الجزء 1 · صفحة 7
الدُّرَّة الفريدة بين الأعلام لتحقيق حكم ميراث مَن عُلِّقَ طلاقُها بما قبل الموت بشهر وأيام
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة
الحمد لله المُنعِمِ بما لا يُحصَى، المُفيضِ مِن خزائنِ جُودِهِ على مَن شَاءَ ما لا يُستَقْصَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن اختاره وأودَعَه أسراره، سيِّدِنا محمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلين، وعلى آله وأصحابه وحزبه والتابعين، والأئمةِ المُجتهدين، ومُقلّديهم بدَوامِ إنعامِ رب العالمين.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ الرَّاجي نيل المعالي، حَسَنُ الحنَفِيُّ الشَّرنبلالي، غفَرَ الله له ذُنُوبَه، وستر عُيُوبَه، ورحِمَ مشايخه وأُصوله وإخوانه، وبلَّغَه مطلوبه:
هذه تحريرات لمهم من الأحكام، لم أرَ مَن تَعَرَّضَ لحلَّها مِنَ الأَئِمَّةِ الأَعْلامِ، منَّ الله عليَّ بها حِفْظاً لمذهب الإمامِ الأعظمِ المُقَدَّمِ على كلِّ إِمَامٍ، وكنا نقرأُ تلك العبارات، ولا نعلم ما احتوَتْ عليه، مُقلّدينَ لِما سُطَّرَ بالأقلام، حتَّى أرادَ اللهُ تعالى فأيقظني من سِنَةِ الغَفْلَةِ في تلكَ الأَيَّامِ، سَمَّيتها:
«الدُّرَّة الفريدة بين الأعلام لتحقيق حُكم ميراثِ مَن عُلِّقَ طلاقُها بما قبل الموت بشهر وأيام»
الجزء 1 · صفحة 9
وبينتُ فيها الصَّحيحَ المسطور عن الإمام، ولتحقيق مسألة طلاقِ الفار، وكشفتُ عنها الإيهام الواقع في أجل كتُبِ المذهَبِ عن الأعلام، فكانَ تحقيق المسألة الثانية والمسألة الأولى، وردَّ الوَهُم بالفَرْضِ عَلَيْنا، لا بالأَوْلى، فيما إذا قالَ رَجُلٌ لزوجته: أنتِ طالق ثلاثاً قبل موتي بشهرٍ أو بشهرين مثلاً، كانَ وُقوعُ الطَّلاقِ مُقتصراً عندَ الصَّاحِبَينِ، وكانَ مُستنداً لأَوَّلِ المُدّةِ عند الإمامِ.
وأما العِدّةُ: فالصَّحيحُ أنَّ مبدأها وقتُ الموتِ عند الإمام، فترِثُ المرأة منه بالاتفاق، وإن اختلف التَّخريج.
وذكرتُ ما يُخالِفُ ذلك في بعض بل كثير من الكُتُبِ المشهورة، فانكشَفَ سِرُّها بظُهورِ المُرادِ ببركة صاحبِ الشَّريعة، وإمامِ المَذهب الذي قد ساد وشاد، وأوضحتُ المذهبَ الصَّحيحَ، وبيَّنتُ ما وقع في كتب كثيرةٍ تُخالفُ التَّرجيح، وكشفتُ القِناع بأحسنِ اتِّباع دونَ الابتداع، وحَلَلْتُ الوثاقَ، فظهر جمال تلك المُخدَّرة، فأضاءَتْ به الآفاق، وتلقَّتْها الأَكْفَاء بالرّغبة، وملأتُ من تملي محاسنها الأحداق، وانتبه المُرتبط برتبةِ التّقليد وقد حلَّ عنه عِقالَه العارِفونَ الحُذاق.
وقد بذلت الجهد فيها أكثر من ثلاثة أشهرٍ حَتَّى وصلت للمُرادِ بما لم تسمعه ممن تقدَّمَنا، فسطَّرْتُه وغَيَّرتُ عِدَّةٌ منَ النُّسَخِ؛ لظهورِ ما كَانَ مُراداً لرب العالمين الجواد.
وهذه عباراتُ تلكَ الكُتُبِ التي خالَفَتِ الصَّحيحَ، فمنها ما قاله في مجمع «البحرين» و «شرحه لابنِ المَلكِ: لو قال: أنتِ طالق قبل موتي بشهر، أو مَوتِكِ، فمات لتمامِ الشَّهرِ، فهو مُستند عند أبي حنيفة رحمه الله، ولا إرثَ، وألغَياه؛ أي: قالا: لا يقعُ، فلها الإرثُ، وهذا الخلافُ مبني على وقوعِه مُقتصراً عندهما، ومُستنداً عنده،
الجزء 1 · صفحة 10
والموتُ مُعرّفٌ للزَّمانِ فيقعُ الطَّلاقُ قبله، فعليها العِدّةُ بالحيض، فلا ترِثُ منه إنْ كانَ صحيحاً في ذلك الوقت، وعندهما كالشَّرطِ مُقتصراً، فيبل تعليق الطَّلاقِ به، كما لو قالَ: إِنْ مِتُّ، فأنتِ طالقٌ؛ أي: فلا يقعُ، وعليها عدة الوفاة، انتهى
ومنها ما قاله الكَمالُ ابنُ الهُمامِ المُحقِّقُ في شرحه «الهداية»؛ «فتح القدير»: ولو قال: أنتِ طالق قبلَ مَوتي أو مَوتِك بشهر، عندَهُما لا يقَعُ شيءٌ، وترِثُ. لا متناع وقوعه مقتصراً كما هو قولهما بعد الموت، وعنده يقعُ مُستَئِداً، حَتَّى إِذَا كَانَ صحيحاً في ذلك الوقتِ لا ترِثُ منه، وعليها العِدَّةُ ثلاثُ حِيض، وكذا في شرح نَظْمِ الكَنْزِ» لشيخ مشايخنا العلامة نورِ الدِّينِ عليَّ المَقدِسي رحمه الله تعالى. ومنها ما في «الدُّرَرِ والغُرَرِ»، وسنبينه.
ومنها ما في منظومة الإمام عُمَرَ النسفي، وشروحها.
ومنها ما قاله قره حصاري شارحُ منظومة النسفي رحمه الله تعالى عقيبَ قول الناظم:
أنتِ كذا قبلَ مَمَاتِ مَن ذُكِرْ بمُدَّةٍ مُستَنِدٌ لا مُقتَصِرْ فلَمْ ترث في قوله: أنتِ كذا قبل وفاتي بكذا إذا مضى فصوَّرَه الشَّارِحُ المذكورُ بمُطلَقِ الطَّلاقِ، حيثُ قال: فلم ترتِ المرأةُ من زَوجها
في قوله لها: أنتِ طالق قبل موتي بشهرٍ، وكذا تعليقه بمَوتِها إذا مضَى؛ أي: ماتَ، يُقالُ: مضَى لسبيله؛ أي: مات.
ويحتمل أن يكون معناه: إذا مضَتِ المُدّةُ التي شرَطَ اتصالها بالموتِ لوُقوع الطَّلاقِ، ثمَّ مات، وذكرُ الفعل بتأويلِ الوَقتِ.
الجزء 1 · صفحة 11
أقولُ: يحتمل أن يرجع ضمير «مضَى» إلى اسم الإشارة في قوله: «بكذا». ثمَّ قالَ الشَّارحُ: وصورة المسألة: قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قالَ الرَّجلُ لامرأته: أنتِ طالق قبل موتي أو قبل موتِكِ بشهرٍ، فماتَ بعدَ مُضِي الشَّهرِ يقَعُ عليها الطَّلاقُ مُستَئِداً إلى أوَّلِ الشَّهرِ، حتّى إذا كان صحيحاً في ذلك الوقت، لا ترِثُ منه، وعليها العدة بثلاث حيض، وقالا: لا يقع شيء، وترثُ منه، وعليها العِدة بأربعة أشهر وعَشْرِ، عِدة الوفاة، انتهى.
ومنها ما قاله الإمامُ النَّسفيُّ صاحِبُ الكَنْزِ» في «شرحه المنظومة» كما نذكره، وفي بعض شُروحِ المنظومة لم يتكلَّمْ على حُكم الميراث، والظَّاهِرُ أَنَّه لما فيه منَ الإشكال.
وأقولُ: مَنعُها الميراث غير صحيح بمُضِيّ شهرٍ، أُسئِدَ الوُقوع لأَوَّلِه عندَ الإمام مع تصويرهم المسألةَ بمُطلَقِ الطَّلاقِ أو البائن لما سنذكُرُ أنَّ الأصح عند الإمام عدم استنادِ العِدَّةِ، وعليه الفتوى، ونمنعُ صِحةَ استناد ما صوَّرَه هذا الشارح للنظم إلى الإمام الأعظم؛ لأنَّ الطلاق صريح مُعقب للرَّجعة؛ إذ موضوع المسألة أنه قد دخَلَ بها؛ لقولهم: وعليها العِدّة ثلاثُ حِيَضِ، أو هو أعم فيشمل المدخول بها، ولا يصح كما هو نص الكُتُبِ المُعتمدة، وقد ظهر أنَّ العبارة فيها
سقط مُخِل بالحكم، والسَّاقِط منها وَصْفُ الطَّلاق بالبائن، يُرشد إليه قولهم حتى لو كان صحيحاً في ذلك الوقت لا ترِثُ.
ثم أقولُ: ومع ذلك قد اشتبه بتعليق الزَّوحِ في صحتِه البائنَ بغيرِ مَوتِه كَمَجيء زيد، لما أنَّه إذا علّقه وهو صحيح حالَ التَّعليق بما قبل موته بكذا فإنَّه يكون فاراً كما سنذكره عن «التحرير شرح الجامع الكبير».
وأمَّا الرَّجعِيُّ المُعلَّق سواءٌ صَدَرَ من صحيح أو مريض، والبائنُ المُعلَّق من مريض فارّ، فالمرأةُ تِرِثُ في الصُّورِ الثَّلاثِ بمَوتِه في عِدَّتِها، والشَّهرُ لا تنقضي: العِدَّةُ على الإطلاق.
الجزء 1 · صفحة 12
وأما المعتدة من بائنِ صدرَ تعليقه حالَ الصَّحَّةِ بغير ما قبل موتِ الزَّوجِ؛ كقوله: إِنْ جاءَ زيد، ونحوه منَ الصُّوَرِ التي لا يكون بها فاراً، فلا ترِثُ بِمَوتِه في عِدَّتِها؛ لعدم فِرارِه. قال في شرح الجامع الكبير المُسمَّى بـ «التحرير»: وإن قال لها: أنتِ طالق ثلاثاً قبل موتي بشهر، ثم مات فجأةً بغير مرض، فلها الميراثُ؛ لأنَّه ذكر الموت فيما أوقع عليها منَ الطَّلاقِ، فيصيرُ فاراً، وإن أسندَ الوُقوعَ إلى حالِ الصَّحَّةِ إِذا ماتَ قبل انقضاءِ العِدَّةِ، انتهَتْ عبارةُ التَّحريرِ».
وأقولُ: إِنَّه يُريدُ انقضاءَ العِدَّةِ بثلاثِ حِيَض على ما سنذكره، وهو خِلافُ الصحيح الذي ذكره هو بعده، ومع ذلك فالمسطورُ في المَذهَبِ يُخالِفُ حُكمه بانقضاء عِدَّتِها بثلاثِ حِيَضِ معَ كونه فاراً؛ لأنَّ عِدَّةَ زوجة الفار أبعَدُ الأَجلَينِ منعِدَّةِ الطَّلاقِ والمَوتِ، فإذا انقضى لها ثلاث حيض قبلَ مُضِي أربعةِ أَشْهُرٍ وعشر تنتقل إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، ولو انقَضَتْ عِدَّةُ الوفاة ولم تحض فيها ثلاث حيضي، تنتقل إلى ثلاث حِبَضِ ليموتَ في عِدَّتِها، فترته.
وهذا مقرر في بابِ العِدَّةِ في كلِّ كُتُبِ المذهب، وهذا في البائنِ المُنجز في المرض، أو المُعلَّقِ قبله بما يصيرُ به فاراً.
أما المُعلّق بما قبل موته بكذا، فمبدأُ العِدَّةِ وَقتُ المَوتِ على الصحيح، كما سنذكره، فليتنبه لهذا.
الجزء 1 · صفحة 13
ولا يجعل تعليقه البائنَ بما قبل موته بمُدَّةٍ، وكان تعليقه في صحتِه مثل تعليقه بمجيء الزَّمانِ ونحوه في صحتِه؛ لافتراق الأمر بين المسألتين بالفرار في الأُولى دونَ الثانية؛ لما نقلناه عن «التحرير»، وهذه فائدة كانت خافيةً على كثيرين. وقد أرادَ اللهُ سُبحانَه إظهارها بفَضلِه تقييداً لما أُطلق، ولما تقدَّم لنا من كلام أولئك المشايخ، وقد أُغفل بالتصوير بما لو علق طلاقها بما قبل موته بكذا، وحكمهم بعدم إرثها بمضي شهرين فيهما ثلاثُ حِيض، أو بإمكان مُضيها بشهرٍ لم يذكُرُوا فيه
وجة منعها عن الميراث، فلا يسعُ المُحققين إطلاق ذلك المُخالفِ لما ذكَرُوه. ومنها «الحقائق» بمشيها على غير الصحيح، ولا يكفي لدفع الاعتراض ما صوره بالبائن في الحقائق شرح المنظومة» الإمامُ الأجَلُ محمودُ بنُ محمدِ اللؤلؤي البخاري بقوله: قال لها: أنت طالق ثلاثاً قبل موتي بشهرٍ إن مات لتمامِ الشَّهرِ، فعنده - أي: الإمام - يقعُ الطَّلاقُ من أوَّلِ الشَّهرِ، حتَّى إذا كان صحيحاً في ذلك الوقت، فلا ميراث لها منه، وعليها العِدَّةُ بثلاثِ حِيض عندَه، وعندهما لا تطلق؛ لأنَّه لو وقع الطلاق يقع بعد موته؛ أي: وهو لا يكون، وترتُ منه.
وكذلك في قوله: أنت طالق ثلاثاً قبل موتك بشهرٍ لا يقعُ عندهما؛ لما مر، وعنده يقعُ من أوَّلِ الشَّهرِ، ولا ميراث له منها، وإنْ كانَ خالعَها في الشَّهِرِ يَرُدُّ البَدَلَ، أو وطئها، فعليه مهر آخَرُ لها للجماع بعدَ الطَّلقاتِ الثَّلاثِ، من «المبسوط، انتهى كلام «الحقائق».
الجزء 1 · صفحة 14
وهو وإنْ كانَ على غير الصحيح، وهو إثباتُ الخلافِ في إرثها يدفع ما نسبه ذلك الشارحُ السَّابِقُ للإمام الأعظم من إطلاقِ الطَّلاقِ عن قيد البائنِ، فَإِنَّه غيرُ مُسلَّم، لكنْ يحتاجُ كلامُ «الحقائق» لإتمامه بما في «التحرير»، وليعلم الماهِرُ الأفهَمُ أنه يصح أن يكون المراد بالإشارةِ في قَولِ النَّاظم: أنتِ كذا»: أنتِ بائن قبل مماتِ من ذُكِرَ، والقول حاصِل في صِحَّةِ الزَّوجِ إنْ أُريد بقوله: «إذا مضى» معنى مات، ويصح أيضاً أن يُراد بقوله: أنتِ كذا» ما هو أعم من البائنِ، فيسْمَلُ الرَّجعي، ويُرادُ بقوله: «قبل وفاتي بكذا إذا مضى معنى الأجل المضروب لوُجودِ الشَّرطِ، ولانقضاء العِدَّةِ، فيشمل تعليقه البائن بما قبل موته بكذا، وينقضي أبعد الأجلين، فلا ترِثُ بِمَوتِه بعده، ولكنه على غير الصحيح؛ لأنَّ الصَّحيحَ أَنَّها ترِثُ لعدم استنادِ العِدَّةِ بانقصارِها على وقت الموت.
فليتنبه، وليعلم النَّبيه أنَّ منعها من الميراث بتعليق البائنِ أو الثَّلاثِ بما قبل موته بكذا في شرح المنظومة وغيرها مبني على غير الصحيح؛ فإنَّ الصَّحيحَ عند الإمام عدم استنادِ العِدَّةِ، فليس استنادُ الطَّلاقِ مُستلزماً لاستنادِ العِدَّةِ لوقتِ وُقوعِه كما سنذكره.
وليُعلمُ قُوَّةُ الاعتراض على ظاهرِ إطلاقِ الطَّلاقِ عن قيد البائنِ، وليُعلم أيضاً وروده على البائنِ المُعلَّقِ بما قبل موته بشهر ونحوه، فلا يصح الحكم بمنعها من الميراث عند الإمام الأعظم على ما هو ظاهِرُ مجمع البحرين و «شرحه»، ومن وافقه أنَّه بتمامِ الشَّهرِ إذا أعقبه الموتُ لا ترثُ؛ لوُقوعِ الطَّلاقِ مُستَئِداً؛ لأنَّها تكونُ معتَدَّةً عن رجعي، وبمُضِي الشَّهِرِ من عِدَّتها لا تُمْنَعُ به عن الميراث.
الجزء 1 · صفحة 15
وكذا لا يصح إطلاق قوله: فلا ترِثُ إنْ كانَ صحيحاً في ذلك الوقتِ»؛ لأنه إن أراد به وقت الموتِ لا يكون الحكمُ صَحِيحاً؛ فَإِنَّ المُعلَّقَ صريح، وبمَوتِ الزَّوجِ في عدتها ترث، وإن أراد به وقتَ التَّعليق لذلك لا يصح الحكم؛ لأنَّه بِمَوتِه يقعُ رجعياً لإطلاقِ الطَّلاقِ عن قيد البائن، فترِثُ بِمَوتِه في عدَّتِها من رجعي.
وكذا لا يصح لو كان بائناً؛ لأنَّه بمُقدِّماتِ الموتِ يكون فاراً على ما ذكره في «التحرير»، فبهذا ظهَرَ الخلل في تلك العبارات، فينحل الكلامُ مُلَخَّصاً. إِلَّا أَنَّ الشَّخصَ المُعلَّقَ إمَّا أن يكون مريضاً أو صحيحاً، وإما أن يكونَ الطَّلاقُ المُعلَّق بغير ما قبل موته بكذا بائِناً أو رجعِيَّاً؛ كقوله: إِنْ قَدِمَ زِيدٌ فأنتِ كذا، وإِمَّا أن يموت في العدة أو بعدها، فإن مات بعدها لا ترِثُ مُطلَقاً، وإن مات فيها ترِثُ المُعتدة عن رجعي أو بائن صَدَرَ من فار، ولا ترِثُ المُعتدة عن بائنِ صَدَرَ من غير مريض وقد علقه بنحو قدوم زيد.
وأما البائنُ المُضافُ إلى ما قبلَ مَوتِه بنحو شهرين؛ فإنَّه يكونُ فاراً به، وإن استند وقوعه لحالِ الصَّحَّةِ، وهو ابتداءُ الشَّهرين مثلاً، وقُلنا باستِنادِ العِدَّةِ على غيرِ الصحيح تعتد بأبعدِ الأجلَينِ، فلها الميراثُ لبقاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنَّها لا تنقضي بشهرَينِ، مَعَ أنه على غيرِ الصَّحيح، أما على الأصح، فميراتُها ثابت إجماعاً؛ لاقتصارِ العِدَّةِ على وقتِ المَوتِ عند الإمام، وبعدم وقوع الطَّلاقِ عندَهما، وتُزادُ هذه الصُّورةُ التي. علق فيها طلاقها البائنَ بما قبل موته بكذا على الصُّورِ المذكورة في «الكنز» وغيره في باب طلاق الفار، فليتنبه لها.
الجزء 1 · صفحة 16
وليتنبه أيضاً لما أشار إليه التَّقييدُ بمَوتِه مُطلَقاً من أنَّه لو قيَّدَه بِمَوتِه من مرض كذا، أو بقتله، فقال لامرأته: أنتِ طالق قبل أن أقتَلَ، أو أموتَ من مرض كذا الشهر، فمات ممَّا قال، أو من غيره بعد شهرٍ، لم تطلق؛ لأنَّ ما عُرِفَ الوقتُ به ليس بكائن، فصار بمعنى الشَّرط؛ كالقُدوم، فلو وقع لوقع بعده، فلا يقعُ كما في «التَّحريرِ شرحِ الجامع الكبير».
وقد استنتجته من عبارته؛ إذ لم يُقيّد به السابق، بل أفاده حكماً مستأنفاً
هذا ما يتعلق بتصحيح تلك العباراتِ اللازم لحفظ قولِ الإمامِ عمَّا يُنسَبُ إليه من غير تحقيق، فلله الحمد على نِعَمِه وعلى هذا التوفيق.
ومنها «الدَّرَرُ» باقتصارها على غيرِ الصَّحيح، وقد أوردت تنظيراً أيضاً على ما في الدُّرَرِ والغُرَرِ» حيثُ قال ما نصه: قالَ: أنتِ طالق قبل موتي بشهرين أو أكثر، ومات قبلَ مُضي شهرين، لم تطلق؛ لانتفاء الشَّرطِ، وإنْ ماتَ بعدَه، طلقت لوُجودِ
الشَّرطِ، ولا ميراث لها؛ لأنَّ العِدة قد تنقضي بشهرين بثلاثِ حِيض، كذا في التحرير شرح الجامع الكبير»، انتهى.
وكنتُ نقَلتُ في حاشيةِ الدُّرَرِ» بعده عبارةَ المُحقِّقِ الكمال ابن الهمام السابقة، وقُلتُ: في منعِها الإرثَ نظر، ثمَّ مضى عليه ما يقرب من ثلاثين سنةً، ولم أذكر وجهَ النَّظَرِ حَتَّى أراد الله تعالى إيقاظنا من تلك السنة.
فقُلتُ: ظهَرَ لي فيه نظر من أربعة أوجه، ثلاثة منها على صاحبِ الدُّرَرِ»،
والرابع على شرح الجامع.
الجزء 1 · صفحة 17
وأما ما يتعلَّق بكلامِ المُحقِّقِ ابنِ الهُمام، فتقدَّمَ، وسنذكر تمامه إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى. أما الأوَّلُ من الذي على صاحِبِ الدُّرَرِ»: فإنَّ المسألة مفروضةٌ في البائنِ بالثلاث؛ ليكون به فاراً، ولبيان المُدَّةِ التي تنقضي بها العِدَّةُ مع ذلك الطَّلَاقِ البائن لا في مُطلَقِ الطَّلاقِ لمَساقِ الكلام في «التحرير»، فإنَّه قال في «التحرير»: ولو قال: أنت طالق ثلاثاً قبل موتي بشهر ونصف، أو بأقل من شهرين، فمات بعد مضي ذلك الوقت، وقعَ الطَّلاقُ عند أبي حنيفة قبل موته كما قال، ولها الميراث، وعندهما لا تطلق. والمعنى ما ذكرنا، لكنَّ عدتَها لا تنقضي بما دونَ الشَّهرين؛ يعني: بمُضِي ثلاث حيض على قول الإمام بالاستناد، فكان لها الميراثُ، ويصيرُ الزَّوجُ فَاراً؛ لأنَّ الطلاق يعني: الثلاث المذكور - لا يقع ما لم يُشرِفْ على المَوتِ، ويتعلق حقها بماله، وإن قال: قبل موتي بشهرين أو أكثر، ثم مات قبلَ مُضِي شهرين لا يقعُ، وإنْ ماتَ بعد ذلك
الجزء 1 · صفحة 18
طلقت، ولا ميراث لها؛ لأنَّ العِدَّةَ قد تنقضي في شهرين بثلاث حيض، انتهت عبارة التحرير شرح الجامع الكبير». فقوله في «التحرير»: وإِنْ قالَ: قبل موتي بشهرين؛ أي: إِنْ قالَ: أَنتِ طالقٌ ثلاثاً قبل موتي بشهرين، وحذَفَ من مقولِ القَولِ طالق ثلاثاً»؛ اختصاراً؛ لأنَّ هذا أحدُ قِسمي تعليق الطَّلاقِ الثَّلاثِ بما قبلَ مَوتِه بمُدَّةٍ معَ بيانِ المُدَّةِ التي يُمكِنُ فيها انقضاءُ العِدَّةِ بثلاثِ حِيَض على ما ذكرناه، فإطلاق صاحبِ الدُّرَرِ» الطلاق وَصْفِ البائنِ بالثَّلاثِ تُصرُّفٌ منه في العبارة بما لا يُناسِبُ ما في شرح الجامع؛ لافتراق الحُكمِ بالفِرارِ وعَدَمِه، واختلافِ مُدَّةِ العِدَّةِ في الرجعي والبائن من الفار؛ فإِنَّ القسم الأوَّلَ لبيانِ المُدَّةِ التي لا يُمكنُ فيها ثلاثُ حِيَضِ، والثاني لبيانِ المُدَّةِ التي يمكن فيها ثلاث حيض، وفي كل منهما الطَّلاقُ مُقيَّدٌ بِالثَّلاثِ، فَكانَ على صاحبِ الدُّرَرِ» رحمه الله أن يُقيِّدَ الطَّلاق بالثلاث تبعاً لأصله.
الجزء 1 · صفحة 19
والثاني: أنَّ صاحبَ الدُّرَرِ» أدرج في كلامه زيادة لفظ «الشَّرطِ»، وليس ذلك في «التحرير»، والوقوع بطريق الاستناد، وفرَّقَ بينَ الشَّرطِ والاستنادِ، فَإِنَّ الشَّرط ما كان على خَطَرِ الوُجودِ، كقوله: أنتِ طالق قبل قدومٍ زِيدٍ بشهرٍ، وجائز أَنْ لا يقدَمَ، وصفة القبليَّةِ للشَّهرِ لا تثبتُ إلا بالاتصال بالقدوم؛ لأَنَّه لا يُعلم قبلَ وُجودِهِ، فصار الاتصال به شرطاً ضرورةً، فيتأخَّرُ عنه الوقوع، والمَوتُ كائن لا محالة، فكانَ مُعرفاً للوقتِ المُضاف إليه الطَّلاق؛ لأنه أضاف الطلاق إلى وقت، وعرَّفه بمعنى لم يتعلق به، وهو الموتُ، فكانَ مُعرفاً، فيقع الجزاء به بطريق الظهورِ مُستَيْداً. ومن شرط الاستِنادِ بقاء المحلية حالَ ثُبوتِ الحكم، وعدم الانقطاع من وقتِ ثبوتِ الحكم إلى الوقت الذي استند إليه، كما في نصابِ الزَّكَاةِ، وصفةُ القَبلِيَّةِ للشَّهِرِ في قوله: أنت طالق ثلاثاً قبل موتي بشهر مثلاً، تثبتُ صفةُ القبلية له قبيل المَوتِ بظهور آثارِه؛ لأنَّ الموتَ يُعلَمُ قبل تحققه بآثاره، فصارَ المُعرِّفُ لكونه شهراً قبل الموت تلك الآثار لا الموتُ، فلا يكون له حُكمُ الشَّرطِ، ولهذا لا ينفعُ إيمانُ اليائس للعلم به قبله.
قلتُ: بخِلافِ توبة اليائس؛ فإنَّها تُقبل كما في الدُّرَرِ والغُرَرِ»، انتهى. فصار الموتُ في الابتداءِ مُبيِّناً للشَّهر، وفي الانتهاء شرطاً؛ لأنَّه توقف وجوده عليه، فدار الأمر بينَ النَّبيين والتَّعليق، فأثبتنا حُكماً بينهما، وقلنا: يقع في الحال ويستند إلى أوَّلِ الشَّهرِ عملاً بهما، قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ: هذا هو الصحيح، كذا في «التحرير».
وقد يُعتَذَرُ عن صاحبِ الدُّرَرِ» بأنَّه سمّاه شرطاً؛ لأنه شرط في الجملة، كما يُشير إليه كلام «التحرير».
الجزء 1 · صفحة 20
وأما النظرُ الثَّالثُ الذي على صاحِبُ الدُّرَرِ»: فإِنَّه لم ينظُرْ إِلى ما ذُكِرَ خلافَ هذا في «التحرير» بعد هذا بنحو ورقتين، وهو أنَّ الصَّحيحَ اقتصارُ العِدَّةِ على وَقتِ الموت، فكان كلامه الذي قبله، واقتصر على نقله في الدُّرِّرِ» غير الصحيح. وأمَّا النَّظرُ الرَّابع: فعلى عبارة شرح الجامع الكبير» التي نقلها في «الدرر» وذلك أنه حكم بأنَّ الرَّجُلَ صارَ فاراً؛ لأنَّ الطَّلاق لا يقعُ ما لم يُشرف على الموتِ، ويتعلق حقها بماله، وقد حكَمَ في «التحرير» بميراثها فيما لو قال لها: أنتِ طالق ثلاثاً قبل موتي بشهر ونصف، ومات بعد ذلك ورثَتْ؛ لأنه صار فاراً، فلولا الفِرارُ ما ورثَتْ في عِدَّةِ الطَّلاقِ البائنِ والشَّيءُ إذا ثبَتَ يثبتُ بجميع لوازمه، ولم يُعارِضه مانع، ولازم الفرار عِدَّتُها بأبعدِ الأجلين؛ لأنَّ المَسطور في جميع كتُبِ المذهبِ أَنَّ زوجة الفار
الجزء 1 · صفحة 21
تعتد بأبعد الأجلين عند الإمام، فما وجه اقتصاره على أن جعَلَ عِدَّتَها ثلاثَ حِيض؟ وقد ذُكر مثل ذلك في مختصر «الأصل» لأبي سليمان، فيرد عليه ما يرد على «التحرير»، ل، لكنَّه قال:، في مختصر «الأصل» بعد هذا في باب طلاق المريض: وكلُّ مطلقة في المرض ورثناها فعليها عدة الوفاة، وأن تستكمل فيها ثلاث حيض من يوم طلقها عندَ الحَبْرينِ، وقال يعقوب: ليسَ عليها إِلَّا الحيضُ دونَ عِدَّةِ الوَفَاةِ؛ لأنَّ الطلاق بائن، وإنَّما ورثَتْ بالفرار، وهي في هذا كزوجةِ المُرتد، انتهى. فإن قلت: إنَّ هذا في البائنِ المُنجز؛ لأنَّ أبا يوسف لا يرى وُقوعَ المُضاف إلى ما قبل الموت. قلتُ: الكلية تشتمل على قول الإمام، فلا يضُرُّ مخالفة أبي يوسف فيها، ومع هذا لم تعلم وجهَ جَعْلِ عِدَّتِها ثلاثَ حِيَضِ في شهرين مع الحكم بالفرار، لكن استغنينا عن تحصيل وجهه والنظر إليه بكونه ضعيفاً؛ فإنَّ الصَّحيحَ عن الإمامِ خلافه، وهو عدم استنادِ العِدَّةِ لوقتِ استِنادِ الطَّلاقِ، كما ذكره بعده بنحو ورقتين في «التحرير»، وسنذكر مثله عن متنِ الصَّدرِ سُليمان، وشرح مثنه، فليتنبه له، وسنذكر وجه عدمِ استِنادِ العِدَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
وقد ظهَرَ لنا بهذا التصحيح أنَّ لنا امرأة فار مبدأُ عِدَّتِها من وقتِ مَوتِه على الصحيح، وهي التي أُضيف طلاقها لما قبل موته بكذا، يستند طلاقها لمبدأ العِدَّةِ، ويقتصر مبدأُ العِدَّةِ على وقتِ مَوتِهِ عندَ الإمام على الصحيح.
الجزء 1 · صفحة 22
وأما عندَهُما فلا يقع الطلاق، قال الفَخرُ المارديني شارح متنِ الصَّدرِ سليمان» رحمهما الله ويرد على قول أبي يوسف ومحمد وقد حكما بوقوعِ العِتْقِ مُقتَصِراً على مَوتِ المَولى الذي قال لعبده: أنتَ حرّ قبل موتي بشهرٍ، دونَ وُقوعِ الطَّلاقِ لمثله، وهو مسألة الطلاق، وهي ما إذا قال لزوجته: أنتِ طالق قبل موتي بشَهرٍ، فإنَّه لا يصح عندهما، فقد أبطلا الإيجاب فيها، وصححاه في العِتْقِ.
والفَرْقُ بينهما أنَّ الطَّلاق والعِناقَ يقعان مقصورين على الموت، وملك النكاح يزول بالموتِ، فكانَ إضافةُ الطَّلاقِ إلى حالِ زوالِ ملكِ النِّكَاحِ، فلا يصح، أمَّا ملك الرقبة، فإنَّه لا يزول بالموت إذا كانَ مُحتاجاً إليه، ولهذا يقضي منه ديونه، وتنفُذُ وصاياه، ألا ترى أنه لو قال أنتَ حُرِّ بعد موتي يصِحُ؟ فلم يكُن إضافَةُ العِيقِ إلى وقتِ زوالِ ملك اليمين، فافترقا.
وأما على قول الإمام رحمه الله فالعِتْقُ مُستَنِدٌ كالطَّلاقِ، فإذا كاتبه بعد قوله له: أنتَ حُر قبل موتي بشهرٍ، ثمَّ أَدَّى بعض البدل فمات المولى لتمام الشهر، بطلت الكتابة عند أبي حنيفة بناءً على وقوع العِتْقِ مُستَئِداً كالطَّلاقِ، ولم يعتق بالكتابة، فصادَفَ العِقُ الأول محلاً، فثبت، ثم استند إلى أَوَّلِ الشَّهرِ، فظهر بذلك أن الكتابة وردَتْ على الحُرِّ، فتبطل لذلك، ويسترِدُّ المُكاتب من تركة المولى ما أخذه منه من البدل.
وعندَهُما لا تبطل الكتابة لوقوع العِيقِ مُقتَصِراً على مَوتِ المولى، ويُسلَّمُ له ما أخذه من البدلِ كعِتقِ مُكاتَبٍ أَدَّى بعض البدل، ولو أَدَّى كلَّ البَدَلِ ثمَّ مَاتَ المَولى
الجزء 1 · صفحة 23
لتمامِ الشَّهرِ، فَذَتِ الكِتابَةُ بالإجماع، انتهى كلامُ الفَخْرِ المارديني رحمه الله. فيهذا كانَ إرتُها مُتَّفقاً عليه مع اختِلافِ التَّخريج، أَمَّا عند الإمام؛ فَلِكَونها مُعتدَّةً من فار، وأمَّا عندهما؛ فلبقاء نكاحها عند موته؛ لعَدَمِ وُقوعِ الطَّلاقِ مُستَئِداً، بل مُقتَصِراً، فيلغُو.
تنبيه مهم لتحقيق مسألةِ الطَّلاقِ الرَّجعي الحاصل لردّ ما لا يسعُ الفقيه فَهُمُه مُقلّداً لقائله، وقد علَّمنيهِ اللهُ سُبحانَ
وإنَّه مُناسب للمقام، يجب على كلِّ حنفي علمه. قال في الدُّرَرِ والغُرَرِ» ما نصه: عِدَّةُ امرأة الفار للبائنِ ابعد الاجلين من عِدة الطَّلاقِ وعِدَّةِ الوفاة، فإن انقَضَتْ عِدَّةُ الطَّلاقِ وهي ثلاث حيض مثلاً ولم تنقض عِدَّةُ المَوتِ، فلا بد أن تتربَّص انقضاءَ عِدَّةِ الموتِ، وإن انقَضَتْ عِدَّةُ الموتِ دونَ عِدَّةِ الطَّلاقِ، تتربَّصُ عدَّةَ الطَّلاقِ، وللرَّجعِي ما للمَوتِ، انتَهَتْ عبارته. فقُلتُ: أَمَّا كَونُها تعتد بأبعد الأجلين في البائن، فهو نص في كتب المذهب رجاء أن يموت في عِدَّتِها، فترِثَ لفراره، ومنها «الكنز» وشروحه، و «الفتاوى الصغرى.
وأما قوله في الدُّرَرِ»: وللرَّجعي ما للمَوتِ؛ فليس صحيحاً، وقد وقع مثله في متنِ المُختار» وشرحه الاختيار قالَ: عِدَّةُ امرأةِ الفارُ أبعد الأجلين في البائنِ، وعدة الوفاة في الرجعي، انتهى وفي إيضاح الإصلاح لابن كمال باشا رحمه الله: ولا مرأةِ الفار للبائن أبعد الأجلين من عدة الوفاة وعِدَّةِ الفرقة، وقال أبو يوسف: تعتد عدة الفرقة، وهو القياسُ، وللرجعي ما للمَوتِ. انتهى.
تنبيه مهم لتحقيق مسألةِ الطَّلاقِ الرَّجعي الحاصل في المَرَضِ، وعَدْنا ببيانه الرد ما لا يسع الفقية فَهمُه مُقلّداً لقائله، وقد علَّمنيهِ اللهُ سُبحانَه بفضلِهِ، فَاتَّضَحَ حُكمُه، وإنه مناسب للمقام، يجب على كل حنفي علمه.
الجزء 1 · صفحة 24
قال في الدُّرَرِ والغُرَرِ» ما نصه: عِدَّةُ امرأة الفار للبائن أبعد الأجلين من عِدَّةِ الطَّلاقِ وعِدَّةِ الوَفاةِ، فإن انقَضَتْ عِدَّةُ الطَّلاقِ وهي ثلاثُ حِيض مثلاً ولم تنقض عِدَّةُ المَوتِ، فلا بُدَّ أن تتربَّص انقضاءَ عِدَّةِ الموتِ، وإن انقَضَتْ عِدَّةُ الموتِ دونَ عِدَّةِ الطَّلاقِ، تتربَّصُ عدَّةَ الطَّلاقِ، وللرَّجعِي ما للمَوتِ، انتهت عبارته. فقُلتُ: أَمَّا كَونُها تعتَدُّ بأبعدِ الأجلين في البائن، فهو نص في كتب المذهب رجاء أن يموت في عِدَّتِها، فترِثَ الفِرارِه، ومنها «الكنز» وشروحه، و «الفَتاوَى الصغرى».
وأما قوله في الدُّرَرِ»: وللرَّجعي ما للمَوتِ؛ فليس صحيحاً، وقد وقع مثله في متنِ المُختار» وشرحه الاختيار» قالَ: عِدَّةُ امرأةِ الفار أبعد الأجلين في البائن، وعدة الوفاة في الرجعي، انتهى.
وفي إيضاح الإصلاح لابن كمال باشا رحمه الله: ولا مرأةِ الفار للبائن أبعد الأجلين من عِدة الوفاة وعدة الفرقة، وقال أبو يوسف: تعتد عدة الفرقة، وهو القياسُ، وللرجعي ما للمَوتِ. انتهى.
وكذا قال صَدرُ الشَّريعةِ، وفي شرح المجمع» لابنِ المَلَكِ: إِنَّما قيَّدَ؛ أي: الماتِنُ بالبينونة؛ لأنَّه [إذا كانَ رَجعيّاً فعليها عِدَّةُ الوَفاةِ اتّفاقاً.
وفي كافي النَّسَفي»: عِدَّةُ امرأةِ الفار أبعَدُ الأجلين، وقال أبو يوسف ثلاث حِيض، وهذا إذا كانَ الطَّلاقُ بائناً أو ثلاثاً، أمَّا] إذا كان رجعيّاً، فعليها عِدَّةُ الوَفاةِ إجماعاً، انتهى. وسنذكر ما يرد عليهم.
الجزء 1 · صفحة 25
وقال في «الهداية»: وإذا وَرِثَتِ المُطلَّقَةُ في المَرَضِ، قلت: يعني بأن مات زَوجها وهي في العِدَّةِ فَوَرِثَت لفِرارِه فعِدَّتُها أبعَدُ الأجلَينِ؛ أي: عليها حال حياته أبعَدُ الأجلين لترِثَ بمَوتِه فيها، وإتمامُ عِدَّتِها بعدَ مَوتِه بأبعدِ الأَجلَينِ، فإذا بقي من حيضاتِها الثَّلاثِ شيء تُتِمُّه ولو طال بها الزَّمنُ، وإنِ انقَضَتْ حيضاتُها ولم تمض عِدَّةُ الوَفاةِ تُتِمُّها عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: ليسَ عليها غيرُ الثَّلاثِ حِيَضِ؛ لكَونِ الطَّلَاقِ بائناً. أمَّا إذا كانَ رَجعياً - يعني: وماتَ في عِدَّتِها - فعليها عِدَّةُ الوَفاةِ؛ للانتقال إليها بِمَوتِ الزَّوجِ بالإجماع؛ لبقاءِ النِّكَاحِ بالرَّجعي إلى الموتِ، هذا حَلٌّ كلامِ «الهدايةِ» وإيضاحه.
وقال الكمال في «شرحه»: أمَّا إذا طلَّقَها رَجعِيَّا، فَعِدَّتُها عِدَّةُ الوَفَاةِ ... إلى آخره.
الجزء 1 · صفحة 26
أقول: يعني طلقها رجعِيَّاً، فمات وهي في العِدَّةِ، فَعِدَّتُها بعدَ مَوتِهِ عِدَّةُ الوَفَاةِ للانتقال إليها، فتفريعه على مُقدَّرٍ، على حد قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمُرْعَى فَجَعَلَهُ ناة أخرى [الأعلى: - إذ لا يصح أن يكون قوله: «فَعِدَّتُها عِدَّةُ الوَفَاةِ» فرعاً لقوله: طلقها؛ لأنَّ المُطلَّقَةَ عِدَّتُها بالحِيض، أو ما يقوم مقامها بنص الكتاب والإجماع، ولأنه لو كان مُفرَّعاً على قوله: «طلقها»، لم يصح قوله بعده: «فإنَّها تنتقل عِدَّتُها إلى عِدَّةِ الوفاة؛ لأنَّ المُنتقل عنه غيرُ المُنتقل إليه، وقد قالَ: إِذا طَلَّقَهَا، فَعِدَّتُها عِدَّةُ الوَفَاةِ بأي انتقال. ويُوَضِّحُ هذا الحمل قوله عقبه: سواء طلَّقَها في مرضه أو في صحته»؛ إذ لا يصح أن تكونَ عِدَّتُها عِدَّةَ الوَفاةِ، وقد طلقها في مرضه أو صحتِه بل عِدَّةِ الطَّلاقِ؛ لقوله: فإذا اعتدت ودخلَتْ في عِدَّةِ الطَّلاقِ ثمَّ ماتَ الزَّوجُ فَإِنَّها تنتقل إلى عِدَّةِ الوَفَاةِ وترتُ، بخلاف ما إذا طلقها بائناً في صحتِه، ثمَّ مات، لا تنتقل ولا ترِثُ بالاتفاق، وهذا قد مَنَّ الله عليَّ به من فضله الفتّاح، فاتَّضَحَ مَنهَجُ «الهداية» بفتح القدير فالقِ
الإصباح. وأما تلك العبارة؛ وهي قولهم: «وللرَّجعِي ما للموت، فيلزم بها أمور محظورة، وذلك أنه لو مضى لها أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تحض فيها ثلاث حِيضِ تُمنَع من الميراث على ما قالوه لانقضاءِ عِدة الوفاة لها، وليس صواباً، فإن ذات الحيض عِدَّتُها بها ولو طال الزَّمَنُ، فترِثُ بِمَوتِه قبلَ مُضي ثلاثِ حِيضِ؛ لأنَّ الطَّلاق رجعي.
والثاني من المحظورات أنَّها لو حاضَتْ ثلاثَ حِيض فيما دونَ أربعة أشهرٍ وعشرة حكموا لها بالإرث لبقاءِ عِدَّةِ الوَفاةِ، وقد صارَتْ أجنبيَّةً بِمُضيَّ عِدَّتِها بالحيض، فلا ترثُ، على أنَّه لا يصح أن يُسمَّى فَاراً.
الجزء 1 · صفحة 27
والثالث ممَّا يلزم من المحظورات أنَّها لو تزوَّجَتْ بعدَ مُضِي أربعةِ أَشْهُرٍ وعشر ولم تحض فيها يصح نكاحها على جَعْلِهِم عِدَّتَها عِدَّةَ الوَفاةِ، وليس بصحيح، وهذا أشد خطراً.
والرابع منها أنها لو حاضَتْ ثلاثَ حِيض وتزوَّجَت مَنَعتُمُوها وفَرَّقْتُم بينها وبين زوجها؛ لعدم تمامِ عِدَّةِ الوفاة، وهذا باطل بالنَّص، وهو قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُروو} [البقرة:]، وقد نصوا جميعاً على هذا في مبدأ بابِ العِدَّةِ. فبطلت تلك العباراتُ المُخالفة، وإنَّها لم تصدر عن صاحبِ المَذهَبِ ولا
أصحابه، والذي صدَرَتْ عنه ابتداءً أرادَ غير ظاهِرِها، وهو: أنه أراد الانتقال عن عِدَّةِ الطَّلاقِ الرَّجعي لعِدَّةِ الوفاة بمَوتِ الزَّوجِ فيها، ولكن مع ذلك فليس الكلام في الانتقال؛ لأنه بعد المَوتِ، وكلامنا في عِدَّتِها حال حياته لتَرِثَ بِمَوتِه فيها كأبعد الأجلين للمبانة من فارٌ لتَرِثَ بِمَوتِه فيها، ولا يُفيدُ ما أراده من الانتقال تلك العباراتِ،
وقد أردتُ بهذا إيضاح بطلانها لتُجتَنَبَ، فإنَّها وقعَتْ في أجل كتُبِ المَذهَبِ. وأما انتقال المُعتدّةِ، فهي في صورٍ عِدَّةِ - رَجَعَ لِما نحن بصدده: قد علمنا أنَّ وقوع الطلاقِ الثَّلاثِ في مسألة إضافته إلى ما قبل الموتِ بشهرين لا يكون إلا بطريق الاستناد، وهو خاص بقولِ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فإن يكن صاحبُ «التحرير» في كلامه هنا الذي هو خلافُ الصَّحيح الذي ذكره بعده ماشياً على قول الإمام، فلا يُحكم بمنعها عن الميراث بإمكانِ مُضي ثلاثِ حِيض، بل ولا بحقيقة مُضيّها؛ لأنَّ عِدَّتَها أبعد الأجلين للفِرارِ، مَعَ أَنَّه على القَولِ الضَّعيف القائل باستِنادِ العِدَّةِ كاستِنادِ
الجزء 1 · صفحة 28
الطلاق لأوَّلِ المُدَّةِ، فيبقى منها شهران وعشرة أيام لإتمام أبعدِ الأجلين على قولِ الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله، وإنْ كانَ يُريدُ مذهب أبي يوسف في أصل عِدَّةِ الفار، وهي ثلاث حيض عندَه فأبو يوسف لا يرى وقوع هذا الطلاق؛ لأنَّه لا يقول بالاستناد، ويقولُ بالاقتصار، فيلغُو الطَّلاقُ، وعليها عِدَّةُ الوفاة، فترِثُ منه. ومحمد رحمه الله وافَقَ أبا يوسف على الاقتصارِ، فلا يقعُ الطَّلاقُ المُضافُ عنده كما عند أبي يوسف، وإنْ كانَ محمَّدٌ يُوافِقُ الإمام في تقديرِ عِدَّةِ الفار بأبعَدِ الأجلين، لكنَّه في غير هذه الصورة كتنجيز المريض طلاقاً بائناً.
أما هذا فغيرُ فار عند محمَّدٍ؛ لعدَمِ وُقوعِ الطَّلاقِ الذي أضافه لما قبل موته بكذا، كما قال أبو يوسف باقتصاره على وقتِ الموتِ فيلغُو، فبهذا يتلخص الاتفاق على ميراثها من الميت، وإن اختلف التخريج، فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقولُ باستِنادِ الطلاق لأوَّلِ المُدَّةِ والعِدَّةُ إمَّا أن تكونَ كذلك مُستندةً لأَوَّلِ المُدَّةِ على رواية، أو مقتصرة على وقتِ الموتِ على الأصح، فعلى رواية استنادِ العِدَّةِ تكونُ عِدَّتُها لفِرارِه أبعد الأجلين، ولم ينتقض لبقاء شهرين وعشرةِ أَيَّامٍ من عِدَّةِ الوفاة، ولا يُعتبرُ وُجود ثلاث حيض في شهرين حقيقةً فَضْلاً عن إمكانِ حصولها، فتَرِثُ لمَوتِه في عِدَّتِها مَعَ أن هذا على المرجوح، وهو القَولُ باستِنادِ العِدَّةِ.
وأما على الصحيح عند الإمام، وهو عدَمُ استِنادِ العِدَّةِ، فترتُ أيضاً؛ لأنَّ ابتِداءَ عِدَّتِها وقتُ مَوتِه، كما سنذكُرُه، فالإمامُ ورَّثها على الحالتين، على حالة الاستناد
الجزء 1 · صفحة 29
ومضي شهرين، وعلى حالة الاقتصارِ لمبدأ العِدَّةِ من وقتِ الموتِ، فقد وافق الصاحبين على توريثها، لقولهما بعدم وقوع الطلاق، فتعتَدُّ عِدَّةَ الوَفَاةِ، وترِثُ، فلذا كان إرتُها مُتفقاً عليه، هذا هو الحكم المذهبِيُّ الصَّحِيحُ، فلا يُعدَلُ إلى غيره.
فائدةٌ عظيمة نقلناها من مُختصر «الأصل» لأبي سليمان، من بابِ طلاقِ المريض، ومثلُها في قاضيخان»، وأبو سليمانَ اسمُه مُوسَى بنُ سُليمان الجوزجاني، كان رفيق المُعلَّى بنِ منصورٍ، عَرَضَ عليه المأمون القضاء فلم يقبل، ومن تصانيفه: «السِّيرُ الصَّغيرُ»، وكتابُ الصَّلاةِ، وكتابُ الرَّهْنِ، ورَوَى عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الكتب والأمالي.
قال: من صُورِ الفِرارِ: لو قال مسلم لزوجته الذّمِّيةِ وهو مريضٌ مَرَضَ المَوتِ:
أنتِ طالق ثلاثاً إِذا أَسْلَمْتِ، فأسْلَمَتْ ورِثَتْ بمَوتِه في العِدَّةِ. وكذا لو قال لها وهي أمَةٌ: إذا عتقتِ فأُعتِقَتْ وماتَ فِي العِدَّةِ؛ لأنَّه تعمَّدَ الطَّلاق بعد ما وجَبَ لها الإرث.
وكذا لو قال رقيق لزوجته الحرَّةِ: إذا أُعتقتُ فأنتِ طالق ثلاثاً، ثُمَّ أُعتِقَ طلقَتْ وورثت.
ولو قال لزوجته الأمة: إذا أُعتقنا فأنتَ طالق ثلاثاً، ثمَّ أُعتِقَت طلقَتْ ووَرِثَتْ إنْ ماتَ في العِدَّةِ؛ لأنَّه فار لتعمُّدِ الطَّلاقِ بعد عتقهما.
ومن الصُّورِ التي لا يكون بها فاراً لو قال المريضُ لزوجته الأمة: أنتِ طالق غداً ثلاثاً، وقال مولاها: أنتِ حُرَّةٌ غداً، طلقَتْ وعتقَتْ، ولا ترِثُ بِمَوتِه في العِدَّةِ؛ لأنَّه طلقها وليس بفار.
وكذا لو كانَتْ ذِمَّيّة فقال لها: أنتِ طالق غداً ثلاثاً، فأسلَمَتْ قبل وقوع الطَّلاقِ أو بعده، ثم مات لم ترته.
وكذا لو أسلَمَ زَوجُ الكافرة، ثمَّ مرِضَ فقال: أنتِ طالق ثلاثاً، ثمَّ أسلمت فمات في العِدَّةِ؛ لأنَّه طَلَّقَ وليس بفار.
ولو قال: أنت طالق غداً فأسلمت من الغد لم ترِثُ.
الجزء 1 · صفحة 30
ولو قال المولى أنتِ حُرَّةٌ غداً بحضور الزوج، وقالَ الزَّوجُ: أنتِ طالق ثلاثاً بعد غد، فهو فار فترِتُه إنْ ماتَ في العِدَّةِ، وإن لم يعلَمْ بقَولِ المَولى فليس بفار، فلا ترثُ، انتهى.
تتمةٌ مُهمَّةٌ للفائدة: قدَّمنا أنه يكونُ الطَّلاقُ المُضافُ مُستَئِداً، وتكونُ العِدَّةُ مُقتَصِرةً على وَقتِ المَوتِ على الصّحيح عند الإمام، وترثُ المرأة، وإلى ذلك أشار في الحقائق»، لكن لم يُفصح عن الميراثِ نَصَّاً وإن استفيد بدقةِ النَّظرِ في كلامه، وقد صرح به الصَّدرُ سُليمان. أما الحقائق فقال فيها: قال لامرأته: أنتِ طالق قبلَ مَوتِ فلان بشهرٍ، فمات فلان قبل تمامِ الشَّهرِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ بالإجماع؛ لعدمِ الشَّرطِ، ولو مات لتمامِ الشَّهرِ،
فعنده يقعُ مُستَيْداً إلى أوَّلِ الشَّهرِ، وعندهما يقعُ مُقتَصِراً على حالِ المَوتِ.
ولو كان مكانَ مَوتِ فُلانٍ قُدومه أو دخوله الدَّارَ، يَقَعُ مُقتَصِراً على حالِ القُدومِ
والدخول بالاتفاق، ثمَّ إِنْ كَانَ الطَّلاقُ المُعلَّق بائناً أو ثلاثاً.
فثمرةُ الخِلافِ تظهرُ فيما إذا خالَعَها في خلال الشَّهرِ، ثمَّ مَاتَ فُلانٌ لتَمامِ الشهر، وهي في العِدَّةِ، حيثُ يَقَعُ الطَّلاقُ الثَّلاثُ أو البائِنُ ويبطل الخُلعُ، ويردُّ الزَّوجُ بدل الخلع في قول أبي حنيفة؛ لظهور بطلان الخُلعِ بِاستِنادِ الثَّلاثِ أو البائنِ إِلَى أَوَّلِ الشهر، وعندَهُما يَقَعُ الثَّلاثُ أو البائن، ولا يبطل الخُلعُ لَعَدَمِ الاستناد. أما إذا مات فُلانٌ بعدَ العِدَّةِ بإسقاط سَقْطٍ مُستبين الخلق، أو بغيرِ عِدة؛ لعَدَمِ الدُّخول بها، لا يقعُ الثَّلاث؛ لعدم المحل، وشرط الاستناد أن يثبتَ ثُمَّ يستند لِما عُرِفَ.
الجزء 1 · صفحة 31
وإنْ كانَ الطَّلاقُ المُعلَّقُ رَجْعياً، فثمرةُ الخِلافِ تظهرُ فيما إذا وطِئَها في الشَّهرِ، حيثُ يصير مراجعاً عنده، وعندهما لا يصيرُ مُراجعاً، وهل تظهر ثمرةُ الخِلافِ في العِدَّةِ؟ فيه اختلاف عند البعض، فظهر، فتُعتبرُ العِدَّةُ من أَوَّلِ الشَّهرِ؛ أي: الذي أُضيف الطلاق إليه عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما من الحال؛ أي: مبدأ عِدَّتِها من حالِ الموت، قال في الجامع الكبير» لقاضيخان: الأصح أنَّ العِدَّةَ من حال الموتِ بلا خلاف، وعليه الفتوى من هذا الجامع» و «المبسوطين، انتهى.
وكذا قالَ ابنُ الملكِ في شرح المجمع: وفائدة الخلاف في الاقتصار والاستناد، فظهر في مسائل، منها العِدَّةُ تُعتبر عنده من أوَّلِ الشَّهرِ، وعندَهُما من الحال، وفي الجامع الكبير» القاضيخان رحمه الله: الأصح أنَّ العِدَّةَ تُعتبر من حالِ الموت اتفاقاً، وعليه الفتوى، انتهى.
وقد ذكر هذا ابنُ المَلَكِ في شرح قوله: لو قالَ أَنتِ طالق قبلَ مَوتِ فُلانٍ بشهرٍ فمات لتمامه، فهو مُستَنِدٌ، وقالا: مُقتَصِرٌ.
فيكون اعتبارُ مبدأ عِدَّتِها من وَقتِ موتِ الزَّوج أظهر فيما إذا أضاف الطلاق لما قبل موته بكذا، لتعَلُّقِ حقها بماله عندَ نُزولِ أمر الموتِ به، وقد ذكر مسألة تعليق الزوج بمَوتِه عقب مسألة تعليقه بمَوتِ فُلانٍ، فدل على أنَّ ابتداءَ العِدَّةِ من وَقت مَوتِ الزّوج أظهَرُ منه في موتِ فلان؛ لتعلقِ حق الشرع أو الزوج بالعِدَّةِ، فلا يظهر فيها الاستناد مُطلَقاً، لا في رجعِي ولا بائن، فأفاد ذلك استحقاق الميراث لها، وكان الأولى بل الواجب التصريح به كما صرح به شيخ الإسلامِ فَخْرُ الدِّينِ
عثمان بن إبراهيم المارديني في شرحه مَتْنَ الصَّدِرِ سُليمان، رحمهم الله فقال: أما العِدَّةُ، فالصَّحيحُ أنّها تجب عندَه؛ أي: الإمام من وقت الموت، كذا في «التحرير»، قال العلامةُ السَّمَر قَندِيُّ: وعليه الفتوى، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 32
لا يُقال: هذا في صورة تعليقه بما قبل مَوتِ زيد بشهرٍ، ودعواكَ في تعليق الزَّوجِ بما قبل موته بشهرٍ؛ لأنَّا نقول: قد ذكر كلاً منهما الصَّدرُ سُلَيمانُ، فالحكمُ مُتَّحِد حيث نص عليه بعد تعليقه بما قبل مَوتِ زيد بشهر.
فقال الصَّدرُ سُليمان رحمه اللهُ في متنه»: ولو كانَ طَلاقاً لا يقعُ عندهما، وعنده يقعُ، ولا يرثها وترثُه بشرط بقاءِ العِدَّةِ، ولا يتأتى على الأصح، انتهى.
وقال شارحه الفَخْرُ المارديني: ثمَّ التَّفريع في الإرث إنَّما يتأتى على قوله؛ أي الإمام، فإذا قال - أي: الزوج - لها: أنت طالق قبل مَوتِك بشهرٍ والطَّلاق بائن لا يرتُها؛ لأنَّ الطَّلَاقَ وقَعَ قبل الموت.
ولو قال لها: قبل موتي بشهر، فإنَّها ترتُه بشرطِ بِقاءِ العِدَّةِ وَقتَ مَوتِه، ومعناه أَنَّ الطلاق كان واقعاً من أوَّلِ الشَّهر بطريق الاستناد، وانقطَعَ النَّكاحُ حين ذاك، فلا بُدَّ من قيام أثره وقت الموت، وهو في العِدَّةِ لتَرِثَ به، لكنَّ هذا إنَّما يتأتى إذا كانَ ابتداءُ العِدَّةِ من أول الشهر، وقد تقدَّمَ أنَّ الأصح عنده؛ أي: الإمام اعتبارها من وقتِ الموتِ، وهذا معنى قولِ الشَّيخ - يعني: الماتِنَ وهو الصَّدرُ سُليمان: ولا يتأتى على الأصح؛ أي: توقف إرثها على العِدَّةِ.
قُلتُ: يعني المُستَيْدَةَ؛ لأنَّ الأصح اعتبارها من وقتِ المَوتِ عند أبي حنيفة، فترته من غير نظر لما مضى من حيض وغيره، انتهى.
ثم قال: ولا يظهرُ الاستناد في حق الميراث؛ لما فيه من إبطال حقها المُتعلّق بماله عند موته. انتهت عبارته رحمه الله
الجزء 1 · صفحة 33
وأقول: قد أشار إلى عدم ظهور الاستناد في حقيقة استحقاق إِرْثِ التي أُضيف طلاقها الرَّجعِيُّ إلى تلك المُدَّةِ، وهو مَفاد ما تقدَّمَ من أن الصَّحيحَ اعتبارُ العِدَّةِ وقت الموتِ. وأقول توضيحاً لاستحقاق الميراث لها مُطلَقاً بعدم استنادِ العِدَّةِ: إِنَّه لا يُقالُ: إنَّ الأصل أنَّ الشَّيء إذا ثبت يثبتُ بجميع لوازمه، نصَّ على هذا الأصلِ الكَمالُ ابنُ الهمام، فمُوجِبُه تُبوتُ العِدَّةِ وقت استنادِ الطَّلاقِ؛ لأنَّا نقول: محل ثبوتِ اللَّازِمِ للزومه ما لم يُعارضه شيء آخر، وقد عارضه هنا الاحتياط في أمر العِدَّةِ، فإنَّها تثبتُ معَ الشَّكِّ، نصَّ على ثبوتها معه الكمال، وفي كلامه في ذلك الأصل إشارة إليه. ومن صُورِ المُعارضة ما إذا قالَ: إحداكُما طالقٌ فحاضَنَا ثلاثاً ثلاثاً، ثمَّ بَيَّنَ في واحدة فعليها العدة من وقتِ البيان.
ومنها التي خلا بها خلوةً صحيحةً، وتصادقا على عدمِ الوَطْء، فطلقها، ليس له رجعتها، وعليها العِدَّةُ احتياطاً، وكمُستَولَدَتَين لرجُلٍ قالَ: إحداكُما حُرَّةٌ، ثمَّ حاضَتا ثلاثاً ثلاثاً، فبين إحداهما كان عليها العِدَّةُ من وقتِ البيانِ؛ لأنَّ العِدَّةَ تثبتُ معَ الشَّكُ.
ومن صور المعارضة ما إذا قال: إحداكُما حُرِّ فقُطِعَتْ يد أحدهما، ثمَّ بَيَّن في المقطوع، فالأرضُ للمولى.
ومنها ما في «الكنز» قال: أحدُكما حُرِّ، فشُجا، ثمَّ بَينَ أحدهما، فأرشُهُما للمولى، فبهذا ظهَرَ أنَّ الأصح عند أبي حنيفة عدَمُ اسْتِنادِ العِدَّةِ لمَبْدَأُ الطَّلَاقِ المُضافِ لِما قبل الموت بكذا، ولا يلزم من استنادِ الطَّلاقِ لمبدأ المُدَّةِ استناد لازمه، وهو العدة.
وهذا قد مَنَّ الله سبحانه وتعالى عليَّ، فله الحمد والشُّكرُ على الدَّوامِ ببركةِ الإمام الأعظم، ومدَدِ النَّبيِّ.
الجزء 1 · صفحة 34
فإنَّني قد اتَّبَعْتُ وما ابْتَدَعْتُ، وأعرَبْتُ وما أَعْرَبْتُ، فَإِنَّ الذي حرَّرتُه عن شرحِ التَّحرير» و «متنِ الصَّدرِ سُليمان و شارحه» المارديني التحرير قد نص عليه قاضيخان الفقيه الشَّهيرُ في شرحه الجامع الكبير»، وفي «المبسوطين» كما بينته سابقاً عن «الحقائقِ» و «مجمع البحرين الواصل إليه كلُّ أحدٍ بلا مين، فلا يُستَبعَدُ ولا يُستَعْرَبُ إلا ممَّن لم يدُقْ عَذْبَ هذا المَشرَبِ.
وإذا علمتَ هذا التحقيق والتحرير تبيَّنَ أنَّ نظمَ الإِمَامِ عُمَرَ النَّسفي الذي قدَّمناهُ إنَّما هو على غيرِ الصَّحيح بمشيه على مَنْعِ إرثها، حيثُ قال:
أنتِ كذا قبلَ مَمَاتِ مَن ذُكِرْ بمُدَّةٍ مُستَنِدٌ لا مُقتَصِرْ فلم ترث في قوله: أنتِ كذا قبل وفاتي بكذا إذا مضى
فلزِمَ علينا نظمُ الصَّحيح، والتنبيه على ما فرَّعَه على ذلك الضَّعيف، فقُلتُ: تفريعه بمَنْعِها عن إرثها فرع استنادِ عِدَّةٍ كانَتْ لها مَبْدَؤُها الوقوع للطَّلاقِ والرَّاجِعُ القَصْرُ بالاتفاقِ لعِدة على وفاة الفاني ورثها الإمامُ والشَّيخان على اختِلافِ الحُكمِ في التخريج أنقَيتُه من متعب مري فاندَفَعَ التَّقدير بالحيضات وأبعد الحالين عن ثاتِ واقتصَرَتْ مُعتدَّةٌ للمَوتِ فارتُها مُحصَّن عن فَوْتِ ناقله عالمنا الحصيري في شرحه التحرير للكبيري
حافظه محمد الشيباني عن التَّقِيُّ المُرتضى النُّعْمانِ بمَتنِه الصَّدرُ سُليمانُ ذَكَرْ وشرحه للمارديني اشتهر ثمَّ نظَمْتُ ما يُرَدُّ به على مَن استغرَبَ ذلك الذي حرَّرتُه بإسنادِه للكُتُبِ المشهورة المعتبرة، فقُلتُ:
الجزء 1 · صفحة 35
وابن الملك يقول والحقائق و قاضيخان شارح محقق بالجامع الأكبر والبسطين أَنْ ذا هو الصَّحِيحُ دُونَ مَينِ لذا انتفى استغراب ما تحرَّرَا من عارفِ مُدَقِّقِ بينَ الوَرَى علمنيه ذو القِوَى مَعَ ضَعْفِيَة ملاحظاً ألطافه والعافية لدى الفراش حالة اضطجاعي مُكابداً مع شدَّةٍ أوجاعي فاشكُرْ لفَضْلِ مالكِ مُهيمِنِ بمَنِّه بِفَرْضِه والسُّنَنِ ثمَّ الصَّلاة والسّلامُ أبداً تخُصُّ طهَ المُصطَفَى محمَّداً * فائدةٌ مُناسِبةٌ نَظَمْتُها بقولي: أحكام شرع بأمورٍ أربعة ثابتة معلومةٌ مُتَّبَعَة فإِنْ يُضَفْ طَلاقها لمُدَّة قبل ممات فاستناد عِندَه ثم اقتصار بالمماتِ قالا يعُمُّنا بفَضْلِه تعالى منقلب عن بره ولم يبر مبين بحيضها إذا استَمَرْ اعلم بأن الأحكام تثبتُ بأربعة طرق، بطريق الاستناد والاقتصار والنبيين والانقلاب.
فصورةُ الأَوَّلِ على مذهب الإمامِ، وصورةُ الثَّاني على مذهَبِهما ما تقدَّمَ، والثَّالثُ التَّبيين فيما إذا قال لها: إذا حِضْتِ فأنتِ طالق، فرأتِ الدَّمَ لا يقعُ، فإن استمرَّ ثلاثة أيامٍ وقع من حين رأتِ.
والرابع الانقلاب، اليمينُ مُوجِبةٌ للبر، فإذا حَيْثَ فيها، انقلَبَتْ مُوجِبةً للكفارة، انتهى.
وقد أطلعني الله تعالى بفَضْلِه على هذا التحرير، وقد كانَ حَفِيَّاً علينا؛ إذ لم يُسمَعْ غير ذلك التقرير، ولم أجِدْ كُتُباً، وكيف يصل إليها الفقيرُ، حَتَّى وَجَدتُ نُسْخَتَينِ من «شرح [التحرير»، ووَجَدتُ نُسختين من شرح] الفَخْرِ المارديني لمتنِ الصَّدرِ» سُليمان رحمهم الله، واحدةٌ تاريخها ثامن عشرينَ رجبٍ، سنة أربع ووسبعينَ وسبعين وسبعمئة، والثانية تاريخها انتهاء سنة اثنتين وسبعين وسبع مئة، وذلك ببركة الإمامِ الأعظم، ومدَدِ النَّبيُّ.
الجزء 1 · صفحة 36
والمأمول من الإخوان والناظر في هذه الفائدة المفاضَةِ من كرَمِ المَنَّانِ الدُّعاء لي ولذُرِّيَّتِي بصلاح الأحوال والستر في هذه الدُّنيا ويومَ المالِ والتَّرحُمُ علينا وعلى والدينا ومشايخنا وإخواننا، ونسأل الله للداعي بمثل ذلك من فضل الله والملكُ مُؤمِّنُ على الدُّعاءِ طالباً للداعي من الله بمثل ذلك، سلك الله بنا أحسَنَ المسالك، ولطَفَ بنا إنَّه خيرُ مالك، وصلَّى الله على سيدنا محمد الذي زيَّنَ الممالك، والأنبياء الكرام، وآتاه الدرجة العليا، فَلَنِعْمَ الختام، والحمد لله رب العالمين آمين.
وجاء في خاتمة النسخة «ح»: «وكان انتهاء التأليف بأواخِرِ ربيع الأوَّلِ، سنةَ أربع وستِّينَ وألفٍ. وانتهاء كتابة هذه النسخة المُباركة يوم الاثنين في جُمادَى آخر سنة، على يد كاتبها الفقير إلى الله تعالى محمَّدِ برعي السجيني، غفر الله له ولوالديه، ولمن دعا لهم بالمغفرة، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً دائماً أبداً».