إيقاظ ذوي الدراية لوصف من كلف السعاية
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
إيقاظ ذوي الدراية لوصف من كلف السعاية
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي دبَّر الكائنات بأحسَنِ تدبير، وأعتَقَ مَنِ امْتَثَلَ أَمَرَه بمنه وهو العليم الخبير، والصَّلاةُ والسَّلامُ على الحبيبِ البشير، المُجتَبى ملاذ كلِّ مُستجير، وعلى آله وأصحابه نُجومِ الهداية، والتّابعينَ والأئمةِ المُجتهدينَ ومُقلّديهم ذَوي العناية.
وبعد:
فيقول العبد المُرتَجي من الله سُبحانَه العَفْوَ والهداية والوقاية، حسَنُ الشُّرنبلالي بلَّغه الله من فضله نيل الآمال والمَعالي: هذه نُبذةٌ لتحريرِ حُكمِ المُسْتَسْعَى بالبنانِ، ورد الشبهة في قسميه بواضِحِ البيان، قسم يسعى بعدَ حُرِّيَّتِهِ، وَآخَرُ يسعى لفَكٌ رقبته، وتحقيق منع سعاية ولدٍ ادَّعاه في المَرَضِ، ولم أرَ مَن ناقش فيه ولا مَن اعتَرَضَ، سميتها:
«إيقاظَ ذَوي الدرايةِ لوَصفِ مَن كُلِّفَ السَّعايَةَ»
وكشفِ الشُّبهة الحاصلة فيما نُقِلَ في «البحر الرائق» وغيره، كـ «شرح المنظومة» للإمام عبدِ اللهِ النَّفِي، و «الحقائق».
قال في البحرِ»: اعلَمْ أَنَّ المُدبَّرَ في زَمنِ السَّعاية كالمُكاتَبِ عند الإمامِ،
وعندَهُما حُر مديون، فتتفرّعُ الأحكام، فلا تُقبل شهادته، ولا يُزوِّجُ نفسه عنده، كما
في المجمع من الجنايات، ولو تركَ مُدبَّراً، فقتل خطأ وهو يسعى للوارث، فعليه قيمته لوليه، وقالا ديته على عاقلته، انتهى.
وهكذا في «الكافي»، وعلله بما ذكرناه، وكذا المُنَجَّزُ عِتقُه في مرضِ الموتِ إذا لم يخرج منَ الثَّلث، فإنَّه في زمن سعايته كالمُكاتب عنده، فلا تُقبل شهادته كما في شهادات البزازية»، وحكم جنايته كجناية المُكاتَبِ كما في شرح المجمع للمصنف، وقولهم هنا يعيّقُ المُدبَّرُ بمَوتِ المولى من ثُلُثِ المالِ، يدلُّ عليه، فإن لم
يخرج من الثلث، لم يعيق حتّى يسعى ويُؤديها، انتهت عبارة «البحر. ثم ذكر في كتاب الشَّهاداتِ مثله، وكذا في «الأشباه والنظائر» وغيرها. وأقولُ: قد صدَرَتْ تلك العبارات وهي مُخالِفةٌ لنص الإمام، وإنْ ورَدَ مثلها مسنداً للإمام، فاختلفَ النَّقل عنه، ولم تُحرزه الأعلام، والمُقرَّرُ أَنَّ الخلاف بينَ الإمام وصاحبيه في تجزي الإعتاق، وحُصولِ العِتق وعدمه فيمَن أُعْتِقَ بعضُه، لا فيمَن أُعْتِقَ كلَّه مُنَجَّزاً، أو مُعلَّقاً على شرطٍ، فوُجِدَ في مَرَض أو صحةٍ، وسعايتُه بعده
سعاية حُر مديون؛ كالمُدبَّرِ إذا لم يخرُجْ مِنَ الثَّلْكِ.
أما قوله في البحر»: «اعلَمْ أَنَّ المُدبَّرَ كالمكاتب في زمن سعايته ليسَ التَّحقيق،
وإن ورد منقولاً كما سنُحرِّرُه، وقد أشار إلى ذلك فيما قال في «الحقائق»: ومعتق يسعى لأجل الرقبة فحكمه كحكم عبد كاتبه المُستَسْعَى لأجلِ الرَّقبة في إعتاق أحدِ الشَّريكَينِ والورثةِ والغُرَماء في إعتاق
المريض كالمُكاتَبِ عندَه، وعندَهُما حُرِّ عليه دَين، بناءً على تجزي الإعتاق، غيرَ أَنَّه إذا عجَزَ لا يُرَدُّ إِلى الرِّقِّ، والمُكاتَبُ يُرَدُّ.
وإنما قال: لأجلِ الرَّقبة؛ أي: لفَكّها؛ لأنَّ المُستَسْعَى بعد نزول العتق يسعى حُرِّ بالاتفاقِ، كالرَّاهِنِ إذا أعتَقَ العبد المرهون وهو مُعسر، يسعى العبد وهو حرّ، وكذلك إذا أعتَقَ عبده المديون وهو مُعسِر، يسعى وهو حر، من زيادات قاضيخان، انتهى.
وأقولُ: في جَعِلِهِ المُعتَقَ كلُّه في المرضِ وهو مديون مثل المكاتب تأمل سنذكره، وكذا قال الإمام شمس الإسلام والمسلمين أبو البَرَكاتِ عبد الله بن أحمدَ صاحِبُ «الكنز»، و «الكافي»، في «المُصفّى شرح المنظومة»: قوله: «ومُعتَقٌ» أرادَ به مُعتَقَ البعض، أو المُعتَقَ الذي يسعى لأجلِ فِكاكِ الرَّقَبةِ، سواء كانَ مُعتَقَ البعض، أو مُعتَقَ الكُلِّ بأنْ كانَ العبد مديوناً وقد أعتَقَه مولاه في مرضِ مَوتِه.
قوله: «يسعى لأجلِ الرَّقبَةِ»؛ أي: لأجلِ فكاكِ الرقبة، حتَّى إذا سعَى لا لأجل فكاك الرقبة، يكونُ حُرَّاً بالإجماع؛ كالعبدِ المَرهونِ إِذا أَعتَقَهُ الرَّاهِنُ وهو مُعسِر، كذا في «المختلف» وغيره. وذكر في «الإيضاح»: أنَّ المُستَسْعَى على ضربَينِ، كلُّ مَن يسعى في تخليص رقبته فهو في حُكمِ المُكاتَبِ عند أبي حنيفةَ رضي الله عنه، وكلَّ مَن يسعى في بدلِ رقبته الذي لزمه بالعِتقِ، أو في قيمة رقبته لأجلِ بدلِ شرط عليه، أو لدين ثبَتَ في رقبته؛ فهو كالحرّ في أحكامه، كالعبد المرهون يعتِقُه الرَّاهِنُ وهو مُعسِرُ. والعبد المأذون إذا أُعتِق وعليه دين، والأمة إذا أعتَقَها سيدُها على أن تتزَوَّجَه
ثم أبت، فإنها تسعى في قيمتها، وهي حُرَّةٌ، وهذه المسألة بناءً على تجزي الإعتاق وعدمه، فافهم، انتهى.
فقد جعل المُعتَقَ كلَّه في المرض وهو مديون من قَبيلِ السَّاعي في عِتْقِ رقبته وفكها، وقد ذكر؛ أي: النَّسفي، وصاحِبُ «الحقائق» في تقسيمِ المُسْتَسْعَى خِلافَه عن الإمام، فإنَّ مُعتَقَ الكُلِّ وإنْ كانَ على المولى أو عليه دين، سعايته سعاية حر مديون، فليس حكمه كحكمِ المُكاتَبِ، فإنَّ عِتَقَ المُكاتب موقوف على أداء بدل الكتابة، والمُنجَّزُ عِنقه في المرضِ عِنقه غيرُ مُتوفِّفٍ، وإن لزم عليه السعاية بعد موت مولاه. ثم أقولُ: إِنَّ النَّظم لا يتناوَلُ الذي أعتقه مولاه في مرض موته، فلا نُسلّمُ ما صوَّرَ به النظم، ولا ما حكم عليه بأنه أرادَه؛ لأنَّ عتقه كلاً حصل بإعتاق مالكه مُنجزاً، فهو بعد موت مولاه يسعى لدين لزِمَ، لا لتحصيل فكّ رقبته، اللَّهُمَّ إلا أن يكونَ النَّاظِمُ صرح في شرح له بذلك. فإِن يَكُنْ صَرَّحَ به يَرِدُ عليه ما أورَدْناه رَدَّاً على مَن صرَّحَ به فيما سنذكره، وفي كلام هذينِ الشَّارِحَين تدافع؛ فإِنَّ المُعتَقَ في المرض كالمرهون إذا أَعتَقَهُ الرَّاهِنُ معسراً، وقد جعلا الأوَّلَ ممَّن يسعى لفك رقبته، والثاني ضده، وليسَ مُسلَّماً؛ فَإِنَّ كلا منهما يسعى وهو حُرٌّ، كالمُدبَّر يسعى وهو حر]، ولهذا لم يُمثل بذلك في
السراج الوهاج حيثُ قال: المُستَسْعَى عند أبي حنيفة على ضربَينِ، كلُّ مَن يسعى في تخليص رقبته فهو كالمُكاتَبِ، وكلُّ مَن يسعى في بدل رقبته الذي لزمه بالعتق، أو في قيمة رقبته لأجل بدَلٍ شُرِطَ عليه، أو لدين ثبت في رقبته، فهو كالحر، انتهى. ولا شك أنَّ المُدبَّرَ قد عتَقَ كلَّه بمَوتِ المولى كما سنبينه، فهو وإنْ سعَى يسعى
هو حُرِّ، فلم يكُنْ كالمُكاتَبِ، فَجَعْلُ المُدبَّرِ حال سعايته كالمكاتب في «البحرِ» ليسَ مُحرَّراً؛ فإنَّ المُكاتب رقيق حال سعايته، وذلك لنص الشارع: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
والمُدبَّرُ حرّ منَ الثَّلث، وسُنبينه، ولهذا قصَرَ التّشبيه به على مُعتَقِ البعض الإمامُ الأجَلُّ الكبير أبو بكر الرَّازِيُّ في «شرحه الجامع الكبير» فقال: والمُعتَقُ بعضُه عند أبي حنيفةَ كالمُكاتَبِ في حدودِه، وأَرْش جنايته، وميراثه، وشهادته، وذكرَ الدَّليلَ، ثم قال: والمعنى الجامِعُ بينهما أنَّ سعايته لأجل الخلاص من رقّه، انتهى. فأفاد بمفهومه أنَّ مَن كانَ سَعيه لدَينِ لِزِمَه لا لفكٌ رقبته ليس كالمُكاتَبِ؛ لأنَّه حر مديون كالمكاتب. وفي «التَّرْخانيَّةِ»: قال لعبده: أنتَ حرّ على قيمة رقبتك، فقبل فهو بمنزلة الحرّ، ولو أبرَأَ المَولى المكاتب من مالِ الكتابة فلم يقبل، فهو حُر، وعليه أن يُؤدِّيَ الكتابة؛ لأنَّ هبة الدِّينِ ممَّن عليه الدين تصح من غير قبول؛ يعني: بالشكوتِ، وترتَدُّ بالرّد، وكذلك الإبراء، فإذا برِئَ يحصلُ العِتق، فإذا ردَّ صَارَ البدلُ دَيناً عليه وهو حرّ، انتهى؟. فهذا يسعى وهو حُرِّ كالمُدبَّر، فتعلَمُ بذلك أنَّ قولَ صاحب «الكنز» ومَن وافَقَه تقليد لعبارة نصَّ فيها على أنَّ المُدبَّرَ في زَمَنِ سعايته كالمكاتب عند أبي حنيفة، ليسَ مُحرَّراً؛ لأنَّ المُدبَّرَ حرّ مديون إن سعى، فما فرَّعَه من قوله: «فلا تُقبل شهادته، ولا يُزوِّجُ نفسه عند الإمام ليسَ مُسلَّماً إسناده للإمام، وإن وقع في بعض الكتُبُ مُؤوَّلٌ لما علمت من تقسيم الإمامِ المُستَسْعى إلى قسمين، والمُدبَّرُ من القسم الذي يسعى في دين وهو حُرٌّ، وليسَتْ سِعايتُه لفك رقبته.
وقوله: «كما في «المجمع» منَ الجنايات»، ونصه: لو ترَكَ مُدَبَّراً فقتل خطأً وهو يسعى للوارثِ فعليه قيمته، انتهى.
قد يُقالُ: إِنَّ هذا مُفرَّعٌ على ما قيلَ: إِنَّ المُستَسْعى كالمُكاتَبِ، وليس ذلك على عُمومه، فيتناوَلُ المُدبَّرَ؛ لأنَّ جنايته حالَ سِعايته جناية حرّ مديون، فمُوجِبُها على عاقلة مولاه لنُزولِ حُرِّيَّتِه بموتِ مولاه.
قال في «الكنز» وغيره: وعاقِلةُ المُعتَقِ قبيلةُ مولاه.
قوله: وهكذا في «الكافي» وعلله بما ذكرناه فيه ما قدمناه، فلا نُسلّم أنَّ مجرَّدَ تشبيهه المُدبَّرَ بالمُكاتَبِ يكون حال سعايته رقيقاً؛ للنَّصّ على حُرِّيةِ المُدبَّرِ بمُجرَّدِ مَوتِ سيده، وصاحب «الكافي» قد ذكر ما يُخالِفُه كما قدمناه عنه في شرح المنظومة» منَ التَّقسيم، وهو الذي لا يُعدل عنه لظهور وجهه بنص الشارع. قوله في البحرِ»: «وكذا المُنجَّزُ عِتقه في مرض الموت إذا لم يخرج منَ الثَّلث، فإنَّه في زمن سعايته كالمُكاتَبِ عنده، فلا تُقبل شهادته، كما في
شهادات البزَّازِيَّةِ»، لم أرَه فيها، وعبارَتُها: لا تُقبل شهادةُ المُدبَّرِ، انتهى. ووصفه بالمُديَّرِ حقيقةً إِنَّما هو في حياة سيده، وأما بعد موته فهو حر مقبول الشهادة، ولكن قد نصَّ على ذلك في فصول العمادية» و «تهذيب الخاصي بقوله: المريض إذا أعتَقَ عبداً في مَرَضِ موته ولا مال له سواه، فعنقه موقوف عند أبي حنيفة، حتّى إذا شَهِدَ هذا المُعتَقُ لا تُقبل شهادته؛ لأنَّه منَ التَّصرُّفات التي لا تحتمل الفَسْخَ بعدَ النَّفاذِ، فتتوقَّفُ، انتهى.
ووجه عدم تسليم إسناده للإمام: أنه قد يكون مأخوذاً منَ التَّشبيه في حالِ السعاية بالمكاتب، كما قال بعضُهم: المُستَسْعَى كالمكاتب، وليس ذلك على إطلاقه، ويُرشّح ذلك قوله: لأنَّه منَ التَّصرُّفات التي لا تحتمل الفَسْخَ بعد النفاذ؛ لأنَّ عتقه نفذ بمُجرَّدِ إعتاق مالكه، فسعايته لدين سعايةُ حُر مديون.
وكيف يُقالُ: إِنَّه منَ التَّصرُّفاتِ التي لا تحتمل الفَسْخَ بعد النفاذ فيتوقَّفُ؟ هل يكون النافِذُ موقوفاً؟ ثمَّ قال في العِمَادِيَّةِ»: ويُنظَرُ في وَصايا الصغرى»، وقد رأيتُه، وعزاه في الصغرى بقوله في الباب الثامن من الدفتر الثاني من الزياداتِ»، انتهى. وأقولُ: يُمكنُ أن يكونَ مأخوذاً من مُجرَّدِ تشبيه المُسْتَسْعَى بِالمُكاتَبِ، فَالتَّوقُفُ ليس في عنقه، إنما هو في سُقوط السعاية عنه لتصرُّف المريض فيما تعلّق به من حق
الوارث بالثلثين، والعتق لا يُنفَضُ حقيقةً لا كُلاً ولا بعضاً، فتَقْضُ بعضه أو كُله يكونُ نقضاً حكمياً لزوم السعاية على المُعتقِ في المرض إذا لم يرضَ الغَريمُ أو الوارِثُ بإسقاط السَّعاية؛ لأنَّ هذا يُعارِضُه نصُّ الإمامِ على ما قدمناه عن الإمام من تقسيم المُستَسْعَى إلى قسمين؛ أحدهما من يسعى لفَكِّ رقبته كالمُكاتَبِ، ومُعتَقِ البَعضِ، والمُعلَّقِ عِنقه على مالٍ أو خدمة، والثاني من يسعى لدينِ لِزِمَه.
الأول عبدٌ زَمَنَ سعايته، والثاني حُرِّ مديون، والمُنجَّزُ عِنقه في المرضِ حُرّ مديون إن لزمته السعايةُ، ولئِنْ سُلَّمَ وصَحْ نقله عن الإمام نصاً فقد اختَلَفَ النَّقل والوجه الموافق نصَّ الشارع، وليصدق تعريفُ التَّدبير المُوجِبِ لعتقِ المُدبَّرِ بِمُجرَّدِ موت مولاه من غير توقف على شيء، كما قال المُحقِّقُ الكَمالُ ابنُ الهُمام: التدبير شَرْعاً: العتق الموقع بعد الموتِ في المملوكِ مُعلَّقاً بالموتِ مُطلقاً لفظاً أو معنى،
والمُعلَّق ينزل بوُجودِ شرطه كما لا توقف له على غيره، وتعلق السعاية به لأمرٍ عارض، فمَن نصَّ على توقفِ عِتقه كُلَّا أو بعضاً إلى أداء السعاية، لم يُحرِّرِ المَناط، وأبطل تعريف التدبير؛ إذ لم يُلاحظ مدلول نص الشارع.
روى ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ المُدبَّرَ لا يُباع، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ، وهو حُرٌّ منَ الثَّلث.
قال الزيلعي: فانعقد - أي: التدبير - سبباً في الحال للعِتْقِ، وتعلَّقَ بِمُطلَقِ مَوتِ المولى، فيعتق بعد مَوتِ المَولى، وكلامه لا بكلام آخر؛ أي: فاستحال توقُفُ عِتقه على شيء غير شرطه، فلا يُعوَّلُ على ما خالفه.
ومنه قوله في «البَحرِ»: «وحكمُ جِنايته كجنايةِ المُكاتَبِ كما في شرح المجمع للمُصنف.
أقولُ ونصه: لو ترك مُدَبَّراً فقتل خطأ قبلَ الفَراغِ مِنَ السَّعاية، قال أبو حنيفة: عليه أن يُؤدِّيَ قيمة نفسه لولي القتيل؛ لأنَّه بمنزلة المُكاتَبِ عنده، وقالا: على عاقلته دِيةُ القتيل، لأنَّه حر مديون عندَهُما، انتهى.
وقد نظَمَه الإمامُ النَّسَفيُّ، فقالَ: مُدبَّرٌ من بعدِ موتِ السَّيِّدِ يقتُلُ إنساناً بلا تعمد وكان يستسعَى يُؤدِّي قيمته ويلزَمانِ دِيَةٌ عاقِلتَه وقالَ الشَّارحُ: قتل إنساناً خطاً، فعليه أن يسعى في قيمته لولي القتيل عنده؛ أي: الإمامِ؛ لأنَّ المُستَسعَى كالمُكاتَبِ عندَه، وحُكمُ المُكاتَبِ هذا، وعندَهُما: حُرٌّ مديون، فتجب على عاقلته كلُّ الدِّيةِ.
وأقول: هذا يُخالِفُ ما قدَّمناه عن الإمامِ من أَنَّه حالَ سِعايته حُر مديون؛ لأنَّه لا يسعى في فك رقبته، بل في حِصَّةِ الورثة أو الغَريم، فجِنايتُه جِنايةُ حُرِّ اتفاقاً. ولعلّ هذا من إطلاق تشبيه المُستَسَعَى بالمُكاتَبِ]، فإِنَّه قال في «شرح المجمع للمُصنِّفِ قبل هذا: لو أعتَقَه في مرضه فقتله خطأ، وسعى في قيمته فعليهالسعاية ثانيةً للوارثِ؛ لانتقاض العِتْقِ معنى؛ لأنَّ العِتَقَ في مرضِ الموتِ وصيَّةٌ، ولا وصيَّة للقاتل؛ فإنَّه يسعى عند أبي حنيفة في قيمته سعايةٌ أُخرَى للوارث لمكانِ الجناية إذا كانت قيمته أقل منَ الدِّيةِ.
وقالا: الدِّيةُ على عاقلته؛ لأنَّه كالحرّ المديون، وعنده المُستَسعَى كالمكاتب، فيكونُ حُكمُه حُكمه، والمُكاتَبُ إذا قتل إنساناً خَطأَ يلزمه الأقل من قيمته، ومن دية المقتول، وهذه من فروع تجزي الإعتاق، انتهى. وهذا يُخالِفُ ما قدمناه عنه.
قوله في «البحرِ»: «وقولُهم هنا: يعيّقُ المُدبَّرُ بمَوتِ المَولَى مِن ثَلُثِ المَالِ يَدُلُّ عليه، فإنْ لم يخرُجْ مِنَ الثَّلث لم يعتق حتّى يسعَى ويُؤدِّيها، انتَهَى أقولُ: يريد نحو ما قاله في «شرح المُختارِ»: فإِنْ لم يخرُجْ مِنَ الثَّلثِ فبحسابه؛ معناه بحسَبِ ثلُثِ ماله يعتق منه بقدرِه ويسعى في باقيه، انتهت عبارة «شرح المختار».
ومثل ذلك في المُحيط قالَ: وأمَّا حُكمُ المُدبَّرِ بعدَ مَوتِ المَولى فَإِنَّه يعتِقُ في آخر جزء من حياتِه إِنْ كانَ يخْرُجُ من الثَّلثِ، فَإِنْ لم يخرُجْ يعتِقُ ثلثه ويسعى في ثلثيه، انتهى. وليس ذلك مُسلَّماً؛ فإنَّ عتقَه كامِلاً حصَلَ بمُجرَّدِ مَوتِ المولى، أو قُبَيلَ زُهوقِ رُوحِه على التحقيق، فلم تتوقف حُرِّيةُ شيءٍ منه على السعاية كما يُفيده نص الحديثِ، وعباراتُ المُحققين كما قالَ الزَّيلَعِيُّ: المُدبَّرُ يُعلَّقُ عِتقه بنفس الموتِ؛ أي: موتِ
سيده، فلا يُشترط فيه إعتاق أحدٍ، ثمَّ قال: وبمَوتِ المَولَى يعتِقُ مِن ثُلُثِ مَالِهِ، وإِنَّما يسعى إذا لم يكن له مال غيره؛ لأنَّه وصيَّةٌ، ومحلها الثُّلُثُ، ولم يسلم له شيء، إلا إذا سلم للورثة ضعفه والدِّينُ مُقدَّم على الوصيَّةِ، ولا يُمكن نقضُ العِتق، فيجب نقضه معنى برد قيمته؛ يعني: لدين يستغرِقُ، ويردُّ ثُلتَي قيمته للورثةِ إِن لم يَكُنْ دَين، فهذا تصريح بحُرِّيَّتِهِ بمُجرِّدِ مَوتِ المولى، وسعايته لدين لا لتحصيل حُرِّيَّتِه. فقوله في «الاختيار»: يعتق منه بقدرِه؟؛ المُرادُ سُقوطُ السَّعاية عنه بقَدْرِ الثَّلْثِ، وليسَ المُراد تجنِّيَ العِتْقِ.
وكذا قوله في «المُحيط»: يعتق ثلثه، ويسعى في ثلثيه، المُرادُ سُقوط السعايةِ لنُزولِ عتقه كاملاً بمُجرَّدِ مَوتِ السَّيِّد، ومما يدفع ذلك الإيهام الذي يُظَنُّ به توقف عتقِ الثَّلثين على أداء السعاية، قوله في «الدُّرَرِ والغُرَرِ»: وبمَوتِ المولى يعتق المُدبَّرُ منَ الثَّلث، ويسعى في ثلثيه إن لم يترك غيرَه وله وارِثٌ ولم يُجزه؛ أي: التدبير، حتَّى لو لم يكن له وارِثُ، أو كانَ وأجازه يعتِقُ كلُّه؛ لأنَّه في حكم الوصيَّةِ، فتُقدَّمُ على بيت المال.
ويجوز بإجازة الوارِثِ، ويسعى في كلّه؛ أي: كلِّ قيمته لو مديوناً، ولا يُمكِنُ نقض العتق، فيجب ردُّ قيمته، انتَهَى.
وقوله في الدُّرَرِ»: «ولم يُجِزُه؛ أي: التدبير؛ يعني موجبه كاملاً، وهو عتق. مجاناً؛ إذ التدبير لا يتوقَّفُ نفاذه، بل مُوجبه لحق الوارث أو الغريم، ولذا يعتق ولا وارِثَ، وليس عليه لبيتِ المالِ شيء، ويلزم على ظاهرِ عِتْقِ ثلثه فقط بقاؤُه رقيقاً في الثلثين، وتأخُرُ عِنقه، ولا مُوجِبَ له لوجودِ شرط عتقه بمَوتِ المَولى. ويدفعه - أي: الإيهام- قول «الكافي» و «الهداية في باب العتق في المرض: و من أعتق عبداً في مرضه، أو باغ وحابى، أو وَهَبَ فذلك كله جائز، وهو مُعتبر من الثلث، ويضرب مع أصحاب الوصايا، [وفي بعض النسخ فهو وصية، مكان قوله: فهو جائز، والمراد أنه وصيةٌ في حق الاعتبار منَ الثَّلث، ومزاحمة أصحابِ الوصايا] في الضّرب لا حقيقة الوصيَّة؛ لأنَّ الوصية إيجاب بعد الموت، وهذا منجر قبل الموت، واعتباره من الثلث لتعلقِ حق الورثة، ولم يسع العبد إن
أجازَتِ الورثة، انتهى. والجامعُ بينهما عِشقُ المُدبَّرِ قُبَيلَ زُهوقِ الرُّوحِ على التحقيق، أو عقب الموتِ على ظاهرِ التَّدبير؛ لأنَّه لا يحتاجُ لإعتاق أحدٍ بعيقه بمُجرَّدِ موتِ سيده. وكلام الكافي» هنا والهداية» يُعارِضُه قوله في الكافي من الوصايا: مريض ملك ابنه بألف وهو قيمته، ومات وله ألفان سواه، عتَقَ ووَرِثَ منه بالاتفاق؛ لخروجه من الثلث، ولا سعايةً عليه عند أبي حنيفةً، وعندهما يسعى في قيمته؛ لأنَّ العِنقَ في مَرَضِ المَوتِ وصيَّةٌ للوارث، فتجبُ السَّعايةُ نَفْضاً للوصيَّة معنى؛ لأنَّه لا يملك نقضه حقيقة.
وله أنَّه لو وجَبَتِ السَّعايةُ عليه لبطلت من حيثُ تجب ولا تجب، بيانه أنَّ السعاية إذا وجَبَتْ صارَ كالمُكاتَبِ، والمُكاتَبُ لا يَرِثُ؛ لأنَّه عبد ما بقي عليه درهم، وإذا لم يرث صارَتِ الوصيَّةُ لغير الوارث فتصح، وإن لم يخرج منَ الثَّلث تجِبُ السَّعايةُ، ولا يرثُ؛ لأنَّ المُستَسْعَى كالمُكاتَبِ عِندَه، وعِندَهُما يرِثُ؛ لأنَّه حر مديون عندَهُما، انتهى.
وقد نظَمَه الإمامُ عمرُ النَّسفي رحمه الله بقوله:
إذا اشترى الابن مريضاً وهلك عن ثروة لم يسعَ والإرث ملك ولم يرِثْ إِذا سَعَى وأَفْتَيا فوَرَّثاه فيهما واستَسْعَيا ثمَّ قال في شرحه: وإذا لم يخرج الابنُ منَ الثَّلُثِ يسعَى فِي الظُّلُتَينِ عِندَه، ولا يرِثُ؛ لأنَّ المُستَسْعَى كالمُكاتَبِ عندَه، والمُكاتَبُ لا يَرِثُ، انتَهَى.
وقد علِمْتَ أَنَّه ليس كلُّ مُستَسْعَى يكون كالمُكاتَبِ، بل في مُعتَقِ البعض ونحوه، كما نصَّ عليه الإمام في تقسيم المُستَسْعَى، فإِنْ يَكُنِ الإمامُ قد نصَّ على هذا المُخالفِ له، ولم يكُن تخريجاً من المشايخ يكون المأخوذ به ما طابق نص الحديثِ: «مَنْ مَلَكَ ذا رحِم محرَمٍ منه عتق عليه، و «المكاتب عبد ما بقي عليه دِرهَم، فافترقا، ويدفَعُ ذلك المنظوم، ويدفَعُ كلَّ عبارة على منواله نصُّ المُعتبَراتِ على خلافه.
منها ما قال في «الخُلاصة»: وفي «الأصل» من كتابِ الدَّعوَى في بابِ إقرارِ المريض بالولد، وفي آخرِ كتابِ الإقرار من مُختصَرِ القُدُورِيَّ»: رجُلٌ له عبد في صحتِه، فأقر في مرض موته أنه ابنه، وليس له نسب معروف، ومثله يُولَدُ لمثله، فإنَّه ابنه، ويرثه ولا يسعى في شيء، سواء كان أصل العلوق في ملكه أو لم يكُنْ، وعتقه من جميع المال، وكذا لو كان عليه دينٌ مُحيط بجميع ماله، وليس فيه إبطال حقِّ الغُرَماء والورثة، انتهى. ومثله في البزَّازِيَّة.
وكذا يكون حكم ولدِ المبيعةِ إذا ادّعاهُ البائع وقد وُلِدَتْ لدُونِ ستَّةِ أَشْهُرٍ من بيعت، ثبت نسبه و صارَتْ أم ولد له كما في الكافي، فلا سعاية؛ لأنه يعمُّ المريض على ما ذكرناه عن «الأصل» و «القُدوري».
وقد ذُكر في الكافي من باب إقرار المريض مثل ما قال القُدورِيُّ والأصل»، فلا يُعدل عنه، غير أنَّه سكت عن السعاية، وقد عُلِمَ عدم لزومها عليه من قوله في «الكافي»، وشارك الورَثَةَ، ولا يمنعُ المَرَضُ صِحَّةَ هذه الدعوة؛ لأنَّ النَّسَبَ مِنَ الحوائج الأصلية.
ومثله في شرح المجمع» لابن الملكِ، وفي «شرحه» للمُصنفِ، ولا يمتنع هذا الإقرار بالمرض؛ لأنَّ النَّسَبَ من الحوائج الأصلية، ولا تهمة فيه لحقِّ الغُرَماء ولا للورثة؛ لأنَّه غيرُ مُستلزم للإرث قطعاً، ألا يُرَى أَنَّه يجوز أن يثبت نسبه منه، ثمَّ لَا يَرِثُه لمانع من الميراث، وإذا انتقى المانع صار كالوارث المعروفِ فيُشارِكُ ورثته، انتهى. ومثله في الدُّرَرِ والغُرَر، و «الكَثِرِ. و «الهداية» وشُروحِهما.
وقالَ الزَّيلَعيُّ: وإِنْ أَقرَّ بغُلامٍ مميز مجهولٍ يُولَدُ لمثلِه أَنَّه ابنه، وصَدَّقَه الغُلامُ، ثبت نسبه، ولو مريضاً، وشارك الورثة؛ لأنَّ النَّسَبَ من الحوائج الأصلية، وهو أيضاً إقرار على نفسه على] ما بيناه، وليسَ فيه ضرر على غيره قَصْداً، فيصح، وقد ذكرناها في الدعوى والعتاق.
ووجَّهَ الزِّيلَعيُّ كونَه من الحوائج الأصلية بأنَّه يحتاجُ إلى بقاء نسله وحاجتِه مُقدَّمةً على حق الورثة، ولأنَّ الإقرار بالنَّسَبِ ليس فيه إبطال حقهم قصداً، وإنَّما يبطل حقهم بالموتِ، بِشَرْطِ أن يتحدَ دينُهما؛ أي: المُقِرِّ وابنه؛ يعني: معَ انتفاء بقيَّةِ موانع الإرث انتهى
فبهذا يتأمل ما قدمناه عن «الكافي» من مسألة شراء المريض ابنَه أَنَّه إذا لم يخرُج منَ الثَّلثِ قال: تجب عليه السعايةُ ولا يرثُ، انتَهَى.
والحال أنَّه عتَقَ بنص الشارع بمُلكه، وليسَ ثُبوتُ النَّسَبِ والبُنوَّةِ إلا بإقرارِ المريض، فكيفَ يُلزَمُ الولدُ السَّعايةَ ويُحرَمُ الإرثَ؟ وإقرار والده به منَ الحوائج الأصلية.
فالتحريرُ ما في الخلاصة عن «الأصل»، و «القُدورِيّ»، وقد ذُكِرَ مثل ذلك في «الكافي»، كما قدمناه، فصار ما في «الكافي» مُتَدافِعاً.
ولكن التحرير ما في الكافي من باب إقرار المريض موافقاً لـ: «الأصل»، و «الهداية»، والقُدوري» و «الكنز» وشروحها، فلا سعاية على الولد، وله مشاركة الورثة؛ إذ لا فرق بين الولد الذي كانَ في ملكِ المُقِرِّ حال صحتِه، ثمَّ مَرِضَ فَأَقرَّ به وبين من اشتراه وهو مريض بجامع تعلق حقٌّ الوَرَثِةِ بتلقي ماله للمرض، ولا تعلق لهم بالولد، فلا سعاية عليه، ويرِثُ لأنه من الحوائج الأصلية وقد علمته، فالمرجع لما في الخلاصة» و «الأصل» و «القُدورِيّ» و «الهداية» و «الكنز» وشروحها، ولما في «الكافي» موافقاً لها، فلا يُعدل عنه.
فليتنبه لهذا؛ فإنَّه دقيق مُهم، والله المُوفّق بمنه وكرمه، ويُوضُحُ ما قلناه من أَنَّ المُدبَّرَ حال سعايته حرّ لا تتوقَّفُ حُرِّيَّتُه على أداء السعاية مسائل في «الكافي». منها: لو قالَ لأمَتِهِ: أَنتِ حُرَّةٌ قبلَ مَوتِ فُلانٍ بشهرٍ، فَوَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَ فُلانٌ لتَمامِ الشهر، إن مات وهما في ملكه عتَقا؛ لأنَّ الإضافة إلى الأم إضافة إلى الولد قصداً .... إلى آخره، وهذا يعمُّ حالةَ المَرَضِ والصَّحَّةِ، فلُزومُ السَّعاية لو حصل بعد العتق لا يمنع قبولَ الشَّهَادَةِ، ولا أحكام الحُرِّيةِ.
وفي الكافي»: كلُّ مملوك أملكه إلى ثلاثين سنةً فهو حُرٌّ، لا يعيق إلا ما يملكه في المستقبل، وهذا يشمل حالة المرض، فلا يمنع استسعاؤُه قَبول الشَّهَادَةِ، ولا انصافه بأحكام الحرية. وفي «الكافي»: إن ملكتُ عبداً فهو حرّ، أو إن ملكتُ مئة درهم فعبدي حر؛ يحنث بوجودِ الشَّرطِ، وهذا يعمُّ لُزومَ السَّعاية بالمرض وعدمها، فلا منع من أحكام الحرية بالسعاية.
وفي الكافي»: كلُّ مملوك لي حرّ عتَقَ عبيده ومدبروه، ولا يعتق مكاتبوه إلا أن ينويهم، وكذا مُعتَقُ البعض، ثمَّ قالَ: ومُعتَقُ البعض كالمكاتب عند أبي حنيفة رحمه الله، فلقصور الملكِ لا يتناوله إلَّا بالنِّيةِ، فهذا تخصيص لمَنعِ قبولِ الشَّهادةِ ممَّن يسعى لفك رقبته إذا لم ينوه، لا غيره.
وفي «الكافي»: إنْ تسرَّيتُ أمَةً فهي حُرَّةٌ، فتسَرَّى أمةً كانت في مُلْكِهِ عتَقَت وهذا يشمل حالة المرض، فيعايتها وهي حُرَّةٌ، فلا يمنعُ قَبولَ الشَّهادةِ. وفي «الكافي»: كلُّ عبد بشرني بكذا فهو حر، فبشره جمع معا عتقوا، وهذا يعمُّ المرضَ فلا منع من قبول شهادَتِهم، ولا أحكامِ الحُرِّيةِ لهم، وإنْ لزِمَتْهُم سعاية.
فبهذا تعيّن تأويل كلِّ عبارةٍ فيها إيهامُ بقاءِ رِقٌ في المُدبَّرِ بقدرِ سعايته، وعبارة فيها نص عليه، فتُردُّ إلى نص الإمامِ الذي قسم به السَّعايَةَ إِلى القِسْمَينِ، وَالفَرقُ بينَ المُدبَّرِ ونحوه وبينَ المُعلَّقِ عِتقه على الأداء، ومُعتَقِ البعض ظاهر، وهو مَفادُ نص الحديثِ في المُدبَّرِ.
روى نافع عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المُدبَّرُ لَا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، وهو حُرّ منَ الثَّلث، فيجري حكمه فيما يُمائِله، وقد قال في «البدائع» بعده: المُدَبَّرُ مُعلَّقٌ عِتقه بمَوتِ المَولى، والمُعلَّقُ بالشَّرطِ ينزل عندَ وُجودِ الشَّرطِ، سواء كان الموتُ حقيقة أو حكماً بالحكم باللحاق، ويُعتبرُ من ثُلُتِ المالِ يومَ ماتَ المَولَى، انتهى.
وقيمةُ المُدبَّرِ ثلثا قيمته قِنا على المفتى به، واختارَ الصَّدرُ الشَّهِيدُ أَنَّهَا النَّصفُ،
وفي «الوَلْوالجيَّةِ» هو المُختارُ، كذا في «البحر»، وفي الفَتاوَى الصُّغَرَى» عن فَتاوَى أبي اللَّيْثِ أَنَّها نِصفُ قيمته قِنَّا، وبه يُفتَى، وهو الأصح، انتَهَى.
وفي «التجنيس والمزيد»: رجلٌ مات وتركَ مُدَبَّراً يعتِقُ، ووجَبَ عليه السَّعايةُ في القيمة، فكيف يُقوَّمُ مُدَبَّراً؟ وكذا لو قتل قتيلاً أو جنّى جنايةً يُقوَّمُ قيمتُه مُدَبَّراً. واختَلَفُوا في ذلك، والمُختارُ نِصفُ قيمته قِنَّا؛ لأنَّ الانتفاع بالمملوكِ نوعان، انتفاع بعينه، و انتفاع ببدله، وهو الشَّمنُ، والانتفاع بالعَينِ قائم، وبالبَدَلِ وهو الثَّمَنُ غيرُ قائم، فكان الباقي نصف قيمةِ القِنِّ، انتهى.
وهذا مفيد عنقه بمُجرَّدِ الموتِ ولزوم السعاية عليه، وهو حر، وحصول الجنابة منه حال حياة مولاه لوجوب قيمته، وإلا فهو بعد الموتِ حُرٌّ جنايته جناية الأحرار على التحقيق.
وفي فصولِ العِماديَّةِ: رجلٌ قال لجاريته وقد ولَدَتْ: هذه أم ولدي، إنْ كانَ القَولُ في الصَّحَّةِ تصيرُ أم ولد له، سواء كان معها ولد أو لم يكُن، وإنْ كانَ القَولُ في المرض، فإنْ كانَ معَها ولد تصير أم ولد له]، وتعتق من جميع ماله، وإن لم يكن معها ولد تعتق منَ الثَّلُثِ فِي عِناقِ فَتَاوَى قاضيخان»، انتهى.
وإذا كان معها ولد صارَ ابناً له، ووَرِثَ ولا سعاية عليه ولا عليها، هذا هو التحرير بمَنْ اللطيف الخبير. فتلخّص بما قدَّمناه مُحرَّراً أَنَّ المُدبَّرَ إذا لم يخرُجُ مِنَ الثَّلُثِ يسعى، وهو حر، وأحكامه أحكام الأحرار، وكذا المُعتَقُ في مرض الموت، والمُعتق على مالٍ أو خدمة إذا قبل المال أو الخدمة له أحكام الأحرار، والولد الذي ادعاه المريض حرّ وارث لا سعاية عليه، ولا على أُمه بادعائه أنَّها أم ولده. والله المُوفّقُ بمنه وكرمه.
وكان تأليفها في ربيع الثاني سنة خمس وستينَ وألفٍ.
ثم حدثَتْ بعده مسألةٌ مُهمَّةٌ: رجل تزوج امرأةٌ، ثمَّ ولدَتْ بنتاً، فقالَ الزَّوجُ: ولدتيها لدُونِ ستَّةِ أَشْهُرٍ بثلاثةِ أَيَّامٍ، فليسَتْ ببنتي، وقالَتِ الزَّوجةُ: وَلَدتُها لتَمَامِ سِتَّةِ أشهر ويوم من يوم تزوجتني، ثمَّ طَلَّقَها ولم يُلاعِنْ، ثمَّ مَاتَ بعدَ أَشْهُرٍ، فتنازَعَ الورثة ووَصِي البنت في ميراثها، فتمسك الورثةُ بَنَفْيِ الزَّوجِ نسبها كما ذكَرَ. فأجبتُ: بأنَّ القَولَ قَولُ الزَّوَجةِ، ولم ينقطع نسَبُ البِنتِ بِمُجرَّدِ النَّفي، وفاتَ
اللعان، فترِثُ البنتُ منَ الآبِ المذكور.
ثم قضى حاكم حنفي بهذا، فترافَعَ الورثة ووَصِيُّ البنتِ لدى حنفي، وتمسك الورثة بنفي الزَّوجِ نسب البنتِ، وأرادوا إقامة البينة على ما ادعاه الزَّوجُ من الولادة لستة أشهر إلا ثلاثة أيام، ونفيه نسب البنتِ ليمنعوها من الميراث.
فأجبتُ بأنَّ حُكمَ الحنفي بثبوتِ نسبها واستحقاقها الميراث حكم صحيح لا يُنفَضُ، ولا تُسمَعُ البَيِّنَةُ المذكورة.
ووَجهُ ذلك: أَنَّ البَيِّنَةَ إِنَّما تحكي قولَ الزَّوجِ الذي لم يُقبل منه، والتَّزوج بالزوجة ثابت، وبيانُ مُدَّةِ الحمل ثبتَ بقولِ الزَّوجة المحكوم به، والنَّسَبُ مما يُحتاط ويُحتالُ لإثباته؛ كتزوج المشرقي بالمغربية إذا ولدَتْ لسنَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ النِّكَاحِ، وبينها وبينَ الزوج مسيرة سنينَ، أُثبت نسبه منه؛ لإمكان الوصول إليها بكرامة طي المسافة، أو حمل قرين من الجنِّ، ولا ينتفي النَّسَبُ إلَّا باللعان، وقد استَحالَ وُجوده. وفي مسألتنا العبرة للعقد، ولا يتعيَّن تاريخ حجَّةِ النِّكَاحِ لابتِدائِه قَطْعاً؛ لإمكانِ سبق التزوج سراً بمهرٍ وعلانية بمهرٍ أكثر للسمعة، فالعبرة لقَولِ الزَّوجةِ: نَكَحْتَني مُنْ ستَّةِ أَشْهُرٍ، لا لقُولِ الزَّوجِ: إِنَّه لدونها، وأيضاً البيِّنةُ التي أُريد إقامتها بينةُ نفي، وهي
لا تقبل. مسألة ثانيةٌ مهمَّةٌ أيضاً: سُئِلتُ عن زَوجَين بينهما بنت، تقولُ الزَّوجةُ: هي بنتي منك، واعترف الزوج بأنها بنته منها، ثمَّ ماتَ الزَّوجُ، فقُضِيَ للبنتِ بميراثها منه مع بقية أولاد له، ثمَّ ماتَتِ الزَّوجةُ عن البنتِ وعن أُخت لأم وعن ابن عم عَاصِبٍ، فطلبت البنتُ ميراثها منَ الأُم، فعارَضَها بقيَّةُ ورَثَتِها بأنَّ الزَّوجةَ كانت أقرَّتْ بنسبها، ثمَّ إنَّها نفتها، وقالَتْ: إنَّها مملوكتي، فهل تُسمَعُ بينةُ الوَرَثَةِ وتُمنَعُ البِنتُ من ميراث أُمها المذكورة؟ فأجبتُ باستحقاق البنت المذكورة نصف ما تركته الأم، وللعاصب الباقي، ولا شيء للأُختِ لام؛ لحجبها بالبنتِ، وذلك لثبوتِ نسبها، وهو ممَّا لا يبطل بالرجوع عن الإقرار به، ولكونه من الحوائج الأصلية، فلا يفتقر لتصديق الورثة، ولا تملك الأم إبطاله، وقد قُضِيَ بثبوتِه باستحقاق الميراثِ منَ الأبِ أيضاً كما ذُكِرَ، ولا يُحتاجُ هنا لإثباته؛ لما أنَّ الأُختَ والعاصِبَ قد أقرا به، ويزعُمان أيضاً رُجوع الأم، فثبت بإقرارهما عليهما أيضاً، وبطل إرادتهما الرُّجوع وإبطاله.
ووجه اللُّزومِ: أَنَّ الزَّوجَ قد صدَّقَ بأنَّها بنته منها، فصح الإقرار، ولا يملكُ الرجوع عنه.
قال في شرح المُختارِ»: وإذا صح الإقرار بهؤلاء؛ أي: الولد والوالدين، لا يملكُ المُقِرُّ الرجوع فيه؛ لأنَّ النَّسَبَ إذا ثبت لا يبطل بالرجوع]، ولأنَّه من الحوائج الأصليَّةِ، بخلافِ ما فيه تحميلُ النَّسَبِ على الغَيرِ؛ كالأخ والعم؛ لأن فيه تحميله على الأب والجد، فيضمَنُ أمرين: تحميل النَّسَبِ على غيره، والإقرار له بالمال، فيبطل التَّحميلُ، وهذا الإقرار وصيَّةٌ، وله الرجوع عنها، وإذا لم يرجعِ المُقر بنسبٍ أخ أو عم ونحوه بقي وصيَّةً، وله المال، لكن هو مؤخر عن قريب ووارث بعيد، فيقدم عليه ذو رحم، ثم تولى موالاة، كما هو مُقرَّر في محله.
فائدة للتنبيه لصورة الشَّهادة على الولادة بعدَ مَوتِ الزَّوجِ أو الطَّلاقِ وقيامِ العِدَّةِ: لا تثبتُ الشَّهادة على الولادة إلا بمُعاينة خُروج الولد من فرج الأم، ولا يمتنع القبول بالنَّظرِ للضّرورة؛ كالشَّهادةِ على الزنا، فكيف يتأتى نظَرُ رَجُلَينِ، أو رجُلٍ وامرأتين معاً لفرج المرأةِ حال الولادة؟
والعادة أنَّ مَن يحضُرُ الولادة منَ النِّساءِ لا ينظُرْنَ إِلى الفَرْجِ؛ لستره خشية الهوَى وغيره، أو بأن تدخُل المرأة بيتاً معقوداً لا يتوهَّمُ إزالة شيءٍ من سقفه ولا به ما يُوضَعُ فيه ما يخفى على الشاهد.
ثمَّ ينظُرُ إلى المرأةِ عند دخوله وهي مستورةٌ وبطنها بارزة بالولد، وتحتاط في تفتيش القابلة والمرأة فيما عليها خشية أن يكونَ معَها ولدٌ، ثمَّ يجلسان على بابه، فإذا استَهَلَّ الولد يدخُلانِ وهو لم تُقطَعْ سُرَّتُه معَ ما نزلَ منَ المرأةِ، ويُسمُّونَه الخَلاصَ، فحينئذ تكونُ الشَّهادة المقبولةُ بشُروطها، ومع هذا لا تكون مقبولةٌ في مَقامِ النَّفي كما بيناه.
تنبية آخَرُ: النَّفي المُستفيضُ [يكونُ على جهة الدفع، ولا يكون بعد الحكمِ بثبوتِ النَّسَبِ]، كمَن أقامَ بيِّنةً على آخرَ أنَّه قتَلَ أباه عَمْداً في وقتِ كذا، فأقامَ المدَّعَى عليه بيّنةً أنَّهم رأَوْا أباه بعد ذلك الوقت، وأنَّه كَانَ حَيَّا، وادَّعَى أَنَّه أَقرَضَه كذا بعد ذلك الوقتِ، وأَنَّها دَين عليه.
أو أقام رجلٌ على آخرَ بيَّنةً [أنَّه أقرَضَ فُلاناً أباه أمس ألف درهم، فأقامَ الابن بينةٌ] أنَّ أباه مات قبل ذلك، أو شهِدَ أَنَّ فُلاناً طلَّقَ امرأته يومَ النَّحْرِ بالكوفة، وأقامَ فلان البينة أنه كان في ذلك اليوم حاجاً بمني، فالبينة في جميع ذلك بينةُ المُدَّعي، ولا يُلتفت إلى بينةِ المُدَّعَى عليه، إلا أن تأتي العامَّةُ ويشْهَدُونَ بذلك، ويكون أمراً مكشوفاً مُستفيضاً ظاهِراً فيما بينَ النَّاسِ، علم به كل صغير وكبير، وكل جاهل وعالم، فيُقضَى به؛ لأنه ثبت بالضرورة، وتكذيب
الثَّابِتِ بالضرورة مَردودٌ، وهذا غيرُ مُتصوّر في نفي النَّسب الذي قد ثبت بإقرار الزوجين كما في هذه الحادثة، ولا يُتَصَوَّرُ أيضاً التَّواتر بنفي ذلك النسب؛ لِما أنَّ المنفيَّ بالتَّواتُرِ في المحسوسات التي يحكى وجودها.
فاعلَمْ هذا وكُنْ على بصيرة في أمره، واللهُ المُوفّق بمنه وكرمه.
حرَّرَه حسَنُ الشُّرنبلالي في شهرِ رَمَضانَ سنةَ سنةَ سبـ رَمَضانَ سنةَ سنة سبع وستينَ وألفٍ، عفا الله عنه، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك ربِّ العِزَّةِ عمَّا يصفون وسلامٌ على المُرسَلينَ، والحمد لله ربِّ العالمين.