الاستفادة من كتاب الشهادة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الاستفادة من كتاب الشهادة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله عالمِ الغَيبِ والشَّهادةِ حافِظِ مَن أَكْرَمَهُ عَن أَن يُخالِفَ لِسانُه فُؤَادَه، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمد خير عبادِه ذَوي الشَّرَفِ والسَّيادة، المُرْسَلِ شاهِداً ومُبشِّراً ونذيراً، زادَ الله تعالى مَحامِدَه، وإمدادَه، وشفَّعَه فينا لديه، إِنَّ اللهَ لا يُخلِفُ ميعاده.
وبعد:
فيقولُ مُريد الاستفادَةِ، حَسَنُ الشَّرنبلاليُّ، أَحسَنَ اللهُ معادَه: هذه مسائل سميتها:
«الاستفادة من كتاب الشَّهادةِ»
جمعتها امتثالاً لأمر طالبها بلَّغَهُ اللهُ مُرادَه، مُريداً بها التمييز لِما يُقبَلُ منها
عمَّا يُقابِلُه؛ ليسهل الأمرُ على مَن يُقابِلُه، ولم ألتزم الاستقصاء في ذلك؛ إذ لا به لصعوبة المسالك، وأَوْرَدْنا ما به التنبيه لذي الفَلاحِ النَّبيه ليتَقاعَدَ عن يُحاط تحملِ الشَّهادةِ؛ إذ أمرُها خَطيرٌ فَضْلاً عن منصِب القضاء الخطير، فإنَّه لا يليهما إِلَّا مَن حَسُنت فعاله وسيرته، وحُمِدَت أقواله وسريرَتُه، ورَسَخَ فِي الفِقهِيَّاتِ قَدَمُه، وأمعن في الوقائع نظره، وصح رقمه.
مقدمة:
اتَّفَقَ الأئمة الأربعة أفاضَ الله تعالى علينا من بركاتهم، وأدام وابل رحمته على ضرائحهم، على وُجوبِ عَدالةِ الشُّهودِ، فلا يجوزُ قَبول شهادةِ مَن لم يكُنْ عَدْلاً بالاتفاق، لكن قال الإمام الأعظمُ أبو حنيفة رحمه الله: يقتصر الحاكم على عدالة المسلم إذا لم يطعن فيه خَصْمُه، إلَّا في الحُدودِ والقصاص، فيسأل القاضي عنهم فيها وإن لم يُطعن فيهم. وقال أبو يوسف ومحمَّدٌ رَحِمَهُما الله: لا بُدَّ أن يُسأل عنهُم طَعَنَ الخصم أو لم يطعن في سائر الحقوقِ سِرًّا وعَلَناً، والثَّابِتُ قُوَّةُ دليل الإمام، كما هو مذكورٌ في محله، ومع ذلك الفتوى على قول صاحبيه؛ لاختلافِ حالِ الزَّمانِ، ولهذا قالوا: الخلافُ خِلافُ زَمَانٍ لا حُجَّةٍ وبُرهان.
وأحسنُ ما قيل في تفسير العَدْلِ الذي تُقبَلُ شَهادته وقد سَلِمَ عن معنى تُرَدُّ به لتهمة لا لعَدَمِ عدالتِه، هو ما نُقِلَ عن القاضي أبي حازِمٍ حِينَ سَأَلَه عُبَيدُ اللهُ بنُ سليمان وزير المُعتَضِدِ عنِ العَدالةِ فقالَ: أَحسَنُ ما قيل في هذا الباب ما نُقِلَ عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي، أنَّه قال: أن لا يأتي بكبيرة، ولا يُصِر على صغيرة، ويكون ستره أكثَرَ من هَتْكه، وصوابه أكثَرَ من خَطَيْه، ومُروءتُه ظاهرة، ويستعمل الصدق، ويجتَنِبُ الكَذِبَ دِيانةً ومُروءَةً، انتَهَى.
وقال الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمه الله تعالى: وكان يكفيه إلى قوله: «ومُروءَتُه ظاهرة».
وعبارة «الهداية» هو معنَى المَروِيٌّ عن أبي يوسف، وهي: إذا كانَتِ الحسَناتُ أعْلَبَ منَ السَّيِّئَاتِ، وهو يجتَنِبُ الكبائر، قُبِلَتْ شَهادَتُه، انتَهَى. يعني مُعظَم المَروِيٌّ كما لا يخفى، ومثله في «المُحيط»، وفيه أيضاً: سُئِلَ محمَّدٌ عنِ العَدْلِ، فقال: الذي لا يظهر منه ه ريبةٌ، انتهى.
وهذا أضيقُ من المَروي عن أبي يوسف كما ترى، ومن شروط العدالة المذكورة في المُحيط»: أن يكونَ مَعروفاً بصِحَّةِ المُعامَلَةِ في الدينارِ والدّرهم؛ لأنَّ تَردادَ الرَّجُلِ وصيانته ووَرَعَه ودِيانته إنَّما تُعرَفُ بِصِحَّةِ مُعَامَلَتِهِ؛ لَقَولِ عُمَرَ رضِيَ الله عنه: لا يُغَرَّنَّكُم طَنْطَنَةُ الرَّجُلِ فِي صَلاتِه، انظُرُوا إلى حاله في دِرهَمِه و ديناره.
ورُوِيَ أَنَّ رَجُلانِ شَهِدا عندَ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه فقالَ: إِنِّي لا أعرِفُكما، ولا يضُرُّكُما إذا لم أعرِفُكُما، فائتيا بمن يعرفكما، فجاءا برجله، فقالَ عُمَرُ لذلك الرجل: هل تعرِفُهما؟ فقال: نعم، فقالَ: أَكُنْتَ معهما في السَّفَرِ الذي يتبَيَّنُ فيه جَواهِرُ النَّاسِ؟ فقال: لا، فقال: أكُنْتَ جَارَهُما تعرِفُ صَباحَهما ومَساءَهما؟
فقال: لا، فقال: أَعامَلْتَهُما في الدرهم والدينار؟ فقال: لا، فقال: يا ابن أخي إنَّك إذاً لا تعرِفُهما.
فَعُمَرُ رضي الله عنه لم يقض قبلَ السُّؤالِ والعدالة إِنَّما تُعرَفُ بالامتحانِ والتجربة، أو بالسؤالِ والتَّعرُّفِ عن حاله عند اشتباهه واستتاره، والعدالة مشروطةٌ في الشَّهادة المستورة؛ لقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق:]، فقد شَرَطَ العدالة في الشَّهَادَةِ. والعدالة عبارةٌ عنِ الانزجارِ والاجتناب عنِ الفُسوق والأباطيل، والاستقامة على حدودِ الدِّينِ، وخَبُرُ مَن ليس بمعصوم عن الإفكِ لا يَتَرَبَّحُ صِدقُهُ إِلَّا بِما ذَكَرْنا. قال محمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ: كَمْ مِن رَجُلٍ أَقبَلُ شَهَادَتَه ولَا أَقبَلُ تَعدِيلَه؛ لأَنَّه يُحْسِنُ أن يُؤَدِّيَ ما سمِعَ ولا يُحسِنُ التَّعديل.
وقال محمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ: غَرِيبٌ نَزَلَ بينَ أَظْهُرِ قَومٍ سَتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَم يَرَوا منه إِلَّا خيراً، جاز لهم أن يُعدّلُوه؛ لأنَّ حالَ الرَّجُلِ في الفِسْقِ والعدالة يتبَيِّنُ بمُضي ستَّةِ أشهر ظاهراً.
وقال أبو يوسف آخراً: إذا مَكَثَ سنةٌ ولم يعرِفُوا منه إلَّا خَيْراً، جاز لهم أن يُعدِّلُوه؛ لأنَّ الوقوف على حالِ الإنسانِ إنَّما يكون بالتجربة والامتحانِ، والمُدَّةُ التي تصلح للتجربة والاختبارِ السَّنةُ الكاملة، كما في العِنِّين للإصابة.
وفي المُحيط»: رَجُلانِ عَدْلانِ، أو رجُلٌ وامرأتانِ عدلا رجُلاً عندَ رَجُلٍ، وَسِعَ السَّامِعَ أن يُعدِّله إذا وقع في قلبه أنَّ الأمر على ما قالا، إذا لم يتقادَمِ العَهْدُ، فإذا عَرَفَ المُعدلُ العدالة وتيقنها صفةً من قامت به، يُعدله.
ويُشترط أن يكونَ المُعدِّلُ عارِفاً بأحوالِ النَّاسِ، وأسباب الجرْحِ، وشرائط العدالة، ولذا قيلَ: إِنَّ الإمامَ الزِّيلَعيَّ شارِحَ الكَنْزِ» إِنَّمَا اعْتَنَى بَرَدَّ كلامِ السُّرُوجِيِّ شارح «الهداية»؛ لأنَّه ردَّ شهادَتَه، فلمَّا بَلَغَه ما فعَلَ الزِّيلَعِيُّ بكلامه في «شَرْحِه»، قالَ: إِنِّي لم أرَدَّه لفُحش فيه، بل لاعتزاله عنِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِسَطْحِ الجامعِ الأَزْهَرِ مَشغُولاً بما هو بصَدَدِه من نحوِ شَرْحِ «الكَنْزِ»، رحِمَهُم الله.
وأمَّا المُروءَةُ، فقيل في تعريفها: أنْ لا يأتي الإنسانُ ما يعتذر منه ممَّا يَحُطُّه عن مَرتبَتِه [عند أهلِ الفَضْلِ، كما قيلَ: إِيَّاكَ وما يسبِقُ للعُقولِ إِنكارُهُ] وَإِنْ كَانَ عِندَكَ اعتذاره.
وقيل: السَّمْتُ الحسَنُ وضَبْطُ اللسان، وتجنُّبُ السُّخْفِ والمجون، والارتفاع من كُلِّ خُلُق دني.
والسُّخْفُ: رِقَةُ العَقْلِ، من قولهم: ثَوبٌ سخيف: إذا كانَ قليلَ الغَزْلِ. فإذا شَهِدَتِ البيِّنةُ، طَلَبَ القاضي التَّزكية، والواحدُ العَدْلُ المُسلِمُ يكفي للتّزكية سراً عند أبي حنيفة وأبي يوسُفَ، والاثنانِ أَحوَطُ.
وقال محمَّدٌ: لا يجوزُ إِلَّا تزكيةُ اثْنَيْنِ إذا لم يَرْضَ الخصم بواحد، وإِنْ رَضِيَ به جازَ اتّفاقاً، سواء كانَ المُزكِّي رجُلاً أو امرأةً، أو حُرًا أو عَبْداً، أو بصيراً أو أعمى، أو مَحدوداً في قَذْفٍ وقد تابَ صبيَّا، أو زَوْجاً لزوجته، أو أصلاً لفَرْعِه، أو عَكْسَه، أو عَبْداً لمولاه، وقلبه.
وهذا في غير الحدودِ والقصاص، ففي حد الزنا لا بُدَّ من أربعةِ رِجالٍ ذُكورٍ بهم أهليَّةُ الشَّهادة، وفي باقي الحدودِ والقِصاصِ لا بُدَّ من ذُكورةِ المُزكِّي، وقيَّدْنا بتزكية السر؛ للاحتراز عن تَزكية العلانية؛ لأنَّه يُشترط فيها جميعُ ما يُشترط في الشَّهادةِ، مِنَ الحرِّيَّةِ والبصر وغير ذلك، إلَّا لفظ الشَّهادةِ إجماعاً.
وكذا يُشترط العدَدُ فيها، وينبغي للقاضي أن يختار في المسألة عن الشُّهودِ من هو أخبر بأحوالِ النَّاسِ، وأكثَرَهم اختلاطاً بالنَّاسِ مَعَ عدالتِه، عارِفاً بما يكونُ جَرْحاً، وما لا يكونُ جَرْحاً، غير طماع ولا فقير، كيلا يُخدَعَ بالمال، فإنْ لم يكُنْ في جيرانِ الشَّاهِدِ ولا أهلِ سُوقِه مَن يثق به سألَ أهل محلَّتِه، وإنْ لم يَكُنْ فيهم ثقةٌ اعتبر في الشهود تواتر الأخبار.
واعلَمْ أَنَّ الجرحَ مُقَدَّمٌ على التَّعديل؛ لأنَّ الجارح اعتمد دليلاً هو العيانُ لارتكاب الشَّاهِدِ محظور دينه، والمُعدِّلُ يشهدُ بالظَّاهِرِ، ولم يعتمد على دليل، فإذا عدله واحد وجرحه، آخَرُ، فالجرح أولى، فإن عدله آخر، فالتَّعديلُ أَوْلى؛ لأنَّه حُجَّةٌ كاملة، ولو عدله جماعةٌ وجَرَّحَه اثنان، فالجرحُ أولى؛ لاستوائهما في النُّبوتِ؛ لأنَّ زيادةَ العَدَدِ لا تُوجِبُ التَّرجيح.
واعلم أيضاً أنَّ القاضي لا يسمعُ الشَّهادة على الجرح المُجرَّدِ، وهو الذي لم يتضَمَّن حَقًّا للعباد ولا الشَّرع؛ لأنَّ الفِسْقَ المُجرَّدَ ممَّا لا يدخُلُ تحت الحكم؛ لأنَّ الفاسِقَ يرتفعُ فِسقه بالتّوبة، ولعله تابَ في مجلسه.
وأما إذا كان الجرح غير مُجرَّدٍ، فيُقبَلُ لقولهم: زَنَا، شَرِبَ الخمرَ، سَرَقَ، قَتَلَ، فإذا ثَبَتَ ذلك، ثَبَتَ الجَرْحُ في ضِمْنِه.
واعلَمُ أيضاً أنَّه لا ينحصِرُ الطَّعنُ في الجرح المُجرَّدِ، فَإِنَّه يكونُ بغَيرِه بما لا يكونُ فِسقاً، بل لرَدَّ الشَّهادةِ لتُهمةٍ؛ كبُنوّة وأُبوّة، وزَوجِيَّة، وشركة، ومُخاصمةٍ بوكالة سابقة، وعدواةٍ دُنيويَّة، وغَيْرِها.
واعلَمْ أنَّ ردَّ الجرْحِ المُجرَّدِ إذا بَرْهَنَ الخصيم عليه جَهْراً، وأمَّا إذا أخبر به القاضي سِرًّا، وقامَتْ به بَيِّنَةٌ سِرًّا، أبطَلَ الشَّهادةَ للتَّعارُضِ، ويُقدَّمُ الجَرْحُ. واعلَمْ أيضاً أنَّه يُكتَفَى بقولِ المُعدِّلِ: هو عَدْلٌ، وأَنَّه يُكتَفَى الآنَ بتَزكيةِ السِّرِّ؛ لأنَّ تزكيةَ العَلانية بلاء وفتنةٌ، وقد فَسَدَ أهلُ الزَّمانِ، وصِفةُ السِّرِّ أن يبعَثَ القاضي رقعةً مع أمينه سِرًّا إلى المُزكِّي، وتُسمَّى مستورةً لهذا، أو لأنَّها تُستر عن أعيُنِ العَوام، فمَن عَرَفَ الشَّاهِدَ بالعدالة كتَبَ تحت اسمه: هو عَدْلٌ جَائِرُ الشَّهَادَةِ، ومَن لم يعرفه بشيءٍ كتَبَ: هو مَستورٌ، ومَن عَرَفَه بالفسق لم يُصرِّح به، بل يكتُبُ: الله أعلم بحاله، إلَّا إذا عدَّلَه غَيْرُه وخافَ أنَّه لو لم يُصرِّح بذلك يقضي القاضي بشَهادَتِه، فحينئذ يُصرح بذلك.
وإذا علم القاضي بالجَرْحِ يقول للمُدَّعي: زِدْني شهوداً، أو يقول: لم تُحمَد شُهودك.
* تنبيه: قدَّمْنا جَوازَ تزكية الأعمى، ولا يجوز ترجمته؛ فإِنَّ التَّرجُمانَ الأعمى لا يجوز عند الإمام، ويجوز عند أبي يوسف، وكذا لا يكونُ المُترجِمُ امرأة، وتصلح للتزكية.
والواحد يكفي للرّسالة من القاضي إلى المُزكِّي، ومنه إلى القاضي، ويكفي الواحد في الترجمة عنِ الشُّهودِ والمُدَّعي والمُدَّعَى عليه، وكما يُكتَفَى بالواحدِ
العَدْلِ في التَّرْكيةِ يُكتفَى به في الجرح، وتقويمِ المُتلَفَاتِ والصَّيدِ.
وأما في تقويمِ السَّرقة فلا بُدَّ من اثنين، وكذا يُكتفى بالواحد في تقديرِ الأَرْشِ
به، وصفة المُسْلم فيه بعد إحضاره، والإخبار بإفلاس المحبوس لإطلاقه، وعَيبٍ المبيع، ورؤية هلال رمضانَ بعِلَّةٍ، وطهارة الماء ونجاستِه، وحِلَّ المُدَكَّى وحُرمتِه، والإخبار بالمَوتِ، وعَزْلِ الوكيلِ وحَجْرِ المأذون، وإخبار البكر بتزويج وليها إيَّاها من زيد بكذا منَ المَهرِ والشَّفيع بالبيع، والمسلم الذي لم يُهاجِرُ بالشَّرائع، واستهلالِ الصَّبيُّ للصَّلاةِ عليه، لا الإرث، والبكارة، والولادة حال قيام النكاح وعيوب النساء، والاثنان أحوط، فتنبه حفِظَكَ اللهُ لِما أشرنا إليه من بعض ما يجب على القاضي من متعلقاتِ الشَّهادةِ.
ولصعوبة أمرِ القَضاءِ وَإِنْ كَانَ أَجِلَّ المَناصِب بحَقِّ، ولعِزَّةِ القيام بحقه امْتَنَعَ الإمام الأعظم ومثله عنه.
ذكر في المُلتقط» عن غَسَّانِ بنِ محمَّد المروزي رحمه اللهُ قالَ: قَدِمْتُ الكوفة قاضياً عليها، فوَجَدْتُ فيها مئة وعشرينَ عَدْلاً، فطلبْتُ أسرارهم فردَدْتُهم إلى سنة ثمَّ أسقَطْتُ أربعةً، فلما رأيتُ ذلك استعفيْتُ واعتَزَلْتُ.
ولكن قال الفقيه: لو استقصى القاضي ذلك، لضاق الأمر، ولا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ بغَيرِ عَيبٍ كما قيل: فلَسْتَ بِمُسْتَبْق أخاً لو تلومه على شَعَثِ أَيُّ الرِّجالِ المُهذَّبُ ومما هو مُقرَّرٌ عَدَمُ قَضاءِ القاضي بعِلْمِهِ؛ لفَسادِ الزَّمانِ، وقد أُريد الماضي، فكيف وقد أُشيع الآنَ أنَّهم لا يصلُونَ إِليه إلَّا بالمال، وبه يُعلَمُ حكمُ التولية، فإذا نظَرَ مَن غرمَ المال حتَّى صارَ قاضِياً إلى شُروطِ الشَّاهِدِ وشُروطِ القضاء، ونظَرَ إلى المعلومِ والمَحصول لم يجد شيئاً، فترك المطلوب منه شَرْعاً لمطلوبه.
ولمَّا كانَ العِلمُ أمانة في أعناقِ العُلَماء يلزَمُ إيصالها، وقد وصَلَتْ، فمِنَ الأمانة حكمُ الشَّهادةِ ومَعرِفَتُها لغةً وشريعة.
فهي لغةً: إخبار قاطع.
وفي عُرفِ أهلِ الشَّرعِ إِخبارُ صِدْقٍ لإثباتِ حق بلَفْظِ الشَّهادة في مجلسِ القضاء.
وأمَّا سببُها: فما أَفْضَتْ إليه من قول أو فعل.
وأما سبب وجوب أدائها فطلب من له الحق، أو خَوفٌ ضَياع حقه.
وأَمَّا رُكنُها فقَولُ الشَّاهِدِ: أَشْهَدُ بكذا.
وأمَّا حُكمُها: فلُرُومُ القَضاءِ بها.
ومَحاسِنُها كثيرة منها امتثال الأمر لقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء:].
وأما شرائطها، فنَوعان: نوع هو شرط تحمُّلِ الشَّهادة، ونوع هو شرط أداء الشَّهادةِ، فشَرائِطُ تحمل الشَّهادة أربعةُ: العقل وقت التحمل، والبَصَرُ.
والثَّالث: معرفةُ مَن يشهد عليه بإقرار ونحوه معرفة ذاتٍ ونسب، فلا يجوزُ الاعتماد على قولِ المُقِرُ: إِنِّي فُلانُ بنُ فُلانٍ؛ لِما قال في «جامعِ الفُصُولَينِ»: لا يجوز الاعتماد على إخبارِ المُتعاقِدَينِ باسمهما ونسبهما، لعلهما تسَمَّيا وانتَسَبا باسم غيرهما ونسَبِه يُريدانِ تزويراً على الشُّهودِ؛ ليُخرِجا المبيعَ من يد مالكه ونحوه، فلو اعتُمد على قولهما، نفَذ تزويرهما، وبطل أعمالُ النَّاسِ.
وهذا فصل غفَلَ عنه كثيرٌ منَ النَّاسِ؛ فإنَّهم يسمَعُونَ لَفَظَ الشَّراءِ والبيع والإقرارِ والتَّقابض من رَجُلَين لا يعرفانِهما، ثمَّ إذا استُشهدا بعد مَوتِ صاحب المبيع؛ أي:
ونحوه، شهدوا على ذلك الاسم والنَّسَبِ، ولا عِلم لهم بذلك، فيجب أن يُحترز عن مثل ذلك حَذَراً عنِ المُجازَفَةِ، وعن ضَياع أموالِ النَّاسِ.
وطريقُ علمِ الشُّهودِ بالنَّسبِ أن يشهَدَ عندَهُم جماعةٌ لا يُتَصَوَّرُ تَواطُؤُهم على الكذب عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندَهُما شهادة رجلين كافٍ للتعريف كما في سائر الحقوق، وعليه الفتوى، انتهى.
والرابع: أنْ يكونَ التَّحملُ بمُعاينة المشهود به بنفسه لا بغيرِه إِلَّا في أشياءَ جازَ فيها التحملُ بالنِّسامُعِ منَ النَّاسِ، منها النكاحُ والنَّسَبُ والمَوتُ، وَأَمَّا الوَلاءُ فلا يُقبل فيه التَّسامُعُ عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسفَ الأَوَّلُ، ثمَّ رَجَعَ وقالَ: يُقبَلُ، والصَّحيحُ جَوابُ ظاهرِ الرّواية؛ لأنَّ الوَلاءَ ليس مبنيا على الاشتِهارِ، فليس كالنسب، فلا بُدَّ من مُعاينة الإعتاق حتَّى لو اشتهر كاشتهار نافع مولى ابنِ عُمَرَ رضِيَ الله عنهما حلَّتِ الشَّهادة به.
وأمَّا الشَّهادةُ بالسَّسامع في الوَقْفِ فلم تُذكَرُ في ظاهرِ الرّوايةِ إِلَّا أَنَّ مشايخنا الحَقُوه بالمَوتِ؛ لأنَّ مَبَنَى الوَقْفِ على الاشتهار أيضاً، وكذا تجوز الشهادة بالسامع في القضاء والوِلاية أنَّ هذا قاضي بلد كذا، وهذا والي بلد كذا، وإن لم يُعاين المنشور؛ لأنَّ مَبَنَى القَضاءِ والولاية على الاشتهار.
واختُلِفَ في تفسير التَّسامُعِ مِنَ النَّاسِ، فعند محمد رحمه الله هو أن يشتهر ذلك ويستفيض، وتتواتر به الأخبارُ عندَه من غيرِ تَواطؤ؛ لأنَّ الثَّابِتَ بالتَّواتُرِ كالشَّهادةِ عن معاينة في هذه الأشياء.
وذكر الخصَّافُ أَنَّه إذا أَخبَرَه رجُلانِ عَدْلانِ، أو رجل وامرأتان بها، حلّ له أن يشهد بذلك؛ استدلالاً بحكم الحاكم؛ فإنَّه يحكُمُ بِشَهادَةِ اثْنَيْنِ عنده من غيرِ مُعاينةٍ، بل بخَبَرِهما، ويجوز له أن يشهد بذلك بعدَ العَزْلِ، كذا هذا.
وأمَّا شرائط أداءِ الشَّهادةِ، فأنواع بعضُها يرجعُ إِلى الشَّاهِدِ، وبعضُها يرجعُ إلى نفس الشَّهادة، وبعضُها يرجعُ إلى [مَكانِ الشَّهادةِ، وبعضُها يرجعُ إلى المشهود به. أما الذي يرجعُ إلى] الشاهد، فأنواعٌ، بعضُها يعُمُ الشَّهاداتِ كلَّها، وبعضُها يخص البعض.
أمَّا الشَّرائط العامَّةُ، فمنها العقل؛ لأنَّ مَن لا عقل له لا يعرِفُ الشَّهادَةَ، فكيفَ يقدِرُ على أدائها؟
ومنها البلوغ، ومنها الحرِّيَّةُ، ومنها بصَرُ الشَّاهِدِ عند أبي حنيفة ومحمد، فلا تُقبَلُ شَهادة الأعمى عندَهُما، سواء كانَ بصيراً وقتَ التَّحمل أو لا، وعند أبي يوسُفَ ليس بشرط حتَّى تُقبلُ شَهادته إذا كانَ بصيراً وقتَ التَّحمل، وهذا إذا كانَ المُدَّعَى شيئاً لا يحتاجُ إلى الإشارة إليه وقتَ الأداء، فأَمَّا إذا احتاج، فلا تُقبَلُ شَهادَتُه بالإجماع.
ومنها النُّطق، فلا تُقبل شهادة الأخرس.
ومنها العدالة، وهي شرط لقبولِ الشَّهادةِ وُجُوداً على الإطلاق ووُجُوباً، لا شرط أصل القبولِ، حتَّى يثبتُ القبول بدونها في الجملة، لكن لا يثبت لا محالة، ولا يجب القبولُ أصلاً بدونها.
ومنها أن لا يكونَ مَحدوداً في قَذْفٍ، وهو شرط الأداءِ، حَتَّى إِذَا حُدَّ ذِمِّي بِقَلْفِ مسلم، لا تُقبل شهادته على أهلِ الذَّمَّةِ، فإن أسلم جازَتْ شهادته عليهم وعلى المُسلمين، ولو ضُرِبَ الذّمِّيُّ بعض الحدثمَّ أَسلَمَ، فَضُرِبَ الباقي، تُقبَلُ شَهادته في ظاهر الرواية، وفي روايةٍ تُرَدُّ بضَرْبِ سَوْطٍ واحد بعد الإسلام؛ لأنَّ السَّياطَ المُتقدِّمة توقف كونُها حدا على وُجودِ السَّوط الأخير، وقد وُجِدَ في الإسلام. وفي رواية: اعتُبر الأكثر بعد الإسلام، والصَّحِيحُ جَوابُ ظَاهِرِ الرواية؛ لأنَّ الحد هو الكل. ومنها: أن لا يجُرَّ الشَّاهِدُ لنَفْسِه مَغْنَماً، ولا يدفَعَ عن نَفْسِهِ مَغْرَماً. ومنها: أن يكون عالماً بالمشهود به وَقْتِ الأداء ذاكراً له عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف، وعند محمد ليسَ بشَرط، حتَّى لو رأى اسمه وختمه وخَطَّه في الكتاب لكنه لا يذكرُ الشَّهادة، لا يجوز له أن يشهد، وإن أخبره النَّاسُ، ما لم يتَذَكَّرُ بنَفْسِه، ولو شَهِدَ وعَلِمَ القاضي به لا تُقبَلُ شَهادَتُه عنده، وعندَهُما له أن يشهَدَ، وإذا عُزِلَ القاضي ثمَّ اسْتُقضي، فأراد أن يعمل بشيءٍ ممَّا كانَ في ديوانه الأوَّلِ، ولم يذكر ذلك، ليس له ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما له ذلك. وأما الشرائط التي ترجع إلى نفس الشَّهادةِ: فأنواع منها لفظ الشَّهادة، فلا تقبل بغيرها من الألفاظ؛ كلفظة الإخبار والإعلام، وأن تكون بصيغة المُضارع،
ولا يجوز: «شَهِدْتُ»؛ لأنَّ الماضي موضوع للإخبار عما وقع، نحو: «قُمتُ»، لاحتمال أن يكونَ مُخبراً عن الماضي لا الحال، ولفظ «أشهدُ» يُستَعمَلُ في القسم، فيتضَمَّنُ معنَى المُشاهَدَةِ مُقسَماً عليه، فكأَنَّه قال: أُقسم بالله لقد رأيتُ كذا، وأنا الآنَ أشْهَدُ به.
ومنها أن تكونَ مُوافِقةً للدَّعوَى فيما يُشترط فيه الدعوى، فإن خالفتها، لا، إلا إذا وافق المُدَّعي بين الدعوى والشهادة عند إمكان التوفيق، وفُروعُها في محلّها.
وأَمَّا الشَّرائط التي ترجِعُ إلى المشهودِ به: فمِنها أن تكونَ الشَّهادَةُ بِمَعلومٍ، فَإِنْ كانَتْ بمَجهول لم تُقبَل؛ لأنَّ عِلمَ القاضي بالمَشهودِ به شَرْطُ صِحَّةِ قَضائِه، فما لم يُعلَمْ لا يُمكِنه القَضاءُ.
فإذا شهدا عنده أنَّ فُلاناً وارِثُ هذا الميِّتِ لا وارِثَ له غيرُه لا تُقبَلُ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما شَهِدا بمَجهول، لجهالة أسباب الوِراثة واختِلافِ أحكامها، فلا بُدَّ أن يقُولُوا: ابنه أو أخوه شقيقه لا يعلَمونَ له وارثاً غيرَه، وقولهم: لا يعلَمُونَ له وارِثاً غيرَه؛ لئلا يتلوَّمَ القاضي، لا لأَنَّهُ مِنَ الشَّهَادَةِ.
وأمَّا الشَّرائط التي تخُصُّ بعضَ الشَّهاداتِ دونَ بعض: فأنواعٌ، منها الدعوى في الشَّهادةِ القائمة على حُقوقِ العبادِ منَ المُدَّعي بنفسه أو بنائبه.
وأما في حقوق الله تعالى، فلا يُشترط فيها الدَّعوَى، كأسباب الحرُماتِ منَ? ? ?
الطلاق وغيره، وأسباب الحدودِ الخالصة حقًا لله تعالى، إِلَّا أَنَّه شُرِطَتِ الدَّعَوَى في باب السرقة؛ لأنَّ كَونَ المَسروق ملكاً لغَيرِ السَّارِقِ شَرْطُ تحقُّقِ كَونِ الفِعلِ سَرِقَةً شَرْعاً، ولا يظهر ذلك إلَّا بالدعوى، فشُرِطَت لهذا.
ومنها العَدَدُ في الشَّهادةِ بما يطَّلِعُ عليه الرّجالُ، ففي حد الزنا أربعة رجال، وفي باقي الحدودِ والقصاص رجُلانِ، وفي سائر الحقوق والعُقودِ رَجُلٌ وامرأتان، أو رَجُلانِ.
وأما فيما لا يطَّلِعُ عليه الرّجالِ؛ كالولادة، والعُيوبِ الباطنة بالنِّساءِ: فالعَدَدُ فيه ليس شرطاً، فتقبل امرأةٌ، والشّتانِ أحوط، ولو شهِدَ رَجُلٌ واحدٌ بالولادة تُقبل؛ لأنَّه لمَّا قُبِلَ شهادة امرأة واحدة، فشهادة رجل واحدٍ أولى. وسنذكره. ومنها: اتفاق الشَّهادَتَينِ فيما يُشترط فيه العدَدُ، فإن اختلفا، لا تُقبل، وتفصيل الاختلاف في محله.
ومنها: اختلافُ الشَّهادةِ فِي الزَّمانِ والمَكانِ، فإنْ كانَ ذلك في الأقارير، لا يمنعُ القبول، وإنْ كانَ في الأفاعيل؛ كالقتل، والقطع، والغَصب، وإنشاء البيع والطَّلاقِ والعتاق والنِّكَاحِ؛ يمنعُ القبول. وَجهُ الفَرْقِ أَنَّ الإقرار ممَّا يحتمل التكرار، فيُمكِنُ التَّوفيق بينَ الشَّهَادَتَينِ بسماعه الإقرار في زمانين أو مكانين، فلا يتحقق الاختِلافُ بينَ الشَّهَادَتَينِ، بِخِلَافِ القتل والقَطْعِ وإنشاء العُقودِ والفُسوخِ، لأنَّها لا تحتمل التكرار، واختِلافُ الزَّمانِ
والمكان فيها يُوجِبُ اختلاف الشهادتين، فيمنعُ القبول، وسنذكر بعضها.
وأما الذي يرجعُ إلى المكان، فواحد، وهو مجلس القضاء؛ لأنَّ الشَّهادة لا تصيرُ حُجَّةٌ مُلزِمَةً إِلَّا بِقَضاءِ القاضي، فتَحْنَصُّ بمجلس القضاء.
ومنها إسلامُ الشَّاهِدِ إذا كانَ المَشهود عليه مُسلِماً، فتقبل شهادة الدمي على مثله، وعلى المُستأمن سواءٌ اتَّفقَتْ مِلَلُهم أو اختَلَفَتْ بعد أن كانَ عَدْلاً في دينهم، ولا تُقبل شهادةُ المُستأمن على الدمي؛ لأنَّه ليس من أهل دارِ الإسلام حقيقة، وإنْ كانَ فيها صورة، والذُّمِّيُّ من أهل دارِ الإسلام، فاختَلَفَتِ الدَّارُ، فلم تُقبل شهادته على الدمي، وقُبِلَتْ شهادةُ الذِّمِّي عليه بالنَّص الذي منه لهم ما للمُسلمين، وشهادةُ المُستأمن على المُستَأْمَنِ تُقبَلُ إِنِ اتَّفَقَتْ دارُهم ومِلَلُهم، وإن اختَلَفَتْ لا تُقبل.
ومنها: عدَمُ التَّقادُمِ في الشَّهادة على الحدودِ كلَّها إِلَّا حدَّ القَدْفِ، ومحله كتاب الحدود.
ومنها: قيامُ الرّائحة في الشَّهادةِ على شُرب الخمر.
ومنها: الأصالة في الشَّهادةِ على الحدودِ والقصاص، فلا تُقبَلُ فيها الشَّهادة على الشَّهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، وبَسطها في «البدائع»، رحِمَ اللهُ مُؤلَّفَها، ورَحِمَنا ومشايخنا بفَضْلِه وكرَمِه. آمين.
فالحاصل أنَّ شرائطها خمسة وعشرونَ شَرْطاً: شرائط التَّحمل أربعة، وشرائط الأداء سبعةَ عشَرَ، منها عشَرَةٌ عامَّةٌ، ومنها سبعةٌ خاصَّةٌ، وشرائط نفس الشَّهادةِ ثلاثة، وشرط مكانها واحد.
وأمَّا صِفةُ الشَّهادةِ فهي إمَّا أن تكونَ فَرْضاً بالنَّظرِ للمتعاقِدَينِ، وإِمَّا أن تكونَ فَرْضاً شَرْطاً لِصِحَّةِ عَقدِهما، وإما أن تكونَ مَندوبةً على الفعل.
وأمَّا بالنظرِ لتَحَمُّلِها فَفَرْضٌ إِلَّا لعُذر كأدائها، إذا عرَفْتَ ذلك فنقول:
أما بالنظر إليهما، فقال في «البَزَّازيَّةِ» عن «النصاب»: الإشهاد في المبايعة والمداينةِ فَرْضٌ على العبادِ؛ لأنَّه يتلف المال لولاه، إلَّا إذا كانَ نحو درهم لحقارته. انتهى
وفي «البحر» عن «المُلتقط»: الإشهاد على المُدايَنةِ والبُيوعِ فَرْضٌ، كذا رَواهُ نصير رحمه الله تعالى، انتَهَى.
وذكر الإمامُ الرَّازِيُّ في أحكامِ القُرآنِ» أنَّ الإشهادَ على المبايعاتِ والمُدايَناتِ مندوب، إِلَّا النَّزْرَ اليسير، كالخُبز والماء والبَقْلِ، وأطلقه جماعةٌ مِنَ السَّلَفِ حتَّى في البقل، انتهى.
و من قَبيلِ النَّظر للفاعل الإشهاد على الرّجعة في الطَّلاقِ الرَّجْعي، وهو مندوب.
وأمَّا بالنَّظر إلى العَقْدِ، فليس الإشهادُ شَرْطاً لصحتِه إِلَّا فِي النِّكَاحِ.
وأمَّا بالنَّظر لتحمُّلِها، فقال في «البَزَّازِيَّةِ»: لا بأسَ للرَّجُلِ أن يتحَرَّزَ عَن قَبولِ الشَّهادة وتحمُّلِها، طُلِبَ أن يُكتَبَ شهادَتُه، أو يشهد على عقد، أو طُلِبَ منه الأداء، إنْ كانَ يَجِدُ غيره، فله الامتناع، وإلا فلا، وإنْ كانَ هو أسرع قبولاً من آخرين، ليسَ له الامتناع عن الأداء؛ لما فيه من الأداء إلى ضياع الحقِّ.
وأجابَ خَلَفُ بنُ أَيُّوبَ فيمَن له شهادةٌ فَرُفِعَتْ إلى قاض غيرِ عَدْلٍ له
أن يمتنع عن الأداء حتَّى يشهدَ عندَ قاضٍ عَدْلٍ، وقال في «البَزَّازِيَّةِ» قبلَه عن الإمامِ الفَضْلي: أُشهِدَ على شيءٍ ثمَّ امْتَنَعَ عن أداءِ الشَّهادةِ، وعلم أنه لو لم يشهَدْ ضاعَ الحقُّ، يفسق بتَركِ الأداء، وعبارة «الأجناس»: إِنْ قُدِرَ على شاهد غيره لا يأثم، وإِلَّا، يأْثَمُ، وهذا كالأوَّلِ.
وفي النَّوازِلِ»: منزِل الشَّاهِدِ بحال لو ذَهَبَ للأداءِ يُمكِنه الرجوع في يومه إلى منزله، لزم عليه الحضور، وإلا لا، انتهى.
الشَّهادة على مراتب بابُ مَن تُقبَلُ شَهادَتُه شهادة فَردٍ على أمر ديني أو غيره؛ كرُؤية هلالِ رمَضانَ، وولادةِ الزَّوجةِ، غيرَ أنَّ الدِّينيّ المَحْضَ يُكتَفَى فيه بالإخبارِ؛ كطَهارةِ الماءِ ونَجاستِه، ودخولِ الوَقْتِ، فلا يُشترط فيه لفظ: «أشهَدُ»، وما لا يطَّلِعُ عليه الرّجالُ؛ كالوِلادةِ والبَكَارَةِ وعُيوبِ النِّساءِ يُشترط فيه لفظ الشَّهادةِ على المفتى به، وتُقبَلُ فيه شهادة رجُلٍ في الأصح؛ حَمْلاً على أنَّه رأى الفَرْجَ من غيرِ قَصْدِ، أو قَصَدَ تحمُّلَ الشَّهادةِ فلا يَضُرُّ. وشَهادةُ مَثْنَى في سائر الحقوقِ وما شاكَلَها؛ كرُؤية هلالِ شَوَّالٍ مَعَ عِلَّةٍ، وشُرِطَ فيه لفظ الشَّهادةِ، ودَعوَى الأموال.
وشهادة أربعة رجالٍ، وهي في الشَّهادة على الزنا.
وشهادة الجمعِ العظيمِ لرؤيةِ رمَضانَ وغَيرِه، وليس بالسَّماءِ عِلَّةٌ، ونحو ذلك كالشَّهادة على النفي المُستفيض.
فمِمَّنْ تُقبَلُ شَهادَتُه:
الأصل على فَرْعِه، والفَرْعُ على أصله.
وتُقبَلُ شَهادة أحدِ الزَّوجَينِ على الآخَرِ إِلَّا على زِناها وقَذْفِها.
وتُقبَلُ على العدوّ بعَداوة دينيَّةٍ.
وتقبل القريب محرم ليس قريب ولاية كاخ وعم.
وتُقبَلُ لأبويه رضاعاً، وولد رضاعاً، ولأم امرأته وأبيها، ولزَوجِ بِنتِه وامرأة أبيه وابنه، وأخت امرأته.
وتُقبَلُ شَهادة الأقلَفِ إذا ترَكَ الخِتانَ لعُذرِ، وشَهادةً [مَن حُدَّ بِقَذْفٍ في كُفِرِه، ثُمَّ أسلَمَ، وشَهادة الخصي والخُنَثَى المُشكِل، وهو مَقامُ امرأة، وولد الزنا، والأجيرُ المُشترَكُ، وشهادة من أعادَها وكانَ شَهِدَ في حال لم تُقبل فيه، ولكن لم تردَّ شَهادَتُه لتُهمةٍ؛ كَزَوجيَّةٍ.
ولو رُدَّتْ شهادة صغير أو أعمى أو عبد أو كافر على مُسلِمٍ، ثمَّ أَعادَها بعد بلوغ وعنق وإسلام، قُبِلَتْ؛ لأنَّ المردود لم يكن شهادة.
ولا يمنعُ القَضاءَ مَوتُ الشَّاهِدِ بعد أداءِ الشَّهادةِ قبل القضاء بالإجماع.
وإذا تحمَّلَ الشَّهادةَ صغير أو كافِرُ أو رقيق، فأداها بعد البلوغ والإسلام والحريَّة، قُبِلَتْ.
والوصِيُّ إذا شهِدَ للكبار ولو في حالِ الوِصاية، تُقبَلُ.
وتقبل شهادةُ الصَّكاكين في الصحيح، وهم شهود المحاكم وغيرهم إِنْ غَلَبَ صلاحهم، وقيل: لا تُقبَلُ لكتابتهم ما ليسَ واقعاً.
وتُقبَلُ شَهادةُ ذَوي الحِرَفِ الدَّنِيَّةِ إذا لم يُعلَمْ منهم قادِحٌ في الأصح. وتُقبل شهادة أهل الأهواء إلَّا الخطّابيَّةَ، وإِلَّا مَن تُكفّرُه بِدعَتُه، وأصول الأهواء سة: الجَبْرُ والقَدَرُ والرَّفْضُ والخُروجُ والتشبيه والتعطيل، وكلُّ قسم ينقسم إلى اثني عشَرَ قِسْماً.
ولو شَهِدَ شخص قبل أن يُستَشْهَدَ قُبِلَتْ شَهادَتُه بعد ذلك بإعادَتِها بعدَ الطَّلَبِ. وتُقبَلُ شَهادَةُ الشَّاعِرِ إِذا لم يَقْذِفْ بِشِعرِه مُحصَنَّا أو مُحصنةً.
وتُقبَلُ شَهادة أهلِ الذَّمَّةِ على بعضهم، ولو اختَلَفَتْ مِلَلُهم، وعلى المُستَأْمَنِ إلَّا فيما استُثني في «الأشباه والنظائر».
وبائع الأكفان إذا لم يتَمَنَّ الموتَ والطَّاعونَ.
وإذا شهدَ أحدُ الشَّاهِدَينِ تفسيراً، والثَّاني على شَهادَتِه، أو مثلَ شَهادَتِه لا تقبل، ولو قالَ: أَشهَدُ مِثل شهادةِ صاحِبي لا تُقبَلُ عند الخصَّافِ، وعامَّةُ المشايخ على أنَّه يُقبَلُ.
وقال الحلواني: إنْ كانَ فصيحاً، لا يُقبَلُ منه الإجمال، وإِنْ كانَ عَجَمِيًّا، يُقبَلُ بشرط أن يكون بحالٍ إِنِ اسْتُفْسِرَ بَيَّنَ.
وقالَ السَّرَخْسِيُّ: إِنْ أَحَسَّ القاضي بخيانة كلَّفَه التفسير، وإِلَّا لا. ولو اختلفا في لَونِ الدَّابَّةِ أو سكتا عن بيانِ اللُّونِ في السَّرِقةِ، قُبِلَتْ، لا في الغَصْبِ، ولا في الذُّكورة والأنوثة.
ثم عند القاضي لو سألَ الشُّهودَ قبلَ الدَّعوَى عن لونِ الدَّابَّةِ فقالوا: كذا، الدَّعوَى شهِدُوا بخِلافِ ذلك اللَّونِ، تُقبَلُ؛ لأنه سألَ عَمَّا لا يُكلَّفُ الشَّاهِدُ بَيانَه، فاستَوَى ذِكرُه وتَرْكُه.
شهد أنَّ المحدودَ وَقْفٌ على كذا، ولم يذكُرِ الواقِفَ تُقبَلُ لو قديماً، [وإن ذكَرَ الواقِفَ لا المَصْرِفَ يُقبَلُ لو قديماً]، ويُصرَفُ للفُقَراءِ.
الشهادة على أصلِ الوَقْفِ بالشهرة تجوز في المختار، وكذا تجوز على شرائطه، هو المُختارُ، وليس معنَى الشَّرائط أن يُبيِّنَ الموقوف عليه، بل أن يقول:
يبدأُ مِن غَلَّتِها بكذا لكذا، والباقي كذا وكذا، قاله ابن الهمام رحمه الله. شَهِدُوا بِوَقْفٍ على المكتب كذا ومُعلّمه، ولهم به أولاد، قُبِلَتْ في الأصح، كما لو لم يكن لهم به أولاد، وكذا أهل المحَلَّةِ لمَسجِدِها، وكذا أهل مدرسة لها تُقبَلُ، وكذا جيرانُ الوَاقفِ إذا شهدُوا أَنَّه جَعَلَه وَقْفاً على فُقَراءِ جيرانه، أو على فُقَراءِ المُسلمينَ تُقبَلُ.
وكذا لو شهِدَ اثنان من أهل الكوفة بالوَقْفِ على فُقَرائِها.
شَهِدا معَ تاريخ وقد ادَّعَى بدونِ تاريخِ تُقبَلُ في المُختارِ، كما لو شَهِدا بتاريخ أقل مما أَرَّخَه المُدَّعي، ولو ادَّعَى الشَّراءَ مُؤرخاً فَشَهِدا به دونَ التَّاريخِ تُقبَلُ. شهدا له بدارٍ ولم يذكرا أنَّها في يده، فشَهِد آخَرانِ أَنَّها في يده، أو شَهِدا بها للمُدَّعي بحدودها، وشَهِدَ آخَرانِ بأنَّ المحدود هذا، أو شَهِدا بالاسمِ والنَّسَبِ، وشَهِدَ آخَرانِ بأنَّ المُسمَّى هذا الرَّجلُ تُقبَلُ، ويُجعَلُ كَأَنَّ الْأَوَّلَينِ شَهِدا بالكُلِّ. ولو شَهِدا بدَين لاثنين فشَهِدا لهما بمثله على المُدَّعَى عليه، قُبِلَتْ. وتُقبَلُ شَهادة القاسمينَ على المُتقاسِمينَ باستيفاء النَّصيب. وشهادة وكيل النكاح على طَلَاقِها، ووَكيلِ الشَّراءِ على العِتْقِ.
وشَهادة المُستَعِيرِ لمَن أَعارَه بالمُستَعارِ.
وشهادة الجيران على الوَصيَّة لجيرانه.
وشهادة الوزَّانِ على قَبْضِ ربِّ المالِ إِذا كانَ حاضِراً عندَ الوَزْنِ.
وشهادة الذراع والكَبَّالِ في المدروع والمكيل.
وشَهادةُ المُستَودِعينَ لإنسانٍ بمِلكِ الوديعة، والمُرتَهنينِ بِمِلكِ الرَّهنِ، حالَ قيامِ العَينِ.
وشهادة الغاصِبينَ بالمَغصوب لإنسان بعدَ الرَّد على المغصوب منه.
وكذلك المُشتَرِينَ شِراءً فاسداً.
وشهادة الابنَينِ بأنَّ أباهما أَوصَى إليه.
وشَهادةُ مَن له دين على الميت، أو له عليهما دَين بأنَّه أَوصَى إلى زيد. وشَهادةُ المُوصَى له بأنَّ المَيِّتَ أَوصَى إِلى فُلانٍ.
وشَهادةُ الوَصِيَّين بالوصاية لثالث معَهُما إذا ادَّعاهُ المشهود له في الصُّوَرِ الخمس استحساناً.
وتُقبَلُ شَهادةُ مَن نظر وسمعَ مُقراً لم يرَه المُقِرٌّ.
وتُقبَلُ الشَّهادة لو شهِدَ أحدهما بالبيع، والآخَرُ بالإقرار به، أو أحدهما بالإقراض والآخر بالإقرار به، أو أحدهما] بإيقاع الطَّلاقِ والآخَرُ بالإقرار به، أو أحدهما بالإعتاق والآخَرُ بالإقرار به.
وإذا شَهِدَ أحدهما بخَمس مئةٍ من ثَمَنِ عبدٍ قبَضَه، والآخرُ بخَمس مئة من ثَمَنِ مَتاعِ قبَضَه، أو من قَرْض يقضي بخَمس مئةٍ؛ لأنَّ الاختلاف في السَّببِ لا يمنعُ صحة الإقرار والإنشاء في الدِّينِ، ويمنعُ في العَينِ.
شَهِدَ أحدهما بألف وخمس مئةٍ والآخَرُ بألف، أو أحدهما بطلقة والآخَرُ
بتطليقة ونصف، والمُدَّعي يدَّعي الأكثر؛ قُضِيَ بالأقل اتفاقاً.
وإنِ ادَّعَى الأقل فشَهادة شاهد الأكثرِ باطِلةٌ، لكن لو قال المُدَّعي: صدَقَ الشَّاهِدُ لكِن استَوفَيتُ خمس مئةٍ، أو أبرأتُه منها، صحتِ الشَّهادة.
شَهِدَ أحدهما بالرَّجْعي، والآخَرُ بالبائنِ، تُقبَلُ على الرَّجعي.
شَهِدَ أحدهما أنَّه أقرّ وأعتَقَ بالفارسية أو القِبْطِيَّة، والآخَرُ بالعربية، قُبِلَتْ.
وكذا لو شَهِدَ أحدهما بالنِّكَاحِ والآخَرُ بالتَّزويج، تُقبَلُ، وجنس هذه المسائل تبلغ ما يزيد على أربعينَ مسألةً، بيَّنَها مُفَصَّلةٌ في «البحرِ».
ادَّعَى مُلكاً مُطلَقاً، وشهدا بملكه بسبب اختَلَفَ شاهِدا الشَّراءِ أو الطَّلاقِ أو العِتاقِ في الوَقْتِ، تُقبَلُ.
شَهِدَا له بدارٍ وقالَ: كانَ اسْتَأجِرَهُما على بنائها ونحوه، تُقبَلُ.
الأخوان أو العَمَّان إذا شَهِدا بعد تزويجهما ابنة أخيهما أو أُختِهما أنَّ زَوجَها طلقها ثلاثاً، والمرأة تدعي أو تُنكِرُ قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وكذلك لو شهدا أَنَّها مَنكُوحَتُه، قُبِلَتْ.
شَهِد الوكيلانِ بالبيعِ أَنَّه ملكُ المُشتَري، أو الوَكيلُ بالنِّكَاحِ أَنَّها مَنكُوحَتُه، تقبل.
أَعتَقا أمةً ثُمَّ شَهِدا أنَّها اختارَتْ نفسَها، تُقبَلُ؛ كَقَبول شهادةِ المُعتِقِ للمُعتَقِ، وعكسه.
ويجوز شَهادة الابن على شَهادةِ أبيه وقضائه وكتابه، وذكر الخصَّافُ أَنَّها لا تجوز على قضائه، والأَوَّلُ أصح.
والشَّهادة على الشَّهادةِ جائزةٌ لمَرَضِ الأُصولِ ومَوتِهم وبُعدِهم عن غيرِ حَدٌ وقود، وإنْ حَدَثَ في الأُصولِ جَرْحٌ يُوجِبُ التَّوقُفَ فِي الشَّهادةِ؛ كالفِسْقِ، فإنَّه لا يُطل شهادة الفروع، ولكن يُتوقف فيها ويجوز القضاء.
والشهادة بالإرث يُشترط لقبولها أربع شرائطَ: أَحدُها أَنَّه كَانَ لمُورثه، وبالانتقال إلى الوارِثِ، وأنَّهم لا يعلَمُونَ له وارِثاً غيرَه، وأن يُبيِّنُوا جهةً النَّسَبِ، وإِنْ شَهِدُوا أَنَّه وارِثُه لا يعلَمُون له وارِثاً غيره] بأرض كذا، تُقبل عند الإمام خلافاً لهما.
وإِنْ شَهِدُوا بأنَّه وارِثُه ولم يقُولوا: لا نعلَمُ له وارِثاً غيرَه، فإن كانَ ممَّن يرِثُ بحال دونَ حالٍ، يُحجَبُ لا يُدفَعُ إليه المال حتَّى يَتَلَوَّمَ القاضي، وإِنْ كانَ ممَّن يَرِثُ على كل حال؛ كالأب والابن يتلوَّمُ القاضي ويحتاط، ثم يقضي له بالكل، وفي الزَّوجِ] والزَّوجة يقضي له بأقل النَّصيبَينِ عندهما، وقال محمد بأكثرهما.
ومُدَّةُ التَّلوم لم تُقدَّرْ، وقالَ الطَّحاوِيُّ: حَولٌ.
شَهِدا أنَّه قالَ: إِنْ مَسَسْتُ ثيابَكُما، فعبدي هذا حُرٌّ، وقد مَسَّ، تُقبَلُ إِنِ ادَّعَى العبد عندَه، وعندهما تُقبل بدونِ دعواه، ولا يُشترَطُ دَعوَى الأمة بالإجماع؛
الثّياب غيرهما. تقبل البينة على أنَّه أبوه أو ابنه، أو على امرأةٍ أَنَّهَا بِنتُه أو أمه، وثَبَتَ النَّسبُ منه،
وإن لم يدَّعِ فِعلَه حَقًّا، وكذلك الزَّوجةُ وإن لم تدَّعِ مَهراً، ولا نفقةٌ، ولو ادَّعَى أَنَّه أخوه لأبيه وأُمه أو جده، أو نافلته، لا تُقبَلُ حتّى يدّعي قبله حقا، فحينَئِذٍ تُقبَلُ ويثبتُ النَّسَبُ.
الشهادة على الشّراءِ المُجرَّدِ والمبيع في يد البائع تُقبل، وإن كان في بدِ غيره لا تُقبَلُ إِلَّا إذا شَهِدُوا أَنه اشتراه، والبائع يملكه، أو شَهِدُوا أَنَّه ملك هذا المُدَّعي اشتَراهُ من فلان بكذا، ونقَدَه الثَّمَنَ، أو أَنَّه اشتَرَاهُ وقَبَضَه، وإِنْ شَهِدُوا أنَّه باع وتسَلَّمَ، تُقبَلُ.
وإِنْ شَهِدُوا أَنَّه باعَ] وكانَ في يده ولم يشْهَدُوا بِالتّسليم، قيلَ: تُقبَلُ، وقيل: لا تقبل
أنكر البيعَ معَ قيام البيِّنة على الشّراءِ منه بألفٍ، ثمَّ أَقامَ البيِّنَةَ على أنَّ المُشتَرِيَ ردَّ الدَّارَ عليه، تُقبَلُ بينته، ويُنقَضُ البَيعُ.
ادَّعَى الكفيل الهبة، فشَهِدَ أحدهما بذلك، والآخَرُ بالإبراء، جازَ وثَبَتَ الإِبراء دُونَ الهبة؛ لأنَّه أقلهما، ولا يرجعُ الكفيل على الأصيل، والله أعلَمُ.
تنبيه: الشَّهادة على قضاء القاضي مُلزِمةٌ، ولا يُشتَرَطُ إِحضارُ شُهودِ الأصل، فيُكتَفَى بالشَّهادةِ على قضاء القاضي فُلانٍ بگذا، ولو بعد موته، ولا بُدَّ من تسمية القاضي، كذا في البَحرِ الرَّائق».
وفي «القنية»: أشهَدَ القاضي شُهوداً أنّي حكَمْتُ لفُلان على فلان بكذا
فهو إشهاد باطل لا عبرة به، والحضور شرط، انتَهَى؛ أي: حُضورُ الشُّهودِ حكم القاضي شرط لصحة شَهادَتِهما.
وقال في «القُنية»: خرَجَ الحاكِمُ من المحكمة ثمَّ أَشْهَدَ على حكمه، يصح إشهاده، انتهى.
بابُ مَن لا تُقبَلُ شَهادتُه
الأصل أنَّ الشَّهادةَ تُرَدُّ بالتُّهمة، وتمَكُنُ الشُّبهة يكونُ لمعنِّي في الشَّاهِدِ كالفسق، أو تهمة الميلِ لمَن شَهِدَ له، أو ارتكابه أمراً قَبيحاً شَرْعاً، أو أَمْراً مُستَحِقًا، أو تتضَمَّنُ شَهادتُه رَدَّ مَغرم، أو جَلْبَ مَغْنَمٍ، أو انفِراده بما شَهِدَ به.
واتَّفَقُوا على أنَّ الإعلان بكبيرة مانع قبولَ الشَّهادَةِ، وأَمَّا فِي الصَّغائرِ فَإِنْ سمَّتَهُ النَّاسُ بذلك فاسقاً مُطلَقاً، لا تُقبَلُ، ومَنِ اشْتَدَّتْ غَفَلَتُه لا تُقبَلُ شَهادتُه.
وإذا رُدَّتْ شَهادة شخص لعلَّةٍ ثمَّ زالَتْ فإنْ كانَتْ شهادةً حقيقةً؛ كشَهادةِ المولى لعبدِه، والزَّوحِ لزَوجَتِهِ لا تُقبَلُ بعدَ زَوالِ العِلَّةِ، وإنْ لم تكُنْ شهادةً حقيقة؛ كشهادة صغير وكافر، تُقبَلُ بعدَ زَوالِ العِلَّةِ.
والمعروفُ بالعدالة إذا شَهِدَ زُوراً عن أبي يوسُفَ لا تُقبَلُ شَهادَتُه أبداً.
وإِنْ شَهِدَ الفاسِقُ فلم يُقْضَ بشهادتِه حَتَّى تَابَ، لا تُقبَلُ.
وكذا لو تزَوَّجَها الشَّاهِدُ قبلَ القَضاءِ، بِطَلَتْ شَهادتُه.
ولا تُقبل شهادته لغَيرِه فيما ادعاه سابقاً لنَفْسِه، ولو بنحو عشرين سنةً، وأبطل القاضي بينته، ولا شهادةً من أقرَّ به لزيدٍ ثمَّ شَهِدَ به لعَمرو، وإذا لم يذكُرِ الشُّهودُ أَنَّه في يدِ المُدَّعَى عليه بغير حقٌ وشَهِدُوا أَنَّه ملكُ المُدَّعي، الأصحَ أَنَّه لا يُقبَلُ، وأفتى الصَّدرُ الشَّهِيدُ أَنَّه يُقبَلُ.
ولا تُقبل شهادة الفاسق، ولو كانَ وَجيهاً ذا مُروءة في الأصح كما في
المبسوط، ولا شَهادة الأعمى ولو فيما يُشهَدُ فيه بالتّسامُعِ، ولو تحمل حالةَ إبصارِه ثُمَّ عَمِيَ لا تُقبَلُ.
ولا تُقبل شهادة الأخرس بالاتِّفاقِ، ولو جُنَّ الشَّاهِدُ، أَو عَمِيَ، أَو خَرِسَ، أو فَسَقَ، بعد الأداء، امتَنَعَ القَضاءُ.
ولا تُقبل شهادة عبد، وصبي، ومُدَبَّر، ومُكاتَبٍ، وأمَّ وَلَدٍ، وكافِرٍ على مُسلِمٍ إِلَّا تبعاً أو ضرورةً، كما في «الأشباه»، ولا شهادة مُسلمٍ حُدَّ فِي قَذْفٍ ثمَّ تَابَ، ولا شَهادة أحدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ ولو رقيقاً، ولا شَهادَتُه على زَوجَتِهِ بِالزَّنا والقَذْفِ، ولا على إقرارها بالرّق لمُدَّعيها، وتَمامُه في «الأشباءِ».
ولا الأصل لفَرعِه، ولا الفَرحُ لأصله، ولا المَولَى لَعَبدِه ومُكاتَبِه ومُدَبَّرِه وأُمّ ولده، ولا الشَّرِيكُ لشريكه فيما هو من شرِكَتِهما، والمُقارِضُ.
ولا شَهادةُ مَن يجرُّ لنفسه بشَهادتِه مَعْنَماً، أو يجرُّ لأصله أو فَرعِه، أو زَوجَتِه، ولا مَن يدفَعُ بها عنه مَعْرَماً، ولو كانَ عَدْلاً، فلا تُقبَلُ شَهادة أهلِ سِكَةٍ غير نافذة بشيء من مصالحها، ولا أهل قرية على ضَيعةٍ أنَّها من قريتهم.
ولا شهادة غنِيَّين على قريبهما بوقفه على فُقَراءِ قَرابَتِه وبعدَهُم على المَساكِينِ. ولا شَهادةُ المُستأجرِ لمُؤجِّرِ بما استأجَرَه، ولا المُستعير للمعير بما أعاره، ولا الأجير الخاص لمَن استأجَرَه.
ولا شهادة أهلِ مَحَلَّةٍ وُجِدَ بها قتيل على غيرهم، أو معين منهم، ولا شهادة ذابح المغصوبة بأمر الغاصِبِ لمالكها، ولا المودع بالوديعة. ولا شهادة ابن البائع بتسليم المُشتَري الشُّفعة، ولا البائع على إعتاقِ المُشتَرِي، ولا الوَصِيُّ للصَّغير، ولو بعدَ العَزْلِ، ولا المُوصَى لهما بوصيَّةٍ لغَيرِهما، ولا الشَّهادة على النَّفي مُطلَقاً، سواء كانَ مَحصُوراً وغيره على طريقة صاحِبِ «الهداية»، واستثنى غيره ما أحاط به علمُ الشَّاهِدِ.
وأَوْصَلَها في الأشباه والنظائر» إلى صُورٍ عشر.
ومنَ النَّفِي الشَّهادةُ على مُخالفة الوُقوفِ بعرفةَ يومَه سَواءٌ شَهِدُوا أَنَّهُم وَقَفُوا قبله أو بعده، وسواء أمكن إعادتُه أو لم يُمكن، وفي «الكَنْزِ»: تُقبَلُ فِي المُمكن. ولا تُقبل شهادةُ المُخنَّثِ بالرَّديء منَ الأفعال، أو بالتشبه بالنِّساءِ عَمْداً لذلك،
فيَتَزَيَّنُ ويُلين كلامه كصِفَتِهِنَّ، لا مَن كانَ ذلك خِلقَةٌ فيه.
ولا تُقبل شهادةُ النَّائحةِ والمُغنّيةِ والمُغنّي للنَّاسِ، ولا مَن يحضُرُ مجلس الفِسْقِ والشَّربِ، وإنْ لم يشرب، ولا مَن يسمَعُ الغِناءَ، أو مَن يَتَّبِعُ صَوْتَ المُعْنِّيةِ،
ولا مَن يرتكِبُ نَوعاً من الكبائر، ولا من أصر على صغيرة.
وفُسِّرَتِ الكبائر بسبع وسبعين، وبأكثر، وبأنَّها إضافيَّةٌ بالنسبةِ لِما دُونَها. فلا تُقبَلُ شَهادةُ مَن يَأكُلُ الرِّبا، أو مالَ يتيم، ولا مَن يَأْكُلُ فَوقَ الشَّبَعِ إِلَّا لِعُذرِ ضيافة، أو تَقَوّ على صَوْمِ الغدِ عندَ الأكثر ولا شَهادةُ مَن يرتكِبُ ما يُوجِبُ الحدَّ، ولا من يلعبُ بالنَّرْدِ، أو الطَّابِ، أو المنقلة، أو لهو ممَّا لا عمل فيه للفِكْرِ والحساب، وكل لهو أُحدِثَ واستَعمَلَه أهلُ الغَفْلَةِ.
واللعب بالطيور والطنبور، والمُقامِرُ بالشَّطْرَنج، والحالِفُ عليه، ومُشتغل به عنِ الصَّلاة فتفوتُه، واللَّاعِبُ به على الطريق، وذاكر شيء من الفسق عليه، والعدو بعداوة دنيوية، وعامل لظلم، وأعوان ظلم كمُباشري سُلطان على ضمان الجهاتِ، والإجارة الضّارَّةِ، وعلى المحبوسين بظلم، أو في ترسيم به وشيخ قرية، ومُعرف المراكب، والعرفاء في جميع | الأصناف، وضمان الجهات؛ لارتكابهم المُحرَّم وإعانتهم على الظُّلم، حتَّى نُصَّ على جواز قتلهم، بل قيل بكفرهم، ويظهرُ إن اسْتَخَفُوا بِالدِّينِ كما لو استَحَلُوا.
ولا تُقبل شهادة بائع الأكفان، وفيده شمسُ الأَئِمَّةِ بما إذا كان ترصد لذلك
العَمَلِ، وإِلَّا؛ فيُقبَلُ؛ لعدم تمنِّيه الموت والطَّاعونَ.
ولا تقبل شهادة دلال، ومحضرِ القُضاة، وقابض محصول، وقاطع جريمة، ونَحَّاس - بالخاءِ المُعجَمَة - ولا مَن يُظهِرُ سَبَّ السَّلَفِ الصَّالِحِ. وقيل: لا تُقبَلُ شَهادة أهل الصناعاتِ الدَّنْيَّة؛ كالقنواتِ والزَّيَّالِ. ولا تُقبل ممن يدخُلُ الحمَّام بلا إزارِ ساتر لعَورَته، أو يكشِفُ عَورَته داخِلَ الحمام فيما بينَ النَّاسِ، وفاعِلُ المُستَخِفٌ؛ كالأكل والبول على الطريق، والمشي بالسراويل فقط، ومد الرجل، وكَشْفِ الرَّأْسِ بحَضرَةِ النَّاسِ فِي محلّ يُعَدُّ قِلَّةَ أَدَبِ ومروءة.
ولا مَن يُجازف في كلامه، ومسخرة ورقاص، ومُصاحب الأحداث، ومصارعهم، وطفيلي، وفي النصابِ»: شهادة البخيل لا تُقبَلُ، هكذا رواه أبو يوسُفَ، وعبد الله بن المُبارَكِ عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنَّه ليُخلِه يستقصي فيما يقبضُ مِنَ النَّاسِ، فيأخُذُ الزيادة على حقه، فلا يكونُ عَدْلاً، كذا في الخلاصة».
ولا تُقبل من شتّامٍ لأهل، ومملوك، ودابَّة، ومُكثِرِ الحلفِ في كلامه، وحلَّافٍ بالطلاق، وراكب بحر الهندِ طَمَعاً في المالِ ومُؤَخِّرِ الصَّلاةِ عن وَقتِها بلا عُدْرٍ، و مُفطِرٍ في رمضان بلا عُدْرٍ. وبه أخذ
وإذا أخَّرَ الزَّكاةَ أو الحجّ ذكرَ النَّاطفي عن محمَّدٍ لا تبطل عدالله، محمَّدُ بنُ مُقاتل، وقال بعضُهم: بطَلَتْ عَدالته إذا لم يكُنْ مِن عُدْرٍ، وبه أَخَذَ الفَقيه أبو الليث، والصحيحُ أَنَّ تأخيرَ الزَّكَاةِ لا يُبْطِلُ العدالة.
وبترك الجمعةِ مَرَّةً تبطل العدالة، وبتَركِ الجَماعةِ إلَّا بتأويل صحيح، ولا تُقبَلُ من تاركِ السُّنَّةِ، أو رَكَعَتَي الفَجرِ، وتاركِ الاشتغال بالفقه، أو ترَكَ تعلَّمَ ما تجب قراءته مع القدرة. ولا تُقبَلُ شَهادة مُتعَصِّب باطل، ولا شَهادة الخطابية، وهُم مِنَ الرَّوافِضِ،
يَدينُونَ شَهادَةَ النُّورِ؛ لمُوافَقَتِهم على مخالفيهم، ولمَن حَلَفَ الهم أَنَّه مُحِقٌ.
ولا تُقبَلُ شَهادةُ النِّساءِ على ما يقعُ في الحماماتِ، ولا الصبيان على بعضهم في ملاعبهم، وإنْ مسَّتِ الحاجة إليه.
ولا شَهادة أهل السِّجنِ [بعضهم على بعض فيما يقعُ في السجن]، ولا شَهادةُ مَن يجلِسُ في الطَّريقِ لينظُرَ إلى الأميرِ إِذا قَدِمَ.
والفتوى أنَّهم إذا خَرَجُوا لتعظيمِ مَن لا يستحقُ التَّعظيمَ لا للاعتبارِ تبطل عدالتهم. والله أعلم.
باب لبيان ترجيح إحدى البيِّنتَينِ المُتَعَارِضَتَينِ
بَرْهَنَ أولياء المجروح أنَّه مات بسبب الجرْحِ، وَبَرْهَنَ الجَارِحُ أَنَّه برى وماتَ بعده بعَشَرَةِ أَيَّامٍ، فبيِّنَةُ أولياء المقتول أُولَى.
تعارَضَتْ بينةُ الغَبْنِ مَعَ بَيِّنَةِ مثل القيمة في بيعِ وَصِيَّ مَالِ صَبيٍّ، فبيِّنَةُ الغَبْنِ أولى؟
بَرْهَنَتْ أَمَةٌ أَنَّ سَيِّدَها دَبَّرَها في مَرَضِ مَوتِه وهو عاقِلُ، وَبَرْهَنَتِ الوَرَثَةُ أَنَّهُ كَانَ مخلوط العقل، فبينةُ الأمة أولى.
خالَعَ زَوجَتَه ثمَّ أَقامَ بيِّنةً أنَّه كانَ مجنوناً وقتَ الخُلعِ، وأقامت بينةٌ أَنَّه كانَ عاقلاً حينئذ، فبينةُ المرأةِ أَولَى.
وكذا لو كان مجنوناً وَقْتَ الخُصومة، فأقامَ وليه بينةٌ أَنَّه كانَ مجنوناً وَقْتَ
الخلع، والمرأةُ على أنَّه كانَ عاقلاً، فبينةُ المرأةِ أَولَى]. باعَ ضَيعة ولده، فأقامَ المُشتَري بينةٌ، وقد خاصَمَه الابنُ بعد بلوغه أَنَّ الأَبَ باعَه بَثَمَنِ المِثلِ فِي صِغَرِه، وللابنِ بيِّنةُ أنَّه باعَها في حالِ بُلوغِه؛ اختَلَفَ المشايخ:
منهُم مَن قالَ: بَيِّنَةُ المُشتَرِي أَولَى، ومنهُم مَن قالَ: بَيِّنَةُ الابْنِ أَولَى. أقامَ المُشتَرِي البيِّنةَ على بَيعِه وهو بالغ، وادَّعَى البائعُ أَنَّه في صِغَرِه، فبينةٌ المُشتَرِي أَوْلَى؛ لإثباتِها العارِضَ.
ادَّعَى الزَّوجُ بعد وفاتها أنَّها أبرَأَتْه من صداقها في صحتِها، والوَرثَةُ أَنَّه في مَرَضِها، فبينةُ الصَّحَّةِ أَولَى، وقيل: بَيِّنَةُ الوَارِثِ أَولَى.
أقامَ المُؤجِّرُ بينةً أنَّه كانَ مُكرَها عليها، والمُستأجِرُ أنَّه كانَ طائِعاً، فبينه الطَّواعية أولى، وإنْ قَضَى ببينة الإكراه نفَذَ قَضاؤُهُ إِنْ عَرَفَ الخِلافَ، وَقَضَى بناءً على الفتوى.
وفي «الأشباه والنظائر»: إِذا تَعارَضَتْ بَيِّنَةُ الطَّوعِ مَعَ بَيِّنَةِ الإكراه، فبينة الإكراه أولى في البيع، والإجارة، والإقرار، والصلح، وعند عدمِ البيان، فالقَولُ لمُدَّعي الطَّوعِ، كما إذا اختلف في صِحَّةِ البيع وفَسادِه، فالقَولُ لمُدَّعي الصحة.
أقامَ المُشتَري بينةٌ أنَّه [باعَ منه هذا الشَّيءَ بيعاً صحيحاً، وأقامَ البائع بينةٌ اله باعه مكرهاً، اختلف المشايخ: قال بعضُهم: بيئة الصحة أولى، وغيرهم: بينة الإكراه أولَى. ادعى المشتري بيعاً بانا، والبائع بيع الوفاء، فالقول للبائع، وإن أقاما البيئة فبينة مُدَّعي الوَفاءِ أَولَى.
ادَّعَى أحدهما البيع أو الصُّلحَ عن طوع، والآخَرُ عن كُرهِ، فَبَيَّنَةُ الكُرْهِ أَولَى. في يده دارُ ادَّعَى عليه آخَرُ أَنَّها وَقفٌ مطلقاً، وبَرْهَنَ ذو اليدِ أَنَّ بَائِعَهِ اسْتَرَاهَا مِنَ الواقفِ وأَرح، فينةُ الوَقْفِ أُولَى.
ومن المشايخ من قالَ: إِنْ أثبَتَ ذُو اليد تاريخاً سابقاً على الوَقْفِ فينتُه أَولَى، وإِلَّا؛ فبَيِّنَةُ الوَقْفِ أَولَى.
ادَّعَى مُتولّي الوَقْفِ على وارِثِ واقِفه الذي بيده المحدودُ أَنَّه وُقِفَ على كذا وَقْفاً صحيحاً، وأقامَ بيِّنةً، وأقامَ الوارِثُ بيِّنةً على فسادِ الوَقْفِ، فإِنْ كانَ الفَسادُ الوَقْفِ بشرطٍ مُفسِد فبيّنةُ الفَسادِ أَولَى؛ لأنَّه أكثر إثباتاً، وإنْ كانَ لمعنى في المحل أو في غيره، فبينةُ الصِّحَّةِ أُولَى.
وعلى هذا التفصيل إذا اختَلَفَ البائعُ والمُشْتَرِي فِي صِحَّةِ البَيعِ وفَسادِه. أقامَ مُدَّعي الملكِ المُطلق بيّنةً على دعواه، وأقامَ ذُو اليدِ بيِّنةً بالشَّراءِ من آخرَ، فبينةُ مُدَّعي الملكِ المُطلَقِ أَولَى.
تعارَضَتْ بينةُ الرَّاهِنِ والمُرتهن في قيمةِ الرَّهن، فبينةُ الرَّاهِنِ أُولى. تعارَضَتْ بينةُ وُجودِ الشَّرطِ وَعَدَمِه، فبيِّنَةُ المرأةِ أَولَى.
تعارَضَتْ بيِّنةُ الرَّدَّ والإِجازة في بيعَ الفُضولي، فبينةُ المُشتَرِي أَولَى، والله سبحانه وتعالى أعلَمُ بالصَّوابِ.
قالَ جَامِعُها حَسَنُ الشُّرنبلالي:
نجَزَتْ بِمُستَهَلَّ المُحرَّمِ افتتاحَ سنة سبع وخمسين وألفٍ، وصلَّى الله على سيِّدِنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. آمين.
شهور سنة اثنتين وستِّينَ وألفٍ، غفَرَ اللهُ لمُؤلّفها، ولوالديه، ولمشايخه، وللمسلمين أجمعين، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ. وفي آخرها ما نصه: قبَّانةٌ ونحوُه شَهِدَ بالوَزْنِ والتّسليم للمُدَّعَى عليه، وكذلك ذَرْعُ التَّوبِ لو أَخبَرَ بهِ الشَّاهِدُ وأَنَّه ذَرَعَه وسلَّمَه للمُدَّعَى عليه فما حكم ذلك؟
جوابه: قال في «الخُلاصة» ما نصه وفي «المُبْتَغَى»: لو شَهِدا على رجُلٍ بِمَالٍ أَنَّه قبَضَه من فُلانٍ وهو يُنكِرُ فَشَهِدا على قَبْضه، وقال: نحنُ وزَنَّاهُ عليه، إنْ زَعَما أَنَّ ربَّ المالِ كانَ حاضِراً جازَتْ شَهادَتُهما، وإن لم يكُنْ حاضِراً عندَ الوَزْنِ لا تُقبَلُ، انتَهَى. قال في «التَّترخَانَيَّةِ»: لأنَّه إذا كانَ حاضِراً انتَقَلَ فِعْلُ العَقْدِ إليه، فكانَ الشَّاهِدُ شاهِداً على فِعلِ غَيرِه. وأمَّا إذا كانَ غائباً تعذَّرَ إِضافته إليه، فبقيَ العَقدُ مَقصُوراً عليه.
وذكر بعد هذا: لو وزَنَ له الغَريمُ ألف درهم ووَصَفَه، ثمَّ قالَ: خُذْ مالَكَ، فَقالَ المُقتَضِي لَرَجُلٍ: ناولني هذه الدَّرَاهِمَ فناوَلَها، ثمَّ شَهِدَ على المُقتَضي، وأنَّه هو الذي دَفَعَ إِليه الدَّرَاهِمَ جازَتْ شَهادَتُه. وذكر هلال في شُروطه أنَّه لا تُقبَلُ شَهادة الذي كانَ في المكيل، وفي المَدْرُوعِ تُقبَلُ شَهادَةُ الذي ذَرَعَ، انتهى.
وسنذكُرُ في كتابِ القِسمةِ جَوازَ شهادةِ القاسمينَ، ولو قسَمَ بأَجْرٍ مُطلَقاً، انتهى.
قال: وقد عَقَدَ لذلك فَصْلاً في الخُلاصة» و «التَّترخَانِيَّةِ»، انتَهَى.
وقد نقلته من خَطَّ شيخ شَيخنا خليلٍ أَفَندي».