زواهر القلائد على مهمات القواعد
للعلامة الشيخ أبو بكر بن الشيخ محمد منلا الأحسائي
@
جارٍ تحميل الكتاب…
زواهر القلائد على مهمات القواعد
للعلامة الشيخ أبو بكر بن الشيخ محمد منلا الأحسائي
@
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه هداة الدين، وسرج الحق واليقين، وعلى من بعدهم من العلماء العاملين الذين أنار الله بهم سبيل الخير، فبذلوا الفقه للدارسين، وسلم تسليماً.
وبعد فإن الفقه الإسلامي من أهم ما يجب الاعتناء به، وتعلمه وتعليمه، وتفهم ما أشكل فيه وتفهيمه. وذلك أنه يرتبط بحياة المسلم، فالعلم والعمل والتقوى هي أركان الإيمان، ويرحم الله الإمام الأعظم حيث عرف الفقه بأنه: (معرفة النفس مالها وما عليها).
ولقد جاءت الأدلة متضافرة في الحث على التفقه في أحكام الله قال تعالى: فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). التوبة آيه (???).
وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم رقم (??) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
وامتثالا لأمر الشارع هذا حرص العلماء على دراسته والعناية به من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فاشتهر منهم جملة من الصحابة بالفقه والفتوى. وبعد أن انتهى الصدر الأول جاءت الظروف القاضية بالاجتهاد واستخراج الأحكام للناس، فتصدر لذلك الأئمة الأربعةُ وغيرهم من المذاهب الأخرى، غير أن المذاهب الأربعة كانت محل ثقة الناس. وأصبحت ذات قوة تعادل قوة الأحاديث المتواترة، لأنها نقلت إلينا تواتراً جيلاً بعد جيل، وبعد أن انتهى عصر
@
المجتهدين، وكُتِبَ تاريخ التشريع، فكر الفقهاء في جمع الشتات في الفروع الفقهية، فشرعوا في وضع قواعد كلية تدخل تحتها هذه الفروع، فنشأ عن ذلك علم (القواعد الفقهية الكلية). ولقد حرص الفقهاء على هذا الفن من العلم وكثر فيه التأليف، لأنه موصل إلى فهم الفقه حق الفهم، واستيضاح مآخذ المسائل، وأوجه الشبه والفرق بينها.
ومن بين تلك المؤلفات كتاب (زواهر القلائد على مهمات القواعد) للعلامة الشيخ أبو بكر الملا الذي لخصه من الفن الأول من كتاب (الأشباه والنظائر) للإمام ابن نجيم الحنفي وهو من الكتب المعتبرة، وقد استقى مادته من أمهات الكتب الفقهية فاكتسب أهمية لكون مادته بهذا الشكل، وله مكانة هامة بين مؤلفات علم القواعد الفقهية.
وقد ضم إلى ذلك من حاشية العلامة السيد أحمد الحموي على الكتاب المذكور فوائد جمة فأصبح الكتاب جامعاً نافعاً في فنه وسطاً سهلاً، عبارته موجزة، ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، أكثر فيه من النقول عن العلماء الكبار في مذهب أبي حنيفة ليدعم قواعده ولتكمل فوائده.
وكان عملي في تحقيق هذا الكتاب على النحو التالي:
? - اعتمدت في إخراجه على نسخة خطية بخط المؤلف رحمه الله ورمزت لها بحرف (أ) وجعلتها هي الأصل
2 - قابلتها على نسخة أخرى مصورة بخط يوسف بن ملا محمد الجداوي ورمزت لها بحرف (ب).
3 - قابلت الكتاب على أصله المختصر منه الأشباه والنظائر) تحقيق وتقديم محمد مطيع الحافظ. ط دار الفكر.
4 - راعيت في كتابة النص القواعد الإملائية المعروفة الآن.
5 ـ علقت على المواضع التي رأيت أنها تحتاج إلى ذلك لإعطاء الصورة التفصيلية لبعض المسائل.
6 - خرجت الآيات والأحاديث الواردة في الكتاب من مظانها الأصلية.
7 - مهدت للكتاب بتمهيد موجز لبعض ما يحتاج إليه طالب هذا الفن.
@
8 - ترجمت لأغلب الأعلام الذين ورد ذكرهم في الكتاب، كما عرفتُ ببعض الكتب التي ورد ذكرها في النص. ونظراً لكثرة نقول المؤلف رحمه الله عن العلماء متابعا في ذلك صاحب الأصل والحاشية رأيت أن تذكر في آخر الكتاب.
? - وضعت ترجمة مختصرة للمؤلف رحمه الله.
وقد بذلت في إخراج هذا الكتاب جهدي ما استطعت مع كثرة الأشغال وتشوش البال طلباً لمرضاة الله وليكثر انتفاع الناس به، ورغبة في خدمة تراثنا الإسلامي.
فالله أسأل أن ينفع به، وأن يتقبله قبولاً حسناً، ويغفر لمؤلفه، ويثيبني ومن ساهم في إخراجه ثواباً جزيلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وكتبه يحيى بن محمد بن أبي بكر الملا عفا الله عنه
@
تمهيد
(نشأة قواعد الفقه)
إن القواعد الفقهية لم توضع جملة واحدة في وقت معين على يد إنسان معين؛ بل تكونت مفاهيمها بالتدرج في عصور الفقه المختلفة على يد كبار العلماء؛ من أهل المذاهب استنباطاً من دلائل النصوص الشرعية العامة، ومبادىء أصول الفقه وعلل الإحكام ولا يعرف لكل قاعدة صانع معين من الفقهاء إلا ما كان فيها نص حديث كقاعدة لا ضرر ولا ضرار) وما أثر عن بعض الأئمة وكبار أتباعهم ومعظم القواعد قد انتهت صياغتها الأخيرة عن طريق تداولها وتحريرها على يد كبار الفقهاء في المجالات التعليمية والاستدلال.
ويظهر أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله قد سبق إلى صياغة تلك القواعد الفقهية، وعنهم نقل رجال المذاهب الأخرى.
ولعل أقدم من دون عنه بعض القواعد في هذا المذهب يتضح مما ذكره ابن نجيم والسيوطي في كتابيهما الأشباه والنظائر من أن أبا طاهر الدباس من علماء القرن الرابع والخامس قد جمع أهم قواعد مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة، وكان أبو طاهر ضريراً يكرر تلك القواعد في مسجده، ويروى أن أبا سعيد الهروي الشافعي رحل إلى أبي طاهر فنقل بعض هذه القواعد ومنها القواعد الخمس التي تعتبر أمهات القواعد.
ويقال: إن أقدم مجموعة وصلت إلينا في شكل رسالة خاصة هي: قواعد الإمام الكرخي وهي مشروحة من أبي حفص عمر النسفي، والظاهر أن الكرخي أخذ قواعد الدباس وأضاف إليها فجاءت مجموعتها سبعة وثلاثين قاعدة. ثم جاء الإمام أبو زيد عبد الله الدبوسي فوضع كتاب (تأسيس النظر) في مجموعة مهمة من الضوابط الخاصة لموضوعات معينة، وأخيرا جاء ابن نجيم سنة 970 هـ فجمع في الفن الأول من كتابه الأشباه والنظائر خمساً وعشرين قاعدة.
@
وهكذا تتابع فقهاء المذاهب الأخرى أيضا في التأليف في القواعد وكان القرن الثامن الهجري أحفل القرون بالتأليف فيها ولتاج الدين السبكي من الشافعية وجلال الدين السيوطي كتابان جليلان وللعز بن عبد السلام كتابه المعروف (قواعد الأحكام) وهو كتاب جليل ذو قيمة عالية في بيان مقاصد الشريعة من أحكامها وقد توفي سنة 660 هـ. وكتاب الفروق للإمام القرافي وهو تلميذ ابن عبد السلام غير أن كتاب الفروق لا يتناول أشباهاً ونظائر للإلمام والقياس، وإنما يتناولها لبيان علة اختلاف الحكم فيها مع التشابه الكامل بينهم، واعتباره من كتب قواعد الفقه فيه من التسامح ما فيه.
وممن كتب في القواعد ابن رجب الحنبلي. وقد وصفه صاحب كشف الظنون بأنه من العجائب؛ ولكنه ليس كتاب قواعد فقه بالمعنى المعروف لأنه يكاد يصنع لكل فرع قاعدة. (1)
, (تعريف القاعدة)
القاعدة في اللغة: الأساس (2) فقاعدة كل شيء أساسه وقاعدة البيت أساسه وعلى ذلك قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ) البقرة آية 127.
وفي الاصطلاح:
عرفها العلامة التفتازاني في التلويح (1/ 20) (بأنها: حكم كُلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه)
وهذا تعريف عام للقاعدة وقد جرى هذا الاصطلاح في جميع العلوم فإن لكل علم قواعد، فالقاعدة عند الجميع هي: أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته، مثل قول النحاة الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب. وقول الأصوليين الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي التحريم؛ لكن الفقهاء عبروا عنها أحياناً بقولهم: (ينطبق على أكثر جزئياته) فاكتسب الانطباق معنى آخر و انبنى عليه.
(1) مذكرة الشيخ جاد الرب (ص 5).
(2) الراغب الأصبهاني: المفردات في غريب القرآن (ص 409)،وانظر تاج العروس للزيدي (473/ 2) فصل القاف في باب الدال.
@
النحاة والأصوليين، إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها.
والفرق بين تعريف الفقهاء وبين تعريف الأصوليين والنحاة:
أن القاعدة عند الأصوليين والنحاة كلية بمعنى أنها لا تخرج جزئية عن حكم قاعدتها، أما هي عند الفقهاء فأغلبية أن بمعنى بعض الفروع من تلك القواعد مستثناة من القاعدة لأثر أو ضرورة أو قيد أو علة. فمثال الاستثناء بالأثر جواز السلم والإجارة في بيع المعدوم الذي الأصل فيه عدم جوازه. ومثال الاستثناء بالإجماع: جواز عقد الاستصناع، ومثال الاستثناء بالضرورة: طهارة الحياض والآبار في الفلوات مع ما تلقيه الريح في البئر من الروث وغيره. (1)
(الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي)
القاعدة: تجمع فروعاً ومسائل من أبواب كثيرة متعددة فجزئياتها منتشرة في أبواب الفقه المدونة وفيما يَجِدُّ من الحوادث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذا سمي بعلم الأشباه والنظائر فقد يكون الفرع في باب المياه وله شبه في باب آخر.
الضابط: يجمع فروعاً ومسائل في باب واحد (2) مثل قولهم: (إن المحرم إذا أخر النسك عن الوقت المعين له أو قدمه لزمه دم).
القاعدة: أمر كلي مبني على دليل يتعرف منه أحكاماً جزئية غالباً.
الضابط أمر كلي لا يعتمد على دليل وحيث وجد الدليل للضابط يكون قاعدة. (3)
(1) مجلة الأحكام العدلية شرح الأتاسي ????/?.
(?) انظر الأشباه والنظائر (ص (???) لابن نجيم، وحاشية البناني على شرح الجلال المحلي على
جميع الجوامع (???/?).
(?) مذكرة الشيخ جاد الرب (ص?).
@
(عدد القواعد الفقهية الكلية)
قواعد الفقه الكلية تزيد عن المائتين حسب ضبط أهل الاجتهاد لأن العلم برجوع جميع مسائل الفقه إلى هذه القواعد مبناه الاجتهاد والتطبيق، فيختلف باختلاف أهل النظر؛ ولذلك بعض المجتهدين قلل مثل العز بن عبد السلام وبعضهم أكثر. وبعضهم رد جميع المسائل الفقهية إلى خمس قواعد وهي:
1 - اليقين لا يزول بالشك.
2 - المشقة تجلب التيسير.
3 - الضرر يزال.
4 - العادة محكمة.
5 - الأمور بمقاصدها.
ومعنى هذه الخمس قواعد لجميع الفقه عندهم أن جميع مسائل الفقه ترجع إليها إما مباشرة أو بواسطة، وإن شئت قلت قواعد الفقه ما عدا الخمس متفرع عليها.
ولذا كانت العناية بفهم هذه القواعد أولا ثم التعرض لما تفرع عليها، لأن فهم الملزوم - القواعد الخمس - غير كاف في فهم اللازم إلا إذا كان اللازم بيناً بالمعنى الأخص وقد لا يكتفى بالفهم لزوماً ويعدل إلى البسط زيادة في الإيضاح.
ولذا أكثر الذين كتبوا في قواعد الفقه حتى إن بعضهم وهو ابن رجب الحنبلي جعل لكل فرع قاعدة خاصة، والواقع أن معنى القاعدة لا يساعد على سلوك هذا المسلك.
وأما العز بن عبد السلام فقد تقدم أنه أرجع جميع القواعد الفقهية إلى قاعدة واحدة وهي [جلب المصالح ودرء المفاسد].
فقال: الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على ما يظهر من الظنون. وللدارين مصالح إذا فاتت فسد أمرهما، ومفاسد إذا تحققت هلك أهلها.
وتحصيل معظم هذه المصالح بتعاطي أسبابها مظنون غير مقطوع به
@
، فإن عمال الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة، وإنما يعملون بناءً على حسن الظنون وهم مع ذلك يخافون ألا يُقبل منهم ما يعملون، وقد جاء التنزيل بذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوا وَقُلُوهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)
فكذلك أهل الدنيا إنما يتصرفون بناءً على حسن الظنون، وإنما اعتمدوا عليها لأن الغالب صدقها عند قيام أسبابها.
فالتجار يسافرون على ظن أنهم يَسْلَمون ويربحون، والصناع يخرجون من بيوتهم على ظن أنهم يعملون بما به يرزقون والفلاحون يزرعون بناءً على ظنهم أنهم يحصدون وهكذا ... إلى أن قال: والعلماء يشتغلون بالعلوم على ظن أنهم ينجحون ويتميزون، وكذلك الناظرون في الأدلة والمجتهدون في تعرف الأحكام يعتمدون في الأكثر على ظن أنهم يظفرون بما يطلبون، والمرضى يتداوون على ظن أنهم يشفون ويبرءون.
ومعظم هذه الظنون صادقة غير كاذبة. فلا يجوز تعطيل هذه المصالح الغالبة الوقوع خوفاً من ندور كذب الظنون ولا يفعل ذلك إلا الجاهلون (1). اهـ.
وبالنظر إلى هذه المقالة نرى أن العز بن عبد السلام قد جعل مصالح الدنيا والدين ظناً أساسيًا للسير في هذه الحياة دنياً وديناً. فالأحكام الشرعية كلها ترجع عنده إلى قاعدة واحدة وهي: تحصيل المصالح «دنيا ودين على ظن أن ما يقوم به المكلف يحقق له ذلك والظن كاف بداهة إذ لا طريق للجزم، والخوف من كذب الظنون نادر.
ولكن هذا المنهج لا يوضح رجوع كل فرع فقهي إلى قاعدة وضابط، ولذلك لا يتيسر الفهم للناظر فيه. ولهذا نرى أن مسلك غيره يوضح رجوع كل فرع فقهي إلى قاعدته تيسيراً للوقوف على الأشباه والنظائر، فهو يتكلم في نتائج أعمال الدين والدنيا وهي غاية كل عامل.
وأما غيره فقد سلك طريق الوصول إلى غاية هي: الإلمام بالقواعد المؤصلة التي توصل إلى ما يريده. (2)
(?) قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (ص?).
(?) مذكرة الشيخ جاد الرب (ص4).
@
(ميزة القواعد الكلية الفقهية)
وبما تقدم في تعريف القاعدة نعلم أن قواعد الفقه الكلية هي: نصوص موجزة وجيزة تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها وتتجدد بتجدد الزمان.
فميزة القاعدة أن صياغتها موجزة مع عمومها واستيعابها للفروع الجزئية وقد عُلم مما تقدم أيضا أن أحكامها أغلبية أي أنها غير مطردة ويشير إلى ذلك القرافي في الفروق فيقول: (من المعلوم أن القواعد الفقهية أغلبية).
(التخريج على القاعدة)
أن نأتي بموضوع السؤال ونجعله موضوعاً للصغرى ونأتي بموضوع القاعدة ونجعله مقدمة صغرى ثم نأتي بالقاعدة ونجعلها مقدمة كبرى، فيتكون عندنا قياس من الشكل الأول، ثم نحذف المكرر فينتج حكم المسألة.
مثال: هل الصلاة تحتاج إلى نية؟
تقول: الصلاة عبادة ... مقدمة صغرى
كل عبادة تحتاج إلى نية ... مقدمة كبرى
نحذف المكرر فيكون الجواب ... الصلاة تحتاج إلى نية
مثال: هذا الثوب طاهر يقيناً مقدمة صغرى
كل طاهر يقيناً لا تزول طهارته بالشك مقدمة كبرى
نحذف المكرر فيكون الجواب هذا الثوب لا تزول طهارته بالشك
مثال: الماء النازل من بيوت المسلمين مقدمة صغرى
ظاهره الطهارة.
كل مَالَهُ ظاهر يحمل على ظاهره. ... مقدمة كبرى
نحذف المكرر فيكون الجواب: الماء
@
النازل من بيوت المسلمين يحمل على ظاهره.
(فائدة دراسة قواعد الفقه)
هي الإلمام بكثير من الأشباه والنظائر ليتأتى الإلحاق والتخريج، ولولا هذه القواعد لبقيت الفروع مشتتة وقد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها ولذلك يقول القرافي: (إن الشريعة اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
أحدهما:
يسمى بأصول الفقه وأغلب مباحثه قواعد الفقه الناشئة عنه كدلالة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم.
ثانيها: قواعد الفقه الكلية وهي كليات لها من الفروع مالا يحصر، وهذه القواعد لم يذكر في أصول الفقه منها شيء وقد يشار إليها على سبيل الإجمال.
وهذه القواعد الفقهية عظيمة النفع ويعظم قدر الفقيه بقدر إحاطته بها، وتتضح له مناهج الفتوى ومن التزم الفروع دون القواعد تناقضت عليه تلك الفروع واضطربت واحتاج إلى حفظ جزئيات لا تتناهى، وفي ذلك من المشقة ما فيه بل قد لا يكون من الممكن.
ومن ضبط القواعد استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لأنها مندرجة تحت تلك القواعد، والإلمام بالقواعد أمر ممكن سهل مقدور عليه دون الإلمام بفروع الفقه المنتشرة في أبوابه وفصوله. (1)
وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر منوهاً بها: (هي أصول الفقه في الحقيقة وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى) (2)
وقال الإمام السرخسي في المبسوط ???/? في ختام بعض الفصول: (مَنْ أَحْكَمَ الأصول فهماً ودراية تيسر عليه (تخريجها) أي تخريج الفروع على الأصول.
وقال الإمام السبكي في الأشباه والنظائر حق على طالب التحقيق ومن يتشوف إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يُحْكم قواعد الأحكام
(?) الفروق (?/?).
(?) الأشباه والنظائر (ص) (??).
@
ليرجع إليها عند الغموض وينهض بعبء الاجتهاد أتم نهوض، ثم يؤكدها بالاستكثار في حفظ الفروع، لترسخ في الذهن مثمرة عليه بفوائد غير مقطوع فضلها ولا ممنوع.
أما استخراج الفتوى، وبذل المجهود في الاقتصار على حفظ الفروع من غير معرفة أصولها وحفظ الجزيئات بدون فهم مآخذها، فلا يرضاه لنفسه ذو نفس أبية ولا حامله من أهل العلم بالكلية.
وإن تعارض الأمران وَقَصُرَ وقت طالب العلم عن الجمع بينهما لضيق أو غيره من آفات الزمان فالرأي لذي الذهن الصحيح: الاقتصار على حفظ القواعد، وفهم المآخذ.
وقال السيوطي في الأشباه (ص (6): (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه، ومداركه ومآخذه، وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق، والتخريج ومعرفة المسائل التي ليست بمسطورة والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان ولهذا قال بعض أصحابنا (الفقه معرفة النظائر).
ومن خلال ما تقدم يتلخص الآتي:
? - إن إحكام القواعد الفقهية فهماً ودراية يجعل لدى الفقيه القدرة على إثبات حكم المسائل التي ليست بمسطورة بطريق الإلحاق والتخريج.
2 - إن حفظ القواعد الفقهية وفهمها يساعد على الإلمام بكثير من الأشباه والنظائر ويجعل الفقيه قادراً على الإلحاق أي قياس ما لم تتناوله نصوص المتقدمين على ما تناولته نصوصهم.
والقياس: هو الإتيان بالحادثة التي جدت وإلحاقها بفرع مشابه لها مندرج تحت قاعدة فنعطيه حكم ذلك الفرع.
وأما التخريج فهو الإتيان بالمسألة التي جدت ولم يكن لها شبيه فنخرجها على القاعدة بالطريقة المتبعة كما مر.
- إن دراسة القواعد الفقهية تكسب الفقيه مهارتين.
أ ـ مهارة في فهمه.
@
ب ـ ومهارة في استحضاره الأحكام فكلما جد حدث أمكنه أن يعطي له حكماً شرعياً ولا يتأتى ذلك إلا بالاستحضار والفهم، فدراسة هذا العلم يجعل الدارس في المكانة العليا في إلحاق كل فرع بشبيهه ونظيره.
4 - إن القواعد الفقهية سهلة، الحفظ، وبحفظها يسهل استذكار حكم المسائل أما دراسة الفروع والجزيئات الفقهية فهي كثيرة ومن الصعوبة حفظها، بل قد لا يمكن ذلك خاصة وأن الحوادث تتجدد والوقائع لا تتناهى بخلاف القاعدة فإنها تنطبق على فروع كثيرة لا حصر لها.
والله الموفق وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
@
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة موجزة عن المؤلف
هو العلامة الشيخ أبو بكر بن الشيخ محمد بن الشيخ عمر بن الشيخ محمد بن الشيخ عمر الملا المنسوب إلى بيت الواعظ الحنفي الأحسائي.
مولده: ولد رضي الله عنه بمدينة الأحساء (مدينة هجر) بحي الكوت والتي تقع في الجزء الشرقي من الجزيرة العربية في اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني من عام ????هـ.
نشأته: توفي والده وهو صغير، وتربى في حجر والدته وهو محفوف بعين عناية مولاه وملحوظ بحفظه ورعايته إلى أن بلغ سن التمييز، وأجلس عند المعلم، فأتقن الكتابة والقراءة وأكمل حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب ولم يتجاوز عمره عشر سنين. فقد كان ذا حظ وافر من الفهم والذكاء.
ثم جد واجتهد في تحصيل العلوم النقلية والعقلية على عدة مشايخ ذوي تمكين علماء جهابذة ميامين من علماء الأحساء ومن غيرهم ممن يقدم الأحساء حيث كانت في ذلك الوقت محط رحال العلماء، وقبلة الفصحاء والبلغاء، ومنارًا للعلم. وكلما ظفر شيخنا بشيخ متفنن في العلوم مع الإتقان اشتغل عليه حسب الإمكان حتى برع في كثير من العلوم وفاق أقرانه، وغدا من أفاضل علماء عصره.
شيوخه: لقد تتلمذ الشيخ رحمه الله على جملة كبيرة من العلماء ومن أبرزهم عماه:
1 - العلامة الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عمر الملا الحنفي.
@
2 - العلامة الشيخ أحمد بن الشيخ عمر الملا الحنفي.
3 - العلامة الشيخ حسين بن محمد بن أبي بكر الأحسائي الحنفي.
4 - العلامة الشيخ عبد الله الجعفري الطيار الشافعي.
كما أخذ عن علماء الحرمين الشريفين أثناء سفره لأداء مناسك الحج ومن أبرزهم:
1 - السيد محمد بن السيد أحمد العطوشي المالكي المغربي ثم المدني، المدرس بالمسجد النبوي الشريف.
2 - والعلامة الجليل السيد يس ميرغني الحنفي المكي والمدرس بالمسجد الحرام. وتلقى علم الأخلاق والآداب والسلوك من الفاضل العالم العامل الناسك الزاهد الشيخ حسين بن أحمد الشهير بالدوسري الشافعي البصري ثم المكي.
عمله بالتدريس: أجازه شيوخه بما تجوز لهم روايته وتعلم لديه درايته من تفسير وحديث وأصول وفروع من منقول ومعقول مما تلقوه عن مشايخهم كما هو مذكور في أثباتهم.
كما أذنوا له بالإفتاء والتدريس، فأفتى ودرس في حياة أشياخه وظهرت براعته وحسن تقريره فأقبل عليه طلاب العلم من كل مكان ينهلون من علمه وينتفعون بتربيته وسلوكه، فانتفع به خلق كثير، وقد ذكر بعض تلاميذه ابنه العلامة الشيخ عبد الله في ترجمته له المسماة بغية السائلين عن ترجمة خاتمة المتأخرين).
صفاته: كان رحمه الله عالما مهابًا مطاعًا عند العامة والخاصة وولاة الأمر، بلغ من الشهرة في عصره وبعد عصره مقدارًا لا مزيد عليه. ذا سياسة وعقل كامل رصين بحيث أنه لا يواجه أحدًا بما يكره؛ بل كلامه بالرفق واللين. صاحب إيثار وإنصاف وعفاف، ينصح الناس ويحببهم للائتلاف، وينهاهم عن الأمور التي تؤدي إلى الخلاف ذا رحمة وشفقة وحمية دينية يزجر عن الأفعال الردية
@
الدَّنِيَّة. متواضعًا مع الكبير والصغير والغني والفقير، سمحا لينا حتى مع أولئك الذين يأتون لإيذائه.
زهده وقناعته: فقد كان رحمه الله ممن طلق الدنيا، البتة وركب فرس الزهد يبتعد عن الشبهة فضلا عن الحرام ليكون في تجل دائم مع ربه. متأسيًا بقول سيد الناس: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد عما في أيدي الناس يحبك الناس». فكان من تعففه أنه لا يجعل غذاء جسمه إلا من غلات عقارات ملكه وأما ما كان تحت يده من غلات عقارات وقف فيعزلها في موضع وتباع ثم يصرفها بعد عمارتها في مصارفها.
منهجه اليومي: العلم والتعليم والوعظ والتذكير والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة مع المواظبة على نوافل الطاعات من صلاة وصيام كما وردت بذلك السنة السنية.
وكان رحمه الله يقوم للتهجد بعد النصف الأول ثم يدعو بعد فراغه بأدعية نافعة للخاصة والعامة مواظبا على إحياء ما بين العشائين وما بين الطلوعين وعلى صلاة الاستخارة كل يوم بعد الإشراق ركعتين والإتيان بدعائها المخصوص.
وبالجملة فأوقاته كلها معمورة بالطاعات من تدريس أول النهار إلى الضحوة الكبرى وبعد صلاة الظهر إلى قرب صلاة العصر، وبعدها إلى قرب المغرب مستديماً في هذه الثلاثة الأوقات ما عدا يوم الجمعة ويوم الثلاثاء فيدرس آخر النهار فيهما كما جرت به عادة علماء هذه البلاد. رحمه الله رحمةواسعة.
مؤلفاته: إن رجلاً بهذه المنزلة العلية من العلم والفقه في دين الله والزهد والورع
(1) رواه ابن ماجه (410?). قال الإمام النووي في الأربعين»: حديث حسن. رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
@
حري بأن يكون من أصحاب التصانيف والتواليف وهو كذلك مع ما مر من شغل وقته في التعليم والإرشاد فقد ترك لنا مصنفات كثيرة جاوزت التسعين، منها الكتاب الكبير والرسالة الصغيرة في مواضيع شتى تشهد بإمامته وجلالته، منها:
1 - إرشاد القاري لصحيح البخاري.
2 - هداية المحتذي شرح شمائل الترمذي.
3 - منهل الصفا في شمائل المصطفى.
4 - حادي الأنام إلى دار السلام.
5 - خلاصة الاكتفاء في سيرة المصطفى والثلاثة الخلفاء.
6 - عقد اللآلي بشرح بدء الأمالي.
7 - روضة النواظر والألباب بذكر أعيان الصحابة الأنجاب.
8 - منظومة تحفة الطلاب في الفقه الحنفي.
9 - زواهر القلائد على مهمات القواعد (في القواعد الفقهية).
?? - منهاج الراغب شرح إتحاف الطلاب. ومن أراد الوقوف على ترجمة وافية للشيخ ومؤلفاته فليرجع لترجمته المسماة إجابة السائلين بترجمة خاتمة المتأخرين) لابنه العلامة الشيخ عبد الله.
وفاته: توفي ليلة الخميس ليلة التاسع والعشرين من شهر صفر الخير سنة ????هـ بمكة المكرمة بعد قضاء مناسك الحج وكانت وفاته وقت التذكير في الحرم الشريف، وغسله رجل موصوف بالصلاح وهو من خواص أصحاب الشيخ اسمه الشيخ محمود الكردي المكي ودفن في حوطة الشيخ صالح الريس، وقد دفن بهذه الحوطة جمع من العلماء والصلحاء.
رحم الله المؤلف رحمة واسعة.
وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه يحيى بن محمد بن أبو بكر الملا
@
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده للتفقه في الدين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه الهداة المهتدين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فهذا تعليق لطيف على ما لخصته من قواعد الفن الأول من كتاب الأشباه والنظائر. تأليف الإمام العلامة الحبر الفهامة، زين الدين ابن
(1) أي جمعته وفي القاموس: التلخيص التبيين والشرح. انتهى. وليس مرادا إنما المراد معنى الاختصار كما يقولون انتهى ملخصا أي مختصرًا لا لفظا.
(?) الفن: جمعه فنون وأفانين، وأفنان ومعناه علم والأفنان الأغصان. قال تعالى: (ذواتا أفنان) والأفانين أجناس الكلام يقال: رجل يتفنن ذو أفانين أي ياتي بضروب من الكلام فالعبارات له طيعة. المصباح المنير (158/1).
(?) قسم الإمام ابن نجيم كتابه (الأشباه والنظائر) إلى سبعة فنون:
الفن الأول في القواعد الفقهية الفن الثاني في الفوائد من الطهارة إلى الفرائض على ترتيب الكنز. الفن الثالث في الجمع والفرق من الأشباه والنظائر الفن الرابع في الألغاز الفن الخامس فن الحيل الفن السادس الأشباه والنظائر الفن السابع فن الحكايات وفيه وصية الإمام الأعظم للإمام الثاني رحمهما الله تعالى.
(4) الأشباه جمع شبيه والنظائر نظير، وهذا من عطف المرادف لأن شبيه الشيء نظيره، ونظير الشيء شبيهه. ومعنى علم الأشباه والنظائر جمع الحوادث المتشابهة المعبر عنها بالفروع ووضعها تحت القاعدة الكلية وعلى هذا فلا يمكننا الوصول إلى القاعدة الكلية إلا بعد معرفة الفروع المتشابهة المندرجة تحتها، وهذه الطريقة اتبعها الحنفية في منهجهم، وهي أمثل من طريقة الشافعية، لأنها تنقل الإنسان الدارس من المحسوس إلى المعقول، فالحنفية فرعوا ثم قعدوا، أما الشافعية فقعدوا ثم، فرعوا، فمتى علمنا الأشباه والنظائر انتقلنا منها إلى القاعدة. فالصلاة عبادة والزكاة عبادة وكل عبادة تحتاج إلى نية فينتج أن هذه الأمور لابد لها من نية. والأشباه هي كل فرع فقهي بينه وبين الآخر وجه شبه فيتآخيان في وجه الشبه ويرتبطان بالأم التي هي القاعدة وكذلك النظائر، وشبيه الشيء ينجذب إليه.
(5) الأشباه والنظائر: هو مختصر في قواعد الفقه مشتمل على سبعة فنون وهو من تأليف الإمام العلامة الشيخ زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن محمد المشهور بـ (ابن نجيم الحنفي، ولد بالقاهرة سنة ست وعشرين وتسعمائة 926هـ. وأخذ عن العلامة قاسم بن قطلو بغا، =
@
نجيم الحنفي المصري تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه. انتخبته من الكتاب المذكور مما يتفرع عليها من القواعد والمسائل المهمة.
وضممت إلى ذلك من حاشية العلامة السيد أحمد الحموي (1) على الكتاب المذكور فوائد جمة، قاصدا بذلك نفع نفسي، ومن قَصُرَتْ همته في العلم من أبناء جنسي.
وسميته: (زواهر القلائد على مهمات القواعد)
فأقول وبالله سبحانه التوفيق والاستعانة والهداية إلى أقوم طريق: (بسم الله الرحمن الرحيم بدأت بالبسملة ثم بالحمدلة اقتداء بالكتاب الكريم وعملاً بقول النبي عليه من الله أفضل الصلاة وأكمل التسليم: «كل أمر ذي بال لا يُبْدَأُ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» (?) وفي رواية: «بالحمد الله (?) وجمعت كغيري بالابتدائين عملا بالروايتين.
والباء في (بسم الله) للملابسة أو الاستعانة، والاسم مشتق من السمو وهو العلو، وقيل: من السمة وهي العلامة.
و (الله) عَلَمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع الكمالات لذاته.
= والبرهان التركي، والأمين عبد العال وشرف الدين البلقيني، وشهاب الدين الشلبي، وأجازوه بالإفتاء والتدريس، فأفتى ودرس في حياة أشياخه. وأخذ الطريق عن العارف بالله سليمان الحضيري. توفي رحمه الله تعالى وقت الضحى الثامن من رجب الفرد الحرام من شهور سنة سبعين وتسعمائة 970هـ. ودفن مع أخيه الشيخ عمر صاحب النهر الفائق. (الفتح المبين ج 79/3
للمراغي - الفوائد البهية 134 - شذرات الذهب ج ?/ 358 - كشف الظنون ج 1/ 98-99)
(?) السيد الحموي: هو أحمد بن محمد مكي أبو العباس شهاب الدين الحسيني الحموي من علماء الحنفية، حموي الأصل مصري توفي سنة (1098 هـ ـ 1687م). كان مدرسا بالمدرسة السليمانية بالقاهرة، وتولى إفتاء الحنفية صنف كتبًا كثيرة منها: غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر. (الأعلام للزركلي ج ? / ??? - معجم المؤلفين ج 2/ 93).
(?) أخرجه عبد الرزاق الرهاوي في الأربعين كما في الدر المنثور (26/1) وعنه السبكي في الطبقات (6/1) عن أبي هريرة وسنده ضعيف كما في الفتوحات (290/3).
(?) أخرجه أبو داود رقم (4840) وابن ماجة (???4) وابن أبي شيبة في المصنف (116/9) وابن حبان (الإحسان) من طريقين (?)، (?) والنسائي في عمل اليوم والليلة (494) والبيهقي في السنن (408/3) كلهم عن أبي هريرة وهو حديث حسن. كما في (الجامع الصغير للإمام السيوطي: رقم 6283 - 6284)
@
و (الرحمن الرحيم) صفتان على الأصح بنيا للمبالغة من رحم بالكسر. والرحمة: رقة للقلب تقتضي التفضل أريد بها - لاستحالتها في حقه تعالى ـ غايتها وهو التفضل، فمعنى الرحمن الرحيم المحسن المتفضل بالإرادة والاختيار.
(الحمد) هو لغة: الوصف بالجميل على قصد التعظيم للمحمود. وعرفا: فعل يُنبيء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره وهذا معنى الشكر لغة، ومعناه عرفا: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله.
وال في (الحمد) للجنس أو الاستغراق أو العهد.
واللام في (لله) للاستحقاق أي ماهية الحمد، أو أفراده، أو الحمد جميع الذي حمد الله به نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه - مملوك ومستحق الله تعالى.
(وحده) فلا فرد منه لغيره.
(والصلاة) هي من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكةالاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء. كذا ذكره غير واحد من الشراح وهو المشهور بينهم؛ لكن قال السيد الحموي في حاشية الأشباه نقلا عن بدائع الفوائد لابن القيم: قولهم الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة باطل من ثلاثة وجوه:
أحدها: أن الله تعالى غاير بينهما في قوله: (أُوْلَيْكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (?) (?)
والثاني: أن سؤال الرحمة شُرعَ لكل مسلم والصلاة تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي حق له و لآله. ولهذا منع كثير من العلماء الصلاة على معين غيره، ولم يمنع أحد من الترحم على معين غيره.
الثالث: أن رحمة الله تعالى عامة وسعت كل شيء وصلاته خاصة بخواص عباده (?).
(?) سورة البقرة آية (157).
(?) قال المؤلف رحمة الله في هامش منهاج الراغب شرح إتحاف الطالب له: (قوله والصلاة من الله رحمة. . إلخ) فإن قيل لم عطفت على الصلاة في قوله تعالى: (أَوَلَيْكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن
ربِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)؟ فالجواب أن هذا من عطف العام على الخاص.
(?) قال الإمام الصاوي في شرح جوهرة التوحيد (ص 14) والصلاة من الله رحمة مقرونة بالتعظيم ولا يجوز الدعاء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بغير الوارد كرحمه الله تعالى؛ بل المناسب واللائق في =
@
وقولهم: الصلاة بمعنى الدعاء مشكل من وجوه:
أحدها: أن الدعاء يكون بالخير والشر، والصلاة لا تكون إلا في الخير.
الثاني: أن دعوت يُعَدَّى باللام وصليت لا يُعَدَّى إلا بعلى ودعا، المُعَدَّى بعلى ليس بمعنى صلى وهذا يدل على أن الصلاة ليست بمعنى الدعاء (?).
الثالث: أن فعل الدعاء يقتضي مدعواً و مدعواله. تقول: دعوت الله لك بخير، وفعل الصلاة لا يقتضي ذلك لا تقول: صليت الله عليك ولا لك فدل على أنه ليس بمعناه.
فأي تباين أظهر من هذا؛ ولكن التقليد يعمي عن إدراك الحقائق، فإياك والإخلاد إلى أرضه. انتهى
(والسلام) هو اسم من التسليم، وهو التحية بالسلام، ومعناها: الدعاء بالسلامة من الآفات.
(على سيدنا) أي أفضلنا معاشر المخلوقات.
(محمد) هو عَلَمٌ منقول من اسم المفعول المضعف، سمي به نبينا صلى الله عليه وسلم بإلهام (?) من الله تعالى لجده عبد المطلب أو لأمه آمنة على ما قيل أنها هي التي سمته به حين وضعته بإشارة إلهية فيحمل الاتفاق منهما عليه بحصول إلهام لهما أو لأحدهما به.
(مَنْ) أي الذي لا نبي بعده فهو خاتم النبيين والمرسلين، والنبي: إنسان، حر، ذكر، أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر به فرسول أيضًا.
حق الأنبياء الدعاء بالصلاة والسلام وفي حق الصحابة والتابعين والأولياء والمشايخ الترضي، وفي حق غيرهم يكفي أي دعاء كما قال تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كدعاء بعضكم بعضا) سورة النور آية 36. (?) قال الإمام الصاوي في شرح جوهرة التوحيد (ص 15) إن قلت: إن الدعاء إن كان بخير تعدى باللام وإن كان بشر تعدى بعلى.
أجيب بأنه ضمن الصلاة معنى العطف، هو يتعدى بعلى، والحق في الجواب، أن يقال محل ذلك، ما لم يكن بعنوان الصلاة والسلام فإن كان به تعين تعديته بعلى، للفرق بين صليت له وصليت عليه وسلمت له وسلمت عليه، فلو تعدى باللام لأوهم معنى فاسدًا، لأن صليت له
معناه عبدته، وسلمت له معناه فوضت له الأمر، ولأنه خلاف الوارد في القرآن والأحاديث. (?) الإلهام تلقين الخبر من الله لعبده ولا يرد عليه قوله تعالى (فَالمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا لأن الإلهام في الآية بمعنى التعيين والتبيين، كما في تفسير معين الدين الصفوي. اهـ. حاشية الحموي.
@
(وبعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، وأصلها أما بعد ويستحب الإتيان بها فى الخُطب والمكاتبات اقتداء برسول الله (?).
(فهذه قواعد) جمع قاعدة، وهي لغة الأساس، وفي اصطلاح الفقهاء: حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه. كذا في حاشية السيد على الأشباه.
(كلية) هي التي لم تدخل قاعدة منها تحت قاعدة أخرى وإن خرج منها بعض الأفراد، وجملتها خمس وعشرون قاعدة.
(يتفرع منها) أي من تلك القواعد.
(أحكام) جمع حكم، وهو في الأصل إثبات أمر أو نفيه.
(فقهية) منسوبة إلى علم الفقه. وهو لغة: العلم بالشيء ثم خُص بعلم الشريعة واصطلاحًا عند الأصوليين: العلم بالأحكام الشرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية (2). وعند الفقهاء: حفظ الفروع وأقله ثلاثة. وموضوعه: فعل المكلف ثبوتا أو سلبا. واستمداده من الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وغايته: الفوز بسعادة الدارين؛ إذ هو المقصود من بين العلوم بالذات، وباقيها له كالآلات؛ ولذا قيل:
وخير علوم علم فقه لأنه ... يكون إِلى كُلّ العلوم توشلا
فإنّ فَقِيْهَاً واحدا متورعا ... على ألف ذي زهد تفضل واعتلا
وفي حاشية الحموي نقلا عن فصول البدائع:
والفقه: هو العلم بالأحكام الخمسة من حيث تعلقها بأفعال المكلفين والعلم بوجوب العمل. انتهى
على مذهب هو لغة بمعنى الذهاب، وهو المرور أو زمانه أو محله. واصطلاحًا ما ترجح عند المجتهد في مسألة ما بعد الاجتهاد. فصار له معتقدًا
(?) رواه البخاري في كتاب الكسوف باب قول الإمام في الخطبة (أما بعد) من حديث أسماء بنت أبي بكر (1061). ورواه مسلم في كتاب الجمعة باب (??) تخفيف الصلاة والخطبة من حديث جابر بن عبد الله (867). (?) انظر نهاية السول في شرح منهاج الوصول للقاضي البيضاوي) الجمال الدين الأسنوي ج 1/ 22.
@
ومذهبًا وهو المراد هنا.
(السادات) جمع سيد وهو الذي يفوق قومه ويرتفع قدره عليهم. وُصِفُوا بذلك لأن لهم خصوصية السبق في هذا الشأن والناس لهم أتباع. (الحنفية) نسبة إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى، ولد رضي الله عنه بالأنبار (?)، وقيل بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة، وعاش سبعين سنة، وتوفي في رجب أو في شعبان سنة خمسين ومائة وكانت وفاته ببغداد ودفن بمقبرة خيزران وقبره هنالك مشهور، وأبوه ثابت رحمه الله ولد على الإسلام، وهو من أهل الأنبار على ما نقل عن محمد بن إسحاق.
ونقل صاحب معدن اليواقيت عن الخطيب في تاريخه: أن أبا حنيفة رحمه الله أدرك أربعة من الصحابة (2) وهم أنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة.
ولم يلق أحدا إلا أخذ عنه. وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وعطاء
(تقويم البلدان / 300) وفي معجم البلدان لياقوت الحموي (ج ????) الأنبار بفتح أوله: مدينة قرب بلخ وهي
قصبة ناحية جوزجان.
والأنبار أيضًا: مدينة على الفرات في غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ.
(?) ذكر كثير من أهل العلم أن الإمام الأعظم أدرك سبعة من الصحابة: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ومعقل بن يسار، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن جزء، وعبد الله بن أنيس، وعائشة بنت عجرد. وقد نظم أسماءهم مجموعة في هذه الأبيات برهان الدين الشيخ إبراهيم بن حسن الملا الحنفي الأحسائي فقال:
إذ صَحَّ رؤيتُهُ لجمع أنس وجابر معقل بن يساء
إنَّ الإمامَ أَبا حنيفةً عُدَّ مِنْ ... أتباع أصحاب الرسول المصطفى
إذ صح رؤيته لجمعةمنهم ... هم سبعة فَعَلا بذاك وشُرفَا
أنس وجابر معقل بن يسارهم وكذاك واثلة بن الأسقع ذو الوفا
وكذاك عبد الله بن أنيسِهِمْ ... وسميه وهو ابن جزء فاعرفا
اختم بعائشة أي ابنة عُجرد وترض عن خير القرون أولي الصفا
وانظر ترجمة الإمام أبي حنيفة وأصحابه في كتاب مناقب أبي حنيفة) للإمام الموفق بن أحمد المكي والإمام حافظ الدين المعروف بالكردري، و تبييض الصحيفة للإمام السيوطي تحقيق وتعليق الشيخ محمد عاشق إلهي البرني رحمه الله، والخيرات الحسان لابن حجر الهيتمي وغيرهم.
@
ابن أبي رباح، وأبي إسحاق السبيعي، والهيثم بن حبيب، ومحمد بن المنكدر، ونافع مولى ابن عمر وهشام بن عروة، وسماك بن حرب وغيرهم من المشايخ الكبار، والعلماء ذوي الاعتبار من التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
وروى عنه: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وداود الطائي وفضيل بن عياض، وبشر الحافي، وإبراهيم بن أدهم وغيرهم ممن لا يحتمل هذا المختصر ذكرهم.
(رحمهم الله تعالى) جملة دعائية.
(لخصتها من الفن الأول من كتاب الأشباه والنظائر) تأليف الشيخ العلامة زين الدين المذكور سماه بذلك كما قال تسمية له ببعض فنونه. والأشباه: جمع شَبَه والشَبَه والشبيه المثل والنظائر: جمع نظير، وهو المناظر والمثل، والمراد بها المسائل التي يشبه بعضها بعضا مع اختلافها في الحكم لأمور خفية أدركها الفقهاء بدقة أنظارهم.
(وهي) أي القواعد المذكورة (من أهم) أي من أعظم ما أهم أي من أعظم ما يهتم به الإنسان من (القواعد) التي تجمع فروعًا من أبواب شتى. وقد مر تعريف القاعدة وهي بخلاف الضابط لأنه يجمعها من باب واحد.
(وأعم الفوائد) أعم من العموم، وهو الشمول. يقال: عمهم بالعطية أي: شملهم فلم يفته أحد منهم.
والفوائد: جمع فائدة، وهي لغة: من الفؤاد (?) لأنها تعقل به، أو من المفيد: ما استفيد من علم أو مال وعرفا: كل نافع ديني أو دنيوي.
(1) قوله (من الفؤاد إلخ) وعليه قول بعضهم:
من الفؤاد اشتقت الفائدة والنفس يا صاح بذا شاهدة
لذا ترى أفئدة الناس قد مالت لمن في قربه فائدة
اهـ. حاشية الحموي (مؤلف).
@
القاعدة الأولى (لا ثواب إلا بنية) (1)
هي لغة: عزم القلب على الشيء.
واصطلاحا: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد فعل أو تركه. ذكره الحموي في حاشيته، قال: وفيه أن هذا إنما يستقيم في عبادة يترتب عليها ثواب والمنهيات المرتب عليها عقاب.
فالصواب تفسيرها:
بتوجه القلب نحو إيجاد فعل أو تركه موافق لغرض جلب نفع أو دفع ضر، حالا أو مالا، والمراد من العزم إرادة الفعل. انتهى.
(صرح به) أي بالقول المذكور (المشايخ) من العلماء (في مواضع من الفقه، أولها في الوضوء).
قال الحموي: يعني بغير نبيذ التمر، وسؤر الحمار، أما فيهما فالنية شرط للصحة كما في البحر للمصنف فكلامه فيه مقيد لإطلاقه هنا. انتهى.
(سواء كانت النية في المنوي شرطًا للصحة) كما في الصلاة، والزكاة، والصوم والحج (أو لا) أي أولم تكن شرطًا للصحة كما في الوضوء والغسل، فلا تشترط (?) فيهما، ولا في مسح الخفين وإزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب
(?) الأصل في هذه القاعدة والتي تليها قوله: إنما الأعمال بالنيات. . . . . . الحديث. وهو حديث صحيح أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب.
رحمه الله: إنه يدخل فيه نصف العلم، وعن أحمد هو ثلث الإسلام. ثم إن
قال الشافعي الأئمة اتفقوا أنه لا ثواب للأعمال إلا بالنية.
فالمعنى أنه لا ثواب للأعمال إلا بالنيات أما صحتها فمن باب آخر فإن كانت قربة محضة كالصلاة والصوم والحج وغيرها من القربات فلا تصح بدون النية للإجماع، أو لأنها إذا خلت عن المقصود وهي القربة لعدم النية صارت كأنها لم توجد بخلاف الوسائل كالوضوء، وإن لم يتفق قربة لعدم النية؛ ولكن بقي وسيلة لصلاة، وكذا المناكحات والمعاوضات المالية والخصومات والتركات والأمانات والحدود والقصاص وغيرها من المعاملات والعقوبات فتصح وإن لم ينو لأن القربة غير مقصودة فيها.
(?) في (ب) يشترط.
@
البدن والمكان والأواني للصحة.
وأما اشتراطها (?) في التيمم: فلدلالة آيته (?) (?) عليها لأنه القصد، وأما غسل الميت فقالوا: لا تشترط لصحة الصلاة عليه وتحصيل طهارته، وإنما هي شرط لإسقاط الفرض عن ذمة المكلفين.
وأما في العبادات كلها فهي شرط صحتها إلا الإسلام، فإنه يصح بدونها بدليل قولهم: إن إسلام المكره صحيح، ولا يكون مسلما بمجرد نية الإسلام بخلاف الكفر.
قال الحموي: أي لا يكون المكره مسلما بمجرد نية الإسلام لو كانت شرطًا فيه، بل لابد من النطق بالشهادتين فإن الإسلام هو الانقياد للأوامر والنواهي وهو فعل والفعل لا يتم بمجرد النية دون فعل. بخلاف الكفر فإنه ترك فإذا حكم بإسلام المكره بدونها علم أنها ليست شرطًا فيه إذ لا وجود للمشروط بدون الشرط.
وأما قولهم: إنه إذا تكلم بكلمة الكفر هازلا يكفر إنما هو باعتبار أن عينه كفر. فلا تصح صلاة مطلقا (4)، ولو صلاة جنازة؛ إلا بها، فرضًا كانت أو نفلاً، ولا يصح اقتداء بإمام إلا بنية، وتصح الإمامة بدون نيتها.
قال الحموي: إلا أنه لا يكون مثابًا عليها لما تقدم أنه لا ثواب إلا بنية. انتهى.
إلا إذا صلى (5) خلفه نساء، فإنَّ اقتداءهن به غير صحيح (6) وسجود التلاوة (7) كالصلاة وكذا سجود السهو. (8)
(1) أي: النية.
(?) وهو قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا أي: اقصدوا صعيدا طيبا. ولأن الأرض ليست طهورًا بطبعها إنما هو بالجعل بخلاف الوضوء؛ لأن الماء طهور بالذات فلا يحتاج إلى نية؛ بل تقع الطهارة بمجرد استعماله وليراجع تفاصيل هذه القاعدة في السعاية لمولانا عبد الحي اللكنوي.
(?) في (ب) آية.
(4) قوله: فلا تصح. . إلخ. تفريع على قوله وأما في العبادات كلها. اهـ. حموي.
(5) قوله: (إلا إذا صلى ... إلخ). استثناء من قوله وتصح الإمامة بدون نيتها. اهـ. الحموي.
(6) واستثنى بعضهم الجمعة والعيدين، وهو الصحيح كما في الخلاصة (الأشباه والنظائر لابن نجيم). قال في جامع المضمرات والمشكلات ويصح اقتداء المرأة بالرجل في صلاة الجمعة وإن لم
ينو إمامتها، وكذلك العيدين وهو الأصح. (حموي 63/1).
(?) قوله وسجود التلاوة كالصلاة أي من جهة الاحتياج إلى النية لأنه عبادة مقصودة. اهـ. الحموي. (1 / 64).
(?) قوله وكذا سجود السهو يعني: لابد له من النية. اهـ.
@
وأما النية في الخطبة للجمعة فشرط صحتها، حتى لو عطس بعد صعود المنبر فقال: الحمد لله للعطاس غير قاصد لها لم تصح، كما في فتح القدير (1) وغيره، وفي خطبة العيدين كذلك لقولهم: يشترط لها ما يشترط لخطبة الجمعة، سوى تقديم الخطبة.
وأما الأذان فلا تشترط لصحته، وإنما هي شرط للثواب عليه.
وأما الزكاة فلا يصح أداؤها إلا بالنية وخرج عن اشتراطها لها ما إذا تصدق بجميع النصاب بلا نية فإن الفرض يسقط عنه، واختلفوا في سقوط زكاة البعض (2) إذا تصدق به.
قالوا ويشترط نية التجارة في العروض، ولابد أن تكون مقارنة للتجارة، فلو اشترى شيئا للقنية ناويًا أنه إن وجد ربحًا، باعه، لا زكاة عليه.
وأما النية في الصوم فشرط صحته لكل يوم الفرض والسنة والنفل في أصلها سواء (?).
وأما الحج فهي شرط صحته أيضًا فرضًا كان أو نفلا، والعمرة كذلك، ولا تكون إلا سنة (4)، والمنذور كالفرض.
وأما الاعتكاف فهي شرط صحته، واجبًا كان أو سنة أو نفلاً.
وأما الكفارات فالنية شرط صحتها عتقا، أو صياما، أو إطعاما. وأما الضحايا فلا بد فيها من النية، وتكفي النية عند الشراء عن النية وقت الذبح، ولو اشتراها للتجارة وذبحها بنية الأضحية يجزيه كما في حاشية الحموي على
(?) فتح القدير ج (1/ 415).
(?) قوله: (واختلفوا في سقوط زكاة البعض ... ) إلخ. فعند محمد يسقط، وعند أبي يوسف لا يسقط، لأن الواجب غير متعين. ومحمد اعتبر الجزء بالكل. اهـ (الحموي 69/1)
(?) قوله: في أصلها سواء. أي: النية وإن اختلفت من جهة التعيين وعدمه كما هو مبين في المتون والشروح حموي (???)
(4) وقوله: (ولا تكون إلا سنة يعني مؤكدة وهو المصرح به في عامة الكتب؛ بل صرح بأنها ليست بواجبة يعني بإيجاب الله تعالى وإلا فقد تكون واجبة بالنذر. وقد حكى ابن وهبان رحمه الله تعالى في منظومته أربعة أقوال فقال:
وسن اعتمار وافترضه كفاية ... وأكد وأوجب والجميع مقرر
اهـ (الحموي 1 / 72).
@
الأشباه قالوا: والهدايا كالضحايا.
وأما العتق فعندنا ليس بعبادة وضعا (?) فإن نوى وجه الله (?) تعالى كان قربة مثابا عليه، وإن أعتق بلا نية صح ولا ثواب له والتدبير والكتابة كالعتق.
وأما الجهاد فمن أعظم العبادات فلا بد له من خلوص النية.
وأما الوصية فكالعتق وإن قصد التقرب فله الثواب وإلا فهي صحيحة فقط.
وأما الوقف: فليس عبادة وضعا بدليل صحته من الكافر كالعتق، فإن نوى القربة (?) فله الثواب وإلا فلا.
وأما النكاح: فقالوا: إنه أقرب إلى العبادات حتى أن الاشتغال به أفضل من التخلي لمحض العبادة فيحتاج إلى النية لتحصيل الثواب وهي أن يقصد إعفاف نفسه وتحصينها وحصول ولد ولم تكن فيه شرط صحته.
قالوا: يصح النكاح مع الهزل (4) وعلى هذا سائر القرب لابد فيها من النية، بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله تعالى من نشر العلم تعليمًا وإفتاء وتصنيفا.
وأما القضاء: فقالوا: إنه من العبادات فالثواب عليه متوقف عليها (5) وكذا إقامة الحدود، والتعازير وكذا تحمل الشهادات وأداؤها.
وأما المباحات: فإنها تختلف صفتها باعتبار ما قصدت لأجله، فإذا قصد بها التقوي على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة، كالأكل والنوم واكتساب المال والوطء.
(1) قوله: (وأما العتق فعندنا ليس بعبادة وضعًا). يعني وإن كان قربة، لأن العبادة ما تعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود والقربة ما تقرب به بشرط معرفة المتقرب إليه وهي توجد بدون العبادة في القربة التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف. وقد ذكر الإمام الرافعي من الشافعية أن الإجماع منعقد على أن العتق من القربات. اهـ الحموي (74/1).
(?) قوله: (فإن نوى وجه الله) أي المعتق المسلم. اهـ الحموي (75/1).
(?) قوله: (فإن نوى القربة، يعني: الواقف المسلم لا الكافر، فإنه ليس أهلا للنية؛ لأن من شروطها الإسلام الحموي (76/1)
(4) فلو قال لها: يا عروستي، فقالت: لبيك انعقد على المذهب.
(5) فالثواب عليه أي: القضاء متوقف عليها، أي على النية.
@
قال السيد الحموي في حاشيته: أقول حق العبارة أن يقول: وأما المباحات فلا تفتقر إلى النية إلا إذا أريد الثواب عليها، فتفتقر إليها، وأما المسنونات والمندوبات فتفتقر إليها في إيقاعها طاعة يثاب عليها وأما الواجبات فما كان منها عبادة يفتقر إليها، وما لم يكن عبادة لا يفتقر إليها، كقضاء الديون، ورد المغصوب، لأن المقصود منها ومن سائر المعاملات إيصال النفع إلى الآدمي. انتهى.
وأما المعاملات فأنواع:
فالبيع لا يتوقف عليها، وكذا الإقالة والإجارة.
وأما الهبة: فلا تتوقف على النية، ولكن لو لقن الهبة ولم يعرفها لم تصح لا لأجل أن النية شرطها، وإنما هو لفقد شرطها وهو الرضا، ولذا لو أكره عليها لم تصح.
وأما الطلاق: فصريح وكناية، فالأول لا يحتاج في وقوعه إليها (?)، فلو طلق غافلاً، أو ساهيا، أو مخطئًا وقع (?)
(1) قوله: (فالأول لا يحتاج في وقوعه) أي عليها أي المرأة. وقوله: (إليها) أي: النية.
(?) وكذا لو أكره على إنشاء لفظ الطلاق فإنه يقع لما صححه الحاكم (???/?) (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والعتاق واليمين ولو أكره على الإقرار به لا يقع قضاءً وديانة، بخلاف ما إذا أقر به وادعى أنه كان هازلاً أو كاذبًا حيث يقع قضاءً إلا إذا أشهد قبل ذلك، لزوال التهمة به
كما في القنية وقيده البزازي بالمظلوم. وحصر بعضهم ما يصح مع الإكراه في عشرة فقال:
صح مع الإكراه عشق ورجعة نكاح وإيلاء طلاق مفارق
وفي ظهار واليمين ونذره وعفو لقتل شاب منه مفارقي
وحصره أبو الليث في الخزانة في ثمانية عشر، ولم يذكر الفيء فصارت تسعة عشر، وزاد ابن نجيم في (البحر) الإكراه على قبول الوديعة. قال في القنية: أكره على قبول الوديعة فتلفت في يده فلمستحقها تضمين المودع إن كان بفتح الدال وهو الظاهر فهي عشرون نظمها صاحب النهر في أبيات ذكرها في النهر فقال:
طلاق وإيلاء ظهار ورجعة ... نكاح مع استيلاد عفو عن العمد
رضاع وإيمان وفيء ونذره قبول لإيداع كذا الصلح عن عمد
طلاق على جعل يمين به أتت كذا العتق والإسلام تدبير للعبد
وإيجاب إحسان وعتق فهذه تصح مع الإكراه عشرون في العدّ
ثم قال: ظهر لي بعد ذلك أن ما في القنية هو بكسر الدال لا بالفتح فليس من المواضع في=
@
وقالوا: ولا تصح نية الثلاث في "أنتِ طالق"، ولانية البائن (?)، ولا تصح نية الثنتين في المصدر كأنت الطلاق إلا أن تكون أمة، وتصح نية الثلاث (?)
قال السيد في حاشيته: قيل: يعني إذا لم يكن طَلَّقَهَا قبل ذلك واحدة. وأما إذا طلقها واحدة قبل ذلك تقع واحدة لأنه فرد حقيقة ولو نوى ثنتين. انتهى.
وأما الكنايات (?) فلا يقع بها إلا بالنية ديانة، سواء كان معها مذاكرة الطلاق أم لا، والمذاكرة إنما تقوم مقام النية في القضاء إلا في لفظ الحرام، فإنه كناية ولا يحتاج إليها فينصرف إلى الطلاق إذا كان الزوج من قوم يريدون بالحرام الطلاق.
وأما الرجعة فكالنكاح لأنها لاستدامته؛ لكن ما كان منها صريحًا لا يحتاج إليها وكنايتها تحتاج إليها.
وأما اليمين بالله: فلا يتوقف عليها، فتنعقد إذا حلف عامدًا أو ساهيًا أو مخطئًا أو مكرها. وكذا إذا فعل المحلوف عليه كذلك وأما نية تخصيص العام فمقبولة ديانة اتفاقاً وقضاء عند الخصاف، والفتوى على قوله إن كان الحالف مظلوما (4).
قال السيد الحموي في حاشيته قيده بعض أرباب الفتاوى بما إذا كان الحلف بالله تعالى أما إذا كان بطلاق وعتاق فالاعتبار بنية الحالف مطلقا.
قال في مال الفتاوى: إذا استحلف بغير الله تعالى فهو ظلم والنية نية الحالف وإن كان المستحلف محقا وفيها أيضًا اليمين على نية المستحلف إن كان مظلوما، وإن كان الحالف مظلومًا فعلى نيته.
وفي تهذيب القلانسي: اليمين على نية الحالف إن كان مظلوما، وإن كان ظالما فعلى نية المستحلف، وهذا على أمر في الماضي، أما في المستقبل فعلى
=شيء فانحزم الحساب والله الموفق (حموي ? / ??).
(1) لأن اللفظ منكر، والنكرة في سياق الإثبات تخص.
(?) لأن اللفظ معرف والمعرفة تعم بالنية والمصدر يحتمل العموم والكثرة فيتناول الادنى مع احتمال الكل، ويتعين بالنية (اللباب (41/3).
(?) الكناية: هي ما لم يوضع له (أي: اللفظ) واحتمله وغيره. (اللباب 41/3).
(4) نقل ابن نجيم في البحر الرائق عن الولوالجية من الطلاق أن نية تخصيص العام لا تصح وعند الخصاف تصح حتى أن من حلف وقال كل امراة أتزوجها فهي طالق ثم قال: نويت من بلد كذا لا تصح نيته في ظاهر المذهب وقال الخصاف تصح، وكذا من غصب دراهم إنسان ووقت الخصم عما نوى خاصا لا تصح نيته في ظاهر المذهب وقال الخصاف تصح؛ ولكن هذا في القضاء أما فيما بينه وبين الله تعالى فنية تخصيص العام صحيحة بالإجماع، وما قاله الخصاف مَخْلَص لمن خَلْفَهُ ظالم، والفتوى على ظاهر المذهب. فمن وقع في أيدي الظلمة وأخذ يقول الخصاف لا بأس به. (الحموي ??/?)
@
نية الحالف، لأنه ليس للمستحلف الاستحلاف في المستقبل فلم يكن الحالف ظالما.
وفي الخلاصة: اليمين إذا كانت بالطلاق أو العتاق أو ما شاكل ذلك. النية نية الحالف ظالمًا أو مظلوما. انتهى.
وفي الظهيرية: رجل حَلَّفَ رجلا فحلف ونوى غير ما أراد المستحلف، إن كان اليمين بالطلاق والعتاق ونحو ذلك، فتعتبر نية الحالف ظالما كان أو مظلومًا وإن كان اليمين بالله عز وجل، فإن كان الحالف مظلوما تعتبر نيته، وإن كان الحالف ظالمًا تعتبر نية المحلف. فظهر بما نقلناه أن إطلاق المصنف مقيد بما إذا كان الحلف بالله تعالى وبما إذا كان على أمر في الماضي. انتهى ما ذكره الحموي.
وأما الإقرار والوكالة فيصحان بدونها.
وأما قراءة القرآن قالوا: إن القرآن يخرج عن كونه قرآنا بالقصد (?)، فجوزوا للجنب والحائض قراءة ما فيه من الأذكار بقصد الذكر، والأدعية بقصد الدعاء. وقالوا: إن المأموم إذا قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة بنية الذكر لا تحرم عليه، مع أنه يحرم عليه قراءتها في الصلاة (?).
وأما الضمان فقالوا في المحرم: إذا لبس ثوباً ثم نزعه ومن قصده أن يعود إليه لا يتعدد الجزاء، وإن قصد أن لا يعود إليه تعدد الجزاء بلبسه، وقالوا في المودع: إذا لبس ثوب الوديعة ثم نزعه ومن نيته أن يعود إلى لبسه لم يبرأ من الضمان.
وأما التروك كترك المنهي عنه فلا يحتاج إلى نية للخروج عن عهدة: المنهي، وأما لحصول الثواب فإن كان كفا وهو: أن تدعوه النفس إليه قادرًا على فعله فيكف نفسه عنه خوفًا من ربه فهو مثاب، وإلا فلا ثواب على تركه.
(?) المراد بالقرآن في كلامه ما يشمل على دعاء وذكر، بدليل آخر كلامه حيث قال فجوزوا) والحائض قراءة ما فيه من الأذكار بقصد الذكر، والأدعية بقصد الدعاء (حموي 91/1).
(?) لأن المقتدي في الصلاة ذات الركوع والسجود ممنوع عن القراءة خلف الإمام، سواء قصد الذكر أو قراءة القران لوجوب الإنصات فيها، بخلاف صلاة الجنازة، فلأنها محل دعاء وليست
محلا للقراءة، ولذا جازت قراءة الفاتحة فيها خلف الإمام بنية الدعاء. (حموي 93/1).
@
القاعدة الثانية (الأمور بمقاصدها) (?)
كما علمته في التروك، أي مِنْ أَنَّ الترك إن كان كفَّا كان مثابًا عليه، وإلا فلا. قاله الحموي. وذكر قاضي خان: أن بيع العصير ممن يتخذه خمرا، إن قصد به التجارة فلا يحرم وإن قصد به لأجل التخمير حرم، وكذا غرس الكرم على هذا. انتهى.
قال الحموي فسر في مشكلات القدوري من يتخذه خمرا بالمجوسي لا المسلم أما بيعه من المسلم فيكره، يعني أن المجوس يستحلون ذلك، ويجوز لنا أن ندعهم يتخذون الخمر ويشربونها، أما في حق المسلم ففيه إعانة على الفسق والمعصية فيكره، وهو مقيد لما نقله المصنف عن فتاوي قاضي خان. انتهى
وعلى هذا هجر المسلم فوق ثلاث دائر مع القصد فإن قصد هجره من غير موجب شرعي للهجر حرم (?)، وإن كان لموجب شرعي فلا، والإحداد (?) للمرأة على ميت غير زوجها فوق ثلاث (4) دائر مع القصد، فإن قصدت ترك الزينة والطيب لأجل الميت حرم عليها، وإلا فلا. وكذا قولهم إن المصلي إذا قرأ آية من القرآن جوابًا لكلام بطلت صلاته، وكذا إذا أُخبر المصلي بما يسره، فقال:
(?) يعني أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الأمر مثل بيع العصير ممن يتخذه خمرا، إن قصد به التجارة فلا يحرم وإن قصد التخمير حرم. (?) عن أبي أيوب الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام أخرجه البخاري (كتاب الأدب: باب الهجرة) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (6077/10)»
ومسلم كتاب البر والصلة، باب تحريم الهجر فوق ثلاث (117/16).
(?) مصدر أحدت المرأة امتنعت عن الزينة والخضاب. اهـ. الحموي. (4) عن زينب بنت جحش قالت سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا. أخرجه البخاري (كتاب الطلاق باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا) (9 / 5314) ومسلم كتاب الطلاق باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة (??/ ??? - ???).
@
الحمد لله قاصدًا الشكر بطلت صلاته، أو بما يسوؤه، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو بموت إنسان، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون قاصدا له بطلت. وكذا قولهم بكفره إذا قرأ القرآن في معرض كلام الناس، كما إذا اجتمعوا فقرأ (فَمَعْنَهُمْ جَمَعَا) (1)، وكما إذا قرأ (وَكَأْسًا دِهَاقًا) (?) عند رؤية كأس وله نظائر كثيرة في ألفاظ التكفير كلها ترجع إلى قصد الاستخفاف به (3)
وقال قاضي خان: الفقاعي (4) إذا قال عند فتح الفقاع صلى الله على محمد. قالوا: يكون آثما وكذا الحارس إذا قال في حراسته: لا إله إلا الله يعني لأجل الإعلام بأنه مستيقظ، بخلاف العالم إذا قال في المجلس: صلوا على النبي فإنه يثاب على ذلك. انتهى.
وقالوا: الأكل فوق الشبع حرام بقصد الشهوة وإن قصد التقوي على الصوم أو لأكل الضيف فمستحب وقالوا: الكافر إذا تترس بمسلم فرماه مسلم فإن قصد قتل المسلم حرم، وإن قصد قتل الكافر لا.
وقالوا: في باب اللقطة إن أخذها بنية ردها حل رفعها، وإن أخذها بنية نفسه كان غاصبا آئما.
في التتارخانية من الحظر والإباحة: إذا توسد الكتاب فإن قصد الحفظ لا يكره، وإلا يكره. وكتابة اسم الله على الدراهم فإن كان بقصد العلامة لا يكره، وللتهاون يكره.
قال الحموي: أقول فيه نظر لأنه بالتهاون باسم الله يكفر. انتهى.
والجلوس على الجوالق (5) التي فيها المصحف إن قصد الحفظ لا يكره، وإلا يكره.
(?) سورة الكهف آية (??).
(?) سورة النبأ آية (34).
(?) ذكر في القاموس أن معنى قول الزهري (لا) تناظروا بكتاب الله ولا بكلام رسوله لا تجعلوا شيئا نظيرا لهما معناه لا تجعلوهما مثلاً لشيء يعرضه، به كقول القائل جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ بمُوسَى المسمى بموسى جاء في وقت مطلوب. اهـ. حموي.
(4) الفقاعي بضم الفاء وفتح القاف المشددة، نسبة إلى بيع الفقاع وهو شراب يتخذ من الشعير فقاعا لما يعلوه من الزبد. اهـ. حاشية الحموي على الأشباه.
(5) الجوالق: بكسر الجيم واللام وبضم الجيم وفتح اللام وكسرها وعاء (القاموس 3/ 225).
@
القاعدة الثالثة (اليقين لا يزول بالشك)
ودليلها ما في الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال: شُكِيَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحًا» (?) كذا ذكره السيد الحموي في حاشيته.
قال فيها: ثم اليقين طمأنينة القلب على حقيقة الشيء.
تعريف الشك:
والشك لغة: مطلق التردد، وفي اصطلاح الأصوليين: استواء طرفي الشيء، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين، وإن لم يترجح فهو وهم.
وأما عند الفقهاء فهو كاللغة في سائر الأبواب ولا فرق بين المساوي والراجح كما زعم النووي.
أنواع الشك:
ثم اعلم أن الشك على ثلاثة أضرب:
1 - شك طرأ على أصل حرام
?-وشك طرأ على أصل مباح
3ـ وشك لا يعرف أصله.
فالأول: مثل أن يجد شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل حتى يعلم أنها ذكاة مسلم لأنها أصلها حرام وشككنا في الذكاة المبيحة، فلو
(?) رواه البخاري رقم (???) باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، عن سعيد بن المسيب، وعن عباد بن تميم، عن عمه، ومسلم رقم (361) مثله كتاب الحيض باب الدليل على أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث فله أن يصلي بطهارته. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له: أحدثت، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحا» (رواه أحمد ج 3/ 12 و 37 و 50 و 53 و 96 - وابن ماجه مختصرا (?) - ???).
@
كان الغالب فيها المسلمين جاز الأكل عملا بالغالب المفيد للطَّهورية.
والثاني: أن يجد ماءً متغيرا، واحتمل تغيره بنجاسة، أو طول مكث يجوز التطهر به عملا بأصل ىلطهارة.
والثالث: مثل معاملة من أكثر ماله حرام، ولم يتحقق المأخوذ من ماله عين الحرام، فلا تحرم مبايعته لإمكان الحلال وعدم تحقق (1) التحريم؛ ولكن يكره خوفا من الوقوع في الحرام، كذا في فتح القدير (2). انتهى ما ذكره الحموي.
قال المؤلف (?) رحمه الله تعالى: يندرج في هذه القاعدة قواعد، منها قولهم:
?-?- قاعدة
(الأصل بقاء ما كان على ما كان) (4)
ويتفرع عنها مسائل منها:
أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر. ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث كما في السراجية.
ومن فروع ذلك:
-مالوشك في وجود المنجس، فالأصل بقاء الطهورية: ولذا قال الإمام محمد رحمه الله: حوض يملأ منه الصغار والعبيد بالأيدي الدنسة، والجرار الوسخة، يجوز الوضوء منه، مالم يعلم به نجاسة، ولذا أفتوا بطهارة طين الطرقات.
- وفي الملتقط فأرة في كوز لا يدرى أنها كانت في الجرة، لا يقضي بفساد الجرة بالشك.
-أكل آخر الليل، وشك في طلوع الفجر. صح صومه، لأن الأصل بقاء الليل، ولو شك في الغروب لم يأكل لأن الأصل بقاء النهار.
(?) غير موجود في (أ) و (ب).
(?) في (أ) و (ب) فتح المدبر.
(?) أي: ابن نجيم في الأشباه.
(4) أي: لأن الأصل في الأشياء البقاء، والعدم طارىء.
@
?-?- قاعدة
(الأصل براءة الذمة)
ولذا لم يُقبل في شغلها (?) شاهد واحد، ولذا كان القول قول المُدَّعَى عليه لموافقته الأصل، والبينة على المدعِي لدعواه ما خالف الأصل.
?-?- قاعدة
(من شك هل فعل شيئا، أو لا؟ فالأصل أنه لم يفعله)
ويدخل فيها قاعدة أخرى:
(من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير، حمل على القليل لأنه المتقين).
إلا أن تشتغل الذمة بالأصل فلا يبرأ إلا باليقين.
وهذا الاستثناء راجع إلى قاعدة ثالثة وهي ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين والمراد به غلبة الظن.
شك في صلاة هل صلاها أم لا؟ أعاد في الوقت.
شك في ركوع أو سجود وهو فيها، أعاد، وإن كان بعدها فلا، ولو وقع الاختلاف بين الإمام والقوم فإن كان الإمام على يقين لا يعيد؛ وإلا أعاد بقولهم كذا في الخلاصة.
ومنها (2): شك هل طلق أو لا، لم يقع.
شك أنه طلق واحدة أو أكثر، بنى على الأقل كما ذكره الإسبيجابي، إلا أن يتيقن بالأكثر أو يكون أكبر ظنه على خلافه (?).
ومنها: شك في الخارج أمني أم، مذي، وكان في النوم، فإن تذكر احتلاما وجب الغُسْلُ اتفاقا، وإلا لم يجب عند أبي يوسف عملا بالأقل وهو المذي، ووجب عندهما احتياطا.
(?) في شغلها: أي الذمة.
(?) أي من فروع القاعدة المذكورة.
(?) أي: خلاف الأقل
@
3-4- قاعدة
(الأصل العدم) (?)
وفيها فروع:
-منها: القول قول نافي الوطء لأن الأصل العدم؛ لكن قالوا في العنين: لو ادعى الوطء وأنكرت وقلن بكر خيرت وإن قلن ثيب فالقول قوله لكونه منكراً استحقاق الفرقة عليه. والأصل السلامة من العُنَّة.
-ومنها: القول قول الشريك المضارب إنه لم يربح؛ لأن الأصل عدمه وكذا لو قال: لم أربح إلا كذا؛ لأن الأصل عدم الزائد.
-ولو ادعت المرأة على الزوج النفقة بعد فرضها فادعى الزوج الوصول إليها، وأنكرت، فالقول لها كالدائن إذا أنكر وصول الدين، وكذا في قدر رأس المال؛ لأن الأصل عدم الزيادة. وكذا في أنه ما نهاه عن شراء كذا؛ لأن الأصل عدم النهي.
-ولو ادعى المالك أنها قرض والآخذ (?) أنها مضاربة، القول فيها قول الآخذ لأنهما اتفقا على جواز التصرف والأصل عدم الضمان.
- ومنها: لو ثبت عليه دين بإقرار أو بينة فادعى الأداء أو الإبراء، فالقول للدائن لأن الأصل العدم.
-ومنها: لو اختلفا في قدم العيب فأنكره البائع، فالقول له.
تنبيه:
ليس الأصل العدم مطلقا، وإنما هو في الصفات العارضة، وأما في الصفات الأصلية فالأصل الوجود.
وتفرع على ذلك:
أنه لو اشتراه على أنه خباز أو كاتب وأنكر - أي المشتري - وجود ذلك الوصف به فالقول
(?) قوله: (الأصل العدم ليس المراد به مطلق المفهوم من أنه عدم؛ بل المراد عدم ما يذكر قبله من شرط أو دعوى خصم نزهة النواظر لابن عابدين (69).
(?) في (أ) و (ب) الآخر.
@
له، لأن الأصل عدمهما؛ لكونهما من الصفات العارضة ولو اشتراها على أنها بكر وأنكر قيام البكارة وادعاه البائع، فالقول للبائع؛ لأن الأصل وجودها لكونها صفة أصلية. كذا في فتح القدير في (1) خيار الشرط.
3-5- قاعدة
(الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته)
-منها ما لو رأى في ثوبه نجاسة وقد صلى فيه ولا يدري متى أصابته يعيدها من آخر حدث أحدثه والمني من آخر رقدة، ويلزمه الغُسْلُ في الثانية عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وإن لم يتذكر احتلاما. وفي البدائع من آخر ما احتلم وقيل في البول من آخر ما بال، وفي الدم من آخر ما رعف (?). وقد عمل الصاحبان بهذه القاعدة (?)، فحكما بنجاسة البئر إذا وجد فيها فأرة ميتة من وقت العلم بها من غير إعادة شيء، لأن وقوعها حادث فيضاف إلى أقرب أوقاته، وخالف الإمام الأعظم، فاستحسن إعادة صلاة ثلاثة أيام إن كانت منتفخة أو متفسخة، وإلا فمنذ يوم وليلة عملا بالسبب الظاهر دون الموهوم احتياطا، كالمجروح إذا لم يزل صاحب فراش حتى مات يحال به إلى الجرح.
- ومنها: لو ادعت أن زوجها أبانها في المرض وصار فَارًا، فترث. وقال الورثة: أبانها في الصحة، فلا ترث. كان القول قولها فترث.
وخرج عن هذا الأصل مسألة الكنز من مسائل شتى من القضاء. وهي:
- وإن مات ذمي (4) فقالت زوجته أسلمتُ بعد موته، وقالت الورثة:
(?) في (أ) و (ب) من خيار الشرط
(?) رعف خرج من أنفه الدم وسال (القاموس المحيط مادة رعف ج 3/ 150)
(?) قوله: (وقد عمل الصاحبان بهذه القاعدة ولذا كان قولهما قياسًا وقول الإمام استحسانًا، وفي تصحيح القدوري نقلا عن فتاوى العتابي والمختار قولهما وهو مخالف لعامة الكتب فقد دليله في كثير من كتب المذهب، وقالوا إنه الاحتياط فكان العمل عليه. اهـ. حاشية رجع الحموي على الأشباه.
(4) قوله: (وإن مات ذمي. ... إلخ. قيل التقييد بكون الزوج ذميًا اتفاقي لا احترازي، والحكم كذلك لو كان مسلما وله امرأة نصرانية، فجاءت بعد موته، مسلمة، وقالت: أسلمت قبيل موته =
@
أسلمتِ قبل موته فالقول لهم مع أن الأصل المذكور يقتضي أن يكون القول لها وبه قال زفر. وإنما خرجوا عن هذه القاعدة فيها لأجل تحكيم الحال وهو أن سبب الحرمان ثابت في الحال فيثبت فيما مضى.
ومما فرع على الأصل ما في التتمة وغيرها:
-لو أقر لوارث ثم مات فقال المقر له: أَقرّ في الصحة. وقالت الورثة: في مرضه فالقول قول الورثة والبيئة بينة المقر له، وإن لم يقم بينة وأراد استحلافهم فله ذلك. انتهى.
ومما فرع عليه:
-لو اشترى عبدا ثم ظهر أنه كان مريضًا ومات عند المشتري، فإنه لا يرجع بالثمن لأن المرض يتزايد فيحصل الموت بالزائد فلا يضاف إلى السابق؛ لكن يرجع بنقصان العيب كما ذكره الزيلعي.
3-6- قاعدة:
(هل الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على عدم الإباحة -وهو مذهب الشافعي رحمه الله- أو التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة؟)
ونسبه الشافعية إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وفي شرح المنار للمصنف: الأصل في الأشياء الإباحة عند بعض الحنفية، ومنهم الكرخي.
وقال بعض أصحاب الحديث: الأصل فيها الحظر (1)
وقال أصحابنا الأصل فيها التوقف (2) بمعنى أنه لابد لها من حكم؛ لكنا
=فالقول لهم لأن المرأة ادعت ما هو حادث من كل وجه؛ لأن الإسلام بعد الكفر حادث من كل وجه فكانت مدعية فلا يقبل قولها إلا بحجة كما في المحيط البرهاني. اهـ. حاشية الحموي.
(?) ودليله: أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز (حموي).
(?) ودليله أن طريق ثبوت الأحكام سمعي وعقلي والأول غير موجود وكذا الثاني فلا نقطع =
@
لم نقف عليه بالفعل، وفي الهداية من فصل الحداد أن الإباحة أصل. انتهى.
ويظهر أثر هذا الاختلاف في المسكوت عنه، ويتخرج عليها ما أشكل علينا حاله.
منها: الحيوان المشكل أمره والنبات المجهول تسميته.
ومنها: إذا لم يعرف حال النهر هل هو مباح أو مملوك.
ومذهب الشافعي رحمه الله القائل بالإباحة، الحل في الكل.
قال السيد الحموي في حاشيته: ذكر العلامة قاسم بن قطلوبغا في بعض تعاليقه: أن المختار أن الأصل الإباحة عند جمهور أصحابنا.
وقيده فخر الإسلام بزمن الفترة فقال: إن الناس لم يتركوا سدّى في شيء من الزمان وإنما هذا بناءً على زمن الفترة لاختلاف الشرائع، ووقوع التحريفات فلم يبق الاعتقاد والوثوق على شيء من الشرائع فظهرت الإباحة بمعنى عدم العقاب بما لم يوجد له محرم ولا مبيح. انتهى.
ودليل هذا القول. قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أخبر بأنه خلقه لنا على وجه المنة علينا وأبلغ وجوه المنة إطلاق الانتفاع فتثبت الإباحة (1). انتهى.
=على أحد الحكمين، فإن من قال الإباحة عقلاً يجوز، وورد الشرع الشريف في ذلك بعينه بالحظر فينقله من الحظر إلى الإباحة، وما وضع العقل عليه لا يجوز تغييره كشكر المنعم كذا في تحفة الوصول. واعلم أن ما فيه ضرر لنفسه أو غيره خارج عن موضع الخلاف. (حموي). (225/1)
(?) ويعضد القول أن الأصل في الأشياء الإباحة قوله: ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا» أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن. وروى الطبراني أيضًا من حديث أبي ثعلبة: إن الله فرض رائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودًا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها وفي لفظ (وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة لكم فاقبلوها السيوطي في الأشباه والنظائر. (ص ???) وانظر (الموافقات للشاطبي) فقد تحدث بتوسع عن مرتبة العفو بين الحلال والحرام.
@
?-?- قاعدة
(الأصل في الكلام الحقيقة)
وعلى ذلك فروع كثيرة:
-منها: النكاح للوطء، وعليه حمل قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ اباؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) (?) فحرمت مزنية الأب وحليلته.
قال الحموي: أقول: هذا مختار صاحب المنار تبعًا لفخر الإسلام؛ لكن عامة المشايخ وجمهور المفسرين إلى أن النكاح المذكور في الآية هو العقد، وجَوَّزَ الزيلعي أن يكون ذلك مفهوما من الآية على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز في سياق النفي. انتهى.
- ومنها: لو وقف على ولده أو أوصى لولد زيد لا يدخل ولد ولده، إن كان له ولد لصلبه، فإن لم يكن له ولد لصلبه استحقه ولد الابن. واختلف في ولد البنت فظاهر الرواية عدم الدخول وصحح؛ فإن ولد للواقف ولد رجع من ولد الابن إليه، لأن اسم الولد حقيقة في ولد الصلب، وهذا في المفرد. أما إذا أوقف (?) على أولاده دخل النسل كله كذكر الطبقات (?) الثلاث بلفظ الولد، كما في فتح القدير، وكأنه للعرف فيه وإلا فالولد مفردًا أو جمعا حقيقة في الصلب.
ومنها: حلف لا يبيع أو لا يشتري أو لا يؤاجر، أو لا يستأجر، أو لا يصالح على مال أو لا يقاسم أو لا يخاصم، أو لا يضرب ولده لم يحنث إلا بالمباشرة، ولا يحنث على التوكيل لأنها الحقيقة (4)، وهو المجاز (5)، إلا أن
(?) سورة النساء آية (??).
(?) وقف في (أ) و (ب).
(?) قوله: (كذكر الطبقات. .. .. .. ) إلخ. لكن في وقف الخصاف أنهم لا يدخلون كذا في نزهة النواظر (??) وقال الحموي قوله: (أما إذا أوقف على أولاده دخل النسل. .. .. .. إلخ.
قيل عليه لكنه يحتاج إلى تحرير فإن في البزازية ما يخالفه ظاهرًا. وفي الاختيار: فيه تفصيل ولفظه تدخل البطون كلها لعموم اسم الأولاد؛ لكن يتقدم الأول فإذا انقرض فالثاني ثم من بعدهم يشترك في جميع البطون على السواء قريبهم وبعيدهم. اهـ.
(4) قوله: (لأنها الحقيقة) أي: المباشرة.
(5) قوله: (وهو المجاز) أي: التوكيل.
@
يكون مثله لا يباشر ذلك الفعل كالقاضي والأمير، فحينئذ يحنث بهما، وإن كان يباشره مرة ويوكل فيه أخرى فإنه يعتبر الأغلب.
قال الحموي: هذا الذي اعتمده قاضي خان وقيل ينظر في العين المبيعة إن كانت مما يشتريها بنفسه لشرفها لا يحنث بفعل وكيله، إلا أن يقصد أن لا يفعل ذلك بنفسه ولا بوكيله فإنه يحنث، وإن كانت العين مما لا يشتريها بنفسه لخستها أو لغير ذلك يحنث بشراء الوكيل كما في الكافي. انتهى.
- ومنها: لو قال: هذه الدار لزيد، كان إقرارًا بالملك له، حتى لو ادعى أنها مسكنه لم يقبل.
-ومنها: حلف لا يأكل من هذه الشاة حنث بلحمها، لأنه الحقيقة دون لبنها ونتاجها، بخلاف ما إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة حنث بثمرها، وطلعها، لا بما اتصل به صنعة حادثة كالدبس (?)، فإن لم يكن لها ثمر حنث بما أكله مما اشتراه بثمنها.
-ومنها حلف لا يأكل من هذه الحنطة فإنه يحنث بأكل عينها للإمكان، فلا يحنث بأكل خبزها.
ومنها حلف لا يشرب من دجلة؛ حنث بالكرع (2) لأنه الحقيقة، ولا يحنث بالشرب بيده أو بإناء بخلاف من ماء دجلة.
- ومنها: أوصى لأبناء زيد وله صلبيون وحفدة، فالوصية للصلبيين.
خاتمة (فيها مسائل تستثنى من تلك القاعدة) أعني (اليقين لا يزول بالشك)
الأولى: المستحاضة المتحيرة يلزمها الاغتسال لكل صلاة وهو الصحيح.
الثانية: إذا وجد بللا [ولا يدري أنه مني أو مذي] (3)، قدمنا إيجاب الغسل مع وجود الشك.
(?) الدبس: هو عسل التمر. (القاموس مادة دبس ج ? (???).
(?) الكرع يكرع فيه وكرع في الماء تناوله بفيه (القاموس مادة كرع ج ? (??
(?) (ولا يدري أنه مني أو (مذي) غير موجود في (أ) و (ب)، وموجود في أصل الأشباه والنظائر وبه يتضح المعنى
@
الثالثة: أصاب ثوبه نجاسة؛ ولا يدري أي موضع أصابته، غسل الكل وفيه خلاف.
الرابعة: رمى صيدا فجرحه ثم تغيب عن بصره ثم وجده مَيْتًا ولا يدري سبب موته، يحرم مع وجود الشك؛ لكن شرط في الكنز لحرمته أن يقعد عن طلبه.
@
القاعدة الرابعة (المشقة تجلب التيسير)
والأصل فيها قوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) (?) وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (?) وفي الحديث: «أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفية السمحة» (?).
قال العلماء: يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته.
واعلم أن أسباب التخفيف في العبادات وغيرها سبعة:
الأول: السفر
الثاني: المرض
الثالث: الإكراه
الرابع: النسيان
الخامس الجهل
السادس العسر وعموم البلوى (4) كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها ونجاسة المعذور التي تصيب ثيابه وكان كلما غسلها خرجت ودم البراغيث والبق في الثوب وإن كثر، وبول يترشش على الثوب قدر رؤس الإبر (5) وطين الشوارع وأثر نجاسة عسر زواله، وبول سنور في غير أواني الماء وعليه الفتوى وخرء حمام وعصفور وإن كثر، وخرء الطيور المحرمة في
(?) سورة البقرة (الآية 185).
(?) سورة الحج (الآية (??).
(?) ذكره البخاري معلقا في كتاب الإيمان فقال: باب الدين يسر، وقوله صلى الله عليه وسلم «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» (???) وأخرجه في الأدب المفرد (???) والترمذي بنحوه في كتاب المناقب، باب مناقب معاذ بن جبل (5 (????) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (60/1): ورواه أحمد في مسنده والطبراني والبزار وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: قيل يا رسول الله: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة» ورواه البخاري أيضًا في الأدب المفرد. وانظر كشف الخفا ج 1/ 52 ـ 53). وقوله: بعثت بالحنيفية السمحة أخرجه أحمد عن أبي أمامة 266/5 وعن عائشة 116/6 و 223. (انظر فيض القدير ج 203/3)
(4) والسبب السابع موجود في صفحة 58.
(5) الإبر: مفردها إبرة وهي مسلة الحديد، وجمعها إبر وإبار (القاموس مادة أبر 1/ 374).
@
رواية، وما لا نفس له سائلة وريق النائم (1)، وغبار السرجين.
ومن ذلك قولنا: بأن النار مطهرة للروث والعذرة، فقلنا بطهارة رمادها تيسيرا، وإلا لزمت نجاسة الخبز في غالب الأمصار.
ومن ذلك: طهارة بول الخُفَّاش (?) وخرثه، والبعر إذا وقع في المحلب ورمي قبل التفتت، وما يصيب الثوب من بخارات النجاسة، وما يصيبه مما سال من الكنيف، ما لم يكن أكبر رأيه النجاسة.
والقول بطهارة المسك، وإن كان أصله، دما والزباد (?) وإن كان عرق حيوان محرم الأكل، والتراب الطاهر إذا جعل طينا بماء نجس أو عكسه. فالفتوى على أن العبرة للطاهر أيهما كان وما يترشش على الغاسل (4) من غسالة الميت مما لا يمكن الاحتراز عنه وما رش به السوق إذا ابتل به قدماه وبمواطن الكلاب والطين، المسرقن وردغة الطريق ومشروعية الاستنجاء بالحجر مع أنه ليس بمزيل حتى لو نزل المستنجي به في ماء نجسه، ومس المصحف للصبيان للتعلم، وأنه لا يُحكم على الماء بالاستعمال مادام مترددًا على العضو ولا بنجاسة الماء إذا لاقى المتنجس ما لم ينفصل عنه، وإباحة النافلة على الدابة خارج المصر بالإيماء (5)، وإباحة القعود فيها (6) بلا عذر.
(?) قوله (وريق النائم) فيه نظر. قال الحلبي في شرح المنية: الماء الذي يسيل من فم النائم طاهر. وذكر في المحيط أنه إن جف وبقي له أثر أي ربح أو لون بأن كان منتنا أو أصفر فهو نجس. ووجه الأول: أن الغالب كونه من البلغم وهو ظاهر مطلقا عندهما خلافا لأبي يوسف، ووجه الثاني: أن ما كان متغيرًا فالظاهر كونه من المعدة وما خرج منها نجس، واستثناهما للبلغم للزوجة، وهذا ليس كذلك على أنه يجوز أن يكون من قرحة ونحوها أيضا. وقال في الملتقط: أنه هو طاهر إلا إذا علم من الجوف وهو غير مخالف لما في المحيط، فإن تغير اللون والرائحة دليل على أنه من الجوف وأما إذا علم أنه من قرحة أو نحوها فلا خفاء في نجاسته والكلام فيما لو لم يعلم ذلك. (حموي 349/1).
(?) هو الوطواط سمي به لصغر عينه وضعف بصره كما في القاموس. (???/?)
ويقال له الخطاف لأنه يخطف البعوض وهو طعامه. كما قال الجاحظ في كتاب البيان.
(?) وإنما كان المسك والزياد طاهرا لاستحالته إلى طيب والاستحالة من المطهرات عندنا.
(4) قوله (وما يترشش على الغاسل في السراج الميت إن كان على بدنه نجاسة فهي نجسة وإلا فهي طاهرة على الأصح (حموي).
(5) قوله: (وإباحة النافلة على الدابة ... إلخ لفظ النافلة يتناول السنن الرواتب، فإنها جائزة على=
@
ووسع أبو حنيفة في العبادات كلها فلم يشترط النية في الطهارة ولا الدلك، ووسع في المياه ففوضه إلى رأي المبتلى به، ولم يشترط مقارنة النية للتكبير (1)، وأسقط القراءة عن المأموم، وأسقط لزوم التفريق على الأصناف الثمانية في الزكاة وصدقة الفطر.
ومن ذلك: الإبراد بالظهر في شدة الحر (?)، وترك الجماعة للمطر والجمعة بالأعذار المعروفة، وعدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض لتكررها بخلاف الصوم وبخلاف المستحاضة لندور (?) ذلك، وسقوط القضاء عن المغمى عليه إذا زاد على يوم وليلة، وعن المريض العاجز عن الإيماء بالرأس، كذلك على الصحيح وجواز صلاة الفرض في السفينة قاعدًا مع القدرة على القيام لخوف دوران الرأس.
وكان الصوم في السنة شهرًا، والحج في العمر مرة، والزكاة ربع العشر، تيسيرًا، ولذا قلنا: إنها وجبت بقدرة ميسرة رة (4) حتى سقطت بهلاك المال، وأكل الميئة ومال الغير مع ضمان (5) البدل، إذا اضطر، وأكل الولي والوصي من مال
=الدابة. ولم تشترط طهارة الدابة لأنها ليست بشرط على قول الأكثر وهو الأصح كما في الكافي. وظاهر المذهب من غير تفصيل كما في الخلاصة وقيد بالنافلة لأن الفرض والواجب بأنواعه من الوتر والمنذور وما لزمه بالشروع والإفساد وصلاة الجنازة والسجدة التي تليت على الأرض لا تجوز على الدابة من غير عذر لعدم لزوم الحرج في النزول، ومن الأعذار أن يخاف اللص أو السبع على نفسه أو ماله أو لم يقف له رفقاؤه وكذا إذا كانت الدابة جموحًا لا يقدر على ركوبها إلا بمعين وهو شيخ كبير لا يجد من يركبه، ومن الأعذار الطين والمطر. اهـ. الحموي.
(6) أي: في صلاة النافلة حيث تصبح قاعدا مع القدرة على القيام.
(1) أي: مقارنة حقيقية، وسيأتي.
(?) وذلك لما ورد من قوله: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة أخرجه البخاري (2/ 539) ومسلم باب المساجد (5 / 117).
(?) في (ب): لندرة.
(4) قوله: (بقدرة ميسرة أي بالقدرة الموجبة لتيسير الأداء على العبد؛ وصورة المسألة إذا هلك النصاب بعد التمكن من أداء الزكاة ولم يؤد سقطت عنه الزكاة عندنا لعدم بقاء القدرة الميسرة التي هي وصف النماء؛ لأنها كانت ممكنة، بدونه فشرط النماء ليكون المؤدى عنه. والواجب إذا وجب بصفة اليسر لا يبقى عند انتفائها، وإلا لانقلب اليسر عسراً. وقيد بالهلاك لأنه إذا استهلك المال لا تسقط عنه الزكاة اتفاقاء لأنه لما أسقط الواجب عن نفسه بالتعدي خرج عن أن يكون محلا للنظر، فجعلت القدرة الميسرة باقية فيه تقديرا، زجراً له ونظراً للفقير. اهـ. الحموي.
(5) في (ب) ضمانه.
@
اليتيم بقدر أجرة عمله، وجواز تقديم النية قبل الشروع في الصلاة إذا لم يفصل أجنبي، وتقديم النية على الصوم من الليل وإباحة (1) التحلل من الحج بالإحصار والفوات، وإباحة أبي يوسف رحمه الله تعالى رعي حشيش الحرم للحاج في الموسم تيسيرًا.
وبيع الموصوف في الذمة كالسّلم، جُوّزَ على خلاف القياس دفعا لحاجة المفاليس.
ومن التخفيف: إباحة (?) النظر للطبيب، والشاهد، وعند الخطبة.
ومنه: مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيرًا على المكلفين، وكذا التخيير في كفارة اليمين لتكررها بخلاف بقية الكفارات لندرة وقوعها، ومشروعية التخيير في نذر معلق (بشرط) (?) لا يراد كونه بين كفارة اليمين والوفاء بالمنذور على ما عليه الفتوى وإليه رجع الإمام قبل موته بسبعة أيام.
ومنه: مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط في حال حياته، وصح له في الثلث دون ما زاد عليه دفعا لضرر الورثة حتى أجزناها بالجميع عند عدم الورثة، وأوقفناها على إجازة بقية الورثة إذا كانت لوارث.
السبب السابع: النقص، فإنه نوع من المشقة فناسب التخفيف.
فمن ذلك: عدم تكليف الصبي، والمجنون، ففوض أمر أموالهما إلى الولي، وتربيته وحضانته إلى النساء رحمة عليه، ولم يجبرهن على الحضانة تيسيرًا عليهن. وعدم تكليف النساء بكثير مما وجب على الرجال كالجماعة، والجمعة والجهاد، والجزية وإباحة لبس الحرير، وحلي الذهب، وعدم تكليف الأرقاء بكثير مما على الأحرار، لكونه على النصف من الحر في الحدود والعدة.
فائدة مهمة نختم بها الكلام على هذه القاعدة: وهي أن المشقة والحرج؛ إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما مع النص
(?) في (أ) و (ب) وبإباحة.
(?) غير موجودة في (ب).
(?) قوله (بشرط لا يراد كونه ... إلخ. في شرح الوقاية لصدر الشريعة: إن كان الشرط أمرًا حراما كإن زنيت مثلاً، ينبغي أن لا يتخير لأن التخيير تخفيف، والحرام لا يوجب التخفيف (حموي).
@
بخلافه فلا؛ ولذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه، إلا الإذخر (?)، وجوز أبو يوسف رعيه للحرج، ورُدّ عليه بما ذكر. ذکره (?) الزيلعي في جنايات الإحرام، وقال في باب الأنجاس: إن الإمام يقول بتغليظ نجاسة الأرواث لقوله عليه السلام: إنها ركس (?) أي نجس. ولا اعتبار عنده بالبلوى في موضع النص، كما في بول الآدمي فإن البلوى فيه أعم. انتهى.
(?) الإذخر نبت الواحدة [إذخرة] مختار الصحاح [ص 220].
(?) في (ب): بما ذكره الزيلعي.
(?) رواه البخاري: كتاب الوضوء باب لا يستنجى بروث (1 (156) والترمذي كتاب الطهارة باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به (?/ ??).
@
القاعدة الخامسة
(الضرر يزال) (?)
أصلها قوله: (لا ضرر ولا ضرار» (?) أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا، وأخرجه الحاكم في المستدرك، والبيهقي والدار قطني من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم.
@
(1) هذه القاعدة والقاعدة التي قبلها وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير) متحدتان أو متداخلتان فبينهما اتحاد، لأن المشقة تجلب التيسير قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ) وما لا حرج فيه لا ضرر فيه.
وقاعدة الضرر يزال في داخلها المشقة تجلب التيسير فكل ما ينطبق على المشقة تجلب التيسير داخل في (الضرر يزال) لأن المشقات أضرار وقد رفعها الله سبحانه وتعالى. فالمسافر والمريض يسر الله لهما في صومهما وصلاتهما، فالمسافر يجوز له أن يفطر ويقصر الصلاة وهذا مما امتازت به الشريعة الغراء فالذين يعيبون في إقامة الحدود يغفلون، لأنه يرتكب الضرر الأخف لدفع الضرر الأعظم فإقامة حد الزنا ضرر ولكن عدم إقامته فيه ضرر أعظم ألا وهو فساد الأمة واختلاط الأنساب، لذا يطبق حد الزنا.
(?) حديث (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجه في كتاب الأحكام باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. عن عبادة بن الصامت وفيه انقطاع وعن ابن عباس وفي إسناده جابر الجعفي متهم (2 / 784) ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرسلا (2/ 745) وأحمد (327/5) عن عبادة و (???/?) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ «ولا إضرار» ورواه الحاكم عن أبي سعيد والدارقطني عن عائشة وابن عباس وأبي سعيد (227/4-228) وانظر المقاصد الحسنة ??? - وكشف الخفا ... ج 491/2)
وهو الحديث الثاني والثلاثون من الأربعين النووية قال النووي: حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله (لاضرر) الضرر إلحاق مفسدة بالغير مطلقا بخلاف الضرار فهو إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة الفوائد الجنية 253/1)
وفي حواشي العلقمي على الجامع الصغير: أختلف في الفرق بين الضرر والضرار فقيل: الضرر فعل الواحد والضرار فعل الإثنين. وقيل: الضرر أن يضره من غير أن ينتفع والضرار أن يضره ابتداءً. وقيل: هما بمعنى واحد. اهـ الحموي.
وفسره في المغرب (ص (???) بأنه لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء.
@
ويبنى على هذه القاعدة كثير من أبواب الفقه:
فمن ذلك: الرد بالعيب (?)، وجميع (?) الخيارات، والحجر بسائر أنواعه (?) على المفتى به، والشفعة (4) فإنها للشريك لدفع ضرر القسمة (5) وللجار لدفع ضرر الجار السوء، والقصاص (6)، والحدود (?)، والكفارات (?)، وضمان
(1) أي إذا دلس البائع على المشتري وأخفى العيب فالشارع أجاز له الرد بهذا العيب. ويشترط في الرد بالعيب الآتي: -1- أن يخفيه البائع - ألا يطرأ على المبيع عيب آخر عند المشتري -3- ألا يكون العيب ظاهرا وقت العقد -4 أن يرده فور علمه بالعيب. والضابط في الفورية العرف. (مذكرة الشيخ جاد الرب).
(?) قوله (جميع) يعود إلى الرد بالعيب فمن تعليلية أي لأجل أو ابتدائية أي الناشئ. وخيار الشرط جائز لكل من المتبايعين ودليله قوله: إذا بعث فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام، وخيار المجلس: ولم يثبته الحنفية بناءً على أن خبر الواحد لا يزيد على النص القرآني لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذا تبايعته وأثبته الشافعية والحنابلة استنادا إلى حديث: البيعان بالخيار مالم يتفرقا ولو اختلف الوصف الذي شرطه المشتري جاز له الرد بالعيب للضرر. فجميع أنواع الخيار جاءت لدفع الضرر. (مذكرة الشيخ جاد الرب).
(?) أنواع الحجر للصغير والمجنون والمريض ولا يرى الحنفية الحجر للسفيه وقالوا: ذلك إهدار الآدميته، والمحافظة عليها خير من فناء ماله والحجر لغة: المنع، واصطلاحًا. منع المالك من التصرف في ملكه، وشرع لدفع الضرر إما عن المحجور عليه كما في الحجر على الصغير والمجنون وإما عن غير المحجور عليه كما في الحجر للإفلاس لدفع الضرر عن الغرماء.
(4) الشفعة: هي حق تمليك قهري يثبت للشريك القديم أو الجار فيما ملك المشتري بعوض. وشرعت لدفع الضرر عن الشريك، لأن اشتراك الشريك الجديد في المرافق سوف يؤدي إلى تضييعها كما أن القسمة تحتاج إلى نقود ويرى الحنفية أنها شرعت لدفع الضرر عن الشريك والجار أيضًا وقد قيل: بجيرانها تعلو الديار وترخص. (مذكرة الشيخ جاد الرب).
(5) غير موجودة في (أ) و (ب).
(6) القصاص: ويكون في العمد العدوان وشُرعَ لدفع الضرر، ففي قتل القائل مصلحة عامة قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيرة) فإذا علم مريد الجريمة عقوبتها امتنع وفي ذلك بقاء لحياته
وحياة غيره وقد قيل: القتل أنفي للقتل.
(?) والحدود: جمع حد وهو المنع، واصطلاحًا: عقوبة مقدرة شرعًا لدفع الضرر باختلاف أنواعها كحد السكر والسرقة والزنا والردة والحرابة والقذف وغير ذلك.
(?) والكفارات: جمع كفارة وهي زواجر وجوابر وقيل زواجر فقط والأول أصبح لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت: فمن أصاب من ذلك شيء فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له.
وأنواع الكفارات كثيرة منها: كفارة اليمين، والظهار، والقتل الخطأ، وإفطار يوم من نهار رمضان من غير عذر، فهي عقوبات ألحقها الله بالذي ارتكب سببها، والعقوبات أضرار ولكن الشارع أوجبها لدفع ضرر أعظم، لأن الإنسان مثلاً إذا حلف وحنث كان ممتهنا للفظ الجلالة، وكفارة الظهار لقوله تعالى فيها: =
@
المتلفات (1)، والجبر على القسمة (?) بشرطه (?)، ونصب الأئمة (4)، والقضاة)، ودفع الصائل (6)، وقتال المشركين (?)،
=وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القول وَزُوراً) فلكي نزيل الضرر عن الأمة تلزم المظاهر كفارة، وأيضا كفارة المواقعة في رمضان فحرمة رمضان جسيمة فإذا علم الناس أن في إفطار نهار رمضان تجب كفارة امتنع من ذلك، وهي صيام شهرين متتابعين فإن عجز فإطعام ستين مسكيناً فالكفارات بعمومها وإن كانت ضررًا في نفسها إلا أنه يُدفع بها ضررٌ أعظم.
(?) وضمان المتلفات وهو من قبيل خطاب الوضع وليس من خطاب الحكم التكليفي وعلى ذلك فلا يشترط في المخاطب بخطاب الوضع العلم بالخطاب كما لا يشترط فيه البلوغ والعقل فهو يجب على المكلف وغير المكلف فيجب على الصبي والعاقل وغيره والمخاطب بالنسبة للصغير وليه، وللبهيمة صاحبها وشُرعَ لدفع الضرر لأننا لو لم نقل بذلك لأتلف الناس الأشياء.
(?) الجبر على القسمة: شرعت القسمة لدفع الضرر بين الشريكين أو الشركاء بأنواعها الثلاثة: 1- قسمة إفراز فيما تساوت أجزاؤه -?- قسمة تعديل فيما اختفلت أجزاؤه المتنوعة 3- قسمة ترد عندما يكون في بعض الأجزاء أمر يقبل بحال زيادة على النصف الآخر كشجر أو عين أو غير ذلك، ويجب أن تتنبه إلى أن ما تتلفه القسمة فلا قسمة فيه. (مذكرة الشيخ جاد الرب).
(?) وقوله: (بشرطه) وهو اتحاد الجنس في العروض أما لو اختلف فلا بد من التراضي لانعدام الاختلاط بينهما فلا تقع القسمة تمييزاً في العروض بل تقع معاوضة فيكون بالتراضي لا بالجبر كما في شرح المجمع الملكي. اهـ الحموي.
(4) نصب الأئمة: جمع إمام والإمام هو خليفة المسلمين العام ومثله الحاكم والحكام والملوك
والسلاطين في هذه الأيام.
وهل نصب الأئمة ثابت بالشرع أو العقل فيه رأيان في كتب التوحيد ولكل دليله. ولأن عدم نصب الأئمة سوف يؤدي إلى هلاك الأمة واختلافها وضعفها فيجب على المسلمين نصب
إمام ليكونوا كلهم تحت رايته.
(5) (والقضاة) وذلك لدفع ضرر الخصوم لأنه لو لم يوجد قضاة لا يوجد من يوصل الحق إلى أهله وفي توصيل الحقوق دفع ضرر.
(6) (ودفع الصائل) وهو المستطيل وهو إما لأخذ مال أو لقتل نفس أو لهتك عرض أو لهم جميعا ويجب على الدافع التدرج في دفعه لأنه شُرعَ للضرر والضرورة تقدر بقدرها.
و محل وجوب التدرج في غير الصائل لهتك العرض لقوله: (من قتل دون نفسه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، وقتال الصائل شُرع لدفع الضرر لأنه لو لم يجب دفع الصائل لانتشر الصيال وهو فساد وضرر. والقاعدة: أن الضرر يزال. وإذا علم الصائل أنه لوصال قتل امتنع.
(?) وقتال المشركين كان في الماضي يقاتلونهم دفاعا عن الإسلام، وقد جد سبب آخر وهو صيالهم على أرضنا وشرع لدفع الضرر المترتب على ولاية المشركين على المسلمين ولا ضرر أخطر من ضرر الدين لأن الكافر إذا حكم المسلم عامله معاملة الحيوان ولم يشرع القتال تحمل الناس على=
@
والبغاة (1).
وفي البزازية من كتاب الكراهة (?): باع أغصان فرصاد، والمشتري إذا ارتقى لقطعها يطلع على عورات الجيران، يؤمر بأن يخبرهم وقت الارتقاء ليستتروا، مرة أو مرتين، فإن فعل وإلا رفع إلى الحاكم ليمنعه من الارتقاء. انتهى.
وهذه القاعدة مع التي قبلها متحدتان (?) ويتعلق بها قواعد (4):
الأولى: (الضرورات (5) تبيح المحظورات)
ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة (6)، وإساغة اللقمة
=الإسلام لقوله تعالى: (لَا إكراه في الدِّينِ) وموت المسلمين دفاعا عن دينهم خير لهم من أن يستذلوا.
(?) والبغاة: هم قوم لهم شوكة خرجوا على الإمام وفيهم رئيس مطاع فيجب قتالهم لدفع ضررهم قال تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فلو لم يجب دفعهم لأبيح لكل طائفة أن تهدم ما بناه غيرها ولعمت الفوضى وهذا ضرر والضرر يزال فشرع لذلك.
(?) في (أ) و (ب) الكرهية.
(?) قوله: (متحدتان) أي تصدق كل واحدة منهما على ما تصدق عليه الأخرى وحينئذ فلا فائدة لذكرها. اهـ الحموي.
(4) أي يرتبط بها قواعد ارتباط الفرع بالأصل فهي كالأم بالنسبة لهذه القاعدة، وهذه القاعدة التي تولدت عن الضرر يزال تعتبر قيودًا.
(5) الضرورة: هي وصول المكلف إلى حد لو لم يفعل ترتب عليه ضرر أعظم فالله سبحانه جعل الضرورات تبيح المحظورات شرعا لأن الضرورة لو لم تُبح المحظور لوجد الضرر فلو لم يأكل المضطر الميتة لهلك فبان ارتباط الفرع بالقاعدة الأم
(6) المخمصة: شدة الجوع بحيث إذا لم يتناول الممنوع هلك، والأكل من الميتة يكون بقدر سد الرمق لأن الضرورة تقدر بقدرها فأكل الميتة محظور ولكن إبقاء الإنسان عند المخمصة ضرورة وليست أقل من المحظور فأبيح المحظور لأجل الضرورة، ويجب عليه الأكل لإبقاء روحه فلو لم تبح الضرورات المحظورات لتحقق الضرر، والضرر يزال. قوله: (ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة وكذا للتداوي قال التمرتاشي في شرح الجامع الصغير نقلا عن التهذيب: يجوز للعليل أكل الميتة وشرب الدم والبول إذا أخبره الطبيب المسلم أن شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه. وإن قال الطبيب يتعجل شفاؤك به، فيه وجهان: وهل يجوز للعليل شرب الخمر للتداوي إذا لم يجد شيئا يقوم مقامه فيه وجهان اهـ الحموي. وفي اللآلي: التداوي بلبن الأتان إذا أشاروا إليه لا بأس به. قال الصدر الشهيد: وفيه نظر لأن لبنها حرام والاستشفاء بالحرام حرام. اهـ.
قلت: هذا يخالف ما ذكر في التداوي بالدم والبول. اهـ.
@
بالخمر إذا غُصَ بها (1)، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه (?)، وكذا إتلاف المال (?) وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه (4)، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله.
وزاد الشافعية على هذه القاعدة: (بشرط عدم نقصانها) (5)، قالوا ليخرج ما لو كان الميت نبيا، فإنه لا يحل أكله للمضطر (6)، لأن حرمته أعظم في نظر
=ويجب حمله على ما إذا لم يوجد ما يقوم مقامه. اهـ الحموي
(1) فلو وقفت اللقمة في بلعوم إنسان ولم يجد ماء ووجد خمرًا عليه أن يشرب الخمر لإساعة اللقمة ولكن ليس له أن يتجاوز الشرب مختارًا فإذا فعل ذلك كان شاربا للخمر ويقام عليه الحد، فلو لم نقل له يشرب الخمر لهلك ولكان هذا ضررًا والضرر يزال. ولو وجد غير الخمر فلا يجوز شرب الخمر بحال.
(?) والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه أي لو أكره بالقتل واستوفي شروط الإكراه بأن كان المكره قادرًا على تحقيق وعيده جاز التلفظ بكلمة الكفر تقية لأجل يقي نفسه من القتل قال تعالى: و إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَن بِالإِيمَن) وإذا تعارض حق العبد مع حق الله قدم الأول لاحتياج العبد وغنى الرب سبحانه وتعالى بشرط أن لا يتلفظ بزيادة على المطلوب وإلا فيكون كافرًا لأن الضرورة تقدر بقدرها فالتلفظ بكلمة الكفر محظور والإكراه ضرر وأباحه الشرع للضرورة أي دفع الضرر.
(?) قوله (وكذا إتلاف المال كما إذا خافوا غرق السفينة لكثرة حملها فإنه يباح إتلاف بعض المال. فالضرورة هنا المحافظة على المال والمحظور إتلاف بعض المال فيرتكب الضرر الأخف وهو إتلاف بعض المال لدفع الضرر الأعظم وهو إتلاف الكل.
(4) لو كان لك دين على شخص ولا سبيل يوصلك إليه فلك أن تأخذ من ماله أي سواء كان من جنس حقك وهذا باتفاق أو من غير جنسه بغير إذنه. أما لو كان بإذن فلا ضرورة، فالضرورة هنا الظفر بحقه، والمحظور هو أخذ مال الغير بغير إذنه فالضرورة هنا ليست بأنقص من المحظور. وهذا إذا لم يكن عند صاحب الدين ما يثبت له حق من إقرار أو شهادة، ولو أدى النقب إلى كسر باب أو غيره ذلك لا ضمان عليه.
(5) قوله (بشرط عدم نقصانها أي الضرورة في نظر الشرع عن ذلك المحظور الذي اقتضت إباحتها. اهـ الحموي.
(6) أي أن الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصان الضرورات عن المحظورات وهنا المحظور أشد من الضرورة فلا يجوز أكل جسد النبي لأن حرمته أعظم من مهجة المضطر. وقوله (نظر الشرع) ليخرج نظر غيره فهناك أناس لهم نظر غير نظر الشرع، وضاعت عندهم حرمات أنبيائهم. وهذا يقاس عليه ما لو أكره على القتل والزنا فلا يباح واحد منهما بالإكراء لما فيهما من المفسدة التي تقابل مهجة المكره أو تزيد عليها. فلو أكره إنسان على قتل إنسان لم يكن له أن يقتله لأن حفظ مهجته وإبقاء روحه ليست أولى من حفظ المكره على قتله، فلا يجوز له ذلك لأنه لو نفذ المكره عليه لوقع في محظورات كثيرة فإنه يلحق العار بأنفس كثيرة بالمزني بها، وبأمها، وبأبيها، وعائلتها كلها يلحقها العار وهذا ضياع لشرف أسرة بل مجتمعا بأكمله. فهنا الضرورات لا تبيح المحظورات لاختلاف الشرط وهو نقصان الضرورة عن المحظور. (مذكرة الشيخ جاد الرب).
@
الشرع من مهجة المضطر. انتهى.
ولكن ذكر بعض أصحابنا ما يفيده فإنهم قالوا: لو أكره على قتل غيره بقتل لا يرخص له، فإن قتله أثم؛ لأن مفسدة قتل نفسه أدنى من مفسدة قتل غيره. وقالوا لو دفن بلا كفن لا ينبش، لأن مفسدة هتك أشد حرمته من عدم تكفينه الذي قام الستر بالتراب مقامه. وكذا قالوا: لو دفن بلا غسل وأهيل عليه التراب صلي على قبره ولا يخرج.
الثانية: (ما أبيح للضرورة يقدر (?) بقدرها (?)) (?)
ولذا قال (4) في أيمان الظهيرية: إن اليمين الكاذبة لا تباح (5) للضرورة، وإنما يباح التعريض. انتهى. يعني: لاندفاعها بالتعريض.
(1) في (أ) و (ب) يتقدر.
(?) قال الدكتور الزحيلي في نظرية الضرورة ص 302 - 304: مقدار ما يتناول المضطر من المحظور للحفاظ على النفس، قال الحنفية والشافعية في الأظهر عندهم وأحمد في أصح الروايتين عنده وطائفة من المالكية منهم ابن الماجشون وابن حبيب: يأكل المضطر للغذاء ويشرب للعطش ولو من حرام أو ميتة أو مال غيره مقدار ما يرفع الهلاك عن نفس الإنسان وهو ما يتمكن به من الصلاة قائمًا ومن الصوم، وهو لقيمات معدودة، ويمتد ذلك في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. . . وعبارة الشافعية في حالة الاضطرار والأظهر الرمق فقط. إلا أن يخاف تلفاً أو حدوث مرض أو زيادته. وقال المالكية على المعتمد عندهم والإمام أحمد في رواية عنه والشافعي في قول مرجوح عنده: يجوز للمضطر التناول من الحرام حتى الشبع وله التزود من الميتة ونحوها إذا خشي الضرورة في سفره فإذا استغنى عنها طرحها. هذا إذا كانت المخمصة نادرة في وقت من الأوقات، أما إذا كانت المجاعة عامة دائمة مستمرة فلا خلاف بين العلماء في جواز الشبع من الميتة ونحوها من سائر المحظورات.
(?) هذه من القواعد المرتبطة بالقاعدة الأم (الضرر يزال) وارتبطت بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات وبما أن العبارة مطلقة لأن مضمونها أن الضرورات تبيح المحظورات. مطلقا. قيدها المصنف وقال: لابد أن تقدر الضرورة بقدرها وما زاد على الضرورة فباق على الحظر. ودليل هذه القاعدة: مستفاد من قوله تعالى في إثبات المحرمات: {غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ) وقوله تعالى: (إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِليه وما زاد على قدر الضرورة غير مضطر إليه فلا يباح. وارتباطها بالقاعدة الأم (الضرر يزال) أننا لو لم نقدر الضرورة بقدرها وقع الضرر لأن مجاوزة القدر موقع في الحرام وهو ضرر. فإذن لا يتحقق الضرر يزال) إلا إذا أزيل بقدره.
(4) في (أ) و (ب) قاله.
(5) في (أ) و (ب) يباح.
@
ومن فروعه (?):
المضطر (?): لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق، والطعام في دار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة لأنه إنما أبيح للضرورة.
قال السيد الحموي نقلا عن فتح المدبر ههنا خمس مراتب: (ضرورة،: وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول) (?).
فالضرورة: بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قاربه (4)؛ وهذا يبيح تناول الحرام.
والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة؛ وهذا لا يبيح الحرام، ويبيح الفطر في الصوم.
والمنفعة: كالذي يشتهي خبز البر ولحم الغنم والطعام الدسم.
والزينة: كالمشتهي الحلوى والسكر.
والفضول: التوسع بأكل الحرام والشبهة. انتهى.
وأفتوا بالعفو عن بول السنور في الثياب دون الأواني؛ لأنه لا ضرورة في الأواني لجريان العادة بتخميرها.
ودم الشهيد طاهر في حق نفسه نجس في حق غيره لعدم الضرورة.
والجبيرة يجب ألا تستر من الصحيح إلا بقدر ما لا بد منه.
(1) ومن فروعه: ولم يقل من فروعها: لأنه لاحظ ملفوظ القاعدة وهو: ما أبيح للضرورة من فروع.
(?) المضطر: وهو الذي لا يجد أمامه طعاما حلالا ووجد ميتة فلو لم يأكل منها خرجت روحه وهو مأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الهلكة) ففي هذه الحالة له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه ويقي روحه ولا يزيد على ذلك فإن زاد فقد أثم لأن ما زاد باق على الحرمة.
(?) قال الإمام الشاطبي رحمه الله: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام أحدها أن تكون ضرورية والثاني: أن تكون حاجية. والثالث: أن تكون تحسينية وله كلام نفيس في هذا المقام وتفصيل في مراتب هذه الأقسام.
(فارجع إليه في الموافقات ج 2/ 618).
(4) في (أ) و (ب) قارب.
@
والطبيب إنما ينظر من العورة بقدر الحاجة.
تذنيب (1): يقرب من هذه القاعدة: (ما جاز لعذر بطل بزواله).
فيبطل التيمم إذا قدر على استعمال الماء. فإن كان لفقد الماء بطل بالقدرة عليه وإن كان لمرض بطل ببرئه، وإن كان لبرد بطل بزواله.
الثالثة: (الضرر لا يزال بالضرر) (?)
وهي مقيدة لقولهم: الضرر يزال، أي: لا بضرر.
ومن فروعها (?):
عدم إجبار الشريك على العمارة (4)، وإنما يقال لمريدها أنفق واحبس العين إلى استيفاء قيمة البناء أو ما أنفقته فالأول إن كان بغير إذن القاضي، والثاني إن كان بإذنه وهو المعتمد، ولا يجبر السيد على تزويج عبده وأمته وإن تضررا (5)، ولا يأكل مضطر طعام مضطر آخر (6).
(?) قال الحموي: الفرق بين التذنيب والتذييل أن التذنيب إلحاق ما قل بما قبله والتذييل إلحاق ما كثر بما قبله. اهـ.
(?) هذه القاعدة من القواعد المرتبطة بالقاعدة الأم وهي (الضرر يزال) وتقييد لها، لأن معنى الضرر يزال: أنه يزال لا بضرر آخر فجاء بهذه القاعدة ليقيد إطلاقها لذلك، فالضرر لا يزال بالضرر، فهي كالاستدراك والقيد فشأنها شأن الأخص مع الأعم، فالأخص الضرر لا يزال بالضرر والأعم (الضرر يزال فكلما تحقق الأخص الضرر لا يزال بالضرر) تحقق الأعم (الضرر يزال فمعنى القاعدة: لا يزال الضرر بالضرر أي لا يزال ضرر امرئ بضرر امري آخر لأن الخلق كلهم عيال الله وكلهم سواء.
(?) قوله ومن فروعها: أي أن هذه الفروع هي المنهج ليقيس الناس عليه.
(4) لأننا لو أجبرناه لأزلنا الضرر بضرر نلحقه بالآخر، فإذا كان هناك شريكان في منزل يحتاج إلى ترميم وأحد الشريكين لا يريد؛ لأنه ليس مستطيعا فلا يجب إجباره، لأننا لو أجبرناه لأزلنا ضرر أحد الشريكين بضرر يلحق الآخر، ولَما ارتفع الضرر. بل نقول للذي يريد العمارة: أنفق وخذ أجرة هذا البيت حتى تستوفي ما أنفقت واحبس أجرة العين تحت يدك حتى تحصل ما أنفقت.
(5) علة عدم إجبار السيد على تزويج عبده: أنه إذا تزوج العبد أو الأمة سيذهب إلى زوجته وتذهب إلى زوجها وتقل خدمتهما للسيد وفيه تفويت لمصلحته فنكون أزلنا ضرر العبد والأمة بضرر السيد فلا يلزم القاضي السيد بتزويج عبده أو أمته.
(6) فلو كان اثنان في صحراء ومع أحدهما كسرة خبز لا تكفي إلا لأحدهما فلا يحل للآخر أن يأكل هذه الكسرة ممن معه لأن كلا منهما مضطر فلا فرق بين روح وروح، فلو جوزنا له=
@
تنبيه: (يُحتمل الضرر الخاص لأجل دفع ضرر عام).
وهذا مقيد لقولهم: الضرر لا يزال بمثله.
وعليه فروع كثيرة:
منها: جواز الرمي إلى كُفَّار تترسوا بصبيان المسلمين (?).
ومنها: وجوب نقض حائط مملوك مَالَ إلى طريق العامة (2) على مالكها، دفعا للضرر العام.
ومنها: جواز الحجر على البالغ الحر العاقل عند أبي حنيفة رحمه الله في ثلاثة:
المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري، المفلس (?)، دفعا للضرر العام.
ومنها: جوازه على السفيه (4) عندهما وعليه الفتوى لدفع الضرر العام. ومنها: بيع مال المديون المحبوس عندهما لقضاء دينه، دفعا للضرر عن
=الأكل لرفع الضرر عن نفسه وألحق الضرر بالآخر، ولا يزال الضرر بالضرر.
(?) جواز الرمي ... إلخ، لأن الكفار يعرفون أن الإسلام فيه رحمة ويمنعوا من قتل النساء والصبيان، والحرب خدعة فإذا استعملوا ذلك وقدموا أو تستروا وراء النساء والصبيان لكي لا يستطيع المسلمون قتالهم وينتصروا عليهم، ففي هذه الحالة جاز أن ترمى النساء والصبيان. ورميهم ضرر لأنه مخالف لقول الرسول، ولكن لما كان في عدم رميهم ضرر أعظم وهو انتصارهم علينا فجاز احتمال الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
وكذلك إذا تترسوا بأسرى المسلمين، فإذا كان في الإمكان اجتنابهم يحرم رميهم وإلا فلا.
(?) الميل ليس قيدا بل مثل ذلك مالو وهن أو انشق طولاً أو عرضًا. ووجهه: أن في اصلاح الحائط أو نقضه ضرر لصاحب الحائط وهو بذل المال لإصلاحه، ولكنه أخف ضررًا من الضرر الأعظم، وهو وقوع الحائط على المارة أو الجار، والقاعدة تقول: (الضرر الأخف يحتمل لدفع الضرر الأعظم).
(?) المفتي الماجن الذي يعلم الناس الحيل، والطبيب الجاهل الذي يسقي الناس الدواء ويميت المريض، والمكاري: المفلس: الذي يكاري الدابة ويأخذ الكراء فإذا جاء أوان السفر رأيته لا دابة له فينقطع المكتري عن الرفقة. كذا في الدرر. اهـ الحموي.
(4) قوله: (جوازه على السفيه السفه العمل بخلاف موجب الشرع واتباع الهوى، ومن عادة السفيه: التبذير والإسراف في النفقة والتصرف لا لغرض أو لغرض لا يعتد به العقلاء من أهل الديانة مثل دفع المال إلى المغني وشراء الحمام الطيارة بثمن غال والغبن في التجارة. اهـ الحموي.
@
الغرماء وهو المعتمد.
-ومنها: التسعير عند تعدي أرباب الطعام في بيعه بغبن فاحش (1).
-ومنها: بيع طعام المحتكر جبرًا عليه عند الحاجة وامتناعه من البيع، دفعا للضرر العام.
-ومنها: منع اتخاذ حانوت للطبخ بين البزازين وكذا كل ضرر عام، كذا في الخلاصة وغيرها.
قال السيد الحموي في حاشيته: اعلم أن في جنس هذه المسائل اختلافا حاصله أنه لا يمنع على أصل الإمام، وهو أن كل من تصرف في خالص ملكه لا يمنع منه في الحكم وإن لحق بالغير ضرر، وأفتى بهذا طائفة، لكن ترك غالب المتأخرين ذلك في موضع يتعدى ضرر تصرفه إلى غيره ضررًا بينا وقالوا بالمنع، وعليه الفتوى كما في كثير من المعتبرات.
وفي الولوالجية في كتاب القسمة: علو لرجل وسفل لآخر اختلف المشايخ على قول الإمام قال بعضهم: لصاحب العلو أن يبني ما بدا له ما لم يضر بالسفل. وذكر في بعض المواضع: له ذلك أضر بالسُفل أولم يضر. هكذا ذكر في الجامع الصغير والمختار للفتوى أنه إذا أشكل أنه يضر أم لا، لا يملك، وإذا علم أنه لا يضر يملك. انتهى.
وذكر قاضي خان لو حفر صاحب السفل في ساحته بئرا أو ما أشبه ذلك له ذلك عند الأمام وإن تضرر صاحب العلو، وعندهما الحكم معلول بعلة الضرر. انتهى باختصار.
تنبيه آخر: تُقَيَّدُ هذه القاعدة أيضًا بما (لو كان أحدهما أعظم ضررًا، فإن الأشد يزال بالأخف).
(?) قوله: (ومنها التسعير. . . إلخ) في الاختيار شرح المختار ولا ينبغي للسلطان أن يسعر لما بينا، يعني أن المسعر هو الله تعالى قال: إلا أن يتعدى أرباب الطعام تعديا فاحشا في القيمة فلا بأس بذلك بمشورة أهل الخبرة؛ لأن فيه صيانة حقوق المسلمين عن الضياع. وقد قال أصحابنا إذا خاف الإمام على أهل المصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكر وفرقه عليهم، فإذا وجدوا ردوا مثله، وليس هذا حجرًا وإنما هو للضرورة كما في المخمصة. اهـ حموي.
@
فمن ذلك الإجبار على قضاء الدين (?)، والنفقة الواجبة (2).
-ومنها: حبس الأب إذا امتنع عن الإنفاق على ولده بخلاف الديون.
قال الحموي: يعني لا يحبس الأب لدين ولده وكذا كل أصل لدين فرعه. قيل: إلا إذا ظهر للقاضي تمرده فإنه يحبسه لما في جواهر الفتاوى في الباب الخامس من كتاب القضاء، قال: رجل له على أبيه مهر الأم أو دين آخر فأقر أو أقام البينة فإنه لا يحبس ما لم يتمرد على الحاكم، وهذا بخلاف نفقة الولد الصغير فإنه يحبس بها يعني وإن لم يتمرد فإنه فيه صيانة مهجته. انتهى.
ومنها: لو غصب ساجة - أي خشبة - وأدخلها في بنائه، فإن كانت قيمة البناء أكثر تملكها صاحبه بالقيمة، وإن كانت قيمتها أكثر من قيمته لم ينقطع حق المالك عنها.
قال الحموي: أقول لم يذكر ما إذا تساويا. وفي الخانيَّة: وإن كانت قيمة الساجة والبناء سواء، فإن اصطلحا على شيء جاز، وإن تنازعا يباع البناء عليهما ويقسم الثمن بينهما على قدر مالهما. انتهى.
-ومنها: لو غصب أرضا فبنى فيها أو غرس؛ فإن كانت قيمة الأرض أكثر؛ قلعا وردت وإلا ضمن له قيمتها.
قال الحموي: قيل وهل لصاحب الأرض تملكهما بالقيمة جبرًا على الغاصب؟ والظاهر أن الأرض إن انتقصت بالقلع فله ذلك وإلا فلا. انتهى.
-ومنها: لو ابتلعت دجاجة لؤلؤة؛ ينظر إلى أكثر هما قيمة فيضمن صاحب الأكثر قيمة الأقل. وعلى هذا لو دخل فصيل غيره في داره فكبر فيها ولم يمكن إخراجه إلا إذا هدم الجدار، وكذا لو أدخل البقر رأسه في قدر من النحاس فتعذر إخراجه، هكذا ذكر أصحابنا رحمهم الله، كما ذكره الزيلعي في كتاب الغصب.
(?) الإجبار على قضاء الديون ضرر وهو فضيحته على رأس الأشهاد، وكون الدين وهوهم بالليل وذل بالنهار، وهو ضرر أعظم وأيضا عدم المماطلة وإلا تتسرب بين الناس.
(?) أي الإجبار على النفقة للأصول والفروع والحواشي بالشروط المعتمدة في وجوب النفقة، ففي الإجبار ضرر ولكن يحتمل لأجل رفع الضرر الأعظم وهو موت المنفق عليه وهلاكه ولا شك أن ذلك أعظم من الإجبار عليها.
@
وينبغي أن يلحق بمسألة البقرة ما لو سقط ديناره في محبرة غيره ولم يخرج إلا بكسرها.
ومنها: جواز دخول بيت غيره إذا سقط متاعه فيها وخاف صاحبه أنه لو طلبه منه أخفاه (?)
ومنها: مسألة الظفر بجنس دينه (?)
قال الحموي في الاستحسان الدراهم والدنانير جنس واحد في هذا الحكم والصحيح خلافه.
قال في الخانية: رجل له على رجل دراهم فظفر بدراهم مديونه كان له أن يأخذ الدراهم إن لم يكن دراهمه أجود ولم يكن مؤجّلاً وإن ظفر بدنانير مديونه في ظاهر الرواية ليس له أن يأخذ الدنانير. وذكر في كتاب الدين أن له أن يأخذ والصحيح الأول. انتهى.
وفي القنية وعن أبي بكر الرازي له أخذ الدنانير بالدراهم وكذا العكس استحساناً لا قياسًا. انتهى.
ومنها: جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد إذا كان ترجى حياته. وقد أمر به أبو حنيفة - رحمه الله - فعاش الولد كما في الملتقط. قالوا بخلاف ما إذا ابتلع لؤلؤة فمات فإنه لا يشق بطنه، لأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال. وسوى الشافعية بينهما في جواز الشق. وفي تهذيب القلانسي من الحظر والإباحة وقيمة الدرة في تركته فإن لم يترك شيئا لا يجب شيء. انتهى.
قال الحموي: قوله بخلاف ما لو ابتلع لؤلؤة قيل: ظاهره أن ما ذكره هو المذهب وهو رواية عن محمد - رحمه الله - ومقتضى ما علل به أنه لو ابتلع
(?) قوله: (جواز دخول بيت غيره ... إلخ) قال في البزازية بعد نقل هذه المسألة: وينبغي له أن يعلم ذلك أهل الصلاح أنه إنما دخلها لهذا وإن لم يكن بحضرته أهل الصلاح وأمكنه أن يدخل ويأخذ ماله في سر فلا بأس به. اهـ حموي.
(?) أي إذا كان للإنسان دين على آخر وامتنع عن الأداء وليس عند صاحب الحق وسيلة من وسائل الإثبات مما يبرر الرفع إلى القاضي، وظفر صاحب الدين بجنس حقه أو بغير جنس حقه يجوز له أن يأخذ قدر حقه ورد الباقي. ففي الأخذ من مال الغير بغير إذن ضرر ولكنه يرتكب لدفع الضرر الأعظم وهو ضياع الدين على صاحبه، لأجل ذلك أباح الشارع للظافر أن يأخذ حقه.
@
دنانير غيره لا تشق بطنه والمنقول خلافه، ففي البزازية أنه تشق بطنه في اللؤلؤة والدنانير وأن عدم الشق في الدرة إنما هو رواية عن محمد. انتهى.
قال بعض الفضلاء: قد طالعت البزازية فرأيته في محل ذَكَرَ ما هو موافق لمقتضى ما علل به المصنف، وفي موضع آخر ما هو موافق لما قيل. انتهى.
ومنها: طلب صاحب الأكثر القسمة، وشريكه يتضرر، فإن صاحب الكثير يجاب على أحد الأقوال؛ لأن ضرره في عدم القسمة أعظم من ضرر شريكه بها.
قال الحموي: هذا القول هو الصحيح. ووجهه أن صاحب الأكثر طلب من القاضي أن يخصه بالانتفاع بملكه ويمنع غيره عن الانتفاع بملكه، وهذا منه طلب الحق والإنصاف فإن له أن يمنع غيره من الانتفاع بملكه فوجب على القاضي أن يجيبه؛ لأنه نُصبَ لإيصال الحقوق إلى أهلها، ودفع المظالم، ولا يعتبر تضرر الآخر، لأنه يريد أن ينتفع بملك غيره فلا يُمَكِّنُ من ذلك وهذا القول هو الأصح كما في التبيين والهداية ولم يذكر المصنف ـ رحمه الله ـ حكم ما لو طلب صاحب القليل لوجود الاختلاف فيه. فقيل: لا يقسم بطلبه، وقيل يقسم. قال الصدر الشهيد وعليه الفتوى كما في البزازية، وقد صحح الأول أيضًا في الكافي وغيره. قال الشيخ قاسم: وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم. انتهى.
ونشأ من هذه القاعدة قاعدة رابعة، وهي:
الرابعة: (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرر بارتكاب أخفهما) (?)
قال الزيلعي في باب شروط الصلاة ثم الأصل في جنس هذه المسائل أن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان يأخذ بأيهما شاء، وإن اختلفا يختار أهونهما لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا لضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة.
(1) أي من هذ الأمر الذي قاله من التقييد السابق: إذا تعارض ضرران ارتكب الأخف أي إذا تعارض مفسدتان ولا منجى من فعل واحدة منهما ولا مناص من الوقوع في أحدهما ترتكب الأخف دفعا لأعظمهما ضرر يدل لذلك حديث الأعرابي الذي بال في المسجد ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زجره.
@
مثاله: رجل عليه جرح لو سجد سال جرحه وإن لم يسجد لم يسل، فإنه يصلي قاعداً يومىء بالركوع والسجود، لأن ترك السجود أهون من الصلاة مع الحدث، ألا ترى أن ترك السجود جائز حالة الاختيار في التطوع على الدابة قاعدا يصلي، ومع الحدث لا تجوز بحال (?).
ولو كان معه ثوبان نجاسة كل واحد منهما أكثر من قدر الدرهم يتخير ما لم يبلغ أحدهما ربع الثوب لتساويهما في المنع، ولو كان دم أحدهما قدر الربع ودم الآخر أقل يصلي في أقلهما دما ولا يجوز عكسه؛ لأن للربع حكم الكل، ولو كان في كل واحد منهما قدر الربع أو كان في أحدهما أكثر لكن لا يبلغ ثلاثة أرباعه وفي الآخر قدر الربع، صلى في أيهما شاء؛ لاستوائهما في الحكم، والأفضل أن يصلي في أقلهما نجاسة، ولو كان ربع أحدهما طاهراً والآخر أقل من الربع يصلي في الذي ربعه طاهر ولا يجوز في العكس.
ولو أن امرأة لو صلت قائمة ينكشف من عورتها ما يمنع جواز الصلاة، ولو صلت قاعدة لا ينكشف منها شي؛ فإنها تصلي قاعدة لما ذكرنا أن ترك القيام أهون.
ولو كان الثوب يغطي جسدها وربع رأسها فتركت تغطية الرأس لا يجوز، ولو كان يغطي أقل من الربع لا يضر؛ لأن للربع حكم الكل، وما دونه لا يعطى له حكم الكل، والستر أفضل تقليلاً للانكشاف. انتهى.
ومن هذا النوع؛ لو اضطر وعنده ميتة ومَألُ الغير فإنه يأكل الميتة (2). وعن بعض أصحابنا رحمهم الله: من وجد طعام الغير لا يباح له الميتة (?)
(?) قوله: (ومع الحدث لا تجوز بحال لا يقال تجوز الصلاة معه لصاحب العذر لأنا نقول المراد عدم جوازها معه لغير صاحب العذر. اهـ حموي.
(?) ووجهه أن الميتة مباحة بالنص قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إلى قوله: (إِلَّا مَا اضطررته إليه أما طعام الغير فهو مباح بالاجتهاد لأنه لم يرد في الكتاب ولا السنة حل طعام الغير.
(?) ووجهه: أن الأكل من طعام الغير لحل عينه وذاته، أما الحرمة فقد جاءت لعارض وهو كونها مملوكة لغيره أما الميتة فهي محرمة عيناً وذانا فما حرم لعارض أولى بالأكل مما حرم لذاته وقيل يخير بينهما.
@
قال الحموي: يعني: ويباح له طعام الغير. انتهى.
ولو اضطر المحرم وعنده صيد وميتة أكلها دونه (?). على المعتمد.
قال الحموي: يقاس عليه الحلال بالنسبة إلى صيد الحرم. انتهى.
وفي البزازية: لو كان الصيد مذبوحا (?) فالصيد أولى وفاقا. ولو اضطر وعنده صيد ومَالُ الغير فالصيد أولى. وكذا الصيد أولى من لحم إنسان، وعن محمد الصيد أولى من لحم الخنزير. انتهى.
(1) لأنه أخف من تناول الصيد لأن في الصيد يرتكب محظورين القتل والأكل، فروعي أخفهما ضررًا وهو الأكل من الميتة بقدر سد الرمق فالميتة تحريم واحد وأما الصيد فتحريمان وما اجتمع فيه تحريم أولى مما اجتمع فيه تحريمان.
وأما وجه تحريم الصيد للمحرم فهو أن المحرم يحاكي الناس بخروجهم من قيودهم والصيد لا يليق في هذا المقام، وخصوصا وقد قالوا إن صيد المحرم ميتة ومقابل المعتمد: يأكل الصيد لحل ذاته وتحريمه لعارض وهو الإحرام قال تعالى: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم) ولكن الميتة محرمة لذاتها وما حرم لعارض أولى بالأكل مما حرم بالذات والعقل يقضي بتناول ما هو حلال لذاته حرام لغيره، وقيل يتخير بينهما، وهذا مبني على أنه هل صيد المحرم ميتة أو ليس ميتة؟ والصحيح أنه ميتة.
(?) قوله (وفي البزازية: لو كان الصيد (مذبوحا أي قبل الاضطرار بأن ذبح الصيد ثم اضطر ووجد ميتة، فالصيد أولى لأنه وإن كان ميتة أيضا لكنه ميتة حكمًا، فيقدم على ما كان ميتة حقيقة وحكما، وأما إذا اضطر لصيد حي فإنه يأكل الميتة ولا يذبح الصيد لما يلزم من صيرورته ميتة وزيادة الجناية على إحرامه هذا ما ظهر فتدبر. اهـ (نزهة النواظر على الأشباه والنظائر
لابن عابدين / ??).
@
ونظير القاعدة الرابعة قاعدة خامسة: وهي
الخامسة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح)
فإذا تعارض مفسدة ومصلحة، قدم دفع المفسدة غالبا، لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات (?)، اعتنائه بالمأمورات (?)، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (?)
ومن ثَمَّ جاز ترك الواجب دفعاً للمشقة، ولم يسامح في الإقدام على المنهيات خصوصاً الكبائر (?).
ومن ذلك ما ذكره البزازي في فتاويه ومن لم يجد سترة ترك الاستنجاء
(1) هذه القاعدة نظير قاعدة الضرر لا يزال بالضرر) ومعناها أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح يدل لذلك حادثة البول في المسجد وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تزرموه» فبوله في المسجد ضرر ولكن إذا حبس بوله سيحدث له مفسدة أعظم يُلحقه ضرر أعظم وإذا تعارض روعي أغلظهما بارتكاب أخفهما وهو بوله في المسجد ونأخذ من ذلك أن ترك المعاصي مقدم على جلب المصالح.
وفي الحديث: إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ولم يقل ما استطعتم فجانب الأوامر أيسر من جانب النواهي فلو لم يجدك الله حيث أمرك لكان أحسن مما يجدك حيث نهاك.
(?) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (????/??) ولفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (???/?) وفي كتاب الفضائل باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع، ونحو ذلك (فتح الباري 117/15).
(?) فالشارع في جانب المأمورات قد سهل وتجاوز بأدنى مشقة، ومن ذلك أنه إذا لم يستطع الإنسان الصلاة قائمًا صلى من قعود فإن لم يستطع قاعدًا فعلى جنب. وإن لم يستطع الصوم لمشقة تلحقه بأي سبب من الأسباب كسفر أو مرض إلخ له الفطر ومن لم يجد ماءً للطهارة أباح له التيمم، ولم يسامح في الإقدام على المنهيات وخصوصا الكبائر فقد حرم مقدماتها ومن ثَمَّ فمقدمة الحرام حرام كما أن مقدمة الواجب واجبة، فقد حرم وسائل المنهيات كالنظر بالنسبة للزنا. . . إلخ.
ويدخل في هذه القاعدة التسعيرة، وبيع سلعة المحتكر.
@
ولو على شط نهر، لأن النهي راجح على الأمر حتى استوعب النهي الأزمان ولم يقتضي الأمر التكرار. انتهى.
والمرأة إذا وجب عليها الغسل ولم تجد سترة بين الرجال فإنها تؤخره، بخلاف الرجل إذا لم يجد سترة بين الرجال فإنه لا يؤخره ويغتسل. وفي الاستنجاء إذا لم يجد سترة يتركه والفرق أن النجاسة الحكمية أقوى (2)، والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال. كذا في شرح النقاية.
قال الحموي: قوله: بخلاف الرجل إذا لم يجد سترة. قيل ينبغي أن يرجح النهي هنا على الأمر عملاً بالقاعدة المذكورة، فلا يرتكب المنهي عنه وهو كشف العورة لأجل المأمور به وهو الغسل كما في الاستنجاء والجواب أن القاعدة أكثرية لا كلية كما هو دأب قواعد الفقه. بقي لو كان الرجل بين النساء وقياسه أن يؤخر كالمرأة بين الرجال فإن نظر الجنس إلى الجنس أخف من نظر غير الجنس إلى الجنس كما في المبسوط. انتهى.
ومن فروع ذلك:
-المبالغة في المضمضة والاستنشاق مسنونة وتكره للصائم (?).
-وتخليل اللحية سنة في الطهارة ويكره للمحرم (4).
وقد تراعى المصلحة لغلبتها على المفسدة (5)؛ فمن ذلك:
(?) في (ب) المنهي.
(?) قوله: (والفرق أن النجاسة الحكمية أقوى والدليل على ذلك أن الصلاة لا تجوز مع وجود الحدث بحال وتجوز مع وجود النجاسة الحقيقية إذا كانت مقدار الدرهم في المغلظة ومقدار ربع الثوب في المخففة وذلك لأن قليل النجس معفو عنه دون قليل الحدث. وفيه أن الجبيرة يجوز ترك المسح عليها مطلقا ضر المسح أو لا عند الإمام مع أن تحتها حدثا. اهـ الحموي.
(?) المبالغة في المضمضة والاستنشاق مسنونة أي سنة مرغوب فيها، وفيها مصلحة لإثابة فاعلها وإن كان لا يعاقب تاركها، ولكن لما قال: بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» دلنا على أن دفع مفسدة الصوم مقدم وأولى من جلب مصلحة المبالغة لأجل الثواب.
(4) اللحية إن كانت خفيفة لا يحتاج إلى التخليل، أما إذا كانت كثيفة فيسن أن يخلل في الوضوء فإذا كان محرما فيكره له تخليل الشعر لخوف سقوط شعر منه فيقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة فلا يخلل.
(5) هذا محترز من قوله: (قدم دفع المفسدة غالبًا) أي قد يراعى المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة.
@
الصلاة مع اختلال شرط من شروطها من الطهارة أو الستر أو الاستقبال، فإن في كل ذلك مفسدة لما فيه من الإخلال بجلال الله تعالى في أنه لا يُناجى إلا على أكمل الأحوال ومتى تعذر شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه تقديما المصلحة الصلاة على هذه المفسدة (1).
ومنه: الكذب (?) مفسدة محرمة ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز: كالكذب للإصلاح بين الناس (?)، وعلى الزوجة لإصلاحها.
(1) أي من الصورة التي يراعى فيها المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة الصلاة مع اختلال شرط من شروطها كأن يكون فاقدا للمطهر فعدم الصلاة مفسدة مرجوحة والصلاة بدون وضوء أو تيمم مصلحة مقدم فعلها على تركها.
وكذا إذا كان المصلي لا يجد ما يستر عورته فيصلي من قعود لأنه أستر له، ويصلي من وقوف عند الشافعية لأنه يستطيع القيام.
وكذا إذا لم يعرف القبلة فتقدم المصلحة على المفسدة، فمتى تعذر عليه الطهارة أو الستر أو الاستقبال فترك الصلاة لعدم معرفة جهة القبلة مفسدة والصلاة لأي جهة مصلحة لأن الله لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وقد اجتهدنا في القبلة فيجب الصلاة.
(2) أي من الصور التي يراعى فيها المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة الكذب والمراد هنا المعاريض فقد قال: إن في المعاريض المندوحة عن الكذب، رواه ابن عدي في الكامل
عن عمران بن حصين مرفوعا والصحيح وقفه عليه.
أي إن في المعاريض لفرصة وبعدا عن الكذب ومتى أمكن له التعريض لا يجوز له الكذب ومتى كان الكذب صالحًا كان واجبًا ويدخل في ذلك الكذب في الحرب والكذب إذا توقف عليه مصلحة، والكذب إذا كان سببا في دفع ضرر فإنه يجوز شرعًا. فالكذب مفسدة محرمة: لأنه من علامات المنافقين ولأنه يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا ولكن إذا تضمن مصلحة تزيد على تحريمه جاز، ومثاله الكذب للإصلاح بين الناس فهو مفسدة وهي أقل من المصلحة المترتبة عليه، وكذلك الكذب في الحرب والكذب على المرأة .... إلخ. وهذا النوع راجع إلى ارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة.
(?) كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرا أخرجه البخاري كتاب الصلح باب ليس من الكذب الذي يصلح بين الناس (2692/5 - 2694) ومسلم في كتاب البر والصلة باب تحريم الكذب وبيان ما يباح فيه (157/16) بزيادة: قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، وأخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في إصلاح ذات البين (4/ 1939). وقد نظم الإمام برهان الدين إبراهيم بن حسن الملا الحنفي الأحسائي المتوفى سنة 1047 هـ المواضع التي يجوز الكذب فيها فقال:
جوزوا الكذب في القتال لخدع ... وكذا الصلح مع رضا الزوجات=
@
وهذا النوع راجع إلى ارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة.
قال الحموي: قوله: كالكذب للإصلاح بين الناس. في البزازية: يجوز الكذب في ثلاثة مواضع: في الصلح بين الناس وفي الحرب، ومع امرأته. قال في الذخيرة: أراد به المعاريض لا الكذب الخالص. ومثله في أواخر الحيل من المبسوط والمعاريض أن يتكلم الرجل بكلمة يظهر من نفسه شيئًا ومراده شيء آخر كما في الشُّرْعَةِ عن البستان وفي بعض المعتبرات: ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله: قلت لك كذا مائة مرة، لا يراد به تعميم المرات بعددها؛ بل تفهيم المبالغة فإن لم يكن قال له إلا مرة واحدة كان كذباً وإن قال مرات يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم، وإن لم تبلغ المائة. وفي مجمع الفتاوى إن الكذب يباح لإحياء حقه، ولدفع الظلم عن نفسه كالشفيع يعلم البيع في جوف الليل فإذا أصبح يُشهد ويقول علمت الآن. وكذا الصغيرة تبلغ في جوف الليل وتختار نفسها من الزوج وتقول رأيت الدم
الآن. انتهى. وفي شرح العيني لصحيح البخاري في باب شراء المملوك من الحربي في حديث قتيبة عن الليث بن سعد ما نصه: وفيه أي الحديث: الحيل في التخليص من الظلمة؛ بل إذا علم أنه لا يتخلص إلا بالكذب جاز له الكذب الصراح وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق ككونه ينجي نبيًا أو وليا ممن يريد قتله أو لنجاة المسلمين من عدوهم. وقال الفقهاء: لو طلب ظالم وديعة لإنسان ليأخذها غصبًا وجب عليه الإنكار والكذب في أنه لا يعلم موضعها. انتهى فليحفظ.
=وكذا جوزوه في دفع ظلم وهو في غيرها من السيئات
@
القاعدة السادسة
(العادة محكمة)
وأصلها ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود موقوفا عليه: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح» (?).
واعلم أن اعتبار العادة والعرف (?) يُرجع إليه في الفقه في مسائل
(1) رواه أحمد في مسنده (???/?) من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه ولفظه: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد الله خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيىء.
وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (? (33 كتاب العلم باب ما جاء في فضل العلم والعلماء، وقال: هذا إسناد حسن. وأخرجه الحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة (?) (??) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال الحافظ السخاوي المقاصد الحسنة (367) موقوف حسن.
(?) العرف في اصطلاح الأصوليين أو العادة هو ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول، وقيل هو: عادة جمهور قوم في قول أو فعل.
في
وقال ابن عابدين (العادة مأخوذة من المعاودة فهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة. فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث الماصدق وإن اختلفا من حيث المفهوم وينقسم العرف إلى عرف قولي وعرف فعلي والأول قد يطلق عليه الاصطلاح أو
الحقيقة العرفية. وكلاهما ثلاثة أنواع: عرف شهد الشرع بقبوله عرف شرعي).
عرف شهد الشرع بإلغائه. عرف فاسد وهو المخالف للدليل الشرعي من كل وجه. عرف مرسل لم يشهد الشرع له بالاعتبار أو الإلغاء).
وقد قسم الشاطبي رحمه الله العوائد المستمرة عنده إلى ضربين: الأول: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها: ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا أو نهى عنها كراهة أو تحريما. أو أذن فيها فعلا أو تركا.
الثاني: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي. ثم يقسم الإمام الشاطبي العوائد باعتبار وقوعها في الوجود إلى عوائد ثابتة وعوائد متبدلة. =
@
كثيرة (?) حتى جعلوا ذلك أصلا، فقالوا في الأصول في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال، والعادة هكذا ذكر فخر الإسلام.
فمما فرع على هذه القاعدة:
حد الماء الجاري، والأصح أنه ما يعده الناس جاريًا (?).
ومنها: وقوع البعر الكثير في البئر؛ الأصح أن الكثير ما يستكثره الناظر. ومنها: حد الماء الكثير الملحق بالجاري، والأصح تفويضه إلى رأي المبتلى به لا التقدير بشيء من العشر في العشر ونحوه (3).
ومنها: الحيض والنفاس قالوا لو زاد الدم على أكثر الحيض والنفاس ترد إلى أيام عادتها.
ومن ذلك العمل المفسد للصلاة مفوض إلى العرف (4) فلو كان بحيث لو
=فالأول هي العوائد العامة التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال. الثانية التي
تختلف بحسب ذلك.
الموافقات للشاطبي ??????/? وانظر مصادر التشريع فيما لا نص فيه لعبد الوهاب
خلاف 145 - 149).
(?) اعتبار العادة أي جعلها حكمًا ومناطًا لأحكام الشريعة وعطف العرف على العادة من عطف العام على الخاص. وقوله يرجع إليه في الفقه .. إلخ أي في استخراج الأحكام.
(?) فاعتبار الماء جاريًا أو غير جار مرجعها العرف فالعادة محكمة. فما يعده الناظر قليلا يعفى عنه وما يعده الناظر كثيرًا لا يعفى عنه، فالقلة والكثرة مرجعها العرف فالعادة محكمة.
(3) حد الماء الكثير قال ابن الهمام في فتح القدير (53/1): قال أبو حنيفة رحمه الله في ظاهر الرواية يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء منه وإلا جاز. وعنه اعتباره بالتحريك على ما هو مذكور في الكتاب (أي الهداية بالاغتسال أو بالوضوء أو باليد روايات، والأول أصح عند جماعة منهم الكرخي وصاحب الغاية والينابيع وغيرهم وهو الأليق بأصل أبي حنيفة. اهـ.
وأما الذين قدروه بالمساحة فمنهم من جعل الكثير ما كان بقدر ثمان في ثمان وما عداه قليل، ومنهم من اختار اثني عشر في اثني عشر، ومنهم من اختار خمسة عشر في خمسة عشر، واختار جمع التقدير بعشر في عشر وأفتوا به ومنهم قاضي خان في فتاواه، وصاحب الهداية فيها، وفي مختارات النوازل وصاحب الخلاصة والتاتارخانية، وهو قول أبي سليمان الجوزجاني واختاره كثير من المتأخرين وفرعوا عليه فروعًا وبنوا عليه نكات بناء على أنه أسهل وأضبط حتى اشتهر فيما بينهم أنه مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وقد عرفت أنه ليس كذلك.
(4) أي الحكم فيها للعرف فما يعده الناس كثيرًا بحيث إذا رأوا المصلي وهو يفعله خيل للناظر أنه=
@
راه راء يظن أنه خارج الصلاة.
ومنها تناول الثمار الساقطة (1)
قال الحموي: في الخانية وغيرها من المعتبرات أن ذلك إن كان بالمصر لا يسعه أن يتناول شيئًا منها، إلا أن يعلم أن صاحبها أباح ذلك نصا أو دلالة؛ لأن في الأمصار لا يكون ذلك مباحًا عادة وإن كان في الحائط يعني البستان، فإن كان الثمار مما تبقى ولا تفسد كالجوز واللوز لا يسعه أن يأخذه ما لم يعلم بالإذن، وإن كان الثمار مما لا تبقى قال بعضهم: لا يسعه أن يأخذ ما لم يعلم أن صاحبه أباح ذلك، وقال بعضهم: لا بأس به إذا لم يعلم النهي صريحًا أو دلالة وعليه الاعتماد. وإن كان ذلك في الرساتيق التي يقال لها مرابعة فإن كان من الثمار التي تبقى لا يسعه الأخذ إلا أن يعلم الإذن، وإن كان من الثمار التي لا تبقى اتفقوا على أنه يسعه أن يأخذ ما لم يعلم النهي. هذا في الثمار الساقطة من الأشجار فإن كان على الأشجار فالأفضل أن لا يأخذ من موضع لم يؤذن له إلا أن يكون ذلك في موضع كثير الثمار (2) يعلم أنهم لا يشحون بمثل ذلك فيسعه أن يأكل ولا يسعه أن يحمل؛ لكن في منظومة ابن وهبان ما يفيد أن المسألة خاصة بالأكل في الساقطة تحت الأشجار ومقتضى ما في الخانية أنه أعم من ذلك حيث قال: له أن يأخذ، والأخذ يعم الأكل والحمل. وأما ما على الأشجار فقد قيدها قاضي خان أن يأكل دون الحمل ولو كان معتبرًا في الأخذ (?) لبينه. انتهى.
وكذلك يعتبر العرف في إجارة الظئر (4) ومالا نص فيه من الأموال الربوية يعتبر فيه العرف في كونه كيليّا أو وزنيّا (5). وأما المنصوص على كيله أو وزنه
=لا يصلي تبطل الصلاة به فهذا مبني على العرف فتكون العادة محكمة. (?) العادة جرت على تسامح الناس في ذلك فالأولاد يأخذون البلح الساقط مثلا بجريان العادة بالتسامح فيه فالعادة محكمة.
(?) في (أ) و (ب) الأثمار.
(?) في (ب) الآخر.
(4) في (ب) النظير.
والظئر: الناقة تعطف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة التي تحضن ولد غيرها. وللرجل الحاضن أيضًا، ويجمع على أظار. اهـ (انظر القاموس المحيط 2 / 83).
(5) فما جهل حاله في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعلم أيكال في عهده أم يوزن حكم العرف =
@
فلا اعتبار للعرف فيه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافًا لأبي يوسف رحمه الله.
ومنها: قبول الهدية للقاضي (?) ممن له عادة بالإهداء له قبل توليته بشرط ألا يزيد على العادة، فإن زاد عليها رد الزائد والأكل من الطعام المقدم ضيافة بلا صريح الإذن (?).
ومنها: ألفاظ الواقفين تبنى على عرفهم كما في وقف فتح القدير، وكذا لفظ الناذر والموصي (?)
ويتعلق بهذه القاعدة مباحث:
المبحث الأول: بماذا ثبتت العادة؟ وفي ذلك فروع:
الأول: العادة في باب الحيض مختلف فيها فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا تثبت إلا بمرتين وعند أبي يوسف رحمه الله تثبت بمرة واحدة، قالوا: وعليه الفتوى.
الثاني: تعليم الكلب الصائد بترك أكله للصيد بأن يصير الترك عادة له وذلك بترك الأكل ثلاث مرات.
قال الحموي: أي: تعليم الكلب للصيد يتحقق بترك أكله للصيد ثلاث مرات وأما البازي فبالرجوع إذا دعوته والفهد بالرجوع وترك الأكل كما في الاختيار. انتهى.
=فيه وقد تغير العرف الآن فما كان بالكيل أصبح بالوزن والعكس، فالعادة محكمة مالم يكن منصوصًا عليه هذا هو الأصح.
(?) إذا لم تكن له عادة حرم الإهداء لأنه إنما أهدى إليه للقضاء.
(?) ذلك لأن وضع الطعام أمام الضيف قائم مقام الإذن عادة وعليه فالعادة محكمة والمعقول أن الضيف يملك الأكل بوضعه في الفم وليس بمجرد الوضع لأنه بمجرد الوضع في الفم أصبح مالكا وفي الأول كان مباحًا.
(?) فصيغ الوقف وغيرها تنزل على حسب العرف فلو قال: وقفت كذا على أهل السنة فهل أهل السنة المراد بهم من يعرفون الحديث وروايته أم أحدهما فقط.
المحكم في ذلك العرف فالعادة محكمة، وكذلك لو قال: أوصيت للمشايخ بكذا، فالمحكم في معرفة المشايخ العرف وكذلك الصيغ في النذر المحكم فيها العرف. وعليه فالعادة محكمة.
@
الثالث: قال المؤلف في الأصل: لم أر بماذا تثبت العادة بالإهداء للقاضي المقتضية للقبول.
قال الحموي: أقول: ذكر العلامة محمد السمديسي في كتابه الذي ألفه في القواعد أنها تثبت بمرة واحدة. انتهى.
المبحث الثاني: (إنما تعتبر العادة إذا اطردت (?) أو غلبت)
ولذا قالوا في البيع: لو باع بدراهم أو دنانير وكانا في بلد اختلفت فيها النقود مع الاختلاف في المالية والرواج انصرف البيع إلى الأغلب (2). قال في الهداية: لأنه هو المتعارف فينصرف المطلق إليه.
ومنها: لو باع التاجر في السوق شيئًا بثمن ولم يصرحا بحلول ولا تأجيل وكان المتعارف فيما بينهم أن البائع يأخذ كل جمعة قدرًا معلوما انصرف إليه بلا بيان. قالوا: لأن المعروف كالمشروط؛ ولكن إذا باعه المشتري تولية (?). ولم يبين التقسيط للمشتري هل يكون للمشتري الخيار؟ فمنهم من أثبته والجمهور على أنه يبيعه مرابحة بلا بيان لكونه حالا بالعقد. ذكره الزيلعي في التولية.
ومنها: في استئجار الكاتب قالوا الحبر عليه والأقلام (4). والخياط، قالوا: الخيط والإبرة عليه عملا بالعرف ومن هذا القبيل طعام العبد فإنه على المستأجر بخلاف علف الدابة فإنه على المؤجر حتى لو شرط على المستأجر فسدت كما في البزازية بخلاف استئجار الظئر بطعامها وكسوتها فإنه جائز وإن كان مجهولاً للعرف.
قال الحموي: أي: بشرط الطعام والكسوة على المستأجر فإنه لا يفسد عقد
(1) يعني سادت وعمت.
(?) لأنه المتعارف فينصرف المطلق إليه.
(?) التولية في الشرع هي: بيع ما ملكه بما قام عليه بلا زيادة فإذا اشترى كتابا بعشرة مثلا ثم باعه بها فهذا بيع تولية، كأن البائع جعل للمشتري ولاية على المبيع.
وبيع المرابحة هي: بيع ما ملكه بما قام عليه بزيادة.
ويشترط في التولية والمرابحة كون الثمن الذي ملك المبيع به مما له مثل فإذا كان الثمن ثوبا أو حيواناً لم يجز للجهالة.
(4) (الأقلام) غير موجودة في (أ) و (ب).
@
الإجارة للعرف هذا هو المراد و به تظهر المخالفة. انتهى.
وتفرع على أن علف الدابة على مالكها دون المستأجر لأن (1) المستأجر لو تركها بلا علف حتى ماتت جوعًا لم يضمن كما في البزازية.
ومنها: ما في وقف القنية بعث شمعًا في شهر رمضان إلى مسجد فاحترق وبقي منه ثلثه أو دونه ليس للإمام ولا للمؤذن أن يأخذه بغير إذن الدافع، ولو كان العرف في ذلك الموضع ذلك الموضع أن الإمام أو المؤذن يأخذه من غير صريح الإذن في ذلك فله ذلك (2). انتهى.
ومنها: البطالة في المدارس (?)، كأيام الأعياد ويوم عاشوراء وشهر رمضان في دروس الفقه لم أرها صريحة في كلامهم والمسألة على وجهين فإن كانت مشروطة لم يسقط من المعلوم شيء وإلا فينبغي أن تلحق ببطالة القاضي.
وقد اختلفوا في أخذ القاضي ما رتب له من (4) بيت المال في يوم بطالته، فقال في المحيط: إنه يأخذه يوم بطالته لأنه يستريح لليوم الثاني وقيل لا يأخذ. انتهى.
وفي المنية: القاضي يستحق الكفاية من بيت المال في يوم البطالة في الأصح واختاره في منظومة ابن وهبان، وقال إنه الأظهر فينبغي أن يكون كذلك في المدارس لأن يوم البطالة للاستراحة وفي الحقيقة للمطالعة والتحرير عند
(?) في (ب) أن.
"
(?) قوله: (يأخذ من غير صريح الإذن ينبغي أنه لو نهاه عن أخذه لا يحل له كما لا يخفى لأن العادة لا تعارض الصريح والشمع باق على ملك من بعثه وإنما العادة سوغت أخذه بلا صريح الإذن، والنظر لو كان الشمع من مال الواقف والظاهر أنه يعتبر العادة في زمن الواقف ولكن يشكل الأمر لو جهل ما في زمنه وهي حادثة الفتوى، فهل تعتبر العادة أم لا، بناءً على أنه لا يحل تناوله ما لم يتحقق ما يسوغه وقد جهل وهو محل تردد فليراجع. اهـ نزهة النواظر (104).
(?) قوله: (ومنها البطالة في المدارس إلخ ... ) سئل أبو السعود في أن المدرس المولى هل يأخذ الوظيفة في يوم تقليد التدريس أو من يوم بلاغ الخبر إلى المعزول ولأيهما القول؛ إذا اختلفا في يوم بلاغه، فأجاب بأن الأصل أنه إنما يأخذ الوظيفة في يوم شروعه في الدراسة، خلا أن المدرسة إذا كانت بعيدة يحتسب الأيام المصروفة إلى ترتيب المبادىء الضرورية للدراسة وتلحق بأيام الدراسة في استحقاق الوظيفة، هذا وإن المدرس لا ينعزل إلا عند بلوغ الخبر والقول قوله. اهـ مصطفى جلبي. اهـ نزهة النواظر (104).
(4) في (أ) و (ب) في.
@
ذوي الهمة.
قال الحموي: في الذخيرة قال أبو الليث من يأخذ الأجرة من الطلبة في يوم لا درس فيه أرجو أن يكون جائزا. انتهى.
قيل: وهذا النقل عن المشايخ يكفي لنا؛ لكن ليس هذا على إطلاقه؛ بل مقيد بما إذا كان مشتغلا بنوع تحصيل من العلم على ما نص عليه الإمام العتابي في فتاويه ولعل إطلاق الفقيه أبي الليث بناءً على أن طالب العلم لا يخلو عن نوع تحصيل.
فائدة: نقل في القنية (1) أن إمام المسجد يسامح في كل شهر أسبوعا للاستراحة ولزيارة أهله.
(1) قوله: (نقل) في القنية ... الخ) ليس في عبارته أن يسامح بذلك في كل شهر كما ترى ولا فيها ما يدل على ذلك أصلا، وفي شرح المنية للحلبي آخر الكتاب ذكر أن الظاهر أن المراد في كل سنة. اهـ (نزهة النواظر / 105)
@
فصل: (في تعارض العرف مع الشرع)
فإذا تعارضا قدّم عرف الاستعمال خصوصا في الأيمان.
فإذا حلف لا يجلس على الفراش أو على البساط أو لا يستضيء بالسراج لم يحنث بجلوسه على الأرض ولا بالاستضاءة بالشمس ولو سماها الله تعالى فراشا وبساطا وسمى الشمس سراجا.
ولو حلف لا يأكل لحما لم يحنث بأكل السمك وإن سماه الله تعالى لحما في القرآن.
ولو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء لم يحنث وإن سماها الله تعالى سقفًا.
إلا في مسائل:
الأولى: لو حلف لا يصلي (1) لم يحنث بصلاة الجنازة (2) كما في عامة الكتب.
الثانية: لو حلف لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك وإنما يحنث بصوم ساعة بعد الفجر بنية من أهله (?).
الثالثة: لو حلف لا ينكح فلانة حنث بالعقد لأنه نكاح شرعًا لا بالوطء كما في كشف سرار، بخلاف لا ينكح زوجته فإنه للوطء.
الرابعة: لو قال لها إن رأيت الهلال فأنت طالق فعلمت به من غير رؤية ينبغي أن يقع (4)؛ لكون الشارع استعمل الرؤية فيه بمعنى العلم في قوله عليه
(1) قوله: (لو حلف لا يصلي ... إلخ) أقول كون هذه المسائل خالف فيها العرف الشرع فيه نظر بل الظاهر توافقهما فيها سوى المسألة الرابعة. اهـ نزهة النواظر (ص106).
(?) أي لم يحنث إلا بالصلاة ذات الركوع والسجود لأن الصلاة تحمل على المعنى الشرعي وهي عبارة عن أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم.
(?) وذلك لأن الصوم تعلق به حكم شرعي فلا يحنث إلا به.
(4) قوله: (ينبغي أن يقع غير مُسَلَّم، قال الحموي: قال بعض المحققين من مشايخنا هذه المسألة رأيتها في المسائل المختصرة من القواعد الصغرى للشيخ ابن عبد السلام وقال طلقت=
@
الصلاة السلام: «صوموا لرؤيته (?) فلو كان الشرع يقتضي الخصوص واللفظ يقتضي العموم اعتبرنا خصوص الشرع وقالوا لو أوصى لأقاربه لا يدخل الوارث اعتبارًا خصوص الشرع (2) ولا يدخل الوالدان والولد للعرف.
قال الحموي: قيل: هذا فيما لو أوصى لأقارب نفسه. أما لو أوصى لأقارب أن لا يخرج الوارث فليتأمل. وقوله: ولا يدخل الوالدان والولد فلان ينبغي للعرف في الخانية: وقف على ذوي قرابته لم يدخل والده وولده وجده.
رجل قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على أقاربي أو ذوي قرابتي. قال هلال يصح الوقف والذكر والأنثى سواء، ولا يدخل فيه والد الواقف ولا جده ولا ولده. انتهى.
فصل: (في تعارض العرف مع اللغة)
صرح الزيلعي وغيره أن الأيمان مبنية على العرف لا على الحقائق اللغوية.
وعليها فروع:
منها: لو حلف لا يأكل الخبز حنث بما يعتاده أهل بلده، ففي القاهرة لا يحنث إلا بخبز البر، وفي طبرستان ينصرف إلى خبز الأرز، وفي زبيد إلى خبز
= عند الشافعي رحمه الله حملا للرؤية على العرف وهذا خلاف الوضع وعرف الاستعمال، وخالف أبو حنيفة رحمه الله في ذلك. واستدل الشافعي رحمه الله بصحة قول الناس رأينا الهلال وإن لم يره كلهم، وجوابه أن قول الناس رأينا الهلال مجاز نسبة فعل البعض إلى الكل كقول امرىء القيس فإن تقتلونا نقتلكم معناه فإن تقتلوا بعضنا نقتلكم وليس ما استدلّ به الشافعي رحمه الله بما مر بمحل النزاع فإن مجاز محل النزاع لا يشهد بما ذكر فإنه علقه على نفس رؤيتها وهي واحدة لا ينسب إليها ما وجد في غيرها واستدلال نوع آخر من المجاز لا يناسبه ولا يوافقه فليتأمل. وقال الحصيري في التحرير: حلف لا يرى هلال كذا بالكوفة فكان بها ولم ير الهلال حنث؛ لأنه عبارة عن الكينونة في ذلك الوقت. ثم قال: ولو نوى حقيقة الرؤية صدق لأنه حقيقة وليس بمهجورة. اهـ. غمز عيون البصائر للحموي 303/1).
(?) هذا جزء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين أخرجه البخاري في كتاب الصوم (1909/4) ومسلم في كتاب الصوم (????).
(?) الأقارب عام يتناول من يرث ومن لا يرث، ولكن لما ارتبطت الوصية بغير الوارث بتخصيص الشرع بقوله لا وصية لوارث قدم على العرف اللغوي.
@
الذرة والدخن، ولو أكل الحالف خلاف ما عندهم من الخبز لم يحنث، ولم يحنث بأكل القطائف عندهم إلا بالنية.
ومنها: الشواء والطبيخ على اللحم فلا يحنث بالباذنجان والجزر المشوي، ولا يحنث بالمزورة ولا بالأرز المطبوخ بالسمن بخلاف المطبوخ بالدهن ولا بقلية يابسة.
ومنها: الرأس ما يباع في مصره فلا يحنث إلا برأس الغنم.
ومنها: لو حلف لا يدخل بيتا فدخل بيعة أو كنيسة أو بيت نار أو الكعبة لم يحنث.
المبحث الثالث: (العادة المطردة، هل تنزل منزلة الشرط؟)
قال في إجارة الظهيرية والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. انتهى.
وقالوا في الإجارات: لو دفع ثوبا إلى خياط ليخيطه له أو إلى صباغ ليصبغه له ولم يعين له أجرًا، ثم اختلفا في الأجر وعدمه، وقد جرت عادته بالعمل بالأجرة، فهل ينزل منزلة شرط الأجرة؟ فيه اختلاف قال الإمام الأعظم: لا أجرة له، وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان الصانع حريفا له، أي: معاملا فله الأجر وإلا لا. وقال محمد رحمه الله: إن كان الصانع معروفًا بهذه الصنعة بالأجر وقيام حاله بها كان القول قوله وإلا فلا اعتبارًا للظاهر المعتاد. وقال الزيلعي والفتوى على قول محمد رحمه الله. انتهى.
ولا خصوصية لصانع؛ بل كل صانع نصب نفسه للعمل بأجر فإن السكوت کالاشتراط.
ومن هذا القبيل نزول الخان ودخول الحمام والدلال كما في البزازية.
ومن هذا القبيل المعد للاستغلال كما في الملتقط؛ لذا قالوا: المعروف كالمشروط (?)، فعلى المفتى به صارت عادته كالمشروطة صريحًا.
(1) قوله: (المعروف كالمشروط. . . إلخ) قال المصنف في الأصل: والعارية إذا اشترط فيها الضمان على المستعير تصير مضمونة عندنا في رواية ذكره الزيلعي وجزم به في الجوهرة ولم يقل في رواية لكن نقل بعده فرع البزازية عن الينابيع، ثم قال: وأما الوديعة والعين المؤجرة فلا يضمنان بحال. اهـ.
وهكذا فإنه من الثابت الشائع أن الشيء المعتاد والمتعارف لدى الناس في المعاملات يلزم =
@
ومما تفرع على أن المعروف كالمشروط:
لو جهز الأب ابنته جهازًا ودفعه لها ثم ادعى أنه عارية ولا بينة. ففيه اختلاف، والمختار للفتوى أنه إن كان العرف مستمرا أن الأب يدفع ذلك الجهاز ملكًا لا عارية لم يقبل قوله، وإن كان العرف مشتركا فالقول للأب كذا في شرح منظومة ابن وهبان.
قال الحموي: قيل: هذا مقيد بما إذا كان الأب يدفع الكل عارية أما لو جرت العادة بدفع البعض فلا وهذا التقييد لطيف نص عليه في جامع المضمرات. انتهى.
وفي الملتقط من البيوع وعن أبي القاسم الصفار: الأشياء على ظاهر ما جرت به العادة فإن كان الغالب الحلال في الأسواق لم يجب السؤال، وإن كان الغالب الحرام في وقت أو كان الرجل يأخذ المال من حيث وجده ولا يتأمل في الحلال والحرام فالسؤال عنه حسن. انتهى.
وفيه أيضا أن دخول البردعة والإكاف (?) في بيع الحمار يبنى على العرف وفيه أيضا أن حمل الأجير الأحمال إلى داخل الباب مبني على التعارف ذكره في الإجارات.
ومما بنوه على العرف أن أكثر أهل السوق (?) إذا استأجروا حارسًا وكره الباقون فإن الأجرة تؤخذ من الكل، وكذا في منافع القرية وتمامه في منية المفتي، وفيها: لو دفع غزلاً إلى حائك لينسجه بالنصف جوزه مشايخ بخاري وأبو الليث وغيرهم للعرف. انتهى.
وقد تمت القواعد الكلية وهي الست المتقدمة وما بعدها قواعد كلية يتخرج عليها مالا ينحصر من الصور الجزئية وهي تسع عشرة قاعدة وبها تتم القواعد فيكون عددها خمسا وعشرين. وهذه أولها:
= المتعاقدين كما لو نص عليه نصًا صريحًا في العقد. ولقد جعلوا هذا المعنى قاعدة ثابتة وعبروا عنها بألفاظ مختلفة فقالوا: الثابت بالعرف كالثابت بالنص. وقالوا: المعلوم بالعرف كالمشروط بالنص. وقالوا: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وقالوا: المعتاد كالمشروط.
(?) الإكاف والوكاف بردعة الحمار وجمعها أكفة وأكف. انظر القاموس (???/?).
(?) قوله: (أن اكثر أهل السوق ... إلخ) قال الحموي: وكذا لو استأجر رئيس السوق، وقد أفتى بذلك المصنف رحمه الله تعالى. اهـ.
@
القاعدة السابعة
الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد (?))
ودليلها الإجماع (?) وقد حكم أبوبكر رضي الله عنه في مسائل (?) وخالفه
(?) الاجتهاد عند الأصوليين: هو استفراغ المجتهد وسعه للوصول إلى حكم شرعي، والاجتهاد الفقهي له شروط منها:
أن يكون عالما باللغة العربية، وأبواب الفقه ومواضع الآيات في سورها وعالما بأحاديث الأحكام في مواطنها.
والمجتهد إما أن يكون مجتهدا مطلقا وهو الذي يشتغل بقواعد لنفسه يبني عليها الأحكام في أدلة الشرع، وأن تتوفر فيه شروط المجتهد.
وإما أن يكون مجتهد فتوى: وهو من يتبحر في مذهب إمامه، ويتمكن من ترجيح قول على آخر مع التوجيه.
وإما أن يكون مجتهد مذهب: وهو المقلد لإمامه فيما ظهر فيه نصه، لكنه يعرف قواعد إمامه وما يبني عليه مذهبه.
والاجتهاد يتجزأ فقد يكون مجتهدا في الأحوال الشخصية، وقد يكون في الجنايات وغير ذلك والمراد بالاجتهاد هنا إعمال الذهن للوصول إلى مطلوب.
قوله (لا ينقض بالاجتهاد هو أعم من الاجتهاد الأصولي، فإذا وجد اجتهادًا ثم تغير هذا الاجتهاد باجتهاد آخر فالاجتهاد الثاني لا يبطل الأول. ولكن يعمل بالثاني في المستقبل.
(?) الإجماع: هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الاسلامية وهو حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات والدماء والفروج وغير ذلك وهو لغة يطلق على أمرين
أحدهما: العزم على شيء ومنه قوله تعالى (نَاحِمُوا أَمْرَكُمْ أي اعزموا. وثانيهما: الاتفاق يقال: أجمع القوم على كذا أي اتفقوا عليه وانظر القاموس المحيط مادة جمع (15/3) وشرعا: هو اتفاق علماء العصر على حكم حادثة.
والإجماع هنا: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
(?) منها: أن أبا بكر رضي الله عنه كان يسوي بين الناس في الأعطيات لا فرق بين من له ميزة وغيره، ولا من قاتل مع رسول الله له ولا من لم يقاتل معه، ومستنده في ذلك أن ما يأخذونه من بيت المال أمر دنيوي والناس فيما يرتبط في الدنيا، سواء، ويدع أمر دينهم إلى الله تعالى، أما سيدنا عمر فقد قال: والله لا أسوي من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من قاتل معه، ففضل الذين لهم فضل وسبق وزاد لهم في العطية، ولكن لم يبطل ما عمله أبو بكر، بل ظل على ما هو عليه. فدل ذلك على أن الاجتهاد الثاني لم ينقض الاجتهاد الأول.
ومنها أن عمر حكم في المشركة بعدم المشاركة، ثم حكم بالمشاركة، وقال: ذلك على ما =
@