الحكم المسند بترجيح بينة غير ذي اليد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الحكم المسند بترجيح بينة غير ذي اليد
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مُوَضِحِ سبيلِ الهداية، المان بمِعراج الدراية، للرقي إلى نهاية الغاية بالعناية، والصَّلاة والسَّلامُ على كَنْزِ أسرارِ المَعارفِ الرَّبَّانِيَّةِ، سَيِّدِنا ومولانا محمَّدٍ المبعوث بالحنيفيَّةِ السَّمْحةِ الزَّكَيَّةِ، وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بأحسَنِ طوِيَّة.
وبعد:
فيقول العبدُ الرَّاجي رحمة الله، المُلتَجِيُّ إلى الله دونَ ما سواه، في السِّرِّ والعَلَنِ أبو الإخلاص حَسَنُ الوَفائيُّ الشُّرُنْبُلاليُّ الحنَفَيُّ، غَفَرَ اللهُ له ذُنوبَه، وسترَ عُيُوبَه، ولوالديه ومشايخه ومُحبّيه والمُسلمين آمين
إنَّه قد استفتِيَ عن شخص بيدِه حمارُ ادَّعَى عليه آخَرُ أَنَّه ملكه، ضاعَ منه منذُ سنة ونصف، وأنَّه في يدِ المُدَّعَى عليه بغير حقّ، وأنَّه يُطالبه به.
فأجابَ بوَضْعِ اليد بحق بمُقتَضَى شرائه الحمار من زيدٍ مدَّة خمس سنواتٍ سابقة على تاريخه، وأقامَ كُلُّ بينةً، فمَن تُسمَعُ بينه؟.
فأَجَبْتُ بِأَنَّ البَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الخارِج، انتَهَى.
وقد أفتى غير واحدٍ من أهلِ زَمانِنا الحنفيَّةِ بخلاف ذلك، وطلب مني بعضُإخواني حفظه الله تعالى ونظر إليه النَّقل في المسألة، فاستَعَنْتُ بالله تعالى، وسطَرْتُ ما ظَفِرْتُ به، وسميتُه:
«الحكم المُسنَد بترجيح بينةٍ غيرِ ذي اليد»
قال العلامةُ الشَّيخُ زَينُ الدِّينِ رحمه الله: إذا ادَّعَى الخارج الملك المُطلَق وذُو اليد الشّراء من فُلانٍ وبَرْهَنا وأَرَّخا، وتاريخ ذي اليد أسبَقُ فَإِنَّه يُقضَى للخارج؛ كما في الظهيرية»، انتهى.
وقال في «الفُصولِ العِماديَّةِ»: ادَّعَى الخارج الملك مُطلَقاً مُؤَرّخاً بسنةٍ مثلاً، وادَّعَى صاحِبُ اليد الملك بسبب الشّراء من فُلانٍ منذ سنتين، وهو يملكها وقبَضَها منه، يُقضَى للخارج؛ لأنَّ صاحب اليدِ خَصْم عن بائعه في إثبات الملك له ليمكنه الجر إلى نفسه، فكأنَّ بائعه حضَرَ وأقامَ البيِّنة على مطلق الملك لنفسه، والدَّارُ في يده؛ لأنَّ يدَ المُشتَرِي يد البائع في التَّقديرِ، ولو كان كذلك يُقضَى ببينة الخارج، كذا هنا.
وكذا لو ادَّعَى الخارج الملك بسببٍ مُؤرّخاً بسنتين، فأقامَ ذو اليدِ بيِّنَةً أَنَّه ملكه مطلقاً مؤرخاً بثلاث سنينَ، يُقضَى بَيِّنَةِ الخارج أيضاً؛ لأنَّ الخارِجَ خَصْم عن بائعه في إثباتِ الملك له، على ما مرَّ، وكأنَّ بائعه حضرَ وأَقامَ البَيِّنَةَ على مُطلَقِ الملكِ يُقضَى ببينة الخارج، كذا هاهنا، انتهى.
قلتُ: إِلَّا أَنَّ المسألة الأخيرة تُشكل بما لو ادَّعيا الملك المُطلَقَ حقيقةً وبَرْهَنا،
وتاريخُ ذي اليد أقدَمُ؛ فإنَّه يُقَدَّمُ، ويُمكنُ أن يُقالَ: التَّشبيه في مُطلَقِ دَعوَى الملكِ المُطلَقِ، لا يُقيدُ سبقَ تاريخِ ذي اليد، انتَهَى.
ثم رأيت صاحِبَ جامعِ الفُصُولَينِ اسْتَشْكَل ذلك أيضاً، وحمله على إمكانِ اختِلافِ الرِّواية، فقال عقب ما قدَّمناه عن فُصولي العمادي» راقماً لـ «الكفاية»، و «فَتاوَى رشيد الدين»:
أقولُ: على ما مرَّ من أنَّ الأسبقَ أَولَى في التَّلقَّي من اثنينِ، وينبغي أن يكونَ الأسبَقُ أولى هاهنا، فينبغي أن يكون فيه روايتان، والله أعلَمُ، انتَهَى
وتوضيح ما قلناه من أنَّه يُقضَى ببينة الخارج بما قال الزيلعي فيما إذا ادَّعيا ملكاً مُطلَقاً ومع أحدهما تاريخ، كانَ الخارج أولَى، خلافاً لأبي يوسف؛ لأنَّ بيَّتَه تُثْبِتُ غير الظاهر، وبينةُ ذي اليد لا تُنبِتُ غيرَ ما ظَهَرَ باليد، والبيِّنتانِ للإثبات، فكانَتْ بينةُ الخارج أولى، ما لم يُثبت ذو اليد التَّقدم عليه صريحاً بلا احتمال.
ثم قال في جواب أبي يوسف ما نصه: بينةُ ذي اليد لا تُقبَلُ إلا إذا تضَمَّنَتِ الدَّفعَ، ولم تتضَمَّنْ هُنا؛ لاحتمال أن يكونَ ملكُ الخارج أقدَمَ، انتَهَى ثمَّ قالَ الزِّيلَعِيُّ في محلّ آخَرَ: دَعوَى الملكِ المُطلَقِ كما يحتمل أن يكون له منَ الأصل يحتمل أن يكون له من جهةٍ صاحب اليد، فأمكن أن يُجعَلَ ما استحقه الخارِجُ مِنَ الملكِ الثَّابِتِ لذي اليدِ بظاهر اليدِ مُستَحَقاً على ذي اليد، فجُعِلَ كذلك في حق ترجيح بينة الخارج على بينة ذي اليد، انتهى.
قلت: ولعلَّ ذلك المُفتي بخلاف هذا، اشتبه عليه هذه المسألة بما إذا العباء ملكاً مطلقاً وأرخا، وتاريخ ذي اليد أسبق، وفيه بينه واضع اليد أحق انتهى.
ومباينته لما نحنُ فيه ظاهرةٌ، وتوضيحها بما قال في «شرح المجمع» و «فُصولِ العِمادِيّ» نَقْلاً عنِ الذَّخيرةِ»: لو قال المُدَّعي: هذا الحمار غاب عني منذ شهرٍ، وأقامَ المُدَّعَى عليه بيِّنةً على أنَّ هذا الحمارَ مِلْكي وفي يدي منذ سنة، يُقضَى للمُدَّعي، ولا يُلتَفَتُ إلى بَيِّنَةِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ تاريخ المُدَّعي تاريخ غيبة الحمار عن يده لا تاريخ ملكه، فكانَ دَعواهُ في مُطلق الملك خالية عن التاريخ، وتاريخُ ذي اليد غيرُ مُعتبر حال الانفِرادِ، فكانَ دَعوَى صاحبِ اليدِ دَعوَى مُطلَقِ الملكِ كَدَعوَى الخارج، فيُقضَى ببينة الخارج، انتهى. وبما قال في «الدُّرَرِ»: ادَّعَى أنَّ هذا العبد لي غابَ عنِّي منذُ شهرٍ، وقال ذو اليد: منذ سنة، يُقضَى للمُدَّعي ولا يُلتَفَتُ إلى بَيِّنَةِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ ما ذكرَ المُدَّعِي عن تاريخ غيبة العبد عن يده لا تاريخ ملكه، فكانَ دَعواه في الملكِ مُطلَقاً خالياً التاريخ، وصاحب اليد ذكَرَ التّاريخ، لكنَّ التَّاريخَ حالة الانفِرادِ لا يُعتبرُ عند أبي حنيفة، فكانَ دَعوَى صاحب اليدِ دَعوَى مُطلق الملكِ كَدَعوَى الخارج، فيُقضَى ببيِّنَةِ الخارج، انتهى.
فإنْ قُلتَ هذا يُخالِفُ ما نحنُ فيه؛ لأنَّ واضِعَ اليد يدعي الملك بسبب؟
قلت: هو لا يترَبَّحُ بالسَّببِ على مُدَّعي الملكِ المُطلَقِ كما ذكرتُه نصا عن «الظَّهيريَّة»، و «العماديَّةِ»، وذلك لعَدَمِ تضمُّنِ دَعواهُ الدَّفعَ، على أَنَّه لو كانَ كُلُّ منهما يدَّعي سبب الميراثِ، والعَينُ في يد أحدهما، أو الشراء من واحدٍ وأَرَّخَ أحدهما فقط، فهو للخارج كما سنذكره عن «الكافي».
فإِنْ قُلتَ: ما ذُكِرَ فى «الظَّهيريَّةِ» و «العِمادِيَّةِ» فيما إذا أَرخَا، وما نحن فيه قد الفرد ذو اليد بالتاريخ؟
قلتُ: تاريخُ ذي اليدِ مُنفرداً لا يُعتبرُ، كما قدَّمْناهُ.
فإن قلت: ذاك في دَعوَى مُطلَق الملكِ.
قلتُ: انفراد ذي اليدِ بدَعواه بسببِ الشَّراءِ كَدَعواه بمُطلَقِ الملكِ هُنا لعَدَمِ تضَمُّنِ الدَّفع كما قدَّمته، فمَن ادَّعَى مُخالَفَتَه فعليه النَّقْلُ، انتَهَى.
وقد ذُكِرَ في كافي النَّسفي»: دَعوَى الرَّجلَينِ لعَينِ مُنقَسمةٍ لسِتَّةِ وثلاثينَ فصلاً، غير ما ذكرتُه عنِ الظَّهيريَّةِ» و «العِمادِيَّةِ فإنَّه لم ينص عليه، فنقلتُ عبارتهم لتتميم الفائدة، حيثُ قال:
اعلَمْ أَنَّ الرَّجُلَينِ إِذَا ادَّعَا عَيْناً وبَرْهَنا، فلا يخلُو إِمَّا ادَّعَيا ملكاً مُطلَقاً أو إرثاً أو شراء، وكل قسم ثلاثة أقسام؛ لأنَّه إما أن يكونَ المُدَّعَى فِي يَدِ ثالث أو في يدهما أو في يد أحدهما، وكلُّ وَجهِ على أربعة أقسام؛ لأنَّه إِمَّا أَنْ لم يُؤرخا أو أرّخا تاريخاً واحداً، أو أرخا، وتاريخ أحدِهِما أَسبَقُ، أو أرَّخَ أحدُهُما
دونَ الآخَرِ.
وجملة ذلك سِتَّة وثلاثونَ فَضْلاً.
أمَّا إذا ادَّعَياه ملكاً مُطلَقاً والعَينُ في يد ثالث ولم يُؤرّخا، أو أرَّخَا تاريخاً واحِداً
وبَرْهَنا يُقضَى بينَهُما نِصفين لاستوائهما في الحُجَّةِ.
وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبَقُ يُقضَى للأسبَق؛ لأنَّه أثبَتَ الملك لنفسه في زمان لا يُنازِعُه فيه غيرُه، فيُقضَى بالملكِ له، ثم لا يُقضَى بعده لغيره، إلَّا إذا تلَقَّى الملك منه، ومَن يُنازِعُه لا يتلَقَّى عنه، فلا يُقضَى له
وإِنْ أَرَّخَ أحدهما ولم يُؤرّخ الآخر، فعند أبي حنيفة لا عبرة للتاريخ ويُقضَى بينهما نِصفين؛ لأنَّ توقيت أحدهما لا يدلُّ على تقدم ملكه؛ لأنَّه يجوز أن يكونَ الآخَرُ أقدَمَ منه، ويحتمل أن يكون متأخراً عنه، فجُعِلَ مُقارناً رِعايةً للاحتمالين، وعند أبي يوسف للذي أَرَّخَ؛ لأنَّه أثبَتَ لنفسه الملك في ذلك الوقت يقيناً، ومن لم يُؤرّخ يثبت للحال يقيناً، وفي ثبوته في وقت تاريخ صاحبه شك فلا يُعارضه.
وعند محمَّدٍ يُقضَى لمَن أطلَقَ؛ لأنَّ دَعوَى الملكِ المُطلَقِ دَعوَى الملكِ منَ الأصل، ودَعوَى المُؤرّخ تقتَصِرُ على وقتِ التاريخ، وأبداً يرجعُ الباعة بعضُهم على بعض، ويستحقُ الزَّوائد المُتَّصِلَةَ والمُنفَصِلةَ، فَكانَ المُطلقُ أَسبَقَ تاريخاً، فكان أولى، وهذا إذا كانَ المُدَّعَى في يد ثالث، فإن كانَ في يدهما فكذلك الجواب؛ لأنَّه لم يترجّح أحدُهُما على الآخر باليد، ولم ينحط حاله عن حال الآخر باليد.
وإنْ كانَ في يد أحدهما، فإنْ أرَّخَا تاريخاً واحداً أو لم يُؤرّخا، فهو للخارج؛ لأنَّ بينته أكثر إثباتاً، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق، فهو لأسبقهما تاريخاً؛ لما مر
وعن مُحمَّدٍ أَنَّه رجَعَ عن هذا القَولِ وقالَ: لا تُقبَلُ بَيِّنَةُ ذي اليد على الوَقْتِ ولا على غيره؛ لأنَّ البينتين قامتا على مُطلَقِ الملكِ، ولم يتعَرَّضَا لجهة الملكِ فاستَوَى التَّقدُّمُ والتَّأْخُرُ، فيُقضَى للخارج.
ولهما أنَّ البينَةَ مَعَ التَّاريخ تتضَمَّنُ معنَى الدَّفعِ، فإنَّ الملك إِذا ثَبَتَ لشخص في وَقْتِ فتُبوتُه لغَيرِه بعد لا يكون إلا بالتلقي منه، فصارَتْ بيِّنةُ ذي اليدِ بذكرِ التَّاريخ دفع بينة الخارج، على معنى أنَّها لا تصِحُ إِلَّا بَعدَ إِثباتِ التَّلقَّي من قبله، مُتضَمَّنةً
وبيته على الدفع مقبولة.
وعلى هذا إذا كانَتِ الدَّارُ في أيديهما فصاحِبُ الوَقْتِ الأَوَّلِ أَولَى عِندَ أبي حنيفة وأبي يوسف رحِمَهُما الله تعالى، وعند محمَّد [يكون بينهما، وإنْ ارع أحدهما ولم يُؤرّخ الآخَرُ فعند أبي يوسف يُقضى للمؤرخ؛ لأن بيته أقدَمُ من المُطلق.
كما لو ادَّعَى رجُلانِ شِراءً من واحد، وأُرْخَتْ بَيِّنَةُ أَحدهما دُونَ صاحبِهِ، كَانَ صاحب التاريخ أولى عند أبي يوسف، ومحمَّدٌ يقضى للخارج، ولا عبرة للوَقْتِ؛ لأنَّ بينةَ ذي اليدِ إنَّما تُقبَلُ إذا كانَتْ مُتضَمِّنةً معنَى الدَّفعِ، وهُنا وقَعَ الاحتمال في
معنى الدَّفع؛ لوُقوعِ الشَّكٌّ في وُجوبِ التَّلقَّي من جهته، لجواز أنَّ شُهُودَ الخارج لو وَقتُوا لكانَ أَقدَمَ، فإذا وقَعَ الشَّكُ في تضَمُّنِه معنَى الدَّفع، فلا تُقبَلُ معَ الشَّكِّ
والاحتمال.
وإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما الإرثَ، فإنْ كانَ العَينُ في يد ثالث ولم يُؤرّخا أو أرخا تاريخاً واحداً فهو بينهما نصفان لاستوائهما في الحُجَّةِ، وَإِنْ أَرَّخَا وأحدهما أسبق تاريخاً، فهو لأسبقهما تاريخاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف في
قوله الآخر.
وكانَ أبو يوسفَ يقولُ أَوَّلاً: يُقضَى به بينهما نصفين في الإرث والملكِ المُطلَقِ، ثمَّ رَجَعَ إلى ما قُلنا.
وقال مُحمَّدٌ في رواية أبي حفص كما قال أبو حنيفة، وقال في رواية أبي سُلَيمانَ: لا عبرة للتَّاريخ في الإرث، فيُقضَى بينهما نِصفَينِ، وَإِنْ سَبَقَ تاريخ أحدِهِما؛ لأنَّهما لا يدعيان الملك ابتداء، بل لمُورثهما، ثم يجُرَّانِه إلى أنفُسِهما، ولا تاريخ لملكِ المُورّثَين، فصار كما لو حَضَرَ المُورّثانِ وَبَرْهَنا على الملكِ المُطلَقِ، حتَّى لو كانَ لملكِ المُورّثين تاريخ يُقضَى لأسبقهما، وإِنْ أرح أحدهما ولم يُؤرّخ الآخَرُ قُضِيَ بينهما نصفَينِ إجماعاً؛ لأنَّهما ادَّعَيا تلقّي الملك من رَجُلَينِ، فلا عبرة للتاريخ.
وقيل: يُقضَى للمُؤرّخ عند أبي يوسف، ولو كانَ العَينُ في أيديهما، فكذلك الجواب، وإنْ كانَ العَينُ في يد أحدهما ولم يُؤرخا، أو أرخا تاريخاً واحِداً يُقضى للخارج، وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبَقُ فهو لأسبقهما تاريخاً،
وعند محمد للخارج الأنه لا عبرة للتاريخ هنا، وإن أرح أحدهما ولم يُؤرخ الآخر فهو للخارج إجماعاً.
وقيل: عند أبي يوسُفَ للمُؤرّخ، وإنِ ادَّعَيا الشراء من واحِدٍ ولم يُؤَرِّخا، أو أرَّخَا تاريخاً واحِداً، فهو بينَهُما نِصفان لاستوائهما في الحُجَّةِ.
وإِنْ أَرَّخا وأحدُهُما أسبَقُ تاريخاً يُقضَى لأسبقهما تاريخاً اتفاقاً، بخلاف ما لو ادَّعَيا الشَّراءَ من رجُلَين؛ لأنَّهما لا يُثبِتان الملك به لبائعهما، ولا تاريخ لملكِ البائعين، فتاريخُه لمالكه لا يُعتَدُّ به، وصارَ كأَنَّهما حضَرا، وأقاما البينة على الملكِ بلا تاريخ، فيكون بينهما.
هذا يُوافِقُ ما في الزِّيلَعِيّ و «البزَّازِيَّةِ»، لكن الذي في «المعراج و «النهاية» تجعل لصاحبِ التَّاريخ المُقدَّم، وكذا في «الأكمل، لكن بصيغة:
قيل»، لكن في «العماديَّةِ» نقل الخلاف وقال في كل: إنَّه أخذ به بعضُهم.
ونُقِلَ عن «المُنتَقَى»: صاحِبُ التَّاريخِ يُقدَّمُ بلا خلافٍ، وبه أَخَذَ بعضُهم بعد أن نقل الخلافَ أوَّلاً، كذا بخط الحانوتي].
منه
أمَّا هُنا، فقد اتفقا على أنَّ الملك كان لهذا الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا اختَلَفَا فِي التَّلقي وهذا الرَّجُلُ أثبَتَ التَّلقَّي لنفسه في وقتٍ لا يُنازِعُه فيه صاحِبه فيُقضَى له به، ثمَّ لا يُقضَى به لغَيرِه إِلَّا إذا تلقَّى منه، وهو لا يتلَقَّى.
وإنْ أرَّخَ أحدُهُما ولم يُؤرّخ الآخر فهو للخارج اتفاقاً؛ لأنَّه أثبَتَ شِراءَه لنفسه في زَمَانٍ لا يُنازِعُه فيه غيره، فيُقضَى به له حتى يتبيَّن تقدم شراء غيره عليه، بخلاف ما لو ادَّعيا الشراء من رجُلَينِ، ووَقَتَ أحدهما ولم يُوَفَّتِ الآخرُ، فإنَّه يُقضَى بينَهُما نِصفين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما ثَمَّ خَصم عن بائعه في إثباتِ الملك له، وتوقيت أحدهما لا يدلُّ على سبق ملك بائعيه، فلعل ملك البائع الآخر أسبق، فلهذا قضينا بينهما.
وهاهنا اتَّفَقا على أنَّ الملك لبائع واحد، فحاجةُ كلّ واحدٍ منهما إلى إثباتِ الانتقال إليه لا إلى إثباتِ الملكِ للبائع، وسبب الملكِ في حقٌّ مَن وقَتَ شُهودَه، أسبق، فكان هو بالمُدَّعَى أَحقِّ.
وإنْ كانَ العَينُ في أيديهما فهو بينَهُما إِلَّا إِذا أَرخا وتاريخُ أَحدِهِما أَسبَقُ، فحينئذٍ يُقضَى لأسبقهما تاريخاً، وإنْ كانَ في يد أحدهما فهو لذي اليد، سواءٌ أَرَّخَ أو لم يُؤرّخ، إلَّا إذا أرّخا وتاريخ الخارج أسبَقُ فيُقضَى به للخارج، انتَهَى عبارة «الكافي».
وعلمت ما يزيدُ به تصويرُ المسألة عن حصره في السِّتَّةِ والثَّلاثِينَ فَصْلاً بما نقلناه عن «الظَّهيريَّة» و «العماديَّة».
وقد ذُكِرَ في «الكافي» وغيره زيادة تصوير بما إذا ادعيا نتاجاً، أو أحدهما، أو نتاجاً ومُلكاً مُطلَقاً، أو بسبب إلى غير ذلك مما لا حاجة لنا في إيراده لزيادته على ما يخصنا.
ولولا احتياج لما ذكرتُه عن «الكافي» ما سطّرْتُ عبارته خشية الإطالة ممَّا لا اضْطِرارَ إليه فيما يخصُّنا، فإنَّ الذي قدَّمتُه قبلَه هو عَينُ المسألة.
والله الحمد والمنة، ونسأله مُتوسّلينَ بحبيبه سيّدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم أَن يُدخِلَنا الجنَّةَ، وأنْ يُجيرَنا مِنَ النَّارِ، فإنَّه الكريمُ الغَفَّارُ الحليمُ السَّتّارُ.
***