الجزء 1 · صفحة 7
إرشاد الأعلام لرتبة الجدة وذوي الأرحام في تزويج الأيتام
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله ربِّ العالمين، والشُّكرُ له على التَّوفيقِ والفَتحِ المُبين، للكشف عن غَوامِضِ الأحكامِ ببعضِ مَفادِ مَا أَنزَلَ اللهُ: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال:]، والصلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ المُرسلين، القائل: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفقهه في الدين»، وعلى آله وصحبه أجمعِينَ والتَّابِعِينَ لهم بإحسان إلى يوم الدين، يومَ يقومُ النَّاسُ لرب العالمين.
وبعد:
فيقولُ العَبدُ الفقيرُ إلى الله، الغَنيُّ به عمَّن سواه، حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنفِيُّ، غفَرَ الله له ولوالِدَيه ولمشايخه ومُحبّيه، ولَطَفَ به وبذُرِّيَّتِه والمُنتمِينَ إليه: هذه مسألة مُهمَّة سميتها:
«إرشاد الأعلامِ لرتبةِ الجدَّةِ وذَوي الأرحام في تزويج الأيتام» وقد سُئِلْتُ عن الجدة: هل لها تزويجُ الصَّغيرِ والصَّغيرة؟ وهل مرتبتُها تَلِي الأُمَّ؟ وهل إذا اجتمع جدَّتانِ إحداهما لأُمَّ والأُخرَى لأب؟ مَن تُقدَّمُ منهما، أو يستويانِ في الولاية؟ وما ترتيب ذوي الأرحام في ولاية التزويج؟ بينوا الجواب بالنقل والتحقيق، ولكم التَّوابُ مِنَ الكريم الوهَّابِ.
الجزء 1 · صفحة 9
الجواب: الحمد لله مانحِ الصَّوابِ، قال في «التتر خانيَّةِ» في الفصل الحادي عشَرَ في معرفة الأولياء ما نصه: يجب أن يُعلَمَ أَنَّ الوَليَّ مَن كانَ من أهل الميراثِ - أي: من الذي ثبتت له عليه وِلايةُ التَّزويج - وهو؛ أي: الوَليُّ عاقل بالغ، حتَّى لا تثبُتَ الوِلايةُ للصَّبي والمجنونِ، ولا تثبتَ الوِلايةُ للكافر على المسلم، ولا للمُسلم على الكافِرِ، ولا تثبت الوِلايةُ للعبد، انتهى. ومثله في الفَتاوَى الكُبَرَى» عن «شرح الطحاوي»، وهذا التَّعريفُ لا يشمل السُّلطانَ ولا مَن وَلَّاه، فيُزادُ في التّعريف لإدخاله، ثمَّ عَدَّ الأولياء ولم يذكُرِ الجدَّةَ فيمَن عده نصاً، غير أنَّه قالَ: كُلُّ قَرِيبٍ يَرِثُ منها له أن يُزوِّجَها إذا لم يكُنْ أَقرَبَ منه وتقييده بالقريب؛ لأجل الأقرب منه قرابةً، وإلَّا؛ فمَولى العتاقةِ، ومَولى المُوالاةِ له ولاية التزويج، كما سنذكره.
وقد تُرِكَ في كثير من الكتب المُعتبَرةِ ذِكرُ الجدَّةِ نصَّاً؛ كـ «الكنز»، و «القُدُورِيَّ»، و «الهداية»، و «صدرِ الشَّريعةِ»، و «الدُّرَرِ»، و «الأكمل»، و «الكَمالِ»، و «البَحرِ»،
و «الخُلاصة»، و «البَزَّازِيَّةِ»، و «المُحيطِ الرَّضَوِيٌّ».
وقد ذُكِرَتِ الجدَّةُ في بعض الكُتُبِ مُجملةً، كما قال في شرحِ المَجْمَعِ لابنِ المَلكِ، قال: والأُمُّ وأقاربها كالجدَّةِ والخال والخالة وذوو الأرحام الأقرب فالأقرب أولياء للنكاح عند أبي حنيفة بعدَ العَصبة؛ أي: بعدَ أنْ لم يَكُنْ لها منَ العَصَباتِ النَّسَبيَّةِ والسَّبَيَّةِ أَحَدٌ، فوِلايةُ التَّزويج للأُم، ثمَّ للأُخت لأب وأُمْ، ثُمَّ لأب، ثمَّ للأخ أو الأُختِ
الجزء 1 · صفحة 10
لأم، ثمَّ لأولادهم، ثمَّ للعمَّاتِ، ثمَّ للأخوال، ثمَّ للخالات، ثم لبنات الأعمام، وهذا الترتيب عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو استحسان، كذا في شرح الوافي»، انتهت عبارة «شرح المجمع». وأقول: إنَّه بعدما أجمل في بيانِ مَن له الوِلايةُ بقوله: كالجدة والخال ... إلى آخره، ذكر الترتيب بعده بقوله: فوِلايةُ التَّزويج للأُم، ثمَّ للأُختِ ... إلى آخره، وأغفَلَ بيان مرتبة الجدة؛ هل تلي الأُمَّ، فتُقدَّمَ على الأُختِ أو لا تُقدَّم؟
ثم إنه بعد الأخواتِ رتَّبَ، فقدَّمَ أولاد الأخوات وأولاد الإخوة لأم، وأعقبهم بالعمَّاتِ، والعمَّاتُ منَ الصنفِ الرَّابع، وأولاد الأخوات وأولادِ وَلَدِ الأُمُّ مِنَ الصَّنفِ الثالث، فحق الترتيب أن يُقدَّمَ عَقِبَ الأخواتِ الصِّنف الأول، وهم أولاد البناتِ وبنات الابن، ثمَّ الصِّنف الثاني، وهم الأجداد والجدَّاتُ الفَاسِدونَ، ثُمَّ الثَّالثُ، وهم أولاد الأخوات، وأولاد ولد الأُمّ، ثمَّ الرَّابع، وهم العمَّاتُ والأخوال والخالات. ثم إنَّه رتَّبَ فيما بين الصنفِ الرَّابع، فقدَّمَ على الأخوال العمَّاتِ؛ لأنَّهنَّ كعصبة أبويه.
ثم رتَّبَ الأخوال ثمَّ الخالات، ورتبه الجميع واحدة في الميراث وإن اختلفت أنصباؤُهم، وقد جمَعَ الخالاتِ معَ الأخوالِ الشَّيخُ قاسم كما سنذكره، فيكون لهم ولاية التزويج بعد العمَّاتِ فِي رُتبةٍ واحدةٍ، فيُتَأَمَّلُ. وقد بين ترتيب الجدّةِ الشَّيخُ الإمامُ العلامةُ قَاسِمُ بنُ قُطلُوبُغَا، تلميذُ المُحقِّقِ ابن الهمام في شرحه النُّقاية»، فقال بعد ولاية العَصيةِ: ثُمَّ الأُم، ثُمَّ الجدَّةُ، ثُمَّ الأُحْتُ لأب وأم ... إلى آخره. ولم يُقيّد الجدة بكونها لأم أو لَأَبِ، غَيْرَ أَنَّ السَّيَاقَ يقتضي أَنَّهَا الجدة لأم، وعلى ذلك لا يُعلَمُ حُكمُ الجدَّةِ لأب، هل تُقدَّمُ على الجدَّةِ لأم، أو تتأخّرُ عنها، أو تُزاحِمُها فِي وِلايَةِ التَّزويج؟
الجزء 1 · صفحة 11
وقد قال في البحر» - ووافقه الشَّيخُ عليَّ المَقدِسِيُّ في شرح نظمِ الكَنز - ما نصه: قال في «القنية»: أمُّ الأب أولى منَ الأُم، انتهى. فعلى هذا تكونُ أُمُّ الأبِ مُقدَّمةً على أُمّ الأُمَّ؛ لَتَقدُّمها على الأُمَّ، لكنَّ المتونَ تقتضي خلاف ما في القنية»، فقد قال في «الكنز»: فإن لم تَكُنْ عَصَبَةٌ فالوِلايةُ للأم ... إلى آخره. فجعَلَ الأُم تلي العصبة، وعندَ مُعارضة غير المتونِ لها تُقدَّمُ المتون، ولا يُعلَمُ من «الكنز» حُكمُ الجدّةِ.
وقد يُقالُ: حيثُ ذَكَرَ في القنيةِ» تقديمَ أُمَّ الأب على الأُم وعارضه «الكنز»، كانت أم الأب تلي الأم بطريق الدَّلالةِ، لكنْ يُعارِضُه سِيَاقُ الشَّيخِ قَاسِمِ الذي يقتضي أنَّ الجدَّةَ هي التي لأُم فتلي الأُمَّ. وقد يُقالُ: إِنَّ الجدَّةَ التي لأم، والجدة التي لأَبِ رُتبتهما واحِدَةٌ، فتثبتُ وِلايةُ
التزويج لهما في رتبة واحدة؛ لعَدَمِ المُرجُحِ من أقرَبيَّةِ وَاحِدَةٍ. وجملةُ عِبارةِ الشَّيخِ قَاسِمِ في «شرحه النقايةَ»، فنصها: والوَليُّ العَصَبَةُ، وإن لم يكُنْ مَحْرَماً، هوَ المُخْتارُ على ترتيبهم في الإرث والحَجْبِ، فيكونُ أَقرَبَ الأولياء في المعتوهة الابن، وابنُ الابن وإن سَفَلَ، ثمَّ فيها وفي الصَّغيرة الأب، وأب الأب وإن علاء ثمَّ الأخ لأب وأُم، ثمَّ لأب، ثمَّ ابنُ الأخ كذلك، ثمَّ العَمُّ كذلكَ، ثُمَّ ابن العم كذلك، ثمَّ مَولى العتاقة، ويستوي فيه الأنثى والذَّكَرُ، ثمَّ عَصَبَةُ المولى، ثُمَّ الأُم، ثمَّ الجدَّةُ، ثمَّ الأُختُ لأب وأُمِّ، ثمَّ لأَبِ، ثمَّ الأخُ أو الأُختُ لأُمَّ، ثُمَّ لأب، ثمَّ الأخُ والأُختُ لأُمَّ.
وفي التجنيس»: وليست الأُم بأولى منَ الأُختِ، وفي شرح الشَّافي: ويُفتى بتقديم الأُم على الأُختِ.
الجزء 1 · صفحة 12
ثمَّ ذَوُو الأرحامِ الأقْربُ فالأقرب؛ كأولادِ الأُختِ، ثمَّ العمَّاتُ، ثُمَّ الأخوال والخالات، ثم بناتُ الأعمام، وهذا الترتيب عند أبي حنيفة، وقال محمد: الإنكاحُ إلى العَصَباتِ فقط، وذَكَرَ الكَرحَيُّ أنَّ أبا يُوسُفَ مع محمد في هذه المسألة، وأكثر الروايات على أنه مع أبي حَنِيفةً، وقولُ أبي حنيفة استحسان، وعليه مشى الإمام المحبوبيُّ والنَّسَفيُّ والمُوصِلِيُّ، ثمَّ مَولَى المُوالاةِ، ثمَّ قاضٍ في مَنشُورِه ذلكَ، انتهت عِبارةُ الشَّيخِ قَاسِمِ رحمه الله تعالى.
وأقول: إنَّه يُحتاجُ إلى بيان في بعضها، أما قوله: «كغيره والوَليُّ العَصبة .... إلى آخره، فالمراد به العاصِبُ بالنَّفْسِ لا العاصِبُ بغيره، ولا مع غيره؛ لأنَّه يعدُّونَ العصبة الذكر واحداً بعد واحد، ثمَّ يذكرون ولاية البنتِ، وولايةَ بنتِ الابن فيمن يلي التزويج بعد العصبة، فلا يكُونُ للأُختِ تقدم على البنت، ولا على بنت الابن بكونها صارت عصبة معها، وكذلك لا تلي الأختُ معَ الأخ الترويج وإن صارت عصبة به، وهذه الدقيقةُ نبهني الله لها، وهي كما نص عليه في «البحر» و «الدُّرَرِ» رحمهم الله أجمعين.
ومما يحتاجُ للبيان في كلامه قوله: «الابن وابنه وإن سَفَلَ؛ يعني: ثم ابنه.
ومنه قوله: «الأب وأب الأب؛ يعني: ثم أب الأب.
ومنه قوله: «ثم ابن العم كذلك، ثمَّ مولى العتاقِةِ؛ لأَنَّ مَولَى العَتاقَةِ لَا يَلِي ابْنَ العم، بل يليه عم الأبِ الشَّقيق، ثمَّ عمه لأب، ثمَّ ابنُ عمه الشَّقيق، ثمَّ ابنُ عَمِّه لأبٍ، ثم عم الجد الشَّقيق، ثمَّ عمه لأب، ثمَّ ابنُ عمّ الجد الشقيق، ثمَّ ابن عمه لأب، ثمَّ مولى العناقةِ بعد ابن عم بعيد. ومنه قوله: «ثم الجدَّةُ، ثمَّ الأُختُ لأب وأم، ثمَّ لأب، ثم لولد الأم»؛ إذ فيه إشارة خفيَّةٌ ظَهَرَ لي كشْفُها، وهو أنَّ الأُم أو الجدَّةَ معَ الأُحَتِ الشَّقيقةِ ولأب وأُمِّ لا يُنظَرُ
الجزء 1 · صفحة 13
إلى كونهنَّ في الإرث على السواء في الاستحقاق، وإن تفاوتَ النَّصيبُ؛ كالسُّدُسِ للأم أو الجدة، والنَّصْفِ للأُختِ الشَّقيقة معها، والسُّدُس للأُختِ لأَبِ، وسُدُس آخر للأخ أو الأُخْتِ لَأُم، والثَّلْتِ لاثنين أولادِ الأُم، لم يَنظُرُ أصحابُ المُتونِ والشُروحِ إلى اجتماع هؤلاء في الإرث؛ لتكُونَ وِلايةُ التَّزويج للجميع، بل رتَّبوا فقدموا الأُم أو الجدة، ثمَّ الأُختَ الشَّقيقةَ، ثمَّ التي لأب، ثمَّ لولَدِ الأُمَّ، فَليُتَبَّة لهذه الدقيقةِ؛ إذ يبتَني عليها ما سيأتي. ومنه قوله: «ويُفتى بتقديم الأُم على الأُختِ»؛ فإِنَّه نص «الكنز» وغيره من المُتونِ، فهو موافق لما عليه الفتوى، فلا غرابة.
ومنه قوله: «فالأقرَبُ أولادُ الأُختِ»؛ فإِنَّه ليسَ المُرَادُ أَنَّ أَقرَبَ ذَوِي الأَرْحَامِ أولاد الأُختِ؛ لأنهم منَ الصِّنفِ الثَّالِثِ، فهم مُؤخَّرون بدرجتين كما سنذكره، بل المراد أنَّ أولادَ الأُختِ لهم تزويجُ الصَّغيرِ في رُتبتهم، وأما الكبيرة المجنونة أو المعتوهة، فتُقدَّمُ أولاد بناتِها وبناتُ ابنها لتقديم فروعها على فروع أصلها، كما سنذكره.
ومنه قوله: «ثم العمَّاتُ، ثمَّ الأخوال؛ لأنَّ الأخوال في درجة العمَّاتِ من حيثية الميراث، ولكن لما كانت ذُو الرَّحم بمنزلة العاصب في أخذه المال كله، نُزِّلَ قرابة الأب بمنزلة عاصِبٍ منها، فلا يُزاحمه في ولاية التزويج قرابة الأم. هذا ما فهمته، فلْيُحرز.
وجمع المصنِّفُ بينَ الخال والخالة في ولاية التزويج؛ لاستواء حُكمِ الخالِ مع الخالة في القيام مَقامَ الأُم. هذا ما ظهر لي، فليتأمل ويُحرر.
الجزء 1 · صفحة 14
وجمَعَ العمَّاتِ، فَشَمِلَ الشَّقيقة ولأب وأم، وكذا الأخوال وبناتُ الأعمامِ، فليتأمل. هل تُرَتِّبُ فَتُقدَّمُ الشَّقيقةُ مِنَ العمَّاتِ ثُمَّ لأَبِ ثُمَّ لأُم، أو يكون للجميع على السَّواءِ؟ والذي أفْهَمُه تقديم العمَّةِ الشَّقيقةِ؛ لزيادة في قُربها، ثمَّ العَمَّةُ لأب، وتستوي الخالات والأخوال؛ لقيامهم مَقامَ الأُم بخلافِ العمَّاتِ؛ لأنَّهنَّ على نحْوِ العَصبة فيما تقدم.
ومنه: أنه لم يتعرَّضُ لذكرِ الأجدادِ والجدَّاتِ الفَاسِدِينَ، وهم الصنفُ الثَّاني، وكان عليه أن يذكرهم ويُبيِّنَ مراتبهم ومَن يليهم؛ ليُناسِبَ عطفه عليه بقوله: «ثمَّ مَولَى الموالاة».
ومنه قوله ثمَّ مَولَى المُوالاةِ، ثمَّ قاض؛ لأنَّ القاضي بعدَ السُّلطانِ، إِلَّا أَن يُقالَ: إنَّه لما استفادَ الوِلاية منَ السُّلطانِ كَانَ مُقدَّماً عليه.
ومنه: أنه أطلق للقاضي التزويج، وقال في التَّرْخانِيَّةِ»: قالَ نُصَيرُ بنُ يَحْيَى، وقال شَدَّادُ بنُ حَكِيمٍ لا ينبغي للقاضي أن يُزوِّجَ الصَّغيرةَ حَتَّى نَصِيرَ مُرَاهِقَةٌ، وهي تُعبر عن نفسها وتطلب من القاضي التزويج. ثمَّ إِنَّه لا يخفَى أَنَّنا ذكَرْنا أَنَّ تقديمَ الأُختِ إِنَّما هو في الصَّغيرة، وأما المجنونة فتقدَّمُ بنتها إذا لم يكن لها ابن على ما قال في «الخلاصة».
وفي «شرحِ الشَّافي»: الأقرب من ذَوِي الأرحامِ الأُمُّ، ثمَّ البنتُ، ثُمَّ بنتُ الابنِ، ثم بنتُ البنت، ثمَّ بنتُ الابن، ثمَّ الأُختُ الشَّقيقةُ، ثُمَّ لأَبِ، ثمَّ لأُمَّ، ثمَّ أولادهنَّ، ثمَّ العمَّاتُ، ثمَّ الأخوال، ثمَّ الخالات، ثمَّ بناتُ الأعمامِ، والجد الفاسِدُ أَولَى مِنَ الأُختِ عندَ أَبي حَنِيفَةَ رحمه الله، انتَهَى.
وأقولُ: إِنَّه يُحتاجُ لبيان في كلامه.
الجزء 1 · صفحة 15
فمنه: أَنَّ قولَه: «ثم أولادهنَّ»، مُجْمَلٌ، وقد يُقالُ: إِنَّه يجرِي حُكمُ أُصولِ الأولادِ فيهم، فيُقدَّمُ الشَّقيقُ على الذي لأب، والذي لأب على الذي لأُمّ إذا كانوا من جهة العمات.
وكذا قوله: «ثمَّ العمَّاتُ»، مُجْمَلٌ، وقد يكونُ الحُكمُ فيهنَّ كالأخواتِ تُقَدَّمُ الشقيقة على التي لأب، وهي على التي لأم.
وقوله: «ثم الأخوال، ثمَّ الخالات»، قد يُقالُ: إِنَّهم ليسوا كالعمَّاتِ، فيستوونَ في ولاية التزويج؛ لقيامهم مَقامَ الأُم.
ثم أقولُ: إنَّه قد يُقالُ: وقع في ترتيبه تساهل كما علمته؛ فإِنَّه رَتَّبَ فيما بينَ الخالِ والخالة وقد جمعهما في رتبة واحدة في «شرحِ النُّقاية» كما علمته، وكما سنذكُرُه عنِ الزَّيْلَعِي رحمه الله.
وقوله: «والجَدُّ الفاسِدُ ... » إلى آخره، مثله ما نقله في «البحر» عن
إلخ». فقوله «قال نصير بن يحيى سبق قلم.
المستصفى»: أنَّ الجد الفاسِدَ أولى من الأختِ عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: الولاية لهما كما في الميراث.
وفي فتح القدير: وقياس ما صُحْحَ في الجد والأخ من تقديم الجد أن يُقدَّمَ الجد الفاسِدُ على الأُختِ.
ثم قال صاحب البحر»: فثَبَتَ بهذا أنَّ المذهبَ أَنَّ الجد الفاسِد بعدَ الأُمَّ قبل الأُختِ، انتهى.
وأقول: فيه تأمل؛ لأنَّ التَّصحيح المذكور في الجد الصحيح مع الأخ العاصب، وقياس الجد الفاسد على الجد الصحيح ليس تاماً؛ لعدم المساواة، فلا يَتَقَدَّمُ الجد الفاسد على الأُخت كما هو صريح المنون، كـ «الكنز؛ لأنَّ الجد الفاسد من ذوي الأرحام من الصنفِ الثَّاني مُؤخَّرٌ عن الصنفِ الأَوَّلِ، وهم أولاد البناتِ،
الجزء 1 · صفحة 16
وأولاد بنات الابن، وكُلُّهم مُؤخَّرونَ عن ذَوِي الفُروض كالأُختِ وبنت الابن. ووجه عدم مساوة الجد الفاسِد للجد الصَّحِيحِ، أَنَّ الجدَّ الصَّحِيحَ جُعِلَ كالأَبِ حتَّى كان أولى من الأخ بالتزويج بالإجماع على الصحيح؛ لكمالِ شَفَقتِه؛ ولهذا لا يكون للصغير والصَّغيرةِ الخِيارُ إذا زوَّجَهما الجدُّ ثمَّ بَلَغَا، كما لو زوَّجَهما الأب، ويتصرف الجد في مالهما إذا لم يُوصِ الأب لغيره، وليس ذلك لأحدٍ من ذَوِي
الأرحام، والجد الفاسِدُ من ذوي الأرحام، في الرتبة الثانية منهم، كما ذكرناه. ثمَّ أقولُ: لعل هذا المروي عن الإمامِ من أَنَّ الجَدَّ الفَاسِدَ مُقدَّم على الأُختِ روايةٌ مُخالفة لرواية المُتونِ، فهي كالرِّواية التي رُويَت عنه في ذَوِي الأرحام، من تقديم الجد الفاسِد على أولادِ البنات، وعلى أولاد بنات الابن، فيكونُ الصنفُ الأول مؤخراً، والصنفُ الثَّاني مُقدَّماً عليه، وهذه الرواية صح رُجوع الإمام عنها، فقال بتقديم أولاد البناتِ وأولادِ بناتِ الابن على الجَد الفاسِد، كما قال به أبو يُوسُفَ ومحمد، وعليه الفتوى كما ذكَرَه الشَّيخُ قَاسِمٌ في شرح فرائضِ المَجْمَعِ، وإليه أَشَارَ الزِّيلَعِيُّ رحمه الله فبهذا تبين أنَّ الذي عليه المُتون هو المذهَبُ، فَيُؤَخِّرُ الجِدُّ الفَاسِدُ وتُقدَّمُ الأخت؛ لأَنَّ مَقامَها يَعْلُو عنه بدرجتين.
غير أنَّ في عِبارةِ الزِّيلَعِيِّ رحمه الله تأملاً يَحتاجُ إلى بيان، حيثُ قال: وإن لم يكُنْ عَصَبَةٌ فالوِلايةُ للأُم، ثمَّ للأُخت لأب وأُمِّ، ثمَّ لأب، ثمَّ لأولادِ الأُمِّ ذُكورهم وإناثهم فيه سواء، ثم لأولادهم، ثمَّ للعمَّاتِ، ثمَّ للأخوال والخالات، ثم لبنات الأعمام، انتهى
الجزء 1 · صفحة 17
ووجه التَّامَّلِ أَنَّه جَعَلَ الوِلاية بعد فُروع أولادِ الأُم إلى العمَّاتِ، والحالُ أَنَّ العمَّاتِ مِنَ الصِّنفِ الرَّابع، فتكونُ العمَّاتُ مُؤخَّرَاتٍ عَنِ الصنفِ الأَوَّلِ، فروغ البنات وبنات الابن، وعنِ الثَّاني، الجُدودُ والجدَّاتُ الفاسِدُونَ، وعن الثَّالث، وهم
أولاد الإخوة لأم، وأولاد الأخوات، وقدَّمَ العمَّاتِ على الأخوال والخالات. ولعلَّ وَجهَه كما نبهنا عليه أنَّ قرابة الأب بمَنزِلِةِ عَصَبةٍ، فَقُدِّمَت على قَرابَةِ الأُم وإن وَرِثَت معها في رُتبةٍ واحدةٍ، ثمَّ رتَّبَ بناتِ الأعمام على الأخوال والخالاتِ، كما رتبه في شرح المَجْمَعِ، والشَّيخُ قَاسِم كما قدمناه.
فكان فيه إشارة إلى مسامحة وقعت في عِبارة «فُصُولِ العِمادي»، حيثُ جَعَلَ بنات الأعمامٍ مَعدُوداتٍ معَ مَن هو أعلى درجةً منهنَّ بقوله: الصنف الرَّابع: الأخوال والخالات، والعمَّاتُ كُلُّهنَّ والأعمام لأم، وبناتُ الأعمام وأولاد هؤلاء، لكنَّ
العمادي بعد هذا قال في «أمثلة الحُكّامِ»: الصنفُ الرَّابِعُ: عَمَّةٌ لأب وأُمِّ وخالةٌ لأب، المال بينهما أثلاثاً.
ثم قال: والكَلامُ في أولادِ هؤلاء وبناتِ الأعمامِ أنَّ أولاهم أقربهم، فإن استووا في القُربِ فمَن كانَ لأب وأم أولى ممَّن كانَ لأب، ومَن كانَ لأَبِ أُولَى مِمَّن كَانَ لأُمَّ، فين بكلامه الأخير أنَّ بناتِ العَمَّ مِنَ الصِّنفِ الرَّابع في الجملة، وليسَ المُرَادُ مُزاحمة بنات العم لنحو العَمَّةِ والخالة؛ لعلو درجتهما. ثم قال العمادي: فصل في الصِّنفِ الخامس: وهم أقرباء الأبوين أولاهم أقربهم، مثاله: عمَّةُ الأب أولى من عمة الجد؛ لأنَّها أقرَبُ ... إلى آخره. فكان أحسنَ من صنيع الإمامِ السَّجَاوَنْدِي في شرحه السراجية»، حيثُ جَعَلَ بناتِ الأعمامِ من
الجزء 1 · صفحة 18
جملة الصنفِ الرَّابع، ولم يأتِ بعده بذكْرِ أقرباء الأبوين، ولكنه بعدما عدَّ بناتِ العَم مع الأخوال والخالات والعمَّاتِ [وذكَرَ الأمثلة قال: فصل في الصنفِ الخامس، وهم أولاد الأخوال والخالات والعمات]، فكان فيه تنبيه على تأخير بنات العمَّاتِ. ولقد أحسَنَ العَلَّامةُ ابنُ كَمالِ باشا رحمه الله، حيثُ ذَكَرَ أَنَّ أَصْنَافَ ذَوِي الأرحام أربعةٌ، ثمَّ ذَكرَ فَصلَ مَن يليهم، ولم يعد بناتِ العَم في أصحاب الصنفِ الرابع في تقسيمه الأصناف الأربعةَ، ثمَّ بَيَّنَ حُكمَ بِناتِ العَمُ فِي فَصلٍ بعدَ ذِكرِ الأصناف الأربعةِ، ثمَّ بعد بيانِ الأمثلة قال: ثمَّ ينتقل هذا الحكم المذكورُ في عُمومةِ الميت وحؤوليه وأولادهم إلى جهةِ عُمومةِ أبويه وخُؤولتهما، ثمَّ إلى أولادهم ثمَّ إلى عمومة أبوي أبويه وخُؤولتِهم، ثمَّ إلى أولادهم كما في العصبات، فكانَ صَنيعه أحسن رحمه الله، ورَحِمَ جميع مشايخ المذهب، وجزاهم الله أحسن جزائه. ثمَّ قَالَ الزِّيلَعِيُّ ما نصه: وقِيلَ: الأُختُ لأب وأُمَّ أو لأبٍ تُقدَّمُ على الأم؛ لأنَّ لها حالة تكون فيها عَصَبةً، وفي الغَاية» قِيلَ: قَرابةُ الأب كالعَمَّةِ ونحوها يُقدَّمْنَ؛ يعني: إذا لم يكُنْ قَرِيبٌ ممَّن يَرِثُ بِالفَرضِ. ثم قال: وأكثرهم على أن ترتيبهم - يعني: ذَوي الأرحام - كترتيبنا في الإرث، فأولاهم الفُروعُ؛ يعني: أولاد البنات وأولاد بنات الابن، ثمَّ الأصول؛ يعني: الأجداد والجدات الفاسِدِينَ، ثمَّ فُروعُ الآبِ، ثمَّ فُروعُ جَدَّاتِ الأب الأقرب فالأقرب، كما ذكر في توريث ذَوي الأرحام، ثمَّ مَولَى المُوالاةِ، ثمَّ القاضي ومَن نصَّبَه القاضي إذا شَرَطَ الإمام في عهدِه ومَنشوره، وهذا عند أبي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهو استحسان وهو الأصح. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 19
فقد أشار إلى ما ذكرناه رحمه الله، ولكن لم يُبين صاحبُ الخُلاصة» كغيره رحمه الله الترتيب شافياً كما عَلِمتَه، وأرادَ بذَوِي الأرحام ما هو أعم، لشموله صاحباتِ الفَرضِ كما تَرَى.
فنقُولُ مُستمِدِّينَ من كَرَمِ الفنّاحِ العَليمِ سُبحانه وتعالى: إِنَّ الشَّيخَ قَاسِماً رحمه الله تعالى قال: ثمَّ ذَوُو الأرحام الأقرب فالأقرب ... إلى آخره. وحاصل الكلامِ أنَّ أصناف ذَوي الأرحام كما في «السراجية» و «فُصُولِ العِمَادِي» خمسة أصناف، ولكن علمت تحقيق ابنَ كَمالِ باشا رحمه الله أنهم أربعة، وألحق بهم في فصل على حدةٍ مَن يَكُونُ مُلحقاً بهم مُرَتِّباً بحَسَبِ دَرجاتِهم، والأصنافُ مُرتَّبَةٌ فيُقدِّمُ الأوَّلَ على الثَّاني، والثَّاني على الثَّالِثِ، والثَّالثُ على الرَّابِعِ، وهو المُختارُ للفتوى وعليه العمل، كما ذكره الشَّيخُ قَاسِمٌ في شرحه فرائضَ المَجْمَعِ وغيره. الصنف الأوَّلُ: أولاد البناتِ وأولاد بنات الابن، ولا يَكُونُ لهم وِلايةُ التَّزويج إلَّا في الكبيرة المجنونة أو المعتوهة، ويُنظر هل يَستَوِي فِي وِلايَةِ التَّزويج بنتُ بِنتِ الابن مع بنت بنتِ البنتِ؛ لاستوائهما في الدَّرَجةِ؟ أو يُنظر إلى استحقاق الميراث، فإنَّه لبنت بنت الابن؛ لأنَّها وَلدُ الوَارِثِ فِيكُونُ لها وِلايةُ التَّزويج. والذي يَظْهَرُ لي أنَّهما سَواءٌ في ولاية التَّزويج؛ للاستواء في القُربِ كما نظر إليه في قرابة الأُصُولِ. قالَ الشَّيخُ فَاسِمٌ: وَإِنِ اسْتَوَوا في القُربِ ـ يعني: قَرابَةَ الأُصُولِ ـ لم يكُنِ الإدلاء بوارثِ مُوجِباً للتقديم؛ يعني: في أخذ الميراثِ فِي أَصَحُ الرِّوايتينِ؛ لأَنَّ سَببَ الاستحقاق القرابةُ دُونَ الإدلاء بوارث، كابِ أُمّ أُمَّ، وابٍ أَبِ أَم هما سَواءٌ، وعلى مقابل الأصحُ الأوّلُ أَولَى، هكذا قاله الشَّيخُ قَاسِمٌ فِي قَرابَةِ الأُصولِ، وقالَ فِي قَرابَةِ
الجزء 1 · صفحة 20
الفروع: إِنَّ الإذلاءَ بوارثِ مُوجِبٌ للتقديم؛ لأنَّ له زيادةً في القُربِ، هكذا علله.
ولا شك أنَّ هذه العِلَّةَ تطّردُ في قرابة الأصول، فعليها يَكُونُ الحُكمُ مُتَّحِداً، وكذلِكَ عِلَّةُ القَرابة التي هي سَببٌ للاستحقاقِ مَوجُودةٌ في كُلِّ مِن قَرابة الأصول والفروع، فيقتضي اتحاد الحكم، فتعليل عدم ترجيح الإذلاء بوارث في جانب الأُصُولِ على أصح الروايتين، كذلك عدم ترجيح الإدلاء بوارث في الفروع لهذه العِلةِ؛ لأنها لم تنظر إلى زيادة في القُربِ باعتبار أصلِ المُتساويين في درجة، فيُحَرَّرُ.
ويُنظَرُ الفَرقُ بينَ قَرابَةِ الأُصولِ والفُرُوعِ فِي عَدمِ الاستواء فيما يُوجِبُ التَّقديم فيهم جميعاً، مع وجودِ عِلةِ التَّرجيح في الذي لم تُرجَّحْ قَرابته، وغايةُ ما قَدْ يُقالُ: إنَّه على إحدى الروايتين قد مَشَى في الفُروع، ومَشَى في الأُصولِ على أصحهما، ويُجاب عن هذا القيل: بأن وجهَ الأصحيَّةِ مَوجودٌ في قَرابَةِ الفُرُوعِ وهي القرابة، فيلزمُ اتَّحاد الحكمِ في قَرابَةِ الفُرُوعِ والأُصولِ، فليتأمل. تنبيه آخر: إذا اختَلَفَ النَّصيبُ لا يُنظَرُ إليه، كبنتِ ابن بنت وبنت بنت بنت تستويان في ولاية التزويج، وإن كان الحال بينهما أثلاثاً عندَ مُحمَّدٍ، وَسَويَّةً عند أبي يوسف، فالحكم على قول أبي يُوسُفَ واضح؛ لاستواءِ النَّصيب عنده.
الصنفُ الثَّاني: وهم الجُدودُ الفاسدة والجدَّاتُ الفاسِدات، أولاهم بالتزويج أقربهم، فإن استووا في القُربِ ثبَتَتْ لهمُ الوِلايةُ، فأيهم زوَّجَ صح، وإن أدلى بعضُهم بوارث أو انفرد باستحقاق الميراث بالنظر إلى الأقرب كما قدمناه، أو اختلفَتْ أنصباؤُهم بالقِلَّةِ والكثرة؛ إذا كانوا من جهةٍ واحدةٍ، وإن اجتمعَ قَرابَةُ الآبِ وقَرابة الأم قد يُقالُ بتقديم قرابة الآبِ كما بَيَّنَّاه، فليتأَمَّلُ ويُحرز.
الجزء 1 · صفحة 21
الصنف الثالث: وهم أولاد الأخواتِ مُطلَقاً، وبناتُ الإخوة الأشقاء أو لأب، وأولاد الإخوة لأم، أقربهم أولى بالتزويج، وعند الاستواء لهمُ الوِلايةُ وإن كانَ أحدهم ولد وارث، ولا يرثُ غيرُه معه كما قدَّمناه؛ كبنتِ ابنِ الأخ، وبنتِ بنتِ الأخ، أو كان لأحدهم أكثر كبنتِ أُختِ وابنِ أُختِ.
وإذا اجتمع ثلاثة أولادِ أخواتٍ مُتفرِّقات وثلاثُ بناتِ إخوةٍ مُتفَرِّقِينَ، وَاسْتَوَوا في القُربِ والدَّرجةِ، كبنتِ أُخت شقيقةٍ، وبنتِ أُخت لأب، وبنتِ أُخت لأُمّ، لهنَّ وِلايةُ التَّزويج بالترتيب، تُقدَّمُ الشَّقيقةُ، ثمَّ التي لأب، ثمَّ التي لأُمِّ على مِنوالِ الأخواتِ المُتفرّقاتِ من ذَوِي الفُروض، وفي المالِ أبو يُوسُفَ يجعل المال لبنتِ الشقيقة، ويُعطي محمَّدٌ التي لأم معها، وكذا بناتُ الإخوة، بنتُ أخ شقيق وبنتُ أخ لأب وبنتُ أخ لأم.
الصَّنفُ الرّابع: وهم الأخوال والخالات والعمَّاتُ، مَن هو أقرب له الوِلايةُ في النكاح، فالعَمَّةُ الشَّقيقةُ أولى منَ التي لأب، والتي لأب أولَى مِنَ التي لأُمّ، وأما الخالات إذا اجتمعنَ قد يُقالُ باستوائهِنَّ في ولاية الترويج لأنهنَّ جميعاً بمنزلة الأم. وإذا اجتمع العمَّاتُ والخالاتُ قدَّمنا العمَّةَ الشَّقيقةَ على نحو ما تقدَّمَ، وكذا الحكم في أولادِ الجميع.
فصل فيمَن يَلِي الأصناف الأربعةَ
وهو الذي عُدَّ صِنفاً خامساً في «العِماديَّةِ» وغيرها كما بيناه، وهم أقرباء الأبوين أولاهم أقربهم، كعمةِ الأب أولى من عمَّةِ الجَد لقُربِها، وإذا اجتَمَعَتْ قرابة الأب وقرابة الأم، كانت الوِلاية لقرابة الأب على ما قدمناهُ مُرتبةٌ، وإن كان الميراث بينهم أثلاثاً تُلُثاه لقرابة الأب، والثلث لقرابة الأُم، مثاله: عمَّةُ الأب وخالته وعمَّةُ الأُم وخالتها، والكلام في أولادِ هؤلاء؛ كالكلام في أولادِ البَناتِ وأولاد الأخوات.
الجزء 1 · صفحة 22
تنبية: إذا اجتمعَ وَليَّانِ في دَرجةٍ، فَسَبَقَ أحدهما بالتزويج صحَّ، سَواءٌ أَجازَ الثَّاني أو فسَخَ، فإن زَوَّجَ كُلُّ رَجُلاً معاً أو لم يُدْرَ السَّابِقُ، لا يجوز عقد أحدٍ منهما، كما في «قاضيخان»؛ لأنَّه لا يجوزُ التَّحري في الفُروحِ.
وفي الجارية المُشتركة لا يصح عقد لشريك لازماً حتَّى يُجيزه الآخرُ كما في «البحرِ الرَّائِقِ، وقَدْ ذَكرَ الإمامُ الخَصَّافُ في الوَقفِ على الأقرَبِ من قَرابيه: أنَّ الشَّقيق يُقدَّمُ على الذي لأب، وعلى الذي لأُمّ، ويستوي الذي لأب معَ الذي لأُمّ، وليسَ يكُونُ الوَقفُ على قدر حال المواريث، انتهى.
وأقول: إن ولاية التزويج ليست مثل الوقف التستوي الذي لأب مع الذي لأم، بل الأخ الذي لأب يُقدَّمُ؛ لأنَّه عاصِبٌ كما تقَدَّمَ، والذي لأُمِّ مُؤخَّرٌ عنه بدَرَجاتٍ قد علمتها، فلا تَغفُلْ أطلعَ الله في سماء الإفادة نجمَكَ السَّعيدَ مُشرِقاً لا يأفل.
هذا ما تيسر لي فهمُه؛ ليعلمه من غَزُرَ عِلمه، ومَن فضل الله سبحانه دامَ كَرَمُه، فتح به عليَّ لبيان هذا الحُكم في هذا الشَّأْنِ؛ لِيُقتَدَى به، ويُتَفَطَّنَ
لمنواله، ويُحرِّرَه فضل الإخوانِ المُقتدى بهم والمُقتَدُونَ بالإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، بوأه الله أعلى غُرُفات الجِنانِ، وأعادَ علينا من بركاتِه ومَدَدِه ما تَعاقَبَ المَلَوانِ، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ، المُرسلِ رحمة للعالمين، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلِينَ والصَّحابةِ والتَّابِعِينَ بدَوامِ نِعَمِ الله الملِكِ المَنَّانِ انتَهَى