المطالب المنيفة في الذب عن الإمام أبي حنيفة
للعلامة مصطفى نورى الحسني الحنفي
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
المطالب المنيفة في الذب عن الإمام أبي حنيفة
للعلامة مصطفى نورى الحسني الحنفي
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لمستحقه والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف خلقه وعلى آله وصحبه وجنده وحزبه الذين قاموا بواجب حقه وبعد فيقول العبد الفقير الى لطفه الخفي السيد مصطفى نورى الحسني الحنفي غفر الله تعالى ذنوبه وستر عيوبه قد وقفت على مذكره القاضي إبن خلكان عفا الله تعالى عنه في كتابه وفيات الاعيان في ترجمه أبي القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور سبكتكين الملقب أولا سيف الدولة من حكاية صلاة القفال الشافعي على مذهب الحنيفة ونصها ان هذا السلطان كان يستفسر الاحاديث فوجدها اكثرها موافقا لمذهب الشافعي فجمع الفقهاء من الحنيفة والشافعية والتمس منهم الكلام في ترجيح احد المذهبين على الاخر فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي وعلى مذهب أبي حنيفة لينتظر السلطان ويختار ما هو أحسنها فصلى القفال الشافعي المروزي بطهارة مسبغة وشرائط معتبره من الطهارة والسترة واستقبال القبلة واتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام وقال هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي دونها ثم صلى ركعتين على ما يجوز ابو حنيفة فلمس جلد كلب مدبوغ ثم لطخه ربعه بالنجاسة وتوضأ بنبيذ التمر وكان في حميم الصيف في المفازة واجتماع الذباب والبعوض وكان وضوئه منكسا منعكسا ثم استقبل القبلة واحرم بالصلاة من غير نيه في الوضوء وكبر بالفارسية ثم قرأ آيه الفارسية ثم نقر نقرتين كنقره الديك من غير فصل ومن غير ركوع وتشهد وضرط في آخره من غير نيه نسلاء وقال ايها السلطان هذه صلاه أبي حنيفة فقال السلطان لو لم تكن صلاه أبي حنيفة لفتلتك فأنكرت الحنيفة ان تكون هذه صلاة أبي حنيفة فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة وأمر السلطان كاتبا نصرانيا يقرا كتب المذهبين جميعا فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حاكاه القفال (انتهى بلفظه)
فامعنت النظر وارجعت البصر في هذه الحكاية المشؤومة الدالة على تزييف مذهب الإمام الأعظم والمجتهد الاقدم رضا الله تعالى عنه وفيها من الازراء بمنصب امام الأئمه ومقتدى الأئمه ما فيها وقد ترتب على تدوينها من المفاسد ما لا يخفى حتى اتخذها الغلاة من الفرق المخالفة وسيله للطعن في مذهب سلطان المذاهب ومذهب السلاطين ومفتدى المسلمين فذكرها نعمه الله الجزائري الكشف في كتابه زمر الربيع على وجه السخرية بمذهب أهل السنه والجماعة انجر حتى اتخذه اليهود والنصارى ذريعة الى الطعن في الامه الاسلامية والعصابة الأحمدية فنقلها نوفل ابن نعمه الله ابن جرجس نوفل النصراني في رسالته المطبوعة
في بيروت الموسومة بسوسنة سليمان في اصول العقائد والاديان وهو البحث الرابع من المقالة الثانية من كتاب زبده الصحائف في اصول المعارف ولا عجب في ذلك وانما العجب من القضى ابن خلكان واضرابه تارة مع نقله وتبحره في العلوم كيف خفى عليه اختلاق هذه الحكاية ولم يتدبر ما فيها من الحط والازداء في منصب أئمه الدين وأعلام المسلمين على أن الاحرى المؤلف الاحتياط وان كان مؤرخا فلا يكون كحطب الليل واذ لم يحض ونقل الغث والسمين والصحيح والسقيم بلا محاكمة عاد عليه الوبال والويل فان قصد القاضي من نقل هذه الحكاية المصنوعة والأضحوكة كان موضوعه الطعن في مذهب امامنا الأعظم ومقتدانا الاقدم فهو المطعون والمفتر بما نقل مغبون.
فالإمام ابو حنيفة رضي الله تعالى عنه له الاحتياط التام في باب الطهارة والمياه كما تجهد بذلك كتب مذهبه واشهر عنه انه كان لا يصلي في الثوب الذي يتوضأ به لقوله نجاسة الماء المستعمل أولا وذهب آخر الى القول بطهارته فقط تخفيفا ولا يجوز التطهير به ثانيا ولم يقل بطهارة الجلد المدبوغ عن رايه غير مستند الى دليل من الأدلة الشرعية وحكم بالعفو عما دون ربع الثوب المتجنس بالنجاسة الخفيفة لا المغلظة واباح الوضوء بنبيذ التمر عند عدم وجود الماء المطلق كالتتميم بالتراب عند عدم الماء لا مطلقا وجوز الصلوة بالقراءة الفارسية ضرورة ولم ينقل بسقوط الترتيب في الوضوء تحكما بل لما صحه عنده من الأدلة السمعية الشرعية كما ستعلمه مفصلا على انه رحمه الله تعالى انما ذكر حكم المسائل المذكورة لمن ابتلى بها تطبيقا لقواعد أصلها وأصول هذبها وضوابط رتبها لا انه يقول ينبغي للمصلى ان يصلي بجلد الكلب المدبوغ مع وجود غيره متوضأ بوضوء المنكوس مفتحا بالفارسية قارئا بها تاركا للطمأنينة ناقرا نقر الديك بلا ركوع متحللا من صلاة بتعمد الحدث حاشا وكلا على ان الحاكي تلك الصلوة افترى على الإمام تجويز الصلوة من غير ركوع والركوع وكذا السجود عنده ركنان لا تصح الصلاة بدونها هذا.
وكم للمذاهب نظير هذه المسائل وأشياء علمها من علمها وجهلها من جهلها بلا ريب ولا اشتباه ولكل من المذاهب مدرك والكل منهم على هدى من ربهم ولا عيب يلحق المجتهد في المسائل الاجتهادية وأنك اذا تتبعت مسائل المذاهب الحقه تجدها كلها مستنده الى الأدلة الشرعية التي لا غبار عليها واذا علمت مدرك أحد المذاهب في مسألة مثلا فلا يسوق لك الافكار على بقيه المذاهب المخالفين فاذا زعمت ان ليس للمخالف في تلك المسألة دليل صحيح فهذا جهل منك لا تعذر به وانك مسؤول عنه يوم يقوم الاشهاد لرب العالمين واعلم
ان هيئه الصلوة من تقديم الشرائط وافتتاحها بالتكبير وبعدها الثناء ثم قراءة الفاتحة وضم الصورة والركوع والسجود والجلوس مع تكبيرات الانتقالات والتسبيح والتحميد والتحليل بلفظ السلام وصلت الينا نورا جيلا بعد جيل وقوما عن قوم من عهد الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا إلا أن في افعال الصلوة ما هو فرض ينقسم الى شرط متقدم على ماهية الصلاة وركن داخل فيها واجب ومسنون ومندوب ومستحب حسب ما ظهر للائمه المجتهدين من الأدلة فحكم كل بما ثبت عنده على مقتضى قواعده واصوله فالإمام الأعظم رحمه الله فرق بين الفرض والواجب بان ما ثبت بالنص القطعي كالقران أول حديث المتواتر فهو فرض وما ثبت بالنص الظنى فهو واجب والإمام الشافعي رحمه الله تعالى لم يفرق بين الفرض والواجب فما ثبتت عنده بالنصب القطعي أو الظني فهو واجب فالصلاة بلا فاتحة الكتاب مثلا باطله عند الإمام الشافعي عملا بحديث لا صلاه الا بفاتحه الكتاب صحيحه عند الإمام الحنفي حملا بمعنى الحديث على نفى كمال كحديث لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد فانه محمول عند الحنفي وكذلك الشافعي على نفس الكمال الا انها ناقصه فيجب عند الحنفي سجود السهو عند ترك الفاتحة سهوا جبرا لنقصانها ويجب اعادتها عند تركها عمدا فان لم يعدها فانه يفسق بترك الواجب وانما لم يقل امامنا فرضيه قراءه الفاتحة في الصلوة لعدم ثبوتها بالنص القطعي وقدم العمل بقوله سبحانه {فاقرؤا ما تيسر منه} والمتيسر من القران اعم من الفاتحة.
وقسم العلامة الشيخ مشايخنا ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيه الدر المختار الأدلة السمعية أربعة الأول قطعي الثبوت والدلالة كنصوص القران المفسرة والمحكمة والسنة المتواترة التي مفهومها قطعي الثاني قطع الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة الثالث عكسه كأخبار الاحاد التي مفهومها قطعي الرابع ظنهما كأخبار الاحاد التي مفهومها ظني فبالأول يثبت الفرض والحرام وبالثاني والثالث الواجب وكراهة التحريم والسنه والمستحب ثم ان المجتهد قد يقوى عنده الدليل الظني حتى يصير قريبا عنده من القطع فما ثبت به نسميه فرضا عمليا لأنه يعامل معامله الفرض في وجوب العمل ويسمى واجبا نظرا الى ظنيه دليله فهو اقوى نوعى الواجب واضعف نوعى الفرض بل قد يصل خبر الواحد عنده الى حد القطعي ولذا قالوا انه اذا كان متلقى بالقبول جاز اثبات الركن به حتى ثبتت ركنيه الوقوف بعرفات لقوله صلى الله عليه وسلم " الحج عرفه" وفي التلويح ان استعمال الفرد في ما ثبت بظنى والواجب في ما ثبت بقطعي شائع مستفيض فلفظ الواجب يقع على ما هو فرض علما وعملا
كصلواة الفجر وعلى ظنى هو في قوه الفرد في العمل كالوتر حتى يمنع تذكره صحه الفجر كتذكر العشاء وعلى ظنى هو دون الفرض في العمل وفوق السنه كتعيين الفاتحة حتى لا تفسد الصلوة بتركها لكن تجب سجده السهو. انتهى.
فاذا تمهد لك ذلك واحطت خيرا بما هنالك فاعلم ان الصلوة بالجلد المدبوغ جائز عند الإمام الأعظم رضي الله عنه لما ثبت عنده من طهارة جلد الميته بالدباغ لقد روى بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إيما إهاب دبغ فقد طهر وأما الآثار الواردة في انها عن الانتفاع بالميته فأجاب الإمام الطحأوي الحنفي في كتابه شرح معاني الآثار عنها ان ذلك على النبي عن الانتفاء بشحومها واما كان يدبغ منها فقد جاءت عنه عليه الصلوة والسلام اثار متواتره صحيحه المجيء مفسره المعنى تخبر عن طهارة ذلك بالدباغ وساق رحمه الله تعالى احاديث كثيره في هذا الباب منها ما رواه عبد الله ابن عباس رضي الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه مر بشاه ميته لميمونه رضي الله تعالى عنها فقال لو أخذوا اهابها فدبغوه فانتفعوا به وفي رواية هل انتفعتم بإهابها قالوا انها ميته فقال ان دباغ الاديم طهروه ومنها ما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اين اهاب دبغ فقد طهر وفي رواية عنه ايضا اذا دبغ الاديم فقط طهر وفي رواية اخرى عنه ايضا أيما مسك دبغ فقد طهر ومنها ما روته عائشة ام المؤمنين رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال دباغ الميته طهروها وفي رواية دباغه الميت ذكائها وقال الطحأوي وحجة أخرى انا قد رأينا اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اسلموا لم يأمرهم عليه الصلوة والسلام بطرح نعالهم وخفافهم وانطاعهم التي كانوا اتخذوها في حال جأهليتهم وانما كان ذلك من ميته ومن ذبيحة فذبيحتهم حينئذ انما كانت ذبيحه أهل الأوثان.
فهي في حرمتها على أهل الاسلام كحرمه الميته فلما لم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرح ذلك وترك الانتفاء به ثبت ان ذلك كان قد خرج من حكم الميته ونجلتها بالدباغ الى حكم سائر الأمتعة وطهارتها وكذلك كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا افتتحوا بلدان المشركين لا يأمرهم بان يتحاموا خفافهم ونعالهم وانطاعهم وسائر جلودهم فلا يأخذوا من ذلك شيئا بل كان لا يمنعهم شيئا من ذلك فذلك دليل ايضا على طهارة الجلود بالدباغ ولقد روى في هذا عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما لقد كنا نصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغانمنا من المشركين الأسقية فقستهما وكلها ميته لتنتفع ذلك فدل ذلك على ما ذكرنا الى آخر ما ذكر فان شئت فارجع الى آثار الطحأوي فان فيها ما يشفى
العليل ويروى الغليل فجزاه الله خيرا واما الصلواة فهذا افتراء بين عليه وعلى اصحابه نعم ان الحنفية قالوا العفو عنه دون ربع الثوب لا الربع في النجاسة المخففة كبول ما يؤكل لحمه كأبوال الابل والغنم ونحوها لا المغلظة تبول الانسان وغائطه لعموم البلوى والحرج وعسر الاحتراز عن ذلك قال الله تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الدين يسر "وقال:"يسروا ولا تعسروا" وذهب الإمام احمد رضي الله عنه الى طهارة بول ما يؤكل لحمه محتجا بحديث العربين وهو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشرب البان الأول وابوالها.
وفي الدر المختار وعفى دون ربع جميع بدن وثوب ولو كبيراً هو المختار من نجاسة مخففة كبول مأكول اللحم وخرء طير غير مأكول وقيل طاهر وصحيح وفي الهداية وقدر الدرهم وما دونه من النجس المغلظ كالدم والبول والحمر وخرء الدجاج وبول الحمار جازت الصلوة معه وان زاد لم تجز وقال زفر والشافعي قليل النجاسة وكثيرها سواء لان النص الموجب للتطهير لم يفصل ولنا ان القليل لا يمكن التحرز عنه فيجعل عفواً وقدرناه بقدر الدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء وانما كانت نجاسة هذه الاشياء مغلظة لأنها ثبتت بدليل قطوع به وان كانت مخففة كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلوة معه حتى يبلغ ربع الثوب يروى ذلك عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش والربع ملحق بالكل في حق بعض الاحكام وأنما كانت مخففة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى المكان الاختلاف في نجاسته أو التعارض النصين على اختلاف الأصلين (انتهى) والنصان هما حديث استنزهم من البول وحديث العربيين وقد تقدم وذهب الإمام محمد رحمه الله تعالى الى طهارة بول ما يؤكل لحمه كالإمام احمد كما قدمنا عنه واما التوضأ بنبيذ التمر فلما صح عنده من الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه ليلة الجن حيث قال صلى الله تعالى عليه وسلم عن نبيذ النمر تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ به وفي رواية ابن عباس ان بن مسعود خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم امعك يا ابن مسعود ماء قال معي نبيذ في ادأوتي فقال عليه الصلوة والسلام: اصبب على فتوضأ به وقال شراب وطهور اخرج هذا الحديث بطوله أكثر الحفاظ في دوأوينهم وهو حديث صحيح مستفيض على ان الإمام رضى الله تعالى عنه يشترط الجوار التوضئ بالنبيذ عدم وجود الماء المطلق مع الرقة والسيلان اما المشتد من النبيذ المتغير اللون تغيراً فاحشاً فلا يجوز الوضوء به كما هو معلوم في محله وذكر الإمام الطحأوي رحمه الله تعالى في شرح معاني
الآثار في باب الرجل لا يجد إلا نبيذ التمر يتوضأ به ويتيمم ذهب قوم الى ان من لم يجد النبيذ التمر توضأ به واحتجوا في ذلك لهذه الآثار وممن ذهب الى ذلك الإمام ابو حنيفة وخالفهم في ذلك آخرون فقالو الا يتوضأ بنبيذ التمر ومن لم يجد غيره تيمم ولا يتوضأ به وممن ذهب الى هذا القول ابو يوسف رحمه الله تعالى (انتهى)
وأقول ان الأئمة الثلاثة كذلك ذهبوا إلى عدم الجواز إلا ان الكل اجمعوا على عدم جواز التوضى بالنبيذ عند وجود الماء المطلق فافهم تغنم.
وأما عدم رعاية الترتيب في الوضوء وجوباً فالإفادة الوأو التي في آية الوضوء الجمع المطلق باجماع أهل اللغة ذكر أبو على الفارسي ان النحاة اجمعوا على ان الوأو للجمع المطلق وذكر ذلك سيبويه في سبعة عشر موضعاً في كتابه ويؤيد ذلك سؤال الصحابة رضى الله تعالى عنهم النبي صلى الله. تعالى عليه وسلم عند نزول آيه ل {ان الصفا والمروة من شعائر الله} فقالوا بم نبدأ يارسول الله فقال ابدأوا بما بدأ به الله فلو لم تفد الوأو الجمع المطلق وافادت الترتيب لوقع سؤالهم عبثاً وهم هم أهل اللسان والبيان وبلغتهم.
نزل القرآن والإمام الأعظم رحمه الله تعالى وان لم يشترط الترتيب في الوضوء لما حررنا فهو قائل بنية الترتيب في الوضوء لامواظبته عليه الصلوة والسلام على الترتيب ويدل على سنيته ما صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه توضأ مرة فظن أنه لم يمسح رأسه فأعاد المسح بعد غسل الرجلين ولم يعد غسلهما وذكر الإمام الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه الميزان ما نصه وقد كان الإمام علي كرم الله تعالى وجهه يقول لا ابالى بأي أعضاء الوضوء بدأت وبتقدير عدم وجوبه فاصله سنة بالإجماع وأما عدم وجوب النية واشتراطها في الوضوء فلعدم ورود النص القطعي الدال على وجوب النية وحديث "إنما الاعمال بالنيات" فهو وان كان صحيحاً مستفيضاً إلا انه آحاد فيفيد الظن لا العلم فالنية في الوضوء سنة وعند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى واجبة لأنه عبادة فلا تصح بدون النية كالتيمم ولنا أنه لا يقع قربة الا بالنية ولكنه يقع مفتاحا للصلوة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم لان التراب غير مطهر إلا في حال ارادة الصلوة أو هو بني عن القصد كذا في الهداية وفي الاشباه والنظائر: لا ثواب الا بالنية صرح به المشايخ في مواضع من الفقه أولها في الوضوء وقلنا أنها شرط الصحة كما في الصلوة والزكوة والصوم والحج أولا كما في الوضوء والغسل وعلى هذا قرروا حديث: "انما الاعمال بالنيات" أنه من بابه المقتضى بالفتح اذ لا يصح بدون تقدير لكثرة وجود الاعمال بدونها فقدروا مضافا اي حكم الاعمال وهو نوعان اخروى وهو الثواب واستحقاق العقاب
ودنيوي وهو الصحة والفساد وقد أريد الأخرى بالإجماع للاجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب الا بالنية فانتفى الآخر ان يكون مرادا إما لأنه مشترك ولا عموم له أو لاندفاع الضرورة به من صحة الكلام به فلا حاجة الى الآخر والثاني أوجه لان الأول لا يسلمه الخصم لأنه قائل بعموم المشترك حينئذ لا يدل على اشتراطها في الوسائل الصحة ولا على المقاصد ايضاً وفي بعض الكتب ان الوضوء الذي ليس بمنوى ليس بمأمور به ولكنه مفتاح الصلوة وانما اشترطت في العبادات بالإجماع أو بأية {وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} والأول أوجه لأن العبادة فيها بمعنى التوحيد بقرينة عطف الصلوة والزكوة فلا يشترط في الوضوء والغسل ومسح الخفين وازالة النجاسة عن الثوب والبدن والمكان والأواني للصحة.
وأما اشتراطها في التيمم فلدلالة آيته عليها لأنه القصد لغة (انتهى)
وبالجملة فإن إمامنا رحمه الله تعالى وان لم يشترط لصحة الوضوء والغسل النية خلافاً للائمة الثلاثة إلا انه موافق لهم في حصول الثواب بها فإن الوضوء والغسل الذين لا نية فيهما لا ثواب فيهما عنده ايضاً.
وأما التكبير والقراءة في الصلوة بالفارسية فلا استدلاله رضى الله تعالى عنه بقوله تعالى {وانه لفي زبر الأولين} ووجهه أنه تعالى وصف القرآن بكونه في زبر الأولين ولم يكن القرآن ينظمه فيها لا محالة فتعين ان يكون بمعناه فيها والمقروء بالفارسية على سبيل الترجمة مشتمل على معناه فيكون جائزا الحاقاً به فان قيل قوله تعالى {انا انزلناه قرآنا عربياً} محكم لا يقبل التأويل وقوله تعالى {وانه اني زبر الأولين} محتمل لأن بعض المفسرين ذهب الى ان الضمير للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فكيف يترك المحكم به أجيب بانه تأويل بعيد يفضى الى التعقيد اللفظي بتفكيك الضمائر في قوله سبحانه {وانه التنزيل رب العالمين} الى آخره والكلام المعجز مصون عن ذلك فان قيل سلمنا تسأويهما في الاحكام لكن يكونان متعارضين فمن اين تقوم الحجة فالجواب ان اعمال الدليلين ولو بوجه أولى من اهمال احدهما فيحمل قوله {وانه لفي زبر الأولين} على حالة الصلوة لأنها حال المناجيات والاشتغال بنظم خاص يذهب بالرقة ويحمل قوله سبحانه {انا از اناه قرآنا عربيا} على غير حال الصلوة كذا في حاشية الهداية للأمام اكمل الدين البابرتي رحمه الله تعالى وفي تفسير الفاضل النسفي الحنفي وانه وأن القرآن لفي زبر الأولين يعنى ذكره مثبت في سائر الكتب السمأوية وفيه دليل على ان القرآن قرآن اذا ترجم بغير العربية فيكون دليلا على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلوة (انتهى) وأقول وأمل الأصل في هذا ان الالفاظ في القرآن دالة على الكلام النفسي فالمدلول هو كلام
الله القائم بذاته تعالى فيطلق على الدال على ذلك كلام الله تعالى مطلقاً اي سواء كان بالعربية أو الفارسية والاعجاز حاصل بقراءة المصلى بالنظر للمعنى فانه يدرك ان القرآن بالفارسية لا يقدر احد من الخلق على النطق بمثله فعلى هذا فلا يقال ان القراءة بغير العربية تخرج القرآن عن الاعجاز وعلى ما قررناه جوز الأشعرية والماتريدية القول بمخلوقيه الألفاظ فقالوا القرأءة مخلوقة والمقروء قديم والتلأوة حادثة والمتلو قديم وحيث عرفوا القر آن قالوا القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة المقروء بألسنتنا والمحفوظ في صدورنا والمكتوب في صحفنا هو كلام الله غير مخلوق ولا حادث فالإمام الاعظم رضى الله تعالى عنه هو اجل من ان يحترى على شيء لا يرى فيه دليلاً وعند التحقيق كما قال بعض الحنفية جميع اللغات كلها واحدة عند الله في حضرة مناجاته كذا في الميزان للامام الشعراني رحمه الله تعالى. ثم ان الإمام رضى الله عنه وان قال أولا بجواز القرائة بالفارسية لمن يحسن العربية مع الكراهية التحريمية فانه رجع آخراً إلى عدم الجواز لمن يحسن العربية ففي الدر المختار ما نصه وصح شروعه أيضاً مع كراهة التحريم بتسبيح وتهليل وتحميد وسائر كلم التعظيم الخالصة له تعالى كما صح لو شرع بغير عربية اى لسان كان وخصه البردعي بالفارسية لمزيتها بحديث لسان أهل الجنة العربية والفارسية الدرية بتشديد الراء قهستاني وشرطا عجزه وعلى هذا الخلاف الخطبة وجميع أذكار الصلوة وأما مذكره بقوله أوامن أولي أوسمى عند ذبح أوقرأ بها عاجزاً فجاز جماعاً فيد القراءة بالعجز لأن الأصح رجوع الامام الى قولهما وعليه الفتوى (انتهى) وفى الهدايه بعد ذكره نحو ما في الدر المختار قال والمعنى لا يختلف باختلاف اللغات والخلاف في الاعتداد ولا خلاف في انه ويرولا فساد ويروي رجوعه في اصل المسئلة الى قولهما وعليه الاعتماد (انتهى) ومعنى قوله والخلاف في الاعتداد انه اذا قرأ بالفارسية هل يكون محسوباً عن فرض القرأة أو لا ولا خلاف في عدم الفساد وتمام هذا البحث يطلب من حواشى الهداية فافهم والله تعالى أعلم.
وأما قوله ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير رکوع اى سجد سجدتين من غير فصل بينهما ومن غير ركوع زعماً منه ان الامام الاعظم رضى الله تعالى عنه يجوز الصلوة من غير فصل بين السجدتين وبلا ركوع فافتراء بين وجهل بمذهب الامام أو تجأهل وتعصب نشأ من الحسد والبغض لهذا الإمام الجليل وتحامل لا يرضى به الله ولا رسوله عليه الصلوة والسلام وهل يتصور ان احداً بعد الصلوة على هذه الهيئة القبيحة صلوة وهل يعقل ان احداً يجهل ان الركوع ركن لا تم الصلوة الا به وهل يقول مسلم ان الصلوة بلا
ركوع أو سجود صحيحة وشرائط الصلوة واركانها التي اتفقت الأمة وأجمعت عليها الأئمة الاكثر منها ثابت بالكتاب والبعض منها ثابت بالسنة المتواترة أو المشهورة فيجب على المصلى تقديم الطهارة من الاحداث والانجاس بقوله سبحانه {يا بها الذين آمنوا اذا قمتم إلى الصلوة} الآية وبقوله تعالى {وان كنتم جنباً فاطهروا} وبقوله جل وعن {وثيابك فظهر} وستر العورة لقوله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد} واستقبال القبلة لقوله سبحانه {فولوا وجوهكم شطره} الوقت لقوله {اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} الآية والنية بان لا يفصل بينها وبين التحريم بعمل لقوله تعالى {وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} والاخلاص متوقف على النية وحديث " إن الاعمال بالنيات "وبأجماع الأمة على عدم جواز الصلوة وسائر العبادات الا بالنية والتكبير بقوله تعالى {وربك فكبر} أي وخص ربك بالتكبير وهو الوصف بالكبرياء ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله اكبر فكبرت ام المؤمنين خديجة رضى الله عنها فرحاً وايقنت انه الوحى فان سورة المدثر أول سورة نزلت ووجه الاستدلال ان المرادية تكبيرة الافتتاح باجماع أهل التفسير ولأن الأمر للوجوب وغيرها ليس بواجب قتعينت له ضرورة والقرأة لقوله تعالى {فأقرأوا ما تيسر من القرآن} والقيام لقوله سبحانه {وقومو لله قانتين} والركوع والسجود بكثير من الآيات نحو قوله {واركعوا مع الراكعين} واركعوا واسجدوا واسجد واقترب والقعدة الاخيرة لقوله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود رضى الله عنه حين علمه التشهد اذا قلت هذا وفعلت هذا فقد تمت صلاتك وما سوى ذلك فهو واجب أو سنة أو مستحب أو مندوب فان قلت صريح آية {وربك فكبر} يدل على تعيين لفظ التكبير في افتتاح الصلوة كما ذهب اليه الأئمة الثلاثة والإمام الأعظم يجوز الافتتاح بالله اجل أو الرحمن اكبر ونحوه فما الدليل على ذلك قلت إن الإمام ذهب الى ان المراد من التكبير التعظيم لغة بدليل قوله تعالى {فلما رأينه اكبرنه} أي عظمته و هو حاصل بكل لفظ يدل على التعظيم والاجلال وقال المفسرون في قوله تعالى {وكبره تكبيراً} اي عظمه تعظيماً لائقا بجلال ذاته وكمال صفاته فان قلت ان تعديل الأركان أي تسكين الجوارح قدر تسبيحة في الركوع والسجود وكذا في الرفع منهما فرض عند الأئمة الثلاثة فلا تصح الصلوة بدونه خلافاً للأمام الأعظم فانه ذهب الى الوجوب دون الفرضية قلنا انما لم يقل الإمام بفرضية الاعتدال لعدم الثبوت بالنص القطعي بل بالدليل الظني والثابت بخبر الآحاد كما علمت ظني فالصلوة الاطمأنينة وان كانت صحيحة عنده إلا أنها
ناقصة لترك الواجب فيوجب قضاء تلك الصلوة ان تركها عمداً وان لم يعدها كان فاسقاً آثما هذا اذا ترك الاعتدال بعد الركوع والسجود.
وأما السجود كنقر الديك من غير فصل بين السجدتين وبلا ركوع فهذه باطلة بالاتفاق قال في البحر ومقتضى الدني وجوب الطمأنينة في الأربعة الى الركوع والد يجود والقومة والجلسة ووجوب نفس الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين للمواظبة على ذلك كله وللأمر في حديث المسيء صلوته ولما ذكره قاض خان من لزوم سجود السهو بترك الرفع من الركوع ساهياً والقول بوجوب الكل هو مختار المحقق ابن الهمام وتلميذه ابن امير حاج حتى قال انه الصواب وقد شدد القاضي الصدر في شرحه في تعديل الاركان جميعها تشديداً بليغاً فقال واكمال كل ركن واجب عند الإمامين أبي حنيفة ومحمد و عند الإمامين الشافعي وأبي يوسف فريضة فيمكث في الركوع والسجود والقومة بينهما حتى يطمئن كل عضو منه هذا هو الواجب عند أبي حنيفة ومحمد حتى لو تركها أو شيئاً منها ساهياً يلزمه السهو ولو عمداً يكره أشد الكراهة ويلزمه ان يعيد الصلوة وكذا كل صلوة اديت مع كراهة التحريم تجب اعادتها وتمام هذا البحث في رد المختار للعلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى فليراجع فان قلت لما تقولون في حديث "لا صلوة لمن لا يقم صلبه في الصلوة " قلت هو محمول على نفى الكمال أي لا صلوة كاملة فان قلت قد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم ان أعرابي دخل المسجد فصلى ركعتين ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلوة والسلام: ارجع فصل فانك لم تصل فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل فقال له في الثالثة والذي بعثك بالحق نبياً ما احسن غيره فعلمني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذا قمت الى الصلوة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن را كماً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم افعل ذلك في صلوتك كلها حتى تقضيها " ففي قوله (ثم فصل فانك لم تصل) نفي كونه صلى بترك التعديل فكان ركنا لأن انتقاء غيره لا ينفيها قلنا أجاب صاحب الهداية بقوله أن الركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاظ لغة فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما وكذا في الانتقال اذ هو غير مقصود وفي آخر ما روى تسميته إياه صلوة حيث قال وما نقصت من هذا شيئاً فقد تقصت من صلوتك (انتهى) وفي فتح القدير أخرج هذه الزيادة ابو داؤد والترمذي والنسائي في حديث المسي صلوة فأبو دأود من حديث أبي هريرة والترمذي عن رفاعة بن رافع قال فيه فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلوتك وان
انتقصت منه شيئا نقصت من صلوتك وقال حديث حسن وجه الاستدلال على رأى المصنف تسميتها صلوة والباطلة ليست صلوة وعلى رأى غيره وصفها بالنقص والباطلة انما توصف بالانعدام فعلم انه عليه الصلوة والسلام اتم أمره بإعادتها ليوقعها على غير كراهة لا للفساد ومما يدل عليه لو لم تكن هذه الزيادة تركه صلى الله عليه وسلم اياه بعد أول ركعة حتى أتم ولو كان عدمها مفسداً افسدت بأول ركعة وبعد الفساد لا يحل المضي في الصلوة وتقريره عليه الصلوة والسلام من الأدلة الشرعية وحينئذ وجب حمل قوله عليه الصلوة والسلام: فانك لم تصل على الصلوة الحالية عن الاسم (انتهى) وفى العناية شرح الهداية ما ملخصه دليل الإمامين أبي حنيفة و محمد قوله تعالى {اركعوا واسجدوا] والركوع هو الانحناء يقال ركعت النخلة اذا مالت والسجود هو الانخفاظ وذلك يحصل بدون الطمأنينة فتعلق الركنية بالأدنى فيهما ولا تجوز الزيادة بخبر الواحد بطريق الفرضية لأنه نسخ وموضعه أصول الفقه ثم قال وقوله وفي آخر ما روى جواب عن حديث الأعرأبي وتقريره ان النبي صلى الله عليه وسلم سمى ما صنعه الاعرأبي صلوة حيث قال وما نقصت من هذا شيئاً فقد نقصت من صلوتك قلو كان ترك التبديل مفسداً لما سماء صلاة كما لو ترك الركوع والسجود و لأنه لو كان فاسداً كان الاشتغال به عبثاً فكان تركه عليه الصلوة والسلام إلى الفراغ منه حراماً فكان الحديث مشترك الالزام من الوجهين (انتهى) هذا وقد علمت من جميع ما قرروا أن الأئمة ما بنوا قواعد أقوالهم إلا على مشاهد صحيحة تشريعاً للأمة وتبعاً للشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم وقال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى في الميزان بعد ذكر نحو ما حررنا ما نصه ان أصل الرفع من الركوع والسجود متفق عليه بين الأئمة وانما اختلفوا في المبالغة في الرفع وعدم المبالغة (انتهى).
قلت وهذا من الانصاف بمكان فرحم الله الإمام الشعراني ما أنصفه وأعرفه بمناصب الأئمة الأربعة والمذاهب المتبعة فجزاهم الله عن الاسلام والمسلمين خيراً والله تعالى اعلم والحمد لله على ما علم.
وأما قوله وتشهد وضرط في آخره من غير نية السلام وقال هذه صلوة أبي حنيفة فانه اراد بهذا أن الإمام الأعظم رضى الله تعالى عنه لا يقول بفرضيه لفظ السلام عند تحليل المصلى من صلوته بل يقول بفرضية خروج المصلى بصنعه وهو العمل المباين للصلوة من سلام أو كلام أو اكل أو شرب أو حدث فتقول الملام يقل بفرضية لفظ السلام لما ثبت عنده من الأدلة المفيدة للوجوب لا الفرضية منها ما رواه بسنده عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه لما
علمه النبي صلى الله عليه وسلم التشهد قال له اذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فإن شئت ان تقوم فقم و ان شئت ان تقعد فاقعد ووجه التمسك به أنه عليه الصلوة والسلام حكم بتمام الصلوة قبل السلام وخيره بين القعود و القيام وهذا ينافي فرضيه أمر آخر إلا أنا أثبتنا الوجوب ما رواه احتياطاً دون الفرضية لأنه خبر واحد وفيه لا تثبت الفرضية كذا في العناية شرح الهداية، ومنها ما رواه الإمام الطحأوي بسنده عن علقمة عن عبد الله رضى الله عنه ثم ذكر التشهد وقال:" لا صلاة إلا بتشهد و عن ابي الأحوص عن عبد الله قال: التشهد انقضاء الصلوة والتسليم اذن بانقضائها ثم قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً ما يدل على أن ترك السلام غير مفسد للصلوة وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فلم يسلم فلما أخبر بصنعه في رجله فسجد سجدتين ففي هذا الحديث انه ادخل في الصلوة ركعة من غيرها قبل السلام و لم ير ذلك مفسداً للصلوة فلو راه مفسداً لأعادها فلما لم يعدها وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم دل ذلك على أن السلام ليس من صلبها الأخرى انه لو كان جاء بالخامسة وقد بقى عليه مما قبلها سجدة كان ذلك مفسداً الاربع لأنه خلطهن بما ليس منهن لوكان السلام فرضا كسجود الصلوة لكان حكمه ايضاً كذلك ولكنه بخلافه ثم ذكر الإمام الطحأوي رحمه الله تعالى أدلة واضحة على وجوب لفظ السلام حتى أنه ذكر ان قوماً ذهبوا الى ان المصلى اذا رفع راسه من آخر سجدة من صلوته فقد تمت وإن لم يتشهد ولم يسلم وساق الأدلة على ذلك ثم اجاب عن دليل الأئمة الثلاثة وهو حديث افتتاحها التكبير وتحليلها التسليم بما لا مزيد عليه وخلاصة ما قال ان المراد ان التحليل بالتسليم هو التحليل التام الذي لا يجب إعادة الصلوة بعده ولذا قلنا بوجوب الاعادة ان لم تحال الصلوة بالتسليم والذي حمل الإمام المحتوى على هذا التأويل ما عارضه من الحديث الآخر الذي رواه الإمام علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته والحديث الأول وهو افتتاحها التكبير وتحليلها التسليم رواه علي رضي الله عنه ايضاً فوجب التأويل بما سمعت للتطبيق بين الأمرين ثم ذكر الأدلة النظرية بما يطول شرحه فان شئت فارجع اليه وعول في كل مسألة من المسائل الفقهية عليه. وقال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى في الميزان ومن ذلك قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ان السلام من الصلوة ليس بركن فيها مع قول الأئمة الثلاثة انه ركن من اركان الصلوة فالأول مخفف والثاني مشدد ووجه الأول أن السلام أنما هو خروج من الصلوة بعد تمامها فلم يكن يحصل بتركه خلل في هيئة الصلوة ووجه الثاني ان التحلل منها بالسلام فرض كنية
لدخول فيها وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم مفتاح الصلوة الطهور واحترامها التكبير واحلالها التسليم فخروجه بلا تسليم مبطل للصلاة لعدم التحالف فهو واجب كتحلل العبد من اعمال الحج ثم طال الكلام و أطاب طوبي له وحسن مأب فاذا عرفت ذلك وتحقق لديك حقية ما هنالك فاعلم أن الإمام الأعظم رضى الله عنه وان قال تحليل الصلوة بلفظ السلام وغيره لما علمت من الأدلة التي أخذ بها إلا انه قائل بوجوب لفظ السلام فمن خرج عن الصلوة بصنعه دون سلام فقد اخطأ وأساء وعليه اعادة ما صلى وجوباً لا فرضاً لثبوت لفظ السلام بالنص الظني دون القطعي والقفال الشافعي ان صح عنه كما حكى بن خلكان انه خرج عن صلاته المتلاعب بها يتعمده الحدث فانه أتى بما يناسب صلوته فينبغي ان يختم تلك الصلوة بضراط وضحك وعياط ليكون اضحوكة لأولئك الحضار فمثله مثل حمار يحمل اسفار عامله الله بعدله وانك اذا انصفت ونظرت بعين عقلك إلى هذه الأضحوكة علمت أن الإقدام على نقل مثل هذه الحكاية المشومة مخلة بالدين وجراءة عظيمة مزرية بقدر الاسلام والمسلمين وحط لمقام أوائك الأئمة الراسخين في العلم الذين أخذوا عن سيد الشارعين وسند المرسلين صلى الله عليه وسلم وتاسوا بسنته وخدموا شريعته وتمسكوا بطريقته ولم يألوا جهداً بتحرير المسائل وتنقيحها وأخذها من معدتها وتصحيحها مع ماهم عليه من الورع والتقوى والعبادة والاحتياط وبما نقلناه عن كتب أصحابنا الحنفية رحمهم الله تعالى من البراهين الدالة على سقوط صلاة القفال وبطلانها على جميع المذاهب تبين لك كذب قول ابن خلكان قأمر القفال بعد انكار الخلفية ان تكون تلك الصلوة صلوة أبي حنيفة بإحضار كتب أبي حنيفة فوجدت الصلوة على مذهب أبي حنيفة وليت شعرى اى كتاب من كتب الحنفية قائل بصحة تلك الصلوة ان هذا إلا اختلاق والقفال على فضله بالنسبة إلى أولئك الرجال لا يعد في صف النعال على ان السلطان محمود سبكتكين لم ينقل عنه ناقل انه تمذهب بغير مذهب الإمام الأعظم هذا والأدب مع ائمة الدين من شعار أهل الصلاح والتقوى وديانة أرباب الفتوة والفتوى واعلم ان كافة الأئمة استنبطوا احكام الفروع عن الادلة الاربعة فاتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة بهم قوام الدين وبفقههم ثبات الشرع المستبين فمنهم اصحاب الطبقة العالية والرتبة السامية واحوالهم متفأوتة في اشتهار مذاهبهم واعتبار مطالبهم و اختلاف مشاربهم قال بعض الافاضل وممن شاع مذهبهم في الاعصار واشتهر آثار علمهم في الاقطار والامصار الأئمة الأربعة رضى الله تعالى عنهم وخصهم الله تعالى بمزية فاقوا غيرهم ممن عاصرهم بمنع العلماء تقليد غيرهم حتى انخرقت بهم العادة على معنى
الكراهة عناية من الله تعالى بهم اذا قيست احوالهم بأحوال اضرابهم فإشهار مذهبهم في الآفاق واعتبار أصولهم وفروعهم في بطون الأوراق واجتماع القلوب على الأخذ بها من الدهور دون ما سواها مما يشهد اصلاح نيتهم وحسن طويتهم لا سيما الإمام الأعظم والقرم الهمام الاقدم سراج الله وقمر الأئمة وشمس الأمة مولانا أبو حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي جوزي خير الجزاء وكوفي قد خصه الله تعالى بعنايته وجمع من الفضائل في ذاته ما لم يجمع نبذاً منها في غيره مع كونه من التابعين وسادتهم فمن عبد الله من المبارك رحمه الله تعالى قال دخلت الكوفة فسألت على علمائها وقلت من أعلم الناس في بلادكم فقالوا كلهم الإمام ابو حنيفة فقلت لهم من أورع الناس فقالوا كلهم الإمام ابو حنيفة فسألت من ازهد الناس فقالوا كلهم ابو حنيفة فقلت من أعبد الناس واكثرهم اشتغالا للعلم فقالوا كلهم الإمام ابو حنيفة فما سألتهم عن خلق من الاخلاق الحسنة إلا وقالوا كلهم لا تعلم أحداً تخلق بذلك غير الإمام أبي حنيفة رضى الله عنه كذا في ميزان الإمام الشعراني رحمه الله فانه اطال الثناء بحق لأنه كلهم خصوصا الإمام أبا حنيفة فانه الطلب غاية الاطناب في مدحه وتبرئته مما قاله الحماد وما رماه به الاضداد والعجب ممن يدعى العلم ويزعم الفهم والحال ان مثله مثل الذباب لا يقع الا على القاذورات فيكتم الحسنات ويثير السيئات ويتباهى بين أقرانه بالمفريات ولا يستحى من خالق الأرض والسموات فالطاعن في حق هؤلاء الأئمة مثله في الحقيقة كما قال شيخ مشايخنا بن عابدين رحمه الله تعالى مثل ذبابة وقعت تحت ذنب جواد في حالة كره وفره ويكفى الطاعن حرمانه بركة هؤلاء السادة والافاضل القادة اعاذنا الله تعالى من الخذلان وصاننا من المقت والحرمان وحفظنا من البغي والعدوان وادامنا على حب سادات ديننا وأئمتنا، وحشرنا في زمرتهم يوم لقائه وصلى الله تعالى وسلم على جميع أنبيائه خصوصاً النبي الخاتم والرسول أبي القاسم وعلى آلهة وعترته واصحابه واتباعه وامته والحمد لله على ما لهم وعلم ما جرى قلم وسارت النعم قال المؤلف سامحه الله تعالى وقد وقع الفراغ من تحرير هذه المطالب المنيفة وتحبير هذه المقاصد اللطيفة يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة احد شهور السنة الثالثة والعشرين بعد الثمانية والألف من هجرة سيد العالمين الذي لا يحيط بعد فضائله وفواضله نعت ولا وصف بقلمي وانا العبد الفقير اليه عن شأنه السيد مصطفى نورى المفتى بلواء الحلة رفع الله في الدارين محله نجل المرحوم السيد محمد أمين أفندي ناصر الدين الشهير بالواعظ الحسيني الحنفي البغدادي عفى الله عنهما وعن المسلمين والحمد الله رب العالمين.