شرح منلا مسكين
على كنز الدقائق
للعلامة معين الدين محمد بن عبد الله الهروي
توفي سنة (954) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح منلا مسكين
على كنز الدقائق
للعلامة معين الدين محمد بن عبد الله الهروي
توفي سنة (954) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
(الحمد) هو الوصف بالجميل الاختياري سواء تعلق بالفضائل أو بالفواضل، واللام للجنس. والمراد مطلق المسمى من غير أن يتعرض للقيد لا أن يعتبر فيه عدم القيد، وهي تفيد الاستغراق بحسب المقام، واللام للاختصاص في (لله) أي جنس الحمد مختص بالذات المستجمع لجميع الصفات المستحق لجميع المحامد الذي أعز العلم) أي: علم الشرائع والأحكام إذ هو المناسب لهذا المقام، واللام للعهد أو للجنس المحمول على أكمل الأفراد بحسب كثرة الاحتياج إليه في دار الابتلاء وتخصيصه بالذكر براعة استهلال، (في الأعصار) جمع العصر، وهو الدهر وأعلى حزبه في الأساس الحزب الطائفة، والأنصار) أي: أنصار العلم، واللام للعهد ولا حاجة إلى جعله بدل المضاف إليه، والأنصار جمع ناصر على غير قياس، وفي بعض النسخ: في الأمصار.
(والصلاة) في الأصل اسم من التصلية، ثم استعمل بمعنى الدعاء إلى الخير، وهو من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء، وهو لمعنى مشترك لا أنه اسم مشترك (على رسوله) أي على المرسل واشتهر استعماله لمن له كتاب من النبيين والنبي أعم، ولذا لم يقل على نبيه مع أن الأمر بالصلاة ورد بلفظ النبي عليه الصلاة والسلام، (المختص بهذا الفضل العظيم) أي: فضل العلم، أراد بالاختصاص الانفراد، والباء داخلة على المقصور. أي: الفضل العظيم مقصور عليه لا يتجاوزه إلى الأنبياء وما كان للأنبياء من الأحكام قد انتسخ بوفاتهم وقد أمن ما كان لنبينا عليه الصلاة والسلام من النسخ. وقوله: (في الأعصار إشارة إليه، فكأنه استغنى بوصف العظيم عن إيراد عطف البيان للرسول حيث لم يقل: على رسوله محمد وعلى آله) وهو في الأصل: الأهل، إلا أنه اختص استعماله في الأشراف وأولي الخطر الذين فازوا وظفروا (منه) أي: من الفضل أو من الرسول (بحظ) أي نصيب (جسيم) أي عظيم. (قال العبد الضعيف الفقير إلى الله الودود أبو البركات كنية الشيخ المتبرك به الملقب بحافظ الدين، المسمى بعبد الله، والبركة النماء، والزيادة، وأبو البركات ملابسها (عبد الله) عطف بيان ابن أحمد) صفة. عبد الله وهي، أبداً في مثل هذه المواضع تقع صفة لما قبله مضافاً إلى ما بعده ابن محمود النسفي) والنسبة في مثل هذه المواضع أيضاً تقع صفة للمتقدم، غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه قدَّم نفسه في الغفران وأخرها في الإحسان، والتأخير. هو الأصل، والتقديم لغرض استجابة دعاء المغفور له. لما رأيت الهمم) جمع. همة، وهي الأمر الداعي إلى الفلاح (مائلة لي) المصنفات (المختصرات والطباع) في الصحاح: أن الطبع السجيَّة التي جبل عليها الإنسان، وجمعها الطباع، (راغبة) معرضة (عن) المصنفات المطولات
أردت أن ألخص الوافي) والتلخيص: تبيين المقصود والمراد، ويستعمل كثيراً في الاختصار لأنه حذف الزوائد والاكتفاء بالمقاصد. (بذكر) بملابسة ذكر ما عم وقوعه وكثر وجوده لتكثر فائدته) وهو اسم ما استفدته من فاد له يفيد أي ثبت وتتوفر عائدته وفر حقه أوفاه وأعطاه على التمام، والعائدة عاد فلان بمعروفه وهو اسم للمنفعة العائدة، والتوفر لإنبائه عن التمام والكمال أشرف من التكثر، كما أن العائدة لإنبائها عن عود الانتفاع لما أن العود أحمد وأشرف من الفائدة فاقترن كل بقرينته اللائقة، وقدم تكثر الفائدة على توفر العائدة للترقي من الأدنى إلى الأعلى. فشرعت فيه) أي أردت فشرعت في التلخيص أو فيما عم (بعد التماس طائفة من أعيان الأفاضل وأفاضل الأعيان الذين هم بمنزلة الإنسان للعين والعين للإنسان هما جمع عين وأفضل، والإضافة بمعنى اللام أي مختار للأفاضل ومختار للأعيان.
فإن قيل: كيف يستقيم وصف طائفة بأنها مختار جميع الأفاضل ثم وصفها بأنها مختار الأعيان لما فيه من تفضيل الشيء على نفسه؟ قلت: ليس معنى أفاضل الأعيان أنها أفاضل كل واحد ممن اتصف بالعين وليس معنى أفاضل الرجال أنها فاضل كل من اتصف بالرجولية وإلأ لا يستقيم في الإضافة بمعنى الزيادة على من أضيف إليه أن يكون المضاف جزء المضاف إليه لما ذكر بل المراد أنه أفضل المجموع على الجميع. وحاصل معناه: أفضل من باقي الرجال، صرح بذلك الرضي في شرحه فيصح وصف طائفة بأنها بعض أعيان الأفاضل، ثم وصفها بأنها بعض أفاضل جميع الأعيان، أي بعض باقي الأعيان، فرجع المعنى إلى الاتصاف بأنها المختار، ثم الاتصاف بأنها مختار المختار كإنسان عين الإنسان، فإنه مختار المختار من بدن الإنسان.
(مع ما بي من العوائق أي شرعت مع ما التصق بي من الحوادث المانعة وسميته بكنز الدقائق) عطف على فشرعت (وهو وإن خلا عن المسائل (العويصات) يقال: أعوصت في منطقك إذا جئت بالعويص أي الصعب (و) المسائل (المعضلات) جمع المعضلة من أعضل الأمر إذا اشتد (فقد تحلى) أي لم يخل عن العويصات وإن خلا فقد تحلى، فعلى هذا تكون الفاء للجزاء وتكون الواو للعطف، وإن على أصله للشرط إلا أنها في استعمالها الشائع في مثل هذه المواضع لمجرد التأكيد والمعنى: وإن تحقق وتقرر أنه خلا عن العويصات، وإن خرجت عن إفادة معنى الشرط فتجعل للوصل وتجعل الواو للحال مع التكلف في ذي الحال، وأيضاً الفاء لا تدخل في خبر المبتدأ إلا في الموصول بالفعل أو الظرف أو النكرة الموصوفة بهما.
(بمسائل الفتاوى) جمع الفتوى، استعمل استعمال أسماء الأجناس المفردة (والواقعات) أي
المسائل الواقعة وهي جمع، واقعة وهي صفة غلبت عليها الاسمية فيجوز أن لا يقدر له الموصوف وأراد بمسائل الواقعات ما ذكر في آخر الكتاب في مسائل شتى، وهي المسائل التي لم يذكر في الوافي. (معلماً) حال من الضمير المستكن في تحلى (بتلك العلامات) تلك إشارة إلى علامات الوافي، وهي: (الحاء) لأبي حنيفة، و (السين) لأبي يوسف، و (الميم) لمحمد، و (الزاي) لزفر و (الكاف) لمالك، و (الفاء) للشافعي المأخوذة من أسامي الأئمة، و (الواو) علامة رواية عن أصحابنا أو قياس مرجوح وزيادة الطاء للإطلاقات والله الموفق) أي جاعل الأسباب موافقة (للإتمام والميسر للاختتام).
بسم الله الرحمن الرحيم
آثر المفرد على الجمع لكونه أخصر وأشمل عند البعض، وإنما قدم الطهارة لأنها شرط الصلاة والشرط مقدم على المشروط. ثم اختص الطهارة بالبداءة من بين سائر الشروط لأنها أهم من غيرها لأنها لا تسقط بعذر من الأعذار غالباً.
(فرض الوضوء) أي فرض للوضوء أو مفروضه والفرض في اللغة: التقدير، وفي الشرع: عبارة عن حكم مقدر لا يحتمل زيادة ولا نقصاناً لأنه ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه والوضوء في اللغة النظافة، وفي الشرع نظافة محل مخصوص وهو الأعضاء الأربعة على الوجه المخصوص الذي بينه الشارع.
(غسل وجهه) أي وجه المتوضي بدلالة لفظ الوضوء عليه (وهو من قصاص شعره) وفيه ثلاث لغات فتح القاف وضمها وكسرها والضم، أعلى كذا في الصحاح، وهو منتهى منبته من مقدم الرأس إلى أسفل ذقنه) هذا قبل نبات اللحية، أما بعده فيسقط غسل ما تحته وإلى شحمتي (الأذن مطلقاً سواء كان بعد النبات أو قبله. وعند أبي يوسف رحمه الله: يسقط غسل ما بين العذار والأذن بعد النبات. (ويديه بمرفقيه المرفق بكسر الميم وفتح الفاء، وفيه العكس، لغة أي فرض الوضوء غسل يديه مع مرفقيه خلافاً لزفر ورجليه بكعبيه) أي مع كعبيه خلافاً لزفر والمراد بالكعب ها هنا: العظم الناتىء أي المرتفع لا كما رواه هشام عن محمد أنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لأن الكعب اسم للمفصل ومنه كعوب الرمح لأنهم ذكروا أن هذا سهو من هشام ولم يرد محمد تفسير الكعب بهذا في الطهارة، وإنما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من كعبيه.
(و) فرض الوضوء (مسح ربع رأسه) عندنا مطلقاً سواء كان من المقدم أو من المؤخر أو من
الجانب الأيمن أو الأيسر. وفي رواية: مقدار ثلاث أصابع من صغار أصابع اليد وهو الصحيح. ويعتبر ذلك القدر طولاً أو عرضاً، كذا في الحواشي نقلا عن الشرح. وقال الشافعي: أدنى ما يطلق عليه اسم المسح، وقال مالك: يمسح كله. (و) مسح ربع (الحيته) كما في الرأس. وقال أبو يوسف: يمسح كلها. وعنه يمسح شيئاً منها، وإيصال الماء إلى ما يسترسل من الشعر عن الذقن لا يجب خلافاً للشافعي. وذكر في شرح الجامع الصغير القاضي خان: أن في أشهر الروايتين عن أبي حنيفة مسح ما يستر البشرة فرض، وهو الأصح المختار، نص عليه قاضيخان في شرحه للجامع الصغير.
(وسنته) أي: سنة الوضوء (غسل يديه ثلاثاً إلى رسفيه ابتداء) أي في ابتداء الوضوء لكن ينوب عن الفرض كالفاتحة تنوب عن الواجب وعن الفرض، كالتسمية والمنقول فيه: بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام، يعني: كما أن التسمية سنة في ابتداء الوضوء كذا غسل يديه إلى رسغيه. وفي المحيط: وفي كون التسمية في ابتداء الوضوء سنة كلام، ففي ظاهر الرواية ما يدل على أنها أدب، وفي الهداية الأصح أنها مستحبة وإن سماها في الكتاب سنّة، ثم قيل: إنه يسمي قبل الاستنجاء، وقيل بعده، والأصح أنه يسمي مرتين قبل الاستنجاء وبعده.
وكيفيته: أنه يأخذ الإناء بشماله ويصب على يمينه ثلاثاً ثم يعكس كذلك، وكذا إن كان كبيراً كالحب ومعه إناء صغير وألأ يُدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء ويصب على كفه اليمنى ويدلك الأصابع بعضها ببعض حتى تظهر، ثم يدخل اليمنى في الإناء ويغسل اليسرى، وهذا إذا لم يكن بيده نجاسة، فإن كانت فإزالتها على وجه لا ينجس الإناء فرض. (و) سنته (السواك) أي: استعماله، ويكون من شجر مر وغلظه مثل غلظ الخنصر وطوله مقدار شبر ولا تقوم الأصابع مقامه حال وجوده، فإذا فقد يعالج بالأصابع، وأما وقته، ففي كتاب البيهقي: أن السواك سنة قبل الوضوء. وفي التحفة أنه حال، المضمضة كذا في شرح الهداية للسيد.
(و) سنته (غسل فمه) ثلاثاً (و) غسل داخل (أنفه) ثلاثاً (بمياه) جديدة. قوله: بمياه، متعلق بالفم والأنف وقال الشافعي يأخذ كفاً من الماء يتمضمض ببعضها ويستنشق بالبعض الآخر ثم يفعل ثانياً وثالثاً كذلك ثم حد المضمضة استيعاب الماء جميع الفم والمبالغة فيه أن يصل الماء إلى رأس حلقه وحد الاستنشاق أن يصل الماء إلى المارن والمبالغة فيه أن يجاوز المارن كذا في الخلاصة. (و) سنته (تخليل لحيته وأصابعه) من جهة الأسفل مطلقاً، أي أصابع يديه ورجليه، وقيل: تخليل أصابع الرجل، وقيل: تخليل اللحية سنة عند أبي يوسف وجائز عندهما، أي لو فعل لا يبدع أي لا يُنسب إلى البدعة. ثم طريق التخليل:
أن يخلل بخنصر يده اليسرى فيبدأ بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر رجله اليسرى، كذا في القنية.
(و) سنته (تثليث الغسل ونيته) أي نية رفع الحدث أو إباحة الصلاة، وقال الشافعي: نيته فرض (و) سنته (مسح كل رأسه مرة) واحدة على سبيل الاستيعاب. وقال الشافعي: يمسح ثلاثاً يأخذ لكل مرة ماء وهو رواية عن أبي حنيفة وكيفيته: أن يبل كفيه وأصابع يديه ويضع بطون ثلاث أصابع من كل كف على مقدم الرأس ويعزل السبابتين والإبهامين ويجافي الكفين ويمرهما إلى مؤخر الرأس ثم يمسح الفوأدين بباطن الكفين. (و) سنته مسح أذنيه بمائه) أي بماء الرأس، وقال الشافعي: سنته أن يمسح ثلاثاً ولكن بماء جديد وعندنا الجديد حسن. وكيفيته: أن يمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين وباطن الأذنين بباطن السبابتين حتى يصير ماسحاً ببلل لم يصر مستعملاً، وإدخال الأصابع في صماخ الأذنين أدب وليس سنة كذا في المحيط.
(و) سنته (الترتيب المنصوص) أي كما ذكر في النص وهو أن يبدأ أولاً بوجهه ثم بذراعيه ثم برأسه ثم برجليه وقال الشافعي الترتيب فرض (و) سنته (الولاء) أي: الموالاة وهي أن يغسل الأعضاء على سبيل التعاقب بحيث لا يجف العضو الأول. وقال مالك: الولاء فرض (ومستحبه) أي مستحب الوضوء (التيامن) أي بداءته بالميامن (و) مستحبه (مسح رقبته) بظاهر اليدين لأن بلله لم يصر مستعملاً. اعلم أنه لم يذكر محمد مسح الرقبة في الأصل والمختار أنه مستحب. وفي المحيط كان الفقيه أبو جعفر يقول أنه سنة، وبه أخذ أكثر العلماء. وفي الخلاصة: الصحيح أنه أدب ومسح الحلقوم بدعة.
(وينقصه خروج نجس) بالفتح (منه) أي من المتوضي مطلقاً سواء خرج من السبيلين أو غيرهما وقيد السيلان شرط عندنا خلافاً لزفر سواء كان الخارج معتاداً كالدم والقيح والصديد أو غير معتاد كدم الاستحاضة وعند الشافعي: الخارج من غير السبيلين لا ينقضه، وعند مالك غير المعتاد لا ينقضه. قوله: (خروج نجس) ليس بمجرى على عمومه إذ الريح الخارج من القبل أو الذكر ليس بناقض على الصحيح لأن الخارج اختلاج وذكر عن محمد في رواية الأصل: أنه حدث (و) ينقضه قيء ملا فاه) أي: ملأ فم المتوضي وهو أ أن يكون بحيث لو لم يتكلف لخرج منه. وقال الشافعي رحمه الله: القيء لا ينقض أصلاً. وقال زفر: لا يشترط فيه ملء الفم (ولو) كان القيء (مرة أو علقاً) أي دماً غليظاً (أو طعاماً أو ماء) مطلقاً سواء قاء من. ساعته أو. بعد ساعته. وقال الحسن: لا ينقض إذا قاء من ساعته (لا بلغماً) عطف على مرة أي لا ينقضه مطلقاً سواء علا من جوفه أو نزل من رأسه، وسواء ملأ الفم أو لا. وقال أبو يوسف: ينقض إن ارتقى من جوفه ملء الفم.
(أو دما غلب عليه البزاق) عطف على بلغماً، أي لا ينقضه إذا لم يخرج بقوة نفسه وإن خرج بقوة نفسه ينقضه ولو كان مغلوباً. وقال محمد: ملء الفم شرط وإن بزق فخرج في بزاقه دم فإن غلبه البزاق لا ينقض وإن غلب الدم ينقض. أما إذا استويا فينقض احتياطاً وكذا الحكم فيما إذا خرج من أسنانه دم مخلوط بالبزاق، ذكره الزاهد العتابي في جوامع الفقه.
(والسبب) أي سبب القيء (يجمع متفرقه) يعني إذا كان القيء متفرقاً ولو جمع يصير ملء الفم يجمع إن اتحد السبب وهو الغثيان مثلاً، فإن قاء ثانياً وثالثاً قبل سكون النفس من الغثيان الأول كان السبب متحداً فيجمع، وإن قاء بعده وكان مختلفاً فلا يجمع، وهذا قول محمد وقال أبو يوسف: يجمع إن اتحد المجلس سواء كان السبب مختلفاً أو لا، والأصح قول محمد رحمه الله تعالى.
(و) ينقضه (نوم مضطجع الاضطجاع وضع الجنب على الأرض، يقال: ضجع الرجل أي وضع جنبه بالأرض، واضطجع مثله كذا في المغرب والصحاح. (ومتورك) التورك هو الإتكاء على إحدى وركيه وهما فوق الفخذين كالكتفين فوق العضدين كذا في المغرب. أما لو كان بدونهما بأن نام قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو ساجداً أو مستنداً إلى شيء لو أزيل لسقط فهو عفو على ما هو المختار. وقال الشافعي: النوم ينقض إلا النوم قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض. وقال مالك: إن طال النوم قاعداً نقض، كذا في شرح نظم الوافي.
(و) ينقضه (إغماء) وهو الغشي (وجنون) وهو زوال العقل (وسكر) وفي المحيط ذكر بعض المشايخ في شرح المبسوط أن حد السكران ها هنا ما هو حد السكران في باب الحد، وهكذا ذكر الصدر الشهيد في واقعاته فإنه قال: إن كان لا يعرف الرجل من المرأة ينقض وضوءه، وهذا الحد ليس بلازم بل إذا دخل في مشيته تحول فهو سكر ينتقض به وضوءه كذا قال شمس الأئمة الحلواني وهو الصحيح.
(و) ينقضه (قهقهة مصل بالغ) يعني ينتقض بصدور القهقهة من مصل بالغ في الصلاة وقال الشافعي لا ينقضه، وهو القياس لأنه ليس بخارج من السبيلين وإنما قيد ببالغ لأنها إنما صارت حدثاً لكونها جناية فاحشة في حال المناجاة الله مع تعالى، وفعل الصبي لا يوصف بالجناية فيعمل فيه بالقياس، ولهذا لا تكون قهقهة النائم في الصلاة حدثاً في الصحيح لسقوط معنى الجناية بالنوم وإنما لم يحترز عن قهقهة النائم للندرة. قال شداد بن أوس: إذا نام في صلاته قائماً أو ساجداً ثم قهقه قال أبو حنيفة: تفسد صلاته ولا يفسد وضوءه، هكذا أفتى الفقيه عبد الواحد. وقال الحاكم أبو محمد الكوفي: فسدت صلاته
ووضوءه جميعاً، وبه أخذ عامة المتأخرين. والقهقهة لا تبطل طهارة الاغتسال في الصحيح، والمراد بالصلاة هي ذات الركوع والسجود لأنها لا تكون حدثاً في صلاة الجنازة وكذا في سجدة التلاوة ولكن تبطل صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وقيد بالقهقهة وهي ما يكون مسموعاً له ولجيرانه احترازاً عن الضحك وهو ما يكون مسموعاً له دون جيرانه، فإنه يبطل الصلاة لا الطهارة. وعن التبسم، وهو ما لا يكون مسموعاً له ولا لجيرانه فإنه لا يبطلهما.
(و) ينقضه (مباشرة فاحشة) وهي أن يباشرها متجردين، وانتشرت آلته ولاقي فرجه فرجها عندهما وعند محمد لا تنقض (لا) خروج دودة من جرح عطف على خروج نجس، أي لا ينقضه خروج دودة من جرح، وكذلك إذا خرج عرق المدني وهو الذي يقال له بالفارسية: رشته لا ينقض وكذلك لحم يسقط منه لا ينقض. وفي الذخيرة إذا كان الماء يسيل من الجرح ينقض الوضوء وإنما قيد الخروج من جرح لأنه لو خرج من الدبر ينقض. (و) لا ينقض (مس ذكر) مطلقاً سواء كان بظاهر الكف أو بباطنه (و) مس (امرأة) مطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، وسواء كان مس بشرتها أو غيرها وقال الشافعي إن مس الذكر بباطن الكف أو مس بشرة المرأة ينقض. وقال مالك: تشترط الشهوة.
وفرض الغسل غسل فمه وأنفه أي المضمضة والاستنشاق خلافاً للشافعي، فإنهما عنده سنة (و) غسل (بدنه) لا (دلكه أي لا ذلك البدن في الاغتسال، وقال مالك: الدلك في الغسل شرط، وهي رواية الأمالي عن أبي يوسف ذكره في المحيط. (و) لا (إدخال الماء داخل الجلدة للأقلف). وهو الأغلف الذي لم يختن مطلقاً سواء كان جنباً أو لا. وعن أبي حنيفة: أنه إذا أجنب وجب عليه غسل ما وراء الجلدة، كذا في الذخيرة. (وسنته) أي سنة الغسل (أن يغسل يديه ابتداء إلى رسغيه وفرجه ونجاسة لو كانت على بدنه ثم يتوضأ) أي الوضوء المعهود في الشرع، وهو الوضوء للصلاة سوي غسل رجليه فإنه يؤخر غسلهما إلى وقت الفراغ من إفاضة الماء، وهذا إذا كان قدماه في مستنقع الماء، وإن كانتا على لوح أو حجر فلا، ثم يفيض الماء على بدنه (ثلاثاً) فإنه من السنن. وكيفيته: أن يبدأ بمنكبه الأيمن فيفيض الماء عليه ثلاثاً ثم
بمنكبه الأيسر كذلك، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده كذلك. (ولا تنقض) المرأة (ضفيرة إن بل أصلها الضفيرة: الذؤابة من الضفر وهو قتل الشعر، أي لو بلّت المرأة في الاغتسال أصل شعرها لم يجب عليها نقض ضفيرتها ولا يجب عليها بل ذوائبها وهو الصحيح. وعن أبي حنيفة أنها تبل ذوائبها ثلاثاً مع كل بلة عصرة. وقيد بقوله: إن بل أصلها لأنه إن لم يُبل أصلها يجب النقض عليها وذكر المرأة لأن الرجل إذا ضفر شعر رأسه كالعلوي والتركي يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر احتياطاً. وفي الذخيرة قال
الفقيه أبو جعفر: لو كانت المرأة منقوضة الشعر يجب إيصاله إلى أثنائه احتياطاً.
(وفرض) الغسل (عند خروج مني ذي دفق و) ذي (شهوة)، وإنما قال: عند مني ولم يقل بمني، لأن سبب وجوب الغسل الصلاة أو إرادة ما لا يحل مع الجنابة. وقال الشافعي: الشهوة ليست بشرط حتى لو حمل شيئاً فسبقه مني يجب الغسل عنده (عند انفصاله) متعلق بقوله دفق وشهوة أي فرض الغسل عند خروج مني بصفة الدفق والشهوة عند انفصال المني عن محله عندهما، وعند أبي يوسف يعتبر ظهوره على وجه الشهوة أيضاً كما يعتبر انفصاله وفائدته تظهر فيما إذا استمتع بالكف فلما انفصل المني عن مكانه بشهوة أمسك ذكره حتى سكنت أو احتلم فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته فسال منه أو اغتسل قبل أن يبول، ثم سال منه بقية المني يجب الغسل عندهما خلافاً لأبي يوسف ولو بال فاغتسل أو نام فاغتسل فخرج منه بقية المني لا يجب الغسل إجماعاً.
(وتواري حشفة) أي فرض الغسل عند غيبوبته ما فوق الختان (في قبل أو دبر عليهما) أي الفاعل والمفعول وإن لم ينزل، أما غيبوبة الحشفة في البهيمة والميتة والصغيرة التي لا يجامع مثلها فلا يجب الغسل ما لم ينزل. وذكر الإسبيجابي في الصغيرة يجب الغسل أنزل أو لم ينزل، وإنما قيد بالقبل والدبر لأنه لو جامع امرأته فيما دونهما كالسرة والفخذ فتوارت الحشفة لم يجب الغسل ما لم ينزل. (و) فرض الغسل عند انقطاع (حيض ونفاس على حذف المضاف لا مذي) عطف على مني، أي لا يغتسل عند خروج المذي وهو الذي يخرج عند الملاعبة والملامسة (و) لا (ودي) وهو بول غليظ أبيض يعقب الرقيق منه (و) لا عند احتلام بلا بلل) مطلقاً سواء كان رجلاً أو امرأة. وقال محمد عليها الغسل احتياطاً، وبه كان يفتي بعض المشايخ.
وأما الحالمة إذا تذكرت لذة الإنزال يجب الغسل من غير بلل. وأما من استيقظ فوجد في فراشه أو فخذه بللاً وهو يتذكر الاحتلام وتيقن أنه مني أو مذي أو شك فعليه الغسل، أما إذا لم يتذكر الاحتلام وتيقن أنه مني أو شك فكذلك وإن تيقن أنه مذي أو ودي فلا غسل عليه، وإذا استيقظ فوجد في إحليله بللاً ولم يتذكر حلماً إن كان ذكره منتشراً قبل النوم فلا غسل عليه، وإن كان ساكناً فعليه الغسل هذا قائماً أو قاعداً، أما إذا نام مضطجعاً وتيقن أنه مني فعليه الغسل، كذا في المحيط والذخيرة. إذا نام وهذه المسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون. ولو أفاق السكران فوجد منياً فعليه الغسل وإن وجد مذياً فلا غسل عليه وكذا المغمي عليه، وإن استيقظ الرجل والمرأة فوجدا منياً على الفراش وكل واحد منهما ينكر الاحتلام وجب عليهما الغسل احتياطاً. وقال بعضهم: إن كان المني طويلاً أو أبيض فعلى الرجل، وإن
كان مدوراً أو أصفر فعلى المرأة.
(وسن للجمعة) أي سن الغسل لأجل الجمعة (والعيدين والإحرام وعرفة) وقيل: هذه الأربعة مستحبة وسمى محمد الغسل في يوم الجمعة حسناً في الأصل، وقال مالك هو واجب. ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف وهو الصحيح، وعند الحسن بن زياد ليوم الجمعة وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث فتوضأ وصلى الجمعة عند أبي يوسف لا يكون مقيماً للسنة وعندنا الحسن يكون مقيماً (ووجب الغسل على المسلمين (للميت) لقوله عليه السلام للمسلم على المسلم ستة حقوق منها أن يغسله بعد موته، وقيل سنة مؤكدة. وفي الوافي والغسل بعد الموت فرض.
(ولمن أسلم) حال كونه (جنباً) أي وجب الغسل إذا أجنب الكافر ثم أسلم، وفي التركيب تسامح. وزعم من قال بأن الجنابة في حق الكافر لا توجب الاغتسال بعد الإسلام لأن الكفار غير مخاطبين بالشرائع غير سديد لأنه لو سلم أنهم غير مخاطبين بها فالاغتسال لا يجب بالجنابة ليقال أنهم وقت وجوب الاغتسال غير مخاطبين بالشرائع، وإنما وجوبه بإرادة الصلاة أو نحوها، وهو عند إرادة الصلاة جنب مسلم ولأن صفة الجنابة مستدامة واستدامتها بعد الإسلام كإنشائها ولهذا قلنا: أنه لو انقطع دم الحيض قبل أن تسلم ثم أسلمت لا يلزمها الاغتسال لأنه لا استدامة للانقطاع حتى يجعل دوامه، كابتدائه، فلم يوجد سبب وجوب الاغتسال في حقها بعد الإسلام لا حقيقة ولا حكماً فلا يلزمها الاغتسال، كذا في المحيط. (والأندب) أي إن أسلم ولم يكن جنباً فالغسل مندوب (ويتوضأ بماء السماء وبماء العين والبحر، وإن غير طاهر أحد أوصافه وهو اللون والطعم والرائحة، يعني يجوز التوضي به وإن غيره طاهر مطلقاً سواء كان من جنس الأرض أو لم يكن وقال الشافعي إن كان المغيّر من جنس الأرض يجوز التوضي به، وإن لم يكن منه فلا يجوز وإنما قال أحد أوصافه لأنه لو غير الاثنين أو الثلاثة لا يجوز وإن كان المغير شيئاً طاهراً لكن المنقول عن الأساتذة أنه يجوز حتى أن أوراق الشجر وقت الخريف تقع في الحياض فيتغير ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة ثم إنهم يتوضئون منها من غير نكير، كذا في النهاية. (أو أنتن) أي يتوضأ وإن أنتن (بالمكث) وقيل ليس بطاهر (لا بماء) عطف على قوله: بماء السماء، يعني لا يتوضأ بماء (تغيّر بكثرة الأوراق أي بوقوع الأوراق الكثيرة لأنه تتغير أوصافه وإن جوزه الأساتذة كما ذكرت آنفاً. (أو بالطبخ) أي لا يتوضأ بما تغير بسبب الطبخ بخلط طاهر كالمرق والباقلاء وإنما يمتنع الوضوء بالمطبوخ إذا لم يكن مقصوداً للغرض المطلوب من الوضوء وهي التنظيف كالأشنان والصابون إذا طبخا بالماء إلا إذا غلب ذلك على الماء فيصير كالسويق المخلوط (أو اعتصر) عطف على قوله تغيّر أي لا يتوضأ بماء
اعتصر (من شجر) كالريباس (أو ثمر) كالعنب، وفي ذكر العصر إشارة إلى أن ما يخرج من الشجر بلا عصر كماء يسيل من الكرم يجوز به الوضوء وهو قول بعض المشايخ وفي المحيط: أنه لا يتوضأ به. أو غلب عليه غيره أي لا يجوز الوضوء بما غلب عليه غير الماء مثل الزعفران وعند الشافعي لا يجوز سواء كان غيره مما ليس من جنس الأرض غالباً أو مغلوباً، (أجزاء) أي من جهة الأجزاء وهي احتراز عن الغلبة لوناً، وهو قول محمد.
(و) لا يتوضأ (بماء دائم) ساكن وقع (فيه نجس) مطلقاً سواء تغير أحد أوصافه أو لا، والنجس بفتح الجيم عين النجاسة، وبكسرها ما لا يكون طاهراً، ا في اصطلاح الفقهاء أما في اللغة فيقال: نجس ينجس فهو نجس ونجس، والمراد ها هنا الأول. إن لم يكن عشراً في عشر) أي عشرة أذرع في عشرة أذرع. وقال الشافعي: يجوز إن كان قلتين وهما خمسمائة رطل وقال مالك: يتوضأ به ما لم يتغير أحد أوصافه. (وإلا) أي وإن لم يكن كذلك، يعني إن كان عشراً في عشر (فهو كالجاري وقدر عامة المشايخ العشر في العشر في الماء الدائم بذراع المساحة وقيل بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس لأنه أقصر من ذراع المساحة لأن ذراع الكرباس سبع مشتات ليس فوق كل مشتة أصبع قائمة، وذراع المساحة سبع مشتات فوق كل مشتة أصبع، قائمة كذا ذكر في النهاية. وقيل: سبع مشتات بأصبع قائمة في المرة السابعة والأصح أنه يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم والصحيح في العمق أن يكون بحال لا يظهر ما تحته بالاغتراف، وقدره البعض بأربعة أصابع مفتوحة، ثم هذا إذا كان الحوض مربعاً فإن كان مدوّراً قيل: يعتبر أن يكون حول الماء ثمانية وأربعون ذراعاً، وقيل ستة وثلاثون ذراعاً وهو الصحيح، وهو مبرهن عليه عند الحساب، كذا في الذخيرة.
(وهو) أي الماء الجاري (ما) يذهب بتبنة والباء للتعدية، وقيل: الجاري ما لا يتكرر استعماله (فيتوضأ منه أي من ماء جار تحقيقاً أو تقديراً (إن لم ير أثره) أي أثر النجاسة بعد وقوعها فيه (وهو طعم أو لون أو ريح ثم إذا لم يتنجس كله، هل يتنجس موضع الوقوع فإن كانت مرئية تنجس، وإلا فلا وعند عامة مشايخ العراق: يتنجس فيهما.
وموت ما لا دم له فيه أي موت حيوان ليس له دم سائل في الماء الدائم القليل كالبق) والذباب والزنبور والعقرب والسمك والضفدع) مطلقاً ونحوها مما يحرم أكله من سواكن الماء كالكلب المائي والسرطان لا ينجسه) خلافاً للشافعي في غير السمك، أما إذا مات في غير الماء مثل الضفادع وما يحرم أكله من سواكن الماء فلا يحكم بفساد غير الماء وتنجسه وهو الأصح، وقيل: يفسده، والضفدع البري
والبحري سواء، وقيل البري يفسده لا البحري.
(والماء المستعمل لقربة) بأن يتوضأ ناوياً تجديد الوضوء (أو رفع حدث) بأن يتوضأ محدث متبرداً، وعند محمد: لا يكون مستعملاً إلا بإقامة القربة، كذا في الكافي. إذا استقر) ظرف المستعمل في مكان وفي الكافي: إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زال عن البدن وقيل: الاجتماع في مكان شرط. (طاهر لا مطهر) بالرفع على أنه خبر الماء. وقال الحسن: نجس نجاسة غليظة وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً. وقال أبو يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة نجس نجاسة خفيفة. وقال محمد وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوى: طاهر لا مطهر مطلقاً. سواء كان المستعمل متوضأ أم لا. وقال مالك وهو أحد قولي الشافعي: أنه طاهر مطهر مطلقاً. وقال زفر وهو أحد قولي الشافعي: إن كان المستعمل متوضأ فطاهر مطهر وإلا فطاهر غير مطهر.
ومسألة البئر أي ضابط حكمها أو جوابها (حجط) صورتها جنب انغمس في البئر للدلو ولا نجاسة على بدنه ثم الجيم من النجاسة أي عند أبي حنيفة كلاهما نجسان والحاء من الحال أي كلاهما على حالهما عند أبي يوسف، والطاء من الطاهر أي كلاهما طاهران عند محمد، فرتب حروفه على ترتيب الأئمة، فالحرف الأول للإمام الأول، والحرف الثاني للثاني، والثالث للثالث.
(وكل إهاب) هو اسم جلد غير مدبوغ (دبغ فقد طَهُرَ) والدباغ ما يمنع من النتن والفساد ولو تشميساً أو تتريباً، وعند الشافعي يشترط التشثيث ونحوه، وعنده أيضاً جلد الكلب لا يطهر بالدباغة وهو قول الحسن بن زياد كذا قيل، لكن ليس في تخصيص الكلب فائدة لأن عنده كل ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغة. كذا في النهاية. وقال مالك: جلد الميتة لا يطهر بالدباغة إلا جلد الخنزير والآدمي) فإنه لا يطهر بها الثاني لكرامته والأول لنجاسة عينه وكذا إذا ذبح أهل التسمية ما يقبل التطهير ثم الصحيح أن لحمه بعد الذبح يكون نجساً كذا في الأسرار. وذكر في الهداية: أنه يطهر بعد الذبح لحمه وإن لم يكن مأكولاً، وهو اختيار بعض المشايخ. وقال الشافعي: الجلد لا يطهر بالذكاة وشعر (الإنسان مطلقاً سواء كان كثيراً أو لا (و) شعر (الميتة وعظمها طاهران وقال مالك: عظم الميتة نجس، وقال الشافعيرضي الله عنه: شعر الإنسان والميتة وعظمها نجسان. وفي الذخيرة: وفي شعر الآدمي عن محمد روايتان: في رواية نجس وبه أخذ إمام الهدى الشيخ أبو منصور، وفي رواية طاهر وبه أخذ الفقيه أبو جعفر وأبو القاسم الصفار، وعلى هذه الرواية اعتمد الكرخي في كتابه. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن شعر الإنسان إن كان بحيث لو بسط كان أكثر من قدر الدرهم لا تجوز صلاته.
(وتنزح البئر) إن أمكن إطلاق اسم المحل على الحال للمبالغة في إخراج جميع الماء (بوقوع نجس) كالغائط والبول مطلقاً سواء كان كثيراً أو قليلاً. وقال زفر: لا ينجسه ما لم يغلب عليه. وروي عن أبي يوسف ومحمد: أن ماءها في حكم الماء الجاري. (لا) أي لا تنزح ببعرتي إبل وغنم) إذا وقع فيه مطلقاً سواء كان رطباً أو يابساً أو صحيحاً أو منكسراً، وكذا الروث والخثي، وقيل: الرطب والمنكسر والروث والخثي مفسد والقياس أن تنجسها البعرة. والمراد بالبعرة والبعرتين ما لم يبلغ حد الكثرة وهو ما يستكثره الناظر في الصحيح، وقيل: ما يأخذ ثلث وجه الماء، وقيل ربعه وهذا في المفازة وفي بئر المصر ينجسه القليل أيضاً، أما إذا بعرت الشاة في المحلب بعرة أو بعرتين يرمي البعر ويشرب اللبن إذا رميت من ساعته ولم يبق لها لون ولا يعفي عن القليل في الإناء. وعن أبي حنيفة: أن الإناء كالبئر في البعرة والبعرتين. (و) لا تنزح بوقوع (خرء حمام وعصفور) خلافاً للشافعي وهو القياس.
(وبول ما يؤكل لحمه (نجس) نجاسة خفيفة حتى إذا وقع في البئر يكون الماء نجساً وينزح الماء كله عندهما، وعند محمد طاهر فلا ينزح إلا إذا غلب على الماء حتى يخرج من أن يكون طهور (لا) ما لم يكن حدثاً) عطف على بول، أي ما لا يكون حدثاً لا يكون نجساً عند أبي يوسف وهو الصحيح، وذلك كالقيء القليل والدم البادي غير المتجاوز حتى لو أخذ بقطن وألقاه في الماء القليل لا يفسده. وعند محمد نجس ويفسده، ولا يشرب بول ما يؤكل لحمه (أصلا) عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند محمد يشرب للتداوي وغيره لطهارته عنده. وعند أبي يوسف يشرب للتداوي ولا يجوز لغيره ولو أصاب الثوب لا ينجسه. وعند محمد حتى تجوز الصلاة فيه وإن امتلأ الثوب منه، وعلى قولهما ينجس الثوب إلا أنه تجوز الصلاة فيه ما لم يكن كثيراً فاحشاً وهو ربع أدنى ثوب وقيل: ربع الموضع الذي أصابه كالذيل. وعند أبي يوسف شبر في شبر.
(و) ينزح (عشرون دلواً وسطاً بموت نحو (فأرة وما قاربها في الجثة كالعصفور والصعوة والسودانية وسام أبرص الفأر مهموز جمع فأرة، كذا في الصحاح. هذا بعد إخراج الفأرة ونحوها، فلو نزح عشرون دلواً قبل إخراجها لم تطهر ولا تظهر أيضاً ما دام الدلو الأخير في هواها خلافاً لمحمد، وهذا إذا لم ينتفخ أو لم يتفسخ أما إذا انتفخ أو تفسخ فيأتي حكمه، قيل: دلو تلك البئر معتبر، وعن أبي حنيفة: دلو يسع صاعاً ولو نزح بدلو عظيم مرة واحدة مقدار عشرين دلواً جاز، وقال صاحب القدوري وهو أحب إلي. وقال زفر والحسن: لا يجوز وإنما قيد بالموت لأنه لو خرج ما وقع فيه حياً لا ينجس إلا في الكلب والخنزير وفي غيرهما ينظر إن أصاب فمه الماء وسوره نجس فالماء، نجس، وإن كان سؤره مكروهاً
فالماء مكروه، وإن كان مشكوكاً فالماء مشكوك، يتنزح ماء البئر كله وإن لم يصب فمه الماء لا ينزح شيء، وعند أبي يوسف: ينزح عشرون إلى ثلاثين في الفأرة الواحدة وكذلك إلى الأربع، فإن كانت خمساً ينزح أربعون دلواً إلى التسع وإن كانت عشراً فالجميع كذا في النهاية نقلاً. عن الظهيرية.
(و) ينزح (أربعون) دلواً (بنحو حمامة) أي بموت نحو حمامة كالدجاجة والسنور، وهذا على طريق الإيجاب، والخمسون على طريق الاستحباب، كذا في الجامع الصغير وهو الأظهر. وقيل: ما بين أربعين إلى ستين (و) ينزح (كله بنحو شاة) وما قاربها في الجثة كالآدمي والكلب (وانتفاخ) أي ينزح كله بانتفاخ (حيوان أو تفسخه) فيه مطلقاً، صغر الحيوان أو كبر. وقال محمد: لو وقع ذنب فأرة وتفسخ كله هذا إن أمكن نزحها (ومائتان لو لم يمكن نزحها) أي ينزح مائتا دلو من الماء إن كانت معينة أي جارية ولا يمكن نزحها. وعند أبي يوسف: يخرج مقدار ما كان فيها من الماء. وطريق معرفته أن تحفر حفيرة مثل موضع الماء من البئر ويصب فيها ما ينزح منها إلى أن تمتلىء أو يرسل فيها قصبة ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشرة دلاء ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص فينزح لكل قدر منها عشر دلاء. وعند محمد: مائتا دلو إلى ثلاثمائة وعند أبي حنيفة في الجامع الصغير في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء ولم يقدر الغلبة بشيء كما هو دأبه، وعنه أيضاً: أنه إذا نزح منها مائة دلة يكفي، وقيل: يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء، وهذا أشبه بالفقه، كذا في الهداية. ونجسه منذ ثلاث فأرة منتفخة جهل وقت وقوعها يعني إذا وجد في البئر فأرة أو نحوها ولم يدر متى وقعت وقد انتفخت أو انفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها، هذا عند أبي حنيفة وقالا: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحققوا متى وقعت لاحتمال وقوعها في تلك الساعة. (وإلأ) أي وإن لم تكن منتفخة أو متفسخة نجسها منذ يوم وليلة خلافاً لهما (والعرق كالسؤر) أي عرق كل شيء يعتبر بسوره طهارة ونجاسة وحرمة وكراهة، ولا ينتقض بعرق الحمار لأنه خص بركوبه عليه الصلاة والسلام والسؤر بقية الماء الذي يبقيه الشارب في الإناء والحوض ثم استعير لبقية الطعام وغيره قيل: المراد بالسؤر ها هنا اللعاب للملازمة بينهما يدل عليه ما ذكر في الهداية، لأنهما يتولدان من اللحوم وإنما يتولد منه اللعاب لا السؤر وليس بشيء يظهر من الهداية إلا أن في عبارة الهداية تسامحاً.
(وسؤر الآدمي) مطلقاً أي جنباً كان أو حائضاً مسلماً كان أو كافراً (و) سؤر (الفرس وما يؤكل لحمه طاهر) وروي عن أبي حنيفة: أن سؤر الفرس مشكوك فيه كسور الحمار، وروي عنه أنه مكروه كلحمه والصحيح أنه طاهر عنده كما هو طاهر عندهما. (و) سؤر (الكلب والخنزير وسباع البهائم نجس) وهي كالأسد والفهد والنمر، وقال الشافعي: طاهر (سوى سؤر الكلب والخنزير)، وقال مالك: سؤرهما
طاهر أيضاً (و) سؤر الهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير و) سؤر (سواكن البيوت كالحية والفأرة والوزغة (مكروه) وقال أبو يوسف والشافعي: سؤر الهرة طاهر غير مكروه، أما لو أكلت الهرة فأرة ثم شربت على فوره الماء فيتنجس إلا إذا مكثت ساعة لغسلها فمها بلعابها والاستثناء على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف كذا في الهداية وإنما قيده على مذهبهما لأن محمداً لا يجوز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة قوله: وسباع الطير وهي كالبازي والصقر والشاهين والعقاب وعن أبي يوسف أنها إذا كانت محبوسة يعلم صاحبها أنه لا قدر على منقارها لا يكره واستحسنه المشايخ، كذا في الهداية وإنما قيد الدجاجة لأنها لو كانت محبوسة لم يكره، وهي أن تحبس في بيت وتعلف هناك، وزاد البعض أن يكون رأسها وعلفها وماؤها خارج البيت.
(و) سؤر (الحمار والبغل مشكوك فيه أي في أنه مطهر أو لا، ولا شك في أنه طاهر، وقيل: الشك في طهارته والأول أصح، وفي رواية عن أبي حنيفة أنه نجس. وقال الشافعي هو طاهر وطهور. وبعض المشايخ فرق بين سؤر الحمار الذكر والأتان فقال: سؤر الذكر نجس لأنه يشم بول الأتان فيتنجس فمه والأتان لا تشم ذلك فلا يتنجس كذا في بعض الحواشي فإن قلت أين ذهب قولك: الولد يتبع الأم في الحل والحرمة؟ قلت: ذلك إذا لم يغلب شبهه بالأب، (وأما إذا غلب شبهه بالأب فلا يتوضأ به أي بكل واحد من سؤر الحمار والبغل (ويتيمم) إن فقد ماء مطلقاً ولم يجد إلا سؤرهما (وأياً) أي: أي المذكورين وهما الوضوء والتيمم قد صح) حتى لو توضأ ثم تيمم جاز بالاتفاق وإن عكس جاز عندنا خلافاً لزفر (بخلاف نبيذ التمر) يعني: إن فقد ماء مطلقاً ولم يجد إلا نبيذ التمر فإنه يتوضأ به ولا يجمع بينهما، ويشترط فيه النية فكان بمنزلة التيمم وهذا عند أبي حنيفة، وعنه يتيمم ولا يتوضأ، وهو قول أبي يوسف والشافعي ومالك. وقال محمد: يتوضأ به ويتيمم أيضاً والنبيذ المختلف فيه أن يكون حلواً رقيقاً يسيل على الأعضاء كالماء، وأما ما أسكر منها صار حراماً لا يجوز التوضي به وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا شرع في الصلاة بالتيمم ثم وجد النبيذ فعند محمد يمضي فيها فإذا فرغ يتوضأ به ويعيدها وعند أبي يوسف يمضي فيها ولا إعادة عليه. وعند أبي حنيفة: يقطعها، كذا في النهاية.
باب التيمم
المناسبة: بين أن الأول أصل والثاني خلف ولهذا أخره، وهو في اللغة: القصد، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطاهر لإزالة الحدث. (يتيمم) أي المكلف البعده ميلاً عن ماء مطلقاً وهو ثلث فرسخ وهو أربعة آلاف خطوة كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة وهو أربعة وعشرون أصبعاً، والفرسخ اثنا عشر
ألف خطوة. وقال زفر: إن كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يتيمم وإن كان بالعكس يتيمم وإن كان الماء قريباً منه. وعن محمد: يجوز التيمم إذا كان الماء قدر ميلين وهو اختيار الفقيه أبي بكر محمد بن الفضل. وعن الكرخي: أنه إن كان في موضع يسمع صوت أهل الماء فهو قريب، وإن كان لا يسمع فهو بعيد، وبه أخذ أكثر المشايخ كذا في فتاوى قاضيخان. وقال الحسن بن زياد إذا كان الماء أمامه يعتبر بالميلين، وإن كان يمينه أو يساره أو خلفه فميل واحد، وعن أبي يوسف: أنه إذا كان بحال لو اشتغل به تذهب القافلة وتغيب عن بصره يكون بعيداً وإن كان على العكس فهو قريب، كذا في المحيط.
(أو لمرض) أي لخوف اشتداد مرض باستعمال الماء أو بالتحرك للاستعمال أو لم يقدر على استعمال الماء وعند الشافعي إنما يتيمم إن خاف تلف النفس أو مطلقاً سواء كان لخوف المرض أو لخوف تلف النفس أو العضو، وعندنا يتيمم زيادة في المرض، أما إذا لم يقدر المريض على الوضوء والتيمم وليس عنده من يوضئه أو ييممه فإنه لا يصلي عندهما. وقال الشيخ الإمام أبو بكر: رأيت في الجامع الصغير للكرخي أن مقطوع اليدين والرجلين إن كان بوجهه جراحة يصلي بغير طهارة ولا تيمم ولا يعيد وهذا هو الصحيح كذا في الفتاوى الظهيرية. (أو برد) يعني إذا خاف الجنب والمحدث إن اغتسل أو توضأ أن يقتله البرد أو يمرضه (يتيمم. مطلقاً سواء كان خارج المصر أو فيه وعندهما لا يتيمم فيه أو خوف سبع أو عدو بأن يكون عند الماء سبع أو عدو يمنعه ويخاف على نفسه منه (أو) خوف (عطش) بأن كان معه ماء ويخاف على نفسه أو دابته العطش (أو فقد آلة) يعني رأى الماء وليس معه آلة الاستقاء مستوعباً وجهه وبديه) قوله: مستوعباً حال من الضمير المستكن في يتيمم هذا ظاهر الرواية وهو الصحيح وعليه الفتوى. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الاستيعاب ليس بشرط حتى لو مسح أكثر الذراعين والكف جاز وعلى ظاهر الرواية لا يجوز حتى لا بد من نزع الخاتم والسوار وتخليل الأصابع وعليه الفتوى مع مرفقيه) خلافاً لزفر كما مر في الطهارة وعند الشافعي إلى الرسغين وعند مالك إلى نصف الذراع، وعن الزهري إلى الإبط (بضربتين متعلق بتيمم، وكان ابن سيرين يقول بثلاث ضربات ضربة في الوجه، وضربة في اليدين، وضربة ثالثة فيهما.
وكيفية التيمم: أن يضع بطن كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى ويمسح بثلاث أصابع أصغرها ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ثم يمسح باطنه بالإبهام والمسجة إلى رؤوس الأصابع، ثم يفعل باليسرى كذلك.
(ولو) كان جنباً أو حائضاً) يعني بتيهم الجنب والمحدث والحائض إذا طهرت من الحيض إذا كان
أيام حيضها عشرة، وإن كانت أقل من عشرة لا يجوز، كذا في الفتاوى الظهيرية. (بطاهر) أي يتيمم بطاهر من جنس الأرض) وهو ما لا يحترق بالنهار ولا ينطبع كالتراب والرمل والحجر والنورة والكحل والزرنيخ فيكون من جنس الأرض مطلقاً واحترز به عما ليس من جنس الأرض وهو ما يحترق فيصير رماداً كالشجر والحنطة ونحوهما، أو ينطبع ويلين كالحديد والرصاص والنقدين والزجاج. أما إذا أغبر ما ليس من جنس الأرض فيجوز التيمم، وقال أبو يوسف: لا يجوز التيمم إلا بالتراب والرمل. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب، وهو رواية عن أبي يوسف.
(وإن لم يكن عليه أي على جنس الأرض (نقع) أي غبار حتى لو وضع يده على حجر لا غبار عليه جاز خلافاً لمحمد (وبه) أي بالنقع يجوز التيمم (بلا عجز) وعند أبي يوسف يجوز عند العجز (ناوياً) أي يتيمم ناوياً استباحة الصلاة أو قربة لا تتأدى بلا طهارة وعند زفر النية ليست بشرط (فلما) يعني فلهذا بطل (تيمم كافر) للإسلام لأنه ما نوى قربة لا تصح بلا طهارة. وقال أبو يوسف: لا يبطل تيممه (لا وضوؤه يعني إذا توضأ الكافر يريد الإسلام ثم أسلم فهو متوضىء عندنا خلافاً للشافعي (ولا تنقضه ردة) يعني إن تيمم مسلم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى ثم أسلم فهو على تيممه وقال: زفر يبطل تيممه (بل) ينقضه (ناقض الوضوء، وقدرة ماء فضل عن حاجته فهي تمنع التيمم وترفعه هذا نتيجة قوله: وقدرة ماء، يعني إذا كان قدرة الماء ناقضة للتيمم فتمنع التيمم ابتداء وترفعه انتهاء مطلقاً سواء كان قدرته في الصلاة أو في غيرها وقال الشافعي: لا يرفع التيمم إذا قدر على الماء بعدما شرع في الصلاة، وكذا لو كان مرور النائمين المتيممين بالماء أو وجد المتيمم نبيذ التمر لغا. في المسألتين خلافاً لأبي يوسف فيهما، وراجي الماء يؤخر الصلاة أي يستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت بحيث لا يقع في الوقت المكروه، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف في غير رواية الأصول: أن التأخير واجب، وعن مالك: أن المندوب أن يتيمم في وسط الوقت.
(وصح) التيمم (قبل الوقت) خلافاً للشافعي (و) صح (الفرضين) فأكثر، وقال الشافعي: لا يجوز إلا لأداء فرض واحد مع ما شاء من النوافل على وجه التبعية له (وخوف) أي صح التيمم لخوف (فوت صلاة جنازة أو صلاة (عيد) خلافاً للشافعي فيهما (ولو) كان الخوف (بناء) كما لو شرع فيهما بالوضوء ثم أحدث فإنه يتيمم ويبني عند أبي حنيفة، وقالا: لا يتيمم ويتوضأ ويتم صلاته ولا خلاف في أنه إذا شرع بالتيمم تيمم، وكذا لو شرع بالوضوء ثم أحدث ويخاف زوال الشمس إن اشتغل اتفاقاً، بالوضوء يتيمم فإن لم يخف ويرجو إدراك الإمام قبل الفراغ لم يتيمم إجماعاً، فإن لم يرج فهو موضع
الخلاف قوله: وخوف فوت صلاة جنازة يغني عن التقييد بقوله: ما لم يكن وليها، لأنه إذا كان وليها ليس له خوف الفوت فلهذا تركه.
(لا) أي لا يصح التيمم (الفوت) صلاة (جمعة) و) صلاة (وقت) إذا كان الماء قريباً منه. منه. وقال زفر يتيمم للوقتية ولم يعد إن صلى به ونسي الماء في رحله) يعني لو نسي رجل ماءه الذي في رحله وصلى بالتيمم ثم ذكره أجزأت تلك الصلاة بهذا التيمم ولا يعيد وقال أبو يوسف يعيد والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو وضعه غيره بأمره ولو وضعه غيره وهو لا يعلم جاز اتفاقاً، وقيل: الخلاف في الكل، وذكره في الوقت وغيره سواء.
(ويطلبه غلوة) أي يجب طلب الماء مقدار غلوة، وهي ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة بذراع الكرباس (إن ظن) المسافر (قربه وإلا) أي وإن لم يظن قرب الماء (لا) يجب طلبه. وقال الشافعي: يجب الطلب في كل الأحوال (ويطلبه) أي يجب عليه أن يسأل ولا يعجل بالتيمم (من رفيقه فإن منعه تيمم) وعن أبي نصر الصفار: أن المسافر إذا كان في موضع يعز الماء فيه فالأفضل أن يسأل من رفيقه وإن لم يسأل أجزأه، فإن كان في موضع لا يعز الماء فيه لا يجزئه قبل الطلب، وكذا إذا لم يكن معه دلو أو رشاء لا يجب أن يسأل من رفيقه ولو سأل فقال له: انتظر، فعند أبي حنيفة ينتظر إلى آخر الوقت فإن خاف فوت الوقت يتيمم ويصلي، وعندهما ينتظر وإن فات الوقت. وإن لم يعطه إلا بثمن مثله وله ثمنه ولا يتيمم وإلا) أي وإن لم يكن معه ثمنه أو لا يعطيه إلا بغين فاحش كدينار لكوز (تيمم). أما لو كان لرفيقه ماء وظنه برفيقه أنه لو سأل منه الماء أعطاه فلا يجوز التيمم، وأما إن كان ظنه فإنه لا يعطيه الماء إن سأله فجاز تيممه، أما لو شك في إعطائه الماء ولم يطلبه وجاد رفيقه بالماء بعدما صلاها بالتيمم فيقضي الصلاة ولم يقض الصلاة إن بخل رفيقه بالماء قبل شروعه بأن سأله الماء فلم يعطه وجاء به بعدما أدى الصلاة بتمامها بالتيمم.
(ولو) كان أكثره مجروحاً) أي لو كان جنب أكثره مجروحاً (يتيمم) لا غير (وبعكسه يغسل ولا يجمع بينها أي إن كان أكثر بدنه سالماً وأقله مجروحاً فله الغسل فحسب وقال الشافعي: يغسل ما أمكن ويتيمم في الصورتين، وإن كان نصف البدن صحيحاً والنصف جريحاً، اختلف المشايخ فيه والأصح أنه يتيمم ولا يستعمل الماء، كذا في الخلاصة، وقيل: يغسل ما كان صحيحاً ويمسح على الباقي إن لم يضره، وكذا الحكم في المحدث إلا أنه يعتبر فيه أكثر أعضاء الوضوء، كذا في المحيط والذخيرة والخلاصة، والله أعلم.
باب المسح على الخفين
مناسبة هذا الباب، باب التيمم، أنه خلف على الكل والمسح خلف عن البعض ظاهراً، ولذا قدم التيمم وهو أفضل من غسل الرجلين أخذاً باليسر، وقيل: الغسل أفضل، كذا في القنية.
(صح) المسح (ولو) كان الماسح امرأة (لا أي لا يصح لو كان (جنباً) لأنه لا يتأتى الاغتسال مع وجود الخف ملبوساً، وهذا التقرير يغني عن التقدير والتصوير. وقيل: صورته رجل توضأ ولبس الخف ثم أجنب فتيمم للجنابة ثم أحدث ثم وجد ماء يكفي للوضوء ولا يكفي للاغتسال فإنه يتوضأ ويغسل رجليه ولا يمسح ويتيمم للجنابة (إن لبسهما على وضوء (تام ذاكراً للبس وأراد به بقاءه لأنه سببه. وقوله: على وضوء احتراز عن التيمم حتى لو تيمم ولبس ثم وجد الماء لا يجوز المسح، وإنما قيد الوضوء بالتام لأنه لو غسل رجليه أولاً ولبس خفيه فأحدث قبل إتمام الوضوء لا يجوز المسح وقت الحدث متعلق بقوله: وضوء تام وفيه توسع. والمراد: قبيل الحدث لا متصل به لأن وقت الحدث لا يجامع الطهارة فكيف يكون ظرفاً له، ونكتة التوسع مبالغة اتصال الوضوء التام بالحدث حتى كأنها في وقت واحد. وقال الشافعي: يشترط اللبس على طهارة كاملة حتى إذا غسل رجليه أولاً ولبس خفيه وأكمل الطهارة ثم أحدث جاز له المسح عندنا خلافاً له. (يوماً وليلة) أي صح المسح في يوم وليلة (للمقيم) وقال مالك: لا يجوز المسح للمقيم.
(و) صح المسح للمسافر (ثلاثاً) من الأيام والليالي (من وقت الحدث) أي ابتداء المدة يعتبر من وقت الحدث حتى لو توضأ المقيم عند طلوع الفجر ولبس خفيه عند طلوع الشمس وأحدث بعدما صلى الظهر فتوضأ في وقت العصر ومسح، فعندنا مدة المسح باقية إلى الغد إلى الساعة التي أحدث فيها حتى جاز له أن يصلي بالمسح الظهر لا العصر. وقال الشافعي: ابتداء المدة من وقت المسح، وعند مالك من وقت اللبس على ظاهرهما (مرة أي صح المسح على ظاهر الخفين شرعاً لا على باطنهما، وقال الشافعي ومالك على ظاهرهما فرض وعلى باطنهما سنة، والأولى عند الشافعي أن يضع يده اليمنى على ظاهر الخف ويده اليسرى على باطن الخف فيمسح بهما كل رجل، ولو مسح على ما يلي الساق أو ما يلي مقدم ظاهر الخف يجوز، ولو مسح على العقب لا يجوز ولو مسح على ما فوق الكعبين لا يجوز، كذا في المحيط.
وقال عطاء: يمسح ثلاثاً كالغسل (بثلاث) أي بقدر ثلاث (أصابع اليد طولاً وعرضاً حتى لو مسح بقدر أصبع أو أصبعين لا يجوز في الصحيح، وعلى قياس رواية الحسن أنه لا يجوز ما لم يمسح مقدار
الربع ولو مسح الإبهام والسبابة إن كانتا مفتوحتين جاز، ثم لم يذكر محمد في الأصل أن التقدير بثلاث أصابع اليد أو أصابع الرجل. وكان الكرخي يقول: التقدير بثلاث أصابع من أصغر أصابع الرجل اعتباراً لمحل المسح. وكان الفقيه أبو بكر الرازي يقول: التقدير بثلاث أصابع اليد اعتباراً بآلة المسح وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، كذا في المحيط. وفي الكافي الكلام فيه كالكلام في مسح الرأس فمن شرط الربع ثمة شرطه هنا أيضاً ومن شرط أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح ثمة شرط هنا أيضاً وفي الخزانة: لو مسح بثلاث أصابع موضوعة غير ممدودة جاز لأن فرضه مقدار ثلاث أصابع اليد هو الأصح. ولما بين مقدار الواجب استأنف الكلام لبيان الكيفية على الوجه المسنون فقال: (يبدأ) أي يمسح حال كونه يبدأ (من) قبل (الأصابع) فيضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن ويضع أصابع يده اليسرى على مقدم خفه الأيسر ويمدهما متوجهاً (إلى) أصل (الساق) هكذا روى المغيرة بن شعبة فعل الرسول عليه السلام. وعن محمد: أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: أن يضع أصابع يديه على مقدم خفيه ويجافي كفيه ويمدهما إلى الساق أو يضع كفيه مع الأصابع ويمدهما جملة. قال شمس الأئمة الحلواني: والأحسن تحصيل المسح بجميع اليد ولو بدأ من قبل الساق يجوز إلا أنه ترك السنة، ولو مسح برؤوس الأصابع. وجاء في أصول الأصابع والكف: لا يجوز إلا أن يبلغ ما ابتل من الخف عند الوضع مقدار الواجب وذلك ثلاث أصابع، ولو مسح بظاهر كفيه يجوز، والمستحب أن يمسح بباطن كفيه، كذا ا في المحيط. وفي الكافي ولو بدأ من قبل الساق جاز وإن ترك السنة. (والخرق الكبير يمنعه مطلقاً، أي في أي جانب كان لا قليله، وقال زفر والشافعي: يمنعه القليل أيضاً. وقال مالك: لا يمنع الكبير أيضاً، (وهو) أي حد الكبير (قدر ثلاث أصابع القدم أصغرها) على رواية الزيادات، وعلى رواية الحسن عن أبي حنيفة اعتبر ثلاث أصابع اليد ثم الخرق الكبير إنما يمنع جواز المسح إذا كان منفرجاً يرى ما تحته، أي فأما إذا كان لا يرى ما تحته بأن كان الخف صلباً إلا أنه إذا أدخل فيه الأصابع يدخل فيه ثلاث أصابع لا يمنع جواز المسح، وإن كان يبدو قدر ثلاث أصابع حالة المشي لا في حالة وضع القدم على الأرض يمنع جواز المسح. ثم اختلف مشايخنا في أنه إذا كان يبدو قدر ثلاث أنامل من أصابع الرجل هل يمنع جواز المسح؟ قال بعضهم: يمنع وإليه مال شمس الأئمة السرخي، وقال بعضهم لا يمنع وشرط أن يبدو قدر ثلاث أصابع بكمالها، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني،، وهو الأصح ولو ظهر من الخرق الإبهام وهي مقدار ثلاث أصابع من غيرها جاز المسح عليه ويعتبر في ذلك نفس الأصابع، فالصغير والكبير على السواء. قال شمس الأئمة السرخسي: لو كان الخرق في باطن الخف أو في ظاهره أو في ناحية العقب فالحكم لا يختلف يعني إذا كان الخرق مقدار ثلاث
أصابع من أي جانب كان فذلك يمنع جواز المسح. وذكر شمس الأئمة الحلواني وشيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده أنه إذا كان المكشوف من قبل العقب أكثر من المستور لا يجوز المسح عليه، وإذا كان المكشوف أقل من المستور يجوز المسح. والمروي عن أبي حنيفة في هذه الصورة أنه يمسح حتى يبدو أكثر من نصف العقب، كذا في المحيط.
(وتجمع) الخروق (في خف) واحد (لا) فيهما) يعني لو كان الخرق في مواضع وكل موضع قدر أصبع أو أقل، وبالجمع يصير قدر ثلاثة أصابع إن كان في خف واحد يجمع ويمنع المسح وإن كان في خفين لا يجمع ولا يمنع، وكذلك لو كان الخرق على الساق لا يمنع جواز المسح وإن كان أكثر من ثلاثة أصابع (بخلاف النجاسة المتفرقة في الخفين فإنها تجمع وإن زادت على قدر الدرهم تمنع جواز الصلاة.
(و) بخلاف (الانكشاف) أي انكشاف العورة لو كان متفرقاً وبالجمع يبلغ ربع عضو يمنع جواز الصلاة، وينقضه ناقض الوضوء ونزع خف) واحد (و) ينقضه (مضي المدة إن لم يخف ذهاب رجليه من البرد يعني إن انقضت مدة المسح وهو مسافر ويخاف ذهاب رجليه من البرد لو نزع خفيه جاز المسح عليهما إلى أن يزول خوفه، وكذا لو مسح عليهما ثم دخل الماء الخف وابتل جميع القدم وبلغ الماء الكعب بطل المسح. وروي عن أبي حنيفة: أنه يجب عليه غسل الرجل الأخرى، ذكره في ذخيرة الفقهاء. وعن الفقيه أبي جعفر: إذا أصاب الماء أكثر إحدى رجليه ينتقض مسحه ويكون بمنزلة الغسل، وبه قال بعض المشايخ. وقد حكي عن بعض مشايخنا قالوا: لا ينتقض المسح على كل حال وكذا إذا مسح عليهما ثم دخل الماء الخف وابتل من رجليه قدر ثلاث أصابع أو أقل لا يبطل مسحه، كذا في المحيط.
(وبعدهما) أي بعد نزع الخف ومضي المدة يجب غسل رجليه فقط) أي من غير غسل الأعضاء الباقية. وقال الشافعي في قول يعيد الوضوء وخروج أكثر القدم) من الخف (نزع) كنزع الخف كله في الصحيح، وعن أبي حنيفة: إن زال عقب الرجل أو زال أكثر عقب الرجل بطل مسحه وهو قول أبي يوسف. وعن محمد: إن بقي من ظهر القدم في موضع المسح قدر ثلاث أصابع لم يبطل المسح وعليه أكثر المشايخ وإن كان صدر القدم في موضعه والعقب يدخل ويخرج لم يبطل مسحه، كذا في شرح النظم وهو المختار.
(ولو مسح مقيم فسافر قبل تمام (يوم وليلة مسح ثلاثاً) من الأيام والليالي وقال الشافعي: لا يمسح أكثر من يوم وليلة، وإنما قيد بقوله: مسح، لأنه لو لبس وهو مقيم وسافر قبل أن تنتقض الطهارة
ومسح تتحول مدته إلى مدة السفر اتفاقاً، وقيد بقوله: قبل يوم وليلة، لأنه لو سافر بعد مضي مدة الإقامة لا تتحول مدته إلى مدة السفر بالاتفاق. (ولو أقام مسافر بعد) مسح (يوم وليلة نزع خفيه وغسل رجليه (وإلا) أي وإن أقام بعد المسح قبل يوم وليلة (يتم يوماً وليلة وصح المسح (على الموق) الشامل على الخف والموق والجرموق بمعنى واحد وهو ما يلبس فوق الخف، وهذا فيما إذا لبس الجرموق قبل أن يحدث. أما إذا أحدث ومسح على الخف ولم يمسح ثم لبس الجرموق لا يمسح عليه وقال الشافعي: لا يجوز المسح عليه وإنما قيدنا الموق بالشامل عليه لأنه إن لبس الجرموق وحده جاز المسح اتفاقاً، ولو كان من كرباس لا يمسح إلا إذا نفذت البلة منه إلى الخف كذا في شرح النظم. وكذا يجوز المسح على الجرموق الواسع الذي يبدو للناظر منه الكعب، ولو كان الجرموق واسعاً وأدخل فيه يده ومسح الخف لا يجوز كالمسح على باطن الخف، وكذا إذا فضل من جرموقه أو خفه قدر ثلاث أصابع فمسح عليه لم يجز، كذا في القنية. (و) صح (المسح على الجورب (المجلد أي الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله (و) على (المنعل) بالتشديد والتخفيف أي الذي وضع الجلد على أسفله (و) على (الثخين) وهو أن يقوم على الساق من غير أن يشده بشيء لا يشف ولا يسقط (لا) عطف على صح، أي صح على الموق لا على عمامة وقلنسوة وبرقع وقفازين) بأن يمسح الغير على قفازي المتوضي والمسح على الجبيرة وخرقة القرحة ونحو ذلك) كعضابة الفصد (كالغسل) أي كغسل ما تحتها حتى لو مسح على جبيرة إحدى الرجلين لا يجوز المسح على خف الرجل الأخرى فلا تتوقف) هذه المسوح الثلاثة بوقت ينتقض بمضيه (ويجمع) المسح على الجبيرة (مع الغسل ويجوز المسح على الجبيرة (وإن شدها) أي الجبيرة (بلا) وضوء ويمسح على كل العصابة سواء كان تحتها) أي تحت كل العصابة جراحة أو لا، وعن ابن زياد: إن مسح على الأكثر جاز وإلا فلا، وهو الأصح وعليه الفتوى هذا إذا كان حل الخرقة وغسل ما تحتها يضره، وإن كان الحل لا يضر الجرح ولا يضر به المسح أيضاً فعليه النزع وغسل ما حول الجراحة والمسح على الجراحة هكذا، فسره ابن زياد. (فإن سقطت) الجبيرة (عن برء بطل المسح حتى لو كان في الصلاة استقبل (وإلا) أي وإن سقطت لا عن برء (لا) يبطل المسح فيمضي على صلاته، أما إذا ترك المسح على الجبيرة فقد صح مطلقاً عند أبي حنيفة، وعندهما إن لم يضره لا يصح، (ولا يفتقر) الماسح (إلى النيئة في مسح الخف والرأس) وقال الشافعي يفتقر إليها فيهما، والله أعلم.
باب الحيض
مناسبة إيراد هذا الباب عقب الأبواب المتقدمة: أنه ذكر هناك حكم الحيض والنفاس، ولم يذكر
حكم امتدادهما، فبين بهذا الباب حكم الامتداد. وإنما لقب الباب بالحيض دون النفاس مع أن الباب مشتمل عليهما لأنه أكثر وقوعاً من النفاس، ثم هو في اللغة: عبارة عن الدم الخارج.
وفي الشريعة (هو دم ينفضه) أي يدفعه (رحم امرأة سليمة عن داء فيخرج دم الإياس والنفاس لأنه بمنزلة الداء فلا يحتاج إلى قيد آخر ليخرج دم الإياس والنفاس كما قيل وما ذكر أنه احتراز عن دم الاستحاضة لا وجه له لأن الاستحاضة دم عرق فيخرج بقوله: ينفضه رحم، (و) عن (صغر) والعامل فيه محذوف، وهو خالية كما في: «علفتها تبناً وماء بارداً أي سقيت وقيل: اسم لدم مخصوص وهو أن يكون ممتداً خارجاً عن موضع مخصوص، وهو القبل الذي هو موضع الولادة، كذا في النهاية.
(وأقله ثلاثة أيام) ولم يتعرض لذكر ثلاث ليال إما اكتفاء بظاهر المذهب أو اختيار لما روي عن أبي يوسف أن الشرط ليال تقع في هذه الأيام لا ثلاث ليال حتى لو رأت الدم عند طلوع الفجر يوم السبت وانقطع عند غروب الشمس يوم الاثنين: يكون حيضاً. وقال أبو يوسف: أقله يومان وأكثر اليوم الثالث. وقال الشافعي:: أقله مقدر بيوم وليلة. وقال مالك: أقله بقدر ما يوجد ولو ساعة، (وأكثره عشرة) من الأيام والليالي، وقال الشافعي: أكثره خمسة عشر يوماً، وقال مالك: لا غاية لأكثره.
(وما نقص) عن الثلاثة (أو زاد على العشرة فالدم (دم استحاضة، وما سوى البياض الخالص) وهو شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم (حيض) مطلقاً. ألوان الدم ستة: السواد، والحمرة والصفرة والخضرة، والكدرة، والتربية ـ وهي لون خفي يسير أقل من صفرة وكدرة والتربية نسبة إلى التراب بمعنى: عفر التراب .. وقال أبو يوسف لا تكون الكدرة حيضاً إلا بعد الدم. وقال الشافعي: أنه دم عبيط محتدم أي طري شديد الحمرة يضرب إلى السواد. (يمنع الحيض) صلاة وصوماً ووطأة (وتقضيه) أي الصوم (دونها) أي لا تقضي الصلاة، والأصح أن قضاء الصوم يجب على التراخي عند أكثر المشايخ، وعند أبي بكر الرازي يجب على الفور كذا في شرح النظم.
(و) يمنع (دخول مسجد) مطلقاً سواء كان على وجه العبور أو لا. وقال الشافعي: يباح دخول المسجد للحائض على وجه العبور (و) يمنع (الطواف وقربان ما تحت الإزار وهو ما بين السرة والركبة فيستمتع بما فوق السرة وتحت الركبة ويجتنب غير ذلك، ويكون مع الإزار. وقال محمد: يجتنب شعار الدم وله أن يستمتع بما دون السرة بلا إزار وكنى بشعار الدم عن الفرج وإنما قال: والطواف، مع أنه إذا منع دخول المسجد عن الحائض لا تتمكن من الطواف لأنه فيه لئلا يتوهم أنه لما جاز لها الوقوف مع أنه أقوى
أركان الحج فلان يجوز الطواف أولى، أو يتوهم جواز دخول المسجد لضرورة الطواف فأزال ذلك الوهم.
(و) يمنع الحيض (قراءة القرآن) مطلقاً. وقال الطحاوي: يباح قراءة ما دون الآية، وقال مالك: يجوز للحائض قراءة القرآن دون الجنب. (و) يمنع (مسه) مطلقاً سواء مسن تمام القرآن أو سورة منه إلا بغلاف) هو الجلد الذي عليه في الأصح، وقيل: هو المنفصل كالخريطة ونحوها والمتصل بالمصحف منه حتى يدخل في بيعه بلا ذكره ويكره مسه بالكم وهو الصحيح، كذا في الهداية. وفي المحيط قال بعض مشايخنا يكره للحائض مس المصحف بالكم، وعامتهم على أنه لا يكره. وفي الجامع الصغير للإمام التمرتاشي قيل: لو مسه بالكم جاز، وعن محمد روايتان، كذا في النهاية. ومنع الحدث المس) أي مس القرآن لا قراءته (ومنعهما) أي القراءة والمس (الجنابة والنفاس) إلأ قراءة الآيات التي على سبيل الأدعية إن كانت نيته الأدعية فإنه لا يمنع الجنابة والنفاس وكذا الحيض (وتوطأ) الحائض بلا غسل (بتصرم) أي انقطاع (لأكثره) أي بعد عشرة أيام فاللام بمعنى بعد مثلها في قوله تعالى: وأَقِمِ الصَّلوةَ يدلوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: الآية 78] أي بعد، دلوكها، وقوله عليه الصلاة والسلام: صوموا لرؤيته أي بعد رؤيته. وقال زفر والشافعي: لا توطأ بلا غسل، ولأقله لا) أي إذا انقطع الدم بعد مضي أقل مدة الحيض قبل تمام العشرة وهو عادتها لا توطأ (حتى تغتسل) أو يمضي عليها أدنى وقت (صلاة) أي يمضي عليها قدر أن تقدر على الاغتسال والتحريمة بأن انقطع في آخر الوقت أو يمضي عليها أدنى وقت صلاة تصير الصلاة ديناً في الذمة كذا في المستصفى. وقيدنا بالانقطاع على العادة لأنه لو انقطع دون عادتها فإنها تغتسل في آخر الوقت وتصلي وتصوم ولا توطأ ولا تتزوج بزوج آخر ما لم تبلغ عادتها وهي طاهرة للاحتياط، وتنقطع الرجعية في المعتدة بمجرد الانقطاع.
(والطهر) المتخلل (بين الدمين في المدة) أي مدة الحيض والنفاس (حيض ونفاس) مطلقاً عندهما، وعند محمد الطهر إذا تخلّل بين الدمين في الحيض إن كان أقل من ثلاثة أيام لم يفصل بحال، وإن كان ثلاثة أيام فإن كان أقل من الدمين أو مثلهما لم يفصل أيضاً، وإن زاد الطهر عليهما فصل، والفتوى على مذهبه، كذا في المبسوط.
صورة الحيض: امرأة رأت يوماً دماً وثمانية ظهراً ويوماً دماً ثم انقطع فليس شيء من ذلك حيضاً عند محمد خلافاً لهما وصورة النفاس: رأت بعد الولادة يوماً دماً وثمانية وثلاثين يوماً طهراً ويوماً دماً فالأربعون نفاس عند أبي حنيفة، وعندهما نفاسها الدم الأول. (وأقل الطهر خمسة عشر يوماً) وعند مالك الظهر ما وجد قل أو كثر (ولا حد لأكثره) لأنه يمتد إلى سنة وسنتين إلأ عند نصب العادة في زمان
الاستمرار) يعني إذا استمر بها الدم واحتيج إلى نصب العادة فعند أبي عصمة لا يقدر ظهرها بشيء، وعند عامة العلماء هو مقدر بيانه مبتدأة رأت عشرة وسنة طهراً ثم استمر بها الدم أشهراً فإنها تترك الصلاة من أول استمرار ما رأت وهو عشرة وتصلي سنة وذلك دأبها في زمان الاستمرار هذا عند أبي عصمة. وعند عامة العلماء رحمهم الله: تدع من أول الاستمرار عشرة وتصلي عشرين كما لو بلغت مستحاضة.
ودم الاستحاضة كرعاف دائم يعني حكم دمها مثل حكم رعاف دائم (لا يمنع صلاة ولا صوماً ولا وطأ قوله: لا يمنع يجوز أن يكون صفة لقوله: رعاف دائم، ويجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً ولو زاد الدم على أكثر) أيام الحيض و أيام (النفاس ولها عادة أقل من الأكثر فما زاد على عادتها استحاضة) وعند مالك ثلاثة أيام من الزيادة على العادة تلحق بأيامها ثم ما بعدها طهر (ولو) كانت المرأة (مبتدأة) يعني بلغت بالدم واستمر بها الدم (فحيضها) من كل شهر (عشرة) أيام والباقي استحاضة. وقال الشافعي في قول حيضها يوم وليلة وفي قول يعتبر حيضها أبناء عشيرتها. ونفاسها أربعون) يوماً والباقي. استحاضة وقال الشافعي: ستون يوماً، وقال مالك: سبعون يوماً.
وتتوضأ المستحاضة ومَن به سلس بول أو استطلاق بطن أو انفلات ريح) الانفلات خروج الشيء فلتة أي بغتة أو رعاف دائم أو جرح لا يرقأ) أي لا يسكن دمه لوقت كل فرض متعلق بقوله: يتوضأ وعند الشافعي: لكل فرض، وعند مالك: ولكل نفل أيضاً. ويصلُّون) أي المعذورون (به) أي بذلك الوضوء (فرضاً ونفلاً) مطلقاً سواء كان الفرض واحداً أو أكثر خلافاً للشافعي ومالك كما مر آنفاً. ولو قال: فيصلون بالفاء ليكون نتيجة لوقت كل فرض لكان أحسن. (ويبطل بخروجه) أي الوقت (فقط) أي لا بدخوله وعند مالك وزفر بالعكس، وعند أبي يوسف يبطل بها وفائدة الخلاف تظهر فيمن توضأ وقت الفجر يبطل بطلوع الشمس عند علمائنا الثلاثة خلافاً لزفر ولو توضأ قبل الزوال يصلي الظهر عندهما خلافاً لأبي يوسف وزفر. (هذا) أي حكم المعذرين إذا لم يمض عليهم وقت فرض إلا وذلك الحدث يوجد فيه أي في وقت الفرض حتى لو انقطع الدم وقتاً كاملاً لم يكن صاحب عذر من حين الانقطاع، وهذا شرط بقاء العذر، وإنما يصير صاحب عذر إذا لم يجد في وقت صلاة زماناً يتوضأ ويصلي فيه خالياً عن الحدث.
(والنفاس دم يعقب الولد) النفاس مصدر نفست المرأة بضم النون وفتحها إذ ولدت فهي نفساء وهن نفاس كذا في المغرب. وقولهم النفاس، هو الدم الخارج عقب الولادة تسمية بالمصدر كالحيض، ودم الحامل استحاضة) ولو في حال الولادة، وقال الشافعي إنه حيض والسقط بالحركات الثلاث هو الذي
يسقط من بطن أمه ميتاً إن ظهر بعد خلقه كالشعر والظفر (ولد) لهذه المرأة شرعاً حتى تصير به نفساء وتصير الأمة أم ولد به وتنقضي العدة به، فإن لم يظهر شيء من ذلك فلا نفاس ولكن إن أمكن جعله حيضاً بأن تقدمه طهر تام جعل حيضاً وإلا فهي استحاضة (ولا حد لأقله) أي النفاس وأكثره أربعون يوماً) وعند الشافعي أكثره ستون يوماً، وعند مالك سبعون يوماً (والزائد) على الأربعين (استحاضة، ونفاس التوأمين من الأول) التوأم اسم للولد إذا كان معه آخر في بطن واحد، يقال هما توأمان، كما يقال هما زوجان. وقولهم: هما توأم أو هما زوج خطأ، ويقال للأنثى: توأمة، كذا في المغرب قوله من الأول، أي النفاس من الولد الأول من التوأمين وهما ولدان يتولدان من ماء واحد بينهما أقل من ستة أشهر، وقال محمد وزفر: من الأخير، والله أعلم.
باب الانجاس
وهو جمع نجس يطلق على الحقيقي والحكمي والخبث على الحقيقي والحدث على الحكمي.
يطهر البدن (والثوب وغيرهما من النجاسة (بالماء وبمائع مزيل كالخل وماء الورد) ونحوهما مما إذا عصر العصر. وقال محمد وزفر والشافعي: لا يجوز بغير الماء، ولا فرق بين الثوب والبدن، وعن أبي يوسف لا يجوز في البدن بغير الماء. (إلا الدهن) عطف على الخل، أي المائع مثل الخل لا مثل الدهن واللبن.
(و) يطهر (الخف بالدلك) على الأرض على وجه المبالغة (بنجس ذي جرم) أي لو أصاب خفه أو نعله نجس ذو جرم كالروث والعذرة والدم يظهر بالدلك مطلقاً سواء كان رطباً أو يابساً. وقال محمد: لا يجوز الدلك فيهما. وقال أبو حنيفة يجوز إذا كان يابساً، والصحيح. هو الأول. (وإلا) أي وإن لم تكن النجاسة ذات كالبول (يغسل) مطلقاً سواء كان رطباً أو يابساً وسواء كان مخلوطاً بشيء أو لا. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه إذا ألزق به تراب أو رمل وجف طهر بالدلك.
(و) يطهر كل واحد منهما (بمني يابس بالفرك مطلقاً سواء كان على الثوب أو على البدن وسواء كان غليظاً أو رقيقاً. وروي عن محمد أنه إن كان المني غليظاً فجف يطهر بالفرك وإن كان رقيقاً لا يظهر إلا بالغسل، وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا أصاب المني البدن لا يطهر إلا بالغسل والصحيح الأول. (وإلأ) أي وإن لم يكن المني يابساً بأن كان رطباً (يغسل) وقال الشافعي: المني طاهر، (و) يطهر (نحو السيف) كالمرآة والسكين (بالمسح على الأرض ولا فرق بين الرطب واليابس والعذرة والبول وقيل طريقه
أن يمسحه بثوب مبلول، وفي المحيط: السيف والسكين إذا أصابه بول أو دم ذكر في الأصل أنه لا يطهر إلأ بالغسل، وإن أصابه عذرة إن كانت رطبة فكذلك الجواب، وإن كانت يابسة طهرت بالحت عندهما، وعند محمد لا تظهر إلا بالغسل، كذا في شرح النظم.
(و) تطهر الأرض باليبس (وذهاب الأثر) وقال الشافعي وزفر: لا تظهر إلا بالماء وهو القياس (للصلاة) يعني تطهر الأرض النجسة للصلاة بذهاب الأثر (لا للتيمم وعفى عن قدر الدرهم وقدر به آخذاً من موضع الاستنجاء، وقال زفر والشافعي قليل النجاسة ككثيرها كعرض (الكف وطريق معرفته أن يغرف الماء باليد ثم تبسط فما بقي منه فهو مقدار الكف من نجس مغلظ كالدم والبول الخمر وخرء الدجاج وبول ما لا يؤكل لحمه مطلقاً سواء كان بول صغير لم يطعم أو كبير يطعم، (والروث) مطلقاً (والخثي) عند أبي حنيفة وعندهما خفيفة، وزفر فرق بين المأكول وغيره فقال: روث ما لا يؤكل غليظة كبوله وروث ما يؤكل خفيفة كبوله. وذكر في المحيط والإيضاح والذخيرة: أن الأرواث كلها طاهرة عند زفر فكان له روايتين، وعن محمد الروث لا يمنع وإن كان كثيراً فاحشاً رجع إلى هذا القول حين قدم الري، وفي المغني: الأرواث والأخثاء كلها طاهرة خلافاً لزفر ومالك. وقال مشايخنا على قياس رواية محمد طين بخارى لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيراً فاحشاً مع أن التراب مخلوط بالعذرات والروث يختص بذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير، والبعر يختص بذوات الأظفار كالإبل والغنم ونحوهما، والخثي يختص بالبقر وأشباهه.
(و) عفي (ما دون ربع) كل الثوب من نجس (مخفف) خلافاً لزفر والشافعي، ويروى ذلك عن أبي حنيفة وعنه: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر، وقيل: ربع الموضع الذي أصابه كالذيل والدخريص. وقال صاحب التحفة وهو الأصح. وعن أبي يوسف رحمه الله أنه شبر في شبر، أي يكون شبراً طولاً وشبراً عرضاً، كذا في النهاية. كبول ما يؤكل لحمه وبول الفرس وخرء طير لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد كلها طاهرة. وقال شمس الأئمة السرخسي في المبسوط والأصح أن خرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذ لا فرق بين مأكول اللحم وغيره في الخرء، ثم خرء ما يؤكل لحمه من الطيور طاهر فكذا خرء ما لا يؤكل لحمه. وقال غيره: والأصح أنه نجس ولكن الخلاف في المقدار.
(و) عفي (دم السمك) وعن أبي يوسف أنه اعتبر فيه الكثير الفاحش فاعتبره نجساً (و) عفي العاب البغل والحمار وبول انتضح كرؤوس الأبر) يعني عفى عن الأجزاء التي تنتضح على الخف من
البول مطلقاً مثل رؤوس الأبر حتى لا يجب غسلها وتجوز الصلاة معها. قيل: قوله رؤوس الإبر، يدل على أن الجانب الآخر من الأبر يعتبر ولكن ليس كذلك بل لا يعتبر الجانبان وعن أبي يوسف: أنه إن انتضح من بوله شيء يرى أثره لا بد من غسله إن كان أكثر من قدر الدرهم، كذا في شرح النظم.
(والنجس المرئي) عينه يطهر بزوال عينه وأثره إلا ما تشق) إزالة أثره فإنه عفو وإن كان كثيراً. وتفسير المشقة أن يحتاج في إزالة أثره إلى شيء آخر يقلعه سوى الماء كالحرض، والصابون فإن زال العين والأثر بمرة طهر، وقيل يشترط الغسل بعد زوال العين ثلاثاً، وقيل مرتين والصحيح ما ذكرنا. (وغيره) أي غير النجس المرئي عينه وهو الذي لا يرى أثره بعد الجفاف يطهر (بالغسل (ثلاثاً) وقال الشافعي يغسل مرة (والعصر كل مرة) ويبالغ في المرة الثالثة حتى لو عصر بعده لا يسيل منه شيء ويعتبر في كل شخص قوته. وعن أبي يوسف: أن العصر ليس شرط وفي غير رواية الأصول يكتفي بالعصر مرة.
(و) يطهر بتثليث الجفاف فيما لا ينعصر) يعني بغسل ثلاث مرات في شيء لا ينعصر ويجفف في كل مرة بأن ينقطع التقاطر ولا يشترط اليبس فلو موه سكين بماء نجس يموه بالماء الطاهر ثلاثاً بتثليث الجفاف. وقال محمد: لا يطهر أبداً. (وسن الاستنجاء بنحو حجر منق) إشارة إلى أن المقصود هو التنقية فيفعل على أي طريق تحصل المقصود والاستنجاء مسح موضع النجو أو غسله. والمراد بنحو الحجر: المدر والخرقة والرماد والتراب ونحوها.
(وما سن فيه عدد) وقال الشافعي: لا بد من ثلاثة أحجار، وعندنا لا يقدر بالمرات إلا أن يكون موسوساً بكسر الواو فيقدر بالثلاث أو السبع في حقه. وقال الإمام خواهر زاده: العدد عند الشافعي فرض حتى لو تركه لا تجوز صلاته، وإلى هذا أشار في الإيضاح وغسله) أي غسل موضع الاستنجاء بالماء إن أمكنه بلا كشف عورة (أحب) وأفضل، وإلا يترك حتى لا يصير فاسقاً ويغسل إلى أن يقع في قلبه أنه طهر. وقيل الغسل سنة في زماننا (ويجب) أي يفرض الغسل (إن جاوز النجس المخرج ويعتبر القدر المانع للصلاة وهو أكثر من قدر الدرهم (وراء موضع الاستنجاء) قيد به لأن النجاسة لو كانت أقل بحيث لو ضم هذا إلى موضع الاستنجاء يصير أكثر من قدر الدرهم يكفيه الاستنجاء عندهما، وعند محمد يفرض غسله. (لا بعظم) عطف على قوله بنحو حجر منتق، يعني يستنجي بحجر ولا يستنجي بعظم (وروث وطعام ويمين) ولو استنجى في هذه الصور جاز، ويستنجي بيساره سواء كان بالماء أو الحجر فإن كان المستنجي رجلاً يستنجي بأوسط أصابعه لا بجميع الأصابع، وإن كانت امرأة تستنجي برؤوس الأصابع عند بعض المشايخ، وعند البعض هي مثل الرجل، كذا في المحيط.
ولما فرغ من بيان الطهارة والتيمم ونحوهما، شرع في الصلاة، فقال:
كتاب الصلاة
والحق أن يبدأ بها، إلا أن الطهارة شرطها فلهذا قدمت عليها كما مر في أول الطهارة. وهي لغة: الدعاء. وشرعاً الأركان المعهودة المخصوصة. وسبب وجوبها: الوقت لما عرف، والسبب مقدم طبعاً، فلذلك قدمه وضعاً. وشرع أولاً في بيان أوقات الصلاة، فقال:
(وقت) صلاة الفجر من وقت طلوع (الصبح الصادق) وهو البياض المعترض في الأفق، إذ لا عبرة بالكاذب وهو البياض الذي يبدو طولاً ثم يعقبه الظلام فبالكاذب لا يدخل وقت الصلاة ولا يحرم الأكل على الصائم، وإنما قدم وقت الفجر، وإن كان الواجب تقديم وقت الظهر لأنها أول صلاة فرضت لعدم الاختلاف في أوله وآخره بخلاف غيره إلى طلوع الشمس و) وقت صلاة (الظهر من وقت الزوال إلى بلوغ الظل) أي ظل كل شيء مثليه (سوى الفيء) أي فيء الزوال. وقالا وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله: آخره إذا صار ظل كل شيء مثله، وهو قول الشافعي والزوال ظهور زيادة الظل لكل شاخص في جانب المشرق، وقيل: طريقه أن يغرز خشبة في مكان مستو ويجعل لمبلغ الظل علامة فما دام الظل ينقص فهو قبل الزوال، وإن زاد فهو بعد الزوال، وإن لم يزد ولم ينقص فهو وقت الزوال وهو الظل الأصلي. (و) وقت صلاة العصر منه أي من بلوغ الظل مثليه (إلى الغروب) وقال الحسن بن زياد آخر وقت العصر حين تصفر الشمس. وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي: أول وقت العصر من بلوغ الظل مثله، (و) وقت صلاة المغرب منه) أي من غروب الشمس إلى غروب الشفق) وقال الشافعي وقتها مقدر بقدر الوضوء والأذان والإقامة وخمس ركعات وقيل: مقدّر بثلاث ركعات. (وهو البياض) الذي بعد الحمرة، وقالا: وهو قول الشافعي ورواية عن أبي حنيفة: هو الحمرة.
(و) وقت صلاة العشاء والوتر منه أي من غروب الشفق إلى الصبح)، وقال الشافعي: وقت العشاء إلى ثلث الليل وما ذكر في المختصر أول وقت الوتر بعد العشاء قولهما: وما ذكر في المتن قول أبي حنيفة (و) لكن (لا يقدم) الوتر (على العشاء للترتيب كما لا تقدم الوقتية على الفائتة. ومن لم يجد وقتهما) أي العشاء والوتر بأن كان في بلدة إذا غربت الشمس طلع الفجر لم يجبا عليه. وفي فتاوى الظهيرية بلغنا أنه وردت فتوى من بلاد بلغار بأن الفجر يطلع فيها قبل غيبوبة الشفق في أقصر ليالي السنة على شمس الأئمة الحلواني، فكتب عليكم وجوب قضاء العشاء ثم ورد بخوارزم على الشيخ الكبير سيف الدين
البقالي فأفتى بعدم الوجوب فبلغ جوابه الحلواني فأرسل من يسأله في عامته بجامع خوارزم ما تقول فيمن أسقط من الصلوات الخمس واحدة هل يكفر؟ فأحس به الشيخ فقال: ما تقول فيمن قطعت يداه من المرفقين أو رجلاه من الكعبين، فكم فرائض وضوئه؟ فقال: ثلاث لفوات محل الرابع فقال: فكذلك الصلاة الخامسة. فبلغ الحلواني جوابه فاستحسنه ووافقه فيه.
وندب تأخير) صلاة الفجر) مطلقاً أي في الأزمنة كلها إلأ صبيحة يوم النحر للحاج بالمزدلفة فإن هناك التغليس أفضل بحيث يقدر على الصلاة بقراءة مسنونة وترتيل وإعادتها وإعادة الوضوء قبل طلوع الشمس لو ظهر سهو وفساد، وقال الشافعي: يستحب التعجيل في كل صلاة. (و) ندب (تأخير صلاة ظهر الصيف والعصر) مطلقاً أي في كل زمان ما لم تتغير الشمس والعبرة بتغير القرص عن أبي حنيفة وأبي يوسف لا بتغير الضوء كما قال النخعي والحاكم الشهيد، والتأخير إلى تغير الشمس يكره، أما الأداء فغير مكروه، وقيل الأداء مكروه أيضاً. (و) ندب تأخير (العشاء إلى الثلث والتأخير إلى نصف الليل مباح وإلى النصف الأخير بلا عذر مكروه، وتأخير العصر والعشاء إذا لم يكن في الجو غيم، وإن كان فيه غيم يعجل في الأصح ولغيرهما يؤخر كما سيأتي، ومن أراد حفظ هذا فليحفظ هذا النظم:
ما فيه عين يوم عين عجلت ... للغير فيه الفضل للإرجاء
(و) ندب تأخير (الوتر إلى آخر الليل لمن يثق أي يعتمد (بالانتباه) وإن لم يثق به أوتر قبل النوم (و) ندب (تعجيل ظهر الشتاء والمغرب) مطلقاً أي في كل وقت (و) ندب تعجيل ما فيها عين يوم (غين كالعصر والعشاء، وعن أبي حنيفة أنه يؤخر يوم الغيم ويؤخر غيره فيه) أي يستحب تأخير ما لا عين فيه كالفجر والظهر والمغرب في يوم الغيم ومنع عن الصلاة وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة عند الطلوع والاستواء والغروب إلا عصر يومه أي منع عن الصلاة مطلقاً. وعند أبي يوسف يجوز النفل وقت الزوال يوم الجمعة بلا كراهة وفي الكافي: اعلم أن التطوع في هذه الأوقات يجوز ويكره، ولا يجوز قضاء الفرض والواجب الفائت كسجدة تلاوة وجبت بتلاوة في وقت غير مكروه وكوتر فالمنع يتناول الكراهة وعدم الجواز. وقال الشافعي: تجوز الفرائض في هذه الأوقات والنوافل بمكة، أما لو تلا آية سجدة فيها وسجدها أو حضرت جنازة في هذه الأوقات وصلاها تجوز مع الكراهة. (و) منع (عن التنفل بعد صلاة الفجر والعصر مطلقاً، وقال الشافعي: التنفل بعد الفجر والعصر إذا كان له سبب جائز بلا كراهة وأراد به ركعتي الطواف وتحية المسجد والسنن المؤقتة والمنذورة أما ابتداء النفل فعنده أيضاً مكروه (لا) أي لا يمنع عن قضاء فائتة بعد صلاة الفجر والعصر (و) لا عن (سجدة تلاوة و لا عن (صلاة جنازة و منع
عن الصلاة) بعد طلوع الفجر الصادق (بأكثر من سنة الفجر) وقضاء الفوائت (و) منع قبل صلاة المغرب بعد الغروب عن التنفل. وقال الشافعي: يأتي بالسنة وتحية المسجد (و) منع (عن الصلاة وقت الخطبة) مطلقاً سواء كانت سنة أو نفلاً وقال الشافعي: سنة الجمعة وتحية المسجد تصلى. (و) منع (عن الجمع بين صلاتين في وقت بعذر إلا في عرفة ومزدلفة. وقال الشافعي: يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر السفر والمطر وفي النوازل يجوز للمسافر الجمع بين ملاتين بأن يؤخر الأولى ويعجل الثانية.
باب الأذان
هو في اللغة الإعلام وفي الشرع: هو الإعلام على الوجه المخصوص. ولما كان الأذان موقوفاً على تحقق الوقت أخره عنه. (سن للفرائض) بتربيع التكبير في شروعه بلا ترجيع ولحن) لحن في قراءته تلحيناً: أطرب فيها وترنم مأخوذ من ألحان الأغاني، كذا في المغرب.
اعلم أن الأذان سنة مؤكدة وهو الصحيح وقيل إنه واجب. وقال الشافعي ومالك فيه ترجيع والترجيع أن يخفض صوته بالشهادتين ثم يرجع فيرفع بهما صوته (ويزيد) المؤذن بعد فلاح أذان الفجر الصلاة خير من النوم، مرتين) وخص الفجر به لأنه يؤدى في حال نوم الناس وغفلتهم، فخفص بزيادة الإعلام كما خص بالتطويل بالقراءة لثلا تفوتهم الجماعة والإقامة مثله) أي مثل الأذان مثنى مثنى، وقال الشافعي فرادي فرادى ويزيد) المؤذن بعد فلاحها أي فلاح الإقامة قد قامت الصلاة مرتين ويرسل فيه أي يفصل في الأذان بين كلماته ويحدر فيها) أي يوصل المؤذن في الإقامة بين كلماتها على سبيل السرعة وهما مندوبان حتى لو ترسل فيهما أو حدر في الأذان وترسل في الإقامة جاز لحصول المقصود وهو الإعلام.
(ويستقبل بهما القبلة) ولو ترك الاستقبال جاز، وكره (ولا يتكلم المؤذن (فيهما ويلتفت يميناً وشمالاً) مع ثبات قدميه مكانه (بالصلاة والفلاح) أي يلتفت يميناً عند: حي على الصلاة، وشمالاً عند: حي على الفلاح. هذا في الأذان لا في الإقامة قوله: حي على الصلاة أي عجل إليها، وفي المغرب: حي من أسماء الأفعال، ومنه: حي على الفلاح، أي: هلم وعجل إلى الفوز.
(ويستدير) المؤذن (في صومعته الصومعة بيت الراهب مأخوذ من قولهم: رجل أصمع أي لاصق الأذنين وكل ما هو منضم فهو متصمع، سمي بيت الراهب بها لانضمام أطرافها ودقة رأسها وأراد بها بيت الأذان ها هنا، وهذه الاستدارة إذا لم يستطع سنة الصلاة والفلاح وهو تحويل الوجه يميناً وشمالاً مع ثبات قدميه مكانه كما هو السنة بأن كانت الصومعة متسعة، فأما من غير حاجة فلا يفعل ذلك.
(ويجعل) المؤذن حال الأذان إصبعيه في صماخي (أذنيه) فإن لم يفعل فحسن، فإن قيل: ترك السنة كيف يكون حسناً، قلنا لأن الأذان معه أحسن فإذا تركه بقي الأذان حسناً، (ويثوب) المؤذن مطلقاً، أي في. جميع الصلاة، التثويب: العود إلى الإعلام بعد الإعلام وهو أربعة: قديم وهو الصلاة خير من النوم، وكان بعد أذان الفجر إلا أن علماء الكوفة الحقوه بالأذان، ومحدث أحدثه علماء الكوفة بين الأذان والإقامة حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين، وتثويب كل بلد على ما تعارفوا به إما بالتنحنح أو بالصلاة الصلاة، أو قامت قامت، وما استحسنه المتأخرون وهو التثويب في سائر الصلوات لزيادة غفلة الناس، وما أحدثه أبو يوسف للأمير بأن يقول: السلام عليك أيها الأمير حي على الصلاة حي على الصلاة الفلاح يرحمك الله، وكذلك كل من يشتغل بمصالح المسلمين كالمفتي والقاضي يختص بنوع إعلام وكرهه محمد وقال: أفاً لأبي يوسف حيث خص الأمراء بالتثويب. وقال الشافعي: لا يثوب المؤذن.
(ويجلس) المؤذن في جميع الصلاة بينهما إلا في) صلاة (المغرب) فإنه يكتفي بالفصل بالسكتة وهو مقدار ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، أو ثلاث خطوات. وقالا يجلس في المغرب جلسة خفيفة وهو مقدار ما يجلس الخطيب بين الخطبتين (ويؤذن للفائتة) مطلقاً، أي كلها (ويقيم) وقال مالك والشافعي: يكتفي بالإقامة (وكذا) يؤذن ويقيم (الأولى الفوائت وخير فيه أي في الأذان للباقي ولزمه الإقامة (للباقي)، وقال مالك: يكتفى بالإقامة الواحدة، وعن محمد يقام لما بعدها. ولا يؤذن قبل وقت) مطلقاً، أي في الجميع. وقال أبو يوسف والشافعي: يجوز للفجر في النصف الأخير من الليل (و) إن أذن قبله (يعاد فيه).
(وكره أذان الجنب باتفاق الروايات (و) أذان المُحدث) في رواية ولا يكره في ظاهر الرواية (و) كره (إقامته وإقامة المحدث ويروى أن إقامته لا تكره أيضاً (و) کره ا ره أذان المرأة والفاسق والقاعد والسكران (لا أي لا يكره أذان العبد وولد الزنا والأعمى والأعرابي، وكره تركهما للمسافر مطلقاً (لا) أي لا يكره تركهما (لمصل في بيته في المصر) مطلقاً. وقال مالك: إذا صلى وحده في الصحراء أو في بيته لا يؤذن ولا يقيم لأنهما من شعائر الجماعة فلا تقام بدونهما. وإنما قيد بالمصر لأن الغالب فيه أن يكون له مسجد حي وأذانه وإقامته تكفيه فلا يكره تركهما، وإن كان مما ليس له مسجد حي كان بمنزلة المفازة. وندبا لهما أي الأذان والإقامة للمسافر والمصلي في بيته خلافاً لمالك (لا) للنساء) أي لا يندب للنساء الأذان والإقامة.
باب شروط الصلاة
الشرط هو ما يتوقف عليه الشيء وليس منه، كالطهارة للصلاة.
(هي طهارة بدنه من حدث) وهو النجاسة الحكمية. قيل: قدم الحدث على الخبث لأن قليله غير معفو عنه بخلاف الخبث وفيه نظر لأن في الجبيرة يجوز ترك المسح. مطلقاً. عند أبي حنيفة مع أن تحتها حدثاً. ابل إنما قدم عليه لكونه أكثر وقوعاً من الخبث (و) من (خبث) وهو النجاسة الحقيقية، قيل: قدمت الطهارة على سائر الشروط لأنها أهم من غيرها إذ لا تسقط بعذر ما بخلاف غيرها. وقيل: فيه نظر لأن مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة يصلي بغير طهارة وبغير تيمم ولا يعيد أصلاً، اللهم إلا أن يراد من قوله: لا تسقط بعذر ما، أي بعذر ما غالباً. (و) طهارة ثوبه ومكانه) أي مكان المصلي، أما إذا كان موضع قدميه وركبتيه طاهراً و موضع جبهته وأنفه نجساً فعن أبي حنيفة: أنه يسجد على أنفه وتجوز صلاته خلافاً لهما، وإن كان موضع أنفه نجساً وسائر المواضع طاهراً جاز بلا خلاف ولا يشترط طهارة مكان يديه خلافاً لزفر والشافعي. أما طهارة مكان ركبتيه شرط في ظاهر الأصول وإذا كان موضع إحدى القدمين نجساً لا يجوز وإن كان تحت كل قدم أقل من قدر الدرهم ولو جمع بصير أكثر من قدر الدرهم لا يجوز. وقال الطحاوي: هذا في الأرض وأما في البساط قيل كذلك وبه أخذ الفقيه أبو جعفر، وهو المختار وعليه الفتوى.
(وستر عورته) وهي ما تحت سرته إلى (ما تحت ركبته) فالسرة عندنا ليست بعورة والركبة عورة وقال الشافعي بالعكس، وروي عنه الخلاف في السرة دون الركبة. (وبدن) المرأة الحرة) كلها عورة (إلا وجهها وكفيها وقدميها)، وروي أن قدميها عورة، وفي الهداية يروى أنهما ليستا بعورة وهو الأصح.
وكشف ربع ساقها يمنع جواز الصلاة. وقال أبو يوسف: إن كان المكشوف أكثر من النصف لم تجز صلاتها وإن كان أقل من النصف جازت الصلاة خلافاً للشافعي فإن عنده قليله وكثيره سواء، وفي النصف عنده روايتان في رواية يمنع، وفي رواية لا يمنع.
(وكذا الشعر والبطن والفخذ والعورة الغليظة) أي حكمها حكم الساق في أن انکشاف ربعه مانع عندهما، وعند أبي يوسف انكشاف النصف مانع في رواية، كما بينا. والمراد بالشعر الشعر النازل من الرأس وفي رواية ليس بعورة والشعر الذي يواري الرأس عورة إجماعاً. وذكر الكرخي أنه يعتبر في السوأتين قدر الدرهم وفيما عداهما الربع والمراد بالعورة الغليظة الدبر والفرج والذكر والأنثيان، وقيل الخصيتان يتبعان الذكر، فيعتبر الكل عضواً واحداً والصحيح أنه يعتبر كل واحد عضواً على حدته.
(والأمة كالرجل أي عورة الأمة كعورة الرجل (و) لكن (ظهرها وبطنها عورة) أيضاً وما سوى ذلك ليس بعورة (ولو وجد المصلي ثوباً ربعه طاهر وصلى عارياً لم تجز) صلاته (وخير إن طهر أقل من ربعه بين أن يصلي عارياً قاعداً بإيماء وبين أن يصلي فيه قائماً بركوع وسجود والعريان أفضل وقال زفر ومحمد: لزمه أن يصلي فيه بركوع وسجود وأما إذا كان كله نجساً فكذلك الحكم. ولو عدم ثوباً صلى قاعداً مومياً بركوع وسجود وهو) أي القعود أفضل من القيام بركوع وسجود) وقال زفر والشافعي: القيام بركوع وسجود أفضل.
(والنية بلا فاصل بين النية والتحريمة بعمل يمنع الاتصال، والنية المتقدمة على التكبير كالقائمة عنده إذا لم يوجد ما يقطعه وهو عمل لا يليق بالصلاة، وعن محمد أن من توضأ يريد به صلاة الوقت وعزبت عنه النيَّة عند الشروع جازت صلاته، وفي الرفايات من يخرج من منزله يريد به الصلاة التي كان القوم فيها فلما انتهى إليهم كبر ولم تحضره النية فهو داخل مع القوم بخلاف ما لو اشتغل بعمل ليس من جنس الصلاة. ولا تعتبر النية المتأخرة عن التكبير في ظاهر الرواية. وقال الكرخي: تصح ما دام في الثناء وقيل: تصح إذا تقدمت على الركوع، وقيل: إلى أن يرفع رأسه من الركوع والنية إرادة الدخول في الصلاة.
(والشرط أن يعلم المصلي بقلبه (أي صلاة يصلي وأدناه ما لو سئل لأمكنه أن يجيب على البديهة وإن لم يقدر على أن يجيب إلا بالتأمل لم تجز صلاته ولا عبرة للذكر باللسان حتى لو قصد أداء الظهر وجرى على لسانه العصر يكون شارعاً في الظهر لا في العصر، فإن جمع بينهما فهو حسن وقال الشافعي: لا بد من الذكر باللسان (ويكفيه مطلق النية للنفل والسنة والتراويح عند الجمهور، وفي المغني في التراويح لا يكفيه مطلق النية ولا نية التطوع عند بعض المتأخرين بل يشترط نية التراويح أو نية سنة الوقت أو نية قيام الليل في الشهر، وكذلك في سائر السنن لا يكفي نية التطوع أو نيَّة مطلق الصلاة عند بعض المتقدمين وهو قول
الشافعي.
(وللفرض شرط تعيينه) أي تعيين أنه فرض كالعصر مثلا) ولو نوى فرض الوقت يجوز إلا في الجمعة للاختلاف في فرض الوقت، ولا يشترط نية أعداد الركعات (والمقتدي) مطلقاً أي في الفرض والنفل ينوي المتابعة أيضاً) أي ينوي الصلاة ومتابعة إمامه أيضاً.
(وللجنازة ينوي الصلاة لله تعالى والدعاء للميت) بأن يقول: اللهم إني أريد أن أصلي لك وأدعو
لهذا الميت فيسره لي وتقبله مني، كذا في مبسوط صدر الإسلام. واستقبال القبلة لغير الخائف عطف على قوله والنيَّة (فللمكي فرضه إصابة عينها إجماعاً لتفسير قوله: واستقبال القبلة حتى لو صلى مكي في بيته في مكة ينبغي أن يصلي بحيث لو أُزيل الجدار أن يقع استقباله على شطر الكعبة (ولغيره) أي لغير المكي فرضه (إصابة جهتها في الصحيح لأنه ليس في وسعه إلا هذا والتكليف الوسع وقال الجرجاني: فرض الغائب عنها إصابة عينها وفائدة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة فعنده تشترط وعند غيره لا.
(والخائف) مطلقاً سواء كان من. عدو أو سبع أو مرض ولا يجد من يحوله إلى القبلة، أو كان على خشبة في البحر يصلي) إلى أي جهة قدر، ومن اشتبهت عليه القبلة (تحرى أي من عجز عن استقبال القبلة ولم يكن عنده من يسأله بانطماس الأعلام وتراكم الظلام وتضام الغمام لزمه التحري، وهو بذل المجهود في نيل المقصود، هذا إذا اشتبهت في مفازة أو في مسجد محلة أخرى ولا محراب له، أما إذا اشتبهت عليه في بيته فلا يتحرى، فإن أخطأ لم يعد مطلقاً سواء كان استقبل أو استدبر وقال الشافعي يعيد إن استدبر، فإن علم به) أي بالخطأ في صلاته استدار إلى القبلة وأتم صلاته، وكذا لو تحول رأيه إلى جهة أخرى توجه إليها (ولو تحرى قوم جهات وجهلوا حال إمامهم (تجزيهم أي تكفيهم تلك الصلاة صورته رجل أم قوماً في ليلة مظلمة فتحرى وصلى إلى المشرق وتحرى من خلفه وصلى كل واحد منهم إلى جهة وكلهم خلف الإمام ولا يعلمون ما صنع الإمام، تجوز صلاة الكل وهذه المخالفة غير مانعة لصحة الاقتداء كما في جوف الكعبة فإنه لو جعل بعض القوم ظهره إلى ظهر الإمام جاز وإنما قيد بقوله: وجهلوا، لأن من علم منهم حال إمامه لم تجز صلاته وإنما قيدنا بكلهم خلف الإمام لأن من تقدم منهم على إمامه فسدت صلاته.
ولما فرغ من الشروط شرع في الأركان، فقال:
باب صفة الصلاة
الوصف والصفة مصدران كالوعد والعدة والمتكلمون فرقوا بينهما، فقالوا: الوصف يقوم بالواصف والصفة بالموصوف.
(فرضها التحريمة) التحريم جعل الشيء محرماً، وخصت التكبيرة الأولى بها لأنها تحرم الأشياء المباحة قبل الشروع بخلاف سائر التكبيرات والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعود الأخير قدر التشهد وقال مالك: القعدة الأخيرة ليست بفرض، قيل: القدر المفروض من القعدة قدر ما يأتي فيه بالشهادتين. والأصح أن المفروض قدر ما يتمكن فيه من قراءة التشهد إلى قوله عبده ورسوله.
(والخروج) من الصلاة (بصنعه) فريضة أي بفعله مطلقاً سواء كان بلفظ السلام أو غيره، وعند الشافعي بلفظ السلام، فرض وعندهما ليس الخروج بصنعه فريضة. (وواجبها قراءة الفاتحة وعند مالك والشافعي هي فرض، وفي رواية عن محمد: أن قراءة الفاتحة فريضة. وضم سورة مع الفاتحة، وقال مالك فرض، وقال الشافعي مستحب، (و) واجبها (تعيين القراءة في الأوليين ورعاية الترتيب في فعل (مكرر) في ركعة واحدة كسجدة حتى لو ترك السجدة الثانية وقام إلى الركعة الثانية لا تفسد صلاته وعليه أن يسجد السجدة المتروكة ويسجد للسهو. أما ترتيب القيام على الركوع وترتيب الركوع على السجود ففرض وقال زفر والشافعي: الترتيب فريضة (و) واجبها (تعديل الأركان والمراد بتعديل أركان الصلاة تسكين الجوارح في الركوع والسجود والقومة بينهما والقعدة بين السجدتين، كذا في المغرب. وقال أبو يوسف والشافعي: أنه فرض.
(والقعود الأول) مطلقاً سواء كان في الرباعية أو الثلاثية أو الفرض أو النفل وعند محمد وزفر والشافعي أن القعدة الأولى في الرباعي من النفل فرض (و) واجبها قراءة (التشهد) مطلقاً سواء كان في القعدة الأولى أو في الثانية. وقال الشافعي: قراءة التشهد في الثانية فرض وفي المحيط التشهد في القعدتين واجب، وذكر في الهداية وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة واجب وهذا القيد يؤذن أن قراءة التشهد في القعدة الأولى ليست بواجبة إذ التخصيص بالذكر في الروايات يدل على نفي ما عداه وذكر في باب سجود السهو ثم ذكر التشهد يحتمل القعدة الأولى والثانية والقراءة فيهما وكل ذلك واجب وهو تصريح بأنه واجب وفيه اختلاف، فظاهر الرواية أنه واجب والقياس أن يكون سنة، وهو اختيار البعض، فكان صاحب الهداية مال هنا إلى هذا القول وفي باب سجود السهو إلى القول الأول.
(و) واجبها (لفظ السلام) وعند الشافعي فرض (و) واجبها (قنوت الوتر) مطلقاً سواء كان في رمضان أو غيره، وسواء في النصف الأول أو الأخير. وعند الشافعي في النصف الأخير من رمضان واجب (و) واجبها (تكبيرات) صلاة (العيدين) وقيل: قنوت الوتر وتكبيرات العيدين سنة كذا في المحيط (و) واجبها (الجهر والإسرار)، وقيل: هما سنتان كذا في الحواشي (فيما يجهر ويسر) فيه لف ونشر الأول للأول والثاني للثاني وسنتها رفع اليدين للتحريمة ونشر أصابعه وجهر الإمام بالتكبير والثناء أي قراءته وهو سبحانك اللهم إلى آخره، والتعوذ والتسمية والتأمين سراً) متعلق بكل واحد من الأربعة، أي كل واحد من الأربعة يكون سراً مطلقاً سواء كان في الفرض أو النفل وسواء كان إماماً أو مقتدياً أو منفرداً، وسواء كانت جهرية أو غير جهرية وقال مالك: يبدأ الإمام بالفاتحة بلا ثناء وتعوذ ولا يقول
التأمين أيضاً وهو رواية عن أبي حنيفة وقال مالك: التسمية ليست بسنة. وقال الشافعي: يجهر بالتسمية والتأمين في الجهرية.
(و) سنتها (وضع يمينه على يساره تحت سرته وعند مالك يرسل يديه إرسالاً وإن شاء اعتمد فالإرسال عنده عزيمة والوضع رخصة وعند الشافعي يضع على صدره. وكيفية الوضع أن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ، (و) سنتها تكبير الركوع) وقيل واجب كذا في الحواشي، والرفع منه) أي رفع الرأس من الركوع وعند الشافعي فرض، وفي رواية عن أبي حنيفة رفع الرأس من الركوع والسجود فرض وهو قول محمد، والتسميع والتحميد عند الرفع منه (و) سنتها (تسبيحه) أي تسبيح الركوع (ثلاثاً) والتسبيح فيه أن يقول سبحان ربي العظيم. وقال أبو مطيع: تسبيح الركوع والسجود واجب. وقال مالك: لا تسبيح في الركوع أصلاً.
(و) سنتها (أخذ ركبتيه بيديه وتفريج أصابعه وتكبير السجود وتسبيحه) أي تسبيح السجود (ثلاثاً) والتسابيح فيه أن يقول: سبحان ربي الأعلى. وقال مالك: أنه فرض، (و) سنتها (وضع يديه وركبتيه على الأرض. وقال زفر والشافعي: السجود فرض على الأعضاء السبعة وهي الوجه واليدان والركبتان والقدمان. (و) سنتها افتراش رجله اليسرى مطلقاً سواء كان في القعدة الأولى أو الأخرى. وقال مالك: التورك في القعدتين سنة. وقال الشافعي: يفترش في الأولى ويتورك في الثانية. (و) سنتها (نصب) أي نصب رجله اليمنى) مطلقاً، أي في كل من قعدتي الصلاة خلافاً لمالك والشافعي (و) سنتها (القومة) بين الركوع والسجود. (والجلسة) بين السجدتين، وعن أبي يوسف والشافعي هما فرضان وفي رواية الكرخي هما واجبان، (و) سنتها (الصلاة على النبي عليه السلام في القعدة الأخيرة، وعند الشافعي فرض (و) سنتها (الدعاء) إذا فرغ من التشهد للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه ولوالديه إن كانا مسلمين والمراد بالدعاء الدعاء الذي يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة أي المنقولة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، كما سيجيء في المتن. وفسروه بما لا يستحيل سؤله من الناس نحو أعطني كذا، وزوجني امرأة. ولو قال: اللهم ارزقني فلانة فالأصح أنها تفسد وعند الشافعي ومالك: كل ما ساغ الدعاء به خارج الصلاة لا يفسد الصلاة نحو أن يقول: اللهم زوجني فلانة، أو نحو ذلك.
ولما فرغ من الفرائض والواجبات والسنن شرع في الآداب حيث قال:
(وآدابها نظره إلى موضع سجوده) في حالة القيام أما في حال الركوع فإلى ظهر قدميه، وفي السجود
إلى أرنبة أنفه، وفي القعدة إلى حجره، ولو لم يفعل لا يأثم. هذا في المكتوبة، وأما في التطوع فالأمر أسهل. (وكظم فمه) أي يأخذ شفته السفلى بأسنانه (عند التثاؤب) وإن تعذر غطاه بيمينه فيضع ظهر الكف على الفم (وإخراج كفيه من كميه عند التكبير الأول، هذا في حق الرجال، أما في حق المرأة فتجعل يديها في كميها (و) آدابها (دفع السعال ما استطاع والقيام) إلى الصلاة (حين قيل) في الإقامة حي على الفلاح) وقال: زفر حين قيل: قد قامت الصلاة (وشروع الإمام مذ قيل: قد قامت الصلاة في المرة الأولى، وقال زفر في المرة الثانية، وقال أبو يوسف: شروع الإمام إذا فرغ المؤذن من الإقامة. وقال مالك: يشرع الإمام إذا أقيمت.
فصل
هو مصدر يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل كرجل، عدل أي فاصل بين ما ذكر قبله وبعده. ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول والمعنى هذا مفصول عما قبله، فإن ذكرت بعده في يرفع وينون على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا فصل وإن لم تذكر سكن آخره لأنك إذا وقفت على كلمة سكنت آخرها.
(وإذا أراد) المصلي (الدخول في الصلاة كبر ورفع يديه حذاء أذنيه) وقال الشافعي: حذاء منكبيه، وقال مالك: حذاء رأسه، ولو شرع المصلي بالتسبيح أو التهليل (التسبيح أن يقول: سبحان الله، والتهليل أن يقول: لا إله إلا الله، أو بالفارسية (صح) مطلقاً سواء كان يحسن التكبير أو لا. وعن أبي يوسف أنه قال: إن كان يُحسن التكبير ويعرف أن الشروع يفتتح به شارعاً إلا بقوله: الله أكبر أو يصير الله الأكبر، أو الله الكبير أو الله كبير. وعند الشافعي: لا يصير شارعاً إلا بالله أكبر، أو بالله الأكبر، وعند مالك: لا يصير شارعاً إلا بالله أكبر. قوله: أو بالفارسية، أي: لو شرع بالفارسية بأن يقول: خداي أو بنام خداي برزك، صح مطلقاً سواء كان يحسن العربية أو لا، وعندهما لا يصح إلا أن لا يحسن العربية. كما لو قرأ بها عاجزاً) أي صح الشروع بالتسبيح أو بالتهليل أو بالفارسية كما يصح لو قرأ بالفارسية حال كونه عاجزاً عن العربية. وروي عن أبي حنيفة: يجوز بلا عجز أيضاً. وقال الشافعي: لا تجوز القراءة بالفارسية أصلاً لكنه إن كان لا يحسن العربية فهو أمي يصلي بغير قراءة حتى لو قرأ بالفارسية تفسد عنده، كذا في المبسوط. (أو ذبح وسمى بها) أي بالفارسية صح (لا) باللهم اغفر لي) أي لا يصح الشروع في الصلاة بهذا القول (وموضع) عطف محلي على قوله: كبر ورفع (يمينه على يساره تحت سرته. ا خلافاً للشافعي (مستفتحاً) حال من المستكن في وضع أي قائلاً: سبحانك اللهم إلخ، وإنما سمي هذا الدعاء به لأنه يستفتح به الأركان وعند مالك يرسل يديه في جميع الصلاة. ثم أنه سنة قيام فيه ذكر مسنون طويل عندهما وعند
محمد سنة قيام فيه قراءة فيعتمد عندهما في حالة الثناء والقنوت وصلاة الجنازة، وعند محمد يرسل فيها ويرسل في القومة التي بين الركوع والسجود، وبين تكبيرات العيدين اتفاقاً.
(وتعوذ سراً) مطلقاً سواء كان إماماً أو منفرداً، وقال مالك: لا يأتي الإمام بالتعوذ (للقراءة) أي التعوذ تبع للقراءة، وعند أبي يوسف تبع للثناء (فيأتي به المسبوق لا المقتدي وعند أبي يوسف بالعكس (ويؤخر) الإمام (التعوذ عن تكبيرات العيدين) وعند أبي يوسف يأتي به قبل تكبيرات العيدين. (وسمي سراً في) أول (كل ركعة) فحسب مطلقاً خلافاً للشافعي فإن عنده يجهر فيما يجهر وعن أبي حنيفة يسمي في أول الصلاة وقال محمد يسمي بين الفاتحة والسورة في كل ركعة إذا كان يخفي بالقراءة. وقال مالك: لا يأتي الإمام بالتسمية أيضاً.
(وهي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور ليست من الفاتحة ولا من كل سورة) وقال الشافعي: هي آية تامة من الفاتحة ومن أول كل سورة (وقرأ الفاتحة وسورة) أي قرأ الفاتحة مع السورة (أو) ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، وقال مالك: لا تجوز الصلاة بدون قراءة الفاتحة وسورة معها، وأمن الإمام) أي يقول آمين بالمد والقصر وبالتخفيف والمأموم سراً خلافاً لمالك والشافعي وهي رواية عن أبي حنيفة كما مر. (وكبر) المصلي للركوع بلا) (مد) أي بلا إشباع حركة الهمزة المفرط والمد الفاحش سواء كان في قول الله أو في همزة أكبر لأنه مبطل (وركع ووضع يديه على ركبتيه وفرج في الركوع أصابعه وبسط ظهره) حتى لو وضع على ظهره قدح لاستقر (وسوى رأسه بعجزه) يعني لا ينكسه ولا يرفعه وسبح فيه) أي في الركوع (ثلاثاً) مطلقاً سواء كان إماماً أو غيره، وقال مالك: لا يسبح فيه أصلاً. وقال سفيان الثوري: ينبغي للإمام أن يقول خمساً.
ثم رفع رأسه واكتفى الإمام عند رفع الرأس من الركوع (بالتسميع) أي بأن يقول: سمع الله لمن حمده فحسب ولا يقول ربنا لك الحمد، وقالا يقوله الإمام سراً، (و) اكتفى (المؤتم) أي المقتدي (بالتحميد) وصفة التحميد: ربنا لك الحمد، أو ربنا ولك الحمد، أو اللهم ربنا لك الحمد، أو اللهم ربنا ولك الحمد، وهو الأحسن. وقال الشافعي: يأتي بالتسميع أيضاً (و) اكتفى المنفرد بهما) وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يأتي بالتسميع لا غير، والصحيح من مذهبه أنه يأتي بالتحميد لا غير ذكره في المحيط. (ثم كبر) للسجود (ووضع ركبتيه) على الأرض ثم يديه ثم وجهه بين كفيه بعكس النهوض يعني إذا أراد النهوض يرفع وجهه أولاً ثم يديه ويضعهما على ركبتيه ثم ينهض على صدره وقدميه وفيه إشارة إلى أنه لا يعتمد بيديه على الأرض عندنا كما صرح به فيما بعد. وقال مالك: إن شاء وضع يديه أولاً ثم ركبتيه،
وإن شاء عكس. وسجد) بأنفه وجبهته وكره بأحدهما مطلقاً سواء كان بعذر أو لا، وقالا: لا يجوز الاكتفاء على الأنف إلا بعذر فحينئذ يجوز بلا كراهة، وهو رواية عن أبي حنيفة وقالا إن سجد على الجبهة دون الأنف جاز وبالعكس لا، أو بكور (عمامته أو فاضل ثوبه، وقال الشافعي: لا يجوز بكور عمامته، (وأبدى ضيعيه) أي أظهر عضديه في السجود (وجافي) أي أبعد (بطنه عن فخذيه) في السجود ووجه أصابع رجليه نحو القبلة وسبح فيه ثلاثاً مطلقاً، وقيل: ينبغي للإمام أن يقول خمساً.
(والمرأة تنخفض وتلزق بطنها بفخذيها) في السجود (ثم رفع رأسه) من السجود حال كونه (مكبراً قيل: مقدار الرفع أنه إذا كان إلى السجود أقرب لم يجز، وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز وقيل: إذا زايلت جبهته الأرض بحيث يجري الريح بين جبهته وبين الأرض ثم أعادها جاز عن السجدتين، (وجلس) بين السجدتين مطمئناً وكبر للسجدة الثانية وسجد) مطمئناً وكبر للنهوض) أي للقيام (بلا اعتماد) بيديه على الأرض (و) بلا (قعود) عند رفع الرأس من الثانية إلى القيام. وقال الشافعي: يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض معتمداً بيديه عليها (والثانية كالأولى) أي الركعة الثانية كالركعة الأولى فيفعل فيها مثل ما فعل في الأولى (إلا أنه) أي المصلي فيها (لا يثني) أي لا يقول سبحانك اللهم إلخ، ولا يتعوذ ولا يرفع يديه إلا في سبع مواطن عند افتتاح الصلاة وقنوت الوتر وتكبيرات العيدين، وعند استلام الحجر، وعند الصفا والمروة وعند الموقفين وعند الجمرتين، أي الأولى والوسطى.
ولما كان فيه تطويل ضبطه المصنف في (فقعس صمعج) وأراد بالفاء تكبيرة الافتتاح، والقاف القنوت والعين العيدين والسين استلام الحجر الأسود، والصاد الصفاء والميم المروة والعين الثاني، عرفات والجيم الجمرتين. وقد نظمها الشاعر بقوله:
ارفع يديك لدى التكبير مفتتحاً ... وقانتاً وبه العيدان قد وصفا
وفي الوقوفين ثم الجمرتين معاً ... وفي استلام كذا في مروة وصفا
وقال الشافعي: يرفع يديه أيضاً عند الركوع وعند الرفع منه.
(فإذا فرغ من سجدتي الركعة الثانية افترش رجله اليسرى وجلس عليها ونصب يمناه) وعند مالك: يتورك، ووجه أصابعه نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وهي أي المرأة (تتورك، وقرأ المصلي (تشهد ابن مسعود) وهو أن يقول: التحيات الله، والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله. وقال الشافعي السنة تشهد ابن عباس وهو أن يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات الله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين إلى آخره، كذا في الكافي.
وفيما بعد الركعتين الأوليين اكتفى بالفاتحة) مع غنية له عن قراءتها، يعني حتى لو سكت أو سبح مكانها جاز خلافاً للشافعي هذا عندنا في الفرائض. أما في النوافل فضم السورة واجب كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وعن أبي حنيفة إن قراءة الفاتحة في الأخريين واجبة حتى لو تركها عمداً كان مسيئاً وإن كان ساهياً يسجد للسهو.
(اولقعود الثاني) في الصلاة (كالأول) يعني أنه كما يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب يمناه في القعدة الأولى فكذا في الثانية. وقال مالك: يتورك في القعدتين. وقال الشافعي: يفترش في الأولى ويتورك في الثانية. (وتشهد) في القعدة الثانية وهو واجب عندنا وعند الشافعي فرض، وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام في القعدة الثانية وهي سنة عندنا وعند الشافعي فرض (ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن والسنة) نحو: اللهم اغفر لي ولوالدي خلافاً للشافعي كما مر، (لا كلام الناس) أي لا يدعو بما يشبه كلام الناس وسلّم) مع الإمام) وعندهما بعده، وهو رواية عن أبي حنيفة (كالتحريمة) أي كما يكبر التكبيرة الأولى مع الإمام وعندهما يكبر بعده (عن يمينه) أي سلم عن يمينه ويساره) حال كونه (ناوياً القوم والحفظة) وقال مالك: يسلم تسليمة واحدة لقاء وجهه (و) ناوياً (الإمام في الجانب الأيمن) إن كان في الجانب الأيمن أو الأيسر إن كان في الجانب الأيسر (أو) ناوياً (فيهما) أي في التسليمتين (لو) كان الإمام (محاذياً) بأن كان المقتدي بحذائه وعند أبي يوسف نواه في الأولى، وعند محمد وهو رواية عن أبي حنيفة، نواه فيهما، وهو الأصح. ونوى الإمام القوم بالتسليمتين في الأصح، وقيل: لا ينوي، وقيل: ينوي بالأولى وينبغي أن ينوي الحفظة عن يمينه ما كانوا وعن يساره ما كانوا، ولا ينوي عدداً بعينه.
فصل
(وجهر) الإمام (بقراءة الفجر وأولى العشاءين أي بقراءة الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، (ولو) كان الفجر والعشاء قضاء و) جهر بقراءة (الجمعة والعيدين ويسر في غيرها كمتنفل بالنهار أي يسر في غير هذه الصلوات مطلقاً سواء كان ظهر عرفة أو صلاة الاستسقاء أو الكسوف أو غيرها. وقال مالك: يجهر في ظهر عرفة. وقال محمد يجهر في الاستسقاء، وقال أبو يوسف يجهر في الكسوف، وعن محمد
روايتان.
(وخير المنفرد فيما يجهر) أي في صلاة يجهر فيها (كمتنفل بالليل) وهذا باتفاق المشايخ في الوقت وإن كان بعد ذهاب الوقت قال بعضهم: يخافت حتماً (ولو ترك) المصلي (السورة في أولى العشاء قرأها في الأخريين خلافاً لأبي يوسف (مع الفاتحة جهراً)، اعلم أن ها هنا عن أبي حنيفة ثلاث روايات، في رواية يجهر بهما وهو الأصح، وفي رواية يخافت، بهما، وفي رواية يجهر بالسورة ويخافت بالفاتحة، وهو اختيار فخر الإسلام.
(ولو ترك) المصلي (الفاتحة) في الأوليين (لا) أي لا يقرأها في الأخريين وقيل يقضي الفاتحة وفرض القراءة آية مطلقاً سواء كانت من الفاتحة أو غيرها عند أبي حنيفة رحمه الله: وقالا ثلاث آيات قصار سواء كانت من الفاتحة أو غيرها أو آية طويلة وقال الشافعي قراءة الفاتحة في كل ركعة فرض. وقال مالك: الفاتحة وضم السورة، فرض وهذا إذا قرأ آية قصيرة هي ثلاث كلمات نحو: (فقتل كيف قدر) [المدثر: الآية 19، أو كلمتان نحو: (ثم نَظَرَ) [المدثر: 21، الآية)، ولو قرأ آية. كلمة واحدة كـ (مدهماتان) أو حرف كـ (ص) و (ن) و (ق) فإنها آيات عند بعض القراء اختلف المشايخ فيه والأصح أنه لا يجوز. ولو قرأ آية طويلة في ركعتين كآية الكرسي والمداينة الأصح أنه يجوز عنده.
وسنتها في السفر الفاتحة وأي سورة تشاء هذا إذا كان في حالة الضرورة بأن كان على عجلة من السير أو خائفاً من عدو أو لص، وأما في حالة الاختيار فيقرأ في الفجر والظهر نحو سورة البروج، وفي العصر والعشاء دون ذلك، وفي المغرب بالقصار جداً. (و) سنتها (في الحضر طوال المفصل) وهو من السبع السابع وهو من سورة محمد عليه السلام وقيل من الفتح، وقيل من (ق) إلى آخر القرآن، وقيل: الطوال منه إلى البروج. (لو) كان (فجراً أو ظهراً) واتسع الوقت (وأوساطه) وهو من البروج إلى لم يكن (لو) كان (عصراً أو عشاء وقصاره وهي من لم يكن إلى آخر القرآن. (لو) كان مغرباً وتطال أولى الفجر فقط) أي إطالة القراءة في الركعة الأولى على الثانية في الفجر مسنون إجماعاً، وفي سائر الصلوات كذلك عند محمد وعندهما لا تطال ثم يعتبر التطويل من حيث الآي إذا كان بين ما يقرأ في الأولى وبين ما يقرأ في الثانية تفاوت من حيث الآي أما إذا كان بين الآي تفاوت طولاً وقصراً فيعتبر التفاوت من حيث الكلمات والحروف وينبغي أن يكون التفاوت بقدر الثلث والثلثين، الثلثان في الأولى والثلث في الثانية، وهذا بيان الاستحباب. أما بيان الحكم فالتفاوت وإن كان فاحشاً لا بأس به وإطالة الثانية على الأولى تكره إجماعاً، وإنما يكره التفاوت بثلاث آيات وإن كان آية أو آيتين لا يكره.
(ولم يتعين شيء من القرآن لصلاة) مطلقاً سواء كان فجر الجمعة أو لا، يعني كره تعيين سورة الصلاة يريد به سوى الفاتحة. وقال الشافعي: يستحب أن يتخذ سورة السجدة وسورة الدهر لفجر يوم الجمعة وهذا إذا عين سورة الصلاة ويلازم عليها فإن كان يقرؤها أحياناً فلا بأس. وقيل: الملازمة إنما تكره إذا لم يعتقد بغيره الجواز، أما إذا اعتقد الجواز بغيره وإنما قرأها لأنها أيسر عليه فلا يكره. (ولا يقرأ المؤتم). مطلقاً. سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، وقال مالك: يقرأ في السرية لا في جهرية وقال الشافعي يقرأ الفاتحة في الكل (بل يستمع وينصت وإن قرأ آية الترغيب أو الترهيب أي يستمع المؤتم ولا يسأل الجنة عند الترغيب ولا يتعوّذ من النار عند الترهيب وإن قرأ الإمام دلالة المؤتم عليه فتكون إن للوصل، (أو خطب) عطف على قرأ (أو صلى) الخطيب (على النبي صلى الله عليه وسلم) إلا أن يقرأ الخطيب يتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب: الآية 56] إلخ، فإنه يصلي السامع في نفسه. وعن أبي يوسف: إن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم يصلي السامع في نفسه (والنائي) أي البعيد الذي لا يسمع الخطبة (كالقريب) في أنه ينصت، وقيل: يقرأ القرآن، وقيل: يدرس الكتاب والأحوط السكوت.
باب الإمامة
لما فرغ من تعليم أداء الصلاة شرع في الإمامة، فقال:
(الجماعة سنة مؤكدة) في الصلوات الخمس أما في الجمعة والعيدين فشرط الجواز، قوله: سنة مؤكدة أي تشبه الواجب في القوة. وقال بعض الناس: فريضة والأعلم أحق بالإمامة) أي الأعلم بالفقه وأحكام الشريعة إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة وقال أبو يوسف: الأقرأ أحق (ثم الأقرأ) أي الأعلم بعلم القراءة كالوقف في موضع الوقف والوصل في موضع الوصل (ثم الأورع) الورع الاحتراز عن شبهة الحرام.
(ثم الأسن) فإن كانوا سواء فأحسنهم وجهاً أي أكثرهم صلاة بالليل (وكره إمامة العبد والأعرابي) أي البدوي وهو منسوب إلى الأعراب لأنه لا واحد له ينسب إليه وهو ليس بجمع العرب، أما إن كان عالماً تقياً فهو كغيره لا يكره ويستحب تقديمه (و) كره إمامة (الفاسق وقال مالك: لا تجوز الصلاة خلفه (والمبتدع) أي كالذي ينكر الرؤية ولكن يقول لا يرى لجلاله وعظمته وكالذي يفضل علياً على غيره. وفي الخلاصة يصح الاقتداء بأهل الأهواء إلا الجهمية والجبرية والقدرية والرافضي الغالي، ومن يقول بخلق القرآن والمشبهة وجملته أنه من كان من أهل قبلتنا ولم يغل في هواه حتى لم يحكم بكونه كافراً
تجوز الصلاة خلفه وتكره. وأراد بالرافضي الغالي الذي ينكر خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(و) كره إمامة (الأعمى وولد الزنا وتطويل الصلاة أي تطويل الإمام الصلاة بالقوم وأما المنفرد فيطول ما شاء (و) كره (جماعة النساء فإن فعلن يقف الإمام وسطهن (كالعراة أي كما يقف إمام العراة وسطهم ويقف الواحد عن يمينه) أي إن كان مع الإمام واحد فلا يتأخر عن الإمام في ظاهر الرواية وعن محمد أنه يضع أصابعه عند عقب الإمام وإن كان المقتدي أطول فوقع سجوده أمام الإمام لم يضره وإن صلى في يساره أو خلفه، جاز، وهو مسيء فيهما في الأصح والاثنان خلفه) وعن أبي يوسف أنه يتوسطهما وإن كثر القوم كره قيام الإمام وسطهم ويصف الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء أي صف الرجال مقدم على صف الصبيان وصف الصبيان مقدم على صف الخنائى وصف الخنائي مقدم على صف النساء.
(وإن حاذته أي قارنت المصلي مشتهاة في صلاة مطلقة مشتركة تحريمة وأداء في مكان متحد بلا حائل فسدت صلاته وصلاتها جائزة إن نوى إمامتها) أي شرائط المحاذاة أن تكون المرأة من أهل الشهوة بأن تكون بالغة أو صبية مشتهاة حتى لو كانت صبية لا تشتهى وهي تعقل الصلاة فحاذت الرجل لا تفسد صلاته وأن تكون الصلاة مطلقة حتى أن المحاذاة في صلاة الجنازة لا تفسد وأن تكون مشتركة تحريمة وأداء ونعني بالمشتركة تحريمة أن يكون أحدهما بانياً تحريمته على تحريمة الآخر، أو يكونا بانيين تحريمتهما على تحريمة الإمام ونعني بالمشتركة أداء أن يكون أحدهما إماماً للآخر فيما يؤديه، أو يكون لهما إمام فيما يؤديانه تحقيقاً أو تقديراً، حتى يشمل الشركة بين الإمام والمأموم فإن محاذاة المرأة الإمام مفسدة صلاته حتى لو اقتدى رجل وامرأة بإمام فأحدثا وتوضئا ثم جاءا وقد صلى الإمام فقاما ليقضيا فحاذته فسدت صلاته لأن اللاحق فيما يقضي كأنه خلف الإمام تقديراً، ولهذا لا يقرأ ولا يسجد للسهو ولو كانت خلفه حقيقة لفسدت صلاته بالمحاذاة كذا ها هنا، ولو كانا مسبوقين والمسألة بحالها لا تفسد صلاته لأن الصلاة وإن اشتركت تحريمة لكونهما بانيين تحريمتهما على تحريمة الإمام حتى لا يصح الاقتداء بالمسبوقين لكنها ليست بمشتركة أداء لأنه لا إمام لهما فيما يقضيان حقيقة ولا تقديراً. أما حقيقة فظاهر، وأما تقديراً فلأنهما ما التزما الأداء مع الإمام فيما سبقا به لأنه لا تتصور المتابعة فيما مضى فلم يجعل كأنهما خلفه فكانا في حكم المنفردين ولهذا يقرأ المسبوق ويسجد للسهو فظهر من هذا التقرير أنه لا حاجة إلى قوله: تحريمة وأن يكون المكان متحداً حتى لو كان الرجل على الدكان والمرأة على الأرض أو على العكس، والدكان مثل قامة الرجل لا تفسد صلاته وأن لا يكون بينهما حائل حتى لو كانا في مكان متحد بأن كانا على الأرض والدكان إلا أن بينهما أسطوانة أو ما أشبهها لا تفسد صلاته، وأن يكون الإمام ناوياً إمامة المرأة
لأنه إذا لم ينو لا تفسد صلاة الرجل بل صلاة المرأة تفسد وقال: زفر: يجوز اقتداؤها به وإن لم ينو إمامتها، وقال الشافعي: المحاذاة مطلقاً لا تفسد صلاته وهو القياس.
(ولا يحضرون الجماعات) أي كره لهن حضور الجماعات مطلقاً سواء كان في الفجر أو غيره إلا العجوز في الفجر والمغرب والعشاء، وقالا: يخرجن في الصلوات كلها والفتوى اليوم على كراهة حضورهن في كل الصلوات لظهور الفساد، ومتي کره حضور المسجد للصلاة فلأن يكره حضورهن مجالس الوعظ خصوصاً عند هؤلاء الجهال الذين تحلوا بحلية العلماء أولى، ذكره فخر الإسلام. وفسد اقتداء رجل بامرأة أو صبي مطلقاً سواء كان في التراويح أو النفل المطلق أو غيرهما، وفيه خلاف للشافعي رضي الله عنه، وقال مشايخ بلخ: يصح اقتداء البالغ بالصبي في التراويح والسنن المطلقة والنفل. وقال مشايخنا: لا يصح اقتداء البالغ بالصبي في التراويح المطلقة بلا خلاف بين أصحابنا، وفي النفل المطلق كذلك عند أبي يوسف وعند محمد يصح والمختار أن لا يصح الاقتداء في الصلوات كلها.
(و) فسد اقتداء (طاهر بمعذور وقارىء بأمي) منسوب إلى أمة العرب وهي من لم تكن قارئة ولا كاتبة ثم استعير لكل من لا يعرف الكتابة والقراءة، وقيل منسوب إلى أمه، يعني هو كما ولدته أمه، ومكتس) أي لابس (بعار وغير موم بموم، ومفترض بمتنفل ومفترض بفرض آخر بأن كان أحدهما يصلي الظهر والآخر العصر أو أحدهما ظهر الأمس والآخر ظهر اليوم. وقال زفر والشافعي: لا تفسد في الكل لاقتداء) عطف على قوله: اقتداء أي لا يفسد، اقتداء (متوضيء بمتيمم وغاسل) رجل (بماسح وقائم بقاعد) وقال محمد: لا يقتدي المتوضي بمتيمم وقائم بقاعد (و) لا يفسد اقتداء قائم (بأحدب) أي المنحني وموم بمثله) أما إن كان المومي مضطجعاً فلا يجوز خلافاً لزفر ومتنفل بمفترض) وقال المقتدي قاعداً والإمام. مالك: لا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض فإن ظهر بعد أداء الصلاة (أن إمامه محدث أعاد المقتدي مطلقاً سواء كان بحدث أو جنابة خلافاً للشافعي رضي الله تعالى عنه.
(وإن اقتدى أمي وقارىء بأمي واستخلف أمياً في الأخريين فسدت صلاتهم) مطلقاً. أما المسألة الأولى ففيها خلاف أبي يوسف ومحمد فإنهما قالا: صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة. وذكر عبد الله الجرجاني أن صلاة الإمام إنما تفسد عنده إذا علم أن خلفه قارئاً، وأما إذا لم يعلم فلا وأما الثانية ففيها خلاف أبي يوسف وزفر فإنهما قالا: لا تفسد صلاتهم.
باب الحدث في الصلاة
من سبقه حدث توضأ وبنى مطلقاً سواء كان منفرداً أو لا، وسواء كان رجلاً أو امرأة. وعن إبراهيم بن رستم أنها لا تبني المرأة. وقيل: المنفرد يستقبل، وقال الشافعي يستقبل في الجميع وقال القدوري الاستئناف أفضل. (واستخلف لو) كان المحدث (إماماً) ثم إذا استخلف ينبغي للخليفة أن يقوم مقامه قبل خروجه من المسجد وينوي أن يكون إماماً كما لو حصر عن القراءة) استخلف، وعندهما لا يجوز الاستخلاف في الحضر. (وإن خرج) المصلي (من المسجد يظن الحدث) فعلم أنه لم يحدث أو جنب أو احتلم بأن نام فيها أو أغمي عليه استقبل) وإن لم يخرج الظان منه يبني وإن صلى في الصحراء فظن أنه أحدث فذهب عن مكانه فعلم أنه لم يُحدث فإن كان يصلي بجماعة فمكان الصفوف له حكم المسجد حتى لو انتهى إلى آخر الصفوف ولم يجاوز الصفوف يبني وإن جاوزها لا، وإن تقدم قدامه فالحد السترة فإن جاوزها بطلت صلاته وإن لم يكن بين يديه سترة فمقدار الصفوف خلفه حتى لو تقدم قدر ما لو تأخر لجاوز الصفوف تفسد صلاته وإن كان أقل منه لا وإن كان منفرداً يعتبر موضع سجود من كل جانب.
(وإن سبقه حدث بعد التشهد توضأ وسلّم، وإن تعمده) أي الحدث بعد التشهد قبل السلام (أو تكلم المصلي (تمت صلاته خلافاً للشافعي (وبطلت) صلاته (إن رأى متيمم ماء) بعدما قعد قدر التشهد قبل السلام (أو تمت مدة مسحه أو نزع خفيه بأن كان الخف واسعاً بعمل يسير) لأنه لو نزع بعمل كثير تمت صلاته بالاتفاق.
أو تعلم أمي (سورة قيل: معناه تذكر، وقيل: تعلم بلا عمل كثير بأن قرأ آية من عنده فحفظها أو وجد عار ثوباً أو قدر على الركوع والسجود (موم أو تذكر) صلاة (فائتة أو استخلف أمياً قيل في مسألة الاستخلاف تمت صلاته بالاتفاق لوجود الصنع منه وهو الصحيح، كذا في الكافي أو طلعت الشمس في الفجر أو دخل وقت العصر في (الجمعة) على اختلاف القولين إنما قيد بها لأن الوقت شرط لصحة صلاة الجمعة بخلاف ما إذا دخل وقت صلاة العصر في صلاة الظهر فإنها لا تبطل (أو) كان ماسحاً على الجبيرة وسقطت جبيرته عن برء أو زال عذر المعذور) بأن توضأت مستحاضة. السيلان وشرعت في الظهر عنده كما لو انقطع في خلال الصلاة بطلت الصلاة عند أبي حنيفة في هذه المسائل وهي اثنا عشر، وعندها تمت بناء على أن الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض عند أبي حنيفة، فاعتراض هذه العوارض بعد التشهد قبل التسليم كاعتراضها في أثناء الصلاة، ولو اعترضت في أثنائها تفسدها كذا هنا وعندهما ليست بفرض فاعتراضها في هذه الحالة كاعتراضها بعد التسليم ولو اعترضت بعده لا تفسد الصلاة كذا هنا.
(وصح استخلاف المسبوق) وهو الذي لم يدرك أول صلاة الإمام والأولى له أن يقدم مدركاً وينبغي لهذا المسبوق أن لا يتقدم فلو تقدم يبتدىء من حيث انتهى إليه الإمام، فإذا انتهى إلى موضع السلام تأخر ويقدم مدركاً ليسلم بهم ثم يقوم هو فيقضي ما بقي عليه، فإن توضأ الإمام الأول وصلى في بيته ما بقي عليه بعد فراغ الإمام الثاني تمت صلاته، وقبل فراغه تفسد. (فلو أتم) المسبوق المستخلف (صلاة الإمام تفسد بالمنافي (صلاته أي صلاة المسبوق وهو إذا قهقه أو أحدث متعمداً أو تكلم أو خرج من المسجد بعدما قعد قدر التشهد (دون) صلاة (القوم)، وعن أبي يوسف في الأمالي: تفسد صلاتهم (كما تفسد صلاة المسبوق (بقهقهة إمامه لدى اختتامه عند أبي حنيفة، وقالا: لا تفسد صلاة المسبوق بقهقهة الإمام بعدما قعد قدر التشهد (لا) أي لا تفسد صلاة المسبوق.
(بخروجه من المسجد وكلامه ولو (أحدث المصلي (في ركوعه أو سجوده توضأ وبنى وأعادهما أي الركوع والسجود اللذين أحدث فيهما (ولو تذكر) حال كونه (راكعاً أو ساجداً سجدة فسجدها لم يعدهما أي لا تجب عليه الإعادة ولكن الأفضل أن يعيدهما، وعن أبي يوسف أنه يلزمه إعادة الركوع ولو قال لم يعده لكان أحسن. (وتعين المأموم الواحد للاستخلاف بلا (نية أي إن أحدث الإمام ولم يكن خلفه إلأ رجل صار إماماً مطلقاً قدمه الإمام أو لا نوى أن يكون إمام نفسه أو لا، فإذا توضأ الإمام دخل معه في صلاته لتحول الإمامة إليه.
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
يفسد الصلاة التكلم مطلقاً سواء كان ساهياً أو مخطئاً، ناسياً أو عامداً.
وقال الشافعي: لا تفسد إذا كان ناسياً أو مخطئاً (و) يفسدها (الدعاء بما يشبه كلامنا نحو قوله: اللهم ألبسني ثوباً، وعند الشافعي لا تفسد (و) يفسدها (الأنين) وهو أن يقول: آه، (والتأوه) وهو أن يقول: أوه (و) يفسدها (ارتفاع بكائه) إن حصل به حروف (من) وجع أو مصيبة) متعلق بكل واحد منها، وعن أبي يوسف أنه قال: إن كان يمكن الامتناع عنه بقطع صلاته وإلأ لا، وعن محمد: إن كان المرض خفيفاً يقطع وإن كان ثقيلاً لا. (لا) أي لا يفسدها الأنين والتأوه وارتفاع البكاء إن كان من (ذكر جنة أو نار) وعن أبي يوسف أن آه لا تفسد سواء كان من وجع أو من ذكر جنة أو نار، وأوه تفسد فيهما والأصل عنده أن الكلمة إن اشتملت على حرفين زائدين أو أحدهما لا تفسد نحو أخ، وتف وأف، وإن كانا أصليين تفسد. وحروف الزوائد جمعوها في قولهم: اليوم تنساه. (و) يفسدها (التنحنح بلا عذر بأن
لم يكن مدفوعاً إليه، أي لم يكن مضطراً بل كان لتحسين الصوت إن ظهر به حروف نحو أخ بالفتح والضم، يفسد عندهما وإن كان بعذر بأن كان مدفوعاً إليه لاجتماع البزاق في حلقه لا يفسد كالعطاس فإنه لا يقطع وإن حصل به كلمة وفي مبسوط شيخ الإسلام إن كان التنحنح لتحسين الصوت فكذلك لأنه يفعله لإصلاح القراءة فيصير من القراءة معنى، وكذلك ذكره الإمام السرخسي أيضاً. وأما الجشاء إن حصل به حروف ولم يكن مدفوعاً إليه يقطع عندهما، وإن كان مدفوعاً إليه لا يقطع.
(و) يفسدها جواب عاطس يرحمك الله أي إن عطس رجل فقال له رجل آخر في صلاته: يرحمك الله، تفسد. ولو قال العاطس أو السامع: الحمد الله، تفسد لأنه ليس بجواب عرفاً، وإنما قيد بجواب عاطس لأنه لو قال العاطس في الصلاة يرحمك الله، وخاطب نفسه لا يضر، كذا في الخلاصة.
(و) يفسدها (فتحه على غير إمامه) مطلقاً سواء كان الغير في الصلاة أو غيرها، هذا إذا أراد، تعليمه، وإن أراد القراءة دون التعليم لا تفسد وإن فتح على إمامه لا تفسد ما لم يقرأ مقدار جواز الصلاة أو لم يتحول إلى آية أخرى. أما إذا قرأ أو تحوّل ففتح عليه قيل: تفسد صلاة الفاتح، والصحيح أن لا تفسد بكل حال، ولو أخذ الإمام منه قيل تفسد صلاته والصحيح أن لا تفسد. ولا ينبغي للمقتدي أن يفتح من ساعته فربما يتذكر من ساعته ولا للإمام أن يلجئهم إلى الفتح بل يركع إن قرأ قدر ما تجوز به الصلاة وإلا ينتقل إلى أخرى. (و) يفسدها (الجواب بلا إله إلا الله أي إن أجاب في الصلاة بهذا بأن قيل بين يديه: أمع الله آلهة أخرى؟ فقال: لا إله إلا الله يريد جوابه تفسد صلاته، وأما إذا أراد به إعلام أنه في الصلاة فلا تفسد بلا خلاف وعند أبي يوسف: لا تفسد سواء أراد به الجواب أو لا، لأنه ثناء وعلى هذا الخلاف التحميد والتسبيح بأن أجاب به من أخبره بما يعجبه أو پسره. (و) يفسدها (السلام) مطلقاً سواء كان المصلي ناسياً أو ساهياً أو عامداً، كذا في الخلاصة. وفي الهداية جعل السلام عامداً مفسداً لا ساهياً. (و) يفسدها (رده وافتتاح العصر أو التطوع لا الظهر بعد ركعة الظهر) أي إن صلي ركعة من الظهر ثم افتتح العصر أو التطوع بتكبيرة فقد نقض الظهر. وتفسير المسألة: أن لا يكون صاحب ترتيب فيصح شروعه في العصر، وإن كان صاحب ترتيب فالمتنفل إلى العصر متنفل عند أبي حنيفة وأبي يوسف. قوله: لا الظهر إلى آخره، أي لا افتتاح الظهر بعدما صلى ركعة من الظهر فهي هي ويجتزي بتلك الركعة، وهذا إذا نوى بقلبه حتى لو قال: نويت أن أصلي الظهر، بطل الظهر ولا يجتزي بتلك الركعة.
(و) يفسدها (قراءته) أي قراءة المصلي من (مصحف) مطلقاً سواء كان آية أو آيتين، وقيل: إذا قرأ آية لا تفسد وقالا: لا تفسد وكره وهذا إذا بصره مستفهماً أما لو وقع بصره على المصحف لا تفسد وعند
الشافعي يجزئه بغير كراهة.
(و) يفسدها (أكله وشربه) مطلقاً سواء كان عامداً أو ناسياً قليلاً أو كثيراً. (ولو نظر إلى مكتوب وفهمه أو أكل ما بين أسنانه أو مر مار مطلقاً سواء كان رجلاً أو امرأة (في موضع سجوده لا تفسد في المسائل الثلاث (وإن أثم) المار في الثالثة وقيل على قول محمد تفسد بالنظر وبه أخذ الفقيه أبو الليث. والصحيح أنه لا تفسد إجماعاً. قوله: أو أكل إلى آخره هذا إذا كان أقل من قدر الحمصة، وإن كان قدر الحمصة يفسد صومه وصلاته كذا في الخلاصة. وزاد في الخانية وقال بعضهم: إن كان ما دون ملء الفم لا تفسد صلاته ويفسد صومه، وإنما قال في موضع سجوده لأنه إنما يأثم إذا مر في موضع سجوده في الأصح. وقيل: في موضع يقع بصره لو صلي بخشوع وخضوع، وقيل: خمسون ذراعاً، وقيل بقدر الصفين، وهذا إذا كان موضع الصلاة والمرور متحداً أما إذا كان المصلي على الدكان والمار يمر على الأرض والدكان مثل قامة الرجل لا بأس به، وهذا في الصحراء، فإن كان في المسجد نظر إن كان بينهما حائل كإنسان أو أسطوانة لا يكره، وإن لم يكن بينهما حائل والمسجد صغير كره في أي مكان كان وقيل ثلاثة أذرع، وقيل قدر صفين أو ثلاثة، والمسجد الكبير كالصحراء، وقيل كالمسجد الصغير.
ولما فرغ من المفسدات شرع في المكروهات، حيث قال:
(وكره عبثه) وهو ما لا غرض فيه شرعاً بثوبه وبدنه و) كره (قلب الحصى إلا للسجود مرة) أي إن كان الحصى لا يمكنه من السجود فيسويه مرة ولا يزيد عليها كذا في المبسوط، وفي المغني: أو مرتين (و) كره (فرقعة الأصابع) أي غمزها أو مدها حتى تصوت (و) كره التخصر) وهو وضع اليد على الخاصرة (و) كره (الالتفات) وهو النظر إلى اليمين أو الشمال والالتفات المكروه أن يلوي عنقه حتى يخرج وجهه من أن يكون إلى جهة القبلة فأما لو نظر بمؤخر عينيه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه فلا يكره (و) كره (الإقعاء) أي الجلوس مثل الكلب وافتراش ذراعيه) وهو بسط ذراعيه على الأرض في حال السجود هذا في حق الرجل أما المرأة فينبغي أن تفترش ذراعيها كما قدمناه. (و) کره رد السلام بيده وإنما قيد به لأنه باللسان مفسد (و) کره (التربع بلا عذر وعقص شعره) وهو أن يجمعه على هامته ويشده بخيط أو بخرقة أو بصمغ ليتلبد، وقيل: أن يلف ذوائبه حول رأسه كما تفعله النساء في بعض الأوقات.
(و) كره (كف ثوبه) وهو رفعه من بين يديه أو من خلفه عند السجود (و) كره (سدله) وهو أن يجعل ثوبه على رأسه أو كتفه ويرسل أطرافه من جوانبه (و) کره (التثاؤب) مطلقاً سواء كان في الصلاة
أو غيرها (و) كره (تغميض عينيه وقيام الإمام لا سجوده في الطاق أي كره قيامه في المحراب ولا بأس بقيامه في المسجد وسجوده في المحراب.
(و) كره (انفراد الإمام على الدكان والقوم على الأرض والدكان مقدر بقامة الرجل، وقيل بالذراع، وعليه الاعتماد كذا في شرح السيد. (و) كره (عكسه) أي كره قيام الإمام على الأرض منفرداً والقوم على الدكان (و) كره في الصلاة (لبس ثوب فيه تصاوير جمع تصوار وهو ما يصور من ذوات الأرواح مطلقاً سواء كان منقوشاً أو منسوجاً (و) كره (أن يكون فوق رأسه أي في السقف (أو بين يديه) بأن تكون معلقة أو موضوعة (أو بحذائه) بأن تكون في حائط القبلة (صورة) مرفوع على أنه اسم تكون إلا أن تكون الصورة صغيرة) بحيث لا تبدو للناظر إلا بالتأمل، أو مقطوعة الرأس أو لغير ذي روح كالشجرة والثمرة والكواكب ونحوها.
(و) كره (عد الآي والتسبيح) باليد لا باللسان لأنه مفسد، وبرؤوس الأصابع والقلب لا يكره كذا في المحيط والخلاصة. وقالا لا بأس باليد، ثم قيل: لا خلاف في التطوع أنه لا يكره والخلاف في الفرض، وقيل: كره في الفرض إجماعاً والخلاف في النوافل. وقال الفقيه أبو جعفر وجدت رواية عن أصحابنا أنه يكره فيهما ولا يكره العد خارج الصلاة وقيل: هو بدعة (لا قتل الحية والعقرب) أي لا يكره قتلهما مطلقاً سواء كانت جنية أو غيرها في الصحيح، وقيل: يحل قتل غير الجنية وهي أن تكون سوداء ولا يحل قتل الجنية وهي أن تكون بيضاء. وقيل: هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة فإن احتيج إلى ضربات يستقبل الصلاة وهذا إذا قتلها من غير مشي ومعالجة فإن قتلها بمشي ومعالجة كثيرة فسدت صلاته. وذكر شمس الأئمة السرخسي أنه إذا قتلها بعمل كثير لا تفسد صلاته، قالوا: إنما يباح قتلها في الصلاة إذا مرت بين يديه وخاف الأذى منها، وإن لم يخف يكره.
(ولا) أي لا تكره (الصلاة) حالة كون المصلي قائماً (إلى ظهر قاعد يتحدث) أي سراً بحيث لا يخاف منه الغلط في الصلاة، وقيدنا به لأنه لو رفع بالحدث بحيث يخاف المصلي أن يزل في القراءة فحينئذ يكره، وقيدنا بالظهر لأنه يكره أن يصلي إلى وجهه. (و) لا تكره الصلاة إلى مصحف أو سيف معلق) ذكر التعليق باعتبار العادة حتى لو كانا موضوعين على شيء لا يكره أيضاً، (أو) إلى (شمع أو سراج و) لا تكره الصلاة (على بساط فيه تصاوير إن لم يسجد عليها) في الصلاة، وأطلق الكراهة في الأصل.
ولما فرغ من الأشياء المكروهة في الصلاة شرع في الأشياء المكروهة خارج الصلاة وفصل حيث
قال:
فصل
(كره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء أي عند الغائط والبول (و) کره (استدبارها) وقيل لا يكره والأولى أن يستقبل الشمال ويستدبر الجنوب محترزاً عن استقبال القمرين بالفرج (و) كره (غلق باب المسجد) قالوا: هذا في زمنهم، وأما في زماننا فلا بأس به في غير أوان الصلاة.
(و) كره (الوطء فوقه والبول والتخلي وهو التغوط لأن سطح المسجد له حكم المسجد حتى لو قام على سطحه مقتدياً بالإمام، صح، ولو صعد إليه المعتكف لم يفسد اعتكافه ولا يحل للحائض والجنب الوقوف عليه (لا فوق) أي لا يكره الوطء والبول والتغوط فوق (بيت) فيه مسجد والمراد ما أعد للصلاة في البيت بأن كان له محراب والتقييد بفوق اتفاقي لجواز المجامعة ودخول الجنب والحائض في مسجد البيت من غير كراهة، كذا في الذخيرة.
(ولا نقشه بالجص) بفتح الجيم وكسرها وماء الذهب) قيل مكروه، وقيل هو قربة. وأصحابنا جوزوه ولم يستحسنوه، وهذا إذا فعله من مال نفسه. أما المتولي فيضمن ولو اجتمعت أموال المسجد وخاف الضياع لا بأس به، وقال عمر بن عبد العزيز. رحمه الله تعالى: المساكين أحوج من الأساطين.
باب الوتر والنوافل
ولما فرغ من بيان الفرائض وآدابها وفضائلها شرع في بيان النوافل وأخرها لأنها شرعت مكملات ومتممات لها. وإنما جمع بينهما لأن الوتر يناسب النفل من حيث أنه زيادة على المفروض كالنفل، ولأنه نفل عندهما وعند الشافعي.
(الوتر واجب) وقالا: سنة مؤكدة وعن أبي حنيفة: أنه فرض عملاً، وعنه: أنه سنة أي ثبت وجوبه بالسنّة، فأطلق اسم السبب على المسبب. (وهو ثلاث ركعات) وقال الشافعي يوتر بركعة بتسليمة. وفي قول عن الشافعي: يوتر بثلاث ركعات بتسليمتين، وهو قول مالك. (وقنت) المصلي (في ثالثته قبل الركوع أبداً بعد أن كبر) وقال الشافعي: يقنت بعده ولا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان (وأقر) المصلي (في كل ركعة منه الفاتحة وسورة أي سورة شاء، ولكن المروي عنه الا لو أنه قرأ في الركعة الأولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: الآية]، إلى آخرها، وفي الثانية: قُلْ يَتأَيُّهَا الكَفِرُونَ} [الكافرون: الآية إلى آخرها. وفي الثالثة: قُلْ هُوَ الله أحد الإخلاص: الآية إلى آخرها، (ولا يقنت لغيره) أي لغير الوتر.
وقال الشافعي: يقنت في صلاة الفجر في الركعة الثانية بعد الركوع (ويتبع المؤتم قانت الوتر) أي يتبع المقتدي الإمام الشافعي في قراءة دعاء القنوت في الوتر وعند محمد لا يتبع بل يؤمن وقيل يسكت، وذكر الطحاوي: أن القوم يتابعونه إلى قوله ملحق فإذا دعا فعند أبي يوسف رحمه الله يتابعونه وعند محمد يؤمنون. (لا الفجر) أي لا يتبع قانت الفجر بل يسكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف يتبعه، ثم قيل: يقف قائماً فلا يقنت، وقيل يقعد، والأول أظهر. ودلت المسألة على جواز الاقتداء بشافعي المذهب. (والسنة (قبل فريضة (الفجر وبعد فريضة الظهر و بعد فريضة (المغرب و) بعد فريضة (العشاء ركعتان). وإنما قدّم سنة الفجر لأنها أقوى السنن حتى قيل بكفر جاحدها، ولأنها بمنزلة الواجب عند البعض، (وقبل) فريضة الظهر و) قبل فريضة الجمعة وبعدها أربع وقال أبو يوسف: السنة بعد صلاة الجمعة ست ركعات. وندب الأربع قبل العصر) وخير محمد بين الأربع والركعتين (و) ندب الأربع قبل العشاء و (بعده) حتى لو ترك لا يستوجب إساءة أما لو ترك الركعتين بأن لم يصل أصلاً يستوجب الإساءة (و) ندب (الست بعد (المغرب) وهذه صلاة الأوابين.
وكره الزيادة على أربع ركعات (بتسليمة) واحدة (في نفل النهار و) كره الزيادة (على ثمان ركعات (ليلا) أي في نفل الليل بتسليمة (والأفضل فيهما رباع) وعندهما في الليل مثنى، وعند الشافعي فيهما مثنى (وطول القيام أحب من كثرة) الركوع (والسجود والقراءة فرض في ركعتي الفرض) مطلقاً سواء كان ثنائياً أو ثلاثياً أو رباعياً وسواء قرأ في الرباعية في الأوليين أو الأخريين أو إحدى الأوليين وإحدى الأخريين ولكن تعيينها في الأوليين واجب. وعند أبي بكر الأصم وسفيان بن عيينة ليس بركن أصلا، ة، وعند الحسن في ركعة وعند الشافعي في كل الركعات، وعند مالك في ثلاث ركعات. (و) القراءة فرض (في كل ركعات النقل والوتر).
ثم أفرد الوتر بالذكر لأنه في الأصح واجب وليس بفرض ولا بنفل (ولزم النفل بالشروع ولو عند الغروب والطلوع حتى لو أفسده قضاء، وعند الشافعي لا يلزمه القضاء بالإفساد سواء كان في وقت مكروه أو لا، وقال زفر: لا يلزمه القضاء إن شرع في وقت مكروه وأفسده وقضى ركعتين لو نوى) في النفل (أربعاً وأفسده بعد القعود الأول أي إن شرع في أربع ركعات وقرأ في الأوليين وقعد ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين (أو قبله) أي قبل القعود الأول عندهما، وعند أبي يوسف أربعاً.
(أو لم يقرأ فيهن شيئاً) قضى ركعتين خلافاً لأبي يوسف (أو قرأ في الأوليين) لا غير فعليه قضاء الأخريين بالإجماع (أو) قرأ في الأخريين) لا غير فعليه قضاء الأوليين بالإجماع، أو قرأ في الأوليين وإحدى
الأخريين لا غير فعليه قضاء الأخريين بالإجماع، أو قرأ في الأخريين وإحدى الأوليين لا غير فعليه قضاء الأوليين بالإجماع، أو قرأ في إحدى الأخريين لا غير فعليه قضاء ركعتين عندهما وعند أبي يوسف قضاء الأربع أو في الأخريين وإحدى الأوليين لا غير فعليه قضاء الأوليين بالإجماع. (و) قضى (أربعاً لو قرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين) لا غير (أو) قرأ في إحدى الأوليين لا غير، وعند محمد قضى الأوليين فيهما فهي ثمانية أوجه. (ولا يصلي بعد صلاة (مثلها هذا لفظ، الحديث أي يصلي التطوع ويقرأ في الركعات كلها ويصلي المكتوبة ويقرأ في الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة، وفي الأخريين الفاتحة وحدها فمعناه: لا يصلي الفرض مثل النفل ولا النفل مثل الفرض في الوصف الذي ذكرنا. وقيل: المراد به الزجر عن تكرار الجماعة في المساجد، وهو تأويل حسن، وقيل لا يقضي ما أدى من الفرائض بوسوسة.
(ويتنفل قاعداً مع قدرة القيام (ابتداء قيل: يقعد مربعاً، والصحيح أن يقعد كما في التشهد (وبناء) أي لو شرع قائماً ثم قعد بلا عذر جاز خلافاً لأبي يوسف ومحمد، وإنما قيد بالقادر لأنه لو قعد لعذر جاز اتفاقاً (وراكباً خارج المصر) حال کونه (مومياً إلى أي جهة توجهت دابته أي يتنفل راكباً خارج المصر بلا اشتراط قبلة ابتداء مطلقاً سواء قدر على النزول أو لا، وسواء كان مسافراً أو مقيماً خرج لحاجة، وسواء كان على سرجه قذر أو لا، وسواء كان المكان الذي خرج إليه قريباً أو بعيداً. وقيل: إن كان في موضع الجلوس أو الركابين قدر أكثر من قدر الدرهم لم يجز والصحيح أنه يجوز. وقيل: إن خرج من مصره فرسخين يتطوع على دابته ولا يجوز عند د أبي حنيفة في المصر وعند محمد يجوز ويكره عند أبي يوسف يجوز أن يتنفل راكباً في المصر أيضاً وإنما قيد بالنفل لأن الفرض لا يصلى قاعداً لابتداء ولا بناء ولا راكباً بلا عذر وكذا النذور التي وجب قضاؤها وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة. والمراد بالنفل غير سنة الفجر لأنها لا تجوز قاعداً ولا راكباً بلا عذر، وتجوز المكتوبة بعذر بأن تكون الدابة جموحاً لا يمكنه الركوب إلا بمعين ولا معين له، أو كان شيخاً كبيراً لا يمكنه الركوب ولا يجد من يُركبه، أو كان في طين لا يجد على الأرض مكاناً يابساً أو كان في البادية على الراحلة والقافلة تسير، وكذا بعذر المطر وخوف العدو والسبع. (وبنى بنزوله) مطلقاً سواء كان بعدما صلى ركعة أو لا (لا بعكسه) أي إن افتتح راكباً ثم نزل بنى وإن صلى ركعة أو لا نازلاً ثم ركب لا يبني بل يستقبل. وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يستقبل فيهما، وكذا عن محمد رحمه الله إذا نزل بعدما صلى ركعة وعن زفر رحمه الله أنه يبني فيهما.
(وسن في رمضان عشرون ركعة) سوى الوتر مطلقاً سواء كان للرجال أو للنساء. وقال بعض الروافض: سنة الرجال دون النساء. وقال بعضهم: سنة عمر رضي الله تعالى عنه، وعندنا سنة رسول الله.
وقال مالك رحمه الله: ستة وثلاثون ركعة (بعشر تسليمات بعد العشاء) أي وقتها بعد العشاء حتى لو صلاها قبل العشاء لا يجوز. وقال جماعة من مشايخ بلخ: الليل كله وقت لها قبل العشاء وبعده. (قبل الوتر وبعده وقيل بين العشاء والوتر حتى لو صلاها قبل العشاء أو بعد الوتر لم يؤدها في وقتها والجمهور على أن وقتها ما بين العشاء إلى الفجر حتى لو صلاها قبل العشاء لم تجز ولو صلاها بعد الوتر تجوز (بجماعة) أي سنّ بجماعة على سبيل الكفاية حتى لو ترك أهل مسجد أساؤوا ولو أقامها البعض فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة ولم يكن مسيئاً. وعن أبي يوسف رحمه الله: من قدر أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام فالصلاة في بيته أفضل. وقال مالك والشافعي: التفرد فيها أفضل.
(والختم) بالجر عطف على جماعة (مرة واحدة، قيل: يقرأ كما يقرأ في المغرب، وقيل كما يقرأ في العشاء. وفي المحيط إذا ختم القرآن في التراويح مرة ثم لم يصل تراويح بقية الشهر يجوز من غير كراهة لأن التراويح ما شرعت لحق نفسها بل للختم فيها وقد حصل (بجلسة) عطف على عشر تسليمات، أي سن عشرون ركعة بجلسة (بعد كل أربع بقدرها أي مقدار أربع ركعات، وفي الخلاصة والكافي أنها مستحبة. (ويوتر) أي يصلي الوتر (بجماعة في رمضان فقط) أي لا يوتر بجماعة في بقية الشهر ولا يصلي تطوعاً بجماعة إلا في قيام رمضان. وعن شمس الأئمة: أن الجماعة إنما تكره إذا كان على سبيل التداعي، أما لو اقتدى واحد بواحد أو اثنان بواحد لا يكره، وإذا اقتدى ثلاثة بواحد اختلفوا فيه وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقاً. وفي المغني: الاقتداء في الوتر خارج رمضان جائز، ذكره في النوازل، وفي مختصر القدوري: أنه لا يجوز، قيل: معنى عدم الجواز الكراهة لا أصل الجواز.
باب إدراك الفريضة
والمناسبة بينهما: أن أداء الصلاة بالجماعة زيادة على أصل الفرض كما أن النقل زيادة على الفرض.
(صلى) منفرداً (ركعة) في مسجد (من الظهر) ونحوه (فأقيم) ذلك فظهر في ذلك المسجد (يتم شفعاً) أي يضيف إليها ركعة أخرى ويسلم على رأس الركعتين، هذا إذا قيد الأولى بالسجدة وإن لم يقيد الأولى بالسجدة يقطع ويشرع مع الإمام وهو الصحيح. وعند الشافعي يتشهد ويسلم على رأس ركعة وتكون الفلا. (ويقتدي) فرضاً بالإمام والمراد بالإقامة: شروع الإمام في الصلاة لا إقامة المؤذن، فإنه لو أخذ المؤذن في الإقامة والرجل لم يقيد الركعة الأولى بالسجدة فإنه يتم ركعتين بلا خلاف بين أصحابنا، كذا في النهاية.
(فلو صلى ثلاثاً) من الركعات (يتم) الصلاة، هذا إذا قيد الركعة الثالثة بالسجدة، وإن لم يقيد بالسجدة يقطعها (ويقتدي) حال كونه (متطوعاً) بالإمام، والتطوع بالجماعة إنما يكره إذا كان الإمام والقوم متطوعين، أما إذا أدى الإمام الفرض والقوم النفل فلا يكره. فإن صلى) المنفرد ركعة من الفجر أو المغرب فأقيم يقطع المصلي (ويقتدي بالإمام، وكذا لو قام إلى الثانية ولم يقيدها بسجدة وإن قيدها بسجدة مضى فيها ولم يشرع مع الإمام، وإن شرع في المغرب أتم أربعاً. (وكره خروجه من مسجد أذن فيه أي خروج من كان في المسجد وقت الأذان (حتى يصلي، وإن صلى فرض الوقت ثم أذن (لا) يكره له الخروج (إلا في الظهر والعشاء إن شرع المؤذن في الإقامة فإنه يكره أيضاً، أما إذا لم يشرع فلا بأس بأن يخرج (ومن خاف) أي الذي خاف (فوات الفجر) مع الإمام (إن أذى سنته انتم) أي اقتدى (وتركها وإلا) أي وإن لم يخف (لا) يقتدي ولا يترك سنة الفجر بل يأتي بها ويقتدي (ولم تقض) سنة الفجر (إلا تبعاً) أي إن فاتته سنة الفجر لم يقضها قبل طلوع الشمس باتفاق بيننا خلافاً للشافعي رضي الله عنه ولا بعد ارتفاعها عندهما رحمهما الله. وقال محمد رحمه الله: أحب إلي قضاؤها إلى وقت الزوال، ثم قيل: لا خلاف لأن عند محمد رحمه الله لو لم يقض لا شيء عليه، وعندهما رحمهما الله تعالى: لو قضى كان حسناً. وقيل: الخلاف متحقق ولو قضى كان نفلاً وعندهما سنة. أما سنة الفجر إذا فاتته مع الفرض فتقضى مع الفرض إجماعاً إلى وقت الزوال مطلقاً سواء كان يصلي وحده أو بجماعة، وبعده لا يقضيها. وقيل يقضيها تبعاً ولا يقضيها مقصوداً جماعاً، كذا في الكافي.
(وقضى التي قبل) فرض الظهر في وقته قبل شفعه) أي إذا شرع مع الإمام وترك الأربع قبل الظهر يقضي في وقته عند الجمهور كذا روي عن أبي حنيفة وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم وقيل لا يقضيه ثم قال أبو يوسف رحمه الله: يصلي الأربع أولاً ثم شفعه وقال محمد بعكسه، وذكر الصدر الشهيد الاختلاف على العكس، وقيل: الاختلاف بناء على أنه نقل مبتدأ أو سنة، فمن قال أنه نفل لا يقدمه عليه ومن قال أنه سنة يقدمه عليه، فإن خرج الوقت لم يقضه وحده ولا تبعاً وكذا سائر السنن.
(ولم يصل الظهر بجماعة بإدراك ركعة بل أدرك فضلها) والتقييد به اتفاقي لأن المراد أنه من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام ما أدرك جماعتها فلا يقال أنه صلاها بجماعة، بل أدرك فضلها فحسب، أصله ما ذكر في الجامع، رجل قال: عبده حر إن صلى الظهر بجماعة، فأدرك ركعة لم يحنث. ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر حنث بإدراك الركعة لأن إدراك الشيء إدراك آخره. يقال: أدركت أيامه أي آخره.
ويتطوع قبل الفرض إن أمِنَ الوقت مطلقاً، أي في كل الأحوال سواء صلى الفرض بجماعة أو لا.
وقال الحسن والثوري: لا يتطوع إن أتى مسجداً قد صلى فيه قبل المكتوبة، ذكره الإمام التمرتاشي، كذا في النهاية. (وإلأ) أي وإن لم يأمن (لا) يتطوع كما أن من لم يأمن فوات الفجر مع الإمام لو اشتغل بالسنة لا يتطوع بل يترك، قيل هذا في سنن العصر والعشاء دون الفجر والظهر. ثم قالوا: لو كان العالم مرجعاً للفتوى له ترك سائر السنن الأسنة الفجر. وقيل: أراد به الكل والأولى أن لا يتركها في كل الأحوال سواء صلى الفرض بجماعة أو لا.
(وإذا أدرك إمامه) حال كونه (راكعاً فكبر) المدرك (ووقف حتى رفع الإمام رأسه لم يدرك) تلك (الركعة) وقال زفر رحمه الله: صار مدركاً حتى كان لاحقاً عنده في هذه الركعة فيأتي بها قبل فراغ الإمام، ولكنه إن صلى بعد فراغه جاز وإنما قيد بقوله: ووقف، لأنه لو كبر ووافقه في الركوع فإنه يكون مدركاً لتلك الركعة اتفاقاً.
(ولو ركع مقتدٍ) قبل أن يركع الإمام (فأدركه إمامه فيه) أي في هذا الركوع (صح) ركوعه ولكن كره وقال زفر رحمه الله: لا يصح وإنما قيد بقوله: فأدركه، لأنه لو رفع رأسه قبل أن يلحقه الإمام لا يجوز اتفاقاً. ثم المأمور به نوعان: أداء، وهو تسليم عين الواجب وقضاء وهو تسليم مثل الواجب من عنده، فلهذا يقال: الديون تقضى بأمثالها، وقد تستعمل إحدى العبارتين في الأخرى.
ولما فرغ من الأداء شرع في القضاء، فقال:
باب قضاء الفوائت
لم يقل قضاء المتروكات ظناً بالمؤمنين خيراً لأن ظاهر حال المسلم أنه لا يترك الصلاة قصداً وإنما فاتته من غير قصد لاشتغاله بأمر لا بد منه.
(الترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق) أي مفروض عملاً لا اعتقاداً حتى لا يجوز أداء الوقتية مع تذكر الفائتة وكذا لا يجوز أيضاً قضاء الفوائت بترك الترتيب بينهن وقال الشافعي: الترتيب سنة (ويسقط) الترتيب بين الفائتة والوقتية بضيق الوقت والنسيان حتى لو نسي الفائتة وصلى الوقتية ثم تذكرها يقضي الفائتة ولم يعد الوقتية وقال مالك: لا يسقط الترتيب بهما. (وصيرورتها) أي ويسقط الترتيب بين الفائتات وبينها وبين الوقتية بصيرورتها (ستاً) بخروج وقت السادسة مطلقاً سواء كانت الفائتة قديمة أو حديثة، فالحديثة تسقط اتفاقاً، وفي القديمة اختلاف المشايخ وذلك كمن ترك صلاة شهر ثم صلى مدة ولم يقض تلك الصلوات حتى ترك صلاة ثم صلى أخرى ذاكراً للفائتة الحديثة لم تجز
عند البعض، وقيل تجوز وعليه الفتوى وعند محمد أنه اعتبر دخول وقت السادسة، وقال زفر رحمه الله: الترتيب يلزم في صلاة شهر كأن حد الكثرة بأن يزيد على شهر عنده (ولم يعد) الترتيب (بعودها إلى القلة أي بعود الفوائت بأن قضى بعض الفوائت حتى قل ما بقي، وعند بعض العلماء يعود، والأول أصح.
(فلو صلى فرضاً) حال كونه ذاكراً فائتة ولو وتراً فسد فرضه) فساداً (موقوفاً) أي لو صلى العصر مثلاً ذاكراً أنه لم يصل الظهر فسد عصره إن لم يكن في آخر الوقت، والعبرة لأصل الوقت عندهما وعند محمد للوقت المستحب حتى لو شرع في العصر وهو ناس للظهر ثم تذكر الظهر في وقت لو اشتغل به يقع العصر في الوقت المكروه ويقطع العصر عندهما ويصلي الظهر ثم يصلي العصر وعنده يمضي في العصر ثم يصلي الظهر بعد غروب الشمس، فإذا فسدت الفريضة لا يبطل أصل الصلاة عندهما وعند محمد يبطل كذا ذكر هذا الاختلاف عامة مشايخنا وقيل: لا خلاف بينهم بأنه لا يبطل أصل الصلاة، ثم العصر يفسد فساداً موقوفاً عند أبي حنيفة حتى لو صلى بعده ست صلوات أو أكثر، ولم يعد الظهر، عاد الكل جائزاً وعندهما يفسد فساداً باتاً لا جواز له بحال وقال الشافعي: لا يفسد أصلاً. قوله:
ولو وتراً، أي ولو كان المتروك وتراً فكذلك عنده خلافاً لهما.
باب سجود السهو
هذا من قبيل إضافة المسبب إلى السبب، والأصل أن يكون المضاف إليه سبباً للمضاف كما في خيار الشرط وخيار العيب وسجدة التلاوة، وهذا لأن الإضافة للاختصاص. وأقوى الاختصاص اختصاص الأثر بالمؤثر.
ولما كان سجود السهو لإصلاح ما فات أشبه قضاء الفوائت، (يجب بعد السلام) من جهة إن كان إماماً، ومن جهتين إن كان منفرداً مطلقاً سواء كان بزيادة أو نقصان سجدتان بتشهد والصلاة على النبي عليه السلام والدعاء في الصحيح، وقال الطحاوي: يأتي به في القعدتين وقيل يأتي في القعدة قبل السجود عندهما، وعند محمد في القعدة بعد السجود. ثم سجوده واجب في الصحيح، وقيل: سنة، وقال الشافعي: يسجد قبل السلام والخلاف في الأولوية دون الجواز. وقال مالك: إن كان سهوه عن نقصان فقبل السلام، وإن كان عن زيادة فبعده إلا أن أبا يوسف قال له: أرأيت لو زاد فيه ونقص فتحير ومن أراد الضبط على مذهبه فليأخذ القاف مع القاف والدال مع الدال وتسليم بترك واجب متعلق بقوله: يجب (وإن تكرر ترك الواجب (ويسهو) أي يجب بسهو (إمامه) على المقتدي (لا بسهوه) أي بسهو المقتدي عليه حتى لو سها
المقتدى لا يلزم الإمام والمقتدي السجود.
(فإن سها) المصلي (عن القعود الأول وهو إليه) أي الساهي إلى القعود (أقرب) من القيام (عاد) وقعد وتشهد ولا يسجد للسهو، وبهذا القدر من التأخير في الأصح (وإلا) أي وإن لم يكن إلى القعود أقرب إلى القيام أقرب (لا) يعود إلى القعود ويعتبر ذلك بالنصف الأسفل من الإنسان إن كان النصف الأول مستوياً كان إلى القيام أقرب، وإلا لا. ويسجد للسهو) هذا الذي ذكرنا رواية عن أبي يوسف وقد استحسن مشايخنا روايته وفي ظاهر الرواية وهو قولهما: إن لم يستو قائماً يعود وإن استوى قائماً لا يعود.
(وإن سها عن) القعود (الأخير عاد ما لم يسجد) للركعة الخامسة (ويسجد للسهو، فإن سجد في الركعة الخامسة (بطل (فرضه مطلقاً سواء كان عامداً أو ساهياً. وقال الشافعي: إن كان عامداً بطلت وإن كان ساهياً لا (برفعه) أي إنما يبطل برفع الجبهة عند محمد وهو المختار للفتوى وعند أبي يوسف بوضع الجبهة. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا وضع جبهته فسبقه حدث فرفع رأسه للوضوء فتوضأ، فعند أبي يوسف لا يمكن إصلاحها لبطلانها، وعند محمد يبني. (وصارت) الركعات الخمس (نفلا) عندهما خلافاً لمحمد فيضم إليها ركعة سادسة) ندباً حتى لو لم يضم لا شيء عليه خلافاً لزفر، فإنه يضم وعند محمد لا يضم.
(وإن قعد في الركعة (الرابعة ثم قام ولم يقيد الخامسة بالسجود (عاد) إلى القعود (وسلم، وإن سجد للخامسة تم فرضه وضم إليها) ركعة (سادسة لتصير الركعتان نفلاً وسجد للسهو) استحساناً لا قياساً في آخر الصلاة، ثم هما لا ينوبان عن سنة الظهر إن كان السهو في فرض الظهر، وقيل: ينوبان، والأول أصح.
(ولو سجد للسهو في شفع التطوع) أي لو صلى ركعتين تطوعاً وسها فيهما وسجد للسهو فأراد أن يبني عليهما أخريين (لم يبن شفعاً آخر عليه) ومع هذا لو بنى صح لبقاء التحريمة ويعيد سجود السهو في الصحيح. وإنما قيد الصلاة بالتطوع لأن المسافر لو صلى الظهر مثلاً ركعتين وسها فيهما وسجد للسهو ثم نوى الإقامة فإنه يتم صلاته أربعاً ولم تفد السجدة كذا في الكافي.
(ولو سلم أي لو قطع (الساهي) الصلاة (فاقتدى) بعد قطعه (به غيره فإن سجد) الإمام للسهو بعد اقتدائه (صح) الاقتداء (وإلأ) أي وإن لم يسجد الإمام للسهو (لا). يصح اقتداءه. وقال محمد: يصح سجد الإمام أو لا، وهو قول زفر. (ويسجد) الساهي (للسهو، وإن سلم للقطع) يريد به قطع الصلاة
وعليه سهو يسجد للسهو وبطلت نية القطع عندهما.
(وإن شك) المصلي (أنه) كم صلى أي ثلاثاً أم أربعاً (أول مرة استأنف) والاستئناف بالسلام أولى ومعنى: أول مرة إن السهو ليس بعادة له لا أنه لم يسه في عمره قط (وإن كثر) الشك (تحرى) وإن وقع تحريه على شيء أخذ به التحري بذل المجهود لنيل المقصود (وإلأ) أي وإن لم يقع تحريه على شيء (أخذ بالأقل) ويقعد في كل موضع يتوهم أنه آخر صلاته توهم مصلي الظهر أنه أتمها فسلم ثم علم أنه صلى ركعتين وهو على مكانه ساكت (أتمها وسجد للسهو) وعند محمد لا يتمها، وإنما قيد التوهم بقوله أتمها لأنه لو ظن أنه مسافر أو أنه يصلي الجمعة فسلم على رأس الركعتين فإنه تفسد صلاته ثم للإنسان حالتان الصحة والمرض.
فلما فرغ من الأولى شرع في الثانية، فقال:
باب صلاة المريض
قد يكون المرض حقيقياً إن تعذر عليه (القيام بحيث لو قام لسقط (أو) حكمياً إن خاف زيادة المرض به أو يجد وجعاً به (صلى قاعداً يركع ويسجد) فالأول تعذر، حقيقي، والثاني حكمي. فإن لحقه نوع من المشقة لم يجز ترك القيام فإن قدر على بعض القيام يقوم بقدر ما يقدر حتى لو كان قادراً على التكبير قائماً فقط يكبر قائماً، وكذا لو كان قادراً على بعض القراءة: قائماً. يقوم بقدره، كذا في الخلاصة.
(أو) صلى (مومئاً إن تعذر) كل واحد من الركوع والسجود (وجعل سجوده) أي إيماء سجوده (أخفض) من إيماء الركوع ولا يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه، فإن فعل) أي رفع شيئاً يسجد عليه (وهو يخفض رأسه صح) بالإيماء لا يوضع الرأس على ذلك الشيء وإلا (لا أي وإن لم يخفض رأسه ولكن وضع شيء على جبهته لم يجز وإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض وهو يسجد عليها جاز. (وإن تعذر القعود أوما بالركوع والسجود (مستلقياً) على ظهره جاعلاً رجليه إلى القبلة وينبغي أن يوضع تحت رأسه وسادة حتى يكون شبه القاعد (أو) أوما على جنبه أي إن اضطجع على جنبه ووجهه إلى القبلة فأومأ جاز، والأول أولى خلافاً للشافعي، (وإلأ) أي وإن لم يستطع الإيماء برأسه (أخرت) الصلاة عنه) (ولم يوميء بعينه وقلبه وحاجبيه وقال زفر يومى بعينه فإن عجز فبقلبه، وذكر في التحفة خلافاً للشافعي والحسن أيضاً، وقال الشافعي: ينبغي أن يومىء بقلبه وبعينه. وقال الحسن بن زياد يومىء بحاجبيه وبقلبه ويعيد متى قدر على الأركان. وقوله: أخرت إشارة إلى أنه لا تسقط وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا
كان مفيقاً. وقيل: الأصح إن عجزه إن زاد على يوم وليلة لا يلزمه القضاء، وإن كان دون ذلك يلزمه.
(وإن تعذر الركوع والسجود لا القيام أومأ (قاعداً وهو المستحب. وقال زفر والشافعي: أوماً قائماً (ولو) (مرض) المصلي (في صلاته يتم بما قدر) وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يستقبل والأول أصح. ولو صلى) المريض (قاعداً يركع ويسجد فصح المريض في الصلاة (بنى) على صلاته قائماً، وقال محمد يستقبل ولو كان مومئاً لا أي لو صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود ولا يبني بل يستأنف عندهم جميعاً. وقال زفر يبني وللمتطوع أن يتكيء على شيء إن أعيا يعني افتتح التطوع قائماً ثم أعيا لا بأس أن يتكيء على عصا أو حائط وإن كان الاتكاء بغير عذر يكره، وقيل لا يكره عند أبي حنيفة وعندهما يكره، وإن قعد بغير عذر يكره القعود بالاتفاق وتجوز الصلاة عنده ولا تجوز عندهما. (ولو صلى في فلك قاعداً بلا عذر وهو دوران الرأس (صح) وقالا: لا يجوز إلا من عذر ويلزمه التوجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة، وكلما دارت به السفينة والخلاف في غير المربوطة حتى لو كانت مربوطة لم تجز الصلاة قاعداً إجماعاً. وقيل: تجوز عنده في حالتي الإجزاء والإرساء فإن كانت موثقة بالبحر في لجة البحر وهي تضطرب، قيل: يحتمل وجهين والأصح إن كان الريح يحركها تحريكاً شديداً فهي كالسائرة وإن حركها قليلاً فهي كالواقفة، كذا ذكره التمرتاشي.
(ومن أغمي عليه) خمس صلوات أو دونها (أو) (جن) أي ستر عليه العقل أو سلب عنه العقل (خمس صلوات) أو دونها (قضى)، وقال الشافعي: لا يقضي إذا أغمي عليه أو جن في وقت صلاة كامل وهو القياس ولو أكثر) من الخمس (لا) أي لا يقضي مطلقاً. سواء كان بالساعات أو بالأوقات عندهما وعند محمد إن كثر بالأوقات بأن تفوته السادسة أيضاً لا يقضي وعندهما إن كثر بالساعات لا يقضي كما تقدم. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أغمي عليه أو جن قبل الزوال ودام إلى ما بعد الزوال من اليوم الثاني وأفاق قبل دخول وقت العصر لم يقض عندهما لأنه من حيث الساعات أكثر من يوم وليلة، وعند محمد يقضي ما لم يمتد إلى وقت العصر حتى تصير الصلوات ستاً.
باب سجود التلاوة
المناسبة بينهما أن في سجدة التلاوة تسقط بعض الأركان كما تسقط في صلاة المريض.
اعلم أن التلاوة سبب بالإجماع ولهذا أضيف إليها، والسماع شرط لعمل التلاوة في حق السامعين. وعند البعض هو السبب في حق السامعين لقول الصحابة: السجدة على من تلاها وعلى من سمعها،
والأول أصح.
(يجب بأربع عشرة (آية بالكسر أو بالسكون ثم سجدة التلاوة واجبة عندنا وعند الشافعي سنة مؤكدة (منها) في أولى الحج) وقال الشافعي: في سورة الحج سجدتان (و) منها في (ص) وعند الشافعي لا سجدة فيها وفي آخر الأعراف، وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل ومريم والفرقان والنمل، والسجدة، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت واقرأ وقال مالك: لا سجدة في السبع الأخير على من تلا) أي تجب على من تلا (ولو) كان التالي (إماماً و) تجب على من (سمع ولو) كان السامع (غير قاصد للسماع (أو) كان السامع (مؤتماً لا بتلاوته) لا تجب بتلاوة المؤتم حتى لو تلا المؤتم ثم لم يسجد الإمام والمؤتم مطلقاً، أي في الصلاة وبعدها. وقال محمد: يسجدونها إذا فرغوا. (ولو سمعها) أي آية السجدة (المصلي من غيره أي ممن ليس معه في الصلاة (سجد) المصلي (بعد الصلاة ولو سجد فيها أعادها أي السجدة (لا الصلاة وفي النوادر: تفسد صلاته، وقيل هو قول محمد (ولو سمع رجل آية سجدة (من إمام فائتم أي اقتدى ذلك السامع (قبل أن يسجد الإمام لتلك التلاوة (وسجد) المقتدي (معه وبعده لا) أي إن دخل في صلاة الإمام بعدما سجدها الإمام لا يسجدها المقتدي وهذا إذا أدركه في آخر تلك الركعة أما لو أدركه في الركعة الأخرى يسجدها بعد الفراغ، (وإن لم يقتد سجدها وقال مالك: لا يسجد (ولم تقض) السجدة (الصلاتية) أي التي وجبت في الصلاة (خارجها) والقياس صلوية بدون التاء لأن تاء التأنيث تسقط عند النسبة كما في بصري. ولو) تلا خارج الصلاة فسجد لها أي لأجل التلاوة (وأعاد) هذه الآية (فيها) أي في الصلاة (سجد) مرة (أخرى) في الصلاة، ولو قال: وتلا فيها لكان أولى وإن لم يسجد أولاً كفته) سجدة واحدة) عن التلاوتين في الصلاة. وفي نوادر أبي سليمان يلزمه سجدة أخرى إذا فرغ من صلاته (كمن كررها) أي آية واحدة (في مجلس واحد تكفيه سجدة واحدة (لا) أي لا يكفيه سجدة واحدة إن كررها (في مجلسين) حيث يجب لكل تلاوة سجدة وكيفيته أن يسجد بشرائط الصلاة) من الوضوء وستر العورة واستقبال القبلة وطهارة المكان ونحوه (بين تكبيرتين بلا رفع يد وتشهد وتسليم أي من أراد سجود التلاوة كبر ندباً بلا رفع يد وتشهد وتسليم وسجد ثم كبر ندباً ورفع رأسه كسجدة الصلاة، وقال الشافعي: يسجد سجدة واحدة بأن قام وكبر رافعاً يديه ناوياً ثم يكبر للسجود ولا يرفع يديه ثم يكبر للرفع ويقعد ويتشهد ثم يسلم تسليمتين. وكره أن يقرأ سورة ويدع) أي يترك (آية السجدة) مطلقاً سواء كانت في الصلاة أو غيرها (لا عكسه) أي قرأ آية السجدة وترك ما سواها لا بأس ثم قيل: وجوب السجدة متعلق بالكلمة التي فيها ذكر السجود، وعن محمد: لا يجب إلا أن يقرأ معها أكثر آية السجدة،
وقيل: كلها، كذا في الجامع للتمرتاشي.
باب صلاة المسافر
المناسبة بينهما ظاهرة، والأصل في المفاعلة أن تكون بين اثنين. وقد تستعمل في واحد وهنا من قبيل الأول لأن المسافر لا يخرج من بيته غالباً إلا مع رفيقه.
والسفر في اللغة هو: قطع المسافة، إلا أن المراد قطع مسافة تتغير به الأحكام.
(من جاوز بيوت مصره) حال كونه (مريداً سيراً وسطاً) وهو سير الإبل ومشي الأقدام ثلاثة أيام معناه مريداً سيراً وسطاً في ثلاثة أيام في بر أو بحر أو جبل قصر الفرض الرباعي ويصير فرضه ركعتين. وقال الشافعي فرضه الأربع والقصر رخصة وإنما قيد بالإرادة لأنه بدون الإرادة لا يكون مسافراً، وقيد الرباعي يؤذن بأن لا قصر في الفجر والمغرب ثم أدنى مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها. وعند الشافعي مقدر بيومين وهي ستة عشر فرسخاً، وفي قول بيوم وليلة، وعند مالك بأربعة برد كل بريد اثنا عشر ميلاً، وعند أبي يوسف مقدر بيومين وأكثر اليوم الثالث، وعن أبي حنيفة أنه اعتبر ثلاث مراحل وهو قريب من ثلاثة أيام وقيل: تعتبر بالفراسخ أحد وعشرون فرسخاً أو ثمانية عشر أو خمسة عشر ولا يعتبر السير في الماء بالسير في البر بأن كان لموضع طريقان أحدهما في الماء وهو يقطع بثلاثة أيام ولياليها إذا كانت الرياح ساكنة، والثاني في البر وهو يقطع بيومين فإنه إذا ذهب بطريق الماء يترخص وكذا إذا انعكس التقدير ينعكس الحكم. والمعتبر في البحر ما يليق بحاله كما في الجبل والفتوى على أنه ينظر إلى السفينة كم تسير في ثلاثة أيام ولياليها عند استواء الريح بحيث لم تكن عاصفة ولا هادئة فيجعل ذلك أصلاً فيقصر إن قصد ثلاثة أيام على هذا التفسير في البحر، وإنما قال: ثلاثة أيام لأن السفر الذي يتغير به الأحكام الشرعية أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها استفيد من قوله عليه السلام يمسح المسافر ثلاثة أيام. وجه الاستفادة أن الرخصة تعم جنس المسافرين، وذلك لا يحصل إذا كان أدنى مدة السفر أقل من ثلاثة أيام وإلا يتطرق الخلف في كلام صاحب الشرع هذا ما قالوا ويرد عليه نكتة ذات جزالة وهي:: أن المأخوذة من الحديث أن المسافر ما دام مسافراً يمسح كذا أو أن ما صدق عليه مسافر مطلقاً يمسح كذا، والأول لا يستلزم التقدير بثلاثة أيام لجواز أن يقصد مسيرة يوم مثلاً ويمسح ثلاثة أيام ما لم ينفسخ السفر. والثاني: يستلزم الخلف في كلام صاحب الشرع ولو قدرت المدة ثلاثة أيام لأن ما صدق عليه أنه مسافر في بعض الأحيان قد لا يمسح ثلاثة أيام، كذا سمعت عن ا الأستاذ الوالد الماجد.
(فلو أتم صلاته أربعاً (و) قد (قعد في الركعة الثانية) قدر التشهد (صح) والأخريان نافلة. ويصير مسيئاً لتأخير السلام وفي السغناقي وعند الشافعي: صلاته تامة وكان الأربع فرضاً له وإلا) أي وإن لم يقعد في الثانية قدره (لا) يصح خلافا للشافعي (حتى يدخل مصره) متعلق بقوله قصر أي قصر ولا يتم حتى يدخل بيوت مصره بعد استحكام السفر أو يعزم على الرجوع إليه قبل الاستحكام وسير ثلاثة أيام، فإنه يتم بالدخول أو بمجرد العزم قبله فإنه لا يقصر ويتم حينئذ وإن لم ينو الإقامة.
(أو ينوي إقامة نصف شهر ببلد أو قرية) والتقييد بهما يؤذن بأنه لا تصح نية الإقامة في المفاوز. قالوا هذا إذا سار ثلاثة أيام ثم نوى الإقامة في غير موضعها لا يصح، أما إذا لم يسر: ثلاثاً فيصح. وقال مالك والشافعي مدة الإقامة أربعة أيام (لا بمكة ومنى) أي لو نوى مدة الإقامة بمكة ومنى على الاشتراك لا يصير. مقيماً إلا إذا نوى أن يقيم بالليل في أحدهما، فإن عزم على أن يقيم بالليل في أحدهما ويخرج في النهار إلى الموضع الآخر، فإن دخل أولاً الموضع الذي عزم على الإقامة فيه بالنهار لم يصر مقيماً، وإن دخل أولاً الموضع الذي عزم على الإقامة فيه بالليل صار مقيماً. ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لم يصر مسافراً لأن موضع إقامة المرء حيث يبيت فيه، ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي أين تسكن، يقول: في محلة كذا، وهو بالنهار يكون في السوق. ثم التقييد بهما اتفاقي بل المعتبر كونهما أصلين ففي كل موضعين أحدهما تبع للآخر يجوز.
(وقصر) الرباعي (إن نوى أقل منه أي من نصف الشهر (أو لم ينو) الإقامة وبقي سنين) في موضع بأن عزم أن يخرج غداً أو بعد غد أو لم يعزم شيئاً (أو نوى عكس ذلك أي الإقامة بأرض الحرب وإن حاصروا مصراً) أي إن نوى عسكر الإقامة بأرض الحرب وإن حاصروا قصروا مطلقاً. وقال أبو يوسف في الإملاء: إذا كان العسكر استولوا على الكفار ونزلوا بساتينهم وكرومهم وأكنانهم وللمسلمين منعة وشوكة فأجمعوا على الإقامة خمسة عشر يوماً أتموا الصلاة، كذا في المغني. وعند زفر تصح الإقامة إن كانت الشوكة لهم وإن كانت الشوكة لأهل الحرب لا تصح نيتهم.
(أو حاصروا أهل البغي في دارنا في غيره أي قصروا إن حاصروا في دار الإسلام في غير المصر أو حاصروهم في البحر مطلقاً سواء كانت الشوكة لهم أو لنا. وقال زفر يصح في الفصلين بخلاف أهل (الأخبية أي لا يقصرون إذا كانت نية الإقامة من أهل الكلأ وهم أهل الخيام والأخبية وهي جمع الخباء وهو خيمة شعر أو صوف، وقيل: لا يصح، والأصح أنهم مقيمون. (وإن اقتدى مسافر بمقيم في الوقت صح) الاقتداء (وأتم) المسافر مطلقاً سواء أدركه في الشفع الأول أو الثاني خلافاً لمالك فإن عنده إذا أدركه
في الشفع الأخير لا يجاوز شفعه (وبعده لا) أي لو اقتدى مسافر بمقيم بعد خروج الوقت لا يصح (وبعكسه صح فيهما) أي إن اقتدى المقيم بالمسافر صح في الوقت وبعده إذا اتفق الفرضان وإن سلم المسافر يتم المقيم صلاته ثم قيل يقرأ المقيم في هاتين الركعتين لأنه كالمسبوق والأصح أنه لا يقرأ إلا أنه كاللاحق ويستحب للإمام إذا سلم أن يقول لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر.
(ويبطل الوطن الأصلي) وهو ما يكون بالتوطن بالأهل أو بالتوالد (بمثله) أي الوطن الأصلي حتى لو انتقل من وطنه الأصلي فتوطن ببلد آخر بأهله وعياله ثم سافر فدخل وطنه الأول قصر (لا) السفر) أي لا يبطل الوطن الأصلي بالسفر حتى لو سافر من وطنه الأصلي ثم رجع ودخل وطنه الأصلي يصير مقيماً وإن لم ينو الإقامة (و) يبطل (وطن) الإقامة بمثله حتى لو سافر مكي ونوى الإقامة بالمدينة ثم سافر منها فنوى الإقامة في الكوفة، ثم رجع من الكوفة إلى المدينة ودخلها لا يصير مقيما إلا بالنية (والسفر) أي يبطل وطن الإقامة به حتى لو سافر مكي من مكة فتوى الإقامة خمسة عشر يوماً في المدينة ثم سافر منها بطلت نية الإقامة حتى لو دخل المدينة لا يصير مقيماً إلا بنية جديدة (والأصلي) أي يبطل وطن الإقامة به حتى لو سافر مكي من مكة فنوى الإقامة في المدينة ثم رجع من المدينة ودخل مكة ثم سافر منها ثانياً ودخل المدينة لا يصير مقيماً إلا بنية جديدة.
(وفائتة السفر والحضر تقضي ركعتين وأربعاً) وفيه لف ونشر الأول بالأول والثاني بالثاني. وقال الشافعي: لا رخصة في فائتة السفر أيضاً (والمعتبر فيه) أي في كل واحد من السفر والإقامة وكذا في الحيض والطهر والبلوغ والإسلام (آخر الوقت) وذا بقدر التحريمة وقال زفر يعتبر قدر ما يتمكن من أداء الصلاة حتى لو سافر المقيم في آخر الوقت وبقي منه قدر ما يتمكن أن يصلي فيه ركعتين قصر، وإن بقي أقل منه أتم عنده. والحيض والطهر وأخواتهما على هذا وقال الشافعي: يعتبر أول الوقت.
(والعاصي) أي المسافر لطلب الزنا أو قطع الطريق (كغيره) وقال الشافعي: لا رخصة للعاصي (ويعتبر نية الإقامة والسفر من الأصل دون التبع) أي إقامة الأصل تستلزم إقامة التبع حتى لو نوى المولى الإقامة ولم يعلم العبد حتى قصر أياماً ثم علم قضى تلك الصلاة (كالمرأة) أي التبع مثل المرأة فإنها تبع للزوج (والعبد) فإنه تبع للمولى (والجندي) فإنه تبع للأمير.
باب صلاة الجمعة
هي مشتقة من الاجتماع وهي بسكون الميم في استعمال أهل اللسان والقراء يقرؤون بضم الميم
والمناسبة بين البابين أن في كليهما ما سقوط شطر الصلاة وإنما حذف المضاف في الجمعة والعيدين ليبين أحكام الصلاة واليوم وهي فريضة. اعلم أن لوجوبها شرائط وهي في المصلي كما سيأتي. ولأدائها شرائط وهي في غير المصلي والفرق بين شرائط الوجوب وشرائط الأداء: أن بانتفاء الأول يصح الأداء بانتفاء الثاني لا يصح، فأراد أن يبين شرائط الأداء، فقال:
(شرط أدائها المصر) فلم تجز في القرية خلافاً للشافعي (وهو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم (الحدود هذا عند أبي يوسف وهو الصحيح، وفي رواية عنه: المصر الجامع كل موضع أهله كثير بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم (أو) مصلاه) عطف على قوله المصر أي تؤدى الجمعة مطلقاً سواء كان بينهما مزارع أو لا، لأنه يكون في فنائه وفناؤه ملحق به وقدره محمد بغلوة وأبو يوسف بميل أو ميلين وقيل إنما يجوز في فناء المصر إذا لم يكن بينهما مزارع فعلى هذا لا يجوز إقامة الجمعة ببخارى في الجبانة وقد وقعت هذه المسألة مرة وأفتى به بعض المفتين بعدم الجواز ولكن هذا ليس بصواب، فإن أحداً من الأئمة لم يقل بعدم جواز صلاة العيد في الجبانة ببخارى لا من المتقدمين ولا المتأخرين وكما أن المصر وفناءه شرط جواز الجمعة فهو شرط جواز صلاة العيد، كذا في المغني.
(ومنى مصر) فيجوز إقامة الجمعة بها عندهما خلافاً لمحمد، وإنما تجوز عندهما الجمعة بمنى إذا كان ثمة أمير مكة أو أمير الحجاز أو الخليفة، أما أمير الموسم فليس له إقامة الجمعة (لا عرفات أي عرفات غير مصر (وتؤدى) الجمعة في مصر في مواضع مطلقاً سواء كان بينهما نهر كبير أو لا، قال شمس الأئمة
السرخسي: اختلفت الروايات في إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين فالصحيح من قول أبي حنيفة ومحمد أنه يجوز إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين أو أكثر خلافاً للشافعي. وعن أبي يوسف أنه يجوز في موضعين لا غير وعنه أنه لا يجوز في مصر في موضعين إلا أن يكون بينهما نهر كبير فاصل وهو ما تجري فيه السفن فحينئذ يكون كل جانب كمصر ثم في كل موضع وقع الشك في جواز الجمعة لوقوع الشك في المصر أو غيره، وأقام أهله الجمعة ينبغي أن يصلوا أربع ركعات بعد الجمعة وينووا بها الظهر حتى لو لم تقع الجمعة موقعها يخرج عن عهدة فرض الوقت بيقين. (و) شرط أدائها السلطان أو نائبه مطلقاً سواء قلدا السلطنة من الخليفة أو كان متغلباً لا منشور له، وقال الشافعي: السلطان والنائب ليسا بشرط أيضاً وشرط أدائها (وقت الظهر فتبطل الجمعة (بخروجه) أي لو خرج الوقت وهو فيها قبل ما قعد قدر التشهد يستقبل الظهر اتفاقاً خلافاً لمالك والشافعي فإن عنده أتمها أربعاً وعند مالك يمضي على
الجمعة (و) شرط أدائها (الخطبة قبلها) حتى لو صلوا بلا خطبة أو خطب قبل الوقت لم يجز وسن خطبتان بجلسة بينهما) وقال الشافعي: لا بد من خطبتين بينهما جلسة ومقدارها أن يستقر كل عضو منه في موضعه ويحمد في الأولى ويتشهد ويصلي على النبي عليه السلام ويعظ الناس. وفي الثانية كذلك، إلا أنه يدعو مكان الوعظ كذا جرى التوارث بطهارة قائماً أي يخطب قائماً على الطهارة، وعند أبي يوسف والشافعي لا تجوز بدون الطهارة، وعند الشافعي لا تجوز إلا قائماً أيضاً وكفت تحميدة أو تهليلة أو تسبيحة أي لو اقتصر على الحمد لله أو سبحان الله أو لا إله إلا الله جاز وقالا: لا يجوز إلا إذا كان كلاما يسمى خطبة عادة، وقيل أقله قدر التشهد.
(و) شرط أدائها (الجماعة) مطلقاً سواء كانت أحراراً أو عبيداً أو مسافرين أو مقيمين، وهم ثلاثة) أي أدنى الجماعة ثلاثة سوى الإمام، وقال الشافعي: أربعون رجلاً أحراراً مقيمين سواه، وعن أبي يوسف أدناها اثنان سواه، والأصح قول أبي يوسف، كذا في بعض الحواشي. فإن نفروا قبل سجوده بطلت واستأنف الظهر وقالا: إن نفروا بعدما كبر صلى الجمعة، وإن نفروا بعدما سجد صلى الجمعة عندهم. وقال زفر: استقبل الظهر إذا نفروا قبل أن يقعد قدر التشهد. (و) شرط أدائها (الإذن العام وهو أن يفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس بالدخول فيه حتى لو اجتمعت جماعة في الجامع وأغلقوا الأبواب وجمعوا لم يجز، وكذا السلطان إذا أراد أن يصلي بعسكره في داره أو الجامع فإن فتح بابها وأذن للناس إذناً عاماً جازت وإلا لا.
ولما فرغ من شروط الأداء شرع في شروط الوجوب، حيث قال:
وشروط وجوبها (الإقامة فلا تجب على المسافر (والذكورة) فلا تجب على المرأة (والصحة) فلا تجب على المريض، والحرية) فلا تجب على العبد، وسلامة العينين) فلا تجب على الأعمى مطلقاً سواء كان له قائد أو لا، وعندهما إذا وجد قائداً تلزمه وإنما قال سلامة العينين وأراد به الواحد للمناسبة بقوله، (والرجلين) فلا تجب على المقعد، ومن لا جمعة عليه كالمسافر والمريض والعبد إن أداها جاز عن فرض الوقت وهو الظهر وهو فرض الوقت لأنه هو الأصل، وفرض الوقت على الكافة وإن كان سوق الكلام يقتضي تفسيره بصلاة الجمعة لأنه بيان أداء الواجب الذي وجب في هذا الوقت القائم مقام فرض الوقت في صحته وفي صيرورته واجباً بعد حضوره ولم يكن واجباً، قبله وهو صلاة الجمعة. والأصل أن الظهر يؤدى بالجمعة ويقام صلاتها مقامه كما في المعذور، ولا فرق بينهما بعد حضورها وقال: زفر فرض الوقت صلاة الجمعة.
وللمسافر والعبد والمريض أن يؤم فيها وقال زفر: لا يجوز، (وتنعقد) الجمعة (بهم) حتى لو كان خلفه مسافر وعبد ومريض فحسب انعقدت الجمعة خلافاً للشافعي كما مر. (ومن لا عذر له لو صلى الظهر (قبلها أي قبل صلاة الجمعة (كره) وجازت، وقال زفر: لا يجوز ويلزم إعادة الظهر بعد فراغ الإمام عن الجمعة. فإن سعى إليها بطل أي إن أدى الظهر ثم سعى إلى الجمعة بطل الظهر المؤدى مطلقاً سواء كان أدرك الإمام فيها أو لا، وسواء كان معذوراً كالمسافر والعبد والمريض أو غيره أو لا. وقالا إن لم يدرك الإمام لا يبطل. وقال زفر: لا يبطل ظهر المعذور، فإن خرج من بيته والإمام فرغ منها لا يبطل إجماعاً وإن خرج من بيته والإمام فيها فقبل أن يصل إليه فرغ منها بطل عند أبي حنيفة خلافاً لهما، وإن خرج لا يقصد الجمعة لم تبطل إجماعاً.
(وكره للمعذور والمسجون أداء الظهر بجماعة في المصر) مطلقاً سواء كان قبل فراغ الإمام أو بعده لأنها تفضي إلى تقليل جماعة الجمعة بخلاف القرية فإنه ليس فيها جمعة، ومن أدركها في التشهد أو في سجود السهو أتم جمعة) وقال محمد وزفر والشافعي: إن أدرك أقلها بأن أدرك بعدما رفع رأسه من الركوع من الركعة الثانية يصلي أربعاً إلا أن الأربع ظهر محض على قول الشافعي. قالوا: لو ترك القعدة على رأس الثانية لا يضره، وعلى قول محمد جمعة من وجه ظهر من وجه، كذا في النهاية. وهذا هو الجواب عما قيل على قول محمد: أنه إن كان ظهراً فكيف يبنيه على تحريمة الجمعة، وإن كان جمعة فكيف يكون أربعاً. وعند محمد في رواية: يقعد على الثانية ويقرأ في الأخريين نظراً إلى أنه جمعة. (وإذا خرج الإمام) من الحجرة فلا صلاة ولا كلام مطلقاً سواء خطب أو لم يخطب، وقال الشافعي: يأتي بالسنة وتحية المسجد ويرد السلام، وقالا: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب وإذا فرغ قبل أن يشتغل فالصلاة (ويجب السعي) على من عليه الجمعة إليها وترك البيع بالأذان الأول) قال الطحاوي: يجب السعي ويكره البيع عند أذان المنبر، هذا بعد خروج الإمام. وقال الحسن: المعتبر الأذان على المنارة والأصح أن كل أذان قبل الزوال فهو غير معتبر، والمعتبر أول أذان بعد الزوال مطلقاً سواء كان على المنبر أو على الزوراء، والمراد به المكان المرتفع.
(فإن جلس) الخطيب (على المنبر أذن بين يديه وأقيم بعد تمام الخطبة) ثم لا يجب على من كان خارج الربض في موضع لو خرج واحد من أهل المصر بنية السفر يباح له القصر إذا انتهى إلى ذلك الموضع في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة: الأذان، يجب على ما يجب خراجه إلى خراج البلد وعن محمد على من سمع وعن أبي يوسف إن كان بينه وبين المصر فرسخ تجب وعن محمد: إن كان بينهما ثلاثة أميال تجب
،وإلا لا، وهو قول مالك والربض ما حول المدينة مما عد لحوائجها.
باب صلاة العيدين
والعيد مشتق من عيدان إذا جمع وجمعه أعياد. والقياس: أن يكون أعواداً لأن الياء منقلبة عن الواو، إلا أنه. جمع بالياء ليكون فرقاً بينه وبين جمع العود، أي الخشبة والمناسبة بينهما أن الجمعة عيد لقوله عليه السلام: لكل مؤمن في كل شهر أربعة أعياد أو خمسة.
تجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة بشرائطها) أي يشترط لصلاة العيد ما يشترط للجمعة سوى (الخطبة فإنها ليست من شرائطه، ثم صلاة العيد واجبة عند الجمهور كذا روي عن أبي حنيفة وذكر في الجامع الصغير عيدان اجتمعا في يوم واحد، فالأول سنة والثاني فريضة وأراد بالأول صلاة العيد، وبالثاني صلاة الجمعة وقال شمس الأئمة السرخسي الأظهر أنها سنة ولكنها من معالم الدين أخذها هدى وتركها ضلالة وقال أبو موسى: أنها فرض كفاية. (وندب) أي استحب (في) عيد الفطر أن يطعم ويغتسل ويستاك ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويؤدي صدقة الفطر) قبل التوجه إلى المصلى (ثم) أن (يتوجه إلى المصلى) حال كونه (غير مكبر) جهراً في طريقه وقالا: يكبر جهراً كما في الأضحى وقيل الخلاف في أصل التكبير فعنده لا يكبر وعندهما يكبر. وروى الطحاوي عن أبي حنيفة أنه يكبر في طريق المصلى في عيد الفطر جهراً، وهو قولهما كذا في النهاية والخروج إلى الجبانة سنة، وقال بعضهم: ليس بسنة. (و) غير (متنفل قبلها) أي يكره التنفل قبل صلاة العيد مطلقاً، أي في حق الإمام والقوم وفي المصلي وغيره وقيل: غير مكروه وقال الشافعي: يكره في حق الإمام ولا يكره في حق القوم. وقيل في المصلي يكره، والجمهور على الكراهية في الجبانة وغيرها ووقتها من حين ارتفاع الشمس) بعد خروج الوقت عن حد الكراهة (إلى) وقت (زوالها ويصلي ركعتين) حال كونه (مثنياً) أي قائلاً: سبحانك اللهم إلخ (قبل) تكبيرات الزوائد) وهي ثلاث تكبيرات في كل ركعة) أي في كل واحدة من الركعتين ويوالي بين القراءتين بيانه: أنه يكبر للافتتاح ثم يستفتح ثم يكبر ثلاثاً في كل مرة يرفع يديه ولا يضعهما. وعن أبي يوسف: لا يرفع في شيء منها، ثم يقرأ الفاتحة والسورة ثم يكبر للركوع، فإذا قام إلى الثانية يقرأ الفاتحة والسورة أولاً ثم يكبر ثلاثاً ثم يكبر للركوع وهو قول ابن مسعود. وقال علي: أربع في كل ركعة في الفطر وفي الأضحى واحدة في كل ركعة ويبدأ بالقراءة فيهما. وقال ابن عباس: خمس في كل ركعة ويبدأ بالتكبير فيهما وعنه خمس في الأولى، وأربع في الثانية، وأخذ الشافعي بقول ابن عباس فصارت الأصليات والزوائد عنده اثني عشر في رواية وفي رواية خمسة عشر وفي رواية ستة عشر، ثم يسكت بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات.
وقال الشافعي: يقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
(ويرفع يديه) في الزوائد (ويخطب) الخطيب (بعدها خطبتين) هذا بيان الأفضلية حتى لو قدمت على الصلاة جاز ولا تعاد (و) الخطبة (يعلم) الناس (فيها أحكام صدقة الفطر، ولم تقض إن فاتت مع الإمام) أي إن صلى الإمام العيد وفاتت من شخص فإنها لا تقضى. وقال الشافعي: من فاتته صلاة العيد يصلي وحده، كذا في النهاية. أما لو فاتت من الإمام أيضاً فإنها تؤدى من اليوم الثاني.
(وتؤخر بعذر إلى الغد) أي إن غمّ الهلال مثلاً وشهد عند الإمام به بعد الزوال صلى عيد الفطر من الغد (فقط) أي وإن حدث عذر منع من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده، أو نقول: إنما قيد به احترازاً عن الأضحى لأنها تصلي بعد غد أيضاً. (وهي) أي أحكام الفطر أحكام الأضحى لكن هنا يؤخر الأكل عنها) على سبيل الاستحباب حتى لو لم يؤخر لم يكره، وبه قال بعض المشايخ، وهو المختار وقد نص عليه في الفتاوى الخانية.
(و) لكن هنا (يكبر في الطريق جهراً ثم يقطعها كما انتهى إلى الجبانة في رواية وهي رواية المبسوط وشرح الطحاوي، وفي رواية حتى يشرع الإمام فيها (و) لكن هنا (يعلم الأضحية وتكبير التشريق في الخطبة وتؤخر) صلاة الأضحى (بعذر إلى ثلاثة أيام ولا تصلى بعد ذلك فلو أخر بلا عذر أساء (والتعريف) أي تشبيه الناس أنفسهم بأهل عرفة يوم عرفة (ليس بشيء) وهو نكرة في سياق النفي، فيشمل جميع أوصاف العبادة من الفرض والواجب والسنة والمستحب ونحوه. وقيل يستحب ذلك. وسن بعد فجر (عرفة) وهو التاسع من ذي الحجة (إلى ثمان) صلوات (مرة) واحدة (الله أكبر، إلخ) وقال الشافعي: يقول الله أكبر ثلاث مرات أو خمس مرات أو سبع مرات ولا يزاد عليه وقيل: واجب واختلف الصحابة في مبدئه، فقال شبان الصحابة كابن عباس وابن عمر يبدأ بعد صلاة الظهر من أول أيام النحر وبه أخذ الشافعي، وقال كبارهم كعمرو وعلي وابن مسعود: يبدأ بعد صلاة الفجر من يوم عرفة، وهو مذهبنا واختلفوا في مختتمه، فقال ابن مسعود: يقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر وهي ثمان صلوات وبه أخذ الإمام أبو حنيفة ابتداء وانتهاء. وقال علي: يقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهي ثلاث وعشرون صلاة وبه أخذ الإمامان ابتداء وانتهاء. وقال عبد الله بن عمر: يقطع بعد صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، وأخذ به الشافعي ابتداء وانتهاء. كذا في شرح النظم (بشرط) متعلق بقوله سن، أي سن التكبير بشرط (إقامة ومصر ومكتوبة وجماعة مستحبة وهي جماعة الرجال فيجب على الرجال المقيمين في الأمصار عقب المكتوبات بالجماعة فلا يجب على القروي والمنفرد والمسافر وإن صلى بجماعة،
والمرأة وإن صلت بجماعة، وقالا هو على كل من صلى المكتوبة ولو قروياً أو مسافراً أو منفرداً أو امرأة. (وبالاقتداء) بالرجل المقيم (يجب) التكبير (على المرأة والمسافر).
باب صلاة الكسوف
يقال: كسفت الشمس، إذا ذهب ضوؤها واسودت.
(يصلي ركعتين كالنفل) أي بلا أذان وإقامة بركوع واحد في الركعة الواحدة. وقال الشافعي بركوعين إمام) (الجمعة) بالقوم للكسوف (بلا جهر وخطبة) وقال أبو يوسف: يجهر، وهي سنة. وقيل: واجبة ويقرأ فيها ما أحب ثم الأفضل أن يطول القراءة فيها، ثم يدعو) الإمام بعد الصلاة حتى تنجلي الشمس) والدعاء بعد الصلاة سنة (وإلأ) أي وإن لم يحضر إمام الجمعة معهم (صلوا فرادي) ركعتين وأربعاً (كالخسوف) أي كما يصلى في خسوف القمر فرادى، وإن كان معهم إمام. وقال الشافعي: إذا خسف القمر صلى الإمام بالناس في المسجد ركعتين وركع في كل ركعة ركوعين ويجهر وقال في المبسوط الصلاة في خسوف القمر حسنة. (و) كذا (في الظلمة والريح والفزع أي الخوف.
باب صلاة الاستسقاء
وهو طلب السقي والمناسبة بين البابين والباب السابق: أن صلاة الكسوف والاستسقاء تؤدى بالجمع العظيم كصلاة العيد أو لأن للإنسان حالتين، حالة السرور وحالة الحزن.
فلما فرغ من بيان العبادة في حالة السرور، شرع في بيانها في حالة الحزن (له صلاة لا بجماعة) ولا بخطبة (و) له (دعاء) واستغفار) عند أبي حنيفة، وهو رواية عن أبي يوسف. وقال محمد وهو رواية عن أبي يوسف يصلي ركعتين بجماعة بلا أذان وإقامة ويجهر بالقراءة ويخطب كصلاة العيد إلا أنه ليس فيها تكبيرات (لا قلب رداء) مطلقاً سواء كان إماماً أو مقتدياً. وقالا والشافعي: يقلب الإمام رداءه دون القوم، وقال مالك: يقلب الإمام إذا مضى صدر الخطبة، وكذا القوم. وصفته: إن كان مربعاً بأن كان خميصة وهو كساء جعل أعلاه أسفله، وإن كان مدوراً، أي جبة، جعل الجانب الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن (و) لا (حضور ذمي) وقال مالك: إن خرجوا لم يمنعوا وإنما يخرجون) للاستسقاء (ثلاثة أيام).
باب صلاة الخوف
والمناسبة بينهما ظاهرة بالاعتبار الثاني وهي مشروعة في زماننا خلافاً لأبي يوسف.
(إن اشتد الخوف) قال صاحب النهاية: اشتداد الخوف ليس بشرط عند عامة مشايخنا حيث جعل في التحفة سبب جواز صلاة الخوف نفس قرب العدو من غير ذكر الخلاف ومن غير ذكر اشتداد الخوف وكذا في المبسوط والمحيط، إلى هنا کلامه والمنقول عن التحفة يقتضي أن يكون الخوف ليس بشرط أيضاً، وفي مبسوط فخر الإسلام والمراد بالخوف عند البعض حضرة العدو لا حقيقة الخوف، فظهر من قولهم وقوله: إن اشتد الخوف صلوا ركباناً، إن لفظ اشتد ليس في محله اهـ.
(من عدو أو سبع وقف) من الوقف لا من الوقوف (الإمام طائفة بإزاء العدو وصلى بطائفة ركعة واحدة (لو كان مسافراً أو كان في الفجر (وركعتين) في الرباعي (لو) كان مقيماً ومضت هذه الطائفة التي صلت مع الإمام (إلى العدو وجاءت تلك الطائفة التي لم تصل (فصلى) الإمام (بهم) أي بالطائفة الثانية (ما بقي) أي ركعة لو كانت ثنائية أو ركعتين لو كان الإمام مقيماً، والصلاة رباعية (وسلم) الإمام خلافاً للشافعي (وذهبوا) أي الطائفة الثانية (إليهم) أي إلى العدو (وجاءت) الطائفة (الأولى وأتموا ما بقي وهو ركعة إن كانت ثنائية أو ركعتان إن كانت رباعية بلا قراءة لأنهم لاحقون (وسلموا) أي الطائفة الأولى (ومضوا، ثم جاءت الطائفة (الأخرى) وهي الطائفة الثانية (وأتموا) ما بقي وهو ركعة إن كانت ثنائية، أو ركعتان إن كانت رباعية (بقراءة) لأنهم مسبوقون. وقال مالك: يصلي بالطائفة الأولى ركعة وينتظر، أي يستمر الإمام قاعداً بعدما رفع رأسه من السجود وينتظرهم إلى مجيئهم فيصلي بهم الركعة الأخرى ثم ينتظر الإمام لتصلي الطائفة الأولى الركعة الثانية وتسلم وتذهب إلى العدو، وجاءت الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يسلم ويقومون لقضاء الركعة الأولى، وبه أخذ الشافعي إلا أنه لا يسلم الإمام حتى تقضي الطائفة الثانية الركعة الأولى ثم يسلم ويسلمون.
(وصلى) الإمام في المغرب بالأولى أي بالطائفة الأولى (ركعتين وبالثانية ركعة) وبالعكس، تفسد صلاة كل من الفريقين ومن (قاتل من الطائفتين قبل إتمام صلاته بطلت صلاته خلافاً للشافعي ومالك وإن اشتد الخوف (في الابتداء) صلوا ركباناً فرادى بالإيماء إلى أي جهة قدروا وعن محمد: أنهم يصلون بجماعة، وهو غير صحيح لعدم الاتحاد في المكان.
ولم تجز (صلاة الخوف بلا حضور عدو أي بطريق الحقيقة وبمقابلتهم فأما إذا كان يبعد منهم فظنوا عدواً بأن رأوا سواداً أو غباراً فصلوا صلاة الخوف ثم ظهر أنه سوادهم تجوز صلاتهم، وإن ظهر غير ذلك لا تجوز صلاتهم.
باب الجنائز
لما ذكر صلاة الخوف أعقبها بالجنائز لأن الخوف قد يفضي إليه. وهي جمع جنازة، والعامة تقول بالفتح والمعنى الميت على السرير، وإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش كذا في الجوهري. وقال ابن الأعرابي: الجنازة بالكسر السرير، وبالفتح الميت. وقيل: هما لغتان. وعن الأصمعي: لا يقال بالفتح وإنما سميت جنازة لأنها مجموعة مهيأة من تجنز الشيء فهو مجنوز إذا جمع.
(ولي المحتضر القبلة على تيمنه أي وُجُهَ الذي قَرُب من الموت إلى القبلة على شقه الأيمن (ولقن) المحتضر (الشهادة) وهي أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله والتلقين واجب على إخوانه وخلانه. وقال الشافعي: يلقن بعد الموت.
(فإن مات) المحتضر (شد لحياه وغمض عيناه ووضع الميت عند الغسل على سرير مجمر وتراً) صفة مصدر محذوف وهو تجمير، والتجمير والإجمار: التطيب. قوله: مجمر، أي السرير الذي بدار المجمر حواليه ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً وستر عورته) الغليظة في ظاهر الرواية. وفي النوادر: يستر من السرة إلى الركبة (وجُرد ويُضيء بلا مضمضمة واستنشاق خلافاً للشافعي، وصب عليه ماء مغلي بسدر) وهو شجر النبق والمراد ورقه أو حرض والأ) أي وإن لم يوجد السدر والحرض (فالقراح) أي الماء الذي لم يختلط به شيء وغسل رأسه ولحيته بالخطمي والخطمي خطمى العراق وهو مثل الصابون هذا إذا كان له شعر على رأسه وأضجع. وكيفية الغسل: أن يضجع (الميت على يساره فيغسل حتى يصل الماء إلى ما يلي التخت منه، ثم أضجع (على يمينه كذلك) أي يغسل حتى يصل الماء إلى ما يلي التخت منه ثم أجلس حال كونه (مسنداً إليه) أي يجلسه الغاسل ويسند الميت إلى نفسه ومسح بطنه) مسحاً (رفيقاً) حتى لم يبق شيء يسيل منه فتتلوث أكفانه، (وما خرج منه غسل أي ذلك الموضع (ولم يعد غسله ونشف) الماء الذي على بدن الميت بعد الغسل (بثوب) كما في حال الحياة لثلا تبتل ثيابه.
(وجعل الحنوط) وهو عطر مركب من أشياء طيبة يخلط لتطييب الموتى خاصة على رأسه ولحيته و جعل (الكافور على مساجده جمع مسجد بالفتح، وهي جبهته وأنفه ويداه وركبتاه وقدماه ولا يُسرح شعره و) لا (لحيته) خلافاً للشافعي، (ولا يقص ظفره وشعره) مطلقاً. وقال الشافعي يقص شاربه وتقلم أظفاره ويزال شعره الذي حقه الإزالة.
(وكفنه سنة) أي كفن الرجل من جهة السنة (إزار) وهو من القرن إلى القدم، (وقميص) خلافاً
للشافعي فيه وهو من أصل العنق بلا جيب ودخريص وكمين ولفافة) وهي مثل الإزار في الطول. (و) كفنه كفاية إزار لفافة وضرورة ما يوجد ولف من يساره ثم من يمينه وكيفيته: أن يبسط اللفافة ثم يبسط عليها الإزار ثم يوضع الميت عليه ثم يقمص، ثم يعطف الإزار عليه من قبل اليسار، ثم من قبل اليمين ويشد الإزار عليه ثم اللفافة كذلك. (وعقد) الكفن (إن خيف انتشاره) صوناً عن الكشف.
(وكفنها) أي المرأة (سنة: درع وهو قميص المرأة، وعند الشافعي: لا درع في الأكفان (وإزار وخمار) وهو المقنعة ولفافة وخرقة يربط بها فوق (ثدياها و) كفنها (كفاية إزار ولفافة وخمار، وتُلبس المرأة الدرع أولاً، ثم يجعل شعرها ضفيرتين) الضفر نسج الشعر وغيره عريضاً على صدرها فوق الدرع، ثم يجعل (الخمار فوقه تحت اللفافة وتجمر) أي تُعطّر (الأكفان (أولاً) أي قبل أن يُدرج فيها الميت (وتراً) بأن يُدار المجمر ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً والأكفان جمع كفن، وهو اسم لهذه الثياب وإنما قال الأكفان نظراً إلى تعدد الأثواب.
فصل في الصلاة على الميت
(السلطان أحق بصلاته إن حضر وذكر محمد في إمام الحي أولى من الإمام الأعظم. وعند الشافعي: الولي مقدم عليه، (وهي فرض كفاية) فتسقط بإقامة البعض عن الباقين (وشرطها) أي شرط جواز الصلاة (إسلام الميت) فلا يصلى على الكافر (وطهارته حتى لو صلى على ميت قبل أن يغسل تعاد الصلاة بعد الغسل ثم القاضي إن حضر وفي بعض النسخ: إن حضرا، بلفظ التثنية، على أنه متعلق بالسلطان (والقاضي أي إن حضر السلطان والقاضي الأحق السلطان ثم القاضي إن لم يؤم السلطان (ثم إمام الحي إن حضر وهو الذي يصلي الميت عقبه في حياته) ثم الولي (إن حضر على ترتيب العصبات البنوة ثم الأبوة ثم الأخوة ثم العمومة.
(وله) أي للولي (أن يأذن لغيره فإن صلى غير الولي والسلطان) أي من هو مؤخر عنهما، فإن صلى القاضي أو إمام الحي لا يعيد لأنهما مقدمان عليه، كذا في الفتاوى العتابية، أعاد الولي) إن شاء (ولم يصل غيره بعده) أي إن صلى الولي لم يجز لغيره أن يصلي بعده خلافاً للشافعي رحمه الله .. وفي الحواشي نقلا عن الفتاوى العتابية: أنه إذا صلى القاضي أو إمام الحي لا يعيد الولي لأنهما مقدمان عليه، فحينئذ يحتاج المتن إلى التأويل.
(وإن دفن بلا صلاة سواء كان قبل الغسل أو بعده (صلى على قبره ما لم يتفسخ وعن أبي يوسف
ومحمد يصلى عليه إلى ثلاثة أيام، والصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم لأنه يختلف باختلاف الزمان برداً وحراً والمكان رخاوة وصلابة، وحال الميت سمناً وهزالاً، فيعتبر فيه أكبر الرأي (وهي) أي الصلاة (أربع تكبيرات بثناء) أي مع ثناء بعد التكبيرة (الأولى) وقال الشافعي: يقرأ الفاتحة عقب الثناء وصلاة على النبي عليه السلام بعد التكبيرة الثانية، ودعاء بعد التكبيرة (الثالثة) والدعاء: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. وتسليمتين بعد التكبيرة (الرابعة وليس بعد التكبيرة الرابعة دعاء سوى السلام في ظاهر المذهب. وقيل: يقول اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب القبر وعذاب النار وعند الشافعي: يسلم تسليمة واحدة.
(فلو كبر) الإمام (خمساً لم يتبع) الإمام في الخامسة خلافاً لزفر، وعن أبي حنيفة: يسلم حين اشتغل إمامه بالخطا وعنه أنه ينتظر سلام الإمام ليسلم معه وهو المختار. (ولا يستغفر لصبي ويقول) في صلاة جنازة الصبي مكان الدعاء المعروف هذا الدعاء، وهو: (اللهم اجعله لنا فرطاً أي أجراً متقدماً (واجعله لنا ذخراً وأجراً) أي خيراً باقياً واجعله لنا شافعاً ومشفعاً) أي مقبولاً شفاعته وينتظر المسبوق ليكبر معه أي لو سبق بتكبيرة أو تكبيرتين ينتظر حتى يكبر الإمام فيكبر معه، فإذا سلم قضى ما بقي عليه قبل أن تُرفع الجنازة. وقال أبو يوسف والشافعي: يكبر حين يحضر. (لا من كان حاضراً في حال التحريمة) أي لو كان حاضراً فلم يكبر مع الإمام لا ينتظر تكبيرة الإمام الثانية، بل يكبر حين أراد اتفاقاً.
(ويقوم) الإمام (للرجل) أي لأجل الرجال والمرأة بحذاء الصدر) وعن أبي حنيفة: أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة بحذاء وسطها، (ولم يصلوا) على الجنازة (ركباناً) وفي القياس يجوز، (ولا) في المسجد) أي لا يصلي فيه على جنازة فإنه مكروه، وعند الشافعي لا يكره.
(ومن استهل) أي رفع صوته بالبكاء عند الولادة سمي وغسل وصلي عليه وإلا لا) أي وإن لم يستهل أدرج في خرقة تكريماً لبني آدم ولم يصل عليه ولا يغسل في رواية المختار أنه يغسل ولو خرج أكثر الولد حياً ثم مات يصلى عليه وإلا فلا. والاستهلال في البطن غير معتبر كذا في القنية (كصبي سبي مع أحد أبويه) أي لا يصلى عليه إلا أن يسلم أحدهما ثم مات الصبي (أو) يسلم (هو) أي الصبي ثم مات أو لم يسب أحدهما معه ففي هذه الصور يغسل ويكفن ويصلى عليه. وأولاد المسلمين إذا ماتوا في صغرهم كانوا في الجنة، والتوقف المروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه مردود على الراوي. وأما أولاد الكفار إذا ماتوا قبل أن يعقلوا فقال محمد رحمه الله: لا يعذب الله تعالى أحداً بلا ذنب، وقيل: هم في الجنة خدم
المسلمين. وعن أبي حنيفة: أنه توقف فيهم.
(ويغسل ولي مسلم الكافر) ولا يصلى عليه، وإنما يغسل غسل الثوب النجس بلا مراعاة سنة وتكفين ووضوء (ويكفنه) أي يلفه في ثوب بلا رعاية سنة الكفن من العدد والكافور على المساجد ونحو ذلك (ويدفنه من غير رعاية السنة (ويؤخذ سريره) أي كيفية الحمل أن يأخذ سرير الميت وهو الجنازة (بقوائمه الأربع) بأن يأخذ كل قائمة رجل. وقال الشافعي: السنة أن يحملها رجلان يضع السابق مقدمها على أصل عنقه ويأخذ قائمتها بيده والثاني يضع مؤخرها على أصل صدره ويأخذ قائمتها بيده، ويعجل به أي السرير بلا خبب وبلا جلوس قبل وضعه عن أعناق الرجال على الأرض (و) بلا (مشي (قدامها أي المشي خلفها أحب للشافعي (وضع مقدمها على يمينك) وذلك يمين الميت أيضاً (ثم) ضع (مؤخرها) على يمينك (ثم) ضع (مقدمها على يسارك) وذلك يسار الميت أيضاً، (ثم) ضع (مؤخرها) على يسارك.
(ويحفر القبر ويلحد) وعادة أهل المدينة الشق لضعف أراضيهم فينهار اللحد، وهو قول الشافعي واستعمال الآجر والخشب واتخاذ التابوت وإن كان من حديد أو حجر أو خشب، وكذا اختاروا الشق في بخارى لتعذر اللحد. واللحد أن يحفر في جانب القبلة من القبر حفيرة فيوضع فيها الميت والشق أن يحفر حفيرة في وسط القبر فيوضع فيها الميت ولا يرفع الصوت بالذكر ولا بقراءة القرآن خلف الجنازة مخالفة لأهل الكتاب، ولا بالتكبير أيضاً.
(ويُدخل من قبل القبلة) أي توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل منه الميت فيوضع في اللحد وعند الشافعي يسل أي توضع الجنازة في مؤخر القبر بحيث يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه فيسله الواقف إلى القبر من جهة رأسه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام وفتاوى قاضيخان .. (ويقول واضعه) في اللحد: (بسم الله وعلى ملة رسول الله) أي: بسم الله وضعناك، وعلى ملة رسول الله سلّمناك، (ويوجه إلى القبلة) أي يوضع في القبر على جنبه الأيمن مستقبل القبلة (وتحل العقدة التي في الكفن (ويسوى اللبن عليه والقصب) أي جديدان غير معمولين، فإن كانا معمولين قيل يكره (لا الآجر) أي لا يسوى الآجر (والخشب) وقال مشايخ بخارى: لا يكره الآجر والخشب في بلدتنا لضعف الأراضي (ويسجى) أي يغطى بثوب (قبرها أي قبر الأنثى حتى يجعل اللبن على اللحد (لا قبره) أي لا يسجى قبر الرجل إلا إذا كان لضرورة دفع مطر أو ثلج أو حر عن الداخلين في القبر، فحينئذ لا بأس به ويُهال) أي يُصب عليه (التراب، ويسنم) أي يجعل (القبر) مثل سنام البعير مرتفعاً من الأرض قدر شبر، ويقال له بالفارسية بشتة، ولا يربع القبر، خلافاً للشافعي (ولا يجصص) أي لا يعمل بالجص (ولا يخرج الميت بعد
الدفن من القبر إلا أن تكون الأرض مغصوبة) وأراد صاحب الأرض إخراجه، وكذا إذا كان الكفن مغصوباً ولم يرض صاحبه إلا بنبشه ونزع ثوبه فإنه ينبش قبره وينزع ثوبه بالاتفاق وفي الجامع الصغير للحاكم عبد الرحمن رحمه الله: إذا دفن بغير كفن لا ينبش القبر، أما لو تذكر الرجل أنه نسي ثوباً أو درهماً فيه ينبش ويرفع ذلك، وكذا إذا كانت الأرض أخذت بالشفعة ينبش، فإن دفنوا ولم يهيلوا عليه التراب حتى علموا أنه لم يغسل لكنهم سووا اللبن لا ينبش أيضاً، كذا في الخلاصة، والله أعلم.
باب الشهيد
والمناسبة بينهما ظاهرة، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مشهود له بالجنة بالنص، أو لأن الملائكة يشهدون موته إكراماً له. أو بمعنى فاعل لأنه حي عند الله حاضر.
(وهو) في الشرع (من قتله أهل الحرب مطلقاً، أي بأي شيء قتلوه بحديدة أو غيرها نحو الحرق والغرق (و) أهل البغي وقطاع الطريق) بأي شيء قتلوه، والواوان بمعنى أو. (أو) من وُجِد في معركة و الحال أنه (به أثر) الجراحة أو خرج الدم من عينه أو أذنه أو من جوفه سائلاً أو به أثر الحرق (أو) من قتله مسلم ظلماً (و) الحال أنه لم تجب به دية أي لم يقع القتل موجباً للدية حتى لو قتل عمداً فصالح أولياؤه على مال أو قتل أب ابنه فهو شهيد وفي الوقاية: الشهيد هو مسلم طاهر بالغ قتل ظلماً ولم يجب به مال فعلى هذا لا يكون الجنب والحائض والنفساء والصبي شهيداً، وإنما شرط الجراحة فيمن وُجد في المعركة ليدل على أنه قتيل لا ميت وإنما قال ظلماً لأنه لو قتل بحق رجم أو قصاص لا يكون شهيداً. (فيكفن) الشهيد ويصلى عليه بلا غسل) وقال الشافعي: لا يصلى عليه أيضاً ويدفن بدمه) أي مع دمه وثيابه إلا ما ليس من جنس الكفن) فينزع منه كالفرو والحشو والقلنسوة والخف والسلاح (ويزاد) حتى يتم الكفن (وينقص) حتى يصير على سنة الكفن (ويغسل) ويصلى عليه إن قتل جنباً أو صبياً) أو حائضاً أو نفساء أو مقتولاً بالمثقل خلافاً لهما في هذه المسائل. (أو ارتث) أي صار خلقاً في الشهادة يقال: ثوب رث أي خَلق، بأن أكل أو شرب أو نام أو تداوى أو مضى وقت صلاة) كامل (وهو يعقل) وذكره إشارة إلى أنه إذا زال العقل في هذا الوقت لا يغسل، وعن محمد رحمه الله: أنه إن عاش مكانه يوماً وليلة لا يغسل أو نقل من المعركة) أي من المكان الذي جُرح فيه حياً، وهذا إذا حمل للتداوي، فإن جز برجله من بين الصفين كي لا يطأه الحيوان فليس بمرتث أو أوصى) وعن محمد: لا يكون ارتثاثاً، وقيل: هذا الاختلاف فيما إذا أوصى بأمور الآخرة، فلو أوصى بأمور الدنيا فإنه يغسل اتفاقاً. وقيل: إذا أوصى بأمور الآخرة لا يغسل اتفاقاً. والخلاف فيما إذا أوصى بأمور الدنيا. (أو قتل أي يغسل إن قتل (في المصر ولم يعلم أنه قتل بحديدة
ظلماً) أما إذا علم أنه قتل بحديدة ظلماً وعرف قاتله فإنه لا يغسل خلافاً للشافعي. وأما إذا علم أنه قتل بحديدة ولكن لم يعلم قاتله يُغسل لما أن الواجب هناك الدية والقسامة على أهل المحلة، هذا إذا وُجد في المصر، أما إذا وجد في مفازة ليس بقربها عمران لا يجب فيه قسامة ولا دية فلا يغسل إذا وجد به أثر القتل، كذا في شرح السيد للهداية. (أو قتل بحد أو قصاص) أو تعزير لا لبغي وقطع طريق) أي لا يغسل من قتل لبغي أو قطع طريق ولا يصلى عليه. وقال الشافعي: يغسل ويصلى عليه، وإنما لا يصلى على الباغي إذا قتلوه في الحرب. فأما إذا قتلوه بعدما وضعت الحرب أوزارها يصلى عليه وكذا قاطع الطريق وإنما لا يصلى عليه إذا قتل في حالة الحرب فأما إذا أخذهم الإمام ثم قتلهم صلى عليهم وكذا إذا قتل بعد الحرب. ومشايخنا جعلوا المقتولين بحكم العصبية وهو الدروازي والكلاباذي حكم أهل البغي في حق هذه الأحكام، وكذلك حكم الواقفين الناظرين إليهم إذا أصابهم حجر أو سكين وماتوا في تلك الحالة لأنهم يعينونهم بالصياح، ولو أصابهم في تلك الحالة وماتوا بعد تفرقهم يصلى عليهم. وحكي عن شمس الأئمة السرخسي: أنه سئل عمن قتل بالمحاربة بحكم العصبية، فأجاب بأنه يصلى على أهل كلاباذ ولا يصلى على أهل دروازة لأن في عهده السلطان كان من أهل دروازة وكان يأمر أهل کلاباذ بالمحاربة معهم، فكانوا، مظلومين فيصلى عليهم. وقال أبو يوسف: لا يصلى على كل من قتل على متاع يأخذه المكابرون في المصر بالسلاح، ومن قتل نفسه خطأ بأن تناول رجلاً من العدو ليضربه فأخطأ وأصاب نفسه ومات فإنه يغسل ويصلى عليه، وهذا بلا خلاف.
وأما من تعمد قتل نفسه بحديدة هل يصلى عليه؟ اختلف فيه، قيل: لا يصلى عليه، وقيل: يصلى عليه وتقبل توبته إن تاب في ذلك الوقت، كذا في المغني.
ولما فرغ من الصلاة خارج الكعبة شرع في الصلاة فيها، فقال:
باب الصلاة في الكعبة
(صح فرض ونفل فيها) أي في جوف الكعبة خلافاً للشافعي فيهما. ولمالك في الفرض (وفوقها) أي صح الصلاة على سطح الكعبة مطلقاً. سواء كان بين يديه سترة أو لا. وقال الشافعي: لا يصح إلا أن يكون بين يديه سترة كذراع طولاً وغلظ أصبع عرضاً ومن جعل ظهره إلى ظهر إمامه فيها صح أي إن صلوا بجماعة في الكعبة فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز إذا لم يعتقد إمامه مخطئاً بخلاف ما لو تحروا في ليلة مظلمة واقتدوا بإمام لا تصح صلاة من علم أنه مخالف لإمامه في الجهة لأن عنده أن إمامه
غير مستقبل إلى القبلة.
(و) من جعل ظهره إلى وجهه أي وجه الإمام لا يصح اقتداؤه به، وفي مبسوط شيخ الإسلام يصح وإن حلقوا حولها أي إن صلى الإمام في المسجد الحرام فتحلق الناس حول الكعبة واقتدوا به (صح) الاقتداء لمن هو أقرب إليها من إمامه (إن لم يكن المقتدي في جانبه) أي جانب الإمام، هذا احتراز عمن كان أقرب إلى الكعبة من الإمام وهو في جانب الإمام حيث لم يجز لوجود التقدم على إمامه، والله أعلم.
كتاب الزكاة
قرن الزكاة بالصلاة تأسياً بما ذكر الله في أي من القرآن، وبما جاء من السنة، كقوله عليه السلام: بني الإسلام على خمس الحديث فقدم الصلاة لأنها تجب على جميع البالغين العاقلين بخلاف الزكاة وهي الطهارة لغة، والقدر المخرج من النصاب الحولي إلى الفقير شرعاً. وقيل: هي إيتاؤه.
شرط وجوبها أي ثبوتها (العقل) في يوم كائن في سنة فلا تجب على المجنون (والبلوغ) فلا تجب على الصبي. وقال الشافعي: تجب على الصبي والمجنون. وإنما قلنا في يوم كائن في سنة حتى يدخل المجنون الذي أفاق، وما في سنة في الصحيح وهو احتراز عن رواية أبي يوسف أنه يعتبر إفاقته أكثر الحول. هذا في الجنون العارض بأن جن بعد البلوغ، أما في الأصلي بأن بلغ مجنوناً فعند أبي حنيفة: يعتبر ابتداء الحول من وقت الإفاقة والإسلام) فلا تجب على الكافر، (والحرية فلا تجب على العبد مطلقاً قناً كان أو مديراً أو مكاتباً ومُلك نصاب) وهو مائتا درهم شرعي (حولي) أي حال عليه الحول (فارغ عن الديون) أي لو كان عليه دين يحيط بماله وله مطالب من العباد منع عن إيجاب الزكاة كدين استهلاك ومهر ولو مؤجلاً وعشر وخراج ونفقة قريب وزوجة قضى بها، وكذا دين الزكاة بعد الوجوب لأن له مطالباً من جهة العباد كذا في الجوامع وقال الشافعي: لا يمنع وإن كان ماله أكثر من ديته زكى الفاضل إذا بلغ نصاباً. (و) عن حاجته الأصلية) أي حاجة السكن واللباس والركوب والاستعمال والاستخدام فلا تجب في دار السكنى وثياب البدن وأثاث المنزل ودواب الركوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال وكتب العلم، هذا القيد مغن عن قوله: فارغ عن الدين، لأن مال المديون ليس بفاضل بل هي مستحقة لحاجته الأصلية وهو دفع المطالبة والملازمة والحبس في الدنيا والمؤاخذة في العقبى. (نام) أي نصاب نامٍ (ولو تقديراً) بأن كان معداً للتجارة بغير نيتها كالحجرين أو بنيتها عند حدوث الملك الاختياري كالعروض والحيوانات المشرية والموهوبة أو معداً للأسامة كالحيوانات السائمة.
(وشرط) صحة (أدائها: نية مقارنة للأداء أو لعزل ما وجب أو تصدق بكله) أي من تصدق بجميع ماله ولا ينوي الزكاة سقط فرضها استحساناً، والقياس أن لا يجزئه وإنما قيد بكله لأنه لو تصدق ببعض النصاب لا تسقط عند أبي يوسف، وعند محمد تسقط زكاة ما تصدق به ثم تجب على الفور عند البعض حتى يأثم بالتأخير وترد شهادته وقيل على التراخي.
باب صدقة السوائم
ذكر السائمة إشارة إلى أن العمى من الإبل وغيره ليست بنصاب لأن العمى ليست بسائمة غالباً.
(هي التي تكتفي بالرعي) أي في المرعى في أكثر السنة) وهي ما فوق النصف. هذا القيد يشير إلى أنه لو كانت ترعى أقل السنة لا تجب. وفي زكاة الإبل (يجب في خمس وعشرين إبلاً بنت مخاض وهي التي استكملت سنة ودخلت في الثانية. وإنما سميت بها لأن أمها صارت ذات مخاض بأخرى وهو وجع الولادة. وإنما قيد بها لأن من صفات الواجب في الإبل الأنوثة حتى لا يجوز فيها سوى الإناث ولا تجوز الذكور إلا بطريق القيمة، كذا في تحفة الفقهاء.
(وفيما دونه في كل خمس) إبل تجب (شاة، وفي ست وثلاثين) إبلاً تجب (بنت لبون) وهي التي استكملت سنتين ودخلت في الثالثة، وإنما سميت بها لأن أمها صارت ذات لبن بأخرى (وفي ست (وأربعين إبلاً تجب (حقة) بالكسر وهي التي استكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وإنما سميت بها لاستحقاقها الحمل والركوب (وفي إحدى وستين جزعة وهي التي استكملت أربع سنين ودخلت في الخامسة، وإنما سميت بها لأنه لا يستوفى منها ما يطلب منها إلا بضرب وتكلف وحبس، أو لأنها تطيق الجوع. يقال: جذعت الإبل إذا حبستها بلا علف، (وفي ست وسبعين) إبلاً تجب بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين) إبلاً تجب (حقتان إلى مائة وعشرين ثم فيما زاد على مائة وعشرين في كل خمس) إبل تجب (شاة) مع الحقتين، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه إلى مائة وخمس وأربعين) إبلاً. وقال الشافعي: إذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، ثم يدار الحساب على الأربعينات والخمسينات فيجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة (ففيها) أي في مائة وخمس وأربعين إلى مائة وخمسين تجب حقتان وبنت مخاض، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، ثم فيما زاد على مائة وخمسين إلى مائة وخمس وسبعين يجب (في كل خمس شاة فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق
وشاة، وفي مائة وستين ثلاث حقاق، وشاتان وفي مائة وخمس وستين ثلاث حقاق وثلاث شياه، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق وأربع شياه (وفي مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض إلى مائة وست وثمانين وما بينهما عفو (وفي مائة وست وثمانين) تجب (ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مائة وست وتسعين وما بينهما عفو (وفي مائة وست وتسعين) تجب (أربع حقاق إلى مائتين وما بينهما عفو (ثم تستأنف أبداً كما) تستأنف (بعد المائة والخمسين) أي إذا زادت الإبل على مائتين تستأنف الفريضة حتى إذا زادت الخمس على المائتين كان فيها شاة وأربع حقاق، فلو زادت العشرة عليها كان فيها شاتان وأربع حقاق، إلى آخر ما ذكر.
وقال الشافعي: إذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة كما تقدم آنفاً، والبخت كالعراب) وهو جمع البختي، وهو الذي تولد من العربي والعجمي وهو منسوب إلى بختنصر.
ولما فرغ من زكاة الإبل شرع في زكاة البقر، حيث قال:
باب صدقة البقر
(وفي ثلاثين بقراً تبيع ذو سنة أو تبيعة) الذكر والأنثى سواء، وكذا في الغنم، فلذا كان مخيراً. وإنما سمي تبيعاً لأنه يتبع أمه، هذا إذا لم تكن للتجارة، أما إذا كانت للتجارة فلا يعتبر العدد فيها، وإنما يعتبر أن تبلغ قيمتها مائتي درهم أو عشرين مثقالاً من الذهب، وكذلك الإبل والغنم إذا كانت للتجارة لا يعتبر العدد فيها بل قيمتها. وفي العجاف أفضلها أو وسط إن كان وفي أربعين مسن ذو سنتين أو مسنة) وفي العجاف بقدرها بأن ينظر إلى قيمة تبيع وسط وإلى قيمة مسنة وسط، فإن كانت قيمة التبيع الوسط أربعين وقيمة المسنة الوسط خمسين تجب مسنة تساوي أفضلها وربع الذي يليها في الفضل حتى لو كانت قيمة أفضلها ثلاثين، والذي يليها في الفضل عشرين تجب مسنة تساوي خمسة وثلاثين وفيما زاد على الأربعين (بحسابه إلى ستين) ففي الواحد ربع عشر مسنة، وفي اثنين نصف عشر مسنة. وعن أبي حنيفة: أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين ففيها مسنة وربع مسنة، وروي عنه أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وفي العجاف تبيعان من أفضلها أو وسط إن كان وآخر من أفضلها.
(وفي سبعين مسنة وتبيع وفي ثمانين مسنتان) وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة تبيعان ومسنة