الجزء 1 · صفحة 7
حاشية عزمي زاده على درر الحكام في شرح غرر الأحكام
للعلامة مصطفى بن بير محمد
المعروف بعزمي زاده الرومي الحنفي (المتوفى 1040هـ)
اعتنى به:
لجنة الهداية للبحوث للدراسات.
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه العون
كتاب الطهارة
قوله: (وإنما وحدها) أي: الطهارة الشرعية، ولذا قالَ: "لأنَّها في الأصلِ مصدرٌ"، وأرادَ بالأصلِ المعنى اللغويَّ المنقولَ عنه.
قوله: (ومن جَمَعَها قَصَدَ التَّصريحَ به) الظاهرُ أنَّ الضَّميرَ المجرورَ للكثيرِ، ولَو قالَ: "قصد إلى الأنواع المختلفة" لكان موافقاً لكلامِ أهلِ العربيّةِ.
قال في العناية: وإنما جَمَعَ الطَّهاراتِ؛ نظَراً إلى أنواعِها.
قوله: (والمراد ههنا المعنى الأول؛ لثبوتِه بالتَّواترِ) في لفظِه تسامحٌ، والمرادُ: لثبوتِه بدليلٍ متواترٍ، ثم إنَّ التَّواترَ بمجرَّدِه غيرُ كافٍ في كونِ الدَّليلِ قطعياً.
وقد يقالُ: المرادُ به ههنا هو المعنى الثاني؛ لذكرِ الحدودِ الخلافيَّةِ والمقدارِ الاجتهاديِّ.
وقد يُقالُ: الأَولى أن يُرادَ به ما يُطلَقُ عليه الفرضُ بطريقِ عمومِ المجازِ، فيَعمّ كلا معنيَي الفرضِ.
قوله: (إنما كان ذلك قبلَ نزولِ المائدةِ) ولا يدلُّ رؤيةُ مسحِه عليه الصلاة والسلام قبلَ نزولِ المائدةِ على جوازِ المسحِ مطلقاً، كما هو المُدَّعى.
قال المصنِّفُ رحمه الله في الحواشي: هذا هو محلُّ الاستدلالِ، فإنَّه يدلُّ على ثبوتِ الوضوءِ قبلَ نزولِ المائدةِ، وإنَّما نقلَ قولَه: "قالَ: ما أسلمتُ" فلتكميلِ الحكاية، ولا دخلَ له في الاستدلالِ. انتهى.
قوله: (فيجوز أن يثبت الوضوء .... إلخ) أي: إلى حينِ نزولِ آيةِ المائدةِ.
وهو تفريعٌ على قولِه: "لا يلزمُ بعدَه ملاحظةُ تعليله لِما ثبت في صحيحِ مسلمٍ وغيرِه، ولما قالَ في "مجمع البيان"".
ولا مساغ لربطِه بقولِ المصنّفِ، كما ظُنَّ.
الجزء 1 · صفحة 9
قوله: (كما يدل عليه ما روي .... إلخ) كلام صاحب "التوضيح" صريحٌ في أنَّ العملَ بشرائعِ مَن قبلَنا لا يَجوزُ إلّا إن قصَّه اللهُ تعالى في كتابِه.
وكلامُ صاحبِ "الكافي" في أوائل باب المهرِ صريحٌ في تعميمِها؛ لِما قصَّه الرسولُ صلى الله عليه وسلم أيضاً.
ونقل صاحب "الدرر" عنه هنالك، وعليه يُحمَلُ كلامُه ههنا.
قوله: (وأيضًا إذا ورد فيه الوحيُ المتلوُّ يتأتى اختلافُ العلماءِ الذي هو رحمة) فيه مافيه؛ لأن الوحيَ المتلوَّ لا يُوجِبُ بمجرَّدِه اختلافَ العلماءِ، إلا أن يقال: نعم، لكنَّه وسيلةٌ إليه ومبدأٌ له، وذلك لمّا كان الإجمالُ من أوصافِ اللَّفظِ ليس إلا، فإذا لم يكن فيه لفظٌ لا يكون إجمالٌ يؤدي إلى ذلك الاختلافِ.
قوله: (بل ينقل حكم ما تحته إليه) حكم العذار نفسه داخلٌ في اللحيةِ، على ما يَشهَدُ به كلامُ القومِ، فالظاهر إسقاطُ هذا الكلام من البيِّن.
قوله: (قال قاضيخان: وفي أشهرِ الروايتَينِ عن أبي حنيفة رحمه الله: مسحُ ما يَسترُ البشرةَ فرضٌ .... إلخ) هذا ما قاله في "شرح الجامع الصغير".
وقال في فتاواه: إن مسح كلها مستحبٌّ على الأصح.
والظاهرُ أنَّ الاستحبابَ من جهةِ مسحِ المُسترسِلِ أيضاً؛ فإنه يكونُ زيادةً على الفرضِ المذكورِ.
ثم إنَّ مسحَ ملاقي البشرةِ قولٌ نقلَه صاحبُ "معراج الدراية" عن "الإيضاح".
ومسح ما يسترُ البشرة، كما ذكره قاضيخان قول آخر، فلا ينبغي أن يجعلَ أحدهما شرحاً للآخر، فليتدبَّر.
قوله: (أي: ربع الملاقي) أي: ربع ملاقي البشرةِ من اللِّحيةِ، لا ربع اللِّحيةِ، وقد حملوا عليه قولَ مَن قال: مسح ربعها فرضٌ عندَ أبي حنيفة رحمه الله، كما يظهرُ مِن كلامِ صدرِ الشَّريعةِ، لا أنَّه قبل ذلك رأسًا.
قوله: (بناء على الاختلافِ في منعِ نفوذِ الماءِ وعدمِه) كان الظاهر أن يقولَ: "في نفوذِ الماءِ وعدمِه"، أو أن يسقط قوله: "وعدمه".
الجزء 1 · صفحة 10
قوله: (والخاتَمُ الضيِّقُ يُنزَعُ أو يُحرَّكُ) قال في "الخلاصة": في "مجموع النوازل": تحريك الخاتم سنة إن كان واسعاً، وفرضٌ إن كان ضيِّقاً بحيثُ لَم يصِل الماءُ إلى ما تحتَه. انتهى.
وفي "الخانية": لو كان في أصبعِه خاتمٌ: إن كان واسعاً بحيث لا يحتاج إلى تحريكِ لا يُحرَّك.
وإن كان ضيِّقاً ولم يحرِّكه روى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليه، وأبو سليمان عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يجوز.
وقالَ بعضُهم في الضيِّق: لا بُدَّ من التَّحريكِ". انتهى.
وفي "خزانة الفتاوى": لا يجبُ تحريكُ الخاتمِ - ضيقاً كان أو واسعاً - عند الوضوء والغسل. انتهى. وسيجيء من المصنف أن تحريك الخاتم الواسع من آداب الوضوء.
قوله: (أي: قصد القلب بالوضوء أو رفع الحدث .... إلخ) قال الزيلعي: "والمذهب أن ينويَ ما لا يصحُّ إلا بالطَّهارةِ من العبادةِ، أو رفعَ الحدثِ كما في التَّيمُّمِ".
وفي "الكافي": وينوي رفعَ الحدثِ أو إقامةَ الصلاة.
قوله: (كيف يشاء؛ أي: يبدأُ من الأسنان العليا .... إلخ) قال في "معراج الدراية" - بل في عامة شروح "الهداية" -: "ويستاكُ عرضاً لا طولاً".
قوله: (بمياه جديدة) عبارة "الوقاية": المضمضةُ بمياهٍ والاستنشاقُ بمياهٍ.
ولعلَّ المصنِّفَ إنما اكتفى بذكرِ لفظةِ "بمياه" مرّةً واحدةً، وجعلَه في كلامِه مُتعلِّقًا بكلِّ واحدةٍ من المسألتَينِ على سبيل التنازعِ؛ تعويلاً على توصيفِ المياهِ بالجديدة، فإنَّ الجدادةَ لا تُتصوَّرُ في ماءٍ واحدٍ يستعملُه المتوضِّئُ في مضمضتِه واستنشاقِه معاً.
قوله: (والمبالغةُ فيهما) ظاهرُه أن يكونَ كلٌّ من المضمضة والاستنشاق سنة، والمبالغة في كلٍ منهما سنة أخرى، وليسَ الأمرُ كذلك، بل السنّةُ هي المضمضة مجملةً والاستنشاق مجملاً، لكن لكلٍّ منهما في الخارج حدٌّ ومبالغةٌ.
هذا ما في "الخلاصة"، فنسبة ما قاله إليها يكونُ فريةً بلا مريةٍ.
الجزء 1 · صفحة 11
قوله: (والترتيب المنصوص عليه في آية الوضوء) قالَ الزيلعيُّ: "أي:
الترتيبُ المنصوصُ من جهةِ العلماءِ، وهو أن يبدأَ بما بدأ اللهُ تعالى بذكرِه،
ولا نصَّ عليه من جهةِ الشّارعِ، وهو سنّةٌ عندنا، وفرضٌ عندَ الشّافعي رحمه الله".
انتهى.
قوله: (فإن وضوء المعذور قبل الوقت ينتقض عند زفر بدخول الوقت) وأيضًا ينتقضُ على قولِ ل/ ك أبي يوسفَ بخروجِ الوقتِ؛ لأنه يقولُ بانتقاضِ وضوءِ المعذورِ بخروجِ الوقتِ ودخولِه.
وعلى قولِ أبي حنيفة ومحمَّدٍ أيضًا؛ لقولهما بانتقاضِ وضوئِه بخروجِ الوقت، لكنَّ اعتبارَه إنّما يفيدُ في غيرِ صلاةِ الظهرِ، كما سيجيءُ جميعُ ذلك قبيلَ بابِ تطهيرِ الأنجاسِ.
قوله: (وتحريك الخاتم الواسع) ل/ ز جَعَلَ الزَّيلعيُّ تحريكَ الخاتَمِ من الآدابِ من غيرِ أن يقيِّدَه بالواسعِ، وقد سَبَقَ قريباً ما نقله صاحب "الخلاصة من مجموع النوازل" أنَّ تحريكَ الخاتَمِ إن كان واسعاً سنّةٌ.
فالمصنَّفُ مطالَبٌ بالنَّقل في تصحيحِ ذلك التَّقييدِ على كونه من الآداب.
قوله: (وعند مسح رأسه وأذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول .... إلخ) كذا في نسخ هذا الكتاب.
والصواب: "وعند مسح رأسِه: اللَّهمَّ أظلَّني تحتَ عرشِك يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّ عرشِك"، وعندَ مسحِ أذنَيه: "اللَّهمَّ اجعَلني من الذين .... إلخ"، كما في "شرح الكنز" للزيلعي.
قوله: (لأنَّ الاستنشاقَ في الجنابةِ فرض) وهو يكونُ بإيصالِ الماءِ إلى المارنِ، فإذا سال الدم إلى المارنِ يَتحقَّقُ ذلك فيَنتقضُ الوضوءُ.
وهذا ناظرٌ إلى أن ناقضَ الوضوءِ خروجُ النجس إلى ما يلحقُه حكمُ التَّطهيرِ في الوضوءِ والغسلِ، كما سَبَقَ؛ فإن المارن يلحقُه حكمُ التَّطهيرِ في الغسلِ، وإن لَم يَلحقه في الوضوءِ.
وعبارة "المبسوط" على ما نقله الأتقاني: "فإنَّ الاستنشاقَ في الجنابةِ فرضٌ، وفي الوضوءِ سنَّةٌ"، فليتدبر.
الجزء 1 · صفحة 12
قوله: (من الدبر) الذي يَظهَرُ من كلامِ الزَّيلعيِّ أنَّ خروجَ كلِّ شيءٍ مِن السَّبيلَينِ ناقضٌ للوضوء، وعليه كلام قاضيخان، حيث قال: "إنَّ خروجَ الدّودةِ من قُبُلِ المرأةِ أو الذَّكر، فكذلك الحصى".
فكان الصوابُ أن لا يقتصرَ هاهنا على قوله: "من الدبر".
على أنَّ قوله في الشَّرح: "لأنَّ ما معَهما من النَّجَسِ وإن قلَّ، حَدَثٌ في السَّبيلَينِ" يَقتضي كونَ الحكمِ كذلك فيهما، لا في الدُّبُرِ فقط.
وقد صرح في "الكافي" بأن السَّبيلَينِ يَنتظمُ الذَّكَرَ والقُبُلَ والدُّبرَ". انتهى.
قوله: (لأن النجس حينئذ يخرج ظاهرًا .... إلخ) الذي يظهرُ أنَّ المرادَ خروجُه إلى الظّاهرِ بعد ما كان مالئاً للفم، يعني أنه أمرٌ مقرَّرٌ بالآخرة، فيَرِدُ عليه ما مرَّ مِن أنَّ خروج القيءِ من الفمِ لا يتعسَّر الاطّلاعُ عليه، فكيفَ أقيم ملاءُ الفمِ مقامَه، وهذا لا يندفع بكون القيءِ من قَعرِ المعدةِ مستصحباً للنجاسة ظاهراً كما قال المصنف.
على أنَّ عبارةَ الهداية وهي قوله: "لأنَّه يخرجُ ظاهرًا، فاعتبرَ خارجًا"، لا تَتحمَّلُ هذا المعنى بوجهٍ من الوجوهِ.
قوله: (إلا عند أبي يوسف رحمه الله إذا ملأ الفم) وكانَ البلغَمُ صاعداً من الجوفِ، كما تبيَّن.
قوله: (عنده) أي: عند أبي يوسف، لا يذهب عليك أن هذا الإضمارَ ليسَ في محلِّه؛ لأنَّه يُوهمُ خلافَ المقصودِ، فإنَّ المسألةَ المذكورةَ قبيلَ هذه لا تعلُّقَ لها بأبي يوسف بخصوصِه.
قوله: (ولو نام على دابَّةٍ هي عريانةٌ) أي: من سروجٍ أو إكافٍ، كما يظهر من "النقاية".
قال في "المغرب": فرسٌ عريٌّ لا سَرجَ عليه ولا لِبَد، ولا يقال: فرسٌ عريان، كما لا يقال: رجل عري. انتهى.
قوله: (يقظان في صلاته) قال في "معراج الدارية": ذكرَ فخرُ الإسلامِ في أصولِه أنَّ قهقهةَ النّائمِ لا تكونُ حدثًا، ولا تفسدُ صلاتُه بها.
وفي "المحيط": وقع في بعض الكتب: قهقهةُ النّائمِ في الصَّلاةِ لا تَنقُضُ.
الجزء 1 · صفحة 13
وقال شداد بن أوس: قالَ أبو حنيفة رحمه الله: تفسدُ صلاتُه ولا يَفسُدُ وضوؤُه، وكذا أفتى الفقيهُ عبدُ الواحد.
قال أبو محمد الكوفي: يفسد وضوؤه أيضًا، وبه أخَذَ عامّةُ المتأخِّرينَ احتياطًا". انتهى.
وذكر الزندوستي في «نظمه»: إذا نامَ في صلاتِه قائماً أو ساجداً ثم قَهقَه: لا رواية لهذا في الأصول، قال شداد بن أوس: وقال أبو حنيفة رحمه الله: تفسُدُ صلاتُه، ولا يَفسُدُ وضوءُه، وهكذا أفتى الفقيهُ عبدُ الواحدِ رحمه الله.
قال الحاكمُ أبو محمَّدٍ الكُفّيني: فسدَت صلاتُه ووضوءُه جميعاً، وبه أخَذَ عامّةُ المُتأخِّرينَ احتياطاً.
ولو نسِيَ كونَه في الصلاةِ ثمَ قهقهَ، قال شداد: قالَ أبو حنيفة رحمه الله: تفسُدُ صلاتُه ولا يَفسُدُ وضوءُه، وقالَ الحاكمُ الكفيني والفقيه عبد الواحد: فسدا جميعاً.
وجهُ قولِ مَن قالَ بفسادِهما: أنَّ هذه قهقهةٌ حصَلَت في خلالِ الصَّلاةِ، فتَنقُضُ الوضوءَ، كما في الذّاكرِ المُستيقِظِ.
وجهُ قولِ مَن قالَ بعدمِ فسادِ الوضوءِ: أنَّ السُّنّةَ وردَت في حقِّ اليَقظانِ الذّاكرِ، وليسَ النّائمُ والنّاسي في معنى المُستيقِظِ الذّاكرِ؛ لأنَّ فعلَ النّائمِ والنّاسي لا يُوصَفُ بكونِه جنايةً، فيعمل فيه بالقياس، وقضيّةُ القياسِ أن لا يَفسُدَ الوضوءُ".
قوله: (فلا ينقض غير القهقهة .... إلخ) تفريعٌ على قيودِ المسألةِ بأجمعِها على سبيلِ التَّوزيعِ، لا تفريعٌ على قوله: "فيقتصر عليها" كما ظُنَّ؛ لإباء قوله: "والمغتسل" عن ذلك.
قوله: (إلا أن يتعمَّدَ المصلِّي في القهقهة .... إلخ) الظاهرُ أنَّ هذا الاستثناءَ لا محلَّ له؛ لما ذكر في "الخلاصة" نقلًا عن الأصلِ: أنَّ القَهقهةَ في الصَّلاةِ تَنقُضُ الوضوءَ والصَّلاةَ، سواء كانَ عامداً أو ناسيًا. انتهى.
والتعليل بقوله: "لأنها حينئذٍ تكونُ خروجاً بصُنِعه .... إلخ"، ليس بمحرَّرٍ؛ إذ ليسَ في مساقِ الكلامِ كونُ القَهقَهةِ في آخرِ الصَّلاةِ.
الجزء 1 · صفحة 14
قوله: (فإذا خرَجَ الإمامُ عن الصلاةِ به، أي: بتعمُّدِ القهقهةِ) أخذه من "الخانية"، وعبارته: "إذا خرَجَ الإمامُ عن صلاتِه لا على وجهِ القَطعِ، بل على وجهِ الفسادِ؛ بأَن قَهقَهَ أو أحدَثَ مُتعمِّداً.
ثمَّ قَهقهةُ المأموم لا تنقضُ وضوءَ المأمومِ؛ لأنَّ الجزءَ الذي لاقَته القَهقَهةُ، والحدثُ العمدُ مِن صلاةِ الإمامِ قد فَسَدَ، وبفسادِها فسد ذلك الجزء من صلاة المأموم فلهذا لو كانَ المأمومُ مسبوقاً تفسد صلاة المسبوق، فإذا فسدَت صلاةُ المأمومِ لا تنتقِضُ طهارتُه بالقَهقهةِ". انتهى.
وقد ظهر ممّا نبَّهناك عليه قبيلَ هذا: أنَّ الإضمارَ في قوله: "به" ليس في محلِّه، على أنَّ هذا الحكمَ ليسَ بمخصوصٍ بصورةِ القهقهةِ عمداً.
ثم إن قوله: "إلا أن يكونَ مسبوقاً؛ فإنَّها حينئذٍ تكونُ في أثناءِ صلاتِه"، لم نَجِد في كتبِ القومِ ما يدلُّ على ذلك، ولعلَّ حكمَ المسألةِ على خلافِ ما يُفهَمُ منه.
وأما قول قاضيخان: "فلهذا لو كان المأمومُ مسبوقاً تَفسُدُ صلاةُ المسبوقِ"، فليس معناه ذلك، والمراد به واضحُ على مَن تدبَّرَ مساقَ كلامِه.
قوله: (يسقي ولا ينقطع) قال في "الأساس": "سقى العرق، أي: سالَ". انتهى.
وعبارة الصحاح: "الأصمعي: يقال: بعينِه غَربٌ؛ إذا كانَت تسيلُ ولا تَنقطعُ دموعُها". انتهى.
قوله: (واختارَ في الهداية الثاني) أي: المذكورَ ثانيًا في المتنِ لا في الشَّرحِ.
قوله: (قالوا: المرادُ به الآية) وإنما قال: "سورة"؛ لأنَّ العادةَ كتابةُ سورةِ الإخلاصِ ونحوِها على الدَّراهمِ. كذا قالَ صدرُ الشَّريعةِ.
قوله: (قال في "المحيط": كرهَ بعضُ مشايخِنا مسَّ المصحفِ بالكُمِّ للحائض .... إلخ) وأنتَ خبيرٌ بأنَّ كلامَنا في المحدِثِ ليسَ إلا، والمذكور في "المحيط" نقلاً عن بعضِ المشايخِ هو حكمُ الحائضِ.
الجزء 1 · صفحة 15
وما في حكمِ الحائضِ هو النُّفساءُ والجُنُبُ، وأمّا كونُ المحدثِ في حكمِها حتّى يتمَّ التَّقريبُ، فيَحتاجُ إلى ضمِّ شيءٍ آخرَ.
قوله: (واختاره في "الكافي" أيضًا) فيه أنَّ عبارةَ "الكافي": "ولا يكرَهُ لهما مسُّه ز بالكمِّ عندَ الجمهورِ، كذا في "المحيط".
وضمير المثنى في كلامِه للجُنبِ والحائضِ، وليسَ كلامُنا إلا في المحدِث.
قوله: (ذكره في "مجمع الفتاوى" وغيره) قالَ في "معراج الدراية": وفي "التحفة": "لا يُباحُ للمُحدثِ مسُّ المصحفِ وكتبِ التَّفسير، وأمّا كتبُ الفقهِ فلا بأسَ به". انتهى.
لكنَّه مُخالِفٌ لِما في "الهداية"؛ فإنَّ المفهومَ منه هو أنَّه يرخَّصُ مَسُّ كتبِ الشَّريعةِ بالكُمِّ، ثمَّ إنَّ رجوعَ ضميرِ "رخص" إلى المسِّ باليد كما وَقَعَ في شرحِه محلُّ تمحُّلٍ؛ إذ المذكورُ فيما قبلَه هو المسُّ بالكمِّ لا المسُّ باليدِ.
قوله: (حتى داخل القلفة) قال في "المغرب": "القُلفة: الجلدةُ التي يقطعها الخاتنُ من رأسِ الذَّكَرِ، والأقلَفُ: الذي لم يقطع". انتهى.
قوله: (وغسل السرة والشارب .... إلخ) قيل: لو ترك لفظ "الغسل" وعطف "السرة" على "القلفة" لكان أحسن؛ لأنه حينئذ يفهم وجوب غسلِ داخلِ الشّاربِ والحاجبِ واللِّحيةِ صريحًا، وتندفع شبهة التكرار المتفهم من قوله: "وسائر البدن". انتهى.
لا يذهب عليك أن ما قاله يستلزمُ إطلاقَ البدنِ على الشّاربِ والحاجبِ واللِّحيةِ، وهو محذورٌ ظاهرٌ مع ما فيه من هجنةِ إطلاقِ الدّاخلِ على ما تحتَ الشّاربِ والحاجبِ.
قال في "الخانية": وينبغي للجنُبِ أن يُدخِلَ أصبعَه في سرَّتِه عندَ الاغتسالِ، وإن عَلِمَ أنَّه يصلُ الماءُ إليه من غيرِ إدخالِ الأصبعِ أجزأَه". انتهى.
قوله: (أي: كالعين في الحرج) فيه اكتفاءٌ، والمرادُ كالعينِ وثقبِ الفمِ، وإلا يَلزمُ الاختلالُ في نظمِ الكلامِ، ثمَّ إنَّ التَّعرُّضَ في المتنِ لعلَّةِ المسألةِ دونَ حكمِها بديعٌ جداً.
الجزء 1 · صفحة 16
قوله: (نقض ضفيرتها وبلها) الظاهرُ أنَّ ضميرَ "بلَّها" للضَّفيرةِ.
وفيه أنَّ حكمَ المسألةِ كما في "الكافي" عدمُ وجوبِ بلِّ ذوائبِ المرأةِ إذا ابتلَّ أصلُ ضفيرتِها، فكانَ الواجبُ أن يقولَ: "وبلُّ ذوائبِها"، كما في سائر الكتب.
قوله: (فيه إشارة إلى أنها لو كانت منقوضة .... إلخ) أنتَ خبيرٌ بأنَّ النَّقضَ ضدُّ الضّفرِ؛ فإنه مأخوذ من ضفر الحبل، أي: فتله، فكون الضفيرة منقوضة مما لا يكادُ يُتصوَّرُ، والصوابُ إلى أنَّها لو كانَت منقوضةَ الشَّعر كما في "الكافي".
قوله: (لم يقل: ثم غسل رجليه بالجر) عطفًا على قوله: "بمنكبه الأيمن"، أو قوله: "بقية بدنه".
قوله: (وليس له معنى) لأنَّ غسلَ رجلَيه جزءٌ أخيرٌ من الغسلِ، فلا معنى للبدءِ به لا حقيقةً ولا إضافةً.
قوله: (ولو في نوم) قال في "غاية البيان": لا يُقالُ: خروجُ المنيِّ من النّائمِ موجبٌ للاغتسالِ، وإن لَم يكُن بشهوةٍ، فكيفَ شَرَطَ المصنِّفُ فيه الشّهوةَ؟ لأنّا نقول: كانَ القياسُ أن لا يَجبَ، لكنهم استحسنوا فأوجبوا؛ لأنَّ الظاهرَ خروجُه بالاحتلامِ. انتهى.
ثمَّ إنَّ التَّعرُّضَ للنَّومِ ههنا مستدرَك مع استيفاءِ أحوالِه فيما سيجيءُ بعدَ أسطرٍ، حيثُ قالَ: وعندَ رؤيةِ مستيقظٍ م يتذكَّر الاحتلام.
قوله: (قيد بها لأنه إذا خرج .... إلخ) لو قال: "قيد به" إرجاعًا للضمير إلى الانفصال بشهوة لكان أحسن؛ ليكونَ قولُه: "بشهوة" احترازًا عما إذا خرجَ بشيءٍ ثقيلٍ مثلاً، وقوله: "عند الانفصال" احترازًا عن قول أبي يوسف، فإنَّ المعتبرَ عندَه هو الشَّهوةُ عند الانفصالِ والخروجِ كليهما.
قوله: (ونحوه) كما إذا سقط من مكان عالٍ وهو بالجرِّ عطفاً على مدخول الباء.
الجزء 1 · صفحة 17
قوله: (وإن لم يخرج إلى ظاهر البدن بها، أي: بشهوة) هذا قولُ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهما الله، خلافاً لأبي يوسف فإنه يشترِطُ الشَّهوةَ عندَ الخُروجِ أيضاً، وأما إذا انفصَلَ عن مقرِّه من الصُّلبِ بشهوةٍ، ولَم يخرُج عن رأسِ الذَّكَرِ، فلا غُسلَ عليه بالاتفاق كما صرَّحَ به ابنُ الهمام.
قوله: (ولم يذكر الدفق) أي: في بيانِ هذا الموجبِ للغُسلِ، ولَم يقُل: إنزالُ المنيِّ على وجهِ الدَّفقِ والشَّهوةِ، كما في "الهداية".
قوله: (لأنه ليسَ بشرطٍ عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهما الله) كما يظهَرُ من كلامِ صاحبِ "النهاية"، حيث قال: هما جعلا سبب الاغتسال خروج المني، ولم يجعلا الدفق شرطًا حتى قالا بوجوب الغسل فيما إذا أزيل عن مكانِه بشهوةٍ، وإن خَرَجَ من غيرِ الدّفقِ. كذا في "مبسوط" شيخ الإسلام والمختلفات. انتهى.
ثم الظاهرُ من قولِ صاحبِ "الخلاصة": "والمعتبرُ مفارقةُ المَنيِّ على سبيلِ الدَّفقِ والشهوةِ، لا ظُهورُه على وجهِ الشَّهوةِ، وعند أبي يوسفَ المعتبرُ ظهورُه على وجهِ الشَّهوةِ". انتهى. تحقيقُ الدَّفقِ في الانفصالِ عن الصُّلبِ، وهو خلافُ ما يَظهرُ من "النهاية" من كونِ الدَّفقِ غيرَ متحقِّقٍ إلا عندَ الخروجِ.
قوله: (من مقطوعها) أي: كائناً ذلك القدر بعض ذكر مقطوع الحشفة، وكونه حالًا من "قدرها" هو ما يقتضيه المعنى وتستدعيه صناعةُ العربيَّةِ، والظرفُ الواقعُ حالًا لا يكون إلا مستقِرّاً متعلِّقاً بمحذوفٍ مقدَّرٍ عام، فقول المصنف في شرحه متعلق بـ"قدرها" ليسَ له وجهٌ واضحٌ، إلا أن يُحمَلَ على التَّعلُّقِ المعنويِّ.
قوله: (متعلق بفرض المقدر في إيلاج) ذكرَ الزَّيلعيُّ في كتابِ الطلاق في فصلِ ما تحلُّ به المطلَّقةُ نقلاً عن "الجامع الصغير": "أنه لَو جامعَ امرأتَه غلامٌ لَم يبلغ، ومثلُه يجامعُ، وَجَبَ عليها الغسلُ، وإنَّما وَجَبَ عليها لالتقاءِ الختانَينِ، وهو سببٌ لنزولِ مائِها، ولا غسلَ على
الجزء 1 · صفحة 18
الصبيِّ؛ لعدمِ الخطابِ، وإنَّما يُؤمَرُ به تخلُّقاً ليتعوَّدَ به ويصيرَ له سجيَّةً قبلَ بلوغِه، حتى لا يَشقَّ عليه عندَ وجوبِه". انتهى.
قوله: (أو حائضًا) قال في "الخانية": قالَ الشيخُ الإمامُ شمسُ الأئمَّةِ السَّرخسيُّ: لو حاضَت ك الكافرةُ، ثمَّ طهُرَت من حيضِها، ثم أسلَمَت، لا غُسلَ عليها، والأحوطُ الوجوبُ. انتهى.
ويظهر منه أنه كانَ الصوابُ أن يقولَ: "أو بعدَ انقطاعِ حيضٍ".
قوله: (قيد للمجموع) أي: للمسائل الثلاث، أما الأوليان فلِما في فتاوى قاضيخان: والأحوطُ الوجوبُ فيهما.
وأمّا الثّالثةُ، فلِما نقل صاحبُ "معراج الدارية" عن أمالي قاضيخان، حيث قال: "وفي الصبيِّ إذا بلَغَ بالاحتلامِ اختلافُ المشايخِ، والأصحُّ الوجوبُ". انتهى. ز.
قوله: (أو بلغ لا بسن) الظاهرُ أن معتمدَه في هذه المسألةِ ما نقلَه صاحبُ "معراج الدارية" عن "التحفة"، وهو قوله: "ويستحبُّ غسلُ الصَّبيِّ والمجنونِ عندَ البلوغِ والإفاقة. انتهى.
فتقييدُه بالسِّنِّ محلُّ توقُّفٍ.
نعم، لو كانَ كلٌّ منهما قولَ قائلٍ واحدٍ، لكانَ للتَّقييدِ وجهٌ؛ لمَصلحةِ التَّوفيقِ بينَ القولِ بالوجوبِ وبينَ القولِ بالنَّدبِ، فليُتدَبَّر.
قوله: (ولأنَّ المسجدَ الحرام .... إلخ) الذي يظهرُ أن يكونَ هذا عطفًا على قوله: "لئلا يتوهم"، وهو علَّةٌ أخرى للاحتياجِ إلى ذكرِ الطَّوافِ بعدَ قولِه: "وحَرُمَ على الجُنبِ دخولُ المسجدِ" مع أنَّ الطوافَ لا يتأتى إلا بدخولِه.
وحاصلُ هذا الدَّليلِ كونُ حرمةِ البيتِ مانعةً من الطَّوافِ، كما أنَّ حرمةَ المساجدِ مانعةٌ من الدُّخولِ فيها.
وأنت خبيرٌ بأنَّ ذلك الحاصلَ لا يَستدعي كونَ قولِه: "لأنَّ المسجدَ الحرامَ أمرٌ عارضٌ" معطوفاً على قولِه: "لأنَّه في المسجدِ" كما ظُنَّ.
الجزء 1 · صفحة 19
ثمَّ إنَّ هذا التعليلَ أيضًا مذكور في "معراج الدراية"، وعبارته: "مع أنَّ المسجدَ عارضٌ، لم يكن في زمانِ إبراهيمَ على نبِّينا وعليه الصلاة والسلام".
وأنت خبيرٌ بأنَّه إنَّما يتمُّ أن لو ثَبَتَ عدمُ جوازِ الطَّوافِ للجُنبِ قبلَ زمانِه عليه السلام وهو غير مسلم بعد.
قوله: (ولو قدر أنه لم يكن المسجد) "كان" تامة، و"المسجد" مرفوع فاعله، أي: لم
يوجد.
قوله: (لا يجوزُ لها الطَّوافُ) الضَّميرُ للحائضِ، والجُنبُ في حكمِها.
قوله: (وَجَبَ عليهما الجابر) وهو الدَّمُ، قالَ في جنايات الحج: "وَجَبَ دمٌ على مَن طافَ للقُدومِ أو الصَّدرِ جُنبًا". انتهى.
وضمير المثنى للجنبِ والحائضِ، كما يظهَرُ من بعضِ مأخذِه.
قوله: (إذا كانت الصحيفةُ أو اللَّوحُ أو الوسادةُ على الأرض .... إلخ) لفظ "الإيضاح" هكذا، على ما نقلَه صاحبُ "معراج الدراية".
ولعلَّ توجيهَه أنَّ من عادةِ بعضِ الكُتّابِ أن يضعَ اللَّوحَ المكتوبَ عليه حينَ كتابتِه على الوسادة الصغيرة، فإن وضعَ تلكَ الوسادةِ على فخذِه يكونُ مكروهًا؛ لتحقُّقِ الحملِ حينئذٍ على ما يظهر من تعليلِه، حيثُ قالَ: لأنَّه ليسَ بحاملٍ، بخلافِ ما إذا وضعَ الوسادةَ على الأرضِ لعدمِ تحقُّقِ الحمل فيه.
ثمَّ إنَّ المرادَ من هذه الأشياءِ الثلاثةِ هي التي يكتبُ ما يكتب من القرآنِ عليها، لا ما يُكتَبُ منه من النُّسخةِ على ما دلَّ عليه كلامُ صاحبِ "الخلاصة"، حيث قالَ: "فإن كانَ اللُّوحُ موضوعاً على وسادةٍ أو رجلٍ، لا بأسَ بأن يكتبَ عليه حرفاً حرفاً." انتهى.
قوله: (لأن كتابَةَ الحروف تجري مجرى القراءة) هذا غير مسلَّمٍ عند أبي يوسف كما ظهر من سياق كلامه، فيكون هذا من رد المختلف إلى المختلف، ولا يردُ عليه ما في
"الخلاصة" من أنَّ قراءةَ القرآنِ حرفًا، بل قراءةَ ما دونَ آيةٍ تامّةٍ لا يُمنَعُ منها الجنبُ، على الأصحِّ. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 20
قوله: (على ما سبق) فيه تأمل، فإنَّ السّابقَ هو عدمُ كراهةِ مسِّ القرآنِ بالكمِّ للمُحدِثِ لا للجُنبِ.
قوله: (ودفع المصحف للصبي) قال في "الهداية": ولا بأسَ بدفعِ المصحفِ إلى الصِّبيانِ.
وقال في "معراج الدراية": "إنما ذكرَ هذه المسألةَ مع أنَّ الصبيَّ غيرُ مخاطبٍ لشبهةٍ تردُ، وهي أن الدافع البالغ إلى الصبي المحدث يجب أن لا يدفع إليه، كما يجب عليه أن لا يُلبسَ الذكرُ مِن الصبيِّ الحريرَ، وألا يسقى الخمر.
فأجابَ عنها بأنَّ حكمَ المسِّ معَ الحدثِ مِن قبيلِ حكمِ شربِ الخمرِ ولُبسِ الحريرِ، ولكن تعلَّقَ به أمرٌ دينيٌّ، وهو حفظ القرآنِ، والحفظُ في الصِّغرِ كالنَّقشِ في الحجرِ". انتهى.
ولا يذهَب عليك أنَّ الموافقةَ لقولِ صاحبِ "الهداية" إنّما تكونُ لَو ذكرت هذه المسألةُ عقيبَ أحكامِ المحدثِ، وقد مرَّت لنا عقيبَ أحكامِ الجُنُبِ، فما فعلَه المصنِّفُ ليسَ بمستحسنٍ، على أنَّه قالَ فيما سَبَقَ: "المحدثُ البالغُ لا يَمسُّ مصحفًا".
والظاهر أن لفظ "البالغ" هنالك إنما زيدَ احترازاً عن هذه المسألةِ، وبه يحصلُ الغنيةُ عن ذكرِها استقلالاً.
قوله: (ويجوزان أي الوضوء والغسل بماء) ينعقد به الملح كما في "عيون المذاهب".
قال الزَّيلعيُّ: "ولا يجوزُ بماءِ الملحِ، وهو يَجمُدُ في الصَّيفِ ويَذوبُ في الشِّتاء". انتهى.
والظاهر أن هذا ليسَ ما يحصلُ بذَوبانِ الملحِ، كما في "الخلاصة".
قوله: (فتوهم بعض شراح "الهداية" أن لفظ "الأحد" .... إلخ) لا يذهب عليك أن هذا الشَّرحَ موافقٌ للمَشروحِ، فلا وجهَ لنسبةِ قائلِه إلى التَّوهُّمِ.
والظاهرُ أنَّ ما في "الهداية" مبنيٌّ على روايةٍ غيرِ روايةِ صاحبِ "النهاية" نقلًا عن أساتذتِه، كما يظهرُ من عبارتِه، حيث أطلَقَ على ما في "الهداية" رواية الكتاب، وقد صرَّحَ بأنَّ روايتَه موافقةٌ لروايةِ قاضيخان، ولما ذكر في تتمَّةِ الفتاوى.
الجزء 1 · صفحة 21
قال الزَّيلعي: "ينبغي أن يُحمَلَ قولُ مَن قال: "إن غيَّر أحدَ أوصافِه جازَ الوضوءُ
به" على ما إذا كان المخالطُ يُخالفُه في الأوصاف الثلاثة، ويحملَ قولُ مَن قالَ: "إذا
غيَّرَ أحدَ أوصافِه لا يَجوزُ" على ما إذا كانَ يخالفُه في وصفٍ أو وصفَينِ".
انتهى.
قوله: (لو نقع الحمص أو الباقلاء) أي: أُلقِيَ في الماء من الليل.
والباقلاءُ إذا شُدِّدَت قُصِرَت، وإذا خُفِّفَت مُدَّت، كما في "الصحاح"، وإذا وجد مكتوباً بألف يتعيَّن المدُّ والتخفيف.
ثمَّ إنَّ هذا إذا تغيَّرَ ماؤُه بدونِ الطَّبخِ، وأمّا إذا تغيَّرَ ك به، فلا يَجوزُ به الوضوءُ، كما في "الهداية"، وسيجيء نقله من "الكافي".
قوله: (ولكن شرطه أن يكون باقيًا على رقته) لا يذهبَ عليكَ أنَّ قولَه بُعَيْدَ هذا في المتن: "إن بقي رقته" يغني عن ذكر هذا الكلام هاهنا.
قوله: (إن بقي على رقته) قال في "الخانية": ولو توضأ بماءِ السَّيلِ يجوزُ، وإن خالطَه التُّرابُ إذا كانَ الماءُ غالبًا رقيقًا".
قوله: (فاختير هاهنا مختار "الهداية" و"الكافي" وهو ما يذهب بتبنة) فيه أن صاحب "الهداية" ذكر هذا القول ثانيًا وبصيغة التمريض، وما ذكره أولًا إنما هو تفسير الماء ز الجاري بما لا يتكرَّرُ استعمالُه.
قوله: (أي لم يدرك) إنّما فسّرَ عدمَ الرُّؤيةِ بعدمِ الإدراكِ، ليعمَّ الطَّعمَ والرّائحةَ على ظاهرِه.
قوله: (حتّى إن رؤي لم يجز استعماله) قال في "العناية": إشارة إلى أنَّ النجاسةَ لَو كانَت مرئيَّةً لا يَتوضَّأ من جانب الوقوع". انتهى.
قوله: (أي عشرة أذرع في عشرة أذرع بذراع الكرباس) وفي "الخانية": "يعتبر ذراع المساحة ا ذراع الكرباس".
وفي "الكافي": "بذراع المساحة وهو سبعُ قبضاتٍ؛ لأنّه من المَمسوحاتِ، وذراعُ المساحةِ فيها أليَقُ، وقيل: بذراع الكرباس؛ توسعةً للأمرِ على النّاسِ؛ لأنَّه أقصرُ من ذراعِ المساحةِ بأصبعٍ، والأصحّ أن يعتبر في كلّ مكان وزمان ذراعهم". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 22
قوله: (بالغرف) هو بفتح الغين المعجمةِ وسكون الراء المهملة، مصدرٌ، ومعناه: أخذُ الماءِ باليَدِ.
قوله: (للتوضؤ، وقيل: للاغتسال) أنت خبير بأنّ لهم في تفسيرِ الغديرِ العظيمِ الذي يكونُ في حكمِ الماءِ الجاري مسلكَينِ، ذكر كل منهما في "الهداية" و"الكافي": أحدهما: ما ذكر أبو حنيفة من أنه عشر في عشر.
والآخر: ما ذكره من أنَّه الذي لا يَتحرَّكُ أحدُ طرفَيه بتحريكِ طرفِه الآخرِ إذا وقَعَت نجاسةٌ في أحدِ جانبَيه.
وهذا الاختلاف الذي ذكره المصنف إنّما هو فرع للمسلك الثاني ولا تعلق له بالمسلك الأوّل، فذكره في خلال المسلك الأوّل كما وقع من المصنف رحمة الله عليه ليس له محمل صحيح.
قال في "الهداية": "وعن أبي حنيفةَ رحمة الله عليه: يُعتبَرُ التَّحريكُ بالاغتسالِ، وهو قول أبي يوسف رحمةُ الله تعالى عليه. وعنه: بالتَّحريكِ باليدِ. وعن محمَّدٍ رحمة الله تعالى عليه: بالتوضؤ". انتهى.
ثمَّ إنَّ المرادَ بالتحريكِ بالاغتسالِ لمن يكونَ منغمسًا فيه، كما يظهَرُ من لفظ "معراج الدراية".
قوله: (إن كانت فيه) أي: النَّجاسةُ.
قوله: (وعند مشايخ العراق يتنجس فيهما) ولم يفرِّقوا بينَ كونِ النَّجاسةِ مرئيَّةً وغيرَ مرئيَّةٍ، والقولُ الأوّلُ مذهبُ مشايخ بخارى وبلخ.
قوله: (وهذه العبارة أحسنُ مما قيلَ كالأشربة، فإنَّه على ظاهره مشكل) الظاهر أنّ قائله "صاحب الوقاية".
فإن أراد بقوله: "فإنّه على عمومه مشكل" أن ما اعتصرَ من شجرٍ إنّما هو الديباسُ بخصوصِه، فلا يكونُ الجمعُ في محلّه. ففيه أنّ التمثيلَ في كلامِه غيرُ مصروفٍ إلى ما اعتصَرَ من شجرٍ فقط، حتّى يردَ ذلك، بل إلى ما اعتصَرَ من شجرٍ وثمرٍ، على ما أفصحَ عنه صدرُ
الشريعة، فما اعتصرَ من الشَّجرِ من الأشربة هو الديباس، وما اعتصرَ من الثَّمرِ هو التفاحُ ونحوه، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (إمّا بكمال الامتزاج) وهو الاختلاطُ بينَ الشَّيئَينِ، حتى يمتنعَ التَّمييز.
الجزء 1 · صفحة 23
قوله: (أو بغلبة الممتزج) وهو بكمالِ الأجزاءِ، كما في "الكافي".
قوله: (إما بالطبخ بطاهر) كماء الباقلاءِ والمَرَقِ، كما في "الكافي".
قوله: (لا يقصد به التنظيفُ) قال في "الكافي": "الامتزاجُ بالطَّبخِ إنَّما يَمنَعُ الوضوءَ به إن لَم يكُن مقصودًا للفرضِ من الوضوء، وهو التنظيف، كالأشنانِ والصّابونِ إذا طُبِخا بالماءِ إلّا إذا غَلَبَ ذلك على الماءِ، فيَصيرُ كالسَّويقِ المخلوطِ؛ لزوالِ اسمِ الماءِ عنه.
قوله: (أو بتشرب النبات) أي: بتشرب النبات الماءَ، كما في عبارة "الكافي"، يقال: تشرَّبَ الثَّوبُ العرقَ: نشَّفَه، كذا في "القاموس".
قوله: (بحيث لا يخرج بلا علاج) أي: يبلغ الامتزاج مبلغًا يمتنع خروج الماء عنه إلا بعلاج، وهو العصر هاهنا.
قوله: (كالماء المستعمل) يعني: إذا خولط بماء طاهر.
قوله: (والمستخرج من النبات بالتقطير) مثل ماء الورد، وقال في "الهداية": ولا يجوز بماء غلب عليه غيره. فأخرجه عن طبع الماء كماء الورد، وهو مجرور عطفًا على "الماء المستعمل"، وخبر المبتدأ وهو قوله: "فالأوّل" هو قوله: "يعتبر فيه الغلبة بالأجزاء".
قوله: (والثاني إنّ غير الثلاث أو الثنتين .... إلخ) أرادَ بالثّاني هاهنا ما يُخالفُ الماءَ في جميعِ صفاتِها.
قوله: (وإن خالفه في صفة أو صفتين) ناظر إلى قوله: "أو بعضها"، ولو قال هاهنا: "والثالث" لكان كلامه أسلم عن الاشتباه.
قوله: (وعند محمد رحمه الله بالثاني) أراد به ما ذكره في المتن ثانيًا، وهو رفع الحدث، وهذا على تصحيح شمس الأئمة.
قوله: (أمّا الأوّل .... إلخ) أراد بالأوّل عدم طهارة جلد الخنزير بالدباغة، وأراد بالثاني عدم طهارة جلد الآدميّ به.
فمن قال: فإن مقام الإهانة ينافيه قوله: "فلكرامته"، فقد غفل عن ذلك.
قوله: (وما؛ أي: جلد) لعلّه لو قال: "أي إهاب" لكان أحسن، تدبّر.
الجزء 1 · صفحة 24
قوله: (وإن أرجع إلى جلده لزم التفكيك) أجيب عنه بأن تقدير الكلام: ما يطهر جلده بالدباغ يطهر جلده بالذّكاة، فمرجع الضمير ليس بأجنبي عن الأوّل لما كان مضافًا إلى ضميره، فلا يلزم ما ذكره من المحذور، كذا قيل.
قلت: وقد قيل مثل ذلك في إعراب قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? (البقرة:) ك فإنَّ رجوعَ الضّمير في "يتربّصن" إلى الأزواج مغنٍ عن رجوعِ الضَّميرِ من الجملةِ الخبريّة إلى المبتدأ لما كانَ مرجعُه واقعًا في خلالِ الصّلة، فكان كأن قيل: "يتربّصن أزواجهم"، فكذلك رجوعُ الضَّميرِ فيما نحنُ فيه إلى الجلد المضاف إلى ضميرِ المبتدأِ، يُغني عن رجوعِه إلى نفسِ المبتدأ.
قوله: (بخلاف لحمه في الصّحيح) الظّاهرُ أنَّ ضميرَ "لحمه" راجع إلى ما هو في كلامِه عبارةٌ عن الجلدِ، ولا ينبغي إضافةُ اللَّحمِ إلى الجلدِ، بخلافِ عبارةِ "الهداية"، فإنّه فيها عبارةٌ عن الحيوانِ نفسه.
وغايةُ ما يمكنُ أن يقال: الضّمير راجعٌ إلى ما، والإضافة إليه لأدنى ملابسةٍ.
قوله: (فأصاب ثوب إنسان) أي: أكثر من قدر الدّرهم، كذا في "معراج الدّراية".
قوله: (أفسده) أي: فلا يجوزُ به الصّلاة، كذا في "معراج الدراية".
قوله: (وبول ما يؤكل ز نجس) يجيءُ ذكرُه مع سائرِ الأبوالِ في بابِ تطهيرِ الأنجاسِ، فذكرُه هاهنا مفردًا ممّا لا يَظهَرُ جهةُ حُسنِه.
فصل البئر
قوله: (ذكره قاضيخان) إنما ذكر ذلك في صددِ تفسير قول مالك: "إنّ البئر بمنزلة النّهر الجاري"، لا في صدد ذكر مذهب أصحابنا.
والأصوب أن يذكرَ قولَه: "وعندنا البئر بمنزلة الحوض الصّغير يفسد بما يفسد به الحوض الصّغير، إلّا أن يكون كبيراً عشراً في عشر". انتهى.
نعم، حكمُ الحوضِ إذا كان عشرًا في عشرٍ ذلك؛ لأنّه في حكمِ الماءِ الجاري، وقد سَبَقَ الكلامُ فيها، ثمَّ إنّ عبارتَه: "ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه"، على ما هو الظّاهر.
الجزء 1 · صفحة 25
قوله: (وتقاطر بول كرؤوس الإبر .... إلخ) يجيءُ في بابِ تطهيرِ الأنجاسِ ما يَتعلَّقُ بذلك.
قوله: (يشير إلى أنّ الثلاث كثير) يريدُ به ثلاثًا من البعَراتِ.
قوله: (والبعر والخثي .... إلخ) قال في "النهاية": البعرة للبعيرِ والشّاةِ، والرَّوثُ للفَرسِ والحمارِ، والخِثي - بكسر الخاء - للبقرِ. انتهى.
قوله: (لم يذكر التفسخ لأن حكمه .... إلخ) تعريضٌ لصاحبِ "الوقاية"؛ حيث قالَ: "أو ماتَ حيوانٌ أو انتفَخَ أو تَفسَّخَ .... إلخ".
وسيجيءُ من المصنِّفِ ما يَتعلَّقُ بذلك عندَ قولِه: "وإن انتفخ أو تفسخ فمنذ ثلاثة أيّام .... إلخ".
قوله: (أو مات نحو آدميّ) أراد بنحوه الشاة والكلب، كما يظهر من "الهداية".
قوله: (أي كلّ مائها) إشارة إلى ما قرّره الزيلعيّ وغيره من أنّ الفعل أسند إلى البئر والمراد ماؤها، إطلاقًا لاسم المحلِّ على الحالِّ، كقولهم: جرى الميزاب وسال الوادي. انتهى.
قوله: (وإن تعسّر نزح كلّها) بأن كانَت البئرُ معينًا، كما في "الهداية".
قوله: (أي: رجلين لهما شعور ومعرفة) ضمّن كلامه الإشارة إلى أن ذوي بفتح الذّال والواو وسكون الياء على صيغة التثنية، ونونها ساقطة بالإضافة كما في قوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? (الطلاق:)، وقد صرّح الرضيُّ بأنّ الأسماءَ الستَّةَ إذا ثُنِّيت أو جمعت فإعرابُها إعرابُ سائرِ الأسماءِ المثنّاةِ والمَجموعةِ. انتهى. فيكون في حالتي الجرّ والنّصب بالياء.
قوله: (ولكنّه لا يستقيم إلّا إذا كان دور البئر .... إلخ) وإلّا لا يلزم إذا نقص شبر ينزح عشرة من أعلى الماء إن نقص شبر نزح مثله من أسفله، كذا قال الزّيلعيّ.
قوله: (لأنّ آبارها كثيرة الماء .... إلخ) لو قال: "لأنّ مياه آبار بغداد لا تزيد غالبًا على ثلاثمائة دلو" كما في "العناية"، لكان أظهر؛ لأن مجرّد كون آبارها كثيرة الماء لا يستوجب التقدير بهذا العدد.
قوله: (وإن مات نحو حمامة أو دجاجة) قلت: أو سنّور، كما في "الهداية".
الجزء 1 · صفحة 26
قوله: (وما بين الدجاجة والشاة كالدّجاجة) ولو كان كالشّاة لكان حكمه نزح الماء كلّه؛ فإنّه في حكم الآدميّ على ما يظهر من "الهداية"، فلو ضمّن السّباق ذكر حكم الشّاة صريحًا لكان أحسن.
قوله: (هو أيضًا كما مرّ) أي: العشرون بطريق الوجوب، والثلاثون بطريقِ الاستحبابِ، كذا في "الهداية".
والمناسب له أن يقال: "في الأوّل الأربعون بطريقِ الوجوبِ، والستّون بطريقِ الاستحبابِ"، ا أن يقال: "والعشرون بطريق الاستحباب"، كما في "الدّرر".
قوله: (ولو وقع أكثر من فأرة فإلى الأربع .... إلخ) أراد بالأربع والخمس والتّسع والعشر الفأرات.
قوله: (وفي السنّورين ينزح كلّه) وأمّا في السنّور الواحد فهو في حكمِ الدّجاجةِ والحمامةِ، على ما يظهر من "الهداية".
قوله: (لأنّه من باب وجود النجاسة في الثوب) قال الزّيلعيّ: "ولو وَجَدَ في ثوبِه نجاسةً ولَم يدرِ متى أصابَته، م يُعِد شيئًا بالإجماع على الأصحّ، ذكره الحاكم الشهيد".
قوله: (حتّى إذا كانوا غسلوا الثياب بها) أي: بمائها كما في عبارة الزّيلعيّ.
ثم إن هذا الكلام تفريع على قوله: "فيحكم بنجاستها في الحال"، عبارة الزّيلعيّ.
قوله: (يؤيّده ما قالَ في "معراج الدّراية": إنّ الصّباغي .... إلخ) عبارته: و"كان الصباغي يفتي بقول أبي حنيفة رحمه الله فيما يتعلّق بالصّلاة، وبقولهما فيما سواه". انتهى.
قوله: (حيث جمع في الأوّل بين الانتفاخ .... إلخ) أراد بالأوّل قوله في أوّل الفصل: "أو مات حيوان أو انتفخ أو تفسخ".
قوله: (وكان من الواجب العكس) فيه نظر؛ فإنّ حوالة جواب المسألة على طريق الأولويّة ليست بواجبة على المصنِّفِ، بل الاحتياط في عدمها.
قوله: (وقالا: تنجسها) أي: فيما لم ينتفخ أو انتفخ أو تفسّخ، كما يظهر من شروح "الهداية".
قوله: (أي: غير الخنزير والكلب) فإنّ فيهما يتنجّس الماء كلّه وإن لم يكن أصاب الفم، ذكره في "النّهاية".
الجزء 1 · صفحة 27
قوله: (ولا به خبث) قال في "غاية البيان": وإن كان الواقع في البئر آدميًّا وخرج حيًّا لا تنزح أصلًا، إلّا إذا كان عليه نجاسة حقيقية أو حكميّة أو نوى ك الغسل أو الوضوء. انتهى.
قوله: (أو نجسًا لا لعينه كالحمار والبغل والهرة وسائر السباع) كون هذه الحيوانات نجسة ممنوعة لم نجده فيما عندنا من الكتب، فهو فيه مطالب بتصحيح النقل على أن قوله فيما سيجئ: "لأن بدن هذه الحيوانات طاهر .... إلخ". يناقض هذا مناقضة ظاهرة، وأيضًا قال في آخر هذا الفصل: "إنَّ ظاهرَ البدنِ منها طاهرٌ حكمًا" بمعنى أن ما يلاقيه من المائعات لا يكون نجسًا؛ لضرورة الاستعمال، وهو لا يُنافي كونَ باطنِها نجسًا لانتفاءِ الضَّرورةِ بالنَّظرِ إليه. انتهى.
ولا يذهَب عليك أنَّ مُؤدَّى هذين الكلامين، بل مؤدّى جميعِ كلامِ القومِ أنَّ النَّجسَ إنَّما هو لحمُه، ولا أساس بما نحن فيه باللحمِّ، كيف وكلامنا فيما إذا خرج واحد منها من البئر حيًا؟
ثم إن المفهومَ من كلام قاضيخان أن البئر إذا وقعَت فيها شاةٌ أو بغلٌ أو حمارٌ أو ما يؤكَلُ لحمُه ز من ا?بلِ والبقرِ والطيورِ والدَّجاجةِ المحبوسةِ، وأخرج حيًا يكون ماؤها طاهرًا أو طهورًا ..
قوله: (وإن كان مكروهًا فمكروه، فيستحب نزحه) الظاهر منه نزحُ الماءِ كلِّه، وفيه نظر.
قال في "الخلاصة": ويستحبُّ أن ينزحَ منها عشرة دلاءٍ. وفي رواية: النِّصابُ عشرون دلوًا احتياطًا. انتهى.
قوله: (وسائر السباع) ناظرٌ إلى كونِ الهرَّةِ من السِّباعِ، كما وَقَعَ في الحديثِ، والسّباعُ كالذِّئبِ والثَّعلبِ وغيرِهما.
ولكن ذُكِرَ في "المحيط" وفي فتاوى قاضيخان أنَّ سائرَ السِّباعِ بمنزلةِ الكلبِ، حتى إذا وَقَعَ سبعٌ من السِّباعِ وأُخرِجَ حيًّا ولَم يُصب فمُه الماءَ، يُنزَحُ ماءُ البئرِ كلُّه، بمنزلةِ الكلب. كذا في "النهاية".
قوله: (وسؤر كل مأكول كذلك) الذي يظهَرُ منه أن لا يكون سؤرُ غيرِ مأكولِ اللَّحمِ كذلك غيرَ طاهر.
الجزء 1 · صفحة 28
وفيه: أن الفرس غير مأكولِ اللَّحمِ عندَ أبي حنيفة رحمه الله مع أنَّ سؤرَه طاهرٌ عندَه في الصَّحيح، كذا في "الهداية"، بخلافِه على قولِ الإمامَينِ؛ فإنَّ الفرسَ عندهما مأكولُ اللحمِ، وسؤره طاهر، وسوقُ هذا الكلامِ على قولِهما بعيد جدًا.
قوله: (أو ساعتين) لم نجد هذه الزِّيادةَ فيما عندَنا من الكتب.
نعم، قد ذكر هذا في جامعِ الكردريِّ في سؤرِ شاربِ الخمرِ.
قوله: (ليس بنجس) قال الزيلعي: "ولَو مكثَت ساعةً ثمَّ شَرِبَت، لا ينجس عند أبي حنيفة رحمه الله لغسل فاها بلعابها.
وعندَ محمَّدٍ رحمه الله: هو نجسُ؛ لأن إزالة النجاسة لا تجوز عنده إلا بالماءِ.
وأبو يوسف قيلَ مع محمَّدٍ لعدمِ الصَّبِّ، وهو شرطٌ عندَه. وقيل: مع أبي حنيفة رحمه الله، فيسقطُ اعتبارُ الصَّبِّ للضَّرورةِ". انتهى.
قوله: (بل مكروه) وقالَ أبو يوسف: غير مكروهٍ، كما في "العناية".
قوله: (وهذا يشير إلى التنزُّهِ) بأن يكونَ المرادُ بالمكروهِ المكروهَ كراهةً تنزيهيَّةً، وهو قولُ الكرخيِّ، والأولى أن القرب من الحرمةِ بأن يكون المرادُ بالمكروهِ المكروهَ كراهةً تحريميَّةً، وهو قولُ الطَّحاويِّ.
قال في "العناية": "القولُ الأولُ هو الصحيحُ والأقربُ إلى موافقةِ الأثرِ".
قوله: (أو التردد في الضرورة) قالَ شيخ ا?سلامِ على ما نَقَلَ عنه صاحبُ "النهاية": "والأصحُّ أن دليل الشك هو التردد في الضرورة.
وأما جعلُ هذا التَّردُّدِ نفسَ الشَّكِّ كما وَقَعَ من صاحبِ "الدرر" فليس بذاك، ثم إنه وَقَعَ في هامشِ هذا المحلِّ حاشيةٌ تُنسَبُ للمصنِّف، وهي عينُ ما نقلَه شُرّاحُ "الهداية" عن شيخ الإسلام.
قوله: (كذا في "الكافي") عبارة "الكافي": "وعليه الجمهور". لا ما قاله.
الجزء 1 · صفحة 29
قوله: (لما ذكرنا أن العبرة للأم، ألا ترى أنَّ الذئبَ لو نزى .... إلخ) ويجئ منه في أوائل كتاب العتاق نقلًا عن الزيلعيِّ: أنَّه يعتبر الأم في البهائم أيضًا، حتى إذا تولد بين الوحشي والأهلي، أو بين المأكول وغير المأكول يؤكل إذا كانت أمه مأكولة. انتهى.
قوله: (والمراد به) أي: بالنبيذ الذي اختلف فيه، فإن كان غليظًا كالدّبس لم يجز الوضوء به.
قوله: (معروريًا) يقال: اعرورى فرسه إذا ركبه عريانًا، فهو لازمٌ ومتعدٍّ. كذا في "النهاية"، فهو حال من الضمير المستكن، ولو كان من المفعول لقيل: معروري.
قوله: (والثقل ثقل النبوة) وهو ثقلٌ معنويٌّ.
قوله: (في الأحكام المذكورة) هي النجاسةُ والطَّهارةُ والحُرمةُ والكراهةُ، كما في الكافي، على ما هو الأصح من الرِّوايةِ، كما سَبَقَ نقلُه من "الكافي" أيضًا، حيثُ قالَ: "وقيلَ: الشَّكُّ في طهوريَّتِه، وهو الصَّحيحُ، وعليه الفتوى".
كذا في "الكافي"؛ لأنَّ معناه ومؤدّاه ليسَ إلا طهارةَ السُّؤرِ، كما لا يخفى.
باب التيمم
قوله: (حتّى لو أن رجلًا انتبهَ من النوم محتلمًا) عبارةُ صدرِ الشَّريعةِ: "حتّى إذا كانَ للجُنبِ ماءٌ يكفي .... إلخ"، ولا يظهرُ وجهٌ لتغييرها.
قوله: (يتيمم) أي: الجنبُ للجنابةِ.
قوله: (ولم يجب عليه الوضوء عندنا) أي: قبلَ التيمُّمِ للجنابةِ، كما قاله الشافعي، ويظهر من "الكافي".
قوله: (خلافًا للشافعي) فإنَّ مذهبَه أن يَتوضَّأ ثم يتيمم، قال: "لأن الضرورة لا تتحقق إلا بعد استعمال الماء فيما يكفيه.
ولنا: أنه إذا لم يطهُر عن الجنابةِ، فاستعمالُه يكونُ تضييقًا، فإن توضَّأَ وتيمَّم لجنابتِه، فأحدَثَ، تيمَّمَ لحدثِه"، كذا في "الكافي".
الجزء 1 · صفحة 30
قوله: (أما إذا كان مع الجنابة حدث يوجب الوضوء بأن أحدث بعد التيمم) أي: للجنابة يعني: إذا تيمَّمَ للجنابةِ ثمَّ أحدَثَ فوَجَدَ ماءً يكفي الوضوءَ، يجبُ عليه الوضوءُ فالتيمُّمُ للجنابةِ بالاتّفاقِ، كما قيلَ، ولا يخفى أنَّه ك لا مجالَ للخلافِ في هذه الصّورة؛ لأنّ عدمَ جوازِ الصّلاةِ بالتيمُّمِ الذي قبلَ الحدثِ ممّا لا يشكُّ فيه، وكذا لا احتمالَ لتيمُّمٍ آخرَ للوضوءِ؛ لوجودِ ماءٍ يكفي لطهارتِه.
قلت: قوله: "بأن أحدث بعد التيمّم" زيادة من صاحب "الدّرر"، ومبناه إخراج قول صدر الشريعة، أمّا إذا كان مع الجنابة حدث يوجب الوضوء عن ظاهره، وتأويلُه: بأن يكونَ حدثٌ بعدَ التيمّم للجنابة، لا أن يجتمعَ معها، فيرد عليه ما ذكر، ولعلّه لو أبقيَت المعيّةُ على ظاهرِها لحصلَ المقصودُ بلا محذورٍ، وذلك لأنَّ اجتماعَهما ليسَ بمستغرَبٍ، ألا يرى إلى قولِ صدرِ الشَّريعةِ في هذا البابِ: "حتّى إذا كانَ به حدثانِ؛ كالجنابةِ وحدثٍ يوجبُ الوضوءَ، ينبغي أن ينويَ عنهما".
ومعنى قوله: "فيجبُ عليه الوضوء" وجوبُ الوضوءِ عليه في الصّورةِ المذكورةِ قبل التيمُّمِ للجَنابةِ، كما قالَه الشّافعيُّ رحمه الله في المسألة الأولى.
وبذلك تحصل المناسبةُ بينَ المسألتَينِ مِن جهةِ الحكمِ أيضًا، وحينئذٍ يكونُ قولُه: "فالتيمّم للجنابة اتفاقًا" تفريعًا للمسألتين معًا، أي: التيمّم فيهما للجنابةِ بالاتّفاقِ ز دونَ الوضوءِ، ولا يكون الاختلاف بينَنا وبينَ الشّافعيِّ إلّا في المسألة الأولىِ؛ من جهةِ وجوبِ الوضوءِ بذلك الماءِ الموجودِ قبلَ التيمُّمِ للجنابةِ، وبعدمِه دون المسألةِ الثّانيةِ، فإنّنا أيضًا قائلونَ فيها بوجوب الوضوء بهذا الماءِ الموجودِ قبلَ التَّيمُّمِ للجنابةِ كما قالَه الشافعيُّ - رحمه الله -.
الجزء 1 · صفحة 31
وفائدةُ هذا الكلامِ: سدُّ احتمالِ أن يصرفَ ذلك الماء إلى تيمُّمِ الجنابةِ قدرَ ما يكفي، ثمَّ يتيمَّم لحدثِ الوضوءِ، فإنّه حينئذٍ يكونُ التَّيمُّمُ للوضوءِ لا للجَنابةِ، فليتدبّر؛ فإنّه من مزالقِ الأقدامِ، ثمّ إنَّ وضعَ هذه المسألةِ أيضًا على إن كانَ الماءُ الموجودُ كافيًا للوضوءِ لا للغُسلِ، كالمسألةِ الأولى.
قوله: (فهو أيضًا على هذا الخلاف) فعندَنا يتيمَّمُ للجَنابةِ، ولا يَجبُ عليه الوضوءُ بالماءِ الموجودِ قبلَ التيمُّمِ، وأما عندَ الشّافعيّ - رحمه الله تعالى - فلا بدَّ أن يَتوضَّأَ أوّلًا بذلك ثمَّ يتيمَّمُ.
قوله: (أربعة آلاف خطوة) لفظ "أربعة" مرفوعٌ بدلًا من "ثلث الفرسخ"، فيكونُ الفرسخُ اثنا عشرة ألف خطوةٍ، كما قيل في الحواشي.
قوله: (لا يقدر معه على استعمال الماء) أي: استعمالِ الماءِ بنفسِه، ولَم يَجِد من يُوضِّئُه، ففي ظاهرِ المذهبِ لا يَتيمَّمُ؛ لأنَّه قادرٌ، ورُوِيَ عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنّه يَتيمَّمُ، وعندَهما: لا يَتيمَّمُ. كذا قال الزّيلعي.
قوله: (أو برد) قال الزّيلعي: "يشيرُ إلى أنّه يجوزُ للمحدث أيضًا، حيث لم يشترط أن يكون جنبًا، وهو قول بعض المشايخ، والصحيح أنّه لا يجوز له التيمم". انتهى.
قوله: (خلافًا لهما) قالا: لا يجوزُ في المصر لخوف البرد؛ لأن الغالب وجود الماء المسخّنِ ووجودُ ما يُستَدفأ به، وعدمُه نادرٌ.
قوله: (أو عدو أو سبع) أي: لخوفِهما، ويلحقُ به ما هو مثلُه؛ كخوف الحيّة والنّار.
قوله: (لغير الأولى) لأن الأولى له حقُّ الإعادة، فلا فواتَ في حقِّه. كذا في "الكافي".
قوله: (بنيّة الصّلاة أو سجدة التلاوة) قال في "التَّجنيس": "النيَّةُ المَشروطةُ في التيمُّمِ هي نيَّةُ التَّطهيرِ، هو الصَّحيحُ، خلافًا لما قالَه أبو بكرٍ الرّازيُّ: إنّ الجُنُبَ ينوي التَّطهيرَ عن الجنابةِ، والمحدثَ عن الحَدثِ الأصغرِ". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 32
ولا يذهَب عليك أنّ قولَ صاحبِ "الدرر" في أوّلِ البابِ: "بقصدِ التَّطهيرِ" غيرُ مناسبٍ لما قالَه هاهنا، بل لما ذكرَه صاحبُ "التَّجنيسِ" أوّلًا، فليُتدبَّر.
قوله: (فالمعتبر أنه ينوي عبادة .... إلخ) هذا على قولِ أبي حنيفةِ ومحمّد رحمهما الله تعالى، وأمّا على قول أبي يوسف فيعتبر تيمُّمُ الكافرِ للإسلام، وهو عبادةٌ تصحُّ بلا طهارةٍ.
قوله: (مقصودة) أرادَ بكونِها مقصودةً أن لا يَجِبَ شيءٌ في ضمنِ شيءٍ آخرَ بطريقِ التَّبعيّة، بل شُرِعَت ابتداءً مِن غيرِ أن تكونَ تبعًا للآخَر، بخلافِ مسِّ المصحفِ ودخولِ المسجدِ. كذا في "معراج الدّراية".
قوله: (بضربتين إن استوعبتا وجهه ويديه بمرفقيه) عبارة "الوقاية": "ضربةٌ لمسحِ وجهِه وضربةٌ ليدَيه مع مرفقيه".
ولا يذهب عليك أنّها أوضحُ في بيانِ المقصودِ من لفظِ "الدّرر".
قوله: (متعلق أيضًا بـ"جاز") أي: كما تعلَّقَ قوله: "بنيته".
قوله: (وعلى هذا لا يَرِدُ ما يَرِدُ على قولِ صدرِ الشريعة: إذا لم يدخل الغبار .... إلخ) وكذا قال الزّيلعي: "ويجِبُ تخليلُ الأصابعِ إن لَم يدخُل بينَهما غبارٌ"، مع قولِ صاحبِ "الكنز": بطاهرٍ من الأرضِ وإن لَم يكُن عليه نقعٌ".
قوله: (كالتّراب والحجر .... إلخ) "وقال أبو يوسف والشافعيّ: لا يجوزُ إلّا بالتُّرابِ"، كذا قال الزيلعي.
قوله: (ولو كان ذلك الطاهر بلا نقع، أي: غبار) قالَ الزيلعيّ: "وقال محمّد رحمه الله: لا يجوزُ إلّا إذا كانَ عليه نقعٌ". انتهى.
قوله: (بلا عجزٍ عن الصَّعيدِ) "وقالَ أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجوزُ بالغُبارِ مع القُدرةِ على التُّرابِ، وعندَ عدمِه له روايتانِ، ورُوِيَ عنه أنّه يَتيمَّمُ به ويُعيدُ". كذا قالَ الزّيلعي.
الجزء 1 · صفحة 33
قوله: (ولم يجز التيمم على أرض .... إلخ) الظاهرُ من أرض، وكأنَّه ميلٌ إلى المعنى مِن جهةِ كونِ التَّيمُّمِ عبارةً عن الضَّربتَينِ، كما قالَ فيما سَبَقَ "على طاهرٍ"، وهو متعلِّقٌ بقولِه "ضربتَينِ".
قوله: (فإذا قدر على الماء) ضميره راجع إلى المتيمم، أي: إذا قَدِرَ شخصٌ على الماءِ بعدَما تيمَّمَ لعدمِ الماءِ مثلًا.
قوله: (وإن لم يكف لأحدهما) أي: لم يكفِ لشيءٍ منهما، بل يكفي بعضًا من اللَّمعة أو الوضوء.
قوله: (وإن كفى لأحدهما بعينه غسله .... إلخ) لا يذهَب عليكَ أنَّ تمشيةَ قولِه: "غسله" في كلٍّ مِن الصُّورتَينِ محتاجٌ إلى تمحُّلٍ.
قوله: (وإن كفى لكلّ واحد منهما منفردًا غسل اللّمعة) هي بالضّم، الموضعُ الّذي لا يُصيبُه الماءُ في الوضوءِ أو الغُسلِ، كذا في "القاموس".
قوله: (حتّى لو مرّ به النائم) أي: المتيمِّمُ النّائمُ الّذي يضطجع أو يتّكئ، وكأنَّ النّاعسَ كنايةٌ عن عدمِ استغراقِ النَّومِ في المَحمَلِ بأحدِهما، وقد أخذ صاحب "الدّرر" عبارة هذه المسألة من "المجمع"، وليسَ لفظُ سائرِ الكتبِ على ذلك.
قوله: (ينتقض تيمّمه بالنّوم لا المرور على الماء) أي: فيدخلُ حكمُه حينئذٍ تحتَ قولِه: "وناقضُه ناقضُ الوضوءِ"، ولا يكونُ من مسألتِنا.
قوله: (كالمستيقظ، أي: كانتقاضه .... إلخ) لا يذهَب عليك أنَّ ذكرَ القُدرةِ على ماءٍ كافٍ فَضَلَ عن حاجتِه، مغنٍ عن ذكرِ المُستيقِظِ، وأمّا مجرَّدُ مرورِ ك المستيقظِ بالماءِ مع قطعِ النَّظرِ عن قدرةِ استعمالِه، ففي كونِه ناقضاً كلامٌ، ولم نجِده مِن جهةِ غيرِه.
قوله: (وإن لم يكن أكثره مجروحاً) لا يذهَب عليك أنَّ هذا اللَّفظَ يَتناولُ صُورتَينِ:
إحداهما: أن يكونَ أكثرُ أعضائِه سالما، ً والحكمُ فيه ما ذكرَه ا محالةَ.
الجزء 1 · صفحة 34
والثانية: كونُ نصفِه جريحاً ونصفُه صحيحاً، ولا روايةَ فيه، واختلفَ فيه المشايخ، فمنهم من أَوجبَ التَّيمُّمَ لأنَّه طهارةٌ كاملةٌ، ومنهم ز من أوجب غسلَ الصَّحيحِ ومسحَ الجريحِ؛ أنَّها طهارةٌ حقيقيَّةٌ أو حكميَّةٌ، فكانَ أولى، والأوّلُ أشبهُ، كذا قالَ الزَّيلعيُّ.
وأنتَ خبيرٌ بأنَّ ما ذكرَه صاحبُ "الدرر" من كونِ حكمِ المسألةِ واحداً من هذين القولينِ لا يُوافقُ كلامَه، فليُتدَبَّر.
باب المسح
قوله: (لأنَّ مرادَ صاحب "الكافي" بالمشروعية الجوازُ في نظرِ الشّارعِ، بحيثُ يترتَّبُ عليه الثَّوابُ) الذي يظهر أن يريدَ به النَّدبَ، وإلا فمُجرَّدُ الجوازِ لا يَترتَّبُ عليه الثَّوابُ.
قوله: (ثم قالوا: الموضعُ موضعُ النَّفيِ، فلا يحتاج إلى التصوير) قال في "معراج الدراية": قال العلامة مولانا حميد الدين: الموضعُ موضعُ النَّفيِ، فلا يحتاجُ إلى التَّصويرِ.
وفي "الخبازية": المسألة لا تحتاج إلى صورةٍ معيَّنةٍ، فإنَّ من أجنَبَ بعدَ لبسِ الخفِّ على طهارةٍ كاملةٍ لا يجوزُ له المسحُ مطلقاً؛ لأنَّ الشَّرعَ جعَلَ الخُفَّ مانعاً لسرايةِ الحدثِ الأصغرِ لا الأكبرِ؛ لأنَّ شرعَ المسحِ لدفعِ الحرج، وفي الجمعِ بينَ الغسلِ والمسحِ يزيدُ الحرجُ، فيعودُ على موضعِه بالنَّقضِ. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 35
قلت: فإذا تحقَّقتَ هذا النَّقلَ، تَعرِفُ ما في ربطِ قولِ صاحبِ "الدرر": "فإن من أجنب بعد لبس الخف .... إلخ"، إلى ما قبله ليسَ له محمَلٌ صحيحٌ، فإنَّ مدارَ ما في "الخبّازية" على أن المسألة لها صور كثيرة لا حاجة إلى تصويرِها بالكليَّةِ بصورةٍ يَندُرُ وقوعُها كما وَقَعَ مِن القومِ، بخلافِ قولِ حميد الدين: فإن مبناه على الإعراضِ عن تصويرِها بالكلية، على أنَّ ما ذكرَه بقولِه: "فإنَّ مَن أجنَبَ بعد لبس الخف .... إلخ"، هو عينُ الصورةِ الأولى، حيثُ قالَ: لكن قيل: "صورته أن يلبَسَ خفَّيه .... إلخ"، فتعليلُ عدمِ الاحتياجِ إلى التَّصويرِ بذلك ههنا، ثمَّ جعلُه صورةَ المسألةِ يُؤدِّي إلى تناقضٍ ظاهرٍ.
قوله: (هذا أحسن مما قيل إذا لبسهما .... إلخ) هذا ملتقَطٌ من كلامِ صدرِ الشريعة، غير قوله: "وإنما قلنا أحسن .... إلخ". وقائلُ الكلامِ المذكور هو صاحبُ "الكنز" فيما رويناه.
قوله: (حتى لو غسل رجليه فلبس خفيه .... إلخ) قال الزَّيلعيُّ تفريعاً على مذهبنا: "حتى لَو غَسَلَ رجلَيه ولَبِسَ خفَّيه، ثمَّ أتمَّ الوضوءَ قبلَ أن يُحدِثَ، جازَ له المسحُ عليه؛ لوجودِ التَّمامِ عندَ الحدثِ". انتهى.
وجَعلُ هذه المسألةِ تفريعاً على قولِ الشّافعيِ رحمه الله بتغييرِ حكمِه من جوازِ المسحِ إلى عدمِ مسحِه، كما وَقَعَ من صاحبِ "الدرر" سهوٌ ظاهرٌ، كيف لا والتَّرتيبُ فرضٌ عندَ الشافعيِّ رحمه الله تعالى، فلا يمكنُ غسلُ الرِّجلِ أولاً ثمَّ إتمامُ الوضوءِ عندهَ.
والصَّوابُ التَّفريعُ على مذهبِه بما لَو غَسَل إحدى رجلَيه فأدخَلَها الخفَّ، ثمَّ غَسَلَ الأخرى فأدخلَها الخُفَّ، لا يَجوزُ له أن يمسحَ حتّى ينزَعَ الأولى ثمَّ يُدخلُها فيه كما كانَت، كما وَقَعَ مِن الزَّيلعيِّ، فليتدبر.
الجزء 1 · صفحة 36
قوله: (بأيِّ طريقٍ كانَ) أي: سواء كان تامّاً في وقتِ الحدثِ فقَط، أو تامّاً فيه وفي وقتِ اللُّبسِ أيضًا، وبه يندفع ما عسى أن يُقالَ: إنَّ المفهومَ من الكتابِ عدمُ الجوازِ عندَ كونِ اللُّبسِ على طهر تام وقت اللبس، مع أنه ليس كذلك.
قوله: (وظاهرٌ أن ذلك الوقت زمانُ بقاءِ اللبسِ لا زمانُ حدوثِه) الذي يظهَرُ منه ومن قوله فيما سيجيءُ في توجيهِ عبارةِ القومِ: "وعند الحدث" متعلِّقٌ بتمام أنَّ هذا السِّياقَ إنَّما هو على كونِ قولِهم: "عند الحدث" متعلِّقاً بقولهم: "لَبِسَهما"، وليسَ كذلك، بل هو مُتعلِّقٌ بقولِهم: "تام" على ما يَظهَرُ من تقريرِ كلامِهم، وقد صرَّحَ به الزَّيلعيُّ، حيث قالَ في تفسيره: "أي: تام وقت الحدث"، يشير إلى أنه لا يشتَرَطُ التَّمامُ وقتَ اللُّبسِ، بل وقتَ الحدثِ. انتهى.
ثمَّ إنَّ الزَّيلعيَّ جَزَمَ بأنَّ معنى قولِ صاحبِ "الكنز": إن لبسَهما على وضوءٍ تامٍّ": " إن وجَدَ لبسَهما على وضوءٍ تامٍّ، سواء كانَ ذلك اللبس ابتداءً أو بالدَّوامِ عليه، واستظهَرَ على ما ادَّعاه بالحنثِ بالدَّوامِ عليه في يمينِه لا يَلبَسُ هذا الثَّوبَ وهو لابسُه".
وهو مخالفٌ لكلامِ صدرِ الشَّريعةِ وصاحبِ "الدرر"، فإنَّ أخذَهما على أن مؤداه الابتداءُ ليس إلا.
قوله: (بدلًا مانعاً من سراية الحدث إليه، بل يمنع السراية إلى الرجل) عبارة "الكافي" في الأولِ: سرايةُ الحدثِ إلى وظيفتِه، وفي الثاني: بل يمنَعُ السِّرايةَ إلى وظيفةِ الرِّجلِ.
قوله: (ولذا قلنا: إذا أحدث .... إلخ) بعد ما لَبِسَ الخفَّ على طهارةٍ، ثمَّ إنَّ تصحيحَ هذا التَّفريعِ يَفتقرُ إلى تدبُّرٍ زائدٍ.
الجزء 1 · صفحة 37
قوله: (لأنَّ حكمَ المسحِ استقرَّ بالخُفِّ .... إلخ) وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا التَّعليلَ لا ينتظمُ الصورتَين، بل إنَّما يَتّأتى في صورةِ المسح بالخفِّ، وقد عُلِّلَت صورةُ عدمِ المسحِ بالخفِّ في "الكافي" بأنَّ ابتداءَ مدَّةِ المسحِ من وقتِ الحدث، وقد انعقَدَ في الخُفِّ فلا يتحوَّلُ إلى الجُرموقِ.
نعم، لو قال: لأنَّ حكمَ الحدثِ استقرَّ عليه، كما قالَ الزَّيلعيُّ، لكانَ التَّعليلُ منتظماً للصُّورتَينِ.
قوله: (أقول: يعلم منه جواز المسح .... إلخ) وذلك من جهة أنه يؤخذ من سياقه كون الجرموق بدلًا من الرجل لا من الخف.
قوله: (وقفازين) هو بفتح القاف وضمِّها، كما في "الصحاح".
قوله: (وإنما لَم يجُز عليها؛ لأنَّه لدفعِ الحرجِ، ولا حَرَجَ في نزعِها) كلُّ واحدٍ من ضميرَي المؤنث إلى العمامة، والضمير في "أنه" للمسح.
وعبارة "معراج الدارية" هكذا: "وفي "المجتبى": غسلُ هذه الأعضاءِ ومسحُ الرأسِ فرضٌ بالكتابِ، ولا حَرَجَ في نزعِ العِمامةِ، فيُفرَضُ الغسلُ، ولا يلحَقُ بالخُفِّ لاستفاضتِه، وفي غيره الخبرُ لم يُوجَد إلا شاذًّا، فلا يجوزُ الزيادةُ على الكتابِ به". انتهى.
ثم قال: "وكذا لا يمسح على خمار ك المرأة؛ لِما رُوِيَ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، ولو مسحَت على خمارِها ونفَذَت البلّة إلى رأسها وابتلّ به ز قدر الرّبع يجوز". انتهى.
قوله: (اعتبر أصابع القدم؛ لأنّها الأصل في القدم حتّى يجب الدّية بقطعها بلا كف) كذا في "الكافي"، ولا يذهب عليك ما فيه، فإنّ سياق الكلام في القدم ليس إلّا، والمفرع حال اليد لا محالةَ، مع أنّ حكمَهما في هذه المسألةِ واحدٌ، فإنَّ في قطعِ كلِّ أصبعِ يدٍ أو رجلٍ عُشرَ الدّية، فيكون في جميع أصابع اليد والرّجل دية يد كاملة بدون قطع الكفِّ، كما يجيءُ في محلِّه.
قوله: (وللأكثر حكم الكلّ) والثُّلثُ أكثرُها.
الجزء 1 · صفحة 38
قوله: (ولأنّها المنكشفة) ضمير المؤنث إلى "القدم"؛ لأنّه مؤنَّثٌ سماعيٌّ، دُون الأصابع، فإنَّ الكلامَ على كونِ المنكشفِ قدرَ ثلاثِ أصابعَ مِن أيِّ موضعٍ كانَ مِن الخُفِّ، لا على أنَّه الأصابعُ بخصوصِها.
قوله: (هذا إذا كان خرق الخفّ .... إلخ) الإشارةُ إلى اعتبارِ الأصاغر.
قوله: (أمّا إذا كان مقابلًا لها، فالمعتبرُ ظهورُ ثلاثِ أصابع .... إلخ) أيّتها كانت، ولا يُعتبَرُ الأصغَرُ، حتى لَو انكشَفَ الإبهامُ مع جارتِها وهما قدرُ ثلاثِ أصابعَ من أصغرِها يجوزُ المسحُ، وإن كانَ مع جارتِها لا يجوزُ. كذا قال الزّيلعي.
قوله: (لأن كل أصبع أصل في موضعها) عبارة الزيلعي: "ولا يعتبر الأصغر؛ لأنّ كل أصبعٍ أصلٌ بنفسِها، فلا يُعتبَرُ بغيرِها". انتهى.
قوله: (تحت الساق) أي: تحت ساق الخفّ، كما قاله في "الكافي".
قوله: (المعذور يمسح في الوقت لا بعده خلافًا لزفر) هذه المسألة من مسائل المجمع، وهي على ما صرّح به في شرحه المسمّى بـ"المنبع" على أربعة أوجه:
إمّا أن يكون الدّم منقطعًا وقتَ الوضوءِ واللُّبسِ، وإمّا أن يكون سائلًا في الحالين جميعًا، وإمّا أن يكونَ منقطعًا وقتَ الوضوءِ وسائلًا وقتَ اللُّبسِ، وإمّا أن يكونَ سائلًا وقتَ الوضوءِ منقطعًا وقتَ اللُّبسِ.
فإن كان منقطعًا في الحالَينِ فحكمُه حكمُ الأصحّاء.
وأمّا الفصولُ الثَّلاثةُ فهي محلُّ الخلافِ، فعندَ علمائِنا الثَّلاثةِ لا يَمسحُ خارجَ الوقتِ إلى تمامِ المُدَّةِ، وعند زفر: يَستكملُ مدَّةَ المسحِ كالصَّحيحِ. انتهى.
وقولُ صاحب "الدّرر": المعذورُ يَمسحُ في الوقتِ لا بعدَه" منتظمٌ لهذه الأوجهِ الثّلاثةِ الخلافيّةِ، وأمّا ما ذكره بقوله: "إلا إذا انقطع وقت الوضوء واللبس". فهو الوجهُ الرّابعُ المتَّفقُ عليه.
الجزء 1 · صفحة 39
وقوله: (حتى إذا وجد حالَ الوضوء لا اللّبس .... إلخ) تفريعٌ على الاستثناءِ المذكورِ، بعكسِ نقيضِه، فيكون حال في الحقيقة تفصيلًا للمستثنى منه المذكور، أعني قوله: "يمسح في الوقت لا بعده".
ويرجعُ حاصلُه إلى التنبيهِ على جريانِ تلك الخلافيَّةِ في الصورِ الثلاثِ دونَ الرّابعةِ، كما أفصَح عنه ابن الملكِ حيثُ قالَ: "اعلَم أنَّ هذا الخلافَ فيما إذا كانَ دمُ المَعذورِ سائلًا حالَ الوضوءِ دونَ اللُّبسِ، وبالعكسِ، أو في الحالين معًا، وأمّا إذا كان منقطعًا فيهما فيمسحُ إلى تمامِ المدّةِ اتفاقًا. انتهى.
ويظهر لك ممّا قرّرناه أنَّ الضميرَ المستترَ في "وُجِدَ" إلى العذرِ لا إلى الانقطاعِ كما ظُنَّ، كيفَ لا وانقطاعُ العُذرِ في الحالَينِ هي المسألةُ المُستثناةُ في المتنِ بعينِها، وحكمُها حكمُ الأصحّاءِ في صحّةِ المسحِ بعدَ الوقتِ كما تَحقَّقت، فلا يصحّ ترتُّبُ قولِه: "لم يمسح بعده" جزاءً على الشَّرطِ المذكورِ، وهذا ظاهرٌ.
لا يقال: ذكرُ الصُّورتَينِ مِن وجودِ العُذرِ في حالٍ الوضوءِ لا اللّبسِ، وهذا ظاهر، وعكس ذلك مغنٍ عن ذكر وجود العذر في الحالين معًا، فإنَّ عدمَ المسحِ بعدَ الوقتِ إذا تحقَّقَ مع وجودِ العذرِ في أحدِ الحالينِ، فمَع وجودِ العذرِ في كلا الحالَينِ يكونُ أولى؛ لأنّا نقول: هو جرى على عادةِ علماءِ علمِ الخلافِ من استقصاءِ الاحتمالاتِ العقليَّةِ، ثمّ تعيينُ ما هو المتَّفقُ عليه والمختلفُ فيه فيهما، حتّى إنّهم ربّما يذكرونَ في استقرائِهم الأقوالَ المُهملةَ الّتي لَم يقُل بها أحدٌ؛ لأنَّ كمالَ اعتنائِهم ببيانِ الخلافِ والاختلافِ.
وهذه المسألةُ من مسائلِ ذلك العلمِ لا محالة، ولهذا لم يذكر في "الهداية" وغيره، وقد ذكرَها صاحب المنظومةِ في بابِ الأقوالِ المخصوصةِ بزُفَر.
الجزء 1 · صفحة 40
قلت: وممّا يجبُ التَّنبيه له لمن طالع كتاب "الدّرر" أن المجمعَ لأبي السّاعاتي من أحدِ مآخذِه، وهو على ما صرَّح به مصنِّفُه المذكورُ في ديباجته يحوي مختصرَ الشيخ أبي الحسن القدوريّ ومنظومة الشيخ أبي حفص عمر النّسفي، والأولى تهدي إلى فقهِ المذهبِ، والأخرى تعرف الخلافَ بين المذاهبِ، فلا عزو لصاحب "الدرر" إن عامل في مسائل ذلك العلم معاملةَ علمائِه.
قوله: (بخروج أكثر القدم إلى الساق) المرادُ ساقُ الخفّ، وهذا بناءً على الأكثر، وإلّا فساقُ الخفِّ غيرُ معتبرٍ، حتّى لَو لَبِسَ خفًّا لا ساقَ له يجوزُ المسحُ إن كان الكعبُ مستورًا، كما في "الكافي".
قوله: (وقيل: أكثرِ العقبِ) لفظُ "أكثر" مجرورٌ، والمعنى: وقيل: ولو كان النّزع بخروجِ أكثر القدم إلى السّاق.
قوله: (والعقب يخرج ويدخل) الظاهرُ أنَّ خروجَ العَقبِ عن الخفِّ مع كونِ القدمِ مستقرًّا في مكانِه يُتصوَّرُ بأن يخلَعَ عقبَ الخفِّ عن عقبِ الرِّجلِ، وهذا يظهَرُ في خفٍّ لا ساقَ له.
قوله: (لأنَّ الانتقاضَ في الوظيفةِ الواحدةِ لا يَتجزّأُ) عبارة الزّيلعي: ولنا أنّ طهارةَ الرِّجلَينِ لا تَتجزَّأُ؛ إذ هما وظيفةٌ واحدةٌ، ولهذا لا يجوزُ أن يغسلَ إحداهما ويمسحَ الأخرى، فإذا انتقَضَ في إحداهما انتقَضَ في الأخرى ضرورةَ عدمِ التَّجزُّئِ. انتهى.
قوله: (لأن نزع إحداهما كنزعهما لعدم التجزؤ) "فصارَ كنزعِ أحدِ الخُفَّين، حيث يجب عليه نزع الآخر ولا نزع في ظاهرِ الرّواية؛ لأنّه لو لبسَ الجرموقَ فوقَ الخفِّ الواحدِ في الابتداءِ، كانَ له أن يَمسحَ عليه وعلى الخفِّ الآخرِ، فكذا إذا نزعَ أحدهما في الانتهاء". كذا قال الزّيلعي.
قوله: (كالغسل ز لما تحتَها) بخلافِ المسحِ على الخفِّ.
وفائدته تظهر في مسائلَ ذكَرَ بعضَها صاحبُ "معراج الدّراية" ك وبعضها الزيلعي، ومن جملتها: التوقيت بمدَّةٍ، وما ذكرَه بعدَه، ولذلك أورده بفاءِ التَّفريعِ.
الجزء 1 · صفحة 41
قوله: (فلا يتوقت بمدَّةٍ كالغسل) أي: بخلافِ المسحِ على الخُفِّ.
قوله: (ويجمع به، أي: بالغسل) أي: بخلاف المسحِ على الخُفِّ، كما سَبَقَ.
قوله: (وجاز - أي: المسح على الجبيرة - ولو شدت) الجبيرة على وضوء، أي: بخلاف المسح على الخفِّ.
قوله: (وترك المسح على الجبيرة إن ضر، وإلا فلا يترك) فيه أقوالٌ عديدةٌ، والظاهرُ أن معتمدَ صاحب "الدرر" ما في "معراج الدراية" نقلاً عن "الإيضاح" من أن يتركَ المسحَ عليها، وذاك يضرُّه جازَ بالاتّفاق، وإن لَم يخَف الضَّررَ لم يجُز في قولِهما، ولم يحكِ في الأصلِ قولَ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، والصحيحُ أنَّه ليسَ بفرضٍ عندَه، خلافاً لهما.
ثمَّ قالَ: "وفي "شرح المجمع": مسحُ الجبيرةِ مُستحَبٌّ عندَ أبي حنيفةَ، واجبٌ عندَهما".
وقيلَ: الوجوبُ متَّفقٌ عليه، وهذا أصحُّ، وعليه الفتوى.
وفي "الكافي":، لو تركَه جازَ إن لَم يَضرَّه. وعندَهما: إن لَم يَضُرَّ لَم يَجُز". انتهى. .
ولا يوافقه ما في "الدرر".
قوله: (ولا يبطله، أي: المسح .... إلخ) وإذا نزعَها قبلَ البُرءِ يَبطُلُ. كذا في "معراج الدارية".
قوله: (أي: وإن لم تسقط عن برء إما بأن لا تسقطَ، أو تسقط لكن .... إلخ) الذي يظهُر كان الاقتصارُ في تفسيرِه على السقوطِ لا عن بُرءٍ، كما فعلَه الزَّيلعيُّ؛ إذ المحتاجُ إلى البيانِ ليسَ إلّا ذاك، وأمّا صورتُه أن لا تسقطَ، فليس مَظِنَّةَ البُطلانِ حتّى يُحتاجَ إلى إدخالِها في البيانِ.
قوله: (ويكفي المسح على أكثر العصابة .... إلخ) ويظهَرُ منه: "أنَّ الجبيرةَ يَجبُ استيعابُها بالمسحِ في روايةٍ، بخلافِ الخفِّ؛ فإنَّه لا يَجبُ استيعابُ مسحِه روايةً واحدةً". كذا قالَ الزَّيلعيُّ.
قوله: (ولا يشترط فيه الاستيعاب) أي: المسحُ على العصابةِ كلِّها، سواء كانَ تحتَه جراحةٌ أو لا.
الجزء 1 · صفحة 42
قوله: (وإن لم يضر حلها، بل نزعها عن موضعِ الجراحة يضر يحلها) جزاءُ الشرطِ قولُه: "يحلّها"، وقوله: "نزعها" مبتدأ خبره قوله: "يضر"، وهذه الجملةُ معترضةٌ بينَ الشرطِ والجزاءِ.
قوله: (وأما الموضع الظاهر من اليد) كذا في أكثرِ النُّسخِ، والصواب: "من البدن" كما وقع في عبارة صدر الشريعة، والظاهر أن "الظاهر" بالظاء المعجمة.
قوله: (ما يلي بين العقدتين) بدل من قوله: "الظاهر من البدن"، ثم إن عبارة صدر الشريعة: "ما يلي العقد من العصابة"، والله تعالى أعلم.
بابُ دماءٍ تَختَصُّ بالنِّساءِ
قوله: (فلا وجهَ لأخذِه في حدِّ الحيضِ) أي: فلا وجهَ لأخذِ هذا القيدِ في حدِّ الحيضِ؛ لإخراج ما تراه الآيسةُ عنه؛ لأنه يعدُّ حيضاً على المذهبِ الأصحِّ.
ولَو قالَ بدلَ قولِه: "لأنه مختلف فيه"، "لأن ما تراه الآيسةُ حيضٌ على الأصحِّ"، لكانَ أظهرَ.
قوله: (ولأنه مدة اللزوم) كذا قال الزَّيلعيُّ، وذلك لأنَّ الإقامةَ من حيثُ هي لازمةٌ، والسَّفرُ يحدُثُ أحياناً، وكذا الطُّهرُ بالنِّسبةِ إلى الحيضِ، وحاصلُه يرجعُ إلى كونِ تلك المدَّةِ معتبرةً في الشرع توقيتًا لما لَزِمَ.
ونظيرُ هذا ما يَجيءُ في بابِ كتابةِ العبدِ المشتركِ: أنَّ "ثلاثةَ أيّامٍ ضُرِبَت لإبلاءِ الأعذارِ، كإمهالِ الخصمِ للدَّفعِ والمَديونِ للقَضاءِ"، ومَن فسَّر هذا اللُّزومَ بلزومِ العبادةِ فقد خَبَطَ خَبْطَ عشواء.
قوله: (فإن قيل: قد تقرَّرَ أنَّ أقلَّ الحيضِ ثلاثةُ أيّامٍ، وأكثرَه عشرةُ أيام .... إلخ) الذي يَظهَرُ أنَّ هذا سهوٌ ظاهرٌ، ولا منشأَ لهذا السُّؤالِ؛ إذ لم يقل أحدٌ إنَّ أقلَّ الحيض وأكثره يجتمعانِ مع أقلِّ طهرٍ واحدٍ، ولا هو مما يستدعيه كلامهم حتى يشتبهَ وجهُه على السّائلِ.
قوله: (فحينئذ يكون لأكثره عادةً) كذا في النُّسخِ، والأظهرُ "غاية"، كما في "شرح الهداية"؛ لأنه استثناء من قوله: ولا حدَّ لأكثرِه، والحدُّ بمعنى الغاية.
الجزء 1 · صفحة 43
قوله: (واختلفوا في تقديرِ مدَّتِه) أي: مدَّةِ نصبِ العادة، كذا قيل.
قوله: (لأن العادةَ نقصانُ طهرِ غيرِ الحاملِ عن طهرِ الحاملِ) كذا قالَ صدرُ
الشَّريعةِ.
وعبارة "الكافي": "لأنَّ الطهرَ المتخَلِّلَ بينَ الدَّمينِ دونَ مدَّةِ الحملِ عادةً". انتهى.
قوله: (صورته .... إلخ) هي بعينِها مأخوذةٌ من كلامِ صدرِ الشَّريعةِ.
قوله: (مبتدأة) أي: التي رأت الدم في مبتدأ بلوغها، الذي يُفهَمُ من كلامِ صاحبِ "العناية" جوازُ كونِها اسمَ فاعل واسم مفعول.
والذي يظهَرُ من صورةِ الحفظِ في نسخ هذا الكتابِ كونُها على صيغةِ المفعولِ، فكأنَّهم جعَلوها بمعنى امرأةٍ ابتدأَ بها الدم، كما قيل: وإن قالَ المُطرِّزيُّ في "المغرب": "لا يقال ابتدأ زيد؛ لأنَّ الابتداءَ لا يَتعلَّقُ بالأشخاصِ؛ كالإرادة". انتهى.
فإنه يجوزُ أن يكونَ من أغلاطِ الفقهاءِ.
قوله: (وستة أشهر طهراً) وهذا قيدٌ اتفاقيٌّ، كما قيل، ولذا قال في "الكافي" بدلها: "وستة طهراً". وصاحب "الكفاية" جَمعَ بين ذكرهما بـ"أو" الفاصلة.
قوله: (ثم استمرَّ الدم) قيل: هذا مبنيٌّ على قول أبي يوسف؛ من حيث إنَّه لا يُشترَطُ الإعادةُ في العادةِ. انتهى.
قلت: لا غرر، فإن الفتوى على قولِه، كما في "شرح المجمع" وغيره.
قوله: (وإلى ثلاثة أطهار) قيل: ههنا بحث؛ لأنَّا لا نحتاج إلى الثالث.
والجواب: أن قائلَ ذلك القولِ بنى الكلامَ على جوازِ أن يكونَ وقوعُ الطَّلاقِ عليها في حالةِ الحيضِ، فيحتاجُ إلى ثلاثةِ أطهارٍ، كما يظهر من كلام صاحب "الكفاية".
قوله: (وهو في الأصل ولادة المرأة) الظاهر أن هذا كافٍ في إفادة المقصود، وقوله بعد ذلك: "إذا وضعت" فحشو لا طائلَ تحتَه.
قوله: (فالعشرة التي بعد الثلاثين) كذا في نسخ هذا الكتاب، وعبارة صدر الشريعة: "فالعشرون"، بدل "العشرة"، وهي الصواب.
الجزء 1 · صفحة 44
قيل: لم يقل: "فالعشرون التي بعدَ الثَّلاثين" على قياسِ ما قال: "فخمسةُ أيّامٍ بعدَ السَّبعِ استحاضةٌ"؛ لأنَّ المحتاجَ إلى البيانِ العشرةُ التي بعد الثَّلاثين لا ما فوقَه. انتهى.
وهو توجيهٌ ناقصٌ لا يساوي حسنُه ما في هذه العبارة من قبحِ إيهامِ خلافِ ز المقصود، فإن الظاهر من هذا التقييد هو كونُ حكمِ العشرة التي بعد الأربعين على غيرِ هذا الحكمِ على أنَّ مقتضى ما ذكرَ هو الاقتصارُ في صورة الحيضِ أيضاً على الاثنينِ اللَّذَينِ فوقَ العشرةِ، فإنَّ المحتاجَ إلى البيان ليسَ إلا هما.
ولعلَّ حملَه على السَّهوِ أسهلُ من ارتكابِ ك مثلِ هذا التَّوجيهِ، وليس بأول قارورةٍ كسرت.
قوله: (خلافاً للشافعيِّ رحمه الله تعالى) قالَ في "معراج الدراية": وللشافعي فيه ثلاثةُ أقوالٍ:
الأول: وهو الأصح: أنه يعتبر من أولِ ابتداءِ المدَّةِ، كما قالَ أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى". انتهى.
وعليه كلامُ الزَّيلعيِّ عندَ قولِ صاحبِ "الكنزِ": "ودم الحاملِ استحاضةٌ".
قوله: (لهم أنّها حامل به) عبارة "الهداية": أنها حاملٌ بعدَ وضعِ الأوّلِ، فلا تَصيرُ نفساءَ، كما أنَّها لا تَحيضُ".
ولو أسقطَ صاحبُ "الدرر" لفظ "به" من كلامه لكانَ أصوبَ.
قوله: (فلا يكون دمها من الرحم) والنفاس: هو الدَّمُ الخارجُ عقيبَ الولادةِ من الرَّحمِ.
قوله: (وهو كذلكَ) أي: الدَّمُ الذي خرَجَ بعدَ الولدِ الأوّلِ خارجَ عقيبِ الولادةِ.
قوله: (وانقضاء العدة متعلق بوضع حمل مضاف إليها .... إلخ) أي: في قوله تعالى:
?? ? ? ? ? ? ?? (الطلاق:).
قوله: (فيتناول الجميع) أي: كل الحمل، قال في "معراج الدراية": والحملُ اسمٌ لكلِّ ما في البطنِ، وما بقيَ الولدُ في بطنِها موجودًا كانَ الحمل باقيًا، ولهذا لو قال: إن كانَ حملُكِ غلامًا فأنتِ حرّةٌ، فولدَت غلامًا وجارية لم تعتق؛ لأن الغلام صارَ بعضَ الحمل فتتناوله الآية.
الجزء 1 · صفحة 45
وفي مسألة التعليق ذكر الحمل في موضع الشرطِ فيَتناول الكلَّ، ولا كذلك في مسألتنا". انتهى.
قوله: (ويحنث لو كان علق يمينه بالولادةِ) أي: إذا قال: إن ولدتِ فأنتِ طالقٌ؛ تَطلُقُ بخروجِ سقطٍ ظهَرَ بعضُ خلقِه، كذا قال صدر الشريعة.
قوله: (بل هو أن تبلغ من السن ما لا تحيض مثلها) "وذلك يُعرَفُ بالاجتهادِ"، كذا قالَ الزَّيلعيُّ.
قوله: (فما رأته بعد الانقطاع حيض، أي: إذا لم يحد، فإن رأت بعد ذلك دمًا .... إلخ) قالَ الزَّيلعيُّ: "وذكر في "الغاية" معزيًا إلى الإسبيجابي على رواية عدم التقرير: لو اعتدت بالأشهر ثم رأت الدم لا تبطل الأشهر، وهو المختار عندنا". انتهى.
ولا يذهَب عليك أنَّ صاحبَ "الدرر" أسقَطَ عن كلامِه ههنا ذكر هذا القول المختارِ، وساقَ كلامَه على أنَّ القولَ للمشايخِ على تقديرِ عدمِ التَّقديرِ للإياس واحدٌ، وليس كذلك، كما قرَّرَه الزيلعي، وعلى ذلك القولِ المختارِ لا يَكونُ حيضًا ولا تستأنف العدة، ولا يبطُلُ النكاح، وكأنه أرادَ أن يوفِّقَ كلامَه ههنا مع ما سيجيءُ منه في بابِ العدَّةِ، حيث قال: "ومَن عادَ دمُها بعدَ أشهرِ الحيض"، تبعًا للكنزِ وغيره، فإنه هذه المسألة بعينها. .
قوله: (وتفسد الأنكحة) عبارة الزيلعي: "ويبطلُ النِّكاحُ إن تزوَّجت".
قوله: (تيسيرًا على من ابتلي بارتفاع الحيض بطول العدة) الباء الأولى سببية، والثانية صلة "ابتلي"، وذلك لأنها لو بلغَت فحاضَت ثلاثةَ أيّامٍ، ثمَّ انقطَعَ سنةً أو أكثرَ، فعدَّتُها لا تنقضي بالأشهرِ ما لَم تَبلُغ حدَّ الإياسِ، كما صرَّحَ به صاحب "جامع الفصولين" في فصل العدة من "التسهيل"، فإنها في هذه الصورةِ قد ابتُلِيَت بسببِ ارتفاعِ الحيضِ بطولِ العدَّةِ، فكون حدِّ الإياسِ خمسينَ سنة أيسرُ عليها من كونِه خمسًا وخمسينَ أو ستّينَ، فيكون الإفتاءُ به راجحًا على الإفتاءِ بما زادَ عليه.
الجزء 1 · صفحة 46
قوله: (ويبطل به الاعتداد بالأشهر قبل التمام وبعده لا) إشارةٌ إلى ما ذكرَه في بابِ العدَّةِ من "الكفاية" من أنَّ الصَّدرَ الشَّهيدَ كان يُفتي ببُطلانِ الاعتدادِ بالأشهرِ إن كانَت رأَت الدَّمَ قبلَ تمامِ الاعتدادِ بالأشهرِ، ولا يُفتي ببُطلانِ الاعتدادِ بالأشهُرِ إن كانَت رأت الدم بعد تمام الاعتدادِ. انتهى.
وما يدلُّ عليه كلامُ قاضيخان من أنَّه لا يَفسُدُ النِّكاحُ بعدَ انقضاءِ عدَّة الأشهر على قول من يَرى تحديدَ الإياس، مبناه اختيارُ طريقةٍ أخرى في جوابِ المسألة، فليتدبر.
قوله: (ويستوعب الوقت كله) حشوٌ زادَه المصنِّفُ، وليسَ في الكلامِ المنقولِ عن تلك الكتبِ ذلك، كما يَظهَرُ من "شرح الكنز" للزيلعي.
قوله: (ويكون الثبوت مثل الانقطاع .... إلخ) يريد أن شروطَ ثبوته ابتداءً أن يستوعب استمرار العذر في وقت الصلاة كاملًا، كالانقطاع لا يثبت ما لم يستوعب الوقت كله.
قوله: (بدليل أن شراح "جامع الخلاطي" قالوا في شرح قوله: لأن زوال العذر باستيعاب الوقت كالثبوت) ظاهر كلام الخلاطي موافق لما في "غاية السروجي" نقلًا عن الكتب المذكورة، فإن المتبادر من لفظه حيث شبه زوال العذر في استيعاب الوقت بالثبوت كون الاستيعاب حقيقة فيهما، كما سَبَقَ منه.
قوله: (وللإشارة إلى دفع هذا الاعتراض قلت أولًا: ولو حكمًا، وآخرًا: حقيقة) أنت خبيرٌ بأنَّ مرادَ الدَّفعِ قولُه: "لو حكمًا" فقط، لكنَّه لمّا كانَ التقييد بقوله: "حقيقة" في صورةِ الزَّوالِ من مُستدعَياتِه، قالَ ذلك ليَدفعَ به ما عسى أن يُتوهَّمَ من أن يكونَ استيعابُ الانقطاعِ في الزَّوالِ أيضًا كذلك، ففي عبارتِه مِن التَّسامُحِ ما لا يَخفى واللهُ تعالى أعلم.
باب تطهير الأنجاس
الجزء 1 · صفحة 47
قوله: (إن لم يشق زواله) وأما إذا شق زواله بأن يحتاج إلى صابون أو حرض أو غيرهما فعدم إزالة أثرها بالماء لا يضر، قال عليه الصلاة والسلام: «يكفيك الماء ولا يضر أثره»؛ لأنه إذا لم يزل كان في ضرورة وسقط حكم النجاسة بالضرورة، ولأن الأثر عبارة عن اللون، والنجاسة ما كانت باعتبار اللون بل باعتبار النتن والعين، وكلاهما قد زالا. كذا في "معراج الدراية" نقلًا عن "مبسوط" شيخ الإسلام.
قوله: (وبمائع مزيل) المائع: السائل، من ماعَ، أي: سالَ. كذا في ز "معراج الدراية".
قوله: (فإن فيه دسومة .... إلخ) الظاهر أن هذا التَّعليلَ يَنتظِمُ اللَّبنَ والدُّهنَ، لا الدِّبسَ الذي هو أيضًا في حكمهما، وعلل في "معراج الدراية" للثلاثةِ: "بأن بها تنبسطُ النَّجاسةُ ولا تزولُ". انتهى.
قوله: (اعلم أن ما لا ينعصر .... إلخ) قالَ الزَّيلعي: "كالخزفِ والآجُرِّ والخشبِ والحديد والجلدِ المدبوغِ بالنَّجسِ، وعلى هذا قك الخلافِ الحصيرُ".
قوله: (بالماء النجس) متعلق بالمسألتين على سبيلِ التَّنازعِ، ثمَّ إنَّه وَضَعَ قاضيخان مسألةَ اللَّحمِ في الطَّبخِ بالخَمرِ.
قوله: (فطريق غسله وتجفيفه) لعله لو قال: "فطريق تطهيره" لكانَ أظهرَ.
قوله: (أن تنقع الحنطة في الماء الطاهر) عبارة الزيلعيِّ: "وتطبَخُ الحنطةُ واللَّحمُ بالماءِ الطّاهرِ ثلاثَ مرّاتٍ، وتُبرَّدُ في كلِّ مرَّةٍ".
قوله: (ويفعل ذلك فيهما) الذي يظهَرُ أن يكونَ قوله: "فيهما" متعلقًا بهذا الفعلِ وحدَه، ولا يكونُ معمولًا له ولقوله: "تبرّد" على سبيلِ التنازع؛ إذ لم يذكر الغليَ في مسألةِ الحِنطةِ، حتّى يكونَ تبريدٌ هناك، بخلافِ عبارة الزَّيلعيِّ، ثمَّ إنَّه ليسَ في كلامِ قاضيخان التَّبريدُ في مسألةِ اللَّحمِ أيضًا، وإنَّما هو في مسألةِ السِّكِّين.
الجزء 1 · صفحة 48
قوله: (ولو تنجس العسل .... إلخ) الظاهرُ أنَّ هذه المسألةَ والتي بعدَها ليستا من الخلافيَّةِ المذكورةِ، وقد اقتصَرَ الزيلعيُّ في تفريعِ تلك الخلافيَّةِ على المسائلِ الثَّلاثِ المُتقدِّمةِ، فكانَ الأولى تغييَر ذلك السِّياق بما يسُدُّ بابَ إيهامِ خلافِ المقصودِ.
قوله: (إن طهر رأس الحشفة) قال في "النهاية": المنيُّ اليابسُ إنَّما يطهُرُ بالفَركِ إذا كانَ رأسُ الذَّكرِ طاهرًا وقتَ خروجِه، بأن كانَ بالَ واستنجى، وأما إذا لم يكن طاهرًا لا يطهُرُ". انتهى.
قوله: (دفع لتوهم أن بول صغير لم يطعم يكون طاهرًا) قال الزيلعي: لا يجبُ عندَ الشّافعيِّ رحمه الله غسلُ بولِ الغلام الذي لَم يأكُل الطَّعامَ، بل يُرَشُّ عليه الماءُ لا غير". انتهى.
والظاهرُ أن يكونَ الصَّغيرةُ أيضًا داخلًا في الصَّغيرِ تغليبًا، قال في المختار: وكذا بولُ الصَّغيرِ والصَّغيرة، أكَلا أو لا، وقد فرَّقَ بعضُ الشّافعيَّةِ بينَهما، كما ذكره الزيلعي.
ثم إنه لو قال في المتن: "ولو من صغيرٍ لَم يَطعَم"، كما في "المجمع" لكان أظهرَ.
قوله: (وخرء الدجاجةِ) قال في "الخلاصة": وخرءُ ما يُؤكَلُ لحمُه من الطُّيورِ طاهرٌ، إلا ما لَه رائحةٌ كريهةٌ، كخرءِ الدَّجاجِ والأوزِ والبَطِّ، وهو نجسٌ نجاسةً غليظةً".
قوله: (وبول ما يؤكل لحمه) الظاهرُ أنَّه يعمُّ الطَّيرَ وغيرَه، فينبغي أن يُستَثنى منه الدَّجاجُ والأوزُ والبَطُّ، على حكمِ ما في "الخلاصة".
قوله: (وخرء طير لا يؤكل) قال في "الهداية": وإن أصابَه خرءُ ما لا يُؤكَلُ لحمُه من سباعِ الطيورِ أكثرَ مِن قدرِ الدِّرهمِ؛ أَجزأَت الصَّلاةُ فيه عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ رحمهما الله، وقالَ محمَّدٌ رحمه الله: لا يجوز". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 49
فجعل صاحب "الدرر" إياه مما عُفِيَ ما دونَ ربعِ ثوبٍ منه لا يوافقُه، وهو اعتمَدَ في ذلك على ما قالَه الزَّيلعيُّ من أنَّ الصَّحيحَ روايةُ الهندواني، وهو "أن نجاسته مخفَّفَةٌ عندَه، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله مغلظة". انتهى.
قوله: (أي: بول ما لا يؤكل لحمه، فإنَّ بولَ ما يُؤكَلُ مختلفٌ فيه) هو عين عبارةِ "شرح المجمع" لابن الملك بيانًا لإطلاقِ المصنِّفِ في مسألةِ عدِّ البولِ مطلقًا من الأنجاسِ المغلَّظَةِ، حيثُ يدلُّ على قاعدتِه الموضوعةِ على اتّفاقِ الأئمَّةِ، بخلافِ كلام صاحب "الدرر" ههنا، فإنَّ غايةَ ما أفادَه الكلامُ إذا أُهمِلَ هذا التَّقييدُ:
أن يكونَ كلُّ بولٍ انتضحَ كرؤوسِ الإبرِ معفوًّا، والعفوُ إنَّما يُتصوَّرُ فيما يكونُ نجسًا، فلا يكونُ قولُ محمَّدٍ رحمه الله: بأن ما يؤكلُ طاهرٌ، داخلًا فيه، فإن الحكمَ على طاهرٍ بأنَّ قليلَه معفوٌّ يكونُ لغوًا من الكلام، فلا وجهَ لتوجيهِه بأنَّه عندَ محمَّدٍ رحمه الله طاهرٌ، فكون ما انتضحَ منه عفوًا أولى، على أنَّك قد تحقَّقتَ أنَّ المرادَ بالبولِ ههنا في "الكنز" وغيرِه ليسَ إلا بولَ الإنسانِ، على ما هو المتبادَرُ من إطلاقِه، وما وَقَعَ فيما وَقعَ إلّا مِن تغييرِ أوَّلِ الكلام.
قوله: (انتضح كروؤس الإبر) قال الزيلعي: "وأمّا البولُ قدرَ رؤوسِ الإبرِ، فمَعفوُّ للضَّرورةِ، وإن امتلأ الثَّوبُ. وعن أبي يوسف رحمه الله: وجوبُ غسلِه؛ أنَّه نجسٌ حقيقةً.
قلنا: لا يُستطاعُ الامتناعُ عنه، فسَقَطَ حكمُه.
وقوله: "قدر رؤوس الإبر" يشير إلى أنه إذا كانَ قدرَ جانبِها الآخرِ يُعتبَرُ، والحكمةُ أنَّه لا يُعتبَرُ للضَّرورةِ". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 50
وقال في "غاية البيان": وقيد رؤوس الإبرِ احترازٌ عن رؤوسِ المسال؛ لأنَّها معتبرَةٌ، حتى إذا زادَ ما ترشَّشَ من البَولِ على قدرِ الدِّرهمِ يَمنعُ جوازَ الصَّلاةِ إذا كانَ بولَ ما لا يُؤكَلُ لحمُه، وفي بولِ ما يُؤكَلُ لحمُه لا يَمنَعُ ما لَم يَفحُش عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ رحمهما الله، وعندَ محمَّدٍ رحمه الله: طاهرٌ.
قوله: (لا رماد قذر) بالإضافة، أي: غائط كما في "المصباح المنير"، وهو بفتحِ القافِ وسكونِ الذّال، وككَتِف ورَحل وجَمَل أيضًا، كما في "القاموس".
قوله: (كالميتة إذا صارت ملحًا) أنت خبيرٌ بأنَّ هذا عينُ مسألةِ المتنِ، فلا وجهَ لردِّها مع المسائلِ التي أُريدَ تشبيهُ مسألةِ المتنِ بها.
قوله: (والخمر) هو مجرورٌ بالعطفِ على الميتةِ، أو على العذرةِ.
قوله: (خلًّا) أي: إذا صار خلًّا.
قوله: (يصلي على ثوب غير مضرَّب) قال في "المغرب": "بساطٌ مضرَّبٌ؛ إذا كان مخيطًا". انتهى.
قوله: (بطانته نجسة) هي ما يلي الأرض.
قوله: (فنسي؛ أي: وقع النسيان) الظاهرُ كونُ الفعلِ المذكورِ على صيغة المجهولِ مسندًا إلى مصدرِه، كما قيلَ في {تقطع بينكم}، والمعنى: وقع القطع، ولا صحَّةَ لِما قيلَ: إشارةٌ إلى أنَّه مِن قَبيلِ تنزيلِ المتعدِّي منزلةَ اللازمِ. انتهى.
إذ ليس مثل قولهم: يعطي ويمنع، على تحويل الإسناد.
قوله: (وغسل طرفاً آخر منه) كذا في "الوقاية"، والظاهرُ غسلُ طرفٍ منه، فإنَّ لفظَ "آخر" يمنعُ وضعَ المسألةِ على النِّسيانِ.
قوله: ز (كما لَو بالَ حُمُرٌ) قيل: خصَّصَها بالذِّكرِ للاتّفاقِ في غلظةِ نجاسةِ بولِها، فيُعلَمُ الحكمُ في غيرِها بالدّلالةِ.
قوله: (فقسم) يعني: لو قسَمت الحنطة مثلًا يكونُ كلُّ واحدٍ من القسمَينِ طاهرًا؛ إذ يحتملُ كلٌّ من القسمَين كونَ النَّجاسةِ في الآخر، فاعتبرَ هذا الاحتمالُ في الطَّهارةِ لمكانِ الضَّرورةِ. كذا في "شرح الهداية" لتاج الشريعة.
الجزء 1 · صفحة 51
قوله: (في "مجمل اللغة": النجو ما يخرج من البطن، والاستنجاء: طلب الفراغ عنه وعن أثره) أنت خبيرٌ بأنَّه إذا كانَ النَّجوُ: ما يَخرُجُ من البطنِ، يكونُ الإفعالُ منه بمعنى الفراغِ عنه، على أن يكون همزتُه للسَّلبِ، ويكونُ الاستفعالُ منه بمعنى: طلب الفراغ عن النجو.
ومجيءُ الاستفعالِ لطلب الإفعالِ دونَ طلبِ الثُّلاثيِّ وإن كانَ قليلًا، يحتاجُ إلى سماعٍ مِن أهلِ العربيَّة، فكلامُه مثلُ صاحبِ "المجمل" كافٍ في ذلك، وقد عرفتَ وجهَ دلالتِه عليه.
قوله: (كمدر وخشب .... إلخ) وعودٍ وخرقةٍ وقطنٍ ك وجلدٍ وما أشبهها، كذا قال الزيلعي.
قوله: (فيرد عليه أنه غيرُ مرتبطٍ بما قبلَه؛ لأن العدد .... إلخ) قد أجابَ عنه صاحبُ "الإصلاح والإيضاح" بأنَّ المنفيَّ بقولِه: "بلا عددٍ" لزومُ العددِ في إقامةِ السُّنَّةِ لا نفسُهنُّ.
وللتَّنبيهِ على ذلكَ قالَ: "يُريدُ بالحجرِ الأول .... إلخ"، يعني: إذا احتاجَ في إقامةِ السُّنَّةِ إلى العددِ يَفعلُ ذلك.
قوله: (ثم أضرَبَ بقولِه: بل استُحِبَّ) كذا في النسخ، والصواب: "بل ندب".
قوله: (ويقبل بالأولِ والثّالثِ، ويُدبرُ بالثاني في الشتاء) يخالفُ ما في كلامِ صدرِ الشَّريعةِ مِن أنَّ الرجلَ يُقبلُ بالأوّلِ ويُدبرُ بالثّاني والثّالثِ شتاءً.
قوله: (والمرأة في الوقتَينِ - أي: الصيف والشتاء - مثلُه صيفاً) قالَ الزَّيلعيُّ: "والمرأة تفعلُ في جميعِ الأوقاتِ مثلَ ما يفعلُ الرَّجلُ في الشِّتاءِ.
لكن ما في "الدرر" موافقٌ لِما في النَّوازلِ والواقعاتِ وفتاوى قاضيخان.
قوله: (ويجبُ - أي: غسلُ المخرجِ - بمجاوزة ما فوق الدرهم .... إلخ) قلت: هذا مسلك صاحب "الوقاية".
والذي يظهَرُ من الكنزِ وشرحِه للزَّيلعيِّ: أنَّ ههنا مسألتَين:
إحداهما: أنّه يجبُ الاستنجاءُ بالماءِ إذا جاوزَت النجاسةُ المَخرجَ.
الجزء 1 · صفحة 52
والأخرى: أن يكونَ القدرُ المانعُ من الصَّلاةِ - أعني: الأكثر من قدرِ الدِّرهمِ - ما جاوَزَ المَخرجَ مِن النَّجاسةِ فقط.
والأولى اتفاقية، والثانية خلافية، فإنَّ المُعتبَرَ عندَ محمَّدٍ المجاوزةُ مع موضعِ الاستنجاءِ، فالمَحلُّ محتاجٌ إلى زيادةِ تدبُّرٍ بعدُ.
قوله: (لما فيه من تحقير المال المحترم) قلت: الأصوب ما ذكره الزيلعي من أنه عليه الصلاة والسلام قال في العظم: «لا تستنجوا به فإنه طعام إخوانكم»، يعني: الجن، فطعامُنا أولى أن لا يُستنجى به.
قوله: (وفيه إشارةٌ إلى ما ذكره في الأجناس .... إلخ) حيثُ قالَ عليه الصلاة والسلام: «إذا أتيتُم الغائطَ».
قوله: (ولو في البنيان) هو بمعنى: ما يُبنى، كما في "المصباح المنير"، وإن لم يذكر في "القاموس" إلا مصدراً لـ"بنى".
قوله: (ويجب الاستبراء بالمشي .... إلخ) وهذا الاستبراءُ قبلَ الاستنجاءِ بالماءِ، كما يَظهَرُ من كلامِ الزَّيلعيِّ.
كتاب الصلاة
الجزء 1 · صفحة 53
قوله: (وتجبُ بأوّلِ الوقتِ على غيرِ معذورٍ .... إلخ) قالَ في "العناية": قد تقدم أن سبب الصلاة أوقاتها، ولكن لا يمكنُ أن يكونَ كلُّ الوقتِ سبباً؛ لأنَّه لَو كانَ كلُّه سبباً لَوَقَعَ الأداءُ بعدَه؛ لوجوبِ تقدُّمِ السَّببِ بجميعِ أجزائه على المسبب، فلا يكون أداء، وليس دليلٌ يدلُّ على قدرٍ معيَّنٍ منه كالرُّبعِ والخمس وغيرِهما، فوَجب أن يُجعَلَ بعضٌ منه سبباً، وأقل ما يصلح لذلك الجزءُ الذي لا يَتجزَّأُ، والجزءُ السابقُ لعدمِ ما يزاحمُه أولى، فإن اتَّصَلَ به الأداءُ تعيَّنَ لحصولِ المقصود وهو الأداء، وإن لم يتَّصل انتقلَ إلى الجزءِ الذي يليه ثمَّ، وثم إلى أن يتضيَّقَ الوقتُ، ولَم يتقرر على الجزءِ الماضي، فكانَ الجزء الذي يلي الأداءَ هو السببُ، أو الجزءُ المضيَّقُ، أو كلُّ الوقتِ إن لم يقَع أداءٌ فيه؛ لأنَّ الانتقالَ من الكلِّ إلى الجزءِ كانَ لضرورةِ وقوعِ الأداءِ خارجَ الوقتِ على تقديرِ سببيَّةِ الكلِّ، وقد زالَت، فيعودُ الكلُّ سبباً". انتهى.
وهو موافقٌ لكلامِ عامّةِ المحقِّقينَ مِن أهلِ الأصولِ، ولا يذهب عليك ما في كلام "الدرر" ههنا من خبطٍ وخَلَلٍ.
أما أولاً؛ فلما تبين لك أنَّ سببيَّةَ الوقتِ للصَّلاةِ عندَ القومِ ينتظمُ احتمالاتٍ، فحصرُها في أوّلِ الوقتِ وآخرِه كما وَقَعَ من صاحب "الدرر" ليس بصحيحٍ؛ لخروجِ الجزءِ الذي يلي الجزءَ السّابقَ إذا اتصل به الأداء ثمَّ وثمَّ، وكذا الكلُّ إن لم يقع أداءً في الوقت، فيكون مرجعه إلى وضعِ مسلكٍ جديدٍ لَم يذهَب إليه أحدٌ.
وأما ثانياً؛ فلأنَّ هذا البحثَ لا تعلُّقَ له بالمعذورِ إلا مِن جهةِ أنَّ سببَ وجودِ الصلاةِ في حقِّه الوقتُ كلُّه، لاستدعاءِ عذرِه عدمَ الأداءِ في أجزاءِ الوقتِ من حيثُ اشتراطُ الاستيعابِ فيه كما سبق، وكلامه ليس مقتصراً على ذلك.
الجزء 1 · صفحة 54
وأما ثالثاً؛ فلأنَّ الظّاهرَ من كلامِه أن يكونَ صبيٌّ بلَغَ، وكافرٌ أسلَمَ، ومجنونٌ ومغمًى عليه أفاقا، وحائضٌ ونفساء طهرتا من المعذورينَ، وليس كذلك.
أما في الصبيِّ والكافرِ والمجنون والمغمى عليه فالأمرُ ظاهرٌ، خصوصاً مع تقييدِهم بما يَندفعُ به العُذرُ، وحملُه على الوجوبِ على المعذورِ إذا زالت الأعذارُ المذكورةُ مستبعَدٌ جداً، وكذا الحائض والنفساء ليسَتا من المعذورينَ، بل التي منها هي المستحاضة، كما سبق في باب الحيض.
وأما رابعاً؛ فلأنَّ الظاهرَ أن من استوعب عذره تمام الوقت وكان معذوراً اصطلاحاً يجب عليه الصلاة بأول الوقت لما كان السبب في حقه كل الوقت، ز فلا يبقى لقوله: "ويجب بأول الوقت على غير معذور" وجه صحة؛ إذ لا فرق بين المعذور وغيره إذا لم يقارن الأداء جزء من أجزاء الوقت.
قوله: (كصبي بلغ .... إلخ) البلوغ والإسلام والإفاقة والطهارة مقيَّدةٌ بآخرِ الوقت، وسيجيء منه في آخر هذا الباب أنه "لو أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو طهرت الحائض يلزمهم فرض الوقتِ عندنا، ولو حاضت فيه عندنا لا تقضيه خلافاً للشافعيِّ". انتهى.
وأنت خبيرٌ بأنَّ الحائضِ والنفساء ليستا من المعذورين، وإنما المعذورُ هي المستحاضةُ، كما يَظهَرُ مِن صريحِ لفظِ "الكنز" في باب الحيض.
وأما عدمُ كونِ الصَّبيِّ والكافرِ والمجنونِ والمغمى عليه من المعذورينَ في اصطلاحهم، فلا يحتمل النِّزاعَ.
قوله: (بآخره) قيل في توجيهِه: الظاهرُ أنَّ المرادَ بـ"الآخر" ما يقابلُ الأوّلَ، فيَتناولُ أثناءَ الوقتِ وانتهاءَه، وأنتَ خبيرٌ بما فيه؛ لأنَّ العذرَ إذا استوعَبَ تمامَ الوقت - كما هو شرطُه - لا يكون الوجوبُ مقتصراً على أثناءِ الوقتِ وآخرِه، بل يُضافُ إلى كلِّ الوقتِ.
قوله: (لِما رُوِيَ أنَّ جبرائيل عليه السلام أمَّ برسول الله عليه الصلاة والسلام فيها) أي: في الكعبة، وعبارة الحديث: «عند البيت».
الجزء 1 · صفحة 55
قوله: (أي: زوالُها، وعليه الأكثر) عبارة الزَّيلعيِّ: "وعليه الإجماع". والظّاهرُ أنَّ صاحبَ "الدرر" حملَ قوله: "وعليه الإجماع" على غير محلِّه الصَّحيحِ.
قوله: (وأما ك الثاني فلإمامته عليه السلام في اليوم الثاني في ذلك الوقت) أراد بذلك الوقت ما قبل بلوغ الظل مثليه، كما هو حكم "الغاية" بحسب الظاهر، يدل عليه سياق الكلام، وما قبله هو بلوغ الظل مثله، فيوافق لفظَ الحديثِ في صلاة الظهر، وهو: «وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين زالت الشمس وصار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه»، وهو حكم قوله عليه السلام في آخر الحديث: «ما بين هذين الوقتين لك ولأمتك»، كما سبق منه.
والضَّميرُ في قولِه: "لإمامتِه" لـ"جبرائيل عليه السلام".
وإيّاكَ وأن تظنَّ أن يكونَ مرادُه بذلك الوقتِ ما في المتنِ في بلوغ ظلِّ الشيءِ إلى مثليه؛ فإنَّ إمامةَ جبريلَ في اليومِ الثّاني في ذلك الوقتِ إنَّما هو للعَصرِ، وكلامُنا في الظهر.
قوله: (وإضافته إلى الزوال لأدنى ملابسةٍ؛ لحصولِه عند الزوال، فلا يعدُّ
تسامحاً) لا يذهب عليك أن حقيقةَ الإضافةِ كمالُ الاختصاصِ مثلَ التَّمليك، واستعمالها
في غير هذا يكونُ إمّا تجوُّزًا إن لُوحِظَت العلاقةُ، وإلّا يكونُ تسامُحاً، وليسَ هذا أولى
من ذلك.
قوله: (وفي "المبسوط": قولُهما أوسَعُ) أي: للنّاسِ، حيثُ لا يَلزَمُ كثيرُ ترقُّبٍ لوقتِ العشاءِ؛ لأنَّه أوانُ النَّومِ خصوصاً في الصَّيفِ، وذلك لأنَّه ليسَ بينَه وبينَ وقتِ المغرب وقتٌ مهملٌ بالإجماعِ.
قوله: (وقوله أحوط) قال ابن الهمام: "إنَّ الاحتياطَ في إبقاءِ الوقتِ إلى البياضِ؛ لأنَّه لا وقتَ مهملٌ بينَهما، فبخروجِ وقتِ المغربِ يدخلُ وقتُ العشاءِ اتّفافاً، ولا صحة لصلاةٍ قبلَ الوقتِ، فالاحتياط بالتَّأخيرِ". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 56
والظاهر أن مراد من وجَّهَه بوجودِ معنى الشفقين ليسَ إلا ذاك، بأن يريدَ غروبَ الشَّفقَينِ على كلا المعنيَينِ، ولو قال: "لوجودِ معنى الشَّفقِ" لكان أوضح.
لكن يلوحُ بالبال هاهنا شبهةٌ، وهي أنَّ الأحوطيَّةَ في هذا القولِ قد تحقَّقَت بالنِّسبة إلى العشاء، والقول الآخر يتحقَّقُ فيه الأحوطيَّةُ أيضاً بالنِّسبةِ إلى صلاةِ المغربِ، فإنَّها إذا صُلِّيَت عندَ غروبِ الحُمرَةِ لا يكونُ أداءً عندَهما، فَتَرَجُح إحداهما على الأخرى بدونِ ضميمةِ شيءٍ آخرَ لا يكادُ يصحُّ.
قوله: (قبل طلوع الفجر) أي: قبيله بحيث لا يسعُ الوضوءَ والصَّلاةَ، فالواجبُ الأداءُ لا القضاء.
قوله: (هذا عندَ أبي حنيفة رحمه الله تعالى) الإشارةُ إلى ما يُستَفادُ من عبارة المتنِ مِن كونِ وقتِ العشاءِ والوترِ واحداً.
قوله: (وعندهما وقت الوتر بعد العشاء) أي: يدخلُ وقتُه بعدَ ما صلّى العشاء.
قوله: (لأنَّ الترتيبَ يسقُطُ بمثلِ هذا العذرِ) هذا التعليلُ يعمُّ الصُّورتَينِ المذكورتين، وهذا بناءً على أن الوتر لا يقدم على العشاء على مذهب أبي حنيفة أيضاً، لكن لا لأنَّ وقتَ الوترِ لَم يدخل، بل لأجل وجوب التَّرتيبِ بينَهما؛ لأنه يراعى بين فرضَين.
قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام: «أبردوا بالظهر») أي: صلاتِه، قالَ في "المصباح المنير": "البردُ خلافُ الحرِّ، وأبرَدنا: دخلنا في البردِ، مثل: أصبحنا؛ إذا دخَلنا في الصباح.
وأما «أبردوا بالظهر» فالباءُ للتَّعديةِ، والمعنى: أدخلوا صلاةَ الظهرِ في البردِ، وهو سكونُ الحرِّ". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 57
قلت: هو من النوادرِ؛ لأنَّ الكثيرَ المَعهودَ في تعديةِ الأفعالِ بالباء أن يكون اللازم والمتعدي ثُلاثيَّينِ، مثل: ذهب زيد وذهبت بزيد، وهاهنا كلٌّ منهما رباعيٌّ، وما في "الصحاح" من أنَّه لا يُقالُ: أبردته، إلا في لغةٍ رديئةٍ، لا يُمانعُ ذلك، فإنَّ ما أنكرَه هو كونُ أفعلَ منه متعديًا بنفسِه، وهو في الحديثِ متعدِّيًا بالباء.
قوله: (بأن يكون ابتداؤها قبل آخر الثلث .... إلخ) أنت خبيرٌ بأنَّ التَّوفيقَ الآتي مقتضاه أن يكونَ المرادُ بالثُّلثِ في قوله: "بأن يكون ابتداؤها قبل آخر الثلث"، هو الثلث الأول، وفي قوله: "وانتهاؤها" في آخر الثلث الثاني، فالصواب أن يقال: "وانتهاؤها في الثلث" بإسقاط لفظ "آخر"؛ فإنَّ اشتراطَ امتدادِ الصلاةِ ممّا قبلَ آخرِ الثُّلثِ الأوّلِ إلى آخرِ الثُّلثِ الثّاني ممّا لا يَكادُ يصحُّ.
قوله: (ولو بالتَّخمينِ) الظّاهرُ كونُه متعلقًا بتعيينِ أثلاثِ اللَّيلِ، فإنَّه لا يَلزَمُ أن يكونَ تحقيقاً.
قوله: (وبه يُوفَّقُ بين قول القدوري .... إلى آخره) هذا التوفيق من صاحب "الدرر"، وكلام الزيلعي ز مقتصرٌ على أنَّ لفظ "الكنز" نصٌّ على أنَّ التّأخيرَ إليه مستحبٌّ، ولفظ القدوري يشيرُ إلى أنَّه لا يُستحبُّ تأخيرُها إلى ثلث الليل.
وفي هذا التوفيقِ نظرٌ؛ لأنَّ مدخولَ "إلى" إذا كانَت صلَة التَّأخيرِ، لا يكونُ إلا ما هو المبتدأُ دونَ المُنتهى.
وقد يُوفَّقُ بينَهما بأن يكونَ التّأخيرُ إلى الثُّلث مستحبّاً في الشتاءِ، وإلى ما قبلَه في الصَّيفِ لغلبةِ النَّومِ، ذكره ابن الملك في "شرح المجمع".
قوله: (وتأخير الوتر إلى الفجر) عبارة "الكنز": ويستحبُّ تأخيرُ الوترِ إلى آخرِ اللَّيلِ، وهي أبعدُ عن الاشتباهِ.
الجزء 1 · صفحة 58
قوله: (وأما إذا تلاها فيها، فجازَ أداؤها فيها بلا كراهة) ويدخلُ في هذا اللَّفظِ ما إذا تلاها في الوقتِ المكروهِ ولَم يُؤدِّها فيه حتى دخلَ وقتٌ آخرُ مكروهٌ مثله، حيث يجوزُ، كما ذكره الزيلعي.
قوله: (جاز تطوع بدأ به فيها) لفظ الزيلعيِّ: "وكذا لو شرعَ في الوقتِ المكروهِ في الصّلاةِ، ومضى فيها، جاز".
قوله: (أو نذر أداءَه فيها) لفظ الزيلعي: "ولو نذَرَ أن يُصلِّيَ في الوقتِ المكروهِ، جازَ له الأداءُ فيه". انتهى. وهو الأظهرُ.
قوله: (وقضاء تطوع بدأ به فيها) الظاهرُ أنَّ لفظَ "فيها" متعلِّقٌ بقولِه: "قضاء"، وقوله: "بدأ به" على سبيلِ التَّنازعِ، وإلّا فهذا الكلامُ غيرُ وافٍ بتمامِ المقصودِ، بل لا بدَّ مِن زيادةِ ما يدلُّ على كونِ القضاءِ المذكورِ أيضاً في الأوقاتِ المكروهةِ.
قوله: (القطع والقضاء في الوقت الكامل) غيَّر عبارة الزيلعي بما يفسدها، فإنَّ مسألةَ النَّذرِ ليسَت بمبنيَّةٍ على تحقُّقِ الشُّروعِ، فلا يَنتظمُها القطعُ؛ لأنَّه إنَّما يُتصوَّرُ بعدَ الشُّروعِ.
قوله: (وكره بعد طلوع الفجر .... إلخ) الذي يظهرُ مِن استثناءِ سنَّةِ الفجرِ فيما بعدَه أن يكونَ المرادُ منه بعدَ طلوعِ الفجرِ قبلَ صلاتِه، وحينئذٍ تفوتُ مسألةٌ مهمَّةٌ التُزِمَ ذكرُها في المتونِ، وهو عدمُ جوازِ التنفُّلِ بعدَ صلاةِ الفجرِ وما بعدها إلى طلوعِ ك الشَّمسِ.
لا يقال: عله أراد تعميمَ هذا اللَّفظِ لِما قبلَ صلاةِ الفجرِ وما بعدَها إلى طلوعِ الشَّمسِ؛ لأنَّ استثناءَ الفجرِ لا يَنتظمُ، فإنَّها لا تصحُّ بعدَ صلاةِ الفجرِ قبلَ الطُّلوعِ، بل إنَّما تصحُّ بعدَه قضاءً كما يجيءُ، ثمَّ إنَّ الصَّوابَ تقديم قوله: "سوى سنة الفجر" إلى جنبِ قوله: "وكره بعدَ طلوعِ الفجرِ".
الجزء 1 · صفحة 59
قوله: (وكره المنذور .... إلخ) هو مأخوذٌ من كلامِ الزَّيلعيِّ رحمه الله، وقال: "وكلُّ ما كانَ واجباً لغيرِه كالمنذورِ وركعتَي الطوافِ، والذي شرَعَ فيه ثمَّ أفسدَه، مُلحَقٌ بالنَّفلِ، حتى لا يصلّيها في هذين الوقتَين". انتهى.
قلت: أراد بالوقتَين: ما بعدَ صلاةِ الفجرِ والعصرِ، فلا يذهَب عليك ما في تطبيقِ كلامِ صاحب "الدرر" لكلامه من الحرج.
ثم إن قوله: "ما بدأ به فأفسدَه" مقيَّدٌ بأن يكونَ البدءُ والإفسادُ في غيرِ الأوقاتِ المكروهة، وألّا يكونَ من هذه مسألةُ قضاءِ تطوُّعٍ بدأ به فيها فأفسدَه بعينِها، مع أنَّ الحكمَ فيهما مختلفٌ بالكراهةِ وعدمِها.
قوله: (تقضيهما فقط) عبارة "الوقاية": "صلَّتهما فقط"، وهو الأظهر.
قوله: (صار أهلاً في آخرِ الوقت) ولم يبقَ من الوقتِ إلا قدرُ التَّحريمةِ، كما قال صدرُ الشَّريعة.
قوله: (حتى لو أسلم .... إلخ) ذكر في "التوضيح" أنَّه إذا كانَ بلوغُ الصبيِّ وإسلامُ الكافرِ وإفاقةُ المجنونِ والمغمى عليه وطهارةُ الحائضِ والنُّفساءِ في آخرِ الوقت، بحيثُ لا يسعُ فيه التوضؤ والصلاةُ يجبُ عليه الصلاة في آخرِ الوقتِ لفرضِ القضاءِ. انتهى.
قوله: (يلزمُهم فرضُ الوقتِ عندنا) أي: إذا كان إسلامُ الكافرِ وبلوغُ الصَّبيِّ وطهارةُ الحائضِ في آخرِ الوقتِ.
قوله: (ولو حاضَت فيه) أي: حدثَ حيضُها في آخرِ الوقتِ، وكانت قبلَه على الُّطهر، وكذا حال النفاس.
قوله: (عندنا لا تقضيه) أي: لا يجبُ عليه قضاءُ صلاةِ ذلك الوقت.
باب الأذان
قوله: (وهي الرواتب الخمس وقضاؤها) الظّاهرُ منه أن لا يُطلَق الرَّواتبُ الخمسُ إلا على أداءِ الفرائضِ الخمس، بخلافِ الفرائضِ؛ فإنَّها تعمُّ أداءَها وقضاءَها.
الجزء 1 · صفحة 60
قوله: (إلا للقضاء) لم نجِد هذا الاستثناءُ، ولا ما يؤدِّي مؤدّاه في كلامِ القوم، والظاهرُ أنَّه سهوٌ بيِّنٌ لا مَحمَلَ له كما أفصَحَ عنه صدرُ الشريعة، حيث قال: "فأمّا الأذانُ بعدَ الوقتِ للقَضاءِ فهو مسنونٌ أيضًا، ولا يردُ إشكال؛ لأنه في وقتِ القضاء، ولا يضرُّ كونُه بعدَ وقتِ الأداءِ؛ لأنَّه ليسَ للأداءِ بل للقضاءِ في وقتِه؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام: «فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإنَّ ذلك وقتُها» ". انتهى.
وحاصله: أن قولَهم: سُنَّ الأذانُ للفرائضِ في وقتِها يَنتظمُ الأداءَ والقضاءَ بلا تمحُّلٍ، فلا يَحتاجُ في تصحيحِ الكلامِ إلى زيادةِ شيءٍ آخر، لا سيَّما إذا كانَت مفسدةً، فليتدبَّر.
قوله: (وجاز وضع يديه) في لفظِه تسامحٌ، فإنَّ مقتضى هذه العبارةِ "على أذنَيه"، بخلافِ ما في المتنِ.
وقال في "شرح المجمع": "ضمن "وَضع" معنى الإدخال فعدَّاه بـ"في". انتهى.
ثم إنَّ ما يريد ذكره في الشرحِ روايةً عن أبي حنيفةَ، ذكرَه الزَّيلعي.
قوله: (أي: يتمهَّلُ ولا يُسرِعُ) وفي "التاتارخانية" نقلا عن "الينابيع": الترسُّلُ أن يقولَ: الله أكبر الله أكبر، ويقف، ثم يقول مرَّة أخرى مثلَه، وكذلك يقف بين كل كلمتين إلى آخر الأذان. انتهى. ز
قوله: (وإنما لم يقل: "بلا التفات في الحيعلتين") يعني: في الإقامةِ، كما قالَ في الأذانِ: "ويلتفتُ في الحيعَلَتَينِ"، والواوُ في قوله: "وقد قالَ التمرتاشي .... إلخ" حالية؛ إذ قد ذكر قوله سندًا لجوازِ الالتفافِ في الإقامةِ في الجملةِ، أي: يُفهَمُ من هذا اللَّفظِ عدمُ جوازِه أصلًا، وليسَ الأمرُ كذلكَ، على ما أفصحَ عنه التمرتاشيُّ.
قوله: (وأنت خبيرٌ بأنَّ المفهومَ منه .... إلخ) أي: من قوله: "وكُرِهَ تركُهما للأوّلين"، قيل: لو قال: المفهومُ منه كراهةُ تركِ المسافرِ الأذانَ، وهو ليسَ بمكروهٍ في حقِّه، لكانَ أظهرَ في أداءِ مرادِه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 61
قلت: قد بنى صاحب "الدرر" هذا التغيُّرَ على ما قرَّره صدرُ الشَّريعة من أنَّه المفهومُ من قولِه: "وكره تركهما للأولين" تركهما معاً لا غيرَ، فدلالةُ هذا الَّلفظِ على كراهيةِ تركِ المسافرِ الأذانَ وحدَه غيرُ مسلَّمٍ عندَهما، و إن أراد منعَ تلك المقدِّمة فعليه البيان.
باب شروط الصلاة
قوله: (هذه العبارة أحسن من عبارة "الكنز" و"الوقاية") قال في "الكنز": هي طهارة بدنه من حدث وخبث، وثوبه ومكانه". انتهى.
وقال في "الوقاية": هي طهارة بدنِ المصلِّي من حدثٍ وخبثٍ، وثوبه ومكانه". انتهى.
وإنما قال: "أحسن" لاحتمال عبارتِهما التَّوجيهَ بما يَندفعُ بها الرَّكاكةُ، أمّا في لفظ "الكنز" فبأن يقال: قوله: "ثوبه ومكانه" عطفان على لفظ "طهارة البدن" بتقدير المضاف، أي: وطهارة ثوبه ومكانه، وكذا يكون التقدير في عبارةِ "الوقاية".
ويحتمل أن يكون كلامهما من توزيع المجموع على المجموع بحسب ما يليقُ بالانقسامِ بينَهما، فيكون التقدير: هي طهارة بدنه وثوبه ومكانه من حدث وخَبَثٍ، فليتدبر.
قوله: (في كون ظهرهنّ وبطنهنّ أيضًا عورة) كان الصواب أن يقول: في كون ما تحت سرتهن إلى ما تحت ركبتهن مع ظهرهنّ وبطنهن عورة على ما يستفاد من سياق الكلام.
قوله: (يفسد الصلاة كشف ربع العضو .... إلخ) كانَ الواجبُ أن يقول: "كشف ربع عضوها"، ليعلم على وجه الوضوح أن الكلام في عضو المرأة.
قوله: (كالقبل والدبر) لفظ الزيلعي: "والغليظةُ: القُبُلُ والدُّبُرُ وما حولَهما، والخفيفةُ: ما عدا ذلك من الرَّجلِ والمرأةِ. انتهى.
قوله: (وعند أبي يوسفَ: يُفسدُها كشفُ نصفِه) الصواب: "كشفُ أكثرِ من نصفِه"، كما في لفظ "الكافي" وغيره، ويظهر منه أنَّ الحكمَ المذكورَ في المتنِ هو قولُ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهما الله.
الجزء 1 · صفحة 62
قوله: (بعد ما ذكر الخلاف في الكشف المانع أنّه مقدارُ الرُّبعِ أو النِّصفِ) عبارة "الهداية": "فإن صلَّت وربعُ ساقها أو ثلثُها مكشوفٌ تُعيدُ الصَّلاةَ عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهما الله، وإن كان أقلَّ من الرُّبعِ لا تُعيد. وقالَ أبو يوسف: لا تعيدُ إن كان أقلَّ من النصف، وفي النِّصفِ عنه روايتان". انتهى.
ومبنى كلامِ صاحبِ "الدرر" على تعميمِ قولِه: "ساقها" بجميعِ ما يُعدُّ عورةً حقيقةً من أعضائِها.
وقوله: "أو النصف" إشارة إلى قولِ أبي يوسفَ، كما أنَّ قولَه: "مقدار الربع" إشارةٌ إلى ما ذهبَ إليه أبو حنيفةَ ومحمَّدٌ رحمهما الله، لكنَّه لَو قالَ: "أو أكثر من النِّصفِ"، لكانَ أبعدَ عن الاشتباهِ.
قوله: ك (ورأسها وشعرها) أي: وكلٌّ من رأسِها وشعرِ رأسِها، وهو عينُ عبارةِ الأصلِ، والمرادُ بالرّأسِ فيها ما عليه مِن الشَّعرِ، فثَبَتَ أنَّ المرادَ بالشعرِ غيرُه، وهو النّازل من الرأس، كذا في "الكافي".
فزيادة لفظة "مطلقًا" من صاحب "الدّرر" مع تفسيرها بـ"النّازل" وغيره، يكونُ لغوًا لا طائلَ تحتَه.
قوله: (وأذنيها) أي: كل من أذنيها، قال الزّيلعيّ: "وأذن المرأة عورة بانفرادها"، يعني: أنَّ كونَ كلِّ أذنٍ عورةً بلا انضمامِ شيءٍ آخرَ من حوالَيه، لا أنّ المظنّةَ انضمامُ الأُذنَينِ؛ إذ ليسَ لهما قران، والظاهر أنّه لا محلّ لذكر الأذنين هاهنا؛ إذ ليس فيه خلاف، ولا مظنة عدمِ الانفرادِ، بخلاف الذّكر والأنثيَين والنّازلِ وغيرِه من شعرِ رأسِها وثديِ المرأةِ وصدرِها.
قوله: (وثديها المتدلّي) أي: كلٌّ مِن ثديِها المتدّلي والصّدر، كما يقتضيه سياقُ العطفِ، فاكتفى بذكرِ أحدِهما عن ذكرِ الآخرِ؛ تعويلًا على القرينة.
قال الزّيلعيّ: "وثديُ المرأةِ إن كانت ناهدةً فهي تبعٌ لصدرها، وإن كانت منكسرةً فهي أصلٌ بنفسها".
والمتدلّي: من دلّاه، أي: أرسله فتدلّى، كما في "المغرب".
الجزء 1 · صفحة 63
قوله: ("عضو" خبر لقوله: "كلّ") أنت خبيرٌ بأنّ مؤدّى ذلك كونُ كلِّ واحدٍ مِن هذه الأعضاءِ عورةً يَمنَعُ كشفُها عن جوازِ الصّلاة، فيكون بناءُ الكلامِ على مختار الفقيه أبي الليث، وما صحّحه صاحب "الهداية" من أنَّ انكشافَ الرُّبعِ من الشَّعرِ النّازلِ يَمنَعُ جوازَ الصّلاة، وهي عورة احتياطًا.
والرواية الأخرى فيه: أنه لا يمنع، بخلافِ شعرِ الرّأسِ، أي: الملاصقِ له، فإن منعَ انكشاف ربعِه جواز الصلاة، وليس فيه خلافٌ ولا تعدّد رواية، كما يظهر من "النهاية" وغيرها.
قوله: (ولو لم يلبث .... إلخ) لو قال: "ولو سَترَ عورتَه من غيرِ لبثٍ"، كما في "شرح المجمع" لكانَ أظهرَ.
قوله: (فعنده يشترط .... إلخ) أي: عند من قال: يجبُ على الآفاقيِّ أيضًا استقبالُ عينِها، وهو الجرجانيُّ على ما صرّح به في "الكافي" وغيره من أن المراد بـ"غيره" مَن قالَ: لا يجبُ على الآفاقيِّ أن يقعَ الاستقبالُ على عينِها، بل على جهتِها في الصّحيح.
قوله: (أو تطام الغمام) توجد لفظة "التطام" في نسخ هذا الكتاب بالظّاء الشائلة، والصّواب كتابتها بغير الشائلة كما في نسخ "الكافي"، وهو تفاعل من الضّم. قز
قوله: (كجوف الكعبة) فإنّه لو جعل فيها بعضُ القومِ ظهرَه إلى ظهرِ الإمامِ جازَ، كما في "الكافي" وغيره.
قوله: (أمّا الأوّل) هو ما إذا علم أنّه مخالفٌ لإمامِه، فسدَت صلاتُه.
قوله: (بخلاف جوف الكعبة) فإنّه ما اعتقدَ إمامَه مخطِئًا؛ إذ الكلُّ قبلةٌ، كما في "الكافي".
قوله: (وأمّا الثاني) هو ما إذا تقدّم على الإمامِ في الواقعِ فسدَت صلاتُه.
قوله: (لما فيه من استحضارِ القلبِ لاجتماعِ العزيمةِ) ولا يخفى عليك ما في هذا اللفظِ مِن الرَّكاكةِ وتوهّمِ التّكرارِ.
وعبارة "الهداية": "ويحسُنُ ذلك لاجتماعِ عزيمتِه".
قال في "الكفاية": "والعزيمةُ عقدُ القلبِ على ما يَفعلُ".
الجزء 1 · صفحة 64
قوله: (ووقتها الأفضل أن يقارن الشّروع .... إلخ) قال في "الكافي": "ولا مُعتبَرَ بالنيّةِ المتأخّرةِ عن التَّكبيرِ في ظاهر الرّواية". انتهى.
وأنت خبيرٌ بأنّ مؤدّاه ليسَ أفضليّةَ المقارنةِ، بل وجوبُها.
قوله: (وفائدة هذه الرّوايات .... إلخ) أنَّ المصّلي إذا غَفَلَ عن النيّة، أي: المقارنة للشّروع، والمراد بـ"الروايات" ما ذكره بـ"قيل" ثلاث مرات.
قوله: (فإنّ مطلق النيّة كافٍ فيهما) أي: في التراويحِ والسُّننِ المؤكَّدةِ، وكذا حال الضّمير في قوله: "لأنّها نوافل" في الأصل، وعلى ما يظهر من كلام "الكافي"، وإفراد الضمير وتثنيته بالاعتبارَين ممّا لا يَبعُدُ. .
قوله: (ولو كان الوقت قد خرجَ وهو لا يعلمُ .... إلخ) ولذلك قيل: الأولى أن ينويَ ظهرَ اليومِ، فإنّه يجوز، سواء كان الوقت خارجًا أو باقيًا، كما في "الكفاية".
قوله: (وإن جازت أجزأته الأربع .... إلخ) أي: إذا كانَ عليه ظهرٌ فائتٌ، وإلّا فيكون نفلًا، فالأحوطُ قراءةُ السُّورةِ مع الفاتحةِ في الأُخريَينِ؛ لاحتمالِ أن يكونَ نفلًا، فيَلزَمُ تركُ الواجبِ بتركِ قراءةِ السُّورةِ.
وأمّا إذا كان فرضًا فلا تضرُّ السورةُ، إلّا إذا عَلِمَ أن عليه ظهرًا فائتًا، فحينئذٍ لا يَقرأُ؛ لعدمِ احتمالِ وقوعِه نفلًا، على ما بيّن في "شرح المنية" وغيره.
قوله: (أو متأخرًا عنه) كذا في النسخِ، لكنَّ رجوعَ هذا الضّميرِ إلى النيَّةِ مُتعَيِّنٌ من جهةِ المعنى، ولعلَّه بتأويلِ عزمِ القلب، أو: أن ينوي؛ لأنَّها مصدرٌ.
قوله: (إذا لم تقتد محاذية) تقييدٌ لما تضمَّن قولُه: "اختُلِفَ في النِّساءِ مِن جوازِ الإمامةِ لهنَّ"، ويكونُ محلُّ هذا الاختلافِ ما إذا كنّ صفًّا أخيرًا، كما يَجيءُ.
قوله: (وأما إذا اقتدت محاذية لرجل فلا يصحّ اقتداؤها) سواء كان ذلك إمامًا أو مأمومًا أيضًا، كما يظهرُ لك من مسألةِ المحاذاةِ إن شاء الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 65
قوله: (إلّا أن ينوي الإمام إمامتها) لعلّ الصّواب الموافق لما يجيء في مسألةِ المُحاذاةِ: "إن لَم ينوِ الإمامُ إمامتَها".
قالَ صدرُ الشَّريعةِ هناكَ: "إن م ينوِ إمامتَها تَفسُدُ صلاةُ المرأةِ"، فليتدبّر.
باب صفة الصلاة
قوله: (لأنّ في فعلِه نفيَ الكبرياءِ عن غيرِ اللهِ تعالى، والنفي مقدّم) هذا لفظ "الهداية"، قال في "النهاية" نقلًا عن شمس الأئمة: "والّذي عليه أكثرُ مشايخِنا: أنّه يرفع يديه أوّلًا، فإذا استقرّتا في موضع المحاذاة كبّر؛ لأنّ في فعلِه وقولِه معنى النَّفيِ والإثباتِ، فإنّه يَرفعُ اليدَ بنفيِ الكبرياءِ عن غيرِ اللهِ تعالى، وبالتَّكبيرِ أثبتَها لله تعالى، فيكونُ النّفيُ مقدَّمًا على الإثبات كما في كلمةِ الشهادة". انتهى.
فمن قالَ في بيانِ قولِه: "والنفي مقدَّمٌ على الإثبات"، أي: في كلمةِ التَّوحيدِ التي هي أصلُ التَّكبيرِ والتَّنزيهِ. انتهى. لَم يحُم حولَ المَرامِ.
قوله: (وقال قاضيخان: فيمسّ طرفَي إبهامَيه شحمتَي أذنَيه) مِن أمسّه الشيءَ، حمَلَه على مسِّه. كذا في "تاج الأسماء".
وقال في "المصباح المنير" للفيوميّ: "ويتعدّى إلى ثانٍ بالحرفِ وبالهمزة، فيقال: مسست الجلدَ بماءٍ، وأمسستُ الجسدَ ماءً". انتهى.
وعبارة قاضيخان: "فيمسّ طرفي إبهامه شحمةَ أذنِه".
قوله: (فالحاصل أنّه يجوز أن يبدِلَ .... إلخ) الموجودُ في النّسخ تذكير "يبدل"، فهو على صيغةِ المفعولِ، وضميرُه إلى التَّكبيرِ، كما يَظهَرُ من صريحِ لفظِ "الكافي".
قوله: (وأجمعوا على أنّه لو فرغ من قوله: الله أكبر، قبلَ فراغِ الإمامِ .... إلخ) لا يذهب عليك أنَّ هذا عينُ المسألةِ الأولى، والصّواب الموافق للخانية من قولِه: "الله" بدون ك لفظ "أكبر"، فيكونُ مسألةً أخرى.
الجزء 1 · صفحة 66
قوله: (يصح أن يقوم إلى النَّفلِ بلا إحرامٍ جديدٍ، وعنده: لا يصحُّ إلا با?حرامِ الجديدِ) ا?حرام هنا مأخوذٌ من: أحرَمَ الشَّخصُ؛ إذا أدخَلَ نفسَه في شيءٍ حرُمَ عليه به ما كانَ حلالًا له، وهذا كما يُقالُ: أنجَدَ؛ إذا أتى نجدًا، وأتهم؛ إذا أتى تهامة، كما في "المصباح المنير".
قوله: (لقوله تعالى: ?? ? ? ? ? ? (المزمل:)) كذا في نسخِ هذا الكتابِ، والموجودُ في عامّةِ الكتب ههنا: ?? ? ? ? ?? المزمل:، وكلٌ منهما آيةٌ في سورةِ المزمل، وأنت خبيرٌ بما في العدولِ عمّا فعلَه القومُ؛ لأنَّ المقامَ مقامُ الاستدلال، فيكونُ ذكرُ صريحِ القرآنِ أولى من ضميرِه، وإن كانَ رجوعُ الضَّميرِ إليه متعيِّنًا.
قوله: (قراءة الفاتحة ليست بركن عندنا) قال في "الكافي": "فقراءة الفاتحة لَم تتعيَّن ركنًا، وكذا ضمُّ السُّورةِ إليها عندنا، وإنما الرُّكنُ قراءةُ القرآنِ مطلقًا".
قوله: (وخطأ صاحب "الهداية" فيه) مقتضى صورةِ الخطِّ على ما وُجِدَ في النُّسخِ أن يكونَ "خطأ" على صيغةِ الفاعلِ، ويكون ضميرُه إلى صاحبِ "الغاية"، والصواب "خُطئ" على صيغةِ المَفعولِ، فإنَّ المُخطئَ ليسَ صاحبُ "الغاية" على ما يَظهَر من لفظِ الزَّيلعيِّ.
قوله: (لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبهما) أي: لكن خبرَ الواحدِ يوجبُ العملَ، فقلنا: بوجوب الفاتحةِ وضمِّ السُّورةِ، حتى يؤثمَ بتركِهما إذا عمد، ويَلزمُه سجودُ السَّهوِ ز إذا سها. كذا في "غاية البيان".
قوله: (حتى يؤمر با?عادة بتركها) الذي يظهرُ أنَّ المرادَ بتركِ الفاتحةِ تركُها عمدًا، بخلاف تركها سهوًا، فإنه إذا قرأ السورة وسها عن الفاتحةِ يعودُ ويقرأ الفاتحةَ، ويُعيدُ الرُّكوعَ، وعليه سجود السهوِ، وكذا لَو قرأَ الفاتحةَ وسها عن السورةِ، كما في "السراج الوهاج".
كيف لا؟! وتركُ الواجبِ سهوًا يوجبُ السَّجدةَ لا محالةَ، وإن كان في أدنى مراتبِ الوجوبِ، فلا يتحقَّقُ الفرقُ المذكورُ في صورةِ السَّهوِ.
الجزء 1 · صفحة 67
فمَن ظنَّ أنَّ ما في "الدرر" مخالفٌ لما في "السراج الوهاج"، فقد سها سهوًا بينًا.
قوله: (دون السورة) أي: لا يؤمرُ بالإعادةِ بتركِ السُّورةِ عمدًا، على ما قرَّرناه.
قوله: (وثلاث آيات .... إلخ) مبتدأٌ خبره "تقومُ"، وهو ناظرٌ إلى قولِه في المتنِ: "أو ثلاث آيات" توضيحًا لكون ثلاثِ آياتٍ في حكمِ السُّورةِ ههنا.
قوله: (وكذا ههنا) أي: في مقامِ بيانِ ضمِّ شيءٍ من القرآنِ إلى الفاتحةِ.
قوله: (وكذا الآية الطويلة) أي: الآية الطويلة أيضًا تقومُ مقامَ السُّورةِ في ا?عجازِ، وكذا ههنا، وهذا بيانُ مسألةٍ زيادةً على ما ذكرَ في المتنِ.
قوله: (عجلة) لفظ "الكافي": وحالةُ السَّفرِ إمّا أن يكونَ ضرورةً؛ بأن يكونَ على عجلةٍ في السَّيرِ، أو خائفًا من عدوٍّ أو لصٍّ". انتهى.
ولعلَّ صاحبَ "الدرر" لاحظَ تحقُّقَ العجلةِ في صورةِ الخوفِ عنهما أيضًا، فاقتَصَرَ على ذكرِها.
قوله: (وأمنة نحو البروج وانشقت) هذا الإطلاقُ منه موافقٌ لما في "الوقاية"، لكنَّ كلامَ صاحبِ "الهداية" صريحٌ في أنَّه إذا كانَ في السَّفرِ في أمَنةٍ وقرارٍ، يقرأُ نحوَها بين السُّورتَينِ في الفجرِ فقط.
وقال في "الكافي": يقرأُ في الفجرِ والظُّهرِ نحوَ البروجِ، وفي العصرِ والعشاءِ دونَ ذلك، وفي المغرب بالقصار جدًا. انتهى.
قوله: (وفى الحضر استحسن .... إلخ) كذا في "الوقاية"، والمرادُ حالَ الاختيارِ، فلذا قالَ فيما بعدُ: وفي الضرورةِ بقدر الحال".
قوله: (وفي الضرورة بقدر الحال) أي: بقدرِ ما لا يفوتُه الوقتُ.
قوله: (من الحجرات طوال .... إلخ) ذكَرَ الزيلعيُّ أنَّ آخرَ المفصَّلِ {قل أعوذ برب الناس} بلا خلافٍ.
واختلفوا في أولِه على أقوالٍ، فرجَّحَ صاحبُ "الدرر" من بينِها هذا القول، فإنه نسبَ إلى أصحابِنا، وهو موافقٌ لما في "الوقاية" وشرح "الكنز" للزيلعي.
الجزء 1 · صفحة 68
وبه يحصلُ المندوحةُ عن تعسُّفِ التَّوفيقِ بين القولينِ بتقديرِ المضافِ، أي: آخر الحجراتِ، كما قيلَ، وإن كانَ مخالفًا لما في "الكافي"، فلا بأسَ.
ثم "إنَّ المفصَّلَ ينقسمُ إلى الطِّوالِ والأوساطِ والقصارِ، ويُسمّى المفصَّلُ مفصَّلًا لكثرةِ الفصولِ فيه، وقيلَ: لقلَّةِ المنسوخِ فيه". كذا قال الزيلعيُّ.
والطِوال بكسر الطاءِ، جمع طويل.
قوله: (وهو تسكين الجوارح في الركوع .... إلخ) تفسيرٌ للاطمئنانِ في الرُّكوعِ لا للاطمئنانِ مطلقًا؛ فإنه أعم كما سيظهر.
قوله: (الذي هو من تعديل الأركان) الموصولُ صفة كاشفةٌ لتعديلِ الأركانِ، وفي إيراده بـ"من" التبعيضية إشارة إلى ما قررناه من عموم تعديل الأركان له ولغيره. .
قال في "العناية": "هو القومة، أعني: الاستواء قائمًا بعد الركوع والجلسة بين السجدتين والطمأنينة في الركوع والسجود، أي: القرار فيهما، ثم إن تعديل الأركان ليس بفرض عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف: يفترض ذلك، وتُقدَّرُ الطمأنينةُ بمقدارِ تسبيحةٍ، وهو قولُ الشافعي.
وفائدةُ الخلافِ تظهَرُ في جوازِ الصلاةِ بدونِه، فعندَهما يجوزُ، وعند أبي يوسف لا يجوز، ولَم يذكر هذا الخلافُ في ظاهرِ الرِّوايةِ، وإنما ذكرَه المعلّى في "نوادره"، ثم إذا لَم يكُن التَّعديلُ عندَه فرضًا، فهل هو واجبٌ أو سنّةٌ؟
فأمّا الطمأنينةُ في الانتقالِ، وهي القومةُ والجلسةُ، فهي سنَّةٌ عندَهما.
وأمّا الطمأنينةُ في الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ ففي "تخريجِ الجرجانيِّ" سنةٌ، وفى "تخريجِ الكرخيِّ" واجبةٌ، حتى يجبُ سجدتا السَّهوِ بتركِها عنده". انتهى.
قوله: (فإن الاطمئنان فيها .... إلخ) أي: في القومةِ بعدَ رفعِ الرأسِ من الرُّكوعِ وبينَ السَّجدتَينِ، وعد المسألتين واحدةً لكونِ القومةِ جهةَ الوحدةِ بينَهما على ما ظنَّه.
الجزء 1 · صفحة 69
ثم إنَّ ما ذكرَ من الفرقِ بينَ اطمئنانِ الرُّكوعِ والسُّجودِ وبينَ اطمئنانِ القومَةِ والجلسةِ؛ حيثُ كانَ الأوّلُ واجبًا والثاني سنَّةً، هو قول الكرخي.
وأما عند أبي عبد الله الجرجانيِّ، فالاطمئنانُ في جميعِها سنَّةٌ.
وإنما قلنا: "على ما ظنَّه"؛ لأن عبارة القوم: "وفي الجلسةِ بينَ السُّجودَينِ" كما هو الصوابُ، فإنَّ ما بينَ السَّجدتَينِ ليسَ بقومةٍ لا محالةَ، وإنَّما تُطلَقُ القومةُ عندَهم على الاستواءِ قائمًا بعد الركوعِ، كما يَظهَرُ من "العناية".
قوله: (لأنها شرعت للفرق بين الركعتين) كذا في النسخ، قيل: الصوابُ: بينَ الركنين، يعني بهما الركوعَ والسُّجودَ في القومَةِ والسَّجدتَينِ في الجلسةِ، ثمَّ إنَّ المفهوم من "الكافي" أنها شُرِعَت وسيلةً إلى تحصيلِ الركنِ الذي بعدَه، وهذا يُخالفُه.
قوله: (فالحاصلُ أن مكملَ الفرضِ .... إلخ) أنت خبيرٌ بأن كونَ ذلك حاصلًا لما ذكرَ من تعليلِ المسألتَينِ، لا يَكادُ يصحُّ.
بل حاصلُه على ما ذكر في "الكافي" وغيره: هو أنَّ الاطمئنانَ في الرُّكوعِ ك والسجودِ إنَّما هو لتكميلِ ركنٍ مقصودٍ، فيجعلُ المكمِّلُ واجباً، والاطمئنانُ في القومةِ بعدَ رفعِ الرأس من الركوعِ والجلسةُ بين السجدتَينِ إنَّما هو لتكميلِ ركنٍ غيرِ مقصود، بل شُرِعَ لغيرِه، فشُرِعَ إكمالُه بالُّسَّنِة؛ كالتَّثليثِ قز في الطهارة، ليظهر التفاوت بين المكملين كما يظهر التفاوت بين الركنين.
على أنَّ صحَّةَ هذا الحاصلِ موقوفٌ على أن يكونَ القَومةُ والجلسةُ واجبتَينِ، وليسَ الأمرُ كذلكَ، بل هما سنَّتانِ، كما سيجيءُ من صاحب "الدرر"، وهو موافق لما في "الهداية" وغيره.
قال في "الكافي": ثم القومةُ بعدَ رفعِ رأسِه مِن الرُّكوعِ، والجلسةُ بينَ السَّجدتَينِ سنَّةٌ عندَهما". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 70
وأيضاً إنما يصحُّ التحاقُ هذا الكلامِ بما قبلَه إن كانَ الرُّكنُ المقصودُ فرضاً البتة، والركن المقصود لغيره واجباً البتة، وليسَ الأمرُ كذلك، فكيف يكونُ هذا موافقاً لما قبلَه؟ فضلاً عن أن يكونَ حاصلًا له؟ ولَو كانَ له وجهُ صحَّةٍ، لكان مسلكاً آخرَ في الفرقِ الذي ذهَبَ إليه الكرخيُّ.
ولعلَّ منشأَ ما فعلَه ما في "الخلاصة" من أنَّ "الواجباتِ إكمالٌ للفرائضِ، والسننَ إكمالٌ للواجباتِ، والآدابَ إكمالٌ للسننِ"، ولا يذهبْ عليك أن ليسَ معناه ذلك، فليتدبَّر.
قوله: (ورفع ما بين وركيه) عبارة "الهداية": "ورفع عجزه".
ففسَّرَ صاحبُ "معراج الدراية" العجزَ بما بينَ الوركين، والورك: ما فوقَ الفخذِ، يسمِّيه الفُرس: سرين بهلو، والفخذ ما بين الساق والورك، يسميه الفُرسُ ران.
قال في "المصباح المنير": "هما وركانِ فوقَ الفَخذَينِ، كالكَتفَينِ فوقَ العضدَينِ". انتهى.
فقد عرفت من هذا أنَّ ما بينَ الوركَينِ ما زادَ ولا يقابلُه مِن الساقِ شيءٌ، فقولُ مَن قالَ في تفسيرِه: "أي: ما بينَ وركِه وما يقابلُه من الساق، فيكونُ إطلاقُ الوركَينِ عليهما على سبيلِ التغليب، والمرادُ بينَ الوركَينِ وما يُقابلُهما". انتهى. بعيدٌ عن الصواب.
قوله: (وقيل: لا يفعله إن كان في الصف .... إلخ) هذا متعلِقٌ بمسألةِ إبداء عضديه، فلو كان قدميه إلى جنبِها، لكانَ أظهرَ، وهذا الإطلاقُ موافقٌ لِما في "الهداية"، وقد قيَّدَه الزَّيلعيُّ بما إذا كانَ في الصَّفِّ زحامٌ.
قوله: (قدَّمَ الأنفَ على الجبهةِ وإن كانَت أقوى منه .... إلخ) وقيل: لأداءِ الفرضِ عندَ وضعِها بإجماعِ العلماءِ الثّلاثةِ، ذكره في "النهاية".
ثم إن عبارةَ صاحب "النهاية": مع أن وضعَ الجبهةِ أقوى منه في السُّجودِ.
الجزء 1 · صفحة 71
قوله: (لقربه من الأرض إذا سجد) قال الزيلعيُّ: حتى قالوا: "إذا أرادَ السُّجودَ يضعُ أوّلًا ما كانَ أقربَ إلى الأرض، فيضعُ ركبتَيه أولاً، ثمَّ يدَيه، ثم أنفَه، ثم جبهتَه. وإذا أراد الرفعَ رفَعَ أولاً جبهَتَه، ثمَّ أنفَه، ثم يدَيه، ثمَّ ركبتَيه". انتهى.
ويوافقه ما في "الكافي" و"النهاية"، فقوله: "إذا سجد" تقييد مفسد، ولعلَّ منشأَ غلطِه ظاهرُ قولِ صاحب "النهاية": لأنَّ المصلِّيَ يَضعُ أولاً على الأرضِ ما كانَ أقربَ إلى الأرضِ عندَ السُّجودِ. انتهى
وليس بأخذٍ صحيحٍ، فالصواب إسقاط قوله: "إذا سجد".
قوله: (حتى إذا لم يصلِّيا أو صلّى المسجودُ عليه) الصَّوابُ أنَّه يُقالُ: حتّى إذا لَم يُصلِّ المسجودُ عليه، أو صلى السّاجدُ غيرَ صلاةِ المسجودِ عليه. كما قال الزيلعي.
قوله: (فقول صاحب "الكنز": كره بأحدهما، منظور فيه) قال الزيلعيُّ: "قوله: "كُرِهَ بأحدِهما" يقتضي كراهةَ الاقتصارِ على أحدِهما، أيِّهما كان.
وهكذا ذكره في "المفيد والمزيد" أيضاً، وفيه نظر؛ فإنه لم يجوِّز الاقتصارَ على الجبهةِ عندَهما، وهو خلافُ المشهورِ عنه، حتى ذكَرَ السّغناقيُّ في "شرح الهداية" أن وضعَ الجبهةِ يَتأدّى به الصلاةُ بإجماعِ الثلاثة.
وكذا ذكَرَ صاحبُ "الهداية" الخلافَ في الاقتصارِ على الأنفِ، فعندَه يجوزُ، وعندَهما لا يجوزُ". انتهى.
قوله: (جازَ عن السَّجدتَينِ) أي: يوفي حقهما.
ولعلَّه إشارةٌ إلى ما ذكر في "الكافي" من أنَّ شرطَ رفعِ الرأس ههنا، ليتحقَّقَ الانتقالُ من السجدةِ إلى السجدة، فإنه لا يمكنُ بلا رفعِ رأسٍ، لا لأنَّ رفعَ الرأسِ فرضٌ بنفسه، حتى لو تحقَّقَ الانتقالُ بلا رفعِ الرّأسِ بأن سجدَ على وسادةٍ، فنُزِعَت الوسادةُ من تحتِ رأسِه وسَجَدَ على الأرضِ يجوزُ.
ولَو كانَ اقتصرَ على قولِه: "جاز" - كما فعله الزيلعيُّ - لكانَ أظهر.
الجزء 1 · صفحة 72
قوله: (فتذكر قبل السلام) لعله لو قال: "قبيل السلام" بصيغة التصغير لكان أظهر؛ لمكان قوله فيما يجئ من الشرح: لأنَّ العودَ إلى السَّجدةِ الأصليَّةِ يَرفعُ التَّشهُّدَ.
قوله: (في الصلاة) لا يذهب عليكَ أنَّ هذا التقييدَ لا ينتظمُ الصورةَ الثانيةَ إلا بتمحُّلٍ.
قوله: (يعني إذا ترك سجدة .... إلخ) قيل: عمَّم السجدة ههنا حيثُ أتى بها بالتَّنكيرِ، ولَم يُقيِّدها بكونِها ثانيةً كما قيَّدَها في المتنِ؛ لأنه لا حاجةَ إليه؛ إذ يجوزُ أن يكونَ ما تركَه هو الأولى، بأن يأتيَ بها على قصدِ أنَّها هي الثانيةُ لا الأولى، ويتعين بتعيينِه، كما لا يَخفى. انتهى.
قلت: وأيضاً التعميمُ الآتي منه، وهو قولُه: "سواءٌ عَلِمَ أنَّها مِن الرَّكعةِ الأولى أو غيرِها" ممّا يَقتضي تنكيرَ السَّجدةِ، وقد غَفَلَ عنه ذلك القائلُ.
قوله: (أو بعد ما سلَّمَ وقبلَ أن يتكلَّمَ) ضمَّنَ شرحَه بيانَ أنَّ قولَه: "قبل التكلم" في المتن من تتمَّةِ قولِه: "أو بعده".
قوله: (لقيامِ التَّحريمةِ) ولو حكمًا.
قوله: (لو لم يقض حتى خرج عن الصلاة) هو صفةٌ كاشفةٌ للرُّكنِ.
قوله: (فيسجد للسَّهوِ) لتركِ الواجبِ، وهو رعايةُ الترتيبِ.
قوله: (عبَّرَ به) أي: بقوله: "ما بعد الأوليين"، ولم يقل: "في الأخريين" كما هو الظاهر.
قوله: (لكنه إن سكت عمداً أساء .... إلخ) قال في "الكافي": قوله: "ويقرأ فيما بعد الأوليين الفاتحة فقط" بيانُ الأفضلِ في الصَّحيحِ.
وعن أبي حنيفةَ: أنَّ قراءةَ الفاتحةِ في الأخريَينِ واجبةٌ، رواه الحسن، حتّى لَو تركَها عامداً كانَ مسيئاً، ولَو كانَ ساهياً يَسجُدُ للسَّهوِ.
وعنه: أنَّه يخيَّرُ بين قراءة الفاتحةِ والتَّسبيحِ والسُّكوتِ". انتهى.
الجزء 1 · صفحة 73
وأنت خبيرٌ بأنَّ مقتضى ذلك أن يكونَ مضمونُ قولِه: "إن سكت عمداً .... إلخ" فرعاً لكونِ الفاتحةِ ز فيما بعدَ الأوليينِ واجبةً، وهو روايةُ الحسنِ عن أبي حنيفةَ، وأن التَّخييرَ بينَ قراءةِ الفاتحةِ والتَّسبيحِ والسُّكوتِ روايةٌ أخرى.
فما وَقَعَ من صاحبِ "الدرر" هنا خلطٌ لإحدى الرِّوايتَينِ بالأخرى، ولا يرى له وجهَ صحَّةٍ.
وأيضاً التخييرُ على الرِّوايةِ المذكورة أخيراً في كلامِ "الكافي" إنما هو بينَ الفاتحةِ والتَّسبيحِ والسُّكوتِ.
وليس كلام صاحب "الدرر" على ذلك، بل على كون الفاتحة واجبة، ففيه خلط بين الروايتين من هذه الجهة أيضاً.
قال الزيلعيُّ في بابِ الوترِ والنَّوافلِ: "وهو مخيَّرٌ في الأخريين، إن شاءَ سبَّحَ ثلاثَ تسبيحاتٍ، وإن شاءَ ك سكَتَ مقدارها، وإن شاءَ قرأَ الفاتحة، إلا أن الأفضلَ أن يَقرأَ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ فيهما، ولهذا لا يجبُ سجودُ السَّهوُ بتركِها في ظاهرِ الروايةِ. انتهى.
قوله: (فالأحوطُ أن لا يتركَها .... إلخ) هذا التفريع ليس في محلِّه؛ إذ لم يسبق منه ذكرُ روايتَينِ، ثمَّ إنَّه قد فاتَه ذكرُ الأفضلِ في المسألة صريحًا، وهو الذي صحَّحَه صاحبُ "الكافي" و"الزيلعي".
قوله: (وإن كان الصحيح أنَّه ليسَ بواجبٍ) بل أفضلُ، كما سَبَقَ، ولذا أسقطَ هذه المسألةَ من تقسيمِ أفعالِ الصَّلاةِ إلى الواجباتِ والسُّننِ فيما يجيءُ.
قوله: (وتعيين الأوليَين للقراءة) هذا لم يسبِق منه صريحًا، ودلالةُ قولِه: "ويَكتفي بالفاتحةِ فيما بعدَ الأُوليَينِ" عليه ضعيفةٌ جدًا.
قوله: (أي: القعدتَين) العبارةُ في كثيرٍ من النُّسخِ: "أي: التشهدين"، وإطلاقُ التَّشهُّدِ على القَعدةِ معهودٌ فيما بينَهم، وقد وَقَعَ ههنا من صدرِ الشريعة أيضًا، وهو من ذكرِ الحالِ وإرادةِ المَحلِّ.
الجزء 1 · صفحة 74
قوله: (وذكَرَ الإمامُ التَّمرتاشيُّ أنَّ اليَدَينِ والقدمَينِ) العبارة في "العناية" كذا، والمرادُ وضعُ اليدَينِ والقدمَين؛ بمعونةِ السِّياقِ.
قوله: (حتى لو أخَّرَ القيامَ إلى الثالثة بزيادة التشهد .... إلخ) تفريعٌ على ما يَتضمَّنُه قولُه: "والبواقي واجبةٌ"، أي: كون الاقتصارِ على التَّشهُّدِ في القعدةِ الأولى واجبًا.
قوله: (وهي سنَّةٌ عندنا، وفرضٌ عندَ الشّافعيِّ) هذا مستغنًى عنه؛ لمكان قولِه فيما سيجيءُ: "والصلاةُ والدعاءُ سنَّتان".
قوله: (عطف على شبه القرآن) أي: لا على القرآنِ، وهو موافقٌ لقولِ صاحبِ "الهداية": ولا يدعو بما يُشبهُ ههنا كلام الناسِ، تحرُّزاً عن الفسادِ، ولهذا يأتي بالمأثورِ المحفوظِ". انتهى.
لكنَّه ليسَ في كلامِه ذكرُ القرآنِ قبلَه، كما وَقَعَ ههنا، وعبارة "الكنز": "ودعا بما يُشبهُ ألفاظَ القرآنِ والسنَّةِ".
وحينئذٍ يَتعيَّنُ عطفُه على القرآنِ، فما فعَلَه صاحبُ "الدرر" محلُّ تدبُّرٍ بعدُ.
قوله: (منه أن يقول .... إلخ) يريدُ أنَّ المأثورَ ليسَ بمُنحصرٍ فيه، وما قيلَ ولَم يُقَل، مثلَ أن يقول: كما قالَ في أختِه كذلك؛ لئلا يتوهَّمَ أنَّه ليس عينَ المَرويِّ. انتهى.
ليس له محلٌّ صحيحُ، كيف لا وكلُّ ما دَخَلَ عليه "مثل" و"نحو" و"كاف" مشتركٌ في ذلك، وهو في المسامحاتِ المشهورةِ، على أنَّ مقتضى ذلك أن يقولَ في غةٍ أخرى أيضاً منه.
قوله: (أي: لا يدعو بما يشبه كلام الناس) فيه تلميحٌ إلى أنَّ "لا" عاطفة، والمعطوفُ عليه لفظُ "يشبه" لا لفظ "القرآن"، لكنَّه لا يلائِمُ الأصلَ الآتي، فإنَّ المذكورَ فيه هو كلامُ النّاسِ بنفسِه، لا ما يُشبهُه.
الجزء 1 · صفحة 75
قوله: (واقتصروا في التمثيلِ لوجوبِ رعايةِ التَّرتيبِ في الأركانِ على هذا المثالِ) إشارةٌ إلى التَّرتيبِ بين القراءةِ والركوعِ، وأنت خبيرٌ بأنَّ ما نقلَه فيما سيجيءُ عن "الجلالية"، من أنَّ التَّرتيبَ ليسَ بفرضٍ فيما تعدَّدَت شرعيَّتُه في كلِّ ركعةٍ؛ كالسَّجدةِ، حتّى لَو تذكَّرَ .... إلخ"، بدافعِ ما ادّعاه من الاقتصارِ، فإنَّ مُؤدَّى نفيِ فرضيَّةِ التَّرتيبِ في هذه الصورةِ كونُه واجباً يتداركُ فواتُه بسجودِ السَّهوِ، وكون الركوع والسجودِ من الأركانِ ليسَ محلَّ كلامٍ.
قوله: (أن ما اتَّحدَت شرعيَّتُه يُراعى وجودُه صورةً ومعنًى في محله؛ لأنه .... إلخ) قال الزيلعي في تعليله: "تحرزاً عن تفويتِ ما تَعلَّق به جزءاً أو كلاً؛ إذ لا يُمكنُ استيفاءُ ما تعلَّقَ به جزءاً أو كلًّا من جنسِه، لضرورةِ اتِّحادِه في الشَّرعيَّةِ، والإفراد بالشَّرعيَّةِ دليلُ إفرادِ ذلك عليه". انتهى.
قوله: (فإنَّ مَن تَرَكَ الثَّانيةَ) أي: السَّجدةَ الثَّانيةَ.
قوله: (وقام) أي: إلى الركعةِ الأخرى.
قوله: (وأتمَّ صلاتَه) لا مدخلَ له في جوابِ المسألةِ، كما سبق، وهو قوله في المتن: "ترك السجدة الثانية فتذكر قبل السلام .... إلخ".
قوله: (ذكره شراح "الهداية") وعليه كلامُ صاحبِ "الكافي" أيضًا.
قوله: (حتى قال في "الجلالية") أي: في حواشي "الهداية" المنسوبة إلى جلال الدين الخبازي.
قوله: (حتى لو تذكَّرَ في ركوعِ .... إلخ) رأيت بخطِّ المولى حسن جلبي الفناريّ في هامش "شرح الوقاية" لصدر الشريعة عند قوله: "يقضيها ويكون القيام معتبراً .... إلخ"، ما نصُه:
"سألت الأستاذ - أعني: الشيخ المحقق ابن قطب الدين - متى يقضيها، أفي آخرِ الصلاةِ أم في الركعةِ الثانية؟
فأجاب ناقلًا عن الفتاوى: أنَّه يقضيها في الركعةِ الثّانيةِ قبل سجدتِها، حتى لو أخّرَت بطلَت صلاتُه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 76
والذي يقتضيه أن يكونَ قضاءُ السجدةِ المتروكةِ بعدَ الانحطاطِ من ركوعِ الرَّكعةِ الثانية، ولَو كانَ التَّذكُّرُ قبلَه.
قوله: (ومِن الأجزاءِ الماديّةِ) كانَ الأظهرُ أن يضمَّ إليها كونها جزءاً صورياً داخلًا في الهيئةِ الحاصلةِ، فإنَّ تمامَ السُّؤالِ وهو كونُ حقِّه أن يكونَ فرضاً موقوفٌ على ذلك، كما تبيَّنَ من كلامِه السّابقِ آنفًا.
قوله: (فأي سرٍّ في جعلِ مراعاةِ التَّرتيبِ بينهما واجبًا ز لا فرضاً) الذي يظهر أن يكون ضمير التثنية في "بينهما" لركوع الركعة الثانية وإحدى سجدتي الركعة الأولى؛ إذ لا معنى للترتيب بين السجدتين، كيف لا وقد فسَّره فيما سبَقَ بالتَّقديمِ بقصدِ التَّرتيبِ، وهو غيرُ متصَوَّرٍ بينهما، وإنَّما الواقعُ بينهما المقارنةُ، ولا مساسَ لها بالترتيب، وهذا ظاهرٌ لا غبارَ عليه.
لكن قولُه فيما سيجيءُ في أثناءِ الجوابِ: "ولو فرضَ الترتيب بينَ السَّجدتَينِ لا يظهر"، يأبى عن ذلك كلَّ الإباءِ، ولعل الصواب أن يقال هناك: ولو جَعَلَ التَّرتيبَ بينَ ركوعِ الرَّكعةِ الثَّانيةِ وبينَ كلِّ واحدٍ مِن سجدتَي الرَّكعةِ الأولى فرضاً، لكان كذا.
قوله: (مساواة ما ثبت بالفعل) أي: بفعلِه عليه السلامُ، كما سَبَقَ.
قوله: (لما ثَبَتَ بالنَّصِّ) أي: نصِّ القرآنِ على ما هو الواقع، وإن كان قولُ النَّبيِّ عليه السلام أيضاً قُدِّمَ على فعلِه، على أنَّ الفرقَ بينَهما بحيثُ تُعدُّ المساواةُ بينَ حكمِهما محذوراً محلَّ توقُّفٍ.
قوله: (مع أنَّ الأولَ أعلى رتبة من الثاني) الظّاهرُ، بل الصَّوابُ: مع أنَّ الثاني أعلى رتبةً مِن الأوّلِ، كما قيلَ.
الجزء 1 · صفحة 77
قوله: (فإن معناه أنَّ مراعاةَ التَّرتيبِ في هذه الصورة خاصّةً واجبةٌ .... إلخ) أنت خبير بأن لفظ "الذخيرة" لا يساعد هذا الأخذَ، فإن قولَه: "فلأنَّ مراعاةَ التَّرتيبِ واجبةٌ" جواب "أما" في قولِه" "أمّا تقديمُ الرُّكنِ"، والتمثيلُ بمسألةِ القراءةِ معترضٌ بينهما، فمؤداه كونُ حكمِ كلِّ ركن كذلك ليس إلا.
قوله: (مخالف لما صرح به شراح "الهداية" .... إلخ) لا لما في الحواشي فقط ك كما زعمَ صدرُ الشريعة.
قوله: (فإنه إذا وَقَعَ بعدَ السُّجودِ لا يَقعُ معتدًّا به) تعليلٌ للُزومِ الاحتراز عنه، وذلك لأنَّ عدمَ وقوعِ ذلك الرُّكوعِ معتدًا به من أحكامِ كونِ التَّرتيب بينهما فرضًا، وكلام صاحب "الهداية" في عدِّ الواجباتِ.
قوله: (لما عرفت أنَّ القراءةَ ليسَت مِن الأركانِ التي لها مدخلٌ في التَّرتيبِ (هذا يُخالفُ ما نقلَه صدرُ الشَّريعةِ عن "الذخيرة"، حيث قال: "وأما تقديمُ الرُّكنِ؛ نحو: أن يركعَ قبلَ أن يقرأ، فلأنَّ مراعاة التَّرتيبِ واجبةٌ عندَ أصحابِنا الثَّلاثةِ"، فإنَّه صريحٌ في إفسادِ ما ادّعاه، ولعلَّ ما سبقَ منه ممّا أخرجَته قريحتُه، وليس بمبني على نقلٍ صريحٍ أو تخريجٍ صحيحٍ، فقد عرفت بذلك حالَ الاعتراضِ الثاني.
قوله: (في صورةٍ بخصوصِها) أي: بينَ الركوعِ والسُّجودِ، وقد عرفتَ أنَّ كلامَ صاحبِ "الذخيرة" ليسَ على صورةٍ بخصوصِها.
نعم، عبارته: أما تقديمُ الرُّكنِ، فلأنَّ مراعاةَ التَّرتيبِ واجبةٌ عند أصحابِنا، وليسَ مقتضاه أنَّ رعايةَ التَّرتيبِ واجبٌ مطلقًا، لكن مرادَه واضحٌ، وقد عرفتَ حالَ الاعتراضِ الثَّالثِ أيضًا.
قوله: (ليست بركنٍ) قيل: قد عرفتَ أنَّه مِن تمامِ الصَّلاةِ لما روي عن ابن مسعود، ولا شكَّ أنَّ تمامَ الشَّيءِ جزءُ ذلك الشَّيءِ. انتهى.
فيه أنَّ الجزئيةَ مطلقًا لا تقتضي الرُّكنيَّةَ، وكأنَّ ذلك القائلَ ظنَّ الرُّكنَ مرادِفًا للجزءِ مطلقًا، وليسَ الأمرُ كذلك.
الجزء 1 · صفحة 78
قال في "النهاية" نقلًا عن "مبسوط شيخ الإسلام": والقعدةُ الأخيرةُ؛ فهي وإن كانَت فرضًا، إلّا أنَّها ليسَت بركنٍ أصليٍّ في الصلاةِ، وإنما شُرِعَت شرطًا للتَّحليلِ. انتهى.
قوله: (والقعدة الأخيرة من حيث هي أخيرة .... إلخ) بخلافَ القيامِ من حيث هو قيامٌ، والركوعِ من حيثُ هو ركوعٌ، فإنَّه يُمكنُ فكُّ الترتيب عنهما، وقد يقال: للخصمِ أن يقول: يقبلُ ذلك
بالنِّيَّةِ، فإنَّه إذا كبَّرَ بعدَ الرُّكوعِ ونوى أنَّه تكبيرةُ الافتتاحِ، أو قَعَدَ قبلَ السَّجدةِ ونوى أنَّه القعدةُ الأخيرةُ، يوجد فكُّ التَّرتيبِ لا محالة. انتهى.
قوله: (وتكبير الافتتاح) قد مرَّ أنه ليسَ بركنٍ بل شرطٌ، وعدُّه في الفرائضِ كما وَقَعَ من صاحبِ "الهداية" لا يقتضي كونَه ركنًا على ما ظنَّ، ألا ترى إلى تصريحِ صاحبِ "الدرر" بعدَ أسطرٍ بأنَّ عدمَ الرُّكنيَّةِ لا يُنافي الفرضيَّةَ، وتحقيقُه ما قالَه صاحبُ "النهاية" من أنَّ الفرائضَ أعمُّ من الأركانِ والشُّروطِ.
قوله: (وقد وقع ههنا من بعض أهلِ الصَّلفِ ومن له حرص على رد كلام المجتهدين وشعف ... .إلخ) أراد به الشيخ بدر الدين بن قاضي سماونة صاحبَ "التسهيل".
والصلف كما في "القاموس": التمدُّحُ بما ليسَ عندك"، كما هو عبارةُ الشَّيخِ المذكورِ في تصانيفِه.
و"على" متعلق بـ"حرص"، و"شعف" على سبيلِ التَّنازُعِ، لكن تعدية "شعف" بـ"على" مبنيَّةٌ على تمحُّلٍ؛ يقال: شعف الحب شعفًا، وهو بالعينِ المهملة، إحراقُ المحبَّةِ.
قوله: (ما يتعجب الناظر فيه من حاله) هو أنَّ وجوبَ السَّجدةِ في تقديمِ ركنٍ على آخرَ؛ كالرُّكوعِ قبلَ القراءة لتأخيرِ ركنٍ عن محلِّه؛ لأنَّ التَّرتيبَ واجبٌ، فإنه لما ركعَ قبلَ القراءةِ تأخَّرَ ركنُ القراءةِ عن محلِّه، فوَجَبَ السُّجودُ للتَّأخيرِ وإن كانَ التَّرتيبُ شرطًا لا واجبًا. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 79
ووجهُ كونِ هذا الكلام مما يتعجَّبُ النّاظرُ فيه من حالِ ذلك القائلِ، هو أنَّه لَم يقُل أحدٌ أنَّ فواتَ الشَّرطِ يُوجبُ سجودَ السَّهوِ، كما سيظهَرُ إن شاء الله تعالى.
قوله: (وقيل: لا ينوي النساء .... إلخ) كانَ الواجبُ تأخيرَ هذا عن نيَّةِ التَّسليم الثانية أيضًا، كما في ز "الهداية".
قوله: (بالتزام صلاتهم صحَّةً وفسادًا) كذا في "الكافي"، وكانَ الظّاهرُ الاقتصارَ على ذكرِ الصحَّةِ؛ فإنَّ التزامَ الفسادِ ممّا لا صحَّةَ له.
قوله: (بقدرِ ما تجوزُ به الصلاة) أي: لا بما دونَه، فإنَّه لَو أخفى بما دونَ الآيةِ في موضعِ الجهرِ، أو جَهَرَ في موضعِ الإسرارِ، لا يلزمُ تركُ الواجب.
قوله: (حتى لا يجب سجدة السهو بتركِهما) أي: على هذا القولِ، بخلافه على القول الأول.
قوله: (ولها آداب) الأدب: ما فعلَه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يُواظِب عليه، كالزِّيادةِ على الثَّلاثِ في تسبيحاتِ الرُّكوعِ والسُّجودِ، كذا قال ابن الشحنة في "شرح الكنز".
قوله: (وإلى حجره في قعودِه) قيل: الحِجرُ: بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم والراء المهملة، بالفارسية: كنار مردم. انتهى.
قلت: قد فُسِّرَ حِجرُ الإنسانِ في كتبِ اللُّغةِ بحِضنِه، وهو ما دونَ إبطِه إلى الكَشحِ، ولا يمكنُ النَّظرُ إليه في الصلاةِ، فضلًا عن أن يكونَ بلا تكلُّفٍ.
وتفسيرُه بلفظ "كنار مردم" لا يوافقُ كلامَ أهلِ اللُّغة، وكأن القائلَ المذكورَ لَم يَعرِف معنى ذلك اللَّفظِ الفارسي.
ولعلَّ الأظهرَ كونُه بضمِّ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الجيمِ وآخره زاء معجمة، جمعُ حُجزة بضمِّ الحاءِ المهملةِ وسكونِ الجيم، مثل: بُردَة وبرد، وحجرة وحجر، وغرفة وغرف، وهي معقد الإزار، على ما صرح بجميع ذلك في "نهاية ابن الأثير".
ووقوعُ النَّظرِ في القعودِ إلى معاقدِ الإزارِ بلا تكلُّفٍ ليس بمحلِّ شبهةٍ، فليُتدبَّر.
الجزء 1 · صفحة 80
ولو كانت العبارة "الحجر" بالراءالمهملة، فالأشبه أن يكونَ بكسرِ الحاءِ وسكونِ الجيمِ، بمعنى ما بينَ يدَيك من ثوبك، كما في "القاموس".
قوله: (أي: ستره) فسَّرَ الزيلعيُّ كظمَ الفمِ بإمساكِ الفمِ، ثمَّ قالَ: "والمرادُ به: سَترُه".
قوله: (فليكظِم ما استطاع) لفظُ الحديثِ: «فليكظم فاه».
قوله: (والقيام عند الحيعلة الأولى) أي: حينَ قالَ: حيَّ على الصلاة. مشى في هذه المسألةِ على مسلكِ المُختارِ.
والمذكورُ في "الكنز" وكثيرٍ من الكتب: "حينَ قيلَ: حيَّ على الفلاح"، وقد تعرَّضَ صاحبُ "ملتقى البحرين" للقولَين.
قوله: (والشروعُ عند: "قد قامت الصلاة") وهذا عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ، وقالَ أبو يوسف: يَشرَعُ إذا فَرَغَ مِن الإقامةِ، ذكرَه الزَّيلعيُّ.
فصل
قوله: (ووتر بعدها .... إلخ) فيه أنَّ كونَ الجهرِ في الوترِ مشروطًا بأن يكونَ بعدَ التَّراويحِ، غيرُ مسلَّمٍ؛ فإنَّ الأمر كذلك فيما لَو تَرَكَ التَّراويحَ وصلّى الوترَ بعدَ العشاءِ.
وعبارة الزيلعي: "وكذا يجهَرُ في التَّراويحِ والوترِ إذا كان إمامًا؛ للتَّوارثِ" ك. انتهى.
قوله: (مخالفٌ لما ذكره شمس الأئمة .... إلخ) فإنَّهم قالوا: المنفردُ يُخيَّرُ في الأداءِ بينَ الجهرِ والمخافَتةِ، والجهرُ أفضلُ، فكذلك في القضاء؛ لأنَّ القضاءَ يكونُ على وجهِ الأداء، وهو ما نقل عن "الكافي" بعينه.
قوله: (وأجيب عنه بأن ما ذكره المصنف من سببي الجهر ثابت بالإجماع) هذا الجواب لصاحب "العناية".
ثم إنَّ الأوفى بالمراد أن يقول: وانحصار سبب الجهر فيهما فإنَّ "أو" هاهنا يجب أن يكون محمولاً على منع الخلوِّ، حتى يفيد المدَّعي، يعني: أنَّ السَّببَ للجهرِ إما هذا وإما ذاكَ؛ بالاستقراءِ، وليسَ أمرٌ ثالثٌ يصلحُ للسَّببيَّةِ له.
فقول صاحب "الدرر" في بحثه: بل الإجماعُ على كونِ كلٍّ منهما سبباً للجهرِ" ليسَ له محلٌّ صحيحٌ، وعلى ما قرَّرنا لا يَبقى للتَّعليلِّ محلاً.
الجزء 1 · صفحة 81
قوله: (معلَّلٌ بما يفهَمُ من الحديث) وهو كونُ صلاتِه على هذه الهيئةِ مستدعيةً لصلاةِ صفوفِ الملائكةِ ما يفهمُ من الحديثِ يكونُ سندًا للإجماعِ، على ما قُرِّرَ.
قوله: (فينبغي أن يكون الجهر في قضاء المنفردِ للجهريَّةِ أيضًا أفضل) لو قال: فينبغي أن يجوز الجهرُ في قضاءِ المنفردِ للجهريَّةِ أيضًا، بل أفضلُ، لكانَ اللَّحاقُ مناسباً للسِّباقِ.
قوله: (بدلالة الحديث) أي: على ما هو العلَّةُ، وليس المرادُ دلالةَ النَّصِّ، كما هو المُتبادرُ.
قوله: (الجهر إسماعُ غيرِه) والمراد بـ"الغير" كلُّ مَن يكونُ منه بمكانٍ يسمعُ فيه صوتَه.
يُفصِحُ عنه ما في "الخانية" من أنَّه إذا قرأَ الإمامُ في صلاةِ المخافتةِ بحيث يَسمَعُ رجلٌ أو رجلانِ، لا يكونُ جهرًا حتّى يَسمَعَ الكلُّ. انتهى.
ولعل قول صاحب "الوقاية": وأدنى المخافتةِ إسماعُ نفسِه". مبنيٌّ على تلك المسألةِ؛ بأن يكونَ إسماعُ رجلٍ أو رجلَين مثلًا من المخافتة، ولا يكونُ داخلاً في الجهرِ، فليتدبر.
ثم إن قوله: "الجهر إسماع غيره، والمخافتة إسماع نفسه"، موافقٌ للفظِ "الهداية".
وعبارة "الكافي" و"الوقاية": "أدنى الجهرِ أن يسمعَ غيرَه، وأدنى المخافتةِ أن يُسمِعَ نفسَه".
والمآلُ واحدٌ، فإنَّ المرادَ من لفظِ "الهداية" يبيِّنُ الطرفَ الأدنى لا محالةَ، والمَقامُ معيَّنٌ، ثمَّ إنَّه قد سَبَقَ منّا قبلَ أسطرٍ توجيهُ لفظِ الأدنى في كلامِهما".
قوله: (وقال الكرخي: الجهر إسماع نفسه، والمخافتة تصحيح الحروف) لفظ "الهداية": "وقالَ الكرخيُّ: أدنى الجهرِ أن يُسمِعَ نفسَه، وأدنى المخافتةِ تصحيحُ الحروفِ".
قال في "الكافي": "فإن صحَّحَ الحروفَ ولَم يُسمِع نفسَه، يَجوزُ عندَ الكرخيِّ".
ثمَّ قالَ: "فأدنى الجهرِ عندَه أن يُسمِعَ نفسَه، وأقصاه أن يُسمِعَ غيرَه، ثمَّ إنَّ ما دونَ إسماعِ نفسِه ليسَ بقراءةٍ عندَ الكرخيِّ"، كما في "الكافي".
الجزء 1 · صفحة 82
قوله: (والطلاق والعتاق والاستثناء) حتى لو طلَّقَ ز امرأتَه أو أعتَق أمتَه أو استثنى بأن قالَ: "لَه عليَّ ألفٌ إلا مئةً"، فإن صحَّحَ الحروفَ فيها ولَم يُسمِع نفسًه، لا يَقعُ، ولا يصحُّ الاستثناءُ، على ما هو الصَّحيح.
قوله: (قرأها، أي: السورة بالفاتحة جهرًا) ثم تقدَّمُ السُّورةُ على الفاتحةِ عندَ بعضِهم، وعندَ بعضِهم تقدم الفاتحة، وله أن يترك الفاتحة ويقرأ سورة عند بعضهم. وقالَ بعضُهم: ليس له ذلك، والتفصيل في "شرح الكنز" للزيلعي.
قوله: (لا أولى سائر الصلاة) وهو قولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ، خلافًا لمحمد رحمهم الله تعالى، ذكره في "الكافي".
وفي "معراج الدراية" الفتوى على قولِ محمَّدٍ، وفي "الحجة" مثله، وقيل: يوافقه ما في "المحيط".
قوله: (يعني لم يجز تعيينها لجواز الصلاة) وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المرادَ بـ"عدم تعيينِ سورةٍ لجوازِ الصلاةِ" عدمُ ذلك من جهة الشّارعِ، لا مِن جهةِ المُصلّي.
قوله: (لأنه نسخٌ) الضميرُ لتقييدِ المُطلَقِ.
قوله: (ألم تنزيلُ السجدة) بضمِّ اللامِ، على حكايةِ ما وَقَعَ في القرآنِ، وقد وَقَعَ في اللفظِ النَّبويِّ: «من قرأ الم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثه أيام»، والسجدةُ اسمٌ آخرُ لتلكَ السُّورةِ، فالظّاهرُ كونُها منصوبةً على أنَّه عطفُ بيانٍ للاسمِ الأوّلِ.
وعبارةُ الزيلعيِّ: "الم السجدة"، بدون لفظ "تنزيل"، وهو الظاهر.
قوله: (وإن قرأ الإمام آية ترغيب أو ترهيب) يعني: لا يسألُ الجنَّةَ عندَ قراءةِ آيةِ التَّرغيبِ، ولا يَتعوَّذُ من النّارِ عندَ قراءةِ آيةِ التَّرهيبِ، ذكرَه في "شرح المجمع".
قوله: (فإنما أمروا بهما فيها) أي: أُمِروا بالاستماعِ والإنصاتِ في الخطبة.
الجزء 1 · صفحة 83
قوله: (أي: المؤتم يستمع الخطبة وينصت) الذي يَظهَرُ من كلامِ الزَّيلعيِّ أن يكونَ قولُ "الكنز": "وإن قرأ إمامه آية ترغيب أو ترهيب" متعلِّقاً بالإنصاتِ وحدَه، ولا يكون له تعلق بالاستماع أصلاً، بخلافِ ما يُفهَمُ مِن كلامِ صاحبِ "الدرر" في عدَّةِ مواضعَ.
قوله: (بأن ظاهر قوله: أو خطب .... إلخ) الظاهرُ في العبارةِ بأنَّ الظاهرَ أنَّ قولَه: "وخطب" معطوف، ولعل قوله "ظاهر" إشارة إلى الاحترازِ عن تصحيحِ الكلامِ بالتَّقديرِ، مثلَ ما قالَ صاحبُ "الدرر".
قوله: (لأنه يقتضي أن يكونَ الإنصاتُ واجباً قبلَ الخطبةِ والصلاةِ على النبي عليه السلام) في تمام كلام الزيلعي: "فيصيرُ معنى الكلامِ: يجبُ عليه الإنصاتُ فيها، وإن قرأ آيةَ ترغيبٍ أو ترهيبٍ أو خَطَبَ". انتهى.
قيل: بل يقتضي أن يكون الإنصات قبلَ الخطبةِ أشدَّ وجوباً، على ما هو مقتضى "إن" الوصلية. انتهى.
ويلوحُ بالبالِ أنَّه لَو جَعَلَ النَّقيضَ الأولى بالحكمِ حالَ صلاةِ الجمعةِ، لاندفَعَ جميعُ ذلك.
قوله: (وهذا الاعتراض كان ممكن الدفع بأن يكون المؤتم بمعنى ما من شأنه أن يأتم) فيكونُ من بابِ عمومِ المجازِ؛ لشمولِ ذلك لمَن يَقتدي بالفعلِ، وفيما يأتي: وسامع الخطبة مقتدٍ للإمام فيما يأتي، وإن لَم يكُن مقتديًا بالفعل.
ومَن وجَّهَه بأنَّ سامعَ الخطبةِ وإن لم يكُن المُؤتَمَّ بالفعلِ، إلا أنَّه بمنزلةِ المُؤتَمِّ؛ لقيامِ الخُطبةِ مقامَ الرَّكعتَينِ مِن الظُّهرِ. انتهى. فقَد صَرَفَ اللَّفظَ عن غيرِ عملِه الصحيحِ، ثمَّ إنَّه لا يَذهبُ عليك بأنَّ تأويلَ المُؤتَمِّ به أو بغيرِه لازمٌ على كلِّ حالٍ، ولا مَدخَلَ له في دفعِ السُّؤالِ المذكورِ، فلو كانَ أسقطَ من هذا الاستثناءِ، وتعرَّضَ لذكرِه بعدَ هذا الكلامِ أو قبلَه لكانَ أصوبَ.
الجزء 1 · صفحة 84
نعم، يندفِعُ به سؤالٌ آخرُ ذكرَه الزَّيلعيُّ، حيثُ قالَ أيضًا: "يقتضي أن يكونَ الخُطبةُ والصَّلاةُ واقعتَينِ في نفسِ الصلاة، وليسَ المرادُ ذلك". انتهى.
قوله: (أي: أكثرهم صلاةً باللَّيلِ) كذا في "الكافي"، وهذا لا يكونُ إلا على طريقِ الكنايةِ.
وقوله: (لما روي) يكون بياناً لوجه الكناية المذكورة، والظاهر من كلام الزيلعي أن يكونَ على ظاهرِه؛ فإنَّ صباحةَ الوجهِ أيضاً يكون سبباً لكثرةِ الجماعةِ من جهةِ ميلِ القلوبِ ك إليها.
قوله: (فالأنظف ثوباً) قال في "معراج الدراية": المرادُ به النظافةُ عن الوسخِ لا عن النَّجاساتِ؛ لأنَّ الصلاةَ مع النَّجاسةِ لا تَصحُّ، ومِن النظافة عن الوسخِ تمييلُ قلوبِ النّاسِ إلى الصلاةِ خلفَه، فتكثرُ الجماعةُ بسببها".
قوله: (فإنهم إذا صلَّوا لم يتقدَّم إمامُهم) بيان لوجهِ تشبيهِ العُراةِ بالنِّساءِ، ثمَّ الظّاهرُ أن يدخلَ فيه كراهةُ جماعتِهم أيضًا، على ما يظهَرُ من كلامِ الزَّيلعيِّ، فيكون الكلامُ أعمَّ فائدةً.
قوله: (لأنَّ التَّيمُّمَ طهارةٌ مطلقةٌ) عند أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ، وعندَ محمَّدٍ: لا يجوزُ اقتداء المتوضئ بالمتيمم.
قال في "الكافي": "لأن التيمَّمَ طهارةٌ ضروريَّةٌ؛ إذ يُصارُ إليها عندَ العجزِ عن استعمالِ الماءِ، والطَّهارةُ بالماءِ أصليَّةٌ، والقاعدُ فاتَ منه الرُّكنُ، وهو القيام.
لهما: أنَّ التَّيمُّمَ طهارةٌ مطلقةٌ، لا ضروريَّةٌ حتى لا يَتقدَّرَ بوقتِ الصَّلاةِ، ولَو كانَت ضروريَّةً لتُقدَّرَ به كطهارةِ المستحاضةِ". انتهى.
وهذا معنى قوله: "ولهذا لا يَتقدَّرُ بقدرِ الحاجةِ".
قوله: (إلا أن يوميء المؤتم قاعداً) وكذا قائماً على ما يظهر من كلام الزيلعي، لقوله عليه السلام: «أيما رجل صلى بقوم ثم تذكر جنابته .... إلخ»، كذا في "الكافي"، ز والذي يظهَرُ أنَّ مبناه كونُ المحدثِ في حكمِ الجنب.
الجزء 1 · صفحة 85
قالَ الزَّيلعيُّ: "وعلى هذا الخلاف الجنبُ والذي في ثوبِه أو بدنِه نجاسةٌ". انتهى.
قوله: (اقتدى أمي وقاريء بأمي) هذه المسألةُ فيها خلافُ أبي يوسف ومحمد، كذا في "الكافي".
قوله: (استخلف أمياً في الأخريين) فيها خلافُ أبي يوسفَ وزفر، كذا في "الكافي".
قوله: (لأن القراءة وجبت في كل الصلاة تحقيقاً أو تقديرًا) لفظُ الزَّيلعيِّ أوضحُ من لفظه، وهو: "لأنَّ كلَّ ركعةٍ صلاةٌ، فلا يجوزُ خلوُّها عن القراءةِ تحقيقاً أو تقديراً، ولا تقديرَ في حقِّ الأمِّيِّ لعدمِ الأهلية. انتهى.
قوله: (في الأخريين) قال في "تاج الأسماء": الأخرى ضدُّ الأولى، والأخرى أيضاً تأنيث الآخِرِ. انتهى.
والمرادُ بها في هذا المبحثِ هو المعنى الأول.
قوله: (حاذته قدر ركن) قوله: فيما سيجيءُ عندَ قوله: "فسدت صلاته" خبرًا لقوله: "حاذته" يدلُّ على أنَّ لفظةَ "لو" ساقطةٌ هاهنا من قلمِ المصنِّفِ.
قوله: (والثاني: كون المحاذيةِ مشتهاةً) قال في "الكافي": "وأن تكونَ المرأةُ مِن أهلِ الشَّهوةِ، بأن تكونَ بالغةً أو صبيَّةً مشتهاةً، حتّى لَو كانَت صبيَّةً لا تُشتَهى وهي تعقلُ الصَّلاةَ، فحاذَت الرَّجلَ، لا تُفسدُ صلاتَه".
قوله: (هو الصحيح) احتراز عما قيل: إنَّ كونَ المحاذيةِ مشتهاةً عبارةٌ عن كونِها بنتَ سبعٍ، وقيل: عن كونِها بنتَ تسعٍ، والأصحُّ أنَّ السنَّ الذي ذُكِرَ لا يُعتبَرُ به، بل المُعتبَرُ أن تصلُحَ للجماعِ؛ بأن تكونَ عبلة ضخمة، ذكرَه الزيلعي.
قوله: (والمراد كونها من أهلِ الشهوةِ في الجملةِ) أي: حالاً أو ماضياً، كما في "العناية"، وبه يظهر وجه تفريع قولِه: "ولَو كانت محرمًا أو عجوزة ينفرُ عنها الطباع"، على المذكورِ في السِّباقِ.
قوله: (حتى لو كانت مجنونة .... إلخ) قال في "الكافي": وأن تكون ممَّن يصحُّ منها الصلاة، حتّى إنَّ المجنونةَ إذا حاذَته لا تُفسدُ صلاتَه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 86
ويُوافقُه كلامُ الزَّيلعيِّ، وتفريعُ صاحبِ "الدرر" ذلك على كونِ المحاذيةِ مشتهاةً بعيدٌ عن صوبِ الصَّوابِ.
قوله: (وإن كانا يصليان بالإيماء) أي: بعد أن كانَت الصلاةُ مطلقةً في الأصلِ.
قوله: (ثم إن اشتراكهما في الصلاة قد يكون حقيقة كما في المدرك .... إلخ) قالَ في "العناية": "حتّى لا تكونُ المحاذاة في أداءِ ما سبقَ مفسدةً؛ لأنَّ المسبوقَ في أداءِ ما سبقَ منفرِدٌ؛ بدليلِ وجوبِ القراءةِ وسجدةِ السَّهوِ، فلَم يكونا مشتركَينِ أداءً. انتهى.
قوله: (والوتر في رمضان) هذا اللَّفظُ يقتضي بظاهرِه أن تكونَ الجماعةُ في الوترِ تابعةً لرمضانَ لا للتَّراويحِ، وقد مرَّ في أوائل هذا الفصلِ ما يُخالفُه.
قوله: (وأدناه قدر مؤخرة الرحل) قال في "المغرب": "مؤخرةُ الرَّحلِ: لغةٌ في آخرته، وهو الخشبةُ العريضةُ التي تُحاذي رأسَ الرّاكبِ، ومنها الحديث: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثلَ مؤخِّرةِ الرحلِ فليُصَلِّ، ولا يبالي مَن مرَّ وراء ذلك»، وتشديدُ الخاءِ خطأ". انتهى.
قوله: (ولهذا لم يفردها بالذكر) أى: لم يفرِد الفُرجَةَ بالذكر، واكتفى بذكر الحائل، لما كانَت الفُرَجُة في حكمِ الحائلِ وقائمةً مقامَه.
قوله: (وأدناه قدر ما يقوم فيه الرجل، كذا قال الزيلعي) لكن عبارته: "وأدناها"، والضمير للفرجة، فكذا في لفظ المصنف وإن كان بتأويل. .
قوله: (وبعضهم اعتبر القدم) يعني: أن تُحاذي قدمُ المرأةِ عضوًا من الرجل، كما في "العناية".
قوله: (ولو محرماً) قال في "العناية": أو حليلة.
قوله: (فسدت صلاته) وأما صلاةُ المرأةِ، فالظاهرُ أن تفسُدَ فيما إذا كانَ الرَّجلُ المحاذي إماماً، من جهة الفساد في صلاة إمامها، بخلافِ ما إذا كانَ مقتديًا.
قوله: (وإلا صلاتها) أي: وإن لَم ينوِ إمامتَها تفسُدُ صلاةُ المرأة. كذلك قال صدر الشريعة.