الدُّرَ النمين في اليمين
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الدُّرَ النمين في اليمين
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي تفَضَّلَ علينا بتعليم الأحكام، وجعَلَ منصبَ القضاء والإفتاء طَريقاً يبلغ به المُحِقُ أرقى مقام، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمَّدٍ المَبعوث رحمةً للأنام، وعلى آله وأصحابه الذين أقامُوا الدِّينَ وقطَعُوا بجدهم واجتهادهم آراء المُبطِلينَ على الدوام.
وبعد:
فيقول العبد المُفتقر إلى الله في السِّرِّ والعَلَن، أبو الإخلاص حسَنُ الشُّرنبلالي الحنفي، غفر الله له ذُنوبَه، وسترَ عُيُوبَه، ورحِمَ مشايخه، وعاملهم بكَرَمِه، إِنَّه البَرُّ ذو اللطف الخفي: هذا جَوابٌ سَمَّيتُه:
«الدُّرَ النَّمِين في اليمين»
لمَّا وَرَدَ سُؤال في زيدٍ من بلدة كذا، ادَّعَى على قاضي تلك البلدة بأنَّه أخذ منه مبلغاً قدره كذا ظُلماً، فأنكَرَ القاضي، وليس للمُدَّعي بينةٌ، فهل له تحليفُ القاضي
أم لا؟
وأجَبتُ بقولي: نعم، له تحليفُ القاضي بإنكاره الأخذ أصلاً ورأساً.
وطريق تحليفِ القاضي حالَ وِلايته بأن يتَحاكَما عِندَ مُحكَّم، وإِنْ كانَ بعدَ انفصاله عن القَضاءِ يَتَحاكَمانِ لدَى حاكم، وإِنْ كَانَ حَالَ وِلايته وله نائب مُولَّى من جهته، أو كان هو النَّائب، فتحاكَما صُمٌّ حُكمُ كل على الآخَرِ وله؛ لما في الخلاصة: خاصَمَ القاضي الأعلى الأسفل إلى من ولاه، فَقَضاؤُه جائز له وعليه وكذا قضاء الأعلى للأسفل وعليه؛ لأنه لو شهِدَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه جاز، فكذلك القضاء، والأصل في هذا أنَّ كلَّ مَن تُقبل شهادته له وعليه يجوزُ قَضاؤُه له وعليه أيضاً؛ لأنَّ القَضاءِ بمنزلةِ الشَّهَادَةِ، انتَهَى.
ومثله في متنِ المُختار»، ونصه: ويجوزُ لِمَن قلده وعليه، انتهى. والأصل في ذلك ما ذُكِرَ منَ القواعدِ المُقرَّرة كما في «البَزَّازِيَّةِ» عن «الزياداتِ»، ونصه: كل موضع لو أقر يلزم، فإذا أَنكَرَ يُستَحَلَفُ، إِلَّا في ثلاث مسائل: الأولى: أرادَ الوَكيلُ بالشِّراءِ الرَّدَّ بِعَيبٍ، فَادَّعَى البائعُ رِضًا المُوكَّلِ بِالعَيبِ، إِنْ أقر به الوكيل، بطل حقُّ الرَّد، وإن أنكر لا يحلِفُ.
الثانية: ادَّعَى على الأمرِ رِضاه، فأنكر، لا يحلِفُ، وإنْ أقر يلزم. الثالثة: الوَكيلُ بقَبضِ الدِّينِ ادَّعَى عليه المَديون إبراءَ المُوكَّلِ الدَّائِنِ وعَلِمَ الوكيل به، لا يحلفُ، وإن أقر يلزم، انتهى.
فيحلف القاضي المذكورُ؛ لأنه لو أقر بالأخذ ظُلماً يلزم، فإذا أنكره يُستَحلَفٌ، ومثل ذلك الاستثناء في الخلاصة».
وقال في البحر الرائق» عن الخانيَّة أَنَّه لا استحلاف في إحدى وثلاثين
خصلةٌ، بعضُها مُختَلَفٌ فيه، وبعضها مُتَّفَقٌ عليه، وليس منها إنكار القاضي المذكور، فيحلف كما ذكرناه.
ومن ذلك قصَّةُ أميرِ المُؤمِنينَ عُثمانَ بن عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنه أَنَّهُ لَمَّا ادعِيَ عليه بمال ولم يكُنْ معَ المُدَّعي بينةٌ، فافتَدَى عُثمانُ رَضِيَ الله عنه يمينه، فقيل له في ذلك: ألا تحلفُ وأنتَ صادِقٌ؟ فقال: أخافُ مُصادفة قدَرٍ، فيُقالُ: هذا بيمينه، أو كما قال.
ومنَ المُقرَّر في المذهب - كما في «الكنز» ـ أَنَّ الخليفةَ يُؤْخَذُ بالقِصاصِ وبالأموال لا بالحد، وأخذه بالمالِ بإقامة البيِّنة أو إقراره أو تكوله عن الحلِفِ عند الحاكم. ومن المنصوص عليه في الكَنْزِ» وغيره أنَّه لو قال قاضٍ عُزِلَ لرجلِ: أَخَذْتُ منك ألفاً، ودفعته إلى زيد، قضَيتُ به، عليكَ، فقالَ الرَّجلُ: أخذتَه ظُلماً، فالقَولُ للقاضي.
وكذالوقالَ: قَضَيتُ بقَطْعِ يدك في حق، إذا كان المقطوع يده والمأخوذ منه المالُ مُقِرًّا أَنَّه فعله وهو قاض؛ لأنَّهما لما توافقا أنَّه فَعَلَه وهو قاض، كانَ الظَّاهِرُ شاهِداً له؛ إذ القاضي لا يقضي بالجَوْرِ ظاهِراً، ولا يمين عليه؛ لأنَّه ثبَتَ فِعله في قضائه بالتصادق، ولا يمين على القاضي، كذا في «البحر» قبيل كتاب الشهادات.
وكذا في «كافي النسفي، وفي الدُّرَرِ» قبيل كتاب القسمة، وكذا قال الكمال ابن الهمام إنَّه لا يمين عليه، كما أنه لا يمين عليه حال قيام ولايته، انتهى. ومن المقرر أنَّ مفهوم الرّوايةِ حُجَّةٌ، ومفهوم هذه النُّقولِ أَنَّه إذا أنكر الأخذ أصلاً ورأساً كانَ مُؤاخَذَاً باليمين، فيحلِفُ؛ لأنَّه لم يُبدِ دَفْعاً للدعوى التي توَجْهَتْ عليه بها اليمين، ودفع القاضي حال قيامِ ولايته كما بعده إقراره بالأخذ وادّعاؤُه الدفع لزيد بقضائه له به، وإذا لم يُبدِ دَفْعاً شِمِلَه قول النبي: البيِّنةُ على المُدَّعي واليمين على مَن أنكَرَه انتهى.
وا من مِن صِيَغِ العُموم، فيشمل القاضي المُولَّى والمعزول، كما ذَكَرْناهُ. وقال في شرح الكنز»: وإن لم يكُن للمُدَّعِي بينةٌ، حَلَفَ المُدَّعى عليه بطَلَبِ المُدَّعي؛ لقوله عليه السّلام للمُدَّعي: «الكَ بينةٌ؟» فقال: لا، فقال: «لكَ يمينه، قال: يحلِفُ ولا يُبالي، فقال عليه السَّلام: «ليس لك إلا هذا، شاهداك، أو يمينه، انتهى.
وقال في باب كتاب القاضي إلى القاضي من مبسوط» السَّرَخْسِي: ولو أنَّ قاضياً باع لنفسه، أو اشترى لم يُقبَلْ قَولُه في شيء منه على خَصْمِه، وهو كغيره من النَّاسِ في هذا؛ لأنَّه فيما يعمل لنفسه لا يكون قاضياً، وفيما يفعله على غير سبيل
الحكم هو كسائر الرّعايا، ألا ترى أنَّ النبي لها الله لحين أنكر الأعرابي استيفاءَ ثَمَنِ الناقة، وقالَ: هلُمَّ شاهِداً، قالَ: «مَن يُشْهَدُ لي»، حتَّى شَهِدَ خُزَيمَةُ رَضِيَ الله عنه ... الحديث، انتهى.
وقال في خزانة الأكمَلِ»: القاضِي يُصَدَّقُ فيما قضى به من قصاص، أو مال، أو إعتاق، أو غيره من حُقوقِ النَّاسِ، ولو عُزِلَ عنِ القَضاءِ فاتَّبَعه المقضي عليه في ذلك فقالَ: إنَّما قضَيتُ به، عليكَ، كانَ مُصدَّقاً، أما لو باع لنفسه أو اشترى، لم جميع يُقبَلْ قَولُه على خَصْمِه، وهو كغَيرِه مِنَ النَّاسِ في هذا، انتهى.
فهذا نص على أنَّ القاضِيَ إذا لم يُبدِ دَفْعاً لِما ادُّعِي به عليه كانَ مُؤاخَذَاً باليمينِ عند عدم البرهان، كما أنَّه إذا أقرَّ بالشَّراءِ لنفسه أو البيع، وادَّعَى دَفعَ الثَّمَنِ أو المبيع ونحوه لم يُقبل منه ذلك، وهو كغَيرِه مِنَ النَّاسِ فيه بهذا النَّص.
ثم قال في خزانة الأكمَلِ»: ولا يجوزُ قَضاؤُه لنفسه بشيء، ولا لأُصوله، وإن علوا، وفروعه وإنْ سَفلوا، ولا لزوجته ومُكاتبه ومماليكه فيما لا تجوز شهادته له.
أمَّا مَن سِوَى هؤلاء منَ القَرابة جازَ قَضاؤُه لهم، كما تجوز شهادته للأخ والعم، فحكمه أيضاً كذلك لا يسري قوله على خَصْمِ مَن لا يصِحُ قَضاؤُه له، كشَهادتِه له، فهو كنفسه، بخلافِ مَن يصِحُ قَضاؤُه له، فيُقبَلُ قَولُه ودَفعه الدَّعوَى عنه، وهذا أمرٌ جلي عندَ مَن تدرَّبَ كتُبَ الأَئِمَّةِ الأعلام، والعُذر لديه مقبول في تحرير هذا المَقامِ بضيق الحال وشغل البال.
والتوفيق فَضلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يشاءُ، والله ذو الفَضْلِ العظيمِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمد، وعلى آله الكِرامِ، وصحبه وسلّم.
بتاريخ شهر رجب الحرام، سنةَ خمسين وألفٍ كَانَ التَّأْلِيفُ، غَفَرَ اللهُ تعالى لمُؤلّفها ولوالديه ومَشايخه والمُسلمين آمين.