الأثر المحمود لقهر ذوي الجحود
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الأثر المحمود لقهر ذوي الجحود
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحَمدُ لله رَبِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والصَّحابة والتابعين.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ حَسَنُ الشُّرنبلاليُّ، غَفَرَ الله له ولوالِدَيه ومَشايخه ومحبيه، ولَطَفَ بذُرِّيَّتِه والمسلِمِينَ: هذا ذِكْرُ شيءٍ مِنَ العُهودِ المأخوذة على أهل الذِّمَّةِ، وفَتاوَى الأئمة الأربعةِ المُتَبَعةِ للأئِمَّةِ المُجتَهدِينَ، وصفةٌ عَهْدِ بعض المُلوكِ؛ تَثْمِيماً لهذه الفائدة.
قال أبو يُوسُفَ رحمه الله في كتابِ الخَراجِ عنِ ابنِ عباس رضي الله عنهما:
أنَّه سُئِلَ عنِ العَجَمِ أَلَهم أنْ يُحدِثوا بِيْعَةً أَو كَنِيسَةٌ فِي أَمْصَارِ المُسلِمِينَ؟ فقالَ: أَمَّا مِصْرٌ مَصَّرَتْه العَربُ، فلَيسَ لهم أنْ يُحدِثوا فيه بِناءً بِيْعَةٍ ولا كَنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس، ولا يُظهروا فيه خَمْراً، ولا يَتَّخِذوا فيه خِنزِيراً. وكلُّ مِصْرٍ كانَتْ العَجَمُ مصَّرَتْه فَفَتَحَه الله على العَربِ، فنزلوا على حُكمِهم،، فللعَجَمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَرَبِ أن يُوفُوا لهم بذلكَ، انتَهَى
وقد عَلِمْتَ أنَّ القاهِرةَ المُعِزّيَّةَ إسلاميَّةٌ، فالمنعُ فيها لازم، وإزالة هذا الدِّيرِ فرْضٌ على كُلِّ مُكلَّف قادِر عليه، سَواءٌ كان وليّ أمرٍ أو غيره، وقد حَصَلَ إزالته، وجُعِلَ مسجِداً بفضل الله تعالى.
وقال أبو يُوسُفَ رحمه الله في كتابِ الخَراج»: اشترَطَ في صُلْحِهم على أَلَّا يضربوا بنواقيسهم في أوقاتِ الصَّلواتِ، وشَرَطَ عليهم أن يُضِيفُوا المسلمين ثلاثة أيام، ويُنذرِ قُوهم. قال أبو يُوسُفَ ولَستُ أرَى أنْ يُهدَمَ شيء مما جرى عليه الصلح، ولا يُحوّل، وأن يمضي الأمر فيها - أي: البيع والكنائس - على ما أمضاه أبو بكر الصديق، وعُمرُ، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم؛ فإنَّهم لم يهدِموا شَيئاً منها ممَّا كَانَ الصُّلحُ جَرَى عليه
فأَمَّا ما أُحدِثَ مِن بناءِ بِيعَةٍ أَو كَنِيسَةٍ فَإِنَّ ذلكَ يُهدَمُ". قلتُ: فهذا الدِّيرُ الذي أُحدِثَ بالقاهرة بالمَحلَّةِ الجُوَّانِيَّةِ يَتَعينُ هدمه وقد حَصَلَ، وغير بجعله مسجِداً، فللَّهِ المِنةُ بذلك.
وقال أبو يُوسُفَ: شَرَطَ عليهم أنَّ عليهم عهْدَ الله وميثاقه الذي أُخِذَ عليه أهل التَّوراة والإنجيل، أنْ لا يُخالفوا ولا يُعينُوا كافراً على مسلمٍ مِنَ العَجَمِ ولا من العرب، ولا يدلُّوهم على عورة للمسلمين، عليهم بذلك عهد الله عزَّ وجل وميثاقه الذي أُخِذَ على أهلِ التَّوراة والإنجيل، أشدُّ ما أُخِذَ على نبي من عَهدِ أو ميثاق أو ذِمَّةٍ؛ فإن هم خالفوا فلا ذِمَّةً لهم ولا أمانَ، وإن هم حَفِظوا ذلكَ ورَعَوه وأدوه إلى المسلمين، فلهم ما للمعاهد، وعلينا المنع لهم.
وأي عبد من عبيدهم أسلَمَ أُقيم في أسواق المسلِمِينَ، فبيع بأعلى ما يُقدَّرُ عليهم في غَيرِ الوَكْس ولا تعجيل، ودُفعَ ثمنه إلى صاحبه، ولهم كل ما ليسوا منَ الزِّيِّ إِلَّا زي الحرب، ومن غير أن يتشبهوا بالمسلِمِينَ في لباسهم.
وقال أبو يُوسُفَ رحمه الله: إِنَّ أبا عُبيدة بن الجراح صالحَ أَهْلَ الشَّامِ، وَاشتَرَطَ عليهم حين دخلَها على أن يترك كنائسهم وبيعهم، على ألَّا يُحدِثوا بناءَ بِيعَةٍ ولا كنيسة، وعلى أنَّ عليهم إرشاد الضَّال، وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم، وأن يُضَيِّفُوا مَن مرَّ بهم من المسلِمِينَ ثلاثةَ أَيَّامٍ، وعلى أَلَّا يشتموا مُسلِماً ولا يضربوه، ولا يرفعوا في نادي [أهل] الإسلام صليباً، ولا يُخرجوا خِنزيراً من منازلهم إلى أفنية المسلمين، ويُوقدوا النيران للغُزاة في سبيل الله، ولا يدلُّوا على عورة للمسلمين، ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذانِ المسلِمِينَ ولا في وقت أذانهم، ولا يُخرِجوا الرَّايَاتِ يومَ عيدهم، ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم، ولا يتَّخِذوه في بيوتهم، فإن فعَلُوا شَيئاً من ذلك، عوقبوا وأُخِذَ منهم".
وقال أبو يُوسُفَ في كِتابِ الخَراجِ: ولا يركب يهودي ولا نصراني على سَرْجِ، وليركب على إكافٍ، ولا يلبس نَصراني قباءً ولا ثَوبَ خَز ولا عَصْبٍ، والعَصْبُ
بُرُودٌ من بُرُودِ اليمن معروفةٌ، كانَتِ المُلوكُ تلبسها كما في الجَمْهرة، انتهى. ولا يركب ذمّيٌّ خَيلاً أَصْلاً، لا بسَرْجِ ولا بغيره، لا بإكافٍ ولا بنحوه على الأصح، ولا يلبسون العمائم، ولا يحمِلُونَ السَّلاحَ، ويركبونَ الحَميرَ مُوكَفَةً، وإذامروا بجمع للمسلِمِينَ، يَنزِلُونَ ولا يركبونَ إِلَّا الضَرورة؛ كَمَرضِ، وخُروج إلى قريةٍ، ويُضيقُ عليهم الطَّرِيقُ ويُمْنَعونَ من لبس أهلِ العِلمِ والشَّرفِ، والثّيابِ الفاخرة، سواء كانت حريراً أو غيره؛ كالصُّوفِ المربع، والجوخ الرفيع، والأبرادِ الرفيعة، وتُجعَلُ مَكاعبهم خَشنةً فاسِدةَ اللُّونِ اتَّفقَتِ الصَّحابة على ذلك؛ إظهاراً للصغار على الكَافِرِينَ، وصيانةً لضَعَفةِ المؤمنين؛ ولأنَّ المسلم مُكرَّم، والكافر مهانٌ، وَمَن يُهنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تُكْرِمي [الحج:]، كذا في «الهداية.
قوله: وصيانةً لضَعَفةِ المسلِمِينَ»؛ يعني: ضَعَفتهم دِيانةً لا بَدَنا، فإذا رآهم صاغِرِينَ لا يميل إلى مُعتَقَدِهم، بخلافِ ما إذا رآهم في صفةِ عِز وتكبر وزِيٌّ فا رُبَّما دَعاه ذلك إلى تعظيمهم والميل لشدة حاجته وضيق يده.
وحكاية قارُونَ معَ الضَّعَفةِ من قومه ظاهِرةٌ، وظهورُ خُسرانه بخشفِ داره وعلمهم بنكاله، وأنه ما أغناه ما كان من مالِهِ وكَثْرَةِ جُنودِه.
وقال في الأشباه والنظائر»: تبجيلُ الكافِرِ كُفر، فلو سلَّمَ على الدمي تبجيلاً، كَفَرَ، أو قالَ لمَجُوسي: يا أستاذ؛ تَبجِيلاً، كَفَرَ، ولْتَعلَمْ أَنَّ سيد المرسَلِينَ حَبيبَ رب العالمينَ عاداه أهل الكفر، فهم أعداء لحَبيبِ رَبِّ العالَمِينَ.
قالَ الشَّيخُ أَكْملُ الدِّينِ رحمه الله ومَن أَعزَّ عدو صديقه فقد أهانَ صَديقه، فاعلم ذلك.
فلهذا لا يجوز إدخالهم في مَناصِبَ؛ كمُباشرة، واستيلاء على مُسلِمٍ بِضَرْبٍ
وحبس وتضييق عليه؛ لأخذ مالٍ جُعِلَ الكَافِرُ قابضاً له من المسلم، من كبير وأميرٍ لم يخشَ عاقبة أمره من تسليط الكافِرينَ على المؤمنينَ لأمرِ الدُّنيا، والإعراض عن النَّظرِ في العاقبة والأُخرى.
وقال الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمه الله: إِنَّ الكافر الذَّمِّيَّ إِذا استعلَى على المسلمينَ على وجه يصير به متمرداً عليهم، حَلَّ للإمامِ قتله، انتَهَى.
وذلك لما أُخِذَ عليهم منَ العَهْدِ من أمير المؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَأَنَّه أَلْحَقَ فيه حرفين مع الذي اشترطوه على أنفُسِهم، ألا يشتروا شَيئاً من سَبايا المُسلِمِينَ، وَمَن ضَرَبَ منهم مُسلِماً عَمداً، فقد خَلَعَ عَهِدَه.
وقد اعتمد الفقهاء ذلك من كُلِّ مَذهب، كما نقله القاضي بَدْرُ الدِّينِ القرافي رسالة له رحمه الله.
وفي المحيط»: لو فتح الإمامُ بلدةً عَنْوة، وصالحهم على أن يجعلَهم ذِمَّةً، يمنعُهم منَ الصَّلاةِ في كَنائسهمُ القَديمةِ، وأمَرَهم أن يجعلُوها مَساكِنَ ولا يهدمها، وكذلكَ قَريةٌ يجعلها الإمامُ مِصراً؛ لأنَّهم لما فتحوها عَنْوةً كَانَ للغانِمِينَ الحَقُّ فيها يقتسمونها فيما بينهم، ويمنعونَ الكُفَّارَ عنها، وكذا نص الإمام محمَّدُ بنُ الحَسَنِ في السِّيَرِ الكَبيرِ»، وأمَّا التي فُتِحَتْ صُلْحاً قبل أن تُؤخَذَ عَنْوةً، فتجرِي عَلَى مَا وَقعَ عليه الصلحُ من أمر كنائسهم وتَعبُّدهم فيها.
ورُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أنَّ البِيَعَ والكنائس التي تكونُ بخُراسانَ والشَّامِ فما:
أحاطَ عِلْمي بأنَّه مُحدَثٌ هَدَمتُه، انتَهَى.
فهدمُ الدَّيرِ بالقاهرة المحروسة متعين، وقد حَصَلَ بحمد الله.
وهذه فَتَاوَى الأئمة الأربعة، فمِنَ الأربعةِ الحَنَفِيَّةُ، فقد أفتى قاضي القضاة شيخُ الإسلام ابنُ الشَّحْنَةِ رحمه الله بلزوم هدم الكنائس والبيعِ المُحدثة بدار الإسلام، وكذا أفتى بهدمٍ مثلِ هذا الدَّيرِ، وتَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ مَدينةٍ فُتِحَت عَنْوةً لَا يُمَكَّنُ أَهْلُ الذَّمَّةِ فِيهَا مِنَ الاجتماع فيما كانَ قبل الفتح من كنائسهم، وإِنَّما تُجعَلُ مَساكِنَ وتُؤْخَذُ أَجرَتُها. ومن الأئمة الحنفية شيخ الإسلام مفتي الإسلامِ الشَّيخُ فَاسِمُ بنُ قُطلُوبُغَا، قالَ: كُلُّ كَنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد، ونحو ذلك من الأمصار التي مَصَّرَها المُسْلِمُونَ بأَرضِ العَنْوة، فإنَّه يجب إزالتها، إما بالهدم وإمَّا بنحوه، بحيث لا يبقى لهم مَعْبَدٌ في مصرٍ مَصَّرَه المسلمون بأرض العَنْوة، وسَواءٌ كانت تلك المعابِدُ قَديمة قبل الفتح أو مُحدثة بعده؛ لأنَّ القديم منها يجوز أخذه
ويجب عند المفسدة، والمُحدَثُ يُهدَمُ بِاتِّفَاقِ الأئمة.
وأما الكنائس التي بالصَّعيدِ وبَرَّ الشَّامِ ونحوها من أرضِ العَنْوة، فما كانَ مُحدَثاً وجب هدمه، وإذا اشتبه المُحدَثُ بالقدِيمِ وَجَبَ هَدْمُهما جميعاً؛ لأنَّ هَدْمَ المُحدَثِ واجب، وهدم القديم جائز، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجِبٌ، فما كانَ قبل الفتح قديماً يَتَخَيَّرُ الإمام في إبقائه وهذمِه، فيفعَلُ فيه ما هو أصلَحُ، وقد عَلِمْتَ أنَّهم لا
يُمكنونَ منَ الاجتماع فيها وإن بَقِيَتْ؛ إعزازاً لِدِينِ اللهِ، وَقَمْعاً لأعداء الله. ثمَّ ذَكَرَ الشَّيخُ قَاسِمُ العَهِدَ المأخوذ على أهلِ الذَّمَّةِ، فقال: وَرَوَى الخَلَّالُ والبيهقي، ومُحَمَّدُ بنُ سَعِيدٍ، وابنُ حَزْمٍ عن عَبدِ الرَّحْمَنِ بنِ غَنْمٍ، قَالَ: كَتَبَتُ لَعُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه حينَ صَالَحَ أَهْلَ الشَّامِ:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
هذا كتابُ لعَبدِ الله أمير المؤمِنِينَ من نَصَارَى الشَّامِ من مدينةِ كَذَا وَكَذَا، أَنَّكم لمَّا قَدِمْتُم علينا سَأَلْناكُمُ الأَمانَ لأَنفُسِنا وذُرِّيَّاتِنا وأموالنا وأهلِ مِلَّتِنا، وشَرطنا لكُم على أنفُسِنا ألَّا نُحدِثَ في مدينيا ولا فيما حَولَها دَيراً، ولا كَنِيسَةً ولا قَلاية ولا صومعة راهب، ولا نُجَدِّدُ ما خَرِبَ منها، ولا نُحيِي ما كانَ مِنها فِي خِطَطِ المُسلِمِينَ، وأنْ لا نَمْنَعَ كَنائسنا أنْ ينزِلَها أحدٌ من المسلِمِينَ في ليل أو نهارٍ، ونُوسُعُ أبوابها للمارة وابنِ السَّبِيلِ، وأنْ تُنزِلَ مَن مرَّ بنا من المسلِمِينَ ثلاثةَ أَيَّامٍ نُطْعِمُهم، ولا تُؤوي في كنائسنا ولا منازِلنا جاسُوسَاً، ولا نكتُمُ غِشَّاً للمسلمين، ولا تعلم أولادنا القُرآنَ، ولا تظهر شركاً، ولا ندعو إليه أحداً، ولا نمنع أحداً من أقاربنا الدخول في الإسلام إن أراده، وأنْ نُوقِّرَ المُسلِمِينَ وأن نقومَ لهم من مَجالِينا إنْ أرادوا جُلوساً، ولا نتشَبَّه
بهم في شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نَعلَينِ ولا فَرْق شَعرٍ، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنَّى بكناهم، ولا نَركَبُ السُّروج، ولا نتقلدُ السُّيوف، ولا نتَّخِذُ شَيئاً من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيعُ الخُمُورَ، وَأَنْ نَجُنَّ مقادِمَ رؤوسنا، وأن نلزَمَ زِيَّنا حيثما كُنَّا، وأن نشُدَّ الزَّنانير على أوساطنا، وأَلَّا تُظهِرَ صليباً، ولا كتبنا في شيء من طريق المسلمين ولا أسواقهم، وأَلَّا تُظهِرَ الصَّليب على كنائسنا، وألا نضرب بناقوس في كنائسنا بحضرة المسلمين، وأَلَّا نَخْرُجَ شَعانيناً،
ولا باغُوثاً، ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا ولا تُظهر النيران معهم في شيء من طَريقِ المسلمين، ولا تجاورهم موتانا ولا نتخذ منَ الرَّقيق ما جرى عليه سهام المسلِمِينَ، و أن نُرشِدَ المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم.
فلما أتيتُ عُمر بن الخطَّابِ بالكِتابِ زاد فيه: ولا نُضِر بأحدٍ من المسلمين، شرطنا لهم ذلك على أنفسنا وأهلِ مِلَّتِنا، وقَبلْنا عنهم الأمان، فإن نحنُ خالفنا شَيئاً ممَّا شَرطناه لكم، فضَمِنَّاه على أنفسنا، فلا ذِمَّةً لنا، وقد حَلَّ لكم منا ما يحِلُّ من أَهلِ
المُعانَدَةِ والشَّقاق. زادَ الخَلَّال: ولا نضرِبُ بناقُوسِ إِلَّا ضَرْباً خَفِيفاً فِي جَوفِ كَنَائِسِنا، ولا نرفَعُ أصواتنا في الصَّلاةِ ولا القِراءة في كنائسنا فيما يحضُرُه المسلِمُونَ، ولا تُرغَبُ في ديننا. زاد بعد قوله: ولا فرقَ شَعر ولا في مراكبهم، وأنْ نُوفِّرَ المُسلِمِينَ في مجالسهم، ولا يُشارك أحد منا المسلم في تجارة إلَّا أن يكونَ إلى المسلم أمر التجارة. وزاد: فكتب عُمرُ أنْ أمض لهم ما سألوه، وألحق فيه حَرفَينِ اسْتَر طَهُما عليهم مع ما اشترطوا على أنفُسِهم: ألا يشتروا شَيئاً من سبايانا، ومَن ضَرَبَ مُسلِماً عَمْداً فقد خَلَعَ عَهْدَه، انتهى ما كتبه الشَّيخُ قاسم، وقد نقلته من خطه رحمه الله
قُلْتُ: فهذا به نقضُ عَهدِهم بإحداثِ ذلكَ الدِّيرِ، ولكن قد أزاله الله تعالى. وسائر كتب المذهَبِ نصها لزومُ هَدْمِه وهَدْمُ مثله، وقد هُدِمَ وَجُعِلَ مَسجِداً، فلله الحمد والمنة.
وأما فتوى السادة المالكية: فمِن أثمَّتِهم العلامة القاضي بدر الدِّينِ القرافي رحمه الله وهو الإمامُ شَمْسُ المِلَّةِ والدِّينِ محمد المدعو بدر الدين القرافي المالكي، وقد استُفتِي،
فحرر ودقق الجواب وقرر بهدم مثل هذا الدِّيرِ الذي أحدثه أعداء الدين، وأعداءُ رسول رب العالمين، وأعداء المؤمِنينَ، وأعداءُ عُمر بن الخَطَّابِ، وسائرِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ، وأعداء الأمراء والسلاطين بنقضهمُ العَهْدَ المأخوذ عليهم بدونِ شَكٍّ، بل بإجماعِ العُلماءِ أئمة الدين بإحداثِ كَنِيسَةٍ ودَير بعد أخذ العهد عليهم، وإلزامهم الشروط المسطورة وأظهروا المُخالفة لديهم، فنقضوا العهد، وحَلَّ منهم ما يحِلُّ مِنَ المُعانِدِينَ للدِّينِ، وَلَزِمَ على سائر المسلمين والمُجاهِدِينَ نَصر المؤمنين، وإعزاز أحكامِ رب العالمين، وافتَرَضَ عليهم كشف هذه الغُمَّةِ التي عَمَّ ضَرَرُها جميعَ الأُمَّةِ.
فقال: اعلم - أدامُ اللهُ لكَ نور البصيرة، وأيَّدَكَ بحُسنِ الطَّويةِ والسَّريرةِ، وأجرى عليك الثناء الجميل بمدح ما لك من سيرة، وجعلك ممَّن كَانَ اللهُ ظَهِيرَه ونَصِيرَه - أنَّ الملةَ المُحمَّديَّة لم تَزَلْ شُموسُ كمالاتها ظاهرة، وأنوار هداياتها باهرة، وقد قام العلماء والأعيانُ بالاعتناء لتحريرِ حُكْمِ هذه الحادثة بغاية البيان، وقد سُئل عنها وأطرافها في زمن الصحابة وإلى الآن، وذكروا فيها من الأحاديث والآثارِ ما يكشف عن وجوهِ مُخدّراتها الأستار.
أما الأحاديثُ الشَّريفةُ النَّبويَّةُ: فرُوي عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «اهدموا الصوامع واهدموا البيع.
ورَوَى عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: أَنه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا [تُحدَثُ كَنيسة في دارِ
الإسلام، ولا يُجدَّدُ ما هُدِمَ منها».
ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا] خصاء في الإسلام، ولا
بنيان كنيسة».
روى هذه الأحاديثَ ابنُ حيَّانَ في كتابه الذي أَلَّفَه فِي شُرُوطِ أهلِ الذَّمَّةِ.
ورواها أبو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ فِي كِتابِ الأموال». ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَكُونُ قِبلتانِ في بلدةٍ واحدةٍ»، وسَاقَه ابنُ المُناصِف في كتاب «الإنجادِ في أبواب الجهاد». ورَوَى ابنُ حَبيبٍ أَنَّ ابنَ الماجِشُوْنِ قالَ: سَمِعْتُ مالِكاً يقولُ: قال رسولُ اللهِ: «لا تُرفَعُ فيكم يهودِيَّةٌ ولا نَصرانيَّة، وقال: يعني: الكنائس والبيع.
وهذه الأحاديث من أعلامِ نبوت صلى الله عليه وسلم إِذْ هو ممَّا أَخبَرَ قبلَ وُجودِه، فوُجِدَ كذلك.
وأما الآثار: فقد رُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه أَنَّه قالَ: لَا كَنيسةً في دارِ الإسلام، ذكَرَه أبو عُبيد.
ورَوَى سالم بنُ عبدِ الله: أَنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أَمَرَ أَنْ تُهِدَمَ كُلُّ كنيسة لم تكُن قبل الإسلام ومنع - أي: عُمرُ رضي الله عنه ـ أنْ تُحدَثَ كَنيسةٌ، ذكَرَه ابن بدران، وهو من أقرانِ الباجي.
وحكى ابنُ حيَّان بسنده إلى عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ: أَنَّه كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ حين صالح نصارَى الشَّامِ:
بسم الله الرَّحمنِ الرّحيمِ
هذا كتاب لعبد الله عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أميرِ المُؤمِنِينَ مِن نَصَارَى الشَّامِ: إِنَّكُم لَمَّا قَدمْتُم علينا سألناكمُ الأمانَ لأنفُسِنا وذُرِّيَّاتِنا وأموالنا وأهلِ مِلَّتِنا، وشَرَطنا لكم على أنفُسِنا أَلَّا نُحدِثَ في مدائِنِنا ولا فيما حَولَنا دَيراً ولا كَنيسةٌ ولا بِيعَةً، ولا صَوْمَعَةَ راهب ... إلى آخر ما قدَّمناه عن الشَّيخِ قاسم، فلمَّا قَرأَ الكتابَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ، زاد فيه: ولا نُضِرُّ بأحدٍ من المسلِمِينَ، شَرطنا لكم ذلك على أنفُسِنا وأهل مِلَّتِنا، وقَبلْنا
عنهم الأمان، فإن نحنُ خالَفْنا شَيئاً ممَّا شَرطناه لكم على أنفُسِنا فلا ذِمَّةً لنا، وقد حلَّ لكم منا ما يحل لأهلِ المُعائَدَةِ والشَّقاقِ.
وكتب إليه عُمرُ: أَنْ أَمْضِ لهم ما سألوه، وألحق فيه حرفين اشترطهما عليهم مع ما اشترطوه على أنفُسِهم، ألا يشتروا شَيئاً من سبايا المسلِمِينَ، وَمَن ضَرَبَ منهم مسلماً عَمْداً فقد خَلَعَ عهده، انتهى.
قلت: وهذا دليل لما قاله الكَمالُ بنُ الهُمامِ من نقضِ العَهْدِ بتمرُّدِهم واستعلائهم على المسلمين انتهى.
ثم قال القاضي بدرُ الدِّينِ القرافي رحمه الله قال الونشريسي في كتابه المعيار المعرب»: وقد ذكر هذه القِصَّةَ - أي: العهد - من أئمة الحديث أبو عبيد، واعتمد عليها الفقهاء من أهلِ كلِّ مذهَبٍ.
وأما في الأحكامِ المُتعلقة بأهل المذهَبِ: فقد ذَكَرها من المالكية شيخُ الإسلامِ أبو بكر الطَّرْطُوشِيُّ في «سراج الملوك»، والشَّيخُ الإمام أبو عبدِ اللهِ بنُ المُناصِفِ في
كتابه «الإنجادِ»، والحافظ ابنُ خَلَفٍ، وذكر بعضها الحافظ الكلاعِيُّ. وذَكَرَها مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابنُ المُنذِرِ وَابْنُ بَدْرَانَ، وَمِنَ الظَّاهِرِيَّةِ ابْنُ حَرْمٍ، ثُمَّ حَكَى ذلك كله كما قدمناه.
قلتُ: ومن الحنفيَّةِ الشَّيخُ قاسِمُ بنُ قُطلُوبُغَا مُفتي الحنفيَّةِ رحمهم الله، انتهى. ثمَّ قالَ الفَرافِيُّ: فهذه أمصَارُ المسلمين التي لا سَبِيلَ لأهلِ الذِّمَّةِ فيها إلى إظْهَارِ شيء من شَرائِعهم، بمعنى اتخاذ الكنائس، وإظهارِ الخَمرِ والخِنزيرِ، وَضَرْبِ النَّاقُوسِ.
وما اختَطَه المسلمون عند فتحهم وسكنوه كالفُسْطاطِ والبَصرةِ وإفْرِيقِيَّةَ والكوفة وشبهها، فليس لهم إحداث شيء من ذلك.
سُئل الإمام مالكٌ رحمه اللهُ عنِ الكَنائس التي في الفُسْطَاطِ المُحدثة التي في خِطَطِ الإسلام وإنْ أعْطَوهم العراض ويبنون فيها الكنائس. قال الإمام مالك رحمه الله: أرى أن تُغَيَّرَ وتُهدَمَ، ولا يُترَكُوا ولا خَيرَ فيها. انتهى.
وعَلِمْنا أنَّ مِنَ التَّغيير جعلَها مَسجِداً للنَّفْعِ العام، كالنَّفْعِ الحاصل بالهدم، انتهى. ثم قال: وإِنْ شَرَطوا ألَّا يُمنعوا من إحداثِ الكنائس، وصالحهم الإمام على ذلك عن جهل منه، فنَهيُّ النَّبيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك واجب الاتباع والانقياد؛ سداً للبابِ، ورَدْعاً للكَفَرَةِ اللَّيَّامِ عنِ الابتداع.
ثم قال القرافي: وقد أفتَى جَدُّ الوالِد - أي: والد القاضي بدرِ الدِّينِ، وهو جده لأُمه العلامة محمد شمس الدِّينِ القرافي - بمِثلِ ذلكَ، ولفظه: الحمدُ للهِ الَّذِي هَدَانا لهذا، لا يُعادُ ما انهدَمَ منَ الكَنائس، ولا تُرمَّمُ في أرض عَنويَّةٍ ولا صُلْحِيَّةٍ، ولو ثَبَتَ وجُودُها حينَ العَهْدِ إِذْ لو فُرِضَ فلا بُدَّ من صِحَّةِ العَهْدِ على الترميم، والعهد على إبقاء ما هو موجود، ولا يستدعي إحداثاً، والترميم إحداث فضلاً عنِ الإعادة، ولو وَقَعَ وجَبَتْ إزالته، بل قال بعضُ أصحابنا: لا يُوفَى للصلحي فضلاً عنِ العَنَوي باشتراط الإحداث لبطلانه، وفي كل من فُروع هذه المسألة أقوال تُخالِفُ ما قدَّمناه لم يُعوَّلُ عليها، ولا نُشير إليها إعزازاً لكَلِمَةِ الإيمان، وخذلاناً للكَفَرةِ وعُبَّادِ الأوثان، ومَن
ساعدهم على إقامة مجد، وإظهار نصْرِ، فهو رِضًا بالكفر، بل فوقه، والرِّضَا بالكُفْرِ كُفْرٌ، لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا مَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْعَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:]، والله ينتقم لدينه، انتهى. وقد أفتى شيخ مشايخ القاضي بدرِ الدِّينِ هو شَيخُ الإِسْلامِ وَحِيدُ دَهرِه بينَ د الأنام، العلامة محمَّدُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ رحمه الله.
وقد سُئل عنِ اتَّخاذ اليهود - لَعَنَهُمُ اللهُ - بَيتاً يَكُونُ مُجْتَمَعاً لصلاتِهم، فأفتى بمنعهم منه كما منعوا من إحداث كنيسة، ولو فُرِضَ أن أحداً لا يُسميه كنيسة فنقول: حكمه حكم الكنيسة، فهو ممنوع، فإنَّ كلَّ مِصرٍ مَصَّرَه المسلمونَ؛ كالكوفة، وبصرة، وبغداد لا يجوز فيها إحداثُ بِيعَةٍ ولا كنيسة ولا صومعة ولا مُجتَمَعِ الصَّلاتِهم بإجماع أهل العلم، انتهى. قُلتُ: ليُشير به إلى أن مصر والقاهرة ممَّا مصَّرَه المسلمون؛ كالكوفة وبصرة وبغداد، ولم يُصرّح بمصر والقاهرة؛ لأنَّ الإفتاء والاستفتاء عن يهود القاهرة؛ فإنَّهم هم الذين يفعلون ذلك، وبعد عِلم ولي الأمر به افتُرِضَ عليه إزالته، فهذا نص منَ الشَّيخ ناصِرِ الدِّينِ اللقاني رحمه الله على لزوم هدمِ دَيرِ الجُوَّانِيَّةِ المُحدَثِ، وعلى لزوم تغييره وجَعْلِه مَسجِداً لعموم النفع للمُسلِمِينَ بهما، لا مُخالفة لأحدٍ منَ المُسلِمِينَ فيه، والله أعلمُ [وقد جُعِلَ مسجِداً بفضل الله تعالى]. وأما فتوى الأئمةِ الشَّافعيّةِ رضي الله عنهم: فقال في «تَذْكِرَةِ النَّبيه شرح التنبيه للعلامة الإمام أبي الفضل عبد الوهاب بن شيخ الإسلام محمَّدِ بنِ زُهرةَ الشَّافعي رحمهم الله ما نصه ويُمنعُ أهلُ الذَّمَّةِ من إحداثِ البيع والكنائس في دار الإسلام؛
لمَا رُوِيَ عن عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُبنَى كَنيسة في دار الإسلام، ولا يُجدَّدُ ما خَرِبَ منها».
وروى البيهقي: أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه لمَّا صَالحَ نَصَارَى الشَّامِ، كَتَبَ لهم كِتاباً أَنَّهم لا يبنُونَ في بلادهم، ولا فيما حَولَها دَيراً ولا كنيسة، ولا قلايةٌ، ولا صومعة راهب.
ورواه ابنُ أَبي شَيبةَ عنِ ابنِ عبّاس أيضاً، ولا مُخالِفَ لهما منَ الصَّحابة. وقال الحسنُ البَصْرِيُّ: مِنَ السُّنَّةِ أنْ تُهدَمَ الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة، ويُمنَعُ أهلُ الذَّمَّةِ من بناء ما خَرِبَ منها؛ لأنَّه مَعْصيةٌ، ولا يجوزُ في دارِ الإسلام.
وهكذا الحكم في بيتِ نارِ المَجوس والصَّوامِعِ ومُجتَمَعِ صَلاتِهم، فإِن بَنَوا ذلك هُدِمَ، سَواءٌ شَرَطَ ذلك عليهم أم لا.
وقالَ الرُّؤيَانيُّ: ولو صالحهم على التّمكين من إحداثها، فالعقد باطل، وقولُ الشيخ: في دار الإسلام؛ أي: سَواءٌ فُتِحَتْ عَنْوة أو صُلْحاً، على أن تَكُونَ لنا ويسكُنونَها بخراج.
وقال شيخ الإسلام على الشبكي: لا أرَى الفَتوَى بترميم ما ما شُرِطَ بقاؤه من قديم قبل الفتح، فإنّي في سَنةِ ثلاثَ عشرةَ أو نَحْوَها وسبع مئةٍ رأيتُ في منامي رَجُلاً من كبار العلماء في ذلكَ الوَقتِ عليه عِمامةٌ زَرقاءُ، يعني: رَآه بصفةِ زِيِّ النَّصَارَى، فعندما طلع الفجرُ من تِلكَ اللَّيلةِ طَلَبَني ذلك العالم، فوجدتُ في ذلك المكان الذي رأيته فيه وبيده كُرَّاسة في ترميم الكنائس، يُريدُ أنْ ينتَصِرَ لجواز الترميم ويستعين بي،
فَذَكَرتُ المنام واعتبرتُ. وقال الإمام الشبكي رحمه الله: معنى قولنا: لا يمنعهم الترميم؛ أي: في القديم المُشترط بقاؤه، ليس المراد أنه جائز نأمرهم به، بل بمعنى نتركهم وما يدينون، فهو من جملة المعاصي التي يقرُّونَ عليها؛ كشُرْبِ الخَمرِ ونحوه، ولا نقولُ: إِنَّ ذلك جائز لهم، وهكذا ترميم الكنائس عند من يقولُ به، في بعض الأحوالِ ينبغي أَلَّا يأذن لهم وَليُّ الأمر فيه كما يأذَنُ في الأشياء الجائزة في الشرع.
وإنما معنى تمكينهم؛ أي: يُخلَّى سَبيلهم، ولا تُنكر عليهم، وإذا عُلِمَ ذلك فلا يلزم منه جَوازُ التَّرميم؛ لأنَّ ذلك يستدعِي كَونَه مُباحاً شَرعاً، ألا تَرى أَنَّا نُقِرُّهم على الصليب، ولا يستَحِقُ صانِعُه أجرةً، ونُقِرُّهم على التّوراة والإنجيل، ولو اشتروها أو
استأجروا من يكتبها، لم نحكُمْ بصحته. فكذلك الترميم إذا مكَّنَّاهم منه، لم يَحِلُّ للسلطان ولا للقاضي أن يقول لهم: افعلوا ذلك، ولا أن نُعينهم عليه، ولا يَحِلَّ لأحدٍ من المسلمين أن يعمل لهم فيه. ولو استأجروا وتَرافَعوا إلينا حكمنا ببطلان الإجارة، ولا تزيد على مُجرَّدِ التمكين، بمعنى التَّخلية وتركهم وما يدينونَ.
قال الشارحُ: وهذا التحقيق الذي ذكره الإمامُ السُّبكي هو مُرَادُ الشَّيخَينِ والأصحاب، ولا يجوزُ فَهُمُ سِواه، والله أعلم. انتهى.
وأفتى شيخ الإسلامِ الشَّيخُ سِراجُ الدِّينِ البُلْقِينِيُّ رحمه الله، وقد سُئل لمَّا كَانَ بالشَّامِ عن إعادةِ كَنيسةٍ كانَتْ عُمِلَتْ بإذنِهِ جَامِعاً، فمَنَعَ من ذلك، ومن صُورةِ فتواه: الحمد الله الذي جَعَلَ الإسلام يعلو ولا يُعلا، وأحكامه ماضيةٌ على. جميع الخلق في كلِّ زمانٍ بعداً وقبلاً، وأنزلَ دَلائل ذلك في كتابه العزيز نقلاً، وحَفِظَ الشَّريعة المُحمَّديَّة بمن يليها ومن عليه يُملى، وأدامها على مرّ الزَّمانِ تحلُو وتُجْلَى، وَضَرَبَ على من خَالَفَها نكالاً وذلاً، ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اللَّهُ ال عمران:]، ولا سيما اليهود لا جمع الله لهم شملاً، هم أشدُّ النَّاسِ عَداوة لنا، فأذلَّهم الله، وأبادهم بوناً وقَتلاً. ثم قال: إنَّه لم يُنقَل في فتوحاتِ نبينا قريظة والنَّضيرِ وخَيبر وغيرها ذِكْرُ كَنيسة لليهود إلَّا بيت المدراس الذي بالمدينة الشريفة الطيبة المنيفة، وأخرج اليهود من الجميع، وأزالَ بَيتَ المدراس ولم يبق له أساس، ثم لما فتَحتِ الصَّحابة رضي الله عنهم النَّواحِي لم يكن في شيء منها لليهودِ زَعيم أصلاً، ولا صُلح وَقعَ معَ اليهود كُلاً.
وفتواي في هذه الواقعة التي تحصل فيها للمُخالفِينَ القارعةُ: أَنَّه لا يجوزُ عَودُ المُنكَرِ، ولا الإعانة عليه لمَن يُقر بوحدانية الله الأكبر.
ثمَّ ذَكرَ أحد عشر وَجْهاً للمنع من ذلك رحمه الله تعالى.
وأفتى شيخ الإسلام شهابُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ الكَبير رحمه الله تعالى، وقد سُئِلَ عن جماعة من أهل الذُّمَّةِ أحدثوا مكاناً يجتمعون فيه لصلاتهم: هل يُمنعون من ذلك؟ ويمنعون من اجتماعِهم في بَيت من بيوتهم كما يُمنعُونَ مِن ذلك؟
فأجاب بأنهم يُمنعونَ من إحداثهم مكاناً لاجتماعهم فيه لصلاتهم؛ لأنَّ عُمَرَ رضي الله عنه منع من ذلك، وذَكرَ عَهده المأخوذ على أهلِ الذَّمَّةِ الذي تقدَّمَ، وذكر أثر ابنِ عباس كما تقدم.
ثم قال: فتمنع اليهود والنصارى من اجتماعِهم في مكانٍ وإِنْ لم يَكُنْ بصفة الكنيسة والبيعة لعبادتهم؛ لأنه في معناها وهم ممنوعُونَ من إحداث الكنيسة والبيعة. وذكر نص الإمامِ الشَّافعي في «الأم» بمثله، وذكرَ النُّصوص في كل كتبهم بالمنع من إحداثِ بِيعَةٍ وكنيسة واجتماعِ أهلِ الذَّمَّةِ بمكانٍ لعِبادتِهم لا خِلافَ لِأَحَدٍ في ذلك رحمه الله وسائر الأئمة. وأما فتوى الأئمة الحنابلة رضي الله عنهم، فنصها: وتُمنَع أهلُ الذَّمَّةِ من إحداث كنائس في دار الإسلامِ وبيع ومُجتَمَعِ لصَلاتِهم وصومعة لراهب، فإن فعلوا وَجبَ هدمه.
ولو هدم ما كانَ قبل الفتح هذماً ظُلماً يُمنعون من إعادة بنائه كما يُمنعون من بناء ما انهدَمَ؛ لأنه بناء كنيسة في دار الإسلام، فمنعوا منه كابتداء بنائها، كذا في شرح الإقناع وغيره.
ودليل ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: أيما مصرٍ مَصَّرتُه العَربُ، فليس للعجم - يعني: الكُفَّارَ - أَنْ يَبْنوا فيه بيعَةً؛ أي: ونحوها. رواه أحمد، واحتج به. ويُمنعونَ من حَمْلِ سلاح، وتعلم رَمي، وَلَعِبٍ بُرُمْحٍ، وَثِقَافِ ودَبُوسٍ، وَيُمنعونَ
من تعلية بناء على جارٍ مسلم ولو كان في غاية القصر ولو رضيَ به، ويجب هدمه، ولا يُعاد ولو انهدم، ويضمَنُ ما تَلِفَ به قبله، ويُهدم وإنْ لم يُلاصق بُنيانَ المُسلم، بحيثُ يُطلق عليه اسم الجارِ قَرُبَ أو بَعُدَ؛ لأنَّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى؛ ولأنَّ فيه تَرَفعاً على
المسلِمِينَ فمُنعوا منه؛ ولو كانَ البناءُ مُشتركاً بينه وبينَ مسلم؛ لأنَّ ما لا يتمُّ اجتناب المحرَّمِ إلَّا باجتنابه مُحرَّم. قالَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمه الله وسائرُ العُلماءِ أَئمَّةِ الدِّينِ، انتهى
وهذه الفوائد والفَتاوَى والعُهودُ العُمَريَّةُ، وغيرُها جَمعَها كاتبُها حَسَنُ الشُّرُ بُلاليُّ؛ صَوناً لها، وليُقرّب استفادَتَها لأهلها، خدمة لشريعة المصطفى، وزاده فضلاً وشرفاً وابتغاء رحمة الله تعالى، ولعله بشفاعةِ الحبيبِ المُصطَفى يَكُونُ عني دافعاً لضعفِ جسم قد عَفَا، فإنَّني - وإن أتيتُ جَنَفَاً - مُتَّبِعُ لسادة أتقياءَ حُنفاءَ. وأسألُ اللهَ الرَّحِيمَ مُتوسّلاً بهذا النَّبيِّ الكَريم أَنْ يُحسِنَ حالَ أولادِي وذُرِّيَّتي، ويُبلغنا وأصحابنا وأحبابنا ما نُؤمِّلُه من خَيرَيِ الدُّنيا والآخرة، بجاه سيدنا محمد وعترته الطَّاهرة صلَّى الله وسلَّم عليه وعليهم وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلِينَ والتَّابِعِينَ، بدوامِ نِعَمِ الله الباطنة والظاهرة، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمد وعلى آلِهِ وصَحْبِه وسلَّم.