ البُلقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله:
الحمد الله.
جوابي كذلك، والله أعلَمُ. وكتبه أحمد البلقِينِيُّ الشَّافعي.
وكتَبَ الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المسيري الحنفي، [وهو المشهورُ بالذَّئب:
الحمد لله المنعم المُتفضّل.
جوابي كذلك، والله سبحانه وتعالى أعلَمُ بالصَّوابِ. وكتبه الفقير محمد ابنُ عبدِ الرَّحمن المسيري الحنفي] حامداً الله مُصَلِّياً على نبيه محمد وآله وصحبه ومسلماً.
وكتَبَ المُشار إليه أيضاً على سؤال منقول من هذا السُّؤالِ بالحرفِ:
الحمد الله.
ليس لولدِ الولدِ المُتوَفَّى إلا سهم من خمسة أسهم، والباقي وهو أربعة أسهم
الرسالة. تحقيقُ الأعلام الواقفين على مُفادِ عبارات الواقفين لولد الصلب، عملاً بقولِ الواقفِ في حَقٌّ ولد الولد، على أنَّ من مات منهم وله ولد انتقل نصيبه إليه، ونصيبُ المُتوَفَّى لو آل أمره في الاستحقاق معَ وُجودِ إخوته وأخواته لم يكُنْ مُستَحِقَّاً إِلَّا الخمُسَ، فإذا مات حالة استحقاقه لذلك انتقل نصيبه وهو الخمس فقط لولده؛ يعني: لو كانتْ إخوته أحياء.
وإِنَّما كانَ الولدُ الصُّلبي يستحِقُّ الأربعة الأخماسِ عَمَلاً بقولِ الواقفِ: ومَن تُوفي منهم عن غير ولدٍ ممَّن يستحقُ الدُّخول في الوَقْفِ انتقل نصيبه إلى إخوته وأخواته المشاركين له في الاستحقاق من أهل هذا الوَقْفِ، وقد ماتَتِ الثَّلاثةُ الإخوة عن غير ولد، فيُنقل نصيبهم إلى الأخ الباقي من غير مشاركة لولد الولد؛ لعدم استحقاق أبيه لشيء من حصة إخوته لسَبْقِ مَوْتِ أبيه على إخوته، اللهم لو مات بعد مَوْتِ الواقِفِ ثلاثة إخوة من غير أولاد وانحصر الأمر في والد الولد وأخيه الموجودِ الآن ثم مات والد الولد عن ولده هذا استَحَقَّ النّصف لقيامِه مَقامَ والده في سَهْمِه، وسهمه الآنَ كانَ النصف لو انحصر الآنَ، لكنَّه لم يُحصَر؛ لِما قدمناه.
قال الإمام أبو بكر أحمدُ بنُ عَمرو الخصَّافُ - وناهيك به في هذا الباب وفي غيره: قلتُ: أرأيت إنْ كانَ الواقِفُ قال قد جَعَلْتُ أرضي هذه صدقةً موقوفةً لله عزّ وجَلَّ على ولدي لصلبي، وكلَّما مات منهم واحد كان نصيبه من غلّة هذه الصدقة لولده وولد ولده ونَسلِه أبداً ما تَناسَلُوا، وكلَّما مات واحدٌ منهم ولا ولد له رجَعَ من هذه الصَّدقة على ولدي لصلبي، ثمّ يكون بعد انقراضهم للمساكين، فوَجَدْنا ولَدَ الواقف لصلبه عشرة أنفس من ذُكور وإناث، قالَ: تُقسَمُ الغَلَّةُ ... إلى آخر كلام الخصافِ.
نصيبه
وكتبه بجملته هذا المُجيب، إلى أن انتهى عند قوله: لأَنَّ وَلَدَ الصُّلْبِ أَحَقُّ بِسَهِم
من مات منهم، ولا ولد له ولا نسل.
ثم قال: انتهى كلامُ الخصَّافِ، فصريح كلام هذا العلامةِ يُنادي بأعلى صوته أنْ لا حَقٌّ لولد الولد في سَهِم مَن يموتُ بعدَ مَوتِ والده، وأنَّ الوَلَدَ الصُّلبي يختص بنصيب من يموتُ من إخوته، حيثُ لا ولد له، ولا نَسْلاً، ولا عَقِباً، حيثُ شرط ذلك، فمن أين تأتي الشركةُ بالنَّصفِ معَ الولد الصلبي؟ والحالُ أَنَّ مَوتَ وَالدِ الولد وُجِدَ في حياة الواقف.
فلولا زيادة ذُكِرَت في السُّؤالِ تُعرَفُ بالتَّامُّلِ لَما كان لهذا الولد شيءٌ أصلاً بموت والده في حياة الواقف، وعدم انتقال شيء إليه، لكن تلك الزيادةَ جَعلت الولد قائماً مقام أبيه قبل استحقاقه لشيء من ربع الوَقْفِ. واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ بِالصَّوابِ. وكتبه الفقيرُ محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المسيري الحنفي حامِداً الله، ومُصلِّياً على نبيه محمد وآله وصحبه ومسلماً. وأقول: في كلامه نظر من وجوه:
منها قوله: «اليسَ لولد الولد إلَّا سهم من خمسة ... إلى آخره؛ فإنَّ هذا لا يصح إلَّا بِالنَّظَرِ لِما خلفه جده، وهو منسوخ بالشَّرطِ المُتأخر، وهو قوله: «وعلى أَنَّه مَن تُوفَّيَ منهم قبل دخوله في هذا الوَقْفِ ... إلى آخره، عطفاً على العلاوة السابقة، وكما نُسخ بالعلاوة الأولى حكم ما قبلها، وجعل وَلَدُ المَيِّتِ قائماً مقامه في مُشاركته
أعمامه فيما كان للجد، فكذلك جَعله بهذا الأخير قائماً مَقامَ أبيه في مشاركته باقي أعمامه في نصيب الميت منهم. ومنها قوله: عَمَلاً بقولِ الواقفِ في حقٌّ ولد الولد، على أنَّ مَن مات منهم وله ولد انتقل نصيبه إليه».
ووجه النَّظَرِ: أنَّه لا نصيب للميت في هذه الحادثة، وقد اعترفت به بقولك: «ونصيبُ المتوفى ... إلى آخره، فلا دليل لك على هذه القضيَّة بهذا الوَجْهِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَنَّ هذا الذي مات والده قبل دخوله في الوَقْفِ بالشَّرطِ الأخير، وبذلك يأخُذُ كما بيناه.
ومنها قوله: وإنَّما كانَ الولدُ الصُّلبي يستحقُ الأربعة الأخماس عَمَلاً بقول الواقِفِ ومَن تُوفِّيَ منهم عن غير وليد ... إلى آخره، كذلك هذا لا يصح إلَّا إذا كانَ الواقف قد اقتصر عليه، ولم يقتصر بل نسخه بالشَّرطِ المُتأخر بقوله: «وعلى أَنَّ مَن تُوفِّيَ منهم قبل دخوله ... إلى آخره، فقد أقامَ ولَدَ الولد مُقامَ أصله في استحقاقه عن جده وعمه كما بيناه، فقد غَفَلَ هذا الشَّيخُ رحمه الله عن الشَّرطِ الأخير الذي هو العُمدة. ومنها قوله: «وقد مانَتِ الثَّلاثةُ الإخوة .... إلى آخره، فيه الغَفَلةُ المذكورة أيضاً، فهو وإن سبق موت أبيه فقد قامَ مَقامَه تقديراً في الاستحقاق من جهة الجد، وكل من الأعمام، فيُشارِكُ العمَّةَ الباقية بالنصف.
ومنها قوله: «الكنَّه لم ينحصر»، فهو غير صحيح بالنَّظرِ لِما أَنَّه قامَ الولدُ مَقامَ أبيه، فقد حصل الانحصارُ حُكماً بشَرط الواقِفِ الأخير، وكررنا ذلك بتكريرِ المُجيب لزيادة الإيضاح، وإلا؛ فيُغني عن ذلك لفظ قليل جليل.
ومنها قوله: «فصَريحُ كلام هذا العلّامة الخصَّاف ... إلى آخره؛ إذ لا دليل فيه؛ لأنه لم ينسَخِ الخصَّافُ كلامه، وفيما نحنُ قد نسخه الواقِفُ بما علمته، فليس فيما نقله من كلام الخصافِ ما يُطابق جواب هذه الحادثة.
ومنها قوله: «فمن أين تأتي الشَّركةُ بالنَّصفِ مع الولد الصلبي .... إلى آخره؛ لأنَّه غفل عن الشَّرطِ المُتأخر، وبه أنتِ الشَّركةُ بنص الواقف؛ لإقامته ولد الولد مقام الولد في الاستحقاق كذلك.
ومنها قوله: «فلولا زيادةٌ ذُكِرَت .... إلى آخره؛ لأن ذلك أصل لا زيادة، وكأنه يُخوِّفُ بهذا ولد الولد لينكف عن طلبه حقه الذي يستَحِقُه عن أعمامه، ويُشارك به عمَّتَه.
ومنها قوله: «تُعرَفُ بالتَّاقُلِ»؛ لأنَّه أمرٌ ظَاهِر بديهي المعرفة.
وأما قوله: «لكن تلك الزيادةَ جَعَلَتِ الولَدَ قائماً مقام أبيه قبل استحقاقه لشيء من ربع الوَقْفِ، فهو رُجوع إلى الحقِّ، وحيثُ اعترفت بأنَّ تلك الزيادةَ جَعَلَتِ الولد قائماً مقام أبيه قبل استحقاقه لزِمَكَ القَولُ بمُشاركته لعمته، فإنَّ أباه في مرتبة عميه يُشاركها بالسوية في الاستحقاق، وقد جَعَلتَه قائماً مَقامَ أبيه، فَاسْتَحَقُّ ما كانَ يَسْتَحِقُه أبوه لو كان حياً مع أخته، وهو ما أوجَبَه الشَّرط الأخير في كلامِ الواقِفِ كما بيناه، فلا وجة لتخصيص قيام الولدِ مَقامَ أبيه بما هو عن جده دونَ ما هو من نصيب أعمامه. وكتَبَ الشَّيخُ شهابُ الدِّينِ أحمد بن شعبان الحنفي رحمه الله تعالى.
الحمد لله المُلهِم للصواب. حيثُ إِنَّ الواقف شرط هذه الشروط، فيُعمَلُ بكل شرطٍ فيما شرَطَه حقيقةً إِنْ أمكن، ولا يُعدل عن الحقيقةِ إلى المَجازِ إِلَّا عندَ التَّعدُّرِ، وقد أمكنَ العَمَلُ بالحقيقة هاهنا؛ إذ شُروط الواقفين تُراعي كالنُّصوص. أَمَّا قَولُ الواقِفِ: تحجبُ الطَّبقة العليا الطبقة السفلى؛ المُراد به أنَّ كلَّ أصل يحجُبُ فُروعَه لا غير. وأَما قوله: مَن تُوفِّيَ منهم عن غيرِ ولَدٍ ولا ولد ولد لم يستَحِقَّ الدخول في هذا الوَقْفِ، انتقل نصيبه إلى إخوته وأخَواتِه المُشارِكين له في الاستحقاق»؛ المُراد به أنَّ الإخوة المُستَحِفِّينَ لنصيب الميِّتِ هم الإخوة الأحياء حقيقة، ولا يُمكنُ قيام ولد الأخ الميِّتِ مَقامَ أبيه في الوَصْفِ الذي هو الأخوة حقيقة بل بضَرْبٍ مِنَ المَجازِ.
ولفظ «الأُخوَّةِ» لا يسْمَلُ المَجازَ في هذا المقام، ويُؤيد ذلك قول الواقفِ:
فإن لم يكن له إخوة انتَقَلَ نصيبه إلى مَن هو في طبقته وذَوِي درجته من أهل هذا الوَقْفِ، فإنَّه لم يُرِدْ بالأُخوَّةِ إِلَّا الأُخوَّةَ حقيقةً.
ولا يخفى أنَّ جَعْلَ المَيِّتِ مَوجُوداً حُكماً مَجاز أيضاً، ولو لم يكن المراد منه ذلك لكان قوله: «فإن لم يكن له إخوة ... » إلى آخره؛ المُراد به أنَّ ولَدَ المَيِّتِ يَنتَقِلُ إليه أصل استحقاق والده المُستفاد من هذه العبارة، لا المُنتقل من أعمامه، فإنَّ ذلك خاص بهم عَمَلاً بقَولِ الواقِفِ: فإِنْ تُوفَّيَ عن غيرِ [ولد ولا] وَلَدِ ولَدٍ انتَقَلَ نصيبه إلى إخوته وأخواته. وعلى ما ذُكِرَ يكونُ عَمَلاً بكلِّ شَرْطٍ فيما شرط له من حقيقة، ويستَحِقُ الولد الباقي الأربعة أخماس وولد أخيه الخمُسَ؛ لقِيامِه مَقامَ أبيه في أصل الاستحقاق خاصَّةً، وبقرينةِ قَولِ الواقِفِ المُشارِكينَ له في الاستحقاق. فعلِمَ من ذلك أنَّ الولد الباقي كانَ مُشارِكاً لإخوته إلى حين موتهم، بخلافِ ولدِ الأخ، فإنَّه لم يُصدَّقُ أنَّه أَخٌ مُشارِكٌ لا حقيقةً ولا حُكماً.
هذا ما ظهَرَ لفَهمي العاجز، وذهني الفاتر، والحالةُ هذه واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ، قالَ ذلك وكتبه الفقيرُ أحمد بن شعبان الحنفي، حامِداً مُصلِّياً مُسلَّماً مُستَغفِراً.
وأقولُ: في كلامه نظر من وجوه:
منها قوله: أَمَّا قَولُ الواقِفِ: تحجُبُ الطَّبَقَةُ العُليا السُّفَلَى؛ المُراد به أنَّ كلَّ أصل
يحجُبُ فُروعَه لا غير.
فأقول: إن أردتَ هذا من مفادِ هذه العبارة بقطعِ النَّظَرِ عَمَّا يَنسَخُها أو يُخصصها، فهو خطأ، يعلَمُ ذلك مَنِ اطَّلَعَ على كلام الخصافِ وغيره؛ لعموم الحجب بها، فيحجب الأعلى مَن دُونَه، سواءٌ كان فرعه أو فرع غيره، وما استَحَقَّ فرع غيره معه نصيب أصله إلَّا بالعَلاوَةِ التي تلي هذا بقولِ الواقِفِ: على أنَّه مَن تُوفَّي ... إلى آخره، فكان منه تخصيصاً لعُمُومِ الحجبِ.
وإن أردت استفادة ذلك بما سيأتي في كلامِ الواقِفِ من اشتراطه نصيبَ المَيِّتِ لولده، فلا ينبغي لك أن تأتي بهذه العبارةِ المُوهِمة خلاف ذلك.
ومنها قوله: «المُراد به أنَّ الإخوة المُستَحقِّينَ نصيب الميَّتِ هم الإخوة الأحياء». فأقولُ: وهل يُتوَهَّمُ خِلافُ هذا حتَّى يُقالَ ما ذكرته؟ فَإِنَّ المُرادَ ما يُفيدُه ظَاهِرُ
الكلام، ولم ندَّعِ استحقاق ولد الولد مع الولد؛ أعني: عمه أو عم أبيه مثلاً بكونه أخاً [ل] حقيقة، ولا مجازاً بموجب هذا الشَّرط، بل بمُوجِبِ الشَّرطِ الذي استدرَكَ به الواقف في آخر كلامه على هذا الشَّرطِ المُقدَّمِ حيثُ قال: وعلى أنَّه مَن تُوفِّيَ منهم قبل دخوله في هذا الوقف، إلى أن قال: قامَ ولده وإن سَفَلَ مَقامه في الاستحقاق، واستَحَقَّ ما كان يستحقه من ذلك أن لو كان حياً موجوداً، وقد علمت توجية ذلك
فيما سبق، فإطالتك بيان ما أَرَدْتَ من ذلك المُرادِ غيرِ المُرادِ. ومنها قوله: وعلى ما ذُكِرَ يكونُ عَمَلاً بكل شرط فيما شرطه له حقيقةً، ويستحقُ الولد الباقي الأربعة أخماس، وولد أخيه الخمس».
فأقول: هذا لو لم يشرطِ الواقِفُ ما يُخصِّصُه وينسَخُه، وقد فعل بما قد علمته من إقامته ولد الولد مُقامَ أبيه في الاستحقاق بشرطه الأخير، وهو العُمدة في شروط الواقفين.
ومنها قوله: القيامه مقام أبيه في أصل الاستحقاق خاصةً».
وأقول: هذا تخصيص من غيرِ مُخصّص، فهي دَعوَى لا دليل عليها، وهذا على ما بيّنته ومهدته من ذلك الأصلِ الذي لا يُفيدُ هذا الحكم، ولو عند اقتصار الواقِفِ على نحوه.
وأمَّا معَ الشَّرطِ الأخير فقد قامَ ولد الولدِ مَقامَ أبيه في أصل الاستحقاق، وفيما ينتقل إلى أصله عن أخيه بتقديره حيَّاً عندَ مَوتِه، كما بيَّناه بالبرهان.
ومنها قوله: فعلِمَ من ذلك أنَّ الولد الباقي كانَ مُشارِكاً لإخوته إلى حين مَوتِهم بخلافِ ولَدِ الأخ ... » إلى آخره.
وأقولُ: نحن لا نعطيه بوَصْفِ كونه أخاً لا حقيقةً ولا مجازاً، ولا بوَصْفِ كونه مشاركاً إلى حين الموتِ بهذا الشَّرطِ، بل بقيامِه مَقامَ أبيه المُتَّصِفِ بذلك تقديراً، كما
شرَطَه الواقف في آخر كلامه، وحرَّرَه شيخ مشايخنا كما بيناه.
ونقول: هو اخ تقديراً، ولا مانع منه بموجب الشَّرطِ الأخير، لا بموجب الشرط
المُقدَّمِ، وليس ضاراً، واللهُ أَعْلَمُ.
وكتب الشيخ زينُ بن نُجَيمِ الحنفي رحمه الله
الحمد الله.
لم نطلع في المسألة على صريح المنقولِ عن أئمَّتِنا، والذي ظَهَرَ من كلامِ الواقف أنَّ الولد الباقي من الأربعةِ يستَحِقُ أربعة أخماس، وأنَّ ولَدَ أخيه يستحقُ الخمُسَ فقط، عملاً بسائرِ الشُّروط.
نُعط [ولد] الأخ من حصّةِ الثَّلاثة شيئاً، بل خصَّصْنا الأخ الباقي بها عَمَلاً بِقَولِ الواقفِ ومَن مات من غيرِ ولَدٍ انتَقَلَ نصيبه إلى إخوته ... إلى آخره؛ لِما عُلِمَ من أَنَّه إذا تعارَضَ شرطان وأمكَنَ الجمعُ بينهما والعمل بهما وجَبَ أن يُعمَلَ بهما، وقد
أمكن، والله أعلَمُ. وكتبه زَينُ بنُ نُجَيمِ الحَنَفِيُّ.
وأقولُ: في كلامه نظر من وُجوه:
منها قوله: «لم نطلع في المسألة على صريح المنقول»، وقد ذكر الخصَّافُ إفادةَ الحكم فيها.
وقوله: «والذي ظهر لي من كلام الواقف ... إلخ، فهو غير ظاهر بما
قدمناه].
وقوله: «فعمِلْنا بالشَّرطِ الأخير في إعطاءِ ولَدِ الأخ الخمُسَ ... » إلى آخره، لا وَجهَ لهذا التخصيص؛ لِما بيَّناهُ من حُكمِ العام والخاص.
وقوله: «لِما عُلِمَ من أَنَّه إذا تعارَضَ شرطان ... » إلى آخره، التّعارُضُ عندَ الجهل بالتّاريخ، وعدَمِ العِلْمِ بالنَّاسخ، وهو مفقود هنا؛ لأنَّ النَّاسِخَ مُتأَخَّر، فلا تعارض، ولزم العمل بموجب المتأخّرِ فقط، وهو يُوجِبُ التّساوي مع العمَّةِ كما بيناهُ بِحَمْدِ الله. واللهُ أَعْلَمُ.
وكتب بعضُ العُلماءِ المُتبَحرينَ في العلم في مذهب الإمام أبي حنيفة، كذا قاله النَّاسِحُ، ولم يُصَرِّح بالاسم:
الحمد لله رب العالمين.
يُمكن أن يُقالَ: إِنَّ قولَ الواقفِ على أنه من مات منهم قبل دخوله في هذا الوَقْفِ ... إلى آخره، مقصورٌ على استحقاق الولدِ نصيب والده المُستَحقِّ له في حياته، لا يتعداه إلى مَن ماتَ من إخوةِ والده عن غيرِ ولد بعد موته، بل ذلك إنَّما يكون للإخوة الأحياءِ، عَمَلاً بقولِ الواقفِ على أنَّه مَن تُوفِّيَ منهم عن غير ولد .... إلى آخره؛ إذ الظاهرُ فيه أنَّ الإخوة المُستَحفِّينَ لنصيب الميِّتِ إِنَّما هم الأحياء، ولا
يُمكن قيام الولد الحيِّ مَقامَ أبيه في الوَصْفِ الذي هو الأخُوَّةُ حقيقة، بل مجازاً. ولفظ «الأخوة» لا يشمل المجاز في مثل هذا المقام، وجَعْلُ المَيِّتِ مَوجُوداً حكماً مجاز أيضاً، ودَعوَى الحقيقة فيه ممنوعةٌ، بل الموجود حقيقةً نصيبه الذي مات عنه، وقيام الولد مقامه إنَّما هو فيه.
وفيما ذَكَرْنا عَمَل بقولِ الواقفِ؛ إذ شُروط الواقِفِينَ تُراعي كالنُّصوص، فما أمكن أن يُعمل به منها مع بقاءِ مُقتَضاهُ عُمِلَ به في ذلك، وعلى ما ذكرنا يكونُ لفظ «الأخُوَّةِ مُستعملاً في معناه الحقيقي، مع استعمال قول الواقف على أن من مات منهم قبل دخوله في هذا الوقف فيما اشتمل عليه، فلا إلغاء لكل الشرطين على هذا، والله أعلم بالصواب، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأقولُ: في كلامه نظر من وجوه:
منها: أنَّ قولَه: «مقصور» مقصورٌ عن درجة العلم بمعنى ما تفوه به؛ إذ لا نصيب للميت بموته قبل استحقاقه ليُقال بنقله خاصَّةً إلى ولده دون ما يؤول إليه من إخوته هنا. وقوله: «بل ذلك إنَّما يكونُ للإخوة الأحياءِ عَمَلاً بقولِ الواقِفِ .... إلى آخره،
فإنَّه ممنوع بما قد علمته من نسخه.
وقوله: «ولا يُمكنُ قيام الحي ... » إلى آخره، فإِنَّكَ قد عَلِمْتَ بُطلانه وصِحةَ قيامه مقامه.
وقوله: بل الموجود حقيقةً نصيبه الذي مات عنه»، فإنَّه عَودٌ منه إلى تكرير
الغَفلة بذكرِ ما لم يكُنْ، وليس هذا شأن الإفتاء في الدِّينِ.
لطف الله بنا في أُمورِه في الدُّنيا، وسترنا يومَ الدِّينِ، آمينَ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمد، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ، والصَّحابة والتابعين، بإحسان إلى يومِ الدِّينِ. انتهى تأليفه في آخرِ جُمادَى الأولى سنة خمسين وألفٍ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضَلُ الصَّلاةِ وأزكى السَّلامِ، والحمد الله على التّمامِ، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.