تجدد المسرات بالقسم بين الزوجات
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تجدد المسرات بالقسم بين الزوجات
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الذي خلَقَ الإنسان وعلَّمه البيان، وأمره بالعدل والإحسان، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا محمَّدٍ المُرسَلِ رَحمة للعالمين بشيراً، القائل: «استوصوا بالنِّساءِ خَيراً»، فشَمِلَ أمره الشَّريفُ مَن كانَ أميراً أو مأموراً، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذُرِّيَّتِه ما تعاقَبَ النَّهارُ واللَّيل، وتلا قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَ الْمَيْلِ} [النساء:].
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ الحَقيرُ حِسَنُ الشُّرنبلالي الحنفي، غفَرَ اللهُ ذُنُوبَه، وسَتَرَ عيوبه: هذه نبذة يسيرة، عزيز نقلها، قل أن تُوجد في الكتب المشهورة مسطورة، فإنِّي تتبَّعتُ غالِبَ الأسفار، وغُصتُ مُقتَحِماً لُجّةَ المُحيط ومَجمَعَ البحار، فاستخرجتُها ليس إلا بفتح القدير، وأظهرتُها بِمِنَّةِ اللَّطِيفِ الخَبير، وسمَّيتُها:
«تجَدُّد المَسرَاتِ بالقَسْم بينَ الزَّوجَاتِ»
جمعتها جواباً لحادثة هي: ما قولكم - رضيَ اللهُ تعالى عنكم - في رجلٍ مُتزوج بزوجتَينِ، يَبيتُ عندَ كُلّ واحدة منهما بقَدْرِ ما يبيتُ عندَ الأُخرى، وله جَوارِ ملكُ يمينه، يَبيتُ عندَهنَّ ما يشاءُ، ثمَّ يرجعُ إلى زوجتيه ويفعل ما فعله أوَّلاً، فهل يحرُمُ عليه المبيت عند جواريه على هذا الحكم؟ أم كيف الحال؟
فأجبتُ حامِداً لله مانحِ الصَّوابِ اللَّازم على الزَّوجِ التَّسويةُ بينَ زَوجَتَيه فيالبيتوتة والتأنيس، في اليومِ واللَّيلةِ دُونَ الجِماعِ ودَواعِيه.
قالَ الكَمَالُ بنُ الهُمامِ رحمه اللهُ في شرحه على الهداية» المُسمَّى بـ «فتح القدير: وليسَ المُرادُ أن يضبط زمانَ النَّهارِ، فبقَدْرِ ما عاشَرَ إحداهما يُعاشِرُ الأُخرَى
بقَدْرِه، بل ذلك في البيتوتة، وأما في النَّهارِ ففي الجُملة.
فاللازم أنَّه إذا بات عند واحدةٍ ليلةً يبيتُ عندَ الأُخرى كذلك، لا على معنى وجوب أن يبيت عندَ كُلّ واحِدةٍ منهما دائماً، فإنَّه لو ترَكَ المَبيت عندَ الكُلِّ بعض الليالي وانفردَ لم يُمنَعْ مِن ذلكَ، انتهى
يعني: بعد تمامِ دَورِهنَّ كما ذكره الكمال رحمه الله عند قوله: ولا حق لهنَّ في القَسْمِ حالةَ السَّفرِ، وسواء انفرد بنفسه أو كانَ مَعَ جَوارِيه، وهذا في القضاء. وأما في الديانة: فقد قالَ الشَّيخُ الإمام علي المقدِسِيُّ في «شرحه»: اعلم أنَّ تركَ جماعِهِنَّ مُطلقاً لا يحِلُّ له، صرَّحَ أصحابنا بأنَّ جِمَاعَهِنَّ أحياناً واجب دِيانةً، لكن لا يدخُلُ تحتَ القضاء والإلزامِ، إِلَّا الوطأة الأولى، ولم يُقدِّروا فيه مُدَّةً، ويجبُ أَلَّا يبلُغَ
بالتَّركِ مُدَّةَ الإيلاء - وهي أربعة أشهر - إلَّا برضاها وطيب نفْسِها به، انتهى. وحيثُ علمتَ جوابَ الحادِثِةِ، فأزيدُكَ بفَضلِ اللَّهِ سُبحانَه عِلمَ مَا يَتَعلَّق بالحُكمِ، فيما إذا كان للإنسانِ زوجةٌ واحدةٌ أو أكثر، وله أُمَّهَاتُ أولادٍ وسَرارِي.
قال قاضيخان رحمه الله: لو كانَ للرجل امرأةٌ واحدةٌ، وهو يقومُ باللَّيلِ ويصومُ بالنَّهارِ، أو يشتَغِلُ بصُحبة الإماء، فتظلمتِ المرأةُ إلى القاضي، أمَرَهُ القاضي أَن يَبيتَ معَها أَيَّاماً ويُفطِرَ لها أحياناً.
وكان أبو حَنِيفَةَ رحمه الله أوَّلاً يجعل لها يوماً وليلة، وللزَّوجِ ثلاثةَ أَيَّامٍ ولياليها، ثمَّ رَجعَ فقالَ: يُؤمرُ الزَّوجُ أن يُراعيها فيُؤنسها بصحبته أياماً، وأحياناً من غير أن يكونَ في ذلك شيءٌ مؤقت. وفي «المُنتقَى»: إذا تزوج امرأة وله أُمَّهَاتُ أولادٍ وسَراري، فقال: أكونُ عندَهنَّ وآتيها إذا بدا لي، لم يكن له ذلك، ويُقال: له كُنْ عندها في كُلِّ أربع يوماً وليلة، وكُنْ في الثَّلَاثِ البواقي عندَ مَن شِئتَ.
ولو كان عندَه، امرأتان وله أُمَّهَاتُ أولادٍ وسَراري، أقامَ عندَ كُلُّ واحدة منهما يوماً وليلةً، ويُقيمُ في يومين وليلتين عندَ مَن شَاءَ مِنَ السَّراري. ولو كان عنده أربعُ نِسوة، أقامَ عندَ كُلّ واحدةٍ منهنَّ يوماً وليلة، ولم يكُن عند السَّراري إلَّا وقفةً شِبْهِ المار، انتهى عبارة قاضيخان.
وأنت خبير بأنَّ ما في «المُنتقَى» ليسَ إلَّا على الرواية المرجوع عنها، ولم أرَ مَن نبه على ذلك.
وعلى الرّواية المرجوع عنها ما حكاه الشُّمُنِّيُّ عن «مختصَرِ الطَّحاوي»: وإن كان له زوجةٌ واحدةٌ حُرَّةٌ، فطالبته بالواجب منَ القَسْمِ، كان عليه أن يقسم لها يوماً وليلةٌ، ثمَّ يتصَرَّفُ في أُمورِه في ثلاثةِ أَيَّامٍ وثلاثِ لَيالٍ.
وإن كانت زوجته أمةً والمسألة بحالها، كان لها من كُلِّ سبعةِ أَيَّامٍ يوم، ومن كُلِّ سبع ليال ليلة؛ لأنَّ له أن يتزوج عليها بثلاث حرائر، فيكون لكل واحدة منهنَّ من القَسْمِ يومان وليلتان، ولها يوم وليلة.
ورُويَ: أنَّ امرأةٌ جَاءَتْ إِلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه ـ وعندَه كَعْبُ ـ ابنُ سُورٍ، فقالَتْ: يا أمير المؤمنينَ، إِنَّ زوجي يصومُ النَّهَارَ ويقومُ اللَّيْلَ، وأنا أكره أن أشكوه، فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: نِعْمَ الرَّجُلُ زوجُكِ، فَردَّدَتْ كَلامَها، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه لا يزيدها على ذلك، فقال كعب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنينَ، إِنَّها تشكو زوجها في هَجرِه فِراشَها، فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه كما فهِمْتَ إِشارتها فاحكُمْ بينَهما، فأرسلَ إلى زوجها فجاءَ، فقال لها كَعْبُ رضي الله عنه: ما تقولين؟ فقالَتْ: يا أَيُّها القَاضِي الحَكيمُ أرشده ألهَى خَلِيلِي عن فِراشِي مَسجِدُهُ زهَّدَهُ في مَضْجَعِي تعبده نهاره وليله ما يرقده ولَسْتُ في أَمرِ النِّساءِ أَحْمَدُهُ
فقال لزوجها: ما تقول؟ فقال: زَهْدَني في قَرْشِهَا وفي الكلل الي امرُو اذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ في سُورَةِ النَّمْلِ وفي السبع الطول
فقال له كَعْت:
إن لها حقاً عليكَ يا رَجُل نَصيبها في أربع لمَنْ عَقَلْ فأعطها ذاكَ ودَعْ عنكَ العِلل فقال له عُمَرُ رضي الله عنه: من أين لك هذا؟ قال: لأنَّ الله تعالى أباحَ للحر أربع زوجات، فلكل واحدة يوم وليلةٌ، فأعجَبَ ذلكَ عُمَرَ رضي الله عنه، وجعله قاضي البصرة.
والكلل: - بكسر الكافِ ـ جَمعُ كِلَّةٍ بكسرها وتشديدِ اللَّامِ، وهي السترُ الرَّقِيقُ يُحاط بالبيتِ يُتوفَّى فيه منَ البَقِّ؛ أي: البعوض.
والطُّوَلُ: - بضم المهملة - جمعُ طُولى، أُنثَى لَأَطول، انتَهَى عِبارَةُ الشُّمُنِّي شارح «النقاية».
ومثل ما قدَّمناه عن «فتح القدير» قول صاحب «الاختيار»: ويُؤْمَرُ الصَّائمُ بالنَّهارِ والقائِمُ باللَّيلِ أن يبيتَ معَها إِذا طَلَبَتْ.
وعن أبي حنيفَةَ رضي الله عنه: يجعَلُ لها يوماً من أربعة أيام، وليس هذا بواجب؛ لأَنَّه يُؤدّي إلى فَواتِ النَّوافل أصلاً على مَن له أربعُ منَ النِّساءِ، ولكن يُؤْمَرُ بإيفاء حقها من نفسه أحياناً، ويصومُ ويُصلِّي ما أمكنه، انتهى.
وكذا قال في «المحيط»: ويُؤمرُ الصَّائمُ بالنَّهارِ والقائمُ باللَّيلِ أَن يَبيتَ معها إذا طَلَبَتْ.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: يجعل لها يوماً من أربعةِ أَيَّامٍ؛ لأنَّ له أن يتزوَّجَ بثلاثٍ سواها، فيُفوَّضُ إلى اختياره، إلَّا أنَّ هذا التوقيت ليس بواجب؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى فواتِ النوافل على الزوج أصلاً متى كان له أربع نسوة، وإِنَّما يُؤْمَرُ بإيفاء حقها من نفسه أحياناً، ويُصلِّي ويصومُ ما أمكن، انتهى.
تنبيه: القَسْمُ إِنَّما يلزمُ بتعدُّدِ المنكوحاتِ، وليسَ للإماءِ قَسْمٌ، فلو كان له مستولدات وإماء لا قَسْمَ لهنَّ؛ لأنَّه بالنكاح، لكن يُندبُ أَلَّا يَعضُلَهنَّ ويُسوِّي بينهنَّ في المضاجعة.
وفي القاموس": القَسْمُ: العَطاءُ، والرَّأيُّ والشَّلُّ، والغَيثُ، والماء، والقَدَرُ، وهذا ينقسم قسمين: بالفتح إذا أُريدَ المصدر، وبالكسرِ إذا أُريدَ النَّصيبُ. اعلَمْ أَنَّ الزَّوجَ مأمور بالعدل في القَسْم بينَ النَّساء بالكتاب: قال تعالى: وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} [النساء:] الآية؛ أي: لن تستطيعوا العدالة والتّسوية في المحبَّةِ، فَلَا تَمِيلُوا في القِسْمةِ. وبالسُّنَّةِ: لحديث عائشة رضي الله عنها، أنه لا كَانَ يعدِلُ بين نسائه، وكانَ يقولُ: «اللهم هذا قَسْمِي فيما أَملِكُ، فلا تُؤاخذني فيما لا أَملِكُ»، يعني: زيادة المحبَّةِ لِتَعصِمَني. وحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه: مَن كانَ له زَوجتَانِ، فمال إلى إحداهما في القَسْمِ، جاءَ يومَ القِيامةِ وأحدٌ شِقَّيهِ مائل».
وقال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء:] قال في «البدائع»: أي: إِنْ خِفْتُم ألا تعدلوا في القَسْمِ والنَّفقة في المَثْنَى والثَّلاثِ والأربَعِ فواحِدةً، ندَبَ إلى إنكاحِ الواحدة عند خوف تركِ العَدلِ في الزّيادةِ، وإنَّما يُخافُ على تَرْكِ الواجب، فدل على أنَّ العَدلَ فيما ذُكِرَ واجبٌ، انتَهَى.
قيل: ظاهرُه أَنَّه إذا خافَ عدمَ العَدلِ، يُستَحَبُّ أَلَّا يَزِيدَ، ولا يَحْرُمُ، انتَهَى.
قُلتُ: مُراده بالنَّدبِ اللُّغوي، فلا مُخالفة لقولهم: تَرْكُ الحرامِ واجب.
قالَ الكَمَالُ: لا نعلم خلافاً في أنَّ العدل الواجب في البيتوتَةِ والتَّأْنيس في اليوم والليلة، وليس المراد أن يضبط زمانَ النَّهارِ، فبقدر ما عاشَرَ إحداهما يُعاشِرُ الأُخرَى
بقَدْرِه، بل ذلكَ في البَيتُوتَةِ، وأمَّا في النَّهارِ ففي الجُملَةِ، انتَهَى.
كذا قالَه العَلَّامةُ الشَّيخُ عَليُّ المَقدِسيُّ في «شرحِه نَظْمَ الكَيْرِ».
وقالَ الكَمالُ: القَسْمُ: - بفتح القافِ - مصدرُ قَسَمَ، والمُرَادُ التَّسويةُ بينَ المنكوحاتِ، ويُسمَّى العَدلُ أيضاً بينهنَّ.
وحقيقته مُطلَقاً مُمتنعةٌ، كما أخبر سُبحانَه حيثُ قالَ: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُواْ} [النساء:] ... إلى آخره، وقال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُمْ} [النساء:] بعد إحلالِ الأرْبَع بقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ} [النساء:]، فاستفدْنا أَنَّ حِلَّ الأَرْبَعِ مُقيَّدٌ بعدَمٍ خَوفِ العَدلِ، وثُبوت المنعِ عن أكثر من واحدةٍ عندَ خَوفِه، فعُلِمَ إيجابه عند تعددِهِنَّ.
وأما قوله: «استَوصُوا بالنِّساءِ خَيراً»، فلا يخُصُّ حالة تعدُّدِهِنَّ، ولأنَّهنَّ رَعِيَّةُ الرَّجُلِ، وكُلُّ راعٍ مسؤول عن رعيَّتِه، وأنَّه في أمرٍ مُبهم يحتاجُ إلى البيانِ؛ لأنَّه أوجَبَه، وصرَّحَ بأنَّه مُطلقاً لا يُستَطاعُ، فعُلِمَ أَنَّ الواجب شيء مُعيَّن، وكذا السُّنَّةُ جَاءَت مجملةً فيه.
روى أصحابُ السُّنَنِ» الأربعةِ عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم فيعَدِلُ، ويقولُ: «اللهم هذا قَسْمي فيما أملِكُ، فلا تلمني
فيما تملك ولا أملكُ»؛ يعني: القلب؛ أي: زيادة المحبَّةِ، فظاهره أنَّ ما عداه ممَّا هو داخل تحت ملكه وقدرته يجبُ التّسوية فيه، ومنه عدد الوطَاتِ والقُبُلات، والتّسوية فيهما غير لازمة إجماعاً، انتهى.
وقالَ الكَمَالُ: وكما لا فرق في القَسْمِ بينَ الجَديدة والقديمة، كذلك لا فرق بينَ البكرِ والثَّيِّبِ والمُسلمة والكتابيَّةِ الحُرَّتين، والمجنونة التي لا يُخافُ منها، والمريضة والصّحيحة، والرَّتقاء، والحائض والنفساء، والصَّغيرة التي يُمكنُ وَطُؤُها، والمُحرَّمةِ والمُظاهرِ منها، ومُقابلاتهنَّ، وكذلك يستوي وجوبه على المجبوب، والعِنّينِ، والمريض، والصَّبي الذي دخل بامرأته، ومُقابِليهم. قال مالك رحمه الله ويَدُورُ وليُّ الصَّبِيِّ به على نسائه، لأنَّ القَسْمَ حقُّ العبادِ، وهم من أهله، انتهى.
والمُطلَّقةُ رجعياً إن قصد رَجْعتَها قَسَمَ لها، لا النَّاشِرَةُ، فإذا نَشَرَتْ يبدؤُها بالوعظ، ثمَّ بالهجر، ثمَّ بالضَّربِ؛ للآية؛ لأنَّها للترتيب بالتوزيع. والهجر قِيلَ: تركُ مُضاجعتها، وقيل: جماعها، والأظهر تركُ كلامها مع المضاجعة والجماع إن احتاج إليه.
ولا يجوز جمعه بينَ ضَرَّتين أو ضرائز في مسكن واحدٍ إِلَّا بِالرضا، ولو اجتمعن يُكره أن يَطَاً واحدةً بحضرةِ أُخرى، فلو طَلَبَه لم يلزمها الإجابة.
وفي دَورِ القَسْمِ لا يُجامع امرأةً في غير يومها، ولا يدخُلُ باللَّيل على مَن لا قَسْمَ لها، ولا بأس به في النَّهارِ لحاجةٍ، ويعودُها في مرضها في ليلة غيرِها، فإن ثَقُلَ مرضُها فلا بأسَ أن يُقيمَ عندها حتّى تشفى أو تموت.
ومقدارُ الدَّورِ إلى الزَّوج؛ لأنَّ المُستَحَقَّ هو التّسوية دون طريقها، إن شاء يوماً يوماً، أو يومين يومين، أو ثَلاثاً ثَلاثاً، أو أربعاً أربعاً.
واعلم أنَّ هذا الإطلاق لا يُمكن اعتباره على صِرافَتِه؛ لأنَّه لو أرَادَ أَن يَدُورَ سَنةً ما يُظَنُّ إطلاق ذلك له، بل لا ينبغي أن يُطلَقَ له مِقدارُ مُدَّةِ الإيلاء وهو أربعة أشهر.
وإذا كان وجوبه للتّأنيس ودَفع الوَحْشَةِ وجبَ أن تُعتَبَرَ المُدَدُ القَرِيبةُ، وأظُنُّ أكثرَ من جُمُعَةٍ مُضارَّةً، إلَّا أن يرضَيا به والله أعلم. انتهى كلامُ الكَمَالِ رحمه الله. وقالَ الشَّيخُ عَليُّ المَقدِسيُّ: وهو ظاهرُ، ولكن كَتَبَ على نُسختِه «شرح الكنز مُلحقاً بعد نقل كلام الكمال وارتضائِه ظاهره أنَّه لم يطَّلع على قَدْرِ عَيْنٍ فيه، وفي «الخُلاصة منعَ الزِّيادةَ على الثَّلاثةِ أيامٍ إِلَّا بِإِذنِ الأُخْرَى، انتَهَى. قُلتُ: يُعارضه حديثُ أَمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: «إن شِئْتِ سَبَّعْتُ لكِ وسَبِّعْتُ لنسائي، وإن شئتِ ثَلَثْتُ لكِ ودُرْتُ، انتهى.
وفيه دليل على عدَمِ الزّيادةِ على جُمُعَةٍ، فيكونُ مُؤيَّداً لما ظنَّه الكَمَالُ رحمه الله مِن أنَّ أكثر مِن جُمُعَةٍ مُضَارَّةٌ، إِلَّا أَن يرضَيا، انتَهَى.
وقال الكَمَالُ: لو تَرَكَ القَسْمَ بأن أقامَ عندَ إحداهنَّ شَهِراً مَثَلاً، أمرَه القاضي أن يستأنف العَدلَ لا بالقَضاءِ، فإن جارَ بعد ذلكَ أو جَعَهُ عُقوبةً، كذا قالُوا، والذي يقتضيه النَّظرُ أن يُؤمر بالقضاء إذا طَلَبَت؛ لأنَّه حق آدمي، وله قُدْرَةٌ على إيفائه، انتَهَى وقال العلامةُ المَقدِسي رحمه الله: ولو عاد بعدما نهاه القاضي أو جَعَه عُقوبةً؛ لأنَّه أساء الأدب، وارتكب الحرام، فيُعزّرُ بالضَّربِ، وفي «الجوهرة» لا بالحبس؛ لأنَّه لا يُستدرَكُ الحقُّ فيه بالحبس؛ لأنَّه يفُوتُ بمُضيّ الزَّمانِ، فيُستَثْنى من قولهم: لهُ التَّعزير بالحبس، انتهى. ولا يُسقِطُ القَسْمَ المرضُ، فقد استأذنَ النَّبي لا لا نساءَه أَن يُمَرَّضَ عِندَ عائشةَ رضي الله عنها فأذن له.
قُلتُ: مرَّ قَريباً أنه لا قسم عليه؛ أي: النَّبي الله لقوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتقوى إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ} [الأحزاب:]، وكانَ ممَّنْ أَرجَاهُنَّ جُوَيرِيَةُ، وَسَودَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، وصَفِيَّةُ، ومَيْمُونَهُ، وممَّنْ آوَى عَائِشَةُ، والباقياتُ رضيَ اللهُ عنهنَّ.
ولو كانَ لا يقدِرُ على تحوله للأُخرَى مُدَّةَ مرضِهِ، فكيفَ يَقْسِمُ؟
قيل: ينبغي إذا صح أقام عندَ الأُخرى بقَدْرِه، بخلاف ما إذا سافَرَ لا يقضي؛ إذْ لا قَسْمَ حالةَ السَّفَرِ، وإن كانَتِ القُرعةُ عندَ إرادةِ السَّفَرِ بواحِدَةٍ مُستَحبَّةٌ، فله تَرْكُ الكُلِّ عندَ سَفَرِه، انتهى.
وفي «الأشباه والنظائر»: تزوج امرأةً أُخرَى وخافَ أَلَّا يعدِلَ، لا يَسَعُهُ ذلك، وإن عَلِمَ أَنَّه يعدِلُ بينهما في القَسْمِ والنَّفقة وجعل لكل واحدةٍ مَسكَناً على حِدَةٍ، جازَ له أن يفعل، فإن لم يَفعَلْ - أي: لم يتزوج عليها - فهو مأجورٌ لِتركِ الغَمِّ عليها انتَهَى.
تتمة: من أحكامِ النِّكَاحِ المُعاشَرَةُ بالمعرُوفِ؛ للآيةِ.
قيل: المُرادُ التَّفضل والإحسان إليها قولاً وفعلاً وخُلقاً.
وقيل: أن يعمل معها كما يجب أن يعمَلَ معَ نَفْسِهِ، وله جَبرُها على غَسْلِ الحيض والجنابة والنِّفاسِ إلا أن تكون ذمية، وعلى التَّطبِ والاستخدادِ، ومنعها ممَّا يتأذى برائحته حتّى الحِنَّاءُ المُخَضَّبُ إِن تأذًى به، ومنَ الغَزْلِ.
ويضربها بترك الزينةِ إن أرادَ وبَتَركِ إجابته إن أراد جماعها طاهرة، وتَرْكِ الصَّلاة، والخُروج من المنزل بلا إذنِه بعد إيفاء مهرِها، وإذا كانَتْ لا تُصَلِّي، له أن يُطلقها وإن لم يقْدِرُ على إيفاء مهْرِها، فَلَأَنْ يلقى الله ومهرها في عُنُقِه خيرٌ له من أن
يطأ امرأة لا تُصلي. وحق الزوج على الزوجةِ أن تُطيعه في كُلِّ مُبَاحٍ يَأْمُرُها به، ولو كان أبوها زَمِناً ليس له من يقوم عليه غير البنتِ فعَليها أن تعصي الزوج في المنع عنه، ولو كان كافراً؛ لأن القيام عليه فرضٌ في هذه الحالة.
امرأة معتدة أو منكوحةٌ أَبَتْ أن تطبخ أو تخير، إن كانَ بها عِلَّةٌ لا تقدِرُ على الطبخ والخبز، أو كانت من الأشراف، فعلى الزَّوجِ أن يأتيها بمن تطبُخُ وتخبر؛ لأنَّها غير متعنتة.
فأما إن كانت تقدِرُ - وهي ممن تخدم نفسها - تُجبَرُ؛ لأنَّها مُتعَةٌ، فَإِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الخدمة التي داخِل البيت على المرأة، والتي خارج البيت على الزوج، هكذا قضى بينَ عَليَّ وفَاطِمَةَ رضي الله عنهما، انتهى.
وألفٍ، ووافق الفراغ من نَمْقِها في يوم الأحد ثامن عشرين شهر ربيع الثاني، سنةَ اثنتين ومئةٍ وألفٍ، كتبها بيده الفانيةِ الواثقُ بذي التَّجَلِّي عَلِيُّ ابنُ الفَقيرِ الحَقيرِ مُحمَّد الأحمدي المَحَلِّي، غفر الله له ولوالديه ولإخوانِه ومشايخه ومُحبّيه ولمن دعا لهم بالمغفرة، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ وآلِه وصحبه وسلم».
وجاء في خاتمة النسخة «ح»: انتهى تأليفها في شهرِ جُمادَى الأَوَّلِ سنةَ ثلاث وأربعينَ وألفٍ، غفر الله لمؤلّفها ولوالديه ولمشايخه ومُحبّيه والمسلمين، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى سائر الأنبياء والمُرْسَلِين، والصَّحابةِ والتَّابِعِينَ لهم بإحسان إلى يوم ا الدِّينِ. تمَّتْ بحمد الله وعَوْنِه وحُسنِ توفيقه على التّمامِ والكَمالِ، والحمد لله على كُلِّ حالٍ، آمينَ». وجاء في خاتمة النسخة «ش»: «وقال مؤلّفها رحمه الله تعالى: انتَهَى تأليفها في شهرِ جُمادَى الأُولَى، سنةَ ثلاث وأربعينَ وألف وكتب هذه النسخة مُؤلّفها في جُمادَى الأَوَّلِ سنةً خمسين وألف، تقبل الله منه، آمين.