الملتقطات في المسائل الواقعات
تأليف مسعود بن شجاع الأموي الحنفي
توفي سنة (599هـ)
اعتنى به: لجنة الهداية للبحوث للدراسات.
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الملتقطات في المسائل الواقعات
تأليف مسعود بن شجاع الأموي الحنفي
توفي سنة (599هـ)
اعتنى به: لجنة الهداية للبحوث للدراسات.
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الملتقطات في مسائل الواقعات
للعلامة مسعود بن شجاع الأموي الحنفي
توفي سنة (599هـ)
كتاب الصيد والذُّبائح والأضحية
شرط حل الصيد الذكاة. وللذكاة شرائط، منها: الآلة الجارحة. ومنها: أن يكون الذابح ممن له ملة التوحيد، إما اعتقاداً كالمُسلم، أو دعوى كالكتابي. ومنها: أن يكون حلالاً في الحل. ومنها: أن يكون الصيد من المحلات إما من كل وجه كمأكول اللحم، أو من وجه بأن كان مما يُباح الانتفاع بجلده. ومنها التسمية. من أرسل كلباً معلماً على صيد، أو رماه بسهم، وترك التسمية عمداً كان ميتة. وإن نسى التسمية لم يكن ميتة؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}. والنَّهي للتحريم، لكن خص حالة النسيان، وأقيمت الملة مقام التسمية في تلك الحالة بالأحاديث منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سُئل عن من نسي التسمية على الذبيحة، قال: "اسم الله على لسان كل مسلم؛ ولأن الناسي معذور بخلاف العامد والحق الشافعي العامد بالناسي، ومالك الناسي بالعامد، والفرق ظاهر.
وإذا أرسل مسلم كلباً وسمّى ثم صاح به مجوسي فانزجر لصياحه أكل. ولو كان على العكس لم يؤكل. ويأكل ما أصمى ولا يأكل ما أنما والأنما وهو أن يترك طلبه ويتوارى عنه. والأصما وهو أن لا يترك طلبه وإن توارى عنه فإن توارى عنه ثم وجده ميتاً فإنه لا يؤكل؛ لأنه يُتوهم أن شيئاً من هواة الأرض قد عضه ومات منه، والموهوم من سبب الحُرمة إذا كان يمكن الاحتراز عنه كان به عبرة، وإذا لم يمكن الاحتراز عنه.
لا يكون به عبرة برة كالمنخنق. وفي الوجه الأول: لا يمكن، وفي الوجه الثاني: يمكن؛ لما روي أن رجلاً أهدى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صيداً، فقال: من أين لك هذا؟ فقال: رميته بالأمس وكنتُ في طلبه حتى هجم الليل عليّ فقطعني عنه، ثم وجدته اليوم ومزراقي فيه. فقال: إِنَّه غاب عنك، ولا ادري لعل بعض الهواة أعانك عليه لا حاجة لي فيه. وعن ابن عباس: أَنَّه سُئل عن ذلك، فقال: كُل ما أصميت ودَع ما أنميت. وقال أبو يوسف: الأصما: ما مات في الحال وهو يشاهده. والأنما: ما غاب عنه فمات. وقال محمد: الأصما: ما لم يتوار عن بصرك والأنمي ما توارى عن بصرك.
ولو أكل كلب من الصيد، لم يؤكل؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ}. علق الله سبحانه الإباحة بشرط الإمساك على المالك، فإذا أكل فقد أمسك على نفسه لا على المالك، فلا يَحلّ. وإن شرب دمه أُكل؛ لأنه أمسك على صاحبه ما يصلح لصاحبه، وهذا غاية علامة المتعلم.
وإن وجد الصيد حيّاً لم يؤكل إن مات في يديه إلّا أن يُذكِّيه، والمسألة على وجهين: إما إن تمكّن من الذَّبح بأن كان في الوقت سعةً ومعه آلة الذَّبح أو لم يتمكّن، بأن ضاق الوقت وقد بقي فيه من الحياة مقدار ما يذبحه، أو لم يكن معه آلة الذبح:
ففي الوجه الأول: لا يحِل إلّا بالذَّبح؛ لأنّه قدر على الأصل، وهو الذَّكاة الاختيارية قبل حصول المقصود بالبدل وهو الذَّكاة الاضطرارية.
وفي الوجه الثاني: إن كان لعدم الآلة فكذلك، وإن كان لضيق الوقت فكذلك في ظاهر الرّواية؛ لأنّه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل من حيث الحكم والاعتبار؛ لأنّ الصَّيد وقع في يده حيّاً فثبتت يده على المذبح، وقيام يده على المذبح قائم مقام التمكّن من الذبح. هذا إذا بقي فيه من الحياة أكثر ممّا يكون في المذبوح بعد الذبح فأما إذا بقي فيه من الحياة قدر ما يكون في المذبوح بعد الذَّبح يحل؛ لأن هذا ميت حكماً ووقوع الميت في يده لا يُقام مقام التمكّن من الذَّبح.
قيل: هذا قول أبي يوسف ومحمد، فأما عند أبي حنيفة: لا يحلّ وهو القياس.
وذكاة الاختيار ما بين اللبة، واللحيين، وهو الصَّدر، والذقن، والذَّكاة ما بينهما. والسُّنّة في الشاة والبقر: الذبح والسُّنّة في الإبل: النَّحر. وإن نحر فيما يجب فيه الذَّبح أو ذبح فيما يجب فيه النَّحر جاز، ولكنَّه ترك السُّنّة.
فضل
ثمّ في الذَّبح أربعة أشياء: الحُلقوم والودجان والمريء، فإن قطع الكلّ جاز. وإن قطع بعضه في قول أبي حنيفة: إذا قطع الثلث وترك الواحد جاز، أيثلثه كان. وفي قول محمد: لا يجوز حتى يقطع من كلّ واحدٍ أكثره؛ الأنّ للأكثر حكم الكل. وفي قول أبي يوسف: لو قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين جاز، وإلّا فلا. ويُكره أن يبلغ بالذَّبح النُّخاع، والنُّخاع هو عظم العنق. وقيل: هو العرق الأبيض الذي في عظم العنق.
وإن ذبح من قبل القفا، فإن قطع الكلّ أو الأكثر قبل أن يموت جاز. وإذا مات قبل أن يقطع الكلّ أو الأكثر فإنّه لا يحلّ.
وأما ذكاة الاضطرار: فهو الطَّعن والجرح أين ما أصاب وانهمر الدم في الصيد. وكلّ ما صار في معنى الصَّيد من الأهلي، كالإبل إذا ندّت، أو وقع في البئر فلم يقدر على منحره، فيطعن في أي موضع قدروا عليه، ويحلّ أكله.
وذبيحة أهل الكتاب إنّما تحلّ إذا أتاك به مذبوحاً، فأما إذا ذُبح بين يديك، فإن ذكر اسم الله تعالى فلا بأس بأكله، وإن سمّى المسيح فإنّه لا يؤكل.
وما ذبح وهو مأكول اللحم حلّ إذا استجمعت شرائط الذَّبح. وإن كان غير مأكول اللحم، فإن الذَّكاة تُلحقه بمأكول اللحم في حق الانتفاع بجلده إلّا الآدمي والخنزير فإنَّ الانتفاع بهما لا يحلّ، أمّا الآدمي لشرفه والخنزير لإهانته.
فَضْل
والذي لا يحلّ أكله: كلّ ذي ناب من السِّباع وذي مخلب من الطَّير، يعني: يصطاد بمخلبه. وذو النَّاب من السباع الأسد، والذئب، والنمر والفهد، والتَّعلب، والضبع، والكلب، والسِّنّور البرّي والأهلي.
ويُكره لحم الفيل، والدب، والصّب، واليَرْبُوع، وابن عرس، وغيره من سباع الهوام.
ويكره أكل جميع الهوام، كالفارة، والأوزاغ،
وسام أبرص والعضاءة، والقنافذ والحيات، وجميع هوام الأرض إلا الأرنب خاصة، فإنّه يحل أكله.
وذو المخلب من الطَّير مثل الصقر والبازي والنسر والعقاب والشاهين والحدأة وما أشبه ذلك.
وأما العقعق والسودانية وأشباه ذلك مما لا مخلب له فلا بأس بأكله.
وأمّا الغراب الأبقع والأسود الذي لا يأكل الحنطة ويأكل الجيفة، فإنّه يكره، وما كان منها يأكل الحب والزَّرع فأنّه يؤكل وإن كان غراباً يخلط في أكل الجيف ويأكل الحبّ، فإنّه يُكره في قول أبي حنيفة، وإنّما يُكره من الطَّير ما لا يأكل إلّا الجيف. وفي قول أبي يوسف: لا يؤكل.
وأمّا السنجاب والفنّك والسّمّور والدَلَق وكلّ شيء من هذا سبع مثل الثعلب وابن عرس، لا يؤكل لحمه. هكذا فسّر الكرخي في مختصره.
وكلّ ما لا دم له يُكره أكله مثل الزنبور والذُّباب، إلّا الجراد لورود الخبر فيه.
وما كان في البحر لا يؤكل إلّا السمك في عموم أجناسه سوى الشمك الطافي منه، فإنّه لا يحل" وهو الذي مات حتف أنفه من غير آفة حلت به. وعند الشافعي: يحل. وأما ما مات من حر أو برد او كدر الماء، ففيه روايتان أحدهما أنّه يؤكل؛ لأنه مات بسبب حادث فصار كما لو ألقاه الماء على اليبس. والرواية الأخرى لا يؤكل؛ لأن الحرّ والبرد صفة الزمان الزمان وليس من حوادث الموت في الغالب. وقد قالوا: أنَّ الشمكة إذا ابتلعت سمكة، فإنّها تؤكل؛ لأنها ماتت بسبب حادث.
والحمار الأهلي لا يؤكل، وعند بشر: يؤكل. والحمار الوحشي حلال بالاتفاق. ولحم الفرس يُكره أكله عند أبي حنيفة. واختلفوا في كراهيته على قوله، قال بعضهم: كراهية أكله كراهية تحريم، وقال بعضهم: كراهية تنزيه، والقول الأول أظهر. وعند أبي يوسف ومحمد: لا يُكره أكله.
فَضل
وكل ما أنهر الدَّم وأفرى الأوداج جاز الذَّبح به، كالحديد والحجر المحدّد والقصب. وأمّا العظم والقرن والسنّ المنزوع والظفر المنزوع، فإنّه يُكره الذَّبح به ولكن يحلّ أكله. وأمّا إذا كان السنّ غير منزوع والظُّفر كذلك، فإنّه لا يحلّ الذبح به؛ لأنه قاتل وليس بذابح. ومن آلة الذَّبح عند الاضطرار ما ذكرنا من الكلب المُعلّم والبازي المعلم. وتعليم الباز: أن يُجيبك إذا دعوته، ويترك النّفور، وترك الأكل فيه ليس بشرط. وفي الكلب، الشرط فيه: ترك الأكل، فإذا أخذ صيداً فأكل منه كلب لا يؤكل ذلك الصَّيد، وما كان اصطاد قبل ذلك لا يؤكل عند أبي حنيفة؟. وعندهما: يؤكل ما كان قبل ذلك. ولم يُقدّر أبو حنيفة في حدّ التعليم تقديراً بل قال: حتّى يشهد أرباب تلك الصناعة على ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا أخذ ثلاث مرّات ولم يأكل، حلّ الرابع.
فصل
والصابئي كاليهوديّ عند أبي حنيفة. وفي قولهما: هو كالمجوسي.
والصبي إن كان يعقِل حلّ ذبحه وإلّا فلا.
وتسمية الذَّابح ينبغي أن تكون مع جرّ السّكّين؛ لأنّ الذبح هو الجرّ، وهي من شرائط الذبح.
إذا أضجع شاةً ليذبحها وسمّى، ثم بدا له فأرسلها، وأضجع أخرى فذبحها بتلك التسمية الأولى لم يجز؛ لأنه تركها متعمداً.
ولو رمى صيداً وسمّى، فأخطأ وأصاب آخر فقتله، لا بأس بأكله؛ لأنّ التسمية في الرمي على إرسال السهم لا على الإصابة. وكذا الكلب إذا أخذ غير الذي أرسله عليه حل أكله؛ لأنّ التسمية على الإرسال ... دون الأخذ.
ولو سمّى عند أخذ السكين وترك التسمية عند الجر لم يؤكل.
إذا ذبح شاةً وسمّى، ثم ذبح أخرى وظنّ أنّ التسمية الأولى تُجزئ عنها لم تؤكل. ولو رمى بسهم فقتل به من الصيد اثنين حلّ تناولهما، وكذا الكلب إذا أرسله وقتل اثنين، حلّ تناولهما. والفرق بينهما أنّ الذابح تجدّد منه الفعل عند كل ذبيحة، فيجب تجديد التسمية بخلاف الرَّمى والإرسال فإنّه فعل واحد وإن كان يتعدّى إلى مفعولين فيُجزئ فيه تسمية واحدة، حتى لو أضجع شاتين وأمرّ السّكين عليهما معاً، تجزيه تسمية واحدة. ولو نظر إلى جماعة من الصيد، فرمى وسمّى ولم يتعمّد واحداً بعينه فأصاب منها صيداً
فإنّه يحلّ أكله. وكذا الفهد والبازي.
ولو نظر إلى غنم، فقال: بسم الله، ثمَّ أخذ شاة وأضجعها وذبحها بتلك التسمية لم تؤكل؛ لأنّه لم يسمّ على الجرّ، بخلاف الصَّيد فإنّه سمّى على الإرسال.
ولو أرسل كلباً ولم يسمّ متعمّداً، فلمّا تبع الكلب الصيد سمّى وزجره، لم يؤكل وإن انزجر بزجره؛ لأنّ ابتداء الإرسال كان فاسداً، فلا يصلحه التسمية بعد ذلك. ولو تبع الكلب الصيد من غير إرسال أحد، فزجره وسمّى، فإن انزجر لزجره اكل، وإلا فلا. والفرق بينهما: إنَّ إرساله لما خلا عن التسمية عمداً تعلّق به حكم الحظر، بخلاف ما إذا ذهب كلب بنفسه؛ لأنَّ فعل الكلب لا يوصف بالحظر والإباحة، وإنّما لا يؤكل إذا لم ينزجر ... ؛ لأنّ فعله غير مُعتد به، فإذا زجره مسلم فانزجر تعلّق الحكم بالزجر؛ لأنّه لمّا لم يتقدَّمه ما يتعلّق به حكمه صار ذلك كابتداء الإرسال، وليس كذلك إذا لم ينزجر؛ لأنّ فعل الآدمي لم يؤثر فيه فصار كأنه لم يزجره. وكلّ ذبيحة اضطربت، فوقعت من علوّ، أو في ماءٍ فماتت فإنَّها تؤكل؛ لأنَّ الذَّبح ذكاة مستقرة غير موقوفة على شرط مستقبل، فلا عبرة بعد ذلك بالوقوع والغرق.
فصْل
كتابي ارتد إلى غير دين أهل الكتاب لم تؤكل ذبيحته؛ لأنّ المسلم لو انتقل إليه لا تؤكل ذبيحته فالكتابي أولى. ولو ارتد غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أكلت ذبيحته، يُنظر في هذا إلى حاله ودينه حال ذبحه دون ما سواه.
وذبائح الصابئين حلال عند أبي حنيفة؛ لأنهم أهل كتاب عنده وهم قوم من النصارى وليس يريد مَن لا يؤمن بعيسى ولا يُقرّ بنبوّته، ولهم شرع غير ما النَّصارى عليه، فإن أولئك لا تحل ذبائحهم. وهذا التفصيل غير مروي عن أبي حنيفة، وإنّما الحكاية عنه: أنهم أهل كتاب. وقيل: لا خلاف في هذه المسألة على الحقيقة؛ لأن أبا حنيفة أجاب فيمن يؤمن بكتاب ونبي ويعظم الكواكب كتعظيم المسلم القبلة، وهما أجابا فيمن يعظم الكواكب تعظيم عبادة، فهو عابد وثن فلا تحل ذبيحته. وحال هذه الفرقة مشكل؛ لأنهم يتدينون بكتمان اعتقادهم فلا يُعرف حالهم. وحمل الشيخ أبو الحسن الكرخي قول أبي حنيفة على صابئي يؤمن بعيسى الله، فهو أمر لا يُعرف منهم، وإنّما يؤمنون بإدريس القيم ويعظمونه، دون غيره من الأنبياء.
ولا بأس بذبيحة الأخرس، مسلماً كان أو كتابياً؛ لأنّه من أهل الذكاة، وعجزه عن التسمية لا يمنع صحة ذكاته، كما لا يمنع عجزه عن التكبيرة صحة صلاته. صبي له أبوان كتابي وغير كتابي، تحل ذبيحته عندنا إذا كان يضبط الذبح، ويعقل التسمية. وقال مالك رحمه الله: يُعتبر الأب.
لنا: إن أحد أبويه تؤكل ذبيحته فكان الولد في حكمه، كما لو كان مسلماً.
فصل
الكلب أو البازي إذا لم يجرح الصيد لا يحل أكله وقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّ الكلب إذا خنقه أكل. وجه ظاهر الرّواية قوله تعالى: وَالْمُنْخَنِقَةُ. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال في صيد المعراض: إذا خرق كُل، وإن أصاب بعرضه لا تأكل، فإنه وقيذ. ووجه الرّواية الأخرى إنَّ الجارح تارةً يتوصل إلى الصيد بالجرح، وتارة بغيره فيكون موسعاً فيه، كالجرح في غير محلّ الذبح.
إذا قدر على الصيد ولم يقدر على ذبحه لضيق الوقت لم يؤكل عندنا وهو القياس. وقال ابن شجاع ومحمد بن مقاتل: يؤكل استحسانا، وبه قال الشافعي. لنا: أنه لما ثبتت يده على الصيد زال معنى الامتناع وبطل حكم الجرح، فصار كالشاة إذا أدركها وقد مرضت فماتت في وقت لا يسع لذبحها لا تؤكل، كذا ههنا.
وجه الاستحسان وهو اختيار ابن شجاع أن الذبح هو الأصل، والجرح بدل عنه، والبدل إنّما سقط حكمه بالتمكن من استعمال الأصل. فإذا ثبتت يده عليه في وقت لا يقدر على ذبحه لم يثبت حكم الأصل في حقه، فيبقى حكم البدل. وإذا أدرك الصيد فلم يأخذه فإن كان في وقت لو أخذه أمكنه ذبحه فلم يذبحه، ذبحه لا يؤكل؛ حكم المقدور عليه. وإن كان في وقت لا يمكنه ذبحه، أكل؛ لأنّ يده لم تثبت عليه ولا تمكّن من ذبحه. وذكر في المنتقى في البعير إذا صال على إنسان فقتله وهو يريد الذكاة، حل أكله إذا كان لا يقدر على أخذه وضمن قيمته، وجعل الصول بمنزلة الند.
شاة ذُبحت فلم يخرج منها دم، بأن كانت أعلفت العُنّاب اختلف مشايخنا المتأخرون فيها، قال أبو القاسم الصفار: لا تؤكل حتى يسيل الدم؛ لقوله: «ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فكل». وقال أبو بكر الإسكاف وأبو جعفر الهندواني: تؤكل؛ لأنه وجد فري الأوداج، وإنَّما لم يخرج الدم لمانع، فصار كما لو حبس الأم بعد القطع في بعض العروق.
ولو أرسل كلبه، وسمّى فردّ عليه سبع أو ذو مخلب مما يجوز أن يُعلَّم فيُصطاد به، فقتله الكلب لم يؤكل؛ لأنّ ردّهما مشاركة في الصيد، فلا يؤكل بخلاف ما إذا ردّ عليه بقرة أو فرس، حيث يؤكل؛ لأن فعل هذه الحيوانات ليس من جنس الاصطياد، فلم تقع المشاركة فحل. فلو تبع الكلب كلب غير مُعلّم فلم يردّ عليه، ولكنه اشتد على الصيد فأخذه الكلب المعلم وقتله، حل أكله؛ لأنه لم يوجد منه معاونة فلم يشتركا في الاصطياد، فصار كمجوسي أ أمسك شاةً حتى ذبحها المسلم، فإنه يحل أكلها كذا ههنا.
إذا أرسل كلباً على ظبي فأخذ طيراً، أو على طير فأخذ ظبياً حل أكله؛ لأن تعيين الصيد بالإرسال فيه مشقة فسقط حكمه.
ولو أرسل كلبين على صيد، فضربه أحدهما فوقذه وضربه الآخر فقتله، أكل؛ لأن هذا المعنى لا يمكن ضبطه من فعل الكلب؛ لأنه لا يمكن أن يُعلم ترك الجرح بعد الجرح الأول، وما لا يمكن تعليمه سقط اعتباره، فكأنهما قتلاه بجرح واحدٍ، وكذا هذا فيما إذا أرسل رجلان كلبين إلى صيد فوقذه كلب أحدهما وقتله كلب الآخر، حل أكله؛ لما ذكرنا أنه لا يمكن الاحتراز عنه، ولكن الصيد للأول؛ لأن كلبه أخرجه عن حيز الامتناع فمَلكه.
وعن محمد: في سمكة وجدت في بطن كلب الماء، قال: لا بأس بها، يعني: إذا لم تتغير؛ لأنها ماتت بسبب حادث وعن أبي يوسف قال: لا بأس باستعمال ما يتّخذ من شعر خنزير الماء كالبسط وغيرها؛ لأنَّ عندنا حيوان البحر الذي لا يؤكل طاهر، فلا بأس بالانتفاع به. والمجتمة التي ذكرها النبي، وقد رويت بالفتح والكسر. فالمجلمة بالفتح: كلُّ صيد جثم عليه الجارح حتى مات غماً، والمجثّمة بالكسر: كل شيء عادته أن يجثم على الصيد، كالكلب والذئب. وروي أنه نهى عن الخطفة: وهو ما يختطف في الهواء كالحدأة والبازي ونهى عن اللهبة: وهو ما ينتهب على الأرض مثل الذئب.
ولو أخذ الصَّيد صاحبه، ثمَّ سرق الكلب منه وأكل لم يؤثر فيه؛ لأنّه يفعل ذلك للجوع. ولو أخذ الصيد وقطع منه قطعةً ثمّ أكلها، إن أكلها بعد ما أخذ الصيد صاحبه لا بأس بذلك الأنّه أمسكه لصاحبه. وإن أكلها قبل ذلك لا يؤكل.
وعن أبي يوسف فيمن رمى صيداً بسهم، فأصاب صخرة ثمّ أصاب الصيد فقتله، قال: إن كان مرَّ على سننه بعد ما أصاب الصخرة، حلّ أكله. وإن رجع السهم عن سُننه فقتله لم يؤكل، وهو خلاف ما ذكر في الأصل، فإنّه قال: إذا انحرف السَّهم يميناً أو شمالاً لا بعارض يحلّ أكله.
ووجه قول أبي يوسف: إنَّ السَّهم قد يعدل يميناً أو شمالاً ولا يُعتد بذلك، فكذا إذا أصاب الصَّخرة؛ لأنّ الظاهر أنّ فعل الرّامي لم ينقطع، فإذا رجع فقد انقطع فعله؛ لأنه لا يرجع من غير سبب.
رجل أرسل سهماً وسمّى ورمى سهماً آخر وسمّى، فأصاب السهم الثاني السَّهم الأوّل قبل أن يُصيب الصَّيد، فردّه عن وجهه وأصاب صيداً فقتله، لم يؤكل؛ لأنه لما رجع فحُكم الأوّل قد انقطع، فلم يتعلّق به إباحة. وهذا محمول على أنَّ الرَّامِي الثَّاني لم يقصد الاصطياد، وقد حصل القتل بفعله فلا يتعلّق به الإباحة. فأمّا إذا كان الثاني رمى وقصد الاصطياد: أكل الصيد وهو للثاني؛ لأنه مات بفعله وإن لم يقصده بالرَّمي؛ لأنّ تعيين المرمي إليه ليس بشرط.
إذا سمع
حسّاً فظنّه صيداً فرماه أو أرسل عليه جارحاً، ثم ظهر أنّه صيد غير مأكول، وأصاب صيداً مأكولاً فإنّه يؤكل عندنا. وقال زفر: لا يؤكل. وروي عن أبي يوسف أنّه قال: إن كان حس خنزير لم يؤكل.
وجه قولهم المشهور أنّ المأكول وغير المأكول من الصيد سواء في الإباحة، فإذا رمى نحوه فقد تعلّق برميه إباحة الاصطياد، وتعيّن به صيد مأكول، فأكل كما لو كان مأكولاً، فأصاب مأكولاً آخر.
زفر ه يقول: إنّ السَّبع لا يحلّ أكله فرميه نحوه لا يتعلّق به إباحة كما لو كان حس آدمي. ولأبي يوسف: أنَّ حرمة الخنزير مغلّظة، فلم يتعلّق برميه حكم الإباحة، فلا يحلّ ما تعيّن به وذكر في الأصل فيمن رمى خنزيراً أهليّاً، فأصاب صيداً لم يؤكل؛ لأنّ الخنزير الأهلي ليس بممتنع، فصار كالرَّمي إلى الشّاة.
وإذا رمى إلى حسّ ولم يعلم أنّ الحسّ حس صيدٍ أو غيره فذهب المرمى إليه، فأصاب صيداً لم يؤكل المُصاب؛ لأنّ الحظر والإباحة تساويا، فكان الحكم للحظر.
ولو رمى طائراً فأصاب صيداً وذهب المرمى إليه، ولم يعلم أوحشي هو أو داجن؟ أكل الصيد. وهذا مبني على أنّ الطّير الدّاجن إذا رُمي في الصحراء لم يحلّ بالعقر؛ لأنه يأوي البيوت، وتثبت اليد عليه؛ إلا أنّه إذا رمى إلى طائر، ثمَّ شكّ فيه فالأصل في الطَّير التوحّش حتى يعلم خلافه، فتعلّق برميه الإباحة.
ولو رمى بعيراً فأصاب صيداً، وذهب البعير ولم يعلم أنّه ناد أو غير نادٌ لم يؤكل الصيد؛ لأنّ الأصل في الإبل الاستئناس حتى يعلم غيره إذا رمى إلى سمكة أو جرادة فأصاب صيداً.
عن أبي يوسف في هذه المسألة روايتان أحدهما أنّه لا يؤكل؛ لأنّه لا ذكاة لهما والثانية: أنّه يؤكل؛ لأنّ المرمى إليه صيد في الجملة.
ولو أرسل بازيه على ظبي وهو لا يصيد الظبي، فأصاب صيداً لم يؤكل؛ لأنّه لم يقصد بإرساله الاصطياد، فصار كما إذا أرسل كلباً على فيل فأخذ صيداً فإنّه لا يؤكل، فكذا هذا. إذا رمى صيداً على سطح فهوى، فأصابه حائط وسقط على سطح، ثمَّ سقط على الأرض. أو كان على نخلة أو شجرةٍ، فسقط عنها على جذع، ثمَّ سقط على الأرض. أو وقع على سنان رمح مركوز فنشب فيه السِّنان ومات عليه أو وقع على الأرض لم يؤكل.
والأصل في هذا أنّه متى شارك الرَّمي معنى آخر يمكن الاحتراز عنه ويجوز أن يكون التَّلف حصل به، لم يؤكل؛ لقوله: وإن وقع في الماء فلا تأكله، فلعل الماء قد قتله. وإذا وقع على الأرض فمات، فالقياس أن لا يؤكل لجواز أنّه مات من وقوعه على الأرض ويؤكل استحساناً؛ لأنّه لا يمكن الاحتراز عن ذلك.
وذكر في المنتقى: في الصيد إذا وقع على صخرة فانشق بطنه أو انقلع رأسه لم يؤكل. وفي الأصل: أطلق الجواب، وقال: لو وقع على أجرة موضوعة في الأرض أكل. ولم يفصل بين أن يكون انشق بطنه أو لم ينشق، فجعلناه على روايتين. فوجه ما ذكره الحاكم أنه إذا انشق بطنه فالظاهر أنه مات بغير الرمي. ويجوز أن يُحمل ما ذكر في الأصل على هذا التفسير، فيكون معناه أنه يؤكل ما لم ينشق بطنه أو بتقليع رأسه. ولو وقع على حرف الأجرة أو اللبنة وهي مبطوحة على الأرض أكل؛ لأنها إذا كانت مبطوحة فهي، كالأرض. ولو وقع على جبلٍ فاستقر عليه أكل؛ لأن استقراره عليه كاستقراره على الأرض.
عن أبي يوسف في من رمى طائراً على جدارٍ أو جبل فوقع منه إلى الأرض، قال: يؤكل. والمتردي الذي لا يؤكل هو أن يقع من فوق شيءٍ، ثم يقع من ذلك الموضع إلى موضع آخر. وهذا صحيح؛ لأنّ المتردي هو المتردّد، لكن لما اجتمع حرفان من جنس واحدٍ قلبوا أحدهما ياءً والتَّردّد: هو أن يقع على شيءٍ آخر. وعن أبي يوسف: في من رمى صيداً على قُلّة جبلٍ فأثخنه حتى لا يتحرّك ولم يستطع أخذه، فرماه آخر فقتله ووقع لم يؤكل؛ لأنّه خرج بالأوّل من أن يكون متوحشاً ممتنعاً، فصار كأنه رمى إلى غير ممتنع في الأصل فلا يؤكل.
رجل ذبح وقال: بسم الله ومحمد رسول الله إن جرّ السكين حين قال: محمد، لم يحل؛ لأنّه أشركه، وإن لم يجرّ بل رفعه حلّ والأولى له أن لا يفعل ذلك؟. وإن قال صلى الله على محمد حلّ، لكنَّ الأولى له أن لا يفعل ذلك؛ لأنّه يعدم تجريد التسمية.
فَصل
إخصاء السنور لا بأس به إن كان فيه منفعة أو دفع أذيّة. وأكل الخطّاف لا بأس به؛ لأنّه ليس بذي ناب من السِّباع ولا ذي مخلب من الطَّير.
أكل الهدهد لا بأس به؛ لأنه ليس بذي مخلب من الطَّير.
إذا قاربت الشاة الولادة يُكره ذبحها؛ لأنّه تضييع ما في بطنها من غير زيادة فائدة، وهذا على قول الإمام ... أبي حنيفة رحمه الله.
فضل
له حمامة فرماها هو أو غيره، إن كانت لا تهتدي إلى منزله تحل، أصاب المذبح أو لم يصبه؛ لأنه عجز عن ذكاتها الاختيارية. وإن كانت تهتدي إلى منزله، إن أصاب المذبح تحل. وإن أصاب غير المذبح، اختلف المشايخ فيه نص محمد رحمه الله في العيون: أنها لا يحل أكلها، وكذا ذكر في فتاوى أهل سمرقند؛ لأنها إذا كانت تهتدي تأوي إلى المنزل فيقدر على ذكاتها الاختيارية، فلا تجزي الاضطرارية ألا ترى أن ظبياً تعلم في البيت وترك التوحش فخرج إلى الصحراء فرماه رجل وسمّى إن أصاب المذبح حل وإلا فلا، إلا أن يتوحش، فلا يقدر عليه إلا بصيد.
بقرة تعسّرت عليها الولادة فأدخل رجل يده وذبح الولد حل؛ لوجود الذكاة الاختيارية. وإن جرحه في غير المذبح، إن كان لا يقدر على مذبحه، حل، وإن قدر على مذبحه لا يحل؛ لأنه لا عجز عن الذكاة الاختيارية، فأشبه البعير إذا ند ووقع في بئر ولم يقدر على مذبحه فجرح حل، وإن قدر على مذبحه لا يحل؛ لأنه لم يعجز عن الذكاة.
رجل رمى صيداً فجرحه أو أرسل كلباً فعقره، فوقع الصَّيد عند نائم، والنائم بحال لو كان منتبهاً لقدر على ذبحه فمات، لم يؤكل عند أبي حنيفة؛ لأنَّ النائم عنده كالمستيقظ في مسائل خمس، منها هذه
حفر بئراً ووقع فيها صيد، وصار بحال يؤخذ بغير صيد إن حفرها للصيد فهو له، حتى لو أخذه غيره كان الأوّل أحق به؛ لأنّ حفر البئر لم يوضع للاصطياد، فإن اقترن به قصد الاصطياد التحق بالموضوع له. وعلى هذا لو جعل موضعاً يجتمع فيه الماء ليدخل فيه السَّمك ويصير بحال يؤخذ من غير اصطياد. وعلى هذا الصَّيد إذا انكسر في أرض رجل لا يملكه صاحبها حتى كان الآخذ أحق به لما قلنا.
ولو جاء إنسان وأراد أخذه، فلمالك الأرض منعه من ذلك؛ لأنّه إنّما يأخذه بالدخول في مُلكه وله أن يمنعه من الدخول في مُلكه. ولو أخذه مع المنع، إن كان صاحب الأرض قريباً منه بحيث لو مد يده أخذه، فالمالك أحق به؛ لأنه استولى عليه، وإن لم يكن بهذه الحالة لا يملكه. وعلى هذا صيد دخل دار إنسان فأغلق صاحب الدار الباب عليه وصار الصيد بحال يقدر عليه بغير اصطياد إن قصد بإغلاق الباب الصيد، ملكه. وإن لم يقصد: لا يملكه، حتى يكون الآخذ أحق به؛ لما قلنا.
رجل نصب شبكةً فوقع فيها صيد، فاضطرب فقطعها وتملص منها، ثمَّ اصطاده آخر فهو له؛ لأنّ الأوّل لم يأخذه ولو صار الأوّل بحال لو مدّ يده أخذه، ثمّ حلّ الحبل فتخلّص الصيد، فاصطاده غيره، فهو للأوّل؛ لأنّ الأوّل قد أخذه.
وكذا على هذا إذا رمى سهماً في الماء فتعلّق به سمكة، إن رمى بها خارج الماء في موضع يقدر على أخذها، فاضطربت فوقعت في الماء وانقطع الخيط قبل أن يُخرجها من الماء ملكها؛ لأنّه أخذها وإن رماها في موضع لا يقدر على أخذها، فاضطربت فوقعت في الماء لا يملكها؛ لأنّه لم يستول عليها. وعلى هذا إذا أرسل كلباً على صيدٍ فأخذه ثم تخلّص منه، فهو على هذا التفصيل. والله أعلم.
فَصْلٌ في الأضحية
الأضحية واجبة على كل مسلم، مقيم، موسرٍ، في يوم الأضحى عن نفسه وعن أولاده الصغار، يذبح عن كلّ واحدٍ شاة. وأهل المِصر والسواد في ذلك سواء. واليسار: أن يملك مائتي درهم أو ما يساوي مائتي درهم، سوى مسكنه وخادمه وثيابه التي يحتاج إليها. والأضحية تكون من الإبل والبقر والغنم، والجواميس بمنزلة البقر، والبدنة تُجزيء عن سبعة.
ووقت وجوب الأضحية: طلوع الفجر من يوم النحر. ولو ذبح أهل المصر بعد طلوع الفجر لا يجوز. ولا يجوز إلّا بعد صلاة العيد، فأما أهل السّواد فيجوز لهم الذَّبح بعد طلوع الفجر؛ لأنهم لا صلاة عليهم.
ويجوز الجذع من الضأن والثني من المعز، ولا يجوز التّضحية بالعمياء والعوراء والعرجاء التي لا تبلغ المنسك، ومقطوعة أكثر الأذن والذَّنب، والعجفاء التي لا تنقى، ومقطوع أحد القوائم أو أحد الأذنين أو الإلية والمتولد من الوحشي، أمّا إذا كانت أمه أهلية فيجوز.
ويجوز التضحية بالجماء والجرباء أو مكسورة القرن ذكراً كان أو أنثى، والخصي والثولاء.
ولو اعورّت أو تعيّبت حالة الذبح جازت التضحية بها.
إذا ضحى بشاةٍ مقطوعة بعض الأذن أو الطرف، ففيه ثلاث روايات عن أبي حنيفة:
في رواية مقدار الثلث يمنع الجواز؛ لقوله: الثلث والثلث كثير. وفي رواية الثلث لا يمنع، وما زاد عليه يمنع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الوصية بالثلث، ومنع من الزيادة عليه، واعتبر في الرواية الثالثة الأكثر؛ لأن النبي نهى عن العضباء، قال سعيد بن المسيب؟: هي التي ذهب أكثر أذنها، فكان الأولى بالتقدير ما وردت به السُّنّة. قال أبو يوسف: ذكرتُ هذا لأبي حنيفة، فقال: قولي قولك وروي عن أبي يوسف في رواية: أنه اعتبر النصف، فقال: إذا ذهب النصف لم يجز؛ لأنه اجتمع الحظر والإباحة وذكر ابن شجاع في كتاب المناسك: أنه إذا ذهب الربع لا تُجزي؛ لأنَّ للربع حكم الكل في الأصول، كما في مسح الرأس، ووجوب الفداء على المحرم. وقد ذكرنا أنه يجوز التضحية بالجماء وهي التي لا قرن لها، وأما السكّاء: وهي التي لا أذن لها خلقة، لا يجوز. وذكر في الأصل: أنّه يجوز التضحية بالسكاء أيضاً؛ لأنه ليس بعيب، ولهذا لا يُردّ به في العيب، وإنّما كان كذلك لما روي عن عليّ: أنّه سُئل عن القرن، فقال: لا يضرّك، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستشرف السنّ والأذن، ولأنّ القرن لا يُنتفع به وليس بمنصوص عليه. وأما السكّاء فلأنَّ عدم أذنها أبلغ من نقصانها، فإذا لم يجز حالة النقصان فحالة العدم أولى.
فَصل
إذا اشتركوا في بَدَنة وكلّهم يريدون القُربة إلى الله تعالى أجزأهم تطوّعاً كانت القُرب أو واجبة، اتفقت جهاتها أو اختلفت وقال زفر إذا اختلفت الجهات لا يجوز، بأن أراد أحدهم الهدي وأراد الآخر الأضحية وأراد الآخر جزاء الصَّيد لنا أنّهم اتفقوا في جهةٍ واحدةٍ، وهي القُربة إلى الله تعالى، فصار كما لو اتفقوا في نوع واحدٍ لزفر أنّ خروج الرُّوح لا يتبعض، فصار كأنَّ الذَّبح وقع في حق كلّ واحدٍ منهم عن الجهة التي قصدها صاحبها، فلا يجزيهم.
ولو مات بعض الشركاء ورضي ورثته أن يذبحوا عن الميت جاز استحساناً، والقياس: أن
لا يجوز، وعن أبي يوسف: أنه إذا شاركهم من يذبح عن ميت لم يجز. وجه القياس: أن الميت قد سقط عنه الذبح وفعل الوارث لا يقوم مقام فعله، فصار نصيب الميت اللحم، فلا يجوز. وجه الاستحسان: أن للوارث أن يتقرَّب عن الميت بدلالة جواز الحج عنه والتصدق، فصار نصيب الميت للقربة، فأجزأ الباقي؟؛ ولأنَّ له ولاية على الميت فجاز أن يذبح عنه ألا ترى أنّ النبي لما كان له ولاية على أمته ذبح عنهم.
فصل
ولو أراد بعض الشبعة اللحم، أو شاركهم ذمي وأراد القربة لم يجزهم عما قصدوا. وقال الشافعي: إذا أراد بعضهم اللحم جاز لنا: أنَّ وقوع الذبح عن اللحم يمنع القربة، بدلالة أضحية أبي بردة، فإنَّها لم تُجزه؛ لقوله: «تلك شاة لحم» فجعل هذا عبارة عما لا يجوز، وإذا لم يجز في البعض لم يجز في الكل؛ لأن خروج الرُّوح لا يتبعض.
ولو اشترى أضحيةً سمينةً، فعجفت حتى صارت بحال لو اشتراها ابتداءً لا يجوز، فإن كان موسراً لا تُجزيه، وإن كان معسراً تُجزيه.
وإذا ذبح أضحية رجل بغير إذنه أجزأه استحساناً.
والقياس أن لا يجزيه وأن يضمّن الذابح. وهو قول زفر. وقال الشافعي: يجزيه عن الأضحيّة ويضمن الذابح لزفر: أنّه ذبحها بغير أمره فيضمن، كشاة القصاب.
وجه الاستحسان أنّه أتى بما هو مقصود المالك، وهو تعجيل أضحيته، فصار كأنه ذبحها بأمره. وعلى قول الشافعي: أنّه ذبح يجزيء عن الأضحية فلا يضمن، كما إذا ذبح بأمره. ولو غلط رجلان، فذبح كلٌّ منهما أضحية الآخر أجزأهما استحساناً، ويأخذ كل واحدٍ منهما شاته من الآخر لأنّ فيه بلوى، لا سيما في الهدايا، فإنّهم راحلون رفقة واحدة ولا يمكنهم التمييز، فجاز للضرورة. وعن أبي يوسف: أنّه لو أكل كلّ واحد منهما شاة صاحبه وتحلّل من صاحبه جاز. وإن تشاحًا ضمن كل واحد منهما قيمة شاة صاحبه، فإن كانت أيام النَّحر قد انقضت تصدّق بها؛ لأنّ من أتلف لحم الأضحية ضمن، فيتصدّق بها؛ لأنّها بدل اللحم، فصار كما لو باعه.
وإن قسَّموا البدنة مجازفةً لم يجز، وإن تحللوا كره ذلك؛ لأنَّ القسمة فيها معنى التمليك واللحم يجري فيه الرّبا، فلا يجوز مجازفةً وإنّما يجوز وزناً. ويُكره بعد التحليل؛ لأنه في معنى الهبة، وهبة المشاع فيما يُقسم لا تصح.
ويستحب أن يذبح بنفسه إن كان يُحسن الذَّبح؛ لأنه عبادة فمباشرتها بنفسه أفضل كسائر العبادات، وإن كان لا يُحسن فيُستحبّ حضوره لذبح أضحيته؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنّه قال: يا فاطمة بنت محمد قومي فاشهدي أضحيتك، فإنّه يُغفر لك بأوّل قطرة تقطر من دمها، أما أنه يُجاء بدمها ولحمها فيُوضع في ميزانك وسبعون ضعفاً. قال أبو سعيد الخدري: يا نبي الله هذا لآل محمد خاصة؟ فإنّهم أهل لِما خصوا به من الخير أم لآل محمّدٍ خاصة وللمسلمين عامة؟ فقال: لآل محمّدٍ خاصة وللمسلمين عامةً. وعن عليّ: أنّه كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر، تقبل اللهم منّي. إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أوّل المسلمين.
ولا ينتفع بالأضحية قبل الذبح بلبن ولا غيره من أصحابنا المتأخرين من قال: هذا في الشّاة الواجبة، كالمعسر إذا اشترى شاة الأضحية، أو الموسر أوجب على نفسه ثانية بالنذر؛ لأن الإيجاب تعين فيها، فلم يجز الرُّجوع في شيء منها، فأما الموسر إذا عين أضحية فلا بأس بأن يحلبها ويجز صوفها؛ لأنّ الوجوب في حقه متعلق بالأمة لا بها. وبالذبح يسقط ما في ذمته، وإذا كانت عند الذبح بصفة الجواز، فكأنه ابتداء شراءها على تلك الصفة فجاز.
ولا يبيع جلد أضحيته؛ لقوله: من باع جلد أضحيته فلا أضحية له، ولا يُعط أجر الجزار منها؛ لقوله لعلي: تصدّق بجلالها وخطامها ولا تعط أجر الجزار منها.
ولا بأس بأن يجعل من الجلد شيئاً ينتفع به في منزله مثل المفرش والسقاء وغيره؛ لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها اتخذت جلد أضحيتها سقاء.
ويُذبح الولد؛ لأن الوجوب سرى إليه وبعض أصحابنا قالوا إنما يجب ذبح الولد في الأضحية الموجوبة؛ لأن الوجوب تعين فيها، فيسري إلى الولد فأما التي اشتراها للأضحية لا يتبعها ولدها؛ لأنها تقوم مقام ما في الدّمة، فكأنه اشتراها الآن.
فإن باع ولدها تصدق بثمنه، ولو أكله تصدّق بقيمته، وإن أمسكه حتى مضت أيام النحر، فإنّه يلزمه أن يتصدق به حيّاً؛ لأنه فات ذبحه فصار كما لو أمسك الأم حتى مضت أيام النحر، فإنه يتصدق بها، كذا ههنا.
وإذا ذبح الولد قبل الأم في يوم النحر أجزاء. وإن تصدق به يوم الأضحى حياً فعليه أن يتصدق بقيمته.
وإذا ذبح الأضحية يُستحب أن يتصدّق بالثلث ولا يُنقص منه؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ. وقال: كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وادخروا وتصدقوا. فصارت منقسمة بين الصدقة والأكل والادخار، فلكل جهة الثلث.
إذا اشترى بدَنةً للأضحية، ثم أشرك فيها سنّة بعد ذلك أجزاهم استحساناً، ويُكره.
والأحسن أن يشتركوا قبل الشراء وإنّما جاز الاشتراك؛ لأن ملكه لا يزول بالشراء؛ لما ذكرنا أن الوجوب في ذمته، وإنّما يُكره؛ لأنه لما اشتراها ليُضحي بها فقد وعد وعداً، فيُكره له خلفه ولو كان فقيراً لم يجز له أن يشترك فيها؛ لأنها تعينت بالشراء.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن عليه أن يُضحي عن ابن ابنه إذا كان الأب ميتاً، وإن كان حياً لم يجب. وهذا يجب أن يكون على روايتين، كما في صدقة الفطر، فإن قلنا: يجب؛ فلانه عصبة له أولاد كالأب، وإن قلنا: لا يجب؛ فلأن ولايته منتقلة كولاية الوصي.
وإذا كان للصغير مال ضحى الأب أو الوصي عنه من مال الصغير. وقال زفر: يضحي عنه من مال نفسه إن كان موسراً. وقال بعضهم: قول محمد مثل قول زفر. وبعضهم قال: لا يجب الأضحية في قولهم جميعاً؛ لأن الواجب إراقة الدم والصدقة بها تطوع، وأنه لا يجوز في مال الصغير ولا يقدر على أكل الجميع عادةً ولا يجوز بيعها فلا تجب. والصحيح أنها تجب ولا يتصدق بها؛ لأنّ الصدقة تطوّع، ولكن يأكل منها ويدخر له قدر حاجته ويشتري له بالباقي ما ينتفع بعينه كالبالغ في جلد الأضحية.
وإذا أتى بقصاب ليُضحي عنه، فضحى القصاب عن نفسه وقع عن الأمر والتحقت نية القصاب بالعدم.
رجل في المصر وأضحيته في الرستاق، فالمعتبر مكان الأضحية لا مكان من وجبت عليه، حتى لو أمر بالتضحية فضحوا عنه بعد طلوع الفجر قبل الصلاة يُجزيه، وعلى عكسه لا يجزيه، وفي الزَّكاة يُعتبر مكان المال أيضاً دون مكان من تجب عليه، حتى يجب صرفها إلى فقراء الموضع الذي فيه المال؛ لأنّ المال سبب وجوب الزكاة، والمزكّي محل للوجوب عليه فتعارضا، فترجح المال؛ لأنه سبب لوجوب الزكاة ومحل إقامة الواجب. وفي صدقة الفطر إذا وجبت فالمعتبر عند أبي يوسف مكان من يؤدّي عنه، حتى أنه يؤدّي عن العبد حيث العبد، وعند: محمد يُعتبر مكان من يجب عليه الأداء.
شانان بين رجلين ذبحاهما عن أضحيتهما أجزاهما فرق بين هذا وبين عبدين بين شريكين اعتقاهما عن كفارتيهما، حيث لا يجوز؛ لأن الجبر على القسمة في الغنم يجوز فأمكن جمع حق كل واحدٍ منهما في شاة. فأما الجبر على القسمة في الرقيق لا يجوز فافترقا من هذا الوجه.
شراء الأضحية بعشرة دراهم أولى من التصدق بألف درهم؛ لأن القربة الحاصلة بالإراقة لا تحصل بالصدقة.
جمل بين اثنين ضحيا به إن كان للواحد منهما سبع أو سبعان أو ما شاكل ذلك جاز، وإن كان بينهما نصفين: اختلف المشايخ فيه، فمنهم من قال: لا يجوز؛ لأن لكل منهما ثلاثة أسباع ونصف الشبع، ونصف الشبع لا يجزي عن الأضحية فيبطل في البعض، وإذا بطل في البعض بطل في الباقي، والصحيح أنه يجوز، وهو اختيار الفقيه أبي الليث، وإليه ذهب شيخ شيخنا برهان الأئمة؛ لأنه لما جاز ثلاثة الأسباع جاز نصف الشبع وإن كان لا يجوز مقصوداً، والله الموفق.
كتاب الوقف
يحتاج لمعرفة كتاب الوقف إلى معرفة تفسيره لغةً، وشريعة، وركنه، وشرط جوازه، وحكمه شريعة.
أما تفسيره لغةً الحبس مطلقاً مأخوذ من قولهم وقف الدابة على الطريق، إذا حبسها ومنعها عن الشير. إلا أن في مُتعارف الشرع يُراد به حبس، مخصوص، وهو حبس العين على ملكه بحيث لا يقبل النقل من ملك الى غيره.
ورکنه ما يوجد به؛ لأن ركن الشيء ما يوجد به الشيء، إلا أنهم اختلفوا فيما يوجد به الوقف على ما يأتي بيانه.
وشرط جوازه اختلفوا فيه، قال أبو حنيفة: إنّما هو الوصية، والإضافة إلى ما بعد الموت، حتى لو لم يوص، ولم يضف إلى ما بعد الموت لا يصح، حتى يجوز للمالك أن يبيعه في حال حياته، ويورث عنه بعد وفاته.
وقال أبو يوسف ومحمد: هذا ليس بشرط، وهذا الاختلاف راجع إلى تقدير الوقف ماذا؟ فعند أبي حنيفة: تقدير الوقف كأنّه قال حبستُ العين على ملكي، وتصدّقت بالغلة المعدومة على المساكين. ولو صرّح بهذا لا يصح ما لم يضف إلى ما بعد الموت؛ لأنّ التصدّق بالغلة المعدومة لا تصح إذا لم يكن موصى به، فكذا إذا صار تقديره هذا.
وعندهما: تقدير الوقف كأنّه قال: أزلتُ العين عن ملكي إلى الله تعالى، وجعلتها محبوسة على حكم ملك الله تعالى على وجه يصير إلى العباد منفعة ذلك، ولا يصير ملكاً للعباد، ولو نص على هذا يصح وإن لم يكن موصى به ولا مضافاً إلى ما بعد الموت، كما إذا جعل داره مسجداً، فكذا إذا صار تقديره هذا.
وأمّا حكمه شريعة: فعند أبي حنيفة صيرورة العين محبوسة على ملكه بحيث لا تقبل النَّقل من ملك إلى ملك، والتّصدّق بالغلّة المعدومة؛ لأنّ حكم الشيء ما ثبت عقيب ذلك الشيء، والذي ثبت عقيب الوقف بعد استجماع شرائطه، هذا عنده.
وعندهما حكمه زوال العين عن ملكه إلى الله تعالى على الوجه الذي ذكرنا.
وأكثر المحققين من المتأخرين قالوا: ليس الأمر كما ظنّ أصحابنا أن الوقف غير جائز عند أبي حنيفة بل هو جائز لكنّه غير لازم، حتى يجوز له بيعه، وما ذكر في ظاهر الرواية: فأما عند أبي حنيفة كان لا يُجيز ذلك، فمراده أنه لم يجعله لازماً، فأما أصل الجواز ثابت عنده، ولهذا قال: لو أوصى به بعد موته بان: قال جعلتُ أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة وأوصيت به بعد موتي يكون لازماً حتى لا يملك بيعه قبل الموت ولا يورث عنه. والألفاظ التي إذا ذكرها يكون وقفاً صحيحاً لازماً بالإجماع، فهي أن يقول الرجل: أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة حال حياتي وبعد وفاتي أو يقول: أرضي هذه صدقة محبوسة حال حياتي وبعد وفاتي. أو يقول: أرضي هذه صدقة حبس مؤبدة حال حياتي وبعد وفاتي. وهذه الألفاظ التي يوجد بها ركن الوقف.
فصل
رجل وقف أرضاً على مسجد ولم يجعل آخره للمساكين تكلموا فيه، والمختار: أنه يجوز في قولهم. أما على قول أبي يوسف؛ فلأنه يرى الوقف على المسجد مؤبداً، وأما على قول محمد - رحمه الله - لمكان الغرف، والقياس يُترك بالغرف، كوقف المنقول فيما تعارفوا وقفه.
رجل وقف ضيعة على الفقراء، ثم مات وله بنت صغيرة ضعيفة، فهل يجوز للقيم أن يصرف إليها قدر حاجتها؟ إن كان الوقف في حالة الصحة يجوز، وهو الأفضل، وإن كان في حالة المرض لا يجوز؛ لأنه بمعنى الهبة والهبة للوارث تصح في حالة الصحة دون حالة المرض. وعُرف هذا التفصيل من أبي القاسم الصفار وبه يُفتى.
قيم الوقف طلب منه الخراج، وليس في يده من مال الوقف شيء، هل له أن يستدين؟ إن أمر الواقف بالاستدانة، رفع الأمر إلى القاضي ليستدين بأمره، ثم يرجع في غلة الوقف؛ لأنّ للقاضي هذه الولاية.
رباط استغنى عنه، وله وقف إن كان بقربه رباط آخر صرفت غلته إليه، وإن لم يكن يرجع إلى ورثة الباني للرباط. وفيه نظر يجب التأمل فيه عند الفتوى. رجل وقف داراً وفيها حمام، يخرجن ويدخلن يدخل في الوقف الأهلية منهن؛ لأن الأهلية من مواقف الدار. والمنقول يدخل في الوقف كمن وقف ضيعته مع الثيران والعبيد. رباط عند نهر يمرّ عليه، وعليه قنطرة ولا يقدر على الانتفاع بالرباط إلَّا بالقنطرة، وليس على القنطرة وقف، فهل يجوز أن يُصرف من وقف الرباط إلى عمارة القنطرة؟ إن كان قد شرط الواقف للرّباط أن يصرف الغلة إلى مصالحه، جاز الصرف؛ لأنّ هذا من مصالحه، هذا إذا كان الرباط يخرب لو لم يُصرف الوقف إلى عمارة القنطرة، أما إذا كان بحال لا يخرب، ليس له ذلك؛ لأن الرباط للعامة، والقنطرة للعامة ونظيره ما رُوي عن محمد في مسجد ضاق بأهله، وبجنبه طريق للعامة، جاز أن يؤخذ من الطريق ويوسع بها المسجد لما ذكرنا من المعنى.
مسجد له أوقاف مختلفة، لا بأس للمتولّي أن يخلط غلّة بعضها ببعض، وإذا خرب دكّان من الوقف جاز أن يبني بغلة دكّان أخرى. هذا إذا كان الواقف واحداً، وإن كان الواقف جماعة فكذلك أيضاً.
رجل وقف كتباً، اختلفوا فيه. والمُختار: أنّه يجوز؛ لمكان التعارف وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
إذا جعل أرضه مقبرةً، أو خاناً للغُزاة، سقط الخراج؛ لأنّ سبب الخراج أرض تصلح للزراعة وقد فقد ذلك.
رجل وقف بقرةً على رباط، على أنّ ما يحصل من لبنها وسمنها يُصرف إلى أبناء السبيل، جاز؛ لمكان التعارف.
نصراني وقف ضيعة على أولاده ما تناسلوا وآخره للفقراء، ثمَّ أسلم بعض أولاده، فأنّه يستحق؛ لأنه كان يستحق باسم الولادة وهذا باق بعد الإسلام.
رجل وقف داره على فقراء مكّة، أو على فقراء قرية بعينها إن كان الوقف في حياته وصحته، والفقراء حضور لا يجوز؛ لأنّ الوقف لا يجوز إلّا مؤبّداً ولم يقع مؤبّداً؛ لأنّه ينقطع بموتهم. وإن كانوا فقراء لا يحصون يجوز؛ لأنّه وقع مؤبداً، وإن كان بعد وفاته يجوز سواء كانوا يُحصون، أو لا يُحصون. أمّا اذا كانوا لا يحصون فلوقوعه مؤبّداً، وأما إذا كانوا يحصون؛ فلأنه إن لم يكن تصحيحه وقفاً أمكن تصحيحه وصيّةً، فإنّ الوصيّة لقوم يُحصون جائزة. رجل قال: ضيعتي هذه للسبيل، ولم يزد على هذا. لم يُحكم بكونه وقفاً إلّا أن يكون الواقف من ناحية تعارف أهلها الوقف المؤبد بهذه الصفة؛ لأنّ المُطلق ينصرف إلى المُتعارف، فيصير كالمنطوق به.
وقف مشهور، هل يجوز الشهادة عليه للشهرة؟ تكلموا فيه. والمُختار: أنّه يجوز؛ لأنّه لو لم يجز أدّى ذلك إلى هلاك، الأوقاف، وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
رجل وقف ضيعة له، وسلّمها إلى قيم، ثم أراد أن يأخذها منه، إن شرط لنفسه في الوقف
التولية والعزل، فله ذلك؛ لأن شرائطه تُراعي. وإن لم يشرط على قول محمد: ليس له ذلك، وعلى قول أبي يوسف: له ذلك بناءً على أن الوقف لا يصح إلا بالتسليم إلى المتولي عند محمد فلا يكون المتولي وكيلاً للواقف فلا يملك عزله وعند أبي يوسف يصح، فيصير المتولي وكيل الواقف، فيملك عزله. ومشايخ بلخ يُفتون بقول أبي يوسف وبه أخذ الفقيه أبو الليث. ومشايخ بخارى يُفتون بقول محمد، و به يُفتى.
رجل وقف أرضاً فيها زرع، لا يدخل الزرع في الوقف، سواء كان للزرع قيمة أو لم يكن؛ لأن الزرع لا يدخل في البيع إلا بالشرط، فكذلك في الوقف.
رباط فيه ثمار، هل يجوز للنازلين فيه أن يتناولوا منها؟ إن كان للثمار قيمة، فالاحتراز عنها أولى؛ لأنه يحتمل أنه جعل ذلك وقفاً للفقراء دون النازلين، وإن لم يكن لها قيمة فلا بأس به. هذا إذا لم يعلم، فأما إذا علم أنه وقف على الفقراء لا يحلّ لغير الفقراء التناول منها.
مسجد مبني، أراد رجل أن ينقضه؛ ليبنيه أحسن وأحكم من الأول، ليس له ذلك؛ لأنه لا ولاية له
رجل قال: إن مت من مرضى هذا فقد وقفت أرضي هذه، لا يصح سواء برء من ذلك المرض أو مات؛ لأنه علقه بالشرط، وتعليق الوقف بالشرط لا يصح، ولو قال: إن مِتُّ فاجعلوا أرضي وقفاً، فإنّه يجوز؛ لأنّ هذا تعليق التوكيل بالشرط، وإنّه يصح. ألا ترى أنه لو قال: إن دخلت هذه الدار فقد جعلتُ أرضي هذه موقوفة لم يجز ولو قال: إن دخلت هذه الدار فاجعلوا أرضي هذه موقوفة جاز؛ لما ذكرنا.
قيمُ وقف أدخل جذعاً في دار الوقف ليرجع في غلتها جاز؛ لأنّ للوصي أن ينفق من ماله على اليتيم، ثم يرجع بذلك في مال اليتيم، فكذا القيم في الوقف، وإن أراد الاحتياط، فالوجه فيه: أن يبيع الجذع من آخر، ثم يشتريه للوقف، ثم يُدخله في دار الوقف.
وقف المشاع يصح عند أبي يوسف وبه قال الشافعي خلافاً لمحمد. ومشايخ بلخ أفتوا بقول أبي يوسف، ومشايخ بخارى يفتون بقول محمد، وبه يُفتى.
رجل قال: جعلتُ نزل كرمي وقفاً، أو غلة كرمي وقفاً، وفي كرمه ثمراً، أو ليس فيه ثمر، صح ويصير وقفاً بثمره، إن كان فيه ثمراً؛ لأنه أمكن تصحيحه بجعله عبارة عن قوله: جعلت كرمي بما فيه من النزل والغلة وقفاً.
رجل وقف فرساً للسبيل على أن يمسكها ما دام حياً إن أراد بالإمساك: أنه يجاهد عليها، صح؛ لأنه بدون هذا الشرط يملك أن يمسكه للجهاد، وإن كان يُريد بإمساكها أن ينتفع بها
في غير الجهاد، ليس له ذلك، وصح جعله للسبيل، ولغت نيته، وبقي جعله للسبيل باللفظ. سلطان أذن لقوم أن يجعلوا أرضاً من أرض البلدة حوانيت موقوفة على مسجد بعينه، وأمرهم أن يزيدوا في مسجدهم إن كانت البلدة مفتوحة عنوة، جاز أمره إذا كان لا يضر بالمارة. وإن كانت قد فتحت صلحاً لا يجوز؛ لأنها إذا فتحت عنوةً صارت البلدة للغزاة، فجاز أمر السلطان فيها. وإذا فتحت صلحاً بقيت البلدة على ملك أهلها، فلا يجوز أمر السلطان فيها. وعلامة الفتح عنوة وضع الخراج على أراضيهم. وعلامة الفتح صلحاً: وضع العشر على أراضيهم.
رجل له دار، أراد أن يجعلها رباطاً، أو يبيعها ويتصدق بثمنها، أو يشتري بثمنها عبداً ويُعتقه، أي ذلك أفضل؟ إن جعلها رباطاً ووقف على الرباط وقفاً لعمارته فهو أفضل. وإن لم يوقف لعمارته وقفاً، فبيعها والتصدق بثمنها أفضل، والشراء بثمنها عبداً ليعتقه دون ذلك في الفضل.
مقبرة للمشركين أراد المسلمون أن يجعلوها مقبرة للمسلمين إن اندرست آثارهم، فلا بأس بذلك، وإن بقيت آثارهم فإنّها تُنبش، وتُدفن في موضع آخر، ثمّ تُجعل مقبرة للمسلمين بعد ذلك؛ لأنّ موضع مسجد النبي - - كان مقبرة للمشركين فنبش، واتَّخذ مسجداً.
ولو وقف بيتاً فيه كوارة العسل، جاز. ويدخل العسل والنَّحل تبعاً. وكذلك بيت الحمام على ذلك يدخل الحمام تبعاً. رجل وقف أرضاً أو داراً على الفقراء ولم يذكر عمارتها، بُدئ بعمارتها استحساناً؛ لأنّ التأبيد من شرطه، وإنّه لا يتأبد إلّا بالعمارة فصارت العمارة مشروطة دلالة. وقف على الفقراء بشرط أن يأكل منه ما دام حيّاً، فإذا مات كان لولده مثل ذلك. وكذا لولد ولده ابداً ما تناسلوا جاز الوقف، ولم يكن ذلك وصيّة للولد وهو قول أبي يوسف؛ لأنَّ الواقف إذا شرط لنفسه شيئاً من الوقف جاز. ومشايخ بلخ اخذوا بهذا، وبه يُفتى ترغيباً للناس في الوقف. رجل أراد أن يقف أرضاً على المسجد وعمارته وما يحتاج إليه من الذهن وغيره. كيف يقفُ حتى يقع الأمن عن إبطاله؟ يقول: وقفتُ أرضي التي بموضع كذا، أحد حدودها ينتهي إلى كذا، والثاني والثالث والرابع بحقوقها ومرافقها وقفاً مؤبداً في حياتي وبعد مماتي، على أن تُستغل بوجوه غلاتها، ويبدأ بغلاتها بما فيه من عمارتها ومصلحتها وأجرة القوام عليها، فما فضل من ذلك يُصرف إلى عمارة المسجد الذي بموضع كذا، ويُعرف بكذا وإلى دهنه وحصيره وما فيه مصلحته على إنّ للقيم أن يتصرّف في ذلك على ما يرى. وإن استغنى المسجد عنه صُرفت الغلّة إلى فقراء المسلمين، وإن أراد أن يزيد في الاحتياط يُرفع الأمر إلى القاضي بعد ما سلّم الوقف إلى المتولي، حتى يخاصمه عند القاضي، فيقضي بجواز وقفه ولزومه وبطلان رجوعه، ليصير لزومه في الحال مُجمَعاً عليه.
رجل وقف أرضاً على أولاد فلان وجعل آخره للفقراء، ولم يكن لفلان أولاد، يُصرف الغلّة إلى الفقراء، فإن حدث لفلان أولاد، يُصرف ما يحدث من الغلة في المستقبل إليهم، وإن كان له أولاد وحدث آخرون، يُنظر إلى ولده وقت حدوث الغلة، فكل ولد له وقت حدوث الغلة يُصرف الغلّة إليه؛ لأنّه ايجاب الغلّة عند حدوث الغلّة، فيُعتبر الموجود من أولاده حينئذ. كمن أوصى لأولاد فلان، يُنظر إلى أولاده يوم مات الموصي؛ لأنّ الوصيّة إيجاب عند الموت، فيُعتبر الموجود من الأولاد وقت الإيجاب، كذا هنا. وكذلك إذا أوصى لفقراء قرابته، فافتقر بعضهم واستغنى بعضهم الباقون، يُنظر إلى مَن كان فقيراً وقت حدوث الغلّة كذا هنا. متولّي الوقف إذا أجر الدار بشرائطه ثمَّ مات لا ينفسخ الإجارة؛ لأنه وكيل عن الفقراء وبموت الوكيل لا ينفسخ عند الإجارة.
متولي الوقف إذا أجر داراً موقوفة أكثر من سنة واحدة، إن كان في شرط الواقف أن لا يأجر أكثر من سنة لم يجز؛ لأنّه شرط مرعي وإن لم يكن في شرطه ذلك، تكلّموا فيه فكان الشيخ الإمام أبو حفص البخاري يُفتي بجوازه في الضياع ثلاث سنين؛ لأن مصلحة الوقف في ذلك، ويُفتي بعدم جوازها في غير الضياع أكثر من سنة واحدة. وكان الفقيه أبو الليث يُجيزها إلى ثلاث سنين إلّا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز، وفي غير الضياع يُفتي بعدم الجواز في ما إذا زاد على السنة الواحدة، إلّا إذا كانت المصلحة في الجواز وهذا أمر يختلف باختلاف المكان والزمان.
رجل قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على أقرب النَّاس من قرابتي، وله أخت من أب وأم وبنت بنت بنت، فبنت بنت البنت أولى؛ لأنها أقرب لأنّها من صلبه والأخت من صلب أبيه، ولا يُعتبر بالإرث، ألا يرى أنّه لو كان له مولى عتاقة فبنت بنت البنت أولى.
لأهل المسجد أن يهدموه ويجدّدوا بناءه ويفرشوا الحصير فيه ويعلقوا القناديل من مال أنفسهم، وإن أرادوا أن يفعلوا ذلك من مال المسجد، ليس لهم ذلك؛ لأنّهم لا ولاية لهم في التصرّف في مال الوقف.
رجل تصدّق بداره على المسجد، أو على طريق المسلمين تكلّموا فيه، والمختار: أنّه يجوز كالوقف.
إذا أجر الفرس الحبيس في سبيل الله، جاز إذا مست الحاجة إليه؛ لأجل النفقة عليه. وهذه المسألة تدلّ على أنّ المسجد إذا احتاج إلى النّفقة، جاز أن يؤجّر قطعةً منه بقدر ما ينفق عليه. رجل جعل أرضه مقبرةً يجوز دفن الأغنياء والفقراء فيها؛ لأنّه ليس ههنا ما يوجب التخصص بالفقراء، فأشبه الخان والسِّقاية.
رجل وقف سلاحاً أو مصحفاً في سبيل الله، جاز؛ لمكان العُرف. المتولّي إذا فوّض إلى غيره عند موته، جاز؛ لأنّه بمنزلة الوصيّ، وللوصي أن يوصي.
وللمتولي أن يستدين على الوقف بأمر القاضي، ولو استدان بغير أمره، ففيه روايتان. رجل وقف داراً على قوم بأعيانهم، فأجر المتولي الدار من الموقوف عليهم، جازت الإجارة؛ لأنّهم لم يملكوا رقبة الدار وإنّما حقهم في غلّتها، فصاروا في حق الرقبة كالأجانب. رجل وقف في صحته على الفقراء، فصرفه إلى أبي الفقراء أفضل، فالصرف إلى ولد الواقف أفضل؛ لأنّه أقرب إلى الواقف، فكان معنى الصّلة والصدقة أكد، ثم إلى قرابة الواقف؛ لأن فيه معنى الصدقة والصلة، ثمَّ إلى موالى الواقف، ثمَّ إلى جيرانه، ثمَّ إلى أهل مصره وأقربهم من الواقف منزلة.
رجل وقف ضيعته بلفظ الصدقة على ولديه، فإذا انقرضا فعلى أولادهما وأولاد أولادهما ما تناسلوا، فمات أحد الولدين وله أولاد، وأولاد أولاد صرف نصف الغلة إلى الباقي والنصف إلى الفقراء، فلو مات الولد الآخر صُرفت الغلّة إلى أولادهما وأولاد أولادهما؛ لأنَّ شرط الواقف مراعي، وقد جعل انقراض الولدين شرطاً للصرف إلى أولاد أولاده، وإنّما يصرف نصف الغلّة إلى الفقراء للفظة الصَّدقة.
وإذا وقف داراً على ولديه وعلى أولادهما ما تناسلوا، ثمَّ أراد أن يسكنا، ليس لهما ذلك؛ لأنّ حقهما في الغلة لا في السكنى.
أشجار الوقف لا يجوز بيعها إذا كانت مثمرة قبل القطع، ويجوز بعده؛ لأنها بمنزلة البناء ولا يجوز بيع بناء الوقف قبل الهدم ويجوز بعده وإن كانت غير مثمرة جاز البيع قبل القطع وبعده؛ لأنّها بمنزلة الغلّة.
قيمان نصب كل واحد منهما قاضي بلدة جاز أن ينفرد كل واحد منهما بالتصرّف في مال الميت؛ لأنّ كلّ واحد من القاضيين لو تصرّف جاز، فكذا نائبيه. ولو أراد كلّ واحدٍ من القاضيين عزل المتولّي الذي نصبه القاضي الآخر، جاز إذا رأى المصلحة في ذلك.
الوقف إذا صار مُستهلكاً أو في حكم الهالك، كما إذا غصبه غاصب ولم يقدر على انتزاعه من يده، والفرس المُسبَل في سبيل الله إذا نُحر تؤخذ قيمته ويُشترى بها ما يقوم مقامه ويكون وقفاً مكانه، وهذا استحسان أخذ به المشايخ.
رجل وقف أرضاً فيها أشجار واستثنى الأشجار، لا يجوز الوقف؛ لأنّه لمّا استثنى الأشجار صار الوقف مجهولاً.
رجل وقف أرضه على الفقراء، ثمَّ افتقر ليس له أن يتناول من الأرض الموقوفة؛ لأنّه واقف فلا يدخل تحت الوقف.
إذا أجر المتولّي الأرض الموقوفة مدّةً معلومةً بأجرة المثل، ثم ازدادت الرغبات فيها في السَّنة الثانية، ليس له فسخ الإجارة؛ لأنّ أجرة المثل إنّما تعتبر حالة العقد. إذا كتب صك الوصاية أو التولية لا بد ان يذكر فيه جهة وصايته وتوليته، أنه وصي نصبه الحاكم أو وصيّ أب أو جدّ، وكذا هو متولّي من جهة الواقف أو من جهة الحاكم، فلو لم يذكر الجهة لا يصح، ولو ذكر الجهة أنّه وصي أو متولّي من جهة الحاكم ولم يسمّ الحاكم الذي ولّاه وجعله وصيّا، جاز. وكذا إذا مست الحاجة إلى كتابة القضاء في المجتهدات، كالوقف وإجارة المشاع ونحوها يكتب وقد قضى بجوازه وصحته قاض من قُضاة المسلمين. ولو لم يسمه جاز، يفعل ذلك احترازاً عن قاض يُبطله فيكتب هكذا، وإن لم يقض قاض بصحته ولزومه احتياطاً.
لا يُولّى من طلب التولية على الوقف، وكذا من طلب القضاء؛ لأنَّ الخير في تولية غير الطالب.
صاحب الأوقاف له أن يسمع الدعوى في أمور الوقف، ويقضي بالبينة والنُّكول إن ولاه السلطان ذلك؛ لأنّه صار كالقاضي المولّى، وإن لم يولّه ذلك فليس له ذلك.
كتاب الهبة
حكم الهبة شرعاً: وقوع الملك للموهوب له ملكاً غير لازم إذا لم يحصل مقصود الواهب من الهبة، وملكاً لازماً إذا حصل مقصود الواهب من الهبة.
إذا وهب الرّجل هبة لذي رحم محرم منه، ليس له الرجوع؛ لحصول المقصود، وهو الصلة، وكذا إذا وهب أحد الزوجين لصاحبه، ليس له أن يرجع.
ولو وهب لفقير أجنبي هبة، ليس له الرجوع؛ لحصول المقصود، وهو الثواب. ولو وهب لأجنبي هبة، وهو غني له حقٌّ الرُّجوع إلا إذا وجد ما يمنع الرجوع، كما إذا ازدادت الهبة في بدنها خيراً، أو خرجت عن ملكه، أو تغيرت عن جنسها، أو في عوضه عنها عوضاً وإن قل.
أَمَّا الزيادة؛ وذلك لأنه لا يمكنه الرجوع في الزيادة؛ لكونها غير موهوبة، ولا يمكن الرجوع في الأصل بغير زيادة، فامتنع الرجوع.
وأما إذا خرجت عن ملكه؛ فلأنه لم يفت مقصودة من المالك الثاني، وإنَّما فات مقصودة ممن وهبه، فليس له أن يبطل على الثاني ملكه؛ لأنه إضرار به.
وأما إذا تغيّرت؛ وذلك لأنّها إذا تغيّرت صارت شيئاً آخر، والتحقت بسائر أملاك الموهوب له.
وأما إذا عوّضه؛ فلأنّ المقصود قد حصل، فامتنع الرجوع.
فصْل
رجل قال لامرأته: قولي وهبتُ مهري لك، فقالت وهي لا تُحسن العربية، لا يصح. فرق بين هذا وبين ما إذا قالت المرأة لزوجها: قل لي: أنتِ طالق فقال: أنتِ طالق، وهو لا يُحسن العربيّة، أو قال العبد لسيّده قل لي أنت حرّ، والمولى لا يُحسن العربيّة فقال: أنتَ حر، حيث يقع في القضاء، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الرّضى شرط لصحة الهبة، وليس بشرط لصحة الطَّلاق والعتاق.
رجل قال لآخر بالفارسية: أين غلام ... تراست، يكون إقراراً؛ لأنه أقرّ أَنَّ هذا وقت التكلم له. ولو قال: أين غلام ترا؟ تكون هبة، حتى لا يتمّ إلَّا بالقبض؛ لأنه جعله له في المستقبل، وأنّه لا يكون إلا بالتمليك.
إذا وهب الصغير شيئاً من المأكول، هل يُباح لوالديه أن يأكلا منه؟ روي عن محمد رحمه الله.
أنه يُباح، وشبهة بدعوة العبد المأذون، وأكثر مشايخ بخارى - رحمهم الله - على أنه لا يُباح؛ لأن العبد إنّما يملك ذلك ضرورة التجارة، وهذا المعنى معدوم ههنا فيحتاط رجل قال لمكاتبه: وهبت مالي عليك، فقال المكاتب: لا أقبل، عتق والمال عليه؛ لأنّ هبة الذين ممن عليه الذين تصح من غير قبول، ويرتد بالرد، ولكن لا يظهر الرد في حق العتق؛ لأنه لا يقبله ويظهر في حق بدل الكتابة. رجل سقطت منه لؤلؤة، فوهبها لرجل وسلطه على طلبها، وقبضها، فوجدها، فالهبة باطلة؛ لأن في وجودها وقت الهبة غرراً وخطراً، وتعليق الهبة بالأخطار لا تصح. رجل قال: إن فعلت كذا فمالي صدقةً في المساكين، وله ديون على الناس، لا تدخل في الصدقة؛ لأنها ليست بمال مطلق.
رجل قال لآخر حللني من كل حق لك علي، ففعل إن كان صاحب الحق عالماً بما عليه بريء حكماً وديانة وإن لم يكن عالماً: بريء حكماً، وهل يبرأ ديانة فعند محمد لا يبرأ. وعند أبي يوسف يبرأ، وعليه الفتوى؛ لأنّ الابراء إسقاط وجهالة الساقط لا تمنع صحة الإسقاط كالمشتري إذا أبرأ البائع عن العيوب، يصح وإن لم يفسر العيوب.
الإبراء بشرط الخيار يصح ويُبطل الشَّرط وكذلك الهبة بشرط الخيار تصح، ولا تصح شرط الخيار.
رجل قال لآخر: أنت في حِلّ مما تأكل من مالي، أو تأخذ، أو تعطي حل له الأكل ولا
يحل له الأخذ والاعطاء؛ لأنّ الأوّل إباحة والثاني تمليك، وتمليك المجهول لا يصح. رجلٌ له دارّ فيها أمتعة فوهبَ الدَّارَ لرجلٍ، لا يجوز؛ لأنَّ الموهوب مشغول بما ليس بموهوب فلا يصح التسليم.
ولو وهبت المرأة دارها من زوجها وهي ساكنة فيها بأمتعتها صح؛ لأنّ المرأة وما في يدها في الدار في يد الزَّوج، فكانت الدار مشغولة بالزوج وعياله فلا تمنع من صحة قبضه.
رجلٌ تصدّق عن الميت بصدقةٍ، أو دعا له يصل الثَّواب إلى الميت؛ لأنه ورد في الأخبار: أنَّ الحيّ إذا تصدّق عن الميّت أو دعا له، يصل الثَّواب إلى الميت على طبق من نور. رجل قال: أبحث لفلان الأكل من مالي، والمُباح له لم يعلم بإباحته له، قال: لا يحل له الأكل؛ لأنّ الإباحة إطلاق، والإطلاقُ يتوقف على العِلم كالتوكيل. رجلٌ وهب لرجل ثوباً، فَقَصَرَهُ، سقط حقٌّ الرُّجوع، ولو غسله لا ينقطع حقٌّ الرُّجوع؛ لأنَّ القصارة زيادة متصلة بخلاف الغسل.
رجلٌ وهب لرجلٍ عبداً كافراً، فأسلم العبد، سقط حقٌّ الرُّجوع؛ لأنّ بالإسلام ازداد.
رجل وهب لرجل ثمراً ببغداد، فحمله الموهوب له إلى بلخ، بطل حقُّ الرُّجوع. وكذا من وهب جارية في دار الحرب فأخرجها الموهوب له إلى دار الإسلام، بطل حق الرجوع؛ لأن الموهوب ازداد زيادة متصلة.
رجل دفع إلى رجل دراهم، وقال له: أنفقها، فهو قرض ولو دفع إليه ثوباً، فقال له: البسه، فليس. فهو هبة؛ لأن هذا تمليك المنفعة، فَيُجْعَلُ قرضاً إن أمكن. وفي الفصل الأول: أمكن؛ لأن قرض الدراهم جائز. وفي الفصل الثاني: لا يمكن؛ لأن قرض الثياب لا يجوز، فَجُعِلَ هبة.
رجل قال الآخر: أدخل كرمي وخذ العنب، فله أن يأخذ قدر ما يشبع به إنسان واحد لأنه أذن له بقدر حاجته للحال.
رجل قال لآخر مُمازحاً هب لي هذا الشيء، فقال: وهبتك، وقال الآخر: قبلتُ وسلّم إليه، جاز؛ لأنّ هذه هبةٌ اسْتُجمعت فيها شرائط الجواز. يدل عليه ما روي: أن عبد الله بن المبارك مر بقوم يضربون بالطنبور، فوقف عليهم وقال لهم: هبوني هذا الطنبور حتى تروا كيف أضربه، فدفعوه إليه فضرب به الأرض فكسره، فقال لهم: رأيتم كيف أضربه؟
وإنّما قال ذلك تحرّزاً عن الضمان على قول أبي حنيفة، أنّه يُضمّن كاسرُ الطَّنبور. رجل وهب لرجل ثوباً والثّوب حاضر، فقال الموهوب له قبضته قال محمد: يصير قابضاً.
وقال أبو يوسف لا يصير قابضاً ما لم يقبضه حقيقةً.
رجل تصدّق على مساكين يسألون النّاس إلحافاً ويأكلون إسرافاً، يؤجر على ذلك ما لم يعلم أنّ الذي تصدّق عليه بعينه على هذه الصفة؛ لأنّه نوى سدّ خلّته، والمعتبر نيّته، ألا ترى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما قيل له: قد كثر السؤال، فمن نعطي؟ قال: من رقّ قلبك عليه.
رجل وهب داراً لابنين له أحدهما صغير والآخر كبير، والصغيرُ في عياله، فالهبة فاسدة عند الكل. أمّا عند أبي حنيفة فظاهر، وأمّا عند صاحبيه: فالفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا وهبه لكبيرين وسلّم اليهما حيث يجوز؛ لأنّ في الكبيرين لا شيوع، لا وقت العقد ولا وقت القبض وها هانا تمكّن الشيوع وقت القبض؛ لأنه حين وهب صار قابضاً نصيب الصغير. رجل تصدق بجارية عليها ثياب وحُليّ وسلّمها، فالتّياب والحُليّ للمتصدّق والهبة جائزة بخلاف ما إذا وهب داراً فيها أمتعة الواهب حيث لا يجوز؛ لأنَّ الجارية لا تُسلّم عريانةً عادةً، فلم يُعتبر هذا الشغل، بخلاف الدار فإنّها تسلم فارغة.
رجل له، در همان فقال لآخر: وهبت لك در هماً منها، إن كانا متساويين لم تجز الهبة، وإن كانا مختلفين جاز؛ لأنّ في الوجه الأوّل: تناولت الهبة أحدهما غير عين وأنه مجهول، وهبة المجهول لا تصح. وفي الوجه الثاني تناولت وزن درهم منهما وهو مشاع لا يحتمل القسمة، فجاز.
رجل وهب لإنسان جاريةً، فعلمها الموهوب له القرآن أو الكتابة أو المشط، ليس للواهب أن يرجع فيها وهو المُختار؛ لأنّها ازدادت.
رجل له ابن وبنت أراد أن يهب لهما شيئاً، فالأفضل أن يجعل للذَّكر مثل حظ الأنثيين عند محمد. وعند أبي يوسف الأفضل أن يُجعل بينهما نصفين، وهو المُختار؛ لأنّ بذلك وردت الآثار. وإن وهب ماله كله للابن جاز في القضاء وأثم، نص عليه محمد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مثل هذه الصورة: إتق الله.
ولو أنَّ الموهوب له حمل المتاع الموهوب من بلدٍ إلى بلد إن كانت قيمة المتاع في البلد الذي نقله إليه أكثر، ينقطع حق الرّجوع وإن كانوا سواء لا ينقطع حق الرّجوع؛ لأنّ المانع: هو الزيادة، ولم توجد.
ولو قال رجل لآخر: وهبتُ لك هذه الغرارة الحنطة، أو هذا الزق السمن، دخل تحت الهبة الحنطة دون الغرارة والسَّمن دون الزق. ولو قال وهبتُ لك غرارة الحنطة أو زقّ السمن، دخل تحت الهبة الغرارة دون الحنطة، والزّق دون السَّمن؛ لأنَّ في الوجه الأول أضيفت الهبة إلى الحنطة، وفي الثاني إلى الغرارة، وذكرُ الحنطة لتعريف الغرارة.
رجل وهب لرجلٍ ثوباً، ثم وهب له ثوب آخر، ثمَّ إنَّ الموهوب له عوّض الواهب التّوب الأول عن الهبة الثانية لم يكن عوضاً إن كان في مجلس واحد وإن كانا في مجلسين: فعن أبي يوسف روايتان. والمختار: أنّه لا يكون عوضاً، اللهم إلّا أن ينقطع حق الرّجوع عن الثوب الأوّل بأن كان صبغه أو زاد فيه زيادةً تمنع الرُّجوع، فحينئذ يكون عوضاً.
رجل له ساحةً ولا بناء فيها، أمر قوماً أن يصلّوا فيها بجماعة إن أمرهم مُطلقاً وأراد به التأبيد، أو أمرهم أبداً، ثم مات لا يكون ميراثاً عنه؛ لأنّه صار مسجداً. وإن أمرهم مؤقتاً بيوم أو شهر أو سنة، ثم مات يورث عنه؛ لأنّه لم يصر مسجداً.
رجل بسط في مسجد بواري أو حصيراً أو ركّب فيه باباً أو سلسلة أو حبلاً للقنديل، لم يكن له أن يرجع فيه؛ لأنَّ هذا للتأبيد عادةً. ولو وضع حبلا في المسجد أو علق قنديلاً، فله أن يرجع فيه؛ لأنّ وضع هذه الأشياء لا يكون للتأبيد عادةً، فلا يصير للمسجد. رجل وهب لإنسان عيناً، فقبضها الموهوب له بحضرة الواهب ولم يقل: قبلتُ، صحت الهبة؛ لأنَّ القبض في باب الهبة يجري مجرى القبول، فنزل قبضه منزلة قبوله. والهبة الفاسدة مضمونة نصّ عليه في كتاب المضاربة، فإنّه قال: إذا دفع إلى رجل الفاً وقال: نصفها مضاربةً ونصفها هبة لك وهلكت الألف في يده، ضمن المضارب حصة الهبة، والهبة فاسدة؛ لأنّها هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، وهل يثبتُ المُلك في الموهوب بالقبض؟ تكلّم المشايخ فيه، والمُختار: أنّه لا يثبت، فإنّه قال: لو وهب نصف دار من رجل وسلّمها إليه، فباعها الموهوب له لم يجز، أشار إلى أنّه لم يملكه حيث أبطل البيع بعد التسليم.
رجل قال وهبتُ جاريتي هذه لأحدكم، فليأخذها من شاء، فأخذها واحد منهم ملكها، نص عليه محمد في السير الكبير.
وكذا لو قال: أذنت للنّاس في ثمر نخلي هذا، فمن أخذ شيئاً، فهو له فبلغ النّاس، فأخذوا منها كان لهم لما قلنا.
إذا وهبت المرأة زوجها مهرها بشرط أن يفصل لها الثياب كلّ سنة، ثم مضت سنة ولم يفصل لها، عاد مهرها، وإن ولم يكن لها الشرط مذكوراً في العقد لا يعود. رجل أقرّ أنّه وهب لفلان عبداً، فهذا إقرار بهبةٍ صحيحةٍ؛ لأنّ الصحة أصل، فيكون هذا إقرارًا بالهبة والقبض؛ لأنّ قبض الموهوب له بمنزلة القبول والإقرار بالعقد إقرار بركني العقد. والصَّحيح أنّه لا يكون إقراراً بهبة صحيحة.
إذا وهب لرجلٍ ثياباً في صندوق مُقفل وسلَّم إليه الصندوق لا يكون قبضاً وإن كان مفتوحاً يكون قبضاً.
رجل وهب لرجل سويقاً، فبله الموهوب له فللواهب الرُّجوع ولو كان الموهوب تراباً وبله بالماء لا يرجع وإنّما كان كذلك لأنّ اسم السُّويق بعد البلّ قائم، بخلاف التّراب فإنّ الاسم لم يبق بعد البل. والله اعلم.
كتاب البيع
البيع نوعان: صحيح، وفاسد، فالملك في الصحيح يثبت بنفس العقد، وفي الفاسد يثبت بالقبض وبيع العين يسمّى بيعاً، وبيع الدين يُسمّى سلماً ولكل واحد شرائط. فنقول: شرائط السلم عند أبي حنيفة اثنا عشر، ثمانية في المُسلّم فيه، وثلاثة في رأس المال، والواحد فيهما. أما الثمانية التي في جانب المُسلَّم فيه أن يكون معلوم الجنس، ومعلوم النوع، ومعلوم، القدر، ومعلوم الصفة، ومعلوم الأجل، ومعلوم مكان الإيفاء في ماله حمل ومؤنة، وأن يكون موجوداً من وقت العقد إلى وقت محلّ الأجل، وأن يكون من الأجناس الأربعة من المكيلات و الموزونات أو العدديات، المتقاربة، نحو الجوز والبيض أو الذرعيات. وأما الثلاثة التي في جانب رأس المال إعلام قدر رأس المال في المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، سواء كان معيناً أو لم يكن وتعجيله قبل الافتراق. وأن يكون الدراهم منتقدة. وأما الواحد الذي فيهما أن لا يجمعها أحد وصفي علة، وبالنقد هما ثمنان أو مثمنان. وأبو يوسف ومحمد خالفاه في ثلاثة: واحد في المُسلَّم فيه، واثنان في رأس المال. أما الذي في المُسلَّم فيه: بيان مكان الإيفاء في ما له جمل ومؤنةٌ. وأما الاثنان اللذان في رأس المال: إعلام قدر رأس المال إذا كان مُعيّناً، وانتقاد رأس المال إذا كان دراهم أو دنانير.
وأمّا الكلام في بيان مكان الإيفاء هما يقولان بأنّ سبب الوجوب هو العقد، والعقد وجد
في هذا المكان، فترجّح هذا المكان على سائر الأماكن فيتعيّن مكان العقد مكاناً للإيفاء، كما في بيع العين، فلا حاجة إلى التّعيين. وأبو حنيفة يقول: أنّ التّعيين لم يوجد نصاً، فلو ثبت إنّما يثبت ضرورة وجود العقد فيه، ولا ضرورة في التسليم؛ لأنّ الضرورة إنّما تمس ويتحقق إذا وجب التسليم لتعيين مكان العقد للإيفاء ضرورة، ولم يجب التسليم فلم يتعيّن، فيبقى مكان الإيفاء مجهولاً.
وأما الكلام في إعلام قدر رأس المال هما يقولان بأنه أسلم معلوماً في مقدور التسليم، فيجوز كما لو كان رأس المال ثوباً مشاراً إليه وانّما قلنا ذلك؛ لأنّ رأس المال مُشار إليه والإعلام يقع بالإشارة كما يقع بالتسمية، وأبو حنيفة ... يقول: بأنّه أسلم في معجوز التسليم للحال؛ لأنَّ الثَّابت للحال العجز، بسبب عدم مُلك مثل المسلَّم فيه، إما حقيقة أو اعتباراً، وإنّما يثبتُ القدرة حكماً بشرائط اعتبرها الشرع في المسلَّم فيه. ومن جملة تلك الشرائط ما يفوت القدرة بفوته بيقين، كإعلام الجنس والنوع والقدر والصفة. ومن جملة تلك الشرائط ما يفوت القدرة بفوته على سبيل الوهم بعارض أمر، وهو ترك الإضافة إلى مكان بعينه، بأن أسلم في ثمار حائط بعينه. إذا ثبت هذا في جانب المُسلَّم فيه بالإجماع، ثبت في جانب رأس المال استدلالاً، وههنا يفوتُ إعلام قدر رأس المال بفوت القدرة على تسليم المُسلّم فيه على سبيل الوهم بعارض أمرٍ، وهو: أن ينفق البعض على نفسه ويردّ الباقي بالزيافة فتتمكّن الجهالة في قدر المسلم فيه، فتفوت القدرة على تسليمه بسبب الجهالة.
وأما الكلام في انتقاد رأس المال فهو بناءً على مسألة أخرى، وهو أن المسلم إليه إذا وجد أكثر رأس المال زيوفاً فرده واستبدله في مجلس الرَّدّ، يفسد المسلم في المردود عند أبي حنيفة خلافاً لهما، فأبو حنيفة شرط الانتقاد تحرزاً عن الفساد، وهما لا.
ولا يجوز السلم في الحيوان ولا في شيءٍ منقطع من غير جنس الحيوان من أيدي الناس. ولا يجوز السلم في اللحم في قول أبي حنيفة، وقالا: يجوز في موضع منه معلوم إذا بين السن والجنس والنوع والصفة والموضع بأن قال: من الجنب، أو الفخذ وبين القدر، فإذا وجدت هذه الشرائط جاز ويصير كالإلية والشحم. وأبو حنيفة يقول: إن اللحم يختلفُ وصفه باختلاف فصول السنة، والسلم يكون مؤجّلاً فلا يُدرى عند حلول الأجل أنه على أي صفة يكون بخلاف استقراض اللحم وزناً؛ لأنّ الاستقراض لا يكون إلا حالاً والإلية والشحم إنَّما يختلف باختلاف الوزن لا غير.
فَصل
وإذا اشترى عيناً بعين، أو بدين في الذّمّة وشرط فيه الأجل المعلوم، أو الخيار المعلوم وهو ثلاثة أيام، أو شرط في الثّمن الصِّحاح، أو المكسّرة، فالبيع جائز. فأما إذا شرط في البيع منفعة للبائع أو للمشتري أو للمبيع إذا كان عبداً أو جاريةً، فالبيع فاسد كما إذا باعَه بشرط أن يُقرضه المشتري شيئاً أو يهب منه شيئاً أو يبيع منه شيئاً أو يهدي له هديّة أو على أن لا يسلّمه إلى رأس الشَّهر أو على أن يستخدمه البائع يوماً، أو كان المبيع داراً فباع، على أن يسكنها شهراً، وكذلك إذا كانت هذه الشروط من جانب المشتري.
ولو باع عبداً على أن لا يبيعه أو لا يستخدمه أو لا يجامعها بأن كان المبيع جارية أو على أن يدبرها أو يستولدها أو يكاتبها أو يُعتقها أو كان المبيع دابة اشتراها على أن لا يبيعها من فلان، أو على أن يبيعها من فلان، ففي هذه الفصول كلّها البيع فاسد. ولو باع بشرط الخيار أربعة أيام أو أكثر، أو شرط خياراً مجهولاً أو أجلاً مجهولاً، أو باع بخمرٍ أو خنزير أو لم يسمّ ثمناً، ففي هذا كله يفسد العقد.
وخيار الشرط وخيار الرّؤية لا يورثان، بل يسقطان بموت من له الخيار. وإذا مات المبيع سقط الخيار ولزم العقد. وكذا إذا أصابه عيب، أو كانت جاريةً فقبلها بشهوة أو لمسها أو وطئها أو نظر إلى وجهها بشهوة أو عرضها على البيع أو أجرها أو جنى عليها أو أعتقها أو دبّرها أو سقاها شربة من دواء أو حجمها أو فصدها، أو كان غلاماً فختنه أو حلب لبن الشاة أو أبرأ البائع المشتري من الثَّمن والخيار له، فأن العقد يلزم في هذه الفصول كلّها ويسقط الخيار. وكذلك إذا مضت مدة الخيار ينبرم العقد ويلزم.
ولو مشط الجارية أو دهنها، أو أخذ من عُرف الدابَّة أو قص حوافرها، أو نقد الثَّمن وقبض المبيع، ففي هذه الفصول كلّها لا يسقط الخيار.
وإن رأى وجه الجارية أو أكثر سقط خيار الرّؤية، ولو رأى ذراعها أو صدرها أو بطنها أو ساقها لا يسقط خياره.
وخيار الرّؤية في الفرس والبغل والحمار يسقط برؤية عنقه أو فخذه أو ساقه أو كل عضو تامّ منه، إلّا ثلاثة أعضاء الحافر والناصية والذَّنَب.
فَصْل
رجل قال بعتُ منك عنب هذا الكرم، كل وقرٍ بكذا، إن كان الوَقْر معروفاً عندهم والعنب من جنس واحد، يجوز في وقر واحدٍ عند أبي حنيفة، وعندهما في الكلّ بناءً على مسألة معروفة وهي: ما إذا باع هذه الصَّبرة من الحنطة كل قفيز بدرهم جاز عند أبي حنيفة في قفيز واحد، وعندهما في الكلّ. وإن كان الوقر معروفاً عندهم والعنب أجناس مختلفة، يجب أن لا يجوز عند أبي حنيفة، أصلاً، وعندهما يجوز في الكلّ بناءً على ما إذا باع هذا القطيع من الغنم كلّ شاة بدرهم، لم يجز عند أبي حنيفة أ في الكل أصلاً، وعندهما: يجوز في الكل. والفقيه أبو الليث جوّز في الوجه الأوّل في الكلّ عند الكلّ، وفي الوجه الثاني على الاختلاف، وليس الأمر كذلك لما قلنا.
رجل اشترى داراً فوجد في جذع من جذوعها دراهم، إن قال البائع: هي لي، تُردّ عليه؛ لأنها أُخذت من يده؛ لأنّ الدّار كانت في يده. وإن قال: ليست لي فحكمها حكم اللقطة؛ لأنّه مال لا يُعرف له مالك.
رجل قال لآخر بعتُ منك جميع مالي في هذه القرية من الرَّقيق أو البُرّ أو الثياب، ههنا خمس مسائل: أحدها هذه، والثانية: إذا قال بعتُ منك جميع مالي في هذه الدار من المتاع. والثالثة: ما لي في هذا الدّار. والرّابعة ما في هذا الصندوق والخامسة: ما في هذه الجوالق، ففي هذه المسائل الخمس: إن علم المشتري ما في هذه المواضع المشار إليها جاز البيع؛ لأنّ البيع معلوم، وإن لم يعلم ففي المسألة الأولى والثانية: لا يجوز؛ لأنّ الجهالة متفاحشة. وفي المسألة الثالثة والرابعة والخامسة: يجوز؛ لأن الجهالة يسيرة.
رجل أسلم إلى رجل في كرّ حنطة، فقال ربّ السَّلَم للمُسلَّم إليه: أبرأتك من نصف السَّلَم وقبل المسلَّم إليه، وجب عليه ردّ نصف رأس المال؛ لأنّ السَّلم نوع بيع، وفي البيع: إذا اشترى شيئاً، ثمّ قال للبائع قبل القبض: وهبتُ لك نصفه فقبل، كانت إقالة في النصف بنصف الثّمن، كذا ههنا.
إذا جلس إنسانٌ يبيع ويشتري على الطَّريق، إن كان في الطّريق سعة بحيث لا يتضرّر النّاس به جاز أن يشتري منه، وإن لم يكن فيه سعةٌ لا ينبغي للنّاس أن يشتروا منه؛ لأنّ الشراء إعانة له على المعصية؛ لأنّه إذا لم يجد من يشتري منهلا يقعد على الطريق.
رجل اشترى جاريةً على إنّها ذات لبن، قال الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل: الشراء فاسد. وقال الفقيه أبو جعفر: بل هو جائز؛ لأنّه بمنزلة الصناعة، فصار كما لو اشترى غلاماً على أنه كاتب أو خباز، وعليه الفتوى.
رجل قال لآخر بعتُك هذا الثَّوب بعشرة، ووهبتُ منك العشرة فقبل، جاز الشراء ولم تجز البراءة؛ لأنَّ البراءة تعتمد الوجوب، أو سبب الوجوب ولم يوجد واحد منهما، قبل قبول المشتري، فلا يصح.
رجل اشترى أرضاً ولم يقبضها، أو قبضها ولكنّه منعه إنسان من زراعتها لا يجب الخراج؛ لأنّ الخراج إنّما يجب على مالك متمكّن من الزراعة، ولم توجد المكنة.
رجل اشترى جراباً على أنّ فيه عشرون ثوباً، فإذا فيه أحد وعشرون ثوباً، ثمّ غاب البائع عزل المشتري منها ثوباً واستعمل الباقي ... ؛ لأنّه ملك الباقي. وتدخل ألواح الحانوت في البيع، سواءٌ ذُكر بمرافقه أو لم يُذكر.
ويُكره البئر تدخل في بيع الدّار سواء ذكر المرافق أو لم يذكر. والدلو والحبل إن ذكر المرافق دخلا في البيع، وإن لم يذكر لا يدخلان والظُّلّة لا تدخل في بيع الحوانيت إلّا بذكر المرافق. والمفتاح يدخل في بيع الدار سواء ذكر المرافق، أو لم يذكر. والقفل لا يدخل في البيع. وإذا باع حماراً موفا، دخل الإكاف والبرذعة في البيع، وإن كان غير موكف فكذلك، وهو المختار. وإذا باع فرساً دخل العذار تحت البيع بحكم العُرف.
رجلٌ باع عبداً بيعاً فاسداً وقبضه المشتري، ثمَّ قال البائع هو حرٌّ، لم يعتق؛ لأنه صادف ملك الغير، وإن قال ثانياً، فإن كان القول الأول بحضرة المشتري عتق؛ لأنّه فسخ للبيع، وإنّه يصح بحضرة المُشتري، ثمّ كلامه الثاني إعتاق منه صادق ملكه فنفذ، وإن كان الكلام الأول حال غيبة المشتري لم يعتق؛ لأنّ الفسخ حال غيبته لا يصح.
إذا اشترى عبداً على أنّه بريء من كلّ غائلة، ثم وجد به عيباً، إن كان سرقةً أو فجوراً أو إباقاً لا يُردّ، وإن كان مرضاً يُردّ؛ لأنّ الغائلة إذا ذُكرت في البيع يُراد بها ما ذكرنا دون غيرها.
وإذا باع داراً وفيها متاعٌ للبائع وسلّمها إلى المشتري، لا يصح التسليم؛ لأنّها مشغولة بأمتعة البائع، فيده عليها باقية.
ولو باع أرضاً وفيها زرع للبائع ثمَّ سلّمها، لم يصح التسليم لما ذكرنا.
رجل باع داراً وفيها بستان، إن كان البستان في الدار دخل في البيع؛ لأنّه من جملة الدّار. وإن كان خارج الدار إن كان البستان أكبر من الدار أو مثلها لا يدخل، وإن كان أصغر يدخل؛ لأنَّه يُعدّ من الدَّار.
السَّلم في الخبز إذا استوفى شرائط السَّلم جائز، وهو المُختار لحاجة النَّاس إليه، لكن يُحتاط وقت القبض حتى يقبض من المسلم إليه الذي سماه كيلا يصير استبدالاً بالمسلّم فيه. رجل باع أرضاً فيها قصبٌ، فالقصب للبائع، إلّا أن يشرط المبتاع؛ لأن القصب لا يقصد به البقاء، فأشبه الثَّمر والزَّرع ولا يدخل الثَّمر والزَّرع في البيع إلّا بالذكر فكذا هذا. رجل باع الزَّرع وهو بقل، إن باع بشرط القطع، أو إرسال الدَّواب فيه لتأكله، جاز البيع؛ لأنه شرطٌ يقتضيه العقد. ولو باع بشرط أن يتركه حتى يدرك لا يجوز؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وكذلك إذا باع رطبة، فعلى هذا التفصيل، وهو المختار وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
رجل اشترى جاريةً وأراد ان يحتال لإسقاط الاستبراء، إن كان البائع وطئها، ثم باعها قبل
استبراءها بحيضة، لا يحلّ للمشتري أن يحتال في إسقاط الاستبراء؛ لقوله عليه السَّلام: لا يحلّ لرجلين يؤمنان بالله واليوم الآخر أن يجتمعا على امرأةٍ واحدةٍ في طهر واحدٍ. وإن باعها بعدما حاضت عنده، ثمّ طهرت ولم يقربها في ذلك الطّهر، حلّ له الاحتيال لانعدام هذا المعنى. والحيلة: أن يتزوّجها قبل الشراء إن لم يكن له امرأة حرّة، ثمّ يشتريها وإن كانت له امرأة حرّة يزوجها غيره، ثمَّ يشتريها هو، ثم يقبضها، ثم يطلقها الزوج قبل الدخول بها فإن خاف البائع أن يزوّجها المشتري، فلا يشتريها ولا يطلقها، فالحيلة فيه أن يقول البائع زوّجتها منك على إنَّ أمرها بيدي في تطليقتين، أطلقها متى شئت أو يقول: زوّجتها منك على إنّ أمرها بيدي في تطليقتين أُطلقها متى شئتُ أو يقول: زوّجتها منك ... على إنّك إن لم تشترها منّي اليوم بكذا، فهي طالقٌ ثنتين، فقبل المشتري النكاح على هذا الشرط، وكذلك الحيلة إذا خيف على المحلل أن لا يُطلّق.
إذا اشترى حنطة ثم أمر البائع أن يكيلها في غرائره، فكالها والمشتري حاضر، صار قابضاً.
وبيع الزنّار من النَّصراني والقلنسوة من المجوسى لا يُكره؛ لأن في ذلك إذلالاً بهما. وبيع المُكعب المفضّض من الرَّجل يُكره إذا علم أنّه يشتريه ليلبسه.
رجل اشترى من آخر لحماً أو سمكةً، ثم ذهب ليأتي بالثَّمن، فخاف البائع أن يفسد اللحم، يسعه أن يبيعه من غيره ويسع للمشتري أن يشتريه، وإن علم بالقصة؛ لأنَّ المشتري يكون راضياً بالفسخ دلالةً، وإن باعه بزيادة لزمه أن يتصدّق بها. وإن باعه بنقصان، فالنُّقصان موضوع عن المشتري، وهذا نوع استحسان رواه الحسن بن زياد دفعاً للضرورة.
إذا كسب مالاً من حرام، ثم اشترى به شيئاً، فلا يخلوا من خمسة أوجه: إما أن دفع تلك الدراهم أوّلاً، ثم اشترى منه بتلك الدراهم أو اشترى بتلك الدراهم قبل دفعها، ثمَّ دفعها إليه. أو اشترى بتلك الدراهم قبل أن يدفعها، ودفع غيرها. أو اشترى مطلقاً ودفع تلك الدراهم. أو اشترى بدراهم أخرى ودفع تلك الدراهم. اختلف المشايخ فيه قال أبو نصر: يطيب له ولا يتصدّق إلّا في الوجه الأوّل، وإليه ذهب الفقيه أبو الليث، وقال أبو الحسن الكرخي لا يطيب له في الوجه الأول والثاني، ويتصدّقُ ويطيبُ له في الوجه الثالث والرابع. وقال أبو بكر: لا يطيب له، ويتصدّق في الوجوه كلها والفتوى على قول الكرخي، وبه نأخذ.
إذا اشترى داراً وسطحها وسطح جاره مستويان، فللجار أن يأخذه حتى يتخذ سترة بينه وبينه قال الفقيه أبو الليث إن كان في صعوده يقعُ بصره على مَن في دار جاره، فللجار أن يمنعه من الصُّعود حتى يتخذ سُترة بينه وبينه وإن كان لا يقع بصره، فليس له منعه؛ لأنهما في الحُجّة سواء.
ولو اشترى أرضاً على أنّ خراجها دينار، فوجده أكثر، فله أن يردّها بهذا. ولو اشترى أرضاً على أنّ خراجها على البائع، قال أبو جعفر: إن اشترط جميع الخراج، فالبيع فاسد. وإن اشترط بعض الخراج على البائع، فإن كان ما على المشتري أقل من خراج مثله، فالبيع جائز، فكأنّه يتحمّل عنه الظُّلم، وإن كان ما على المشتري خراج مثله، فالبيع فاسد وصار كأنه اشترط أن يقضي البائع دينه.
التاجر إذا كان في بلدٍ الغالب على أموال اهلها الحلال في أسواقهم، لا يسأل البائع عن السلع أحلال هي أم حرام؟ لأنَّ العمل بالظاهر واجب ما لم يوجد المعارض ولم يوجد. وإن كان الغالب على أموال أهلها في أسواقهم الحرام، أو في وقت من الأزمان يغلب عليها الحرام، أو كان البائع ممن يكتسب الحلال والحرام، لا بأس بالسؤال، وإنّه حسن.
رجل قال لآخر: بعتُ منك هذا الثوب بعشرة دراهم، وفي يد المشتري قدح ممّا يُشرب، ثم قبل البيع جاز؛ لأنّ بهذا لا يتبدّل المجلس؛ لأنّه ليس بدليل الإعراض، وكذلك لو كان في التّطوّع في الرَّكعة، فأضاف إليها أخرى، ثم قبل. وكذلك لو كان في الصلاة المكتوبة، ففرغ منها وقبل؛ لأنه ليس فيه دليل الإعراض.
رجل أراد أن يشتري مبطخة على وجه يجوز، ينبغي أن يشتري أشجار البطيخ ببعض الثَّمن ويستأجر الأرض بالباقي من صاحبها مدّة معلومة؛ لأنّ شراء الأشجار جائز، فيملكها بالشّراء ويملك ما يحدثُ من البطيخ بعد ذلك، وإنّما يستأجر الأرض ليتمكن من إبقاء الأشجار فيها.
وبيع الحنطة بالخبز والخبز بالحنطة والدَّقيق بالخبز، والخبز بالدقيق يجوز متفاضلاً ومتساوياً؛ لانَّ بالخبز خرج عن كونه مكيلاً وصار موزوناً، هذا إذا كان يداً بيد. وإن كان أحدهما نسيئةً، إن جعل الحنطة أو الدَّقيق نسيئة والخبز نقداً جاز بالاتفاق. وبالعكس: لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: يجوز بناءً على اختلافهم في جواز السَّلَم في الخبز وزناً والفتوى على قول أبي يوسف لعموم البلوى به.
أجرة الناقد على من تجبُ؟ إن قال المشتري دراهمي جيّدةً فجاء البائع بالناقد، فالأجر عليه. وإن قال المشتري دراهمي غير منتقدة، فالأُجرة على المشتري والصحيح: أنها تجب على المشتري مطلقاً.
ويُكره للرَّجل أن يبيع غلامه الأمرد من رجلٍ يغلب على ظنّه أنّه يفسق به؛ لأنّه إعانة على المعصية.
إذا باع المشتري العبد المبيع من البائع قبل قبضه، فقبل البائع، لا يجوز والبيع الأول بحاله. ولو وهبه منه انفسخ البيع؛ لأنّ الهبة تُستعمل للإقالة.
ولا يدخل الثَّمر والزَّرع تحت البيع وإن باعها بمرافقها؛ لأنّهما ليسا من مرافقها ولا من حقوقها، إلّا إذا باع الأرض وقد نبت الزَّرع وليس له قيمة، فإنّه يدخل في البيع سواء ذكر المرافق أو لم يذكر. هكذا ذكر في شرح القدوري، وقال بعض المشايخ: لا يدخل في البيع.
رجل باع من آخر ضيعة وللبائع أشجار أغصانها متدلية على هذه الضيعة، فللمشتري أن يطالب البائع بتفريغ هواه عن أغصان أشجاره.
إذا اشترى أسيراً مسلماً حرّاً من دار الحرب، فله أن يعطيه في ثمنه الستوق والزيوف وما أشبه ذلك؛ لأنّه ليس بشراء حقيقة، بل هو تخليص للحرّ، فبأي طريق قدر كان له ذلك، ولهذا المعنى قُلنا: أنّه إذا أمره أن يشتريه بألفٍ، فاشتراه بأكثر جاز، ويلزمه الألف لا غير، ولو كان شراه حقيقةً لما لزمه شيء. ألا ترى أنّه لو وكّل إنساناً بشراء شيء بألفٍ، فاشتراه بأكثر، يصير مشترياً لنفسه ولا يلزم الموكَّل؛ لأنّه شراء حقيقة وقد خالف أمر الموكّل، فلم ينفذ عليه.
بيع بذر القزّ يجوز عند أبي يوسف ومحمد وعليه الفتوى. وبيع دود القزّ يجوز عند محمد وعليه الفتوى لمكان العادة.
رجل اشترى عبداً وقبضه وقال له: لا أنهاك عن التّجارة، صار مأذوناً في التجارة. ولو قال لرجل: لا أنهاك عن طلاق امرأتي، لا يصيرُ وكيلاً في تطليقها حتى لو طلقها لا يصح؛ لأنه لو رأى عبده يتجر ولم ينهه، يصير مأذوناً في التّجارة فكذا إذا أخبر عن ذلك. ولو رأى إنساناً يطلق امرأته، فلم ينهه لا تُطلق امرأته، فكذا إذا أخبر عنه.
إذا باع حشيشاً في أرضه، إن كان أنبته بأن سقاه الماء حتى نبت جاز؛ لأنّه ملكه. وإن لم يُنبته لا يجوز بيعه؛ لأنّه لم يملكه ولهذا كان لكلّ واحدٍ أن يأخذ بغير إذنه.
رجل اشترى عبداً، فأعتقه أو دبَّره جاز، وليس للبائع حق حبسه بالثَّمن ولو كاتبه توقفت الكتابة فللبائع حقَّ حبسه بالثَّمن؛ لأنَّ الكتابة تحتمل الفسخ، فترد. في حق البائع نظراً له. فلو نقد المشتري الثَّمن نفذت الكتابة لزوال المانع.
إذا كان له عبد أو دار للتّجارة، فأجرهما خرجا من أن يكونا للتّجارة؛ لأنه بالإجارة قصد الغلة، فيبطل حكم التجارة.
رجل اشترى شيئاً بثمن إلى سنة فمنعه البائع المبيع إلى سنة، فالأجل من السنة المستقبلة عند أبي حنيفة. بخلاف ما إذا اشترى بثمن إلى رمضان، فمنعه حتى دخل رمضان حتى يحلّ المال في قولهم جميعاً.
وأجرة الكيال على البائع وكذلك صبّها في وعاء، المشتري، وهو المختار لمكان العرف. إذا اشترى حنطة في سنبلها، جاز البيع وعلى البائع تخليصها بالدرس والتَّذرية، وهو المختار؛ لأنّه من التسليم.
إذا باع جراباً فيه ثياب، ففتح الجراب على البائع، وإخراج الثَّياب على المشتري؛ لمكان العادة.
وإذا اشترى الثَّمر على رؤوس النَّخل فجذاذه على المشتري. وكذلك إذا اشترى الجزر، فقلعُه على المشتري؛ لمكان العادة. وأجرة وزان الثَّمن على المشتري، وكذلك أجرة الناقد وهو المُختار؛ لأنَّ عليه أن يوفِّيه بوزنه وجودته.
رجل اشترى غلاماً، فلم يقبضه حتى وهبه لرجل، أو رهنه وأمره بقبضه، فقبضه جاز. ولو أجره، فقبضه المستأجر لم يجز؛ لأنّ الهبة والزَّهن لا يصح إلا بعد التسليم، وبعد التسليم يصير، قابضاً، فينفذ الهبة والرهن بعد قبض المشتري، وليس كذلك الإجارة. رجل أخذ ثوباً وقال اذهب به، فإن رضيته اشتريته، فضاع في يده، لم يلزمه شيء ولو قال: إن رضيته اشتريته بعشرة دراهم، فضاع في يده ضمن القيمة؛ لأنه مقبوض على سوم الشراء، فيكون مضموناً؛ لأنّه بيّن الثَّمن. وفي الوجه الأول: لم يُبيّن الثمن، فلم يصر مقبوضاً على سوم الشراء، فلا يكون مضموناً بالقيمة. وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
والرَّد بالعيب يبطل بعرض المشتري المبيع على البائع، أو بقوله: وهبتُ، من غير أن يسلمه؛ لأنَّ هذا التصرّف دليل الرضى بالعيب.
إذا قامت بيّنة أنَّ العبد المبيع سرق عند البائع، ثم سرق عند المشتري، ثمَّ قُطع بالشرقتين يرجع المشتري بنصف القطع؛ لأن اليد قطعت بالشرقتين جميعاً، والرُّجوع بنصف القطع رجوع بنصف اليد، وهو ربع الثّمن.
رجل اشترى طعاماً، فوجد به عيباً بعد ما أكل بعضه، رجع بنقصان ما أكل، وردّ ما بقي بحصته؛ لأن بالأكل تقرّر العقد، فتقرر أحكامه، وهذا قول محمد، وبه كان يُفتي الفقيه أبو جعفر، وبه أخذ الفقيه أبو الليث رحمهما الله ولو باع نصفه ردّ ما بقي عند محمد ولا يرجع بنقصان ما باع؛ لأنّ بالبيع انقطع الملك، فينقطع أحكامه وصار بمنزلة ما لو اشترى غلامين، فقبضهما وباع أحدهما، ثم وجد بهما عيباً، ردّ ما بقي ولا يرجع بنقصان ما باع بالإجماع، كذا هذا عند محمد رحمه الله.
إذا اشترى أمة تُرضع، فوجد بها عيباً، فأمرها المشتري أن ترضع صبياً له، لا يكون رضاً
بالعيب؛ لأنّ الإرضاع من باب الاستخدام، والاستخدام لا يكون رضا بالعيب. ولو حلب من لبنها وشرب أو باع يكون رضاً؛ لأنّ اللبن جزء منها وقد استوفاه. وكذا لو جز صوف شاة، يكون رضاً بالعيب لما ذكرنا.
إذا اشترى عبداً فوجده خصيّاً، فله ردّه؛ لأنّ هذا عيب. ولو اشتراه على أنّه خصي، فوجده غير خصيّ، فإنّه لا يردّ؛ لأنّه شرط بالمعيب ووجده سليماً.
رجل غصب عبداً، فأبق منه، إن رجع إلى مولاه لا يكون عيباً؛ لأنّ العيب هو الإباق من المولى، وإن لم يرجع إلى مولاه إن كان لا يعرف منزل المولى، فليس بعيب؛ لأنه ضال، وإن كان يعرف فهو عيب؛ لأنّه أبق.
إذا اشترى عبداً فأجره، ثم وجد به عيباً، فله أن ينقض الإجارة ويردّه على بائعه بخلاف الرَّهن. وإنّما كان كذلك لأنّ الإجارة تُفسخ بالعذر بخلاف الرّهن.
المتصارفان والمتعاقدان عقد السلم إذا ناما فى مجلس العقد قبل القبض، إن ناما جالسين، فليس بافتراق قبل القبض، وإن ناما مُضطجعين كان افتراقاً قبل القبض؛ لأنّ الأوّل لا يمكن الاحتراز عنه، والثاني يمكن الاحتراز عنه.
وكير الحداد يدخل في البيع؛ لأنّه مركّب، وكير الصائغ لا يدخل في البيع لأنه غير مركّب، وزق الحدّاد لا يدخل وكذا قدر القصار؛ لأنها ليست مركّبة ولا من حقوق الحانوت.
ولو اشترى أرضاً وفي الأرض قصبٌ، أو حطب نابت، أو رياحين، أو بقول ولم يذكر بما فيها، فهي للبائع؛ لأنّ هذه الجملة تقع، فأشبه الثَّمر، والثّمر للبائع ما لم يشترطه المُبتاع.
رجل قال لآخر بعتُ منك هذه الجارية، فقبل قوله قطع إنسان يدها ودفع الإرش إلى البائع، ثمَّ قبل المشتري البيع لم يجز البيع؛ لأنّه لو صح البيع لدخل الإرش تحت البيع أصلاً، والإيجاب لم يتناوله. وكذلك لم يجز لو باعه عصيراً فتخمّر قبل القبول. وكذلك لو ولدت الجارية ولداً، ثمّ قبل البيع لم يجز. وكذلك لو باع عبدين ولم يقبل المشتري حتى قتل أحدهما ودفع القيمة ثم قبل المشتري لم يجز، والمعنى في الكلّ ما ذكرنا.
رجل اشترى أرضاً وبنى فيها مسجداً، ثم وجد بها عيباً، له أن يرجع بحصة العيب في قول أبي يوسف؛ لأنّ اتَّخاذه مسجداً بمنزلة الوقف. ولو وقف الأرض ثمّ اطّلع فيها على عيب رجع بحصة العيب؛ لأنّه بمنزلة الإعتاق. ولو أعتق عبداً، ثمَّ اطّلع على عيب، رجع بحصة العيب، فكذا ها هنا.
رجل اشترى خُفّاً به خرقٌ على أن يخرزه البائع، جاز للتعامل. ولو اشترى من كرباسي ثوباً على أن يقطعه ويخيطه قميصاً لم يجز؛ لعدم التّعامل به.
رجل ذبح كلباً، ثمَّ باع لحمه، جاز. وكذا إذا ذبح حماراً وباع لحمه جاز، وهو المُختار. فرق بين هذا وبين ما إذا ذبح خنزيراً وباع لحمه، حيث لا يجوز؛ لأنّ لحم الكلب المذبوح والحمار منتفع به بأن يطعمه السَّنانير؛ لأنّه طاهر، ولحم الخنزير ليس بمنتفع به؛ لأنه نجس العين، وبخلاف الميتة، حيث لا يجوز بيعها؛ لأنّه لا يجوز الانتفاع بها، لا للسنانير ولا لغيرها؛ لقوله: «لا تنتفعوا من الميتة بشيءٍ».
رجل قال: اشتريتُ منك هذا بألفين، فقال البائع بعتُ بألفٍ، جاز البيع؛ لأنه أمكن تصحيحه بأن يجعل كأنّ البائع: قال بعتُ بألفين، ثمَّ قال: حططت عنك ألفاً.
رجل اشترى شاة فوجدها لا تحلب إن كان مثلها يُشترى للحلب له أن يردّها؛ لأنّ المشروط عرفاً كالمشروط شرطاً. وإن كان مثلها يُشترى للحم ليس له أن يردّ. رجل اشترى برذوناً وأخصاه بعد القبض، وذلك لا ينقصه، ثمَّ وجد فيه عيباً، فله أن يرده؛ لأن ذلك ليس بعيب.
رجل قال لآخر بعتُ منك هذا التّوب على أنّه خزّ، فإذا لحمته خرّ وسداه قطن جاز؛ لأنَّ السّدى تبع للحمة؛ لأنّ الثّوب ينسب إلى اللحمة دون السَّدى، وله الخيار لتغيّر صفته. إذا اشترى جارية على أنّها تحيض، فوجدها لا تحيض إن تصادقا على إنّها لا تحيض بسبب اليأس، فله أن يردّها؛ لأنّه عيب؛ لأنه اشتراها للحبل، والآيسة لا تحبل؛ لأنّ الولد يتغذى بدم الحيض في رحم الأم.
رجل اشترى طعاماً فأكله، ثمَّ اطّلع على عيب كان به فله أن يرجع بنقصان العيب عندهما. رجل اشترى أوراق التّوت، إن اشتراها على أن يأخذها في الحال جاز، وإن اشتراها على أن يأخذها شيئاً فشيئاً لم يجز؛ لأنّه يزداد فتخلط المبيع بغيره، وإن اشتراها مطلقاً ولم يشرط شيئاً، إن أخذها في اليوم جاز، وإن لم يأخذها حتى ذهب اليوم فسد؛ لأنّه يزداد زيادة يمكن التحرّز عنها، والحيلة في ذلك أن يشتري الشجرة بأصلها، فيأخذ الأوراق، ثم يبيع الشجرة من بائعها. رجل قال لآخر: اشتريتُ عبدك هذا بألف درهم، فقال الآخر بعتُ، أو قال: نعم، أو قال: هات الثّمن جاز؛ لأنّه جواب.
رجل اشترى فرساً من حظيرة، فقال البائع: سلّمته إليك، ففتح المشتري الباب، فذهب الفرس، إن أمكنه أخذه بيده من غير إعانة أحدٍ، صح التسليم، وإن لم يمكنه أخذه إلا بإعانة غيره لا يصح التسليم؛ لأنه لم يمكنه القبض.
رجل اشترى ضيعةً مع غلاتها، ثم وجد بها عيباً، فأراد ردّها، ليس له ذلك؛ لأنه لا يخلو أمّا إن جمع الغلات أو تركها، فإن جمع امتنع الرَّد؛ لأنّه رضى بالعيب، وإن ترك جمعها، فقد ضيعها، فيزداد العيب.
رجل اشترى كفناً لميت فوجد به عيباً، لا يردّه على البائع ولا يرجع بنقصان البيع، وإنّما لم يرده لقيام حق الميت، وإنّما امتنع الرّجوع بالنقصان؛ لأنّ الرّد ممكن بأن يأكل السبع الميت، فيعود الكفن إلى ملكه، فيمكنه ردّه إن لم يحدث به عيب، وإن حدث له أن يرجع بالنُّقصان.
إذا باع جاريةً وقال المشتري: برئت من كل عيب بعينها، فإذا هي عوراء، أو قال: برئت من كل عيب بيدها، فإذا هي مقطوعة اليد، لا يبرأ؛ لأنّ هذا ليس بعيب، بل هذا عدم عين ويد وإن كانت إصبع منها مقطوعة بريء؛ لأنّه عيب في اليد. وإن قال: من كل عيب بها، بريء من جميع العيوب؛ لأن الكل عيب بها.
رجل باع جبّاً في بيتٍ لا يمكنه إخراجه إلّا بقلع الباب، لزم البائع إخراجه إلى خارج البيت؛ لأن التسليم واجبٌ عليه.
رجل باع نوى في ثمر لا يجوز؛ لأنّ في نزعه ضرراً وهو اختيار الفقيه أبي الليث. ولو باع حَبَّاً في قطنٍ جاز؛ لأنّه يمكنه نزعه من غير ضرر.
رجلٌ باع من آخر غلاماً بيعاً فاسداً وتقابضا، ثمّ أبرأه البائع عن القيمة، ثمّ مات الغلام لم يبرأ عن القيمة؛ لأنّ القيمة لم تجب بعد ولو قال: أبرأتك عن الغلام، فهو بريء؛ لأنه خرج عن كونه مضموناً، فصار وديعةً في يده.
الكفَّار إذا باعوا الميتة فيما بينهم لا يجوز ولو باعوا المُنخنقة أو المضروبة إلى أن تموت جاز؛ لأنّ الأوّل ليس بمالٍ عندهم بخلاف الثاني، فأنّه مال عندهم. وكذلك المجوسي إذا باع ذبيحته من مجوسي آخر جاز وإن كانت ذبيحته ميتة عندنا.
رجل باع جارية بشرط أن يجامعها، أو لا يجامعها، فالبيع فاسد؛ لأن هذا الشرط لا يقتضيه العقد لا محالة، وفيه منفعة للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق. رجل اشترى كذا كذا قربة من الماء جاز، إن كانت القربة معيّنة للتعامل في الناس.
إذا قال البائع بعتُ، ثمَّ: قال رجعتُ، مقارناً للقبول من المشتري لا يصح البيع؛ لأنه قارن القبول ما يمنع صحّته، فلا يصح.
رجل اشترى صَدفاً ولم يسمّ اللؤلؤ جاز، واللؤلؤ للمشتري؛ لأنّ الصدف اسم للجملة. رجل اشترى لؤلؤة في بطن دجاجةٍ، وقد كان رآها قبل أن، ابتلعتها، فالبيع فاسد؛ لأنه لا يمكنه تسليم اللؤلؤة إلّا بضررٍ، بخلاف ما إذا كانت الدّجاجة ميتةً؛ لأنّه يمكنه تسليمها من غير ضرر.
رجل اشترى من رجلٍ عبداً على أن يدفعه إليه قبل أن يدفع إلى البائع الثَّمن لا يجوز لأنّه شرط تأخير الثمن إلى أجلٍ مجهولٍ.
بيع الحنطة بالحنطة وزناً متماثلاً لا يجوز؛ لأنّ الحنطة كيليّة، فلا يجوز بيعها إلّا متماثلة في الكيل، ولم يوجد.
وبيع الدقيق بالدقيق وزناً لا يجوز، وكذا استقراض الدَّقيق وزناً لا يجوز؛ لما ذكرنا. بيع الخلّ بالعصير متفاضلاً لا يجوز؛ لأنّ شبهة المجانسة ثابتة للحال باعتبار حقيقتهما في المال.
رجل اشترى عشر بيضات وقبضها، ثم وجد واحدة مذرة، فالبيع فاسد في الكل؛ لأنّه جمع بين المال وبين ما ليس بمال واشتراهما صفقةً واحدةً، ففسد في الكلّ وكذا إذا اشترى وقر بطيخ، فوجده فاسداً لا قيمة له.
رجل باع جاريةً فوجد المشتري بها عيباً، فأراد أن يردّها والبائع يعلم أنّ العيب كان بها عنده، وسع البائع أن لا يأخذها حتى يقضي القاضي عليه بالرَّدّ؛ لأنّه لو أخذها بدون قضاء القاضي لا يثبت له حق الرُّجوع على بائعها منه، فله أن يحترز عن هذا الضرر، وكذلك يُّ إذا علم بالدين على الميّت وسعه أن يمتنع عن قضاءه حتى يقضي القاضي عليه الوصي بالقضاء.
ولو باع من واحدٍ شيئاً ومضت أيام، ثمّ قال البائع للمشتري: أنت بالخيار، فله الخيار في المجلس؛ لأنّ هذا بمنزلة قوله: لك الإقالة، فتوقف على الجواب في المجلس. ولو قال: أنت بالخيار ثلاثة أيام، فهو كما سمّى وهو بالخيار؛ لأنّ البيع البات إذا لحق به شرط الخيار التحق به.
رجل اشترى سمكة على أنّها عشرة أرطال، ووزنها البائع عليه، فوجد المشتري في بطنها حجراً وزنه ثلاثة أرطال، فهو بالخيار إن شاء أخذها بجميع الثّمن، وإن شاء تركها؛ لأنّ العذر ههنا جاري مجرى الجودة، وفوت الوزن بمنزلة العيب، فإن شواها قبل أن يعلم، تقوم السمكة عشرة أرطال وتقوم سبعة، فيرجع بحصة ما بينهما من الثمن؛ لأنّ الرَّد بالعيب تعذر، فيرجع بنقصانه.
رجل اشترى جاريةً على أنّه بالخيار، فردّ غيرها على البائع، وادعى أنها هي التي اشتراها، فالقول قوله، وللبائع أن يتملّكها ويطأها؛ لأنّ المشتري لما ردّها فقد رضي بتمليك البائع بذلك الثمن، فكان للبائع أن يتملكها ويطأها وعلى هذا القياس القصار إذا ردّ ثوباً ثوباً آخر على رب الثوب وكذا الإسكاف.
ولو اشترى قصيلاً، فلم يقبضه حتى صار حبّاً، بطلا لبيع عند أبي حنيفة.
رجل اشترى أرضاً مستأجرة، إن لم يعلم بذلك وقت الشراء، فله الخيار إن شاء انتظر، وإن شاء رفع الأمر إلى القاضي وطلب التسليم فإذا عجز البائع عنه فسخ القاضي البيع، وإن علم بذلك وقت الشراء، فكذلك في ظاهر الرّواية وعليه الفتوى؛ لأنّه لمّا اشترى رجاءً أن يُجيز المستأجر، فيقدر البائع على التّسليم، فإذا لم يجزه وعجز البائع، كان له الفسخ، وذكر الأسبيجاني جواب ظاهر الرّواية على خلاف هذا، والصحيح ما بينا وكذا لو اشترى أرضاً ولها أكار. وكذا لو اشترى المرهون.
رجل اشترى عبدين، فقتل أحدهما صاحبه قبل القبض، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ العبد
الباقي بجميع الثمن، وإن شاء تركه؛ لأنّ قيمة المقتول في عنق الباقي. وإن كان مكان العبد، شاتان والمسئلة بحالها، فله أن يأخذ الباقية بالحصة إن شاء؛ لأنّه لا ضمان على البهيمة فجُعل كأن المقتولة ماتت.
إذا اشترى نافجة مسكٍ، فأخرج المسك منها، ليس له أن يردّ بخيار الرؤية ولا بخيار العيب؛ لأنّه تعيب بالإخراج ظاهراً حتى لو أنّه لم يتعيب به جاز له أن يرده بخيار الرؤية وبخيار العيب.
ولو اشترى كتاباً على أنّه بالخيار، فنسخ منه بطل خياره ولو درس منه لا يبطل خياره؛ لأنّ في الدّراسة امتحاناً لينظر إلى صحته، فصار كالاستخدام في حق العبد والأمة، وفي الكتابة استعمال فيصير راضياً به وهو اختيار الفقيه أبي الليث، وبه نأخذ، والله اعلم بالصواب.
كتاب الشفعة
الشفعة تجب بعقد البيع الأنّ الحق قد تأكد، فلا يسقط كالرّد بالعيب وتستقرّ بالطَّلب والإشهاد، وتُملك بالأخذ إذا سلّمها المشتري أو حكم بها حاكم.
وشرط الطّلب أن يشهد في مجلسه على المطالبة، ثمّ ينهض منه ويشهد على البائع إنّ كانت الدار في يده أو على المشتري، أو عند العقار، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته. ولا تبطل شفعته بالتأخير، وروي عن محمد وزفر ... : أنّه إذا ترك الدعوى شهراً بطلت شفعته. ولا تجب الشفعة إلّا في العقار كالدار والكرم والحانوت وغيرها. وإنّما تجب الشفعة فيما مُلك بعوض وهو عين، مال، وأمّا ما مُلك بغير عوض كالهبة والصَّدقة والوصيّة والإرث، أو ملك بعوض ليس بعين مال، فلا شفعة فيها. كما إذا جعل مهراً في النكاح، أو بدل الخلع، أو بدل الصُّلح عن دم العمد ولو جُعلت أجرةً في الاجارات، فلا شفعة فيها؛ لأنّ العوض ليس بعين مال.
ولو صالح على الدار من ارش الجناية التي توجب الارش لا القصاص، تجب الشفعة بالارش.
والشفعاء ثلاثة شريك وخليط وجار ملاصق فالشريك هو الشريك في عين المبيع. والخليط: هو الشريك في الحقوق كالشرب والطريق والجار الملاصق: وهو المتصل ملكه بملك جاره، فأحقهم في الشفعة: الشريك في عين المشفوع، ثم الخليط، ثم الجار، والأصل في هذا: ما روي عن النبي أنه قال: الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الشفيع. والمراد من الشريك الشريك في نفس المبيع. ومن الخليط الشريك في حقوق المبيع. والمراد من الشفيع الجار.
وإذا كان المبيع في يد البائع فخاصمه الشفيع، لا يسمع القاضي بينة الشفيع إلا بحضرة المشتري، فيفسخ العقد بمشهده ويقضي بالشفعة على البائع ويجعل العهدة عليه، فإن كان اشتراه حالاً لا يقضي بالشفعة حتى يُحضر الثّمن، أو يؤجله يومين أو ثلاثة، فإن أحضر الثَّمن وإلّا أبطل شفعته. وإن كان الثمن مؤجّلاً إما أن يعجل الثَّمن فيقضي له، وإما أن يصبر حتى يحل الأجل، فإن كان اشترى الدار، بعرض أخذها بقيمته، وإن كان بمكيل أو موزون أخذها بمثله الأنه مثلي.
وإن باع عقاراً بعقار، أخذ الشفيع كل واحد منهما بقيمة الآخر لما مر. فإن اشتراها بدراهم ودفع مكان الدراهم ثوباً، أخذها الشفيع بالدراهم.
وتجب الشفعة في المبيع سواء كان مما يُقسم أو لا يُقسم، كالرحى والحمام الصغير.
فضل
المشتري إذا أنكر طلب الشفيع الشفعة عند سماعه بالبيع، فإنّه يحلف على العلم بالله ما يعلم أنه طلب، وإن أنكر الطلب عند لقاءه يحلف على البنات؛ لأنه يحيط علماً بذلك. الشفيع إذا سلّم على المشتري لا تبطل شفعته، وهو المُختار؛ لقوله: «مَن تكلّم قبل أن يُسلّم فلا تجيبوه». وطلب الشفعة يصح بكل لفظ يُفهم به طلب الشفعة، حتى لو قال: طلبت الشفعة وأنا طالبها
أو أطلبها جاز؛ لأن الألفاظ وضعت لإعلام ما في الضمير من المعاني. الدار إذا كان لها شفيعان أحدهما غائبٌ يُقضى بالدار كلها للحاضر، فإذا حضر الغائب والدار في يد الحاضر، طلب من الحاضر دون المشتري؛ لأنه من المشتري تنزل منزلة المشتري البائع، هذ إذا طلب الحاضر جميع الدار، فأما إذا طلب نصفها على ظن أنه لا يستحق إِلَّا نصفها بطلت الشفعة وكذلك إذا كانا حاضرين، فطلب كل واحدٍ منهما الشفعة في نصف الدار، بطلت شفعته؛ لأنَّ سكوته عن طلب الشفعة في النصف الباقي تسليم للشفعة في النصف، فيبطل في النصف، وإذا بطل في النصف بطل في الكل ضرورة.
وإن كان له دعوى في دار، بيعت فطلب شفعتها بطلت دعواه؛ لأنه يصير مناقض. ولو أراد أن لا تبطل دعواه، يقول: طلبت الشفعة وإن لم يثبت لي الحق الذي أدعي فيها، أو يقول: إن لم يثبت لي فيها حق، أو يقول: إن لم تكن رقبتها مملوكة لي، فأن وصلت إليها، وإلّا أنا على شفعتي فيها؛ لأن الجملة كلام واحد لم يوجد فيه سكوت عن طلب الشفعة. الحيلة في إبطال الشفعة بعد ثبوتها مكروه بالإجماع؛ لأنه إبطال حق ثابت، وقبل ثبوتها لا بأس به وهو المختار؛ لأنه ليس فيه إبطال حقّ. وكذا الحيلة في منع الزكاة.
دار بيعت، فظنّ الشفيع أنّ المشتري، فلان، فسكت ثمَّ ظهر أنّه غيره، فله الشفعة؛ لأنّ الرّضى لم يتم ببطلان شفعته.
إذا ادعى الشفعة بالجوار على المشتري وهو لا يرى الشفعة بالجوار وأنكر، يحلف بالله ما أستحق عليك الشُّفعة على قول مَن يرى الشُّفعة بالجوار؛ لأنّه لو حلف بالله ما لهذا الرُّجل حق التمليك بالشفعة يحلف ويعني به ما يعتقده، فيبطل حق المدّعي.
رجل تزوج امرأة ولم يسمّ لها مهراً، ثمّ دفع إليها داراً، إن قال جعلتها مهرك، لا شفعة فيها، وإن قال: جعلتُها بمهرك، ففيها الشفعة؛ لأنّه جعلها بدلاً عن مهر المثل، فكانت مبيعةً. الصغيرة إذا أدركت وثبت لها خيار البلوغ والشفعة، فإن قالت: طلبتهما جميعاً، صح طلبهما
جميعاً، وإن فرّقتْ صح الأوّل منهما وبطل الثاني. الشَّفيع إذا سلّم الشفعة، ثمّ حطّ البائع شيئاً من الثَّمن، فله الشفعة؛ لأنّ الحطّ يلتحق بأصل العقد، فصار كما لو أخبر بالبيع بألفٍ، فسلّم ثم ظهر له أنّ البيع بخمسمائة، فهو على شفعته كذا هذا.
الشفيع إذا طلب الشفعة، فقال المشتري هات الدَّراهم وخذ شفعتك، فلم يحضرها ثلاثة أيام مع الإمكان، تبطل شفعته روي ذلك عن محمد وبه أخذ الفقيه أبو الليث، والمختار: أنها لا تبطل؛ لأنّ الشفعة إذا ثبتَتْ واستقرّت بطلب المواثبة والإشهاد لا تبطل ما لم يسلّم بلسانه.
إذا اشترى دارين في موضعين بأن كانت إحداهما بحلب والأخرى بدمشق صفقة واحدة، فليس للشفيع أن يأخذ إحداهما بالشفعة؛ لأن فيه تفريق الصفقة.
إذا اشترى الدَّار بثمن مؤجل إلى سنة، فلم يطلب الشفيع طلب إشهاد بطلت شفعته. وكذا إذا باع بشرط الخيار للمشتري؛ لأن حق الشفعة ثابت؛ لأنه يعتمد زوال ملك البائع وقد وجد.
الشفيع إذا بلغه بيع الدار، فقال: الحمد الله قد طلبت شفعتها، أو قال: سبحان الله، أو الله أكبر
أو عطس صاحبه، فشمته لا تبطل شفعته؛ لأن هذا كله لا يدل على التسليم.
رجل باع نصيبه من دار، فأخبر شريكه وجاره وهما في موضع واحد، فطلب الشريك ولم يطلب الجار، ثم ترك الشريك الشفعة، فأراد الجار أن يأخذها بالشفعة ليس له ذلك؛ لأنه لم يوجد منه شرط ثبوت حق الشفعة في حقه وهو الطلب عند السَّماع.
إذا أسلم داراً في حنطة، ثمّ سلّم الشفيع الشفعة، ثم افترقا قبل قبض الدار، بطل التسليم. ولا شفعة للشفيع ولو لم يفترقا، ولكن تقايلا السلم، ثمَّ افترقا، فللشفيع الشفعة؛ لأن الإقالة بيع جديد في حق الثالث، والشفيع ثالث.
إذا التمس الشفيع من القاضي بعدما ثبت له حق الشفعة أن يقضي له بالشفعة ولا يسلّم الدَّار حتى يُحضر الثَّمن، فالقاضي لا يُجيبه إلى ذلك؛ لأنّ هذا تمليك بعوض، فما لم يسلّم العوض لا يقضي له بالمعوض.
الموصى له برقبة الدار يستحق الشفعة دون الموصى له بالغلة؛ لأن السبب تحقق في حق الموصى له بالرقبة لا في حق الموصى له بالغلة.
ولا يجوز بيع أراضي مكّة ويجوز بيع الأبنية. ولا تجب الشفعة، وهو قول أبي يوسف ومحمد وعليه الفتوى.
ثلاثة بيوت في دارٍ واحدة، بعضها فوق بعض كلّ بيت لرجلٍ، فباع أحدهم بيته، إن كان طريق البيوت في الدَّار، فللآخرين الشُّفعة على السَّواء؛ لأنّهما شريكان في الطَّريق. وإن كانت أبوابهما إلى السِّكّة، إن باع صاحب الأوسط، فالشُّفعة للأعلى والأسفل؛ لأنهما جاران متلاصقان. وإن باع صاحب الأعلى فالشفعة للأوسط؛ لأنّه الجار الملاصق. وإن باع صاحب السفل، فالشُّفعة للأوسط؛ لأنه الجار الملاصق.
إذا علم الشفيع بالشفعة في نصف الليل ولم يقدر على الخروج للإشهاد، فإن أشهد حين أصبح صح؛ لأنه أخر بعذر. إذا علم بالشُّفعة وهو يصلي الأربع قبل الظهر، فأتمها لا تبطل شفعته؛ لأنّها سُنّة مؤكدة. إذا لم يشتغل بطلب الشفعة وشرع الرَّكعتين بعد الظهر والأربع بعد الجمعة لا تبطل شفعته؛ لما قلنا.
الوكيل بطلب الشفعة إذا سلّم الشُّفعة جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد، وكذلك إذا سلّم الأب أو الجدّ الشُّفعة للصغير فهو على الخلاف الذي ذكرنا. رجل اشتري داراً بالدراهم الجياد ونقد الزّيوف، فالشَّفيع يأخذها بالجياد. ومن هذا الجنس مسائل، منها: الكفيل إذا كفل بالجياد ونقد الزُّيوف، رجع على المكفول عنه بالجياد. ومنها: إذا اشترى عيناً بالجياد ونقد الزّيوف، ثم باعه مرابحةً، فرأس المال هو الجياد. ومنها: إذا حلف ليقضينّ حقه اليوم وكان حقه الجياد فقضاه زيوفاً لا يحنث؛ لأنَّ
الزُّيوف من جنس حقه ولهذا لو تجوّز بها جاز.
ومنها: إذا كان له على آخر جياد، فقبض الزُّيوف وأنفقها ولم يعلم إلّا بعد الإنفاق، لا يرجع
عليه بالجياد في قول أبي حنيفة ومحمد كما لو قبض الجياد. الشَّفيع إذا قال للمشتري: أنا شفيع، فأخذ الدار منك بالشفعة، بطلت شفعته؛ لأنّ قوله: أنا شفيع، لا يحتاج إليه، فأشبه قوله: كيف أصبحت؟ وإنّه يبطل الشفعة، فكذا هذا. رجل استأجر ثوباً ليلبسه يوماً إلى الليل بجزء من مائة جزء من الدار، ثمَّ باع المستأجر بقيّة الدار بأي ثمن شاء، لا شفعة للشَّفيع لا في الجزء؛ لأنّه إجارة، ولا في الباقي؛ لأنّ المشتري شريك، وهذا نوع حيلة للمنع من ثبوت حق الشفعة.
إذا قال الشَّفيعُ: إن لم أُحضر الثمن غداً وإلّا فأنت بريء من هذه الشفعة، فجاء الغد ولم يحضر، سقطت شفعته؛ لأنّ تعليق تسليم الشفعة بالشرط صحيح؛ لأنه إسقاط، فإن أحضر الدنانير والثَّمن دراهم هل تسقط شفعته؟ قال بعض المتأخرين لا تبطل، وبعضُهم توقف. والفتوى على أنّها لا تبطل، والله أعلم بالصواب.
كتابُ القِسْمة
نوعان: قسمة في ذوات الأمثال، كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة وقسمة في غير ذوات الأمثال، كالثياب والأغنام والعدديات المتفاوتة.
وإذا كان شيء من هذا بين رجلين فأراد قسمته، قسم بينهما إن لم يكن في ذلك ضرر عليهما؛ لأنّ القسمة حصلت من أهلها في محلّها، أمّا من أهلها، فلأنّ أهل القسمة من هو أهل للبيع، وأمّا في محلّها؛ لأنّ محلّ القسمة مشاع لا يتبدّل منفعته بالقسمة وقد وجد الذي تتبدّل منفعته بالقسمة، كالبيت الصَّغير والحمّام والجدار ونحوه. ولو أقرع الحاكم بينهما، لم يكن به بأس، وليست القرعة بواجبة؛ لأنّ القاضي إذا عدل بين النَّصيبين، فله أن يخصّ أحدهما بأي النَّصيبين شاء وكلّ حكم يجوز للقاضي إمضاؤه من غير قرعة، جاز استعمال القرعة فيه نفياً للتهمة.
فصْل
دار بين قوم بعضهم غياب، فطلب الحضور للقسمة، فإن كانت الدار ميراثاً، فللقاضي أن يقسمها. وإن كانت مشتراة لا يقسم؛ لأنّ في باب الإرث بعض الورثة ينتصب خصماً عن الباقي وفي باب الشراء لا ينتصب.
والشركة إذا كان أصلها إرثاً، فجرى فيها الشراء بأن باع واحد منهم نصيبه أو كان أصلها شراءً، فجرى فيها الإرث بأن مات واحد منهم، ففي الوجه الأوّل: يقسم القاضي إذا حضر البعض، وفي الوجه الثاني: لا يقسم؛ لأنّ المشتري في الوجه الأوّل قام مقام البائع في الشركة وكان أصلها إرثاً، وفي الوجه الثَّاني قام الوارث مقام المورّث في الشَّركة الأولى، وكان أصلها شراء، فينظر في الباب إلى الأوّل.
أرض بين رجلين طلب أحدهما القسمة، وأحضر شريكه مجلس الحكم وأبا شريكه وقال: قد بعث نصيبي، وأقام البيّنة على البيع، لا تُقبل البيّنة لدفع القسمة؛ لأنّه يريد إبطال القسمة بأثبات فعل نفسه بالبيّنة وهو البيع، فلا يقدر على ذلك.
الطَّريق إذا كانت واسعةً، فبنى فيها أهل المحلة مسجداً للعامة وهو لا يضرُّ بالطريق فلا بأس به؛ لأنّ الطَّريق للمسلمين والمسجد لهم فإن أراد أهل المحلة أن يُدخلوا في دورهم من الطَّريق شيئاً. وهو لا يضر بالمسلمين نصّ في العيون أنّه ليس لهم ذلك؛ لأنّ الطريق للمسلمين وهذا لهم خاصة. .
دار بين اثنين لأحدهما القليل وللآخر الكثير وصاحب القليل لا ينتفع بنصيبه بعد
M
القسمة، فطلب صاحب الكثير القسمة وأبي صاحب القليل، قسمت بالاتفاق. وإن كان على العكس، قال أبو الحسن الكرخي في مختصره: لا تُقسم، وإليه ذهب الأسبيجابي والفقيه أبو الليث وأبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي وجعلوا هذا قول أصحابنا، وذكر الحاكم الشهيد في مختصره: أنّها تُقسّم وإليه ذهب الشيخ الإمام المعروف بخواهر زاده وعليه الفتوى؛ لأن الطالب رضي بالقسمة، وهذه القسمة لا تتضمن الضرر إلا على الأبي.
دار بين قوم اقتسموها ووقع في نصيب أحدهم بيت فيه حمامات، إن لم يذكروا الحمامات في القسمة، فهي بينهم كما كانت، وإن ذكروها إن كانت لا تؤخذ إِلَّا فالقسمة بصيد فاسدة؛ لأنها في معنى البيع وبيع الحمامات التي لا يمكن أخذها إلا بصيد فاسد، فكذا القسمة. وإن كانت تؤخذ بغير صيد جازت القسمة؛ لأنّ بيع الحمامات التي يمكن أخذها بغير صيد جائز، هذا كله إذا اقتسموا بالليل وإن اقتسموا بالنهار بعدما خرجن من البيت لم تجز؛ لأنها في الليل تجتمع، فيمكن أخذها بخلاف النهار إذا خرجن.
کرم بين رجلين اقتسماه، فوقع الأعلى لأحدهما والأسفل للآخر وحصل الطريق القديم لصاحب الأعلى وتركا طريقاً لصاحب الأسفل، وفي الطَّريق الذي تركاه لصاحب الأسفل أشجار، إن جعلا له ذلك الطريق ملكاً، فالأشجار له؛ لأنها بمنزلة البيع والشجر يدخل في بيع الأرض من غير ذكر. وإن جعلا له في حق المرور، فالأشجار بينهما كما كانت.
أرض بين رجلين بنى أحدهما فيها وأمره الآخر برفع بناءه عنها، تُقسم بينهما، فما وقع من البناء في نصيب الذي لم يبن أمر برفعه، أو يرضيه بأداء القيمة؛ لأنه لو رفع بطل حق الثاني في الكل، ولو قسم لا يبطل في قدر الذي بنى في ملكه.
دار بين اثنين انهدمت فأراد أحدهما البناء وأبى الآخر، قسمت الدار بينهما.
ولو أن رحى بين اثنين طلب أحدهما البناء وأبى الآخر، فللطالب أن يبني ثم يؤجرها، فيأخذ نفقته من أجرتها؛ لأنَّ الدَّار تحتمل القسمة والرحى لا تحتمل القسمة.
شريكان اقتسما كرماً بينهما نصفين وفيه أعناب وثمار، إن: قالا على أنّ هذا النصف لفلان
بكلّ قليل وكثيرٍ، أو بما فيه من الأعناب أو الثمار وهذا النّصف لفلان بكل قليل وكثير أو بما فيه من الأعناب والثَّمار تصير الأعناب والثَّمار مقسومةً، وإن لم يقولا ذلك تبقى مشتركة؛ لأنّ قسمة العقار بيع، وفي البيع لا يدخل الثَّمار.
كتاب الإجارات
التمليك نوعان تمليك عين، وتمليك منفعة، وكل نوع على قسمين ببذل وبغير بَدَل، فالقسم الأول من النوع الأول يسمّى بيعاً، والقسم الثاني من النوع الأول يسمّى: هبة، وصدقة، ووصيّة. والقسم الأول من النوع الثاني يسمّى إجارة والقسم الثاني من النوع الثاني يسمّى: عارية. والإجارة تُضاف إلى العين وتعمل في المنفعة والعين التي تضاف إليها الإجارة آدمي وغير الآدمي. إذا ثبت هذا، فنقول: الأجير على ضربين أجير مشترك وأجير خاص، فأما الأجير المشترك فلا ضمان عليه، فما هلك عنده فهو أمين في قول أبي حنيفة، إلا ما جنت يده. وقال أبو يوسف ومحمد: هو ضمين، إلا إذا كان ذلك من سرق غالب، أو حرق غالب أو غارة غالبة فحينئذ لا ضمان عليه، وقال زفر والشافعي: لا ضمان عليه، وإن جَنَّت يدَه. والأجير الخاص أمين في قولهم جميعاً. أبو حنيفة يقول: بأن هذا قبض أمانة، بدليل أنه إذا هلك بما لا يمكن التحرّز عنه لا يضمن، ولو كان قبض ضمان لضمنَ كما في الغصب. ومذهب أبي يوسف ومحمد مذهب عمر وعلي رضي الله عنهما، والآثار محمولة على ما تولّد من عملهم.
والمستأجَرُ في يد المستأجر بإجارة صحيحة أو فاسدة أمانةٌ؛ لأنّه قبضه عن إذنِ صحيح لا على جهة التمليك، فكان كالمودع.
والأجرة في الإجارة الصحيحة تجب بتسليم المُستأجر إليه إذا مضت المدّة، وإن لم ينتفع به وفي الإجارة الفاسدة لا يجب التسليم إلا أن ينتفع به؛ لأنّ في الإجارة الصحيحة قام تسليم الدار مقام تسليم المنفعة في زمان يتصوّر تسليم المنفعة نظراً للأجر، وفي الإجارة الفاسدة ما قام مقامه؛ لأن الأجر غير مستحق للنَّظر، فلم يوجد تسليم المنفعة لا حقيقةً ولا حكماً، فلا تجب الأجرة.
فَصل
وشرط جواز الإجارة: أجل معلوم، وعمل معلوم، وبدَل معلوم وما جاز أن يكون ثمناً في البيع جاز أن يكون أجرةً في عقد الإجارة.
والمنافع تصير معلومة، أمّا بالمدّة كاستئجار الدور للسكنى والأراضي للزراعة مدةً معلومةً، أو بالتسمية كمن استأجر ثوباً على أن يصبغه، أو ثوباً ليخيطه، أو دابَّةً ليحمل عليها مقداراً معلوماً، أو يركبها مسافةً معلومةً وتصير معلومةً بالتّعيين والإشارة كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطعام.
فأما استئجار الدور والحوانيت للسكنى جائز وإن لم يبيّن ما يعمل فيها، وله أن يعمل فيها كلّ شيءٍ إلّا الثلاث عمل الحدّاد، والطَّحان والقصار.
فاما استئجار الأرض للزراعة: لا يجوز ما لم يُسمّ ما يزرع فيها، أو يقول: ازرع فيها ما تشاء.
وأما استئجار الدواب للركوب والجمل: فإن أطلق الركوب جاز أن يُركِبَها مَن شاء، وكذا إذا استأجر ثوباً للبس وأطلق فإن قال على أن يركبها فلان، أو على أن يلبسه فلان، فإن ألبسه غيره أو أركبه غيره وعطبت الدابة يضمن.
فصل
ومن استأجر داراً فللأجر أن يطالبه بأجرته كل يوم إلا أن يبين وقت الاستحقاق بالعقد.
وإن استأجر بعيراً إلى مكة، فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة. ولا يجوز الاستئجار على الطاعات، كالحج و العمرة والإمامة والأذان
ولا يجوز الاستئجار للغناء والنوح. و إجارة المشاع: لا يجوز.
واستئجار دار بسكنى دار: لا يجوز. وكذا استئجار عبدٍ بخدمة عبد آخر: لا يجوز، واستئجار المراعي والأجام: لا يجوز.
واستئجار الأشجار لبسط التّياب: لا يجوز.
فضل
رجل استأجر حماراً لينقل عليه التّراب من الخربة، فأخذ فى النقل فانهدمت الخربة فهلك الحمار ونجى المستأجر، إن انهدمت بعلاجه ضمن؛ لأنّ تلفه حصل بصنعه، وإن انهدمت من غير علاجه، بأن انهدمت بنفسها لم يضمن؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: القليب جبار.
رجل استأجر من رجلٍ حانوتاً، كلّ شهر بثلاثة دراهم، فلما مضى شهر قال له ربُّ الحانوت: إن رضيت كلّ شهر بخمسة وإلّا ففرّغ الحانوت، فلم يُفرّغ وسكن، يلزمه كلّ شهرٍ خمسة؛ لأن سكوته رضى منه بذلك.
رجل ساوم رجلاً ثوباً، فقال البائع بعشرة، وقال المشتري بتسعة، فإن سلّمه البائع للمشتري، فالبيع بتسعة ويكون تسليمه رضىً منه. وإن كان الثوب في يد المشتري، فذهب به ولم يقل له شيئاً، فالبيع بعشرة. ولو قال المشتري: لا أرضى بعشرة وقبضه، فلا بيع بينهما؛ لأنّ البيع لا يتمّ إلّا بالقبول ولم يوجد.
رجل استأجر قباناً ليزن به وفي عموده عيب لم يعلم به فوزن به فانكسر، إن كان مثل ذلك الحمل يوزن بمثل ذلك القبّان مع ذلك العيب لم يضمن؛ لأنّه لم يتسبب الى تلفه، وإن كان لا يوزن ضمن؛ لأنّه يتسبب إلى تلفه.
رجل استأجر ثوباً ليلبسه كلّ يوم بدانق، فوضعه في بيته سنين ولم يلبسه، يجب عليه لكلّ يوم دائق إلى الوقت الذي لو لبسه إلى ذلك الوقت لتخرّق.
رجل استأجر دابةً فلمّا حضر وقت الصلاة أوثقها وشرع يصلّي فذهبت الدابة، فإن كان يراها ولم يقطع صلاته ضمن؛ لأنّ الحفظ لازم عليه وقد تركه مع القدرة فيضمن. خلال استأجر حانوتاً ووضع فيه جباب الأجل الخل، فلمّا انقضت مدة إجارته، فإن كان بلغ الخلُّ أُمر بتفريغ الجباب، وإن كان لم يبلغ فإن كان لا يضر بالخل النقل
والتحويل، يؤمر بتفريغه؛ لأنه لا ضرر عليه فيه، وإن كان يضر الخل النقل والتحويل قيل له: فرغ وإلا فاستأجر ثانياً؛ لأن فيه نظراً من الجانبين.
رجل أجر من رجل حانوتاً وسلّمه إليه، ثم إن الآجر استأجر الحانوت من المستاجر، إن سلمه إليه بطلت الإجارة الأولى؛ لأنه لو قبضه بغير إجارة سقط الأجرة عن المستأجر، فكذا إذا قبضه بإجارة. فأما إذا لم يقبض الحانوت لا تبطل الإجارة الأولى بنفس الاستئجار.
رجل آجر نفسه من مجوسي ليوقد له ناراً فلا بأس به ولو آجر نفسه منه ليحمل له الخمر يكره؛ لأن التصرف في النار مباح، فأما التصرف في الخمر لا يجوز.
مسلمة أرضعت ولداً كافراً، باجر لا بأس به؛ لما روي أن علياً كرم الله وجهه آجر نفسه من كافر على أن يستقي له الماء من البئر، كل دلو بتمرة. غصب من رجل داراً، ثم أجرها، ثم اشتراها من صاحبها فالإجارة صحيحة لوجود شرطها، وإن جدّد الإجارة كان أفضل.
رجل ساكن في قرية فاستأجر أرضاً فيها مزارعة، ثم بدا له أن ينزل ويتحول إلى قرية أخرى، إن كان بين القريتين مسيرة سفر له أن يفسخها؛ لأن السفر من جملة الأعذار.
رجل اكترى من رجل إبلاً إلى الكوفة، ثم بدا له أن يكتري بغلاً، فهذا ليس بعذر، ولو اشترى بعيراً فهو عذر.
رجل استأجر حمالاً ليحمل له زق من السمن، فرفعه صاحب السمن والحمال جميعاً ليضعاه على رأس الحمّال فوقع فانشق الزق وذهب ما فيه، لا ضمان على الحمال؛ لأنه بعد في يد صاحبه، بخلاف ما لو بلغ الحمال منزل صاحب الزّق فأخذه مع الحمال ليحطّاه عن رأسه فوقع فانشق حيث يضمن الحمال؛ لأنه في يد الحمال بعد؛ لأنه لم يسلم الى صاحبه والقياس أن يضمن النصف؛ لأن التلف حصل بفعلهما. قال الفقيه أبو الليث و به نأخذ.
رجل استأجر دابة ليحمل عليها وقر حنطة إلى موضع كذا، فلما بلغ ذلك الموضع ركبها في رجوعه فماتت من ركوبه، لا يجب عليه الضمان؛ لأن ركوب الدابة متعارف بين الناس فصار إذناً له دلالة، حتى لو حمل عليها شيئاً فمرضت من ذلك وماتت يضمن؛ لأنه لم يوجد منه الإذن عرفاً.
رجل دفع إلى خياط ثوباً فخاطه ولم يجر بينهما مشارطة، ودفع إليه صاحب الثوب أكثر من
أجر مثله طاب له؛ لأنه عادة الكرام.
المتولى إذا أجر دار الوقف مدّةً طويلةً، إن كان فى شرط الواقف أن لا تؤجر أكثر من
سنة لم تجز الإجارة أكثر من ذلك، وإن لم يكن في شرطه ذلك جازت الإجارة إلى ثلاث سنين، وإن كان أكثر لم تجز؛ لأنّها إذا بقيت في يده مدّةً مديدة فعسى يدّعي كونها مملوكة له فيؤدّي ذلك إلى إبطال الوقف ... . قدر نحاس أراد أن يؤجرها وتكون مضمونة عليه، فالحيلة في ذلك أن يبيع نصف القدر منه بثمن كلّها ويؤجر نصفها بذلك الأجر؛ لأنّ هذا إجارة مشاع من شريكه وإنّه يجوز إذا أجر عبده ثم أعتقه، فما وجب من الأجر قبل العتق فهو للمالك، وما يجب بعد العتق فهو للمعتق.
إذا لم يكن للغلام أب، ليس للذي هو في يده أن يعلمه الحياكة؛ لأنّ التّصرّف في اليتيم إنّما يجوز إذا كان فيه نظر له، وفي تعليم الحياكة ضررٌ؛ لأنّه يعير بهما. وللأم أن تؤجر الصّبيّ؛ لأنّ للأم على اليتيم ولاية في الجملة إذا كان فيه نظر، وفي إجارته نظر.
رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره، فجاء بالتّوب مقصوراً، فقال ربّ التّوب: ليس هذا ثوبي، فالقول قول القصار. أمّا على قول من يرى وجوب الضمان على القصّار؛ لأنه محتاج إلى الخروج عن العهدة ولا يمكنه الخروج إلّا بالدّفع فكان مضطراً وعلى قول من لا يرى الضمان عليه فهو أمين والقول قول الأمين مع اليمين ولا أجر له؛ لأنّه يدّعي وصاحب الثوب ينكر.
إذا ادعى القصار ردّ التّوب على صاحبه لا يُصدّق إلا ببيّنةٍ. وكذلك الرّاعي إذا ادعى ردّ الشاة على صاحبها؛ لأنّه يدّعي الخروج عن الضمان فلا يُصدّق إلّا بحجّة، وروي عن أبي يوسف في القصار: أنه يصدّق بغير بيّنةٍ؛ لأنّه ليس بضمين من كل وجه، وقياس قوله في الأجير المشترك: أن لا يصدّق ... .
رجلٌ دفع إلى قصارٍ ثوباً ليقصره ولم يشترط معه الأجرة ثم اختلفا، فقال ربّ التّوب: قصرته بغير أجر، وقال القصار: بل قصرتُه بأجر، فعند أبي حنيفة: القول قول صاحب التّوب مع يمينه. وقال أبو يوسف: إن كان حريفه ربِّ التّوب يجب الأجر وإلّا فلا. وقال محمد: يجب الأجر سواء كان حريفه أو لم يكن؛ لأنّه لمّا كان معروفاً بذلك فسكوته لا يكون دليلاً على أنّه لا يعمل بغير أجر.
إذا استأجر ظئراً على أن ترضع له صبيّاً مدّةً، فلما انقضت المدّة أبت المرأة أن ترضع الصبي وهو لا يقبل ثدي غيرها، تُجبر الظئرُ على إرضاعه؛ لأنّه لا ضرر عليها وللصبيّ منفعة.
رجل استأجر رجلين ليحملا له خشبة إلى منزله فحملها أحدهما ينظر: إن كانا شريكين يجب كمال الأجر؛ لأنّ العادة جرت أنّ الشريكين يتقبلان العمل ويعمله أحدهما. وإن لم يكونا شريكين يجب نصف الأجرة؛ لأنّه شرط الأجرة في مقابلة عملهما ولم يوجد.
رجل قال لآخر: آجرتك داري هذه غداً بدرهم ثم باعها قبل مجيء الغد، جاز وتنتقض الإجارة، فلو أنّ المشتري ردّها عليه بعيب بقضاء قاضي عادت الإجارة. ردُّ المستأجر إنّما يجب في الموضع الذي اكترى منه حتى لو ساق الدابة إلى بلدة أخرى وتلفت في الطريق ضمن.
رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره بأجرٍ معلوم، فجحد القصار الثوب ثمّ جاء به مقصوراً، إن أقرّ بعد بذلك أنّه قصره قبل الجحود فله الأجر؛ لأنّه قصره لصاحبه، وإن قصره بعد الجحود فلا أجر له؛ لأنّه عمل لنفسه؛ لأنه صار غاصباً بالجحود.
ولو كان صباغاً والمسألة بحالها: إن صبغه قبل الجحود فالأجر لازم، وإن صبغه بعده يُخيّر ربّ التّوب، إن شاء أخذ التّوب وضمن ما زاد الصّبعُ فيه، وإن شاء تركه وضمنه قيمة ثوبٍ أبيض. ولو دفع غزلاً إلى نساج والمسألة بحالها، إن نسجه قبل الجحود فله الأجر، وإن نسجه بعده فالتّوب للنساج وعليه قيمة غزله كما إذا كانت حنطة فطحنها.
رجل استأجر من رجلٍ دابّة فقال: إن ركبتها إلى موضع كذا فبدرهم، وإن ركبتها إلى موضع كذا فبدرهمين، وإن ركبتها إلى موضع كذا فبثلاثة دراهم جاز استحساناً، ولا يجوز أكثر من ذلك؛ لأنّ للثَّلاث نظير في أصول الشرع، وهو خيار ثلاثة أيام والخيار بين الأثواب الثلاثة.
رجل استأجر أرضاً لينصب فيها شبكةً للصيد جاز؛ لأنه استأجر لعمل معلوم وللناس فيه تعامل.
ولو استاجر طريقاً يمرّ فيها بنفسه أو يمرّ النّاس فيها، وبين المدة والأجرة جاز، لما مر.
رجل استأجر رجلاً ليخيط له ثوباً بدرهم فخاطه، ثم فتقه إنسان لا يُجبر على العمل ولا يجب الأجر. أما عدم الجبر؛ لأنه فرغ عمّا التزم من العمل، وإنما لا يجب الأجر؛ لأنه ما سلّم العمل، بخلاف ما إذا فتقه بنفسه حيث يُجبر؛ لأنه صار كأن لم يكن، ولو لم يخطه أصلاً أجبر عليه، كذلك هاهنا وعلى هذا الإسكاف والملاح.
رجل استأجر بعيراً إلى مكة، فهذا على الذهاب دون الإياب. ولو استعار دابةً إلى مكة فهذا على الذهاب والإياب جميعاً؛ لأنّ في الإجارة مؤنة الرّدّ الأجر، وفي العارية على المستعير، وقد قيل: أنّ الرّد في الإجارة على المستأجر عادة والناس قد تعاملوا به. رجل آجر داره شهراً على أنه بالخيار فسكن فيها المستأجر قبل أن يجيزها، فلا أجر عليه فيما سكن؛ لأنه سكنها بغير عقد نافذ، ويلزمه أجر ما سكن بعد الإجازة.
وإذا زرع المستأجر الأرض المستاجرة وأصاب الزرع آفةٌ وجب الأجر. ولو غرقت الأرض قبل الزرع فلا أجر له؛ لأنه لم يتمكّن من الانتفاع وكذا إذا منعه عارض عن الزراعة لا يجب الأجر لعدم التمكّن من الانتفاع. ولو تمكّن من الانتفاع ولم يحل بينه وبين الانتفاع أحد ولم يزرع حتى مضت المدّة وجب الأجر بكماله للتمكن من الانتفاع.
وإذا دفع إلى خياط ثوباً ليخيطه ففصله ومات لم يجب الأجر؛ لأن الأجر في العادة يقابل الخياطة إلا بالتفصيل. وقال بعض العلماء: يجب له أجرة التفصيل.
إذا استأجر رجلاً ليحمل له متاعه إلى موضع كذا وبيّن له الطريق فسلك طريقاً آخر، لم يضمن إذا استوى الطريقان في السلوك. وإن حمله في البحر ضمن؛ لأن السلامة فيه نادرة، وإن بلغ فله الأجر وكذلك البضاعة، إلا إن أذن له صاحبها أن يركب في البحر، ولو كان طريقان أحدهما أقرب فحمله في الأبعد ضمن؛ لأن بينهما تفاوتاً.
بيع المستأجر والمرهون موقوف والمشتري بالخيار إن شاء انتظر حتى تمضي المدة وإن شاء فسخ، وعليه الفتوى، وكذلك إذا أجر داره إجارة مضافةً إلى وقت في المستقبل ثم باعها من آخر فالبيع موقوف على إجارة المستأجر فإذا جاء ذلك الوقت فله أن يسكن الدار؛ لأن العقد كان منعقداً، وإن لم يكن تسليم الدار عليه واجباً قبل ذلك الوقت.
إذا استأجر بيتاً مياومة، فإذا انفجر الصبح لزمه الأجر، ولو استاجر أجيراً مياومة فمن طلوع الشمس، على هذا جرت العادة.
إذا اختلف الأجر والمستأجر فقال المستأجر: استأجرت منك الأرض وهي فارغة، وقال الآجر: لا بل مشغولة بزرعي يحكم الحال كما في مسألة الطاحونة إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه
رجل دفع إلى رجل غزلاً لينسجه فدفعه النتاج إلى غيره لينسجه، إن كان المدفوع إليه أجيراً له لا يضمن وإن كان أجنبياً يضمن؛ لأنه دفعه إليه بغير إذن صاحبه فصار غاصباً بخلاف ما إذا كان أجيره. وعن محمد بن الحسن في رجل دفع إلى خياط ثوباً ليخيطه ولم يشرط له الأجر، إن كان الخياط أوّل ما جلس للخياطة لا يستحق، وإن كان قد خاط قبل ذلك فله الأجر وإن لم يشرط له الأجر. وعن بعض المتأخرين من أصحابنا: إن كان كلّ عملٍ لا يعمل إلا بأجرٍ فإنّه يستحق الأجر شرط الأجر أو لم يشرط، وكل عمل قد يعمل بأجرٍ وقد يعمل بغير أجرٍ إن شرط الأجر يستحق وإلا فلا. متولي الوقف أو وصيّ اليتيم إذا أجر ا بدون أجر المثل يلزم أجر المثل؛ لأنهما لا يملكان الحطّ والإسقاط.
نصراني استأجر مسلماً للخدمة لم يجز؛ لأنّ في ذلك إذلالاً بالمسلم وإنّه حرام بخلاف ما لو استأجره لعمل غير الخدمة حيث يجوز؛ لأنه لا إذلال فيه.
رجل استأجر حانوتاً ليعمل فيه، ثم أراد أن يترك صنعته ويعمل صنعة أخرى، إن كان يمكنه أن يعمل الصنعة الأخرى في ذلك الحانوت ليس له أن يفسخ الإجارة لعدم العذر، وإن كان لا يمكنه اله ذلك؛ لأنّه عذر.
رجلٌ دفع إلى رجلٍ حائك غزلاً لينسجه بالثلث أو بالربع فالإجارة جائزة كالمزارعة والمضاربة.
إذا استأجر رجلاً ليصيد له أو ليحتطب، إن كان وقت وقتاً بأن قال: اليوم، أو الشهر فالإجارة جائزة ويجب ما سمّى؛ لأنّه أجير وحد وإن لم يوقت، ولكنّه عين الصيد والحطب فالإجارة فاسدة لجهالة الوقت ويجب أجر المثل وما حصل يكون للمستأجر.
إذا شرط على المستأجر ردّ المستأجر عليه إن كان له حمل ومؤنة فسدت الإجارة ويجب أجر المثل؛ لأن مؤنة الرّد فيما له حمل ومؤنة على الأجر فقد شرط شرطاً لا يقتضيه العقد فيفسد. وإن لم يكن له حمل ومؤنة لم تفسد الإجارة فيصير ذكر الشرط لغواً ضائعاً فيجب المُسمّى.
رجل استاجر داراً إجارة فاسدة ثم أجرها المستأجر لغيره إجارة صحيحة فللمالك أن ينقض الإجارة الثانية بخلاف ما إذا باع بيعاً فاسداً ثم باعه المشتري بيعاً صحيحاً حيث لا يملك البائع نقض البيع الثاني؛ لأن الإجارة تفسخ بالعذر بخلاف البيع.
إذا استأجر حمّاما سنة بأجرٍ معلوم على أن يحطّ مقدار شهرين لعطلته فالإجارة فاسدة، ولو قال: على أن مقدار العطلة لا أجرة عليك فيه، جازت الإجارة كما إذا اشترى سمناً على أن يحط عنه وزن الزّق جاز.
إذا استأجر انساناً لينحت له أصناماً، أو لينقش له على الأبواب تماثيل بالصبغ فلا شيء له؛ لأنه استئجار على المعصية، فأشبه استئجار النائحة على النياحة.
إذا استأجر زوجته لترضع ولده منها لم يجز؛ لأنه مستحق عليها كخدمة البيت مثل: الكنس والخبز والغزل، وإن كان الولد من غيرها جازت الإجارة. وذكر الخصاف: أَنَّه إنَّما تجوز
إذا استأجرها من مال الصبي؛ لأنّ نفعه يعود إلى الصبي، وهو أجنبي عنها. ولو استأجرها وهي معتدة، إن كان الطلاق رجعيّاً لا يجوز، وإن كان من طلاق بائن جاز، وذكر في المجرّد عن أبي حنيفة: أنّه لا يجوز وإذا استأجرها بعد انقضاء العدّة جازت الإجارة؛ لأنّ نفقة الصّبي على الأب دون الأم. إذا استأجر مرعى لترعى فيه غنمه لا يجوز؛ لأن هذا استئجار لاستيفاء العين لا لاستيفاء المنفعة فلا يجوز، بخلاف ما إذا استأجر ظئراً حيث يجوز؛ لأنّ القياس فيهما سواء، إلّا أنّ في الظئر جوزنا لحاجة النّاس إليه.
إذا استأجر داراً مائتي سنة فالإجارة فاسدة؛ لأنّا نعلم أنّه لا يعيش إلى تلك المدّة فهذه إجارة وقعت بعضها في حالة الحياة وبعضها بعد الموت والله أعلم بالصواب.
كتاب السير
شرط إباحة القتال الذي هو جهاد على الخصوص ثلاثة أشياء: الإمتناع من الإجابة إلى ما دعى إليه من الدين الحقِّ، وأن لا يكون بيننا وبينهم أمان وعهد، وأن نرجو القوة فيه لأهل الاسلام، أما باجتهاد الإمام أو باجتهاد من يُعتمد عليه في رأيه.
وإن غزا قوم أرض حرب، فإن كانت الدعوة إلى الإسلام قد بلغتهم، فدعوهم فهو أحسن، وإن لم يدعوهم فلا بأس به.
أما الأول، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه إلى خيبر وقال: «أُدعُهم إلى الإسلام». وأهل خيبر كانوا قد بلغتهم الدعوة.
وأما الثاني، فلقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، من غير فصل ويُغيرون عليهم ليلاً ونهاراً بغير دعوة ويُحرقون ويُغرقون؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم «أغار على بني المصطلق وهم غارون» غافلون.
وإن كانت الدعوة لم تبلغهم، دعوهم أولاً ثم يقاتلونهم؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثُ رَسُولًا}. ومن مشايخنا من قال هذا في ابتداء الإسلام، حيث لم ينتشر الإسلام، أما الآن فقد انتشر، فحل قتالهم وإن لم تبلغهم الدعوة. ولا يقسم الإمام غنيمة في أرض الحرب حتى يخرج بها إلى دار الإسلام؛ لأنّ سبب الملك هو الاستيلاء، وأنه لا يتم إلا بعد الإخراج إلى دار الإسلام.
والنهي عن القتال في الشهر الحرام منسوخ، وهو قول مجاهد. وقال الكلبي: لم يُنسخ، ولا يؤخذ بقول الكلبي، فإنه منسوخ بقوله تعالى: {وَقَيلُوا الْمُشْرِكِينَ كَأَفَةٌ كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَة}.
ويُباح الطعام والعلف بشرط الحاجة إليه؛ لأنّه مال متقوم بين جماعة، فلا يُباح التناول منه إلا بالحاجة كما في السّلاح والثياب.
وإذا أخذ السّلاح من الغنيمة استعمله، ثمَّ ردَّه في الغنيمة؛ لأنّ الإختصاص كان بسبب الحاجة وقد زالت فيرد ولا يضمن الطَّعام والعلف؛ لأنَّ إباحته غير متعلقة بشرط الضمان.
ولا يُقسم السَّبي إلا في دار الإسلام إنْ أطاقوا المشي، وإن لم يطيقوا فإن كان معه فضلة حمولة حملهم عليها؛ لأنَّ الحمولة حق الغانمين والسَّبي كذلك، فإن لم يكن مع الإمام حمولة، فإن كان مع أحدهم فضل حمولة حملهم عيها بطيبة نفسه، وإن لم يطب لا يحمل على رواية السير الصغير، وعلى رواية السير الكبير: تُحمل. وجه رواية السير الصغير: هذا جبرٌ على الإجارة ابتداءً لصيانة المال، فلا يجوز كما في دار الإسلام ووجه رواية السير الكبير؛ لأنّه دفع الضرر العام يتحمّل بالضرر الخاص.
وإذا قلنا لا يجب على ذلك قتل الرجال؛ لأنَّ قتلهم مباح بعد الأسر وإن أمكن الإخراج فعند عدم الإمكان أولى، ويُترك النِّساء والصبيان في أرض عامرة حتى لا يعودون حرباً علينا.
وإن كان في الغنيمة دواب وغنم وبقر وإبل، فصارت بحال لا تمشي، وكذلك دواب العسكر ذكاها كلّها وأحرقها بالنّار. وأمّا السّلاح إن لم يطيقوا حمله حرقوه بالنار، وكذلك الأمتعة؛ لأنّهم مأمورون بقطع قوة المشركين وإثبات قوة المسلمين وقد قدروا على أحدهما وعجزوا عن الآخر، فيأتوا بما قدروا عليه.
وهذا إذا كان السلاح يحترق بالنَّار، فإن كان سلاح لا يحترق بالنار بأن كان من الحديد فإنّه يُدفن، هكذا ذكر في السير الكبير.
وإذا افتتح الإمام مدينة، فإن شاء خمسها وقسّم مابقي بين الجند، وإن شاء ترك أهلها فيها يؤدون الخراج؛ لأنَّ الأول فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بخيبر، والثاني فعله عمر رضي الله عنه بأرض السواد".
وللفارس من الغنيمة سهمان وللراجل سهم واحد في قول أبي حنيفة". وفي قول صاحبيه. للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه وسهم. له واحتجوا بما روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم «قسم الغنائم فأعطى للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما. وأبو حنيفة احتج بما روى المقداد: أن النبي أسهم له يوم بدر، سهمين سهماً له وسهماً لفرسه، فالآثار اختلف في استحقاق الزيادة بسبب الفرس، والقياس يقتضي أن لا يستحق بالبهيمة شيء ففي. حق الزيادة يبقى على أصل القياس، وكذلك إذا كانوا في سفينة وقد حملوا خيلهم في السفينة يستحقون سهم الفرسان؛ لأنهم لو كانوا في البر فقاتلوا رجالة استحقوا سهم الفرسان فكذا هذا.
والمعتبر في استحقاق السهم مجاوزة الدَّرب، فإن جاوز الدَّرب فارساً لقصد القتال استحق سهم الفرسان وإن مات فرسه وإن جاوز راجلاً استحق سهم الرجالة وإن قاتل فارساً؛ لأنّ حقيقة القتال لا يمكن الوقوف عليها، فيُقام السببُ الظاهرُ الدال عليها مقامها، ومجاوزة الدرب فارساً سبب ظاهر، فيُقام مقامها.
ومن مات من أهل العسكر في دار الحرب، فلا يستحقُ شيئاً من الغنيمة. وإن مات بعد ما خرجوا إلى دار الإسلام، فإنّه يستحق الأنَّ الإرث يجري في المُلك ولا مُلك قبل الإحراز وإنّما الملك بعده. وقال الشافعي: مَنْ مات بعد استقرار الهزيمة يورث نصيبه لقيام الملك فيه عنده وقد بيناه.
ويُرضخ للعبد إن قاتل مع مولاه؛ لأنَّ السبب قد وجد وهو القتال؛ لكنه تبع للمولى، فلا يجوز التّسوية بين الأصل والتَّبع. وإنْ كان يخدم مولاه ولم يُقاتل لم يُرضخ له.
والمرأة إذا كانت تداوي الجرحى والمرضى وتسقيهم وتحفظ متاعهم، فإنَّه يُرضخ لها، وذلك لأن حقيقة القتال منها لا يتحقق عادةً فأقيمت الإعانة منها مقام الحقيقة، ومن العبد يتصوّر فلا تقام الإعانة في حقه مقام حقيقة القتال.
والذمي إذا قاتل يُرضخ له؛ لأنَّه تبع للمسلمين ولهذا لو أرادوا أن ينصبوا لهم رايةً لأنفسهم لا يُمكنون من ذلك فصار كالعبد مع المولى.
وأما أهل سوق العسكر: لا يُرضخ لهم إلا أن يقاتلوا فيُضرب لهم بسهامهم؛ لأنَّ مجاوزتهم الدَّرب كان لقصد التّجارة ظاهراً مع احتمال أنها كانت للقتال، فإذا قاتلوا دل أنَّ المجاوزة كانت للقتال والتجارة جميعاً.
الفارس إذا كان معه فَرَسان لم يُضرب إلا بسهم فرس واحد عند أبي حنيفة ومحمد. وقال ابو يوسف: يُسهم له سهم فرسين لا يزاد عليه، واحتج بما روي أنّ النَّبي صلى الله عليه وسلم «أسهم الزُّبير بن العوام لفرسين»، وهما احتجا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم «أسهم لأوس لفرس واحدٍ وقد قاد فرسين»، فإذا تعارضت الأحاديث فما اتفقت فيه أخذنا به وما اختلفت فيه رددناه إلى أصل القياس.
ولا يُسهم للصبي والمجنون ويرضخ لهما؛ لأنَّ السبب وجد منهما؛ لكنّهما تبع فصارا كالعبد مع المولى.
ولو خرج رجل ولم يزل مجروحاً حتى خرج إلى دار الإسلام ضُرب له سهم. وكذلك لو أسر رجل من الغانمين ثم أُطلق فخرج معهم؛ لأنَّ السَّبب قد وُجد في حقه وهو مجاوزة الأرب لقصد القتال.
ولو بعث الامام سرية من العسكر فغنموا، أو غنم العسكر ولم يغنموا اشتركوا جميعاً؛ لأنَّهم اشتركوا في السبب، وهو مجاوزة الدرب لقصد القتال.
ولو كان في دار الحرب رجل تاجر مسلم، ثمَّ إنَّه التحق بعسكر المسلمين، فإنّه لا يستحقُ السهم ما لم يقاتل؛ لأنَّه لم يوجد في حقه السبب الظاهرُ، فلا بدّ من أنْ يُعتبر في حقه وجود حقيقة القتال.
وكذلك مَنْ ارتدّ من العسكر، ثم التحق بدار الحرب ثم عاد مسلماً لا يستحق ما لم يوجد منه حقيقة القتال؛ لأنَّه لما ارتد بطل السَّبب في حقه وهو مجاوزة الدرب القصد القتال فلا بُدّ من وجود حقيقة القتال لاستحقاق الشهم، وصار كحربي أسلم ثم التحق بعسكر المسلمين، فإنَّ حكمه ما ذكرنا، وكذا هذا.
ومَن قتل قتيلاً لا يستحقُ سلبه إلّا أن يقول الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه؛ لأنَّ السَّلبَ غنيمة، فلا يختص به أحد إلّا بالتنفيل كغير السَّلب، وهو تأويل الحديث المروي في هذا الباب والسَّلب هو دابَّة المقتول وسرجها وما عليها من آلة وثياب المقتول وسلاحه وما معه على الدابة من مال في جيبه أو على وسطه، فأما ما سوى ذلك من ماله فليس بسلب.
وإذا أعتق واحدٌ من الغانمين عبداً بعد الإحراز بدار الإسلام فإنّه لا يُعتق؛ لأنَّ الثابت له قبل القسمة إما عين المملوك وإما بدله؛ لأنَّ الإمام له رأي في الغنيمة قبل القسمة، إن شاء قسم، وإن شاء باع وقسم الثمن، ومثل هذا الملك لا يكفي لنفاذ العتق. وإن كان يكفي للإرث، كالعبد إذا جنى جناية فأعتقه وليّ الجناية قبل الدفع إليه ثم دفع اليه.
ولو وطيء رجلٌ من الغانمين جارية من السبي فولدت منه ولداً أخذ منه العقر ولم يُحدّ وكانت الجارية وولدها وعقرها في الغنيمة، ولا يثبت نسبه منه. أما العقر؛ فلأنه أتلف منافع بضعها، ولو أتلف جزءاً من عينها بعد الإحراز بدار الإسلام يضمن، فكذا هاهنا.
وأما سقوط الحدّ فلمكان الشبهة، وأما عدم ثبوت النَّسب فلأنّ الثابت له بهذا السبب قبل القسمة أحد الشيئين لما مرّ، وقيل: هذا الملك لا يكفي لثبوت النَّسب.
ولو سرق رجلٌ من الغانمين أو عبده شيئاً من الغنيمة قبل القسمةلم يُقطع؛ لأنه سرق مالاً له أو لمولاه فيه حق الملك.
فصل
الرّباط الذي جاء فيه الأثر أن لا يكون وراءه من دار الإسلام شيء؛ لأنّ ما دونه لو كان رباطاً لكان كل المسلمين من بلادهم مرابطين. وقيل: إذا أغير على موضع مرّة كان رباطاً إلى أربعين سنة، فإذا أغير مرتين كان رباطاً إلى مائة وعشرين سنة، فإذا أُغير ثلاث مرات كان رباطاً إلى يوم القيامة، والمختار: هو الأول.