الجزء 1 · صفحة 7
فض النزاع بين الخصوم في إخراج زكاة الفطر بغير المطعوم
تأليف:
العلامة الحافظ محمد عابد السندي الحنفي
المتوفي سنة: 1257هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ختم رسالاته بالحنيفية السمحاء، وابتعث خاتم أنبيائه ورسله بالمحجة البيضاء، والحجة الواضحة الغراء، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم ما هضبت السماء، ومرجت أمواج الدماء، وصدح على أفنان الرياض المكاء ....
وبعد:
فقد وقعت على لوحة معلقة في مسجد بمصر، كتبِ فيها ما يقتضي أن إخراج قيمة زكاة الفطر في رمضان نقداً بدعة محدثة، وأن من فعل ذلك فهو مبتدع ولا تبرأ بذلك ذمته، ولا تقبل زكاته!
فعجبت من هذه المجازفة في الإقدام على القطع بالبطلان، ورمي المخالف بالبدعة مع شهرة فتيا علماء مصر في الأزهر وغيره بالجواز والإجزاء، حتى لا تكاد تخفى على أحاد الناس من العامة!
فألقي في نفسي أن في الأمر نوع عناد ومكابرة لمن انتدب للإفتاء بذلك، وأن المسألة بحاجة إلى تصنيف مختصر يسهل الوقوف فيه على جمهرة ما في المسألة من الأقوال والدلائل التي يظهر أنها خفيت على من يقوم على هذا المسجد، حتى اجترأ على تعليق هذه اللوحة المشتملة على هذه الفتيا الغريبة!
ثم اتفق لي شهود نزاع بين طوائف المتفقهين في هذه المسألة، من أهل الحديث والأثر ومن أهل الفقه والنظر، واختلفوا حتى تخاصموا وبلغ الأمر حد الوحشة، ثم بلغنا بعد ذلك أن بعض من يذهب إلى التحريم والمنع عدا على مخالفه ممن يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر بالضرب والشتائم التي لا تليق بمسلم!
وسمعت بعض من انتدب للكلام في المسألة من المتصدرين للتدريس يعجب ممن يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر نقداً، ووجه العجب عنده على ما قال إنه لا يعلم قائلاً بذلك، ولا دليلاً أو برهاناً من الأثر والنظر في تقرير تلك المسالك!
فوضعت هذه الرسالة، ولخصت هذه العجالة، في شرح ما احتوت عليه هذه المسألة، من خفي المقالة، وغامض الدلالة، بقصد توقيف المانع على ما للناس فيها من مذاهب تخالف قيله، ودلائل حادت بسبيلها عن سبيله.
والله تعالى المسؤول، وهو خير مرجو ومأمول، أن يجمع ما افترق وتبدد من شمل أهل الإسلام، ويقطع سُبل الفرقة بينهم والاختصام، ويصلح الخواص منهم والعوام، ويوفقهم وأولياء أمورهم للعمل بما في شرعه الشريف من الآداب والأحكام!
فصل في مجمل ما للناس من مذاهب
الجزء 1 · صفحة 9
اعلم أن جمهور الفقهاء على منع إخراج القيمة في زكاة الفطر تمسكاً بظواهر النصوص الواردة في الباب، وهي مشهور معلومة لا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد في صحيح مذهبه على ما قطع به المرداوي في الإنصاف واختاره ابن المنذر في «الإشراف» وداود وابن حزم، وحكاه المهدي في البحر» قول الهادي من الزيدية.
وأما القائل بالجواز فهم خمسة أصناف من أهل العلم، فطائفة جوزت إخراج القيمة في زكاة الفطر بالنقد مطلقاً، وهم أكثر المجوزين فيما بلغنا من أقاويلهم، وتهيأ لنا الإشراف عليه من مذاهبهم، وقد حكاه العيني وغيره قياس قول عمر وعلي وابن مسعود ومعاذ وابن عمر وابن عباس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي إسحق السبيعي، وهو تابعي جليل أدرك ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمع منه، كما قاله العجلي وغيره، ورأى أمير المؤمنين علياً عليه السلام يخطب على المنبر، قال أبو إسحق: أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام ولا يخفاك أن مراده بحكاية قولهم، مجمل من لقيهم من علماء السلف من الصحابة والتابعين.
وقال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «لا بأس في القيمة في الزكاة ذكره شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في «التهذيب» وغيره.
وعليه العمل زمان عمر بن عبد العزيز وبذلك كتب إلى عماله كما في مصنف ابن أبي شيبه عن قرة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر، نصف صاع عن كل إنسان، أو قيمته نصف درهم».
وفيه عن ابن عون قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بالبصرة: «يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم عن كل إنسان نصف درهم يعني زكاة الفطر.
وأخرج ابن زنجويه في الأموال من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن عبد العزيز كتب: يُؤخذ من عطاء كل رجل نصف درهم زكاة الفطر» قال يزيد: فهم حتى الآن يأخذونهم به.
وأخرج ابن زنجويه أيضا عن الزهري قال: «أخذتِ الأئمة في الديوان زكاة الفطر في أعطياتهم فتأمل كيف أطلق حكايته عن الأئمة، ومراده الخلفاء والأمراء ومن ينوب عنهم من ولاة الأمر في عهده.
الجزء 1 · صفحة 10
وقاله من التابعين غير من تقدم الزهري والحسن البصري وطاوس وأبو حنيفة، وعليه عامة أصحابه أبو يوسف ومحمد وغيرهما، وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني منهم: «أداء القيمة أفضل لأنه أقرب إلى منفعة الفقير، فإنه يشتري به ما يحتاج إليه، والتنصيص على الحنطة والشعير كان لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها، فأما في ديارنا البياعات تجري بالنقود وهي أعز الأموال، فالأداء بها أفضل ذكره السرخسي.
وذهب إليه من فقهاء الأمصار سفيان الثوري وأحمد في رواية مخرجة عنه حكاها المرداوي في الإنصاف وذكره ابن تيمية في فتاويه» عن نص أحمد واختاره أبو عبيد في كتاب الأموال والبخاري في «الصحيح» وهو أحد قولي الإمام الحافظ يحيى بن معين وكان يفتي بقول أبي حنيفة، فقد قال كما في «تاريخه» رواية عباس الدوري: لا بأس أن يعطي في زكاة الفطر الفضة».
وهو قول أشهب وابن وهب وأصبغ وابن أبي حازم وابن دينار وأبي بكر الطرطوشي من أصحاب مالك، واختاره الحافظ أبو أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال».
واختاره أبو علي بن قداح في المسائل الفقهية له، فقال: «مسألة: أفضل ما يعطى في زكاة الفطر القمح، فإن أعطى غيره مما هو مذكور في الحديث مع وجود القمح أجزأه، وإن أعطى ثمنها بعد يوم الفطر أجزأه».
وهو اختيار الإمام القاضي أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني الشافعي، حكاه عنه الحافظ أبو طاهر السلفي كما في طبقات الشافعية للعماد ابن كثير، وقد حكاه العمراني في «البيان» وجهاً للشافعية.
أصله ما حكاه سليم الرازي في التقريب عن المذهب، هل يجوز استبدال نوع من نوع من المنصوص في الزكوات والمقدرات؟ وجهان لأصحاب الشافعي، أصحهما الجواز إن كان البدل أعلى وأغلى، وهو اختيار الشيخ أبي محمد الجويني.
وقاله من أئمة الزيدية الناصر الأطروش والمؤيد بالله كما نقله المهدي في «البحر» وابن مفتاح في شرح الأزهار والجمال الريمي في «المعاني البديعة».
وهو قول جابر بن زيد ففي الجامع لابن جعفر و «بيان» الكندي: كان الأعور، أي: جابر بن زيد، يعجبه الطعام قبل اليوم، ثم بدا له من رأيه أن قال: إن الدراهم خير من الطعام يعني في زكاة الفطر، ووافقه من الإباضية ضمام بن السائب.
الجزء 1 · صفحة 11
وهو قول علماء الإمامية أجمع كما في التذكرة» لابن المطهر الحلي، والتهذيب لأبي جعفر الطوسي، وفي الحدائق الناظرة للبحراني منهم، قال: «الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في جواز إخراج القيمة السوقية عن ما وجب من الفطرة، سواء وجدت الأنواع المنصوصة أم لم توجد».
ثم ذكر الأخبار الدالة عليه عندهم على مقتضى نقلهم وأسانيدهم عن أبي الحسن الرضا وأبي جعفر الصادق عليهما السلام.
والصنف الثاني من العلماء المجوزين لإخراج القيمة في زكاة الفطر بالنقد، طائفة قيدت الجواز بالضرورة وحاجة الفقراء، فإن اقتضت مصلحة الفقراء والمساكين إخراج النقد في زكاة الفطر جاز وإلا فلا.
وهو قول إسحق بن راهويه وأبي ثور حكاه ابن المنذر في «الإشراف» وأبو جعفر الطبري في اختلاف الفقهاء وقاله ابن حبيب من المالكية، وطائفة من الحنفية كما في حاشية الشرنبلالي» على «الدرر والغرر» وفيه: ونقل في «البحر» عن «الظهيرية» أن الفتوى على أن القيمة أفضل، لأنه أدفع الحاجة الفقير.
واختار في «الخانية» العين إذا كانوا في موضع يشترون الأشياء بالحنطة كالدراهم، قلت: خلاف بين النقلين في الحقيقة لأنهما نظرا لما هو أكثر نفعاً وأدفع للحاجة.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني في السيل الجرار والأثيوبي شارح النسائي وغيرهم من المحققين.
والصنف الثالث من ذهب إلى منع إخراج القيمة في زكاة الفطر إن تعذر إخراجها طعاما، وعبارة «الأزهار»: وانما تجزى القيمة للعذر قال ابن مفتاح: «أي: لا تجزي عندنا إخراج قيمة الفطرة مع التمكن من اخراجها طعاما، وانما تجزى للعذر وهو أن لا يجد الطعام، فحينئذ يجزي إخراج القيمة من نقد أو غيره.
ونص عليه الإمام يحيى بن الحسين من الزيدية في كتاب الأحكام له، قال: «لا ينبغي أن تخرج زكاة الفطر إلا طعاما، فإن لم يجد المزكي حيلة إلى شيء من الطعام فلا بأس أن يخرج قيمة الطعام دراهم».
وحكاه المؤيد بالله في كتاب التجريد الذي حرر فيه مذهب الإمامين القاسم والهادي، قال: ولا ينبغي أن تخرج زكاة الفطر إلا طعاماً فان أعوزه أجزأته القيمة».
الجزء 1 · صفحة 12
وفي المنتخب من سؤالات أبي جعفر محمد بن سليمان الكوفي للإمام الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام قال: قلت: فهل يدفع الرجل قيمة زكاة فطرته، دراهم؟ قال: «أما الدراهم فلا يجوز له وهو يجد الطعام بحيلة.
وقطع به المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني في شرح التجريد» وأخرج أحمد بن عيسى في «أماليه بسنده عن قاسم بن إبراهيم، في الرجل يتصدق بالدراهم في الفطر قال: «لا يتصدق بدراهم وهو يجد السبيل إلى مطعم، فإن يجد ذلك أعطى مكانه قيمته دراهم، أو غيرها من العروض.
لم قال أبو جعفر: تعطى صدقة الفطر كما روي من الحنطة والشعير والتمر، فإن لم يمكنه من ذلك شيء أعطى قيمته فضة، وأجزأه ذلك وصححه الشوكاني في «السيل الجرار».
الصنف الرابع من جوز القيمة ما دام في الوقت إن لم يجد الطعام، فإن خرج وقت زكاة الفطر أجزأه، وإن وجد الطعام في الوقت فإنه يلزمه إخراجه وإن أخرج القيمة، وهو قول الإباضية.
ففي منهج الطالبين الخميس بن سعيد الرستاتي قال: ولا يجزي إلا الطعام، ولا أعلم في ذلك ضرورة لأنه إذا وقعت الضرورة على المسلم زال عنه حكم التكليف، وأرجو أنه قد جاء في قول لأصحابنا بترخيص في أخذ القيمة، ولا نعلم في ذلك ثبوت سنة لأن السنة جاءت بالطعام، ومن لم يجد الطعام في الوقت ووجد القيمة، كان ديناً عليه حتى يؤديه من الطعام متى وجده.
في التاج المنظوم» لعبد العزيز الثميني: ولا يجزي إخراج القيمة من نقد أو غيره، فإذا وقعت الضرورة زال حكم التكليف، وقد جاء الترخيص عنهم في القيمة».
وفي جوابات السالمي»: «في إخراج القيمة خلاف، والمعمول به المنع وهو قول محمد بن محبوب رحمة الله عليه، ورخص ضمام بن السائب رضوان الله عليه».
والصنف الخامس من ذهب إلى أن الأفضل إخراج النقد في زكاة الفطر في وقت السعة وكثرة الطعام، وأما إخراج المطعوم المنصوص عليه فهو الأفضل في أوقات الشدائد وقلة الطعام، وهو قول محمد بن سلمة من الحنفية، فإنه قال في زكاة الفطر: إن كان في زمن الشدة فالأداء من الحنطة أو دقيقه أفضل من الدراهم، وفي زمن السعة الدراهم» ذكره المحبوبي في الجامع كما في «التبيين وغيره، ومقتضاه التخيير بين القيمة والطعام وهو يقتضي إباحة القيمة لكن الأفضل التفصيل كما مر.
ونظيره قول بعض الشافعية على ما حكاه الماوردي وغيره كأبي إسحق والرافعي والنووي وغيرهم، بجواز اعتبار القيمة في إخراج زكاة الفطر إذا أعوز التمر وعدمت المطعومات المقدرة، ورجحه الشنقيطي في تفسيره» قالوا: وتعتبر القيمة بقياسها على قيمته في أقرب بلد يجاورهم.
الجزء 1 · صفحة 13
وقد ذكر العلامة أحمد بن إسماعيل الخليجي الحلواني الشافعي في كتابه الذي أفرده في أحكام زكاة الفطر على مذهبه وأسماه «شذا العطر» أن من لم يجد ما يجزئه في زكاة الفطر من المطعوم فإنه يخرج القيمة قياساً على فقد الواجب من أسنان الزكاة.
والقول بجواز زكاة الفطر نقداً إن تعذر عليه إخراج المطعوم هو القول الثاني للإمام الحافظ يحيى بن معين، فذكر ابن محرز في تاريخ ابن معين قال: سمعت يحيى بن معين سُئل عن زكاة الفطر فقال: أحبُّ إلينا أن نعطي ما أُمِرَ به، التمر والحنطة والشعير، قيل له: فالدراهم؟ قال: إذا عسر عليه هذا فلا بأس أن يعطي قيمة ذلك، ورجحه جماعة من المحققين منهم الحافظ العلامة محمد عابد السندي وغيره.
فحصل في المسألة للفقهاء ستة أقوال:
أحدها: المنع مطلقاً للجمهور.
والثاني: الجواز مطلقاً.
وثالثها: الجواز بقيد مراعاة مصلحة الفقراء وحاجتهم.
ورابعها الجواز في وقت السعة دون وقت الشدة وقلة الطعام.
الخامس: لا يجوز إلا إن تعذر إخراج الطعام.
السادس: تجوز القيمة إن لم يجد الطعام في الوقت وإلا فلا.
وتنازع القائلون بالقيمة في الأفضل؟ فقيل العين وهو قول أبي بكر الأعمش من الحنفية، واختار أبو جعفر الطحاوي أن القيمة أفضل كما في التاتارخانية» وفي الظهيرية» أن الفتوى عليه لأنه أدفع الحاجة الفقير.
وفي «الخانية» عن أبي يوسف: «الدقيق أحب إلي من الحنطة لأنه أقرب إلى المقصود، والدراهم أحبُّ إليَّ من الكل وتقدم قول محمد بن سلمة أن دفع القيمة أفضل في السعة، أما في الشدة فدفع العين.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه» أن في إعطاء القيمة ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، لا يجوز مطلقاً، ويجوز مطلقاً، ويجوز الحاجة ومصلحة الفقراء وهو أعدل الأقوال.
قال: فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة، فاشترى رب المال له بها كسوة وأعطاه، فقد أحسن إليه، وأما إذا قوم هو الثياب التي عنده وأعطاها، فقد يقومها بأكثر من السعر، وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها، بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي، وربما خسرت فيكون في ذلك ضرر على الفقراء.
الجزء 1 · صفحة 14
والأصناف التي يتجر فيها يجوز أن يُخرج عنها جميعاً دراهم بالقيمة، فإن لم يكن عنده دراهم فأعطى ثمنها بالقيمة، فالأظهر أنه يجوز لأنه واسى الفقراء فأعطاهم من جنس ماله.
فصل في إقامة الدليل من الأثر والنظر على الجواز
والحجة لمن جوز إخراج زكاة الفطر بقيمتها نقداً من الأثر والنظر وجوه:
الأول: ما أخرجه البخاري في باب من بلغت عنده صدقة بنت المخاض وليست عنده في كتاب الزكاة من كتابه عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضوان الله عليه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله ورسوله: «من بلغت من الإبل عنده صدقة الجذعة وليست عنده جَذَعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرت له، أو عشرين درهماً .. » الحديث.
وهو كالصريح في جواز القيمة فإنه نص على جواز تعويض الفرق بقيمته نقداً في الزكاة، وإذا جاز ذلك في زكاة الأموال، فأن يجوز في زكاة الرقاب التي هي فرعها أولى كما هو ظاهر.
واعترض الشنقيطي في تفسيره بأنه لا حجة فيه على جواز القيمة، لأنه إنما جعل الفرق لعدم الحيف ولم يخرج عن الأصل، وليس فيه أخذ القيمة مستقلة، بل فيه أخذ الموجود ثم جبر الناقص، فلو كانت القيمة بذاتها وحدها تجزئ لصرح بها، ولا يجوز هذا العمل إلا عند افتقاد المطلوب، والأصناف المطلوبة في زكاة الفطر إذا عدمت أمكن الانتقال إلى الموجود مما هو من جنسة لا إلى القيمه وهذا أوضح.
وفيه أن هذا إنما يتجه بتقدير أن المنصوص عليه في زكاة الفطر يقتضي الحصر وعدم إجزاء غيره، وهذا لا دليل عليه ولا يفيد النص حصر الواجب في المنصوص دون غيره، بل غايته أن يكون هو الأكمل، والكمال لا ينافي الإجزاء.
ويلزم من منع القيمة بذلك أن يمنع من الانتقال إلى مطعوم من غير المنصوص حتى لو عدم وهو مناف للقياس، بل يلزم من مقتضاه أنه لو عدم المنصوص سقط الفرض واللازم فاسد فالملزوم مثله، وفيه من التشديد والتعسير ما لا مسوغ له.
وكون الفرق بالمال جعل لعدم الحيف لا يلزم منه امتناع دلالته على جواز القيمة، لأنا نقول لو لم يجز إخراج القيمة أصلاً لما صح التعويض بها عن الفرق، ولا سيما مع إمكان تعويض الفرق من جنسه إذ لا يخلو منه غالباً، ولكنه خير بين تعويضه بما هو من جنسه وبالقيمة نقداً فقال ويجعل معها شاتين إن استيسرت له، أو عشرين درهماً».
الجزء 1 · صفحة 15
فدل على جواز القيمة وإن تيسر الجنس، لكنه بين أن الأولى مع تيسر الجنس أن يكون التعويض به، لأنه الأصل، ولأن النقد كان عزيزاً عندهم ولا يكاد يوجد إلا نادراً.
الثاني: واحتج البخاري وأبو عبيد وغيرهما بقول معاذ لأهل اليمن حين ابتعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاملاً عليها، وأمره أن يقبض زكاة أموالهم فيأخذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل، فقال معاذ لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وأنفع لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة».
أخرجه يحيى بن آدم في كتاب الخراج وأبو عبيد في «الأموال» والبيهقي من طريق طاوس عن معاذ به، ولا يضر الانقطاع فيه، فقد قال الشافعي: طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه».
وفي رواية ابن أبي شيبة عن طاوس قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن، فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير، فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير.
فتأمل كيف اجتهد معاذ رضي الله عنه لما رأى المصلحة في أخذ الثياب مكان الطعام في الصدقة أنفع للفقراء وأيسر على الأغنياء الذين وجبت عليهم، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه تقدم إليه بأن يقبض الزكاة من جنس ما وجبت عليهم في أموالهم كما مر ذكره.
وهذا عين الفقه ومقتضى القياس والاعتبار، فإن الشريعة جاءت بالتيسير ورفع الحرج ومراعاة مصالح المكلفين وتكميلها وتحصيلها، وقد قال ابن القيم رحمه الله: «حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله».
واعترض العلامة الشنقيطي بأنه تصرف بعد الاستلام وبلوغها محلها ولا سيما مع نقلها إلى المدينة، بخلاف زكاة الفطر فليست تنقل ابتداء، ولأن مهمة زكاة المال أعم من مهمة زكاة الفطر ففيها النقدان والحيوان، أما زكاة الفطر فطعمة للمسكين في يوم الفطر فلا تقاس عليها.
وهو ضعيف جداً، لأن دعواه أن فعل معاذ كان تصرفاً بعد الاستلام تحكم لا دليل عليه، وهو ينافي ظاهره فإنه طلب منهم القيمة ابتداء وخاطبهم بها قبل أن يأتوه بالزكاة، مع أمر النبي عليه الصلاة والسلام له بأخذ الطعام!
وقوله إن مهمة زكاة المال أعم لا يمنع من إلحاق زكاة الفطر بها في جواز أخذ القيمة فيها كما هو ظاهر، بل نقلبه فنقول إذا ساغ أخذ القيمة فيما هو أهم فأخذها فيما هو مهم أدنى، أولى.
على أنه بتقدير أن يكون معاذ أخذ الطعام ثم تصرف فيه بعد استلامه وقبضه كما قال الشنقيطي، فإنه يكون حجة عليه لأنه إذا ساغ التصرف فيه قبل دفعه لمستحقه، ساغ ولا فرق التصرف فيه بأخذ القيمة قبل قبضه، فما فائدة منعكم من أخذ القيمة إذا كنتم تجوزون التصرف في عين الزكاة بتحويلها
الجزء 1 · صفحة 16
إلى قيمة قبل دفعها لمستحقيها، فإنه من تحصيل الحاصل مع أن أخذها قيمة ابتداء من مالكها أيسر من التصرف فيها بعد قبضها وقبل دفعها لمستحقها، فقد جمع قولكم هذا التشديد والعبث.
والعجب من قول المانعين من القيمة إنه اجتهاد من معاذ فلا حجة فيه وقد تكلف الشنقيطي بدفعه بأنه اجتهاد ممن هو أعلم الأمة بالحلال والحرام وأيضاً فلو كان اجتهاده لا حجة فيه، لنقل إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلف له، ولما حل لهم أن يقروه عليه.
الثالث: وثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال في الزكاة فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء» فقوله وليس معه شيء يفهم من عمومه أنه إذا كان البدل في الصدقة غير مكافئ للمبدل منه في قيمته، فإنه يسوغ أخذ ما يعادل قيمته من عموم المال نقداً كان أو غيره، ويقويه ما تقدم في الدليل الأول من أنه فرض عشرين درهماً عوضاً عن أخذ الحقة مكان الجذعة.
ولهذا تقرر في قواعد الفقه أن ما تعذر تحصيل عينه مما فات من المتلفات والودائع، فإنه يصار إلى أخذ قيمته، والقاضي بالخيار في تقديرها بالدراهم أو الدنانير.
وأيضاً فنفس علة زكاة الفطر ترشد إلى جواز إخراج قيمتها نقداً، وهو أن الشارع افترضها طهرة للصائم من الرفث واللغو، وهذا المقصود حاصل بإخراجها نقداً كما هو حاصل بإخراجها عيناً.
وأيضاً فإن عدم التنصيص على النقود لا يلزم منه العدم مطلقاً، لما تقرر في الأصول أن الترك النبوي لا يقتضي المنع في الأصل وإنما يدل على أن ترك ما لم ينص عليه جائز، فإنه إنما ترك التنصيص على النقد تيسيراً عليهم إذ كان غالب أموالهم القوت والطعام، ولا يكاد يوجد عندهم النقد لندرته كما أشار إليه السرخسي وغيره.
وقال أبو العباس بن تيمية في «الفتاوى»: «والنبي فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، لأنّ هذا كان قوت أهل المدينة، ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره لم يُكلّفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه كما لم يأمر الله بذلك في الكفارات.
الرابع واحتج الحافظ أبو العباس الغماري في جزئه الذي أفرده في المسألة بما رواه الطبراني في الأوسط» عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: يا زيد، أعط زكاة رأسك مع الناس وإن لم تجد إلا خيطا.
وإسناده ضعيف لضعف راويه عبد الصمد بن سليمان، وهو ظاهر في جواز إخراج زكاة الفطر من غير الطعام، فالنقود من هذا المعنى ولا فرق. وتعقب بأنه خرج مخرج المبالغة في الحرص على أداء
الجزء 1 · صفحة 17
زكاة الفطر كقوله: التمس ولو خاتماً من حديد وأيضاً فهو لا يفيد جواز إخراج زكاة الفطر بالقيمة مطلقاً ابتداءً، وإنما يفيد جوازها عند الضرورة.
ويجاب عنه بأن هذا مجاز ولا يصار إلى ارتكابه مع إمكان حمله على الحقيقية التي هي الأصل، وهو أنه أراد به مع بيان الحرص على أداء زكاة الفطر، بيان أن الواجب إخراج ما يمكن انتفاع الفقراء به كالخيط ونحوه، وفيه إشارة إلى جواز إخراج زكاة الفطر من العروض كالثياب ونحوها مما ينتفع به الفقراء، فتأمل.
الخامس: وقد ثبت في آثار كثيرة في السنن والمسانيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر القيمة في زكاة الفطر في جنس الطعوم والأقوات، كما اعتبرها في الزكاة فأخذ ممن لمن يجد الجذعة حقة، وممن لم يجد بنت المخاض ابن لبون ونحو ذلك، فصح عنه الأمر بإخراج صاع من شعير وتمر أو نصف صاع من حنطة، مراعاة لقلة الحنطة بالمدينة وغلاء ثمنها، فجعل نصف الصاع منها يعادل صاعاً من غيرها.
وهذا ظاهر جداً في اعتبار القيمة، وبه عمل عمر ومعاوية وهو مذهب عروة بن الزبير وسعيد بن جبير ومصعب بن سعد وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك وعامة أهل الكوفة وابن حبيب من المالكية.
ولهذا لما كثرت الحنطة على عهد أمير المؤمنين علي ورخص ثمنها قال: قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء» رواه أبو داود وأحمد والنسائي وغيرهم، وثبت مثله عن عائشة عند محمد في كتاب الحجة» وحكى ابن القيم في الهدي النبوي عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قواه و اختاره وحكى أنه قياس قول الإمام أحمد في الكفارات.
ونظيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهاهم عن ادخار الحوم الأضاحي حين دف إلى المدينة من يحتاج إلى القرى والمواساة، فلما زال ذلك أرخص لهم في ادخار الثلث منها كما هو ثابت في جوامع السنة.
وأما قول الماوردي في «الحاوي»: «ولا يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر، فلو أخرج قيمة الصاع دراهم أو دنانير لا يجوز لما مضى، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نص على قدر متفق في أجناس مختلفة، فسوى بين قدرها مع اختلاف أجناسها وقيمها فدل على أن الاعتبار بقدر المنصوص عليه دون قيمته، ولأنه لو جاز اعتبار القيمة فيه لوجب إذا كان قيمة صاع من زبيب ضروع، وهو الزبيب الكبار أضعاف حنطة فأخرج من الزبيب نصف صاع قيمته من الحنطة صاع أن يجزئه، فلما أجمعوا على أنه لا يجزئه، وإن كان بقيمة المنصوص عليه دلّ على أنه لا يجوز إخراج القيمة دون المنصوص عليه.
الجزء 1 · صفحة 18
وما ذكره من الإجماع لا حجة فيه، لأن امتناع إجزاء صاع من حنطة بقيمة نصف صاع من الزبيب الكبار إنما هو لتضمنه النقص عن القدر الواجب الذي عينه الشارع للزبيب، بخلاف القيمة فإنه لا نقص فيها عن القدر الواجب فافترقا.
وأيضاً فلو قدر أنه أخرج مطعوماً من غالب قوت بلاده مما ليس في المنصوص كالأرز ونحوه، لعدم المنصوص في بلاده، فأخرج ما قيمته صاعاً من تمر لكنه جاء أقل من صاع لغلاء الأرز، فإن قلتم إنه يجزئه لأنه في قيمة ثمن المنصوص، لزم جواز القيمة ولا بد، وإن قلتم بإخراج صاع من الأرز وإن غلا ثمنه، لزم انتقاض أصلكم لأنه ليس في المنصوص أنه يخرج منه قدر صاع، فلم يبق لعدم اعتبار القيمة وجه.
وأما قوله رحمه الله إن الشارع سوى بين قدر المطعومات مع اختلاف جنسها، فلا دليل فيه على ما يحاوله من عدم اعتبار القيمة، بل فيه العكس وهو التنبيه على اعتبارها، لأن التسوية التي ادعاها منتقضة بالحنطة فإنه قدرها بنصف صاع مراعاة منه لغلائها وندرتها، وهو يدل على اعتبار القيمة كما مر.
السادس: ما رواه ابن سعد والدارقطني وابن عدي وابن زنجويه في «الأموال» والحاكم في علوم الحديث والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حديث فرض صدقة الفطر: أغنوهم - يعني المساكين عن الطواف في هذا اليوم.
والحديث بهذه الزيادة تفرد به أبو معشر نجيح المدني عن نافع به، ولا يحتج به ضعفه البخاري والنسائي وابن معين، لكن يعتبر بحديثه إذا لم يعارضه ما هو أقوى، ولذا مشاه ابن عدي وجزم بأنه مع ضعفه يكتب حديثه، أي: للاعتبار به، ولهذا تداوله الفقهاء واستعملوه، واحتجوا به لاستحباب إخراج الفطرة في آخر رمضان أو صبيحة العيد، لأنه قال: «أغنوهم في هذا اليوم ولو أخرجها في أول رمضان لأنفقها قبل العيد ولم يحصل له في يوم العيد غناء بها عن السؤال.
وتعليله زكاة الفطر بإغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد، يقتضي جواز إخراجها بما به يقع إغناؤهم عن السؤال ومنه النقود، بل حصول الغناء لهم بها في زماننا أكد، فإن حاجتهم إلى النقد أشد من احتياجهم إلى الطعام المنصوص عليه في أخبار زكاة الفطر كما لا يخفى، فإخراجها نقداً أولى.
بل ما ذكر في النصوص وإن كان هو غالب أقواتهم إذ ذاك، إلا أنه ليس هو طعام الناس وقوتهم اليوم، فإن قيل بإخراجها من جنس ما هو مطعوم اليوم فقد أقر المخالف بالعدول عن مقتضى ظاهر النص لمصلحة الفقراء وحاجتهم فيلزمه الإقرار بالعدول عنه لغير المطعوم كالنقود ونحوها ولا فرق.
الجزء 1 · صفحة 19
ولهذا شاهدنا غير مرة أن الفقراء يقدمون على بيع ما أعطي لهم من زكاة الفطر تمراً أو دقيقاً، فيبيعونه بثمن أقل ويشترون بالنقود ما يحتاجونه من الثياب والطعام وغير ذلك، فلم يتحقق مقصود الشارع في حقهم من زكاة الفطر، فأي طائل من الجمود على ظواهر النصوص إذا لم يتحقق منه مقصود الشارع، فإن هذا من العبث الذي يتنزه عنه حكم الشارع فضلاً عن مخالفته العمل السلف كما مر.
وفي المبسوط» وغيره من كتب الحنفية أن الفقيه أبا جعفر الهندواني رحمه الله قال: «أداء القيمة أفضل لأنه أقرب إلى منفعة الفقير فإنه يشتري به للحال ما يحتاج إليه، والتنصيص على الحنطة والشعير كان لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها فأما في ديارنا البياعات تجرى بالنقود، وهي أعز الأموال فالأداء منها أفضل.
السابع: أنه علل فرض زكاة الفطر بأنها: «طعمة للمساكين» كما رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني وغيرهم وصححه الحاكم على شرط البخاري، وقد تقدم أن القمح والشعير والتمر ليس هو طعام الناس في هذا العصر، فالمعتبر إذن في تحقق كونها طعمة للمساكين هو طعام الناس الذي اعتادوه وتعارفوه في زمانهم، إذ الحكم يدور على العرف المعتبر الغالب.
ولذا أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأقط في زكاة الفطر من أهل البادية كما رواه الطبراني في «الأوسط» وابن زنجويه في «الأموال» وابن عدي في «الكامل» وفي رواية ابن عدي: «فإن لم يكن له أقط وعنده لبن فصاعان من لبن».
وهذا لأنه طعامهم الذي اعتادوه وتعارفوا عليه، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية اختارها أبو القاسم الخرقي من أصحابه، وأبو الحسن منصور بن إسماعيل التميمي من الشافعية، حكاه أبو القاسم الرافعي في الشرح الكبير.
وقال ابن زنجويه: «زكاة الفطر واجبة على أهل البادية كوجوبها على غيرهم، من وجد منهم طعاماً فعليه أن يُخرجها من طعامه الذي يأكل، فإن لم يكن عنده طعام، فأخرج صاعاً من أقط أو صاعاً من لبن أجزأه ذلك، لأن اللبن والأقط من طعامهم الأغلب عليهم.
فتأمل قوله: «من طعامه الذي يأكل وقوله: «من طعامهم الأغلب» وإنما مراده الأيسر عليهم، ولهذا نص الإمام أبو الحسن العسكري عليه السلام على أن أهل طبرستان يخرجون الأرز في زكاة فطرهم لأنه طعامهم وغالب قوتهم، ذكره الشيخ أبو جعفر في التهذيب.
وحكى في الشرح الكبير عن ابن سريج وأبي إسحق أن المعتبر غالب قوت البلد، فإن كان بالحجاز أخرج التمر، وإن كان بالعراق أو خراسان فالحنطة، وإن كان بطبرستان أو جيلان فالأرز،
الجزء 1 · صفحة 20
ووجهه قوله صلي الله عليه وسلم: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان يغنيه عن الطلب، فإن الظاهر أنه يطلب القوت الغالب في البلد، وبهذا قال مالك.
فإذا كانت النقود هي الأيسر فهي أولى أن تخرج في زكاة الفطر، وقد أخرج أبو داود عن عائشة قالت: «ما خُيّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه» وقال الشعبي: «إذا اختلف عليك الأمران فأيسرهما أقربهما للحق.
ولهذا تعقب ابن زنجويه قول مالك في التشديد في إخراج زكاة الفطر بغير المطعوم، فقال في «الأموال»: قرأت على ابن أبي أويس عن مالك وسئل عن الرجل يكون في موضع ليس فيه طعام، أيُخرج زكاة الفطر دراهم؟
قال: لا والله، ثم قال: ويكون أحد بموضع ليس فيه طعام، فأي شيء يأكل؟ فقيل: إنه يُقيم في ذلك المكان الشهر والشهرين؟ قال: إذا رجع أخرج ذلك طعاماً ولا يعطي غير الطعام! قال ابن زنجويه: «القيمة تجزي في الطعام إن شاء الله، والطعام أفضل.
وإذا جاز العدول عن المنصوص من الطعوم الواجب إخراجها في زكاة الفطر، جاز العدول إلى ما به يقع تحقق كونها طعمة للمساكين وهو النقود ولا فرق، وأما تعليل الموفق في المغني عدم إجزاء القيمة بكونه خروجاً عن المنصوص فضعيف، فإنه لا يلزم من الخروج عن المنصوص امتناع جواز إخراج ما لم ينص عليه وعليه لا يلزم منه عدم إجزائه، لما تقرر في الأصول من امتناع التخصيص بموافق العام، لأن النص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، وإنما يفيد أنه أولى وأفضل.
وأيضاً فليس في نصوص زكاة الفطر ما يفيد اختصاص المنصوص بالإخراج فضلاً عن الإجزاء، ولا دلالة فيها لفظية أو قياسية على قصر المخرج في زكاة الفطر على ما ذكر من المطعومات، دون غيره من جنس المخرج من طعام أو عروض أو نقد.
الثامن: وينضاف إلى ما تقدم من الوجوه المرجحات، عمومات النصوص الدالة على مراعاة بعض المعاني المحبوبة المطلوبة للشارع في الصدقة، كقوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ولا ريب أن أحب الأموال اليوم إلى الناس هو النقد، سواء كان الأحب على حقيقته أو على مجازه كالأنفع والأصلح.
التاسع: وأيضاً فإن من مقاصد الشارع في زكاة الفطر مواساة الفقراء وإدخال السرور عليهم، وهذا لا يحصل لهم اليوم بإخراج الزكاة طعاماً، بل لا يحصل إلا بالنقود كما هو مشاهد فصح أن إخراجها نقداً في هذا العصر أولى.
الجزء 1 · صفحة 21
العاشر: وأيضاً فدليل الاستحسان يقتضي ترجيح القول بإخراج زكاة الفطر نقداً في زماننا، وذلك أن الأصل فيها إخراجها بحسب المنصوص من الطعوم، لكنا عدلنا عن موجب دليل الأصل لمصلحة راجحة تأيدت بعمومات الشارع.
ووجه آخر من الاستحسان، هو أن إخراج زكاة الفطر نقداً فرع عن الأصل في إخراج الزكاة وهو النقد، فاستثنيناه من موجب النص الذي هو إخراجها طعاماً، وعدلنا به عنه إذ كان به شبه من الأصل في الزكاة.
ويمكن أن يقال إن حكم إخراج زكاة الفطر فرع يتجاذبه أصلان، أصل النص وهو إخراجها طعاماً، والأصل في الزكاة وهو إخراجها نقداً، فقطعناه عن نظيره وألحقناه بأحد الأصلين لمقتضى المصلحة، وهو نوع استحسان.
ومن عجب دعوى بعض من انتدب للكلام في هذه المسألة من الدكاترة المعاصرين، ممن لا أنس له بمواقع الأدلة وما يورد عليها من موانع واعتراضات، إن هذا الاستحسان باطل لأنه في مقابل النص!
وهذه عامية في الفقه، وهل يتصور الاستحسان أصلاً إلا في مقابل النص، وهو بمقتضى الحصر العام نوعان:
أحدهما: ما قابل النص دون أن يكون معه من نصوص الشارع ودلائله العامة ما يشهد لاعتباره، وهو باطل بيقين لم يقل به إلا بغض غلاة أهل الرأي وهو الذي قال فيه الشافعي: الاستحسان تلذذ وقال: «من استحسن فقد شرع وتكلم في بطلانه غيره من الأئمة كمالك وأحمد وغيرهما.
وأما النوع الثاني: فاستحسان حكم في مقابلة المنصوص، لكن معه من مفهوم نصوص الشارع وعموماتها ما يشهد لاستحسانه، فضلاً عن اشتماله على مصلحة ومنفعة، كما مر بيانه في وجه استحسان زكاة الفطر، وهو أصل محتج به عند كافة الأئمة حتى حكى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الاستحسان تسعة اعشار العلم.
ومن جوز القيمة في زكاة الفطر فإنما أجازها لما فيها من المعاني التي هي من مقصود الشارع كالمصلحة والتيسير والضرورة، فضلاً عما شهد لها من قياس النص وعمومه وعمل السلف وغير ذلك من الأصول.
الحادي عشر: وأيضاً فالقياس يقتضي جواز إخراج زكاة الفطر بقيمتها نقداً، كما جاز إخراج زكاة الحب من الحب والشعير من الشعير أو من قيمتها يوم بيع الحصاد نقداً، فزكاة الفطر كذلك ولا
الجزء 1 · صفحة 22
فرق، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن عطاء أن عمر رضي الله عنه كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيره.
الثاني عشر: القياس على جواز أخذ الجزية بالقيمة بجامع أن الكل مقدر فرض على الرؤوس والرقاب، وقد صح عن طائفة من السلف منهم عمر وعلي أخذ الجزية بالقيمة، فأخرج ابن أبي شيبة عن عنترة أن علياً عليه السلام كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الإبر الإبر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الجبال. وفي رواية له: ومن أهل المسال المسال» وهي الإبر العظيمة كالمخيط، وعنده عن أسلم أن عمر رضي الله عنه كانت تأتيه من الشام نعم كثيرة من الجزية، فإذا جاز أخذ البدل والقيمة في الجزية فأخذها في زكاة الفطر مثله ولا فرق. وقد قال أبو عبيد في «الأموال»: «قد رخصا - يعني عمر وعلياً - في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية .. وكذلك كان رأيهما في الديات من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والخيل، إنما أرادا التسهيل على الناس فجعلا على أهل كل بلد ما يمكنهم». واعترض العلامة الشنقيطي عليه في تفسيره بأن الجزية يؤخذ منها قدر الواجب فلا دليل فيه إذ زكاة الفطر فيها جانب تعبد وارتباط بركن في
الإسلام، وأما الجزية فهي عقوبة على أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، فأيما أخذ منهم فهو واف بالغرض.
والجواب أن الجزية وإن كان فيها نوع عقوبة على أهل الذمة فلا ينافي ذلك أن فيها وجه تعبد في أخذها منهم بدليل الإثم على تركها، فبطل الفرق ولأن التعبد لا ينافي أخذ غير المنصوص فيه كالقيمة ونحوها، وإلا لزم إذا عدمت المطعومات في النص أن لا يصار إلى أخذ نظيرها من جنسها، واللازم أن يسقط الواجب فيها فلا يصار إلى أخذه أصلاً، لا من جنسه ولا قيمته ولا قائل به.
ولهذا علل الإباضية تقييدهم جواز القيمة في الفطرة بالوقت كما مر بأن التعليل بالضرورة يقتضي سقوط الفطرة عنه، فإن وجد الطعام في الوقت لزمه لزوال الضرورة، وفيه أن الضرورة إنما تسقط الواجب إن لم يكن عنها بدل كالعجز عن أداء الواجب في الكفارة، فأما. مع وجود البدل وإمكانه فلا يسقط كالتيمم مع الماء.
وأيضا ففي فقولهم بإسقاط الواجب بالضرورة في الفطرة مع إيجاب البدل وهو القيمة في الوقت مشكل جداً، ولهذا قيدوه في الوقت للخروج من الإشكال.
ويرد على اعتراض الشنقيطي أن يقال إن الجزية والفطرة واجبان مقدران بالشرع، فإذا كان يجزئ أخذُ القيمة من أحدهما ويفي بالغرض، فقد أوفى وأجزأ الغرض بأخذ مثله في الآخر، بمقتضى الوصف الجامع بينهما ولا فرق.
الجزء 1 · صفحة 23
الثالث عشر: القياس على الدية في جواز أخذ القيمة فيها من النقد بالدراهم والدنانير، كما هو قول طائفة من السلف والفقهاء، وقد أخرج البيهقي أن عمر قوم الدية على أهل القرى بألف دينار أو باثني عشر ألف درهم دية الحر المسلم، وخمسمائة دينار وستة الآف درهم دية الحرة المسلمة.
وهذا مع أن المنصوص أخذها بالإبل، لكنه عدل عن المنصوص تيسيراً على أهل القرى والمدن الذين لا توجد الإبل عندهم وليست هي من أموالهم فإذا ساغ أخذ القيمة نقداً في الديات جاز مثله في زكاة الفطر ولا فرق.
الرابع عشر: القياس على قول بعض الفقهاء وهو أحد الوجهين للشافعية، إنه إن عدل عن القوت الواجب في زكاة الفطر، إلى قوت أعلى منه، أجزأه؛ لأنه زاد خيراً ذكره ابن الرفعة في شرح التنبيه» وهو قول أبي حنيفة واختاره أبو إسحق المروزي، ولا ريب أن الدراهم في زماننا خير عند الناس من المطعوم وأنفع، فالقياس يقتضي أنه لو أخرج زكاة فطره منها أجزأه ولا فرق.
الخامس عشر: أنا وجدنا في الأصول أن من لزمه حق يتجدد في المال متى لم يجد ذلك الشيء بعينه، يلزمه ما يقوم مقامه، فوجب أن يكون ذلك حكم زكاة الفطر، قاله المؤيد بالله في شرح التجريد ويقوم مقام عدم الوجود ما في. معناه كعدم النفع أو وجود ما هو هو أ أنفع، ولا نزاع أن القيمة أنفع للفقراء في عصرنا من الطعام.
السادس عشر: أن العقل يقتضي جواز إخراج زكاة الفطر بالنقد والقيمة، لما مر أن السلف كانوا يأخذون الزكاة من أصحاب الأموال، من جنس المال الذي يتملكونه تيسيراً عليهم، فيأخذون الذهب من أهل الذهب والورق من أهل الورق والأنعام من أهل النعم والثياب من أهل الثياب والعروض من أهل العروض وهكذا، وهذا لأنهم أدركوا أن الشارع إنما فرض المطعوم عليهم لأنه كان غالب مالهم الذي يتملكونه.
ومن العبث الذي تتنزه عنه الشريعة أن يقال لمن ماله النقد، يجب عليك إخراج زكاة فطرك طعاماً، فإنه يلزم منه أن يشتري الطعام ثم يخرجه، مع أن العقل قاض بأنه لو أخرجها نقداً فالواقع واحد ولا فرق.
وأشد منه من كان ماله النعم أو الذهب والفضة أو العروض وليس يوجد عنده النقد حاضراً، فإنه يضطر إلى بيع شيء من هذا المال للحصول على النقد، ثم يشتري بالنقد الطعام المنصوص عليه في زكاة الفطر!
الجزء 1 · صفحة 24
وفي هذا من العبث ما تربأ عنه الشريعة التي جاءت أحكامها موافقة الصرائح العقول، فضلاً عما فيه من المشقة والحرج الذي لا وجه له، إذ قيمة المخرج واحدة وقدره واحد سواء أخرج الطعام أو المال الذي يملكه أو النقد، وهذا ظاهر.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه»: «ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة، مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه فهنا إخراج عشر الدراهم يُجزئه، ولا يُكلّف أن يشتري تمراً أو حنطة، فإنه قد ساوى الفقير بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن تجب عليه شاة في الإبل وليس عنده شاة فإخراج القيمة كاف».
السادس عشر: قال ابن زنجويه في الأموال»: ثنا علي بن الحسن عن ابن المبارك عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن ابن قارظ أخبره أن عمر بن الخطاب كتب إلى الأجناد في زكاة الفطر: أن أدوا صاعا من شعير أو صاعا من تمر، أو مدين من قمح، وأعطوا من أصفى ما عندكم».
وحديث ابن المبارك عن ابن لهيعة حسن، وفيه دليل على جواز إخراج زكاة الفطر بالنقد إذا كان هو أصفى ماله، ومعنى قوله «ما أصفى عندكم» أي: ما اصطفيتموه من المال واستخلصتموه وهو أنفسه وأغلاه عندكم.
ومنه الصفي من الغنيمة وهو صفوها وما استخلص منها، وقد كانت أم المؤمنين صفية من الصفي كما قالت عائشة، قال بسطام بن قيس:
لك المرباع فيها والصَّفَايا ... وحكمُكَ والنَّشِيطةُ والفُضُولُ
وقال ابن يعفر:
بهاليل لا تصفو الإماءُ قُدُورَهمْ ... إذا النجم وافاهم عشاء بشمال
وقال كثير عزة:
كأن مغارز الأنياب منها ... إذا ما الصبحُ نَوَّرَ لانفلاق
صليتُ غمامة بجناة نحل ... صفاة اللون طيبة المذاق
وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم: فاذكروا اسم الله عليها صوافي بالياء في آخره أي: خوالص الله عز وجل لا يُشركون معه في التسمية على نحرها أحداً.
وعن الحسن أيضاً صواف» بكسر الفاء وتنوينها مخففة، وهي بمعنى التي قبلها، لكن حذفت الياء تخفيفاً على غير قياس.
فيصدق بعمومه على النقود، لأنها أصفى أموال الناس في هذا الوقت ألا ترى أنه عليه السلام حين سئل عن أفضل الرقاب قال: «أنفسها وأغلاها عند أهلها».
الجزء 1 · صفحة 25
السابع عشر: جريان عمل المسلمين من السلف الأول فمن بعدهم على إخراج القيمة في زكاة الفطر وإجزائها، ولا سيما زمان عمر بن عبد العزيز ولا نعلم من أنكره عليه من علماء الوقت.
وأما ما نقله الموفق في «المغني عن أحمد في رواية أبي طالب قال: قال لي أحمد: لا يُعطي قيمته قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة، قال يدعون قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقولون قال فلان قال ابن عمر: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الله تعالى: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وقال: قوم يردون السنن: قال فلان قال فلان!
وفيه أن الإمام أحمد نفسه قد جوز القيمة في غير الفطرة كما حكاه الموفق وغيره، فقياس قوله يقتضي جواز القيمة في الفطرة ولا فرق، وما جوابهم عنه فهو جوابنا عن هذا على أن قوله رحمه الله في جواز القيمة في غير زكاة الفطر يرد عليه ما قاله هنا من رد السنن، بل هو أولى لأن النص في زكاة الأموال أظهر في تعيين المنصوص الذي تخرج الزكاة به.
فإن قيل إنه إنما أرخص في القيمة في زكاة الأموال لعمل السلف كمعاذ وغيره، قيل وهكذا القيمة في زكاة الفطر أرخص فيها من أرخص من السلف والأئمة لعمل الخلفاء، فإن أبا إسحق السبيعي نقله عنهم بإطلاق وهو يقصد من أدرك من الصحابة، فإنه تابعي والأصل فيما يحكيه أنه ينقله عمن أدرك من الصحابة وقد ذكرنا عن العقيلي أنه أدرك ثمانية وثلاثين صحابياً!
ووافقه الزهري فنقله عن عمل الخلفاء مطلقاً ولم يعينا كما تقدم نقله، ولو كان إخراج القيمة في زكاة الفطر غير مجزئ لم يستحل هؤلاء السادة من السلف الأول العمل به، وهم كانوا أحرص ممن جاء بعدهم على اتباع السنن والآثار واجتناب مخالفتها.
وبتقدير أنه لم يأت عنهم ما يقتضي جواز القيمة وإجزاءها في زكاة الفطر، فالقياس والنظر الصحيح يقتضيه، فإنه لا فرق يستدعي جواز وإجزاء القيمة في زكاة الأموال دون زكاة الفطر، مع أن النص على ما يخرج فيهما واحد في تعيين المخرج، فقصر الجواز والإجزاء على أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه.
وأيضاً فلا يتأتى القطع بأن من تبع عمر في قوله بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، فإنه ترك اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعارضه بفعل عمر، فإن في هذا مصادرة على المطلوب، لأن القائل بالجواز متبع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً، فإنه إنما صار إلى هذا القول بدلالة الأحاديث القاضية بالجواز كما مر ذكر بعضها، ويلزم من هذا أن عمر ومن معه من السلف تعمدوا ترك ومخالفة أمره عليه الصلاة والسلام وهو باطل، فالملزوم منه باطل مثله، وغاية ما هناك أن يكون للشارع في المسألة وجهان على سبيل التخيير، فصار هؤلاء إلى أحدهما.
الجزء 1 · صفحة 26
فصل
وقد أورد العلامة الشنقيطي رحمه الله على قول الحنفية ومن معهم في جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر ابتداء دون حاجة أو ضرورة، اعتراضاً ذكره في «التفسير» وحاصله أن القول بالقيمة فيه مخالفة للأصول من جهتين:
الجهة الأولى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر تلك الأصناف لم يذكر معها القيمة، ولو كانت جائزة لذكرها مع. ما ذكر، كما ذكر العوض في زكاة الإبل، وهو أشفق وأرحم بالمسكين من كل إنسان.
الجهة الثانية: وهي القاعدة العامة أنه لا ينتقل إلى البدل إلا عند فقد المبدل عنه، وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان فهو باطل، كما رد ابن دقيق العيد على الحنابلة قولهم: إن الأشنان يُجزئ عن التراب في الولوغ، أي: لأنه ليس من جنسه ويسقط العمل به، وكذلك لو أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لتعطل العمل بالأجناس المنصوصة، فكأن الفرع الذي هو القيمة سيعود على الأصل الذي هو الطعام بالإبطال، فيبطل. والجواب عن الجهة الأولى أن عدم ذكر القيمة مع الأصناف لا يلزم منه العدم، لأنه إنما لم يذكرها إذ ذاك لعدم الاحتياج إليها، فكان يكون ذكرها من التكليف بما لا يطاق، إذ كيف يذكر لهم ما لا يمكنهم فعله، فإن النقد في وقتهم عزيز نادر كما مر، ولذا لم يذكره واكتفى بالتنبيه عليه في نظائره كالعوض في زكاة الإبل وغيره، لما علم أنه سيأتي وقت الحاجة إلى إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقداً، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز بخلاف تأخيره عن وقتها، بتقدير أنه أخره فكيف وهو قد نبه عليه.
وأما ما ذكره في الجهة الثانية فجوابه أن الانتقال من البدل إلى المبدل منه وإن كان مشروطاً بتعذر المبدل، إلا أنه لو انتقل إليه من غير تعذر أجزأ وتبرأ به الذمة، إلا إذا دل الدليل على عدم الإجزاء، وقد ذكرنا أنه لا دليل على امتناع إخراج القيمة في زكاة الفطر أصلاً فضلاً عن عدم الإجزاء بها! لما مر من أن ذكر الأصناف في خبر زكاة الفطر لا يفيد الحصر، لعلة تقدم التنبيه عليها في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وهي أن الشارع إنما اقتصر على ذكر ما ذكره من المطعومات لكونها غالب قوتهم في عصره ولهذا قال الفقهاء إنه لو أخرج من المطعومات التي هي غالب قوت العصر ما لم ينص عليه في أخبار زكاة الفطر فإنه يجزئ، مع أنها بدل عن المطعومات التي ذكرت في النص.
وهكذا إخراج القيمة فإنه وإن كان بدلاً عن المطعوم الذي ذكر في النص، إلا أنه حين فشا النقد وصار هو غالب أموال الناس كما هو في عصرنا الحاضر، فإنه يكون كالمبدل منه سواء، فلا يُحتاج والحال هذه كي تخرج به زكاة الفطر إلى شرط تعذر إخراج المبدل منه.
الجزء 1 · صفحة 27
وأيضاً فإن ضابط قاعدة أن المصير إلى البدل مشروط بتعذر المبدل منه، هو صلاحية المبدل في عرف أهل الزمان للعمل والانتفاع به، فأما إذا تعطل أو صار بحيث لا يعده أهل العرف من الضروريات، فإن الانتقال إلى البدل والحال هذه لا يشترط له تعذر المبدل.
كالمطعومات في زكاة الفطر فإنها لا تعد من ضروريات المال والقوت في عرف أهل العصر الحاضر الذي غلب فيه استعمال النقد حتى صار هو مال العصر الضروري، فيستوي والحال هذه إخراج المبدل والبدل، فتأمل.
فإن قيل: ما ذكرتموه غايته أنه يجوز إخراج القيمة في وقت الحاجة والمصلحة، وكون القيمة أنفع للفقراء لا يقتضي إخراجها مطلقاً؟
قيل: وهذا هو الأصل أن إخراج المنصوص هو الأولى والأكمل، لكنه إن أخرج قيمته أجزأه وتبرأ به الذمة، وفرق بين الأكمل والإجزاء، فنحن نقول إن الأولى والأكمل إخراج المنصوص مع عدم الاحتياج والمصلحة وإن أخرج القيمة والحال هذه أجزأ مع كونه خلاف الأولى، وأما مع وجود الحاجة والمصلحة بكون القيمة أنفع للفقراء، فإن إخراج القيمة أولى والحال هذه فلا يرد ما ذكرتم.
وقوله رحمه الله إن الفرع الذي هو القيمة إذا كان يعود على الأصل الذي هو المطعوم بالبطلان فهو باطل، إنما يتصور البطلان فيما لو توارد الكافة على إخراج القيمة وإلغاء المطعوم الذي هو الأصل، فهنا يبطل الفرع لأنه أفضى الى تعطل الأصل بالكلية.
وعندئذ يقال إذا وقع هذا لأجل تغير العرف بحيث إن الأصل الذي هو المطعوم بطل بنفسه وتعطلت صلاحيته وحل محله النقد في عرف الناس، فإن إلغاءه بالكلية وإحلال الفرع الذي هو القيمة محله لا يضر تحكيماً للعرف، فيدور الحكم مع. هذه العلة التي هي تعطل منفعة الأصل وجوداً وعدماً، كما هو الحال في كثير من عرف أهل زماننا ولا سيما في المدن.
وهكذا مسألة الأشنان واستبدالها بالتراب عند الحنابلة، فإنه إنما يتجه القطع بالبطلان فيها وفي مسألة القيمة إذا كانت منفعة الأصل أظهر وأشد من منفعة الفرع، فأما إذا كان العكس فلا يجيء القول بالبطلان، كالصابون والمطهرات في عصرنا فإن في كثير منها من الفاعلية بحيث إنها في إزالة أثر الولوغ أشد وأنفع من التراب، فهي أولى، وإنما يتصور البطلان إذا كانت أقل منفعة منه في الإزالة وحلت محله بحيث أفضت إلى إلغاء الأصل الذي هو التراب، فعندئذ يقطع بالبطلان.
وهكذا القيمة في زكاة الفطر فإن البطلان لا يتطرق إليها إذا كانت النقود أنفع للفقراء وأرفق بحاجتهم من المطعوم، بل يقال والحال هذه إن القيمة أفضل بقياس الأولى، وأما القطع ببطلان القيمة فيتصور إذا حلت القيمة محل المطعوم مع كونه أنفع.
الجزء 1 · صفحة 28
فإذا كانت صلاحية المطعوم قائمة وغير متعطلة فلا ريب أن الأولى إخراج زكاة الفطر به، فإن قدر إخراجها بالقيمة وأدى ذلك إلى تفويت الأصل وتعطله بالكلية أمكن القول بالبطلان حينئذ، لكنا لا نقول به مراعاة الخلاف الحنفية ومن معهم، على أن تصور توارد الكافة على تعطيل الأصل المنصوص عليه عسر ما بقيت في الناس المذاهب الأربعة وغيرها!
ولهذا فإن كثيراً من الفقهاء والمفتين من غير الحنفية ممن يقولون بوجوب إخراج المطعوم المنصوص عليه في أحاديث زكاة الفطر، يضطرون إلى القول والفتوى بمذهب أبي حنيفة وأصحابه في جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر. وذكر العلامة أحمد الطيبي الشافعي في نظمه اللطيف الذي ضمنه المسائل التي يحتاج الشافعية فيها إلى تقليد الحنفية، مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقداً في جملة تلك المسائل، فقال:
ودفعنا من ذهب عن فضه ... وعكسه عند أبي حنيفه
يكفي كذاك كلما ينتفع ... به الفقير كثياب تُدفَعُ
وقُلْ زكاة الفطر مثل المال ... فقس به في سائر الأحوال
فتدفع القيمة عنها إن تشا ... أين أردت أو سواها كنشا
تنبيه: ليس للقيمة في زكاة الفطر حد محدد أو قدر معين، فالمرجع فيه كما قال العلامة ابن المطهر الحلي في تذكرة الفقهاء إلى القيمة السوقية لأن الواجب العين والقيمة بدل فتعتبر وقت الإخراج، وما ورد من التقدير بدرهم ونحوه محمول على أن القيمة وقت السؤال كانت كذلك.
فائدة نظم العلامة محمد الحافظ ابن دياها الشنقيطي المالكي هذه المسألة والأقوال التي فيها فقال:
إخراج قيمة زكاة الفطر ... فيه خلاف بين أهل الذكر
فمذهب الجمهور أن المجزي ... إخراجها حَبَّاً بمثل الأُرْزِ
أو بالتمور أو بقمح أو شعير ... كما أتى فيما رووا عن البشير
وذاك رأي مالك والشافعي ... والحنبلي ذي المقال النافع
أما الإمام التابعي الحنفي ... فقد رأى إخراجها نقداً يفي
ومثله شيخ المحدثينا ... أعني به البخاري الأمينا
والأُموى مَنْ بعدله اشتهر ... وهو سمي وحفيد لعمر
كذا الإمام الحسن البصري ... وأشهب المالكي والثوري
ولابن تيمية مذهب وسط ... بينهم فقد رأى أن الغلط
الجزء 1 · صفحة 29
إخراجها نقداً لغير داع ... فإن دعا الداع لذا فراع
مصلحة إذا تكون راجحه ... ظاهرة لدى الفقير واضحه
وفي الختام يا أخا الإسلام ... أُذكر حديث سيد الأنام
دع ما يريبك الحديث حيثما ... أمكن واخرج من خلاف العلما
واذكر مقال المالكي الأشعري الجهبذ الخير الإمام المقري
وذو احتياط في أمور الدين ... من فرّ من شك إلى يقين
فمَنْ يُرد فعلا عليه متفق ... لا يعتري فاعله أي قلق
يخرجها حبا فذاك أسلم ... والله جل بالصواب أعلم
فصل
وأول عيد صلاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها فرضت زكاة الفطر وقد قال علي وأبو سعيد الخدري وواثلة بن الأسقع وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين وقتادة وعطاء والنخعي وأبو العالية في قوله تعالى: «قد أفلح من تزكى هي زكاة الفطر.
وروي مرفوعاً عند ابن خزيمة وابن عدي والبزار والبيهقي بسند واه، وفي متنه نكارة فإن السورة مكية بإجماعهم كما قاله ابن الجوزي، إلا ما حكاه أبو سعيد النقاش في تفسيره عن الضحاك أنها مدنية.
وذكر البخاري في كتابه عن البراء بن عازب أنه تعلمها قبل مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، وإنما فرضت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة، ولذا اعترض الثعلبي هذا التأويل وضعفه ابن عطية وغيره، اللهم إلا أن يقال إن عموم معنى الآية يشمله، وأن المراد كما قال الواحدي الثناء على من فعل ذلك في علم الله، فليس ببعيد.
ولذا قال القشيري: ولا يبعد أن يكون أثنى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر وصلاة العيد، فيما يأمر به في المستقبل» وقال البغوي: يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كقوله تعالى: «وأنت حل بهذا البلد».
الجزء 1 · صفحة 30
ونظيره ما قاله الحارث العكلي في قوله: ويؤتون الزكاة» أنه زكاة الفطر، حكاه الماوردي في تفسيره وحكى نحوه القرطبي في تفسيره» عن مالك في سماع ابن القاسم في قوله تعالى: وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين أن المراد به زكاة الفطر.
وقد أخرج الخطيب في تاريخه عن وكيع قال: «زكاة الفطر الشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم كما يجبر السهو نقصان الصلاة».
وقال جدنا الشيخ العارف القدوة عبد القادر الجيلاني رحمه الله في الغنية»: «فكما أن السجود للسهو شرع ترغيماً للشيطان إذ كان هو السبب في ذلك، فكذلك التوبة عن المعاصي والفطرة لرمضان شرعتا ترغيماً له، لأن المعاصي والرفث الحاصل في الصيام بسببه».
وأخرج ابن زنجويه في «الأموال» عن أبي العالية قال: «كان أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل من صدقة الفطر وصدقة المال» ولذا روي عن بعض السلف كابن سيرين وسفيان أنه يقضيها إن فاته إخراجها قبل الصلاة.
وهي واجبة مفروضة في قول عامة أهل العلم، إلا ما حكي عن إسماعيل بن علية وأبي بكر الأصم من المعتزلة، وابن اللبان من الشافعية، وبعض أهل العراق، وحكاه ابن عبد البر عن بعض متأخري المالكية والظاهرية.
وذكره القرافي الذخيرة عن مالك في رواية أنها سنة وليست بواجبة وهو مذهب ضعيف مندرس لم يجر عليه عمل المسلمين، ولذا نقل أبو جعفر بن جرير وغيره الإجماع على خلافه وأن زكاة الفطر فرض.
وقال الحافظ أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض، وممن حفظنا ذلك عنه من أهل العلم محمد بن سيرين وأبو العالية والضحاك وعطاء ومالك وسفيان الثوري والشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم.
وحكاه إجماعاً أيضاً الحافظ أبو الحسن بن القطان في «الإقناع» وقد بسطنا النقض على المخالفين والرد عليهم في كتاب الرد على الأصم وابن علية وبالله تعالى التوفيق.
وأخرج أبو حفص بن شاهين في فضائل رمضان» عن جرير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوم رمضان معلّق بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر قال ابن شاهين حديث غريب جيد الإسناد.
الجزء 1 · صفحة 31
لطيفة: ذكر الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله أنه استمع إلى حنبلي في المذياع يفتي وهو غاضب محتد، ببطلان القيمة في زكاة الفطر وعدم الإجزاء، فأغضبه هذا واحتد هو عليه، وقال: لو كان أبو حنيفة أمامك لخنقته إذا أفتى بإجزاء القيمة!
فتعقبه بعض الرادين عليه بأن غضبك عليه يستدعي لو كان الأئمة الثلاثة الذين يفتون بمنع القيمة أمامك أن تخنقتهم، إذ لا فرق بين عصبيته للمنع وعصبيتك للجواز، فإن عدم الإجزاء مذهب لهم، ولا يمكنك منعه من الإفتاء بمذهبه الذي يدين الله به ما دام يقول به إمام معتبر وله وجه في الدليل، وإنما المطلوب ترك الإنكار على المخالف والعصبية عليه.
والحال أن كلا الأمرين غلط من يتعصب لجواز القيمة في زكاة الفطر ومن يتعصب للمنع، والواجب ترك الإنكار والتشنيع من الطرفين لما تقرر أنه لا إنكار في مسائل الخلاف التي يكون فيها للنظر حظ، فإن لم يقنع المخالف بمذهب خصمه ودليله فلا أقل من أن يدع الإنكار عليه حسماً للخلاف ومادته، وبالله الثقة.
وقد قال الفقيه أبو بكر الأعمش من الحنفية: أداء الحنطة أفضل من أداء القيمة لأنه أقرب إلى امتثال الأمر وأبعد عن اختلاف العلماء فكان الاحتياط فيه كذا في «المبسوط للسرخسي.
وضابط المسألة ما في «النوازل» لأبي الليث السمرقندي الحنفي أن كل ما أعجلت منفعته فهو أفضل، فينبغي مراعاة ذلك. ملاحظة أن اتباع السنة مهما أمكن فهو أولى، ولهذا نص الفقيه أبو جعفر وغيره من الحنفية على أن دفع الحنطة أفضل في الأحوال كلها لأنه موافق للسنة وإظهار لها، كما مر مع عن الأعمش، وهذا مع تجويزهم إخراج القيمة إذا كان إخراجها أنفع.
وقد صنف في زكاة الفطر جماعة من العلماء تأليفاً مفرداً، فمنهم:
الحافظ الإمام أبو بكر الآجري.
والعلامة العياشي من الإمامية.
والسيد العلامة محمد بن إبراهيم ابن الوزير اليماني.
والشهاب أحمد بن إسماعيل الخليجي الحلواني في شذا العطر في زكاة الفطر وقد نقلنا منه فيما تقدم.
وممن صنف في هذا المعنى أيضاً الحافظ العلامة عابد السندي في جواب سؤال ورد عليه من العلامة يوسف البطاح الأهدل في حكم إخراج زكاة الحب بالقيمة.
ومنهم محمد بن ماضي في كنوز البر في أحكام زكاة الفطر.
والمبروك بن إبراهيم: اللآلئ الساطعة في زكاة الفطر على المذاهب الأربعة».
الجزء 1 · صفحة 32
والمحمد بن حسين بن سليمان فتح أريج المسك والعطر ببيان أحكام زكاة الفطر.
وللحافظ أحمد بن الصديق الغماري تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال».
وقد أنشد العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله لبعض الأدباء في فضل زكاة الفطر والحض على إخراجها:
ألا إن شهر الصوم عنكم قد انقضى ... فهل مرجع منكم لوشكِ انصرامه
وهل فيكم مُستوحش لفراقه ... وما فاته من صومه وقيامه
فلا تُغْفِلُوا يا قوم إخراج حقِّهِ ... وأدوا زكاة الفطر عند تمامه
وما شُرعَتْ إلا لتكفير لَغُوهِ ... ولم تُفرض الا طهرة لصيامه
فقد فاز من زكى امتثالاً لربه ... وحاز بشهر الصوم تكفير عامه
آخره
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين
كتبه
أبو جعفر بلال فيصل البحر
بالقاهرة/ 1438 هـ