الدرة اليتيمة في الغنيمة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الدرة اليتيمة في الغنيمة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي، وعليه اعتمادي
الحمد لله الذي مَنَّ بحِلُّ الغَنائم على هذه الأُمَّةِ دُونَ غيرِها، وخَصَّ المُصطَفى بالاصطفاء لأحسنها وأكمَلِ خَيرِها، والصَّلاة والسَّلامُ على صفوته سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه وذُرِّيَّتِه الكِرامِ بدوامِ نِعَمِ اللهِ، وإفاضتِه جَزيلَ الإنعامِ.
وبعد:
فيقول العبدُ المُضطَرُّ الحقيرُ إلى كَرم الغَنيّ القَديرِ حَسَنُ الشُّرنبلالي، بلَّغَهُ اللهُ نيل ما ترجاه من المعالي: هذه نَقاوةُ رِسالة سميتُها:
«الدُّرَّةَ اليَتِيمة في الغَنِيمَةِ»
للتنبيه فيما فيه نوع تدافع في التقرير لـ «شرح الكنز» للإمامِ الأَوحَدِ الشَّهِيرِ فخرِ الدِّينِ عُثمانَ الزَّيْلَعِي رحمه الله، وبلَّغَهُ مِن فَضْلِ الله ما يليقُ بِكَرَمِ مَولاه. قال الإمامُ الزِّيلَعِيّ شارِحُ «الكنز»: يجب على الإمام أن يقسِمَ الغَنيمةَ ويُخرِجَ خُمُسَها؛ لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُمسَهُ} [الأنفال:] إلى آخره، ويقسم الأربعة الأخماس على الغانِمِينَ؛ للنُّصوص الوَارِدةِ فيه، وعليه إجماعُ المُسلمين.
وقد قالَ الزَّيْلَعِيُّ قبلَ: هذا ما فَتَحَ الإمامُ عَنْوةً، قُسِمَ بينَنا، أو أقر أهلها
ووضع الخراج والجزية؛ يعني: إذا فتح الإمامُ بَلْدةٌ قَهْراً، فهو بالخيار إن شاءَ قسمها بين الغائِمِينَ؛ يعني: بعد إخراج الخُمُسِ كما فعلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بخيبر، وإن شاء أقر أهلها عليها، ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج، كما فعل عُمر رضي الله عنه بسَوادِ العِراق بموافقة الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم. انتهى.
فقُلتُ: قد يُقالُ: اتَّفاقُ الصَّحابة على وضعِ الخَراجِ يُعارِضُ الإجماع على تخميس الغنيمة وقسمتِها، فينتَفِي التَّحْيِيرُ بينَ القِسمة وإبقائها خَراجِيَّةٌ، فقد تعارَضَ إجماعان في كَلامِ الزِّيلَعِيٌّ في شيء واحد تخميس وعدم تخميس، قسمةٌ بين الغانمين وعدم قسمة، بجعل الأرض خَراجِيَّةً ووضع الجزية.
ويرد على حكاية الإجماع على القسمةِ والتَّخميس فتح مكَّةَ؛ إذ لم يُقسم منها شيء، لم تُخَمس ولم تُقسم.
ويَردُ أيضاً قول الإمام مالك بأنَّ الأراضي تكون وقفاً بالفتح، فهو وارد على قوله: وعليه إجماع المسلمينَ»، ووارِدٌ على قوله: «يجب على الإمام أن يقسم الغنيمة ويُخرجَ خُمُسَها»، تخيير الإمامِ بالتنفيل، كما سنذكره.
وقال الكَمالُ ابنُ الهُمام: يدلُّ على أنَّ قِسْمةَ الأراضي ليسَ حَتما أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عنوة، ولم يقسم النبي أرضها؛ ولهذا ذهب الإمامُ مَالِكٌ أَنَّ بِمجرَّدِ الفَتح تصيرُ الأراضي وَقْفاً للمُسلِمِينَ، وهو أدرى بالأخبار والآثارِ.
وكذا قال الإمامُ الشَّافِعِيُّ، والإمام أحمدُ بنُ حَنبل: إِنَّهَا مَوقُوفَةٌ على المسلِمِينَ، الرسالة. الدُّرَّةُ اليتيمةُ في الغَنيمة
وقولُ الكَمَالِ: «قِسْمةُ الأراضي .... إلى آخره، ليس قيداً احترازياً عن غيرها؛ فَإِنَّ التنفيل جائز بالجميع ممَّا أُخِذَ للمصلحة.
فإن أراد الزيلعيُّ الإجماع على لزوم إعطاء الغانِمِينَ ما بَقِيَ جَميعاً بعدَ التَّخْمِيسِ كما هو ظاهِرُ كَلامِهِ، يُدافِعُه التَّخْيِيرُ للإمام فيما يراه من القِسْمةِ أو وضعِ الخَراجِ والجزية، ويُعارِضُه الإجماع على تَركِ التَّخْميس، وعلى جعل الأراضي خراجية، ووضع الجزية كما فَعَلَ عُمَرُ رضي الله عنه بسَوادِ العراق، وعليه استقر إجماع الصحابة فلم يأتِ منهم خلافٌ بعده، وإن أُريدَ التَّفرقة بين مفادِ القِسمة والفيء،
فالغنيمة لا يلزم تخميسها؛ لأنَّ للإمام أن ينفل بكُلها وقد أُخِذَتْ بالإيجاف. وأقولُ: قد يترجَحُ الإجماعُ المُتأخُرُ؛ لاستناده إلى إشارة دَليلٍ قُرآني غَيرِ
مخصوص عمومه، ولم يُوجد خِلافُه من مِثلِ عُمَرَ رضي الله عنه، بِخِلافِ الأَوَّلِ. وقد يكونُ عدَمُ قِسمةِ الأراضي والرِّقابِ كما فَعَلَ عُمرُ من قَبِيل انتهاء الحُكمِ المُخالِفِ له بانتِهاءِ عِلَّتِه، وهي ضَرُورَةُ الحاجة إلى القسمةِ والتَّخْميس، وقد اندفَعَتِ الضرورة معَ بقاءِ الخَراجِ والجزية نفْعاً مُستَمِراً.
وليس هذا من قَبيلِ تَعارُضِ الآية والحديث، فيبطل العمل بالحديث؛ لأنَّه ظني، وهي قطعية، بل في كُلِّ استدلال بآية، وإشارة آية، وإجماع، آيةُ الأنفالِ المُلزمةُ للقسمة مع الاتفاق عليها، كما قالَ الزَّيْلَعِيُّ، وآيةُ الحشر التي استدل بها عُمَرُ على تركِ التّخميس والقسمة، ووافقتْه الصَّحابةُ، وعليه استقر أمرهم، فيُمكنُ أن يَكُونَ الإجماع على ما أُخِذَ من المنقول غيرِ الرّقابِ، ولم يحصل فيه تنفيل، فيلزَمُ إخراج الخُمس منه، وقسمةً باقيه على الغانِمِينَ، والرّقابُ وإن كانَتْ من قَبِيلِ المنقول لا تُقسم إذا جُعِلَتْ الأَرضُ خَراجِيَّةٌ على ما رَآهُ عُمَرُ.
هذا فيه جمع بين الإجماعَينِ المُتعارِضَينِ بِحَسَبِ الإمكان، ولكن في المنقول خاصَّةٌ لا يُساعده إطلاق الزِّيلَعِي.
ثمَّ إِنَّ ظَاهِرَ الاستدلالِ بقِصَّةِ خيبر عُمومُ القِسمةِ الشاملة للرقاب والأراضي، فيكُونُ خُمسها لأصْحابِ الخُمُسِ المنصوص عليهم في الآية، وتكونُ خَيبر قد خُمْسَتْ أرضاً ورقاباً ومَنقُولاً؛ ليُطابَقَ الدَّليلُ الدَّعَوَى، وليسَ في السَّيَرِ ما يدلُّ على ذلك في خصوص خيبر.
ورأيت رسالةٌ لمُحقق شافعي مُلخّصُها تفويض الأمر للإمام، وذكر فيها أن آية الأنفال ليست قطعية الدلالة على لزومِ التَّخميس، ويُفيدُ مثل ذلك كلام أئمتنا الحنفية؛ لتخيير هم الإمام بين القسمة ووضع الخراج والجزية والتنفيل بالجميع، مع أن قوله تعالى: {أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَتى و} [الأنفال:] شامل لما يُطلَقُ عليه الشيء، والأرضُ شيء، والرقاب شيء، وقد خَيَّرت الحنفية الإمام كما ذكرناه.
وقالَ الكَمالُ وغيرُه: لو قال الإمامُ للعَسكَرِ: كلُّ ما أخذتُم فهو لكم، جازَ إِنْ رَأى
المصلحة فيه، وهذا يَرِدُ على حكاية الإجماع على التخميس فيما تقدم. ولنذكر إجماعَ الصَّحابة على قَولِ عُمَرَ، ورُجوعهم إلى ما استَدلَّ به من الآية لترك التخميس، معَ ثُبوتِ الخيار للإمام في كلام أيمةِ المذهَبِ جَميعاً، وذكرِهم فعل عُمَرَ، وفعل عُمر وإجماعُ الصَّحابة عليه يَنْفِي تَخيير الإمامِ.
فممَّا نُصَّ عليه عندنا قولُ الشَّيخِ أَكْمَلِ الدِّينِ في «العناية»: إِذا فَتحَ الإمامُ بلدةً
عَنْوة، فهو بالخيار، إن شاءَ قَسَمَه - أي: قَسمَ البَلدة بتأويلِ البَلَدِ - بينَ المُسْلِمِينَ، كما فَعَلَ رسول الله بخيبر، وإنْ شاءَ أقرّ أهلَه ووَضَعَ عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخَراج، كما فَعلَ عُمرُ رضي الله عنه بسوادِ العِراقِ بموافقة الصَّحابة رضي الله عنهم أجَمعِينَ. فإنْ قِيلَ: قد خالفه في ذلكَ جَماعةٌ، أجابَ بقوله: ولم يُحمَد مَن خَالَفَه، يُريدُ نَفَراً يَسِيراً منهم بلال، حتّى دعا عليهم على المنبر، فقالَ عُمرُ: اللَّهمَّ اكفني بلالاً وأصحابه، فما حالَ الحَولُ وفيهم عَينٌ تَطرِفُ؛ أي: ماتُوا جميعاً، انتَهَى. ولم يُخالفه أحدٌ إِلَّا نفرٌ يَسيرٌ؛ كبلالٍ، وسَلمان، فلم يُحمَدوا، ونَدِمُوا وَرَجَعُوا إلى رأيه، انتهى.
ثم قال الأكمل: وفي كُلِّ من ذلكَ قُدوةً فيَتَخَيَّر، انتَهَى.
ولقائل أنْ يقول: لا نُسلّمُ أنَّ أحَداً منَ الصَّحابة رضي الله عنهم، بل أكثرهم يصيرُ قدوةً على خِلافِ ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يصل إلى حد الإجماع.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذا لم يُعلَمْ أَنَّه فَعَلَه عليه السَّلامُ على أَيِّ جِهَةٍ فَعَلَه، يُحمَلُ على أدنَى مَنازِلِ أفْعالِه، وهُوَ الإباحةُ، وحِينَئِذٍ لا يستَوجِبُ العمل لا محالة، فإذا ظَهَرَ دَليلُ الصَّحابي، جازَ أَنْ يَعمَلَ بخِلافِه.
والثاني: أنَّه على تقدِيرِ أنه عليه السَّلامُ فَعلَ ذلكَ وُجوباً، فإِنَّ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه فَعلَ ما فَعلَ مُستنبطاً من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر:]
بعد قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الحشر:] فيكون ثابتاً بإشارة النص، وهي تُفيدُ القَطعَ، فيكُونُ الواجِبُ أحدهما بيقين بفعل الإمامِ، كالواجب المُخيَّرِ كما في خصالِ الكَفَّارةِ، فَفَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحدهما، وعُمرُ رضيَ اللهُ عنه الآخر، انتَهَى أقولُ: بل فَعلَ النَّبِيُّ كُلاً منهما، بمَكَّةَ ترَكَ التَّخميس والأخذ، فلم يقسم ولم يُخمس شيئاً منها، وبخَيبر فعَلَه، وفتح مكَّةَ بعد فتح خَيبَرَ، فيكونُ بَياناً لعدَمٍ لزومِ القسمة والتخميس، فيترجَّحُ فِعلُ عُمَرَ في تَركِه القِسمةَ، [ثم قال الأكمل: وقِيلَ في التوفيق بينهما]: لأنَّه فَعلَ ما فَعلَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم من حيثيَّةِ تَركِ القِسمةِ وتَركِ التَّخميسِ بمكة.
وأمَّا كُونُ الأراضي تُجعَلُ خَراجيَّةٌ، والرّقابُ ذِمَّةٌ، فَتَركَ النَّبِيُّ بمَكَّةَ ذلكَ؛ لأنَّ مكة لا يتأتى فيها الخَراجُ، ولا تُضرَبُ من عَربي جزيةٌ، بخلافِ سَوادِ العِراقِ ونحوه، فكأنَّ فِعلَ النَّبي ا ل ل ل ل بمكة بياناً لكون الآية في الأنفالِ غيرَ قَطعيَّةِ الدَّلالةِ على
التَّخميس، انتَهَى قالَ الأكمَلُ وقِيلَ في التَّوفيقِ بينهما: إنَّ الأَولَى هو الأَوَّلُ عند حاجة الغانِمِينَ، كما فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ كانَ عند حاجة المسلمينَ.
والثاني: عند عدم الحاجةِ، كما فَعلَ عُمرُ رضي الله عنه، ليكُونَ عُدَّةٌ فِي الزَّمانِ الثاني، انتهى كلامُ «العناية».
وقال العلامةُ سَعْدِي جَلَبِي رحمه الله: قوله: فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحدهما، وعُمرُ رضي الله عنه الآخر.
أقولُ: فيه نظر؛ لأنَّ الآية التي استدلَّ بها عُمرُ إذا أفادَتِ القَطعَ بطريق الإشارة، بطل العمل بالحديث؛ لأنَّه ظنّي، وإلا فيعُودُ السُّؤال، وأيضاً الوَاجِبُ عندَ التَّعارُضِ الترجيح، أو العُدولُ إلى دليل آخر لا التَّخييرُ؛ وإِلَّا لَثَبَتَ فِي كُلِّ مَوضِعِ حَصَلَ فيه التَّعارضُ، وليس كخصالِ الكفَّارة؛ إذْ لا تَعارُضَ هُناكَ، بل الدَّليل دلَّ على التَّخيير، ولا يدل دليلان على شيئَيْنِ مُتنافِيَين كما هُنا، انتَهَى
قُلْتُ: قد يُقالُ: الحديث ليسَ دَليلاً فقط، بل فعلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَردَ بَياناً لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} [الأنفال:]، وتَقدَّمَ عنِ الزِّيلَعِيِّ حِكايةُ الإجماع، وقدمنا ما فيه.
وقد وَردَ الإجماعُ الثَّاني الموافق لرَأيِ عُمر الذي استند فيه للآية التي في «الحشر»، فلم يكن ذلك من قبيل تعارض الحديث والآية، فلم يتضح كلام المُحشَّي رحمه الله.
ثمَّ أقول وبالله التوفيق: إِنَّ آيةَ الأنفالِ لم تُجزها الحنَفِيَّةُ على مُقتَضَى نصها بتَخميسِ الخُمُسِ وإعطائه لمَن ذُكِرَ فيها، كما هو في بابِ القِسمةِ مُقرَّر، [وبعضُهم خص ذلك بحياة النبي، فلم تكن قطعيَّة الدَّلالةِ، وقد علمْتَ مذهبَ الإمامِ مَالِكِ بكون الأراضي تصيرُ وَقْفاً بمُجرَّدِ الفتح.
فالقول بتخيير الإمامِ مُعارَضٌ بإجماعِ الصَّحابة على تَركِ القسمة، ولم يأتِ
بعده ما يُخالفه، وفتح مكَّةَ يُقرِّرُه؛ لأنه كان بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقسم منها شيئاً. وقد قال أبو يُوسُفَ رحمه الله تعالى في كِتابِ الخَراجِ: أرجو أن يَكُونَ ما فَعَلَ الإمام من ذلك موسعاً عليه؛ يعني: ممَّا خير فيه بين القسمة وإبقاءِ الأَرضَ خَراجِيَّة، ولكن مع ذلك ذكر ما يلزمُ العَمَلَ بَرَأيِ عُمَرَ، فينتفي التَّخْسِيرُ.
ونصه: قال أبو يُوسُفَ: والذي رأى عُمرُ رضي الله عنه من الامتناع من قسمِ الأَرْضِينَ بينَ مَن افتتحها، عندما عرَّفَه الله ما كانَ في كتابه من بَيانِ ذلك توفيقاً من الله كان له فيما صنع، وفيه كانَتِ الخِيرَةُ لجميعِ المُسلِمِينَ، وفيما رَأى من جَمع خَراجِ ذلك وقسمته بينَ المُسلِمِينَ عُمُومُ النَّفْعِ لجَماعتِهم؛ لأنَّ هذا لو لم يكُنْ مَوقُوفاً على النَّاسِ في الأُعْطِباتِ والأرزاق لم تُشحَنِ الثَّغور، ولم تَقوَ الجُيوشُ على المسير في الجهاد، ولما أُمِنَ رجوعُ أهلِ الكُفْرِ إلى مدنهم إذا خَلَت مِنَ المُقائِلةِ والمُرتَزِقةِ، والله أعلم بالخير حيثُ كانَ، انتهى.
قال هذا أبو يُوسُفَ عَقِبَ استدلالِ عُمر رضي الله عنه على تركه القِسمةَ، وذلك أَنَّه قال أبو يوسف: فأَمَّا الفيء فهو الخَراجُ عندنا، خراجُ الأَرضِ، والله أعلم؛ لأنَّ اللهَ تبَارَكَ وتعالى يقول: {مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ. مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْآنَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكون دولة بين الأغنياء مِنكُمْ} [الحشر:] حتى فرغ من هَؤلاء، ثمَّ قَالَ: الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر:]، ثمَّ قال جلَّ ذِكرُه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ [الحشر:] ... إلى آخره، فهذا ممَّا بلغنا - والله أعلم - في الأنصار خاصةً، ثم قال: وَالَّذِينَ جَلَهُ وَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر:، انتهى.
فهذا ـ والله أعلم - جاءَ لِمَن جَاءَ مِن بعدهم من المؤمنين إلى يوم القيامة، وقد سأل بلال وأصحابه عُمر بن الخطاب رضي الله عنه قسمةً ما أَفاءَ اللهُ عليهم من العراق والشّامِ، وقالوا: اقيمِ الأَرَضِينَ بينَ الذين افتتحوها كما تقسمُ الغَنيمةَ بينَ العسكر، فأبي عُمرُ ذلك وتلا عليهم هذه الآياتِ، ثمَّ قَالَ: قد أَشْرَكَ اللهُ الذِينَ يَأْتُونَ من بعدكم في هذا الفيء، فلو قَسَمْتُه لم يبقَ لمَن بعدكم شيءٌ، وَلَئِنْ بَقيتُ ليبلُغَنَّ الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودَمه في وجهه؟.
وكتب عُمرُ رضي الله عنه إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد، فقد بلغني كتابك، وتذكَّرُ أَنَّ النَّاسَ سألوك أن تقسم بينهم مَغانِمَهم، وما أَفاءَ اللهُ عليكَ، فَإِذا أَتَاكَ كتابي هذا، فانظر ما أجلَبَ النَّاسُ به عليكَ إلى العَسكَرِ مَن كُراع أو مالٍ، فاقسمه بينَ مَن حَضَرَ منَ المُسلمين، واترك الأراضي والأنهار لعُمَّالها؛ ليكون ذلك من أُعطيات المُسلمينَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ قَسَمْتَها بينَ مَن حَضَرَ لم يكُنْ لمَن بعدهم شيء.
وقال علماء أهل المدينةِ لمَّا قَدِمَ على عُمر رضي الله عنه جيش العراق من قبل سعد بن أبي وقاص، شاور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تدوينِ الدَّواوِينَ، وقد كانَ اتَّبَعَ رَأيَ أبي بكر الصديق رضي الله عنه في التسوية بين النَّاسِ، فلما جاءَ فتْحُ العِراقِ شاوِرَ النَّاسَ في التفضيل، ورأى أنه الرأي، فأشار عليه بذلكَ مَن رَآه، وشاورهم في قسمةِ الأَرْضِينَ التي أفاء الله على المسلمين من أرض العِراقِ والشَّامِ، فتكلم قوم فيها وأرادوا أن يقيم لهم حقوقهم وما فتحوا، فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرضَ بعلوجها قد قسمت، ووُرِثت عن الآباء وحِيزَتُ؟ ما هذا برأي.
فقال له عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: فما الرَّأْيُّ؟ ما الأرضُ ما العُلُوجُ إِلَّا مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ. فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: ما الأمر كما تقول، ولستُ أرى ذلك، والله لا يُفْتَحُ بعدي بلد فيكون فيه كَبيرُ نَيل، بل عسى أن يكونَ كَلا على المسلمِينَ، فَإِذَا قُسِمت أرض العراق بعلوجها وأرضُ الشَّامِ بعلوجها، فما يُسَدُّ به التغورُ؟ وما يكونُ للذَّرِّيَّةِ والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهلِ الشَّامِ والعِراقِ؟
فأكثروا على عُمَرَ رضي الله عنه، وقالوا: تقفُ ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قومٍ لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء قومٍ ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا، فكان رضي الله عنه لا يزيد على أن يقول: هذا رأيي.
قالوا: فاستَشِرْ، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، فَأَمَّا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوف رضي الله عنه، فكانَ رَأيه أن يقسم لهم حقوقهم، ورَأَى عُثمانُ وعَليٌّ وطَلحة رَأْيَ عُمَرَ رضي الله عنهم. فأرسَلَ إلى عَشَرَةٍ مِنَ الأنصارِ، خَمسة مِنَ الأَوسِ وخَمسةٍ منَ الخَزرج من كُبرائهم وأشرافهم، فلمَّا اجْتَمَعُوا حَمِدَ الله وأثنى عليه بما هو أ أهله ومُستَحِقه، ثمَّ قال: إني لم أدْعُكم إلَّا لأن تشرُكُوا في أمانتي، فما حَمَلْتُ من أُمورِكم؛ فإنِّي واحدٌ كأحدكم، وأنتم اليومَ تُقِرُّونَ بالحقِّ، خالَفَني مَن خَالَفَني، ووافَقَني مَن وافَقَني ولستُ أُريد أن تتّبعوا الذي هو هَواي معكم كتاب الله ينطِقُ بالحقِّ، فَوَالله لَئِنْ كُنْتُ نطَقْتُ بأمرٍ أُريده ما أردتُ إِلَّا الحق.
قالوا: قُل نسمع يا أمير المؤمِنينَ، قال: قد سَمِعتُم كَلامَ الله، هؤلاء القومُ الذِينَ يزعمون أنِّي أظلِمُهم حقوقهم، وإنِّي أعوذُ بالله أن أرْكَبَ ظُلْماً، لَئِنْ ظَلَمْتُهم شَيْئاً هو لهم، وأعطيته غيرهم لقد شَقِيتُ، ولكني رأيتُ أنَّه لم يبقَ شَيءٌ يُفتحُ بعدَ أَرضِ
كسرى، وقد غَنَّمَنا الله أموالهم وأرْضَهم وعُلوجهم، فقَسَمْتُ ما غَنِموا من مالٍ أُوَرْتُه. بين أهله، وأخرَجْتُ الخُمُسَ فَوَجَّهتُه على وجهه، وأنا في توجيهه، وقد رأيتُ أن أحبسَ الأَرْضِينَ بعلوجها، وأضَعَ عليهم فيها الخراج وفي رِقابِهِمُ الجِزِيَةَ يُؤدُّونَها، فتكُونَ فَيْئاً للمُسلِمِينَ للمُقاتِلةِ والذُّرِّيَّةِ ولمن يأتي بعدهم.
أرأيتم هذه الثَّغور؟ لا بُدَّ لها مِن رِجالٍ يلزَمونها، أرأيتُم هذه المُدنَ العِظام والشّام والجزيرة والكوفة والبَصْرةً ومِصرَ؟ لا بُدَّ مِن أن تُشحَنَ بالجيوش وإِدْرارِ العطايا عليهم، فمن أين يُعطى هؤلاء إذا قسمت الأَرضَين والعلوج؟
فقالوا جميعاً: الرَّأي رأيك، فنِعمَ ما قُلْتَ وما رَأَيْتَ، إن لم تُشحَنْ هذه التغورُ وهذه المدن بالرّجالِ، ويجري عليهم ما يتَقَوَّونَ بِه، رجَعَ أَهْلُ الكُفْرِ إلى مُدنِهم. فقال: قد بان لي الأمرُ، فَمَنْ رَجُلٌ له جَزالةٌ وعَقَلْ يَضَعُ الأَرْضَ مَوَاقِعَها، ويَضَعُ على العُلوج ما يحتمِلُونَ؟
فاجتمعوا له على عُثمانَ بنِ حُنَيْفٍ، وقالوا له: تبعثه إلى أهل ذلك؛ فإنَّ له بصراً وعقلاً وتجربةً، فأسرع إليه عُمرُ، فولاه مِساحة أرض العراق، فأُديت حباية سوادِ الكوفة قبل أن يموتَ عُمرُ رضي الله عنه بعام مئة ألف ألف، والدرهم يومَئِذٍ دِرهم و دانقان ونصفٌ، كانَتْ الدَّراهمُ يومَئِذٍ وزنُ الدرهم وزنَ المِثقَالِ.
قال: وحدثني اللَّيْثُ بنُ سَعدٍ، عن حَبيبٍ بن أبي ثابت: أنَّ أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وجماعة من المسلمين أرادوا عُمَرَ بنَ الخطَّابِ أن يقيمَ [الشَّامَ كَما قَسَمَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيبر، وأنه كان أشدَّ النَّاسِ عليه في ذلكَ الرُّبيرُ بنُ العَوَّامِ، وَبِلالُ بنُ رَبَاحٍ.
فقالَ عُمرُ: إذا أتركُ من بعدكم من المسلمين لا شيء لهم، ثمَّ قَالَ: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه. قال: ورأى المسلمونَ أَنَّ الطَّاعونَ الذي أصابهم بِعَمَواسَ كَانَ عَن دَعوةٍ عُمَرَ،
قال: وتَرَكَهُم عُمرُ ذِمَّةً يُؤدُّونَ الخَراجَ إلى المسلِمِينَ. وطاعُونُ عَمَوَاسَ كانَ سنةَ ثَمانِي عَشرةَ مِنَ الهِجرةِ، وعَمَواسُ بِلَدٌ بِالشَّامِ من عَمَلِ فَلَسْطِينَ غَرِبيٌّ نَهرِ الْأُرْدُنٌ.
ثم قال: حدثني بعضُ أشياخنا مُحمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه اسْتَشارَ النَّاسَ في السَّوادِ حينَ افْتَتَحَ، فرأى عامتُهم أَنْ يَقسِمه، وكَانَ بَلالُ بنُ رَبَاحٍ مِن أَشدّهِم في ذلكَ، وَكَانَ رَأَيُّ عُمَرَ أَن يَترُكَه ولا يقسمه، فقالَ: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه، ومَكثُوا في ذلكَ يَومَينِ أَو ثَلَاثَةٌ أَو دُونَ ذلكَ، ثُمَّ قَالَ عُمر رضي الله عنه: إني قد وَجدْتُ حُجَّةً، قالَ اللهُ عزَّ وجَلَّ فِي كِتَابِهِ: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ وقَدِيرٌ [الحشر:]، حتَّى فَرَغَ من شَانِ بني النَّضِيرِ، فهذه عامَّةُ القُرى كُلُّها. ثم قرأ: و ما أَفاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ و ابنِ السَّبِيلِ كُن لَا يَكُونَ دُولَة بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَ النَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا هَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:]
ثم قال: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ} [الحشر:]. ثم لم يرضَ حَتَّى خَلطَ بهم غيرهم فقالَ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَتَيَمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ همْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:]، فهذا ممَّا بَلَغَنا والله أعلم - في الأنصار خاصةً.
ثم لم يرضَ حتَّى خَلط بهم غيرهم، فقالَ: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلا خَوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:].
فكانت هذه عامَّةً لمن جاء بعدهم، فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعاً. وقال عُمرُ: هم وَلَدُ آدمَ الأحمر والأسود، فقد أَشْرَكَ اللهُ الذينَ من بعدهم في هذا الفيء إلى يوم القيامة، فكيف نقسمه لهؤلاءِ ونَدَعُ مَن تَخلَّفَ بِغَيرِ قَسْمٍ؟ فأجمعَ الصحابةُ على تركه وجَمع خَراجِه. قال أبو يُوسُفَ: والذي رآه عُمرُ كانت الخيَرَةُ فيه لجميع المسلمين، وقدَّمنا تمامه، وقد نَزَلَ القُرآنُ بَرَأْيِ عُمَرَ.
وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أينما دَارَ عُمرُ فالحق معه»، كذا في «العناية و «التبيين فالحق معَ عُمَرَ في تَركِهِ قِسْمةَ الأَرَضِينَ والعُلوج بالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماع الصحابة، وقد ارتضاه أبو يُوسُفَ ومَدَحَه بما عَلِمْتَه، فالقول به هو الحق، فلا يُعدل عنه إلى القَولِ بالتخيير؛ فإنَّ الدَّليل لا يُساعده، وهذا مما مَنَّ الله سبحانه على به؛ لينظر إليه أهل التحقيق، ولا يُقْدَمُ على التكلم في الأحكام بدُونِ نَظَرِ في الدليل، كما هو شَأْنُ ذَوِي التدقيق بالتوفيق.
وقد لخضتُ هذا مِنَ الرِّسالَةِ الأُولَى تَقريباً لمسافةِ الطَّريقِ، وذلك في ليلةِ العَشْرِ من المحرم، سنة أربع وستِّينَ وألفٍ، خُتِمَتْ بخير، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه والأئمة المجتهدين، ومُقلّديهم إلى يومِ الدِّينِ، واللهُ سُبحانَه هو الموفق المنَّانُ بما أراد، نسأله السِّتر للذُّرِّيَّةِ وجمالة الأحوال فيما بين الإخوانِ
والعباد، والرحمة لمشايخنا وإخواننا ووالدينا والمسلمين بفضله المستزاد.