الجزء 1 · صفحة 7
إنفاذ الأوامر الإلهيّة بنضرة العساكر العثمانية وإنقاذ سكان الجزيرة العربية
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ لله الَّذِي جعلَ السُّلطانَ ظَلَّهُ في الأرضِ يأوي إليه كل مظلوم، ورفعَ له بعدله وتواضعه في كل يوم وليلة عمل ستّينَ صديقاً، كلُّهم عابد مجتهد بالخير موسوم، ونَظمَهُ في سِلْكِ الَّذِينَ يُظِلُّهم بظل عَرشِه، وقد ألجمَ النَّاسَ العرق، وعَنتِ الوجوه للحي القيوم، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ القائلِ بِما أوحى إليهِ اللهُ: السلطانُ ظِلُّ الله في الأرضِ، مَنْ أكرمَهُ أكرمَهُ اللهُ، وَمَن أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللَّهُ، وَمَنْ عَشَهُ في نفسه وفي عبادِ الله خذلَهُ الله، صلَّى الله وسلَّمَ على هذا النَّبِيِّ العظيم الرَّؤوف الرَّحيمِ، وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم لإعزاز دينِ الله.
وبعد:
فيقول الفقير إلى لُطفِ الله الخَفيّ، أبو الإخلاص حسَنُ الوَفائِيُّ الشُّرنبلالي الحنفيّ: لَمَّا ورد الخبرُ في العَشْرِ الأخير من رمضان سنة إحدى وأربعين وألفٍ، عن مكة المشرفة حماها الله، وطهَّرَها من الباغين والخارجين عن طاعةِ رسولِ الله المخالفين لكتاب الله بما فعلُوهُ مِن سَفْكِ دماء المسلمين وآل بيتِ رسولِ الله والأشراف، ونَهبِ الأموال وهتكِ الحُرَمِ بالحَرَمِ، وإخراجهم من منازلهم بغاية البغي والإسراف.
الجزء 1 · صفحة 9
وبلغ خبر ذلك لمولانا كافل كِنانَةِ اللهِ في أرضه المأنوسة مصرنا المباركة المحروسة، المقلد تدبير الدولة المرادية، والقوانين العُثمانية، والقيام بنظام الشريعة المطهرة المحمَّديَّة، الوزير المفخّمِ والمشير المعظم، من جعل الله وصف أبينا إبراهيم الخليل علماً عليه، وتابعه فيما أخبر الله به عنه في كتابه العظيم بقوله تعالى: وإن إبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ} [التوبة:].
فبادر مولانا صاحبُ السَّعادة بصادق عزيمته، وإخلاص عمله ونيته؛ لدفع هذا الكرب العظيم، ونيل هذا الفَخْرِ الجسيم عن أهل الحرم الشريف المحترم، وجيران حرم رسول الله، وما قصَّرَ فيما عزم؛ فساعدَتْهُ العِنايةُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَنَشرَ اللهُ عليهِ لواءَ الهمَّةِ العليَّةِ المُحَمَّديَّة.
وانتدب لكشف هذا الخَطْبِ العظيمِ، جُلَّ العساكر الإسلامية، والفرسان المنتخبة لحميَّةِ السَّيفِ والسَّنانِ من كلِّ أمير كبير وبيك، فقال كل منهم حينَ دُعي لذلك: لبيك لبيك وسعديك.
الجزء 1 · صفحة 10
فتلى عليهم التّالي، فقالَ: قد نَشَرْتُ عليكم للنَّصْرِ أَعلامَكُم، وإِنَّ الله قَدْ أَلْقَى الرُّعْبَ نُضرة لكُم في قُلُوبِ أعدائِكُم، يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُنَيِّتْ اقدا مكر [محمد:]، والذي نرتجيه من كرم الله ومِنتِهِ، وسوابق إعزازه لدينِهِ ونُصْرَتِهِ، أن يمن على مولانا السلطان الأعظم مُراد بنصره ونصر عساكره الفخام، ويُمكنهم من أعدائهم بقطع دائرة الفَسادِ من الحرم المحترم، وذلكَ المَقامُ؛ لتكون منه ثانيةً عليه مضافةً لنعمة سابقة لديه بعمارته البيت الحرام إذ لم ينلها أحدٌ مِمن تقدَّمَ من سلاطين الإسلام، ولما أن كان هذا الجهاد من أهم الأمور؛ طلب النقل من المذهب ليتمسكَ بِهِ في مُتعلَّقِهِ؛ لتحصيل الأجور، فانتخبتُ بعض ما سطّرتُه سابقاً بإشارة سيدنا العارف الرباني والولي العالمِ الحَبْرِ الهُمامِ الصَّمَدَانِيُّ، سُلالَةِ سَاداتِنَا الأَقطاب الحنفاء، سيدي جَمالِ الوُجودِ يوسف أبو الإِسْعَادِ بنُ وفاء.
وهذه إشارة منه حفظه الله لنصرة هذه العصابة المحمدية، والعساكر المنصورة العثمانية، أدام الله علينا بمنه دولتها، وقطع دابر المُعَانِدِينَ لها وحسدَتَها. فنقول معتمدين في ذلك على المشهور من الكتب والنُّقول، وسميتها:
«إنفاذ الأوامر الإلهيّةِ بنضرة العساكر العُثمانية وإنقاذ سكان الجزيرة العربية»
قال أئمتنا السادة الحنفية: أمَّا جواز الجهاد، وقتلُ مَنْ أَنشَأَ ما يوجِبُهُ في الحرم الشريف المحترم، فذلك جائز بإجماع المسلمين على حِل دخول مكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم للقتال كما ذكره الزيلعي وغيره. لكن لا يكون دخول مكة المشرفة إلا بإحْرامِ لَمَنْ قصد من الآفاقِينَ دخولها، فإن أراد تسهيل الأمرِ والدخول بلا إحرام، فإنَّه يقصد ـ وهو خارج المواقيت - محلا داخل المواقيت خارجاً عن حدودِ الحَرمِ؛ كَجُدَّةَ، وبستَانِ بَني عامر.
الجزء 1 · صفحة 11
وما روي من الدخوله يومَ فَتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، فكان مختصا بتلك السَّاعةِ؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم: «مَكَّةُ حَرامٌ لَمْ تَحِلَّ لأحدٍ قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعة من نهارٍ ثم عادتْ حَراماً؛ يعني به الدخول بغير إحرام؛ لما حكيناه من الإجماع.
وأما قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ال فِيهِ ات بينت مقامُ ابْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ عَامِنًا} [آل عمران: -]، فكانت الهاء التي في د خَلَهُ عائدة على البيت، وكأنَّ المراد بالبيت في هذا هو الحرم كلُّه؛ لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك علمناه، وكان ذلك عندهم كقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:]، فكان الخطاب مقصود به إلى المسجد الحرام، والمراد به الحرم كلُّه؛ لا اختلاف بينَ أَهلِ العلمِ في ذلك علمناه.
وكأن معنى الآية والله أعلم من أصابَ حَدَّا لله عزّ وجلَّ أو لعباده، ثم دخل الحرم؛ أمن من ذلك الحد، فلم يقم عليه مدة إقامته بالحرم، لكنَّهُ لا يُكَلَّم، ولا يُجالس، ولا يُباع، ولم يُطعم، ولم يُسْقَ، ولم يؤو، حتَّى يَخرج من الحرم، فيقام عليه.
وأما إذا فعل في الحرم ما يوجب حداً فإنَّهُ يقام عليه؛ لأنه بإصابتِهِ الذَّنْبَ في الحرم يكون مُنتهكا الحُرمته، ومستحِلَّا لها، بخلافِ مَنِ التجأُ إِلَيْهِ خَائِفاً مِمَّا كَانَ مِنْهُ قبل دُخُولِهِ، وهذا مذهبُ ابن عبّاس، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ الزُّبير رضي الله عنهم، غير أنَّ ابن الزبير يرى بإخراج الملتجئ إلى الحرم؛ ليقام عليه ما فعله خارجه، وهما لا يقولان بإزعاجه ولا تهييجه، وكلُّ منهما قال: «لو لقيتُ فِيهِ قاتلَ أَبي ما هِجْتُهُ حتَّى يخرج منه.
الجزء 1 · صفحة 12
وهكذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف وزُفَرُ ومحمد يقولون ذلك، غير أنهم كانوا يجعلون ذلك أماناً في كل حد يأتي على النفس لا على الطَّرفِ، سَواءٌ كَانَ الله، أو لعباده، مثل أن يزني وهو محصنٌ، فيجب عليه الرَّجم، فيلجأ إلى الحرم فيدخله، ومثل الذي يرتد عن الإسلام، فيجب عليه القتل، فيلجأ إلى الحرم فيدخله، ومثل أن يقطع الطريق على المسلمين، فيجب عليه القتل، فيلجأ إلى الحرم فيدخله، ومثل أن يقتل رجُلاً عَمداً، فيجب عليهِ القِصاصُ في ذلك، فيلجأ إلى الحرم فيدخله، وما أشبه ذلك من الوجوه التي لله عزّ وجلّ، أو لعباده مما يجب سفك الدماء بها، كما رواه مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، عن أبي يوسُفَ، عن أبي حنيفة، فذكر هذه المعاني التي ذكرناها كلها، وإن كُنَّا قدْ زِدْنا في ألفاظها ما كشفنا بِهِ وُجوهَها ممَّا لم تخرج به عن معانيها، ولم نَحْكِ في ذلك خلافاً منهم.
وروى الحَسَنُ بن زياد، عن أبي يوسفَ أنَّه كان يقولُ: إِنَّ الحرمَ لا يُجيرُ ظالماً، وإِنَّ مَنْ لجأ إلى الحرمِ أُقيمَ عليه حده الذي كان وجب عليه قبل أن يلجأ إلى الحرم، كما قالَ الشَّافعي رحمهم الله؛ فصار عن أَبي يوسف روايتان.
قال الإمامُ الطَّحاوِيُّ رحمه الله: وقول أبي يوسف الموافق لقول أبي حنيفة و مُحمدٍ وزُفَرَ أولى عندنا لأنا لم نجد عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل هذه الآية غير التَّأويل الذي ذكرناه عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير رضي الله عنهم.
ثم قال الإمام الطحاوي رحمه الله: وما قاله أبو حنيفة وأصحابه منَ التَّفرقة بين
ومنع الحدود التي تأتي على الأنفُسِ، والتي لا تأتي عليها، فلا وجه لذلك عندنا، و إقامة ما يكون في الأطرافِ أيضاً باللجأ إلى الحرم قياساً على الصيد، فإنَّه يكونُ بدخوله آمناً على نفسه وعلى أعضائه، فيكون في الآدميين كذلك.
الجزء 1 · صفحة 13
قال الطحاويُّ: وهذا ابنُ عباس وابنُ عمر لم يفرقا فيه بينَ الأَنفُسِ والأعضاء، فذلك عندنا أولى ممَّا قاله أبو حنيفةً وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ وأبو يوسف في روايته الثانية، لا سيما إذ لم نعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهما فيما قالا من ذلك، وقد روي عن ابن أبي رباح كما ذهبنا إليه من عدم التفرقة، انتهى من «أحكام القرآن» للطحاوي. قلتُ: يَرحم الله الطحاوي، فقد قال بما رُوي عن أبي حنيفة ممَّا لم يفرق فيه بينَ ما يأتي على النفس أو الطَّرفِ، ولعله لو اطلع على تلك الرواية الموافقة لما ذهب إليه عن الإمام؛ لرجحها بما ذكرناه عنه، وهي مذكورةٌ في فتاوى قاضيخان رحمه الله. قال: وعن أبي حنيفةَ لا يُقطعُ السَّارِقُ في الحرم خلافاً لهما، والمراد بالشرقة ما كان خارج الحرم كما هو معلوم من سياق الكلام في فتاوى قاضيخان، ومصرح به في غيره من أنَّهُ لا خلاف في إقامة ما كانَ موجبُهُ في داخل الحرم على فاعله فيه. ثمَّ اعلَم رَحمَكَ اللهُ وحفظَكَ، أَنَّ الخارجين عن طاعة الإمامِ أربعة أصناف: الصنف الأول الخارجون بلا تأويل بمنعة، وبلا منعة يأخذون أموال المسلمين ويقتلونَهم، ويُخيفونَ الطَّريق، وهم قطَّاعُ الطَّريقِ، وسنذكرُ أَحكامهم إن شاء الله تعالى.
الصِّنف الثَّاني: قوم كذلك إلا أنَّهم لا منَعةَ لهم، لكن لهم تأويلٌ؛ فَحكمهم حكم قطَّاعِ الطَّريقِ.
الصَّنف الثَّالثُ: قومٌ لهم منعةٌ وحميَّةٌ، خرجوا عليه بتأويل، يرونَ أَنَّهُ على باطل، كُفرٍ أو معصية، يوجب قتاله بتأويلهم، وهؤلاء يُسمَّونَ بالخوارج يستحلُّونَ دماء المسلمين وأموالهم، ويَسْبُون نِساءَهُم ويُكَفِّرونَ الصَّحابة، وحُكمُهم عندَ جمهور الفقهاء وجمهور أهل الحديثِ حُكمُ البغاة.
الجزء 1 · صفحة 14
الصنفُ الرَّابِعُ: قومٌ مُسْلِمُونَ خَرجوا عن طاعتِهِ، ولَمْ يَستحلُّوا ما استَباحَهُ الخوارجُ مِن دماءِ المُسْلَمينَ وسَبِي ذَراريهم، وهم البغاة. إذا تقرر هذا، فاعلم - وفَقَكَ اللهُ لطاعته - أنَّ قطَّاعَ الطَّرِيقِ همُ الذينَ لهم قوَّةٌ وشوكة، والواحد يتحقَّقُ منه قطعُ الطَّريقِ، إذا كانَ بتلك الصفة خارج المصر، ولو بدون مسيرة السفرة، أو في المصرِ ليلاً، وعليه الفتوى؛ لمصلحةِ النَّاسِ وهي دَفع شرّ المتغلبة المتلصصة. وأحوال قطاع الطريق تنتهي إلى أربعة أقسام: الحالة الأولى: لو مُسكَ بعدما قصد قطعَ الطَّريقِ، ولم يقطعها، فيُعزِّرُ ويُحبس حتّى يتوب.
الثانيةُ: أنْ يُمسَكَ بعد ما أخذ المال، ولم يقتل أحداً، تُقطَعُ يده اليمنى، ورجله اليُسرى من خلافٍ، إذا كان المال نصاباً لمسلم أو ذمّي، والنَّصَابُ قَدرُ عَشْرِةِ دَرَاهِمَمضروبة.
وإن كانَ القطَّاعُ جماعةً، فلا بُدَّ وأن يُصيب كلُّ واحدٍ منهم بنصاب، حتى يجري عليهم القطع، ويُشترط لإقامة الحدّ أن لا يكون شبهةٌ دارِثَةٌ للحد كما هو مُقَرَّرٌ.
الثالثة: أن يُؤخذ بعدما قتل نفساً معصومةً، ولم يأخُذ مالاً، فيقتله الإمام حداً لله تعالى لا قصاصاً، حتَّى لا يَصحُ عَفو الوالي عنه، والمُباشر للقتل بأي آلة كانت، وغير المباشر سواء.
الرابعة: أن يُؤخذ وقد قتل، وأخذ المال، فيُخيَّر الإمامُ بين ثلاثة أشياء:
إما أن يجمع بين قطع اليد والرجل من خلافٍ، والقتل والصَّلب، وإما أن يقتصر على القتل، وإما أن يقتصر على الصَّلبِ، وكيفيَّةُ الصَّلْبِ: أَن تُغْرِزَ خَشبَةٌ في الأرضِ، ثم تُربط أخرى عليها عرضاً، فيضع عليها قدميه، ثم يُربط من أعلاها خشبةٌ أُخرى،
ويُربط عليها يديه، ويبقى ثلاثة أيام، ثمَّ يُطعن بالرُّمح في تديهِ الأَيسر، ويُخَضْخَضَ بطنه إلى أن يموت.
الجزء 1 · صفحة 15
وإن جرحَ وأخذ المال؛ قطع من خلافٍ، وبطل الجرح، وإن جرح فقط، أو قتل عمداً بمُحدّد، وأخذ المال، فتاب قبل أن يُمسك، أو كانَ في القطاع غيرُ مُكلَّفٍ، أو ذو رحم من المارة، أو قطع بعض القافلة على بعض؛ فلا حد، وللولي القصاص في النفس والجراحة أو العفو.
وأما البغاة فهم قوم مسلمونَ خَرجوا عن طاعة الإمام، وغلبوا على بلد، فيدعوهم إليه، ويُستحب أن يكشف شبهتهم؛ بأن يسألهم عن سببٍ خُروجهم، فإن كان لظلم منه؛ أزاله، وإن قالوا: الحق معنا، والولاية لنا؛ فهم البغاة، وإذا اجتمعوا متحيّزين؛ حل قتالهم ابتداء على المذهب، ولو أمكن دَفَعُ شَرَهم بالحبس قبل القتال؛ حبسهم، ولا يُقاتلهم؛ فإنَّ القتال معهم واجبٌ بقدرِ دَفع شرّهم، وإذا قاتلهم وكانَ لهم فئة؛ أجهز على جريحهم واتَّبِعَ موليهم، وإلَّا؛ فلا.
ويجوز قتال البغاة بكل ما يُقاتل به أهل الحرب؛ كالرمي بالنَّبلِ، والمنجنيق، وإرسال الماءِ والنَّارِ عليهم؛ لأنَّ قتالهم فرضٌ؛ لقوله تعالى: {فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:]، فصارَ قتالهم كقتال أهل الحربِ، انتهى.
ويَجوزُ الرَّميُّ على أهل الحربِ، ولو تَترَّسوا بالمسلمين، ونقصدهم، فعلى ذلكَ نَرمي هؤلاء، ولو وقفوا بإزاء الكعبة، ولو أصابَ الرَّمي ما كان بحذائهم، إذا لم يُمكن بما دون ذلك.
فإن قيل: إِنَّ هؤلاء لم يكن قصدهم القتال، وإِنَّما كانَ قصدهم الدُّخول لأخذ زاد، وهم متوجهون لحالِ سَبيلهم، فلمَّا أن خرج إليهم أهل مكة قاتلوهم، فاضطروا إلى قتالهم.
الجزء 1 · صفحة 16
قلنا: هذا تأويل فاسد؛ لأنَّ ما أُبيح للضرورة يتقدَّرُ بقدرِها، فكانَ اللَّازِمُ عليهِم حين وقعت الهزيمة على أهل الحرم أن يُمسكوا عن قتالهم؛ كمَنْ جرحَ رجلاً فولى هارباً؛ لا يجوز للمجروحِ اتَّبَاعُهُ، فإذا تبعه وقتلَهُ قُتلَ بِهِ، فكانَ عليهم أن لا يَدخلوا البلد الحرام بتلك الصفة، فيسفكونَ الدَّماء في الحرم عند المسجد الحرام، ويُخرِجونَ أهل المنازل منها، ويستولون على ما فيها، ويُوقعون أنواع الفواحش بأهلها، ويركبونَ الفجور، ويستوطنون البلدة، ويطلبون بقائدهم عليها، فهذه الصفات توجب قتلهم بالحرم، انتهى.
ثم بعد تسطير هذا، وردَ الخبرُ باستيلائهم على جُدَّةَ، فَسقطَ السُّؤالُ، ووجبَ قتلهم من غير محالٍ في أي المحال.
قال الإمام علي كرم الله وجههُ: سَمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرجُ قوم في.
آخرِ الزَّمانِ، أَحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خيرِ البَريَّةِ، لا يُجاوِزُ إيمانهم حناجرهم، يمرقونَ منَ الدِّينِ كما يَمُرُقُ السهم من الرَّمِيَّةِ، فأينَما لَقيتُموهم؛ فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يومَ القيامة»، رواه أحمد، والبخاري، ومُسلمٌ، كَذا قاله الزيلعي.
ولا يجوز للعادل أن يبدأ بقتل محرمه من البغاة مباشرةً إلَّا دَفعاً، ويجوز نَسبياً؛ عقر دابته، بخلاف الحربي المحرم فإنَّ له قتله مباشرةً إلَّا الوالدين، ولم تُسب ذُريَّةٌ البغاة وتُحبَسُ أموالهم حتى يتوبوا، ويُباعُ الكُراعُ ويُحبس ثمنه، وإن احتاجَ الإمام قاتلهم بخيلهم وسلاحهم، ولا ضَمان بإتلافها.
الجزء 1 · صفحة 17
ومن حكم الباغي إذا انقاد لإمامِ أهل العدل أن لا يُؤَاخذ بما سبق منه من إتلاف أموال أهل العدل، وسفك دمائهم، وجرح أبدانهم؛ فلم يجب على الإمام قتلهم، ولا دفعهم إلى الطالب، هكذا أطلقه بعضُهم، وهو مقيد بما قاله الكمال ابن الهمام، والحاصل أن نفي الضّمان منوط بالمنعة معَ التَّأويل، فلم " تجرد المنعةُ عن التَّأويل، كقوم غلبوا على أهل بلدة، فقتَلُوا وَاستَهلَكُوا الأموال بلا تأويل، ثمَّ ظُهر عليهم أخذوا بجميع ذلك، ولو انفرد التأويل عن المنعة؛ بأن انفرد واحد أو اثنان، فقتلوا وأخذوا عن تأويل؛ ضمنوا إذا تابوا أو قدر عليهم، انتهى. الرسالة - إنفاذ الأوامر الإلهية بنُصرة العساكرِ العُثمانية
وقال الكمال: يُكره أخذُ رُؤوسهم، فيُطافَ بها في الآفاق؛ لأنَّه مُثلَةٌ، ـوَزَهُ بعضُ المتأخرين إذا كانَ فيهِ طمأنينَةُ قلوب أهل العدل، أو كسر شوكة وجوره البغاة، وإذا حمل العادِلُ على الباغي، وقال: تبتُ وألقى السّلاحَ، كَفَّ عنه، وكذا إذا قالَ: كُفَّ عَنِّي حَتَّى أنظر لعلّي أتوبُ وأُلقي السلاح، وما لمْ يُلقِ السَّلاحَ في صورة من الصُّورِ كانَ له قَتله، ومتى ألقاه، كفَّ عنهُ بِخَلافِ الحَربي، لا يلزمُهُ الكفُّ عنه بإلقاءِ السَّلاحِ، انتهى.
وأمَّا الأسير من البغاة؛ فإنَّ الإمامَ مُخيّر إن شاءَ قتله، وإن شاءَ حبسه لاندفاع شره، والله سبحانه تعالى أعلم.
خاتمةٌ حُسنى إن شاء الله تعالى
فإن قيل: هل يُفترضُ الذَّهابُ إلى الحجّ في هذا الزَّمانِ مَعَ ما سُمِعَ من الخبرِ عن مكَّةَ المُشرَّفِةِ؟
الجزء 1 · صفحة 18
قلنا: نعم؛ لأنَّ العبرة بغلبة السلامة برا كان أو بحراً، ولا شك أنَّ الأمنَ حاصل من هنا إلى مكة المشرّفة خصوصاً، معَ صُحبة هذه العساكر المنصورة المتقدمة على ركب أمير الحاج المصطحب معه ما يزيد عن المعتاد في كُلِّ عام من العدد والعُددِ، والأمور تنبني على الغالبِ؛ لأَنَّهُ كَالمتحقق، ولا عبرة بتوهمِ الصَّدرِ لمثل هذا العسكرِ والرَّكب، خصوصاً مع كثرة المقاتلين والرماة، فلا عُذر لمن قدر على الحج في تأخيره، ويكون به آثماً؛ لوجوبِ الخُروج للحج على الفور، والله الموفّق بمنه وكرمه.
وهذا ما تيسر للعاجز الحقير بعناية الملكِ القدير بأواسط شوَّالٍ سنةَ إحدى وأربعين وألف كان تأليفه، وكان انتهاء كتابة هذه النسخة المُباركة في يومِ الأَحَد المُبارَك سابع عشر شهر جُمادَى الأَوَّل، من شُهورِ سنةِ واحِدٍ وستِّينَ وألف، والله أعلم.
غَفَرَ الله تعالى لمُؤلّفها ولوالدَيْهِ ومشايخه ومُحبّيه والمُسْلِمين، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمد، وعلى آله وصَحْبِه وسلَّم دائماً أبداً إلى يوم الدين. آمين، والحمد لله رب العالمين آمين.
وقد حصل بحمدِ اللهِ النَّصرُ والظَّفَرُ بأولئك القوم، فإنَّهم خَرجوا من مكَّةَ قبل وصولِ العسكر إليها، ودَخلَ الحاج وأتمُّوا الحجّ بأحسن حال، ثم لحق العسكر أولئك القوم، وحصروهم وأخذوهم عن آخرهم، فقطعَ دابر القومِ الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين آمين.