الفتاوى الكبرى
لحسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري
توفي سنة (536هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الفتاوى الكبرى
لحسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري
توفي سنة (536هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مصوِّر النَّسم، ومقدِّر القِسَم، ورازق الأمم، وفاتق الصَّمم، حمداً يؤْنِسُ وحشِيًّ النًّعم، ويؤمِّن مجتنبي النِّقم، والصلاة على نبيِّه المصطفى سيد العرب والعجم وعلى آله وأصحابه الطاهرين أولي العقول وذوي الحكم، وسلم كثيراً.
قال الصدر، الإمام الأجلُّ، الكبير الشهيد، حسام الملة والدين، برهان الإسلام والمسلمين، سلطان الأئمَّة في العالمين، حجَّة الله في الأرضين: "عمر بن عبد العزيز بن عمر" - أكرمه الله بغفرانه وأنزله بُحبوحة جنانه -: "لما سُئلت عن الفتاوى الغاية" وطلبت لأجوبتها عُدَّة الكفاية؛ حملني حسن الأحدوثة بين العالمين ولسان صدق في الآخرين على تصنيف جامع بين ما أودعه الفقيه أبو الليث - رحمه الله - في "نوازله وعيونه"، وبين ما أودعه "الشيخ أبوالعباس الناطفي" في "واقعاته"، وبين فتاوى "الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل" وفتاوى أهل "سمرقند".
فبدأتُ "بمسائل النَّوازل" معلمة بعلامة (النون)، "ومسائل العيون" معلمة بعلامة (العين)، "ومسائل الواقعات" معلمة بعلامة (الواو)، "ومسائل الشيخ الإمام أبي بكر بن الفضل" معلمة بعلامة (الباء)، "ومسائل فتاوى أهل سمرقند" معلمة بعلامة (السين).
والله المستعان على إتمامه، وله الحول والقوة في ابتدائه واختتامه.
قال العبد الضعيف الراجي رحمة ربه، اللطيف "محمد بن محمد بن عمر"، النائب
في القضاء "ببُخارى" - أصلح الله شأنه في الدارين -: إنما أمليتُ هذا التحميد وإن لم يتعرض له "صاحب التجنيس" ليعلم المراد من علامات الحروف؛ تعميماً للعائدة، وتتميماً للفائدة.
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
قال "صاحب التجنيس" - رحمه الله -: مسائل هذا الكتاب كلها ترجع إلى المياه، والنجاسات والأحداث وأحكامها؛ فعقدتها بابين، وكل باب يتضمن قسمين، وكل قسم ثلاثة فصول:
الباب الأول منه: في ذكر مسائل المياه والنجاسات.
القسم الأول منه: فيما يرجع إلى المياه، وفصوله ثلاثة:
الأول: في الحياض والغدران.
الثاني: في الماء الجاري.
الثالث: في البئر.
القسم الثاني: في النجاسات وإزالتها، وفصوله ثلاثة:
الأول: في معرفة الأعيان النجسة.
الثاني: في تنجس الأشربة وظرفها، وتنجس المطعوم وطهارته.
الثالث: في تطهير النجس.
ثم إنّ مسائل الغُسالات تناسب القسم الأول من حيث إنها مياه، وتناسب القسم الثاني من حيث إنّ الغرض من إيرادها معرفة نجاستها وطهارتها.
ولما كان كذلك لم يكن إيرادها في أحد القسمين بعينه أولى من إيرادها في الآخر؛ فعقدتُ لها فصلاً على حدة، وسميتُه: فصلاً مشتركاً بين القسم الأول وبين القسم الثاني.
وهكذا أصنع بتوفيق الله - تعالى - في ترتيب هذا الكتاب من أوله إلى آخره، كلما وجدتُ من مسائل كتبته جنساً يناسب بابين أو قسمين أو فصلين أكتبه بينهما، وإن كان ذلك مسألتين أو مسألة واحدة؛ تهذيباً "لأجناس الواقعات" بأبلغ الوجوه.
القسم الأول من الباب
في ذكر مسائل المياه
بدأتُ الفصل الأول من القسم الأول بمسائل الحياض والغدران؛ تبرُّكاً بما بدأ به صاحب الكتاب ـ رحمه الله ـ.
(ن): الحوض إذا كان عشراً في عشر فوقعت فيه النجاسة؛ لا يتنجس إلا أن يتغير طعمه، أو ريحه، أو لونه؛ لأنَّ العشرة أدنى ما ينتهي إليه نوع عدد؛ فإن ما زاد عليه يكون مركباً.
(س): «الحوض الكبير إذا كان مقدراً بعشرة أذرع في عشرة أذرع؛ فالمعتبر ذراع الكرباس لا ذراع المساحة، وهو سبع مُشِتَّات؛ أيْ: سبع قبضات، وهو المختار؛ لأنه الأليق بالتوسعة».
«لو كان الحوض مدوراً يعتبر فيه ثمانية وأربعون ذراعاً، حتى إنّ ما دونه لا يجوز التوضؤ فيه؛ لأنّ هذا أقصى قول قالوا فيه، فإنّ منهم من قال أربعة وأربعون ذراعاً؛ فكان الأخذ بهذا أحوط».
الحوض المدور إذا كان ستة وثلاثين؛ اتفق أهل الحساب من المهندسين أن تكسيره يزيد على تكسير المربع الذي هو عشر في عشر.
(ن): التقدير بالعشرة في العشرة لبيان الطول والعرض، «أما العمق إن كان الماء بحال لو رفع الإنسان بكفه انحسر أسفله ثم اتصل بعد ذلك؛ فلا يتوضأ به، وإن كان لا ينحسر ما تحته؛ فلا بأس بالوضوء فيه».
«ولو كان الماء له طول وعمق وليس له عرض: فإن كان الطول مما لا يخلص بعضه إلى بعض؛ كان مقدراً بما بدأنا به الباب، وتفسيره أنّه لو جمع وقُدِّر يصير عشراً في عشر؛ فلا بأس بالوضوء فيه تيسيراً على المسلمين».
«وإذا كان الماء أقل من عشر في عشر لكنه عميق، فوقعت فيه النجاسة حتى تنجس، ثم انبسط وصار عشراً في عشر؛ فهو نجس لأن النجس لا يطهر بالتفرق والانبساط».
«ولو وقعت فيه النجاسة وهو عشر في عشر، ثم اجتمع فصار أقل؛ فهو طاهر لأنه لم يوجد المنجِّس بعد الاجتماع لأنه كلما دخل الماء تنجس.
حوض عشر في عشر قل ماؤه فوقعت فيه نجاسة، ثم دخل الماء حتى امتلأ الحوض ولم يخرج منه شيء لا يجوز التوضؤ به؛ لأنه كلما دخل الماء تنجس».
وتمام هذا في المسألة الرابعة بعد هذه0
(س): «الحوض إذا كان أعلاه عشراً في عشر وأسفله أقل من ذلك وهو ممتلئ يجوز التوضؤ به والاغتسال فيه أيضاً؛ لأنه عشر في عشر.
وإن نقص الماء حتى بلغ سبعاً في سبع مثلاً لا يجوز التوضؤ منه والاغتسال فيه؛ لأنه أقل من عشر في عشر، ولكنه يغترف منه فيتوضأ».
«ولو كان كبيراً عشراً في عشر إلا أنّ له مشارع، فتوضأ رجل في مشرعة أو اغتسل والماء متصل بألواح المشرعة لا يضطرب؛ فإنه بمنزلة ماء راكد أقل من عشر في عشر؛ لا يجوزالتوضؤ فيه، وإن كان الماء أسفل من الألواح قليلاً يجوز التوضؤ فيه».
(ن): «الحوض الكبير إذا انجمد ماؤه فنقب إنسان فيه نقباً، فتوضأ إنسان
من ذلك الموضع: فإن كان الماء منفصلاً عن الجمد لا بأس به؛ لأنه يصير كالحوض المسقَّف، وإن كان الماء متصلاً بالجمد لا يجوز التوضؤ من النقب؛ لأنه يصير كالقصعة».
(س): «غدير كبير لا يكون فيه ماء في الصيف، وتروث فيه الدواب والناس، ثم يملأ في الشتاء ماءً، ويرفع الناس منه الجمد؛ فإن كان الماء الذي يدخل الغدير أولاً يدخل على مكان نجس؛ فالماء والجمد نجس وإن كثر الماء بعد ذلك لأنه كلما دخل صار نجساً؛ فلا يطهر وإن صار كثيراً.
ولو كان الماء الذي يدخل الغدير يستقر في مكان طاهر حتى صار عشراً في عشر ثم انتهى إلى النجاسة؛ فالماء والجمد طاهران لأن الماء صار كثيراً قبل أن يتنجس، والماء الكثير لا يتنجس».
(ن): «الحوض الصغير إذا كان ماؤه نجساً فدخل الماء من جانب وخرج من جانب آخر يطهر وإن لم يخرج مثل ما فيه؛ لأن الماء الجاري لما اتصل به صار في الحكم جارياً، والماء الجاري طاهر إلا أن تستبين فيه النجاسة».
«رجل غرف من حوض الحمام وبيده نجاسة، وكان الماء يدخل من الأنبوب في الحوض والناس يغترفون من الحوض غرفاً متداركاً؛ لم يتنجس لأنه صار بمنزلة الماء الجاري».
مسألتان مشتركتان بين الفصل الأول وبين الفصل الثاني
(ن): «حوضان صغيران يخرج الماء من أحدهما ويدخل في الآخر، فتوضأ إنسان في خلال ذلك؛ جاز لأنه ماء جار».
هذا إذا توضأ في دخول الماء وخروجه، «أما إذا توضأ في أحد الحوضين؛ فإنما يجوز إذا كان أربعاً في أربع أو أقل منه، فأما إذا كان أكثر منه لا يجوز لأن الماء حينئذٍ يستقر فيه؛ فلا يكون في معنى الماء الجاري».
«مشرعة يدخل فيها الماء ويخرج، إلا أنّ الحركة لا تتبين فيها، فتوضأ إنسان فيها، فإن كان الماء لا يذهب كما وقع من يده ويدور فيها؛ فلا خير فيه».
وحوض عصير يأتي في أول الفصل الثاني من القسم الثاني من هذا الكتاب.
الفصل الثاني
من القسم الأول في مسائل الماء الجاري
(ن): «الماء إذا كان يجري ضعيفاً فأراد إنسان أن يتوضأ منه؛ فإن كان وجهه إلى مورد الماء يجوز، وإن كان وجهه إلى مسيل الماء لا يجوز؛ إلا أن يمكث بين كل غرفتين مقدار ما يذهب الماء بغُسالته.
قالوا: ودلت المسألة على فضيلة أهل الدرب؛ حيث يجوز طهارة علمائهم وجهّالهم».
(ن): «الماء الجاري إذا سُدَّ من فوق، فتوضأ إنسان بما يجري في النهر وقد بقي جري الماء؛ كان جائزاً لأن هذا ماء جارٍ».
(ن): «ماء النهر إذا كان يجري بعضه في النهر على جيفة أو في جوف جيفة، فإن كان ما يلاقي الجيفة أكثر فهو نجس وإن كان ما يلاقي الجيفة أقل فهو طاهر؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل، وإن كان سواءً؛ فهو نجس ترجيحاً للنجاسة احتياطاً».
«ونظير هذا ماء المطر إذا جرى في ميزاب من السطح وكان على السطح عَذرة؛ فالماء طاهر لأن الذي لا يجري على العَذرة أكثر، فإن كانت العَذرة عند الميزاب: فإن كان كل الماء أو
أكثره أو نصفه يلاقي العَذرة؛ فهو نجس، وإن كان الذي لا يلاقي العَذِرة أكثر من الذي يلاقيها؛ فهو طاهر.
وكذا ماء المطر إذا استنقع في موضع بعدما مرَّ بعَذِرات؛ كان الجواب كذلك ـ هو
الصحيح ـ».
(ن): «ماء الثلج إذا جرى على الطريق، وفي الطريق سِرقين ونجاسة: إن تفتتت النجاسة فيه واختلطت حتى لا يُرَى لونها ولا أثرها؛ يتوضأ منه لأنه في معنى الماء الجاري».
«البول في الماء الجاري مكروه لأن أبا حنيفة – رحمه الله تعالى – سماه جاهلاً؛ فهذا يدل على أن هذا من فعل الجهال والعالم لا يفعله ـ والله تعالى أعلم ـ».
الفصل الثالث
من القسم الأول في ذكر مسائل البئر
(ن) «بئر بالوعة حفروها وجعلوها بئر ماء؛ فإن حفروها بمقدار ما وصلت إليه النجاسة؛ فالماء طاهر وحواليها نجس، وإن حفروها أوسع من الأول؛ جاز ويطهر الماء والبئر لأنه طاهر».
«السِّنّوْر إذا بال في البئر نزح ماؤها كله لأن بوله نجس بالاتفاق، حتى لو أصاب الثوب أفسده إذا كان زائداً على قدر الدرهم».
«إذا وقع حيوان في بئر واستخرج حيّاً، لا يجب نزح الماء إلا الكلب والخنزير؛ لأن الدّلالة قد قامت على نجاسة عينهما لما تبين، هذا إذا لم يصب الماء فمه، أما إذا أصاب: فإن كان سؤره طاهراً؛ فالماء طاهر لا يجب نزح شيء، وإن كان سؤره نجساً؛ فالماء نجس وجب نزحه كله، وإن كان سؤره مكروهاً؛ فالماء مكروه، ويستحب نزح عشرين دلواً، وإن كان سؤره مشكوكاً كالبغل والحمار؛ وجب نزح الماء كله لأنه حكم بنجاسته احتياطاً، ونصَّ في "الجامع الصغير":
أنه لا إشكال في طهارته».
«الفأرة إذا وقعت في البئر وماتت ينزح عشرون دلواً أو ثلاثون دلواً، وهذه معروفة»، وإنما أوردناها ههنا لفائدة أخرى، وهي أن "إبراهيم النخعي" ـ رحمه الله ـ قال: "ينزح نحواً من أربعين".
وهذا موافق لما قلنا؛ لأن نحو الشيء أكثر ذلك الشيء، ألا ترى أنه لو قال: لفلان عليَّ نحو من أربعين درهماً لزمته زيادة على العشرين، ويقال له: لزمك عشرون فأقِرَّ بالزيادة ما شئت. فقول إبراهيم: نحو من الأربعين؛ أي: أكثر الأربعين.
«إذا وجب نزح بعض ماء البئر؛ فالمعتبر في حق كل بئر دلوها إلا أن يكون صغيراً جدًّا، فإن لم يكن لها دلو ينزح بدلو يتسع فيه ثمانية أرطال في رواية».
«وإذا وجب نزح ماء البئر كله فنزحوا كل يوم عشرين دلواً أو أكثر، حتى نزحوا على التفاريق مقدار ما فيها من الماء على التفاصيل التي اختلفوا؛ جاز لأن الواجب نزح ماء مقدر وقد وجد».
«ولو نزح بدلو عظيم يسع عشرين دلواً؛ جاز لأن المعتبر قدر الماء لا الدفعات».
«البئر إذا وقعت فيها نجاسة، ثم غار ماؤها، ثم عاد يعود نجساً؛ لأنه لم يوجد المطهِّر».
«ولو صلى رجل في قعرها وقد جفّت يجزئه»، وسيأتي نحوه في آخر الفصل الأول من القسم الثاني.
«إذا وجب نزح ماء البئر كله فنزح؛ لا يجب غسل الحبل والدلو؛ لأن نجاستهما بنجاسة البئر، فكان طهارتهما بطهارة البئر، كمن كان على يده نجاسة رطبة فجعل يضع يده على عروة القمقم كلما صب الماء على اليد، فإذا غسل اليد ثلاث مرات طهرت العروة مع طهارة اليد لأن نجاستها بنجاسة اليد؛ فتكون طهارتها بطهارة اليد. وكذلك حُبُّ الخمر إذا
صارت خلاً يطهر الحُبُّ بطهارة المائع».
«إذا نزح الماء النجس من البئر يكره أن يبل به الطين، فيطين به المسجد أو أرضه؛ لأن الطين صار نجساً وإن كان التراب طاهراً؛ ترجيحاً للنجاسة احتياطاً بعد أن لا ضرورة إلى إسقاط اعتبار النجس، بخلاف السِّرقين إذا جعل في الطين للتطيين؛ لأن فيه ضرورة إلى إسقاط اعتبارها لأن ذلك النوع لا يتهيأ إلا بهذا». وسيأتي نحوه في آخر الفصل الأول من القسم الثاني.
«رجل نزح ماء بئر غيره بغير إذنه حتى صارت يابسة لا شيء عليه، بخلاف ماء الجب؛ لأن صاحب البئر غير مالك للماء، وصاحب الجُبِّ مالك للماء، فيقال لمن صب ماء جُبِّ الغير: املأ الجُبَّ كما كان» وهو الحق ـ والله أعلم ـ.
فصل مشترك بين القسم الأول وبين القسم الثاني
وفيه مسائل الغُسالة والانتضاح
(ن): «في الماء المستعمل عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – ثلاث روايات:
روى محمد - رحمه الله – عنه: أنه طاهر غير طَهور، وبه أخذ هو، والفتوى عليه لعموم البلوى إلا في الجنب» وبه أخذ الفقيه أبو الليث ـ رحمه الله تعالى ـ على ما نذكر في التي تلي هذه.
(ع): «إذا خاض الرجل في ماء الحمَّام بعدما غسل قدميه فليغسلهما إذا خرج؛ فإن لم يفعل ولم يعلم أن في الحمام جنباً أجزأه، وإن علم أن في الحمام جنباً قد اغتسل، روى الحسن بن زياد ـ رحمه الله ـ عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى -: أنه لا يجزئه حتى يغسل قدميه إذا خرج».
وعلى قياس رواية محمد – رحمه الله تعالى – عن أبي حنيفة – رحمه الله - في الماء المستعمل على ما اخترناها للفتوى قبيل هذه المسألة يجزئه، لكن استثنى الجنب ثمة، وهذا موضع الاستثناء، وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
«ولو أدخل الرجل في الإناء أُصبعاً أو أكثرمنه دون الكف يريد غسله؛ لم يتنجس
الماء، وإن أدخل كفه يريد غسله نجَّس الماء؛ لأن في الوجه الأول ضرورة وفي الوجه الثاني لا، وهذا على قول من يجعل الماء المستعمل نجساً، أما على ما اخترناه: لا».
(و): «المرأة إذا وصلت شعر الآدمي بذوائبها، ثم غسلت ذلك الشعر الذي وصلت بالماء؛ لم يكن الماء مستعملاً».
«وإن غسل بالماء رأس إنسان مقتول قد بان منه كان الماء مستعملاً، والفرق أن الرأس إذا وجد مع البدن ضُمَّ إلى البدن وصلي عليه فكان هذا بمنزلة البدن؛ فيكون غُسالته مستعملاً، والشعر لا يُضمُّ إلى الجسد؛ فلا يكون غُسالته مستعملاً.
وهذا الفرق إنما يتأتى على الرواية التي اخترنا ههنا أن شعر الآدمي ليس بنجس، على ما يأتي في أول القسم الثاني - إن شاء الله تعالى -، أما على الرواية الأخرى؛ فلا يتأتى فإن الماء يتنجس»، وأما الماء الذي يستنجى به سيأتي في فصل الاستنجاء - إن شاء الله تعالى -.
(ن): «غُسالة الميت من الماء الأول والثاني والثالث إذا استنقع في موضع فأصاب شيئاً نجَّسه؛ لأنه نجس.
وقال بعضهم: غُسالة الميت كغُسالة الحيِّ على الاختلاف المشهور، وإن أصاب ثوب
الغاسل، فما دام في علاج الغسل فما ترشش عليه مما لا يجد منه بداً ولا يمكنه الاحتراز عنه لا ينجسه؛ لعموم البلوى، وعدم إمكانية التحرز عنه».
«المنديل الذي يمسح به الميت بعد الغسل يقال له بالفارسية: (آب جين) طاهر، كالذي يمسح به الحي».
«الميت إذا وقع في الماء: إن وقع بعد الغسل لا يتنجس لأنه طاهر؛ إلا أن يكون كافراً؛ فإنه يتنجس، وإن وقع بعد الغسل؛ لأنه بمنزلة الخنزير، وإن وقع قبل الغسل يتنجس؛ لأنه نجس».
«الثوب النجس إذا غسل بالماء ثم تقاطرت منه قطرة فأصابت شيئاً: إن عصره في المرة الثالثة عصراً بالغ فيه حتى صار بحال لو عصر لم يسِلْ منه الماء؛ فاليد طاهر والثوب طاهر
والبلل طاهر، وإن كان بحال لو عصر سال منه الماء؛ فاليد والثوب والبلل نجس؛ لأن الأول بِلّة والتحرز عنها غير ممكن، والثاني ماء والتحرز عنه ممكن».
«مسألة: رجل رمى بعَذِرة في نهر، فانتضح الماء من وقوعها، فأصاب ثوب إنسان؛ لا يتنجس إلا أن يظهر فيه لون النجاسة لأن في إصابة النجاسة شكَّاً.
ونظير هذا: الحمار إذا بال في الماء فأصاب من ذلك الرش ثوب إنسان؛ لم يضرَّه لأنه ماء حتى يتيقن أنه بول».
«الكلب إذا دخل الماء ثم خرج فانتفض فأصاب ثوب إنسان؛ أفسده، ولو كان ذلك ماء مطر أصابه؛ لم يفسده لأن في الوجه الأول الماء أصاب جلده وجلده نجس، وفي الوجه الثاني أصاب شعره وشعره طاهر ـ والله أعلم ـ».
القسم الثاني من الباب
وإنه يشتمل على ثلاثة فصول:
الأول: في معرفة الأعيان النجسة من الحيوانات، وأجزائها، وما ينفصل عنها وغيرها من الأرض والطين.
الثاني: في تنجس الأشربة وظرفها، وتنجس المطعومات وطهارتها.
الثالث: في تطهير النجس.
الفصل الأول
في معرفة النجس
(ن): «الكلب إذا أخذ عضو إنسان أو ثيابه: إن أخذ في حالة الغضب لا يفسده وَ لا يجب عليه غسله، وإن أخذ في حالة المزاح يجب غسله؛ لأن في حالة الغضب يأخذ بالأسنان لا غير ولا رطوبة في أسنانه، وفي حالة المزاح يأخذ بالأسنان والشفتين جميعاً، وشفتاه رطبتان».
«كلب مشى على الثلج، فوضع إنسان رجله على ذلك الموضع، أو جعل ذلك الثلج في المثلج؛ فإن لم يكن الثلج رطباً يقال له بالفارسية: (آب تاك) لا بأس به، وإن كان رطباً؛ فهو نجس لأن عينه نجسة.
وكذا إذا مشى في طين أو ردغة، فوطئ إنسان على أثر رِجْله غسل رجله؛ لما قلنا». وقد مرَّ قبيل الفصل مسألة من جنس هاتين المسألتين.
«حيَّة بريَّة ماتت في الإناء: إن كان لها دم سائل أفسد الماء، وإلا؛ فلا، وهو قول
أبي يوسف - رحمه الله - واختار الفقيه أبو الليث، وفي قول أبي حنيفة - رحمه الله -: موت
الحية البرية يفسد الماء، وموت المائية لا».
«ضفدع بري مات في الماء أو اللبن؛ فهو طاهر؛ إلا إذا انقطع فيه لأنه ليس له دم سائل، حتى لو كان للضفدع البري دم سائل أفسد الماء أيضاً».
«البيضة إذا خرجت من الدجاجة فوقعت في الماء وهي رطبة أو يبست ثم وقعت لا تفسد الماء، وكذلك السَّخلة إذا سقطت من أمها وهي رطبة أو يبست ثم وقعت في الماء في قياس قول أبي حنيفة ـ رحمه الله -؛ لأنها كانت في مَظانِّها ومعدنها»، «كما في الإِنْفَحة إذا خرجت بعد موتها؛ فهي طاهرة عنده، سواء كانت جامدة أو مائعة، وعندهما إن كانت جامدة تطهر بالغسل، وإن كانت مائعة لا؛ لأنها نجسة بنجاسة الوعاء».
(ع): «امرأة صلت ومعها صبي ميت: فإن كان لم يستهل؛ فصلاتها فاسدة، غُسِّل أو لم يُغسَّل؛ لأنَّ بالغسل إنما يطهر الميت الذي كان حيَّاً، وكذلك إن استهل ولم يُغسَّل، وإن كان قد غُسِّل؛ فصلاتها تامة «.
(ن): «جلدة الإنسان إذا وقعت في الماء أو قشره: إن كان قليلاً مثل ما يتناثر من شقوق الرِّجل وما أشبهه لا يفسده، وإن كان كثيراً يفسد، ومقدار الظفر كثير؛ لأن هذا من جملة لحم الآدمي، ولو وقع الظفر لا يفسد؛ لأنه لا حياة فيه».
«إذا صلى الرجل ومعه شعر رجل أكثر من مقدار الدرهم تجوز صلاته، والفتوى على هذه الرواية»، وإلى هذا ذهبنا في "الجامع الصغير" في كتاب البيوع.
(ع): «رجل قطعت أذنه أو قلعت سنه، فأعاد أذنه إلى مكانها أو السن المقلوعة إلى مكانها فصلى، أو صلى وأذنه أو سنه في كُمِّه؛ جاز وإن كان أكثر من قدر الدرهم؛ لأن ما ليس بلحم لا يحله الموت فلا يتنجس».
«ولو صلت المرأة وفي عنقها قلادة فيها سن كلب أو ثعلب؛ فصلاتها تامة لأن الذكاة تقع عليهما، وكل ما يقع عليه الذكاة فعظمه لا يكون نجساً، بخلاف الآدمي والخنزير». وذكر قبيل هذا بيع عظام الميتة كما ذكره في بيع كتاب "الجامع الصغير"، وسنكتبه في كتاب البيوع - إن شاء الله تعالى -.
في باب صلاة (ن): «إذا صلى ومعه شيء من لحم السباع كالثعلب ونحوه أكثر من قدر الدرهم؛ فصلاته فاسدة وإن كان من المذبوح لأن بالذبح يطهر جلدها ولا يطهر لحمها، حتى لو وقع في الماء القليل أفسده، وهذا لأن سؤره نجس، ونجاسة سؤره تدل على نجاسة لحمه،
وبه أخذ الفقيه أبو جعفر والفقيه أبو الليث - رحمهما الله -».
وذكر المصنف - وهو الصدر الشهيد رحمه الله - في أول باب الصيد والذبائح من هذا الكتاب واختار خلاف هذا، وسيأتي في آخر كتاب البيوع في فصل الأعيان التي يجوز بيعها أو لا يجوز ـ إن شاء الله تعالى ـ.
«ولو كان بازِيًّا أو غيره من الطيور أو الفأرة أو الحية تجوز الصلاة مع لحمها إذا كانت مذبوحة؛ لأن سؤر هذه الأشياء ليس بنجس، وكل ما لا يكون سؤره نجساً تجوز الصلاة مع لحمه إذا كان مذبوحاً؛ لأنه لا يكون لحمه نجساً».
«ولو صلى ومعه جلد الحية أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة، مذبوحة كانت أو غير مذبوحة؛ لأن جلدها لا يحتمل الدباغ لتقام الذكاة مقام الدباغ».
وفي صلاة (ب): «صلى ومعه نافجة مسك: إن كانت النافجة بحال متى أصابها الماء لم تفسد جازت صلاته؛ لأنها بمنزلة جلد ميتة دبغ، وإن كانت بحال تفسد متى أصابها الماء؛ فإن كانت هذه نافجة دابة ذكيت جازت أيضاً لأنها من أجزاء الدابة وقد طهرت الدابة بالتذكية، وإن كانت نافجة دابة لم تذك لا يجوز؛ لأنها بمنزلة جلد ميتة لم يدبغ».
وسيأتي ما يقرب من جنس هذه المسائل في كتاب الصلاة ـ إن شاء الله تعالى ـ.
(ن): «إذا صلى مع مرارة الشاة؛ فمرارة كل شيء كبوله؛ فكل حكم يطهر في حق البول فهو الحكم في المرارة».
وفي طهارة (ن): «في بول ما يؤكل لحمه الفتوى على قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: أنه نجس نجاسةً حقيقيةً؛ لأنه لا بلوى فيه».
(ب): «الخف إذا أصابه روث؛ فعلى قول من يعتبر الكثير الفاحش إنما يعتبر فيما دون الكعبين، ولا يعتبر من أسفل القدم خاصة ولا من الخف كله، حتى قال محمد - رحمه الله -: إن الربع فيما دون الكعبين يمنع جواز الصلاة؛ لأن ما فوق الكعبين زيادة فيما يرجع إلى إطلاق اسم الخف عليه». وسيأتي نحوه في مسائل المسح.
(و): «بول الخفافيش لا يفسد الماء؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وبول السِّنَّوْر نجس، كتبناه في فصل البئر».
(ن): «البعير إذا اجترَّ فأصاب الثوب؛ فحكمه حكم سرقينه؛ لأنه قد واراه في جوفه؛ ألا
ترى أن ما قد توارى في جوف الإنسان وإن كان ماءً ثم قاء كان حكمه حكم بوله؟! كذا ههنا».
وسؤر الحمار من العصير سيأتي ثانية الفصل الذي يلي هذا الفصل.
«ماء فم النائم إذا أصاب الثوب؛ فهو طاهر، سواء كان من ماء الفم أو منبعثاً من الجوف؛ لأن الغالب أن الماء الذي يخرج من الفم حالة النوم يتولد من البلغم فيكون طاهراً كيف ما كان عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وعليه الفتوى».
رجل امتخط في ثوبه فوجد في ذلك الثوب أثر الدم: قال محمد: ينجس الثوب.
وكل دم ظهر على رأس الجرح ولم يَسِل: هل يكون نجساً؟
«عند محمد: يكون، فإن لم يسل الدم عن رأس الجراحة لا يضره؛ لأن ما ليس بحدث لا يكون نجساً، وعند أبي يوسف: لا يكون نجساً، وعند محمد: يكون نجساً.
وتمام هذا في "الفتاوى الصغرى"».
«الدم الذي يخرج من الكبد؛ إن لم يكن من غيره متمكناً فيه؛ فهو طاهر لأن الكبد هو دم جامد، وكذا اللحم المهزول إذا قطع؛ فالدم الذي فيه ليس بنجس، هكذا ذكر، وفيه نظر؛ لأنه وإن لم يكن دماً فقد جاور الدم، والشيء يتنجس بمجاورة النجس».
(ع): «الدم الملتزق باللحم إذا كان ملتزقاً من الدم السائل بعد ما سال كان نجساً، وإن لم يكن ملتزقاً من الدم السائل لم يكن نجساً؛ لما روي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ((أنها
سُئلت عن اللحم يطبخ فيُرى في القدر صفرة الدم؛ فقالت: لا بأس بذلك))».
سيأتي في آخر الفصل الثاني الدم الملتزق بالرأس إذا أُحرق.
«خشبة أصابها بول فأُحرقت فوقع رمادها في بئر: يفسد الماء، وكذا رماد عَذِرة أُحرقت».
«وكذا الحمار إذا مات في مملحة وصار ملحاً لم يُؤكل الملح، وهذا كله قول أبي يوسف - رحمه الله -، خلافاً لمحمد ـ رحمه الله ـ، وذكر قول أبي حنيفة - رحمه الله - مع قول محمد في "القدوري"؛ لأن الرماد أجزاء ذلك النجس فتبقى النجاسة من وجه، فألحقت بالنجس
من كل وجه احتياطاً».
(س): «التبن النجس إذا كان مستعملاً في الطين: إن كان يرى مكانه كان نجساً، وإن لم ير مكانه كان طاهراً؛ لأنه في الوجه الأول غير مستهلك، وفي الوجه الثاني مستهلك، وإن ترطَّب عاد نجساً».
وأما إذا كان الماء نجساً والتراب طاهراً في الطين كتبناه في فصل البئر.
(ن): «الأرض إذا أصابتها نجاسة فيبست وذهب أثرها ثم أصابها ماء عادت نجسة في رواية».
«والمنيُّ إذا فُرك وذهب أثره، ثم أصابه ماء لا يعود نجساً في رواية؛ لأن النجس لا يطهر إلا بالتطهير، وفرك المنيِّ تطهير لأنه بمنزلة الغسل، وفي الأرض لم يوجد التطهير، حتى لو وجد يطهر كما يأتي في فصل التطهير».
«ولو لم يصب الأرض ماء بعدما ذهب أثر النجاسة لا بأس بالصلاة عليها؛ لأنه لم يظهر أثر النجاسة». وقد مر نحوه في فصل البئر.
«رجل دخل المشرعة وتوضأ ولم يكن معه نعلان، فوضع رجله على ألواح المشرعة وقد كان يدخل فيها مَن على رجليه قذر؛ جاز، ولا يجب غسل القدمين ما لم يعلم أنه وضع رجليه على الموضع النجس؛ لأن فيه ضرورة وبلوى».
ونظير هذا: أن الرجل إذا دخل الحمام فاغتسل وخرج من غير نعل؛ لم يكن به بأس لِما قلنا.
«مرَّ بكنيف، فسال عليه من ذلك الكنيف أكثر من قدر الدرهم وهو لا يعلم ما هو: إن لم يغسله حتى يعلم ما هو أجزأه، إلا أن يكون أكثر ظنه أنه قذر؛ فيغسله حينئذٍ، ـ ذكره في باب الوضوء من الأصل ـ».
«وذُكر بعد هذا رجل توضأ ووضع رجليه على أرض نجسة ثم ذهب وصلى: فإن كانت الأرض صلبة يابسة ولم يقف عليها جازت صلاته؛ لأنه لا يلتزق برجليه نجس، وإن كان الموضع
رطباً والرجل كذلك، أو كان الموضع رطباً والرجل يابسة، فظهرت الرطوبة في القدم؛ فعليه أن يغسلها»، ولو صلى قبل الغسل لم يجز؛ لأنه لزق به النجس.
«وفي صلاة (ن) أصابه الطين، أو مشى في الطين ولم يغسل قدميه حتى صلى يجزيه ما لم يكن فيه أثر النجاسة؛ لأن المانع هو النجاسة ولم يوجد إلا أن يحتاط، أما في الحكم؛ فلا يجب».
«ولهذا قال "خلف بن أيوب" - رحمه الله -: لا ينبغي لمن كان له أربعة آلاف ببلخ أن يمشي في الأسواق راجلاً كي لا يصيبه أذى الطريق».
الفصل الثاني من القسم الثاني
في تنجس الأشربة وظرف الخمر وتنجس المطعوم وطهارته
(ن): «حوض فيه عصير وقع فيه البول: إن كان عشراً في عشر لا يفسد؛ لأنه لو كان ماءً لا يفسد، فكذا لو كان عصيراً، وكذا كل ما لو كان ماءً يفسد، فإذا كان عصيراً يفسد».
«الحمار إذا شرب من العصير لا يجوز شربه؛ لأنه صار مشكلاً، وقال "محمد بن مقاتل" ـ رحمه الله -: لا بأس.
قال الفقيه أبو الليث – رحمه الله -: هذا خلاف قول أصحابنا»، ولو أخذ إنسان بهذا القول أرجو أن لا يكون به بأساً، والاحتياط في أن لا يشرب.
«رجل اتخذ عصيراً في خابية، فغلى واشتد وقذف بالزبد، ثم سكن وانتقص عما كان، ثم صارت الخمر خلاً طهر الحُبُّ كله، حتى إن الخل يخرج منه طاهراً إذا زالت رائحة الخمر عنه؛ لعموم البلوى»، وقد مر في فصل البئر على سبيل الاستشهاد.
وفي كراهية (ع): «إذا كان في الحُبِّ خمر فغسل ثلاث مرات يطهر إذا لم يبق له رائحة الخمر؛ لأنه لم يبق فيه أثر الخمر، فإن بقي فيه رائحة الخمر لا يجوز أن يُجعَل فيه شيء من المائعات سوى الخل، فإذا جعل فيه الخل يطهر وإن لم يغسل بالماء؛ لأن ما فيه من الخمر يتخلل بالخل»، وأما ما يطهر فم الشارب سيأتي في الفصل الذي يلي هذا.
«الخمر إذاوقع في الماء والماء إذا وقع في الخمر ثم صار خلاً يطهر»؛ لأن نجاسة الماء كانت بسبب المجاورة - وهو الخمر -، فإذا لم يبق المجاور - وهو الخمر - لم تبق النجاسة.
وبهذا تبين أن خل ابكته لا بأس به، وإن أراد الاحتياط في ابكته لاختلاف الأقوال فيها على ما عُرف في المسألة يُطبَخ ابكته حلواً ولا يُجعَل خلاً.
«الفأرة إذا وقعت في الخمر فصارت خلاً إن لم تتفسخ جاز أكل الخل، يريد به إذا استخرجت قبل أن تصير خلاً، وإن تفسخت لا يجوز أكله؛ لأن في الوجه الأول لم يبق جزء منها في الخل، وفي الوجه الثاني بقي».
وفي آخر كراهية (س): «امرأة تطبخ مرقة فدخل زوجها مع قدح من خمر وصب الخمر في القدر، فصبت المرأة في القدر خلاً حتى صارت المرقة من الحموضة بحال لا يقدر على أكلها إلا أن يُتخذ فيها شيء من الحلاوة: إن صارت المرقة كالخل في الحموضة لا بأس
بأكلها؛ لأنها صارت خلاً فصارت طاهرة».
وفي كراهية (ع): «قدر طبخ فوقع فيه نجاسة؛ فلا خير في مرقتها، وأما اللحم؛ إن كان في حال الغليان فكذلك لا خير فيه؛ لأنه يتشرب في اللحم؛ فصار بمنزلة الحنطة إذا طُبخت في الخمر على ما نبين في التي تلي هذه، وإن لم يكن في حال الغليان يُغسَل؛ لأنه لم يتشرب فيه النجاسة».
«ولو طبخت الحنطة في الخمر؛ قال أبو يوسف - رحمه الله -: يُطبخ ثلاث مرات في الماء ويُجفف في كل مرة كما نذكره في التي تلي هذه ـ وكذلك اللحم ـ، وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا طُبخت في الخمر لا يطهر أبداً وبه يفتى».
«ولوصُبَّ الخمر على حنطة يُغسل ثلاث مرات ويجفف في كل مرة؛ لأن التجفيف فيما لا يقبل العصر قائم مقام العصر».
(ن): «البعر إذا وقع في اللبن عند الحلب لا بأس به إذا ألقاه قبل أن يتفتت ويظهر فيه اللون؛ لأن فيه بلوى».
وفي كراهية «(و): حبة من قذر الفأرة إذا سقطت في قارورة دهن أو حنطة فطُحنت الحنطة؛ تؤكل إلا أن يكون كثيراً فاحشاً بحيث ينفر عنه الطبع؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه.
وذكر في طهارة (ن): بعرة من بعر الفأرة وقعت في وقر حنطة فطحنت والبعرة فيها، أو وقعت في وقر دهن لم يفسد الدهن والدقيق ما لم يغير طعمها؛ لأنه إذا غير طعمها كان كثيرا والتحرز عن الكثير ممكن».
وفي كراهية (س): «خبز وجد في خلاله سِرقين الفأرة؛ فان كان على صلابته يرمى السِّرقين ويؤكل الخبز؛ لأنه لم يتنجس. وقد ذكرنا قبل هذا ما هو أوسع من هذا في سِرقين الفأرة».
وفي كراهية (و): «لا بأس بالشعير يوجد في بعر الإبل والشاة فيغسل ويؤكل ويباع، وإن كان في أخثاء البقر لم يؤكل؛ لأن البعر شيء صلب؛ فلا يتداخله النجاسات والأخثاء لا.
قال "قاضي خان": الصحيح أن يفصل بالانتفاخ وعدم الانتفاخ، ويسوى بين البعر والخثو».
وفي كراهية (ن): «أهل قرية ابتلوا بالدِّياسة بالحُمُر فلا بأس بها؛ لان عموم البلوى يوجب سقوط اعتبار النجاسة».
(ن): «امرأة سعَّرت التنور ثم مسحت التنور بخرقة مبتلة نجسة ثم خبزت فيه؛ فإن كانت حرارة النار أكلت بلة الماء قبل إلصاق الخبز بالتنور لا يتنجس الخبز؛ لأن النجاسة إذا يبست لا تبقى كما لا تبقى نجاسة الأرض إذا يبست بالشمس، وإن لم تكن النار أكلت بلة الماء
يتنجس الخبز؛ لأن المنجس قائم».
«رجل أحرق رأس شاة وكان متلطخا بالدم فلم يغسله واتخذ منه المرقة؛ فإن زال عنه الدم بحرقة النار جاز؛ لأنه حينئذ يصير الحرق كالغسل له».
وقد مرَّ في الفصل الثاني قبيل هذا اللحم الملتزق بالدم، وأما الدهن إذا تنجس سيأتي في آخر المسألة الرابعة من الفصل الثالث نشرع فيه.
الفصل الثالث من القسم الثاني من الباب الأول
في مسائل تطهير النجس
(ن): «رجل رأى على ثوب إنسان نجاسة أكثر من قدر الدرهم؛ إن وقع في قلبه أنه لو أخبره بذلك اشتغل بغسله لم يسعه أن لا يخبره؛ لأن الإخبار مفيد، وإن وقع في قلبه أنه لو أخبره لا يلتفت إلى كلامه كان في سعة من أن لا يخبره؛ لأن الإخبار لا يفيد.
قالوا: ومشايخنا قاسوا الأمر بالمعروف على هذا؛ إنه إن كان يعلم انهم يستمعون يجب عليه وإلا فلا». وأما المقتدي إذا رأى على ثوب الإمام نجاسة سيأتي في كتاب الصلاة في آخر الجنس الأول من فصل الإمام.
«رجل انتهى إلى القوم وهم في الصلاة وعلى ثوبه نجاسة أقل من قدر الدرهم، وهو يخشى إن غسله تفوته الجماعة، يستحب له أن يدخل في الصلاة؛ لأنه لو اشتغل بالصلاة يكون بذلك مقيماً للفرض، ولو اشتغل بالغسل لا يكون مقيماً للفرض».
وأعاد هذه المسالة بعينها في الباب الخامس من أبواب الصلاة وأول صلاة (ن): «رجل دخل في الصلاة فرأى في ثوبه نجاسة أقل من قدر الدرهم؛ إن كان في الوقت سعة فالأفضل أن يغسل ثوبه ويستقبل الصلاة وإن كان تفوته الجماعة؛ إذا كان يجد الماء والجماعة في موضع آخر ليكون مؤدياً للصلاة الجائزة بيقين؛ لأن عند بعضهم لا تجوز الصلاة مع النجاسة القليلة، وإن كان في آخر الوقت أو لا يدرك جماعة أخرى مضى على صلاته».
وسيأتي نحوه في مسائل صاحب العذر. وقيل هذا الجواب عن الفقيه "أبي بكر البلخي".
فالجواب الأول عن أبي يوسف، وذلك أصح؛ لأن الصلاة بجماعة في غير مسجد حيه دون الصلاة منفرداً في مسجد حيه، ثم لو فاتت الجماعة في جميع المساجد يمضي، وهكذا أذا خَشِيَ فوت الجماعة في مسجد حيه.
(ن): «رجل غمس يده في سمن نجس، ثم غسل يده في الماء الجاري بغير حُرْض، وأثر السمن باق على يده طهرت يده؛ لأن نجاسة السمن بالمجاور وقد زال المجاور عنه؛ فيبقى على يده سمن طاهر.
هذا كما روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى ـ في الدُّهْن إذا أصابته نجاسة؛ يجعل في إناء فيصب عليه الماء ثلاث مرات فيعلو الدهنُ على الماءَ فيرفع بشيء، هكذا يفعل في كل مرة فيطهر في المرة الثالثة». وسيأتي نحوه في فصل الغسل والوضوء ـ إن شاء الله -. ـ.
وفي كراهية (س): «الصبغ إذا ماتت فيه فأرة؛ يصبغ به الثوب ويغسل الثوب فيكفي ذلك؛ لأن الثوب المصبوغ لو وقع في نجاسة فغسل يكفي كذا ههنا».
(ن): «رجل شرب خمرا؛ إن تردد من البزاق في فيه ما لو كانت تلك الخمر على ثوب طهرها ذلك البزاق يطهر».
«وكذلك الهرة أذا أكلت الفأرة ثم شربت الماء من الإناء؛ إن شربت في فورها تنجس، وإن شربت بعد ساعة أو ساعتين لا؛ لأنها قد لحست فمها، وإزالة النجاسة الحقيقية بما سوى الماء من
المائعات جائزة».
«وكذلك إذا أصاب السيف نجاسة فلحسه بلسانه أو مسحه بريقه طهر».
«وكذلك الصبي إذا قاء على ثدي أمه ثم مص ذلك مراراً طهر لما قلنا».
«وكذلك إذا أصاب بعض أعضائه نجاسة فلحسها بلسانه حتى ذهب أثرها جاز».
وفي صلاة (و): «من شرب الخمر وصلى ولم يغسل فاه لم يجز؛ لأنه نجس أكثر من قدر الدرهم، إلا أن يكون ما أصابه أقل من قدر الدرهم.
وفي صلاة (ب): من شرب الخمر وصلى من ساعته لم يجز فإن أتى على ذلك ساعات يجب أن يكون جائزاً عند أبي يوسف خلافاً لمحمد ـ رحمهما الله ـ.
وكذلك من قاء ملء الفم ولم يغسل فاه فهو على هذا»؛ سيأتي في كتاب الصلاة في الفصل السادس.
(ن): «رجل ذبح شاة بسكين، ثم مسح السكين على صوفها أو بشيء من الأشياء، وذهب عنه اثر الدم فهو طاهر، حتى لو قطع به بِطيخاً يكون طاهراً؛ لما روي: ((أن أصحاب رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه ـ وسلم كانوا يقتلون الكفار بالسيف، ويمسحون السيف ويصلون مع السيف))».
في أول كراهية (ع): «إذا مسح الرجل مِحْجَمه بثلاث خرقات رِطاب نظاف أجزأه من الغسل؛ لأنه يعمل عمل الغسل».
إذا افتصد وتلطخ ذراعه من الدم، فغسله ثلاث مرات؛ فإن سال الماء إلى ذراعه وإلى رؤوس الأصابع، ثم سقط على الأرض؛ طهر ذراعه إذا ذهب أثر الدم؛ لكن هذا إذا سال الماء في المرات الثلاث في خط واحد، أما إذا سال الماء في كل مرة من موضع آخر؛ لا يحكم بطهارته، ولا بد من أن يغسل ذراعه ثلاثاً.
ثم اختلفوا في الماء الذي سال من أنامله إلى الأرض؛ ما مقداره؟
منهم من قال ـ على قياس قول أبي يوسف ـ: إذا سال مقدار ثلاث قطرات؛ يحكم بطهارته على قياس قول أبي يوسف، كذا ههنا.
وإذا لم يسل الماء من ذراعه إلى الأرض؛ لا يحكم بطهارته، كما لو مسح بخرقة مبلولة ثلاث مرات، وغسل الخرقة في كل مرة كما في الاحتجام. وقد ذكرنا الاختلاف فيه: فعند محمد يطهر، وعندهما لا يطهر ما لم يغسل ثلاث مرات.
وسَيْله: أن يميل إلى الجانب الأيمن أو الأيسر ليسيل الماء على جنبه وذراعه، ويطهر ذلك الموضع. فكل حكم عرفته في فصل الافتصاد فهو حكم ههنا.
(ن): «خف بطانة ساقه من الكرباس، فدخل في خروقه ماء نجس، فغسل الخف ودلكه باليد ثم ملأه الماء ثلاثاً وأهراقه، إلا أنه لم يتهيأ له عصر الكرباس طهر الخف؛ لأن جريان الماء يقوم مقام العصر» على ما يأتي في التي هذه.
«حصير أصابته نجاسة؛ إن كانت النجاسة يابسة لا بد من الدلك حتى تلين فتزول النجاسة عنه، وإن كانت رطبة يجرى عليه الماء إلى أن يتوهم زوالها به؛ لأنه لا طريق له سوى ذلك.
وإجراء الماء قد يقوم مقام العصر كالبساط النجس إذا جعل في نهر وترك فيه ليلة حتى يجري عليه الماء طهر».
«الآجُرُّ إذا أصابته نجاسة وتشربت فيه؛ فإن كان الآجر قديماً مستعملاً يكفيه الغسل ثلاث مرات، وإن كان حديثاً يغسل ثلاث مرات ويجفف على إثر كل مرة».
«البول إذا أصاب الأرض واحتيج إلى الغسل يصب عليه الماء ثم يدلك وينشف ذلك بصوف أو خرقة؛ يفعل ذلك ثلاثاً فيطهر، وإن لم يفعل ذلك ولكن صَبَّ عليه ماءً كثيراً حتى يغرق، ولا يوجد في ذلك لون ولا ريح ثم ترك حتى تنشفه الأرض كان طاهراً؛ لأن بمثل هذا ورد الأثر، وهكذا يفعل بكل ارض نجسة».
وقد كتبنا من مسائل تطهير النجس كثيراً في الفصل الذي قبيل هذا الفصل؛ لأنها كانت أليق بذلك الفصل، والمسألة الأخيرة من كتاب الطهارة من هذا الجنس أيضاً. ولله الحمد على التوفيق.
الباب الثاني
في الأحداث ورفعها
وهو قسمان، وكل قسم ثلاثة فصول:
القسم الأول منه: ومسائله ثلاثة فصول:
الأول: في الاستنجاء.
الثاني: في التيمم.
الثالث: في مسائل المسح.
القسم الثاني: ثلاثة فصول:
الأول: في النفاس والحيض والاستحاضة.
الثاني: فيما يوجب الغسل والوضوء أو لا يوجب.
الثالث: في الغسل والوضوء وما يتوضأ به.
وكل واحد من هذه الفصول مسائله متنوع إلى أنواع، فأكتب كل نوع متميزاً عن غيره؛ تسهيلاً للأمر على من نظر فيها.
الفصل الأول من القسم الأول
في ذكر مسائل الاستنجاء
(ن): «إذا استنجى الرجل بثلاثة أحجار؛ قال بعض المشايخ: كيفية ذلك؛ أنه يدبر الحجر الأول، ويُقبل بالثاني، ويدبر بالثالث؛ لأن هذا أقرب إلى النظافة».
«موضع الاستنجاء إذا أصابته النجاسة أكثر من قدر الدرهم؛ فاستجمر بثلاثة أحجار ولم يغسله يجزئه ـ هو المختار ـ»؛ لأنه ليس في الحديث المروي فصل، فصار هذا الموضع مخصوصاً من سائر مواضع البدن؛ حيث يطهر من غير غسل، وسائر مواضع البدن لا يطهر إلا بالغسل.
«الاستنجاء بالماء أفضل إلا أن يكون على شط نهر أو مشرعة ليس فيها ما يستره، فإنه لا يفعل ثمة ولو فعل، قالوا: يصير فاسقاً؛ لأنه كشف العورة من غير ضرورة فيه».
«الغسل في الاستنجاء غير مقدر لكن يغسل حتى يطمئن قلبه».
(س): «ينبغي أن يستنجي بعدما خطا خطوات؛ لأنه عسى أن يخرج من قبله شيء فيحتاج إلى إعادة الطهارة».
«وإذا استنجى في الصيف يبالغ أيضاً، لكن لا كما في الشتاء؛ لأنه دخل الماء إلى جوفه، وإن استنجى في الشتاء بماء سُخِّن كان كما لو استنجى في الصيف، لكن ثوابه دون ثواب المستنجي بماء بارد».
«ولو أدخل أصبعه عند الاستنجاء في دبره ينتقض وضوؤه، ويفسد صومه؛ لأن أصبعه لا يخلو في هذه الحالة ـ عن البلة السائلة». سيأتي نحو هذا في أول النوع الثاني من فصل ما يفسد الصوم في كتاب الصوم - إن شاء الله تعالى -، «وإذا عالجه حتى أدخله ينتقض وضوؤه، وقيل: ينتقض بنفس الخروج، وهو قول "شمس الأئمة الحلواني"».
«وإذا خرج دبره وهو صائم؛ ينبغي أن لا يقوم من مقامه حتى ينشف ذلك الموضع بخرقة؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك وقام؛ عسى يدخل الماء جوفه فينتقض صومه».
«والمستنجي لا يتنفس في الاستنجاء إذا كان صائما لهذا المعنى». واستنجاء المستحاضة سيأتي في مسائل صاحب العذر.
(ن): «المرأة إذا استنجت تجلس مُتَفَرِّجةً ما بين رجليها، وتغسل ما ظهر منها، ولا تدخل أصبعها؛ كي لا تذهب عذرتها عسى. ويكفيها أن تغسل براحتها أو تعرض أصابعها، وفي الرجل كذلك ـ هو المختار ـ».
«قيل: الاستنجاء بالأصبع يورث الباسور»؛ نظير هذا: أن من غسل الوجه لا يفتح عينيه ولا يغمض كذا هذا.
«رجل استنجى فجرى ما استنجى به تحت رجليه فصلى مع ذلك الخف؛ فإن كان خفه غير منخرق رجوت أن يتسع الأمر في ذلك، وإن كان منخرقاً فدخل تحته لا؛ لأن في الوجه الأول الماء الأخير يطهر الخف كما يطهر موضع الاستنجاء؛ ألا ترى أن من لم يغسل يديه بعد الاستنجاء بالماء تطهر اليد مع طهارة الموضع، وفي الوجه الثاني تنجس رجله ولفافته وداخل خفه، ولم يوجد تطهير ذلك».
إذا استنجى من قمقمة، فلما صب الماء من القمقمة على يده لاقى الماء الذي يسيل
من القمقمة البول قبل أن يقع على يده بعدما خرج من القمقمة فهو طاهر؛ لأنه ماء جار، هكذا ذكر وفيه نظر؛ لأن هذا يقتضي أنه إذا استنجى لا يصير الماء نجساً وهذا ليس بشيء، ـ ولله الحمد والمنة ـ.
الفصل الثاني من القسم الأول
في التيمم لمن يجوز وفي كيفيته وانتقاضه برؤية الماء
فصار ثلاثة أنواع:
نوع فيمن يجوز له التيمم:
(ب): «المسافر إذا كان أمامه ماء، وبينه وبين الماء أقل من ميل، وهو يخاف فوت الوقت لا يتيمم؛ لأن المقيم إذا كان بينه وبين الماء ميل أو أكثر حينئذ يتيمم، وإن كان أقل لا يتيمم وإن فاته الوقت، فكذا المسافر؛ لأنهما سواء في قليل السفر في حكم التيمم، وفي حكم الصلاة على الدابة».
(ن): «رجل كان في البادية وليس معه ماء إلا قمقمة من ماء زمزم في رحله، وقد رصَّص رأس القمقمة؛ لا يجوز له التيمم إذا كان لا يخاف على نفسه العطش؛ لأنه واجد للماء.
وكثيراً ما يبتلى به الجاهل من الحاجِّين ويظن أنه يجزيه؛ والحيلة في ذلك أن يهبها من غيره ويسلمها إليه، ثم يستودعها».
«ذكر القدوري عن محمد ـ رحمه الله ـ في رجلين مع أحدهما إناء يغترف من البئر وعد صاحبه أن يعطيه الإناء، فإنه ينتظر وإن خرج الوقت.
وكذا الكاسي إذا وعد العاري أن يعطيه الثوب إذا فرغ من صلاته؛ لم تجزه الصلاة عرياناً».
وذكر "النسفي"في "شرح الشافي": «إذا كان مع رفيقه دلو ورشا، فقال له: "انتظرني
حتى أستقي وأتوضأ أعطيك"، فله أن يتيمم ولا ينتظر؛ لأن الواعد قد تركه.
وفي "ذخيرة الفقهاء": مسافران بينهما ثوب، فحضرت الصلاة، فقال أحدهما لصاحبه: "امكث حتى أصلي وأدفع إليك الثوب "، فإن مكث خرج الوقت؛ قال: يصلي عرياناً ولا ينتظر».
وهكذا لو كان مع صاحبه على رأس البئر دلو ورشا، فقال: امكث ساعة حتى أنزح الماء، وأدفع إليك الدلو والرشا؛ جاز له أن يتيمم.
ولو كان للواحد ثوب ودلو، لكنه لو اشتغل بالنزح أو اللُّبس يفوت الوقت؛ قال: لا يتيمم، ولا يصلي عرياناً؛ بل يلبس ويستقي، فيتوضأ ثم يصلي.
«الماء الموضوع في الفلوات أو في الحُبِّ أو نحو ذلك؛ لا يمنع جواز التيمم للمسافر؛ لأنه لم يوضع للوضوء إنما وضع للشرب، فكان الوضع دلالة للإباحة في نوع فلا يستعمل في غيره، إلا إذا كان الماء كثيراً؛ فيستدل حينئذ على أنه وضع للشرب والوضوء جميعاً. وسيأتي جنسه في كتاب الشرب ـ إن شاء الله ـ».
وفي صلاة (ن): «الأسير إذا كان في أيدي العدو يتيمم ويومئ إيماءً؛ لأنه عجز عن الأصل في الوضوء والصلاة جميعاً؛ فيصير إلى الخُلْف فيهما، وإذا خرج يجب عليه الإعادة؛ لأنه لم تظهر طهارة التيمم في حق منع وجوب الإعادة كالمحبوس في السجن إذا وجد التراب الطاهر والمكان الطاهر ولا يجد الماء؛ يتيمم ويصلي، فإذا خرج يعيد كذا هنا». وهذا معاد في فصل المسافر.
وفي باب صلاة المسافر (ع): «ثلاثة نفر في السفر؛ أحدهم جنب، والآخر حائض
طهرت، والآخر ميت، ومعهم من الماء مقدار ما يكفي لغسل واحد منهم؛ إن كان الماء لأحدهم فهو أحق به، وإن كان الماء حقاً لهم فلا ينبغي لواحد منهما أن يغتسل بذلك الماء؛ لأن للميت فيه نصيباً، وينبغي لهما أن يصرفا نصيبهما إلى الميت ويتيمما، وإن كان الماء مباحاً فالجنب أحق به؛ لأن غسله فريضة، ويكون إماماً للمرأة، ويتيمم الميت لأن غسله سنة».
«وفي طهارة (و): جنب مسلم وميت مسلم، ووجد من الماء ما يكفي أحد الأمرين؛ يغتسل الجنب ويتيمم الميت؛ لأن الغسل من الجنابة ثبتت فرضيته بنص الكتاب، وغسل الميت ثبت بالسنة فكان دونه»، ونحوه في الكفن سيأتي في فصل الجنائز.
ولو كان الماء بين الأب والابن في المفازة؛ من أحق منهما؟ سيأتي ذلك في كتاب الهبة ـ إن شاء الله تعالى -. ولو صار الماء بينهم بعدما تيمما سيأتي في النوع الثالث.
(ن): «من سقط فأصاب رجله وجع لا يقدر على القيام، ولا على غسل رجليه؛ يتوضأ ويمسح على ذلك العضو ولا يتيمم، فإن عجز عن غسل أكثر الأعضاء فحينئذ يجوز له التيمم،
وكذا في الجنابة؛ لأن للأكثر حكم الكل، وإن كانا سواءً يغسل، حتى قال محمد -رحمه الله-: إن كان على اليدين قروح لا يقدر على الغسل وفي وجهه مثل ذلك يتيمم، وإن كان بيده خاصة غسل». وسيأتي نحوه في فصل المسح.
«المريض إذا أقعده المرض بحيث لا يستطيع الحركة؛ إن كان له خادم أو عنده من المال ما يستأجر به أجيراً، أو بحضرته من المسلمين من لو استعان به على الوضوء أعانه، وهو بحال لو وضأه لا يدخله الضرر لا يجوز له التيمم؛ لأنه قادر على التوضؤ».
«فرق بين هذا وبين المريض إذا لم يقدر على الصلاة قائماً، ومعه قوم لو استعان بهم في الإقامة والثبات على القيام أعانوه؛ جاز له الصلاة قاعداً.
والفرق أنه يخاف على المريض زيادة الوجع في قيامه، ولا يلحقه زيادة الوجع في الوضوء». وسيأتي نحو هذا في فصل الوضوء والغسل – إن شاء الله تعالى -.
نوع في كيفية التيمم وما يتيمم به:
(ن): «إذا مسح في تيممه الأكثر من وجهه والأكثر من ذراعيه وكفيه؛ لا يجوز ـ هو
المختار ـ؛ لأن التيمم خُلفٌ عن الوضوء، وفي الوضوء الاستيعاب شرط فكذلك في التيمم، حتى لو لم يمسح تحت الحاجبين فوق العينين، أو لم يحرك خاتمه وخاتمه ضيق لا يجزئه.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ: أنه لو تيمم الأكثر جاز، وقال قاضي خان: وبه يفتى. وفتوى "ظهير الدين الحسن بن علي المرغينانيِّ" على ما في المتن: أنه لو لم ينزع خاتمه في التيمم لا يجزيه، وهكذا ذكر "السرخسي" في أول الصلاة، ولم يذكر ضيق الخاتم».
(س): «إذا تيمم الرجل يخلل أصابعه، فإن تركه لا يجزئه؛ لأن الاستيعاب شرط ـ هو
المختار ـ».
(ع): «رجل يرى التيمم إلى الرسغ، والوتر ركعة واحدة، ثم رأى التيمم إلى المرفق
والوتر ثلاثاً؛ لا يعيد ما صلى، وإن كان فعل ذلك من غير أن يسأل أحداً، ثم سأل فأمر بثلاث يعيد ما صلى؛ لأنه في الوجه الأول مجتهد، وفي الثاني لا».
«ولو أصابه الغبار فمسح وجهه وذراعيه وأراد به التيمم أجزأه؛ لأنه وجد التيمم بالصعيد الطاهر». ونحوه يأتي في فصل المسح وهي مسألة قرنجاب.
(ن): «مسافر تيمم بالملح؛ إن كان مائياً لم يجز؛ لأنه ليس من أجزاء الأرض، وإن كان جبلياً يجوز؛ لأنه من أجزاء الأرض. وسيأتي نحو هذا في فصل الوضوء – إن شاء الله تعالى -».
«ولو تيمم الجنب لدخول المسجد أو لقراءة القرآن؛ لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم. ولو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أجزاه أن يصلي به المكتوبة؛ لأن في الوجه الأول التيمم لم
يقع للصلاة ولا لجزء من الصلاة، وفي الوجه الثاني وقع للصلاة ولجزء من الصلاة. والنية في التيمم للصلاة شرط فلا تجوز به الصلاة في الوجه الأول، وتجوز به في الوجه الثاني». وأداء صلاة الجنازة مرتين بتيمم واحد يأتي في فصل الجنائز في آخر مسائل صلاة الجنازة.
نوع في انتقاض التيمم بالقدرة على الماء:
(ع): «متيمم مرَّ على ماء في موضع لا يستطيع النزول إليه؛ لخوف على نفسه من العدو أو السبع؛ لا ينتقض تيممه؛ لأنه غير قادر».
«ولو أن خمسة من المتيممين وجدوا ماءً قَدْر ما يتوضأ به أحدهم؛ انتقض تيممهم جميعاً؛ لأنَّ كل واحد منهم صار قادراً على الماء. ولو قال رجل: هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء؛
انتقض تيممهم جميعاً؛ لهذا المعنى.
ولو قال: هذا الماء لكم جميعاً لا ينتقض تيممهم؛ لأن على قول أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ لم تصح هذه الهبة، وعلى قولهما إن صحت هذه الهبة؛ فقد أصاب كل واحد منهم ماءً لا يكفي لوضوئه.
فلو أذنوا لواحد منهم بالوضوء؛ عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ لا يجوز إذنهم؛ لأن هذه الهبة فاسدة فلا ينتقض تيممهم، وعندهما صح إذنهم فانتقض تيممهم».
(س): «قوم متيممون دخلوا في الصلاة، فجاء رجل وقال: من يريد منكم الماء؟ انتقض تيممهم؛ لأن كل واحد منهم قدر على الماء.
ولو أن قوماً متيممين؛ منهم متيمم لجنابة، ومنهم متيمم لوضوء، وإمامهم متوضئ، فجاء رجل وقال: هذا الكوز من الماء لمن شاء منكم؛ فسدت صلاة المتيممين عن الوضوء، ولم تفسد صلاة المتيممين عن الجنابة؛ لأنهم لم يجدوا مقدار ما يكفيهم من الماء.
ولو كان إمامهم متيمماً عن وضوء فسدت صلاة الكل؛ لأنه لما فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المقتدين.
ولو كان الإمام متيمماً عن جنابة؛ فصلاته ومن خلفه من المتوضئين والمتيممين عن الجنابة تامة، وصلاة المتيممين عن الوضوء فاسدة؛ هذا إذا كان الماء لا يكفي الاغتسال، فإن كان يكفي للاغتسال؛ فإن كان الإمام متوضئاً، فصلاته وصلاة المتوضئين تامة، وصلاة المتيممين عن الجنابة والوضوء فاسدة. ولو كان الإمام متيمماً عن أي شيء كان فسدت صلاتهم جميعاً» وبالله العون -.
الفصل الثالث من القسم الأول من الباب الثاني
في ذكر مسائل المسح على الخفين والجوربين والجراحة والرأس
في الخفين (ن): «من أنكر المسح على الخفين يخاف عليه الكفر؛ لأنه ورد فيه من الأخبار ما يشبه المتواتر».
«وتفسير المسح على الخفين: أن يمسح ما بين أطراف الأصابع إلى الساق، ويفرج بين أصابعه قليلاً».
«إذا لبس المكعب ولا يرى من كعبيه إلا أصبع أو أصبعان جاز المسح عليه؛ لأنه بمنزلة الخف».
«وقد نص في "الزيادات": لو كان معه خف لا ساق له، وذكر الجواب نحواً من هذا». والخف الذي لا ساق له يراد به المكعب. وقد كتبنا وسط فصل معرفة الأعيان النجسة حد الخفين.
(س): «إذا كان في الخف شق يدخله ثلاثة أصابع إن أُدخلت، إلا أنه لا يُرى شيء من الرِّجل جاز عليه المسح؛ لأن المانع هو الخرق الظاهر الذي يُرى منه الرِّجل».
في الجوربين: «المسح على الجوربين إذا كانا من الجلد ويُلبس معهما النعلان جاز في قولهم جميعاً أما إذا كانا من الصوف وهما ثخينان فيه خلاف معروف».
«وروى "محمد بن سلمة" بإسناده عن أبي حنيفة ـ رحمه الله -: أنه مسح على الجوربين قبل موته بثلاثة أيام، ورجع إلى قولهما وعليه الفتوى».
(ن): «إذا مسح خفه أو رأسه ببلل في يده، والبلل ليس بقاطر يجزئه؛ إذا كان بللاً غير مستعمل؛ لأن الواجب هو المسح وآلته البلة. ولهذا روي عن أصحابنا: أن من مسح رأسه بالثلج أجزاه مطلقاً، ولم يفصلوا بين بلل قاطر وبين بلل غير قاطر».
«ومن لم يمسح خفه ومشى في الغداة، فأصاب خفه الطَلُّ وبالفارسية (قِرنجاب) تكلموا فيه؛ منهم من قال: القرنجاب: نَفَسُ دابة تكون في البحر تتنفس بالغداة؛ تبتل منها الأشياء. فإن كان على هذا فلا يجزئه؛ لأنه ليس بماء. ومنهم من قال: لا، بل هو ماء؛ فإن كان على هذا فيجزئه». وهذا ليس بشيء يُعرف بالفقه، والظاهر أنه ماء. وأعاد هذه المسألة بعينها.
في باب صلاة (ن): «المسافر إذا مضى عليه مدة المسح، وهو يخاف من نزع الخفين ذهاب رِجله من البرد جاز له المسح على الخفين، وإن كان لا يخاف على رِجله؛ ينزع الخفين
ويغسل القدمين؛ لأن في الوجه الأول ضرورة وفي الوجه الثاني لا».
في الجراحة:
(ن): «رجل بأصبعه قرحة؛ أدخل المَرَارَة في أصبعه وهي تجاوز موضع القرحة، فتوضأ ومسح عليها جاز؛ لأن هذا أمر لابد منه وجوابه سيأتي في كتاب الكراهية».
«وكذلك لو كان على يده أو رِجله جراحة أو قرحة، فجعل عليها الجبائر وهي تزيد على موضع الجراحة أو القرحة؛ جاز له أن يمسح عليها؛ يريد به إذا استوعب المسح العصابة؛ أي الموضع الذي أخذته العصابة، وكذلك في حق المفتصد.
وكان القاضي الإمام "أبو علي النسفي" لا يجيز المسح على عصابة المفتصد، ويقول: يجوز على خرقة المفتصد، فأما ما تأخذه العصابة يغسل، ويفرق بينه وبين القرحة، والفتوى اليوم على الأول». ولو كان أكثر أعضائه مجروحة كتبناه في فصل التيمم.
«رجل به جرح يَخاف عليه إن غسله أن يضره، فمسح على العصابة التي على الجرح، ثم سقطت العصابة فبدلها أخرى، فالأحسن أن يعيد المسح، وإن لم يعد أجزأه؛ لأن المسح على الأولى بمنزلة الغسل لما تحتها، بدليل أنه لو أتى عليه أيام يجوزولا يقدر بوقت صلاة، فصار كما لو مسح الرأس ثم جزَّ شعره».
في الرأس:
(ب): «إذا مسح رأسه بأطراف أصابعه؛ إن كان الماء متقاطراً جاز، وإن كانت مبتلة ولم يكن الماء متقاطراً لا يجوز؛ لأن الماء إذا كان متقاطراً فالماء ينزل من أصابعه إلى أطراف الأصابع، فإذا مدَّه كان كأنه أخذ ماءً جديداً.
إذا مسح بأصبع واحدة، ثم بلها فمسحها ثلاثاً؛ إن مسح في كل مرة في غير الموضع الذي مسح أولاً جاز فصار كأنه مسح بثلاثة أصابع.
ولو مسح بالإبهام والسبابة؛ إن كانتا مفتوحتين جاز؛ لأن ما بينهما مقدار أصبع فكأنه مسح بثلاثة أصابع ـ والله أعلم ـ».
القسم الثاني من الباب الثاني
في مسائل النفاس والأحداث
وما يتصل بها
وهي ثلاثة فصول:
الأول: في النفاس والحيض وأحكامهما وفي الاستحاضة وما في معناها.
الثاني: فيما يوجب الغسل والوضوء.
الثالث: في الغسل والوضوء.
الفصل الأول
في مسائل النفاس والحيض والاستحاضة.
النفاس:
(ع): «المرأة إذا خرج بعض ولدها؛ إن خرج الأقل لا يكون حكمها حكم النفساء، ولا تسقط عنها الصلاة؛ لأن الأكثر ليس بخارج وللأكثر حكم الكل، ويجب عليها أن تصلي.
ولو لم تصلِّ تصير عاصية، ثم كيف تصلي؟
قالوا: يؤتى بقدر فيجعل القدر تحتها، أويحفر لها حُفيرة وتجلس هناك وتصلي؛ كيلا تؤذي الولد». وسيأتي نحو هذا في كتاب الصلاة في فصل صلاة المرأة - إن شاء الله تعالى -.
«المرأة إذا خرج ولدها ميتاً من قبل سرتها؛ بأن ظهرت عند سرتها قرحة ثم انشقت وخرج منها ولد ميت؛ إن سال الدم من قبل السُّرة لا تصير نفساء بل تكون مستحاضة؛ لأن دم النفاس اسم لدم يخرج من الرحم عقيب الولد. وسيأتي نحوه في دم الحيض قبيل آخر هذا الفصل.
ولو سال الدم من الأسفل صارت نفساء؛ لوجود الدم الذي هو دم النفاس. ولو كانت معتدة انقضت عدتها؛ لأنها وضعت حملها فدخلت تحت النص. ولو كانت أمة تصير أم ولد إن كان الولد من المولى؛ لوجود الولد من المولى. ولو كان الزوج قال لها: إن ولدت فأنت طالق طلقت؛ لوجود الشرط».
نوع حيض:
(ب): «الحائض إذا حبست الدم عن الدُّرور لا يخرج من أن تكون حائضاً، وصاحب الجرح السائل إذا منع الجرح من السيلان بعلاج، فإنه يخرج من أن يكون صاحب عذر.
والفرق بينهما: أنها إذا حبست الدم عن الدُّرور فالقياس أَنْ تخرج المرأة من أن تكون حائضاً؛ لانعدام دم الحيض حقيقة، كما يخرج صاحب الجرح من أن يكون صاحب عذر، إلا أن
الشرع اعتبر دم الحيض كالخارج حيث جعلها حائضاً، مع الانعدام بالحبس، ولم يعتبر في حق صاحب الجرح السائل،» فعلى هذا المفتصد؛ لا يكون صاحب جرح سائل.
«ولو حاضت المرأة في آخر الوقت، أو صارت نفساء وهو وقت لو كانت طاهرة أمكنها أن تصلي فيه أو لا يمكنها يسقط عنها فرض الوقت؛ لأن الوجوب عندنا بآخر الوقت سواء كان الوقت قليلاً أو كثيراً؛ فقد وجد سبب الوجوب وهي ليست من أهل الصلاة، فلم تجب عليها الصلاة ولا يجب عليها القضاء أيضاً؛ لأنه خلف فلا يجب بدون الصلاة».
(ن): «يستحب للحائض أنه إذا دخل عليها وقت الصلاة أن تتوضأ وتجلس عند مسجد بيتها، وتسبح وتهلل؛ كيلا تزول عنها عادة العبادة، كما روي عن خلف بن أيوب: أن ابنه كان يختلف إلى "أبي مطيع"، فكان خلف يقول لابنه: إذا كان أبو مطيع غائباً؛ اذهب إلى مسجده واجلس هناك ساعة ثم ارجع؛ كيلا تزول عنك عادة الاختلاف».
نوع قراءة القرآن
(س): «الحائض والجنب إذا كانا يكتبان الكتاب الذي في بعض سطوره آية من القرآن يكره لهما ذلك وإن كانا لا يقرآن؛ لأنهما منهيان عن مس القرآن، وفي الكتابة مس لأنه يكتب بقلمه وهو في يده، وهي صورة المس.
وفي طهارة (و): الجنب لا يكتب القرآن، وإن وضع الصحيفة على الأرض ولا يضع يده على ذلك، وإن كان ما دون الآية؛ لأن كتابته بمنزلة القراءة، ويستوي في قراءة الآية وما دونها ـ هو الصحيح ـ، فكذا في الكتابة». وهذا خلاف ما أورده "القاضي الإمام" المنتسب إلى "إِسْبِيجَاب" - رحمه الله - في "شرحه".
(ن): «لا يجوز للحائض والجنب أن يمس المصحف بكمه أو ببعض ثيابه؛ لأن ثيابه التي عليه بمنزلة بدنه؛ لأنها تابعة له؛ ألا ترى أنه لو قام في صلاته على نجاسة وفي رجليه
نعلان أو جَوْربان؛ لا تجوز صلاته لما قلنا.
ولو فرش نعليه أو جوربيه وقام عليهما جازت صلاته؛ لأنه إنما تصير ثيابه كبعض
جسده إذا كان لابساً إياها، ولهذا جرت العادة بين الناس في صلاة الجنازة أنهم يفرشون المكاعب ويقومون عليها».
(س): «المعلمة في حالة الحيض: تعلم الصبيان حرفاً حرفاً، ولا تعلمهم آية كاملة؛ لأن المسقط هو الضرورة، وأنها تندفع بالأول».
(ن): «لا ينبغي للحائض والجنب أن يقرآ التوراة أو الإنجيل أو الزبور؛ لأن الكل كلام الله تعالى».
«ويكره للجنب قراءة ((اللهم إنا نستعينك)) هكذا روي عن محمد؛ لاحتمال أن هذا من القرآن. ولم يسلم الطحاوي هذه الرواية وعلى هذا يفتى.
وفي صلاة (و): ويكره للجنب أن يقرأ دعاء الوتر ((اللهم إنا نستعينك))؛ لأنه قيل: إنه من آيات القرآن ـ هكذا ذكر هنا ـ وظاهر المذهب أنه لا يكره على ما ذكرنا في شرح كتاب الحيض؛ لأنه ليس بقرآن، وعليه الفتوى».
(ن): «المسافرة إذا طهرت من الحيض فتيممت ثم وجدت الماء؛ جاز للزوج أن يقربها، لكن لا تقرأ القرآن وعليه الفتوى ـ؛ لأنها لما تيممت فقد خرجت من الحيض، فلما وجدت الماء وجب عليها الغسل، فصارت بمنزلة الجنب».
نوع قربان:
«من أتى امرأته الحائض فعليه الاستغفار والتوبة؛ هذا من حيث الحكم، أما من حيث الاستحباب فيتصدق بدينار أو بنصف دينار؛ لما روي: ((أن رجلاً سأل النبي ? عن ذلك؛ فأمره بأن يتصدق بدينار أو بنصف دينار))».
«ولا بأس بأن يقرب امرأته وهي مستحاضة؛ لأن المانع دم الحيض وهو معدوم».
(س): «امرأة تحيض من دبرها؛ لا تدع الصلاة؛ لأن هذا ليس بحيض، ويستحب أن تغتسل عند انقطاع الدم، ولو أمسك زوجها عن الإتيان كان أحب إلي؛ لمكان الصورة وهو الدم من الفرج».
وفي طهارة (و): «المرأة إذا انقطع حجابها الذي بين القبل والدبر؛ ليس للزوج أن يجامعها، إلا أن يعلم أنه يمكنه أن يأتيها في القبل، ولا يتأتى الجماع في الدبر؛ لأن الجماع في القبل حلال وله أن يأتي به، والجماع في الدبر حرام وعليه الامتناع. فإذا علم أنه يمكنه الإتيان في الحلال من غير الوقوع في الحرام فله أن يأتي، وإن أشكل عليه فليس له أن يأتي».
نوع صاحب العذر
(ن): «المستحاضة لا يجب عليها الاستنجاء لوقت كل صلاة؛ إذا لم يكن منها غائط؛ لأنه سقط اعتبار نجاسة دمها».
«رجل رعف أو سال من جرحه الدم؛ ينتظر آخر الوقت، فإن لم ينقطع الدم؛ توضأ
وصلى قبل خروج الوقت، فإن توضأ وصلى ثم خرج الوقت، ودخل وقت صلاة أخرى وانقطع الدم؛ توضأ وأعاد الصلاة، وإن لم ينقطع في وقت الصلاة الثانية حتى خرج الوقت جازت صلاته؛ لأن الدم إذا كان سائلاً مقدار وقت صلاة كامل صار بمنزلة المستحاضة، وإن كان أقل من ذلك لم يصر بمنزلة المستحاضة؛ اعتباراً للثبوت بالسقوط، فإن المستحاضة إذا انقطع دمها مقدار وقت صلاة كامل؛ خرجت من أن تكون مستحاضة، وإن كان أقل من ذلك لا، كذا في الثبوت».
(و): «إذا كان به جرح سائل وقد شدَّ عليه بخرقة، فأصابها أكثر من قدر الدرهم، أو أصاب ثوبه أكثر من قدر الدرهم، فتوضأ وصلى، ولم يغسل الدم الذي جرى على الخرقة أو على الثوب؛ إن كان بحال لو غُسل يتنجس ثانياً قبل الفراغ من الصلاة؛ جاز له أن لا يغسله ويصلي قبل أن يغسله، وإلا فلا ـ هذا هو المختار ـ؛ لأنه لا يمكن التحرزعنه». وسيأتي نحوه في كتاب الصلاة في فصل صلاة المريض.
وإذا حبس صاحب الجرح السائل الدم عن السيلان؛ كتبته في هذا الفصل في نوع الحيض، وسنكتب أمامه صاحب الجرح السائل في فصل الإمام - إن شاء الله تعالى ـ، ـ والله أعلم ـ.
الفصل الثاني من القسم الثاني
في ذكر ما يوجب الغسل والوضوء وما لا يوجب
(و): «الإيلاج في دبر الآدمي يوجب الغسل على الفاعل والمفعول؛ أنزل أو لم ينزل؛ لأنه إيلاج في الفرج. وفي البهائم لا يوجب الغسل ما لم ينزل؛ لأن هذا كالاستمناء بالكف».
(ن): «غلام ابن عشر سنين له امرأة وهو يجامعها؛ يجب عليها الغسل ولا يجب عليه.
ولو كان الزوج بالغاً والمرأة مراهقة؛ كان الجواب على العكس؛ لأن جماع الغلام ليس بسبب لنزول مائه، لكن يؤمر بالغسل اعتباراً كما يؤمر بالصلاة».
«المرأة إذا جامعها زوجها فاغتسلت، ثم خرج منها مني الزوج؛ لا يجب عليها الغسل بالإجماع؛ لأن هذا ليس ماءها، فكان هذا بمنزلة الحدث».
«ولو جامع امرأته فيما دون الفرج بين الفخذين، فدخل من مائه فرج المرأة لا غسل عليها؛ لأن الغسل إنما يجب بالتقاء الختانين، أو بنزول مائها ولم يوجد، حتى لو حبلت كان عليها الغسل؛ لأنه نزل ماؤها».
(و): «إذا أتى امرأته وهي عذراء؛ لا غسل عليها ما لم تنزل؛ لأن العُذْرة تمنع التقاء الختانين.
والبكر إذا جومعت فيما دون الفرج ودخل الماء فرجها فحبلت كان عليها الغسل؛ لأنها
أنزلت».
وفي نكاح (ن): «فلو غاب زوجها وقرب ولادتها؛ تقطع عُذرتها بحرف الدرهم؛ ليخرج الولد وسيأتي في كتاب الكراهية».
(ب): «امرأة احتلمت ولم يخرج منها ماء؛ إن وجدت شهوة الإنزال كان عليها الغسل وإلا فلا؛ لأن ماءها لا يكون دافقاً كماء الرجل، وإنما ينزل ماؤها من صدرها إلى رحمها».
(ع): «رجل احتلم فنزل الماء، إلا أنه لم يظهر على رأس الإحليل لا غسل عليه؛ لأن هذا الموضع مما لا يلحقه حكم التطهير بحال، فكان باطناً. ولو كان هذا في فرج المرأة كان عليها الغسل؛ لأن فرجها بمنزلة الفم وعليها تطهيره».
(ن): «إذا احتلم النائم في المسجد؛ إن أمكنه أن يخرج من ساعته خرج واغتسل حتى لا يبقى الجنب في المسجد، وإن لم يمكنه؛ بأن كان وسط الليل فلم يقدر على الخروج؛ استحب له التيمم؛ حتى لا يبقى جنباً في المسجد ـ والله أعلم ـ».
في معرفة الخارج الذي ينقض الوضوء أولا ينقض:
«رجل أقلف يخرج بوله أو مذيه من طرف ذكره حتى صار في قُلْفته، كان عليه الوضوء؛ لأن هذا بمنزلة المرأة إذا خرج من فرجها بول ولم يظهر». وهذه المسألة ترد إشكالاً على مسألة أخرى؛ تأتي في الفصل الذي يلي هذا وهي اغتسال الأقلف.
وفي كراهية س «إذا وضعت المرأة الخرقة في الموضع الذي يعد من الظاهر وابتلت؛ انتقض الوضوء ولا يفسد الصوم؛ لأنه خارج.
وانتقاض الوضوء يعتمد الخروج، وفساد الصوم يعتمد الدخول. وإن وضعتها من الفرج موضعاً يعد ذلك من الباطن؛ لا ينتقض الوضوء ويفسد الصوم؛ لوجود عكسه». وسيأتي نحو هذا في كتاب الصوم.
(ع): «رجل أدخل الحقنة ثم أخرجها؛ عليه وضوء. وكل شيء إذا غيبه ثم أخرجه، أو خرج؛ فعليه الوضوء وقضاء الصوم. وكل شيء أدخل بعضه وطرفه خارج؛ لا ينتقض الوضوء وليس عليه قضاء الصوم؛ لأن في الوجه الأول كان داخلاً مطلقاً، فيترتب عليه أحكام الخروج، وفي الوجه الثاني لا». وهذا معاد في كتاب الصوم.
«ولو انغمس في الماء فدخل الماء أذنه، أو استعط فدخل رأسه ثم مكث فيه ما مكث، ثم سال من أذنه أو من أنفه؛ لا ينتقض وضوؤه. وليس ما وصل إلى الرأس كما وصل إلى الجوف؛ لأن ما وصل إلى الجوف لا يخلو عن النجس، وما وصل إلى الرأس يخلو».
(ن): «الدم إذا خرج من أنفه ولم يظهر، فأدخل أصبعه فظهر الدم على أصبعه؛ إن خرج الدم من أنفه إلى موضع يجب إيصال الماء إليه في الجنابة؛ يجب عليه الوضوء؛ لأنه يكون خارجاً من الباطن إلى الظاهر».
(س): «القُراد إذا مصَّ من عضو إنسان فامتلأ دماً؛ إن كان صغيراً لا ينتقض وضوؤه؛
لأن الدم ليس بسائل، كما لو مصَّ الذباب أو البعوض، وإن كان كبيراً ينتقض؛ لأن الدم فيه سائل.
وإذا أخذت العلقة بعض جلد الإنسان ومصَّت، حتى اجتمع فيها من دمه بحيث لو شقت لسال ذلك الدم؛ ينتقض وضوؤه؛ لأن الدم الذي يخرج بِعَضِّها سائل».
في النوم وما في معناه:
(ع): «إذا نام وهو قاعد فسقط على الأرض؛ إن استيقظ حين سقط فلا وضوء عليه، وإن لم يستيقظ إلا بعد سقوطه فعليه الوضوء؛ لأن في الوجه الأول لم يوجد النوم مضطجعاً، وفي الثاني وجد».
وفي صلاة (ن): «رجل أسند ظهره إلى سارية فنام، أو هو مريض يمسكه إنسان، ولولا السارية أو ذلك الإنسان ما استمسك؛ فإن كانت أَلْيتاه مستويتين على الأرض؛ لا وضوء عليه؛ لعموم البلوى وعدم خروج الحدث غالباً».
«المريض إذا لم يستطع الصلاة إلا مضطجعاً فنام في صلاته؛ انتقض وضوؤه؛ لأنه نام مضطجعاً حقيقة، وإن كان قائماً أو قاعداً حكماً؛ والنوم مضطجعاً حقيقة سبب لاسترخاء المفاصل فيكون سبباً لخروج الحدث».
«إذا نام المصلي فضحك في نومه قهقهة؛ لا ينتقض وضوؤه؛ لأن القهقهة إنما جعلت حدثاً حكماً، بشرط أن يكون جناية، وفعل النائم لا يوصف بكونه جناية، ولأن انتقاض الطهارة بالقهقهة في الصلاة حالة اليقظة عُرف نصّاً، وهذا ليس في معناه؛ لأن القلم مرفوع عنه. قال الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني - رحمه الله -: تفسد صلاته وإن كان لا ينتقض وضوؤه».
«السكران إذا أفاق؛ إن كان السكر بحال لا يعرف معه الرجل من المرأة؛ انتقض وضوؤه، وهو كالمغمى عليه إذا أفاق».
(ع): «إذا توضأ الرجل وغسل وجهه، وَأَمَّرَ الماء على لحيته، ثم حلق لحيته؛ لم يجب عليه غسل موضعها؛ لأنه حين أمر الماء على الشعر، كان بمنزلة غسل البشرة». وكذا الحاجب. وقد مرَّ هذا على سبيل الاستشهاد في آخر مسائل مسح الجراحة.
الفصل الثالث من القسم الثاني
في كيفية الغسل والوضوء وما يتوضأ به وما ينوب منابه
(ن): «ثمن ماء الاغتسال على الزوج؛ لأنه مؤنة الجماع، وكذا ماء وضوئها عليه؛ غنية كانت أو فقيرة؛ لأنه لا بد لها منه فصار كالشرب». وموضعه النفقات. وفيه كلام سيأتي في الفصل الآخر من كتاب الوصايا.
«الغسل يوم الجمعة للصلاة، حتى لو اغتسلت المرأة أو المسافر أو غيرهما إذا لم يصلوا بذلك الغسل لم يدركوا الفضيلة؛ لان الطهارة شرط الصلاة».
«إذا عجنت المرأة فبقي العجين بين أظفارها، فاغتسلت من الجنابة لم يجز؛ لأن العجين إذا يبس فالماء لا يصل تحته غالباً.
ولو بقي الدَّرَن تحت أظفارها جاز؛ لأن الدرن تولد من هناك، فلا تكلف إيصال الماء تحته. ويستوي فيه المدني والقروي».
«وكذلك لو كان بقي في أسنان المغتسل طعام جاز غسله؛ لأن ما بين الأسنان رطب، والماء شيء لطيف يصل إلى كل موضع غالباً».
«الجنب إذا تمضمض فشربه ولم يمجَّه؛ يريد به أنه لم يرمه، وقد أصاب جميع فمه من ذلك جاز؛ لأن الجنابة تحولت إلى الماء فطهر الفم».
(ن): «الأقلف إذا اغتسل من الجنابة ولم يدخل الماء داخل الجلدة جاز؛ لأنها
خلقة»، وهي المسألة التي ترد عليها المسألة الأولى من فصل معرفة الذي ينقض الوضوء إشكالاً.
«وذكر قاضي إِسْبِيجَاب في شرحه هاتين المسألتين كذلك، وإن كانت كل واحدة ترد إشكالاً على الأخرى، وهذا جواب محمد بن سلمة.
وذكر آخر "النوازل" عن "أبي بكر" قبيل باب التأويلات: أن الأقلف إذا لم يبلغ الماء داخل الجلد في الغسل لا يجزيه وفي الوضوء يجزيه، وجعله كالمضمضة والاستنشاق، فتأكد إشكال صاحب الكتاب».
(ع): «إذا كان في أصبعه خاتم ضيق؛ فالاحتياط إذا لم ينزعه في الغسل والوضوء أن يحركه؛ ليصل الماء إلى ما تحته بيقين، وإن لم يكن ضيقاً لا يجب تحريكه. وقد كتبنا نحوه في آخر المسألة الأولى من كيفية التيمم».
(ن): «رجل به قرحة فبرأت وارتفع قشرها، وأطراف القرحة موصولة بالجلد، إلا الطرف الذي كان يخرج منه القيح فإنه مرتفع، ولا يصل الماء إلى ما تحت القشر؛ يجزئه وضوؤه وإن لم يصل الماء إلى ما تحته؛ لأنه ليس بظاهر، فصار حكمه حكم اللحية».
(س): «ادَّهن رجليه ثم توضأ، وأمرَّ الماء على رجليه، فلم تقبلا الماء لمكان الرسومات جاز الوضوء؛ لأنه وجد غسل الرِّجْل». وكتبت نحوه في المسألة الرابعة من فصل تطهير النجس.
وفي كراهية (ع): «إذا لم يصل الماء إلى ما تحت شاربه؛ استدل بعض المشايخ بمسألة أخذ الشارب حتى يصير بمثل الحاجب: أن رجلاً توضأ ولم يصل الماء تحت شاربه على أنه يجوز وضوؤه؛ لأنه لما رخص في مقدار الحاجب، ثم لم يصل الماء تحت الحاجب يجوز، وكذا هذا ـ وبه نأخذ ـ وعليه الفتوى». وسيأتي تمام هذا في الكراهية.
في العاجز عن الوضوء:
(ن): «مريض لا يمكنه الوضوء أو التيمم وله جارية، فعليها أن توضئه لأنها مملوكته، وطاعة المالك واجبة إذا عري عن المعصية، وإن كانت له امرأة لا يجب عليها ذلك؛ لأن هذا ليس من حقوق النكاح إلا إذا تبرعت بذلك؛ لأنها بمنزلة سائر المسلمين في حق هذا الحكم. والإعانة على البر مندوب إليها في حق المسلمين؛ لقوله تعالى: {وتعانوا على البر والتقوى} المائدة: 2».
وفي صلاة (ن): «رجل له عبد مريض لا يستطيع أن يتوضأ؛ يجب على مولاه أن يوضئه بخلاف المريضة؛ حيث لا يجب على زوجها أن يتعاهدها».
والفرق أن المعاهدة إصلاح ملكه، وإصلاح الملك على المالك، أما المرأة الحرة
فإصلاحها عليها؛ لأنها المالكة لنفسها، كما في ثمن الأدوية فإنه يجب على المولى ولا يجب على
الزوج. وقد كتبت من هذا الجنس في النوع الأول من فصل التيمم.
(ن): «رجل أراد أن يتوضأ فمنعه رجل عن التوضؤ بوعيد قتل؛ ينبغي أن يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ ويعيد الصلاة بعدما زال عنه ذلك العذر؛ لأن هذا عذر جاء من جهة العباد، فلم يسقط عنه فرض الوضوء، ونظير هذا مسألة الأسير المحبوس من النوع الأول من فصل التيمم».
ما يجوز به التوضؤ:
(ع): «إذا توضأ بماء قد أغلي بأُشْنان أو بورس أو آس جاز ما لم يغلب ذلك على الماء؛ لأنه بقي ماءً مطلقاً، فإن غلب عليه لا يجوز لأنه لم يبق ماءً مطلقاً، وكذا أجناس هذا».
(ن): «إذا توضأ بماء الملح لا يجوز؛ لأن هذا ليس بماء؛ لأن الماء ينجمد في الشتاء ولا ينجمد في الصيف، وهذا على العكس.
ولو توضأ بالثلج؛ إن كان الثلج ذائباً، بحيث يتقاطر عن يده يجوز؛ لأنه يكون غسلاً، وإن لم يكن كذلك لا يجوز؛ لأنه يكون مسحاً.
وكذا لو أصاب بعض جسده بول، فبلَّ يده ثلاثاً ومسحها على ذلك الموضع؛ إن كانت البِلَّة من يده متقاطرة جاز وإلا فلا». وقد كتبنا نحو هذا في مسائل المسح.
باب في ذكر مسائل القرآن والمسجد
هذه المسائل أوردها صاحب الكتاب الصدر الشهيد ـ رحمه الله -: في كتاب الصلاة وكتاب الكراهية، فجمعتها وجعلتها قسمين: قسم في مسائل المسجد، وقسم في مسائل القرآن. وكل قسم منها ثلاثة فصول، على نحو ما رتبت مسائل الطهارة.
الفصل الأول من قسم مسائل القرآن
في تعلم القرآن وتعليمه
وفي صلاة (ن): «إذا كان الرجل تعلم بعض القرآن ولم يتعلم الكل، فإذا وجد فراغاً كان تعلُّمُ القرآن أفضل من صلاة التطوع؛ لأن حفظ القرآن على الأمة فرض، وتعلم الفقه أولى؛ لأن تعلم
جميع القرآن فرض كفاية وتعلم ما لا بد منه من الفقه فرض عين، والاشتغال بفرض العين أولى». وجنس هذا يأتي في أول كتاب الكراهية ـ إن شاء الله تعالى -.
(ن): «امرأة تتعلم القرآن من الأعمى: إن تعلمت من امرأة كان أَحبَّ إليَّ من الأعمى؛ لأن نغمة المرأة عورة فلا يحسن أن يسمعها الرجل، ولهذا قال ?: ((التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء))».
(ن): «لا بأس بأن يتعلم النصراني القرآن؛ لأنه ربما يتوب».
وفي سير (ع): «إذا قال الكافر من أهل الحرب أو الذمة: علمني القرآن؛ فلا بأس بأن تُعلمه وتُفقهه في الدين لأن رسول الله ? كان يقرأ القرآن على المشركين».
وفي كراهية (س): «النصراني إذا أراد تعلم القرآن يُعلم والفقه كذلك؛ لأنه عسى يهتدي، لكن لا يمس المصحف، وإن اغتسل ثم مسَّه لا بأس به».
«ويجب على المولى أن يعلم عبده من القرآن قدر ما يحتاج إليه لأداء الصلاة».
وفي كراهية (ن): «رجل يقرأ القرآن ويلحن في قراءته، فسمع إنسان إن علم أنه لو لقَّنه الصواب لا يدخل عليه الوحشة، أو تدخله لكن لا يخرج من الطبع ولا تقع العداوة بينهما؛ يلقنه الصواب ولم يكن في سعة من تركه، وإن علم خروجه عن الطبع وخاف صَوْلته ووقوع العداوة؛ فهو في سعة من أن لا يخبره لأنه لا يفيد».
الفصل الثاني
في كيفية قراءة القرآن وختمه وما يتصل بذلك
(ن): «إذا قال الرجل: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ فإن أراد به قراءة القرآن يتعوذ قبله؛ لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} النحل: 98، وإن أراد به افتتاح الكتاب كما يقرأ التلميذ على الأستاذ فلا يتعوذ قبله؛ لأنه لم يُرد قراءة القرآن؛ ألا ترى أن رجلاً لو أراد أن يشكر فقال: "الحمد لله ربِّ العالمين"؛ لا يحتاج إلى التعوذ قبله؟!
فعلى هذا الجنب إذا قال: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ فإن أراد به قراءة القرآن لم يجز، وإن أراد به افتتاح الكلام أو التسمية لا باس به».
وفي كراهية (ن): «الأولى في التعوذ أن يقول: "أعوذ الله من الشيطان الرجيم"؛ لأن هذا موافق لما في القرآن، وإن قال: "أعوذ بالله العظيم"، أو قال: "أعوذ بالله السميع العليم" جاز، لكن لا أحب أن يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم"؛ لأنه يصير فاصلاً بين التعوذ وبين القراءة؛ فلا تحصل القراءة عقيب التعوذ».
(س): رجل قرأ القرآن في غير الصلاة؛ لا يجب عليه أن يتعوذ عند افتتاح كل سورة؛ لأن الكل مجلس واحد فيكفيه التعوذ مرةً، ولو نسي التعوذ في صلاته حتى قرأ الفاتحة سيأتي في فصل القراءة في الصلاة.
(ن): «إذا أراد الرجل أن يقرأ القرآن يستحب أن يكون على أحسن أحواله؛ فيلبس صالح ثيابه، ويتعمم، ويستقبل القبلة؛ لأن القارئ يجب عليه تعظيم القرآن، وعلى العالم تعظيم العلم».
(ن): «رجل يقرأ القرآن؛ فكلما انتهى إلى قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا} رفع رأسه ويقول: "لبيك يا سيدي"؛ فالأحسن أن لا يفعل ذلك، ولو فعل ذلك في الصلاة قالوا: لا تفسد صلاته، والأوجه أن تفسد صلاته؛ لأنه ليس من القرآن».
ولو سمع القارئ النداء أو اسم النبي ـ عليه السلام ـ؛ سيأتي في أول كتاب الكراهية. وكذا السلام على القارئ، وأما القراءة على التأليف؛ سيأتي في فصل القراءة في الصلاة.
وفي كراهية (س): «الترجيع بقراءة القرآن تكلم المشايخ فيه؛ قال بعضهم: لا بأس به؛ لقوله ?: ((زيِّنوا القرآن بأصواتكم)) وقال: ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن)).
وقال أكثرهم: يكره، ولا يحل الاستماع إليه؛ لأن فيه تشبهاً بفعل الفسقة في حال فسقهم، ولهذا المعنى كره هذا النوع في الأذان».
(ن): «رجل يقرأ القرآن كله في يوم واحد، والآخر {قل هو الله أحد} خمسة آلاف مرة، فإن كان هذا قارئاً للقرآن؛ فقراءة القرآن كله أفضل لأنه جاء في ختم القرآن ما لم يجئ في غيره».
وفي كراهية (س): «ينبغي لحامل القرآن أن يختم القرآن في كل أربعين يوماً؛ لقوله ? لعبد الله بن عمر- رضي الله عنهما -:) (واقرأ القرآن في أربعين))».
(ن): إذا أراد إنسان ختم القرآن؛ قال "عبد الله بن المبارك": "يعجبني أن يختم في الصيف أول النهار وفي الشتاء أول الليل؛ لأنه إذا ختم أول النهار فالملائكة يصلون عليه حتى يمسي، وإذا ختم أول الليل فالملائكة يصلون عليه حتى يصبح".
«من يختم القرآن في الصلاة؛ فإذا فرغ من المعوذتين في الركعة الأولى يركع، ثم يقوم في الثانية ويقرا فاتحة الكتاب وشيئاً من فاتحة سورة البقرة؛ لأن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قال: ((خير الناس الحالُّ المرتحلُ))؛ يعني: الخاتم المفتتح، وإذا ختم القرآن؛ فقد حلَّ، وإذا فتح؛ فقد ارتحل منه».
(س): «يكره الدعاء عند ختم القرآن في شهر رمضان وعند ختم القرآن بجماعة؛ لأن هذا لم ينقل عن النبي ? ولا عن الصحابة، ولهذا قال "أبو القاسم الصفار": لولا أن يقول أهل هذه البلدة: يمنعنا من الدعاء وإلا لمنعتهم. لكن هذا شيء لا يفتى به؛ لأنه لا ينبغي أن يقال للعامة ما لم يفهموا».
(ن): «قراءة {قل هو الله أحد} ثلاث مرات عند ختم القرآن لم يستحسنها بعض المشايخ. وقال الفقيه أبو الليث: هذا شيء استحسنه أهل العراق وأئمة الأمصار؛ فلا بأس به لأن ((ما رآه
المسلمون حسناً؛ فهو عند الله حسن))؛ إلا أن يكون ختم القرآن في الصلاة المكتوبة؛ فلا يزيد على مرة واحدة ـ والله أعلم ـ».
الفصل الثالث
فيما يرجع إلى محل القراءة وإلى مكان القراءة
(ن) «القراءة في الأسباع جائزة، وفي المصحف أحبّ؛ لأن الصحابة - رضوان عليهم أجمعين كانوا يقرؤون بالمصحف، والأسباع محدثة».
وفي الأول كراهية (و): «يكره أن يُصغَّر المصحف، ويكتب بقلم دقيق؛ لأن فيه تحقير المصحف، والواجب توقيره».
(ن): «المصحف إذا صار خَلِقاً وصار بحال لا يقرأ منه ويخاف أن يضيع يجعل في خرقة طاهرة ويدفن؛ لأن المسلم إذا مات يدفن، فكذا المصحف إذا صار خَلِقَاً كان دفنه أولى من وضعه موضعاً يخاف أن يقع عليه النجاسة أو نحو ذلك».
في صلاة «(س): رجل يكتب الفقه، وبجنبه رجل يقرأ القرآن، ولا يمكنه أن يستمع القراءة؛ كان الإثم على القارئ لأنه قرأه في موضع اشتغل فيه الناس بأعمالهم، ولا شيء على الكاتب».
وفي باب الاستنجاء:
(و): «لا يقرأ القرآن في المخرج والمغتسل والحمام إلا بحرف؛ لأنه موضع الأنجاس».
وفي صلاة (ن): «قراءة القرآن في الحمام على وجهين؛ إن رفع صوته يكره، وإن لم يرفع لكنه يقرأ خفياً لا يكره ـ هو المختار ـ.
وأما التسبيح والتهليل؛ فلا بأس بذلك وإن رفع صوته».
«وأما الصلاة إن كان في الحمام صور وتماثيل؛ يكره، وإلا؛ فلا إذا كان الموضع طاهراً. قالوا: وكثير من أئمة بخارى كانوا يفعلون ذلك؛ حتى حكي أن الإمام "إسماعيل الزاهد" كان يصلي الفريضة بجماعة مع الخادم وغيره في الحمام؛ فراراً من غلبة العامة».
«وذكر القدوري عن أبي حنيفة وأبي يوسف ـ رحمهما الله -: أنه لا يقرأ في المغتسل، ولا في المخرج، ولا في الحمام، وقال محمد: يقرأ».
وفي كراهية (ن): قراءة القرآن عند القبور هل ينفع؟
«تكلموا فيه: عند أبي حنيفة - رحمه الله – يكره، وعند محمد - رحمه الله - لا يكره. ومشايخنا أخذوا بقول محمد – رحمه الله -، ثم هل ينفع؟
قالوا: (برجى كي مرده بي بزمان باشد)، أما فيما عدا ذلك القراءة عند القبر وغير القبر سواء؛ لأن الله - تعالى - يسمع حيث ما قرأ، والمختار أنه ينفع؛ لأن الأخبار وردت بقراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والفاتحة وغير ذلك.
وفي أول كراهية (س): رجل مات فأجلس وارثه رجلاً يقرأ القرآن على قبره؟
تكلموا فيه: منهم من قال: يكره ذلك، والمختار أنه ليس بمكروه، ويكون المأخوذ في هذا الباب قول محمد، ولهذا حكي عن الشيخ "أبي بكر العياضي" من أنه أوصى عند موته بذلك، ولو كان مكروهاً لما أوصى به - ولله الحمد -».
القسم الثاني من الباب
في
ذكر مسائل المسجد
وهي ثلاثة فصول:
الأول: في حق المسجد على أهل محلته.
الثاني: فيما يكره فعله فيه.
الثالث: في صونه عن القاذورات ونحوه.
الفصل الأول
في حق المسجد على أهل محلته
(ن): «مسجد بُني على سور المدينة لا ينبغي أن يصلى فيه؛ لأن السور للعامة، فلم يحصل خالصاً لله - تعالى -، فصار كما لو بُني المسجد على أرض الغصب».
«هكذا ذكر ههنا، وهو جواب أبي القاسم الصفار، وذكر في باب ما يجب عليه الضمان ـ إذا أخذه من كتاب الحظر والإباحة من واقعات الناطفي ـ: قال أبو يوسف: إذا بنى في أرض غصب مسجداً، أو حماماً، أو حانوتاً؛ فلا بأس بالوضوء في المسجد، ولا يستأجر الحمام والحانوت، ويدخل الحانوت لشراء متاع».
(س): «مسجدان يصلي الرجل في أقدمهما بناءً؛ لأن له زيادة حرمة، فإن كانا سواءً يقيس منزله منهما ويصلي في أقربهما من منزله، فإن استويا؛ فهو مخير لأنه لا ترجيح لأحدهما، فإن كان
قوم أحدهما أكثر؛ فإن كان هو فقيهاً يذهب إلى الذي قومه أقل لتكثير الناس بذهابه إلى المسجد، وإن لم يكن يذهب حيث أحب».
(ن): «رجل في محلته مسجد، فحضر المسجد الجامع لكثرة جماعته؛ فالصلاة في مسجده أفضل ـ قلَ أهل مسجده أو كثر ـ لأن لمسجده حقًّا عليه، وليس لذلك المسجد حق عليه؛ فلم يقع التعارض ليرجح بكثرة الجمع.
المؤذن إذا لم يحضر لا يذهب القوم إلى مسجد آخر، بل يؤذن القوم ويصلون وإن كان واحداً؛ لأن حق المسجد عليه، فمتى صلى صار مؤدياً حق المسجد».
وفي أول صلاة (و): «مؤذن مسجد ليس يحضر مسجده أحد يؤذن ويقيم ويصلي وحده أحبُّ إليَّ من أن يصلي في غيره؛ لأن حق هذا المسجد عليه، وحق مسجد آخر ليس عليه».
(س): إذا فاتته التكبيرة الأولى في مسجده، أو ركعة أو ركعتان؛ فالأفضل له أن يصلي ثمة ولا يذهب إلى مسجد آخر لأن لهذا المسجد حقاً عليه.
وصلاة الجنازة في المسجد سيأتي آخر الفصل الثاني – إن شاء الله تعالى -.
الفصل الثاني
فيما يكره فعله في المسجد أولا يكره
(ن): «رجل يمرُّ في المسجد ويتخذه طريقاً؛ فإن كان بغير عذر لا يجوز، وإن كان بعذر يجوز، ثم إذا جاز يصلي في اليوم تحية المسجد مرة واحدة لا في كل مرة؛ لأن في ذلك حرجاً».
«وإذا تعلق بثياب المصلي بعض ما يلقى في المسجد من البَواريِّ وأخرجه؛ فليس عليه أن يردَّه إلى المسجد إذا لم يتعمَّد لأن ما في المسجد يخرجه خادم المسجد عسى، وإذا وقع خارج المسجد لا يجب عليه الإعادة إلى المسجد».
وفي طهارة (ن): «الخياط إذا كان يخيط الثوب في المسجد يكره ذلك؛ لما روي عن عثمان – رضي الله عنه –: ((أنه رأى خياطاً في المسجد؛ فأمر به فأخرج من المسجد))، وكذا الوراق إذا كان يكتب في المسجد بالأجر.
فعلى هذا الفقهاء إذا كانوا يكتبون في المسجد الفقه بالأجرة يكره، وإن كان بغير أجر لا؛ لأنه إذا كان بأجرة كان عمل العبد، والمسجد لم يبن لذلك لأنه بيت الله - عزَّ وجلَّ -».
وفي كراهية (ع): «معلم جلس في المسجد، أو ورَّاق كتب في المسجد؛ فإن كان المعلم يعلم للحسبة والورَّاق يكتب لنفسه؛ فلا بأس به لأنه قربة، وإن كان المعلم يعلم بالأجرة والورَّاق يكتب لغيره يكره؛ إلا أن يقع لهما الضرورة». وأما الخياط؛ فيكره له أن يخيط في المسجد.
وفي كراهية (س): «الجلوس في المسجد ثلاثة أيام للمصيبة مكروه، وفي غير المسجد جاءت الرخصة ثلاثة أيام للرجال، وتركه أحسن»؛ لقوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاثة أيام؛ إلا على زوجها ... الحديث))، والاختفاء أحسن.
وأما الضيافة عند المصيبة؛ سيأتي في كتاب الكراهية - إن شاء الله تعالى -.
وفي جنائز (ب): «تكره صلاة الجنازة في مسجد تقام فيه الجماعة، سواءٌ كان الميت والقوم في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد والقوم في المسجد، أو على العكس؛ لأن المسجد بني لأداء المكتوبات».
الفصل الثالث
في صون المسجد عن المستقذرات وفي حفر البئر والغرس وبناء البيت فيه
ذكر في باب الاستنجاء (و): «يكره الوضوء في المسجد والمضمضة والاستنشاق؛ إلا أن يكون موضعاً فيه اتُّخِذَ للوضوء، ولا يُصلى فيه».
(ن): «البزاق في المسجد لا يلقى، لا فوق البواريِّ ولا تحت البواريِّ؛ للحديث المعروف: ((إنَّ المسجد لينزوي من النخامة ... )) الحديث.
ويأخذ النخامة بكمِّه أو بشيء من ثيابه، فإن اضطرَّ إلى ذلك؛ كان إلقاء البزاق فوق البواريِّ في المسجد أيسر منه تحت البواريِّ؛ لأن البواريَّ ليست من المسجد حقيقةً وحكماً وإن كان لها حكم المسجد، وما تحت البواريِّ من المسجد حقيقةً
وحكماً، وإذا ابتُلي بين بليِّتَين يَختار أهونَهما».
وفي طهارة (س): «يكره مسح الرِّجْلِ من الطين والردغة بأُسطوانة المسجد، أو بحائط من حيطانه؛ لأن حكمها حكم المسجد، وإن مسح بِبُرْدَيْ في المسجد أو قطعة حصير ملقاة فيه؛ فلا بأس به لأن حكمه ليس حكم المسجد، ولا له حرمة المسجد. هكذا قالوا، والأولى أن لا يفعل به.
وإن مسح بتراب في المسجد؛ فإن كان التراب مجموعاً لا بأس به، وإن كان منبسطاً يكره ـ هو المختار ـ، وإليه ذهب أبو القاسم الصفَّار - رحمه الله -؛ لأن له حكم الأرض.
وإن مسح بخشبة موضوعة قي المسجد لا بأس به؛ لأنه ليس لهذه الخشبة حكم المسجد؛ فلا يكون لها حرمة المسجد.
وأعاد في كراهية (س)؛ فقال: إذا كان في المسجد تراب مجتمع، أوحصير منخرق، أو حشيش مجتمع؛ لا بأس بأن يمسح الرِّجْلَ به لأنه لا حرمة لذلك، إنما الحرمة للمسجد.
فإذا كان التراب منبسطاً؛ اختلف المشايخ فيه، والمختار ما قاله أبو القاسم الصفّار: إنه لا يحل؛ لأنه في حكم المسجد».
وفي كراهية (ع): «إذا كان في المسجد عُشُّ الخُطَّاف سكن باشتراك وتقذَّر المسجد؛
فلا بأس بأن يَرْموا بما فيه لأن فيه تنقية المسجد».
(ن): «لا يتخذ في المسجد بئر الماء؛ لأنه يذهب حرمة المسجد؛ فإنه يدخل فيه الحائض والجنب، ومن حفر؛ فهو ضامن لما حفر، إلا أنَّ ما كان قديماً يترك فيه؛ كبئر زمزم في المسجد الحرام».
«غرس الأشجار في المسجد إذا كان فيه نفع للمسجد لا بأس به، وإلا؛ فلا، ونفع المسجد أن يكون المسجد ذا نزٍّ، وأساطينه لا تستقر، فتغرس الأشجار ليجذب ذلك عروقها؛ فحينئذ يجوز، وإلا؛ فلا لأن غرس الأشجار في المسجد تشبيه له بالبيعة، وذلك لا يجوز إلا لحاجة. قالوا: إنما جوَّز مشايخنا ذلك في جامع بخارى؛ لما قلنا من الحاجة».
«لا بأس بأن يتخذ في المسجد بيت يوضع فيه البواريُّ؛ لتعامل الناس من غير نكير». وبقية مسائل المسجد تأتي في كتاب الوقف - إن شاء الله تعالى -.
كتاب الصلاة
وفصوله عشرون:
الأول: فيما يفعله المؤذن أو غيره بعدما يدخل المسجد، وفي شروع الحاقن، والعذر الذي يبيح قطع الصلاة أو لا يبيح.
الثاني: فيما ينبغي للمصلي أن يفعله أولا ينبغي له، وفيما يرجع إلى مكان السجود وستر العورة.
الثالث: في مكان الصلاة، واستصحاب المصلي النجاسة.
الرابع: في مسائل القبلة.
الخامس: في مسائل القراءة.
السادس: فيما يفسد الصلاة من قول أو فعل وما لا يفسدها.
السابع: في نوم المصلي وزيادة الركوع.
الثامن: في مسائل البناء في الصلاة.
التاسع: في مسائل السهو.
العاشر: في مسائل الشك والترتيب في الصلاة.
الحادي عشر: في نية الأداء والقضاء وفيه مسائل الرياء.
الثاني عشر: في صلاة المرأة.
الثالث عشر: في صلاة المجروح والمريض وقضائه، أو قضاء ورثته فوائته.
الرابع عشر: في السنن والتطوع والتراويح.
الخامس عشر: في القنوت والوتر.
السادس عشر: في ذكر المسائل التي تتعلق بالإمام؛ كصلاحيته، ومكانه، ومكان المقتدي، والفاصل بينهما، والسترة، والمرور بين يدي المصلي، وانتظار الإمام، وإدراك المقتدي إياه، والمسبوق، والحدث، والاستخلاف، وتبين حال الإمام، والاختلاف الذي يقع بين القوم والإمام.
السابع عشر: في الجمعة.
الثامن عشر: في المسافر.
التاسع عشر: في سجدة التلاوة والشكروالمفصل.
العشرون: في ذكر مسائل الجنائز: كغسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وفيما يقع بعد الدفن.
الفصل الأول
فيما يفعله المؤذن أو غيره بعدما يدخل المسجد وفي شروع الحاقن والعذر الذي يبيح قطع الصلاة أو لا يبيح
(س): «تنحنح المؤذن عند الأذان والإقامة مكروه؛ لأنه بدعة، وتأخير الإقامة ليدرك الناس الجماعة جائز. وسيأتي في أول الجنس الثاني من فصل الإمام».
(ن): «المؤذن إذا أقام؛ فإن شاء مكث حتى يفرغ من الإقامة، وإن شاء مضى بعدما انتهى إلى قوله: قد قامت الصلاة؛ لأن كل ذلك مأثور».
«إذا دخل المسجد والمؤذن يقيم؛ ينبغي أن يقعد ولا يمكث قائماً؛ لأن هذا ليس أوان الشروع في الصلاة».
وفي صلاة (و): «رجل دخل في المسجد فخرج بعدما أذن المؤذن يكره؛ لأنه علامة النفاق»، فإن كان إمام مسجد آخر أو مؤذن مسجد آخر يرجى أن لا يكون به بأس؛ لأنه خرج بعذر.
(و): «يكره أن يدخل في الصلاة وبه بول أو غائط؛ لأن ذلك ربما يشغله عن الصلاة، فإن فعل ذلك؛ فإن كان يشغله عن الصلاة قطعها لأنه قطع بعذر، وإن مضى عليها أجزأه لأنه أدَّى، وقد أساء لما قلنا، وإن صار به ذلك بعد الافتتاح؛ فكذلك لأن المعنى يجمعها».
(ن): «المصلي إذا دعاه أحد أبويه لا يجيبه ما لم يفرغ من صلاته؛ إلا أن يستغيثه بشيء أو تحرقه النار؛ لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة.
وكذلك الأجنبي إذا خاف أن يسقط من سطح، أو تحرقه النار، أو يغرق في الماء؛ وجب عليه أن يقطع الصلاة وإن كان في الفريضة.
قال "الطحاوي" - رحمه الله -: هذا الجواب في الفرائض، أما في النوافل إذا ناداه أحد
أبويه: إن علم أنه في الصلاة ومع هذا يناديه؛ لا بأس بأن لا يجيبه، وإن لم يعلم يجيب». وكيفية الإعلام بأنه في الصلاة؛ يأتي في الفصل السادس في القسم الأول، وغضب الرجل على ابنه يأتي في كتاب الهبة.
«رجل قام في الصلاة فسرق منه شيء قيمته درهم؛ له أن يقطع الصلاة، والفريضة والتطوع في ذلك سواء؛ لأن الدرهم مال، بدليل أنه لو أقرَّ لرجل بمال ثم فُسِّر بالدرهم جاز، والقول له، ولو فُسِّر بأقل من ذلك لا يقبل»، وقد قال ?: ((قاتل دون مالك)) من غير فصل.
وسيأتي نحو هذا في الفصل السادس من كتاب السرقة، وقد مرَّ جنس مسألة الإقرار في فصل البئر، وعذر التأخير سيأتي في فصل المرأة ـ إن شاء الله تعالى ـ.
الفصل الثاني
فيما ينبغي للمصلي أن يفعله أو لا ينبغي وفيما يرجع إلى مكان السجود وستر العورة
(ن): «إذا أراد أن يكبر لافتتاح الصلاة؛ لا يجب عليه أن يفرِّج بين أصابعه إذا رفع يديه، وكذلك في التشهد.
فرق بين هذا وبين الركوع؛ فإن في الركوع يفرِّج لأنه يحتاج إلى الأخذ»، قال ـ عليه السلام ـ: ((أخذاً بالركب))، وإنه لا يتهيأ إلا بالتفريج.
(ن): «المصلي إذا تحرَّم للصلاة ورفع يديه لا يرسلهما، بل يضعهما؛ لأن هذا قيام فيه ذكر مسنون، وكذا في القنوت وصلاة الجنازة يضع اليمنى على اليسرى، وكذلك كل قيام فيه ذكر مسنون؛ فالمختار فيه الوضع، وأما ما بين الركوع والسجود؛ فالمختار فيه الإرسال».
(س): «المصلي إذا كان قائماً ينبغي أن يكون بين قدميه قدر أربع أصابع من أصابع اليد؛ لان هذا أقرب إلى الخشوع، وهكذا روي عن "أبي نصر الدبوسي": أنه كان يفعل كذلك. وما روي أنهم ألصقوا الكعاب بالكعاب - يريد به الجماعة -؛ أي: قام كل واحد بجنب الآخر».
(ن): «يكره أن يغمض المصلي عينيه في الصلاة؛ لأنه عادة اليهود». «ولا يشير بالسبابة عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله ـ وعليه الفتوى ـ؛ لأن مبنى الصلاة على السكون والوقار هكذا ذكر ها هنا، وذكر "خواهر زادة": أن السنة أن يشير، وهو قول أبي حنيفة ومحمد
- رحمهما الله -، ثم كيف يشير؟
ففيه وجهان: الصحيح أن يقبض الخنصر وجارتها، ويحلق الوسطى بالإبهام، ويشير بالسبابة. وذكر أبو بكر في النوازل أيضاً: أن هذا حسن».
«وإذا لم يضع المصلي ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزيه؛ لأنا أُمرنا أن نسجد على سبعة أعضاء، وهذا اختيار الفقيه أبي الليث ـ رحمه الله تعالى ـ، وفتوى مشايخنا أنه يجوز؛ لأنه لو كان موضع الركبتين نجساً يجوز، والفقيه أبو الليث لم يصحح هذه الرواية: أنه لو كان موضع الركبتين نجساً يجوز، ذكره في العيون».
«وذكر القدوري: إن السجود على اليدين والركبتين ليس بواجب، وقال الشافعي وزفر
ـ رحمهما الله تعالى ـ: هو واجب»، وتمام هذا على الاستقصاء في "الفتاوى الصغرى"؛ يُنظر ثَمَّ ـ إن شاء الله تعالى ـ.
«إذا بسط كمه وسجد عليه: إن بسطه لنفي التراب عن وجهه يكره له ذلك؛ لأن هذا نوع تكبر، وإن بسطه لنفي التراب عن ثيابه وسجد عليه لا بأس به؛ لأن هذا ليس بتكبر».
وفي أول كراهية (ن): «رجل يصلي على الأرض ويسجد على خرقة وضعها بين يديه يتقي بها الحر لا بأس به؛ لأنه ليس في هذا ما يوجب الكراهة.
وذكر عن أبي حنيفة – رحمه الله – أنه فعل ذلك، فمرَّ به رجل فقال: يا شيخ! لا تفعل مثل هذا؛ فإنه مكروه. فقال أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ: من أين أنت؟ فقال: من أهل "خوارزم". فقال له أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ: الله أكبر. جاء النكير من وراء الصف؛ يعني من وراء الصف الآخير؛ يعني تحمل علم الشريعة من ههنا إلى خوارزم، لا من خوارزم إلى ههنا، ثم قال: أفي مساجدكم حشيش؟ قال: نعم. فقال: أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ: فتجوز السجدة على الحشيش، ولا تجوز على الخرقة؟».
(ن): «إذا صلى على الثلج: إن لبَّده جاز؛ لأنه بمنزلة الأرض، وإن لم يلبِّده وكان يغيب
وجهه فيه ولا يجد حجمه لم يجز؛ لأنه بمنزلة الساجد في الهواء، وعلى هذا إذا ألقي في
المسجد حشيش كثير إن وجد حجمه إذا سجد عليه يجوز، وإلا؛ فلا.
وإذا صلى على التبن أو القطن المحلوج فسجد عليه؛ إن استقرَّ جبهته وأنفه على ذلك ويجد الحجم يجوز، وإن لم يستقرَّ لا يجوز؛ لأن في الوجه الأول هو في معنى الأرض، وفي الوجه الثاني لا، وأما إذا كانت الأرض رطبة، أو كان اليوم مطيراً؛ يأتي في أول الفصل الذي يلي هذا».
(ع): «إذا سجد على ظهر من هو في الصلاة جاز؛ لمكان الحاجة في الجملة، ولو سجد على ظهر من ليس في الصلاة لا يجوز؛ لعدم الحاجة.
وإن سجد على فخذه إن كان بغير عذر؛ فالمختار أنه لا يجوز لأن الساجد يجب أن يكون غير محل السجود، وإن كان بعذر؛ فالمختار أنه يجوز، اعتُبِر ههنا حقيقة العذر في الحال وفي السجود على الظهر في الجملة.
وإن سجد على ركبتيه لا يجوز، بعذر كان أو بغير عذر، لكن إذا كان بعذر يكفيه الإيماء.
ولو سجد على ظهر ميت؛ فإن كان على الميت لبد لا يجد حجم الميت جاز؛ لأنه سجد على اللَّبَد، وإن وجد حجمه لم يجز؛ لأنه سجد على الميت».
وإن صلى على بساط في طرفه نجاسة أو حاملاً للنجاسة؛ سيأتي رابعة الفصل الذي يلي هذا.
(س): رجل افتتح الصلاة وحده ويركع ويسجد، ويقعد عقيب مصلٍّ آخر؛ لا تفسد صلاته لأنه ربما يكون صاحب وسوسة، فيقول: إن صليت معتمداً على نفسي تشتبه عليَّ، فأفتتح الصلاة وأعتمد على صلاة غيري.
وكذلك قوم من المقتدين فاتهم أول الصلاة، واشتبه على واحد منهم ما فاته، فاعتمد على رأي صاحبه وجعل يصلي بعدما يصلي صاحبه؛ جاز لأنه أدى صلاته خالياً عما يفسدها.
(ع): «إذا رفع رأسه من السجود قليلاً ثم سجد أخرى؛ فإن كان إلى السجود أقرب لا يجوز لأنه ساجد بعد، وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز؛ لأنه جالس».
وسيأتي نحو هذا في فصل إدراك المقتدي الإمام.
(ن): المصلي إذا أتم الركوع والسجود لا بأس بالتخفيف؛ لما روي عن النبي ?: ((أنه كان أخف الناس صلاة في تمام)).
«إذا صلى بغير إزار وهو محلول الجيب جاز، سواء كان عريض اللحية أو لم يكن ـ هو المختار ـ؛ لأن الستر إنما يجب عن الغير لأن حكم العورة إنما يظهر في حق الغير». وهو اختيار خُواهر زادة خلافاً للطحاوي والحَلْواني - رحمهما الله -.
وسيأتي مسألة النظر إلى فرج امرأته في فصل الأفعال المفسدة - إن شاء الله تعالى -.
(ب): «المصلي إذا انكشف ما بين سرته وعانته: إن انكشف ربعه فسدت صلاته؛ لأن ما بين السرة والعانة عضو كامل، والمراد منه حول جميع البدن، فإذا انكشف ربعه فقد انكشف انكشافاً فاحشاً؛ فمنع جواز الصلاة». وبقية مسائل العورة؛ تأتي في فصل صلاة المرأة - إن شاء الله تعالى -.
الفصل الثالث
فيما يرجع إلى مكان الصلاة واستصحاب المصلي النجاسة
(ن): «رجل كان في موضع طين وردغة؛ فإن كانت الأرض نديَّة مبتلة ولم يكن طيناً يغيب وجهه صلى هناك؛ لأنها ليس بمبتلة، وإن كانت طيناً وردغة لا يُصلي ثمة، فبعد ذلك ينظر: إن كان يجد موضعاً آخر يذهب إلى ذلك الموضع ويصلي، وإن كان لا يجد بأن كان مسافراً يصلي قائماً متوجهاً إلى القبلة يومئ إيماءً، وإن كان راكباً صلى على حاله راكباً مستقبل القبلة بالإيماء».
وأما الصلاة في الحمام كتبناها في الفصل الثالث من مسائل القرآن، وأما الصلاة في أرض الغير أو داره والاستئذان في ذلك؛ سيأتي في كتاب الغصب في الفصل الثاني عشر منه - إن شاء الله تعالى -.
(س): «قوم يصيبهم المطر فيكثر المطر؛ إن لم يستطيعوا أن ينزلوا أومأوا على الدواب؛ لأن الإيماء خلف، والمصير إلى الخلف عند العجز عن الأصل جائز، وإن أومأوا على الدواب والدواب تسير؛ لم يجزئهم إن كانوا يقدرون على وقف الدواب، وإن لم يقدروا جاز، وإن قدروا على النزول ولم يقدروا على القعود والسجود أومأوا قياماً، وإن قدروا على القيام والقعود أومأوا قعوداً، وإن لم يقدروا على الانحراف إلى القبلة أجزأهم أن يصلوا إلى غير القبلة».
«إذا صلى الرجل على الدابة وسرجه نجس؛ فهذا على وجهين: إن كان على السرج نجاسة مثل الدم والعَذِرة أكثر من قدر الدرهم؛ فصلاته فاسدة لأنه صلى على موضع نجس، وإن كان على السرج عرق الحمار أو لعابه؛ فصلاته جائزة لأنه مشكل، هذا معنى قول أصحابنا: إن الرجل إذا صلى على الدابة وسرجه نجس تجوز الصلاة، هذا قول "أبي حفص"، وابن مقاتل، وقال شمس الأئمة السرخسيَّ: وأكثر مشايخنا على أنه يجوز من غير هذا التأويل». وقرَّرَ ذلك في المسألة في باب صلاة المسافر من الأصل.
«رجل صلى على بساط في أحد طرفيه نجاسة؛ جازت صلاته في الجانب الآخر، سواء تحرك بتحرك المصلي الجانب الآخر الذي فيه النجاسة أو لم يتحرك؛ لأنه صار بمنزلة الأرض؛ فلا يصير هو مستعملاً للنجس، هكذا اختار الفقيه أبو جعفر ـ رحمه الله -، وقال: إنما تعتبر الحركة إذا كان لابساً للثوب كالمنديل والملاءة، وفي أحد طرفيه نجاسة، فصلى والطرف الذي فيه النجاسة على الأرض؛ فإن كان النجس يتحرك بتحرك المصلي لم تجز صلاته، وإن لم يتحرك جاز؛ لأن في الوجه الأول يصير مستعملاً للنجس، وفي الوجه الثاني لا». وقد كتبت نحو هذا في مسائل القرآن من فصل الحيض.
قال محمد بن سلمة: - رحمه الله -: «وكذلك على هذا القياس إذا حلف لا يلبس من غزل فلانة، فلبس ثوباً فيه من غزلها في طرف الثوب، فإن لم يتحرك ذلك الطرف بتحرك اللابس؛ لا يحنث في يمينه». وسيأتي نحو هذا في باب الأيمان بالطلاق في فصل اللبس
– إن شاء الله تعالى -.
وفي أول صلاة (س): «صلى على مكان طاهر وسجد على مكان طاهر، إلا أنه إذا سجد وقع ثيابه على أرض نجسة يابسة أو ثوب نجس؛ جازت صلاته لأنه أدى الصلاة في مكان طاهر».
وفي طهارة (ن): «رجل معه درهم وقع في النجاسة وأصابت النجاسة الوجهين لا تجوز صلاته، وكذلك إذا صلى ومعه ثوب ذو طاقين فأصابته نجاسة أقل من قدر الدرهم ونفذت إلى الجانب الآخر حتى صارت أكثر من قدر الدرهم.
ولو كان الثوب ذا طاق واحد، فأصابته نجاسة أقل من قدر الدرهم، ونفذت إلى الجانب الآخر؛ لم يمنع ذلك جواز الصلاة لأن هذا من الجانبين شيء واحد؛ فلا يعتبر متعدداً، فأما ذو الطاقين؛ فمتعدد، وكذا الدرهم؛ فإنَّ بين الجانبين فاصلاً لا ينفذ منه».
(ع): «روي عن أصحابنا - رحمهم الله -: رجل زحمه الناس يوم الجمعة، وخاف أن يضيع نعلاه فرفعهما، وكان فيهما قذر أكثر من قدر الدرهم، فقام والنعلان في يده فوضعهما؛ لم تفسد صلاته حتى يركع ركوعاً تاماً أو يسجد سجوداً تاماً والنعل في يده ليصير مؤدياً ركناً تاماً مع النجاسة من غير حاجة، بخلاف القيام؛ لأن له في رفع النعل حالة القيام حاجة
لئلا يضيع».
(ب): «إذا صلى وفي كمه قارورة فيها بول لا تجوز صلاته، سواء كانت ممتلئة أو غير ممتلئة؛ لأن هذا ليس في مظانه ولا في معدنه». وقد كتبنا جنس هذه المسائل في كتاب الطهارة في فصل معرفة الأعيان النجسة، وفي الذي يليه.
«وإذا صلى الرجل وفي كمه فرخة حية، فلما فرغ من الصلاة رآها ميتة، فإن لم يكن في غالب رأيه أنها ماتت في الصلاة بأن كان مشكلاً لا يعيد الصلاة؛ لأنه لم يجب الإعادة غالباً، وإن كان في غالب رأيه أنها ماتت في الصلاة أعادها؛ لأنه وجبت الإعادة غالباً.
(و): فتق جبته فوجد فيها فأرة ميتة، ولم يعلم متى دخلت فيها؛ إن لم يكن للجبة ثقب يعيد صلوات منذ ندف القطن فيها، وإن كان لها ثقب يعيد صلوات ثلاثة أيام ولياليها، وعندهما لا يعيد إلا أن يعلم متى ماتت فيها، كما مرَّ في مسألة البئر».
وفي "مختلفات الفقيه أبي الليث" ـ رحمه الله ـ: قال أبو يوسف في "الأمالي": سألت
أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ عمن كان في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ولا يدري متى أصابته؛ قال: لا يعيد شيئاً من الصلاة ما لم يعلم، وهو مخالف لمسألة البئر.
الفصل الرابع
في ذكر مسائل القبلة
(ن): «رجل صلى إلى غير القبلة متعمداً: قال أبو حنيفة - رحمه الله -: هو كافر - قال زفر: إلا أن يُتَأول قولُه تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله} البقرة: 115 - وإن وافق الكعبة؛ لأنه كالمستخف بها، وبه أخذ الفقيه أبو الليث».
«قالوا: وكذلك الصلاة بغير طهارة أو مع الثوب النجس. وقال "القاضي الإمام علي السُّغدي" ـ رحمه الله ـ: لو صلى إلى غير القبلة، أو مع الثوب النجس متعمداً لا يكفر؛ لأن ذلك قد يُؤتى في حالة الاضطرار بحال، ولو صلى بغير طهارة متعمداً يكفر، وبه نأخذ».
«إذا قام في صلاته ونوى مقام إبراهيم ولم ينو الكعبة: إن كان هذا الرجل قد أتى مكة لم يجزه، وإن لم يكن أتى مكة وعنده أن المقام والبيت واحد أجزأه؛ لأنه نوى البيت.
من نوى مقام إبراهيم لا يجزئه؛ إلا أن يريد الجهة؛ فحينئذ يجوز، قاله خواهر زادة في الباب الأول.
إذا استقبل القبلة يشترط مع ذلك نية الكعبة عند الفضلي، خلافاً "للحامدي"، ثم على قول الفضلي إذا نوى الكعبة أو العرصة يجوز، ولو نوى البناء لا يجوز؛ إلا أن يريد بالبناء الجهة فحينئذ يجوز.
وقال بعض المشايخ: إن كان المصلي يرى المحارب؛ فكما قال الحامديّ، وإن كان في الصحراء؛ فكما قال الفضلي، وبه أخذ "برهان الدين" - رحمه الله -».
وفي مسائل شتى (ن): «رجلان تحريا القبلة، فأصاب أحدهما ولم يصب الآخر؛ فإنهما لا يستويان في الأجر لأنهما إن استحقا أجر الاجتهاد؛ فالمصيب اختص بثواب الإصابة».
(ن): «رجل كان في المفازة فاشتبهت عليه القبلة، فأخبره رجلان أن القبلة إلى هذا الجانب، ووقع اجتهاده إلى جانب آخر؛ فإن لم يكونا من أهل ذلك الموضع وهما مسافران لا يلتفت إلى قولهما؛ لأنهما يقولان بالاجتهاد؛ فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره، وإن كانا من أهل ذلك الموضع لا يجوز له إلا أن يأخذ بقولهما؛ لأن الخبر في كونه حجة فوق الاجتهاد».
(و): «رجل تحرى القبلة فأخطأ، فدخل في صلاته وهو لا يعلم، ثم علم وحول وجهه إلى القبلة، ثم دخل رجل في صلاته وقد علم حاله الأولى؛ لا تجوز صلاة الداخل، وروي عن أبي يوسف أنه قال: يجوز».
وجه "ظاهر الرواية":
أنه دخل في صلاته وقد علم أن الإمام كان على الخطأ في أول صلاته، ولو دخل في صلاته وهو يعلم أن الإمام كان على الخطأ لم يجز، كذا هذا. ولو رأى المقتدي نجاسة على ثوب إمامه؛ سيأتي في آخر الجنس الأول من فصل الإمام.
(ن): «الأعمى إذا صلى ركعة إلى غير القبلة، فجاء رجل وسواه وأقامه إلى القبلة واقتدى به؛ فهذا على وجهين: إن وجد الأعمى وقت الافتتاح إنساناً يسأله عن القبلة لا يجوز صلاة الإمام ولا صلاة المقتدي؛ لأنه قادر على الأداء إلى جهة الكعبة، وإن لم يجد الأعمى إنساناً وقت الافتتاح؛ فصلاة الإمام جائزة دون صلاة المقتدي؛ لأن الإمام عاجز؛ فكان معذوراً، وعند المقتدي أول صلاته على الخطأ».
(ن): إذا حول المصلي وجهه عن القبلة في صلاته، سيأتي في آخر الفصل السادس.
«رجل صلى على دابته تطوعاً يجوز له أن يفتتح الصلاة حيث ما توجهت به الدابة، كما جازت له الصلاة حيث ما توجهت به الدابة لمكان الحاجة». وقد كتبت نحوه في آخر المسألتين الأوليين من الفصل الذي قبيل هذا.
الفصل الخامس
فيما يرجع إلى القراءة، ويتصل بها من مسائل
زلة القارئ
في آخر صلاة (ن): «افتتح الصلاة فنسي التعوذ حتى قرأ الفاتحة؛ لا يتعوذ لأن التعوذ في أول القراءة، فإذا قرأ بعض القراءة فقد ذهب محل التعوذ؛ فيسقط عنه التعوذ».
«قراءة القرآن على التأليف في الصلاة لا بأس به؛ لما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: ((أن أصحاب رسول الله ? ورضي عنهم كانوا يقرؤون القرآن في الفرائض على التأليف)). ومشايخنا ـ رحمهم الله ـ استحسنوا قراءة "المفصَّل"؛ ليستمع القوم ويتعلموا».
«القراءة في الركعتين من آخر السورة أفضل، أم سورة بتمامها؟
ينظر: إن كان في آخر السورة أكثر آية من السورة التي أراد قراءتها كان الأفضل له ذلك، وإن كانت السورة أكثر آية؛ فقراءة السورة أفضل لأنه كلما طالت قراءته كان أفضل، لكن ينبغي أن يقرأ آخر سورة واحدة، أما لا ينبغي أن يقرأ في كل ركعة آخر سورة على حدة؛ لأن ذلك عند أكثر مشايخنا مكروه».
«قراءة القرآن في الأُخريين أحب إليَّ من السكوت والتسبيح؛ ليكون مؤدياً الصلاة الجائزة بيقين».
«وإذا أراد أن يقرأ في كل صلاته سورة، فجرى على لسانه أخرى، فلما قرأ منها آية أو آيتين أراد أن يتركها ويفتتح السورة التي أرادها يكره ذلك»؛ لقوله ـ عليه السلام ـ: ((إذا افتتحت سورة؛ فاقرأها على نحوها)).
«رجل كبر في الصلاة للركوع، ثم بدا له أن يزيد في القراءة؛ لا بأس به ما لم يركع لأنه في محل القراءة».
وتطويل القراءة في الركعة الأولى؛ يأتي في أول الجنس الرابع من فصل الإمام، وسيأتي بعض مسائل القراءة في فصل البناء، وفي فصل النوم، وفي فصل الوتر ـ إن شاء الله تعالى ـ.
وسيأتي قبيل آخر الفصل الرابع عشر مسألة من مسائل القراءة، وهي من صلى التطوع قاعداً، ويقوم عند الركوع - ولله الحمد -.
في زلة القارئ:
«(ن): إذا قرأ في صلاته: ((الحمد لله)) بالهاء، أو ((الرحمن الرحيم)) بالهاء، أو ((غير المغضوب)) بالذال، أو ((قل أعوذ)) بالدال، أو ((الله الصمد)) بالسين، أو قرأ في التشهد: ((التحيات لله)) بالهاء، أو قال في ركوعه: ((سبحان ربي العظيم)) بالضاد أو بالذال، أو قال:)) سمع الله لمن حمده)) بالهاء؛ إن كان يجتهد آناء الليل والنهار في تصحيحه ولا يقدر عليه؛ فصلاته جائزة لأنه عاجز، وإن ترك جهده؛ فصلاته فاسدة لأنه قادر، وإن ترك جهده في بعض عمره؛ فلا يسعه أن يترك في باقي عمره، وإن ترك؛ فصلاته فاسدة؛ إلا أن يكون الدهر في تصحيحه.
إذا صلى فقرأ في صلاته: ((بسم الله)) بالشين أو بالثاء ـ وهو الألثغ ـ، أو قرأ مكان اللام ياءً ولا يطاوعه لسانه على غير ذلك؛ فإن كان فيه تبديل الكلام تفسد صلاته، ولو قرأ خارج الصلاة لم
يكن مأجوراً؛ لأنه يصير كلاماً آخر من كلام الناس، فإن أمكنه أن يتخذ من القرآن آيات ليس فيها تلك الحروف يتخذ، وإلا؛ فيسكت، وعلى قياس المسألة الأولى إذا كان بذل جهده ولم يقدر: لا تفسد صلاته ـ وبه نأخذ ـ.
وإن كان لا يتبدل الكلام إن كان يمكنه أن يتخذ من القرآن آيات ليس فيها تلك الحروف يتخذ؛ إلا فاتحة الكتاب؛ فإنه لا يدع قراءتها في الصلاة.
وإن كان يقرأ: ((نستعين)) نثتعين بالثاء أو بالشين أو نحو ذلك؛ فلا ينبغي لغيره أن يقتدي به لأن صلاته ناقصة».
(س): «رجل يقول: سمع الله لمن حمده مكان النون اللام؛ تفسد صلاته لأنه صار لغواً، فإن كان لسانه لا يطاوعه يتركه».
«وإذا فرغ المصلي من قراءة الفاتحة، فقال: آمِّين بتشديد الميم؛ فسدت صلاته لأن هذا ليس بشيء. وقيل عند أبي يوسف: لا تفسد؛ لأنه يوجد في القرآن ـ وعليه الفتوى ـ.
وينبغي أن يقول: آمين بالمد دون التشديد، أو آمين بدون المد والتشديد، وأصله: يا آمين استجب لنا، إلا أنه لما أسقط ياء النداء منه، أدخل المد ليقوم مقام النداء» ـ ولله المنة -.
الفصل السادس
فيما يوجده المصلي مما ليس من الصلاة فيفسد به صلاته أو لا يفسد
وذلك قول أو فعل فيصير الفصل قسمين:
القسم الأول: في الأقوال.
(ن): «إذا تكلم في صلاته وهو في النوم تفسد صلاته ـ هو المختار ـ، وإن لم تكن القهقهة في هذه الحالة حدثاً على ما مرَّ في كتاب الطهارة؛ لأن الكلام قاطع للصلاة مطلقاً؛ لقوله ?: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس))». والقهقهة ما جعلت حدثاً مطلقاً على ما ذكرنا في كتاب الطهارة.
«إذا عطس المصلي؛ فالأحسن أن يسكت، مع هذا لو قال: ((الحمد لله)) لا تفسد صلاته؛ لأن هذا ليس بكلام؛ لأنه ليس بجواب».
ولهذا قال الفقيه أبو الليث - رحمه الله -: ينبغي أن يقول ذلك في نفسه. فنحن وإن قلنا: بأنه لا يقول، ولكن لو قال لا تفسد صلاته.
(ب): «إذا عطس رجل، فقال المصلي: ((الحمد لله))؛ لا تفسد صلاته وإن أراد به الجواب، ولو قال: يرحمك الله تفسد صلاته؛ لأن جواب غير العاطس للعاطس ليس هو التحميد؛ ففي الأول لم يأت بما يصير مجيباً للعاطس فلم يكن جواباً».
ومسائل تشميت العاطس وكيفيته سيأتي في كتاب الكراهية، وكذا القارئ يسمع النداء أو اسم النبي ـ عليه السلام ـ: هل يجيب ويصلي على النبي؟ يأتي هناك أيضاً.
(ن): «رجل قال في صلاته: ((صلى الله على محمد)): إن لم يكن مجيباً لأحد لا تفسد صلاته؛ لأنه دعاء بصيغته ولم ينو جواباً حتى يتغير».
(س): «رجل يصلي، فسمع الأذان فقال مثل ما يقول المؤذن: إن أراد إجابته تفسد صلاته، وإن لم يكن له نية؛ فكذلك؛ لأن الظاهر أنه أراد به الإجابة، وكذلك إذا سمع اسم النبي ? فصلى عليه؛ فهذا إجابة فتفسد صلاته، وإن صلى عليه ولم يسمع اسمه؛ فصلاته جائزة لأنه ليس بإجابة».
«وإذا قال المصلي: ((سبحان الله)) بعدما ناداه صاحبه لا تفسد صلاته؛ لان هذا ليس بجواب بل إعلام أنه في الصلاة.
وإذا كبر المصلي بنية أن يُعلِمَ غيرَه أنه في الصلاة؛ جازت صلاته، والمستحب أن يسبح؛ لقوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: ((التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء))، وهو ضرب اليد على اليد، وينبغي أن يضرب إحدى اليدين على الأخرى ولا يتحرك كيلا يصير عاملاً باليدين».
(ع): «من أصابه وجع فقال: ((بسم الله))؛ فسدت صلاته في قياس قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله ـ، والمقيس عليه المسألة الخامسة من باب ما يفسد الصلاة من "الجامع الصغير"، وهي المصلي إذا أجاب رجلاً بِ ((لا إله إلا الله)) فسدت صلاته في قولهما،
خلافاً لأبي يوسف؛ لأنه صار من كلام الناس، هكذا ذكر ههنا».
وذكر في باب «(س): مريض يصلي، فيقول في صلاته عند القيام وعند الانحطاط: ((بسم الله)) لما يلحقه من المشقة والوجع؛ لا تفسد صلاته لأن قوله: ((بسم الله)) في الأصل ليس من كلام الناس، ولم يخرجه جواباً ليصير كلاماً».
(ع): «المصلي إذا سلم على إنسان أو ردَّ السلام فسدت صلاته لأنه كلام، وذكر قبل هذا الباب على وجه الدليل لمسألة أخرى ـ نكتبها في فصل إدراك المقتدي الإمام ـ؛ فقال: إذا أراد أن يسلم على أحد في صلاته ساهياً فقال: ((السلام)) ثم علم فسكت تفسد صلاته، وأما إذا صافح في صلاته إنساناً يريد به التسليم سيأتي في أول قسم الأفعال».
«(ن): رجل يصلي فجرى على لسانه ((نعم))؛ فإن كان هذا الرجل يعتاد أن يُجري في كلامه في غير صلاته ((نعم)) تفسد صلاته؛ لأنه من كلامه، ولو لم يكن له عادة في غير الصلاة لا تفسد صلاته؛ لأنه يُجعل ذلك من القرآن.
فإن قال بالفارسية: ((آرى))، ينبغي أن يكون على الاختلاف، هكذا ذكر الفقيه أبو الليث، والصحيح انه لا تفسد؛ لأن عربيته إذا جعلت من القرآن فصار كما لو قرأ القرآن بالفارسية، وثمة لا تفسد بالإجماع، إنما الاختلاف في الاعتداد على ما ذكرنا في أول باب تكبيرة الافتتاح من شرح "الجامع الصغير"».
«إذا قال الرجل في صلاته: ((اللهم اقض ديني))؛ تفسد صلاته، ولو قال: ((اللهم ارزقني الحج)) لا تفسد؛ لأن الأول يشبه كلام الناس والثاني لا». وسيأتي مسائل دعاء المصلي في أول كتاب الكراهية ـ إن شاء الله تعالى ـ.
القسم الثاني
في الأفعال
(ع): «المصلي إذا صافح إنساناً يريد بذلك التسليم عليه فسدت صلاته؛ لأنه سلام.
ولو سرَّح لحيته أو رأسه فسدت صلاته؛ لأنه يقوم باليدين غالباً، وكذلك كل من يراه يحسبه خارج الصلاة، فكان عملاً كثيراً».
«ولو كتب في صلاته خطاً مستبيناً لا تفسد صلاته؛ إلا أن يطول ذلك فيصير عملاً كثيراً».
(ن): «إذا صبَّ الدُّهن على رأسه بيد واحدة لم تفسد صلاته، وإن أخذ وعاء الدهن بيد وادَّهن رأسه بيد أخرى فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير، وكذلك إذا جعل ماء الورد على نفسه؛ فهو على هذا التفصيل».
«إذا شدَّ الإزار فسدت صلاته، وإذا حلَّ لا؛ لأن الأول عمل كثير؛ لأنه يحتاج فيه إلى اليدين، والثاني لا، وكذلك إن أَلْجَمَ دابته فسدت صلاته، وإن نزع اللِّجام لا، وإذا تخفَّف
فسدت صلاته، وإذا خلع الخف وهو واسع لا تفسد».
«إذا مضغ العلك في صلاته فسدت صلاته، يريد به إذا كان المضغ كثيراً.
وكذا إذا كان في فيه إِهْلِيلَج فلاكه.
إذا ابتلع سمسمة إن كانت ما بين أسنانه لا تفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل، وإن أخذ من خارج الفم فابتلعها فسدت صلاته؛ لأنه أكل، والأكل عمل كثير».
(ب): «من قاء في صلاته ملء الفم تنتقض طهارته؛ لأنه حدث لكن لا تفسد صلاته لأنه ليس بحدث عمد، فيتوضأ ويغسل فمه ويبني على صلاته، فإن لم يغسل فاه بعدما مضى على ذلك ساعات؛ كتبناه في فصل تطهير النجس، فإن ابتلعه بعد ما قاء وهو قادر على أن يمجَّه فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير.
وإن قاء أقل من ملء فيه لا تنتقض طهارته ولا تفسد صلاته؛ لأنه ليس بحدث. وهل يتنجس فوه؟
فهو على ما ذكرنا في "شرح الجامع الصغير" في الباب الأول منه: أن ما ليس بحدث هل هو نجس؟
روي عن أبي يوسف: أنه لا يكون نجساً، وعن محمد: أنه نجس، فإن ابتلعه وهو قادر على أن يمجَّه يجب أن يكون على قياس الصوم عند أبي يوسف لا يفسد صومه؛< فههنا لا تفسد صلاته، وعن - محمد رحمه الله - روايتان، لكن الأظهر أنه لا يفسد صومه، وههنا
أيضاً تفسد صلاته».
(ن): «إذا نتف شعره في الصلاة: إن نتف ثلاث مرات فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير، وإن كان أقل من ذلك لا؛ لأنه عمل قليل».
«وإذا قتل القُمَّل في صلاته؛ إن كان قتلاً متدارَكاً حتى كثر فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير، وإن كان بين القتلات فرجة أو نحوها لا تفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل، والكف عنه أفضل».
«إذا رمى الحجر في صلاته: إن رمى بأطراف أصابعه لا بكفه واحداً أو اثنين لا تفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل، وإن رمى ثلاثاً فسدت صلاته؛ لأنه كثير».
«المصلي إذا نظر إلى شيء مكتوب؛ فإن نظر غير مستفهم لكنه فهم لا تفسد صلاته بالإجماع، وإن نظر مستفهماً وفهم تفسد صلاته عند محمد - رحمه الله -، وبه أخذ الفقيه أبو الليث - رحمه الله -، وعند أبي يوسف – رحمه الله - لا تفسد، وبه أخذ مشايخنا ـ رحمهم الله ـ؛ لأن الفساد في مثل هذه الصورة يتعلق بالتكلم، ولم يصر متكلماً».
«ولو نظرفي صلاته إلى فرج امرأته المطلقة رجعياً بشهوة يصير مراجعاً ولا تفسد صلاته، أما الرجعة؛ فليكون النظر حلالاً، وعدم فساد الصلاة؛ لأنه ليس بعمل كثير».
«ولو قبلها أو لمسها بشهوة فسدت صلاته؛ لأن هذا في معنى الجماع، والجماع عمل كثير».
«المصلي إذا مشى في صلاته، فإن كان مقدار صف واحد لا تفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل، وإن كان مقدار صفين وقد مشى دفعة واحدة فسدت صلاته، حتى لو مشى من صف إلى صف فوقف ثم مشى إلى صف آخر؛ لم تفسد صلاته، وإن مشى من صف إلى صفين فسدت صلاته».
(ب): «رجل يصلي في الصحراء فتأخر عن موضع قيامه؛ فالمختار أنه لا تفسد صلاته. ويعتبر مقدار سجوده من خلفه وعن يمينه وعن يساره كما في وجه القبلة سواء، فما لم يتأخر عن هذا الموضع لم يتأخر عن المسجد؛ فلا تفسد صلاته.
ولو خطَّ حوله خطَّاً لا عبرة بذلك، حتى لو تأخر عما ذكرنا فسدت صلاته، وإن لم يخرج عن الخطِّ؛ لأن الخطَّ ليس بشيء».
«رجلان يصليان في الصحراء، وأحدهما يأتم بصاحبه، وقد قام على يمينه، فجاء ثالث وجذب المؤتم إلى نفسه قبل أن يكبر هو؛ لا تفسد صلاة المجذوب لأن قيام الثالث مقامه وتوجهه صيَّر ذلك الموضع مسجداً له؛ لأنه كالداخل في صلاتهما حكماً وإن لم يكبر بعد»، ألا ترى أن الإمام يكبر للجمعة قبل القوم فيصح وإن كانت الجماعة والشركة شرط صحة الجمعة؛ لأن القوم لما توجهوا للجمعة صاروا كالداخلين حكماً وإن لم يكبروا بعد.
(ن): «رجلان أَمَّ أحدهما صاحبه في فلاة من الأرض، فجاء ثالث ودخل في صلاتهما، فتقدم الإمام حتى جاوز موضع سجوده: إن تقدم مقدار ما يكون بين الصف الأول وبين الإمام لا تفسد صلاته وإن جاوز موضع سجوده؛ لأن في الابتداء لو كانوا ثلاثة وكان بينه وبين المقتدين هذا القدر جاز، فكذا إذا تقدم هذا القدر». وسيأتي نحو هذا في فصل الإمام في مسائل الاستخلاف - إن شاء الله تعالى -.
«المصلي إذا حوَّل وجهه عن القبلة؛ فإن حوَّل صدره فسدت صلاته، وإلا؛ فلا تفسد إذا استقبل من ساعته القبلة لأنه قلما يمكن التحرز عنه – هكذا قالوا –، وهذا الجواب أليق بقول أبي يوسف
ومحمد - رحمهما الله -، أما على قول أبي حنيفة ـ رحمه الله - ينبغي أن لا تفسد في الوجهين بناءً على أنَّ عندهما الاستدبار إذا لم يكن لقصد الإصلاح تفسد الصلاة، وعند أبي حنيفة – رحمه الله - إذا لم يكن لقصد ترك الصلاة لا تفسد الصلاة ما دام في المسجد.
وأصل هذه المسألة: إذا انصرف عن القبلة على ظن أنه أتم الصلاة ثم تبين أنه لم يتم: عند أبي حنيفة - رحمه الله - يبني ما دام في المسجد، وعندهما لا».
وقد ذكرنا هذه المسألة في صلاة "الجامع الكبير".
(ب): «امرأة تصلي فظنت أنها أحدثت فاستدبرت القبلة: إن نزلت عن مصلاها فسدت صلاتها؛ لأن مصلاها بمنزلة المسجد في حق الرجل، وبيتها لا».
(س): المصلي إذا كان يدفعه رجل عن مقامه، ثم قام الرجل مقامه، ثم قام المصلي ولم يحوِّل القبلة لا تفسد صلاته؛ لانعدام المفسد.
«روى "ابن سماعة عن محمد":: رجل صلى خلف الإمام فزحمه الناس حتى وقع في صف النساء، فلم يبرح حتى فرغ الإمام من صلاته، فلما وجد مسلكاً تنحى عن النساء ثم صلى؛ فصلاته تامة لأنه لم يؤد ركناً مع النساء، ولو كان ركع مع النساء فسدت صلاته».
وقد كتبنا نحوه في المسألة التي قبل الفصل الرابع بثلاث مسائل، وهي مسألة رفع النعلين في صلاة الجمعة.
الفصل السابع
في مسائل النوم في الصلاة وزيادة الركوع
(ن): «رجل زاد في صلاته ركوعاً أو سجوداً متعمداً لم تفسد صلاته؛ لأن الركوع على الانفراد ليس بقربة مقصودة تطوعاً، وهذا على قول أبي حنيفة – رحمه الله - بناءً على أنه لا يرى سجدة الشكر سجدة قربة معتبرة».
وسيأتي نحوه في فصل الإمام في مسائل إدراك المقتدي الإمام.
«افتتح الصلاة ثم نام فقرأ وهو نائم: قال ههنا: يجوز عن القراءة؛ لأن الشرع جعل النائم كالمنتبه في حق الصلاة؛ تعظيماً لأمر المصلي على ما عرف ذلك بالحديث؛ وهو قوله ـ عليه السلام ـ: ((إذا نام العبد في سجوده ... )) الحديث، وبهذا فارق الطلاق.
ثم استشهد في الكتاب للفرق؛ فقال: ألا ترى أن الصبيَّ أو المجنون إذا صلى كان ذلك صلاة، ولو طلق لا يجوز طلاقه. والمختار أنه لا يجوز عن القراءة؛ لأن الاختيار شرط أداء العبادة، ولم يوجد». وسيأتي نحوه في المسألة المشتركة.
(ع): «مصلي قرأ وركع وسجد وهو نائم؛ فصلاته فاسدة لأنه زاد ركعة لا يعتد بها فتفسد صلاته، وإن نام في ركوعه أو سجوده جازت صلاته ولا يعيد شيئاً، ولو سجد سجدة وهو نائم أعاد السجدة».
فرق بين هذا وبين القراءة على قول من قال: إن قراءة النائم في الصلاة يعتد بها. والفرق أن السجود ركن أصلي من كل وجه لا يسقط بحال ما، بل يجب إما بنفسه وإما بخُلفه، أما القراءة ركن زائد من وجه؛ فجاز أن يظهر التفاوت بينهما، أما على القول المختار؛ فلا يحتاج إلى الفرق.
مسألة مشتركة بين هذا الفصل وبين الذي يليه:
(و): ومن نام في الصلاة؛ فهو في الصلاة بالنص ولا يكون مصلياً؛ لأن الاختيار شرط أداء العبادة ولم يوجد.
والمحدِث الذي يسبقه الحدث يكون في الصلاة حتى يتوضأ، ولا يكون مصلياً لما قلنا.
وينبني على هذا مسائل، منها:
لو صلى بالمسح على الخفين فذهب وقته وهو في الصلاة؛ انتقضت صلاته.
«ولو أحدث فذهب يتوضأ، فذهب وقت المسح وهو في وضوئه: له أن يخلع خفيه ويتم وضوءه ويبني على صلاته؛ لأن حالة الوضوء لم يكن مؤدياً للصلاة، وفي غير حالة الصلاة له أن يخلع خفيه ويتم وضوءه، وفي حالة الصلاة ليس له أن يخلع خفيه، ولو فعل ذلك فسدت صلاته».
الفصل الثامن
فيما يرجع إلى مسائل البناء في الصلاة
في طهارة (ن): «رجل سبقه الحدث في صلاته، فخرج ليتوضأ فنزح الماء من البئر؛ استقبل الصلاة، سواء كان عنده ماء آخر أو لم يكن؛ لأن البناء إنما يجوز إذا لم يحدث شيئاً.
لو أحدث في الصلاة تفسد صلاته؛ إلا أن يكون فعلاً لا بد منه كالمشي إلى وضوئه والاغتراف من الإناء، وهذا فعل له منه بد في الجملة، وإذا وجد الدلو منخرقاً فجزره ثم نزح؛ فهذا أولى بالفساد».
(ن): «وإن خرج ليتوضأ فاستنجى يستقبل الصلاة إذا أبدى عورته، كان عليه الاستنجاء أو لم يكن، هو اختيار الفقيه أبي جعفر وأبي الليث رحمهما الله -؛ لأن إبداء العورة فعل منه بد في الجملة.
فإن توضأ ورجع ونسي ثوباً من ثيابه في ذلك الموضع، فذهب وأخذه؛ استقبل الصلاة لما قلنا.
ولو تذكر أنه لم يمسح برأسه؛ يمسح برأسه ويجزئه؛ لأنه فعل لا بد منه، وإن لم يتذكر حتى قام في الصلاة ثم ذكره استقبل الصلاة؛ لأنه أدى جزءاً من الصلاة بحدث، ففسد ذلك الجزء ففسد الباقي».
وفي صلاة (ن): «رجل يصلي فسبقه الحدث في قيامه في موضع القراءة، فذهب ليتوضأ فسبَّح في ذلك الوقت قبل أن يتوضأ؛ فصلاته تامة، وإن قرأ؛ فصلاته فاسدة لأنه أدى ركناً من الصلاة مع الحدث.
ويستوي الجواب بينهما إذا قرأ ذاهباً أو جائياً، خلافاً لمن فرَّق بينهما، ثم اختلفوا: منهم من قال: إن قرأ ذاهباً تفسد وإن قرأ جائياً لا تفسد، ومنهم من قال على العكس، والمختار ما قلنا؛ لأنه إن قرأ ذاهباً فقد أدى مع الحدث ركناً في الصلاة، وإن قرأ جائياً فقد أدى ركناً من الصلاة مع السير ففسدت».
«المحدث إذا خرج من الجماعة ليتوضأ له أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً؛ لأن الفرض يقوم بالكل».
«رجل سبقه الحدث في الصلاة، والماء بعيد وبقربه بئر؛ يذهب إلى الماء لأنه لو نزح الماء استقبل الصلاة على ما اخترنا في أول هذا الفصل».
(ع): «المصلي إذا سبقه البول في صلاته، فأصاب ثوبه منه شيء كثير؛ جاز له أن يتوضأ ويغسل ثوبه ويبني على صلاته» ـ هكذا ذكر ههنا ـ، وعلى قياس ما ذكرنا من جنس هذه المسائل في أول الفصل لا يجوز؛ لأن هذا فعل للبناء منه بد في الجملة، وهو الأقيس.
(س): من سبقه الحدث فرجع ليتوضأ، فانتهى إلى نهر فيه ماء وجاوز عنه إلى نهر آخر فيتوضأ فيه؛ استقبل الصلاة لأنه اشتغل بأمر لا يحتاج إليه.
وسيأتي من هذا الجنس في مسائل الاستخلاف من فصل الإمام ـ إن شاء الله تعالى -.
الفصل التاسع
فيما يرجع إلى مسائل السهو في الصلاة
(س): «رجل صلى العصر خمساً، وقعد في الركعة الرابعة قدر التشهد، ثم تذكر ذلك؛ قالوا: لا يضيف إليها السادسة؛ لأنه لا تطوع بعد العصر، ولا سهو عليه؛ لأن سجود السهو شرع في آخر الصلاة ولم يوجد آخرها؛ لأنه لم يوجد آخر التطوع؛ لما ذكرنا أنه لا يضيف إليها السادسة، ولا آخر العصر لدخول الواسطة، وهي الركعة الخامسة.
وروى "هشام" عن محمد: أنه يضيف إليها السادسة؛ لأنه وقع في النفل لا عن قصد».
«وقد ذُكر قبل هذا في هذا الباب: أن من أراد أن يصلي ركعتين تطوعاً، فلما صلى ركعة طلع الفجر كان الإتمام أفضل؛ لأنه وقع في التطوع بعد طلوع الفجر لا عن قصد».
قال الصدر الشهيد – رحمه الله تعالى -: ولا فرق بين المسألتين، وكان الفتوى على رواية هشام.
«وإذا صلى من المغرب ركعتين وقعد قدر التشهد، فزعم أنه أتمها فسلم ثم قام وكبر ينوي الدخول في سنة المغرب، ثم تذكر أنه لم يتم المغرب، وقد سجد للسنة أو لم يسجد؛ فصلاة المغرب فاسدة
لأنه كبر ونوي الدخول في صلاة أخرى، فيكون منتقلاً من الفرض قبل إتمامه إلى التطوع، أما إذا سلَّم وتذكر فحسِبَ أن صلاته فسدت، فقام وكبر للمغرب ثانياً وصلى ثلاثاً؛ إن صلى ركعة وقعد قدر التشهد أجزأه المغرب، وإلا؛ فلا لأن نية المغرب ثانياً لم تصح، فبقي مجرد التكبير، وذا لا يخرجه عن الصلاة».
«وإذا صلى الظهر أربعاً، فلما سلَّم تذكر أنه ترك سجدةً منها ساهياً، ثم قام واستقبل الصلاة وصلى أربعاً وسلّم وذهب؛ فسد ظهره لأن نية دخوله في الظهر ثانياً لغو، فإذا صلى ركعةً؛ فقد خلط المكتوبة بالنافلة قبل الفراغ من المكتوبة».
«وإذا صلى الغداة بقوم، فقال له رجل من القوم: تركت سجدة من صلب الصلاة قام للإتمام وكبر واستأنف الصلاة؛ لا يجزيه لا الأولى ولا الثانية؛ لأن هذه التكبيرة لم تخرجه عن الأولى، فقد خلط النافلة بالمكتوبة قبل الفراغ من المكتوبة».
وأما المسبوق إذا شك فكبر ينوي الاستقبال؛ سيأتي في فصل المسبوق، وسيأتي من هذا الجنس في فصل صلاة المريض – إن شاء الله تعالى -.
(ع): «مصلي العشاء إذا ظن أنها ترويحة، فسلَّم على رأس الركعتين أو مصلي الظهر ظن أنها جمعة فسلم عقيب الركعتين استقبل الصلاة؛ لأنه سلَّم وهو متيقن أنه لم يصلِّ إلا ركعتين».
(س): «إذا رفع رأسه من الركوع في الثالثة، ثم تذكر أنه لم يسجد في الثانية إلا سجدة واحدة؛ يسجد تلك السجدة ثم يتشهد للثانية ثم يسجد للثالثة سجدتين، ثم يكمل ما بقي من صلاته؛ لأن العود إلى تلك السجدة لا يرفض الركوع، وعليه السجدة؛ لأنه أخر السجدة عن الركعة الثانية.
وإن تذكر وهو راكع في الثالثة أن عليه سجدة من الثانية يرفع رأسه ويرفض الركعة، ثم يسجد السجدة التي تركها في الثانية، ثم يتشهد للثانية، ثم يقوم فيصلي الثالثة والرابعة بركوعهما وسجودهما؛ لأن ههنا الركوع بقي محل الارتفاض، فإذا رفضها يرتفض».
(ب): «المصلي إذا سلم ناسياً، وعليه سجدة التلاوة فسجدها، ثم خرج من الصلاة قبل أن يقعد قدر التشهد فسدت صلاته؛ لأن بالعود إلى سجدة التلاوة تُرتَفض القعدة».
«ولو أنه سها عن قراءة التشهد حتى سلَّم، لكنه قعد قدر التشهد، ثم تذكر فعاد إلى قراءة التشهد، ثم إنه خرج من الصلاة قبل أن يقرأ التشهد؛ لم تفسد صلاته، هكذا ذكر ههنا.
وقال الفضلي - رحمه الله -: "وجدت الرواية عن محمد - رحمه الله – نصًّا أن العود إلى قراءة التشهد لا يرفض القعدة". وذكر غيره أنهما سواء في أن تُرتَفض؛ لأن في سجدة التلاوة إنما ارتفضت القعدة؛ لأنه عاد إلى شيء موضعه قبل القعدة، فصار رافضاً لها، هذا المعنى موجود ههنا، والفتوى على الأول؛ لأن التشهد محله القعدة، والسجدة لا».
(س): «إذا سلَّم الإمام وقد تفرق القوم، ثم تذكر في مكانه أنه ترك سجدة التلاوة؛ يسجد ويقعد قدر التشهد، وإن لم يقعد فسدت صلاته وجازت صلاة القوم؛ أما فساد صلاته؛ لأن
العود إلى سجدة التلاوة يرفض القعدة، وأما جواز صلاة القوم؛ لأن ارتفاض قعدة الإمام ثبت بعد انقطاع الشركة، فلا يظهر في حق القوم، كالإمام صلى بقوم الظهر يوم الجمعة ثم صلى الجمعة ينتقض ظهره لا ظهر القوم».
وفي باب السجدة (س): «رجل سلّم وهو ذاكر أن عليه التشهد، ثم تذكر بعد ذلك أن عليه سجدة التلاوة لا يعود؛ لأن سلامه هذا سلام عمد، وصلاته تامة لأنه لم يترك ركناً، وكذا إذا سلّم وهو ذاكر أن عليه سجدة التلاوة ثم تذكر بعد ذلك أن عليه التشهد؛ لا يعود ولا يسجد للتلاوة، وصلاته تامة؛ لما قلنا».
«ولو سلَّم وهو ذاكر أن عليه سجدة التلاوة أو التشهد، ثم ذكر بعد ذلك أن عليه سجدة صلبية؛ فسدت صلاته لأنه تعذر العود وقد ترك ركناً من أركان الصلاة.
ولو سلَّم في صلاة الفجر وعليه سجود السهو فسجد، ثم تكلم ثم تذكر أنه ترك سجدة صلبية: إن تركها من الركعة الأولى فسدت صلاته؛ لأنها صارت ديناً في الذمة فصارت قضاءً وقد انعدمت نية القضاء، وإن تركها من الثانية لا تفسد إلا رواية عن أبي يوسف؛ لأنها لم تصر ديناً في الذمة؛ فنابت إحدى سجدتي السهو عنها.
ولو سلَّم في الفجر ثم تذكر أنه كان عليه سجدة التلاوة فسجد لها، ثم تكلم ثم تذكر أن عليه سجدة صلبية؛ فصلاته فاسدة في الوجهين جميعاً لأن سجدة التلاوة دين عليه، فانصرفت نيته إلى قضاء الدين، فلا تنصرف السجدة إلى غير القضاء».
نوع آخر (س): «ولو قرأ في الأُخريين من الظهر الفاتحة والسورة ساهياً لا سهو عليه ـ هو المختار ـ؛ لأنه قال في "الكتاب": " إن شاء قرأ، وإن شاء سبَّح، وإن شاء سكت،
والقراءة أفضل". ولم يعين الفاتحة وحدها».
وفي باب سجدة (ن): «قرأ يوم الجمعة سورة السجدة، فلما سجد قام وقرأ الفاتحة، ثم قرأ: {تتجافى جنوبهم} السجدة: 16؛ لا يجب عليه سجدتا السهو؛ لأنه إن قرأ الفاتحة مرتين لم يقرأها مرتين متواليتين».
(و): «إذا قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة مرتين: إن كان في الأُوليين؛ فعليه السهو، وإن كان في الأُخريين لا؛ لأن في الأُوليين عليه ضم السورة إلى الفاتحة، فكان التكرار تأخيرَ السورة، حتى لو قرأ الفاتحة ثم السورة ثم الفاتحة لا سهو عليه، ذكره في "غريب الرواية لأبي جعفر" - رحمه الله –، وفي الأُخريين لا؛ فصار كأنه قرأ بعد الفاتحة شيئاً من السورة».
«ولو نسي الفاتحة في الأُولى أو الثانية وبدأ بالسورة، فلما قرأ شيئاً من السورة تذكر أنه لم يقرأ الفاتحة؛ يبدأ بقراءة الفاتحة ثم السورة وعليه السهو، قرأ من السورة حرفاً أو أكثر؛ لأن السهو إنما وجب عليه لترك قراءة الفاتحة في موضعها لا لقراءة
السورة».
وسيأتي في مسائل المسبوق مسألتان من مسائل السهو، وستأتي مسائل سجدة التلاوة والشكر في الفصل التاسع عشر ـ إن شاء الله تعالى -.
الفصل العاشر
في الشك والترتيب في الصلوات
في آخر صلاة (ن): «رجل شك في صلاته أصلاها أم لا: فإن كان في الوقت يعيد؛ لأن سبب الوجوب قائم، وإنما لا يعمل هذا السبب بشرط الأداء فيه، وفيه شك، وإن لم يكن في الوقت لا شيء عليه»؛ لأن سبب الوجوب قد فات، والقضاء إنما يجب بشرط عدم الأداء في الوقت، وفيه شك.
«وإن شك في ترك ركعة من الصلاة قبل الفراغ منها يتمها ويقعد في كل ركعة، وإن شك بعد الفراغ والسلام لا شيء عليه؛ لما قلنا». وسيأتي نحو هذا في مسائل الاختلاف الذي يقع بين الإمام وبين القوم في فصل الإمام – إن شاء الله تعالى -.
«ولو دخل في صلاة الظهر ثم شك في الفجر أنه صلاها أم لا، فلما فرغ من صلاته تيقن أنه لم يصلِّ الفجر؛ فإنه يصلي الفجر ثم يعيد الظهر؛ لأنه لما تحقق ظنه في الأخيرة صار كأنه في الابتداء كان متيقناً، كالمسافر إذا تيمم وصلى ورأى في صلاته شيئاً فظن انه سراب، ثم ظهر بعد فراغه من الصلاة أنه كان ماءً؛ يتوضأ ويعيد الصلاة».
ولو تذكر وقت الخطبة أنه لم يصلِّ الفجر؛ سيأتي في فصل الجمعة.
«ولو فاتته ثلاث صلوات من ثلاثة أيام؛ الظهر من يوم، والعصر من يوم، والمغرب من
يوم، ولا يدري أيتهن فاتته أولاً؛ يبدأ بأَيتهنَّ شاء؛ لأنه قد زاد على يوم وليلة، فلا يبقى الترتيب واجباً».
ولو فاتته صلاتان من يومين ظهر وعصر؛ يصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر في قول أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ؛ لأنه لم يجاوز يوماً وليلة، فبقي الترتيب واجباً.
(س): «إذا فاتته صلاتان من يومين الظهر والعصر، ولا يدري أيتهما فاتته أولاً؛ فإنه يتحرى ويعمل بتحريه، فإن لم يقع تحريه على شيء؛ يبدأ بأيتهما شاء، ثم يصلي الأخرى ويعيد الأُولى. وقال أبو يوسف ومحمد – رحمهما الله -: لا يعيد الأُولى، وبقول أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ نأخذ.
(ن): فلو بدأ بالظهر يصليها ثم يصلي العصر، ثم يعيد الظهر؛ ليخرج عن العهدة بيقين».
«ولو فاتته ثلاث صلوات من ثلاثة أيام: الظهر والعصر والمغرب، أما عندهما؛ فظاهر أن الترتيب يسقط، وأما عند أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ اختلف المشايخ فيه: منهم من قال: لا يجب الترتيب عنده حتى يبدأ بأيتهما شاء ثم يصلي الثانية والثالثة ولا يعيد شيئاً، وهو القول المختار على ما يأتي في المسألة التي تلي هذه».
«ومن ترك صلاة ونسيها حتى صلى شهراً، ثم ذكرها جاز أداء الوقتية قبل قضائها»، بناءً على أن المفعولات بوصف الصحة تضم إلى الفائتة في حق تكميل الفائتة هكذا ههنا.
«وعلى قول من أوجب الترتيب نذكر الطريق ـ وإن كنا لا نعتمد عليه ـ؛ فنقول: يصلي سبع صلوات: الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، ثم المغرب، ثم الظهر، ثم العصر، ثم الظهر».
والأصل في هذا أن تعتبر الفائتتان لو انفردتا، فيعيدهما كما قلنا ثم يأتي بالثالثة، ثم يفعل بعد الثالثة ما كان يلزمه في الصلاتين.
«فعلى هذا لو فاتته أربع صلوات في أربعة أيام على قول من اخترنا قوله لا يجب الترتيب، وعلى قول أولئك: يصلي خمس عشرة صلاة؛ فإنه لو فاتته ثلاث صلوات يصلي سبع صلوات، ثم يصلي بعد المغرب العشاء؛ فصارت ثمانياً، ثم يفعل ما كان يفعل قبل العشاء، وذلك سبع صلوات؛ فصارت خمس عشرة صلاة.
وعلى هذا لو فاتته خمس صلوات من خمسة آيام: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر؛ يصلي إحدى وثلاثين صلاة؛ لأنه لو ترك أربع صلوات يصلي خمس عشرة صلاة، ثم يصلي الفجر بعد ذلك فتصير ست عشرة صلاة، ثم يفعل ما كان يفعل قبل الفجر، وذلك خمس عشرة صلاة؛ فتصير الجملة إحدى وثلاثين صلاة».
(ن): «رجل نسي صلاة فذكرها بعد شهر، فصلى الوقتية وهو ذاكر لها أجزأته؛ لأن الترتيب بين الفائتة وبين هذه الوقتية لم يكن واجباً؛ لأن المتخلل بينهما كثير، وهو اختيار الطحاوي والفقيه أبي الليث وبه نأخذ».
«ولو فاتته صلاة واحدة من يوم واحد ولا يدري أَيَّ صلاة هي؛ يعيد صلاة يوم وليلة؛ لأن صلاة يوم وليلة كانت واجبة بيقين، فلا يخرج عن العهدة بالشك»، وقد كتبنا نحوه في أول هذا الفصل.
(س): «رجل صلى خمس صلوات، ثم علم أنه لم يقرأ في الأُوليين من إحدى الصلوات الخمس، ولا يعلم تلك الصلاة؛ فإنه يعيد الفجر والمغرب لأنه إذا قرأ في الأُخريين من الظهر والعصر والعشاء أجزأه، بخلاف المغرب والفجر فيعيدهما احتياطاً».
(س): «ولو أن راعياً في بعض الفيافي صلى الفجر في وقتها وصلى بعدها الظهر والعصر والمغرب والعشاء كذلك أشهراً على حسبان أنه يجوز؛ فالفجر الأول جائز لأنه أداها ولا فائتة عليه، والصلوات الأربع التي بعدها لا تجوز وكذا الفجر الثاني؛ لأنه صلاها وعليه أربع صلوات، والفجر الثالث يجوز؛ لأنه صلاها وعليه أكثر من صلاة يوم وليلة، وكذلك كل فجر جائز، وغير الفجر لا يجوز». وجواب السَّنة على هذا الترتيب، وسيأتي من هذا الجنس في الفصل الذي نشرع فيه.
الفصل الحادي عشر
في نية المصلي في القضاء والأداء وفيه مسائل الرياء
(ن): «إذا أراد أن يقضي الفوائت؛ ينوي أيضاً أول ظهر لله عليه وكذلك كل صلاة يقضيها، فإذا أراد ظهراً آخر ينوي أيضاً أول ظهرلله عليه؛ لأنه لما قضى الأول صار الثاني أول ظهر لله عليه».
(ن): «رجل لم يعرف أن الصلوات الخمس فرض على العباد إلا أنه كان يصليها في مواقيتها؛ لا يجزئه، وعليه أن يقضيها؛ لأنه لم ينو الفرض، وذلك شرط.
وكذلك إن علم أن منها فريضة ومنها سُنة ولا يعرف الفريضة من السُنة لم يجزه؛ لما قلنا.
رجل صلى سنين ولم يعرف النافلة من المكتوبة؛ فإن كان يظن أن كلها فريضة أجزأه ما صلى، وإلا؛ فلا لأن النفل يتأدى بنية الفرض، أما الفرض لا يتأدى إلا بنية الفرض.
وإن كان يعلم أن بعضها فريضة وبعضها سُنة إلا أنه لا يعرف التمييز؛ فعليه أن يعيد جميع الفرائض، وإن كان لا يعلم أن بعضها فريضة وبعضها سُنة؛ فكل صلاة صلاها مع الإمام أجزأه إن نوى صلاة الإمام.
وإن كان يعلم الفرائض من النوافل لكن لا يعلم ما في الصلاة من الفريضة والسنة؛ جازت صلاته لأنه إذا عرف الفرائض ينوي الفرائض».
(س): «مصلي الظهر إذا نوى أن هذا الظهر ظهر يومه هذا يوم الثلاثاء، فتبين أن ذلك اليوم يوم الأربعاء؛ جاز ظهره لأنه نوى صلاة بعينها وهي الظهر، في وقت بعينه وهو اليوم الذي هو فيه؛ إلا أنه غلط في اسم الوقت».
(ن): ونظير هذا: «من صلى خلف الإمام وهو يظن انه الخليفة، فاقتدى به وهو خليفة في زعمه فإذا هو غيره يجزئه، وإن نوى الخليفة حين كبر يريد به واقتدى بالخليفة لا يجوز؛ لأن في الوجه الأول اقتدى بالإمام مطلقاً، وفي الوجه الثاني اقتدى بالخليفة ولم يوجد». وسيأتي من هذا الجنس آخر الجنس الأول من فصل صلاة الجمعة.
«ولو افتتح المكتوبة ثم نسي يظن أنها تطوع، فصلى على نية التطوع حتى فرغ من صلاته؛ فالصلاة هي المكتوبة.
ولو كان على العكس؛ فالصلاة هي التطوع لأن النية لا يمكن قرانها بكل جزء من أجزاء الصلاة، فشرط قرانها بأول جزء من الصلاة وقد وجد، وإن كبر للتطوع ثم كبر ونوى به الفرض وصلى؛ فالصلاة هي الفريضة.
ولو كان على العكس؛ فالصلاة هي التطوع لأنه لما كبر ونوى به الآخر صار داخلاً في الآخر»، وأما المسبوق إذا شك فكبر ينوي الاستقبال؛ سيأتي في مسائل المسبوق من فصل الإمام ـ إن شاء الله تعالى -.
(س): «من أراد أن يصلي التطوع بنية الخصوم لا ينبغي أن يفعل؛ لأن نية الخصوم لا يفيد لأنه إذا صلى لوجه الله – تعالى -؛ فإن كان لم يجر بينه وبين خصمه عفو ((أُخِذ من حسناته ودُفع إليه في الآخرة))، نوى أو لم ينو، وإن لم يكن له خصم أو كان وجرى بينه وبين خصمه عفو لم يُدفع إليه من حسناته، نوى أو لم ينو ـ والله أعلم ـ».
مسائل الرياء:
«إذا أراد الرجل أن يصلي أو يقرأ القرآن فخاف أن يدخل عليه الرياء؛ لا ينبغي أن يترك لأن ذلك موهوم.
ولو افتتح الصلاة يريد به وجه الله – تعالى - ثم دخل بعد ذلك في قلبه رياء؛ فالصلاة على ما أسَّس لأن التحرز عما يعترض في أثناء الصلاة غير ممكن».
«(ن): الرياء لا يدخل في صوم الفريضة، وفي سائر الطاعات يدخل؛ لأن النبي ? قال: يقول الله ـ تعالى ـ: ((الصوم لي وأنا أجزي به))؛ نفى شركة الغير في الصوم، وهذا لم يذكر في سائر الطاعات».
«رجل توضأ وصلى الظهر جازت صلاته، والقبول لا ندري ـ هو المختار ـ، أما الجواز؛ فلأن الأمر بالشيء يقتضي الإجزاء، وأما القبول؛ فلأنَّ الله - تعالى - قال: {إنما يتقبل الله من المتقين} المائدة: 27، وشرائط التقوى عظيمة».
ولو نوى المصلي أن لا يؤمَّ أحداً يأتي في وسط الجنس الأول في فصل الإمام ـ إن شاء الله تعالى ـ.
الفصل الثاني عشر
في صلاة المرأة
(ن): «المرأة إذا صلت ينبغي أن ترفع يديها إلى منكبيها ولا تجافي في ركوعها وسجودها وتقعد على رجليها، وإن شاءت جعلت رجليها من جانب وتضم ليكون أستر لها.
المرأة إذا صلت تفترش بطنها على فخذها إذا سجدت؛ لأن هذا أستر لها».
«المرأة إذا صلت ولم تستر ظهر قدميها تجوز صلاتها؛ لأن ظهرقدميها ليس بعورة»، ألا ترى أنه يجوز للأجنبي أن ينظر إلى ذلك الموضع منها.
«المرأة إذا صلت وشعرها ما تحت الأذنين مكشوف قدر الربع لا تجوز صلاتها؛ لأن في كون المسترسل من شعرها عورة روايتان، ذكرناهما في "شرح الجامع الصغير"، واختار الفقيه أبو الليث هذه الرواية: أنه عورة احتياطاً؛ لأن تلك الرواية اقتضت أن يجوز للأجنبي النظر إلى طرف صُدْغ الأجنبية وطرف ناصيتها كما ذهب إليه أبو عبد الله البلخي.
وهذا أمر يؤدي إلى الفتنة؛ فكان الاحتياط في الأخذ بأن شعرها عورة كله». حتى قلنا بهذه الرواية: أنه لا يجوز للمحرم أن يقطع شيئاً من شعره وإن كان تحت الأذنين ما لم يكن وقت الحلق كشعر الرأس.
«النساء إذا أردن أن يصلين صلاة الضحى يوم العيد يصلين بعدما يصلي الإمام؛ لأن التطوع قبل صلاة العيد للرجال مكروه في الجَبَّانَة وغيرها ـ هو المختار ـ، خلافاً لمحمد بن مقاتل حيث فصَّل بين الجَبَّانة وغيرها وقبل الخروج إلى الجَبَّانة، وقال: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى الجَبَّانة، إنما يكره ذلك في الجَبَّانة؛ فكذا للنساء تبعاً للرجال».
«ولا ينبغي أن تخرج العجائز إلى الصلاة المكتوبة في هذا الزمان؛ لأن الناس لم يعاينوا ذلك، فربما يقع الناس بخروجهن في الفتنة».
«القابلة إذا خافت أنها لو اشتغلت بالصلاة يموت الولد لا بأس بأن تؤخر الصلاة وتقبل على الولد؛ لأن تأخير الصلاة عن الوقت بعذر يجوز، ألا ترى أن النبي ـصلى الله تعالى عليه وسلم ـ: ((أخر الصلاة عن وقتها يوم الخندق))».
«وكذلك المسافر إذا خاف من اللصوص وقطاع الطريق جاز لهم أن يؤخروا الوقتية؛ لأنه بعذر». وقد كتبنا قبيل المسألة الأخيرة من فصل الأفعال المفسدة مسألة من هذا الفصل.
مسألة مشتركة بين هذا الفصل وبين الذي يليه:
في كراهية (س): «امرأة في بطنها ولد قد خرجت إحدى يديه وهي تخاف خروج الوقت، كيف تصلي حتى لا يلحق الولد ضرر؟
إن أمكنها أن تأخذ شيئاً تجعل يده فيه تفعل، وإن احتاجت إلى أن تضع عن يمينها أو يسارها أو أمامها وسادة، أو شيئاً ليمكنها أداء الصلاة تفعل؛ لأن الجمع بين حق الله - تعالى - وبين حق الولد ممكن». وقد كتبت شيئاً من هذا في آخر المسألة الأُولى من مسائل النفاس ـ ولله الحمد -.
الفصل الثالث عشر
في صلاة المجروح والمريض وقضائه أو قضاء ورثته فوائتَه
(و): «رجل به جرح، إن صلى قائماً يومئ إيماءً لا يسيل جرحه، وإن ركع سال؛ فإنه يصلي قائماً ويومئ للركوع ثم يجلس فيومئ للسجود ليكون أداء الصلاة مع الطهارة، فإن لم يفعل كذلك وصلى قائماً هكذا ويومئ إيماءً لا يجزيه؛ لأن الإيماء للسجود جالساً أقرب إلى حقيقة السجود؛ ينظر في الفصل الثالث من أول كتاب الصلاة في الإيماء جالساً».
(ن): «مريض مجروح تحته ثياب نجسة؛ إن كان لا يُبسَطُ تحته شيء إلا تنجس من ساعته له أن يصلي على حاله؛ لأنه ليس فيه فائدة، وكذلك إذا لم يتنجس الثاني؛ إلا أنه يزداد مرضه ويلحقه مشقة لأن الحرج مدفوع».
«الأحدب إذا بلغت حدوبته الركوع يشير برأسه للركوع؛ لأنه عاجز عما هو أعلى منه».
«المريض الذي يصلي قاعداً ـ في قعوده حال قيامه فيه اختلاف معروف ـ عند علمائنا الثلاثة يقعد متربعاً أو محتبياً، وقال زفر - رحمه الله -: يقعد كما يقعد في التشهد، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ذكره في هذا الموضع من "النوازل"، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وعليه الفتوى؛ لأنه أيسر عليه».
(ن): «مريض صلى جالساً، فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة؛ يريد به في الركعة الرابعة ظن أنها ثالثة، فقرأ وركع وسجد بالإيماء سجدة؛ فسدت صلاته لأنه انتقل إلى النافلة قبل الفراغ من الفريضة، ولو لم يكن في الرابعة لكن كان في الثالثة، فظن أنها الثانية فأخذ في القراءة ثم علم أنها الثالثة؛ لا يعود إلى التشهد، بل يمضي في قراءته، ويسجد للسهو في آخر الصلاة».
«المريض إذا صار بحال لا يستطيع أن يصلي لا بالإيماء ولا بغير الإيماء فمات؛ لا يجب عليه شيء من كفارة الصلاة، ولا يكون مأخوذاً لأنه لم يقدر على أداء الصلاة في حال ليجب الأداء؛ فيجب خُلْفُه، وهو الفدية.
فإن برأ وصح؛ إن كان ذلك أقل من صلاة يوم وليلة قضاها؛ لأنه قدر على أداء الصلوات في زمان هو خلف فيجب عليه، وإن كان أكثر من يوم وليلة لم يجب عليه القضاء؛ لأنه لم يصر خُلْفاً؛ لأنه لا يفيد لأنه لا يقدر على الأداء إذا تضاعفت الواجبات، وصار كالمغمى عليه».
«الميت إذا فاتته الصلوات فقضاها الورثة بأجرة لا يجوز، وفرقوا بين هذا وبين الحج عن الميت، والفرق أن الصلاة عبادة بدنية لا تجري فيها النيابة، وفي الحج أيضاً لا تجري النيابة؛ إلا أن ثمة التسبيب يقوم مقام المباشرة عند الحاجة، والتسبيب عبادة مالية؛ فجاز أن يجري فيها النيابة، كأداء الزكاة».
وكيفية الفداء في الصلوات يأتي في آخر كتاب الأيمان في فصل الكفارات - إن شاء الله تعالى -.
الفصل الرابع عشر
في السنن والتطوع والتراويح
(س): «رجل ترك سنن الصلوات الخمس: إن لم يرَ السنن حقاً؛ فقد كفر لأنه ترك استخفافاً، وإن رأى السنن حقاً؛ منهم من قال: لا يأثم، والصحيح أنه يأثم؛ لأنه جاء الوعيد بالترك».
(ن): «رجل ترك السنن: إن تركها بعذر؛ فهو معذور، وإن تركها بغير عذر تهاوناً لا يجوز، ويسأله الله - تعالى - عن تركها»؛ لما روي عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه
وسلم ـ أنه قال: ((من تهاون بالآداب حرم السنن، ومن تهاون بالسنن حرم الفرائض، ومن تهاون بالفرائض حرم الآخرة)).
في آخر صلاة (س): «رجل صلى المغرب في المسجد فأراد أن يصلي الركعتين بعده؛ ينظر: إن كان يخاف أنه لو رجع إلى المنزل يشتغل بشيء يصلي في المسجد الركعتين؛ لأنه يتأخر أداؤهما، ووقت المغرب وقت ضيق، وإن لم يخف يصلي الركعتين في المنزل؛ لأن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قال: ((خير صلاة الرجل في المنزل؛ إلا المكتوبة))».
(و): «إذا جاء مصلي الظهر إلى الإمام ولم يصلِّ السنة قبلها؛ يدخل مع الإمام في الجماعة، ولا يشترط في ذلك أن يخاف فوت ركعتين من الظهر، بخلاف صلاة الفجر؛ فإن من انتهى إلى الإمام في الفجر يصلي سنة الفجر إذا كان لا يخاف فوت الركعتين، وإن كان يخاف فوات الركعة، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن الذي جاء في ترك ركعتي الفجر من الوعيد لم يرد في الأربع قبل الظهر.
والثاني: أن سنة الفجر تفوت لا إلى خُلْف لأنها لا تقضى، وسنة الظهر تقضى ما دام الوقت قائماً».
(س): «إمام يصلي الفجر في المسجد الداخل، فجاء رجل يصلي ركعتي الفجر في المسجد الخارج: اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يكره؛ لأن ذلك كله كمكان واحد، بدليل جواز اقتداء من كان في المسجد الخارج بمن هو في المسجد الداخل، وقال بعضهم: لا يكره، فإذا اختلف المشايخ فيه كان الاحتياط أن لا يفعل».
«ومن أراد أن يصلي ركعتين تطوعاً، فلما صلى ركعة طلع الفجر؛ كان الإتمام أفضل لأنه وقع في التطوع بعد طلوع 0الفجر لا عن قصد، فكان الإتمام أفضل».
وسيأتي نحو هذا في فصل إدراك المقتدي الإمام.
(ن): «المصلي إذا أتم الركوع والسجود لا بأس بالتخفيف»؛ لما روي أن النبي ?: ((كان أخف الناس صلاة في تمام))؛ فكان الإتمام أفضل. وقد كتبنا هذا في فصل السهو في آخر المسألة الأولى.
(ن): «رجل افتتح الصلاة في وقت مستحب فأفسدها ثم أراد أن يقضيها بعد العصر لا يجزيه، بخلاف قضاء سائر الفوائت؛ لأنها واجبة من كل وجه، فشابه عصر الوقت، أما هذه واجبة لغيرها؛
فلا يظهر الوجوب في حق هذا الحكم، ألا ترى أنه لو افتتح التطوع في هذه الحالة يؤمر بقطعها ويمنع من إتمامها، ولا يقال بالشروع صار واجباً فصار بالإتمام مؤدياً الواجب، بل مع هذا يمنع من الإتمام، كذا ههنا، وعلى هذا حكم سنة الفجر إذا شرع إنسان فيها، ثم أفسدها ثم قضاها بعد الفجر لم يجزه».
«ومن يصلي التطوع قاعداً، وإذا أراد الركوع قام وركع؛ فالأفضل له أن يقرأ شيئاً إذا قام ثم يركع ليكون موافقاً للسُنة، فلو لم يقرأ واستوى قائماً وركع أجزأه، وإن لم يستو قائماً وركع لا يجزيه؛ لأن ذلك لا يكون ركوع قائم ولا ركوع قاعد». والتطوع بنية الخصوم كتبناه في آخر فصل النية.
رجل نزل به ضيف وله ورد من صلاة التطوع؛ فإن كان هذا الرجل كثير الضيافة لا يترك ورده لأنه يتضرر بترك ورده، وإن كان في الأحايين مرة يترك من قبل الضيف؛ لأنه لا يتضرر به.
في التراويح
(ن): «إمام يصلي التراويح في مسجدين في كل واحد منهما على الكمال لا يجوز؛ لأن التراويح سنة، وسائر السنن لا تتكرر في وقت واحد؛ فكذا هذه السنة.
وإن كان غير إمام، فاستقبله جماعة في التراويح في مسجد آخر لا بأس بأن يدخل معهم؛ لأنه يكون اقتداء المتطوع بمن يصلي السنة فيجوز، كما لو صلى المكتوبة ثم أدرك
الجماعة؛ جاز له أن يصلي مع القوم».
«قوم صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوا بعد ذلك يصلون فرادى؛ لأنه تطوع، وصلاة التطوع بجماعة ليست بمستحبة»؛ لأنها لو كانت مستحبة لكانت أفضل من الصلاة فرادى، ولو كانت أفضل لفعلها أصحاب رسول الله ? ورضي الله عنهم.
«الإمام إذا فرغ من التشهد في التراويح ينظر: إن علم أن الزيادة على قدر التشهد لا يثقل على القوم، يزيد ويأتي بالدعوات، وإن علم أنه يثقل عليهم لا يزيد على ذلك، ويقتصر على التشهد؛ لأن الدعوات ليست بفرض ولا سنة، لكن إذا كبر يأتي بالثناء في كل تكبيرة منها».
(و): «إمام صلى العشاء على غير الوضوء وهو لا يعلم، ثم صلى بهم إمام آخر التراويح ثم علموا؛ كان عليهم أن يعيدوا العشاء والتراويح، أما العشاء؛ فظاهر، وأما التراويح؛ فلأنها أُدِّيَت في غير وقتها لأن وقتها ما بعد العشاء». على ما اخترنا من الجواب في مسائل التراويح ـ والله أعلم ـ.
الفصل الخامس عشر
في الوتر والقنوت
(ن): «أهل قرية إذا اجتمعوا على ترك الوتر؛ أدَّبهم الإمام وحبسهم، وإن لم يمتنعوا قاتلهم.
وإن امتنعوا عن أداء السنن؛ فجواب أئمة بخارى - رحمهم الله -: أن الإمام يقاتلهم كما يقاتلهم على ترك الفرائض، كما رُوِي عن عبد الله بن المبارك - رحمه الله - أنه قال: ((لو أن أهل بلدة أنكروا سنة السواك نقاتلهم كما نقاتل المرتدين))».
«رجل أوتر فقرأ في الثالثة القنوت ونسي القراءة حتى ركع، أو قرأ الفاتحة ونسي السورة حتى ركع؛ قال: يرفع رأسه ويقرأ السورة، ويعيد القنوت والركوع؛ لأنه تبين أن نقض الركوع كان لإقامة الفرض.
وإن قرأ الفاتحة والسورة ولم يقنت حتى ركع يمضي على صلاته ـ فيه روايتان ـ، وإن تذكر بعدما رفع رأسه يمضي - رواية واحدة - على صلاته ويسجد سجدتي السهو؛ لأن القنوت واجب، ولا يجوز نقض الفرض لإقامة الواجب».
«رجل أوتر ولم يقرأ في الركعة الثالثة لا يجوز في قولهم جميعاً؛ لأن الوتر في حق اشتراط القراءة، ليس حكمه حكم الفريضة».
(ب): «رجل شك في الوتر وهو في حال القيام أنه في الثانية أو في الثالثة يتم تلك الركعة
ويقنت فيها لجواز أنها الثالثة، ثم يقعد ويقوم ويضيف إليها ركعة أخرى ويقنت فيها أيضاً
ـ هو المختار ـ.
فرق بين هذا وبين المسبوق بركعتين في الوتر في شهر رمضان إذا قنت مع الإمام في الركعة الأخيرة من صلاة الإمام؛ حيث لا يقنت في الركعة الأخيرة إذا قام إلى القضاء في قولهم جميعاً.
والفرق: أن تكرار القنوت في موضعه ليس بمشروع، وههنا أحدهما في موضعه والآخر في غير موضعه، أما المسبوق؛ فمأمور بأن يقنت مع الإمام، فصار ذلك موضعاً له، فلو أتى بالثاني كان ذلك تكرار القنوت في موضعه».
وأداء الوتر بالجماعة في غير شهر رمضان؛ سيأتي في كتاب الأيمان في فصل اليمين على الكلام والقراءة ما يدل على أنه يجوز، وقد كتبت في فصل التيمم مسألة من مسائل الوتر، وهي ثالثة كيفية التيمم.
(ن): «إذا قنت الإمام في الوتر؛ فالمقتدي يقرأ الدعاء خلفه لأن الإمام يقرأ مخافتة
ـ هو المختار ـ فيمكن للمقتدي أن يقرأ، ويضع المصلي اليمنى على اليسرى وقت القنوت». وقد مرَّ في أول الفصل الثاني من كتاب الصلاة.
«ومن لا يحسن الدعاء في الوتر بالعربية؛ فإما أن يقول: ((اللهم اغفر لنا))، ويكرر هذا ثلاثاً أو أكثر ـ وهو اختيار الفقيه أبي الليث رحمه الله -؛ لأنه إذا غفر صار أهلاً للخيرات كلها، وإما أن يقول: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ... )) إلى آخره، وهو اختيار مشايخنا.
ولا يصلي على النبي ? في القنوت ـ وهو اختيار مشايخنا ـ؛ لأن هذا ليس موضعه. واختيار الفقيه أبي الليث أن يصلي؛ لأن القنوت دعاء، ويستحب في كل دعاء أن يكون فيه الصلاة على النبي ?».
وأما الصلاة على النبي ـ عليه السلام ـ خارج الصلاة؛ سيأتي في آخر كتاب الكراهية - إن شاء الله تعالى -.
(ب): «من يقضي الصلوات والأوتار يقنت في الأوتار؛ لأنه إن كان عليه الوتر كان عليه القنوت، وإن لم يكن عليه الوتر؛ فالقنوت يكون في التطوع، والقنوت في التطوع لا يضر»،
ـ والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب ـ.
الفصل السادس عشر
في ذكر المسائل التي تتعلق بالإمام والمقتدي
وهي أجناس: في صلاحية الإمام ومن يجوز الاقتداء به ومن لا يجوز، وفيه مسألة الصلاة مع التمثال، ثم في مكان الإمام والمقتدي والفاصل بينهما، ثم في السترة والمرور بين يدي المصلي، ثم في انتظار الإمام وإدراك المقتدي إياه، ثم في المسبوق، ثم في الحدث والاستخلاف، ثم في تبين حال الإمام، ثم في الاختلاف الذي يقع بين القوم والإمام.
فيمن يجوز الاقتداء به ومن لا يجوز وفيه الصلاة مع التمثال:
(ن): لا يصلى خلف من يكون معروفاً بأكل الربا؛ لأنه أهل للإهانة، والاقتداء به كرامة.
(و): «يكره أن يكون الإمام صاحب هوى أو بدعة أو فاسقاً، ويكره للرجل أن يصلي خلفهم، فإن صلى أجزأه؛ لما روينا من الحديث».
(ن): «إذا صلى الرجل خلف فاسق أو مبتدع ينال فضل الجماعة؛ لقوله ?: ((صلوا خلف كل بَرٍّ وفاجر)). لكن لا ينال كما ينال إذا صلى خلف تقي ورع؛ لقوله ?: ((من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء))».
(و): «رجلان هما في الفقه والصلاح سواء، إلا أن أحدهما أقرأ، فقدم أهل المسجد الآخر دون أقرئهما؛ فقد أساؤوا لكن لا يأثمون». وكذا القاضي إذا وَلي القضاء وهو مستحق إلا أن غيره أفضل منه، وكذا الوالي.
«أما الخليفة؛ فليس لهم أن يُوَلُّوا خليفة إلا أفضلهم، هذا خاص في حق الخلفاء، وعلى هذا إجماع الأمة».
وفي كراهية (ن): «"رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون"؛ إن كانت الكراهية لفساد فيه، أو لأنهم أحق بالإمامة منه؛ فهو مكروه، هكذا روى الحسن البصري عن أصحاب رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ورضي عنهم، وإن كان هو أحق بالإمامة منهم ولا فساد فيه، ومع ذلك كرهوا لا يكره»؛ لأن الجاهل والفاسق يكرهان العالم والصالح.
(ع): «معتوه يفيق أحياناً؛ إلا أنه ليس لإفاقته وقت معلوم؛ فهو في حالة الإفاقة بمنزلة الصحيح، يجوز الاقتداء به؛ لأنه صحيح حقيقة».
وفي باب حيض (س): «إمامة صاحب الجرح السائل للأصحاء لا يجوز»؛ لأن طهارته ضرورية، فلا يظهر في حق جواز صلاة القوم.
(و): «الأخرس إذا صلى بالآيتين؛ فصلاته تامة وصلاتهم فاسدة ـ الناطفي أضاف هذا الجواب إلى محمد - رحمه الله -، وذكر الهندواني - رحمه الله -: أن الإمام إذا كان أخرس والمقتدي أُمِّيَّاً؛ فصلاة الإمام فاسدة أيضاً عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وجعل هذا كاقتداء القارئ بالأمِّيِّ، وتمام هذا في فتاوى خواهر زادة، والكرخي ذكر في "مختصره" الجواب، كما ذُكر ههنا من غير خلاف ـ، ولو كان على العكس؛ فصلاة الكل تامة لأن الأمِّيَّ قادر حكماً لقيام الآلات، والأخرس لا، فنزل الأخرس من الأمِّيَّ منزلة الأمِّيِّ من القارئ».
(ن): «الأمِّيُّ إذا اقتدى بالقارئ فصلى ركعة ثم تعلم سورة مضى على صلاته»؛ لأنه إذا كان خلف الإمام لم يكن عليه قراءة السورة.
«القارئ إذا وجد في صلاته ثوباً وهو خلف الإمام يستقبل الصلاة لأن عليه ستر العورة». والاقتداء بالمسبوق سيأتي في مسائل المسبوق - إن شاء الله تعالى -.
(و): «رجل صلى ونوى أن لا يؤمَّ أحداً، فصلى خلفه رجلان أجزأهما؛ لأن نية الإمام إمامة الرجال ليس بشرط لصحة اقتدائهم».
فإن كان الإمام حلف أن لا يؤمَّ أحداً هل يحنث؟
سيأتي في كتاب الأيمان في فصل وجود شرط الحنث من غير اختيار الحالف - إن شاء الله تعالى -.
(ب): «رجل في بدنه تصاوير وهو يؤمُّ الناس لا تكره إمامته؛ لأنها مستورة بالثياب لا تستبين فجازت، كصورة في نقش خاتم وهي غير مستبينة».
وفي سير (ع): «إذا صلى ومعه دراهم فيها تماثيل ملك؛ فلا بأس به لأن هذا يَصْغُر عن العين».
«المقتدي إذا رأى على ثوب الإمام بولاً أقل من قدر الدرهم، وهو يرى أن لا تجوز الصلاة معه والإمام يرى جواز ذلك؛ يعيد الصلاة لأنه لم يرَ الإمام في الصلاة، فلم يرَ اقتداءه جائزاً».
ولو كان مذهبهما على عكس هذا ـ والمسألة بحالها ـ والإمام لا يعلم بقيام النجاسة بثوبه، فإن المقتدي لا يعيد الصلاة؛ لأنه رأى صلاة الإمام جائزة، فرأى اقتداءه جائزاً. وقد مرَّ نحوه في مسائل القبلة ومسائل تطهير النجس.
ولو صلى خلف إمام وهو يظن أنه الخليفة فإذا هو غيره؛ كتبناه في مسائل النية.
مسألة مشتركة بين هذا الجنس وبين الذي يليه:
(ن): «المأموم إذا كان أطول من الإمام وصلى بجنبه وهو بحال لو سجد يقع رأسه قدَّام
رأس الإمام؛ فصلاته جائزة لما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه ـ: ((أنه صلى بعلقمة وأسود، وأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره)) وكان هو صغير الجثة».
في مكان الإمام والمقتدي والفاصل بينهما:
(ن): «إذا ضاق المسجد بمن خلف الإمام؛ فلا بأس بأن يقوم الإمام في الطاق لأنه بعذر، وإن لم يكن ضاق المسجد عليهم لا ينبغي أن يقوم فيه؛ لأنه يشبه تباين المكانين».
(ن): «يستحب للإمام إذا فرغ من الصلاة أن ينحرف إلى يمين القبلة، وكذا إذا صلى الإمام المكتوبة وأراد أن يصلي بعدها تطوعاً يستحب أن يكون تطوعه في يمين القبلة؛ لأن لليمين فضلاً على اليسار، ويمين القبلة ما بحذاء يسار المستقبل لها، ويسار القبلة ما بحذاء يمين المستقبل لها».
وفي باب الجمعة (ن): «إمام صلى بالناس في غير يوم الجمعة في المسجد الجامع، فقام صف خلف الإمام عند المقصورة، وقام صف آخر في آخر المسجد؛ تكلموا فيه، منهم من قال: يجوز، ومنهم من قال: لا يجوز.
والأعدل من الأقاويل: أن الإمام إذا كان بمقصورة والقوم (بسراي خاصة) يجوز، وكذا إذا كان الإمام بمسجد أنبار والقوم (بسراي خاصة) يجوز.
أما إذا كان الإمام بمقصورة والقوم بمسجد منارة؛ لا يجوز»، وهذا يؤيد وجوب السجدة مرتين بتلاوة الآية مرتين في موضعين في المسجد الجامع، على ما يأتي في مسائل السجدة.
(و): «إمام صلى بقوم على الطريق، واصطف الناس في الطريق على طوله؛ إذا لم يكن بين الإمام والقوم مقدار ما يمر فيه الجمل جازت صلاتهم، وإن كان؛ فلا، وكذا بين الصف الأول والصف الثاني؛ لأن المانع من الاقتداء ههنا هو الطريق؛ لأن الأثر جاء بكون الطريق مانعاً، وقدرنا الطريق المانع بهذا لما تبين في التي تلي هذه، بخلاف المسألة الثالثة من هذه، فإن ثمة المانع مجرد الانفصال؛ فقدرناه بصف» على ما يأتي.
«أقل مقدار الطريق الذي لو كان بين الإمام وبين المقتدي يمنع الاقتداء؛ ما يمر فيه العجلة أو حمل البعير، وما دون ذلك لا يمنع؛ لأنه يسير».
«رجل صلى بالقوم في فلاة من الأرض؛ فمقدار ما ينبغي أن يكون بين الإمام والقوم حتى
لا تجوز صلاتهم أقله ما يمكن أن يصطف فيه القوم».
«ولو صلى الإمام بهم في المصلى يوم العيد يجوز وإن كان بين الصفوف فصل؛ لأن المصلى بمنزلة المسجد؛ لأن ذلك كله جُعل للصلاة، ولا كذلك الفلاة».
في آخر صلاة (ب): «قوم يصلون خارج المسجد أو في الصحراء، ووسط الصفوف فجوة مقدار حوض أو (فارِقين) لم يقم فيها أحد؛ جازت صلاة من وراء الفجوة إذا كانت الصفوف متصلة حوالي الفجوة؛ لأن الصفوف إذا كانت متصلة حوالي ذلك الموضع صار الكل في حكم المسجد».
(و): «قوم صلوا على ظهر ظلة في المسجد وتحتهم قدامهم نساء أو طريق لا يجوز؛ "للحديث المعروف" الذي جاء ما لم يكن طريق أو نساء، وأدناه ثلاث نسوة، فإذا كن ثلاثاً؛ فهو صف، هكذا ذكر ههنا.
وفي "ظاهر الرواية" لم يجعل الثلاث صفاً، حتى قال: ((تفسد صلاة ثلاثة من كل صف إلى آخر الصفوف، وجاز اقتداء الباقين)). والفتوى على "ظاهر الرواية".
فإن كان الرجال الذين فوق الظلة بحذائهم من تحتهم نساء أجزأهم؛ لأنه ليس بينهم وبين الإمام نساء، فلو فسدت صلاتهم إنما تفسد لمكان المحاذاة، وبينهما حائل؛ فصار بمنزلة امرأة بحذاء رجل يصلي وبينهما حائط أو غيره».
وقد كتبت نحوه في آخر الأفعال المفسدة مسائل كثيرة تقرب من هذا الجنس.
في السترة والمرور بين يدي المصلي:
(ن): «إذا صلى وليس بين يديه أو بين يدي الإمام سترة وأراد رجل أن يمر بين يديه، كم مقدار ما يحتاج إلى أن يكون مروره مكروهاً؟
فالصحيح: مقدار منتهى بصره، وهو موضع سجوده، قال "أبو نصر" - رحمه الله -: ((مقدار ما بين الصف الأول وبين مقام الإمام)). وهذا عين الأول لكن بعبارة أخرى».
(ن): «إذا صلى في الصحراء ولم يجد سترة، فأراد الإمام أن يخط بين يديه لا يعتبر الخط ـ هو المختار ـ، ومن اعتبر الخط قال: ((يخط طولاً؛ لأنه بمنزلة الخشبة المغروزة أمامه)). وكذا إذا تعذَّر غرز السترة لا يعتبر الإلقاء ـ وهو المختار ـ.
ومن اعتبر الإلقاء قال: يلقي بين يديه طولاً، فيجعل كأنه غرز سترة ثم سقطت؛ هكذا اختار الفقيه أبو جعفر - رحمه الله -».
«رجل يصلي التطوع في المسجد الجامع، والمساكين يمرون بين يديه؛ فصلاته تامة ولا إثم عليه لأنه لم يباشر المنهي عنه، والإثم على الذين يمرون؛ لأنهم باشروا المنهي عنه، حتى قال أبو مطيع - رحمه الله -: ((لا يحل للرجل أن يعطي سُؤَّالَ المسجد؛ لأن فيه وعيداً))». وسيأتي تمام هذا التفريع في آخر كتاب الهبة - إن شاء الله تعالى -.
في انتظار الإمام ودخول المقتدي في صلاته وإدراكه إياه وما يتابعه فيه وما لا يتابعه فيه:
(ن): «المصلي في الركوع إذا سمع حِسَّ شخص جائياً، فطوَّل الركوع ليدرك الجائي الصلاة؛ فإن كان الإمام عرف الجائي يكره؛ لأن ذلك يُشبه الميل، وإن لم يعرفه لا بأس به، لكن مقدار ما لا يثقل على من خلفه نحو تسبيحة أو تسبيحتين؛ لأن ذلك إعانة على الطاعات».
«إذا طوَّل القراءة في الركعة الأولى ليدركها الناس؛ فإن كان تطويلاً يشق على الناس ينبغي أن لا يفعل؛ لأنه يصير سبباً لتقليل الجماعة».
«ولو أخر المؤذن الإقامة ليدرك الناس الجماعة جاز». وقد كتبناه في الفصل الأول من كتاب الصلاة.
«(ع): الإمام إذا مدَّ التكبير وجزم من خلفه ففرغ قبل الإمام؛ على قياس قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: يجزيه، وعلى قياس قول أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ: لا؛ بناءً على أن عند أبي حنيفة ومحمد أن الإمام لو لم يزد على قول: ((الله)) يجزيه عن الافتتاح، فإذا كان قول المقتدي: ((أكبر)) قبل فراغ الإمام يجزيه إذا لم يكن أول كلامه قبل الإمام؛ لأن افتتاحه يقع مع افتتاح الإمام، وعند أبي يوسف ما لم يقل الإمام: ((الله أكبر)) لا يجوز؛ فيقع افتتاح المقتدي قبل افتتاح الإمام؛ فلا يجوز».
(ن): «الإمام إذا فرغ من صلاته وأراد أن يسلم، فلما قال: ((السلام)) جاء رجل واقتدى
به قبل أن يقول: ((عليكم)) لا يصير داخلاً في صلاته؛ لأن هذا سلام، ألا ترى أن المصلي إذا أراد أن يسلم على أحد ساهياً فقال: ((السلام)) ثم علم فسكت تفسد صلاته؟!». وقد كتبنا هذا في الأقوال المفسدة للصلاة.
«رجل جالس قام مسرعاً ليدخل في صلاة الإمام: إن كبر للافتتاح وهو على هيأة لو كان قائماً، فركع وانحط مثل تلك الهيأة؛ يجزيه عن الركوع ولا يجزيه عن تكبيرة الافتتاح؛ لأن تكبيرة الافتتاح وقعت في حالة الركوع.
وذكر هذه المسألة في آخر الباب؛ فقال: ((رجل جاء إلى الإمام وهو راكع، فكبر الرجل وهو إلى الركوع أقرب؛ فصلاته فاسدة لأنه لم يوجد الافتتاح قائماً، وإن كان إلى القيام أقرب جاز؛ لأنه وجد الافتتاح قائما))». وقد كتبنا نحو هذا في الفصل الثاني من كتاب الصلاة.
(س): «إذا أدرك الإمام وهو راكع فكبر وهو يريد تكبيرة الركوع ينظر: إن كبر وهو قائم جازت صلاته؛ لأن نيته لغت وبقي التكبير حالة القيام، وإن كبر وهو راكع فسدت صلاته؛ لفوات القيام».
(ن): «رجل جاء إلى الإمام وقد رفع الإمام رأسه من الركوع، فركع ثم سجد مع الإمام السجدتين؛ لا يصير مدركاً للركعة لما علم ولا تفسد صلاته، وكذلك لو أدرك الإمام في السجدة الأولى فركع وسجد سجدتين لا تفسد.
فرق بين هذا وبين ما إذا ركع الإمام وسجد سجدة ورفع رأسه عنها، فجاء رجل ودخل معه وركع وسجد سجدتين؛ فسدت صلاته، والفرق أن في الأولى لم يدخل فيها إلا زيادة ركوع؛ لأنه وجبت عليه المتابعة في السجدتين، وذا لا يفسد الصلاة، أما ههنا وجد إدخال زيادة ركعة تامَّة وهو الركوع والسجود». وقد كتبنا شيئاً من هذا في الفصل السابع.
«رجل ركع مع الإمام أول ركعة ركوعاً، فلم يقدر على أن يسجد حتى قام الإمام وركع الثانية فركع معه، ثم سجد أربع سجدات لهما جميعاً تكون السجدتان منهما للركوع الأول، ويعيد الركعة الثانية كلها؛ لأنه لما ركع ركوعاً ثانياً قبل أن يقيد الركوع الأول بالسجدة، ثم سجد سجدتين التحقتا بأحد الركوعين وارتفض الآخر، فإذا سجد سجدتين؛ فالسجدتان بغير ركوع لا يعتد بهما، فصار كأنه لم يسجد إلا سجدتين».
«رجل أدرك الإمام في الركوع؛ فإنه يشتغل بالتسبيحات دون الثناء، وتكبيرات العيد مقدمة على تسبيحات الركوع؛ لأن التسبيحات سنة والتكبيرات واجبة، حتى وجب سجود السهو بتركها، والثناء وإن كان سنة كالتسبيحات؛ إلا أن التسبيحات في محلها والثناء لا».
(س): «من أدرك الإمام في الركوع صلاة العيد، فتابعه في الركوع؛ فعلى قياس ما ذكرنا أنه يكبر في الركوع تكبيرات العيد، ينبغي أن يرفع اليدين؛ لأنه سنة في تكبيرات العيد».
(ن): «الإمام إذا رفع رأسه من الركوع قبل أن يتم المقتدي التسبيحات ثلاثاً تكلموا فيه:
منهم من قال يتمها ثلاثاً؛ لأن من العلماء من قال: لا يجوز الصلاة بأقل من ثلاث مرات؛ فكان عليه أن يأتي بتمام الثلاث، ومنهم من قال: ((يتابع الإمام)) وهو الصحيح؛ لأن التسبيحات سنة، ومتابعة الإمام فريضة؛ فكان الاشتغال بمتابعة الإمام أولى». وقد ذكرنا هذا في باب صلاة العيدين من "شرح الجامع الصغير".
(ب): «إمام قام إلى الثالثة، والمقتدي لم يفرغ من التشهد بعد؛ قال: يتم ما بقي ولا يتابع الإمام وإن فاته الركوع لأن الركوع لا يفوته على الحقيقة لأنه مدرك؛ فكأنه خلف الإمام.
وإن سلَّم في آخر الصلاة قبل فراغ المأموم من التشهد يتم ما بقي؛ لأن سلام الإمام على قول من يخرجه عن الصلاة لا يخرجه وعليه شيء، وإن بقي عليه شيء من الدعوات يُسلِّم، وكذا إن لم يصلِّ على النبي ? يسلم؛ لأنه لم يبق عليه شيء واجب؛ لأن الصلاة على النبي ـ عليه السلام ـ ليست بواجبة».
(ن): «إذا أدرك الإمام في التشهد، فقام الإمام أو سلم في آخر الصلاة قبل أن يتم المقتدي تشهده؛ قال الفقيه أبو الليث: المختار عندي أن يتم تشهده؛ لأن التشهد من الواجبات في الجملة، وإن لم يفعل أجزأه».
(س): «الإمام إذا تكلم والمقتدي بعد لم يقرأ التشهد؛ قرأ التشهد، وإن أحدث عمداً لم يقرأ التشهد؛ لأن الكلام بمنزلة السلام.
والإمام إذا سلم والمقتدي لم يقرأ التشهد يقرأ؛ لأنه يجوز أن يبقى المقتدي في حرمة الصلاة بعد سلام الإمام، أما لا يجوز أن يبقى فيها بعدما أحدث الإمام عمداً».
(ن): «المقتدي إذا شرع في قراءة التشهد ففرغ قبل فراغ الإمام ثم تكلم أو ذهب؛ فصلاته جائزة لأن المعتبر هو القعدة دون القراءة، وقد تمت قعدة الإمام في حق المقتدي»، ألا ترى أن الإمام لو كرَّر قوله: التحيات لله؛ حتى لو كان بحال لو قرأ التشهد أمكنه ذلك جازت صلاته؟!
في مسائل المسبوق:
(س): «رجلان سُبِقا ببعض الصلاة، فلما قاما يقضيان اقتدى أحدهما بصاحبه؛ فصلاة المقتدي فاسدة، قرأ أو لم يقرأ ـ هو المختار ـ؛ لأنه اقتدى في موضع الانفراد، وصلاة الإمام جائزة».
«ولو دخل المسجد رجل والإمام والقوم في صلاة الظهر، فأحدث الإمام فقدمه وهو لا يعلم كم صلى إمامه؛ ينبغي أن يصلي أربع ركعات، ويقعد في كل ركعة احتياطاً لتجوز صلاته وصلاتهم بيقين».
(ن): «الإمام إذا ظن أن عليه سجدتي السهو فسجد وسجد معه المسبوق؛ إن لم يعلم أن الإمام لم يكن عليه سجدتا السهو لم تفسد صلاته ـ هو المختار ـ؛ لأنه كثيراً ما يقع لجهل
الإمام، فسقط اعتبار المفسد ههنا، وإن علم فسدت؛ لأنه اقتدى في موضع الانفراد».
«وإن كبر مع الإمام في أيام التشريق لا تفسد صلاته بلا خلاف، وإن أذَّن تفسد عند أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله -، وإن لم يتنبه إلى قوله: ((حيَّ على الصلاة))؛ لأنه إعلام مكان من كلام الناس. وعند أبي يوسف - رحمه الله -: لا تفسد ما لم ينتبه إلى قوله: ((حيَّ على الصلاة))؛ لأنه دعاء الناس - وهو كلام قاله خواهر زاده -».
«المسبوق بركعة واحدة إذا سلم مع الإمام ساهياً إن سلم مع الإمام لا يجب عليه سجود السهو وهو مقتدي، وإن سلم بعده يجب عليه؛ لأنه هو المختار لأنه سها وهو منفرد».
(ب): «والمسبوق إذا شك في صلاته فكبر ينوي الاستقبال يخرج عن صلاته؛ لأن حكم صلاة المسبوق وحكم صلاة المنفرد مختلفان، ألا ترى أن الاقتداء بالمسبوق لا يصح وبالمنفرد يصح؟! فإذا أقبل على إِحديهما وكبر ثبت الانتقال إلى الأخرى، كمن انتقل بالتكبير من فرض إلى نفل أو من نفل إلى فرض». وسيأتي نحو هذا في مسائل الاستخلاف، وهي المسألة الرابعة منها - ولله الحمد -.
في الحدث والاستخلاف:
(ن): «رجل أمَّ رجلاً واحداً فأحدثا جميعاً وخرجا من المسجد؛ فصلاة الإمام تامة لأنه منفرد، ويبني على صلاته، وصلاة المقتدي فاسدة؛ لأنه مقتدٍ ليس له إمام في المسجد».
(ع): «إمام أحدث وقدَّم رجلاً من آخر الصفوف، ثم خرج من المسجد، فإن نوى الثاني أن يكون إماماً من ساعته جازت صلاتهم؛ لأنه صار لهم إمامٌ في المسجد، وإن نوى أن يكون إماماً إذا قام مقام الأول؛ فسدت صلاتهم إذا خرج الأول قبل أن يصل الثاني إلى مقامه؛
لأنه خرج وليس لهم إمام في المسجد فتفسد صلاتهم».
(ع): «الإمام إذا أحدث وتوضأ في جانب المسجد والقوم ينتظرونه فرجع إلى مكانه وبنى على صلاته؛ أجزأهم لأن إمامهم في المسجد بعد، ولو لم يكن خلْفَ الإمام إلا رجل واحد فتوضأ في جانب المسجد ورجع؛ ينبغي أن يأتم بالثاني لأن الثاني تعيَّنَ إماماً، عيَّنه الأول أو لم يعيِّنه».
(س): إذا صلى بقوم ركعة فسبقه الحدث فقدَّم رجلاً وخرج من المسجد وتوضأ، ثم جاء ودخل المسجد فأمره قوم في المسجد الخارج أن يؤمهم فلم يتكلم وكبر تكبيراً جديداً جازت صلاته وصلاة القوم؛ لأنه لما كبر بنية الإمامة خرج من الصلاة الأولى؛ لأنه كان مقتدياً بالثاني، وصلاة الإمام مع صلاة المقتدي صلاتان مختلفتان.
وقد كتبنا في مسائل المسبوق مسألة من مسائل الاستخلاف، وهي المسألة الثانية منها.
(ع): «رجل صلى بقوم في الصحراء فأحدث، فتقدم أمامه خطوتين قبل أن يقدِّم أحداً؛ إن تقدم مقدار ما لو تأخر لخرج عن الصفوف فسدت صلاتهم؛ لأنه لو تأخر كان كذلك، فكذا إذا تقدم في حق هذا الحكم، ولو صلى بهم في البيت كان الخروج من البيت بمنزلة الخروج من المسجد».
وقد مرَّ جنس هذا في القسم الثاني من الفصل السادس، وسيأتي من هذا الجنس في آخر الجنس الأول من فصل الجمعة - إن شاء الله تعالى -.
في الإمام تبيَّن بعدما صلى أنه كان على حالة لا يجوز الاقتداء به:
(ن): «رجل صلى بالناس شهراً، ثم قال: إني كنت مجوسياً؛ فصلاتهم جائزة، ويضرب هو ضرباً شديداً ويجبر على الإسلام؛ لأن الصلاة بجماعة دليل الإسلام، فإذا أخبر أنه مجوسيٌّ كان هذا منه ارتداداً».
(و): «رجل أمَّ قوماً شهرين ثم قال: كان في ثوبي قذر يعيدون الصلاة إلا أن يكون ماجناً؛ لأنه ظهر كذبه بظاهر الحال».
(ن): «رجل صلى بقوم ثم قال: إني صليت يوماً بغير وضوء؛ فإن كان ثقة يجب عليهم أن يعيدوا لأن ههنا أخبر، وليس له مكذب ظاهرٌ». وفي المسألة الأولى له مكذب ظاهر؛ لما قلنا أن الصلاة بجماعة دليل الإيمان.
(س): «من شك في إتمام وضوء إمامه جازت صلاته ما لم يستيقن له أنه ترك بعض أعضاء وضوئه سهواً أو عمداً؛ لأن الظاهر أنه لم يترك».
(ن): «إمام صلى بالناس صلاة العيد، ثم علم أنه على غير وضوء؛ إن علم قبل الزوال يعيد في العيدين؛ لأن الوقت باقٍ، وإن علم بعد الزوال؛ يخرج في العيدين من الغد؛ لأنه تأخير بعذر، وإن علم في الغد بعد الزوال؛ ففي الأضحى يخرج في اليوم الثالث؛ لأن الوقت باقٍ، وفي عيد الفطر لا؛ لأن الوقت لم يبق، وإن علم في اليوم الأول بعد الزوال وكان عيد الأضحى وقد كان ذبح الناس يجزئ من ذبح». وسيأتي هذا في الفصل الأول من قسم الأضحية في كتاب العيد - إن شاء الله تعالى -.
في الاختلاف الذي يقع بين القوم وبين الإمام:
(و): «إمام صلى بقوم، فلما ذهب قال بعضهم: هي الظهر، وقال بعضهم: هي العصر؛ فإنه يحكم الوقت، فإن كان الوقت مشكلاً جاز للفريقين في القياس، بمنزلة قطرة الدم وقعت ممن خلف الإمام ولا يُدرى ممن هو؛ لأن الشك وقع في وجوب الإعادة؛ فلا يجب مع الشك. وسيأتي نظيره في باب تنبيه المجيب في مسألة الدين.
ولو صلى إمام بقوم ثم اختلفوا، فقال القوم: صليتَ ثلاثاً، وقال الإمام: صليتُ أربعاً، فإن كان بعض القوم مع الإمام يؤخذ بقوله؛ لأنه ترجَّح قول من كان مع الإمام بسبب الإمام، وإن لم يكن معه أحد، فإن كان هو على يقين لا يعيد، وإلا يعيد بقولهم».
(س): «إذا صلى الإمام والقوم وفرغوا، واستيقن واحد منهم بالتمام وواحد بالنقصان، وشك الإمام والقوم كلهم؛ ليس على الإمام والقوم شيء لأن الشك إذا وقع بعد الفراغ من الصلاة لا يلتفت إليه، ولا يستحب للإمام أن يعيد لما تبين، وعلى الذي استيقن بالنقصان الإعادة؛ لأنه استيقن أنه لم يؤد.
فإن كان الإمام يستيقن بالنقصان وواحد منهم يستيقن بالتمام يقتدي القوم بالإمام؛ لأن الإمام تيقن أنه لم يؤد، ولا يعيد الذي استيقن بالتمام؛ لأنه تيقن أنه أدَّى.
ولو شك الإمام والقوم واستيقن واحد من القوم بالنقصان؛ الأحبُّ أن يعيدوا، فإن لم يعيدوا ليس عليهم شيء، حتى يكون منهم المستيقن عدلين.
وإذا شك الإمام فأخبره عدلان يجب الأخذ بقولهما؛ لأنه لو أخبره عدل يُستحب أن يأخذ بقوله، فإذا كان المخبر عدلين يجب الأخذ بقولهما، بخلاف ما إذا شك الإمام والقوم واستيقن واحد منهم بالنقصان، وآخر منهم بالتمام؛ حيث يعيد الذي استيقن بالنقصان، وصلاة الإمام والقوم تامة وإن
أخبره المستيقن بالنقصان؛ لأن قول المستيقن بالنقصان عارضه قول المستيقن بالتمام؛ فكأنهما لم يوجدا».
وقد كتبنا من هذا الجنس في الفصل التاسع والعاشر ـ والله أعلم ـ.
الفصل السابع عشر
في الجمعة وما يتصل بها
وهي ثلاثة أجناس:
الأول: في الوالي والإمام والاستخلاف فيها من الحدث، ونية المقتدي فيها.
الثاني: في الأذان والوقت والخطبة.
الثالث: في المصر والقرى ومن يجب عليه الجمعة أو لا يجب عليه، ومكان صلاة الجمعة وبيان الصف الأول.
في الوالي والإمام والاستخلاف فيها من الحدث ونية المقتدي فيها:
في صلاة (ن): «إذا قُلِّدَ العبد عمل ناحية فصلى بالمسلمين؛ جازت صلاتهم "بالحديث المعروف"، ولو استقضي فقضى لا يجوز؛ لأن أهل القضاء من كان أهلاً للشهادة، وهو ليس من أهل الشهادة».
(ن): «صلاة الجمعة خلف المتغلب الذي لا عهد له؛ أي: لا منشور له من الخليفة تجوز إن كانت سيرته في الذين غلب عليهم سيرة الأمراء، يحكم فيما بين رعيته بحكم الولاية لأن بهذا تثبت السلطنة؛ فيتحقق الشرط». وقد كتبنا شيئاً منها في أول فصل الإمام.
«إذا افتتح الإمام صلاة الجمعة ثم حضر والٍ آخر يمضي على صلاته؛ لأن
افتتاحه قد صح، فصار كرجل أمره الإمام أن يصلي بالناس الجمعة ثم حجر عليه: إن حجر عليه قبل الدخول عمل حجره، وإن حجر عليه بعد الدخول لا، ويمضي على صلاته في قولهم، كذا ههنا».
(ع): «والي مصر مات ولم يبلغ موته الخليفة حتى مضت بهم جمع، فإن صلى بهم خليفة الميت أو صاحب شرطة أو القاضي جاز؛ لأنه فُوِّضَ إليهم أمور العامة.
ولو اجتمع العامة على أن يقدموا رجلاً لم يأمره القاضي ولا خليفة الميت لم يجز ولم يكن لهم جمعة؛ لأنه لم يفوَّضْ إليهم أمورُهم، إلا إذا لم يكن ثمة قاضٍ ولا خليفة الميت بأن كان الكل هو الميت؛ فالآن جاز لضرورة، ألا ترى ((أن علياً - رضي الله عنه - صلى بالناس وعثمان - رضي الله عنه ـ محصور))؛ لأنه اجتمع الناس على علي ـ رضي الله عنه ـ؟!
ولو مات الخليفة وله ولاة وأمراء على أشياء من أمور المسلمين كانوا على ولاياتهم يقيمون الجمع؛ لأنهم أُقيموا لأمور المسلمين، فهم على حالهم ما لم يُعزلوا».
(و): «إذا أحدث الإمام فقال لواحد: اخطب بهم ولا تصل بهم؛ أجزأه أن يخطب
ويصلي بهم؛ لأنه نهاه عن الصلاة لكي يأتي فيصلي بهم، فإذا لم يأت؛ كان هذا تفويض الصلاة إليه».
(س): «الإمام إذا خطب ثم أحدث، فأمر إنساناً لم يشهد الخطبة أن يُجَمِّعَ بهم، وأمر ذلك الرجل من شهد الخطبة فجمَّع بهم جاز، وذكر السرخسي - رحمه الله -: أنه لا يجوز، وهكذا ذكر الحاكم في "مختصره".
قال "الأستاذ الكبير": هو الصحيح ـ؛ لأن الذي لم يشهد الخطبة من أهل الصلاة فصح التفويض إليه، لكنه عجز لفقد شرط الصلاة وهو سماع الخطبة؛ فملك التفويض إلى الغير.
ولو جمَّع هو ولم يأمر غيره لم يجز، بخلاف ما لو شرع في الصلاة ثم استخلفه، وكذلك إن تكلم هذا المقدَّم واستقبل بهم جاز صلاته؛ لأنه إنما يؤدي الصلاة بتحريمة الإمام».
«ولو كان الثاني ذمياً والأول لم يعلم بذلك، فأمر الذميُّ مسلماً أن يُجمِّع بهم لم يجز؛ لأن تفويض الأول لم يصح لأن الذميَّ ليس من أهل الصلاة.
وكذلك لو أمر الأول مريضاً يومئ إيماءً أو أخرس أو أُمِّيَّاً أو صبياً فأمروا غيرهم لم يجز؛ لأن هؤلاء لا يصلحون إماماً للقوم، فلم يصح التفويض إليهم.
فإن كان التفويض إلى هؤلاء قبل الجمعة بأيام، فأسلم الذمي، وبرأ المريض والأخرس، وتعلم الأمي فصلى بهم الجمعة، أو أمروا غيرهم جاز؛ لأن التفويض ليس بلازم، وما ليس بلازم كان لبقائه حكم الابتداء، فصار كأنه فوض إليهم للحال، وهم في الحال أهل للصلاة.
وإن كان الإمام دخل في الصلاة ثم أحدث فقدم ذمياً فقدم الذمي غيره لا يجوز، فإن أسلم الذمي بعدما قدمه: إن خطب بهم وصلى الجمعة من الابتداء أو أمر غيره بأن يخطب ويصلي بهم الجمعة بعدما أسلم جاز، وإن بنى على تلك الصلاة لم يجز؛ لما قلنا من قبل».
«وإذا صلى الإمام ركعة من الجمعة، ثم أحدث فخرج من المسجد ولم يقدم أحداً فقدم الناس رجلاً قبل أن يخرج الإمام من المسجد جاز ضرورة إصلاح صلاتهم، فإن تكلم المقدَّم أو ضحك قهقهة فأمر غيره أن يُجَمِّع بهم لا يجوز؛ لأن الإمام لم يفوض إليه، لكن استحسنا أن يبني على صلاة الإمام ضرورة إصلاح صلاتهم، فإذا خرج عن صلاة الإمام لم يبق إماماً.
ولو اقتدى رجل بالإمام يوم الجمعة ونوى صلاة الإمام؛ إلا أنه حسب أنه يصلي الجمعة فإذا هو يصلي الظهر؛ جاز ظهره معه، وإن اقتدى به ونوى عند التكبير أن يصلي معه الجمعة فإذا هو
يصلي الظهر؛ لا يجزيه ظهره معه لأن في الوجه الأول نوى صلاة الإمام وحسب أنها جمعة؛ فصحت نية الصلاة معه وبطل الحسبان.
أما في الوجه الثاني نوى أن يصلي الجمعة، فإذا تبين أن الإمام يصلي الظهر؛ تبين أنه لم يصح الاقتداء». وقد كتبنا نحو هذا في الفصل الحادي عشر - ولله الحمد -.
في الأذان والوقت والخطبة:
(ن): «الأذان المعتبر يوم الجمعة هو الأذان عند الخطبة لا الأذان قبله؛ لأن ذلك لم يكن في زمن النبي ?. هذا قول الطحاوي، وذكر الحلواني والسرخسي - رحمهما الله -: أن الأصح أن الأذان المعتبر الذي يجب عنده السعي ويحرم البيع: هو الأذان الأول بعدما دخل الوقت، فينظر في باب أذان الأصل، وهكذا أجاب "أبو القاسم" في صلاة "النوازل"».
«رجل جالس على الغداء يوم الجمعة فسمع النداء؛ إن خاف أن تفوته الجمعة فليحضرها، بخلاف سائر الصلوات؛ لأن الجمعة تفوت عن الوقت أصلاً وسائر الصلوات لا، فصار وزان مسألتنا من سائر الصلوات إذا خاف ذهاب الوقت في سائر الصلوات، ولو خاف ترك الطعام ويصلي في وقتها ولا يحل التأخير وهناك يترك الطعام ويصلي في وقتها؛ كذا ههنا».
(ب): «المؤتم بإمام في الجمعة إذا نام ولم ينتبه حتى خرج الوقت؛ فصلاته فاسدة لأنه إذا أتم صار قاضياً، وقضاء الجمعة في غير وقتها لا يجوز، وإن انتبه بعدما فرغ الإمام والوقت قائم لم تفسد صلاته؛ لأنه صار مؤدياً الجمعة في الوقت، وهذا جائز».
وفي الصلاة «(ن): يستحب للقوم أن يتوجهوا إلى الإمام عند الخطبة؛ لما روي عن الزهري وعطاء - رحمهما الله ـ أنهما قالا: ((ثلاثمن السنة))، وعدَّا من جملة ذلك: الاستقبال يوم الجمعة؛ يعني عند الخطبة».
(ن): «النائي عن الخطيب يوم الجمعة إذا كان بحيث لا يسمع الخطبة؛ لا يقرأ القرآن، بل يسكت ـ هو المختار ـ؛ لأنه مأمور بالاستماع والإنصات مقصود، فلئن لم يقدر على الاستماع
قدر على الإنصات».
(ع): «رجل سلَّم على رجل والإمام يخطب؛ ردَّ عليه في نفسه ولا يجهر، وكذا إن عطس حمد الله في نفسه؛ لأن ردَّ السلام واجب، ويمكنه إقامة هذا الواجب على وجه لا يخل بالاستماع، هكذا قال أبو يوسف - رحمه الله» - والأصوب أنه لا يجيب؛ لأنه يُخِلُّ بالإنصات، وبه يفتى.
وسيأتي في كتاب الكراهية: أن من يمرُّ على القارئ لا ينبغي أن يسلم عليه، ولو سلَّم يجب على قارئ القرآن ردُّه.
(س): «رجل تذكر يوم الجمعة وهو في الخطبة أنه لم يُصلِّ الفجر؛ يقوم ويقضي الفجر ولا يستمع الخطبة؛ لقوله ـ عليه السلام ـ: ((من نام عن صلاة أو نسيها ... الحديث))، ولأنه لو سمع الخطبة وقضى الفجر بعدها لفاتت الجمعة».
(ع): «الإمام إذا خطب يوم الجمعة ثم رجع إلى منزله فتوضأ ثم جاء وصلى يجوز؛ لأن هذا من عمل الصلاة.
ولو تغدى أو جامع فاغتسل ثم جاء استقبل الخطبة؛ لأن هذا ليس من عمل الصلاة.
ولو خطب وهو جنب ثم ذهب فاغتسل ثم رجع فصلى أجزأه؛ لأنه من عمل الصلاة».
(ن): «إذا خطب الإمام يوم الجمعة قاعداً أو مضطجعاً أجزأه»؛ لأن الخطبة ليست بصلاة،
ولهذا لم يشترط فيها استقبال القبلة.
(ن): «وإذا خطب الإمام يوم الجمعة وفرغ منها، فذهب القوم كلهم وجاء قوم آخرون لم يشهدوا الخطبة فصلى بهم الجمعة أجزأهم؛ لأنه خطب والقوم حضور؛ فيتحقق الشرط، فتجوز الجمعة».
في المِصْر والقرى، ومن يجب عليه الجمعة ومن لا يجب، ومكان الجمعة والصف الأول:
«(و): ولا تجب الجمعة على أهل القرى وإن كان قريباً من المصر؛ لأن الجمعة إنما تجب على أهل الأمصار».
(ن): «القروي إذا دخل المصر يوم الجمعة: إن نوى أن يمكث ثَمّةَ يوم الجمعة لزمته الجمعة، وإن نوى أن يخرج من المصر في يومه ذلك قبل دخول وقت الصلاة أو بعد الدخول؛ فلا جمعة عليه لأن في الوجه الأول صار كواحد من أهل المصر في حق هذا اليوم، وفي الوجه الثاني لا، لكن مع هذا لو صلى مع الناس؛ فهو مأجور».
(ع): «الرجل إذا أراد السفر يوم الجمعة لا بأس به إذا خرج من العمران قبل خروج وقت الظهر؛ لأن الوجوب بآخر الوقت، وآخر الوقت هو مسافر؛ فلم تجب عليه صلاة الجمعة».
(و): «قوم لا يجب عليهم أن يحضروا الجمعة لبعد المواضع صلوا الظهر جماعة؛ لأنه لا يؤدي إلى تقليل الجماعة في الجمعة».
(ن): «إقامة الجمعة خارج المصر إذا كان في فناء المصر يجوز؛ فإنه ذكر أبو يوسف: أن إماماً لو خرج مع أهل المصر عن المصر مقدار ميل أو ميلين لحاجة لهم، فحضرته الصلاة؛ جاز له أن يصلي بهم الجمعة.
قال: لأن فناء المصر بمنزلة المصر، وهذا لأن فناء المصر أُلحق بالمصر فيما كان من حوائج أهل المصر، وأداء الجمعة من حوائجهم؛ فألحق بالمصر في حق أداء الجمعة، بخلاف المسافر إذا خرج عن عمران المصر حيث يقصر الصلاة؛ لأن قصر الصلاة ليس من حوائج أهل المصر، فلا يلحق الفناء بالمصر في حق هذا الحكم».
(ن): «الصلاة يوم الجمعة في الصف الأول أفضل، وتكلموا في الصف الأول؛ منهم من قال: خلف الإمام في المقصورة، ومنهم من قال: ما يلي المقصورة، وبه أخذ الفقيه أبو الليث؛ لأنه يمنع العامة عن الدخول في المقصورة، فلا يتطرق العامة إلى نيل فضيلة الصف الأول؛ فكان الصف الأول ما يلي المقصورة».
ولو كان الإمام في غير الجمعة بمسجد من مساجد الجامع، والمقتدي (بسراي) آخر. كتبناه في الجنس الثاني من فصل الإمام والجمعة، ومسألة رفع النعلين في الجمعة كتبناه في فصل من يصلي حاملاً للنجاسة، وهو الفصل الثالث من كتاب الصلاة.
(ب): «من مات يوم الجمعة يرجى له فضل»، وكذا من مات بمكة؛ لأن لبعض الأيام والبقاع فضلاً على البعض، ويرجى أن يكون لمن مات في وقت فاضل أو بقعة فاضلة فضل.
ومسائل صلاة العيد تفرقت؛ فبعضها في فصل صلاة المرأة، وبعضها في فصل الإمام في مسائل إدراك الإمام وفي مسائل تبين حال الإمام - والله أعلم بالصواب -.
الفصل الثامن عشر
في المسافر
وهو قسمان:
الأول: في معرفة المسافر والمقيم.
الثاني: في نية الإقامة والسفر داخل الصلاة.
(ن): «رجل خرج مسافراً من بخارى، فلما بلغ زبكستان كوت أو إلى رِباط وَلِيَان اختلف المشايخ فيه، والمختار أنه يقصر الصلاة؛ لأنه جاوز الربض، ومتى جاوز الربض فقد جاوز عمران البلدة».
(و): «الخليفة إذا سافر يصلي صلاة المسافرين؛ لأنه مسافر كغير الخليفة».
(ع): «الأعراب إذا نزلوا بخيامهم في موضع التمسوا فيه الرعي، ونوَوْا أن يقيموا خمسة عشر يوماً؛ فعن أبي يوسف روايتان: في رواية: لا يصيرون مقيمين، وفي رواية: يصيرون ـ وعليه الفتوى ـ؛ لاستحالة أن يكونوا مسافرين أبداً».
(س): «مسلم أسره العدو وأدخله دار الحرب ينظر: إن كان مسيرة العدو ثلاثة أيام يصلي صلاة المسافرين، وإن كان دون ذلك يصلي صلاة المقيمين؛ لأنه لما أسره صار تحت يده كالعبد يكون تحت يد مولاه، فإن كان لا يعلم بذلك يسأله عن ذلك، فإن سأله ولم يخبره؛ ينظر هو في الأصل الأول: إن كان مسافراً صلى صلاة المسافرين، وإن كان مقيماً صلى صلاة المقيمين؛ لأنه لم يعلم وجود المغيِّر».
«وكذلك العبد يخرج مع مولاه إلى موضع يسأله؛ فإن لم يخبره صلى صلاة المقيمين، فإن صلى أربعاً أربعاً ولم يقعد على رأس الركعتين، فلما سار أياماً أخبره مولاه أنه كان قصده مسيرة سفر حين خرج يعيد الصلوات؛ لأنه صار مسافراً من ذلك الوقت».
وفي صلاة (ن): «الأسير إذا كان في أيدي العدو يتيمم ويومئ إيماءً؛ لأنه عجز عن الأصل في الوضوء والصلاة جميعاً، فيصير إلى الخُلْف فيهما، وإذا خرج يجب عليه الإعادة؛ لأنه لم تظهر
طهارة التيمم في حق منع وجوب الإعادة، كالمحبوس في السجن إذا وجد التراب والمكان الطاهر ولا يجد الماء يتيمم ويصلي، فإذا خرج يعيد كذا ههنا».
وقد كتبت هذه في أول فصل التيمم بعد ثلاث مسائل.
(س): «مسافر دخل مصراً فأخذه غريمه وحبسه؛ فإن كان معسراً صلى صلاة المسافرين لأنه لم يعزم على الإقامة خمسة عشر يوماً، ولا يحل للطالب حبسه.
وإن كان موسراً ويعتقد أن لا يقضي دينه أبداً صلى صلاة المقيمين؛ لأن للطالب حبسَه، وإن كان موسراً ويعتقد أن لا يقضي دينه فإذا عزم أن لا يعطيه حقه أبداً؛ فقد عزم على الإقامة أبداً، وإن لم يعتقد ولم ينو أن لا يقضي دينه أبداً صلى صلاة المسافرين؛ لأنه عزم على الإقامة، لكن إلى مدة مجهولة.
فصار الوجه الثاني، وهو ما إذا كان موسراً ويعتقد أن لا يقضي دينه حجة في مسألة ابتلي بها العامة، وهي أن الحجاج إذا وصلوا بغداد في شهر رمضان ولم ينووا الإقامة صلوا صلاة المقيمين؛ لأنهم إذا عزموا أن لا يخرجوا إلا مع القافلة ويعلمون أن بين هذا الوقت وبين خروج القافلة خمسة عشر يوماً فصاعداً؛ فكأنهم نوَوْا الإقامة».
(ع): «صبي ونصراني خرجا إلى السفر مسيرة ثلاثة أيام، فلما سارا يومين أسلم النصراني، وبلغ الصبي؛ فإن النصراني يقصر الصلاة فيما بقي من سفره، والصبي يتم صلاته؛ لأن نية النصراني للسفر كانت صحيحة، فصار مسافراً من وقت خروجه، ونية الصبي كانت فاسدة؛ لأنه ليس من أهل النية».
«رجل صلى الظهر في منزله ثم سافر قبل خروج الوقت، فلما دخل وقت العصر صلى العصر ثم ترك السفر قبل غروب الشمس، وتبين أنه صلى العصر والظهر على غير وضوء؛ فإنه يصلي الظهر ركعتين والعصر أربعاً.
ولو صلى الظهر والعصر وهو مقيم، ثم سافر قبل أن تغيب الشمس، ثم تذكر أنه صلى الظهر والعصر على غير وضوء؛ فإنه يصلي الظهر أربعاً والعصر ركعتين؛ لأن الوجوب بآخر الوقت فيعتبر آخر الوقت».
الثاني: في نية الإقامة والسفر داخل الصلاة.
(س): «المسافر إذا صلى ركعتين وسلم وعليه سجود السهو، وقبل أن يعود إلى سجود السهو نوى الإقامة؛ صار خارجاً عن الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -؛ لأن التوقف إنما بقي ليمكنه أداء سجود السهو، ولو عاد إلى الصلاة لا يمكنه الأداء؛ لأنه يقع في وسط الصلاة».
(س): «مسافر أمَّ قوماً مسافرين، فجلس بهم قدر التشهد ثم قام ناسياً إلى الثالثة أو متعمداً، فجاء مسافر ودخل معه في تلك الحالة؛ فصلاة الداخل موقوفة: إن قعد الإمام وسلم ولم يمض في صلاته؛ فصلاة الداخل تامة لأن الإمام بعدُ في حرمة الصلاة، وإن نوى الإقامة وهو قائم في