الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الديات
مسائل كتاب الديات تبتني على معرفة أنواع الجنايات على الآدمى، وهي أنواع أربعة: الجناية على النفس وما دونه على نهج يوجب القصاص، أو نهج يوجب المال والأهم ما يأتى على النفس وهو القتل. وإنه أنواع أربعة في بابنا: العمد المحض، والخطأ المحض، وخطأ العمد، والقتل جزاء.
وتفسير العمد لغة: ما حصل من الفعل عن قصد صحيح من الفاعل إليه بعد علمه به والمحض: ما خلا عن شبهة الخطأ، وكذلك محض الحرام ما خلا عن شبهة الإباحة، والخطأ المحض: أن يقصد الفاعل شيئا، فيصيب غير ما تقرر في قصده، وكذلك خطأ الكلام وأما خطأ العمد: فأن يشتمل الفعل على الوصفين جميعا، فيكون عمدا من وجه خطأ من وجه على ما نذكره. وأما الجزاء في بابنا: فهو القتل قصاصا وجملة الشبه المانعة من وجوب القصاص أربعة: شبهة تثبت من حيث الآلة والقاتل. والمقتول وفعل القتل على ما نبينه من بعدوأحكام القتل في الجملة أربعة: القصاص، والدية، وحرمان الأرث والكفارة، فرهما تجتمع وربما تفترق، إلا القصاص والدية فإنهما لا يجتمعان بحال فنبدأ بالعمد، لأنه أهم، فنقول: للعمد تفسير لغة، وركن وشرط وحكم شريعة. أما تفسيره لغة: فما مر وأما الركن: فيأتي بيانه في مسائل الفعل وأما الشرط: فيأتي بيانه في مسائل الشبه. وأما الحكم: فتبدأ به، فصاحب الكتاب بدأ به، والله التوفيق.
مسألة:
قال علماؤنا: حكم العمد الذي فيه قود أن يجب القود عينا، ولا حق للولى في المال إلا عن صليح.
وقال الشافعي في قول: القصاص واجب عينا على أن للولى حق أخذ الدية إن شاء رضى القاتل أم كره. وقال في قول الواجب هو أحدهما وللولى خيار التعيين، واحتج بقول الله تعالى: {كتب عليكم القصاص} ... إلى قوله ... {فمن على له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} - فالله تعالى شرع القصاص عينا ابتدأ، ثم ألزم القاتل أداء المال السى الولى إذا عفا له لأن قوله " فمن " كلمة مبهمة وذكر البيان تغير حكم القصاص الواجب بقوله " عليكم " بعفو
الجزء 1 · صفحة 8
يقع له، فدل ضرورة أن كلمة - له منصرف إلى من عليه القصاص ليسقط به، وهي كناية عن الاسم المراد بقوله " فمن " فثبت ضرورة أن الثابت في اسم " من " القاتل الذي عليه القصاص، وأن العفو يقع له، والله تعالى علق بالعفو وجوب الاتباع والقبول والأداء، فإن قوله " فاتباع " على سبيل التعليق بالأول بمنزلة قوله: فاتبعوا، كقول الله تعالى: " فتحرير رقبة مؤمنة - في باب الكفارة. ثم بين أن هذا الحكم من الله تخفيف ورحمة، فإن الحياة لا عوض لها، وقد حي بعد الهلاك بالدية، وعلى له يحثى بمعنى على عنه.
قال النبي عليه السلام: " عفوت لكم صدقة الخيل" أي عفوت عنكم هذه الصدقة ولما ثبت أن العفو وقع للقاتل علم أن العافي هو الولى ضرورة، فما لأحد غيره حق في هذا الباب وقد دل على هذا التفسير قول النبي عليه السلام: " من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين، إن شاؤا قادوا وإن شاءوا أخذوا الدية ".
ولا يرده قوله عليه السلام: " العمد قود فإن فيه أن القود يجب عينا ونحن نقول به، ثم نثبت الخيار بالخبر الأول، كما أوجب الله تعالى القصاص عينا، ثم أثبت الخيار فى آخر الآية.
واحتج واحتج بق بقول الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله}.
أي إلى من يخلفه في حقوقه فدل على الوجوب حال العمد من طريق الأولى، لأن حق المقتول لما لم يسقط بخطأ القاتل، وعذره كان ثابتا حال عدم العذر من طريق الأولى.
فأما القياس فلأن الآدمى عين مضمون بالمال حال الخطأ فكذلك حال العمد قياسا على المال، وتأثيره أن ضمان المال حال الخطأ يجب للمتلف عليه حقا له جبرانا لما أتلف عليه، وحقه قائم حال العمد والخطأ على نمط واحد، إلا أنه حال العمد يلحقه حظر من قبل الله، وحجر من جهة الشرع قائم بهتکه وعصيانه ربه.
وكان القياس مانعا وجوب القصاص حقا للولى لأنه عقيمة زاجرة عن ارتكاب المعاصى، ومثل هذه العقوبات إنما شرع حقا لله تعالى في الأصل، كالحدود، لأنها تقابل الأفعال التي هي معاص شرعا، وتلك حرمات تثبت لله تعالى لا حق للعبادفيها، وإنما حقهم فيما جعل لهم بأن لا
الجزء 1 · صفحة 9
يتلف عليهم، ولا يتعرض فيها لهم. بعد الإفاتة إنما ينجبر بما يصير لهم فيكون قائما مقاممن فات، لا فيما لا يصير لهم.
ما العقوبات لا يحصل لهم شيء وإنما يقع بها زجر عن المعاصي التي بالا نزجار تتمة الحدود الشرعية، ألا ترى أن القصاص لا يجب في غير الآدمى من الحيوانات لهذا المعنى، إلا أن الشرع أوجب القصاص في قتل الآدمي حقا للولى تعظيما لأمر الدماء، بخلاف القياس زاجرا عن قتل المدوان ليكون سببا لحياة الناس، وشفاء الصدر الولى على الوجه الذي كان مطلها بحكم الطباع قبل الشرع، وكان مقصوداً للقاتل لما قتله عمدا، فلما كان إيجاب القصاص على سبيل الزيادة نظرا للولى لم يجب حتما عليه، ولكن على أن له الخيار بين الميل إلى الواجب الأصلى مين هذا وكان كما قلتم فيمن قطع يدا صحيحة، بيد القاطع شلاء أن المقطوعة يده بالخيار بين أن يستوفى القصاص، وبين أن يستوفي الدية، لأن بيد القاطع نقصانا عن مثل حقه فلم يلزمه فتخير. فكذلك فيما نحن فيه لما كان الواجب الأصلى هو الدية، على ما بينا، والقصاص وجب زيادة نظرا للولى ليشفى به صدره إن شاء لم يجب حتما بل على وجه له الخيار.
والذي دل عليه أن القاتل عمدا ارتكب جنايتين: جناية إتلاف النفس المضمونة لصاحبها على القاتل كما في الخطأ .. وجناية ارتكاب الحرام المحض حقا لله تعالى كما في الزنا لأن الله تعالى خلق الآدمى معصوما من القتل ابتداء لا يحل بحال شرعا إلا جزاء المعصية.
كما خلق الإناث معصومة عن الاستحلال بالوطء ابتداء إلا بعد فيصير القتل حراما محضا شرعا لحصولهفي غير محل الحل شرعا كالزنا وشرب الخمر ونحوهما، وهذه الأفعال المحرمة شرعا سبب الإيجاب العقمات وإتلاف حقوق الآدميين المتقومة سبب الإيجاب ضمان المال، إلا أن نفس الآدمي عصمت عن القتل ابتداء شرط حقا للآدمى ليبقى في نفسه ونفسه له، فوجبت المقومة المقابلة بهتك هذه الحرمة له أيضا، كما في حد القذف على أصلنا.
ولما وجبت له العقبة والضمان يجب له أيضا لم يمكن الجمع بينهما بسبب نفس واحدة حقا لصاحبها، فيجب له أكثر من الفائت فخير، فإنه صاحب الحق.
وهذا كما قلنا: إن المحرم إذا قتل صيدا في الحرم لم يضمن جزائين، وإن أتلف صيدا آمنا بالحرم مضمونا بالبدل، وأتلف وهومحرم فيكون نفس إتلاف حراما باحرامه على أصلكم موجب
الجزء 1 · صفحة 10
كفارة حقا للإحرام، لأن المستحق هو الله تعالى، فما للصيد استحقاق ولا للإحرام ولما رجعا إلى الله لم يجتمعا بسبب إتلاف صيد واحد.
وقال المسلمون أجمع: في دم بين جماعة عفا أحد هم تحول نصيب الآخرين مالاً وإن لم يرضى القاتل به، فلولا أن الدية كانت واجبة وإلا لما وجبت بعفو البعض من غير رضا القاتل، فإنه لا ولاية للمافي على القاتل كما لوكان القصاص له وعفا عن البعض ويدل عليه أن القاتل متى مات أو قتل فقد عجز الولى عن استيفاء حقه منه قصاصا، كما إذا عنا بعض الأولياء، فوجب أن يتحول حقه مالا كما يحول حق سائر الأولياء الذين لم يعفوا مالا، وإذا تحول مالا أخد من تركته وكذلك من عليه القصاص في الطرف إذا قطع طرفه بحق عليه ضمن الأرش لولى القصاص.
فكذلك إذا سقطت يده بآفة أو قطعت ظلما، لأنه في الحالين عجز عن القصاص بفوت المحل فلا يبطل أصلا بل أولى، لأنه إذا قطع ظلما ووجب الأرش فإن الفائت أخلف بدلا، وإذا قطع بحق فما أخلف شيئا ولأنكم في النفس تقولون لا حق للولى إذا قتل القاتل سواء قتل بظلم أو قتل بقصاص عليه غير هذا، أو بحد لزمه، فكذلك في الطرف إذا قطع طرفه ثم البدل يجب إذا قطع طرفه بحق عليه، علم أن الأرض كان واجبا من الأصل.
ولأنه لما طلب منه الدية، فقد قدر على إحياء نفسه بمثل بدلها، فيلزمه الإحياء يبذل المال قياسا على المضطر إذا وجد الطعام بمثل القيمة ولعلمائنا قول الله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فدل أنه لا جزاء سواه لأنه أضافه جزاء إلى القتل فيقتضى الكمال كما يقال: مال فلان كذا. والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ولأنه لو لم يذكر على سبيل الجزاء كقوله تعالى: " فدية مسلمة إلى أهله لا قتضى الكمال لأن الآية سيقت البنيان حكم أنواعالقتل فلا يحل السكوت عن بيان ما هو الواجب به. فكيف وقد ذكر الله تعالى بلفظ الجزاء، والجزاء بمنزلة العوض، فمن قال إن الدية معه واجبة، فقد زاد، وجعل المذكور بعض الواجب فيكون بمنزلة النسخ. فإن قيل: أليس القصاص واجبا؟ قلنا: نعم، بأية أخرى يجوز النسخ بمثلها فكذا جازت الزيادة فإن قيل: فآية الخطأ تدل على الوجوب في العمد من طريق الأولى نصاً قلنا: ولا كذلك، بل الخطأ يوجب القصر على حاله على ما تذكره وقال الله تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، ولم يذكر الدية، ولا أثبت له خيارا، فثبت أن حقه النفس لا غير، فإذا أراد أن
الجزء 1 · صفحة 11
يأخذ غير حقه جبرا لم يقدر عليه وكذلك قوله: " كتب عليكم القصاص فسى القتلى دليل على الوجوب عينا بلا خيار له فيه.
وكذلك قول النبي عليه السلام: " العمد قود أي حكمه قود "، فإنه عليه السلام بعث لبيان الأحكام دون اللغات، ولأن القود اسم للمقتل قصاصا فكأنه قال: العمد قصاص، فيكون لا محالة تفسيرا لموجبه لا لعينه فعين العمد لا يكون قصاصا، بل هو موجب له.
والقياس الفقهى يدل عليه، وهو أن القتل العمد أفات شيئا مضمونا فيجب ضمان مثله لا غيره ما أمكن قياسا على إتلاف المال وإفاتة حقوق الله تعالى من العبادات التي تضمن في الدنيا بالتفويت، فإن الضمان في الأصل يكون بمثلها، الصلاة بالصلاة والصوم بالصوم ما أمكن، والمال بالمال، نحو الزكاة والعشر وهذا لوجهين مؤثرين في الفقه.
أحد هما: ما سر في كتاب الغصب أن ضمان الفائت متى وجب بالتعدى لم يجب إلا مثلا بالكتاب والسنة والإجماع لأن الزيادة ظلم بالتعدى والبخس ظلم بالمتعدى عليه: ولأنه يجب ليقوم مقام الأول سادا مسده، فيجب مثله لا محاله ليصير كأنه هو والواجب في مسألتنا هذه ضمان الفائت من النفس المقتولة بدليل أن الواجب يجب حقا محضا لوارث الميت المقتول إليه استيفاؤه وعفوه والصلح عليه على ما يتراضون عليه، ويورث بعد الوجوب وأجزية الأفعال من المقومات لا تورث ولا يجوز الإعتياض عليها كالحدود ولأن كلامنا في الدية أوجبة بالعمد أم لا؟، فعندك هي واجبة وعندى لا تجب، ولا إشكال أن الدية تجب ضمانا للنفس الفائتة، لا جزاء على المعصية التي ارتكبها حتى وجب بالخطأ ولا معصية، والتعليل في الحقيقة بنغى ما ليس بمثل من الدية فالخلاف فيه لا في القصاص، فإنه واجب بالإجماع على أن التعليل عم الأمرين جميعا والقصاص
مثل الأول، والدية ليست بمثل فالدليل على أن الدية ليست بمثل: أن المقتول ليس بمال، فلا يكون المال مثلا له قياسا، لأن مثل الشئ قياسا ما يماثله صورة ومعنى أو أحد هما، ولا سائلة بين الآدمى والإبل والدراهم صورة ولا معنى، لأن معنى المال ما خلق المال له من إقامة مصالحنا به من حيث أنه مملوك مخلوق لنا نبتذ له فيما نحتاج إليه. ومعنى الآدمى ما خلق له من عبادة الله تعالى والخلافة في أرضه لإقامة حقوقه ولما يعلم الله تعالى. ولأن المال إنما يجعل مثلا لمال آخر يخالفه في الصورة بتساويهما بقدر المالية وإذا كان طريق السائلة في جنس المال عند اختلاف الصورة المائلة
الجزء 1 · صفحة 12
بقدر المالية لا غير، وهذا منسد إذا كان المتلف غير مال انسد باب المائلة فيما نحن فيه، فالصور مختلفة فيما نحن ولأن المثل معنى عبارة عن قيمة الشئ والقيمة عبارة عن قدر مالية الشئ باند را هم أوالد تاثير فإذا لم يكن الشئ مالا لم يكن له قيمة من الثمن، وكما قلنا في حقوق الله تعالى المضمونة: أن ماليس بمال منها نحوالصوم والصلاة لا يضمن بالمال ما أمكن بالمثل لهذا المعنى فثبت أن المال لا يكون مثلا لما ليس بمال في أصل المقايسة بطريق يمقل بالرأي وهذا باب لا شبهة فيه. والقصاص مثل فيما نحن فيه لأن المستحق نفس مثل الأول والفعل قتل مثل الأول، لأن الله تعالى سماء قصاصا، والقصاص في اللغة، عبارة عن المساواة، يقال: التقى الدينان قصاصا إذا تساويا من كل وجه، والغرض منهما متفق، لأن القتل ما يباشر في الوضع إلا للإتلاف تشفيا من المقتول ما يحصل به إلا التلف ولا يستفيد المتلف إلا شفاء صدر منه، والثاني مثل الأول فيه ومن حيث الحقيقة الأول أنات حياة، والمقصود بالقتل إفاتة الحياة لا أخذ الجثة فإنها جيفة لا يبالي بها القاتل، فيكون المثل القائم مقامه أخذ نفس وإتلاف حياة يحصل به حياة للولى القائم مقام القتيل وذلك في القصاص قال الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة}.
وإذا كان الفائت الأول حياة وجب أن يكون المثل ما ينجبر به الفائت من الحياة لا المال، فالحقوق المضمونة بالإفاتة مضمونه بما يقوم مقامها، ويسد مسدها، وإنما يقوم مقام الحياة حياة لا مال، فكل الدنيا لا تساوى بحياة ساعة والله تعالى نص على أن في القصاص حياة لنا فنعقد الإفادة عقلنا أو لم نعقل على أنه معقول، فإن القاتل عمدا يصير حربا على أولياء العتمل خوفا على نفسه، وقد يستعين عليهم بغيره على ما عليه عادات المتغلبة والقصاص يؤمنهم عن شره فيحيون بدفع سبب الهلاك عن أنفسهم وكذلك غيره يعتبر به فينزجر عن القتل فيكون أحيا مثله؛ لأن إحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه.
قال الله تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} فثبت أن القصاص مثل الأول فعلا، ومأخوذا بالفعل، وغرضا، وفيه جبر للغائت من الحياة بقدر الممكن لكن للموارث لا للميت كالمال يجب للموارث في الحقيقة لا منفعة للميت فيه إذا لم يكن عليه حق يقضى منه فيقوم الوارث مقامه فيما يعود عليهم من فائدة الحياة المتلفة بالموت، ولا مماثلة في المال بوجه فثبت أن الواجب الأصلى هو القصاص لا المال، وكان ينبغى أن لا يجب المال حال الخطأ لأنه نهاية في باب المقومات المعجلة في الدنيا فلا يجب إلا عن ارتكاب معصية ولا معصية مع الخطأ، فإن الله تعالى وضعه عنا
الجزء 1 · صفحة 13
رحمة، فلم يمكن المؤاخذة بما هو عقية رحمة على المخطئ ونظرا له ولما امتنع حقا للقاتل وأمر الدم عظيم خطره، لم يهدره الشرع بحق مراعاة للمخطئ بعذره، فنقل إلى المال نظرا للقتيل، فأوجب المال إحياء لحقه بما لم يعقل مثلا للعجز عن الإحياء بالمثل، فصار معد ولا به عن القياس بعذر فلم يجز قياس حال الإمكان وزوال العذر عليه كما في حقوق الله تعالى تجب الغدية عند اليأس عن المثل وتحقق العذر ولم يجز قياس حال الإمكان عليه، وكذلك جميع الأبدال عن الأصول لعذر العجز لا تثبت حال القدرة على الأصل بخلاف إتلاف الأموال لأن الواجب حال العمد ليس بمقوية بل عوض عن الفائت محض، فأمكن إيجابه على الخطأ ولما أمكن بالمثل لم يصر إلى غيره وساوى حال الخطأ حال العمد وإنما يفارق حال الإمكان بالمثل غير حال الإمكان. ألا ترى أن من أتلف على آخر مالا له مثل من جنسه فلم يضمن حتى انقطع المثل ضمن القيمة، ولا يجوز إيجابها جبرا حال القدرة قياسا ولهذا قلنا: إن شاهدين لو شهدا على رجل بالعفو عن القصاص ثم رجعا بعد القضاء لم يضمنا الدية، لأن المتلف ليس بمال فلا يضمن بالمال ولم يجز القياس على قتل الخطأ لأنه ورد بخلاف القياس صيانة للدماء، وما في هذه الشهادة إراقة دم ليصان بالضمان عند تعذر القصاص وكذلك إذا صالح بدار عن القصاص عليه لم يجب فيها شفعة لأن الشفعة إنما تجب بمثل بدل الدار، والبدل هو القصاص وماله مثل من المال على ما مر.
ولهذه المسائل نظائر ذكرناها في كتاب النكاح في أن ماليس بمال لا يضمن بالمال ضمان الإتلاف، ولا ضمان يجب شرعا إلا بشرط المثلية، ولا يلزم عليه إذا قطع يدا صحيحه، ويد القاطع شلاء لأنه ظفر بمثل حقه ناقصا، لأن المقصود بالقطع إبانة الطرف لا إتلاف الحياة، فلابد من مساواة الطرفين على ما نبينه في موضعه بعد هذا والشلاء لا تساوى الصحيحة، بل هي أنقص، فكان الصاحب الحق أن لا يرضى بالناقص، فيصير من عليه الحق عاجزا عن إيفائه حقه بعذر فيه مع قيامه القيام محله فلا يهدر حق الآخر حقه، بل وجب النقل إلى المال، كما إذا امتنع الوجوب الشبهة فالسقوط في الحالين لعذر في القاطع ونظيره من الأموال من استهلك على آخر مالا له مثل، فأتى بالمثل، وفيه نقصان، ولم يجد مثلا آخر لانقطاعه فصاحبه بالخيار إن شاء أخذهوإن شاء ضمنه مثله قيمة ولا يلزم عليه الحدود، فإنها تجب زواجر لا أمثالا، لأنالمماثلة إنما تجب فيما تجب قائما مقام الفائت ليسد مسده والحدود تجب زواجر وتنكيلا على العاصي فتجب بقدر ما فيه من
الجزء 1 · صفحة 14
مصلحة الزجر وذلك أمر شرعى لا يعقل بالقياس والذي يوضحه أن الضمان في الأصل إنما يجب صيانة لحق المتلف عليه حتى يحيى بالجبر.
ولما تعذر في الدم صيانته بالجبر، لأنه غير مقصود بالمال فإنه لا يعود إليه بالمال من منفعة حياته شئ صين بالعقمية الزاجرةعن القتل نيحيى، بأن يتفكر القاتل في عاقبة أمره فلا يرتكبها كحقوق الله تعالى لما تذر جبرها بالمال حقا لله صين بالعقمات حتى لا يهتك حقوق الله تعالى فعلمت أن مالا يمكن صيانته بالجبر يصان بالزجر قياسا، ثم لما تعذرت الصيانة بالعقمة حال الخطأ صين بضمان المال الذي هو دونه وليس بمثل له صيانة من الهدر.
فأما الجواب عن الأول أنها في تأويل عبد الله بن عباس وردت التجويز الصلح عن دم العمد بالدية تخفيفا لهذه الأمة إلا أن الله تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتا لا محالة فمن تيقن بقتله، بذل دونه كل الدنيا لو ملك، إلا من سفه نفسه فإنها لا تبقى له إذا قتل، فيغوته الأمران جميعا، وفي البذل إحياء لنفسه وهذا كما قال النبي عليه السلام لرب السلم: - لا تأخذ إلا سلمك أورأس مالك ولا يمكنه أخذ رأس المال إلا برضا المسلم إليه، ولكن في الأغلب يكون رضاه ثابتا، لأنه ما باع إلا بأقل الثمنين، ويكون طالبا للإقالة ليزول عنه عينه، وعلى هذا تأويل الحديث وإن شاؤا أخذوا الدية أي إذا رضى القاتل ولكنه لم يذكر لوجوده عادة.
وعن عمر وعلى وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم أنهم حطوا الآية على الدم بين جماعة على أحدهم عن نصيبه، وقد دل عليه قوله: " شئ " على التنكير، فإن الله تعالى أوجب القصاص ابتداء ثم قال: " فمن عفى له من أخيه شيء " على سبيل التنكير، فينصرف إلى شيء من الواجب عليه أي شئ من القصاص فإن قيل تأويله: " فمن على له من أخيه شئ " من العفو بعفوالقصاص دون البذل.
قلنا: لما كان شئ " نكرة من الجملة وجب صرفها إلى الجملة المذكورة سابقة وهى القصاص دون العفو الذي لم يذكر كم يجب في الكتابة والتعريف والجواب عن المقايسات أنها ساقطة لأنها قياس نص على نص وقياس الإيجاب زيادة على النص، وقياس غير حال العذر على الواجب بعذر.
الجزء 1 · صفحة 15
ثم الجواب، لو خرجت مخرج القبول فمن الأول، أنا لا تسلم أنه مضمون بالمال حال الخطأ على معنى أنه مثله ليمكن القياس عليه على معنى أنه مثل، ولكن الشرع أوجبه إظهارا لحرمة الدم حال تعذر إيجاب الضمان بالمثل، والمقية الزاجرة لثلا يهدر دمه، إلا أن هذه الحالة اتفق حال الخطأ لما ذكرنا أن القصاص عقوبة، ولا يمكن الإيجاب معها. وقد يتفق حالة أخرى، الأب يقتل ولده عمدا فيجب المال وهو عند محض على ما نبين في موضعه، لأن الولد لا يستحق قتل أبيه شرعا بحال، فلما تعذر إيجاب القتل بحق الأبوة. وكذلك المولى يقتل عبده عمدا وجب المال، ولما ذكرنا في غير الآدمى أن غير المثل إنما يجب عند تعذر المثل من الأموال، وحقوق الله التي تضمن بالأمثال، فثبت أن الوصف غير مسلم ثم إنا نقول بموجبه، فإن العمد والخطأ سواء في أنه موجب للمال حال تعذر إيجاب القصاص كما قلنا في الأب يقتل ولده، والمولى عبده، ولأنا لما بينا أن الضمان بمثل الأول، والمال ليس بمثل ووجب شرعا حسال عدم الأول، علم أنه بدل عن المثل علق بعدمه فلا يجب معده كالغدية عن الصوم وسائر الأبدال عن الأموال، وهي طريقة حسنة. وعن قوله: أن القصاص ما كان يجب قياسا إن سلمنا لهم هذا فلا يضرنا، لأنا نتكلم بعد ما وجب القصاص والدية شرعا في أن أي الواجبين أقرب إلى مماثلة الأول من حيث الرأى، فوجدنا القصاص سائلا دون المال من الوجه الذي مر فعلمنا أنه الأصل، والآخر صير إليه للعذر كما ظهر مثله في حقوق الله تعالى.
ولما ذكرنا أن القصاص يجب عقوبة زاجرة عن فعل التعدى جزاء للفعل وأنه مثل الأول قتل بقتل أي إتلاف حياة مثل الأول وهذا بخلاف إتلاف سائر الحيوانات لما أن الغرض من أخذ سائر الحيوانات أعيانها لينتفع بها حيا وميتا لا تفويتها، فلا يكون مجرد التغويت مثلا للأول، وفيما نحن لا نقصد إلا التفويت على ما مر فيكون التغويت مثلا له. ولأن إتلاف سائر الحيوانات لا يكون معصية محضة لأنها خلقت للإتلاف بطريقه، وإنما يحرم حقا لمالكها أو لعدم الطريقة، فلا تجب المقمة المحضة بإتلافهابإزائها، وإنما يجب البدل القائم مقام الفائت بلا عقوبة كالقتل خطأ، فأما القتل العمد فمعصية محضة على ما بينا فصلح أن يجب به عقوبة محضة أيضا أصلا واجبا وعن الثاني أن القصاص الواجب صلح جزاء عن القتل الذي هو جناية وعن المقتول جميما فلم يجب جزاء آخر معه شرعا في حال العذر، والدليل عليه أن القتل نفسه ينتهى إليه عقوبات الدنيا فصلح جزاء عن التعدى زاجرا، ومعنى الزجر تعلق به الحياة على ما مر ومن حيث الفائت بالقتل
الجزء 1 · صفحة 16
فالحاصل للمولى من شفاء الصدر مثل ما كان للأول. صلح عوضا بالأعواض شرع بقدر الإمكان، فالتعدى إذا كان في محل هو لتحصيل المأخوذ في الوضع للأخذ كان عوضه مثله مما يحصل للمأخوذ منه، وإذا كان في محل لا يطلب من أخذه إلا التفويت انتقاما وتشفيا كان مثله بمنزلته، فكلاهما مقصود ان وضعا، وشرعا للعباد، فالله تعالى أخبر أنه نصر المؤمنين شفاء لصد ورهم وكبتا لأعدائهم، ولولا أن القصاص صلح عوضا عن المقتول والا لكان محقا بالحدود تكون إقامتها إلى الأئمة، ولا يجوز الإعتياض عنها بحال، لأن الحق كله أو المعظم فيما يقابل الأفعال المحرمة زواجر محضة لله تعالى لأن حمل الفعل وحرمته من حقوق الشرع في الأصل وإنما حقوق العباد فيما جعل ملكا لهم وفي أعواضها.
وكذلك الله تعالى يقول: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس - على سبيل المعاوضة، فثبت أن القصاص مثل جامع للأول لما هو تعد وللنفس المضمونة، ألا ترى أن الولى استحق بها نفس القاتل، ثم يستوفى بالقصاص ما استحقه، فكان المستحق قبل الاستيفاء مثلا للأول لا محالة وتبين أن معنى العقوة في هذا الباب في مقابلة جزاء التعدى تبع المعنى العوضية حتى خلص حقا للعبد يملك استيفاءه واسقاطه والإعتياض عليه ولو كان المعنى الذي قال معتبرا لوجبت العقمة لله تعالى والمال للولى كسا لو قتل المحرم صيدا مملوكا أو في الحرم صيدا مملوكا، وكما تجب الكفارة مع الدية، والجواب عن فصل الموت أنا ذكرنا أن الدية ما وجبت إلا خلفا عن القصاص شرعا بخلاف القياس بعذر فلا يجب في غير تلك الحالة وتلك حالة الخطأ، والعذر فيه تعذر وجوب القصاص لحق القاتل، فالخطأ عذر يعتبر حقا له. فلم يهدر الشرع بحقه حق المقتول أصلا وأوجبنا كذلك على الأب يقتل ولده، لأن القصاص امتنع وجوده لحق الأبوة، فلم يهدر دم المقتول. وكذلك الدم بين جماعة عنا بعضهم لأن الامتناع كان لحق القاتل بأن حتى بعض نفسه بالمغو فسلم له ما كان يتلف بالقصاص فلم يهدر حق المقتول بقدر مالم يعف عنه، ونقل الحق إلى المال حتى يكون نظرا له كما نظر للقاتل.
فأما إذا مات القاتل أو قتل فالعجز جاء من قبل فوت محل الاستيفاء لا لحق وجب إحياؤه حقا للقاتل، فلا حق له في الحياة بعد الموت. وكذلك إذا سقط اليد لآكلة أو قطع ظلما، فالامتناع لم
الجزء 1 · صفحة 17
يكن لحقه في اليد بل لعجز الولى بفوت المحل فلم يوجد ذلك القدر المقوم بالمال فلم يجب به بخلاف ما إذا قضى بالطرف حقا عليه، فإنه يضمن الأرش لأن اليد سلمت له في المعنى لما قضى به حقا كان عليه فجاء التعذر لحقه في الحقيقة وكذلك إذا كان بيد، نقصان، لأن صاحبه إذا لم يرضى بالنقصان تعذر إيجاب القصاص وأشبه جرحا لا يدرى قدره وأنه موجب للمال وكذلك الرجل يقتل ولده عمدا، فأما النفس فلا يجب فيها دية قتل بحق أو ظلما، لأن أنواع القتل وأعداده إذا اجتمعت عليه فالقتل الواحد ينوب عن الكل فلا يصير باستيفاء نوع منها قاضيا ما عليه لحق الغير، فإن الآخر لو استوفى معه لكان كل حق مستوفى كملا فصار الفوات على من لم يستوف بتركه حتى قتل لا لقضائه حقه بحق من لم يقتله مسببه ضمن الأرش في الطرف، فإذا عدم في النفس لسم يضمن وقولهم: اليد إذا فاتت وأخلفت بدلا ينتقل إليه فليس بشئ لأن البدل مال وأنه شرع بدلا على حال العذر فلا يصلح بدلا للأول الذي وجب له الحق بغير عذر، وصار في حق الأول كأنه لم يخلف بدلا. وعن الأخير أن إحياء النفس إنما يجب إذا لم يكن القتل بحق فأما إذا كان بحق فحلال تسليم النفس له ليكون ظهرة كما في باب الزاني يقر فيرجم كان أولى من أن يستر ويتوب، وإن أسره الشرع بالستر ولانا نقول بسبب إحياء النفس لا يلزمه المال مالم يلتزم كما في المضطر إلى طعام، و الذي يدل عليه ـ وهو الطريق في مسألة القطع في السرقة، القطع والضمان لا يجتمعان، وفي الزنا الحد والمقر لا يجتمعان، وفي قتل العمد الكفارة والقصاص لا يجتمعان ما ذكرنا أن القصاص جزاء الفعل، وأنه عقوبة محضة بدلالة السقوط بالشبهات فلا يجب إلا جزاء عن فعل حرام في نفسه لا لغيره، كحد الزنا وشرب الخمر، لأن الحرام بغيره حلال في نفسه كشرب عصير الغيرووطئ اسرأة نفسه وهي حائض، فلا يجب بإزاءه المقمة المحضة. ثم قتل الآدمى حرم في الأصل لاحترام ثبت له، وذلك الإحترام ثبت لحق الآدمى في نفسه فإنه جعل له كماله وحق الله في نفسه من حيث الاستعباد حتى إذا كان القتل خطأ ثبت ضمانان لله تعالي و للعبد، والقتل عمدا إنما يحرم ويوجب القصاص بما لله وللعبد من الحقين في محل القتل لا بسبب آخر بدلالة أن الحقين متى زالا ببغى أوردة أو زنا لم يجب القصاص، ولما صار الحقان جميعا معتبرين في حق القتل العمد حتى حرم في نفسه لم يبق معتبرا مع المحل لله والعبد لأن الواحدإذا صار معتبرا في موضع لا يبقى في آخر ضرورة.
الجزء 1 · صفحة 18
وقد شرحناه في مسألة القطع والضمان، وإذا كان كذلك صار المحل و لا حرمة له، ولا حق بمنزلة حتى لا حق له كالبهيمة والمرتد، ولا يجب بقتله كفارة ولا دية وصار القتل وهو حرام في نفسه بالحقين جميعا كشرب الخمر الحرام في نفسه لنفسه من غير حرمة للمحل فوجبت العقوبة المحضة، وعلامة تمحضها السقوط بالشبهات كالحدود، ولم تجب الكفارة بحرام على هذا الوجه لأن الكفارة قط لا تتمحض عقمة فإنها تجب مع الشبهات وكذلك القطيع بالسرقة عقيمة محفة تقابل فعل السرقة، فعلم أنه حرام في نفسه، وما حرم إلا بحرمة محل السرقة من المال المحترم لمالكه، فلما حرم الفعل في نفسه بتلك الحرمة علم أنها لم تبق مع المحل لمالك المحل فصار بمنزلة مال لا حرمة له نحو الخمر.
وكذلك الزنا لما أوجب المقهة المحضة بإزاء الفعل، والفعل حرم بالحرمة التي اعتبرت للمرأة في المحل حتى كان مضمونا لها بالعقرفلما اعتبرت في حق العمل لم يبق في المحل للمرأة فصار كمحل لا حرمة له من بضع بهيمة أو ميتة.
مسألة:
وحكم العمد الذي يوجب المال أن لا يوجب القصاص وذلك فى الأب والأجنبي، والمولى والأجنبي أو الصبى والبالغ إذا قتلا عمدا لم يجب القصاص على أحد عندنا، ووجب دية واحدة
وقال الشافعي: يجب له القصاص على الأجنبي ونصف الديمةعلى الآخر. وقال في قول: قتل الصبي مع البالغ بمنزلة قتل الخطأ، وفي قول: بمنزلة قتل الأب مع الأجنبي؛ لأن القتل مضمون بعمد محض، فيكون موجبا للقصاص قياسا على ما إذا كانا أجنبيين بالفين، أو نقول القتل عمد محض من القاتلين، فيلزم كل واحد منهما من ضمان القصاص ما لو انفرد به قياسا على مارد كرنا ومعنى قولنا: عمد محض أن القاتل قصد القتل بآلته ما قصد غيره، فأخطأ بالقتل، وهذا لأن الشرع جمل ضمان القتل خطأ الديةوضمان القتل العمد قصاصا على ما قال النبي عليه السلام: العمد قود "فعلق القصاص بالعمد، والمال على التعيين بالخطأ إلا أن شبهة الخطأ عمل عمله في إسقاط القصاص، لأنه باب يدرأ بالشبهات.
وحد العمد لغة: الفعل عن علم بما يفعل، وحد الخطأ: أن يخلط فيما قصد فيصيب غيره، والأب عمد على هذا التفسير، وكذلك المولى وللصبى كما كان لغيرهم والدليل على العمد من
الجزء 1 · صفحة 19
طريق الحكم أنكم تعلقون وجوب الكفارة بالخطأ ولا توجبونها بالعمد ولا كفارة على هؤلاء وكذلك تجب الدية مخلطة في ماله، ودية الخطأ تجب على العاقلة فثبت أنهم عامدون ولا يلزم على المبارة الأولى أن لا يقتل الأب والصبى والمولى، لأنا علنا لبيان ضمان وجوب العمد أنه قصاص إذا وقع مضمونا، والقتل وقع موجبا للقصاص على القاتلين جميعا إلا أنه تحول مالا في جانب الأب لمعنى فيه مانع من وجوب القصاص عليه لا بنه. ألا ترى أن القصاص متى وجب على رجل ثم مات الولى فورثه ابن القاتل سقط وكذلك المولى لأنه يجب له لو وجب عليه وأن حرمة المالكيةفوق حرمة الأبوة وكذلك الصبا مانع لوجوب العقمة عليه رأسا، وأن لا تعمل العلمة عملها المانع لم يدل على أنه لم ينعقد موجبا لحكمه.
وأما العبارة الثانية فجعلنا القاتلين كل واحد منهما في حق القصاص كما لو انفرد، والأجنبي لو انفرد لزمه القصاص، وكذلك الآن، وهذا المعنى مؤثر وهو أن القصاص لما وجب على القاتلين إذا كانا أجنبيين على كل واحد منهما كملا لم يدل سقوط أحد هما لمعنى في القاتل دون الفعل على سقوط الآخر لأنهما ممتازان بقاء واستيفاء ولا يلزم إذا كان أحد القاتلين مخطئا، لأن القتل خطأ لم يشرع موجبالضمان القصاص، والقتل حصل بالضربين جميعا، وأنه مما لا يقبل التجزى حصولا بسببه، فإذا تمكن في نفسه ما يمنع القصاص وما يوجبه ترجح جانب السقوط على الثبوت لأنه ما يدراً بالشبهات. ولا معنى لقولكم بأن الصبى لا يأتم كالمخطئ. لأن القصاص ضمان هتك محل محترم مضمون فلا يبتني ضمانه على الإثم كاتلاف المال ويل على سبب صحيح في محلمه، والمحل موجود، والسبب هو القتل العمد، وقد وجد منهم جميعا على ما مر.
إنما الصبي يفارق البالغ في ضمان القول وفي التزام العقمة بالأفعال، لأن الله تعالى درأها عنه فأما ضمان المال المتعلق بالفعل فالكل سواء، ولهذا تلزم الصبي كفارة القتل لأنها تعلقت باتلاف محل محترم، وقد تحقق من الصبى، والواجب مال وهو من أهل ضمان المال له.
ووجه آخر أن تفسير العمد المحض أنه قتل حرام بلا شبهة إباحة، وإن قتل الرجل ولده أشد حرمة من قتل الأجنبي لما فيه من زيادة قطيعة الرحم وكذلك قتل الرجل عبده. لأن النبي عليه السلام وصانا بالإحسان إلى ما ملكت أيماننا، وهذا لأن القصاص نهاية في العقوبة، فلا يجب إلا بما هو نهاية في المعصية، وهواسم لفعل محرم شرعا فيكون المحض ما يخلو عن شبهة الإباحة. ولا يلزم إذا كان أحدهما خطأ لأن الله تعالى استثنى الخطأ من التحريم، فعلم أنه مباح في حق
الجزء 1 · صفحة 20
الفاعل ولهذا لا يأثم وفعل الصبى على هذا الوجه بمنزلة فعل المخطئ فلا يجب القصاص على شريك الصبي. ولا يقال بأن في قتل المولى عبده شبهة الإباحة لأن الملك يبيح تناول المملوك في الجملة، فيوجب الشبهة حيث لا يبيح كمن وطئ أمته وهي أخته من الرضاعة فإنه لا يحد للشبهة، هذا باطل لأن القتل فعل لم تبن إباحته على الملك في الشرع لأن قتل الآدمى لا يباح بحق الملك ابتداء، ولا يباح إلا عقوبة جزاء على معصية ولما لم يبن إباحته على الملك لا يوجب قيامه شبهة إلا باحة كشرب الخمر لما لم يبن إباحته على الملك فإنه يباح شربه قبل التخمر. من غير ملكة الإباحة المالك، وعند الضرورة في الخمر وغيره ولا ملك، ولا يباح إذا تخمر مع قيام الملك، لأنه حرام، والإباحة تثبت على اتصاف المين بالحل دون الملك، فقيام الملك لم يوجب شبهة. فأما الوطن فحله بنى على الملك دون اتصاف العين بالحل، فقيام الملك أوجب الشبهة وإن لم يبح، وإذا ثبت أن الملك لا يوجب شبهة الإباحة وإن تحقق لم يثبت للأب شبهة الإباحة بعلة أنه جعل كالمالك والولد عبده. ولا يقال أيضا بأن المولى أتلف ما هو له فلا ينعقد له موجبا للضمان عليه كما إذا أتلف ماله بوجه لا يحل له، لأن المضمون هو الدم والدم غير مملوك للمولى على ما عرف في موضعه. وكان ينبغي أن يلزمه القصاص إلا أنه لو وجب للعبد الصار للمولى لأن ما للعبد المولاء، فسقط كمن ورث قصاصا وجب عليه لغيره، فإنه يسقط، ولأن حرمته فيق حرمة الأب على ما مر.
ولنا: أن القتل تم موجبا للدية فلا يوجب القصاص كما إذا كان أحد هما مخطئا، وإنما قلنا تم موجبا للدية لأن الواجب على الصبي والأب ضمان الدية وكذلك على المولى إلا أنه سقط لأن ما يجب للعبد يصير لمولاه حتى إذا كان المقتول مكاتبا وترك وفاء ضمن المولى نصف قيمته، أو كان على العبد دين، لأن الضمان في هذه الحالة لا يصير لمولاه. أو نقول: تم القتل غير موجب للقصاص على أحد هما فكذلك على الآخر، دليله ما ذكرنا والدليل عليه أن ضمان الدية أو عدم القصاص حكم أصلى لهذا القتل لا إن انعقد القتل موجبا للقصاص عليهما ثم سقط إلى مال بعارض، أو بمانع مقارن على ما قاله الخصم إن القتل سبب ضمان على المقاتل للمقتول، وسبب الحكم المضاف إلى محل الشخص على شخص لا ينعقد موجبا لحكمه إلا إذا كان المحل صالحا له ووجد من هو أهل للإيجاب له لمن هو أهل للوجوب له ويلغو السبب مستى لم تتم هذه الشروط الثلاثة. ألا ترى أن الإتلاف كما لا يوجب الضمان إذا حل بخمر أو ميتة لأن المحل غير صالح فكذا لا ينعقد موجبا للضمان إذا كان الإتلاف من بهيمة، أو وقع الإتلاف على حربي في دار
الجزء 1 · صفحة 21
الحرب. وكذلك البيع كما يلغو في الحر لأنه محل غير صالح لسه يلغو من المجنون لأنه ليس بأهل له، وإذا ثبت هذا قلنا: أما إذا كان أحد القاتلين صبيا ففعله لا يصلح علة لإيجاب العقمة، لأنها تبتنى على المعصية شرعا على ما مر وفعل الصبي لا يوصف به ولهذا لا يلزمه الكفارة لأنها جزاء فعل محظور شرعا من وجه، ولا يوصف به فعل الصبى إذا كان من جملة ما يحتمل النسخ والتبديل فكان فعل الصبي أشد إباحة من فعل المخطئ، وكان هذا منا تعليلا للخطأ بالإباحة وتعدية إلى فعل الصبي من طريق الأولى وأما الأب ففعله محظور محض على ما قرره الخصم، ولكن القصاص يجب للمقتول ثم يورث عنه، أو يجب للولي ابتداء لقيامه مقام القتيل لا على طريق الاستبداد بنفسه، والولد ليس بأهل لاستحقاق القتل على أبيه شرعا.
ألا ترى أنه لا يحل له قتله بكفره ولا ردته ولا زناه وإن صار الأب مباح الدم في نفسه، وإذا لم يكن أهلا الاستحقاق القتل لم ينعقد السبب موجبا له كما لا ينعقد إذا كان المحل صباحا أو الفعل مباحا أو فيه شبهة الإباحة، وإذا لم ينعقد موجبا له فكذا لمن يقوم مقامه على سبيل الخلافة لأنه خليفته. وكذلك العبد ليس بأهل لاستحقاق العقوبة على مولاه لأن الولد لم يكن أهلا، لأنه بمنزلة عبده وكسبه، وهذا عبده على الحقيقة. وكذلك القتل إذا أوجب قصاصا ثم ورثه ولده يسقط، فإذا قارن المسقط سبب الوجوب منع الوجوب.
وكذلك الصبي على هذا الطريق ليس بأهل لوجوب المقية عليه فلا ينعقد السبب موجبا عليه وهو غير أهل لها فثبت أن القتل نفسه انعقد موجبا لضمان الدية، فلم يجز أن يوجب القصاص لأن القتل في حق المقتول واحد وأنه لا يقبل التجزى، فإذا كان بعضه غير موجب للقصاص بأي سبب كان صار الكل غير موجب كما قاله الخصم في المخطئ والعامد. مطل فرقهم بأن الخطأ صفة راجعة إلى القتل نفسه والأبوة والمالكية راجعة إلى القاتل والقاتل يتجزى عن القاتل بما عليه والقتل لا يتجزى لأن هذه الصفة وإن كانت في القاتل أوجبت تغير حكم القتل كما لو كان في القتل نفسه على أن الخطأ ضربان: أحد هما: يرجع إلى الفعل: بأن يرمي صيدا فيخطئه الرمي ويصيب إنسانا لم يرده الرامي برميه والآخر: إلى الرامي: بأن يرى سواداً فيظن أنه صيد فيرميه فإذا هو إنسان فقتله فهذا الخطأ لم يقع في الفعل لأنه أصاب ما قصده برميه ولم يخطه، ولكن وقع الخطأ في اجتهاد الرامي ومثل هذا المخطئ إذا اجتمع إلى عامد لم يجب القصاص على العامد وإنما يوصف هذا القتل بالخطأ مجازاً، لأنه حصل بخطأ القاتل في اجتهاده فكان الخطأ بسببه.
الجزء 1 · صفحة 22
والعرب تسمى الشئ باسم سببه، فإذا عرفت هذا بطل بناؤهم ضمان القصاص على العمد بالحد الذي قاله بدياً من غير اتصاف بالحظر شرعا، ومن غير أن يكون من يجب له أهلا لاستحقاقه، وكذلك من يجب عليه. وبطل اعتبار الجمع بالانفراد لأنا نقول به وحال الانفراد لا يجسب القصاص إذا اتصف القتل بأنه موجب وغير موجب. ا و تقول العمد المحض لا يوجب قصاصا ودية قياسا على حال الانفراد، وهذا أولى لأن كل واحد منهما حكم متعلق بقتل غير القتل الآخر فلم يجز الإجتماع بقتل واحد.
مسألة:
رجل قتل عشرة عمدا قتل بهم، ولا يجب شئ من المال. وقال الشافعي: إنه يقتل بهم ويغرم تسع ديات في تركته.
مسألة:
رجلان قطعا يمين رجل كان عليهما الأرش. وقال الشافعي: يقطع يمينا هما به. إن قطعا جملة بضربة واحدة، يجب وإن قطع أحد هما من جانب والآخر من جانب حتى التقيا لسم وقال محمد في كتاب الإقرار: القياس أن تكون النفس روما دونها سواء، فلا يؤخذ اثنان بواحد لكنا أخذنا في النفس بقول عمر رضى الله عنه فإنه قتل جماعة بواحد. أما الشافعي فأخذ طريقا سهلا وهو أن القصاص ينبني على المساواة على ما ذكرنا والنفس الواحدة لا تساوى عشرة لا حقيقة ولا حكما من حيث الحرسة والدية.
وكان القياس أن لا يقتل عشرة بواحد إذا قتلوا واحدا. كما قال محمد، إنما يثبت شرعا لحكمه عدمت فيما نحن فيه، وهي أن الجناية على ابن آدم عمدا بغير حق في العادات إنما يكون بتغالب واجتماع، فالواحد يدفع الواحد عن نفسه ويقاتله والقصاص شرع زاجرا عن الجناية عليه بغير حق، فلو جعلنا الإجتماع على الواحد سببا مانعا من وجوب القصاص عليهم لغات حكمة شرع القصاص وهي الزجر، لأنه لا يجب حينئذ، ولا جرح عمد أو بغير حق إلا معده في العادات. وهذا المعنى معدوم في الاستيفاء قصاصا لأنه يجب بحق فيستوفى منه كرها بقوة السلطان، فلا يحتاج صاحب الحق إلى التغالب والاجتماع ولأنا متى لم نجعل المقتول الواحد في مقابلة عشرة وغرسناء الديات لم يفت حكمة زجر القصاص، لأنه وجب بل ازداد عليه الزاجر وهو غرم المال،
الجزء 1 · صفحة 23
ولأن الشرع في عشرة قتلوا واحدا أوجب زيادة على المثل تحصينا للدم، فلا يجوز أن يجعل الواحد بعشرة، وفيه نقصان وسبب لاستباحة الدم فإن القاتل إذا علم أنه لا يغرم بعد القتل الأول شيئا تجراًعلى القتل ولأن ما يؤخذ قصاصا يؤخذ مثلا عد لا للأول، والواحد من كل جنس لا يقابل عشرة أمثاله، وكيف يقابل وهو مثل للواحد منهم ولو لم يقتل غيره لقتل به مثلا له وأما الجماعة إذا قتلوا رجلا واحدا فوجب عليهم قتل واحد فإن القتل الأول واحد وقد حصل بهم فلزمهم تسليم النفوس للقتل الواحد فيهم جملة إلا أنه لا يمكنهم إيفاء ذلك من أنفسهم أجزاء، لأنه لا يحتمل التجزئة فصار الكمال هدرا كمن وجب له على آخر قصاص في طرفه فاستوفاه فمات منه كان هد را، لأنه قد لزمه تسليم الطرف للقطع، ولا يمكنه شرط البر عنه يقينا وكما قال فيمن غصب ساحة منى عليها أنه يلزمه تسليم الساحة للنقض وإن أدى إلى نقض البناء زيادة وكذلك في المرصة بلا خلاف، فسقط اعتبار الزيادة بحكم الهدر. وفي مسألة المقتولين بالواحد لم يهدر شئ منهم بسبب عدوانه عليهم وعجزه عن إيفاء عشرة من القصاص.
يلزم على هذا دم بين اثنين على أحدهما فإن نصيب الآخر سقط لأن الواجب عليه بتعديه قتل تام كان في وسعه تسليم النفس لذلك فأصل الوجوب للقتيل فصار عفو أحد هما كمفو القتيل لو تصور حيا وعفى عن نصف حقه، أو كان الوارث واحدا فعنى عن النصف، فثبت العجز عن استيفاء النصف الثاني بسبب عفو كان منه لا بسبب من قبل المتعدى فلا يكون المال على المتعدى بل كان على المافى ولم يهدر بسبب كان من العافي حق المتعدي. ولما لم يهدر لسم يحل أخذه، ولما امتنع فيه امتنع في الباقي لما لم يحمل عن أخذ ماليس بواجب.
قال: والذي يوضحه أن حكم النفس فوق حكم الطرف فإنه تبع للنفس ثم الطرف الواحد في الجزاء لا يعدل أطرافا فإن الرجل إذا قطع يمينى رجلين لم يكن يمينه مثلا ليمينيهما ففي النفس أولى. والنفسان على الابتداء يساويان نفسا واحدة فإن رجلين لو قتلا رجلا قتلا به، فلأن يساوى اليدان ابتداء يدا أولى، فيقال: إذا قطع رجلان يمين رجل قطعت يمينا هما به ولا يلزم إذا وضع كل واحد السكين من جانب حتى أبانا لا يجب القصاص و في النفس يجب لأن القتل بخرج الروح من البدن وذلك ليس بالإبانة بل بآلام تجتمع من القطعين جميعا فصارا مشتركين في القتل فأما القطع فإيانة في نفسه، وكل واحد أبان طرفا غير طرف صاحبة فيكون قياسه من القتل أن يأخذ كل واحد روحا غير روح صاحبه. وهذا أصل للشافعي كبير في اعتبار النفس والطرف بابا
الجزء 1 · صفحة 24
واحدا في باب القصاص، لما لم يمنع نقص الأنوثة من جريان القصاص بين الأنفس، لم يمنع في الأطراف مع السلامة من طريق الأولى. ولما لم يمنع الرق من جريان القصاص بين أنفس المماليك، لم يمنع بين أطرافهم مع السلامة، ولما منع نقصان الرق جريان القصاص بين أطراف الأحرار والمماليك، منع في الأنفس من طريق الأولى. ولما قتل العبد بالحر على أصله قطع طرفه بطرف الحر أيضا ولا يلزم على هذا نقصان الشلل فإنه يمنع قطع الصحيحة بالشلاء ولا يمنع قتل الصحيح بالأشل ولا بالزمن، لأنا نعنى بالنفس أصل الآدمى والشلل آفة تخل الأجزاء التي تسمى جسما.
ألا ترى أنه يتصور في بعض منه دون بعضه والأنوثة صفة لأصله لا لمحل الفرج، وكذلك الرق والعتق قال: ولهذا لم أعتبر الجريان القصاص بين الأطراف تساويهما في في الأروش لأن الأرض مال والمعتبر من التساوى ما ثبت صفة للآدمى والمال غيره ولما ذكرنا أن القصاص في الأطراف إنما يجب بقطع الأجزاء فاعتبرت المساواة في أجزاء الصورة من حيث عليه الخلقة السليمة، ولم
يعتبر تفاوت يكون بين الصور السليمة فصارت الآفات مانعة والقصاص في النفس يجب بأخذ الروح من الصورة فلا يعتبرلوجهها سلامة الصور عن الآفات ودل عليه أن القصاص أحد عوضي القتل فلا يكون الواحد عوضا الجماعة قياسا على الدية.
وقوله تعالى: {الحر بالحر و النفس بالنفس} و دليل له لأنه لم يقل بأحرار ولا نفوس ولنا قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} وقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} فإنه لا مال في شئ منها وقوله: " الحر بالحر " ذكر لجنس الأحرار ولا يقتضى الانفراد بل يتناول الواحد والجماعة وقال النبي عليه السلام: " العمد قود" ولم يفصل؛ ولأن العشرة لو قتلوا واحدا قتلوا به، فكانوا مثلا له جزاء لدمه وكذلك هو إذا قتلهم كان دمه مثلا لدمائهم جزاء لأن من ضرورة كينونة دماؤهم مثلا لدمه أن يكون دمه مثلا لدمائهم، لأن الممثل من الأسماء المشتركة لا يكون شيء من الأشياء مثلا لآخر إلا والآخر يكون مثلا كالأخ لا يكون شخص أخا لآخر إلا والآخر أخ له. ولا يجوز أن يقال إنهم إذا قتلوا رجلا فهم عشرة أمثاله ويستوفون به لرد غلبة القتل، لأن الزيادة على المثل جور والجورحرام عقلا وشرعا، وسبب التعدى لا يهدر حق محترم للمتعدى بحال يسل يستوفى منه مثل ما تعدى مع قيام الحرمة كما في إتلاف المال ألا ترى أن القاتل إذا قتله ظلما غير ولي القصاص عمدا قتل قاتله به وإن كان خطأ
الجزء 1 · صفحة 25
ضمن الدية له، ولكن مع قيام الحرمة يستوفيه ولي القصاص بحقه كما لو أتلف مالا له استوفاه المتلف عليه مع قيام حرمة سال المتلف على ما كان والذي دل عليه أن الواجب في الباب قصاص والقصاص عبارة عن استيفاء الحق على سبيل المساواة للأول. ألا ترى أن الدينين لا يلتقيان قصاصا حتى يكونا سواء من كل وجه،. ويوم القيامة يوم القصاص لأن أجزية العدوانات مقابلة بها على المماثلة ولأن القصاص جزاء للعدوان، فلا يجب إلا بشرط السائلة بنص الكتاب والإجماع.
فثبت أن قتل العشرة بالواحد دليل بني على المساواة شرعا وكذلك عقلا - لأن القصاص في القتل مقابل قتلا بقتل، وحياة أزهقت بحياة وقوله - أن النفس بالنفس - فالنفس عبارة عن الحياة الفائتة بالقتل، وهذا لأن المقصود بالقتل ابتداء وجزاء إتلاف النفس التي بها الحياة لا أخذ الجسم الذي هو صورة ونفس الفعل لما فيه من شفاء الصدور به من حيث أنه أبلغ ما ينتهى إليه السمقيات فجعلت عقمة بعقمة. ولما ذكرنا أن قتل الآدمى ابتداء عينه معصية فيقابل بالعقوبة، ويكون الواجب جزاء الفعل كما في الحدود، وفيه إتلاف نفس محترمة مضمونة للآدمي فيجب الجزاء في مقابلته. والجماعة إذا قتلوا واحدا يصير كل واحد قاتلا على الكمال من حيث فعل القتل، ومن حيث إتلاف النفس بقتله بدليل أن فعل القتل كمل من كل واحد، لأن فعل القتل جر يتصل به زهوق الروح، وذلك الجرح وجد من الجماعة كما لو كان منفردا به فكان الفعل كاملا في نفسه، وزهوق الحياة اتصل به. لأنه يضمن ضمان القتل بالإجماع من الكفارة والقصاص، ولأن المجروح صار مقتولا، والمقتول لا بد له من قاتل، وقد صار مقتولا بهم جملة، فإما أن يضاف كونه مقتولا بهم إلى كل واحد على التجزى أو على الكمال ولا يمكن الإضافة على التجزى لأن هذا الوصف ما لا يقبل التجزى وزوال الحياة مما لا يقبل التجزى، وكذلك الموت، وإذا لم يقبل الإضافة على التجزى وجبت الإضافة كسلا لا ثالث ها هنا: ألا ترى أن كل واحد مؤاخذ بحكم القتل على حدة، وكذلك لو حلف جماعة كل واحد بانفراده أن لا يقتل زيدا فقتلوه جملة حنثوا ولو لم يصر كل واحد قاتلا كملا لما حنثوا، كما لو حلفوا أن لا يأكل كل واحد هذا الرغيف فأكلوه جملة لم يحنث واحد منهم.
وهذا على ما ذكرنا في ولاية المناكح أنها تثبت لكل ولي على الكمال، لأن نسب الولاية كامل لكل ولي من القرابة والمستحق به إنكاح المرأة، والنكاح لا يقبل التجزى ليثبت لكل واحد بعض
الجزء 1 · صفحة 26
الإنكاح، فثبت لكل واحد كملا كما لو لم يكن معه غيره وكذلك الملل لحكم واحد لا يقبل التجزى ثبوتا إذا اجتمعت أضيف ثبوته إلى كل علة كملا كما لو لم يكن معها غيرها.
وإذا صار كل واحد قاتلا على الكمال ابتداء بهذه العلة حتى لزمهم عشر قتلات، فكذلك في الاستيفاء يصير كل واحد مستوفيا قتلا كاملا فلا يبقى له حق في القصاص، وقد أوضحناء في مسألة إنكاح الولي. وكذلك الكفارة في الخطأ تلزم كل واحد ولا تجب إلا بالقتل الكامل بخلاف الدية لأنها بدل التالف بإتلافه من الصورة الحسية التي تسمى أدميا لا جزاء الإتلاف ولا الفائت من الحياة بدليل أنها تجب على السبب الذي قد عدم منه مباشرة القتل وكذلك جماعة قتلوا رجلا خطأ ضمنوا دية واحدة، لأن الآدمي التالف واحد، ولأن الفعل لما سقط اعتباره قتلا إياه من المخطئ فإنه قصد الصيد بقيت العبرة للتألف بفعله، مني الأمر عليه وهو الأصل، وإنما ثبت ما قلناه لما عليه الغرض من القتل.
وإذا كان كذلك تعددت الدية تعدد المقتول، وقبلت التجزى وجها على القاتلين والمستحقي الدية، ولما لم تسقط العبرة في حق الكفارة بدليل شرعي ووجبت في مقابلة الفعل وجب على كل واحد منهم كفارة بعدد القتل دون المقتول وهذا كالطلاق فإنه إذا طلق الرجل نصف تطليقة وقعت
كاملة أو طلق بعض المرأة طلقت كلمها لأن التطليقة والمطلقة لا تقبل التجزى في هذا الوصف وكذلك قلنا نحن: إن من تزوج نصف امرأة صار متزوجا جميعها لأنها لا تتجزأ في صفة النكاح، كما لا تتجزأ في صفة الطلاق فيصير ذكر البعض كلا ولا يلزم عبد لجماعة قتل عمدا فإن كل واحد من الموالى يملك بعض القصاص حتى إذا على أحدهم لم يسقط أصلا إلا نصيبه وكذلك القصاص الموروث بين جماعة لأنا إنما أنكرنا ثبوت القتل من القاتل بعضا ابتداء وجزاء لأنا لا نجده يتبعض ويتصور وفي هذه المسألة القاتل قاتل على الكمال، وعليه قتل كامل فأما القصاص بين جماعة فغير ممتنع الإضافة إليهم بالشركة في ملكه لأنه باب غير القتل ونحن لم نذكره، وهذا لأن ثبوت الشركة في ملكه جملة لا يوجب تجزى القتل الواجب فهو في نفسه ثابت جملة وأنه كالعبد من حيث يستحق اسم العبد لنفسه لا يقبل التجزى ويستقيم أن يضاف إلى جماعة ملكا بالشركة، لأن شركهم ملكا لا يوجب في وجوده في نفسه إجابة.
الجزء 1 · صفحة 27
والشافعي في مسألتنا هذه يقول: إذا قتل جماعة رجلا قصاصا بأوليائهم فإنما استوفى كل واحد بعض القتل فثبت التجزى في نفس القتل وجودا منهم وأنه مستحيل فإن قيل: وقوع الحرية من حيث تنصف العبد بها لا يقبل التجزى، فإن أبا حنيفة يجعل معتق البعض عبدا مكاتبا في جميع الأحكام وسع ذلك لو أن رجلا قال لعبده: إذا جاء غد فأنت حر عن ظهاري، ثم قال: إذا جاء عد فأنت حر عن يميني، ثم جاء غد عتق، ولم يجز عن كفارة، ولم يقل لما كمل سبب المتق، وأنه حكم لا يقبل التجزى وجبت الإضافة إلى كل سبب كملا، فيتأدى الكفارتان به.
قلنا: إن الزائل بالإعتاق من الرق ما لا يقبل التجزى في حق الشخص في أن يعتق بعضه ويرق بعضه عندنا، ولكن في حق نفسه هو متجز، لأن المرقوق أجزاء الشخص فإذا اجتمع السببان في شخص أضيف إلى كل سبب بعضه لما قبل التجزى في نفسه إذا لم يوجب ذلك تجزيا في حق الشخص فإنه عتق كله ألا ترى أن رجلين إذا ملكا أمة فأعتقاها ما أعتق كل واحد منهما إلا النصف حتى لم يملك أحدهما التفرد بالإنكاح القصور السبب.
وفي مسألتنا الزائل بالقتل هو الحياة وأنها لا تقبل التجزي في نفسها كما لا تقبل في حق الصورة، لأن الحياة في نفسها ليست بعبارة عن ذات أجزاء إنما الأجزاء للصورة الحية فإذا لم تقبل التجزى في حق الصورة لم يبق لها تجز بوجه وأشبه القتل ولاية الإنكاح، فإن العقد في نفسه لا يقبل التجزى. وكذلك ما يستحق بالنكاح من شخص المرأة لا تقبل التجزى، فإذا كمل سبب الاستحقاق لكل ولى استحقه كملا كما لو لم يكن معه غيره. دل عليه أن المقصود الذي فيه الحكمة من القصاص حياة الولى بانعدام شر القاتل بأن قتل، وشفى الولى صدره بأن جعله مقتولا وعاقبه به، وهذا المقصود لا يتبعض بمشاركة الآخر معه في قتله لا في حقه ولا في حق المقتول فإن قيل: لو أن رجلين تزوجا امرأة واحدة كل واحد بولى على حدة وخرج العقدان معا لم يصح وقد كمل السبب لكل شخص والنكاح مما لا يقبل التجزى لا في نفسه ولا في حق المرأة. قلنا: إنما لم يجز لعدم شرط النكاح، فمن شرط النكاح أن تكون المرأة فارغة عن نكاح آخر ولو ثبتا لثبت كل نكاح مع الشغل بنكاح آخر فأما القصاص، فليس من شرطه الفراغ عن قصاص آخر، فإن رجلا عليه القصاص لو قتل آخر عمدا لزمه قصاص آخر كما للأول، ولو أبرأ الأول كان حق الثاني في القصاص كملا بلا خلاف والله أعلم
فصل
الجزء 1 · صفحة 28
والقصاص في النفس بخلاف القصاص في الطرف. فإنا أجمعنا أن من قطع يميني رجلين لم يكن يمينه مثلا لهما جزاء بل كان بعضا، فكذلك رجلان قطعا يمين رجل لم يكن يمينه مثلا لهما ولا يمينا هما مثلا ليمينه بل تكون ضعفا وقد ذكرنا أن المساواة معتبرة وهذا المعنى معقول وهو أن في القصاص مقابلة فعل بفعل مع مقابلة الفائت بالفائت أيضا، والفعل فيما دون النفس قطع وأنه اسم لما يفصل بعض الأجزاء المتصلة عن بعض حتى أطلق على قطع الحبل والثوب ولما كان محل القطع الأجزاء قبل التجزى في نفسه، فإذا حصل القطع يضرب اثنيين وجب إضافة الانفصال إليهما، ولما وجبت الإضافة إليهما وهو ما يقبل التجزى ثبت مشتركا كذلك لكل بعض كعب يضاف إلى شخصين وكما لو ضرب أحد هما من جانب والأخر من جانب واتصل القطعان حتىسقطت اليد، فإنه لا قصاص عليهما ولا يجعل كل واحد منه قاطعا على الكمال لتجز ثبت مشاهدة. فكذلك إذا ضرباه بسيف واحد لأن الانفصال بالقوة والقوة منهما إلا أن هذا قطع مشترك بينهما على الشيوع، وذلك على التفرق والنصيب الشائع فيما يقبل التبعض بعض كالمجتمع ألا ترى أنه متى آل الأمر إلى إيجاب الأرش وجب البعض على كل واحد منهما كما لو قطع كل واحد جانبا على حدة ألا ترى أن جماعة لو حلف كل واحد أن لا يقطع هذا اليد فقطعوه جملة لم يحنث واحد منهم الحياة ولأن المقصود من قطع الطرف إفاتة الطرف عن الصورة لا إزالة فالحياة كلها باقية للصورة بعد إبانة الطرف حقيقة وحكما، فوجب اعتبار المساواة بين الفائت والذى يستوفى كما في إتلاف الأموال والاثنان لا يكون مثلا للواحد بحال لا جزاء ولا ابتداء ألا ترى أنه لا تقطع اليد الكامل الأصابع بالناقص قصاصا، لأن الكامل الأطراف فوق الناقص وكذلك اليد الصحيحة بالشلاء، فلما كانت الزيادة من حيث الوصف فيما يتم به صورة اليد ومنفعة بطشها مانعة من القصاص، فالزيادة من حيث عدد الصورة أولى وقولهم فى رجلين قطعا يمين رجل كل واحد يضربه في جانب على حدة أن لا قصاص عليهما، يبطل قولهم إن القصاص أوجب زائدا جزاء على التعدى لأنه مبنى على الغلبة، فأوجب على الجماعة زجراً لهم عن الإجتماع القطع والقتل فإن العادة الغالبة في مثله الضرب على التفرق كل واحد بسيف على حدة ليس على الإجتماع على ضرب واحد بسيف واحد. فلما لم يوجب القصاص حيث جرت المادة، وأوجب حيث لا عادة بطل كلامه ذلك وعلم أن الزيادة جور لا يصار إليه، وإنما يجب ما يجب على المساواة فإنهما إذا ضربا بسيف واحد، وحصل القطع جملة أضيف إليهما على السواء فوجب القصاص وإذا ضربا
الجزء 1 · صفحة 29
من جانبين فلا يدرى كم قطع من الأجزاء كل واحد منهما، ولما امتنع لا شكال في مقدار الأجزاء فلأن يمتنع إذا علم بالزيادة فامتنع يقينا أولى ولهذا قال أصحابنا: إن القصاص لا يجرى بين: إن القصاص لا يجرى بين الأطراف حتى يكون أروشها سواء في أصل الخلقة شرعا لأنه لما وجب اعتبار المساواة في أجزاء المأخوذ قصاصا بالفائت من حيث يعرف به تمام اليد صورة، وكذلك المعنى من حيث البطش لوفات لم يكن سواء للكامل علم أنه معتبر بالمال حيث وجبت المقابلة بالفائت من العين، ولما صار معتبرا به وجب الاعتبار به فى تساوى القيم بالمال كما في المال. وهذا لأن القيمة تخلفه عند فواته وتقوم مقامه، فكان أقرب إلى الصورة من معنى البطش الذي هو وصف لا يبقى بنفسه والتقوم وصف إذا انفصل قام بنفسه خلف الشيء شرعا جزاء عدوان مثل له لا محالة، ثم المساواة معتبرة في أجزاء الأصل خلقة بما ينتهى إليه تمام صورة اليد، فكذلك تعتبر في البدل ولا تساوى بين أطراف النساء والرجال، فلا يجرى بينها قصاص، وكذلك بين أطراف العبيد، مين العبيد والأحرار بخلاف الشلاء فإنها تقطع بالصحيحة، لأن الأرش في الأصل سواء فوجب القصاص، ولكن انتقص بالشلل فكان صاحبه بالخيار إن شاء رضى بالناقص لما له من حق إبراء الكل وإن شاء لم يرض به بخلاف الصحيحة بالشلاء، لأن الصحيحة أزيد، وليس له حق البدل في الزيادة فامتنع الوجوب بخلاف الأنفس لأن الأنفس لأن أجزاء الشخص لم يعتبر فيها التساوى فكذلك بدلها ولأن المقابلة قصاصا في النفس بين فعل القتل والقتل بين الفائت بالقتل من الحياة دون الصورة، ولا أجزاء للحياة ولا قيمة، فالدية تجب بدلا عن الصورة الحية التي استحقت اسم الآدمى على ما مر وعن على رضى الله عنه " لا تقطع اليدان بيد واحدة وروى عنه " أن شاهدين شهدا على رجل بسرقة عنده عنده فقط يده ثم أتى بآخر فقالا أوهمنا، إنما السارق هذا، فقال: لا أصدقكما عليه، ولو علمت أنكما تعمد تما لقطعت أيديكما فدل ظاهر هذا الكلام على أن يدى الشاهدين تقطعان بيدالسارق متى أقرا بالعمد والجواب عنه أن عليا رضى الله عنه أراد به التهديد دون التحقيق بدليل ما روينا عنه ويجوز التهديد بمالا يتكون إذا علق بشرط لا يتكون، لأن المعلق بالشرط لا يتكون قبل الشرط، فيكون التعليق بشرط لا يتكون إبطالا كالتعليق بالمشيئة لأنا لا نقف عليها وأنه كقول الله تعالى حكاية عن ابراهيم: " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون لما علق قوله " بل فعله كبيرهم بشرط نطقهم ? والشرط غير متكون لم يكن ما مضى إخبارا عن فعله ولا كذبا، وكان استدراجها إلى المناظرة والتأمل ليظهر لهم
الجزء 1 · صفحة 30
بذلك عجزها فى نفسها وعدم جواز أن تكون لها.
فصل
في كيفية القصاص
مسألة:
قال علماؤنا: لا قصاص إلا بالسيف بحز الرقبة وقال الشافعي: يراعى جهة القتل الأول، فإن كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل، فإن مات عنه في تلك المدة وإلا حزت رقبته، وكذلك إذا أحرق الأول بالنار أحرق الثاني. فإن مات في مثل تلك المدة وإلا حزت رقبته واحتج بما روى عن النبي عليه السلام أنه قال: " من أحرق حرقناه، ومن أغرق غرقنا، يروي أن يهوديا رضخ رأس صبية بالحجارة فقتلها، فأمر النبي عليه السلام " أن يرضخ رأس اليهودي بالحجارة" قال: ولأن القصاص مبنى على المساواة، وهو جزاء الفعل، والأول كان قتلا بقطع اليد أو بالنار، فيقتل الثاني كذلك ما أمكن والإمكان غير مرتفع للابتداء لجواز أن يموت الثاني بهذا السبب في مثل تلك المدة، فإذا لم يمت ارتفع الإمكان فأخذ بمطلق القتل وهو حز الرقبة، ولم يوجب حز الرقبة من غير إضافة الموت إلى القطع إذا كانا من واحد بل كان تتميما لحكم القطع. ألا ترى أنه لو قطع ثم قتل خطأ قبل البر لم يجب إلا دية واحدة وألا ترى أن أبا يوسف ومحمدا يقولان فيمن قطع يد رجل ثم حز رقبته أن القاتل تحز رقبته ولا يقطع كان الأول مات بالقطع ولو اعتبر بالبر لوجب قصاصان أودية ونصف في الخطأ و العلمائنا ما روى عن النبي عليه وسلم أنه قال: " لا قود إلا بالسيف والقود اسم لقتل هو جزاء القتل كالقصاص إلا أن القود خاص في جزاءالقتل والقصاص عام فصار كأنه قال: لا قتل قصاصا إلا بالسيف فإن قيل: يحتمل أنه أراد لا قود يجب إلا بالسيف قلنا والقود عبارة عن فعل القتل على سبيل المجازاة دون ما يجب شرعا وإن حمل عليه كان مجازا كنفس القتل عبارة عن الفعل حقيقة لا عن الواجب ولأن القود قد يجب بغير السيف وإنما السيف مخصوص للاستيفاء وقال رسول الله عليه السلام: " لا تعذبوا أحدا بعذاب الله و قال: " لا يعذب بالنار إلا ربها " والنص يعم بعموم ولا يقصر على سبب الخروج اللفظ والمعنى فى المسألة أن الأولى تعد بجرح قاتل فيجب عليه مثله، لما ذكرنا أن الواجب هو المثل، والقطع لا يتصف بهذا الوصف إلا بشرط السراية، ولا يدرى أيسرى أم لا وأما الذبح فجرح قاتل لا محالة
الجزء 1 · صفحة 31
فإن قيل: الأول أتى بقطع في اليد فيجب عليه في ذلك المحل ليكون مثلا للأول من حيث المحل ابتداء ومافيه زوال صفة القتل إنتهاء لأنه ربما يموت منه،، وإن لم يمت قرن بآخر فيموت منهما فلا يصير الموت مقطوعا عن الأول مالم يبرا عنه على ما قلناه قلنا لما صار الواجب قتلا صار مستحقا في محله وهو الذبح لأن الفعل لا يستحق في غير محله، واليد ليست بمحل له إلا بشرط السراية، أو ذبح يقرن به، ولا يدرى أيسرى أم لا فلا يثبت محلا بناء على الشرط وفيه شك، ولا على الذبح بعده، بعده، لأن أكثر ما في الباب أن لا ينقطع الموت عن الجرح الأول، ويصيران جملة سببا للموت لا كل واحد منهما على ما ذكر فيبقى الحكم مضافا إلى آخرهما وجودا فيبقى الأول غير مضافإليه الموت على الوجهين جميعا إلا أن يموت منه، وفيه شك فلا يصير قتلا بالشك. فلا يمكن منه بل يؤدى إلى الزيادة وذلك حرام فالخصم اعتبر محل الفعل، ونحن اعتبرنا صفة الفعل وحكم القصاص متعلق بصفة الفعل دون المحل، فالمحل شرط الفعل والصفة بها يتعلق وجود الفعل، فكان ما ذهبنا إليه أولى ولأنه يراعي مساواة توقعه في زيادة وهى ظلم غير مشروع، ونحن ألفيناهاوراعينا مساواة فيها تيسير، والتيسير مشروع في استيفاء الحقوق فإن قيل: ولم أسقطت حرمة مذبح القاتل بغير سبب؟ قلنا: كما أسقطته أنت إذا لم يمت بالقطع في مثل مدة الأول، وهذا لأنه جاء بتعدى القتل حتى لزمه القتل فسقط بتعديه حرمة محل القتل وهو المذبح ولانا ذكرنا أن الواجب في باب النفس مساواة في إراقة الدماء وأخذ الأرواح لا في أجزاء البدن وفي اعتبار المحل اعتبار المساواة في أجزاء البدن لا في أخذ الأرواح، فثبت أن اعتبار محل الجرح لخوفي هذا الباب وأما الجواب عن احتجاجه بالحديث: فإنه غريب، أو كان في بدء الإسلام ثم ترك بما روينا كما نسخت المثلة الا أنه أوجب بالإحراق مطلق الإحراق، وعند الخصم إذا لم يمت تري في مثل مدة الأول حزت رقبته، أو قاله مبينا حكم السياسة فيمن اعتاد ذلك لا حكم القصاص، ألا ترى أنه أضاف الفعل إلى نفسه، واستيفاء القود للمولي دون الإمام وأماحديث اليهودي فقد روى أن الصبية أدركت وبها رمق، فقيل لها: أقتلك فلان اليهودى؟ فأشارت برأسها أي نعم، فأمر النبي عليه السلام بقتل اليهودى، وبإشارتها لا يجب القصاص، فعلم أن اليهودى كان مشهورا به، وأيس عن توبته عن ذلك فأمر بالقتل سياسة بما ظهر من سعيه بالفساد لا بذلك القتل قودا، وقد روى أبو جعفر الطحاوي أن النبي عليه السلام أمر باليهودى فرجم والرجم لا يجب قصاصا عن رضخ الرأس بالحجارة. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 32
مسألة:
إذا قطع رجل يد رجل عمدا ثم قتله عمدا قبل برء اليد قطعت يده ثم قتل عند أبي حنيفة.
وقال صاحباه يقتل ولا يقطع يد لأن القطع متى صار نفسا سقط حكم القطع في نفسه، وصارت العبرة للقتل كما إذا سرى إلى النفس من غير تجدد قتل، وقد صار القطع نفسا فيما نحن فيه، كأنه سرى إليه بلا قتل جديد، بدلالة أن القتل الثاني حكمه حكم سراية القطع بعينه، وإذا كان حكمه حكم تلك السراية بعينها ولم يتصل بالقطع بؤ يسقط حكم سرايته لم يسقط بالقتل الذي حكمه مثل حكمه، بل تأكد به، وكان بمنزلية توالى الملل لحكم واحد، ومستحق واحد ألا ترى أن القتل مع القطع لو كانا خطأ وجبت به دية واحدة، كما لو سرى القطع إلى النفس بلا قتل بعده. بخلاف ما إذا كان القتل من رجل آخر لأن حكم هذا القتل غيرحكم سراية القطع، بدلالة اختلاف من يجب عليه القصاص و لما اختلف لم يكن مؤكدا للأول بل كان سببا غيره فثبتت المعارضة بينهما والقتل موجب للموت لا محالة والقطع غير موجب فسقط اعتبار القطعب القتل بحكم قوته ورجحانه عليه. بخلاف ما إذا كان القطع خطأ والقتل عمدا لأن الحكم مختلف كذلك، وخلاف ما إذا اتصل البر بينهما، لأن حكم القطع يخالف حكم القتل إذا اتصل به البرء ولا يجوز بحال إضافة الموت إليه. ألا ترى أنه لو كانا خطاً كيف يجب دية ونصف كما لوحل بشخصين فكذلك العمد ولأبي حنيفة: ما قلنا إن القصاص ما يبتنى على المساواة فعلا بفعل حتى قتل نفوس بنفس لتعدد أفعال القتل في نفس واحدة، والأول قتل بقطع وحز رقبته والاستيفاء منه ممكن يقطع وحز مثلا بمثل فيجب كذلك ولا يمنع منه بخلاف الخطأ فإن الواجب فيه بدل الفائت لا بدل الفعل والفائت نفس واحدة ألا ترى أن جماعة لو قتلوا رجلا واحدا خطأ لم يجب إلا دية واحدة وقد تعدد فعل القتل لأن المقتول واحد فإن قيل: يبطل بمن قطع إصبع رجل ثم قطع الكف قبل البر، فإنه يلزمه قصاص في الكف دون الإصبع وقد أزال كفه بفعلين قلنا: لأن الجمع بينهما غير ممكن لأنا متى فصلنا قطع الكف من الأول عن قطع الإصبع لمم يجب القصاص، فإنها قطعت وهي ناقصة الطرف وكف القاطع كاملة فاعتبرا لهذه الضرورة بجناية واحدة، وإن كان فيه لغو الإصبع لأنها أهون من الكف ولأن الطرف في القصاص لا يصير أعدادا فعل القطع كجماعة قطعوا يدا واحدة، فكذلك إذا جاء عدد بأعداد القطع من واحد بخلاف النفس. ولهما أن المقصود في الباب القتل وأنه غير متعدد حقيقة ولا حكما ابتداء واستيفاء فسقط اعتبار عدد الفعل
الجزء 1 · صفحة 33
بدون عدد قتل.
* مسائل ثلاث على أصل واحد *
منها: رجل اقتص من رجل يده فمات منه، ضمن عند أبي حنيفة الدية وعند هما والشافعي لا يضمن، لأنه قطع بحق فلا يجب به ضمان التعدى قياسا على قطع الإمام يد السارق، وقياسا على مإذا لم يسر، وقياسا على الختان والبزاغ إذا مات منه المجروح وهذا لا شك فيه لأن الحق ضد التعدى فلا يجب به ضمانه وإنا الإشكال في أنه حق، والدليل عليه أن حقه قطع يد من موضع بعينه وقد أتى به. ألا ترى أنه لو لم يسر كان حقا، مالسراية لم يتغير قطع تلك اليد حقيقة ولا زواله عن أصله، بل زال به شيء آخر وهو الروح وكذلك من طريق الحكم في مسألتنا هذه لأن بدن من عليه الحق صار في حكم بدنين في حق القطع من حيث صفة العدوان لأنه متى حل باليد كان حقا إذا اقتصر عليه لا محالة، وموضع آخر يكون عدوانا فيصير ما يحل بمحل الحقية غير الذي يحل بمحل آخر، لأن معنى الفعل واسمه يختلف باختلاف محله ألا ترى أن قطعا من الجملة يسمى جدعا والآخر يسمى فقتا وإذا كان كذلك اقتصر حكم كل فعل في محله لعدم تصوره في غيره، وإذا اقتصر عليه حكما صار بمنزلة ما لو اقتصر حقيقة بالبر فيكون حقا. وكذلك المفارقة حاصلة باسم المستوفى فإن الذى فى محله جزاء و في غير محله ابتداء تعدّ، والجزاء غير الابتداء حكما، فالجزاء إيفاء وقضاء للحق واسقاط، والابتداء إيجاب، فسقط حكم قطع الجزاء في محله فلا يبقى ليه عبرة في حق الضمان كما لو حصل بإذن، وإذا سقط لم يتغير حكم الضمان بالسراية، وصار في حقه كأنه لم يسر، ولأن محل القصاص جعل في حكم المملوك له فيقع فعله في حكم فعل رجل آخر يقطع عضوه فلا يقع مضمونا عليه والسراية تبع للابتداء في الضمان فلا يقع مضمونا فيصير في حق الضمان أنه لم يسر ونظيره ما قلنا من قطع الإمام يد السارق فإنه إقامة للحد سرى أو لم يسر ويصير كأنه لم يسر في الحالين إذ لولم يجعل وسرى وصار قتلا من أصله فيصير الحد غير مقام فإنه ليس بقتل ضمن الإمام أولم يضمن، وبالإجماع يكون الحد غير ? مقام. فعلمنا أنه بقى قطعا كذلك، إما لاعتبار حقيقته، وإما لاختلاف المحل من بدنه فبعضه محل استيفاء الحق منه وبعضه لا، وبعضه ساقط الحرمة، وهو ما وجب فيه الحد معضه لا، ولأن بعض القطع جزاء وبعضه لا وكذلك البزغ لا قتلا بدلالة أنه يستحق الأجر ولو يصيرصار سببا آخر لما وجب فعلمت أنه يقى بزغا وازداد القتل، وإنما بقى كذلك بزغا حقيقة لما ذكرنا، وحكما لاختلاف المحل
الجزء 1 · صفحة 34
حكما فإن بعضه محل القطع للشفاء بعضه للهلاك، وبعضه مصلحة، وبعضه مفسدة، وبعض الجرح إصلاح معنى معضه إفساد معنى ونظيره رجل أوقد ناراً في ملكه فسرت إلى غيره فأحرقت لا يضمنوكذلك الماء إذا جمعه في أرض نفسه ثم تعدى إلى أرض غيره فأفسد لا يضمن ولا يلزم على هذا عمل أجير المشترك ? فإنه يقع مضمونا إذا سرى إلى فساد لأن الفاسد منه غير حق.
بيانه انه بائع عمله فيدخل تحته عمل سليم عن العيب كبيع العين بد را هم يقتضى دراهم سليمة عن عيب الزيافة والزوق المخرق معيب لأن الخرق إنما يقع بخلل كان في عمله لا بسراية حكم العمل من غير خلل، وذلك الخلل عيب فإن قيل: إذا استوفى الزيوف صح الاستيفاء ولا يكون قابضا غير حقه قلنا على اعتبار الرضى به حقه، لأن الزيافة عيب يسقط بالرضى.
ألا ترى أنه متى لم يرضى به وقال: وجدته زائفا وأنكرالقاضي وقال: قضيت جيادا، كان القول قول القابض استحسانا لأنه ينكر، قبض حقه لما قال: قبضت زيوفا ولم أقبض الجياد ولو جعلت حقه ثم الرد بالعيب لم يصدق إلا بالبينة وكان القول قول الآخر كالمشترى إذا ادعى عيبا بالمبيع وأنكر الآخر، فصار عروض زق الأجير إذا خرق وهو غير ما دخل تحت المقد إذا لم يرضى به صاحبه من مسألتنا أن لو أخطأ تدبير القطع فأصاب ماليس له إصابته بمباشرته وأنه يقع مضمونا لأنه ليس له ذلك وكان كمن رمى صيدا فأصاب مالا ضمن لأن حق الخير فات بعمله، لأن عمل السهم مضاف إليه على ما عرف، بمنزلة ما لو كان في يده فرمي.ولما وقع عمله في محل ليس له تناوله لم يكن حقا، وإن عذر في حق تعالى يعذر. ولأن الخطأ جاء بخلل في تقويمه أو التأمل في المرمى لا بسراية بعد الفراغ عن العمل على وجه الصواب، فصار بمنزلة عمل الأجير إذا دق فخرق فأما في ما نحن فيه ففعله ماحل إلا بمحل كان له القطع ولوليم يسر ما كان متعديا، إنما يصير متعديا بسراية الألم منه فلا يضمن به. لأن له حكم الابتداء فيقع على موافقته لا تعديا حكما، ولأن البر الذي به يجعل أبو حنيفة موافقا إنما يحصل بقوة طباع المجروح ما في وسع القاطع تحصيله، فلا يشترط عليه ماليس في وسعه ولا هو وإن حصل بصفة لفعله لما لم يحصل به، فيبقى حقه قطعا مطلقا عن صفة البر والسراية، وفي وسع القصار والرامي إخراج الخلل عن العمل فيصير العمل سليما عن العيب فخوطب به كذلك فصارت السراية فى الحاصل بضعف الطبع عن دفع أثر القطع فلم يجز أن يصير القاطع متعديا بضعف في المقطوع، كما قيل في البزاغ بأجر إذا سرى استحق الأجر كما لوبرء. ولأبي حنيفة أنه قتله بغير حق فيكون سبب ضمان قياسا
الجزء 1 · صفحة 35
على مالو جز رقبته أ و جدع أنفه فمات منه، وهذا لا شك فيه وإنما الإشكال في أنه قتل فإنه في أنه قتل فإنه متى ثبت أنه قتل من الابتداء كان بغير حق لأنه لا قتل له عليه. وإنما قلنا إنه قتل لأن القطع متى سرى إلى الموت صارقتلا الابتداء لا أن يكون قطعا، ثم قتلا بناء على القطع المنفرد كأنه ضربه ضربة أخرى فقتله بدلالة أن القتل اسم لفعل يتصل بالحيى تزول به روحه، والقطع ونقض البنية أثر هذه الأفعال. وإذا كان الجرح الذي يتصل به زوال الروح هو القتل وصفا لم يبق معده له اسم الجرح الذي لا يتصل به زهوق الروح بل يقتصر على زوال اليد منه وهو اسم القطع.
ألا ترى أن الإلقاء في اللغة اسم للإسقاط من الجهة الأعلى إلى الأسفل، فإذا القى القارورة حتى انكسرت سمي کسرا من الابتداء فى حق القارورة التي هي محل فعله وكذلك إيقاع خشبة على جسم يكون ضربا من الأصل إن كان الجسم مما يتألم، وكسراً إن كان مما ينكسر وانكسر لا أن يكون إيقاع ثم كسرا أو ضربا يبتنى عليه وأنه حركة إذا لم يتصل بشئ وإذا اتصل لم يسم حركة ثم ضربا فكذلك الإصابة بالسيف قطع متى عمل في الإبانة دون الإمانة، وإذا اتصل بالروح فأزهقه كان قتلا، فإنه طريقه الموضوع له، لا أن يبقى قطعا وهو الاسم ثم الثاني يبتنى عليه الا ترى أن من جرح جرحا لا قصاص فيه فسرى إلى النفس وجب القصاص، ولو بقى الأول بنفسه وهو غير موجب لما تولد منه ما يوجبه لأنه تبع للابتداء فإن قيل: هذا مسلم لك فى ابتداء القطع الذي لا يفارق حكمه حكم انتهائه في أنه عدوان، والكلام وقع في الجزاء على ما أصلوه لأنفسهم قلنا لهم: إن ما قلتم صحيح إلا أن الجزاء في مسألتنا قطع قصاص مثل الأول، ولم يأت به فكان ابتداء فأما الجواب عن قوله، إنه فى حكم بدنين، لأن بعضه محل الجزاء بعضه لا، فكذلك في حق أخذ الجزاء، وهذا الذي أخذه قتل وليس بجزاء وفي حق القتل البدن فى حكم محل واحد وكذلك الجواب عن قوله: إن بعضه مملوك معضه لا، لأن الملك ما ثبت مطلقا كملك الرجل جارجته بدليل أن يد من عليه القصاص لو قطعت ظلما كان الضمان لصاحب اليد لا لولي القصاص و إنما ثبت فى حق استيفاء الجزاء، والقتل ليس بجزاء فلم يثبت في حقه حكم الملك فلم تثبت المفارقة 9.وكذلك عن قوله: إن القطع نوعان: جزاء وغيره، وهما مختلفان فنعم، ولكن الذي أتى به ليس بجزاء وهذا لأن الجزاء قطع هو قصاص مثل الأول، والأول تناهى بالبرء فلا يجب له إلا مثله، فإذا لم يأت به كان قطعا على الابتداء وقد سرى فيصير قتلا على ما قلناه وكذلك الجواب
الجزء 1 · صفحة 36
عن الأخير لأن الثابت قطع لا يضعف الطبيعة عن دفع أثره، وكذلك القطع الذى تموت منه النفس بنفسه مباشرة
قتل لا قتل سراية عن سبب. آلا ترى كيف يجب به القصاص، ولا قصاص على المسبب، فثبت أن القطع
متى صار نفسا يصير قتلا بنفسه كالزق المخرق فإن قيل: إنه شرع مالا يمكننا الوصول إليه قلنا: إن المشروع ثبوت ملك في اليد يمكنه من قطع مفصل مثل الأول وثبوت الملك لا يسرى ليكون الشرع بشرط لا يصل إليه بل الشرط ثابت ذكرا فإن قيل: إن ملك القصاص فيه حياة على ما قال الله تعالى وذلك في الاستيفاء فلم يستقم الإيجاب لحكمة الحياة، وليس في وسعه إيجاده قلنا: إن القطع حقنا، وكذلك القصاص، وما ثبت لنا لا يبتنى وسعنا بل على أهليتنا لذلك، وإنما يتبنى على الوسع ما يكون علينا وأما حكمة الحياة المطلية بالقصاص فأمر لنا أيضا لا علينا فلا يكره تركه، ألا ترى أن العفو عن القصاص مستحب، فكذلك التعليق بشرط يؤدى إلى العفو يكون مستحبا ولهذا يسقط بالشبهات، وهذا لأن في الصفو حياة في الحقيقة وفي القتل حياة في العاقبة فإن قيل: فيه تخيير بولى القصاص لأن يده كانت له بلا حظرفلا يتخير إلا ببدل له أخذه بلا حظر قلنا: إن المبادلة في القصاص من حيث الفعل أرجح، لأنه شرع على سبيل العقوبة، فيعتبر المساواة فى الفعل أولا وهو أن يكون قتلا بقتل وليست المقابلة فى مأخوذ بمأخوذ ليعتبر مساواة فيهما أخذا ولأنا كما يلزمنا أن لا نخل بملك المظلوم يلزمنا أن لا نخل بملك الظالم وراء ظلمه، وأن نفس القاطع ملكه ومحترم مثل مالك المظلوم، لأنه لا تعدى فى حق النفس وأنه يساوى غيره فيما لا تعدى فيه، ومتى أبحت له مطلقا أبطلت ملك هذا في نفسه وإن لم يكن صيانة النفس مرجحة على اليد فليكن بينهما معارضة فيصير ملك المظلوم يده مطلقا استيفاءها ومذك هذا نفسه مثل ملكه مانعا إياه عن فعل تناول النفس به فأثبتنا إطلاقا في حال مقرونا بحجر في حال نظرا لهماجميعا وإثباتاً للمساواة بينهما فإن قيل: لو أبيح له القطع بشرط البرء لما أبيح بوجه بوجه لأن البر مشكوك فيه، والمعلق بالشرط لا يثبت مادام الشرط مشكوكا فى وجود. قلنا: إنما أبيح للحال لأنه للحال قطع مثل الأول لا شك فيه لكن احتمل أن يموت منه فيكون قتلا من الأصل فأبحناه لكينونته قطعا منه للحال، ولم يثبت الحجر بأمر محتمل لأن المحتمل لا يكون حجة، لكن لم نحكم بأنه حقه قطعا لا يحتمل وجها آخر يتبين في ثاني الحال منه لأنه يحتمليه على
الجزء 1 · صفحة 37
ما قلناه فجعلناه حقا يحتمل غير ما قلناه فإذا تبين أنه كان غير حق له من الأصل، كالعمل بالقياس حق، واحتمل أن يكون مخالفا لنص فإذا تبين كان باطلا من الأصل ه. ولهذا أوجبنا الدية دون القصاص لأن ابتداء، حق وانتهاء باطل، وإذا كان كذلك أبحنا له القطع بحق الابتداء نظرا له، وضمنا ه بحق الانتهاء نظرا لخصمه، وإذا كان الحكم بأنه حق على احتمال أن يكون غير حق لم تثبت البراءة بحق الملك ولا بالقصاص، لأنا متى أوجبنا ذلك جعلناه جزاء قطعا لا يحتمل أن يكون غير جزاء، وأنه غير ممكن لما ذكرنا أن الواجب مثل الأول، وأن نفس القاطع مضمونة عن تعدى هذا ع وهذا بخلاف قطع الامام يد السارق لأن الواجب قطع بمقدار لا قطع لا يسرى، لأنه فرض على الإمام إقامته، ولو أمرناه بقطع لايسري لكلفناء ماليس في وسعه، والإلزامات شرعا مبنية على ما دون الوسع أو قدره، ولأنه يستوفيه لله تعالى بأمره، فينتقل إلى الله بحكم الأمر إذا جاءت الموافقة، وقد جاءت ابتداء على ما بينا فينتقل إلى الله بحكم الأمر، فيصيركأن الله تعالى أماته فيقع هدرا كما لو أماته لأنه المالك على الحقيقة وكما لو أمره صاحب النفس بقطع يده فقطعها فمات منه لم يضمن.
لهذا المعنى وكذلك البزاغ بائع عمله، وعمله قطع مقدر لا بشرط البرء والسلامة فإنه ليس في وسعه ذلك، والإجارة لا تنعقد على عمل ليس في الوسع، فإذا أتى به على الشرط صار للمشترى فينتقل إلى الآمر بحكم التمليك عليه بالاستئجار أو الاستعانة فيصير كأنه فعل بنفسه في نفسه فيقع هدرا. والمقتص يعمل لنفسه ويستوفي حقه فلا يبرأ بحكم الانتقال بل بحكم أنه حقه على ما مر، وهذه الحقية لم تثبت قطعا، فلا تثبت البراءة قطعا، وإذا توقف لم يصر في حكم فعلين، ومتى اختص أصل القطع بحكم ثبت بنفسه من غير توقف صار في حكم فعلين كما في تلك المسائل. ولأن الإمام لا يضمن يد السارق من حيث سقوط حرمة ذلك المحل جزاء لمعصيته 9 كالزانى المحصن والمرتد، حتى لو قطع بعد القضاء قاطع بغير إذن الإمام لم يضمن شيئا، كما لو قطع يد مرتد أو أتلف خمرا. وإذا كان المحل ساقط الحرمة لم يصلح محلا لا نعقاد ضمان الفعل فيه، وإذا انعقد هدرا سرى كذلك إلى النفس لأن السراية تبع للبداية ولكن مع هذا يصير مقيما حد الله تعالى لأنه لم يوجد عليه قيد البرء على ما مر لتباين الموجود ابتداء بحكمه حكم الجملة فيصير في حكم فعلين. فأما ها هنا فالمحل محترم، ألا ترى أن غيره لو قطع يد من عليه القصاص ظلما ضمن لصاحب اليد، لا لولى القصاص، وهذا لأنه تملكه قصاصا بالأول والأول كان محترما،
الجزء 1 · صفحة 38
فلا يقتضى المثلية سقوط حرمة المثل، والمساواة في القيام دون السقوط، فلو سقط الضمان لسقط من حيث أنه ملكه، وأن لا يملك يده حقيقة بل حكما في حق استيفاء حقه منه على ما مر، فإذا سرى ولم يكن استيفاء لم يكن المحل ملكا أيضا، والله أعلم.
مسألة:
ونظير هذه المسألة من حيث المعنى: إذا جلد الإمام رجلا حدا بشهادة شهود وجرحته السياط ثم رجع الشهود لم يضمنوا أرش الجراح عند أبي حنيفة وعند هما يضمنون: لأن الجرح كان بالحد وهم أوجبوا الحد فانتقل إليهم كأنهم فعلوا فينتقل الجرح إليهم، وبالرجوع يصير تعديا بغير حق فيضمنون كما يضمنون الدية إذا كانوا أوجبوا قتلا وأبو حنيفة يقول: إنما ينتقل إليهم بقدر ما أوجبوا، وهم أوجبوا حد القذف، وأنه حد مؤلم غير جارح فلا ينتقل إليهم مالم يوجبوا من الجرح. قيل فإن قيل: لو كان كذلك لضمن الإمام لصيرورته فعلا غير حد قلنا: إن الإمام فرض عليه إقامة الحد، والاحتراز عن الجرح بالجلد متعذر، فسقط اعتباره نفيا للحرج في تحرى السلامة وتحقيقها فالجرح مسقط للالزامات الشرعية كعدم الوسع وعذره يسقط عنه، ولكن لا يلزم غيره فصار الواجب بالشهادة جلدا لا يسرى لأنه لا شطط فيه إيجابا وهذا لأن الوجوب لا سراية فيه، وصار الاستيفاء حقا أو لم يسر سري مطلقا عن الوصفين و عن كل واحد منهما لأنه ليس في وسعه أن يخرج به في الاستيفاء بوصف بعينه. فإن قيل: إن الإمام يجرحه بخرق يقع في الضرب فلا يكون عذره ملزما غيره حقاز قلنا: نعم وإن كان يقع بخلل ففى رفعه تعذر وحرج، فصار من قبيل مالا يطاق فإن قيل: إن الأجير المشترك يلزمه عمل غير معيب، والاحتراز عن الإفساد فيه حرج مثل ما يقع للإمام في الجلد بل أشد والعمل عليه واجب كما في مسألة الجلاد.
قلنا: إن الأجير المشترك بائع عمله، فكان اللزوم بحكم عقد اختاره فلزمه كما إذا التزمه سليما عن العيب، وصح إذا كان ممكنا فى الجملة، وإن شق عليه، وها هنا اللزوم بإلزام الشرع لا فعل لنا فيه، وقد نص الله تعالى على أن لا حرج في الدين رحمة من الله وفضلا مع جوازه لو الزمنا بقدرالممكن مع الحرج.
مسألة:
ولى القتيل إذا قطع يد القاتل ثم عفا عن القتل ضمن اليد عند أبي حنيفة وعند هما لا
الجزء 1 · صفحة 39
يضمن، لأنه ملك كل نفسه قصاصا واليد منه فصار قطعه لما هو في حكم ملكه هدرا كاليد في المسألة الأولى، وقطع الرجل وقطع الرجل يد نفسه. ألا ترى أنه هدر قبل العفو فكيف يصير مضمونا بالعفو والجناية لم تتغير عن حالتها والعفو يتناول ما بقى من فعل آخر هو قتل ولأن هذا الفعل نفسه فعل قتل فإنه إذا سرى كان قتلا لا غيره، وإذا كان فعل القتل لا ينعقد مضمونا لأنه حقه، ولأن حقيقته غير مضمون عليه ونظيره رجل له قصاص في اليد فقطع الإصبع من يد من عليه القصاص ثم عفا لم يضمن الإصبع وكذلك شاهدان وشهدا بالقتل على رجل فقطع الولى يده ثم رجعا ضمنا لصاحب اليد يده، وإنما يضمنان ما أتلفا بشهادتها فدل أن اليد متلفة بشهادتها وهما ما شهدا إلا بالقتل، فلو كان القطع غيره لما ضمنا. ولا يلزم رجل عليه قصاص في نفسمو في يده فقطع صاحب النفس يده، فإن الذي عليه القصاص يبرأ عن حق القصاص في اليد كأنه قطع ذلك ظلما، ولو جعل ذلك القطع قطعا بقصاص لضمن صاحب اليد الأرض، كما لو صرفه إلى قصاص في اليد لرجل آخر ولم يضمن لأن شيئا من قضاء الواجب لا يقع بقطع اليد، فإن الواجب روحه وشئ من الروح لا يزول عن نفسه بالقطع فإنها لا تتجزأ ثبوتا وزوالا ? علي ما مر فلذلك لا يضمن لصاحب اليد، ونحن في مسألتنا لم ندع إبقاء شئ من النفس باليد بل ادعينا أن اليد في حكم ملكه تبعا للجملة، أو قلنا: إن القطع من حيث فعل القتل من القتل فإنه منه ولكن لم يتم عمله مالم يأت على الروح وشيئ من حكم العلة لا يثبت بما هو من العلة مالم تتم ولا يجب شيء حتى يتم، بل كل النصاب علة، وتأجل النصاب من العلة حكمة إلى الحول لنقصان وصف فيه، فكذلك ها هنا كل جزء من القطع علة بنفسه، وإن تأجل حكمه من الموت إلى حين بعده، ولم يصر إيفاء لشئ من الواجب حتى يموت منه، وإذا كان قتلا منه أو منه لم يقع مضمونا، ولما لم يثبت حكمه بعد ولما لم يصر مستوفيا، وصح العفو عن حقه فخرجت هذه المسألة على طريق أن القطع حقه، وأن المحل مملوك له حكما كالمسألة الأولى وأبو حنيفة يقول: القطع غير القتل على ما بينا في المسألة الأولى فلا يصير القطع حقه في مسألتنا هذه وحقه القتل، وإذا لم يصر حقه لم يصر المحل في حكم ملكه على ما مر واذا لم يكن حقا كان تعديا فيقع مضمونا، إلا أن وجوب الضمان لا يظهر قبل العفو لما له من حق إتلاف الكل بحق وصيرورة مادونه تبعا فسقط اعتبار الضمان عليه في حق الطرف تبعا للكل بحق القتل، أو لاحتمال أن يكون القطع بنفسه قتلا إذا مات منه والقتل حقه أو لأن له جعل هذا القطع قتلا بضربات أخر أو بحز الرقبة، وإذا سقط القتل
الجزء 1 · صفحة 40
بالعفو زال المانع فعمل التعدى عمله، ولأن القطع أو القتل إنما كان حقا له لأنه قصاص وكله سقط بالعفو لأنه قتل لا يتجزى ثبوته فخرج الذي وجد منه من أن يكون قصاصا فصار تعديا، وعلم أن حقه قتل ما بقى القصاص حقا له. وعلى هذا الشرط وقع حين وقع، فإذا عدم الشرط كان تعديا كالقطع إذا سرى في المسألة الأولى.
وأما مسألة الإصبع فالجواب عنه: أن الواجب لصاحب اليد يد يأخذه وأنه اسم لأجزاء منها الإصبع، فكان أخذ الإصبع أخذا لبعض الواجب فلا يقع مضمونا وإن أخطأ الطريق، فأما ها هنا فالواجب روح يؤخذ وأنه ليس بذى أجزاء ولا جسم واليد التى أخذها بعض الجسم لا بعض الروح فلم يكن بعض الواجب ولا كله فلم يكن حقه. ألا ترى أن كامل الأصابع لا يقطع بناقص الإصبع لنقصان فيه بالإصبع 9 فعلمنا أنه بعض الواجب لما انتقص بزواله وكامل الأطراف من الجسم يؤخذ بالناقص لتساويهما روحاً، وأما مسألة الشهادة، فالجواب عنه: أن الشاهد لم يضمن له اليد، لأنه ما أوجب اليد للمشهود له بل لأنه أوجب له قتل النفس، وذلك يبرئ القاطع عن ضمان القطع فضمن بإيجاب البراءة عليه بعد علة الضمان له فصارا كما لو شهدا على آخر بأنه أبراً غريمه عن الدين ثم رجعا، ضمنا. ومثاله رجلان شهدا بطلاق امرأة على رجل قبل الدخول بها ثم رجعا بعد القضاء غرما غرما له نصف المهر، كأنهما أوجبا عليه وما أوجباء فالوجوب كان بالعقد، بل أسقطا النصف وجعل كأنهما أوجبا، لأن هذه فرقة قبل الدخول وأنها تبرئة عن المهر كله لولا الثبوت من قبل الزوج فهما بالإضافة إليه منعا علة البراءة عن العمل حتى لم تثبت البراءة فصار كأنهما أوجبا بعد البراءة والله أعلم.
مسألة:
المجروح إذا عفى عن الجرح أو القطع أو الشجة، ثم مات منه لم يجب شيء عند هما وقال أبو حنيفة: تجب الدية استحسانا، والقياس أن يجب القصاصفهما يقولان إنه عفى عن حقه فيصبح كما إذا عفا عن الجناية القطع وما يحدث منه أو وإنما قلنا: حقه لما ذكرنا في المسألة الثانية أن القطع حقه، وإن كانت الجناية نفسا فكيف يبطل بصيرورته نفسا، ولأن الجناية وإن كانت عامة تعم القطع والقتل فالبراءة لا تصح من حيث تناول القتل فإنه لو نص فقال أبرأتك عن ضمان القتل لم يصح، فثبت أنه يصح لما أنه يتناول ما دونه وما دونه قطع، ولأن أداء ما يتعلق وجهه بالقتل جائز قبله وهو الكفارة فالإبراء أولى لأنه أوسع ثبوتا من الأداء، ولأن الإبراء ينصرف إلى الواجب
الجزء 1 · صفحة 41
له من الضمان بالقطع، وله ضمان ثابت سرى أولم يسر فالجناية مضمونة حقا له إلا أنا نجهل ما يثبت للحال وجهالية الضمان لا تمنع صحة البراءة، حتى إذا تزوج على القطع المرأة التي قطعته كان لها مهر المثل لا لأنه سمى ماليس له لكن لأن المسمى مجهول، فلم تصح التسمية ولأنه إبراء عن القطع وهو للحال قطع وإنما يتوهم الإنقلاب قتلا، فيكون قبل الإنقلاب حقه في قطع مثله، فيصح العفو، وإذا صح هدر ما بعده بناء عليه كما لو أذن له بالقطع ابتداء فصار قتلا، كان هدرا لموافقته إذنه ابتداء. ولأنه متى صح فارق الجملة بحكمه فيصير فى حكم ما لو فارق بالبرء على ما مر. دل عليه ما قالوا في رجل ادعى على رجل إنك شججت ولى موضحة فمات منه، وشهد له شاهد بالشجة لاغير، والآخر بالشجة والموت منها قضى بالموضحة ولو كانت غير التي سرت إلى النفس لما قبلت الشهادة. كما لو ادعى قتلا عليه من الابتداء وشهد الشاهدان عليه بالشجة، ولا يلزم الوكيل بالصلح عن الشجة إذا صالح عن الشجة وما يحدث لأنه زاد مالم يسم له فصار مخالفا 9 كالوكيل بالصلح بألف درهم إذا صالح بخمسمائة ولانا سلمنا أن نفس القطع ابتداء ينقلب قتلا من أصله إذا سرى إلى الموت، إلا أن يفارق سحل القطع محل القتل بحكمه فإذا فارقه يحكمه صار في حكم نفسين، وحكم ما لو برأ منه ثم جاء الموت بسبب آخر ولا مفارقة بين أجزاء الجسم في صفة حلول الجناية بها في أنها عدوان إذا لم يكن عن إذن، إلا أن يكون القطع جزاء، وإنما يفارق بعضها بعضا إذا كان جزاء لا يعم البدن فيكون بعضها محلا لاستيفاء الجزاء منه دون البعض. فأما إذا لم يكن جزاء أو استحق الكل جزاء فلا فرقان في حق انعقاد الضمان وسقوطه، ولا يعتبر القطع قطعا ثم قتلا ثم يكون له اسم ماله لا محالة ولا يلزم على هذا رجل أقر أنه لا جرح له على فلان ثم ادعي قتلا صح، أو قال لا قتل لى عليه ثم ادعى جرحا صح فإنه يدل على أنهما غيران لأنهما غيران غير عينين، فالسراية تغير صفة على الحقيقة والعين لا تتغير بتغير الصفات، والكلام في العين المشار إليه من القطيع يصير أنه لا شيئا آخر بالموت كالصبي و الشيخ غيران إذا سميا غير عينين، وإذا عين الصبى ثم شاخ كان ذلك بعينه.
ولانا نقول إن القتل غير القطع وكانا واجبين حقا للإنسان والكلام وقع في الاستيفاء، فإن القطع يستوفى بقطع، والقتل كذلك علي أنا لا نسمى قطعا يسرى إلى الموت إلا إذا انقطع عن النفس بحكمه فالحقناه بما لو انقطع عنه بالبرء فيكون على هذا اتفاقا على الاسم، ولا خلاف أنه إذا انقطع عن النفس قطع، وإذا اتصل به قتل فيعود الكلام إلى اثبات الإنقطاع أو الاتصال، وقد
الجزء 1 · صفحة 42
انقطع في الفصل الأول يكونه جزاء وأنه مخصوص به دون النفس محلا وفعلاً وفي مسألتنا هذه انقطع باسقاط الضمان الذي هو وصف القطع الموجود بقدره فإنه مضمون بنفسه للحال، ولكن إذا انقلب قتلا انقلب ضمانه أيضا، ولما سقط ضمانه فارق بحكمه حكم التعدى على النفس فإنه مضمون، وفي الفصل الوسط ما فارق نفسه في كون كل جزء منه محلا يستوفى القتل منه من طريق القطع فيقع غير مضمون.
ولأبي حنيفة: أنه عفى عن غير حقه فلم يصح كما إذا عفى عن الأنف وله اليد وإنما قلنا غير حقه لأن حقه القتل، وأنه عفى عن القطع وهما شيئان على ما ثبت الاتفاق عليه إلا أن يتغير بدليله، وما دليله إلا سقوط الضمان بالعفو وذلك الضمان متميل بين أن يكون ضمان قطع أو ضمان نفس وهما مختلفان، وأنه يسمى ضمان القطع. وتبين لنا أنه لم يكن له ذلك وإنما كان ظنا منا ظنناه فلم تصح البراءة، فلم يصر للقطع حكم نفسه، والقتل، زيادة عليه، بل اعتبر موقوفا على ما تبين في الثاني ولهذا كان القياس أن يجب القصاص كما لو عفى عن الأنف، إلا أنه استحسن إسقاطه لشبهة الصحة بقيام صورة القطع حال إضافة العفو إليه، بخلاف الإبراء عن الجناية لأن الضمان ضمان جناية صار نفسا أم لا، قلب يصادف هذا اللفظ ماليس بحق له، وصحت البراءة عن ضمان القتل بلفظ الجناية دون لفظ القتل، لأن اسم القتل لا يثبت إلا بعد الموت، فكذلك البراءة عن القتل يكون بعد الموت فيتناول حق الورثة واسم الجناية قائمة للحال وهي سبب لثبوت ضمان القتل وإن لم يثبت فيقتضى براءة للحال، ولا حق للورثة للحال يسعده عن صحة التصرف نفاذاً للحال الا ترى أن من قال لآخر: اقتلنى، فقتله ضمن، ولو قال: اقطع يدى فقطع فمات منه لم يضمن لأنه تناول حقه للحال فكذا هنا. وكذلك إذا قال: أقتل عبدى، لا يضمن القاتل، لأنه حقه، ولم يفسد لا نعدام الواجب، لأن البرء وإن صح بعد سبب الوجوب قبل الوجوب كالأداء على ما زعمت، وإنما أبطلنا بلفظ القطع، لأنه لم يكن سببا، إنما السبب فعل يسمى قتلا، أو جناية وأما قوله: إنه للحال قطع مضمون فيهدر بالعفو فلا كذلك بل هو قطع على احتمال أن يكون غير قطع، فإذا تبين في الثاني كان الحكم لما تبين فيصير عافيا عن غير حقه ولا يلزم مسألة الشجة لأنها سبب القتل فصار لمدعى القتل حق أن يدعى سببه لأن الحق إنما يثبت بسببه فيصير إذا ادعى السبب مع حكمه في حق صحة السبب كأنه ادعاه وحده دون المسبب في موضع يصح منه ذلك ألا ترى أنه إذا قال الرجل: هذا عبدى اشتريته من فلان الغائب وأنكر ذو
الجزء 1 · صفحة 43
اليد ذلك وأقام البيئة ثبت الشراء من الغائب كأنه كان حاضرا، وادعى عليه السبب مقصودا دون الملك فكذلك ها هنا يصير كأنه ادعى شجة بلا ضمان قتل وقد اجتمع عليه الشاهدان لأن الذي شهد بالشجة والسراية لم تصر شهادته حجة في السراية لأنها شطر العلمة فتصير في حكم العدم فى إيجاب الحكم فيصير كأنه لم يشهد فلا يصير من حيث الشهادة أحد هما قتلا والآخر شجة والمعنى أن الشجة صارت مقصورة بالدعوى، فكذلك تصير مقصودة بالشهادة ليثبت السبب كما إذا ? ادعاه ثم يثبت الحق بناء عليه، كما قلنا في مسألة دعوى الملك والشراء.
وأما قوله: بالسراية يتغير صفة القطع فلا كذلك بل يتبدل أصليه لما ذكرنا أن محل الانفعال يتغير من الجسم إلى الروح والحياة، كرمى الصيد يصير شيئا آخر إذا أصاب آدميا، ولا يلزم إذا قال المجروح لم يجرحنى فلان ثم مات منه وادعى الوارث القتل عليه لم يصح، لأن قوله لم يجرحنى إنكار وإخبار عن العدم فلا يبتنى صحته على وجود الجرح حقا له بل يبتنى على العدم، ليصير الخبر حقا صدقا وانعدام أصل الجرح الذي مات منه من فلان يقتضى انعدام القتل مضافا إليه ضرورة فبطل دعوى الوارث بمقتضى كلامه، لا بمنصوصه، وكينونة القتل والجرح شيئا واحدا، حتى إذا قال على سبيل الإبراء لا جرح لي عليه ثم ادعى عليه قتلا صح علي ما مر.
فثبت الآن أن القتل والقطع شيئان مختلفان كالجدع والفقء لاختلاف محل حكميهما، أحدهما في إبانة جزء محسوس، والآخر في إزالة حياة من، فثبت أن الصحيح أن القطع إذا مات منه المجروح يكون الأجزاء، فثبت قتلا من الأصل على سقوط اسم القطع تسمية وحكما من الأصل، لا على سبيل الانقلاب ولا الانضمام إلى القطع لأنه طريق القتل على ما مر بيانه، إلا أن ينقطع الابتداء عن الانتهاء بحكمه، فيبقى الابتداء باسم القطع كأنه برأ منـ والانتهاء قتلا بسبب آخر. إلا أنهما يقولان: إن ابتدأ القطع له ضمان نفسه كما لو برئ ثم ينقلب بالسراية إلى شئ آخر كالبيض ينقلب صيدا إلا أن يتبين أنه كان صيدا فصححا العفو عن ضمان القطع لقيامه للحال وكذلك القصاص لثبوت المساواة للحال ولصحة البراءة وتتغير حكم الجملة يصير مقطوعا كما لو برئ وأبو حنيفة يقول: ليس يصير قتلا بالانقلاب فإنه لو كان كذلك لما كان الموجود قبل أن ينقلب سببا، فكان لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الموت كما لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث، واليمين هو السبب، لأنه لا يكون سببا ما لم ينقلب مرسلا في حق إيجاب الكفارة بعد ما كان
الجزء 1 · صفحة 44
معلقا، فاليمين في حق الكفارة كقوله: إن دخلت الدار فعلى إطعام عشرة مساكين والحنث بمنزلة الدخول، فلما جاز التعجيل ها هنا علم أنه بنفسه يصير قتلا، كالنصاب لا يكون علة الوجوب إلا بعد البقاء حولا وأنه لا ينقلب شيئا آخر بل هو ذلك النصاب بعينه وإنما يتم صفة النمو بالمدة فكذا هاهنا هو ذلك القطع إلا أنه وصف عمله بأن عمل في الحياة، وكيف ينقلب وهو بصورته لم يتبدل ولا تغير إنما ازداد وصف السراية إلى الموت فإذا كان كذلك لسم يثبت له حكم متقرر للحال يمكن بناء أمر عليه فإنا متى أثبتنا ذلك، ثم استقطناه بحكم آخر لابد من علتين إحداهما ناسخة للأخرى، وحينئذ لا يستقيم تعجيل ما تعلق بالأخرى بقيام الأولى بل له أحد حكمين إما قطع أو نفس لا يعرف ذلك إلا بالمآل، فلا تثبت البراءة في الفصل الأول بحكم القصاص لأنه لم يثبت أنه قطع بعد، وفي الفصل الثاني لا تثبت البراءة مطلقا عن القطع لأن حقه القتل قصاصا، وإنما يكون قتلا إذا مات منه، ولم يثبت وإنما يكون قصاصا إذا بقى القتل الأول، وقد سقط بالعفو كله، وفى الفصل الثالث إنما يصح العفو إذا ثبت أنه قطع ولسم يثبت بعد أو تبين أنه قتل والله أعلم.
مسألة:
إذا قتل الرجل عمدا وترك ورثة صغارا وكبارا، كان للكبار حق استيفاء القصاص عند أبي حنيفة. وقال صاحباه: لا يملك، لأن القصاص من أحد ضماني القتل للعباد فلا يملك الواحد من الورثة استيفاء الكل قياسا على الدية وكما إذا كانوا كبارا كلهم بعضهم غُيَّب، وهذا لأن القصاص لما وجب حقا للعباد كالدية، علم أنه واجب بإزاء المقتول فيجب له شم پورث عنه كالدية. و لأنهم ما استحقوا إلا بأسباب إرث المال، والله تعالى طبق ببعضها النصف ببعضها الثلث، وببعضها للذكر مثل حسظ الانثيين، ولم يوجب كملا لكل واحد آلا ترى أنه إذا على أحدهم تحول نصيب الباقين مالا، ولو ثبت الكل له لم يبق ضمان آخر كما لو تفرد، أو لو ثبت لكل واحد منهما قتل لملك الباقى قتله، كما إذا قتل رجلين ثم عفى ولي أحدهما ولا معنى لقولكم: أن القصاص لا يقبل التجزى لأنه لا يحتمله في حق من عليه لأنه لا يتصور أن يجب بعضه دون بعض أو يقتل بعضه دون بعض، فأما في حق المستحقين فجائز ذلك إذا وجب لهم جملة فى حق المحل الذي لا يقبل التجزى لأنه لا يتصور أن يضاف إليهم جملة كعبد بين اثنين أعتقاه ه ثم قتل يجب لهما قصاص واحد بينهما. وكذلك رجل قطع يمينى رجلين فإنهما يقطعان يمينه فيما
الجزء 1 · صفحة 45
بينهما ويأخذان الأرش بينهما، فصار القطع بينهما نصفين وأنه لا يتجزى في نفسه وكذلك الرهن عندنا لا يصح شائعا، ولورهن عند رجلين شيئا صح وانقسم في حقهما حتى وجبت القسمة بينهما وحبس كل واحد منهما النصف، لأن الآبي والمانع للتجزى محل الرهن بدليل عرف، إذا أُضيف إليه المقد جملة صار الكل مرهونا جملة بلا تجزفلم يفسد بتجز ظهر فى حق المرتهنين حتى لا يملك أحد هما إلا حبس النصف ما بقي حق الآخر ? معتبرا معه. وكذلك ولاية النكاح لا تثبت على نصف الشخص،، وإذا اعتقا أمة ثبت لهما جملة ولاية النكاح لا يملك أحد هما التفرد بالاستيفاء ولا يلزمنا إن قلنا إذا قتل أحد الورثة لم يضمن شيئا لأن أجنبيا لو قتله لم يضمن لهم شيئا، فكذلك هذا في حق سائر الورثة وأما للمقتول فلما ذكرنا أن الوجوب عليه غير متجز فيصير في حق المحل كأن كل واحد استحق الكل آلا ترى أن المرتهنين متجز حقهما فيما بينهما لا يملك أحدهما. إبطال حق الآخر، وفي حق المحل لا تجزى حتى إذا قضى الراهن دين أحد هما لم يسترد النصف الذي كان في يد من قضي له دينه، بل يحبسه الآخر كأنه كان هو المرتهن وحده بجميع الدينين، وقضى بعض حقه فيبقى له حق الحبس إلى آخره. وعلى هذا كان يجب أن يبقى للباقين حق القصاص إذا عنا أحدهم ولهذا اختلف فيه الصحابة ? إلا أنه باب يسقط بالشبهة، وقد أخذ شبهة التجزى فى حق المستحق علي ما مر. وهذا يوجب أن لا يبقى للباقين الكل فسقط بالشبهة كما لو تجزا حقيقة، على أنا قلنا: إن القصاص يجب للميت أولا جملة ثم الورثة يقومون مقامه كأنه فما لم يجتمعوا جملة لا يصيرون كالميت، فلا يملكون استيفاء کل ما كان للميت كما في سائر حقوقه إلا فيما يقبل الانقسام عليهم، ولا إشكال في ولي قصاص مات عن ورثة قبل الاستيفاء أن ورثته قاموا مقامه، وأن القصاص لهم حق موروث، وأنه وجب جملة ثم تفرق فكذلك ها هنا، وتبين أن القصاص إن كان لا يجب أجزاء متفرقة على من عليه فيبقى أجزاء متفرقة للمستحقين.
مسألة:
ولهذا قلنا: إن أحد الورثة إذا أثبت القصاص بقتل وليه ثبت للكل لأنه حق موروث كسائر الديون، فيكون الواحد من الورثة خصما عن الجميع لأن الإيجاب للميت فإنهم بمنزلة الوكلاء عنه حال الحياة فيملك كل واحد من الوكلاء في الخصومة التفرد بها على ما عرف، هذا طريقهم، وهو حسن واضح. ولأبي حنيفة: أن حق القتل ثابت لكل واحد منهم على الكمال كأنه لا وارث
الجزء 1 · صفحة 46
معه غيره، أو كأنه قتل رجالا لكل ولي على حدة، فإن كل واحد يستحق قتلا على الكمال والدليل عليه: أن القصاص يثبت للورثة ابتداء لا إرثا عن الميت والله تعالى أثبت لهم الحق بأسباب الإرث باسم النصف والثلث والربع، والثلثين، أو للذكر مثل حظ الأنثيين، فأوجب لهم بسهام مفصلة وهى عبارة عن البعض، وقد تعذر إيجاب البعض ابتداء بالإجماع، فإما أن يبطل الوجوب أو يجب كملا لكل واحد الماس من قبل هذه في عشرة قتلوا واحدا يكون كملا لهم لحقوقهم عليه ولم يبطل فيما نحن فيه فعلمنا أنه وجب كملا لكل واحد في حق كل واحد، ولأنه لو بطل لم يجب قصاص أبدا لأنه يجب للورثة وهم عدد في الأغلب. ألا ترى أنهم قالوا فى الرهن إذا رهن مالا عند جماعة لكل سهم معلوم لم يجز، إن أضاف المقد جملة إلى الرهن لأنه لم يثبت الاستحقاق لهم بجملة المقد بل بسهام مفصلة هي عبارة عن الأجزاء فبطل كما لورهن عند كل واحد ثلثا وربعا وسدسا بعقود مختلفة، فثبت أنه لا فرق بين تفرق الأسباب وبين تفرق السهام في حالة واحدة ثم لم يجز أن يثبت لكل إنسان بعض القصاص بأسباب شتى متفرقة، فكذلك بسبب واحد جملة. فإن قيل: إن الله تعالى لما أثبت التفصيل فيما تركه الميست فيكون التفصيل في البقاء بعد الوجوب، وأنه مستقيم على ما ذكرنا من طريقين قلنا: إن القصاص لا يثبت إلا للورثة ابتدأ لكن على سهام المواريثبدليل أنه يجب بعد الموت، والموت ينافي بقاء الملك للميت فيمنع ابتدأ الثبوت له إلا أن المال قد يصير في حكم ملكه، وإن وجب بعد موته لأن الشرع بقى للميت حق المالكية ليتدارك به ما فرط في حال حياته مما يقضى بملكه فبقى شرعاً بخلاف القياس كما ثبت الملك بالإرث والإيصاء للنطفة في الرحم بالشرع بخلاف القياس، لإلحاقنا إياه بالأحياء حكما وإن كان ماء مهينا، ولما وجب إبقاء حكم الحياة والمالكية بعد الموت شرعا لحكمه تدارك حقوقه اقتصر على ما يمكن التدارك منه، ولا يمكن من القصاص، فلا نجعله ملكا له بل نقيم الورثة مقام الميت فى ابتداء وقوع الملك لهم كما يقوم الموكل بالشراء مقام الوكيل بالشراء في ابتداء وقوع الملك له في المبيع، وإن كان الشراء واقعا للوكيل على ما ثبت من مذهبنا وكذلك المولى مع عبده المأذون، وكذلك الموصى له بثلث المال لا يملك شيئا من القصاص لأنه ليس بمال، ولو كان ضمان النفس دية ثبت الثلث له وكذلك لو انقلب القصاص مالا ولما ثبت أنه يجب للورثة ابتداء باسم النصيب لم يمكن الإيجاب شائعا، وقد ثبت الوجوب بالإجماع ثبت أنه يجب كملا، وهذا كما قلنا: إن الرهن لجماعة منقسم في حقهم بينهم، وفيما بين كل واحد منهم، والرهن والراهن كانه ارتهن وحده فصار عقودا في جانب لا
الجزء 1 · صفحة 47
يقبل التجزى وعقدا واحدا على الشركة فى جانب قبل التجزى فكذا ها هنا القصاص واحد فى حق من عليه لأنه جاء بقتل واحد، واستغنى عن العدد لصحة الوجوب عليه، وفي حق المستحقين في حكم أعداد لأن الإيجاب لهم لم يستقم إلا بهذا الطريق، وأنه ليس بإيجاب زيادة في حق المقتول لأن هذا العدد لا يظهر في حقه بوجه، وإذا كان كذلك ملك كل واحد الاستيفاء بانفراد ه لأنه لا زيادة في حق القاتل الذي عليه القصاص وإذا عفا واحد لم يبق للباقين، لأنه لا يبقى إلا بأن نجعله أعدادا في حق من عليه وفي حقه هو واحد. ولا يلزم إذا كان الشريك غائبا كبيرا لأن المانع قيام شبهة السقوط بتوهم عفو الغائب، وسع شبهة الإسقاط لا يستوفى القصاص، وإن ثبت لواحد على واحد، ولا مناظرة لهم معنا في تحقيق الشبهة، لأنا نذب عن صاحب المذهب و قد نص صاحب المذهب على أني منعت إذا غاب الكبير لشبهة السقوط. فإن لم يمكنه إثبات الشبهة لم يثبت الخطأ فيما نحن فيه، بل يثبت في تلك المسألة تلك المسألة، ويلزمه أن يقول بالوجوب فيها، ولا مناظرة في تلك المسألة فأما القصاص الموروث بموت الولى فلا رواية فيه وكذلك لا رواية في عبد أعتقه رجلان ثم قتل أو قتل وله موليان ويجوز أن لا يثبت القتل لأحد هما إلا إذا اجتمعا، كما في إنكاح الأمة اعتقها رجلان، أو قبل الإعتاق لأن كل واحد منهما مالك للنصف، والولاية على الشخص لا تثبت إلا بالكل، والكل لا يثبت إلا بهما فقاما مقام رجل واحدوالواحد منهما كنصف رجل وشطر العلة فأما أسباب الاستحقاق لكل وارث فكامل علة بنفسه بلا شرط ضم الآخر إليه، والسبب في الكمال مع شريكه كما هو لولا الشريك كما في ولاية المناكح فلا يكون الواحد كبعض المستحق ولا يشترط الإجتماع للاستحقاق بل كل يستحق بسببه فإن كان الموروث قابلا للتجزى ملكه كذلك وإلا استحق الكل في حق الاستيفاء، لأن هذه الزيادة تثبت استحقاقه ولا يضر بالمستحق عليه على ما ذكرنا: أن العدد لا يثبت في حقه، فيغارق مسألة إرث القصاص مسألة مولى العتاقة، كما قالوا في النكاح: إن كل واحد من الأولياء يزوج المرأة، والموالى إذا أعتقوها لم يملكوا التزويج إلا بعد الإجتماع، وكذلك قبل الإعتاق. ألا ترى أن العلة ثبوت الولاء، ولا يثبت إلا بالإعتاق والنصف لا يكون إعتاقا بانفراده، ولا يوجب ولاية التصرف، فكذا فيما نحن فيه، إلا أنه يقال عليه إنما يجعل الواحد أعدادا حكما بعلة أنه لا يمكن الإثبات أبعاضا، وها هنا يمكن الإثبات بإقامتهم مقام الميت بسهامهم فيصيرون جملة كنفس واحدة بحكم القيام مقامه فيكون هذا أيسرمن جعل القصاص الواحد أعدادا في حق الاستيفاء دل عليه أن الزوجية ما جعلت علة
الجزء 1 · صفحة 48
لاستحقاق الجميع بحال، فبطل قوله: إن العلة كملت لكل شخص فحاصل كلام أبي حنيفة يرجع ? إلى أن سبب استحقاق بعض القصاص متى ثبت بعضا استحق كلا، لأنه لا يقبل التجزى كمن طلق نصف امرأته، أو تزوج نصف امرأة، وما يجرى هذا المجرى مما يثبت باسم النصف، والمستحق غير قابل للتجزى فإن قيل العبد لا يقبل التجزى وثبت ملكه الجماعة.
وكذلك الدرة، ومالا ينقسم ويتلاشى إذا قسم قلنا: لاجرم إذا ملك جماعة ما ملك كل إنسان عبدا ولا درة و إنما ملك جزءا منها لا يسمى عبدا ولا درة حتى قلنا: في عدين بين اثنين لا يلزمهما صدقة الفطر، لأن الوجوب معلق بملك العبد، وما ملك كل واحد عبدا غير أن العبد بنفسه أجزاء مجتمعة وكذلك الدرة، فصارت بالأجزاء مستحقة لذلك الاسم فقبل ملكه والمملوك هو الأجزاء المتجزى. فأما ثبوت الحياة للشخص أو زوالها فمما لا يقبل التجزى ثبوتا ولا زوالا، والشبهة أنهما يقولان إنا لا نثبت حق القصاص أبعاضا الجماعة لكنا نجعل الجماعة كشخص واحد في الاستحقاق جملة كما إذا مات الولي وورث عنه، و في رجلين أعتقا أمة في ولاية النكاح والله أعلم.
مسألة:
أحد الورثة إذا أقام البينة على القصاص ثم جاء الباقي لم يملك قتله حتى يقيم البينة ثانيا على قول أبي حنيفة لأن القصاص ثبت لهم ابتداء لا على سبيل الإرث عن الميت على ما مر، فلا يصير بعضهم وكيلا عن البعض كما إذا اشتروا عبدا وجحد البائع فأقام أحدهم البينة، بخلاف الدية لأنها تثبت للميت، ثم تورث عنه، لما له فيها من النفع من قضاء الدين والوصية مخلاف بدل القصاص فإنه يصلح للميت على ما مر فهذه المسألة لا تخرج إلا على طريقة الابتداء ويجب أن تكون مسألة ولى القصاص إذا مات وورث عنه: أن يكون أحد الورثة إذا أقام البينة أن يثبت القصاص في حق الكل بلا خلاف، ولا يلزم على شيء من هذا إذا على أحدهم لا يبطل نصيب الباقي لأنا أثبتنا التجزى في حق ولاية الاستيفاء، لأنه لا يتصور إلا كذلك فأما في حق الاسقاط فصيحيح إسقاط البعض دون البعض لأن الباقي يصير مالا فيستقيم إثبات البعض دون البعض وأبو يوسف ومحمد أثبتا الكل لكل واحد في حق المحل دون الأولياء حتى إذا استوفى أحدهم لم
الجزء 1 · صفحة 49
يضمن للمقتول شيئا، ومنعنا الواحد الاستيفاء لحق الباقين وأبو حنيفة أثبت الكمال لكل واحد في الاستيفاء دون العفو، فصارجانب المحل متفقا عليه، وجانب العفو متفقا عليه، وولاية الاستيفاء مختلفا فيه، في الرد إلى طرف المحل أم طرف العفو وقد احتج مشايخنا بقتل الحسن بن علي بن أبي طالب قاتل أبيه عبد الرحمن بن بن ملجم، وكان في عدد ورثة علي كثرة وكان فيهم الصفار فهذا قتل روى عنه ولم يظهرله سبب صحيح غير قتل أبيه فصار مضافا إليه، وكان قصاصا لا حدا يثبت أنه كان إماما حتى يقتله حدا ولأن أباه عليا كان قال له حين بلغه أخذ عبد الرحمن: أن احبسه فإن صححت فأنا أعلم به، وإن مت فاقتله إن شئت وروى هذا عن على رضى الله عنه فيصير مذهبا له أيضا، ويكون قوله: "أقتله إن شئت" دليلا على أنه قصاص، والحد مما يجب على الإمام إقامته وكذلك لم يثبت لنا أن عبد الرحمن كفر بالله، إنما نقل قتله عليا، والقتل وإن كان كبيرة فلا يوجب الكفر ولان عليا قال له: اقتله إن شئت، وعلى الكفر يجب القتل حتما، إلا أنه روى أن الحسن مثله، والمثلة لا تجب قصاصا فدل أنه وقع سياسة وأنه أمر مشكل والله أعلم.
مسألة:
القصاص يستوفيه الرجال والنساء وقال الشافعي: لاحظ للنساء في الاستيفاء ولهن حق العفو لأن المرأة ليست من أهل القتل لضعفهن، ولهذا لا تقتل الكافرة الأصلية، ولا يضرب عليهن الجزية الواجبة مكان القتل فصارت وإن كانت كبيرة في حق استيفاء القصاص كالصغيرة ولكنها تملك العفو لأنها كبيرة. وهذا كما قلنا: إن المرأة لا تلى عقد النكاح وتملك الرد إذا نكوت بغير إذنها لأنها ليست من أهل المباشرة للحياء الذى بهن، وذلك الحياء فى غير البكر لا يبلغ مبلغا يمنعها عن التكلم بالرد أو الإختيار أو نقول: إن طريق القصاص طريق الولايات على الغير دون الأملاك من وجه بدليل أنه لا يظهر من ذلك الملك شيء إلا القتل الذي هو تصرف فأما القاتل فنفسه على الحقيقة مملوكة له لا للولى على ما مر ومن وجه قد ثبت للولى ضرب ملك على القاتل على ما مر شرحه، فمن حيث أشبه الولاية حجرناها عن الاستيفاء فالولاية فيه تثبت كما حجرناها عن ولاية النكاح والتصرف في مال.
ولنا: أن القصاص مبنى على ملك الولى على القاتل كما يثبت للزوج على المرأة بعقد النكاح، ثم القتل مملوك له بناء على ملك المحل كما يملك الرجل الوطء بحكم ملك المحل على ما مر بيان والمرأة تساوى الرجل في الولاية الثابتة بحق الملك، إنما تفارقه فيما يثبت من الولاية على الغير نظرا
الجزء 1 · صفحة 50
لها لنقصان عقلها وضعف رأيها، ولما ثبت للمرأة ضرب ملك حتى ملكت العفو والصلح، ثبت لها ولاية الاستيفاء. والجواب عن قوله إنها ليست من أهل القتل قلنا: إنها إن لم تقدر وكلت فإنها من أهل التوكيل والتوكيل صحيح بالاستيفاء.
مسألة:
وقال بعض الناس: لا حق للنساء في القصاص وبدله ولا الدية لأنه يجب بعد الموت والنكاح منقطع. ولنا: ما روى عن ضحاك بن سفيان الكلابي أنه قال: ورد علينا كتاب رسول الله عليه السلام أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم، ولأن الدية موروثة كسائر الأموال، فتجب للميت أولا ثم تثبت للوارث، ولا يقع للميت إلا بأن يستند الوجوب إلى سببه وهو الجرح كالرجل يرمى صيدا فيموت ثم يصيب الصيد فإنه يورث عنه كغيره وإن وجب بعد موته لهذا المعنى على أن النكاح باق عندنا إلى أن ينقض العدة حتى إنها تغسل زوجها لهذا المعنى لما بينا في موضعه، والله أعلم.
فصل: الشبهة بالآلة
مسألة:
الآلة، قال أبو حنيفة في الأصل: لا يجب القصاص إلا بما يقتل جرحا من حديد أو خشب له حد أو نار، أ وبالحديد إذا كان دقا ولا يجب بما سواه. وعلى رواية الطحاوى لا قصاص إلا بما قتل جرحا لا دقا وقال أبو يوسف، ومحمد والشافعي: كل آلة يقصد بمثلها قتل النفوس وجب بها القصاص كالدق بعصا كبيرة أو بحجر ثقيل، ولا يجب بالعصا الصغير والسوط والسم وسقى الأدوية وقال الشافعى وحده: يجب بالعصا الصغيرة والسوط الصغير إذا والى ضرباته حتى مات ولا يجب إذا لم يوال أما الشافعي فإنه يقول: إن السوط بلا موالاة إنما يقصد به التأديب فصار القتل خطأ منه فأما الموالاة بالسوط إلى أن يموت فسبب للموت على سبيل القصد كالضرب بالكبير بلا موالاة فيصير الضارب مواليا عامدا قتله، فقد قصد قتله بسببه الموضوع له فلا يبقى شبهة كما بالكبير، وإذا لم يوال كان الفعل تأديبا لا قتلا كما في حق الدواب والعبيد فإن أدى إلى التلف كان خطأ على بناء وضعه وقصده، بخلاف الجرح فإنه سبب التلف وضعا فإن القوام بالبنية وهذا نقض للبنية وإن قل، فكان من الإتلاف.
الجزء 1 · صفحة 51
ألا ترى أنه لا يفعل مختارا إلا لطلب شفاء لدفع مرض أو إقامة حق الله تعالي كما يقتل النفس لحق الله، وكما يشرب السم القاتل لدفع ما هو شر منه لا أن يكون ذلك غذاء وضعا وكذلك البزغ والختان ليسا من التأديب والتهذيب في شي بل صير إلى الختان لإقامة أمر الله حتى لم يشتغل به من لم يعرف الأمر، والفصد يصار إليه لدفع شر فوقه، والضرب تأديبا قد يصار إليه لطلب زيادة منفعة و صلاح عسى سبيل الابتداء أو الاختيار فلم يكن من أسباب الفساد وضعا.
واحتج الجماعة: بالعمومات الموجبة للقصاص من الكتاب والسنة ولما روى أن يهوديا رضخ رأس صبية بالحجارة فأمر النبي عليه السلام: يرضخ رأسه بالحجارة قالوا: والمعنى الفقهى يدل عليه وهو أن كل آلة وجب القصاص بجرحها وجب بكسرها ودقها قياسا على الحديد، وهذا لأن الحياة متعلقة بسلامة البنية وهى تفوت مرة بالدق ومرة بالجرح، ولأن العمد إلى القتل عادة بحجر رحى يسقطه على إنسان من السطح فوق العمد إليه بجرح إصبع ونحوه أو دونه ولأن المصا الكبيرة مما يقاتل به عادة كالدبوس والهراوة، والحجر، مما يرمى به کالسهم بخلاف السوط فإنه مما لا يقاتل به عادة وإنما يعد تأديبا أو للدابة حال الكسل تسييرا فتمكن ? حال الضرب به حتى مات شبهة التأديب وشبهة أنه ليس بعمد قتل ولأن الضربة الأولى لومات منها وحدها كان خطأ ولم يكن موجبا للقصاص، فالضربة الثانية والعاشرة معها لا توجبه أيضا وإن كانت قتلا كرجل جرحه رجل خطأ ثم جرحه عمدا فمات منها لم يجب القصاص لتمكن شبهة الخطأ فيه بانضمام الخطأ إلى العمد فكذلك هذا فضربتا السوط بينهما تجاور كضربتي السيف وكل واحد بانفراد، يصلح سببا للموت ويجب به الضمان منفردا عن الآخر فكانت عند الإجتماع عللا فإن قيل: إنما لم يجب القصاص بالواحد لأنه أدب في نفسه وضعا والموت منه كان خطأ على اعتبار الوضع، كمن رمى صيدا فأصاب مسلما كان مباحا له من حيث أنه اصطياد في اجتهاده وانقلب قتلا خطأ، فأما إذا قصد الموالاة وهى ليست للأدب صار شيئا آخر قتل عمد الأصل من من غير أن يبقى من الأول خطأ كما كان، وكان كمن شرب المثلث الشديد على أصلكم دون السكر للاستمراء كان مباحا، وإن والى حتى سكر، أثم ووجب الحد؛ لأنه لما والى صار إسكارا من الأصل وسقط معنى الاستمراء، ولم يقل سكر بما يمرى طعامه، وهو حلال لا يتعلق به حد كالبنج، وما هو حرام وهو القدح الأخير، فلا يجب الحد للشبهة، بل أوجب الحد لأنه من أوله
الجزء 1 · صفحة 52
يصير للإسكار عند الموالاة ويصير شيئا آخر قلنا: إن الشربة الأولى مع الأخيرة صارت مسكرة ولو أسكرت بنفسها لوجب الحد ولم يسقط بسبب أنها لا تسكر عادة وحيث اسكرت كان خطأ فلم تصر الأولى مانعة وجوب الحد فلم توجب ? شبهة المنع مع الأخيرة، وإنما لم توجب الحد حال الانفراد لأنها لم تسكر والعاشرة كذلك إذا لم تسكر لا توجبه عدم الحد لعدم العلة لا لمانع وها هنا الضربة الأولى، وإن قتلت منعت الآلة وجوب القصاص كالجرح خطأ، فكان السقوط بمانع لا لانعدام العلة وهى القتل، وشبهته أن العلة هو القتل والجرح سبب موضوع له على ما بينا، فإذا اجتمعت الجراح سميت أسبابا والا فأما الضربة بالسوط فموضوعة للتأديب عند عدم الموالاة، وللقتل إذا جاءت الموالاة من حيث العادة، فعند الموالاة لا تجعل الضربات عللا للقتل عمدا بل نجعلها علة ? واحدة، كما في السكر بشرب الأقداح لا تجعل الأقداح عللا لاعتبار الموضع عادة، فإن الواحد عادة يشرب للاستمراء لا للاسكار وإن كان القدح قد يسكر نادرا بضعف الشارب، والأحكام لا تبنى على النوادر والجواب عن هذا أن الضربة الأولى لما صلحت للقتل إذا انفردت وجاء الموت عقيبها لم يضطر إلى ضم وصف آخر إليها عند الإجتماع فبقيت علة كالجرح سواء، وكذلك نجعل القدح لما صلح علة للاسكار بنفسه في الجملة فعند الإجتماع لا نخرجه من أن يكون علة غير أنها بانفرادها لو أسكرت أوجبت الحد وإن قصد الشارب الاستمراء فعند الإجتماع لم يوجب شبهة مسقطة.
وأما الحجة لأبي حنيفة: فما روى عن النبي عليه السلام أنه قال:" ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الأبل "ولم يفصل بين الموالاة وغيرها وبين العصا الصغيرة والكبيرة.
والإعتراض عليه لأبي يوسف ومحمد أن السوط اسم لما يساق به الدواب ويحد به العصاة، والعصا المطلق اسم لما يعتصي به المرء في ذهابه وقيامه أي يستعين بها ويتوكا عليها، والكبير الذى يصلح للقتال به مما يثقل حمله على المرء، ولا يكاد ينتفع به لهذه الأغراض ولا يصلح لها، وهو يسمى هراوة، ولا يسمى عصا إلا مجازا، فيصلح هذا حجة على الشافعي ولأن النبي عليه السلام سماه خطأ العمد وما يقتل بلا لبث لا يتمكن بسببه خطأ في قصد الفاعل القتل به ويحتج لأبي حنيفة بالمعنى فيقال: إن الآلة فيها شبهة أنها ليس بآلة القتل فلا يجب معها القصاص كالسوط والدليل على الشبهة: أن آلة القتال والقتل في الأصل الحديد، قال الله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه
الجزء 1 · صفحة 53
بأس شديد}، ولأن خزائن أسلحة الملوك إنما تكون من الحديد وهو المستعمل في القتال غالبا، والخشب لا يستعمل إلا نادرا وعارية، إنما الخشب مخلوق للبناء والإحراق بها ونحوهما من المنافع لا للبأس فثبت أن الخشب ليس للقتل خلقة ولكن ربما يقام مقام الحديد ? استعمالا فلابد أن يكون دونه، ثم رأينا أن أنواع الحديد صغيرة وكبيرة سواء فى إيجاب القصاص جرحا وإن كانت الصغيرة منها كالابرة ونحوها لا تستعمل للقتال والقتل.
فإذا عمل الخشب أو الحجر عمله ألحق به ولم يبق شبهة أنها ليست للقتل فقد جاء بالسبب بلا شبهة، وإذا لم يجرح ودق لم يلتحق بالحديد لأن أنواع الحديد في الدق ليست سواء، فإن الحديد إذا أطيل وخفف حتى صار على وزن السهم ونحوه ثم ضرب بعرضه حتى مات المضروب منه لم يجب القصاص لأنه دون العمود فيتمكن فيه شبهة أنه ليس ? بآلة القتل وكذلك الخشب لما صار خلقة دون الحديد أشبه الخفيف من الحديد الذي انحطت درجته بالصنعة وأما الطحاوى فلم يعتبر الآلة وفرق بين الدق والجرح وأنه فعل القتل الذى ركنه والله أعلم.
فصل: شبهة الركن
وليس لفصل الركن إلا مسألتان: إحداهما هذه فجعل الدق قتلا بشبهة، والجرح عمدا محضاً، وذهب إلى أن السلامة فى اعتدال البنية والجرح نقض فى نفسه لا شبهة فيه، فيتعلق به القصاص إلا بشبهة في الفاعل أو المفعول فأما الدق ففيه شبهة أنه ليس بسبب للقتل لأن البنية مع الدق قائم ظاهرا، وإنما ذهب باطنا، ثم الحياة وإن تعلقت باعتدال الباطن فقيام الظاهر مكن شبهة السلامة فلم يجب معها القصاص وهذا من أبي حنيفة استقصاء في احتيال الدرء، وما قاله أبو يوسف ومحمد هو الطريق الواضح في تفسير عمد القتل عند الناس والجواب عن الأخبار ما مر في مسألة بيان كيف يقتص من القاتل بهذه الطرق، والمسألة الأخرى فيما دون النفس.
مسألة:
إذا قطع رجل إصبع رجل فشلت بجنبها أخرى، أو قطع المفصل الأعلى من إصبع فشل ما تحته لم يجب القصاص عند أبي حنيفة وقال الشافعي رحمه الله: يجب القصاص في المقطوع والأرض في الشلل وقال صاحباء بقوله فى الإصبح الواحد، وفي الإصبعين كما قال الشافعى.
قالا: لأن عمل القطع متى حل باصبعين كان في حكم قطعين، لأن الفعل يتعدد بقدر محله.
الجزء 1 · صفحة 54
ألا ترى أن من ضرب ضربة فأبان يدين أو قتل نفسين لزمه قصاصان أو مالان، ولو ضرب ضربتين فلم يقتل إلا نفسا واحدة لزمه ضمان واحد وإذا صار في حكم فعلين إذا حل بأصبعين صار كمن قطع إصبعا ثم ضرب آخر فشلت، وأما إذا كان باصبع واحد فله حكم فعل واحد لأن المحل واحد وإذا اعتبر واحدا ومن حكمه أنه أبان وسرى لزم القاطع مثله قطع يبين ويسرى ولا يمكن الاستيفاء بهذا الوصف فلم يجب كما إذا كسر العضو، والشافعي يقول: لا فصل بين الاصبعين والمفصلين من إصبع فمحل القطع ما بان ومحل السراية ما بقى وأبو حنيفة يقول: إن الفعل واحد وهو الضربة لأنها ما حلت إلا بموضع واحد ثم البينونة والسراية حكماه فلا يعتبر فعلين، بخلاف ما إذا أصاب يدين لأن نفس الضربة حلت بيدين لأنها قطع وإنما يعلم القطع بانقطاع محله وقد انقطع محلان فعلم أنهما قطعان، وفيما نحن فيه ما انقطع إلا محل واحد، وإذا كان واحدا مبينا وساريا لم يجب القصاص إلا بمثله، وأنه غير ممكن فسقط إلى المال على ما قالا.
ألا ترى أنه لو قطع المفصل الأعلى من الإصبع ثم قطع الباقي لزمه القصاص في الأول والأرض في الثاني وإن كان الإصبع واحدا لأن القطع قطعان لحلولهما بمحلين مختلفين من ذلك الإصبع، وكذلك ما نحن فيه يصير واحدا لحلوله بموضع واحد وإن سرى إلى إصبع أخرى.
فصل: الشبهة من جهة المقتول
ولى القصاص إذا قتل بعد القضاء من عليه القصاص ثم جاء المشهود بقتله حيا وأقر الولى أنه تعمد القتل بغير حق لم يجب القصاص عندنا وقال الشافعي: إنه يقتل، لأنه عمد محض، ولنا أنه قتل بشبهة، والدليل على الشبهة أن القضاء من القاضى نفذ على الظاهر بحق، لأن القاضي لم يكلف علم الباطن.
ألا ترى أنه قضى بحجة الزمته القضاء به حتى لو امتنع كان يفسق، والقضاء له ملك القصاص، والقضاء باقي يوم قتل، لأن الحجة كانت قائمة على حالها، فإن لم يبح للولى لعلمه بخطأ القاضي بقيت الشبهة بقيام الحجة كما بقى للأب بقوله: " أنت ومالك لأبيك" وإن لم تثبت له الإباحة والله أعلم.
مسألة:
فأما الشهود إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب أوجاء المشهود بقتله حيا لم يكن عليهم
الجزء 1 · صفحة 55
قصاص.
وقال الشافعي: يقتلون ثم عندنا لا يحرمون الميراث ولا كفارة عليهم، وقال الشافعي: يجب وهذا مذكور في باب الكفارة وإنما الكلام في القصاص أما الشافعى فإنه احتج بما روى أن أبا بكر الصديق قتل شهود القصاص بعد ما رجعوا.
وروى أن شاهدين شهدا على رجل عند على بالسرقة فقطع يده ثم جئ بآخر فقالا أوهمنا إنما السارق هذا فقال على لا أصدقكما على هذا ولوعلمت أنكما تعمد تما على الأول لقطعت أيديكما. فثبت أن العمد يوجب القصاص والمعنى يدل عليه: وهو أن فعل القاضى فى القضاء منقول إلى إلى الشهود حكما
ألا تري لو شهدا بمال على رجل وقضى به ثم رجعا ضمنا ذلك المال كأنهما هما اللذان أتلفاه بالقضاء، وهذا لأن القاضى كالمكره حكما من جهتهما، لأنه لا يحل له الامتناع شرعا ولو أثم وهو الهلاك الحكمى فصار من حيث خوف أنه أثم وهو شر من الهلاك الحقيقي كأن يخاف الهلاك بالامتناع ولو كان كذلك انتقل الفعل إلى المكره ويصير كأنه فعل بنفسه، فكذلك هاهنا يصير كان الشهود هم أتلغوه بالقضاء فإن القضاء إتلاف حكما بأن صار نفسه لغيره حتى قتله واستوفاه إلا أنهم لا يقتلون مالم يقتله الولى، لأنه حيى بعد حقيقه وإن تلف حكما كما إذا شهدوا عليه بدين ثم رجعوا قبل الاستيفاء لم يضمنوا، لأن مال المشهود عليه نقد بحاله ولهذا ضمنوا الدية مع مباشرة الولى مختارا ولا يرجعون على الولي وإن ضمنوا لأنهم ضمنوا بمباشرتهم الإتلاف حكما بالشهادة، ولو كانوا مسببين لما ضمنوا مع المباشر الضامن، والولى إذا رجع مباشر، ضامن إن شاء الولى ذلك إلا أنا نقول: لما ثبت من مذهبنا أن الولى لا يقتل وقد باشر القتل مختارا لإلزام الشهود فإنه إن شاء عفا، ثم لم يلزمه القصاص للشبهة، فالشهود الذين يصيرون بالشهادة متلفين حكما أولى لأن الضمان بالقتل الذي باشره الولى لا بالقضاء وحده لما ذكرنا أنه بعد القضاء مضمون له. فأما حديث أبي بكر ففريب غاية لا يعتمد عليه.
وأما حديث علي خرج على سبيل التهديد، فإنه قد ثبت من مذهبه أنه كان لا يرى قطع اليدين بيد واحدة على ما مر بيانه فثبت أنه ما قال هذا إلا تهددا.
ولئن ثبت مذهب أبي بكر فيحمل على السياسة دون القصاص، فقد أجمعوا على أن الشبهة
الجزء 1 · صفحة 56
مانعة من القصاص وقد بينا الشبهة، ويجوز أنه اختفى على الذي أوجب القصاص ومن مشايخنا من قال: إنهم مسببون إلا أنه ضعيف، لأن المذهب عنده أن المسبب والمباشر واحد.
ألا ترى أنه يلزمه الكفارة، إلا أن حافر البئر بمنزلية القاتل بسوط صغير لأن الحفر لا يعد للقتل وضعا كالضرب بسوط صغير مرة أو مرتين، فأما الشهادة فطريق مسلوكة لأخد ما ثبت بالشهادة فكان كالضرب بما يقصد به القتل.
مسألة:
قال علماؤنا: لا يقتل الذمى بالمستأمن، ولا الذمية بالمستأمنة ولا المسلم به، ولا تقطع اليد بسرقة ماله وقال الشافعي: يقتل الذمى بالمستأمن، وتقطع يده بسرقة ماله، وكذلك يد المسلم بسرقة ماله للعمومات الموجبة للقصاص، ولأنه والذمي سواء فضلا وحقنا، لأن كل واحد منهما حقن دمه بالأمان دون الإسلام إلا أنا نحتج بما روى عن نحتج بما روى عن النبي عليه السلام: " لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" أي ولا يقتل ذو عهد في عهده بذلك الكافر الذي لا يقتل المسلم به، لأن المعطوف عليه جملة تامة والمعطوف جملة ناقصة لا خبر لها فيكون الخبر في الجملة التامة خبرا للناقصة، كقولك سالم حر وربيع، وجاء زيد وعمرو، ولا يجوز أن يجعل الخبر " ولا يقتل ذو عهد "لأن خبر الصدر نفى قتل قصاصا لا مطلق القتل فيكون خبر الثاني نفى قتل هو قصاص أيضا، ولا يجوز أن يحمل على الكافر الحربي لأن قتله واجب فكان لا يشكل هدرولا يقتل المسلم به فإنه مما يثاب عليه، فثبت أن المراد الكافر الحربي المستأمن ولأن الذمي لا يدخل تحت مطلق اسم الكافر لأنه عرف بقيد الذمة لخفة حاله في الكفر لأنه صار منا داراً وفى أحكام الدنيا، ومنهم دينا وفى أحكام الآخرة، ولما قيد كفره بالذمة تعريفا له بالقيد لمباينتهم الكفار من وجه لم يدخل تحت الاسم الذي تم معناه من كل وجه، كصلاة الجنازة لا تدخل تحت مطلق اسم الصلاة.
فيصير كأنه قال: " لا يقتل مسلم بكافر مستأمن قصاصا ولا ذمي ولأن الخبر ورد لنفى مباشرة القتل قصاصا بالكافر، وعند ك يقتل المسلم بالذمي قصاصا إذا كان ذميا عند القتل، فثبت أن المراد به الحرب المستأمن حتى يمكن القول بنفيه عاما والمعنى فيه أن في المقتول شبهة هدر الدم فيعمل عمل الحقيقة في نفى ما يسقط بالشبهة على ما مر، والدليل على شبهة الهدر أن دم الحربي
الجزء 1 · صفحة 57
والحربية هدر في دار الحرب لكونهم من أهل دار الحرب عندى وعندك للكفر، ولكونه من أهل تلك الدار والكفر باق وكونه من أهل تلك الدار باق لأنه كان منهم بتوطنه في دارهم وذلك الوطن باق وإنما انما يسكن دارنا لقضاء حاجاته على نية الإنصراف كالواحد منا يخرج تاجرا إلى بلد ويقيم بها للتجارة لا يبطل وطنه.
ألا ترى أنه ممكن من العود إلى دار الحرب ولو صار منا دارا في الحكم لما مكن منه كالذمى، وكما لو أسلم لا يمكن من العدود إلى الكفر بل يجبر على الإسلام وهذا لأن الدار خلف عن الإسلام فيمن يجوز تركه على الكفر بالذمة في أحكام الدنيا على ما تبين في المسألة الأخرى وكما لا يجوز تبديل الدين الحق ولا يترك عليه لا يترك أيضا على تبديل الدار الحق بدليل أن المستأمن يترك فى دارنا بلا جزية ومن صار من أهل دارنا من رجال الكفار لم يترك إلا بجزية، لأن نصرة الدار واجبة على رجال الدار شرعا والكافر لا يصلح للقتال بنفسه نصرة للإسلام فضرب عليه المال لتقع النصرة بماله وكذلك المسلم إذا دخل دار الحرب لم يصر منهم دارا وبقى على حكم دارنا ولما بقى من أهل دارهم حكما بقيت العلة المهدرة.
فإن لم يحمل بعارض إحراز حصل بدارنا عارية وصار مضمونا بالإحراز بدار الإسلام بقيت شبهة الهدر بأصل العلة بل شبهة الإباحة في المال والنفس الذكر، لأن كونه حربيا منهم كان يبيح المال عامة ودماء الرجال فأوجب شبهة الإباحة وإن ارتفعت الإباحة بعارض أمان منا فعمل عمل الحقيقة في إسقاط القطع بسرقة ماله، ووجوب القصاص على قاتله.
ألا ترى أن المسلم لا يقتل به لشبهة في المحل وكذلك في الذمي، لأن شبهة الإباحة متى كان لمعنى في محل التناول لم يختلف حكمه باختلاف المتناول بخلاف المسلم يقتل بالذمى عندنا، لأنه لا شبهة في الذمي على ما نذكره في المسألة الثانية لأنه صار من أهل دارنا بالتواطن فيها کالمسلم فسقطت العلة المهدرة وزالت فزالت الشبهة، مثاله رجل له على آخر دين فأجله ثم سرق من جنس حقه لم تقطع يده ويضمن الرد عليه أو قيمته إن أتلف لأن العلة المبيحة للأخذ والنافية للضمان كان دينه الحال والتأخير لم يزل أصل الدين وإنما تأخر والتأخير حرم الأخذ للحال وصار مضمونا فبقيت شبهة الإباحة ببقاء أصل الدين فعمل في حق ضمان القطع دون ضمان القيمة، ولو أبرأه عن الدين ثم سرق قطع لأن العلة زالت، فإن قيل: الذمي لا يعتقد الكفر مهدراً فلا تثبت الشبهة في حقه.
الجزء 1 · صفحة 58
قلنا: بالشرع ثبت الهدر فيعمل وإن لم يعتقدها الفاعل، كالزنا بجارية والده مع علمه ومع اعتقاد الحرمة بلا شبهة، وكان كما لو قتل الذمي كافرا في دار الحرب لا يقتل وفى اعتقاد، أنه محق معصوم.
مسألة:
المسلم يقتل بالذمى عندنا وقال الشافعي: لا يقتل لقول الله تعالى: {لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة} وقال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي لم يشرع لهم ذلك فأني نرى لهم علينا سبيل الغلبة من غير شرع وإذن لهم بذلك؟ والقتل قصاصا مشروع وأنه أعظم سبيل فلا يثبت لهم علينا وقال النبي عليه السلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم " فتعليق التكافؤ بصفة الإسلام دليل، على الانعدام بعدمه، ولأنه قال في آخر الخبر " لا يقتل مسلم بكافر " تفسيرا لقوله:"المسلمون تتكافأ دماؤهم "، وحملكم الحديث على كافر حربي تخصيص عندنا، وتعليق للحكم بزيادة وصف لم يذكر فيجرى عندكم مجري النسخ فلا يكون تأويلا. والكلام من حيث الفقه على وجهين: أحد هما: أن القصاص إنما يبتنى على تساوى الدماء المحقونة المضمونة لأن القتل إراقة دم ولا تساوى بين دم الكافر والمسلم لأنهما اختلفا في سبب الحقن والضمان المسلم سببه الإسلام والذمي سببه الذمة، والإسلام أعلى من الذمة بلا شك فيكون حكم حقن دمه وضمانه فوقه أيضا فلايؤخذ الأعلى بالأدنى كما لا يقتل المسلم بالمستأمن، واليد الصحيحة بالشلاء والدليل على قوة الإسلام أن الذمى لوترك الذمة بالإسلام ترك وذلك بل دعى إليه، والمسلم لو رام أن يترك الإسلام بالذمة لم يترك وذلك ولا يلزم قطع يد المسلم بسرقة مال الذمى لأنه لا يبتنى على تساوى الدماء في الملاك بل على سرقة المال المحرز، وحرز الذمي والمسلم سواء لأن الاحراز لا يكون بالدين بل بالموضع الحريز، وكل واحد منهما إحرازه بدار الإسلام، آلا ترى أن رجلا لوقتل رجلا قضى عليه بالرجم أو القتل في قطع الطريق لم يضمن، ولو سرق ماله في تلك الحالة ضمن، لأن تلك الجناية أثرت في دمه دون ماله وحرزه فكذلك الكفر في دارنا ولا يلزم الذمي يقتل الذمي ثم يسلم فإنه يقتل به لأنا عللنا لمنع الوجوب بزيادة في القاتل وفي هذه هذه المسألة القتل وجد و بينهما تساو فوجب القصاص والزيادة حدثت بعد ذلك وليس ما منع رفع، آلا ترى أن جنون القاتل مقارنا يمنع وجوب القصاص وجنونه طارئا بعد الوجوب لا يرفعه بل الزيادة يسقط حكمها لوجوب الاستحقاق
الجزء 1 · صفحة 59
في الأصل كما قلنا في الحر لا يقتل بالعبد للزيادة 9، ولوقتل عبد عبدا ثم أعتق قتل به ولا يلزم القصاص يرثه الابن فإنه يسقط لأن السقوط ليس بزيادة الأبوة في سبب الضمان في سبب الضمان فإن الاب والابن كلا هما عصما الدم بالإسلام و لكن السقوط بسبب لكن السقوط بسبب أن الابن حرم عليه التعرض لأبيه بقتل واجب عليه كما لا يتعرض له بقتل لزمه بسبب الحد أوالردة فكذلك لا يتعرض بقتل واجب قصاصا. فأما الذمي فله تعرض المسلم بقتل واجب عليه فإنه يقتله حدا بأمر الإمام ويحل ذلك شرعا، وكذلك قصاصا وجب عليه لمسلم وأمره بذلك وأمره بذلك، ومثل هذا لا يحل للابن، آلا ترى أن الشافعي قال: إن دية الذمى دون دية المسلم للتفاوت في سبب الضمان فثبت أنه منقوص عنه في حق الضمان الثاني أيضا أو نقول بين المسلم والكافر فضل لا يحد الفاضل بقذف المفضول، فيجب لا يقتل بقتل المفضول قياسا على الأب وولده بل أولى، لأن فضيلة الإسلام فوق فضيلة الأبوة بكثيروالوجه الآخر: أنه قتل بشبهة الإباحة فلا يوجب القصاص قياسا على القتل خطأ وقتل المسلم المستأمن وهذا لما مر أن الشبهة مانعة من القصاص كالحقيقة وإنما قلنا شبهة لأن الكفر مبيح أو مهدر للدم، فإن أهل الحرب يباح دماء رجالهم ويهدر دماء ذراريهم ونسائهم بعلة الكفر والكفر باق للذمي، فإن لم يعمل بعارض الذمة بقيت شبهة الإباحة. والدليل على أن الكفر مبيح أو مهدر قول الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} علق الإباحة بالشرك فكان علة، كالزنا لحد الزاني، والسرقة للقطع ولأن النبي عليه السلام قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم أخبر بأن العصمة بالإسلام ولأن الدم يباح ويهدر بسبب معصية دون الكفر وهو الزنا وقطع الطريق، فلئن يباح ويهدر بالكفر أولى، إلا أن المرأة الحربية لا يباح قتلها مع قيام الكفر منها احتراما للمسلمين، فإنه تسترق وتصير مالا لهم، كما لا يراق خمر المسلم لاعتبار ماله من التخلل ولأن الإنسان حيوان كغيره وسائر الحيوانات مباحة غير مضمونة وإنما فارق الآدمي غيره بالاحترام والضمان بحق الدين، فأما إذا ترك الدين فيصير بمنزلة البهيمة في الاحترام بل دونه فيصير مباحا هدرا به، ولهذا يقتل المرتد وإن كان لا يحاربنا وكذلك الأسير الحربي يقتل وما به قدرة المحاربة لقيام الكفر ولئن سلمنا لكم أن المبيح محاربة أهل الحرب إيانا فالكفر هو السبب الباعث على المحاربة ممن هو صالح للمحاربة فأقامه الشرع مقام المحاربة وعلق الحكم بنفسه تغليظا عليهم، كما أقام السفر في إثبات الرخص مقام المشقة لأنه المشقة لأنه سبب داع إليها والبلوغ مقام
الجزء 1 · صفحة 60
كمال العقل لأنه في الأغلب متعلق الأغلب متعلق به کمال العقل، ولهذا قتلنا الأسير والمرتد الذي هو مقهور في أيدينا، ولو تعلق القتل بالقتال عينه لسقط كما في الباغى إذا أسر وكان بيننا بلا منعة ولا يلزم أنا نقتل الذمى بالذمي والمستأمن لأنهم يدينون فيما بينهم بعصمة دمائهم بدينهم فلا يثبت في حقهم الإباحة لما ثبت أنهم معاملون فيما بينهم بما يدينون إلا ما استثنى عليهم إنما يثبت بالكفر الشبهة بحكم دين الإسلام لعلمائنا رحمهم الله العمومات الموجبة للقصاص من غير تقييد بصفة الإسلام أو غيره من الكتاب والسنة: كقوله تعالي {النفس بالنفس ... والجروح قصاص ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} الآية، وقوله ? عليه السلام:"العمد قود" وقوله: " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا أقادوا بين خيرتين إن شاءوا أقادوا وإن شاءوا أخذوا الدية.
وقال عليه السلام: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير حق " وروى مالك في كتاب الموطأ ومحمد بن الحسن أن النبي عليه السلام أقاد مسلما بكافر وقال: " أنا أحق من وفى بذمته فالعمل نص والتعليل دليل على أن لا فرق بين أن يكون القاتل مسلما أو ذميا ثم أسلم لأنه عليه السلام أخبر أن الوجوب لذمة المقتول ورواه أيضا أبو عبيد في غريب الحديث عن عبد الرحمن بن البيلماني وعبد الرحمن وإن كان مجهولا في النقلة فذلك لا يوجب رده إذا جاء بموافقة القياس على ما عرف في موضعه فإن قيل: روى أن القاتل كان عمرو بن أمية الضمرى، وروى أنه عاش بعد رسول الله قلنا روي أن عمروا هذا قتل عامر يين کان لهما عهد من رسول الله قوداهما رسول الله فكان ذلك غير هذا، أو يحتمل أن عمرو بن أمية كان مسمى به رجلان وعن النبي عليه السلام: " أنه كان إذا بعث جيشا ... – الخبر إلى أن قال ....... فادعوهم إلى اعطاء الجزية فإن قبلوا فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وقال علي رضي الله عنه: " إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا"وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه كان يرى قتل المسلم بالذمي وعن عمر رضى الله عنه أن مسلما قتل ذميا فأراد أن يقيده فقيل له: إنه فارس من فرسان المسلمين فصالح عنه بالدية.
وعن عمار بن ياسر أنه كتب إلى عمر في هذه الحادثة فكتب إليه أن اقتله به، ولم يرو له مخالف والمعنى الفقهي أن الذي مضمون الدم بالقصاص في الجملة فيكون مضمونا به فى حق المسلم
الجزء 1 · صفحة 61
والكافر قياسا على المسلم، وعكسه الحربي إنما قلنا هو مضمون الدم بالقصاص لأنه يقتل به الذمي وإنما والمستأمن بلا خلاف وتأثيره أنه لما وجب القصاص بقتله في الجملة علم أنه لم يبق فيه شبهة الإباحة ولا شبهة هدر الضمان لأن القصاص لا يجب مع الشبهة على ما بينا ولو كانت في الدم شبهة وجب في ضمانه مالا يجب مع الشبهة سواء كان القاتل اعتقد ها شبهة أم لا لما مر أن الشبهة متى كانت شرعية عملت اعتقدها الفاعل شبهة أم لا ولما وجب القصاص على ذمى مثله علم أن لا شبهة في الذمى تمنع القصاص ولما صار مضمونا بالقصاص بلا شبهة مانعة ساوى دم المسلم في حق ضمان القصاص، والخلاف فيه والتعليل وقع للتسوية بينهما ولا يلزم الابن فإنه مضمون الدم بالقصاص في الجملة ولم يكن كذلك في حق الأب لأنا من حيث اللفظ احترزنا وعللنا للتسوية بين الكافر والمسلم وضمان دم الابن سواء في حق الكافر والمسلم، وأما من حيث الفقه فلانا جعلنا هذا الوصف دلالة على أنه مضمون بلا شبهة في حق الكل ودم الابن مضمون بلا شبهة في حق الكل، والقصاص لم يجب على الأب لفضيلة الأبوة لا لشبهة مبيحة.
ألا ترى أن الشبهة إنما تعمل عند السبب، ولو وجب القصاص لرجل فمات فورثه ابن القاتل سقط، لأن الابن لا يقتله لفضيلة الأبوة فيعتبر عند استيفاء القتل لا عند الوجوب والشرع جعل الأبوة فضيلة تمنع الابن عن التعرض له بالقتل الواجب فإنه لا يقتله برد ته وكفره فى دار الحرب، وكذلك لا يرجمه وإن قضي عليه بالرجم، فكذلك بالقتل الواجب قصاصا، فكانت الأبوة مانعة بعد الوجوب وتعليلنا لا نتفاء الشبهة المانعة ولا يقال في مسألتنا إن الاسلام مانع لأنه قائم فى حق المسلمين كما هو قائم فى حق أهل الذمة وللمسلم أن يقتله إذا باشر سبب الوجوب فكذا الذمى، فأما الأبوة فإنما تثبت بسبب خاص وهو الولاد بالماء فلا يكون ثابتا فى حق غير الولد فاختص المنع به.
ألا ترى أن الذمى إذا قتل ذميا ثم أسلم قتل به ولو كان الإسلام يمنع الذمى من استيفاء قتل المسلم لما أمكنه، كالابن يرث قصاصا على أبيه دل عليه أن مال الذمي مضمون بلا شبهة كمال المسلم حتى وجب القطع بسرقة ماله كما يجب بسرقة مال المسلم، وإن كان القطع لا يجب مع الشبهة علم أن النفس كذلك، لأن المال تبع للنفس وصار مضمونا حقا للنفس لا لنفسه والذي يوضح ما قلنا إن الدم والمال عندنا إنما يثبت ضمانهما بالإحراز بدارنا لا بالإسلام، فإنه ثبت من مذهبنا أن من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا حتى قتله ذمى أو مسلم لم يضمن دية ولا
الجزء 1 · صفحة 62
قصاصا، وكذلك لو أتلف ماله.
وقد بيناه في كتاب السير، وفى هذا الكتاب في تلك المسألة بعينها ولما كان السبب الذي جعله مضمونا بالإتلاف الإحراز بدار الإسلام والمسلم والذمى سواء في الإحراز لأنهما جميعا من أهل الدار حقيقة وحكما والحقيقة بالتوطن فيها أصلا، والحكم بأن لا يمكن واحد منهما باللحاق بدار الحرب متوطنا بها وكذلك الحربي إذا أراد أن يكون ذمة لنا لزمنا عرض الذمة عليه كما لو أراد الإسلام لأنه خلف عن الإسلام شرعا فيمن يترك بالذمة على الكفر وشرعا نهاية للقتال، إلا أنه إنما يصار إلى الذمة بعد الإسلام فعلم أنها خلف والخلف يعمل عمل الأصل بلا شبهة فيما يشرع خلفا عنه ثم إن الذمة ليست بخلف في حق الدين لأن الدين لا يتبدل به فثبت أنها خلف في حق الدار ونعني بالدار الموضع الذي هو تحت ولاية المسلمين وهى دار الدنيا، ولهذا تساويا في معاملات الدنيا دون الآخرة التي بنيت على الدين، والضمان من أحكام الدنيا ودل عليه أن الأموال المباحة فى دار الإسلام إنما تصير مضمونة الإتلاف بالإحراز كالصيود والمعادن ?، والمحرزة إذا أهينت كنواة وحبة حنطة مطروحتين لم تضمنا بالإتلاف، وكذلك الخمر لا تضمن بالإتلاف، لأن الشرع نهانا عن إحرازها للتمول ثم الإحراز بدار الحرب وبقوة تلك الدار فاسد شرعا کا حراز الخمر فبقيت العبرة للإحراز بقوة دار الإسلام، وكان الدين لضمان الإثم الذي هو حكم الآخرة. ولا يلزم المرتدة فإن دمها هدر وهي في دارنا، لأنها لما ارتدت لم تكن دارنا حرزا لها على تلك الحالة، آلا ترى أنها لا تترك على تلك الحالية بحال ولهذا قال علماؤنا: الكفار إذا غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدارهم ملكوها، لأنهم لما أحرزوها بدارهم انقطع حكم احرازنا عنها بواحدة ودارا فصارت بمنزلة الأموال المباحة وأموال أهل الحرب ولهذا قلنا: من أسلم في دار الحرب ثم فتحت البلدة استغنت أمواله إلا ما كان في يده من المنقول فإنه أولى به لسبق يده ايدي الغانمين إليها بسبب لا حظ للقائمين فيه، فأما سائر أمواله فتغنم لأنها لم تصر محرزة بدارنا فلا يقع الإحراز بمجرد الدين وكذلك لا يضمن دمه و ماله فيها لعدم الإحراز بدارنا، وهذا لأن الدين لا يمنع استيلاء الكفرة، ولا يحرز المال عنهم، ولا يده وحدها بمقابلة أهل دار الحرب.
فأما الجواب عن الأول فإن مثل هذا اللفظ لا عموم له لقيام المساواة من وجوه كثيرة حال ورود النفى على ما بينا في أصول الفقه،، وإنما ينصرف إلى البعض مجهولا وقد فسره
الجزء 1 · صفحة 63
الله تعالى بالفوز يوم القيامة وعن الثاني أن الآية وردت في حكم يوم القيامة وتفسيرا لذلك الحكم أو يقال الآية وردت لبيان ما جعل الله تعالى ابتداء من الشرع لا لبيان ما يكتسبه المسلم على نفسه فإن المسلم إذا آذى ذميا انتصف منه له يوم القيامة، وكذلك في الدنيا إذا أتلف ماله حبس بحقه ودعواه وإذا قتل وهو ذمى ثم أسلم قتل بالذمى وهو مسلم، وقوله: " المسلمون تتكافأ دماؤهم إثبات للمساواة بين المسلمين لا نفى عن غيرهم وكان النبي عليه السلام قاله قبل شرع الله الذمة فقد وصف النبي عليه السلام أهل الذمة بعد ما شرعت أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.
وأما قوله: " لا يقتل مسلم بكافر" فقد مرجوابه في المسألة الأولى فإن قيل: وقد روى: " لا يقتل مسلم بكافر ولا بذي عهد أى ولا بذى عهد أي لا يقتل المسلم بالكافر الحربي ولا بالذمي منه.
قلنا: إنه غريب وغير مقبول فقد روينا عن الصحابة بخلافه ولم يحتج عليهم بهذا الحديث محتج، أو نقول تأويله أن لا يقتل المسلم بالحربي ولا بالمستامن. فإن قيل: كيف يشكل الأمر في الحربي الذي لا أمان له وقتله فرض قلنا: إن المسلم إذا دخل دارهم بأمان فقتل كافرا حربيا لا يقتل به وإن حرم قتله، و يحتمل أن يكون معناه: ولا يقتل ذوعهد عطفا على المسلم وإن خالفه في الإعراب فقد جاء في القرآن والشعر مخالفة المعطوف المعطوف عليه، قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون} محق العطف كان يجب "والصابئين " وقال: {والموفون بعهد هم إذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء} والجواب عن المعنى الأول: أن التساوى ثابت في سبب الضمان لأنه هو الإحراز بدار الإسلام على سبيل التوطن بها لا الدين على ما على أن الدماء المعصومة متساوية فى ضمان القصاص، لأنه لا يحتمل التجزى وإنما تتفاوت ? في ضمان المال إلا أن ضمان القصاص إنما ينعقد للدم إذا انتفت شبهة الإباحة أو المانعة من الوجوب عن الدم وقد انتفت في مسألتنا هذه فإنه يضمن بالقصاص إذا قتله ذمى وإنما أنت تسقطه لمكان القاتل ومفاضلة بينهما، فإنه ساقط العبرة في باب القصاص فإن الذكر أفضل من الأنثى واستويا قصاصاولا يلزم الأب لما ذكرنا أن السقوط ليس لتفاضل في الدم و لكن لأن الأبوة جعلت في الشرع علة مانعة للابن التعرض له بالقتل كما لا يتعرض لنفسه بالقتل وإن لزمه، وليس هذا الحكم بثابت للإسلام و الهذا لا يحد الأب بقذف ابنه لأن الحد عقمة كالقتل وأما المسلم إذا قذف الكافر لم يحد لا لفضيلة
الجزء 1 · صفحة 64
الإسلام لكن لأن المقذوف غير محصن حتى لو قذفه كافر لم يحد فقياسه من مسئلتنا أن لو قتل
المسلم مستأمنا لم يقتص، لا لفضيلة الإسلام، لا لفضيلة الإسلام بل لشبهة بالمقتول منع أن يصير دمه مضمونا بالقصاص حتى لو قتله كافر لم يقتل به أيضا عندنا
ألا ترى أن الذمى إذا قتل ذميا ثم أسلم قتل به والفضيلة قائمة، والرجل إذا لزمه قصاص ثم ورثه ابنه سقط لفضيلة الأبوة وكذلك حد القذف إذا ورثه ابنه على مذهب الخصم لم يستوف من الأب فثبت أن المانع في مسألتنا هذه شبهة في المقتول وأنه باطل لما ذكرنا ?، ولهذا تقطيع يد المسلم بسرقة مال الذمي دون مال الحربى، وإن كان القطع عقمة تسقط بالشبهة، فلو كان المال غير معصوم كمال الحربي لمنع القطع كما في الدم إلا أنه يشترط للقطع بعد العصمة شرط زائد وهو الإحراز، ولم يشترط ذلك لضمان الدم فيترك ما اختص به القطع من الشرط ويتكلم فيما استويا فيه من شرط العصمة فلو كان عصمة مال الذمى دون عصمة مال المسلم لشبهة لما وجب القطع الذي يسقط بالشبهة كالقصاص سواء وأما الجواب عن شبهة الكفر أنه لو كان ثابتا لما قتل به الذمي لأن الشبهة في المحل فلا تختلف بالفاعل فإن قيل: الكافر يعتقد دين الكفر عاصما وأنه معامل بما يعتقده في الأحكام التى تحتمل النسخ والتبديل إذا ترك عليه في الذمة على ما مر في كتاب النكاح.
قلنا: عند ك يقتل الكتابي بالمجوسى، وأنه يعتقد إباحة دمه بدينه، على أن العلة إذا كانت شرعية تبقى لها شبهة الثبوت وإن لم تعمل كالرجل يزني بجارية ولده لا يحد وإن اعتقد الحرمة وكذلك إذا زنى بأمته وهي أخته من الرضاعة لم يحد وإن اعتقد الحرمة ثم الجواب أنا لا نسلم أن الكفر مبيح للدم جزاء عليه فإن المرأة لا يباح دمها وكفرها مثل كفر الرجل، وهذا لأن الله تعالى خلق الآدمى معصوم الدم لوجوب حمل أمانة الله عليه ليبقى بالعصمة فيحمل ويؤدي والوجوب ثابت على الكافر والمسلم لا خلاف فيه في حق أصل الدين، ولا يقتل إلا جزاء على معصية يرتكبها والرجال والنساء في الأجزية كالسرقة والزنا بعد الإحصان وقطع الطريق والقتل عمدا سواء ولأن الله تعالى خلق الدار الآخرة جزاء على المعاصي والطاعات وما عجل في الدنيا جزاء على معصية بحقه خالصا. بل لصلاح يعود إلى الناس في إقامتها زاجرة فاختصت بأسباب فيها فساد مصالح الناس وبالانزجار عنها صلاح نحو الزنا المفسد للغرش والأنساب، والسكر المفسد للعقول، والسرقة المفسدة للحرز والمال، والقذف الهاتك الإعفاف والقتل العمد المفسد للحياة،
الجزء 1 · صفحة 65
والكفر يكون بالقلب فلا يتعلق بعينه فساد بالناس ولا بتركه صلاح إنما هو سبب باعث على عداوة من يخالفه ويحاربه، والفساد في المحاربة فتكون المحاربة سببا مبيحا للدم. وأول آية نزلت في القتال قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} إلا أن الكفرة لما عادونا بسبب الدين وانتصبوا حربا علينا ممتنعين بجماعة أهل دارهم متناصرين بكفرهم أقيم كفر من يصلح للحرب من أهل دار الحرب مقام حقيقة المحاربة فحل الدم بكونه كافرا حربيا حارب أم لا، كما أقيم السفر الذي هو سبب المشقة مقام المشقة في إيجاب الرخص على ما عرف، ففارقت المرأة الرجل لذلك، فإذا صار ذميا منا دارا وانقطع عنهم دارا زالت العلة المبيحة والتحق بالمرأة، لأن المرأة كما لا تصلح للقتال خلقة فكذلك الواحد لا يصلح لقتال الجماعة خلقة، والكفر إنما أقيم مقام العلة بصلاح المحاربة للمسلمين أجمع بعد انتصابهم لذلك، وذلك بالبلوغ والذكورة والانضمام إلى جماعة فإذا فارق الجماعة حقيقة وحكما وبالانضمام قام الكفر مقام المحاربة زالت العلة المبيحة وانعدمت أصلا، على أن الخلاف ثابت في المسلم بقتل الذمية وكفرها غير مبيح فأما قوله: الكفر مهدر فغير مسلم على ما مر أنه هدر بعد الإسلام قبل الإحراز بدارنا عندنا، فعلم أن المهدر عدم الإحراز بدارنا وقد زال من كل وجه لما صار دارنا وطنا له أصليا فلا تبقى الشبهة بعد الزوال كما لو أسلم.
دل عليه أن المسلم إذا حارب بغير حق أبيح دمه فعلم أنها علة مبيحة إلا أن المسلم مسالم للمسلمين في الأصل فلا يباح إلا بحقيقة المحاربة والكافر يعتقد العداوة والمحاربة إذا كان صالحا لها بسبب الكفر فأقيم الكفر عن صلاح محاربة أهل الإسلام مقام المحاربة حقيقة وذلك بالذكورة والانضمام إلى الجماعة فأبيح دم الرجل المنضم إلى الجملة حارب أم لا فإن قيل: الكافر دون البهيمة فلم يجز أن يكون معصوما لحقه قلنا: إنه دون البهيمة في ترك طاعة الله تعالى مع عقله، فأما من حيث الاحترام للحال فلا، فإن الله تعالى قد أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب ولم يجز قتل نسائهم ولا أهل الذمة فعلم أنهم فوق البهائم لصلاحهم لعبادة الله تعالى منهم ولأن القتل المباح بسبب الكفر يسقط بالإسلام كالذي يباح بسبب المحاربة يسقط بترك المحاربة، ولو كان وجب جزاء على معصية لما سقط بترك المعصية كحد الزنا والسرقة وسائر العقوبات لله وللعباد ولا يلزم حد قطاع الطريق، لأن قاطع الطريق وإن تاب عن القطع لا يسقط الحد عنه مالم يرد المال على صاحبه قبل أخذ المال وتمام التوبة ولورد المال وهو مصر على قطع الطريق لم يحد لأنه لا يجب فيه
الجزء 1 · صفحة 66
إلا بخصومة المالك فلا يقطع لعدم شرطه لا للتوبة عن القطع إنما يسقط بترك المبيح ما يجب دفعا للمحاربة، ولأن ما يجب جزاء فإن كان من حق الله كان الاستيفاء إلى الأئمة، وإن كان للعباد إلى صاحب الحق كالقصاص، وما يجب للدفع أبيح لكل من قصد والكافر يباح قتله لكل مسلم علم أنه مباح لكونه حربا للمسلمين أجمع.
مسألة:
ولهذا لا تقتل المرتدة، لأنها غير صالحة للقتال بأنوثتها فلا تصير حربا بنفس الكفر كما في الكفر الأصلى، والقتل لا يجب جزاء على الكفر بحال لما ذكرنا من الأدلة غلظ الكفر أم خف.
مسألة:
الحر يقتل بالعبد، وقال الشافعي: لا يقتل لقول الله تعالى:: {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد} فخرج التفصيل تفسيرا للمطلق فى الصدر فاقتصر الأمر عليه، كقولك في الكيس مال دراهم ودنانير فإنه نص على أن لا مال فيه سوا هما وعن عمر وابن الزبير:" لا يقتل حر بعبد" وعن على رضى الله عنه: " من السنة أن لا يقتل الحر بالعبد " ومطلق السنة طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى في المسألة أن القصاص ممتنع بين طرف الحر بالعبد ففي نفس الحر بالعبد أولى لأنها أعظم حرمة على ما مر وهذا لأن القصاص مبنى على النفوس المحترمة بحق الخطاب لحمل الأمانة لا بحرمة المالية والحر تمحضت نفسه للأمانة والعبد بين مال ونفس مخاطبة فلم يستويا ولا يلزم الزمن والصحيح فإن الصحيح من الطرف لا يؤخذ بالزمن وتقتل النفس الصحيحة بالزمنة، لأن الزمانة لا تتصور في النفوس التي يجب القصاص بقتلها إنما تحل الزمانة فى الأجزاء دون الحياة والدماء.
ولنا العمومات الموجبة للقصاص من الكتاب والسنة على ما تلونا في المسألة الأولى والمعنى فيه أن دم العبد مضمون بالقصاص في الجملة فيكون مضمونا به في حق الحر قياسا على الحر وتأثيره ما بينا في المسألة الأولى على أنهما سواء في الحقن إن كان السبب دارنا أو الإسلام لأنهما مسلمان، ولما ذكرنا من العلة دل عليه أن لا شبهة من جهة المحل لأنه ما فارق الحر إلا بكونه مملوكا والقتل لا يستباح بالملك لتثبت به شبهة الإباحة على ما بينا في المولى إذا قتل عبده مع أجنبي، ولو كان مبيحا لم يكن مبيحا إلا للمالك فلا يوجب شبهة لغيره فإن الزنا بالأمة يوجب الحد والملك
الجزء 1 · صفحة 67
مبيح ولم يوجب شبهة لغير المالك.
وأما الجواب عن الأول أن صدر الآية حجتنا والتفصيل خصوص لحق آخر الآية فلا يغير حكم أولها وقوله: إنه تفسير فليس كذلك بل رد لمراد هو سبب النزول، روي عن ابن عباس أنه كان بين بني قريظة وبني النضير وتر في الجاهلية فلما أسلموا أجلوا عن قتلى وكان لاحداهما شرف نسب فقالت: لا نرضى بالعبد منا إلا بالحر منهم وبالأنثى منا إلا بالذكر منهم فقال الله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} رداً لسؤالهم بسبب شرف النسب.
ألا ترى أن العبد يقتل بالحر والمرأة تقتل بالرجل والرجل بالمرأة وأما أخبار الصحابة فقد روى محمد بن الحسن عن علي مثل مذهبه وكان على بالكوفة وتوفى بها، فكان أهل الكوفة أعلم بمذهبه أو نجعل سوى ذلك أول قوليه، وهو مذهب ابن عمر فيكون بين الصحابة اختلاف وعن المعنى أنه يبطل بالزمن مع الصحيح ودفعه حجتنا فإن الزمانة و إن كانت لا تثبت فى الدماء والحياة فكذا الرق يختص بالأجزاء فيظهر في حق الطرف دون النفس و القصاص قتل وهو أخذ الحياة من الأجزاء المرقوقة والحياة نفسها غير مرقوقة على ما بينا مسألة في دية العبد المقتول ولا يجوز أن يمتنع لفضل الحرية، فإن العبد إذا قتل عبدا ثم أعتق قتل به والفضيلة قائمة فثبت أنها غير مانعة. ولأن فضيلة الحرية لم تجعل سببا مانعا للعبد من التعرض له بقتل واجب فإنه يقتله على كفره ويرجمه على زناه بأمر الإمام بخلاف فضيلة الأبوة على الابن على ما مر والمعنى في المسألة ما مر أن القصاص يبتنى على مساواة الدماء في سبب ضمانها، لأنه إراقة دم بدم مضمون والعبد والحر سواء في سبب ضمان الدماء، لأنه إن كان بالإسلام فإسلامهما سواء وإن كان بالإحراز بدار الإسلام فهما في الدار سواء ?، لأن الإسلام لا يفرق بينهما في حكم دار الإسلام.
ألا ترى أن إحرازهما سواء في حق المال، ويجب القطع بسرقة مال العبد المأذون والمكاتب كمال الحر فتبقى العبرة بعد هذا لشبهة الإباحة في حق المملوك بسبب الملك، أو لكون المملوك ممن لا يستحق القتل على القاتل لفضيلة كالولد لا يقتل والده ولا شبهة في مسألتنا لأن العبد يقتل بالعبد ولو تمكنت الإباحة بكونه مملوكا لما وجب القصاص بقتله أي قاتل كان لأن الشبهة لمعنى في المحل وأنه لم يختلف على ما مر بيانه ولأن الآدمى خلق معصوما عن القتل كرامة من الله تعالى على ما لزمه من حمل الأمانة ليبقى بتلك العصمة فيحملها أو يؤديها إن كان حمل و لا يستباح إلا
الجزء 1 · صفحة 68
بسبب ? معصية يرتكبها، وإذا كان أصل الإباحة بسبب المعصية فشبهة الإباحة لا تثبت إلا بذلك السبب، وأن يكون مملوكا ليس بمعصية فإنه يكون كذلك مع كونه أتقى أهل عصره.
ولأن المعصية فعله بخلاف أمر الله تعالى أو نهيه وهذا حكم الله أعلى العبودية وهذا كما يقال إن استيفاء الخدمة لا يكون معصية منه لأنه فعل غيره ولأنه إقامة حكم الله وعلى ما بينا في مسألة المولى يقتل عبده مع أجنبي أن قتل المولى عمد، محض ما فيه شبهة إباحة بوجه ولأن المولى لا يملك منه إلا المالية وأنها تختص بالأجزاء المنتفع بها إنتفاع الأموال كما يكون من الثوب والبهيمة والقصاص لا يبتنى عليها على ما مر وإنما يبتسنى على الدم الذي تتعلق به الحياة،، والعبد من حيث أنه حي صالح للخطاب غير مملوك ولا صار مالا بدلالة بقاء الخطاب عليه وثبوت كرامات المخاطبين له قبل الخطاب لبقائه على تلك الأهلية في العاقبة.
وعلى ما بينا في المولى لا يقيم الحد على عبده، وإن ضمان دم العبد ضمان دم الحر لا ضمان مال ولما لم يتعد ملك المولى إلى الدم لا حقيقة ولا حكما بقى على ما كان قبل الرق، بخلاف الرجل يزني بأمته التي هي أخته من الرضاعة فإنه لا يحد وإن لم تثبت الإباحة لشبهة ثبتت بسبب الملك لأن حل البضع وإن لم يكن مالا فهو ما يثبت بأسباب الملك كالنكاح، وملك الرقبة جعل سببا شرعا لملك المتعة في الجملة فأوجب شبهة فيما نحن وإن لم يحمل ثم لا يوجب شبهة في حق غير المالك، ويجب الحد بزناها كما يجب الحد بزنا الحرة وكلامنا في قتل غير المالك، ولا يجوز أن يمتنع لفضل الحر فإن العبد إذا قتل عبدا ثم أعتق قتل به ولو امتنع لفضله لما قتل به كما لو وجب القصاص على رجل فمات الولى وورثه ابن القاتل سقط لفضل الأبوة ولأن الشرع لم يجعل فضل الحرية مانعا للعبد أن يتعرض له بقتل واجب فإن العبد يقتله على كفره وزناه فكذلك بحق ? القصاص بخلاف الأبوة فإنها تمنع الابن عن التعرض له بقتل واجب بكفر أو رجم فكذا بالقصاص دل عليه أن القصاص يجب زاجرا عن فعل القتل على ما مر، وما يجب بسبب إتلاف المال يجب جابرا للفائت ولا يسقط بشبهة والجواب عن قوله: " الحر بالحر " أنه تفصيل لبعض ما تضمنه العموم فلا يوجب تخصيصه بل يوجب تأكيدا فيما فصل، آلا ترى أن الذكر يقتل بالأنثى على أن هذه الآية إن خصت فلا تمنع عموم غيرها من الآيات وعن ابن عباس أن الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير فقد كان بينهما وتر في الجاهلية فلما أسلموا أجلوا عن قتلى وكان لأحد هما فضل على الآخر فقالوا: لا ترضى لإناثنا إلا بالذكر منهم ولا لعبدنا إلا بالحر منهم
الجزء 1 · صفحة 69
فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليهم وأن لا عبرة لفضل في باب القصاص وقول على "السنة " لا يدل على سنة الرسول فإن القياس من السنة على أن محمداً روى عنه بخلافه وهو الصحيح فإنه أقام بالكوفة وتوفى بها فما يخالف هذا يكون أول قوله.
مسألة:
المكاتب إذا قتل عمدا وترك وفاء ووارثا غير المولى فإنه لا قصاص ولاشتباه المستحق حتى اختلفوا فيه وإذا كان الوارث مولاه وجب القصاص للمولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد لا يجب. والمسألة مذكورة في المكاتب من كتاب المتاق لأن الشبهة بتلك المسائل تعرف، وإنما اشتبه هذا لاشتباه المقتول في نفسه أنه قتل عبدا أم حرا فرجعت الشبهة إليه.
مسألة:
اللقيط إذا قتل عمدا لم يجب القصاص عند أبي يوسف لأنه ابن الدار فالظاهر أن له فيها وليا فتثبت الشبهة أن السلطان ليس بولى ويجب القصاص عند أبي حنيفة ومحمد بناء للأمر على الظاهر دون الموهوم، كالحربي إذا أسلم وخرج إلينا ثم قتل عمدا يجب القصاص ويتوهم إسلام ولى له لأنه ليس بظاهر والله أعلم.
فصل: القصاص فيما دون النفس
تكلمنا في أول الكتاب في قطع اليدين بيد واحدة ويد الذكر بالأنثى ونحوهما.
مسألة:
رجل قطع يميني رجلين بضربتين كان لهما قصاص في يمينه وأرش بينهما. وقال الشافعي: الأول أولى بالقصاص لأنهما استويا في سبب الوجوب وترجح أحدهما بالبداية فيصير أولى، ولأنه ثبت لكل واحد الوجوب وترجح منهما قصاص على حدة، لأنه وجب بسبب على حدة، والقصاص لا يحتمل الاشتراك قصدا لأنه إنما يقع بتعليك البعض أو اسقاط البعض وكل ذلك ممتنع.
مسألة:
ولهذا قلت إنه لو قطع يمينيهما بضربة واحدة لم يقطع يمينه لهما بل أقرع القاضى بينهما، لأن
الجزء 1 · صفحة 70
الضربة وإن كانت واحدة من جهته فباقتران المحل صارت ضربتين في كل واحدة منها كأنه قطعت يمينه بضربة واحدة على حدة، فلم يجب ? لكل واحد إلا قصاص كامل فلم يحتمل الاشتراك ولنا أنه إذا قطعهما جملة فقد استويا لا محالة استحقاقا فيستويان استيفاء والقرعة باطلة على ما مر فى العتاق كالغريمين في التركة والموصى لهما في عبد بعينه وكل واحد منهما أوصى له بكماله والشغيعان في الشفعة، ثم قوله إنه لا يحتمل الشركة قصدا فلا يحتمل الشركة إيجابا لأن اليد لا تحتمل الشركة قطعا بهما فإنهما إذا قطعاه بضربة فقد قطع كل واحد منهما النصف أو أمرا رجلا واحدا حتى قطعه.
وقد حققنا هذا في مسألة اليدين لا تقطعان بيد واحدة بخلاف القتل لأن القطع مما يحتمل التجزى والمقاصة فى القطع بالقطع فيصير إذا قطع كل واحد منهما مستوفيا نصف حقه وعجز عن النصف بإيفاء من عليه القصاص حقا عليه بذلك النصف فيفرم الأرش للآخر كما لو أوفى أحد هما
الكل غرم للآخر وإذا ثبت هذا فكذلك إذا تفرق المقطع لأن حق الأول وإن سبق لم يمنع ثبوت حق الآخر، بدلالة أن الآخر لو بادر فقطع صار مستوفيا حقه، ولأن اليد بعد وجوب القصاص فى حكم الفارغة إلا من حيث تمكن من له الحق عن الأخذ على ما مر، أنها لو قطعت بظلم كان الضمان له لا لولي القصاص ولأن عينها لا تحتمل التملك.
وإذا كان العين فارغة فيما وراء التمكين من القصاص وجب للآخر كما لو لم يكن عليه قصاص كمن أوصى لرجل بعبد ثم لآخر ثبت للثاني كأن لا وصية قبله لأن الاستحقاق بسبب الوصية لا يتعلق بالعين إلا بعد الموت، وكذلك الغريمان سواء في التركة إذا ضاقت وإن تفرق الوجوب
آلا ترى أن اليد إذا وجب فيها قطع بسرقة وقصاص بدئ بالقصاص وإن سبقت السرقة كما لو تأخرت السرقة لأن اليد لا تستحق بوجوب قطعها.
مسألة:
فلو قضى القاضى بالقطع بينهما والأرش بينهما ثم عفا أحدهما كان حق الآخر في القصاص عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانا وقال محمد في الدية لأن القاضى قضى بالتنصيف في موضع
الجزء 1 · صفحة 71
أطلق له الشرع ذلك فأخذ شبهة التنصيف لا محالة والقصاص يسقط بأدنى الشبهة كما في الحقيقة، ولو كان قصاصا بينهما حقيقة في يد بحق الإرث فعفا أحد هما كان حق الآخر في الأرش فكذا هذا، دل عليه إذا استوفى أحدهما نصيبه من الأرش ثم عفا بطل حق الآخر فلما كان الاستيفاء يوجب شبهة التنصيف فكذلك القضاء بالأرض بينهما يوجب شبهة التنصيف وإذا ثبت في الأرش ثبت مثله في القصاص.
ولئن قلت بالاستيفاء يملك الأرش وجب أن يملك بالقضاء، لأن المال مما يملك في الذمة بسببه والقاضي قضى فى موضع أطلق له الشرع ذلك فكان سببا ولهما أن هذا من القاضى فتوى بأن حقكما أن تستوفيا منه قصاصا وأرشا لا أن يكون قضاء فصار بمنزلة غيره فلا يثبت قضاء ولا شبهة قضاء وإنما قلنا ذلك لأنه قضاء بالشركة في غير محله فيلغو كبيع الحر ولا يأخذ شبهة، وإنما قلنا في غير محله لأن القصاص الكامل لإنسان لا يحتمل الاشتراك على ما قاله الشافعي، لأنه لا يثبت إلا بتنصيف والكامل يصير نصفا إلا باسقاط البعض وأنه لا يتبعض سقوطا وأما القضاء بتنصيف الأرش بينهما فلأنه قضاء قبل الوجوب فكان في غير محله لأن محله الأرش ولم يكن واجبا فصار قضاء بالشركة في معدوم.
وإنما قلنا الأرش لم يجب بعد لما ذكرنا في المسألة الأولى أن حق كل واحد منهما في القصاص كله كأنه لا شريك معه وإنما يجب الأرش بعد القطع لأن من عليه أوفى بما انتقص من حق كل واحد منهما قصاصا للآخر كان عليه كما لو كان عليه قطع سرقة وقصاص بلا أرش فلو قطعت يده بسرقة قبل القصاص وجب الأرش إلا أنهما إذا استوفيا الأرش أو أحدهما كان أخذا على طريق استيفاء الواجب في قصدهم وإن استعجلوا قبل سقوط القصاص فأدون أحوال الأمر أن يأخذ شبهة الاستيفاء.
آلا ترى أنهم ما أخطأوا إلا الترتيب، وكان هذا على مثال من زفت إليه غير امرأته فدخل بها لم يجب الحد لأنه قصد الحلال بطريقه وإن لم يملكه فكذلك هذا قصد الاستيفاء بطريقه وهو القطع على سبيل لا يكمل قصاصه فيه ووجب له الأرش وإذا ثبت شبهة الاستيفاء في الأرش ثبت شبهة السقوط بقدره إذا عفا الآخر وصفا الحق له ولم يظهر قبله، كما قال محمد قبل الاستيفاء بنفس القضاء والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 72
مسألة:
إذا قطع رجل يد رجل ويد المقطوعة كاملة، ويد القاطع عليها إصبعان، تخير ولي القصاص عندنا إن شاء أخذ الأرش، وإن شاء قطع يده ولا أرش له، وقال الشافعي: يقطع أرش ثلاثة أصابع، لأن المساواة من حيث الأصابع وأبعاض اليد معتبرة في القصاص في اليد على ما مر أنه معتبر بالأموال، ولهذا يخير بالإجماع بخلاف النفس.
ولما اعتبرت قلنا إنه استوفى بعض حقه بالقطع فيأخذ أرش ما بقى، كما لو قطع رجل يميني رجلين فقطعا اليد بينهما فإنهما يأخذان أرشا بينهما، لأن كل واحد ما أخذ إلا النصف وكما لو قطع يديه وله يد واحدة اقتص في يده وأخذ أرش يد ولنا أن المساواة في القصاص في قطع اليد باليد، لأن ولي القصاص
لا يملك اليد المقطوعة وإنما يملك قطع اليد بما قطعت من يده والقطعان في مسألتنا سواء من حيث إزالة كل الكف عن الذراع وإنما اختلف صفتا المقطوع فالأول يد كاملة وهذه ناقصة وحقه قط يد مثل يده.
ولما اعتبر الوصف في الطرف وقد وجده ناقصا لم يجبر على استيفائه كما في الأموال، لأنها معتبرة بها، ولكن إن استوفى لم يبقى له حق في تضمين الوصف من يده، لأن المذهب عندنا أن الحر بأطرافه لا يتقوم مالا وإنما وجب المال بالشرع بخلاف القياس عن النفوس المضمونة حال تعذر وجوب ضمانها قصاصا لعذر مانع منه حتى لا يهدر النفوس المضمونة.
فأما إذا وجب القصاص فلا، وإذا كان كذلك قلنا إن أبى القصاص لمعنى النقصان فقد تعذر بسبب هو فى القاطع فوجب الأرش حتى لا يهدر يده وإن رضى بالنقصان واستوفى القطع كملا لم يتقوم وصف يده الزائد مع القصاص لأنه لا قيمة له مع القصاص، كمن كان له على رجل د راهم جياد فاستوفي مكانها زيوفا ورضى بها لم يكن له أن يأخذ بإزاء الجودة شيئا لأن الشرع أبطل قيمة الجودة عند المقابلة بمثله وزنا من جنسه بخلاف قطع يمينى رجلين لأنهما لما قطعا هذه والقطع مما يتجزى على ما مر صار كل واحد مستوفيا بعض حقه فلم يهدر الباقي لما تعذر بعذر في المقتص منه ويحول مالا كرجلين لكل واحد على رجل درهم فاستوفيا درهما بينهما بقى حقهما وبخلاف مالو قطع يديه لأن هناك وجد قطعان وقد أمكن القصاص في أحد هما
الجزء 1 · صفحة 73
وبقيت في الآخر وها هنا بخلافه على ما بينا.
فصل: الشبهة من جهة القاتل
قتل الصبي والمجنون لا يأخذ حكم العمد وقال الشافعي في قول عمده عمد، والمسألة مذكورة في باب الكفارة.
مسألة:
لا يقتل الأب بالابن عندنا وعند عامة العلماء، وكذلك الابن إذا ورث قصاصا على أبيه سقط وقال مالك يقتل بابنه، وللابن أن يقتل أباه بالقصاص الذي يرثه أو يجب له بقتل وليه.
وذهب إلى العمومات الموجبة للقصاص من غير تفصيل، وإلى قوله عليه السلام:" العمد قود " من قتل له قتيل فوليه بين خيرتين إن شاء أقاد وإن شاء أخذ الدية". ولأن القصاص أحد ضمانى النفس فيجب على الأب للابن بقتله وقتل وليه قياسا على ضمان الدية مغلظة في ماله الذي لا يجب بالخطأ.
ولأن النفس مضمونة كالمال بل أقوى، ثم الأبوة لم يؤثر فى إسقاط ضمان المال إذا أتلف بغير حق فكذلك في النفس.
ولأن القصاص عقوبة والعقوبة تتأكد بتأكد الحرمة والحرمة تتأكد بالأبوة والبنوة فبينهما زيادة وصلة يجب بها زيادة كرامة بخلاف المولى والعبد لأن ما يجب للعبد يجب لمولاه فسقط لأنه يجب له عليه، وكما لو ورث قصاصا عليه فإنه يسقط، ألا ترى لا يضمن المال كما لا يضمن القصاص ولعامة العلماء قول الله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا} أي إليهما وأمرنا ولما استحقا عليه الإحسان إليهما بالولادة حرم عليه التعرض لهما بالقتل لأنه نهاية العقوبة ووجب العدول إلى المال ليكون إحسانا إليهما بأخذ المال مكان النفس وقال: "وإن جاهداك على أن تشرك ماليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا" والقتل يبطل كل معروف والاكتفاء عن القتل بالمال معروف، ألا ترى أن المخطئ الذى عذر بخطائه عن العقوبة اكتفى عنه بالمال وكان من المعروف، ولهذا يحرم قتل أبيه المرتد وقتل أبيه المشرك الحربي إلا أن يقصد الابن بالقتل فيقتله دفعا كما بعد الإسلام. ولهذا لا يحل له أن يرجم أباه وإن لزمه ذلك حدا، لأنه استحق عليه أن يعامله في نفسه بالمعروف، ولهذا لا يحل له أن يستأجر أباء لخدمته ولو أجر
الجزء 1 · صفحة 74
الابن نفسه لخدمة أبيه لم يجب الأجر لأنه، معاملة بالمعروف في نفسه وأنه حق عليه بحق الأبوة فلم يجز أخذ الأجر عليه، ويستولد جارية ابنه فيصح ويملكها ويأخذ ماله عند الحاجة ويحل ويلى على ماله ونفسه بلا تولية ولا سلطنة حكم من حق ثبت له خالصا باسم الأبوة ما شاركه فيه الأقارب ولا الابن وهذا ليعرف بحق الأب الذي هو سبب لوجود الولد عظم حق الله تعالى الذي هو الخالق على الحقيقة وقال: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} ولا يجوز الحمل على الأبوين الذميين لأن الاحترام يجب بالذمة حينئذ وإن لم يكونا أبوين.
ويروى أن أبا عامر كان أشد الناس إيذاء لرسول الله عليه السلام وكان ابنه حنظلة من خيار المسلمين فقال: يا رسول الله! إنه ينام في حجري فأذن لي أن أحز رقبته فلم يأذن له رسول الله وقال النبي عليه السلام: " لا يقتل والد بولد" وقال لرجل:"أنت ومالك لأبيك " و إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده کسبه " وظاهر هذا النص يجعله كالعبد هذا النص يجعله كالعبد وأن يكون للأب ما يجب له فإن قام الدليل على أنه لا يجب للأب ما يجب له لم يتخلف عن إبقاء شبهة الوجوب له والقصاص يسقط بالشبهات فلم يجب كما لا يجب الحد إذا زنا بأمة ولده لقيام شبهة الملك بهذا النص وإن لم يجب الملك بالإجماع على ما بينا في حد الشبهة.
ولا يلزم إذا زنا بابنته لأنه لا رواية، ولأن هذا الأمر تعليك فإنما يوجب شبهة الملك فيما هو بمحل الملك لا فى الحرة التي ليست بمحل، والواجب من الحد يجب لله لا للولد ثم يورث عنه، أو يثبت بشبهة الثبوت له والشبهة كافية.
والفقه في المسألة نوعان:- أحدهما: أن ضمان القتل لو وجب للقاتل حقيقة لم يجب كما في قتل العبد، ولوورث ضمانا عليه فإنه يسقط فإذا تمكن شبهة الوجوب للقائل لم يجب ما يسقط بالشبهة، وكذلك يسقط بها بعد الوجوب الحد، وفيما يجب للابن مما يملك ويورث يثبت للأب شبهة الملك المسقط لما سقط بالشبهة حتى إذا زنى بأمة ولده لا يحد لشبهة الملك، والقصاص مما يورث ويثبت شبهة الملك للأب فسقط لأنه مثل حد الزنا في السقوط بالشبهة. ولأنه كان جزاء منه كالعضو فبقيت شبهة أنه بعضه وإن انفصل وضمان بعضه حقيقة يجب له فبقيت شبهة الوجوب له في ضمان ولده.
والثاني: أن فضيلة الأبوة تحرم على الولد التعرض له بالقتل والجرح وإن كان حقا في الجملة
الجزء 1 · صفحة 75
كما لا يقتله على الردة والكفر والزنا - فإن لم يسلم نقلنا الكلام إليه - بل هذا أولى لأن النفس تصير مباحة بتلك المعاصي، ويفترض استيفاء القتل فيها وتبقى نفس القاتل مضمونة ويندب القاتل إلى العفو على كل حال، وقد بينا خصوصية الأب فى استحقاق المعروف على الابن في الاستدلال بالآية فلذلك لم يجز قياسه على سائر الفضائل، وهذا لأن الأب أصله وهو الذي سبب لوجود، وللأصل على الفرع من الحرمة في كل موضع مالا يوجد بين فرعين، وأقل ما في الباب أنه يشبه أعضاء، فإنه كان جزاء قبل الانفصال فيبقى الشبهة وإن انفصل فيعمل عمل الحقيقة فيما يسقط بالشبهة وإذا تحققت الشبهة خرجت الأجوبة.
فصل: المقدار
مسألة:
قال علماؤنا: إن دية المسلم والذمي والمستأمن سواء.
وقال الشافعي رحمه الله، دية الكتابي على ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم واحتج بقول الله تعالى: {لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة} وروى عن النبي عليه السلام " أنه قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم وفى دية المجوسى بثمانمائة " قال: وأربعة آلاف ثلث الدية على أصلى فإنها اثنا عشر ألفا، والمعنى فيه أن الكفر أنقص من الأنوثة فينتقص به بدل نفسه زيادة على نقصان الأنوثة حتى لما كان التمجس أفحش من دين أهل الكتاب أوجب النقصان أكثر ولهذا المعنى فارق ضمان الدم المال فإن ضمان مال الذكر والأنثى سواء فعلم أنه معتبر بنفسه لا بصفات المالك، وهذا لأن ضمان النفس بدلها فيعتبر بحالها، وضمان المال بدله فيعتبر بحاله أو نقول: إن الدية ما وجبت إلا شرعا على ما ذكرتم أنها ليست بمثل للمتلف والشرع أوجبها بسبب الحقن وحقن الذمي أنقص من حقن المسلم، لأن حقن المسلم بسبب الإسلام وحقن الذمي بالذمة والإسلام فوق الذمة.
ولا يلزم المال فإن ضمان المال بالمال أصل لأنه مثله إما معنى وإما صورة والسقوط كان بإباحة شرعية وإذا ارتفعت الإباحة بالذمة أو بالإسلام أو بالأمان ظهر الضمان بكونه مالا مملوكا بزوال علة الإباحة، وملكهما سواء لأن أسباب الملك مشروعة في حقنا وحقهم على نمط واحد.
الجزء 1 · صفحة 76
ولا يلزم العبد فإن ديته ربما تزداد على دية الحر والرق حالة ناقصة لأنى لا أو جب الدية عن العبد بدل نفسه بل أوجب ما أوجب بدل المالية التي فيها على ما تذكر في موضعه ولا يلزم دية الابن فإنها تساوى دية الأب لأن البنوة ليست بنقص لا شرعا ولا عرفا فرب إبن يفضل أباه شرفا ودينا وعبادة، وإنما وجب حق الأب عليه من طريق سابقة الإنعام عليه بالإيلاد كما يكون لمن علم غيره شيئا فضل عليه، أو أكرمه بمال، وبهذه المعانى لا تتفاوت أبدال النفوس آلا ترى أنه فضل بفعله لا بنفسه والبدل للنفس فلا يزداد بصفة لا تثبت لنفسه ولا ينتقص.
ولنا ما روى عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبة الوداع من الحديث المشهور: " ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل" ولم يذكر صفة القتيل من كفر أو إسلام فيكون التعليق بصفة الإسلام زيادة على النص فجرى مجرى النسخ وذلك لا يجوز إلا بخبر مثله، ولأن خطبة الوداع كانت لآخر عمره فنسخ كل قضية كانت قبله وروى محمد بن الحسن في كتاب السير أن رسول الله كان إذا بعث جيشا أو سرية: " أوصى صاحبهم بتقوى الله إلى أن قال: فادعوهم إلى إعطاء الجزية فإن أعطوا فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" فعمومه يقتضى أن يكون لهم من الدية ما للمسلمين وروي عكرمة عن ابن عباس أن النبي عليه السلام: ودي العامريين الذين كان لهما عهد منه وقتلهما عمرو بن أمية الضمرى بمائة من الإبل.
وعن الزهرى أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما كانا يجعلان دية الذمى مثل دية المسلم، وعن ابن مسعود دية الذمي مثل دية المسلم وعن الزهرى أيضا كانت دية الذمي مثل دية المسلم على عهد رسول الله عليه السلام وأبي بكر وعمر وعثمان فلما كان زمن معاوية جعلها على النصف وعن علي " إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا و ما روي بخلاف هذا عن الصحابة فلا يعارض بهذه المشاهير من الآثار عن الكبار وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن النبي عليه السلام مرسلا أنه قال: " دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار ورواه ابن عمر عن النبي عليه السلام مسندا والمعنى فيه وهو أن الكافر حر فيكون قدر ديته مائة بعير من الإبل قياسا على المسلم، و هذا لأن الكفر نقص ديني فلا يكون سبباً لنقصان الدية قياسا على الفسق والهوى وهذا لأن الدية تجب خالصة للعبد والدين لله فلا يتقوم ما للعبد بما لله وإنما يتقوم بصفة تكون حقا له وهى الحرية. آلا ترى أنها انتقصت بالأنوثة وقد تكون المرأة أتقى من الرجل وأكمل دينا
الجزء 1 · صفحة 77
وأتم صورة، لأن صفة الأنوثة دون صفة الذكورة وهما صفتان حقان لهما و كان النقصان بالأنوثة نقصان يرجع إلى المالكية، لأن بني آدم خلقوا أزواجا ذكورا وإناثا وبهذا الازدواج علق مصالح معائشهم وبقائهم إلى يوم القيامة بالتناسل، والنساء مملوكات للرجال فى الازدواج فانتقصت دياتهن بصفة الأنوثة التي بها صرن مملوكات.
والديات في الأصل أوجبت حقا لأصحابها بسبب أنهم مالكوا أنفسهم فتمت بتمام المالكية وهى الحرية والذكورة، فبالحرية مالكية الأموال، وبالذكورة مالكية الازدواج، وعادت إلى النصف بالأنوثة لزوال أحدى المالكيتين، ولأن النساء أتباع للرجال شرعاً وعرفا ثم الذمى والمسلم سواء فى المالكية والحرية فلا تتفاوت دياتهما، ولهذا لم تنتقص بالفسق ولا الزمانة ولا فوات الأطراف، لأن المالكية لا تنتقص ? بهذه المعاني، وانتقصت بالاجتنان لأن الجنين في حكم الأعضاء المملوكة لجملة النفس، فمن هذا الوجه لا يكون له حظ فى المالكية بوجه فكان دون المرأة بكثير فالمرأة الحرة مالكة إلا في ملك النكاح المحلل للجماع، فكانت دية الجنين أدون الديات غرة أو خمسمائة، فإذا انفصل الجنين وصار قائما بنفسه ساوى البالغ في قدر الدية لمساواته إياه في الحريةوالذكورة وإن فارقه فى العقل والقوة وعقيدة الدين على الحقيقةولا يلزم المرتد، ولا الحربي، لأن التعليل لقدر الدية بعد ما تصير النفس مضمونة بالمال لا لصيرورة النفس مضمونة بالمال فذلك السبب هو الاحراز بدارنا عندنا والمرتد ليس بمحرز بدارنا عندنا لانتصابه حربا لنا كالحربي يدخل دارنا بغير أمان ولهذا المعنى قال علماؤنا: إن ضمان العبد إذا قتل لا يبلغ الدية بل ينقص وإن كانت قيمته أضعاف الدية، لأن الضمان وجب بقتله لأنه آدمى لا لأنه مال على ما بينا في تلك المسألة والعبد مال مملوك فيجب أن ينقص ضمان نفسه عن نفس الحر كما نقصت دية المرأة عن الرجل بعلة المملوكية، فإذا ثبت أنه ينقص قلنا: ما دام يمكننا نقص ديته باعتبار قيمته مالا نقصنا بذلك السبب الذي انتقص وهو المالية، وإذا لم يمكن بأن ازدادت قيمته المالية نقصنا شرعا بمقدار له خطر شرط وهو نصاب السرقة الذي استحل بسرقته قطع يد ذات خطر وهو عشرة عندنا ولكن زدنا على دية المرأة لأنه فى حال يملك الحرة نكاحا تملكه مالا فلم يصر دونها لا محالة واحتملت ديته الزيادة عليها والنقصان ولأن قيمة الآدمي تجب في الأغلب اضعاف قيمته لو كان مالا، لأنه المتبوع في أصل الخلقة، وغير الآدمى أتباع له لأجليه خلق على ما قال الله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} والنساء خلقن أتباعاً للرجال فانتقصت الدية والجنين شئ
الجزء 1 · صفحة 78
محتقر لأنه كالعضو فانتقصت ديته والعبد صار تبعا بالرق مملوكا له فيجب أن ينتقص والمراد بالآية والله أعلم إنتفاء المساواة في الآخرة علوما فسر الله تعالى ? فقال: {أصحاب الجنة هم الفائزون} وعن الثاني أنه منسوخ بما روينا، أو مردود به، لأن ما رويناه أشهر أو متأول وهو أن الدية تجب في ثلاث سنين فكان ذلك من رسول الله عليه السلام أمرا بالواجب فى سنة فغلط السامع أو كان صلحا ولم يشعر به الراوي واعتبارهم نقصان الذمة عن الإسلام في هذه المسألة ساقط أصلا، لأن الاحراز بدارنا سبب تقويم والقيمة لا تختلف باختلاف الأسباب التي بها يستحق صاحبها الضمان فإن المالك يستحق قيمة ماله بملكه هبة وإرثا وشراء على نمط واحد، وكذلك الحربي المستأمن، والذمي والمسلم سواء في استحقاق في أموالهم إذا تعدى عليها، إنما يظهر الضعيف فيما يسقط بالشبهة من نحو القصاص والحد والأمان المؤقت دون الذمة، ودية الذمي المستأمن سواء.
مسألة:
قال علماؤنا دية العبد تنقص من دية الحر عشرة، وكذلك دية الأمة من دية الحرة عشرة إذا بلغت قيمتا هما الديتين أو ازدادتا، وهومذهب عبدالله بن مسعود وقال الشافعي: تجب بالغة ما بلغت، وهو مذهب عمر وعلى واحتج بأن المتلف مال فيقدر ضمانه بالأوصاف التي تختلف المالية بها قياسا على الثوب والفرس، وعلى ما إذا انتقصت القيمة عن الدية.
ولأن الإتلاف فوق الغصب في التضمين بالغصب يضمن القيمة بالغة ما بلغت فبالإتلاف أولى ولأنه لو قطع يده والعبد يساوى ثلاثين ألفا ضمن خمسة عشر ألفا نصف القيمة بالغة ما بلغت زائدة على الدية، فلا يجوز أن ينتقص عنه بإتلاف الكل ذكر في كتاب الصلح إذا قطعت يد العبد فصالح المولى عنها على أكثر من خمسة ألاف صح، ولو قدرت بنصف الدية لما جاز كما عن الحر، وكذلك قيمة كل العبد تنتقص بذهاب أطرافه كما في المال فعلم أن المالية ترجحت على السبب الذى به يضمن الحر وإذا ترجح وجب اعتباره بالفرس وغير الآدمى، ولأن الضمان يجب للمولى وهو لا يملك منه إلا المالية فصار إيجاب الضمان له بإزاء المالية أولى من النفسية التي تضمن من الحر وإنما يصار إليها إذا كان الواجب لا يصلح لضمان المال كالقصاص.
مسألة:
الجزء 1 · صفحة 79
ولهذا قال الشافعى فى قول: لا تعقل العاقلة ضمان عبد قتل خطا ولا تجب القسامة فيه ولكن الكفارة تجب لأنها تجب بإزاء الله تعالى وما صار ما فيه لله مالا، ولا أيضا صلح ما وجب للمولى للكفارة فأما ما يوجب من ضمان المال للمولى يصلح لما كان يجب ضماناً عن النفس في الحر لأن الواجب مال في الحالين وكما إذا انتقصت القيمة عن الدية وقال في قول: تجب القسامة وتفسيرها: أن يمين الولى القاتل فيحلف ويأخذ حقه لما بينا في موضعه، أن الظاهر يشهد للمدعى ويمين المدعى حجة عندنا إذا شهد الظاهر له في الأبواب كلها ولنا: أن الضمان واجب بقتل الآدمى فلا يزاد على الدية قياسا على قتل الحر قال محمد بن الحسن: لأنا لا نجد عبداً إلا وفى الأحرار هو أفضل منه فإن قيل: الواجب واجب بإتلاف المال لا بقتل الآدمي قلنا: إن العبد مال وآدمى يجب عليه أحكام الناس وله مما لا يثبت في حق البهائم. وبالإجماع يجب القصاص في العمد ولا قصاص في إتلاف الأموال ولا يجمع بين الضمانين، فإن القتل لو كان عمدا واستوفى المولى القصاص لم يبق له ضمان المال لأن المستحق هو المولى والمتلف واحد فلا يستحق به ضمانان والواجب هاهنا من الضمان مال يصلح بدلا للمالية والنفس المحترمة، وعن أيهما كان بدلا صلح حقا للمولى فإنه يستحق القصاص ولا يجب بإزاء المال فلم يكن بد من ترجيح أحدهما على الآخر.
فنقول: يجب ترجيح النفس على المال لأن الأموال خلقت في الأصل لهذه النفوس المحترمة آلا ترى أن صفة المالية تأتى على هذا النفس وتزول مع قيام النفس والنفسية متى زالت بالموت لم تبق المالية. ولأن ما يجب من الضمان بإزاء النفس التي تبقى بعد العتق آكد من ضمان المال لأن الله تعالى عظم أمر الدماء وصانها عن الهدر والأموال عرضة للبذلة والإباحة وهدر ضمانها فإن قيل: إنا لا نسلم بقاء ضمان النفسية بعد الرق قلنا: بالإجماع يجب القصاص على العبد بقتل العبد وإتلاف المال لا يوجب العقوبة، وكذلك تجب الكفارة بالقتل خطأ، ولأنه إنما أكد شأن هذا النفس بالضمان بعد الاحراز حتى لا يتعدى عليها، والحرمة تثبت بسبب الذمة وحمل الأمانة والعبد في ذلك بمنزلة الحر، ولا يلتحق بالبهيمة ولهذا يصح اقرار العبد بالقصاص دون المولى، ولو ترجحت المالية لنفذ إقرار المولى به دون العبد فإن قيل يجب هذا الاعتبار بطلان حق المولى في المالية ولا سبيل إليه قلنا: أليس إذا كان القتل عمدا وجب القصاص مطل حق المولى في المالية عينا على مذهبنا، وهذا لما ذكرنا أن المالية تبع للنفس فسقط اعتباره في مقابلته.
الجزء 1 · صفحة 80
ألا ترى أن العبد إذا أقر على نفسه بالقصاص قتل وتلفت مالية المولى وهو لا يملك إتلاف ماليته قصدا بقوله، لما أن الإقرار حصل على نفسه ودمه والمولى لا يملكه، فكذلك الضمان إذا كان بسبب القتل والقتل أخذ لنفسه ومالية المولى سقط اعتبار المالية في إيجاب الضمان وصار العبرة للنفسية ثم يستوفيه المولى لأنه أولى الناس به كما يستوفي القصاص. فإن قيل: لو كان كذلك لما وجب بقدر القيمة إذا انتقصت عن الدية قلنا: قد ذكرنا أن صيرورة الصورة مالا جعلته تبعا للحر فأوجب نقص ديته كما أوجب النقصان بالأنوثة، لأن الإناث في الخلقة أزواج الذكور و جعلن الزوجية تبعا لهم مملوكات كالأموال التى تبع للأحرار مملوك لهم في الأصل فإن أمكننا إثبات النقصان باعتبار المالية التي نقصته لم تعتبر آخر فيكون الناقصة بسبب الاعتبار بالمال بدل دمه وإن لم يمكن إثبات النقصان بالاعتبار مالا وجب النقص شرعا لكن بقدر له خطر شرعا وأقله عشرة التي يستحل بسرقتها قطع اليد في السرقة وفرج المرأة ببذلها ? على ما بينا في مهر النكاح.
فإن قيل: هذه العلة لو كانت صحيحة لنقصت دية العبد عن دية المرأة لأنها تملكه قلنا: من حيث أنها نفس تدخل تحت حمل أمانة الله لم يصر مالا وبقى على حكم الحرية، وصحة النكاح تبتنى على هذا الوصف فالأموال ما بينها عقد تناكح ومن هذا الوجه هو يملك الحرة نكاحا فتصير المرأة تبعا له في حق النفسية وما يبتنى عليها، فلذلك كانت دية المرأة أنقص ولأن قيمة العبد إذا كانت أقل من خمسة آلاف تجب دون دية المرأة لأنها تملكه، وإذا كانت القيمة أكثر من ديتها تجب أكثر لأنه يملكها نكاحا قولا بالشبهين فأما حديث الطرف فقد قيل إن ذلك قول أبي يوسف وروى عن أبي يوسف في دية العبد أنها تجب بقدر القيمة وإن كثرت وقد قيل: إن جانب المالية في الطرف أغلب لأن الأجزاء معتبرة فى الطرف لكمال الدية، والأجزاء صارت مالا بخلاف النفس، فإن الأجزاء التي صارت مالا لا تقابلها الدية، فدية كامل الأطراف من الحر وناقصها واحد ولأنا أسقطنا اعتبار المالية في النفس لأنها تبع للأصل وفي اليد ليست المالية بتبع لليد لأنها لا تملك بنفسها ولا يجرى عليها الخطاب ما لليد بانفرادها حظ من هذا الوصف، فاعتبر بأطراف البهائم مالا.
والجواب عن الغصب أنها لا توجب ضمان النفس كما لو غصب حرا فتلف عنده وإنما انتقص الضمان بفوات الطرف، لأن القيمة انتقصت عن الدية فيجب اعتبار النقصان عن
الجزء 1 · صفحة 81
الدية بها حتى إذا لم ينتقص عن الدية لم بتغير شي بفوت الطرف ويدل عليه أن معنى المالية معتبر في أطراف الأحرار من وجده على ما مر في باب أن لا يؤخذ الإثنان بواحد، وبالرق ازداد معنى المالية فترجح على النفسية فأما نفس الحر فما فيها من حكم المالية شيء وإنما حدث بالرق في أجزاء الجسم دون النفس فترجح النفس لأن القوام به لا بالمالية وكان كالزمانة تؤثر في الطرف دون النفس والله أعلم.
مسألة:
ويبتني على هذا مسألة أخرى وهى أن العبد إذا قتل خطأ كانت ديته على عاقلة القاتل وقال الشافعي في قول: تجب على القاتل، لأنه ضمان مال وقال النبى عليه السلام: " لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة، والمشهور عن ابن عباس موقوفا عليه ولا خلاف في أطراف العبد أن ضمانها لا يجب على العاقلة.
وقد قال مشايخهم على هذا القول: لا تجب القسامة أيضا إلا أنا نقول: إن الضمان ضمان الآدمى فيجب على العاقلة إذا كان القتل خطأ قياسا على الحر، فالمعنى الذي أوجب حمالة عن الحر موجود ها هنا بعينه على ما نبينه في باب العقل. والجواب عن الأثر أما مشايخنا فكانوا يقولون: معناه لا تعقل العاقلة ضمان جناية العبد على غيره فإن قيل: إنه لا يصح لغة فقد ذكر الأصمعي: عقلت عنه إذا تحملت عنه وعقلته إذا أديت ديته، كما تقول وديته، إلا أن " عقلت " يدل على الأداء على سبيل الحمالة فيصير كأنه قال لا تؤدى العاقلة دية العبد حمالة، وديته ما يجب له لا ما يجب عليه، كما لا يؤدون ضمان العبد دون أرش الموضحة قلنا: إنا لا نسلم أن تفسيره: لا يدون العبد ولا يؤدون ديته لكنا نقول: المراد بديته ما وجب بسبب جنايته لا ما وجبت بدلا عنه، فإن الشئ يضاف إلى سببه كما يضاف إلى المبدل فيقال ثمن البيع وثمن المبيع، آلا ترى أنه قال ولا عمدا أي ضمان العمد، والعمد سبب الوجوب لا بدل الواجب من المال، على أنه حديث موقوف على ابن عباس فلا يكون حجة على أصله و أكثر مشايخنا وأما أطراف العبيد فقد ذكرنا أنها معتبرة بالمال.
مسألة:
ويتبنى عليه وجوب القسامة المخصوصة بالدماء بوجود العبد قتيلا.
الجزء 1 · صفحة 82
مسألة:
قال أصحابنا: دية الجنين الحر معتبرة بنفسه وقال الشافعى: معتبرة بأمه و ثمرة هذا الاختلاف أنا متى اعتبرناها بنفسه وهي خمسمائة بالنص والإجماع للذكر والأنثى كانت نصف عشر دية الذكر لو كان وليدا وعشر دية الأنثى لو كانت وليدة فيجب على هذا التقدير من قيمته إذا كان الجنين مملوكا نصف عشر قيمة الذكر لو كان وليدا وعشر قيمة الأنثى لو كانت وليدة وخصمنا لما اعتبر بالأم كانت خمسمائة عشر دية الأم فيجب للجنين المملوك عشر قيمة الأم سواء فيه الذكر والأنثى. واحتج بأن الجنين متردد بين نفس وعضو من الأم، لأن قولنا امرأة حامل وحائل صفتان ترجعان إلى المرأة نفسها لا بغير اتصل بها من نحوحمل تحمله على عاتقها، فهذا الحبل تولد منها كما يتولد سمنها ولهذا يصير الحبل مبيعا ببيع الأم، عتيقا بعتق الأم، موصى به بوصية الأم، ويملك بملك الأم، وإن استثنى الحبل وقد أوضحنا البيان في مسألة الجنين يتذكى بذكاة الأم وهو من وجه نفس قائمة بذاتها تنفصل عن الأم فتبقى وتقصد بالاعتاق والوصية دون الأم فيثبت، وكذلك يرث ويوصى له فانزلناه في حق الدية منزلة بين المنزلتين فقلنا: إن قدر الدية يعتبر بالأم كما في الأعضاء فإن اليد لها نصف دية النفس، وكذلك سائر الأروش المقدرة للأعضاء أو الجراحات تقابل بجميع الدية للنفس فيقال: إنه عشر الجميع أو ثلثه أو نصفه فكذلك هذا.
مسألة:
وتجعل الدية ميراثا عن الجنين لا ملكا للأم وتجب الدية وإن تنقص الأم شيئا كأنه وليد بخلاف العضو توفيرا على الشبهين حظهما كما قلنا في باب الذكاة أنه يتذكى بذكاة الأم بحكم الجزئية، ويتذكى بذكاة نفسه بحكم أنه نفس على حدة وله حياة على حدة مقصودة ولهذا أوجبنا دية الجنين إن لم يوجب نقصا في الأم، وأرش جزء منها لا يجب إذا آل حالها إلى ما قبل الجرح ولم يبق له أثر فصار الجنين فى حق المقابلة معتبرا بالنفوس، وفي حق تقدير الدية معتبرا بالأعضاء وكذلك سوى الشرع بين الذكر والأنثى، فصفة الأنوثة والذكورة لا تثبت للأعضاء وإنما تثبت للنفوس وهو في حق المقدار عضو ولهذا نقصت ديته، والديات لا تنتقص بنقصان صفات النفوس، فدية الزمن والصحيح سواء، وكذلك مقطوع الأعضاء والسليم، وإنما تنتقص على أصلي بنقصان الحقن ولا نقصان حقنا فيما نحن فيه فثبت أن النقصان كان لمعنى أنه
الجزء 1 · صفحة 83
بمنزلة عضو من الأم وكثيرا ما ينتقص أرش العضو عن دية النفس فمن جعل دية الجنين معتبرة بنفسه قدرا فقد خالف القياس في التسوية بين الذكر والأنثى أو زيادة الأنثى على الذكر في الإماء، وخالفه في نقصان القدر بصفة النفس بعد قيام الحياة والحقن، وترك القول بشيه الأعضاء ولا يلزمني أني قلت بوجوب الكفارة على الضارب، لأني أجعله نفسا في حق مقابلة ضمانه به والكفارة من ضمانه إنما جعلته عضوا في حق المقدار فهذه كلمات واضحة فقهية ولعلمائنا أن الجنين نفس على حدة من وجه على ما قاله الخصم والضمان ها هنا ضمان الجناية على الجنين دون الأم، فإن الأم على حالها لم تمت ولا تغيرت، وموت الجنين ظهر عقيب الضرب وأنه سبب له فيضاف إليه وإن احتمل غيره بموت الأم نفسها لو ماتت، وهو في حق الجناية عليه دون أمه معتبر بالوليد بالإجماع.
ألا ترى أنه يتذكى بذكاة نفسه بأن وجأ إنسان بطن شاة فأصاب مذبح الجنين فإنه يتذكى وتصير الأم ميتة لأن الذكاة حلته دون الأم ولواعتبر بالعضو لم يحل ولهذا قلنا: إن ديته تورث عنه خلافا لمالك وقال الشافعي: تلزمه الكفارة ولا تجب بحال بقطع العضو ولهذا يجب الضمان إن لم يبق أثره في الأم فتبين الأم فتبين أنه غير مشبه بالعضو حال موته بالجناية عليه دون الأم، وإنما شبهه بالعضو بموته بموت الأم بخلاف الوليد و قد قلنا به.
مسألة:
فيمن ضرب بطن أمة أو حرة فماتت ومات الجنين فيها، أو خرج ميتا بعد موت الأم أنه لا يضمن الجنين، خلافا للشافعي رحمه الله لأن الجناية فى الحال حصلت على الأم وأمانتها وهو بمنزلة العضو موتا بموت الأم فلا يجب له ضمان على حدة كما لا يجب للاعضاء إذا ماتت بموت الأصل شيء فثبت أنا قلنا بالشبهين على الوجه. وهذا كما قلنا في العتق أنه متى حل بالأم كان الجنين فى حكم عضو منها يعتق بعتقها، ومتى قصد الجنين بالاعتاق كان كالوليد وكذلك الوصية وكل تصرف يتصل بالجنين مقصودا دون الأم وأما الجواب عن النقصان فما مر أن الديات تنتقص بانتقاص درجات النفوس فى صفة المالكية فيه والاجتنان أنقص الدرجات فيه لأنه كالأعضاء والأعضاء مملوكة للجملة حكما يستعملها ويأخذ بدلها ملكا إذا قطعت مع كونها في الخلقة تبعا لا تقوم بنفسها فأوجب نقصانا وجه فاحشا وإنما يساوى الذكر الأنثى لأن المفارقة بالذكورة لا تتحقق مالم تزايل شبه الصفات للأم وشبه الأعضاء على ما قاله الخصم آلا ترى أن شيئا من
الجزء 1 · صفحة 84
مقاصد النساء لا يثبت حال اجتنانها ولا من مقاصد الرجال بخلاف ما بعد الانفصال فإن من المقاصد النكاح وبعد الانفصال يصير أهلا لذلك فتباين الأنثى و الذكر فيه، فيقام الانفصال حكما مقام الانفصال حقيقة فيمتاز قدر ديتيهما كذلك ولا يلزم على هذا أنا قلنا: لا يجب على ضارب الجنين كفارة، لأن من أصلنا أن كثيرا من ضامنى دية النفوس لا يلزمهم الكفارة كالأب يقتل ولده عمدا، وكحافر البئر وواضع الحجر على الطريق فمات بهما إنسان، والصبى أو المجنون يقتل إنسانا خطأ أو عمدا، فلا يدل سقوط الكفارة على اصلنا على أن الضمان ليس بضمان نفس. فإن قيل: هذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم لأنه لا يجعل ذكاة الجنين بذكاة أمه قلنا: يستقيم لأن الصيد محرم بلعل وعسى احتياطا وشبهة النفسية قائمة ? مع جعلنا بمنزلة عضو فحرم، فأما الضمان فلا يجب بلعل وعسى فعلمت الآن أن الدية بدل نفس الآدمى والنفس ليست بمال بل هي حرة مالكة في الأصل وتقومت بالمال، شرعا، وإذا صارت الدماء مضمونة كرامة للآدمى حتى لا يهدر دمه إذا تعذر الضمان بمثله من القتل، وإنما تصير مضمونة بالإحراز بدارنا وحد الإحراز بدارنا حصوله فى دارنا آمنا شرعا، ولم يجز طلب تفاوت القيمة من جهة الإحراز لأنه علة الضمان لإحراز الأشياء المباحة والضمان يتفاوت بتفاوت المضمون وذلك بصفة المالكية، لأن شرف الآدمي في الدنيا بأن خلق مالك ما فيها بنص القرآن ولشرفه يقوم بالمال عند تعذر القصاص حتى لا يهدر بعد ما صار مضمونا، فتفاوت البدل بتفاوت المعنى الذى به يقوم بالمال كالأموال يتفاوت قيمها بتفاوت المعاني التى تشرف بها المالية وإذا كان كذلك قلنا: نهاية المالكية في الذكورة بعد الحرية، لأن النساء خلقن أزواجا للذكور فى الأصل وهن مملوكات الرجال في الزوجية فانتقصت دية النساء بنقصان فى المالكية وكذلك العبيد صاروا أموالا من وجده مملوكة فينتقص دياتهم وأما الأجنة فينتهى إليهم النقصان لأنهم أوصاف للأمهات من وجه كالأعضاء وبمنزلة الكبد والطحال ولا مالكية للأعضاء بوجه، ولا ينتقص بالجهل ولا الكفر لأنه لا ينتقص في مالكيته مال ولا نفس بالنكاح وكذلك الجنون إنما المجنون عاجز عن التصرف فجعل الشرع له وكيلا بمنزلة الصغير يدل عليه أن تفاوت القيم بتفاوت شرف المتقوم فيما خلق له، كالأموال خلقت لنا ولمصالحنا وشرفها وحرمتها في أنها صالحة لقيام مصالحنا بها وتتفاوت قيمها بتفاوت الصلاحية من الوجه الذى يقصد، وشرف الإنسان للحال في أنه مالك غيره وبه ظهر احترامه على غيره على ما نطق الكتاب فيكون تقومه إذا تقوم بهذا الوصف فيتفاوت بقدر
الجزء 1 · صفحة 85
التفاوت في صلاحه للمالكية أيضا وإنما الشرف بدينه للآخرة فمالكية الأموال بالحرية، ومالكية الأنكحة بالذكورة، فإذا اجتمعا تمت المالكية والدية وإذا وجد أحدهما دون الآخر انتقصت المالكية فانتقصت الدية والله أعلم.
مسألة:
إذا ضرب بطن حامل فماتت ومات الجنين أو خرج ميتا لم يجب ضمان الجنين عندنا وقال الشافعي: يجب، لأن الضربة أوجبت له قتل نفسين فيلزمه ضمانان، وهذا مستقيم على أصله فإنه يجعل ذكاة الأم ذكاة ه كأنه أصابهما جميعا، ولا يجعل موت الجنين مضافا إلى موت الأم الجنين دون الذكاة، فكذلك ها هنا لا يجعله مضافا إلى موت الأم دون الضربة إذا حصلا على التوالي وهذا كرجل في جب ضرب الجبَّ رجل حتى كسره فأصاب الرجل فأماته ضمنهما جميعا قال: ولم يكن فيه ترك لما تقدم، لأني جعلت الجنين نفسا على حدة في حق مقابلة الضمان به وإنما جعلته عضوا في حق القدر ولعلمائنا أن الجنين مات بموت الأم دون الضربة فلا يكون على أحد ضمانه كما لو ماتت الأم قبل الضربة
وإنما قلنا ذلك لأن حياة الأم في حكم غذاء الجنين لأنه يتغذى من قبل الأم مادام حيا وموتها 9 ينقطع غذاؤه فيموت جوعا فيضاف الموت إلى الجوع الذى هونار هائج.
ألا ترى أن من منع إنسانا طعامه حتى مات لم يضمن لأن الغذاء دافع عنه شر نار الجوع المحرق فكان بمنزلة من يدفع عن نفسه شر ضربة السيف بترس فنزع إنسان الترس عنه حتى قتل. فإن قيل: يحتمل أنه مات من ألم الضربة.
قلنا: لما احتمل الأمران على السواء لم يجب الضمان بالشك مالم يمكن الجمع بين الشيئين وإضافة الموت إليهما فأما إذا لم تمت الأم ولم يظهر لموت الجنين سبب آخر غير ذلك فأضيف إليه، كما لو لم يحز رقبة المجروح حتى مات والجراحة قائمة فإنه يضمن نفسه ويضاف إليه موته
مسألة:
وهذا مستقيم على أصل أبي حنيفة فإنه لم يجعل ذكاة الجنين بذكاة أمه فأضاف موت الجنين إلى موت الأم كأنها لم تذك، لا إلى الذكاة. وصاحباه تركا هذا القياس فى باب الذكاة بالسنة على ما بينا في موضعه، وجعلا ذلك أمرا بخلاف القياس فابيا القياس عليه أو لأن الشرع بنى أمر الذكاة
الجزء 1 · صفحة 86
على قدر الإمكان رحمة علينا ولا يجوز قياس الغرامة عليه، لأنه لارحمة فيه فعلمت أن حرارة طبعه كنار في خشب لم تطفأ إلا بالماء، فلا يقال: احترق بعلة عدم الماء بل بحرارة النار، وإذا كان كذلك لم يضف الموت إلى انقطاع الغذاء بحال، فلايتصل بالضربة، فالضربة ما أوجبت إلا قطع الغذاء.
ألا ترى أن من منع إنسانا مائه وطعامه حتى مات جوعا لم يضمن المانع شيئا، أو قد حبس في سجن، أو منع الرجل عن تسييل الماء على نار في بيته حتى احترق فإن قيل: إن موت الأم إن موت الأم سبب لخناقه.
قلنا: لا كذلك بل مانع عنه متنفسه فصار بمنزلة رجل في بئر سد رجل رأس البئر حتى انخنق فإنه لا يضمن وأنه والباب الأول سواء، ولا يوجد له رواية ويجب أن يضمن، لأنه مسبب للخناق كحافر البئر مسبب للسقوط والله أعلم.
مسألة:
قال علماؤنا: من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمدا أو خطأ لم يضمن له قصاصا ولا دية وقال الشافعي: يضمن، وكذلك المال، والمسألة موضعها کتاب السير وهو أن الاحراز بدارنا هو السبب المقوم عندنا.
فصل: أنواع الدية
مسألة:
قال أبو حنيفة: الدية من الإبل مائة، ومن الدنانير ألف دينارومن الدراهم عشرة آلاف شاة
وقال صاحباه: ومن البقر مائتا بقرة، ومن الشاء ألفا شاة ومن الحلة مائتا حلة وقال الشافعى فى قول: الدية من الإبل لا غير، ومن غيرها تجب قيمتها.
وفى قول: تجب من الإبل والذهب كما قلنا، ومن الدراهم إثنا عشر ألف درهم.
واحتج لقوله الأول: بما روى عن النبي عليه السلام أنه قال: ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل فثبت أن غيرها يجب بدلا عنها، واحتج لقوله الثانى إنها من