الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
رب تمم بالخير
الحمد لله الذي وفقنا لدينه القويم وهدانا إلى صراطه المستقيم وأنعم علينا بإنعامه العميم وسهل علينا معرفة التحليل والتحريم المستخرج من كتابه الكريم وسنة نبيه المستحق للتبجيل والتكريم والتشريف والتعظيم وجعل الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين إلى سبيل الحق هادين وأخلفهم علماء إلى سَننِ سُنتهم داعين ولطريق الحق مبينين ولمتشابه كتابه موضحين.
أحمده حمد من أقر بوحدانيته وأثني عليه ثناء من اعترف بفردانيته وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أتحصن بها من سطوته وأتوصل بها إلى تحصيل جنته وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار من أنبيائه وأهل صفوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعِتْرَته.
الجزء 1 · صفحة 8
وبعد: يقول العبد الضعيف المفتقر إلى رحمته محمود بن أحمد بن عبد السيّد الحَصِيريُّ رحمه الله: كنت شرحت هذا الكتاب من غير إطناب ولا إسهاب بل هو صغير الحجم كبير الرسم كثير المسائل وافر الدلائل غير أنه موجز غاية الإيجاز معجز غاية الإعجاز وكان من تقدمني من الأئمة والسادة المشهورين رضوان الله عليهم أجمعين قد شرحوا هذا الكتاب شروحا لا منتهى لعددها ولا ضابط لمددها غير أن منهم من طول غاية التطويل ومنهم من أجمل عند الحاجة إلى التفصيل ومنهم من اعتنى بالأمرين جميعا غير أنه لا يبالغ في التحقيق ولا يلزم الترتيب والتلفيق فسألني من وجبت إجابته وحسنت طريقته وقويت فطنته وعلت همته إلى تحصيل الأمور الدينية والمناصب الدنيوية أن أكتب له ثانيا شرح الجامع الكبير المشتمل على كل علم شريف خطير محررا لمعانيه ومقررا لمبانيه وأن أضم إليه ما في الكتب من أجناسه ليكون ذلك تسهيلا لاقتباسه وتشييدا لأساسه وأن أوضح المسائل الحسابيات بكثرة الطرق وتوسعة العبارات وأن أحقق المسائل الخلافيات ومواضع الاختيارات بالأدلة المطولات والعبارات المحررات. فأجبته إلى مراده وجليت عنه صدى فؤاده رجاء الأجر الجزيل والذكر الجميل.
وسميته: التحرير في شرح الجامع الكبير والله الموفق لإتمامه والمسهل لاختتامه وهو حسبنا ونعم الوكيل والله أعلم.
باب الصلاة
أصل الباب: أن الشركة متى وقعت بين الإمام والمقتدي أو بين المقتدين في ابتداء التحريمة تبقى ما بقي شيء من أفعال الصلاة لأن التحريمة لا تراد لعينها وإنما تراد لغيرها وهي الصلاة فما بقي شيء من أفعال الصلاة تبقى التحريمة.
والشركة متى وقعت في أثناء الصلاة تنتهي بانتهاء ما بقي من أفعال صلاة الإمام لأن المقتدي التزم على نفسه ما على الإمام وإنما بتحقيق الالتزام في المستقبل لا في ما مضى.
الجزء 1 · صفحة 9
وحرفٌ آخر: أن اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز؛ لأنّ الاقتداء بناء على سبيل المشاركة وإنما يستقيم بناء الموجود على الموجود ولو صح اقتداء المفترض بالمتنفل كان بناء الموجود على المعدوم في صفة الفرضية وأنّه لا يجوز.
وحرفٌ آخر: أن المُغَيَّر إذا صادف محلا قابلا للتغيير يعمل عمله وإلا فلا.
إذا عرفنا هذا: قال محمد رحمه الله: المرأة إذا حاذت الرجل في صلاة مطلقة مشتركة وهي مشتهاة بأن أدركا أول الصلاة ثم أحدثا وتوضآ فلما جاءا فرغ الإمام من الصلاة وحاذت المرأة الرجل في القضاء فسدت صلاة الرجل عندنا؛ خلافا للشافعي رحمه الله هو يقول: المحاذاة لا توجب فساد صلاة المرأة فلا توجب فساد صلاة الرجل والجامع أن المحاذاة لا تُخِل بشيء من أركان الصلاة ولا بشيء من أفعالها وصارت كالمحاذاة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة ولو فسدت الصلاة بالمحاذاة لكان الأولى أن تفسد صلاتها لأنها منهية عن الخروج إلى الجماعة والاختلاط بالصفوف.
وإنا نقول: الرجل أخطأ مكانه فتفسد صلاته كما لو تقدم على الإمام وإنما قلنا إنه أخطأ مكانه لأن مكانه أن يكون أمام المرأة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أخروهن من حيث أخرهن الله» أمر بتأخيرها عن المكان لأن حيث من أسماء المكان ولا مكان يجب التأخير فيه سوى مكان الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 10
أما عندكم فلأنه لا يجب التأخير في مكان ما ونحن نوافقكم في غير الصلاة ولئن كان مكان آخر يجب التأخير فيه يتناول الكل بعمومه ولأن حالة الصلاة حالة المناجاة فلا ينبغي أن يخطر بباله شيء من معاني الشهوة ومحاذاة المرأة إياه لا تنفك عن ذلك فصار الأمر بتأخيرها من فرائض الصلاة فإذا تركه تفسد صلاته ولهذا لا تفسد صلاتها لأنه هو المخاطب بتأخيرها ويمكنه أن يؤخرها من غير أن تتأخر بأن يتقدم ولهذا لا تفسد صلاة الجنازة لأنها ليست بصلاة مطلقة. هي مناجاة بل هي قضاء لحق الميت ثم ليس لها في الصلاة على الجنازة مقام مكان لكونها منهية عن الخروج في الجنازة وإنما لا تفسد سجدة التلاوة لانعدام الشركة.
و لا يقال بأن وجوب التأخير ثبت بالحديث وأنه يوجب العمل دون العلم فلا يوجب فساد الصلاة كما لا تفسد بترك قراءة الفاتحة وتعديل الأركان وغيره لأنّا نقول ما ثبت بكتاب الله - عز وجل - ثم ورد الحديث بثبوت وصف زائد كقراءة الفاتحة وتعديل الأركان والتقريب ونحو ذلك فتركه لا يوجب فساد الصلاة ولا يلزم العمل به لأنه يؤدي إلى نسخ الكتاب.
أما ما عرف ثبوته بالحديث فتركه يوجب فساد الصلاة كالكلام العمد والقهقهة والاشتغال بقضاء ما سبق قبل متابعة الإمام وترك قراءة الفاتحة عندكم.
ولأنه فرض في الصلاة وإنما نسميه واجبا توسع لأنه ثبت بدليل مقطوع به لا شبهة لأنّ شرطيته ثبتت بالحديث المشهور وهو في حق وجوب العمل بمنزلة المتواتر والدلائل القطعية ولهذا يجوز نسخ الكتاب والخبر المتواتر؛ لأنّه في الطرف الثاني بمنزلة المتواتر؛ لأنّه ثبت أنّه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - بإجماع الأمة وهذا إذا نوى الإمام إمامتها أما إذا لم ينو لا يصح اقتداءها عندنا فلا تفسد صلاته وعند زفر رحمه الله يصح كالرجل وكما في الجمعةوالعيدين.
الجزء 1 · صفحة 11
ولنا أن الرجل يلحق صلاته فساد من جهتها على ما عرف فيتوقف على التزامه أو التزام من ولي عليه وفي الجمعة والعيدين أكثر مشايخنا على أنه لا يصح اقتداؤها ما لم ينو إمامتها وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب ومنهم من سلم فقال: الضرورة في جانبها هاهنا فإنها لا تقدر على الأداء وحدها ولا تجد إماما آخر تقتدي به والظاهر أنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هذه الصلاة لكثرة الازدحام فصححنا صلاتها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنها إذا اقتدت ووقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها بهوإن لم ينو الإمام إمامتها ثم إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاته.
وشرط المحاذاة أن لا يكون بينهما فاصل فإن كان بينهما مقدار ما يقوم فيه رجل آخر أو اسطوانةلا تفسد صلاته وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إن كان بينهما مقدار مؤخرة الرحل لا تفسد صلاته وإننوت التطوع خلف المفترض وحاذته تفسد صلاته لصحة الاقتداء فوجدت المحاذاة في صلاة مطلقة مشتركة وعليها قضاء التطوع لأن الفساد بعد صحة الشروع لفساد صلاة الإمام.
وإن نوت فرضا آخر لم تجز صلاتها ولم تفسد صلاته لأن تغاير الفرضين يمنع صحة الاقتداء فهذا يدل على أنها لا تصير شارعة في صلاة الإمام أصلا وهي رواية باب الحدث و ذكر في باب الأذان أنها تصير شارعة في التطوع فمعنى ما ذكر في باب الحدث أنه لم ينو إمامتها حتى لا تصير شارعة في صلاته.
وقيل ما ذكر في باب الأذان قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله بناء على أصلهما أن أصل الصلاة تنفصل عن الجهة ابتداء وبقاء كما قالا في مصلى الجمعة إذا خرج وقتها ثم قهقه وما ذكر في باب الحدث قول محمد رحمه الله بناء على أن للصلاة جهة واحدة عنده فيكون فساد صلاته بالمحاذاة على الروايتين.
الجزء 1 · صفحة 12
وتكلموا في حد المشتهاة قال بعضهم: سبع سنين وقال بعضهم: تسع سنين والأصح أنه لا معتبر بالسن إن كانت عَبْلَةٌ ضخمة تحتمل الجماع فهي مشتهاة وإلا فلا.
إذا ثبت هذا فنقول وجدت المحاذاة في صلاة مشتركة لأن اللاحق كأنه خلف الإمام لما قلنا أن الشركة متى وقعت في ابتداء التحريمة تبقى ما بقي شيء من أفعال الصلاة ولهذا لا يجب عليه القرآءة والسهو هذا إذا كانا لاحقين ولو كانا مسبوقين فحاذته في قضاء ما سبقا لا تفسد صلاته لأنه كالمنفرد لما قلنا أن الشركة متى وقعت في أثناء صلاة الإمام تنتهي بانتهاء صلاته ولهذا يجب عليه القرآءة والسهو.
فإن قيل: لو كان المسبوق كالمنفرد وجب أن يجوز الاقتداء به قلنا: الإقتداء بناء تحريمته على تحريمة الإمام وهو بان في التحريمة فلا يجوز الاقتداء به لكنه منفرد في حق الأفعال والأقوال فيلزمه ما يلزم المنفرد.
فإن قيل: إذا كان مقتديا من وجه وجب أن تفسد الصلاة بالمحاذاة احتياطا قلنا: إنّما يلحق الثابت من وجه بالثابت من كل وجه في حكم ثبت على موافقة القياس والفساد بالمحاذاة ثبت على خلاف القياس بالنص والنص ورد في صلاة واحدة من كل وجه لا في الصلاة من وجه.
ولو تحاذيا في الطريق اختلف المشايخ رحمهم الله فيه والأصح أنها لا تفسد وهو اختيار الفقيه أبي الليثرحمه الله لأنهما مشتغلان بإصلاح الصلاة لا بالصلاة.
قال محمد رحمه الله: ألا ترى أن المسبوق إذا سهى يلزمه السهو دون صاحبه عنى بقوله لزمه السهو أنّه منفرد؛ لأنه لو كان مقتديا لما لزمه وبقوله دون صاحبه أن صاحبه ليس بمشارك له فإنه يجوز أن يكون منفردا وغيره مشاركا له كالإمام مع المقتدي لأن المرأة لو اقتدت وقد نوي امامتها ثم حاذته فسدت صلاته وإن كان منفردا لكونها مشاركة له وغرض محمد رحمه الله نفي المشاركة عن صلاة المسبوق بإثبات الانفراد بقوله عليه السهو ونفي الشركة بقوله: دون صاحبه.
الجزء 1 · صفحة 13
والفرق بين اللاحق والمسبوق بمسائل منها: إذا صلى بالتحري وخلفه لاحق ومسبوق فعلما بالقبلة بعد فراغه تفسد صلاة اللاحق دون صلاة المسبوق.
ومنها: أن نية اللاحق الإقامة بعد فراغ الإمام المسافر لا تعتبر في حق هذه الصلاة لأنه لو نوى إمامه الإقامة في هذه الحالة لا تعتبر نيته ونية المسبوق معتبرة بخلاف ما إذا نوى قبل فراغ الإمام لأن نية إمامه معتبرة فكذا نيته.
ومنها: أن اللاحق إذا سبقه الحدث بعد فراغ الإمام ودخل مصره للوضوء لا يتغير فرضه ولو كان مسبوقا يتغير ويتم أربعا و اقتديا به في الشفع الثاني وناما أو أحدثا وتوضآ وجاءا بعد فراغ الإمام فإن حاذته في الأولى أو الثانية وهي ثالثته أو رابعته تفسد صلاته لأنهما لاحقان فيها ولو حاذته في الثالثة أو الرابعة وهي الأولى أو الثانية للإمام لا تفسد لأنهما مسبوقان فيها.
والطائفة الأولى في صلاة الخوف يقضون بغير قرآءة لأنهم لاحقون وتفسد المحاذاة صلاتهم والطائفة الثانية يقضون بقرآءة لأنهم مسبوقون ولا تفسد صلاتهم بالمحاذاة.
وهذه المسألة تدل على أن المرأة في البناء عند سبق الحدث كالرجل حتى لو كشفت ذراعها ورأسها لا تفسد صلاتها لأنّه لا يمكن غسل الذراعين من غير كشف إلا بحرج وغسلهما فرض فجعل عفوا إما في كشف العورة الغليظة للاستنجاء تفسد لأنه سنة ثم المرأة الواحدة تفسد صلاة ثلاثة: واحد عن يمينها وواحد عن يسارها وواحد خلفها.
فإن كان صفا تاما من النساء وراءهن صفوف من الرجال فسدت صلاة تلك الصفوف كلها استحسانا وفي القياس لا تفسد إلا صلاة صف واحد خلفهن كالمرأة الواحدة.
الجزء 1 · صفحة 14
وأما المرأتان والثلاث فالمروي عن محمد رحمه الله أن المرأتين تفسدان صلاة أربعة: من على يمينهما ومن على يسارهما ومن خلفهما بحذائهما والثلاث يفسدن صلاة من على يمينهن ومن على يسارهن وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف لأن الثلاث جمع متفق عليه فهو كالصف التام بخلاف المثنى وعن أبي يوسف رحمه الله أنه جعل الثلاث كالاثنين وقال: لا يفسدن إلا صلاة خمسة لأن الأثر جاء في الصف التام وعنه أنه جعل المثنى كالثلاث فيفسدان صلاة من على يمينهما ومن على يسارهما ورجلين رجلين إلى آخر الصفوف لأن للمثنى حكم الثلاث في الاصطفاف حتى يتقدم الإمام عليهما وللحديث المعروف اقتداء المقيم بالمسافر يجوز في الوقت وبعده لأن فرض المقيم أربع ركعات لا يتغير بالاقتداء فيكون اقتداء المتنفل بالمفترض واقتداء المفترض بالمفترض وإذا فرغ المسافر يقوم المقيم لإتمام صلاته ولا يقرأ رواية واحدة لأن فرض القرآءة في الأوليين وقد أتى به الإمام في محله فتكون قرآءة الإمام قرآءة له وذكر في الأصل ما يدل على وجوب القرآءة وجعله كالمسبوق فإنه قال يتابع الإمام في سجود السهو ولو سهى فيما يقضي يسجد لأنه غير مقتد فيما يتم وكيف يكون مقتديا ولو صلى الإمام أخريين يكون متنفلا فلو جعلناه مقتديا يكون اقتداء المفترض بالمتنفل.
وذكر الكرخي رحمه الله في مختصره: أنه يتابع الإمام في السهو ولا يسجد لسهوه؛ لأنه أدرك أول صلاته فيكون تبعا له فيما يؤدي كاللاحق.
الجزء 1 · صفحة 15
واقتداء المسافر بالمقيم إن كان فرضا لا يتغير بالسفر يجوز في الوقت وبعده وإن كان فرضا يتغير إن كان في الوقت يجوز وإن كان خارج الوقت لا يجوز لأنه إذا كان في الوقت ففرضه لم يتقرر ركعتين فجاز أن يتغير بمغيروقد وجد المغير وهو الاقتداء بالمقيم ولهذا يتغير بنية الإقامة ولأن المغير اتصل بالأداء إلا أن هنا إذا فسدت صلاته يصلي ركعتين لأنه بعد الاقتداء بقي مسافرا وصلاة المسافر ركعتان وإنما يلزمه الأربع بالتزامه المتابعة وقد انقطعت بخلاف ما إذا اقتدى به بنية التطوع ثم أفسد حيث يلزمه قضاء الأربع لأنه شرع ملتزما وهاهنا شرع مسقطا ألا ترى أنّه لو نوى الإمام المسافر الإقامة في خلال الصلاة يصير فرض المسافر خلفه أربعا لالتزام المتابعة فهاهنا أولى وهذا بخلاف ما إذا أحدث الإمام المسافر واستخلف مسافرا فنوى الخليفة الإقامة لا تصير صلاة المسافرين خلفه أربعا لأنهم ما التزموا متابعته وإنما لزمهم ذلك ضرورة إصلاح صلاتهم ففيما وراء ذلك ليس عليهم متابعته ولهذا لو استخلف مقيما لا يتغير فرضهم وهذا4وإن كان يصير اقتداء المسافر بالمقيم والمعترض في الصلاة كالمقارن إلا أنّ اقتداء المسافر بالمقيم إنما لا يصح لأنه اقتداء المفترض بالمتنفل لما ذكرنا وهنا ليس كذلك لأن المسافر الذي نوى الإقامة أو المقيم الذي هو خليفة المسافر يجب عليه إتمام صلاته أولا حتى لو ترك القرآءة في الأوليين أو في إحداهما أو ترك القعدة الأولى فسدت صلاته وصلاة القوم فيصير هذا اقتداء مفترض بمفترض؛ فيجوز أما إذا كان خارج الوقت ففرضه تقرر ركعتين فلا يتغير بالاقتداء كما لا يتغير بنية الإقامة فيكون اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة إن كان في الشفع الأول وفي القرآءة إن كان في الشفع الثاني ولأن المغير لم يتصل بالأداء فلا يتغير فإذا لم يتغير الأداء الذي
الجزء 1 · صفحة 16
هو أصل لا يتغير القضاء الذي هو خلفه ضرورة ولا يلزم على ما ذكرنا إذا ترك القرآءة في الشفع الأول فقضاها في الشفع الثاني فإنه لا يجوز وإن كانت القرآءة فرضا على الإمام لأن القرآءة فرض عليه قضاء فيلتحق بمحلها فيخلو الشفع الثاني عن القراءة حكما ألا ترى أنه لو لم يقرأ في الأوليين ثم اقتدى به إنسان فقرأ في الأخريين وقام المسبوق إلى قضاء ما سبق يلزمه القراءة ولو لم يقرأه تفسد صلاته لأن الإمام قرأ قضاء فكأنه قرأ في الأوليين بخلاف المقيم خلف المسافر فإن القراءة من الإمام في الأوليين كان أداء والمقيم شريكه فيهما لا يلزم على ما ذكرنا اقتداء المتنفل بالمتفرض في الشفع الثاني فإنه يجوز ويقرأ فيما سبق وأنّه اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة لأنه لما اقتدى به والنفل تبع للفرض أخذت هذه الصلاة حكم الفرض تحقيقا للتبعية ولهذا يلزمه قضاء الشفع الأول وإن لم يدركه مع الإمام وإذا أخذت حكم الفرض صارت القراءة نفلا في حقه أيضا فكان اقتداء المتنفل بالمتنفل معنى في القراءة ولأنه التزم بالشروع صلاة لا قراءة فيها فيلزمه كذلك.
وفرق آخر: وهوأن بناء صلاة الإقامة على صلاة السفر جائز فإن المسافر لو نوى الإقامة أو شرع في الصلاة في السفينة ودخلت السفينة مصره صار فرضه أربعا فكذلك يجوز بناء صلاة المقيم على صلاة المسافر أما بناء صلاة السفر على صلاة الإقامة لا يجوز فإنه إذا افتتح الصلاة في السفينة وهو مقيم فجرت به السفينة لا تتحول صلاته إلى صلاة السفر فكذا لا يجوز بناء صلاة المسافر على صلاة المقيم بخلاف ما إذا كان في الوقت لأنه يتحول فرضه فكان بناء صلاة الإقامة على صلاة الإقامة والله الموفق للصواب.
باب المستحاضة
الجزء 1 · صفحة 17
أصل الباب: أن المستحاضة ومن بمعناها ممن به حدث دائم كسلس البول واستطلاق البطن والجرح الدائم والرعاف الدائم يتوضأ لوقت كل صلاة ولا تنتقض طهارتها ما دام الوقت باقيا وتنتقض بخروج الوقت ويجعل الوقت مانعا ظهور حكم الحدث ويقوم الوقت مقام الأداء تيسيرا.
وقال الشافعي رحمه الله: يتوضأ لكل صلاة وقال مالك رحمه الله: المستحاضة لا تتوضأ وقد عرفذلك في موضعه.
وحرف آخر: أن الطهارة متى وقعت للسيلان تنتقض بخروج الوقت وبحدث آخر غير السيلان ولا تنتقض بالسيلان في الوقت والطهارةمتى وقعت بحدث آخر غير السيلان تنتقض بحدث آخر وبالسيلان ولا تنتقض بخروج الوقت وشرط وقوع الطهارة للسيلان أن يكون السيلان مقارنا لها أو طرأ عليها وهو يحتاجإليها للسيلان.
وحرف آخر: أن زوال العذر إذا كان قبل الشروع في الوقت يمنع الشروع في الصلاةوإذا كان بعد الشروع يمنع المضي ويوجب الإعادة وإذا كان بعد الفراغ لا يوجب بطلان ما مضى كالمتيمم إذا وجد الماء والعاري إذا وجد الثوب.
الجزء 1 · صفحة 18
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: مستحاضة توضأت على السيلان ولبست خفيها ثم أحدثت حدثا آخر في الوقت وتوضأت فلها أن تمسح لأن الوقت مانع ظهور حكم الحدث فصارت كالأصحاء. ولو توضأت خارج الوقت هل لها أن تمسح فالمسألة على أربعة أوجه: أما إن كانالدم سائلا عند الوضوء واللبس أو كان5سائلا عند الوضوء منقطعا عند اللبس أو على العكس أو منقطعا عندهما ففي الوجه الرابع تمسح بالإجماع لأن اللبس على طهارة كاملة فصارت كالأصحاء وفي الوجوه الثلاثة لا تمسح عندنا وعندزفر رحمه الله: تمسح لأن الوقت مانع ظهور حكم الحدث فكانت كالأصحاء وهذا لأنّ خروج الوقت حدث حكما لا حقيقة وحكم المسح لا ينتقض بالحدث الحقيقي فلأن لا تنتقض بالحكمي أولى وإنا نقول: الوقت مانع ظهور حكم الحدث ما بقي الوقت فإذا خرج الوقت ظهر حكم الحدث لأن خروج الوقت ليس بحدث بل به يتبين انتقاض طهارتها بالحدث السابق فظهر أن اللبس مع الحدث المقارنإلا أن هذا التبيين لا يظهر في حق الصلاة لضرورة ولا ضرورة في المسح.
فإن قيل: وجب أن يظهر في فساد المؤدى احتياطا دل عليه أنه لو شرع في تطوع ثم خرج الوقت يلزمه القضاء ولو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزمه.
قلنا: هذا ليس يتبين؛ لأنا حكمنا بصحة الطهارة والشروع إلا أنّه انتقض بزوال المانع غير مقصود على الحال لعدم الناقضحقيقة بل بسبب متقدم فكان بطريق الاستنادِ والاستنادُ بين تبيّنٍ واقتصارٍ فثبت الآن مستندا غير أن الانتقاض إنّما يظهر في حق حكم قائم لا في حق حكم منقض والمؤدى قد انقضى فلا يظهر فيه والشروع في النفل ممنوع ثم لا يلزم لأنّ الانتقاض لما دار بين التبين والاقتصار كان الشروع صحيحا من وجه دون وجه فأمر بالقضاء احتياطاً وهنا أمر بنزع الخف وغسل القدم احتياطا أيضا.
الجزء 1 · صفحة 19
صاحب العذر إذا توضأ وصلى ثم انقطع الدم فهذه المسألة على أربعة أوجه: إن توضأ والدم منقطع ودام الإنقطاع وقت صلاة كاملا لا يعيد لأنها أديت بطهارة كاملة وكذا إن كان الدم سائلا وقت الوضوء والصلاة لأنها معذورة صلت بطهارة ذوي الأعذار وكذا إن كان منقطعا وقت الوضوء سائلا عند الصلاة لأن الوقت إنما جعل مانعا لأجل الأداء في حالة السيلان فسقط اعتباره لأنها معذورة صلت بطهارة الأصحاء.
وإن كان سائلا وقت الوضوء منقطعا وقت الصلاة تجب الإعادة لأنها صلت بطهارة ذوي الأعذار حال زواله كالعاري إذا وجد الثوب في خلال الصلاة والمتيمم إذا رأى الماء وكذا إذا انقطع بعدما قعد قدر التشهد عند أبي حنيفة رحمه الله خلافاً لهما وهي مسألة الإثني عشرية ولا يجب عليها إعادة صلاة صلتها بعده.
فإن توضأت للظهر والدم سائل وصلت والدم منقطع ثم توضأت للعصر وصلت والدم منقطع ودام الإنقطاع يجب عليها إعادة الظهر دون العصر لأنها أدت العصر بطهارة كاملة فلو وجب إنما يجب لأجل الترتيب لأنها أدت العصر على حسبان جواز الظهر والموضع موضع الإجتهاد لأنه ربما يكون الإنقطاع انقطاع برء وربما لا يكون فصار كالناسي بل فوقه ألا ترى أنه لو صلى الظهر بغير وضوء ثمصلى العصر بوضوء ثم علم بفساد الظهر وأعادها ثم صلى المغرب جازت صلاته ولا يجب عليه إعادة العصر لأنه كالناسي.
هذا إذا استوعب الانقطاع وقت العصر فلو سال الدم في وقت العصر لا يجب إعادة الظهر أيضا لأنه تبين أنها أدت الظهر بطهارة ذوي الأعذار حال قيام العذر.
الجزء 1 · صفحة 20
مستحاضة توضأت للعصر والدم سائل وشرعت والدم سائل فغربت الشمس وهي في الصلاة استقبلت الصلاة لأن طهارتها تنتقض عند خروج الوقت: والمعنى فيه أن بخروج الوقت تبين انتقاض طهارتها بالحدث السابق ولهذا ينتقض وإن لم يسل بعده والبناء حيث عُرِفَ؛ عُرِفَ نصًا بخلاف القياس في الحدث الطارئ لا في الحدث المقارن ولو كان الدم منقطعا وقت الوضوء والصلاة فدخل وقت المغرب مضت على صلاتها لعدم الانتقاض بخروج الوقت وهذا لأن عدم الانتقاض ما كان باعتبار جعل الوقت مانعا بل باعتبار عدم السيلان وبخروج الوقت لا يظهر السيلان فلا يتبين الانتقاض فلو سال الدم في خلال الصلاة ثم دخل وقت المغرب استقبلت لأنه لما سال ولم تفسد الصلاة كان الوقت مانعا فإذا خرج الوقت ظهر حكم الحدث الذي وجد في الصلاة ففسد ذلك الجزء فيفسد الكل ضرورة.
ولو توضأت للظهر والدم سائل وصلت على السيلان ثم انقطع فتوضأت للعصر وصلت ثم سال لم تعد الوضوء لأن الوضوء الواقع للظهر ينتقض بخروج الوقت والوضوء الواقع للعصر لا ينتقض بالسيلان في الوقت لأنها محتاجة إليه للسيلان الذي كان في وقت الظهر.
فإن كان الدم سائلا في أول وقت العصر ثم انقطع فأحدثتحدثا آخر أولم تحدثوتوضأت على الانقطاع فدخل وقت المغرب لم تعد الوضوء وتمضى على الصلاة لو كانت فيها.
طعن عيسى بن أَبَان رحمه الله وقال: ينبغي أن تعيد لأن هذا انقطاعناقص فلا يمنع اتصالالدم الثاني بالدم الأول فصار كالمتصل ولأن ذهاب الوقت ينقض الوضوء الواقع للسيلان وهذا الوضوء واقع للسيلان ولهذا لا ينتقض بالسيلان في الوقت.
والجواب: أن وضوءها وضوء الطاهرات لأنه في وقت الإنقطاع ألا ترى أنه لو لم يعد الدم لا وضوء عليها والوقت أقيم مقام الأداء في منع ظهور الحدث لا في جعل الحدث المعدوم حقيقة موجودا تقديرا.
الجزء 1 · صفحة 21
وهي إنما خالفت غيرها في التخفيف لا في التغليظ وإنما لا تنتقض طهارتها بالسيلان في الوقت للتخفيف أيضابخلاف ما إذا كان الدم سائلا وقت الوضوء لأنه يجب عليها الوضوء من غير معاودة الدم فكان ناقصا وهذا لأنّ فيما قاله جعل الطاهر حقيقة محدثا ولا نظير له في أصول الشرع أما جعل الحدث الموجود معدوما له أصل في الشرع فالمصير إليه أولى.
وعند زفر رحمه الله تبنى في الوجوه كلها؛ لأنّ عنده تقتصر الانتقاض فإن توضأت مع هذا في وقت المغرب ثم سال الدم تعيد الوضوء لأنه لم يعتد بهذا الوضوء لعدم الحاجة إليه.
ولو أحدثت حدثا آخر وقت المغرب وتوضأت له ثم سال الدم أعادت الوضوء لأن الوضوء لم يقع بخروج الوقت بل لحدث آخر من جراحة في بدنه فتوضأ له ثم سال من منخر آخر أو جراحة أخرى يجب إعادة الوضوء؛ لأنّ الأوّل لم يقع لهذا ولو كان الدم سال منهما في الابتداء وتوضأ لهما ثم انقطع أحدهما فهو على وضوءه لأنّ الوضوء كان منهما وكذا إذا سال منخراه دماً فانقطع أحدهما فتوضأ له ثم سال الآخر لا يجب الوضوء؛ لأنّه إذا كان قبل ذلك يسيل كلاهما كان هذا عذرا واحدا فانقطاع أحدهما لا عبرة له. والله أعلم.
باب السجدة
أصل الباب: أن سجدة التلاوة واجبة وسببها التلاوة أوالسماع خلافا للشافعي رحمه الله لما روي عن عمر - رضي الله عنه - "أنه قرأ السجدة على المنبر فنزل وسجد وسجد القوم معه ثم قرأ السجدة في خطبة أخرى فَهَمّ الناس بالسجود فقال لهم: مهلا إن هذا لم يكتب عليكم إلا أن تشاءوا" ولأنّها لو كانت واجبة لما حاذت بالركوع كما في سائر السجدات.
لنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا قرأ ابن آدم آية السجدة وسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلاه أمر ابن آدم بالسجدة وسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار".
الجزء 1 · صفحة 22
ووجه التمسك به أنه قال: أمر ابن آدم والأمر للوجوب والثاني أنه قرن السجدة التي أمر بها الشيطان بالسجدة التي أمر بها ابن آدم وتلك واجبة فكذلك هذه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكى قوله ولم يعقبه بالانكار فدل ذلك على تقريره واستصوابه.
وعن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - أنهم؛ قالوا: السجدة على من تلاها السجدة على من سمعها.
و"على" كلمة إيجاب وإلزام.
ومعنى قول عمر - رضي الله عنه - أي لم تكتب في هذا الوقت إلا أن تشاءوا أما المعنى قلنا: القياس أن تنادي المُصَلِية بالركوع؛ إلا أنهم استحسنوا وقالوا: أنّ الله تعالى فصل بينهما لفظاً بقوله: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب} [ص:24]
وفي كل واحد منهما نوع خشوع وزيادة تعظيم لا يوجد في الآخر فلا يقوم أحدهما مقام صاحبه وقال في سجدة التلاوة وبالقياس نأخذ لأنّ الله تعالى جمعهما في لفظ واحد في سورة ص فقام أحدهما مقام صاحبه.
وحرف آخر: أن اتحاد مجلس التلاوة وآية السجدة يوجب اتحاد التلاوات المتكررة وحكمها؛ في حق وجوب السجدة لأن المجلس جامع لما يتكرر فيه باعتبار الحاجة كما في الإيجاب والقبول وقد وجدت الحاجة هنا لأن الإنسان يحتاج إلى تكرار آية السجدة في مجلس واحد للحفظ أو التعليم أو للاتعاظ.
الجزء 1 · صفحة 23
فلو قلنا بالتكرار يؤدي إلى الحرج وأنه مدفوع والأصل فيه: " أن جبريل - عليه السلام - كان يقرأ آية السجدة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلقن منه ويقرأ على أصحابه - رضي الله عنهم - وكان لا يسجد إلا مرة واحدة" وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنه "كان يعلم الناس القران في مسجد الكوفة وكان يزحف إلى هذا وإلى هذا وكان يقرأ السجدة مرارا ولا يسجد إلا مرة واحدة" ولأنّها تجب مرة بالتلاوة ومرة بالسماع ولا تجب على التالي إلا واحدة مع اجتماع السببين فعُلمَ أن مبناه على التداخل إلا إذا اختلف المكان أو المجلس لأنّ حكم هذا المجلس غير حكم المجلس الأوّل ولأنّه يؤدي إلى أنّه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة أو اختلفت الآية لأنّ أحدهما لا تكون تبعا للأخرى ولأنّه اختلف المقصودولم يذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر اسمه أو يسمع اسمه في مجلس واحد مرارا والمتقدمون من أصحابنا رحمهم الله يجعلونه بمنزلة السجدة وبعض المتأخرين يقولون يصلى عليه في كل مرة لأنه حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما قال: "لا تجفوني بعد موتي قيل: فكيف تجفى يارسول الله؟ قال: أن أذكر في موضع فلا يصلي علي" وحقوق العباد لا تتداخل.
وعلى هذا قالوا من عطس وحمد الله - عز وجل - في مجلس واحد مرارا ينبغي للسامع أن يشمته في كل مرة لأنه حق العاطس والأصح أنه إذا زاد على الثلاثة لا يشمته.
لحديث عمر - رضي الله عنه - أنه قال: للعاطس في مجلسه بعد الثلاث: "قم فانتثر فإنك مزكوم".
وحرف آخر: أن السجدة الصلاتية لا تؤدى خارج الصلاة لأنها من أفعال الصلاة وأفعال الصلاة لا تؤدى خارجها وغير الصلاتية لا تؤدى في الصلاة لأنها ليست من أفعال الصلاة إلا إذا اقتدىبه.
الجزء 1 · صفحة 24
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: إذا قرأ آية السجدة مرارا في مجلس واحد يكفيه سجدة واحدة لما ذكرنا وكذا لو سجد للأولى ثم قرأ لأن السبب واحد وهو حرمة المتلو والقراءة الثانية تكرار محض لسبب اتحاد المجلس فلا يتجدد به السبب بخلاف ما إذا أفطر بعد التكفير فإنه يلزمه كفارة أخرى إلا في رواية زفر رحمه اللهعن أبي حنيفة فإنه يكفيه الأولى لاتحاد حرمة الشهر.
الجزء 1 · صفحة 25
والفرق على ظاهر الرواية: أن التداخل قبل أداء الأولى لا بعده كما في الزنا والسرقة وهذا لأن السبب فطر هو جناية على الصوم وحرمة الشهر محل تتغلظ به الجناية والعبرة للأسباب دون المحال غير أنه يتداخل قبل التكفير لا بعده ولأنّ التداخل هنا في السبب يجعل التلاوات سببا واحدا لأنّه لا يستقيم التداخل في الحكم لأنّها عبادة والعبادات يحتاط في إيجابها ولو انعقد السبب لوجب عملا بالسبب احتياطا بخلاف الحدود والكفارات لأن التداخل في الحكم يجعل الحد الواحد والكفارة الواحدة بمنزلة إقامة الحدود مع انعقاد السبب وبعده؛ لأنّ في استيفاء الزيادة شبهة عدم حصولالمقصود وهو الزجر لحصوله للأوّل والحق شبهة عدم حصول المقصود بعدمه احتيالا للدرء ولهذا لو أقيم عليه الحد ثم زنى أو سرق يقام ثانيا لعدم حصول المقصود وكذا في التكفير وهذا لأنّه يجوز أن ينعقد السبب ولا يثبت حكمه احتيالاً للدرء بخلاف العبادات ولو تبدل المجلس حقيقة بأن ذهب أو حكما بأن اشتغل بعمل آخر ثم عاد فقرأ يتكرر لأنه لا حاجة إلى الاتحاد عند اختلاف المجلس إلا إذا قل العمل بأن شرب شربة ماء أو أكل لقمة أو تكلم بكلام يسير ولو قام ثم قرأ أو مشى خطوة أو خطوتين ثمّ قرأ لا يتكرر لأن المعلم قد يحتاج إلى ذلك ولما روينا من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - بخلاف خيار المُخَيَّرة حيث يبطل بالقيام لأن القعود أجمع للرأي وكان القيام دليل الإعراض ولهذا لا يبطل بالقعود وهنا التكرار بتبدل المجلس ولم يتبدل لأن القيام محل القراءة.
ولو قرأ راكبا ثم نزل وقرأ أو قرأ ثم ركب وقرأ قبل أن تسير الدابة لا يتكرر لاتحاد المجلس ولهذا لا يمنع النزول البناء والركوب إنما يمنع لترك الواجب لا لتبدل المجلس غير أنه إن قرأ على الدابة لا غير يومئ بالسجدة على الدابة عندنا.
الجزء 1 · صفحة 26
وقال بعضهم: لا يجوز لأن السجدة واجبة فلا يجوز على الدابة بمنزلة المكتوبة والوتر ألا ترى أن الراكب لو قال: لله علي أن أصلي ركعتين لا يجوز أن يصلي على الدابة إلا أن يحتج بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما – " أنه كان يقرأ السجدة على الدابة ويسجدها بالإيماء" ولأنّ سبب وجوبها التلاوة كما أن سبب وجوب التطوع الافتتاح ولو افتتح التطوع على الدابة بالإيماء يجوز فكذا السجدة بخلاف النذر لأنه انصرف إلى الصلاة المعروفة وهنا هي في حكم التلاوة وإن قرأ على الدابة ثم نزل وقرأ تكفيه واحدة على الأرض وإن قرأ نازلا ثم ركب لا يجزئه الإيماء ولم يذكر إذا قرأ على الدابة ثم نزل ثم ركب وذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن على قول زفر رحمه الله لا يجوز أن يسجد على الدابة ويجوز في قول أبي يوسف وهكذا روى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله
زفر يقول: لما نزل وجب عليه أداءها على الأرض فصار كأنه قرأها على الأرض ولأبي يوسف رحمه الله أنه حين قرأ وجب عليه الإيماء وبعدما نزل ثم ركب أدى كما وجب هذا كما قال علمائنا رحمهم الله فيمنافتتح التطوع وقت طلوع الشمس ثم أفسدها وقضاها وقت الغروب جاز لأنه أوجب على نفسه صلاة ناقصة وأداها ناقصة ولو قرأ ثم قام وشرع في الصلاة وأعادها إن سجد للأولى يسجد للثانية لأنها أقوى لأنه تعلق بها جواز الصلاة ولها زيادة أثر واختصاص بالصلاة ولهذا يكون الضحك فيها حدثا بخلاف ما لو كان خارج الصلاة وإن لم يسجد للأولى يسجد في الصلاة واستتبعت الأولى لأنها أقوى فإن لم يسجد في الصلاة لا يسجد لأن الأولى دخلت في الثانية صارت صلاتية فلا تؤدى خارجها.
وذكر في النوادر: لو قرأ ولم يسجد وقام ودخل مع الإمام في صلاته فقرأها الإمام وسجدها وسجد الرجل معه فعليه أن يسجد للأولى إذا فرغ من الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 27
قيل: إنما اختلف الجواب لاختلاف الوضع وضع المسألة في النوادر فيما إذا أعاد الإمام فيكون هذا الرجل فيما يلزمه بحكم المتابعة تبعا والأولى وجبت بتلاوته مقصودة فلا تتأدى بالتبع وهنا وضع فيما إذا شرع في صلاة نفسه ثم قرأ فيكون كل واحدة مقصودة والمؤداة أكمل.
وقيل: على رواية النوادر لا يتداخلان بحال لأنهما مختلفان في الحكم لأن إحداهما صلاتية والأخرى لا فلا تدخل إحداهما في الأخرى كما لو كان المتلو آيتين ولأن الأولى تفوت بالسبق والثانية بكونها صلاتية فلا تستتبع إحداهما الأخرى.
وجه رواية الجامع: أن المتلو آية واحدة والمكان واحد والمؤداة أكمل.
وفي نوادر أبي سليمان أن الأولى تستتبع الثانية لأن لها قوة السبق فكانت الثانية تكرارا.
وقال القاضي الإمام أبو عاصم العامري إن كل واحدة تعتبر أصلا لاختصاص كل واحدة بقوة.
وإن قرأها في الصلاة وسجد ثم فرغ من الصلاة فقرأها يسجد أخرى.
وذكر في النوادر: أنه لا يسجد وإنما اختلف الجواب لاختلاف الوضع وضع في الأصل فيما إذا سلم وتكلم ثم قرأ وبالكلام انقطع فور الصلاة ولهذا يمنع الاقتداء والبناء وثمة وضع فيما إذا لم يتكلم فكانت الحرمة قائمة ولهذا يجوز البناء.
وقيل ما ذكر في الصلاة قول محمد رحمه الله وقول أبي يوسف الآخر بناء على ما إذا قرأها في ركعة ثم أعادها في الركعة الثانية لما تَذَكَرَ.
وإن قرأ على الدابة مرارا وهي تسير إن كان خارج الصلاة يتكرر لأن سير الدابة مضاف إليه ولهذا تتفاوت بتفاوت السوق ويضمن ما أتلفته برجلها فاختلف المكان بخلاف السفينة لأن سيرها لا يضاف إليه لأنه لا يمكنه إيقافها وتسييرها متى شاء ألا ترى أن خيار المخيرة يبطل بسير الدابة ولا يبطل بسير السفينة ولأن السفينة بمنزلة البيت.
الجزء 1 · صفحة 28
ألا ترى أنه يحول وجهه كيفما دارت ويصلي قائما بركوع وسجود بمنزلة البيت بخلاف الدابة وإن كان في الصلاة لا يتكرر لأن الصلاة جامعة للأماكن وكان المعتبر مكانه من الدابة لا مكان الدابة ولأنه وإن تعدد المكان فحرمة الصلاة واحدة والسجدة من الصلاة لا من المكان فيعتبر فيها اتحاد حرمة الصلاة ولهذا لو صلى في المحمل وكرر آية السجدة فيها وسمععديله وهو ليس في الصلاة تتحد السجدة على المصلى وتتعدد على السامع.
ولو كانا في الصلاة وقرأ كل واحد منهما آية سجدة على حدة وكررها يجب على كل واحد منهما سجدة واحدة لقراءته في الصلاة وسجدتان لما سمع من صاحبه بعد الفراغ ولو قرأ آية السجدة في ركعة ثم أعادها في تلك الركعة تكفيه سجدة واحدة لاتحاد المكان حقيقة والتلاوة حكما.
ولو قرأها في الركعة الثانية القياس أن لا يسجد للثانية وهو قول أبي يوسف الآخر وهو مما رجع أبو يوسف من الاستحسان إلى القياس وفي قوله الأول وهو قول محمد رحمه الله يلزمه سجدتان.
وجه قوله الآخر: أنه قرأها في حرمة صلاة واحدة في مكان واحد ولو قرأها في حرمة صلاة واحدة في مكانين بأن كان على الدابة لا يجب إلا سجدة واحدة فهنا أولى ولأن وجوب السجدة في الصلاة بأحد أمرين إما التلاوة أو السهو ثم إذا كثر السهو في صلاة واحدة لا يتكرر السجود فكذا التلاوة.
وجه قول محمد رحمه الله: أن للقراءة في كل ركعة واحدة حكما حتى يسقط به فرض القراءة فكانت الإعادة في الركعتين نظير الإعادة في الصلاتين ولأنا لو قلنا بالاتحاد لخلت إحدى الركعتين عن القراءة فتفسد صلاته ولأن السجدة من أفعال الصلاة وأفعال إحدى الركعتين لا ينوب عن الركعة الأخرى.
قال الصدر الشهيد رحمه الله: وجه القياس أظهر لأن هذا يمنع الجمع في حق جواز الصلاة لا في حق وجوب السجدة ولو كان هذا في الصلاة على الدابة لم يُذكر هنا.
الجزء 1 · صفحة 29
وعلى قول أبي يوسف لا يشكل أنه يكفيه واحدة كما إذا كان على الأرض أما على قول محمد فلقائل أن يقول يتكرر ولقائل أن يقول يكفيه واحدة لأن الإيماء عمل قليل فلا يفصل بينهما أما الركوع والسجود فعمل كثير فأوجب قطع المجلس.
ولم يذكر في الكتاب ما إذا أعادها في الثالثة أو الرابعة واختلفوا على قول محمد رحمه الله الإمام إذا قرأ آية السجدة وسجدها والقوم ثم أحدث في الركعة الثانية وقدم رجلا جاء حينئذ فقرأ تلك السجدة فعليهم أن يسجدوا بالاتفاق أما عند محمد رحمه الله فلأن الإمام لو قرأها في الثانية كان عليهم أن يسجدوها فكذلك الخليفة وأما عند أبي يوسف فلأن الخليفة لم يسمع تلك السجدة فوجبت عليه وعلى القوم متابعة له.
المؤتم إذا قرأ آية السجدة فسمع الإمام والقوم أجمعوا أنهم لا يسجدونها في الصلاة لأنّه لو سجد وحده كان مخالفا لإمامه ولو سجد الإمام معه يؤدي إلى مخالفة الموضوع؛ لأنّ المقتدي يصير إماما والإمام مقتديا وأما إذا فرغوا قال محمد: يسجدونها لوجود السبب وزوال المانع كما لو سمعوا من الجنب والحائض ولأن السجدة إنما تجب بالتلاوة أو السماع فإن لم تجب لأجل القراءة لأنها خطأ تجب لحق السماع كما لو سمع من ليس معهم في الصلاة وعندهما لا يسجدونها لأن قراءته خطأ وفي السجدة إتمام الخطأ والسبيل في الخطأ رده ونقضه لا إتمامه وهذه العلة توجب أن لا تجب على من سمعها خارج الصلاة بخلاف الجنب والحائض لأن قراءة ما تتتعلق به السجدة وهو ما دون الآية ليست بخطأ على ما اختاره الطحاويرحمه الله ولأنه مولَّى عليه بدليل نفاذ قراءة الإمام عليه وعدم اعتبار قراءته في جواز الصلاة وتصرف المولَّى عليه لا حكم له بخلاف الجنب والحائض لأنه منهي ليس بمحجور ولأن هذه سجدة صلاتية فلا تؤدى خارجها.
الجزء 1 · صفحة 30
وقولنا صلاتية لأنها لو وجبت لوجبت بقراءة حصلت للصلاة لأنها لو حصلت القراءة لغير الصلاة تفسد الصلاة كما لو فتح على غير الإمام أو على الإمام بعد ما قرأ ما تجوز به الصلاة عند البعض وهنا لم تفسد علم أنها حصلت للصلاة والصلاتيه لا تؤدى خارجها وهذه العلة توجب على من سمعها خارج الصلاة كما لو سمعها من الإمام وبه خرج الجواب عن قوله وجب لحق السماع.
ولو سمعوا من رجل ليس معهم في الصلاة فعليهم أن يسجدوا إذا فرغوا لأنه وجد السبب واستند وجوبها إلى قراءة ليست في الصلاة وكذا إن كانت القراءة في الصلاة لأن السبب في حقهم السماع وأنه ليس من أفعال الصلاة.
وإن سجدوا في الصلاة لم يجزهم لأنها ليست بصلاتية وأعادوها بعد الفراغ ولا تفسد صلاتهم لأن السجدة من أفعال الصلاة كالسجدة الثالثة وزيادة مادون الركعة لا تفسد الصلاة.
وذكر القاضي الإمام أبو الطاهر الدباس في شرح الجامع الصغير: أنها تفسد.
من مشايخنا من قال ذلك قياس وهو قول محمد رحمه الله وهذا استحسان وهو قولهما بناء على أن السجدة الواحدة قربة كسجدة الشكر فقد أدخل في صلاته فعلا مقصودا ليس منها فتفسد كزيادة الركعة وعندهما ليست بقربة.
والصحيح أنها لا تفسد وإن قرأها الإمام وسمعها رجل ليس معهم في الصلاة يكفيهم سجدة واحدة وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله أنه لا تكفيه.
الجزء 1 · صفحة 31
فإن سجد الإمامفي الصلاة ثم أحدث فذهب وتوضأ وعاد إلى مكانه وبنى ثم قرأ ذلك الأجنبي تلك السجدة فسمع؛ فعليه أن يسجد إذا فرغ من الصلاة؛ لأنه بالذهاب والرجوع يتجدد له مجلس آخر فيما لا يكون من صلاته كما ذكرنا في الصلاة في المحمل والسماعية ليست من صلاته وكان في حقه كأن لم يكن في الصلاة وكذا إن لم يقرأ الإمام آية السجدة ولكن سمع من أجنبي مرتين وتخلل الحدث فإن لم يحدث ولم يسجد في الصلاة سقطتا لأن الذي وجببالسماع أداؤها بعد الصلاة فكانت أضعف لوجهين: أحدهما: تأخر الأداء والثاني: بكونها ليست بصلاتيه فكانت تبعا للتي وجبت في الصلاة لأنها تفوق بالسبق وكونها صلاتيه صح وعدم سقوط السماعيه عند الانفراد وسقوط الصلاتيه عند الانفراد لقوة الصلاتيه أيضا لأنّه لا يمكن على الوجه الذي وجبت وهو كونها قوته بحرمه الصلاة وتعلق جواز الصلاة بها بخلاف السماعية وبخلاف ما إذا قرأ خارج الصلاة بنفسه ثمّ أعادها في الصلاة على رواية النوادر لأنّها تفوت بالسبق والوجوب قبل الصلاة فلا تدخل في الصلاتيه.
ولو سمع من الإمام من ليس معه في الصلاة فعليه أن يسجدها لتفرد السبب.
فإن دخل في صلاة الإمام قبل أن يسجدها سجد معه كما لو كان في صلاته عند القراءة وإن دخل فيها بعد ما سجد الإمام سقطت عنه لأنه لا يمكنه أن يسجدها في الصلاة حتى لا يكون مخالفا لإمامه ولا بعد الفراغ لأنها صلاتية في حقه كما في حق الإمام وهذا إذا أدرك الإمام في تلك الركعة حتى تكون قراءة الإمام قراءة له أما إذا أدركهفي الركعة الثانية لا يصير مؤديا للسجدة ولا تصير صلاتية فيؤديها خارج الصلاة وقيل لا تصير مؤداة ولكن تصير صلاتيه فلا تؤدي.
ولو تبدل مجلس التالي دون السامع يتكرر الوجوب على السامع لأن الحكم يضاف إلى السبب كذا ذكر بعض المتأخرين في شرح الجامع الصغير.
الجزء 1 · صفحة 32
وذكر القاضي الإمام المنتسب إلى اسبيجاب رحمه الله في شرح مختصر الطحاوي رحمه الله أنه لا يتكرر على السامع لأن الوجوب في حقه السماع و مكانه متحد وعليه الفتوى.
ولو تبدل مجلس السامع دون التالي يتكرر الوجوب على السامع أما على قول ذلك البعض فلأن الضرورة والحاجة أبطلت العدد في حق التالي فلا يظهر ذلك في حق غيره وأما على قول القاضي الإمام رحمه الله فلأن السبب في حقه السماع ومكانه متعدد. والله أعلم.
باب من الطهر في الثوب والعضووغير ذلك
أصل الباب: أن ترك القياس في موضع الضرورة و الحرج جائز لأن الحرج منفي ومواضع الضرورة مستثناة عن قضيات الأصول ثم النجاسة على ضربين: حقيقية وحكمية فالحكمية لا تتصور إلا في البدن وأنها لا تزول إلا بالماء المطلق أو نبيذ التمر عند عدمه على الاختلاف المعروف أو التراب.
والحقيقية تتصور في البدن والثوب جميعا وأنها تزول بالماء المطلق والمقيد وكل مائعٌ طاهرٌ ينعصرُ بالعصرِ سواء أصابت البدن أوالثوب خلافا لمحمد والشافعي رحمهما الله وعن أبي يوسف رحمه الله أنه فرق بين البدن والثوب فقال في البدن لا تزول إلا بالماء وفي الثوب تزول بكل مائعٍ طاهرٍ ينعصر بالعصر أما ما لا ينعصر كالدهن والسمن لايجوز.
وحرف آخر: أن النجاسة إذا وردت على الماء نجسته بالاتفاق ولحديث المستيقظ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من غمس اليد في الماء لوهم النجاسة فعند اليقين أولى.
أما الماء إذا ورد على النجاسة فكذلك عندنا وعند الشافعي لا يتنجس الماء بالصب.
لحديث الأعرابي الذي بال في المسجد ولأنه لو تنجس يتنجس بأول الملاقاة فلا يزيل النجاسة ولأنهإذا صُبَّ يَصيرُ في معنى الماء الجاري.
ونحن نقيس على ورود النجاسة على الماء والجامع اختلاط أجزاء النجاسة بالماء أما الحديث قلنا روي أنه: أمر بالصب لتذهب رائحته ثم أمر بتقليب وجه الأرض وروي أنه كان له منفذ وصبوا الماء مترادفا حتى يخرج الماء من المنفذ.
الجزء 1 · صفحة 33
أما قوله بالصب يصير بمعنى الماء الجاري قلنا بلى لكنه قليل والماء القليل إذا جرى على الموضع النجس تنجس.
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: إذا غسل الثوب النجس في ثلاث إجانات وعُصِرَ في كل مرة يطهر والقياس أن لا يطهر أبدا وهو قول بشر المريسي والشافعي – رحمهما الله لأن الماء الأول تنجس بأول الملاقاة وتنجست الإجانة وكذا الثانية والثالثة فلا يطهر إلا بصب الماء عليه أو بالغسل في الماء الجاري.
وجه الاستحسان: أن للناس فيه ضرورة وبلوى فالثياب تغسلها النساء والخدم عادة وقد تكون ثقيلا لا تقدر المرأة على حمله لتصب الماء عليه والماء الجاري لا يوجد في كل مكان فلو لم يطهر يؤدي إلى الحرج. غير أنّا قدرنا بالثلاث والعصر في كل مرة لأنّ النجاسة تداخلت أجزاء الثوب فلا بد من المعالجة ليخرج, وبالقليل لا يخرج وبالكثير يخرج فقدرنا الكثير بالثلاثة؛ لأنّها أقل الجمع المتفق عليه أو لأن غلبة الرأي توجد عندها.
هذا إذا كانت النجاسة غير مرئية فإن كانت مرئية فطهارتها بزوال عينها ولا يضره بقاء الأثر بالحديث وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يقول بعد زوال العين يغسل مرتين لأنه بمنزلة نجاسة غير مرئية غسلت مرة.
وعند الشافعي رحمه الله في غير المرئية العبرة لغلبة الرأي فيما سوى ولوغ الكلب حتى لو غلب على ظنه أنه طهر بمرة يكفيه وفي المرئية بزوال الأثر فإن لم يزل يقرض بالمقراض وقد عُرِفَ في موضعه هذا حكم الثوب.
فأما حكم المياه فكلها نجسة حتى لو أصاب ثوبا تنجس غير أنه إن أصاب من الإجانة الأولى يطهر بالغسل مرتين وإن أصابه من الثانية يطهر بالغسل مرة وإن أصابه من الثالثة يطهر بالعصر والإجانات نجسة غير أن الأولى تطهر بالغسل مرتين والثانية بالغسل مرة والثالثة بالإراقة لأن الحكم في المحل الثاني ما هو الحكم في المحل الأول وهذا رواية الطحاوي رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 34
أما على ظاهر الرواية وهو الأصح: الماء الأول إن أصاب ثوبا لا يطهر إلا بالغسل ثلاثا والماء الثاني بمرتين والثالث بمرة وكذا الإجانة الأولى لا تطهر إلا بالغسل ثلاثا والثاني بمرتين والثالث بمرة.
فعلى رواية الطحاوي: اعتبر حال إخراج الثوب من الإجانة وعلى ظاهر الرواية حال الإدخال لأنه انتقل إلى الماء ما على الثوب حال الإدخال هذا إذا أصابت النجاسة الثوب.
وإن أصابت العضو فأبو يوسف رحمه الله أخذ بالقياس وقال لا يطهر في الإجانة لأن صب الماء ممكن بلا حرج وهذا لأن الاستعمال في العضو في تغيير صفة الماء أقوى منه في الثوب فإن العضو الطاهر إذا غسل صار الماء مستعملا بخلاف الثوب ومحمد رحمه الله سوى بينهما وهو قول أبي حنيفة رحمه الله لأن المعتبر حاجة الجنس وما ذكرتم حاجة الفرد على أن الحاجة في البدن أقوى لأن من الأعضاء ما لا يمكن صب الماء عليه حقيقة نحو داخل الفم والأنف وفي الثوب يمكن الصب حقيقة إلا أنه يخرج فكان العضو أولى بالاعتبار.
ولو غسل العضو في الإجانة الرابعة صار الماء مستعملا لإقامة القربة ولو غسل الثوب لا يصير الماء مستعملا لعدم إقامة القربة لم ينص على الخلاف هنا في الثوب وإنما نص في العضو.
وذكر الخصاف عن أبي يوسف رحمه الله في الثوب روايتان12روي عن محمد رحمه الله عنه أنه على هذا الخلاف وروي عن ابن سماعة وبشر والمعلا عنه أنه يخرج من الثالثة طاهرا وهذا أصح.
الجزء 1 · صفحة 35
محمد رحمه الله يقول: الماء إذا ورد على النجاسة إنما سقط اعتبار النجاسة ضرورة إمكان التطهير؛ لأن الشرع كلفنا بتطهير الثوب والعضو وسقط اعتبار النجاسة حال ورود الماء عليها ضرورة إمكان أداء ما كلف به فوجب أن يسقط اعتبارها حال ورودها على الماء دفعا للحرج لأنّ الله تعالى نفى الحرج كما نفى تكليف ما ليس في الوسع وفي خلع الناس عن العادة حرج وهم اعتادوا غسل الثياب في الإجانات وأبو يوسف رحمه الله يقول: بأن الماء تنجس بأول الملاقاة فما خرج من الماء يكون نجسا وما بقي فيه من البلة يكون نجسا إلا أنه سقط اعتباره حال ورود الماء ضرورة إمكان التطهير وقد اندفعت الضرورة حال ورود الماءبالصب عليه لأنه في معنى الجاري فلا يسقط حالورود النجاسة على الماء ودعوى الحرج ممنوع لأن الناس اعتادوا الغسل في الأواني لكن إنما يتممون الغسل بصب الماء عليه على هذا جرت العادة, فعلى هذا الوجه سوى بين العضو والثوب وأما على الوجه الثاني فرق بينهما فقال إن الله تعالى كلفنا بالتطهير والأصل أن كل مكلف بشيء له طريق إخراج نفسه عن عمدة ما كلف به وإقامة ما كلف به بنفسه لا بغيره لأن الغير لما لم يكلف بإعانته وهو لا يقدر على إقامته بدونه وقد يوافق وقد لا يوافق كان في قدرته احتمال إذا ثبت هذا ففي الثياب لو لم تسقط اعتبار النجاسة حال وروده على الماء يحتاج إلى آخر يصب عليه الماء لأنّه لا يمكنه الغسل بإحدى يديه والصب بالأخرى بخلاف البدن.
الجزء 1 · صفحة 36
قوله: بأن الماء تنجس بأول الملاقاة ممنوع فإن بعض الناس قالوا: لا يوصف بالنجاسة ما لم يزايله لأنه إنما يوصف بالنجاسة بانتقال النجاسة إليه وإنما يثبت الانتقال على الاطلاق عند المزايلة كان كذلك لكنه طريق تحصيل الطهارة فلا يمنع تحقيق الطهارة وكذا الاختلاف في النجاسة الحكمية على البدن فإن الجنب1 إذا اغتسل في ثلاثة آبار أو أكثر فسدت المياه ولا يجزئه غسله في قول أبي يوسف رحمه الله وعند محمد رحمه الله يخرج من الثالثة طاهرا ثم إن كان على بدنهنجاسة حقيقية فالمياه في الآبار الثلاثة نجسة وبعد الثلاث مستعمل إن وجدت فيه النية وإن لم يكن على بدنه نجاسة حقيقية فالمياه الثلاثة مستعملة وما وراء الثلاثة إن وجدت النية صارت مستعملة وإلا فلا وهذا لأن الحدث الحكمي معتبر بالنجاسة العينية والآبار كالأجانات فكما لا تطهر العينية في الإجانات فكذا الحكمية في الآبار.
قال يعني أبو يوسف: ولو كان يزول بالغسل في الآبار وجب أن يخرج من البئر الأولى طاهرا كما إذا صب الماء على بدنه مرة بعد أخرى. وعند محمد رحمه الله العينية عن البدن تزول بالغسل في الإجانات فكذا الجنابة ولما كان ثبوت هذا الحكم بالقياس على النجاسة العينية شرطنا عدد الثلاث كما شرطنا في غسل النجاسة بخلاف صب الماء.
وقال بعضهم يخرج من الأولى طاهرا كما في المنغمس لطلب الدلو ومنهم من فرق لأن ثمة خرج من طاهر لعدم فساد الماء عند عدم نية القُربة وهنا فسد الماء فلا يحكم بزواله إلا بالتكرار.
الجزء 1 · صفحة 37
وإن ماتت فأرة في خُبِ خلٍ؛ فأدخل رجل يده فيه ثم أدخلها قبل أن يغسلها في عشر خَوَابي خل فقد أفسدهن كلهن فإن كان في الخوابي ماء فكذلك في قول أبي يوسف رحمه الله وأما على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يخرج يدهمن الثالثة طاهرا؛ بناء على غسل العضو في الإجانات إلا أنَ يكونَ مُرَادُهُ أَدْخَلَهَا في الخابية الأولى إلى الإبط حتى تنجس كله ثم في الثانية إلى الرسغ ثم في الثالثة إلى الذراع هكذا في كل مرة يزيد قليلا.
وإن كان في الخوابي خل يخرج يده من الثالثة طاهرا عند أبي حنيفة وهي إحدى الروايتين عن أبي يوسف وفي إحدى الروايتين عنه وهو قول محمد والشافعي رحمهما الله لا يطهر وهي مسألة إزالة النجاسة بما سوى الماء منالمائعات.
قال: ألا ترى أن رجلا لو كان برأسه قذر من دم أو غيره فغسله بخِطمي في الطَّسْتِ ثم صب ما في الطَّسْتِ ثم صب فيه ماء فغسله مرارا كان ينبغي على قول أبي يوسف رحمه الله أن لا يطهر أبدا حتى13يصب الماء على رأسه مرارا ولا يأخذ من الطَّسْتِ؛ فهذا قبيح ولم يرد به الإلزام على أبي يوسف رحمه الله فإنه يقول بالفساد أيضا لكن غرضه أن يبين أن هذا أقلع للنجاسة من الصب لما فيه من زيادة معالجة ليست في الصب فمتى حكم بالطهارة في الصب فلأن يحكم بالطهارة هنا كان أولى.
الجزء 1 · صفحة 38
قال أبو يوسف رحمه الله في الإملاء إذا غمس الجنب يده أو رجله في البئر لم يفسده وقد أشاء وهذا استحسان في العضو ونحوه وكان ينبغي في القياس أن تفسده الإصبع وإن أدخل فيه بعض جسده أفسده وإن لم يكن عليه قذر والأصل فيه أن الماء إنما يصير مستعملا عند أبي يوسف رحمه الله بإسقاط الفرض وإقامة القُربة وعند محمد رحمه الله إنما يصير مستعملا بإقامة القُربة لا غير أصله الجنب إذا انغمس لطلب الدلو وليس على بدنه نجاسة عينية ولو اغتسل الطاهر في البئر أفسده بالإجماع لأنّه نوى التقرب إلى الله تعالى بخلاف المنغمس لطلب الدلو؛ لأنه لم يتقرب إلى الله تعالى ولم يسقط الفرض عنه. وروى عن أبي يوسف رحمه الله في الإملاء في طلب الدلو أن الماء يصير نجسا والرجلَ جُنبٌ على حاله وهذا معنى قوله إن القياس أن تفسده الإصبع على رواية الأمالي.
باب صلاة العيد وتكبيراتها
أصل الباب: إن رأي المجتهد حجة من حجج الشرع وتبدل رأي المجتهد بمنزلة انتساخ النص يعمل به في المستقبل لا فيما مضى.
وحرف آخر: أن القاضي فيما يقضي أعني المسبوق يتبع رأي نفسه والمقضي عليه وهو المقتدي يتبع رأي الإمام لأن المسبوق فيما يقضي كالمنفرد والمقتدي تبع للإمام فيتابع رأيه كيلا يكون مخالفا له إلا إذا تيقن بخطئه.
وقد اختلف الصحابة في تكبيرات صلاة العيد روي عن عمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم - أنه يكبر تسعا وتكبيرة الافتتاح وتكبيرتا الركوع منها.
فالزوائد ست ثلاث في الأولى وثلاث في الثانية ويوالي بين القراءتين في الركعتين وبه أخذ أصحابنا رحمهم الله.
وعن علي - رضي الله عنه - أنه يكبر في الفطر أحد عشر فيكون الزوائد ثمانيا في كل ركعة أربع ويبدأ في كل ركعة بالقراءة وفي الأضحى خمسا فتكون الزيادة في كل ركعة واحدة.
الجزء 1 · صفحة 39
وعن ابن عباس رضي الله عنهما ثلاث عشرة ثلاث أصليات وعشر زوائد خمس في الأولى وخمس في الثانية ويبدأ بالتكبير فيهما وعنه اثنتا عشرة تسع زوائد خمس في الأولى وأربع في الثانية وعنه خمس عشرة فتكون الزوائد في كل ركعة ستا وعليه عمل الناس اليوم وعنه كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -.
وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنه يكبر خمس عشرة ثلاث أصليات واثنتا عشرة زوائد في كل ركعة ست ..
والشافعي رحمه الله أخذ بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وهذا أثر لا يعقل بالرأي فالظاهر أن كلاً منهم يروي خبرا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن علماءنا رحمهم الله أخذوا بقول ابن مسعود - رضي الله عنه - لأنه اتفق عليه جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - وقد تواترت الأخبار في الأقل؛ والخبر إذا كان في موضع الشبهة لا يقبل إلا إذا كان متواتراً.
وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر في صلاة العيد أربعا ثم قال: " أربع كأربع الجنائز فلا يشتبه عليكم وأشار بأصابعه وخنس إبهامه"؛ ففيه قول وعمل وإشارة واستدلال وتأكيد وإنما يكون أربعا متواليات إذا كان الزوائد ثلاثا ويوالي بين القراءتين حتى تصير الزوائد في الأولى مع تكبيرة الافتتاح أربعا وفي الثانية مع تكبيرة الركوع أربعا.
أقصى ما في الباب أن في الركعة الأولى يصير أربعا بالضم إلى تكبيرة الركوع أيضا إلا أن الضم إلى تكبيرة الافتتاح أَلْيَق لأنه أشبه به ولأن الذكر المسنون في القيام يقدم على القراءة في الأولى ويؤخر في الثانية دليله الإستفتاح مع القنوت إلا أن الناس اعتادوا في زماننا على مذهب ابن عباسرضي الله عنهما لأن الخلفاء من آله فأمرو الناس بالعمل بقول جَدِّهم وكتبوا ذلك في مناشرهم ووجب علينا متابعتهم؛ لأنّا لم نتيقن بخطأه والناس أتباع الخلفاء فيجب متابعتهم فيما لم يظهر خطأهم كالمقتدي.
ولم يبين مقدار الفصل بين التكبيرات في الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 40
وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال يسكت بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات ويرفع يديه في سائر هذه التكبيرات إلا في تكبيرة الركوع.
وحكى أبو عصمة عن أبي يوسف أنه قال لا يرفع يديه في شيء منها.
وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنّها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة" والرفع ضد السكون وحُجتنا في ذلك الحديث المعروف "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن" والمراد فيما روي رفع اليد عند الركوع وعند رفع الرأس منه وهو السبب للنهي.
وإذا كبر للافتتاح يأتي بثناء الافتتاح ثم يتعوذ عند أبي يوسف رحمه الله ثم يأتي بالتكبيرات وعند محمد رحمه الله يقدم التكبير على التعوذ بناء على أن التعوذ لأجل القراءة عند محمد رحمه الله بالنص وعند أبي يوسف رحمه الله لدفع الوسوسة.
وعلى هذا المسبوق لا يتعوذ حتى يقوم إلى قضاء ما سُبِقَ بهعند محمد رحمه الله والمقتدي لا يتعوذ عنده خلافا لأبي يوسف رحمه الله وقيل قول أبي يوسف رحمه الله في هاتين المسألتين كقول محمد رحمه الله.
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: إذا أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيد فإنه يكبر للافتتاح قائما ثم يأتي بالتكبيرات إن لم يخف فوت الركوع لأن القيام محل التكبير فهذه سنة لم تفته عن محلها فيأتي بها كالثناء بخلاف ما إذا فاتته ركعة فإنه يقضيها بعد فراغ الإمام لأنها فاتت عن موضعها ولو خاف فوت الركوع يركع ويترك التكبيرات لأن متابعة الإمام فرض والتكبيرات سنة أو واجبة ولأنه إذا اشتغل بالتكبيرات يفوته الركوع فيجب عليه قضاء الركعة مع التكبيرات فلا يشتغل بما لا يفيد ثم يأتي بالتكبيرات في الركوع ما لم يرفع الإمام رأسه لأن للركوع حكم القيام حتى يصير مدركا للركعة بإدراكه فإن أمكنه الإتيان بالتكبيرات
والتسبيحات يأتي بهما وإن لم يمكنه الجمع يأتي بالتسبيحات عند أبي يوسف رحمه الله
الجزء 1 · صفحة 41
لأنها في محلها والتكبير في غير محله والاشتغال بما هو في محله أولى دليله الثناء ولأنه سنة فاتت عن موضعها فلا تقضى؛ لأن محله للقيام والركوع ليس بقيام ولهذا لو كبر للافتتاح راكعا لا يصير شارعا في الصلاة وكذا لو أدرك الإمام في هذه الحالة ولم يتابعه في تلك الركعة لا يصير مدركاً للركعة ولأن التسبيحات واجبة عند أبي مطيع رحمه الله فكان أقوى وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يأتي بالتكبيرات دون التسبيحات لأنه من جنس المشروع في الركوع وحكمه آكد وأقوى بدليل أنه لو سها عنها تجب سجدتا السهو ولو سها عن التسبيحات لا يجب بخلاف تكبيرة الافتتاح فإنها لا تجوز في الركوع.
ولأن تكبيرات العيد تؤدى في الركوع ملحقة بتكبيرة الركوع في صلاة العيد حتى إنه لو ترك تكبيرة الركوع فيها يلزمه سجدتا السهو بخلاف سائر الصلوات وتكبيرة الركوع فهما الحق المشروع فيما له شبه بالقيام المشروع حالة القيام جاز أن يكون الركوع الذي له شبه القيام الذي له شبه القيام محلا لأداء مشروع حالة القيام لاتحاد الجنس فيؤدى فيه احتياطا بخلاف تكبيرة الافتتاح؛ فإنها ليست من جنس تكبيرة الركوع لأنّ ذاك فرض وهذا لا يشرع من جنس تكبيرة الافتتاح في حالة الركوع الذي له شبه القيام ليصير محلا لأدائها ليلحق بتكبيرة الافتتاح به بخلاف الإمام إذا سها عن التكبيرات وتذكر في الركوع؛ فإنه لا يأتي بالتكبيرات في الركوع لأنه يمكنه الاتيان بها في محلها الأصلي ونقض الركن قبل تمامه لإتيان واجب قبله مستقيم متى كان أداءه ممكناً في محله من كل وجه كما لو ابتدأ بالسورة قبل الفاتحة ثمّ تذكر.
الجزء 1 · صفحة 42
وقال القاضي الإمام علي السغدي رحمه الله: إذا سهى عن تكبيرات العيد وركع ثم تذكر يرفع رأسه ويكبر إماما كان أو مؤتما لأنه لم يفت عن محله لأن الركوع محل الذكر بخلاف ما إذا تذكر في الركوع أنه لم يقنت فإنه لا يعود إلى القيام في أصح الروايتين ولا يقنت في الركوع لأنه فات عن موضعه لأن القنوت قرآن عند بعض الصحابة فالنهي عن القراءة في الركوع نهي عن القنوت فيه ولأنه يشبه القراءة لأنه دعاء مؤلف منظوم وهو ليس من أركان الوتر وما ليس بركن إذا فات عن موضعه لا يقضى أما التكبير لا يشبه القراءة لأنه ثناء وكلمات مقطعة كالتسبيحات وحالة الركوع حالة الثناء ولأن محل القنوت مجتهد فيه وأنه خلاف معتبر حتى يتابع المقتدي رأي الإمام فلا يتيقن بفواته عن محله فلا يترك الركوع لأجله.
بخلاف ما إذا تذكر في الركوع أنه لم يقرأ السورة فإنه يعود لأنه ركن وإذا قرأ كان منفرضا فينتقض به الركوع ومحله القيام من كل وجه فيعود بخلاف الثناء لأنه سنة والتسبيحات سنة وكان الاشتغال بما هو في محله أولى.
ولأن بعض الناس قالوا لا يأتي بالثناء وهو قول مالك رحمه الله.
ولم يقل أحد لا يأتي بالتسبيح بل قالوا بالوجوب لما بينا بخلاف ما إذا أدرك الإمام في الركعة الثالثة من الوتر بعد ما ركع فإنه لا يقنت لأن كل ما لا يكون الركوع محلا له فبإدراكه يصير مؤديا له كالقراءة ولهذا لو سمع آية السجدة من الإمام واقتدى به بعدما سجد في الركوع لا يسجد لأنّه يصير مؤديا له بإدراك تلك الركعة كالقراءة؛ بخلاف ما إذا قام إلى الثالثة قبل أن يقعد لأنّه سقطت القعدة لفوات محلها فلا يترك الفرض لأجله وإذا كبر في الركوع لا يرفع يديه لأن الرفع والوضع كلاهما سنة والوضع في محله ولأن الركوع محل الذكر لا محل الفعل فلا يجوز إحداث فعل لم يشرع فيه.
وإذا رفع الإمام رأسه وقد بقي على الرجل شيء من التكبيرات يرفع رأسه ويتابع الإمام لأنه فرض ويسقط عنه ما بقي.
الجزء 1 · صفحة 43
فإن قيل لو أدرك الإمام حالة الركوع وهو يرجو إدراك الركوع؛ لو كبر فإنه يكبر ومتابعه الإمام في الركوع فرض قيل له التكبير واجب وأنه يؤدى في محله من كل وجه فلو اشتغل بالتكبير تفوته المتابعة في البعض دون البعض ولو اشتغل بالمتابعة يفوت التكبير عن محله من كل وجهبأ فكان إتيان التكبير أولى هنا؛ أمّا هنا التكبير يؤدى في محله من وجه ولا معارضة بين الفوات في محله من وجه وبين الفوات في محله من كل وجه ليترجح بالفرضية.
أمّا إذا كبر في الركوع فقد أدى الواجب في محله من وجه؛ وترك المتابعة من وجه فتحققت المعارضة فترجحت المتابعة ولأن متابعة الإمام واجبة وكذا التكبيرات والمتابعة في محلها من كل وجه وكذا المقتدي إذا لم يسبح ثلاثا في ركوعه حتى رفع الإمام رأسه؛ لأنّ التسبيح وإن كان في محله لكنه ليس بواجب والمتابعة فرض؛ بخلاف ما إذا قام الإمام عن القعدة الأولى قبل فراغ المقتدي من التشهد فإنه يُتم التشهد؛ لأن ذلك في محله من كل وجه فكان الإتيان به أولى.
ولأنه ذِكْرٌ واحد لا حكم لبعضه حتى لو تركه يبطل ما قبله بخلاف التكبيرات ولا يأتي بها في القومة لأنها غير معتبرة شرعا حتى لا يصير بإدراكها مدركا للركعة ولا يأتي بها في الثانية لأنها شرعت إعلاما وللثانية إعلام على حدة ولأنّها محل الأداء فلا يكون محلا للقضاء كما في القراءة وكذا لو أدرك الإمام في القومة لا يكبر لأنها غير معتبرة ولأنه وجب عليه قضاء الركعة مع التكبيرات.
المسبوق بركعة إذا كان يرى تكبير ابن مسعود - رضي الله عنه - وقد كبر الإمام برأي ابن عباس - رضي الله عنه - يكبر فيما أدرك برأي الإمام وفي قضاء ما سبق برأي نفسه لأنه منفرد بالتكبيرات.
الجزء 1 · صفحة 44
وكذا لو سبق بالتكبيرات وكبر في الركوع عندهما يكبر برأي نفسه وهذا وإن كان اشتغالا بقضاء ما سبق قبل فراغ الإمام لكن ذاك إنما لا يجوز في الأفعال دون الأقوال لأن الفعل لا يفوته والقول يفوته ولأنّه إنما لا يجوز لأنّه خالف إمامه ظاهراً فأُمر بالتأخير للموافقة وهنا لو أُمر بالتأخير يفوته التكبير لفوات محله وهو الركعة ولا يمكن قضاءه بعد فراغ الإمام؛ لأنّه غير مشروع وفي التفويت مخالفة الإمام؛ لأنّ الإمام أتى به وهو لم يأت به أصلاً وكان مخالفا من كل وجه وفي الاشتغال بالتكبير موافقة الإمام في التكبير من كل وجه لكن فيه مخالفته في القراءة من كل وجه لأنّه لا يفوته السماع أصلاً بل يختل والخلل دون الفوات فكانت الموافقة هنا في البداءة1لتكبير.
هذا لأن الأصل فيه حديث معاذ - رضي الله عنه - والحديث فيما يعدم الموافقة مع الإمام وهنا لا يعدم لأنه قائم مع الإمام يسمع قراءته وهو كل الموافقة.
ولو اقتدى به بعد ما شرع في القراءة يأتي بالتكبيرات وهل يأتي بالثناء؟ روى عن الجصاص رحمه الله أنه يأتي.
وعن عبد الله ابن المبارك رحمه الله أنه لا يأتي لأنه سنة والاستماع واجب.
وقيل: إن كان في صلاة يجهر بها لا يأتي وإن كان في صلاة يخافت بها يأتي وهو اختيار الفضلي ... رحمه الله.
وقيل: يثني حرفا حرفاً عند سكتات الإمام فإن أدركه في الركوع إن كان أكبر رأيه أنه يدركه في الركوع يثنى وإلا فلا.
وإن أدركه في القعود منهم من قال يستفتح ثم يقعد ومنهم من قال لا يستفتح وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في المسبوق مطلقا أنه يستفتح في أي وقتٍ كان ثم إذا قام إلى القضاء يستفتح أيضا ذكره البقالي رحمه الله في المبسوط.
الجزء 1 · صفحة 45
ولو أدرك أول الصلاة مع الإمام يكبر برأي الإمام لأن الإمام كالقاضي والقاضي إذا قضى في مجتهد فيه ينفذ قضاؤه بخلاف ما إذا كبر على الجنازة خمسا فإنه لا يتابعه لأنه منسوخ ولأن كل تكبيرة بمنزلة ركعة وفي زيادة الركعة لا يجب المتابعة.
وبخلاف ما إذا اقتدى بإمام يرى القنوت في الفجر فإنه لا يتابعه فيه عند أبي حنيفة ومحمد وإن كان مجتهدا فيه لأنه ثبت نسخهبيقين.
إلا إذا جاوز أقاويل الصحابة - رضي الله عنهم - لأنه ظهر خطأه بيقينكما إذا ظهر خطأ القاضي وهذا إذا سمع من الإمام أما إذا سمع من المكبرين فإنّه يأتي به وإن أكثر والاحتمال أنّ الخطأ منهم وما سبق تكبير الإمام غير محسوب له وما كبر مع الإمام أو بعده محسوب له فيكبر حتى يخرج عن عهدة ما عليه بيقين وهذا معنى تعليله في الأصل أن هذا خطأ من الناس وزيادة منهم فلا يمنع الرجل من التكبير شيء فإني أخشى أن يترك ما كبر الإمام ويكبر ما ترك الإمام ولهذا قالوا: إذا كبر بتكبير المنادي ينبغي أن ينوي الصلاة عند كل تكبيرة لجواز أن ما تقدم منه كان خطأ من المنادي.
وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أنه يتابعه إلى ثلاث عشرة ثم يسكت وقال بعضهم: يتابعه إلى ست عشرة لأن فعله هذا محتمل للتأويل لعله ذهب إلى رأي ابن عباس رضي الله عنهما ثلاث عشرة تكبيرة زائدة.
وكذا لو شرع في الصلاة مع الإمام ثم نام فانتبه بعد فراغ الإمام يكبر برأي الإمام لأنه لاحق وقد مر استشهاد محمد رحمه الله لبيان أن المسبوق بمنزلة المنفرد واللاحق كأنه خلف الإمام بمسائل:
منها: أن الإمام إذا تلا آية السجدة وسجد ثم اقتدى به إنسان وقضى ما فاته فإنه لا يسجد.
ومنها أنّ الإمام إذا كان ممن يرى القنوت بعد الركوع والمقتدي يراه قبل الركوع وقد اقتدى به بعد ماقنت فإذا قام إلى قضاء ما سبق يقنت قبل الركوع.
الجزء 1 · صفحة 46
ومنها أنّه إذا ترك القعدة الأولى وسجد للسهو ثم اقتدى به إنسان فإنه لا يترك القعدة ولا يسجد للسهو بخلاف اللاحق في هذه المسائل وبخلاف ما إذا ترك سجدة من الركعة الأولى فقضاها في الركعة الثانية ثم اقتدى به رجل وقام للقضاء فإنه يأتي بالسجدة في موضعها وكذا اللاحق لأن السجدة ركن من أركان الصلاة وتفسد الصلاة بتركها فيأتي بها في موضعها بخلاف القعدة لأنها ليست بركن.
و الإمام إذا كان يرى تكبير ابن مسعود - رضي الله عنه - والمقتدي كذلك فسبق بركعة وقام إلى القضاء يصنع ما صنع الإمام في الثانيه يقرأ ثم يكبر هكذا ذكر هنا وعامة الروايات.
وذكر في النوادر: أنه يكبر ثم يقرأ قال الكرخي رحمه الله: ليس في المسألة روايتان لكن المذكور في الجامع قول محمد رحمه الله والمذكور في النوادر قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ولا تظهر ثمرة الخلاف إلا في هذه المسألة.
وقال عامة مشايخنا رحمهم الله في المسألة روايتان وهذا هو الأصح ووجه رواية النوادر: أنّه يقضي أوّل صلاته لأنّه يقضي ما فاته وهو القياس.
ووجه عامة الروايات؛ وهو الأصح: أن ما يقضيه أول صلاته كما قال لكن إنما وجبت البداءة بالتكبير على مذهبه لمعنى وذلك المعنى17يوجب التأخير هنا وفقهه وهو أنّ الجمع بين التكبيرات ما أمكن لأنّها شرعت إعلاما والضم بين التكبيرات أبلغ في الإعلام إلا أن في الركعة الأولى يعارض تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع ولا بد من الضم إلى إحداهما فيضم إلى الأسبق وفي الركعة الثانية عدم تكبيرة الافتتاح فيضم إلى تكبيرة الركوع وهنا ما يقضيه وإن كان أول صلاته لكنه أول ليس فيه تكبيرة الافتتاح فيضم إلى تكبيرة الركوع ولأنه لو كبر يكون مواليا بين التكبيرات ولم يقل به أحد.
الجزء 1 · صفحة 47
ولو بدأ بالقراءة كان موافقا لقول علي - رضي الله عنه - وكان هذا أولى ولأنه لو بدأ بالقراءة كان آتيا بالتكبيرات عقيب ذكر هو فرض جامعا بينها وبين تكبيرة الركوع وهو أصل ابن مسعود - رضي الله عنه -.
الإمام إذا كان يرى تكبير ابن مسعود - رضي الله عنه - فبدأ بالقراءة ساهيا ثم تذكر فإنه يكبر لأن المحل قائم وهو القيام ثم إن تذكر قبل أن يقرأ السورة يعيد القراءة لأنه تركها على وجه الرفض لعدم التمام ولمراعاة الترتيب في القراءة.
وإن كان بعد قراءة السورة لا يعيد؛ لأنه أتمها فلا ينقض الفرض لأجله كما إذا ترك القعدة الأولى فإن استتم قائما لا يعود وإن لم يستتم يعود وعليه سجود السهو في الحالين لتأخير الواجب.
ولو كان يرى تكبير ابن مسعود - رضي الله عنه - فلما شرع في القراءة تحول رأيه إلى رأي ابن عباس رضي الله عنهما يأتي ببقية التكبيرات لقيام المحل ثم إن قرأ الفاتحة لا غير يعيدها وإن قرأ السورة لا يعيد.
فإن قيل: في هذا نقض ما أمضي بالاجتهاد فإنّ المؤدى كان كل التكبير فلماذا صار ذلك نقضا ألا ترى أنّه لو كبر بقول ابن عباس رضي الله عنهما ثم رأى قول علي - رضي الله عنه - فإنّه لا يعيد.
قلنا: هذا نقض ما أدي بالاجتهاد وصفا لا أصلاً؛ وتغيير الوصف يجوز بمثل هذا؛ كالزيادة على الكتاب بخبر الواحد إذا كان مشهورا بخلاف ما ذكر لأنّ ذلك نقض ما أمضي بالاجتهاد أصلا لما نذكر وإن تحول رأيه بعدما أتم الركعة الأولى يفعل في الثانية برأيه الحادث لأن ما مضى كان على وجه الصحة فلا ينقض كالقضاء.
ولو كان يرى تكبير ابن عباس رضي الله عنهما فلما كبر ثلاثا أو أربعا تحول رأيه إلى رأي ابن مسعود - رضي الله عنه - يترك ما بقي لأن الزيادة خطأ عنده وليس في تركها نقض المؤدى ولو أتم التكبير يفعل في الثانية برأي ابن مسعود - رضي الله عنه -.
الجزء 1 · صفحة 48
ولو تحول رأيه إلى رأي علي - رضي الله عنه - وقد كان رأى تكبير ابن عباس أو ابن مسعود - رضي الله عنهم - وقد كبر يقرأ ولا يعيد التكبير لأن من مذهبه تأخير التكبير وكان مؤديا في محله وأنه يوجب نقض ما مضى بخلاف ما إذا تحول إلى رأي ابن عباس رضي الله عنهما لأنه يؤدى على وجه القضاء لفوات محله فالتَحَقَ بمحله.
ولو كان رأى رأي علي - رضي الله عنه - فتحول إلى رأي ابن عباس أو ابن مسعود رضي الله عنهما إن لم يقرأ السورة يكبر ويعيد القراءة وإن أتم القراءة لا يرفض ذلك ويكبر على نحو ما تحول إليه رأيه. والله أعلم.
باب التكبير في أيام التشريق
اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في تكبيرات أيام التشريق في البداءة والختم واتفق الكبار منهم نحو عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - على البداءة عقيب صلاة الغداة من يوم عرفة واختلفوا في الختم قال ابن مسعود - رضي الله عنه - يختم بعد العصر من أول يوم النحر وهي ثمان صلوات وبه أخذ أبو حنيفة.
وقال علي - رضي الله عنه - يختم بعد العصر من آخر أيام التشريق وهي ثلاث وعشرون صلاة وبه أخذ أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وعليه الفتوى.
وعن عمر - رضي الله عنه - روايتان: في رواية كما قال علي - رضي الله عنه - وفي رواية بعد الظهر من آخر أيام التشريق.
واتفق الشبان من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة - رضي الله عنهم - أنه يبدأ بعد صلاة الظهر من يوم النحر واختلفوا في الختم قال ابن عباس رضي الله عنهما يختم بعد الظهر من آخر أيام التشريق وهو إحدى الروايتين عن عائشة رضي الله عنها.
وقال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما بعد الفجر من آخر أيام التشريق وهو الرواية الأخرى عن عائشة رضي الله عنها وبه أخذ الشافعي رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 49
لهما أن الآثار تعارضت فالأخذ بالأكثر أولى احتياطا ولأنه منسوب إلى أيام التشريق وأجمعنا أنّه يكبر في غير أيام التشريق فلأن يكبر في أيام التشريق كان أولى بخلاف تكبيرات العيد؛ لأنّها تؤدى في الصلاة وإدخال ما ليس من الصلاة في الصلاة يوجب النقصان فيها فوجب الأخذ بالمتيقن صيانة للصلاة عن النقصان أما تكبيرات التشريق تؤدى خارج الصلاة وقد أُمرنا بالذكر خارج الصلاة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب:41] فوجب الأخذ بالأكثر.
ولأبي حنيفة رحمه الله ... أن الجهر بالتكبير بدعة بقضية؛ إلا أن بقدر ما اتفقت عليه الأئمة أخذنا به وما اختلفت فيه يرد إلى الأصل وهذا على أصله مستقيم؛ لأنه لا يترك اليقين إلا بيقين مثله كما في دخول وقت العصر والعشاء وحريم بئر الناضح وسهم الفارس والبيع بشرط الخيار إلى الغد ولا يقال البداءة بفجر عرفة مختلف فيه؛ لأنا نقول الثابت بخلاف الأصل والنص لا يرجع فيه إلى نفس التكبير ووقته وإنما يرجع إلى وصفه وهو الجهر به وقد انعقد الإجماع على الجهر في ثمان صلوات فلا يزاد عليه ورجحنا الوقت بدليل آخر.
فإن قيل: التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام واجب، وهي ثلاثة أيام التشريق والأمر للوجوب والفعل متى دار بين الواجب والبدعة كان إثباته أولى بخلاف تكبيرات العيد لما قلنا له: بل الجهر بالتكبير تردد بين كونه واجبا وبدعة كتكبيرات العيد ومع هذا لم نواخذ بالزيادة ثمّة ضرورة أن إدخال الزيادة نقصان وهذه التكبيرات وإن كانت تؤدى خارج الصلاة لكنها تؤدى في أثر الصلاة موصولا بها وللأثر حكم الأصل من وجه فتمكن نقصان في الصلاة من وجه فوجب الأخذ بالمتيقن.
الجزء 1 · صفحة 50
ولأنه إنما خصت هذه الأيام بالجهر فيها تشبيها بالحاج في رفع أصواته بالتلبية ولهذا يبدأ بيوم عرفة؛ لأنّ الوقوف فيه ولابد من تقدم التلبية على الوقوف وقبل يوم عرفة قد يكون وقد لا يكون ثم يقطعون التلبية بعد رمي جمرة العقبة وبعد طواف الزيارة والسعي ولا يبقى بعد ذلك ذكر يختص بالحج.
ثم هذه التكبيرات إنما تجب على الرجال المقيمين عقيب الصلوات المكتوبات المؤداة بجماعة مستحبة في الأمصار عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يجب على كل من صلى المكتوبة؛ لأنه تبع للمكتوبة فكل من يجب المتبوع عليه يجب التبع عليه كالتلبية مع الحج.
ولأبي حنيفة رحمه الله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع". قال الخليل والنضر بن شميل رحمهما الله: "التشريق في اللغة التكبير" ولا يجوز أن يحمل على صلاة العيد فقد قال في حديث علي - رضي الله عنه -:"لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع".
فقد ثبت بالحديث أنه بمنزلة الجمعة في اشتراط المصر فيه فكذا في اشتراط الذكورة والإقامة والجماعة ولهذا لم يشترط أبو حنيفة رحمه الله الحرية كما لم يُشترط في الجمعة إلا أنّه لم يَشتَرطُ السلطانَ؛ لأنه لا يؤدى بالجمعِ العظيم؛ ولأن هذه عبادة مخصوصة بالزمان حتى تسقط بفواته فأشبه الجمعة والعيدين فوجب أن تكون مخصوصة1لمكان كالجمعة والعيدين.
ثم الجمعة والعيدان لا تجب على النساء والمسافر المنفرد كذلك التكبير ولأن الجهر بالتكبير بدعة فلا يصار إليه إلا حيث انعقد الإجماع وأجمعوا على أنه لا يكبر في التطوع والعيد والوتر ويكبر في الجمعة.
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: إذا اقتدى المسافر بالمقيم والمرأة بالرجل يكبر تبعا ولهذا يتأدى بهم فرض الجمعة تبعا غير أن المسافر يجهر والمرأة لا.
الجزء 1 · صفحة 51
وفي المسافرين إذا صلوا في المصر بجماعة في رواية الحسن عليهم التكبير لأن المسافر يصلح للإمامة في الجمعة والأصح أنه لا يجب لأن السفر مغير للفرض يسقط التكبير ثم لا فرق في التغيير بين المصر وغيره فكذا في التكبير.
قوم نسوا صلاة في أيام التشريق فقضوا في غير أيام التشريق أو في أيام التشريق من السنة القابلة لم يكبروا عندنا.
خلافا للشافعي رحمه الله لأن هذه سنة فاتت عن وقتها فلا تقضى كرمي الجمار وغيره من السنن؛ و لأن الواجبات الموقوتة كالجمعة والعيدين لا تقضى فالسنن أولى.
فإن قيل: التبع إذا فات مع المتبوع يقضى؛ قلنا التكبير ليس بتبع للصلاة على الإطلاق فإن الصلاة في غير هذه الأيام تجب بدون التكبير وإنما هو تبع للصلاة في هذه الأيام خاصة فلا يقضى كالأضحية ألا ترى أنه لو فاتتهم الجمعة والعيد لا يقضون في الجمعة الثانية والعيد الثاني ولو فاتتهم الصلاة في غير أيام التشريق فقضوا في أيام التشريق لا يكبرون أيضا؛ لأن القضاء على وفق الأداء.
وعن أبي يوسف رحمه الله أنهم يكبرون.
لا يلزم على ما ذكرنا؛ المريض إذا فاتته الصلاة بالإيماء ثم برأ يقضيها بركوع وسجود لأن المشروع الأصلي الأداء بركوع وسجود؛ إلا أنّه سقط الركوع والسجود لعجزه فإذا لم يؤد حتى قدر استحقاق الأداء بركوع وسجود ظهر في استحقاق القضاء بركوع وسجود فلزمه القضاء بمثله كما لو فاتته الصلاة عند عدم الماء وقضى حالة القدرة عليه أمّا الأداء بصفة الجهر بالتكبير لم يكن مشروعا في غير هذه الأيام أصلا ولو فاتتهم صلاة في أيام التشريق فقضوا في أيام التشريق من تلك السنة فعليهم التكبير لأنه لم يفت عن وقته في جميع الوجوه فلا يزيد على وظيفة السنة فصار كرمي الجمار إذا فات في يوم فإنه يقضى ما دام في أيام الرمي وكالأضحية إذا فاتت في اليوم الأول أنّه يضحي في اليوم الثاني أو الثالث لبقاء وقتها.
الجزء 1 · صفحة 52
الإمام إذا سهى عن التكبير فعلى القوم أن يكبروا لأنها عبادة تؤدى خارج الصلاة بناء على الصلاة فكان الإمام سنة لا واجبا فإن أمكن انتظار الإمام ينتظرونه وما دام في المسجد لا يقع اليأس فينتظرونه فإذا خرج وقع اليأس فيكبرون مثل سجدة التلاوة لأنّ التالي كالإمام ويَسجُدُ ويَسجُد السامعون فإن ذهب هو يسجد السامعون ... بخلاف السهو لأنه يؤدى في الصلاة فما لم يسجد الإمام لا يسجدون ألا ترى أنه لو أدرك الإمام في سجدتي السهو يكون مدركا للصلاة ولو أدركه في التكبير لا.
ثم الإمام إن تذكر في المسجد ولم يتكلم يعود إلى مكانه ويكبر والأصل فيه أن كل ما يقطع البناء يقطع التكبير والحدث العمد والخروج من المسجد والكلام يقطع البناء فيمنع التكبير وسبق الحدث والتحول عن القبلة لا يقطع البناء فلا يمنع التكبير لأن التكبير يؤدى على إثر الصلاة متصلا بها فإذا وقع الفصل بينهما يقع في غير محله فيسقط وسبق الحدث لا يفصل فلا يمنع ولا يجدد الوضوء لأنه لا يؤدى في حرمة الصلاة فلا يحتاج إلى الطهارة.
وقال بعضهم يتوضأ ثم يعود ويكبر والأول أصح؛ لأنه لما لم يكن له حاجة إلى الوضوء كان الخروج قاطعا لفور الصلاة فلا يمكنه أن يكبر.
الجزء 1 · صفحة 53
ودلت هذه المسألة على أنّ من سلم على ظن أنه أتم الصلاة ثم تذكر بعدما انحرف عن القبلة واستدبرها ولم يخرج من المسجد أنه يبني؛ ولا رواية في هذه المسألة إنما الرواية فيما إذا سال من أنفه شيء وفطن أنه رعاف وانحرف واستدبرها ثم ظهر أنه مخاط قبل خروجه من المسجد أنه يبني وذكر الكرخي رحمه الله في الجامع الصغير وحَكَى الخلاف فيمن سلم على ظن أنه أتم الصلاة فانحرف ثم تذكر؛ أنه يبني عند أبي حنيفة رحمه الله وعند محمد: لا؛ لأنّ الانحراف يجب أن يكون مفسدا لأنّه مفوت للاستقبال الذي هو شرط لكن إذا قصد الإصلاح جعل عفوا لأنّه وسيلة إلى الصلاح وهذا الانحراف كان على قصد الترك لا على قصد الاصلاح فيكون مفسدا كما لو ظن أنّه لم يمسح رأسه فانحرف ثم تذكر ولأبي حنيفة رحمه الله أنّه لما سلم على ظن أنّه قد أتمّ الصلاة لم يكن الانحراف على قصد الترك والإعراض فبقي مجرد الانحراف من غير قصد الترك والإعراض فلم يجعل مفسدا كما في الرعاف ولهذا لو تحقق ما ظن لا يلزمه الإعادة بخلاف مسح الرأس إذا ثبت أن الانحراف لا يمنع الوصل.
ولو اقتدى بإمام لا يرى التكبير عقيب تلك الصلاة وهو يرى؛ يكبر برأي نفسه؛ لأن الإمام فيه ليس بشرط فيتابع الإمام إن أتى به وإلا تفرد به وكذا لو رأى الإمام التكبير وهو لا يرى لا يجب عليه أن يكبر لعدم التبعية قال في الأصل: ألا ترى أن رجلا لو قرأ آية السجدة في غير الصلاة وسمع قوم فإنّهم يسجدون بسجدته فإن لم يسجد هو يسجد القوم ألا ترى أن قوما محرمين لو صلوا خلف غير محرم ينبغي لهم أن يلبوا إذا فرغوا من الصلاة وإن لم يلب الإمام.
الجزء 1 · صفحة 54
وإذا اجتمع سجدة السهو والتكبير والتلبية يبدأ بالسهو؛ لأنها تؤدى في الصلاة ولهذا يقعد بعدها ثم بالتكبير لأنه يؤدى في حرمة الصلاة ثم بالتلبية لأنها تؤدى خارج الصلاة مطلقا ولو بدأ بالتكبير لا تفسد الصلاة؛ لأنه ذكر وثناء ولو بدأ بالتلبية تفسد؛ لأنها جواب الدعاء فكان كلاما والمسبوق يتابع الإمام في سجدة السهو ولا يتابعه في التكبير والتلبية أما سجدة السهو فلما ذكرنا أنّها تؤدى في الصلاة ولو لم يتابعه فيها يأتي بهما في آخر صلاته استحساناً ولا يتابعه في التكبير لأنّه في أثر الصلاة ولو تابعه لا تفسد صلاته فيكبر في آخر صلاته لأنّ الأول حصل في غير موضعه ولو تابعه في التلبية فسدت لما قلنا.
باب الصيام والاعتكاف
أصل الباب: أن موجب اللفظ يثبت باللفظ ولا يفتقر إلى النية ومحتمل اللفظ لا يثبت إلا بالنية وما لا يحتمل لفظه لا يثبت وإن نوى.
وحرف آخر: أن النذر من العبد إيجاب على نفسه فيما يحتمل الإيجاب كالأمر من الله تعالى والخروج عن العهدة إذا وافق الأداء الواجب أما إذا خالفه فلا لأنّه غيره لأنّ الغائب إنما يعرف بالوصف والمعتبر في النذر عين ما يلفظ وفي اليمين معنى ما يلفظ به أعني الكفارة.
وحرف آخر: أن الاعتكاف الواجب لا يصح إلا بالصوم عندنا وعند الشافعي رحمه الله يصح لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة" فقال - صلى الله عليه وسلم -: " أوف بنذرك" والليل لا يصام فيه.
وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه" والهاء كناية فينصرف إلى ما تقدم وهو الصوم ولأنّا أجمعنا على أنه لو قال: لله عليّ أن أعتكف رمضان؛ يلزمه الاعتكاف لصومه وصوم رمضان مستحق عليه عينه على أي وجه صامه كان عن رمضان عندكم فبقي الاعتكاف بغير صوم.
الجزء 1 · صفحة 55
وحجتنا ما روى عن ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - أنهما قالا: "لا اعتكاف إلا بالصوم".
والمعنى فيه أنّا اجمعنا على صحة النذر بالاعتكاف والنذر لا يصح إلا بما لله من جنسه واجب مقصودا والاعتكاف عبارة عن اللبث والمقام فلا يكون قربة بنفسه ما لم ينضم إليه ما هو قربة ولا يجب غير الصوم بالاجماع فلو لم يجب الصوم لا يصح النذر به وقد صح فيجب الصوم كالوقوف بعرفة لا يكون عبادة ما لم ينضم إليه ما هو قربة وهو الإحرام وحديث عمر - رضي الله عنه - روي في بعض الروايات أنه قال: "نذرت أن أعتكف يوما" فيحمل على أنه نذر أن يعتكف يوما وليلة.
ولأن النذر في الجاهلية بالعبادات البدنية لا يصح فيحمل قوله - صلى الله عليه وسلم -:" أوف"؛ على الاستحباب والوفاء بالوعد لا على الوجوب.
وحديث علي - رضي الله عنه - معارض بالرواية عنه أو معناه إلا أن يوجب بالاعتكاف على نفسه وهذا وإن كان بعد فالحمل عليه أولى لأنّه أكثر فائدة لأن وجوب المنذور بالنذر معلوم بدلائل أخر ولا خفاء فيه أما وجوب غير المنذور بالنذر وكونه شرطا لغيره فيه خفاء فمست الحاجة إلى معرفته فكان الحمل عليه أولى.
وأما المعنى قلنا: الصوم عندنا شرط الاعتكاف فيعتبر وجوده عند الاعتكافوإن لم يكن الصوم له كالطهارة إلا أنه إذا لم نضف إليه يصير الصوم أصلا في الالتزام لأنه مما يلتزم وإذا أضاف إليه لا يلزمه مقصوداً أما التطوع يصح بغير الصوم بأن يعتكف ساعة ثم يخرج وروى الحسن عن أبي حنيفة: إن كان أقل من يوم لا يكون معتكفا فيلزمه اعتكاف يوم لأن صحة الاعتكاف متعلقة بالصوم. وأقله يوم.
وجه ظاهر الرواية: أن الاعتكاف غير مقدر في نفسه وصحة ما مضى غير متعلقة بما بقي كالوقوف بعرفة فبقدر ما أقام في المسجد يكون قربة أما الصوم مقدر وصحة ما مضى متعلقة بالباقي فإذا شرع فيه يلزمه صوم يوم.
الجزء 1 · صفحة 56
وروى بشر عن أبي يوسف رحمه الله: أن أقل مدة الاعتكاف أكثر النهار حتى لو شرع في صوم التطوع ثم نذر بالاعتكاف قبل الزوال يصح نذره ثم إيجاب الاعتكاف إيجاب للصوم حكما فالصوم تبع للإيجاب لكنه متبوع في حق الجواز كالوضوء تبع في إيجاب الصلاة متبوع في حق الجواز.
وحرف آخر: أن ذكر الأيام بلفظ الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي بعددها وكذا ذكر الليالي دليله قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم:10]
والقصة قصة واحدة ذكرها مرة بالأيام ومرة بالليالي.
أو نقول إذا استوى العددان فالعرب تقتصر بذكر أحدهما وإذا اختلفا ذكرت كل واحد منهما كقوله تعالى {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار} [آل عمران:41]
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: إذا قال لله عليّ أن أصوم شهرا أو قال لله عليّ أن أعتكف شهرا؛ يلزمه صوم شهر أو اعتكاف شهر يصومه وإليه التعيين.
لأنه التزم شهرا منكرا ولا يصرف إلى الشهر الذي يليه بخلاف اليمين والإجارة؛ لأن الغرض من اليمين منع نفسه لغيظ لحقه فيتقيد بالحال وفي الإجارة لو صرفناه إلى شهر منكر لا يصح فصرفناه إلى الشهر الذي يليه ولأن جميع الأوقات تصلح للمنع ولعقد الإجارة وليس البعض بأولى من البعض فاعتبروقت العقد لأن جوازها بخلاف القياس لأجل الحاجة.
أما جميع الأوقات لا تصلح للصوم وكذا الاعتكاف لأنه لا يصح بدون الصوم فكان التعيين إليه ولأن الإجارة عقد مرسل والأصل في العقد المرسل وجود المحل ليثبت حكمه في الحال وقد تعذر إيجاد المنافع جملة؛ فعينا الجزء الذي يلي العقد عملا بقضية العقد بقدر الإمكان.
الجزء 1 · صفحة 57
ثم في الصوم إن شاء فرق وإن شاء تابع وفي الاعتكاف يلزمه التتابع؛ لأن الصوم يقع متفرقا على ما عليه الأصل بتخلل الليالي والتتابع صفة زائدة فلا يلزمه إلا بالتنصيص عليه وهذا لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى وفي إيجاب الله تعالى الصوم مطلقا لا يلزمه التتابع كما في قضاء رمضان وكذا في جزاء الصيد وصوم المتعة ولهذا نص على التتابع في الظهار.
وصوم رمضان متجاور لا متتابع والنذر بصوم شهر بعينه بمنزلة رمضان أما الأصل في الاعتكاف التتابع لأن الليالي محل له تبع للأيام واسم الشهر جمعهما فلا يختص أحدهما إلا بدليل كما في الكلام والإجارة.
ولو قال عنيت النُهر دون الليالي أو الليالي دون النُهْر لا تصح نيته؛ لأن اسم الشهر حقيقة لهما فلا يجوز الصرف إلى أحدهما بمجرد النية.
كما لو قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين يوما وثلاثين ليلة وقال: عنيت الأيام دون الليالي وكما لو نوى بعض الشهر.
ولأنّا لو أسقطنا الليل لم يكن للباقي اسم الشهر فيبطل اللفظ أصلا فلا تصح نيته
ولأنه ليس باسم عام حتى تصح فيه نية التخصيص بل هو اسم خاص لعدد خاص مشتمل على ثلاثين يوما وثلاثين ليلة أو تسع وعشرين فلا يتناول ما دونه لا حقيقة ولا مجازا أما حقيقة فلا شك وأما مجاز فلأن المعنى الذي لأجله سمي هذا العدد الخاص باسم الشهر وهو اجتماع الأفراد المخصوصة لا يتصور وجوده فيما دونه بوجه ما ليجوز اطلاق الاسم عليه مجازا كالأسد للشجاع.
فلا يحتمل هذا الاسم المجاز إلا أن يقرن به الاستثناء؛ فتبين بقوله: إلا الليالي أن اللفظ يتناول النُهر؛ كقوله: لفلان عليّ ألف إلا مائة؛ تبين بالاستثناء أنه ما أقر إلا بتسعمائة لكن لها اسمان إلا أن الاستثناء لا يثبت بمجرد النية.
ولو نذر اعتكاف ليلة لم يصح؛ لأنها لا تقبل للصوم ولو نوى اليوم معها ذكر الكرخي رحمه الله أنه لا يصح لأن ذكر الليلة لا يتضمن ذكر اليوم لوجوده بدونه.
الجزء 1 · صفحة 58
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله أنه يصح؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه لأن الليلة تذكر ويراد بها الوقت كاليوم يذكر ويراد به الوقت.
ولو نذر اعتكاف يوم يصح ويدخل المسجد قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس لأن اليوم اسم لوقت ممتد ألا ترى أنه لو نذر صوم يوم يلزمه هذا القدر ولا يخرج إلا لبول أو غائط أو وضوء أو الجمعة ويخرج حين زالت الشمس مقدار ما يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا وفي رواية ستا.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: يخرج مقدار ما يصلي الجمعة ثم يرجع ولم يرخص مقدار ما يصلي قبلها وبعدها لأنه إنما يرخص له الخروج إلى الجمعة لأنها فريضة بإيجاب الله تعالى فلا يرخص لغيرها.
وجه ظاهر الرواية: أن ما قبلها وبعدها من توابعها والإذن بالمتبوع إذن بالتبع.
ولو نذر اعتكاف ليلتين يلزمه اعتكاف ليلتين بيوميهما وكذا لو نذر اعتكاف يومين يلزمه اعتكاف يومين بليلتيهما فيدخل المسجد قبل غروب الشمس ويمكث تلك الليلة ويومها والليلة الثانية ويومها.
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يصح النذر في الليلتين لأنه ليس بمحل الصوم والنص ورد في الجمع وعنه أنه لا تدخل الليلة الأولى في المسألتين وجوبا وإنما تدخل استحبابا والليلة المتوسطة تدخل وجوبا؛ لأن الليل ليس بمحل قصدا والمقصود منه النهار والليلة المتوسطة تدخل وجوبا لأن الليل ليس بمحل قصدا وإنما المقصود منه النهار والليلة المتوسطة دخولها بالضرورة ليكون الاعتكاف متابعا ولا ضرورة في الأولى.
وجه ظاهر الرواية: أن ذكر الأيام أو الليالي مجموعا يقتضي عددها من الأيام والليالي فتدخل الليلة الأولى وجوبا لأن الليالي تسبق الأيام ألا ترى أن تاريخ الشهر يكتب من الليالي وكذا التراويح وكذا التثنية يقال لم أرك منذ يومين ومنذ ليلتين لم أرك ويقال ليلتان خلتا من الشهر ويراد ليلتان بيوميهما.
الجزء 1 · صفحة 59
ولو قال: لله عليّ أن أعتكف ثلاثين يوما تلزمه مع الليالي لما قلنا ولو قال عنيت به النهر خاصة صُدِّقَ لأنه نوى حقيقة كلامه بخلاف الشهر لأنه اسم لهما ولا يختص بأحدهما وإذا صُدِّقَ إن شاء فرق وإن شاء تابع لأن التتابع إنما يلزمه في الشهر لتتابع الأيام مع الليالي فإذا لزمه بالنهار خاصة فلا ضرورة فيخير كما في الصوم.
ولو قال: لله عليّ أن أعتكف ثلاثين ليلة يلزمه ذلك مع الأيام ولو نوى الليالي خاصة صحت نيته ولا يلزمه شيء؛ لأنّه نوى حقيقة كلامه وانعدم شرطه وهو الصوم فلا يلزمه شيء.
ولو قال: لله عليّ أن أعتكف شهر رمضان يلزمه الاعتكاف بصومه؛ لأن الصوم شرط؛ والشروط يراعى وجودها في الجملة و إما لا يراعى وجودها مقصودا كالطهارة للصلاة ولأنه أوجب الاعتكاف بصوم رمضان ولا يلزمه صوم آخر كما لو قال: لله علي المشي إلى مكة لحجة الإسلام لا يلزمه إحرام آخر فهنا كذلك.
ثم المسألة على أربعة أوجه: إن صام واعتكف خرج عن العهدة بيقين وإن لم يصم ولم يعتكف أو اعتكف ولم يصم فالجواب فيهما واحد لأن الإعتكاف لا يصح إلا بالصوم فيلزمه القضاء.
فإذا قضى شهرا واعتكف فيه جاز؛ لأن القضاء بدل فاعتبر بالمبدل والصوم الذي هو شرط باقي عليه وصار كما لو قال: لله عليّ أن أعتكف رجب فلم يصم رجب فاعتكف قضاء مع الصوم جاز.
ولو صام متفرقا لا يجزئه عن الاعتكاف ويجزئه عن رمضان؛ لأنّ التتابع في قضاء رمضان ليس بشرط بخلاف الاعتكاف.
ولو صام ولم يعتكف فعليه الاعتكاف بصوم متتابع وعند زفر والحسن بن زياد رحمهما الله لا شيء عليه وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله؛ لأن الاعتكاف تعلق بصوم رمضان فإذا فات صوم رمضان بقي الاعتكاف متعريا عن الصوم فصار كأنه أوجب الاعتكاف بغير صوم.
ولأنّ هذا النذر لا يوجب الصوم فلو وجب القضاء فإما أن يلزمه الصوم بدون التزام أو يعتكف بدون الصوم وكلاهما ممتنع.
الجزء 1 · صفحة 60
وجه ظاهر الرواية: أن النذر قد صح وتعلق بالزمان الذي عينه فإذا لم يعتكف فيه انقطع التعيين وصار دينا في الذمة مقصودا؛ لأنه من جنس ما يلتزم مقصودا بخلاف ما لا يكون مقصودا بنفسه من القرب.
فإنّه لا يصير دينا في الذمة كالظهار والسعي ولأنّ النذر به سبب إلا أنّ صوم رمضان مانع وقد زال؛ ولأن الاعتكاف هو الأصل والصوم تبع فلا يخلو إما أن يبطل الاعتكاف لعدم الصوم أو يلزمه الصوم وهذا أولى لأنّ إيجاب التبع لصيانة الأصل أولى من إبطال الأصل لمكان التبع؛ فيصير كأنه قال: لله عليّ اعتكاف شهر.
ولهذا قلنا: لو اعتكف في رمضان القابل لا يجزئه لأنه صار الوجوب مرسلا حكما للاعتكاف فلا يتأدى بصوم رمضان.
فإن قيل: الصوم وإن صار واجبا لكنه واجب لغيره وهو اتصاف المعتكف بكونه صائما وقد وجد وصار كما لو قال: لله عليّ أن أصلي وهو على غير وضوء يلزمه الوضوء فلو توضأ للظهر وأدى به المنذور جاز وإن كانت هذه الطهارة واجبة لأجل المكتوبة لا لأجل المنذورة وهو قول زفر رحمه الله.
قلنا: الصوم لأجل الاعتكاف وإن لم يكن واجبا لعينه فصوم رمضان واجب لعينه فمتى صار مستحق الأداء لعينه من كل وجه لا يحتمل الوجوب لغيره فلا يمكن أداء الصوم الواجب شرطاً تعلق بذمته فلا يخرج عنهما بصوم واحد كما لو نذر أن يعتكف رجب لزمه بصومه ولو فاته حتى دخل رمضان؛ فالحاصل أن الواجب عليه صومان أحدهما إذا تعلق بوقت معين والآخر قضاء فاعتكف بصومه لم يجز بخلاف الطهارة؛ لأنها للمكتوبة واجبة لغيرها وكذا للمنذورة وما يكون واجبا لغيره يحتمل الوجوب لغيره أيضا لأنّ الواجب لغيره لا يكون واجبا في نفسه فإذا قبلت هذه الطهارة؛ الوجوب لغيره صارت واجبة للمنذورة.
ثم تأدى الطواف بطهارة واحدة لحصول المقصود نظيره إذا دخل مكة بغير إحرام حتى لو وجبت عليه حجة أو عمرة فأحرم بحجة الإسلام في تلك السنة تنوب عمّا لزمه بدخول مكة ولو تحولت السنة لا تنوب.
الجزء 1 · صفحة 61
وزفر رحمه الله فرق بينهما فقال في الحج لا تنوب بكل حال وهنا لا يلزمه شيء لأن هنا ما وجب عليه الصوم بالاعتكاف حتى يلزمه القضاء ثمة وجب عليه الحج بالدخول فلا يسقط بحجة الإسلام كما لو نذر اعتكاف شهر فاعتكف شهر رمضان لم يجزئه.
ولو نذر أن يصوم شهرا بعينه فعجله جاز عند أبي حنيفه وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد لا يجوز وهو قول زفر رحمهما الله.
أما النذر بالتصدق فهو على وجوه أما أن يُعين الوقت فيقول: لله عليّ أن أتصدق غدا بدرهم أو يُعين المكان فيقول: في مكان كذا أو يُعين المتصدق عليه فيقول: على فلان المسكين أو يُعين الدرهم فيقول بهذا الدرهم وفي الوجوه كلها: يصح النذر ويلغو القيد وعند زفر رحمه الله – يعتبر القيد و لا يخرج عن24 العهدة إلا بالأداء كما التزمه.
ألا ترى أنه لو أمر غيره أن يطلق امرأته للسنة؛ فطلقها لغير السنة لا يقع ولو أوصى أن يتصدق بدرهم على فلان فتصدق على غيره كان مخالفا وهذا لما عُرِفَ أن أفعال العباد وأوامرهم قد تخلو عن حكمة وفائدة حميدة؛ فلا يمكن اعتبار المعاني فيعتبر اللفظ بخلاف أوامر الله تعالى وصار كالمعلق وإما أن نقول ما أوجبه العبد على نفسه معتبر بما أوجبه الله تعالى عليه ألا ترى أن ما لله تعالى من جنسه واجب يصح التزامه بالنذر وما لا فلا.
ثم ما أوجب الله تعالى من الصدقة مضافا إلى وقت يجوز تعجيله كالزكاة وصدقة الفطر فكذا ما أوجبه العبد وهذا لأن صحة النذر باعتبار معنى القربة وذلك في التزام الصدقة لا في تعيين الزمان والمكان وغيرهما وإنما يعتبر من التعيين ما يكون مقيدا فيما هو المقصود.
الجزء 1 · صفحة 62
ومعنى القربة: سد خلة المحتاج وإخراج ما يجري فيه الشح والظنة عن ملكه ابتغاء مرضاة الله تعالى وبهذا خرج الجواب عما ذكر من اعتبار اللفظ لأن صحة النذر لم تكن باعتبار اللفظ بل باعتبار معنى القربة وبه فارق الوصية لأن صحتها لم تكن باعتبار معنى القربة فصار فلان موصى له بما سمى فإذا دفعه إلى غيره كان مخالفا بخلاف التعليق لأن المعلق بالشرط عدم قبله فكان أداء قبل السبب أما الإضافة سبب في الحال فكان الأداء بعده.
واستوضح الفرق بين الإضافة والتعليق بما لو قال لآخر: ما ذاب لك على فلان فهو عليّ وهو صحيح فذاب عليه في مرضه لزمه من جميع المال ولو كان الجواب مقصوراً على حالة الذوب لاعتبر من الثلث.
بخلاف إضافات الله تعالى إلى الأوقات لأنها تشعر بتفضيل الوقت وجعله سببا أو شرطاً ولله تعالى ذلك بخلاف العبد؛ لأن له مباشرة الأسباب الشرعية لا جعل ما ليس بسبب سببا وفي التعليق لم تبق صيغة الإيجاب ألا ترى أنّه يصير سببا آخر وهو اليمين وكونه يمينا ينفي كونه إيجابا في الحال.
وذكر الحسن رحمه الله في المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله لو قال: لله عليّ أن أصوم رجب فجن قبله وأفاق بعده عليه قضاءه بخلاف رمضان؛ لأنّه وجب في شهر بعينه ولو صام قبله لا يجوز وهنا أوجب شهرا بعينه نذرا والنذر تجب منه القربة ولا تجب ما ليس بقربة والصوم قربة والشهر الذي أوجبه ليس بقربة وليس بأقرب من البر في غيره ووجب الصوم دون الوقت كما لو أطلق ثم جن ثم أفاق.
وأما العبادات البدنية؛ فمحمد رحمه الله يقول: ما أوجب الله تعالى من الصوم والصلاة؛ لا يجوز تعجيله فكذا ما أوجبه العبدبنذره بخلاف الصدقة وهذا لأنه بالنذر جعل ما هو المشروع في الوقتنفلا واجبا.
الجزء 1 · صفحة 63
ولهذا لا يصح إضافة النذر بالصوم إلى الليل وإلى زمان الحيض لأنه غير مشروع فيه نفلا والمشروع في وقت غير المشروع في وقت آخر فالنذر يعلق بالصوم المشروع في الوقت المضاف إليه حتى يتأدى بمطلق النية والنية قبل الزوال ولو لم يتعلق لا يتأدى كما لو أطلق ولهذا لو نذر بصوميوم العيد يجوز الأداء فيه ولو أطلق لا يجوز.
ولهذا لو نذر بصوم رمضان لا يلزمه شيء ولو لم يتعلق للزمه ولهما أنه التزم بنذره ما هو قربة وتعيين الوقت غير مفيد في هذا المعنى فلا يعتبر كما قلنا في الصدقة ولا يقال الصوم في بعض الأوقات قد يكون أفضل كما ورد في الأثر في صوم الأيام البيض وعاشوراء وعرفة وغير ذلك.
لأنّا نقول: هذا لا يصح من محمد رحمه الله فإنه لو نذر صوم يوم العيد وصام يوم عرفة لا يجوز عنده وإن كان المؤدى أكمل.
الجزء 1 · صفحة 64
ثم نقول بالإجماع النذر لا يتعلق بالفضيلة ولا يتقيد به ولا بالوقت المضاف إليه حتى لو نذر أن يصوم يوم عرفة أو يوم عاشوراء فصام بعد مضيه قضاء يجوز بخلاف صوم رمضان وصلاة الفرض لأن الشرع جعل شهود الشهر سببا بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [البقرة:185] ومثل هذا لبيان السبب كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من غير دينه فاقتلوه" و قال - صلى الله عليه وسلم -:"من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر" وكذا جعل الزوال سببا؛ لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]
فما أدى قبله يكون قبل السبب أما الناذر ما جعل الوقت سببا لأنه ليس ذلك إلى العباد فيكون السبب متقررا قبل وجود الوقت وإن تأخر الأداء عنه فيجوز التعجيل كالمسافر إذا صام رمضان يكون مؤديا للفرض وإن كان وجوب الأداء متأخرا.
ولأن هذه العبادة تضاف إلى النذر لا إلى الوقت قالوا فالواجب تضاف إلى أسبابها والإضافة لا تمنع كونه نذرا في الحال بدليل النذر المضاف في الصدقة فإنه لا فرق بين العبادات البدنية والمالية في عدم جوازها قبل وجود السب وجوازها بعده وإذا وجد السبب يجوز الأداء كما لو كفر بعدالجرح في قتل المسلم أو صيد الحرم.
الجزء 1 · صفحة 65
وفي جواز التعجيل منفعة فربما لا يقدر على الأداء في الوقت المضاف إليه لمرض أو موت وقصده من الإضافة التخفيف على نفسه فاعتبرنا الإضافة في حق هذا الحكم وجوزنا التعجيل كما في الصدقة إذا عين الدرهم لم يلزمه شيء إذا هلك ولو تصدق بمثله يجوز فإذا ثبت اعتبار التعيين من هذا الوجه يجوز الأداء بمطلق النية والنية قبل الزوال لما فيه من معنى النظر له.
ولو قال: لله عليّ أن أصوم شهرا بمكة أو أعتكف أو أصلي بها ركعتين يجوز عندنا في غير مكة وعند زفر رحمه الله لا يجوز إلا في المكان الذي عينه أو في مكان هو أعلى من الذي عينه.
وأفضل الأماكن المسجد الحرام على ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " صلاة في مسجدي أفضل من عشرة ألاف صلاة فيما سواه إلا في المسجد الحرام فصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه وصلاة في سبيل الله أفضل من مائتي ألف صلاة فيما سواه وصلاة الرجل ركعتين في ظلمة الليل حيث لا يراه إلا الله أفضل من هذا كله".
فكذلك الاعتكاف في المسجد الحرام أفضل ثم في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم في مسجد بيت المقدس ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها وعظم.
وروى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد الأقصى"
ولو قال: لله عليّ أن أصوم شهرا متتابعا ولم ينو شهرا بعينه يلزمه بصفة التتابع حتى لو أفطر يوما يلزمه الاستقبال.
ولو قال: لله عليّ صوم شهرا متتابعا ونوى شهرا بعينه أو أوجب على نفسه صوم شهر بعينه لا يلزمه التتابع حتى لو أفطر يوما يقضي ذلك اليوم لما ذكرنا أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى وإيجاب الله تعالى صوم شهر رمضان لا يوجب التتابع وفي المنكر ككفارة الظهار يوجبه.
الجزء 1 · صفحة 66
ولأنا لو أوجبنا الاستقبال في شهر بعينه يقع كله في غير الوقت المضاف إليه ولو أوجبنا القضاء يقع بعضه في غير ذلك الوقت فكان هذا أولى بخلاف ما إذا لم يعين ولأن الصفة في المعين لغو ولو أراد اليمين مع ذلك ولم يصم كفر مع القضاء.
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يلزمه القضاء إن أراد اليمين وإن أرادهما فعليه القضاء دون الكفارة لأن اللفظة للنذر حقيقة ولليمين مجازا فلا يجتمعان في لفظ واحد.
ولهما: أن هذا ليس من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الوجوب على نوعين لعينه ولغيره إلا عند الإطلاق يحمل على النذر لغلبة الاستعمال أو أن اللفظ موضوع له لغة فإذا نواهما صح لأنه من باب العمل بعموم اللفظ لا من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخلها راكبا أو ماشيا يحنث.
وكذا الهبة بشرط العوض والإقالة ونحوهما ولأنه نوى التغليظ وهو وجوب الكفارة والتخفيف وهو سقوط القضاء فيصح فيما عليه لا فيما له.
ولو نذر صوم يوم بغير عينه لا يجوز إلا بنية من الليل ولو عين اليوم يجوز بنية من النهار وبنية التطوع اعتبارا لما أوجبه على نفسه بما أوجبه الله تعالى عليه فكان الأول بمنزلة قضاء رمضان والكفارات والثاني بمنزلة صوم رمضان.
والمعنى فيه أن عند تعيين اليوم إمساكه في أول النهار يتوقف على الصوم الواجب عند وجود النية فإذا نوى استندت النية إلى أول النهار كما في سائر التصرفات الموقوفة وذاك لا يوجد في الإطلاق ولأن في المعين إذا ترك النية من الليل تحقق عجزه عن الإتيان بصفة الكمال كما التزمه فجوزنا مع ضرب نقصان بطريق إقامة النية في أكثر النهار مقام النية في جميعه لأجل العجز وذلك لا يوجد فيما إذا أطلق لأنه قادر على أن يصوم يوما آخر بصفة الكمال.
وإذا نوى بالنهار في المطلق ولم يجز عن النذر وكان صائما عن التطوع فإن أفطر لا قضاء عليه عندنا خلافا لزفر رحمه الله وهو فرع مسألة المظنون.
الجزء 1 · صفحة 67
إلا أن بين النذر المعين وبين رمضان فرقا وهو أن في النذر المعين لو صام عن واجب آخر يجوز وفي رمضان لا يجوز لأن إيجاب العبد يعمل فيما له وهو النفل لا في إبطال محلية ما عليه حقا للشرع وإيجاب الله تعالى يعمل في إبطال محلية كل الأنواع لأن ولاية الله تعالى لاتختص ببعض دون بعض حتى إن في حق المسافر لما لم يكن الأداء واجبا عليه في الشهر لو صام عن واجب آخر يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله فعلى هذا تخرج المسائل.
إذا قال: لله عليّ أن أصوم رجب ثم ظاهر من امرأته فصام شهرين أحدهما رجب يجوز عن الظهار ولو نوى اليمين لا كفارة عليه لأن شرط البر كونه صائما في رجب قد وجد وعليه قضاء المنذور.
ولو صام شهرين أحدهما رمضان لا يجوز عن الظهار؛ لبطلان المحلية بتعيين الله تعالى ثم ينظر إن كان أخراهما رمضان يصوم شهرين للظهارلأن رمضان صار فاصلا وإن كان أولهما رمضان يصوم بعد شوال شهرا ويوما آخر متصلا؛ لأن يوم العيد لا يجوز الصوم فيه عن الظهار.
ولو نذر صوم الأبد ثم ظاهر فصام شهرين عن الظهار جاز؛ ألا ترى أنه لو قضى رمضان فيما أوجبه على نفسه جاز ولو صام بنية الظهار شهرين أحدهما رمضان لا يجوز كما لو قضى صوم رمضان في رمضان قابل. والله أعلم.
كتاب الزكاة
باب زكاة الطعام
أصل الباب: أن أداء القيمة في الزكاة وصدقة الفطر والحقوق المالية جائزة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله.
وظن بعض أصحابنا رحمهم الله أن القيمة بدل الواجب حتى لقبوا المسألة بالأبدال وليس كما ظنوا فإن المصير إلى البدل لا يجوز مع القدرة على الأصل وإنما جاز لأن المأمور به أخذ المال لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [التوبة:103]
الجزء 1 · صفحة 68
فهو نص على أن المأخوذ مال وبيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر للتيسير على أرباب المواشي لا لتقييد الواجب به فإنه تعز فيهم النقود والأداء مما عندهم أيسر دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " في خمس من الإبل شاة"؛وكلمة "في" للظرفية حقيقة والشاة لا توجد في الإبل علمنا أن المراد قدرها من المال.
وهذا لأنها وجبت حقا لله تعالى لتحقيق معنى الإبتلاء لكونه شاقا على المؤدي وإيصالا للرزق الموعود إلى الفقير كفاية له وأنه يتعلق بمطلق المالية كالجزية وجبت للمقاتلة كفاية لهم فيعتبر في حقهم صلاحية المحل للكفاية فكذا في حق الفقراء وبخلاف الهدايا والضحايا والإعتاق فإن المستحق إراقة الدم حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق لا يلزمه شيء ولا يلزمه التصدق أيضا والإراقة ليست بمتقومة ولا معقولة المعنى والإعتاق وإزالة الرق ولا قيمة له وبخلاف السجود على الخد والذقن؛ لأنه ليس لقربة أصلا حتى لا يصار إليه عند العجز وما ليس بقربة لا يقوم مقام القربة أما التصدق بالقيمة قربة ويحصل به المقصود.
ثم لا بد من اعتبار القيمة فعند أبي حنيفة رحمه الله تعتبر القيمة يومالوجوب وعندهما يوم الأداء.
بناء على أن الواجب عندهما هو المنصوص عليه عينا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " هاتوا ربع عشر أموالكم" وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذ من الإبل الإبل" وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في أربعين شاة شاة" ولهذا تسقط بهلاك النصاب وتبقى ببقاءه؛ إلا أن الشرع أطلق له أداء غيره لحصول الكفاية به لما قلنا فيعتبر القيمة يوم منع حقهم في العين والنقل إلى غيرها كما في ولد المغرور والمغصوب والمودع إذا جحد الوديعة أو استهلكها ولهذا تعتبر في السائمة القيمة يوم الأداء بالإجماع.
الجزء 1 · صفحة 69
ولأنه يسقط الواجب بالأداء فيعتبر حالة الأداء كما في الكفارات إذا كان معسرا وقت الوجوب موسرا عند الأداء أو على العكس وعند أبي حنيفة رحمه الله الواجب أحدهما من الابتداء وهو مخير في تعيينه؛ ولهذا ليس للساعي جبره على أداء العين والواجب جزء من النصاب من حيث أنه مال مطلق لا من حيث أنه مال مقيد دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "في خمس من الإبل شاة" وكذا "في خمس وعشرين بنت مخاض" وغير ذلك في حال لا يوجد ذلك في النصاب علمنا أن المراد المالية والمخير بين شيئين إذا اختار أحدهما صح واستند إلى وقت ثبوت الخيار كما في البيع بشرط الخيار إذا أجاز بعد مضي يوم الفطر أو نقض تجب الصدقة على من يصير له وكذا الأكساب لأن الإجازة تستند إلى وقت العقد.
وذكر في الزيادات إذا قال: لعبديه أحدكما حر في صحته وقيمة أحدهما ألف و قيمة الآخر مائة وبين في المرض في كثير القيمة يعتبر من جميع المال ولأن هذا مال وجبت فيه الزكاة باعتبار القيمة فتعتبر قيمته بأول الوجوب؛ كالرهن والغصب والبيع الفاسد.
وقد ذكرنا أن الوجوب للكفاية وللابتلاء والامتحان؛ وذلك إنما يحصل بالمالية لا بالصورة.
ألا ترى أن الواجب حيوان في الذمة بغير عينه والحيوان الذي وجب في الذمة لا يقصد إلا ماليته ولهذا لو تزوج امرأة على شاة أو عبد فأدى القيمة تجبر على القبول.
الجزء 1 · صفحة 70
ثبت أن الأصل في كل حيوان يجب في الذمة ماليته لا صورته وكذا العروض إنما جعلت نصاباً باعتبار المالية لا باعتبار الصورة ولهذا جميع أموال التجارة مع اختلاف صورها ومعانيها جنس واحد حتى يضم البعض إلى البعض ويعتبر في انعقاد النصاب القيمة والاعتبار للمعاني إلا أنه مخير في الأداء فأيهما اختار تعين من الأصل كما في المهر وإنما يسقط بالهلاك لأن الواجب قليل من كثير على وجه لا يكون الأداء ملحقا الضرر به ولهذا اختص بالمال النامي حتى يتخير ما يلحقه من الخسران بالأداء وهذا لا يتحقق بعد الهلاك ولأن الزكاة وإن وجبت في الذمة لكن المحل هو المال والشيء لا يتبع بعد فوات المحل كالعبد الجاني إذا مات والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرا.
فأما السائمة قلنا: عند أبي حنيفة يعتبر يوم الوجوب أيضا ولئن سلمنا فلأن الوجوب في السائمة متعلق بالعين لا بالقيمة ألا ترى أن نصابها يكمل بالعين لا بالقيمة وإنما تعتبر القيمة لنقل الواجب من العين فتعتبر يوم النقل.
وحرف آخر: أن الجودة بين المكيلات والموزونات ساقطة الاعتبار عند مقابلتها بجنسها.
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: رجل له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتا درهم فحال الحول ثم رخصت وصارت قيمتها مائة درهم أو ازدادت فصارت قيمتها أربعمائة إن أدى العين يؤدي خمسة أقفزة بالإجماع.
وإن أدى القيمة فعند أبي حنيفة رحمه الله يؤدي قيمة خمسة أقفزة اعتبارا ليوم الوجوب وعندهما في الزيادة يؤدي عشرة وفي النقصان درهمين ونصف اعتبارا ليوم الأداء وكذا لو استهلك النصاب بعد الحول ثم غلا أو رخص لأنه وجب المثل في الذمة وقيام المثل في الذمة كقيام العين في اليد وكذا كل ما يكال أو يوزن أو يعد وكذا العروض.
الجزء 1 · صفحة 71
ولو كان التغير في العين بأن كانت ندية فيبست و انتقصت أو كانت يابسة فأصبها الماء فابتلت وازدادت ففي النقصان تعتبر القيمة يوم الأداء يؤدي درهمين ونصف بالإجماع لأنه هلك بعض المال فيهلك بزكاته بخلاف تغير السعر لأن التغير باصطلاح الناس وتراضيهم لا لمعنى في الذات وهنا تغيرت الذات فلا يجب إلا زكاة ما بقي كما لو هلك البعض.
وفي الزيادة يؤدي خمسة قيمتها يوم الوجوب بالاتفاق؛ لأنه مستفاد بعد الحول فلا يضم ولو أدى العين يؤدي ربع عشرها بالإجماع.
ولو كان له جارية للتجارة قيمتها مائتا درهم فازدادت في السعر أو انتقصت بعد الحول فهو على ما ذكرنا في الحنطة ولو كان النقصان في العين بأن أعورت وصارت قيمتها مائة؛ إن أدى من عينها يؤدي ربع عشر قيمتها درهمان ونصف وكذا لو أدى القيمة يؤدي درهمين ونصف وإن زال العور فعليه زكاتها صحيحة؛ لأنّه تقرر الزكاة في قيمتها صحيحة ثمّ انتقص بحكم العيب وقد زال فهو بمنزلة ما لو ضاعت إحدى الألفين وأدى الزكاة الباقية ثم وجد التي ضاعت وهذا لما عُرِفَ أن الزيادة متى حدثت في محل النقصان ينجبر بها النقصان وينعدم.
ولو ازدادت بأن كانت عوراء يوم حال الحول ثم انجلى البياض وصارت قيمتها أربعمائة فإن أدى القيمة يؤدي خمسه وإن أدى العين يؤدي ثمن عشرها بخلاف الحنطة؛ لأن الواجب عليه يوم تمام الحول خمسة دراهم وربع الثمن لا يؤدي إلى الربا؛ لأن بيع ربع الجارية بثمنها جائز أما في الحنطة يؤدي إلى الربا لأن الواجب خمسة أقفزة مبلولة فلو دفع قفيزين ونصف مكان خمسة مبلولة لا يجوز ولو استهلك الجارية ثم ازداد سعرها أو انتقص لا يعتبر ذلك ويعتبر قيمتها يوم الوجوب بخلاف الحنطة؛ لأن الواجب هناك المثل أما هنا الواجب هو القيمة وتقررت في الذمة فإنها لا تتغير بتغير سعرها.
الجزء 1 · صفحة 72
إذا كان له مائتا قفيز حنطة رديئة قيمتها مائتا درهم فحال الحول فأدى أربعة أقفزة جيدة قيمتها خمسة دراهم لا يجوز إلا عن أربعة أقفزة؛ لأنه من جنس الواجب والجودة لا قيمة لها وكذا كل ما يكال أو يوزن.
وقال زفر رحمه الله يجوز عن الكل؛ لأن الجودة إنما سقط اعتبارها لأجل الربا ولا ربا بين الرب والعبد وصار كما لو أدى شاة جيدة مكان شاتين وسطين؛ ولأن المقصود سد خلة الفقير وأنه يحصل بالقيمة.
وإنا نقول إن الله – تعالى عاملنا معاملة المكاتبين والربا يجري بين السيد والمكاتب وسد الخلة باعتبار القيمة ولا يجوز تقويمها بأكثر من ذلك.
ولو أدى من صنف آخر يجوز بالاجماع وذكر الكرخي رحمه الله أنه إنما لا يجوز إذا قصد أداءها عن الحنطة أما إذا قصد الأداءعن المالية ينبغي أن يجوز؛ لأنه أدى مالية خمسة أقفزة ردية وهو باعتبار الجودة غير منصوص عليه فصار كما لو أدى من صنف آخر ومراد محمد رحمه الله إذا أدى عن الحنطة والصحيح أنه لا يجوز؛ لأنه يخير بين أداء مالية خمسة أقفزة بجنس الحنطة أو بجنس آخر فعند اختيار أداء الحنطة صار المؤدى باعتبار الذات بعض الواجب فلو وقع عن البقية إنما يقع باعتبار الجودة ولا قيمة لها. والله أعلم.
باب زكاة المال عند الاستبدال
أصل الباب: أن بيع السائمة بعد الحول جائز عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز في قدر الزكاة وله في الزيادة قولان.
له أن النصاب صار مشغولا بحق الفقراء فيمتنع البيع كالعبد المديون والمرهون.
ولنا أن تعلق حق الله تعالى لا يمنع جواز البيع دل عليه حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - والمعنى فيه أن نفاذ البيع يعتمد الملك والقدرة على التسليم ولم يختل ذلك بوجوب الزكاة بخلاف الرهن لأن اليد مستحقة للمرتهن فيمتنع التسليم ومالية المديون مستحقة للغريم وجواز البيع باعتبار المالية.
الجزء 1 · صفحة 73
ولأن الزكاة لا تتعلق بالمال تعلقا تتعين فيه حتى يملك الأداء من مال آخر فهو نظير تعلق حق أولياء الجناية برقبة العبد الجاني فإن حضر المصدق بعد الحول فالقياس أن يأخذ الصدقة من البائع لأن السوائم مملوكة للمشتري فلا زكاة عليه لكن البائع يضمن بإتلاف حق الفقراء كبيع العبد الجاني.
لكنه استحسن فقال: إن حضر بعد الافتراق فكذلك وإن حضر قبله إن شاء أخذ من العين ويرجع المشتري على البائع بحصته من الثمن وإن شاء أخذ من البائع.
لأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في زوال الملك قبل التفرق وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "البيّعان بالخيارما لم يتفرقا" والساعي مجتهد فإن شاء أعتبر ظاهر الحديث وأخذ من العين وإن شاء اعتبر البيع مزيلا بنفسه فيأخذ من البائع.
وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله أن العبرة لنقل الماشية إن حضر بعد ما نقلها المشتري لم يأخذ منها وإن حضر قبل أن ينقلها تخيّر لأنه إنما تدخل في ضمان المشتري بالنقل بدليل الاستحقاق فالتخلية تنقل الضمان في حقهما لا في حق غيرهما بخلاف ما إذا باع الطعام قبل أداء العشر فإن المصدق يأخذ من العين تفرقا أو لم يتفرقا نقلا الطعام أو لا لأن العبرة في العشر لعين الطعام لا للمالك والملك وهنا العبرة للمالك والملك حتى لو فقد المالك لا يجب كما لو فقد الملك وهذا لأن على أحد الطرفين
الحب يثبت على الحقين عشره للفقراء وتسعة أعشاره للمالك فلم ينفذ بيعه في مقدار العشر وعلى الطريق الآخر يجب الإيتاء من غير اعتبار من عليه فكان المقصود العين وفي الزكاة المعتبر هو الفعل ولهذا يعتبر حال من عليه فكان الساعي بالخيار إن شاء نقض البيع وأخذ العين من البائع وإن شاء أجاز وأخذ الثمن.
الجزء 1 · صفحة 74
وحرف آخر: أن استبدال مال الزكاة بمال الزكاة لا يكون استهلاكا فيتحول الزكاة إلى البدل واستبدال مال الزكاة بغير مال الزكاة يكون استهلاكا حتى يصير ضامنا واستبدال السائمة بجنسها أو بخلاف جنسها استهلاك عندنا وينقطع حكم الحول.
وعند زفر رحمه الله: إن استبدل بجنسها لا يكون استهلاكا ولا ينقطع حكم الحول.
وقال الشافعي رحمه الله في القديم لا ينقطع حكم الحول بحال لأن الغنى يبقى ببقاء البدل كما في العروض.
وزفر رحمه الله فرق فقال: إذا باع بجنسها فحكم الزكاة في البدل لا يخالف حكم الزكاة في الأصل وفي خلاف الجنس حكم الزكاة في البدل يخالف حكمها في الأصل ولا يمكن إبقاء ما كان ثابتا فوجب الاستئناف.
ألا ترى أن في ابتداء الحول يضم الجنس إلى الجنس ولا يضم إلى خلاف الجنس فكذا في الانتهاء.
ونحن نقول استبدال مال الزكاة بمال الزكاة تثمير حق الفقراء لأن النماء لا يحصل إلا بالمبادلة والتجارة وهو مأذون فيه فلا يقطع حكم الحول لأن الوجوب فيه باعتبار المالية وجميع الأنواع كنوع واحد في حق المالية ولهذا يضم البعض إلى البعض بخلاف الاستبدال بغير مال الزكاة لأنه إخراج له عن محلية الزكاة واستهلاك لحق الفقراء وبخلاف السوائم؛ لأن النماء يحصل من عينها فلا حاجة إلى التصرف ليحصل النماء ولا تعتبر فيه المالية إنما يعتبر العدد والصورة فالحق تعلق بالصورة والثاني غير الأول في الصورة والمتعلق فكان استهلاكا ولأن البيع في المال لا يضاد للتجارة وفي السائمة يضاد الأسامة ثم الاستبدال إذا كان بغبن فاحش يمكن صيان العقود عنه؛ يكون استهلاكا بقدره وإذا كان غبنا يسيرا لا يكون استهلاكا.
واختلفوا في الغبن اليسير قال بعضهم: مقدر بده نيم وما وراءه فاحش إليه أشار محمد رحمه الله في الكتاب؛ فإنه جعل قدر الخمسين من الألف في مسألة الكتاب يسيرا.
الجزء 1 · صفحة 75
وذكر محمد رحمه الله في النوادر: إذا اشترى بالألف جارية تساوي ثمان مائة فهلكت الجارية يضمن زكاة المائتين؛ فقد جعل ما تتغابن الناس فيه قدر الخمسين.
وقال: بعضهم في العروض ده نيم وفي الحيوان ده يازده وفي العقار ده دوا زده والأصح أن ما يدخل تحت تقويم المقومين فهو يسير وما لا يدخل فهو فاحش.
وقيل: هو معنى قولنا يمكن صيانة العقود عنه وسواء علم بذلك أو لم يعلم؛ لأن حكم الشرع لا يختلف بالعلم وعدمه وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا لم يعلم لا يضمن؛ لأنه لا يكون مفرطا.
قال الصّدر الشهيد: ما قاله أبو يوسف رحمه الله صحيح لأنّ وجوب الضمان أمر بينه وبين الله فيستقيم البناء على العلم ثم إذا تصرف حتى صار مستهلكا ووجب عليه الضمان ثم عاد إليه عين ماله هل يبطل الضمان؟ إن عاد بسبب انفساخ العقد الأول يبطل وإن عاد بسبب آخر لا يبطل.
وحرف آخر: أن الدين المطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة عندنا ولحوق الدين لا يبطل الزكاة.
وحرف آخر: أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات وفسوخها عندنا والعروض تتعين والمسألة معروفة.
وحرف آخر: أن بدل الشيء قائم مقام أصله فكان حكمه حكم البدل تحقيقا لقيامه مقامه.
إذا عرفنا هذا قال محمد رحمه الله: إذا حال الحول على ألف درهم ووجبت فيها الزكاة ثم اشترى بها عبدا يساوي تسعمائة وخمسين فإن الزكاة تنتقل إلى العبد؛ تبقى ببقائه وتفوت بفواته حتى إذا مات العبد قبل أداء الزكاة تسقط لأنه تصرف تصرفا لا يقطع حكم الحول فيقوم مقامه ولا يضمن زكاة الخمسين؛ لأنه يسير يدخل تحت التقويم.
ولو اشترى ما يساوي خمسمائة بألف يضمن زكاة خمسمائة؛ لأنه غبن فاحش فيكون مستهلكا وينتقل إلى العين زكاة خمسمائة تبقى ببقائه وتفوت بفواتها؛ لأنّه تصرّف تصرّفا لا يقطع حكم الحول فيقوم مقامه؛ فإن قيل لما لا تسقط زكاة خمسين كما قلتم في المسألة الأولى؟.
الجزء 1 · صفحة 76
قلنا: ثَمّ اشترى بما تشتري الناس عادة فلا يكون مستهلكا أما هنا اشترى بما لا تشتري الناس فلم يكن قصده الإسْتَرّبَاح فيبقى استهلاكا وهذا لأن الغبن اليسير إنما يحمل عند الانفراد لأنه لا يمكن صيانة العقود عنه فإذا انضم إلى غيره فهو مما يمكن الاحتراز عنه فلا يميز وصار هذا كالنجاسة القليلة على الثوب فإنها عفو لقلتها فإذا ازدادت على قدر الدرهم لا يميز قدر الدرهم حتى يكون الباقي أقل من قدر الدرهم فلا يبقى مانعا وكذا الحكم في جميع المقدرات من الزكاة والسرقة وغيرهما.
ثم الغبن اليسير متحمل من الأب والوصي والقاضي والمضارب والوكيل بالشراء والمكاتب والمأذون
والوكيل بالبيع عندهما ولا يتحمل من رب المال في المضاربة إذا لم يكن في المال ربح وإن كان فيه ربح يتحمل فيما يخصم وفي بيع المريض من وارثه وفي بيع المريض في حق الموصى له وفي حق رب الدين وفيما إذا أخذ القيمة من الغاصب بقوله ثم ظهر العبد وقيمته أزيد بدانق للمالك أخذه والوكيل بالبيع إذا باع ممن لا تقبل شهادته لهبغبن يسير قال في المضاربة: لا تجوز المحاباة؛ وجاز البيع بقدر قيمته وقال في البيوع: لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 77
فالحاصل أنه إذا وجد التسليط من صاحب الحق يتحمل منه الغبن اليسير وفي الزكاة والأب والوصي وغيرهما؛ وجد الإذن من صاحب الحق وهو الشرع بالإذن بالتصرف وكذا في الوكيل وغيره وفي بيع المريض لم يوجد الإذن من صاحب الحق وهو الوارثأو رب الدين أو الموصى له وكذا لم يوجد الإذن من المضارب أو رب المال ولأن الأب والوكيل ونحوهما يتصرف لأجل الغير في ماله فيتحمل منه الغبن اليسير لأنه لا يمكن الاحتراز عنه فلو لم يتحمل يمتنع عن التصرف فتفوت المصلحة المتعلقة بالتصرف أما المالك يتصرف في مال نفسه فلا يمتنع من التصرف في التقييد بالمثل ولأن المريض لا يتصرف لعدم التحمل لأنه إنما ينقض تصرفه بعد موته ولا يلحقه به عهدة بل ينفع بزيادة ماله ومن عامله راض ظاهرا بتملك العين بمثل قيمته فلا ضرر على أحد بخلاف الوكيل والمضارب وغيرهما لأنه لو لم يتحمل منهم يلزمهم الضمان والمالك في أخذ الضمان من الغاصب مضطر فكان له النقض بخلاف بيع الوكيل ممن لا تقبل شهادته للتهمة.
وإذا لم يتحمل منهم الغبن الفاحش فإن كان مالكا وتعلق به حق الغير ينفذ تصرفه ويضمن كالزكاة وإن لم يكن مالكا كالأب والوكيل إن كان بياعاً لا ينفذ وإن كان شراء؛ إن كان العاقد من أهل التبرع ينفذ عليه؛ وإن نقد الثمن من مال الصبي أمّا الموكل يضمن له وإن لم يكن من أهل التبرع كالمكاتب والمأذون؛ فالغبن الفاحش غير متحمل عندهما أصلا وعند أبي حنيفة رحمه الله متحمل من الوكيل بالبيع والمأذون والمكاتب والأب والجد في النكاح لما عرف.
ثم الحد فيما ليس له قيمة معلومة كالعبد والثياب أما ما له قيمة معلومة كاللحم والخبز وغيرهما فزاد الوكيل بالشراء قل أو كثر لا ينفذ على الموكل لأنه إنما جعل عفوا لتعذر الاحتراز عنه للحاجة إلى التقويم ودخوله تحت تقويم المقومين وفي هذا لا يحتاج إلى التقويم فلا يتحمل.
هكذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله في شرح المضاربة.
الجزء 1 · صفحة 78
ولو اشترى بالألف بعد الحول عبدا للخدمة أو فلوسا للنفقة أو ثوبا للمهنة يضمن الزكاة؛ لأنه تصرف تصرفا يؤدي إلى إبطال حق الفقراء وإبطال حكم الحول الأول ألا ترى أنه لا يتكرر الزكاة بتكرر الحول فكان إتلافا باعتبار أنّ المحل الثاني ليس بمال التجارة.
وذكر بعد هذا؛ إذا اشترى بعرض التجارة عرضا بغير نية التجارة يكون المشتري للتجارة لقيامه مقامه والفرق أنّ المشتري يصير خلفا عن الأول لكن فيما يصلح خلفا والعرض الأول كان للتجارة بأعداده والثاني كذلك فصلح للباقي خلفا عن الأول فقام مقامه بعقد التجارة لأن عقد التجارة يجعل الثاني خلفا عن الأول فيما يقبل الخلاف فإذا قبل العرض الثاني ما قبل الأول صار خلفاً أمّا العرض لا يصلح خلفا عن الدراهم في قبول التجارة لأنّ العرض من صفة التجارة ما تقبله الدراهم في صفة التجارة فلا يصلح خلفا. .
ولو أقرض من النصاب رجلا فتلفت عليه لا يضمن؛ لأنه لم يخرجها عن حد الزكاة رواه ابن سماعة عن محمد رحمهما الله.
وكذا لو كان ثوبا فعاره فهلك؛ لأنه هلك من غير تعدية فصار كما لو هلك في يدهولو وهبها من رجل بعد الحول يضمن قدر الزكاة؛ لأنه صار مستهلكا فلو رجع في الهبة بقضاء أو بغير قضاء سقط عنه الضمان وتعلق الزكاة بالعين كما كانت؛ لأن الرجوع في الهبة فسخ من الأصل ولهذا كان للواهب الأول أن يرجع فيه.
ولو كان الموهوب عبدا أو في عنقه جناية أو دين يعود كما كان والدراهم والدنانير يتعينان في الهبات فكان العايد قديم ملكه ولو مكث عند الموهوب له سنة ووجبت عليه الزكاة ثم رجع في هبته بقضاء أو بغير قضاء سقطت الزكاة عن الموهوب له.
وقال زفر رحمه الله إن كان بقضاء فكذلك وإن كان بغير قضاء لا تسقط؛ لأنه مختار في الرد فصار كهبة مستقبلة ولأنّ الفسخ بالتراضي فسخ في حقّهما عقد مبتدأه في حق غيرهما كالإقالة والزكاة حق غيرهما فكانت هبة مبتدأة.
الجزء 1 · صفحة 79
ألا ترى أنه لا يسري إلى الزوائد ويجب العقر على الموهوب له وأنه يعتبر من الثلث إذا كان الرد في مرض الموهوب له.
ولنا أن حق الواهب تعلق بالعين ولهذا يبقى ببقائها ويفوت بفواتها فيستوي فيها القضاء وعدمه كالشفعة واسترداد المالك القديم والاسترداد في البيع الفاسد وأما الزوائد والعقر تبطل بما إذا رجع بقضاء فإنه فسخ حتى تسقط الزكاة بالإجماع ومع هذا لا يسري إلى الزوائد ولا يجب العقر؛ والدليل عليه أنه يتمكن من الرجوع في النصف فيما يحتمل القسمة ولو كان له حكم الهبة المبتدأة لما ملك وأنه صحيح بغير قبض الواهب ولا تبطل بالافتراق من غير قبض.
وأما المريض فذاك رواية أبي سليمان أما على رواية أبي حفص رحمه الله يعتبر من جميع المال.
وجه رواية أبي سليمان؛ أن تصرف المريض بمنزلة المضاف ولهذا يعتبر من الثلث فصار كأنه أوصى برده وبعد الموت يبطل حق الواهب في الرجوع فيكون ذلك تمليكا مبتدأ أما هنا رجع الواهب في وقت كان له حق الرجوع فكان فسخا ولأن الهبة غير لازمة ليستحق الواهب الرجوع فيستوي فيه القضاء وعدمه كالرد بخيار الرؤية والشرط وهذا لأنه إنما وهبه بشرط العوض عادة؛ فلا يلزم إلا بوجود الشرط إلا أنه ما لم يقع اليأس عن التعويض لا يسترد واليأس تارة يقع بالقضاء وتارة برد الموهوب له بل هو في الدلالة على اليأس فوق القضاء وفي الأفعال الواجبة القضاء وعدمه سواء.
الجزء 1 · صفحة 80
أقصى ما في الباب: أن غرضه العوض فيكون بمنزلة المبادلة؛ إلا أن العوض لا يصير مستحق المطالبة بجهالته فصار عين حقه في الفسخ واستيفاء عين الحق لا يحتمل المبادلة لأنّ البدل لابد له من المبدل فلا يمكن جعله تبعا بخلاف الرد بالعين لأنّ حقه في المطالبة بالجزء الفائت فكان بدل حقّه وبخلاف الإقالة؛ لأنّه ليس باستيفاء بل هو إنشاء تصرّف باشراه وفيه تمليك وتملك بالتراضي هذا إذا رجع وقبض أمّا إذا رجع ولم يقبض حتى هلك اختلف مشائخنا رحمهم الله فيه والصحيح أنّه لا يضمن؛ لأنّه وإن صار مستهلكا بإزالة الملك من غير خلف فبالرجوع ارتفعت الأدلة؛ لأنّه عاد قديم ملكه فيرتفع الاستهلاك كما لو قبض.
فرّعَ على هذا في النوادر فقال: لو لم يحل الحول عند الموهوب له حتى استفاد القائم رجع الواهب بقضاء أو بغير قضاء يزكي الموهوب له المال المستفاد إذا تم الحول.
قال في الكتاب: إذا مضى تمام حول منذ ملكها فمن أصحابنا من يقول إن بالرجوع يبطل ملك الموهوب له من الأصل فيقطع حكم ذلك الحول على المستفاد من حين ملكه.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: والأصح عندي أنه إذا تم الحول من حين ملك الموهوب فعليه زكاة المستفاد؛ لأن الحول انعقد من حين ملك الموهوب والمستفاد مضموم إلى الأصل في حكم الحول وبالرجوع صار كأنه هلك ذلك القدر فيبقى الحول ببقاء المستفاد وهذا لأن الرجوع ينهي ملك الموهوب له فالملك ثابت له إلى أن يرجع ولهذا لو كانت الهبة جارية ووطأها لا يلزمه العقد ولو ولدت يسلم له الولد لأن الرجوع في حق الموهوب له بمنزلة الهلاك.
الجزء 1 · صفحة 81
ولو اشترى بالألف جارية للخدمة يصير مستهلكا لما قلنا فلو وجد بها عيبا فردها بقضاء أو بغير قضاء واسترد دراهمه لم يسقط عنه الضمان؛ لأن وجوب الرد لا يتعلق بتلك الدراهم لأنها لا تتعين في الفسخ كما لا يتعين في العقد ولهذا كان له أن يمسك تلك الدراهم ويرد غيرها فكان غير تلك الدراهم حكما وإن كان عينها حقيقة بخلاف الهبة لأن حقه متعلق بالعين.
ولو كان مكان الدراهم عروض التجارة فحال عليها الحول ثم باع بعبد الخدمة صارت الزكاة دينا في ذمته فلو وجد بالعبد عيبا ورده وقبض العرض فإن كان بقضاء سقط الضمان؛ وتتحول الزكاة إلى العرض لأنه فسخ والعرض يتعين في الفسخ كما يتعين في العقد فعاد إليه قديم ملكه فيعود ما فيه من الحق.
وإن كان بغير قضاء لا يسقط الضمان ولا يتحول إلى العرض؛ لأن الرد بتراضيهما واصطلاحهما فصار كبيع جديد بخلاف الهبة والفرق ما ذكرنا أن حق الواهب مقصور على العين فبأي جهة يصل إليه يجعل وصولا بالجهة المستحقة.
ألا ترى أنه لو اشترى عبدا وهو في يد غير البائع يدعيه لنفسه وعجز البائع عن التسليم فللمشتري أن يرجع عليه بالثمن فلو أن ذا اليد وهب العبد منه أو رهنه عنده أو أجره منه أو أعاره أو مات فورثه المشتري بطل حقه قبل البائع وكذا العبد الجاني إذا وصل إلى ولي الجناية بطل حقه عن المولى بأي جهة وصل أما في البيع فليس حقه في الرد مقصودا بل حقه في المطالبة بالجزء الفائت ولهذا لو امتنع الرد يرجع بالنقصان إلا أنه لما عجز عن رد الجزء الفائت تعين الرد مخلصا له فإذا رده بغير قضاء فقد رده بإزاء الحق الذي كان له فكان تراضيهما على ذلك بمنزلة البيع الجديد لكونه مبادلة.
الجزء 1 · صفحة 82
ولو ابتاع عبدا للخدمة بألف درهم بعدما تم الحول على الدارهم وتقابضا فحال الحول ثم وجد بالعبد عيبا فرده بقضاء أو غير قضاء واسترد الألف بعينها لا يسقط عنه الضمان لأن الدراهم لا تتعين في الرد فلم يكن العائد قديم ملكه وتجب الزكاة على البائع لأنه لما لم يتعين الرد صار بمنزلة دين لحقه بعد الحول.
ولو باع العبد بعرض ونوى التجارة في العرض فحال الحول عنده ووجبت فيه الزكاة ثم رد المشتري العبد بالعيب وأخذ العرض فإن كان بقضاء سقطت عنه زكاة العرض لأنه فسخ ملكه في العرض وأخذ منه قهرا وجبرا فصار كالهلاك والاستحقاق ولا زكاة عليه فيما استرد وهو العبد لأنه عاد إليه قديم ملكه وهو كان للخدمة وإن كان بغير قضاء فعلى بائع العبد زكاة العرض للسنة الماضية لأنه بمنزلة البيع المبتدأ فلا تسقط عنه الزكاة وهذا إذا نوى الخدمة عند الرد.
أما إذا نوى التجارة أو لم ينو شيئا لا يضمن زكاة العرض بل تحولت إلى العبد ويكون العبد للتجارة؛ لأنه بدل مال التجارة وحكم البدل حكم الأصل كما لو باع ابتداء بعد الحول ولم ينو شيئا.
ولو كان مكان العرض إبلا سائمة ونوى عند العقد التجارة فالحكم فيه ما ذكرنا فلو زادت في بدنها خيرا يمنع الرد بالعيب لا تسقط عنه الزكاة بقدر ما يؤدي من النقصان لأن الواجب عليه قدر النقصان فصار كدين لحقه بعد الحول.
ولو تزوج امرأة على ألف درهم ودفع إليها وحال الحول عليها ثم طلقها قبل الدخول بها وردت النصف لا يسقط عنها شيء من الزكاة؛ لأن رد عين المقبوض غير واجب فصار كدين لحقها بعد الحول وكذا لو وقعت الفرقة بسبب هو معصية من قبلها بأن قبلت ابن الزوج وردت الكل؛ لا تسقط عنها الزكاة.
الجزء 1 · صفحة 83
ولو تزوجها على حيوان وقبضته ونوت الأسامة وحققت ذلك فحال الحول ثم طلقها قبل الدخول ترد نصفها ولا زكاة عليها فيما ردت لتعينه للرد وتجب زكاة ما بقي وإن لم يكن نصابا؛ لأن هذه حالة البقاء المحض لأنه إنما زال النصف عن ملكها بالرد ولا يتبين أنّه لم يكن في ملكها, والنصاب ليس بشرط في حالة البقاء, ولا زكاة على الزوج فيما ردت, لأنه لم يكن مالكا في الحول, وإنما عاد إليه بعده.
ولم يذكر في الكتاب: إذا كانت الإبل بغير أعيانها وقبضتها ووجبت الزكاة ثم طلقها قبل الدخول بها , والجواب فيه وفي المعين سواء, لأنه يلزمها رد نصف ما قبضت؛ لأنه وإن لم يكن معينا وقت العقد والمهر مثل المقبوض لا عينه إلا أنه لو لم يجب رد العين يجب رد قيمتها, لأنه لا مثل لها, وعينها أعدل من قيمتها فوجب رد العين, فكان هذا والعين سواء ولأنّ الحيوان بغير عينه لا يجب في الذمة وجوبا صحيحا فكان المقبوض عين ما ورد عليه العقد حكما.
ولو طلقها قبل الدخول والمهر غير مقبوض وهو عين كان أبو حنيفة رحمه الله أولا يقول: إذا قبضت نصابا كاملا بعد تمام الحول عليها الزكاة لما مضى ثم رجع؛ وقال: لا زكاة عليها حتى يحول الحول بعد القبض, ولو كان نصابا واحدا لا يجب على أحدهما شيء.
الجزء 1 · صفحة 84
وعندهما إذا قبضت شيئا يلزمها أداء زكاة المقبوض, فهما يعتبران كمال النصاب حالة الأداء, واعتبر هو اليد هما قالا ملكت الصداق ملكا تاما بالعقدبدليل نفاذ التصرف , إلا أنه انعدم اليد, وأنه لا يمنع الوجوب كالمبيع قبل القبض, والمغصوب في يد الغاصب المقر له أنها ملكت المالية بالنكاح ابتداء, فلا يتم ملكها إلا بالقبض كالدية, بخلاف البيع؛ لأن ملك المالية لا يثبت ابتداء بالبيع, بل يتحول إليه من أصل كان مالا, وهذا لأن الوجوب في السائمة باعتبار النماء, وقبل القبض النماء متردد بين أن يسلم لها بالقبض أو ينتصف بالطلاق, بخلاف ما بعد القبض, وهذا كما لو مر يوم الفطر على العبد المجعول مهرا وهو في يده ثم طلقها قبل الدخول لم يكن عليها صدقة الفطر ولا عليه, بخلاف ما بعد القبض.
فالحاصل أن بالعقد يحصل أصل الملك, وما هو المقصود لا يحصل إلا بالقبض, وصيرورته مال الزكاة ينبني على تمام المقصود لا على الملك, بخلاف نفوذ التصرفات, فإنه ينبني على الملك.
وعن أبي يوسف رحمه الله في المبيع قبل القبض أنه ليس بنصاب لعدم تمام الملك حتى لا يملك التصرف فيه, وهذا لأن الملك في المهر قبل القبض غير متأكد, ولهذا يعود إليه بالطلاق من غير قضاء ولا رضا, فمتى سقط جعل كأن لم يكن, ولأنها ملكت المهر بمقابلة البضع, وقد هلك المعقود عليه قبل التسليم, والحكم في هلاك المعقود عليه قبل التسليم فساد الملك في البدل, والتمليك الفاسد يفيد الملك بعد القبض لا قبله, فتبين أن المرأة لم تملك بالتمليك السابق إلا نصف المهر, فيشترط تمام النصاب فيما بقي لبقاء الزكاة, غير أن هذا ليس ببين محض, لأن التمليك كان صحيحا, إلا أنه حكم الآن بالفساد مستندا, والمستند مقتصر من وجه, فلهذا لا يجب على الزوج فيما عاد إليه,.
الجزء 1 · صفحة 85
وأما صدقة الفطر فقد قيل هذا قول أبي حنيفة رحمه الله , أما عندهما يجب عليها صدقة الفطر قبل القبض كما بعده كما في الزكاة. والأصح أنه قولهم, وهما فرقا وقالا: صدقة الفطر تعتمد الولاية التامة لا مجرد الملك, وذلك لا يحصل بدون اليد, بخلاف الزكاة لأنها وظيفة الملك وملكها قبل القبض تام.
ولو كانت الإبل ازدادت في بدنها خيرا ثم طلقها فعليها زكاة الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ,لأن الزيادة المتصلة تمنع التنصيف عندهما, فيجب عليها نصف قيمة الحيوان يوم قبضت, فكان بمنزلة دين لحقها بعد الحول.
وعند محمد رحمه الله لا يمنع التنصيف, فيكون الحكم ما ذكرنا, وإن كانت الزيادة منفصلة كالولد والثمر يمنع التنصيف بالإجماع, فلا يسقط عنها شيء.
وإن قبلت ابن زوجها لشهوة حتى فسد النكاح وعاد كل المهر إلى الزوج سقطت الزكاة عنها؛ لورود الاستحقاق على عين مال الزكاة.
وعند زفر رحمه الله لا تسقط؛ لأنها هي التي باشرت سبب الفرقة فصارت مستهلكة, لكنا نقول الفرقة غير مضافة إلى فعلها, لأن التقبيل لم يوضع للفرقة, بل الثابت بفعلها بطلان محلية النكاح, وإذا بطلت المحلية يرتفع النكاح من الأصل فلا يضاف إلى فعلها ولا يقال بأنها متسببة, والحكم يضاف إلى السبب كما في حافر البئر, وغيره.
قلنا: إنما تضاف إلى السبب إذا لم يوجد شيء يوجب الإضافة إليه, وقد وجد هنا وهو ضعف السبب؛ لأن الملك في البضع قبل الدخول غير متأكد, فبزوال الملك فيه يفسد الملك في البدل, وهذا لأن قضية الدليل عدم وجوب شيء بالطلاق قبل الدخول, لأنه عاد المبدل إليها سليما, كما خرج عن ملكها, فوجب أن يعود البدل إليه قضية للمعاوضة.
الجزء 1 · صفحة 86
إلا أنّا عرفنا وجوب النصف بالطلاق قبل الدخول بالنص, والطلاق يختص بالزوج, وكل فرقة من جهته تلحق بالطلاق, أما إذا كانت من جانبها فلا, فكان السقوط مضافا إلى ضعف السبب أو فوات شرطه وهو التسليم كما ينفسخ البيع بهلاك المبيع قبل القبض لفوات شرطه.
ولأن الأصل أن لا يكون للغير ولاية إبطال حق الغير, فلو كان المسقط للمهر الطلاق كان الزوج مسلطا على إبطال حقها, فكانت الفرقة فسخا للعقد, والسقوط مضاف إلى الشرع كما في الابتداء, فإن وجوب المهر غير مضاف إلى تصرفهما, ولهذا يجب مع السكوت والنفي, ويجب بصدور العقد ممن لا يملك التصرف في المال كالأخ والعم فكذا السقوط تحقيقا للتبعية فيهما, والدليل عليه أنه لو تزوجها على غير مهر ثم جعل لها هذا العبد مهرا ورضيت ,فإن دخل بها تأكد المسمى لتأكد السبب.
وإن طلقها قبل الدخول سقط المسمى, ولأن الفرقة وإن جاءت من قبلها إلا أن ذلك لا يوجب بطلان الملك في المهر.
ألا ترى أنه لو وجد ذلك بعد الدخول لا يبطل, وكذا بعد حدوث الزيادة, وكذا بعد القبض ولهذا لا يزول ملكها حتى تنفذ تصرفاتها لا تصرفاته, وإنما يعود إلى ملك الزوج بالقضاء أو الرضا, والقضاء لا يتعلق باختيارها, وكذا هي مضطرة في الرد لأنها لو لم ترد يجبرها القاضي, فلم ير في امتناعها فائدة, فكان فعلها كفعل القاضي لوجوبه شرعا كما ذكرنا في الرجوع في الهبة.
ولو زاد في المهر خيرا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الطلاق.
ولو كان المهر مكيلا أو موزونا, فإن كان معينا فهو كالحيوان, وإن لم يكن معينا فهو بمنزلة النقود وعلى هذا إذا كان له ألف درهم فتزوج امرأة بعد الحول ودفع الألف إليها يضمن الزكاة.
ولو طلقها قبل الدخول وردت النصف لا يسقط عنه شيء من الضمان, لأنه لم يعد إليه قديم ملكه.