روضة العلماء ونزهة الفضلاء
تصنيف
الحسين بن يحيَى الزَّدَويستي الحنفي
المتوفى سنة 382 هجرية
جارٍ تحميل الكتاب…
روضة العلماء ونزهة الفضلاء
تصنيف
الحسين بن يحيَى الزَّدَويستي الحنفي
المتوفى سنة 382 هجرية
بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أما بعد:
حمدا لله الكريم المتعال، والصلاة على نبيه محمد وآله خير آل.
دعتني الحاجة إلى أن أكتب روضة العلماء ونزهة الفضلاء، فرأيت فيها من المسائل المتناسبة، والأخبار الموافقة والحكايات اللائقة، فأخذت من كل باب ما كان أيسر في اللفظ؛ وذلك أعظم الشرط، فالله تعالى يوفقني لما قصدت به فإنه نعم الموفق.
الباب الأول
في فضل العلم
ولو أن رجلاً وكّل صبيًّا أو معتوهاً في بيع أو شراء أو إجارة أو استجارة فهو على وجهين: إن كان الصبي يعلم العقد ويعقله جاز عقده ولا عهدة عليه لصغره وحجره، وإن كان لا يعلم العقد لا يصح.
وكذلك لو وكله بالإعتاق أو بالطلاق أو بالنكاح: إن علم ذلك جاز وإلا فلا.
ولو أن كلباً جاهلاً أو بازياً أو فهداً أخذ صيداً لا يحلّ أكله، ولو كان ذلك معلماً حل أكله وتعليم الكلب ترك الأكل عندنا، وتعليم البازي بالإجابة عند الدعوة فيحل صيد المعلم من الجوارح لفضل علمه كما قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} المائدة:، فالله تعالى أباح صيد الجارحة النجسة المعلمة لفضل علمها؛ ألا يغفر للعالم الطاهر التقي عثراته لفضل علمه؟ فأفاد علم النجس فكيف علم من الإنسان لغير ولنفسه.
والنكتة أن الله تعالى أكرم محمدا عليه السلام بكرامات كثيرة لا يحصى عددها مما من عليه، وقد من عليه بالعلم فقال: {وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ} النساء: يعني نجوت برحمتي وبالعلم الذي علمتك من الضلالة، فدل أن العلم أفضل الأشياء.
وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي عليه السلام قال: اكتبوا هذا العلم فإن لله
ملائكة من السماء السابعة يستغفرون للفقهاء، والمتعلمين، وأعطاكم الله تعالى بكل حرف ثواب نبي من الأنبياء، ويكتب لكم كل يوم ألف حجة، ويرفع لكم كل يوم عمل ألف شهيد».
وعن أبي موسى الأشعري قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال العلم، فقال أي الأعمال أفضل؟ قال العلم. قال إني لست أسألك عن العلم وإنما أسألك عن العمل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أعرابي العمل القليل بالعلم خير من كثير بغير علم».
وقيل لعبد الله بن المبارك: لو أوحى الله إليك أنك نجوت غدا أو العشية ما أنت صانع اليوم من أعمال الخير؟ قال: أعلم العلم وأعلمه.
وعن وهب بن منبه رضي الله عنه أنه قال: التزم داود عليه السلام العبادة وفارق الناس فأوحى الله تعالى: يا داود اخرج إلى الناس وعلمهم العلم فإن ذلك أفضل من الدنيا وما فيها.
قال: ومن شرفه أن الله تعالى أعطى محمداً صلى الله عليه وسلم كل شيء فلم يأمره بطلب الزيادة، وأعطاه الله تعالى العلم وأمره بطلب الزيادة، وأعطاه الله العلم كما قال الله تعالى {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} طه:.
ومن شرفه أن المسلمين أجمعوا أن العلم أفضل من العقل لأن العلم صفة من صفات الله تعالى كما يقال الله تعالى عالم ولا يقال الله عاقل، ومن قال كفر. وصفات الله أولى أن تكون للآدمي.
ومن شرفه أن الخاطئ في جميع الأشياء مذموم دون العلم، فإن المفتي إذا أخطأ في الاجتهاد فله أجر لقوله عليه السلام: إن "أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد"، وعليه قوله تعالى فى قصة داود وسليمان عليهما السلام إذ مدحهما بعد تقديم سليمان عليه السلام حيث قال: {وَكُلًّا آتينا حُكْمًا وَعِلْمًا} الأنبياء:؛ فمدح المصيب والمخطئ، فدل أن الخطأ في الاجتهاد لا يضر ولا كذلك في غير العلم.
وعن ابن عباس أنه قال: خير سليمان النبي عليه السلام بين العلم والملك فاختار العلم فأعطي العلم والملك معه.
الباب الثاني
في فضل العلماء والفقهاء بمسائله وعظاته
رجلان قارئان أحدهما فقيه عالم والآخر ليس بفقيه، من أولى بالإمامة؟ قال أفقههما. ويكره إمامة خمسة نفر لكن يجوز: الأعمى لأنه لا يعلم القبلة بنفسه، ووقت الصلاة بنفسه والماء والنجاسة والماء الطاهر والنجس؛ فغيره أولى.
والثاني الأعرابي لقوله تعالى حيث قال: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ} التّوبَة:. والثالث العبد فإنه يكون مشغولا بخدمة مولاه فيبقى عن تعلم العلم فيكون جاهلا.
والرابع ولد الزنا؛ إذ ليس له أب يعلم العلم فيبقى جاهلاً، لكن يجوز لأن الذنب لوالديه لا له؛ فلا يؤخذ بذنب غيره.
والخامس الفاسق لأنه يكون مشغولا بفسقه فلا يتعلم فرائض الصلاة، وواجباتها، وسننها وآدابها، ومحظوراتها فكرهت إمامتهم لجهلهم.
ولو اجتمع عند الميت أبوه وابنه والابن أعلم من الأب فالابن أولى لحق علمه، ويدل على ذلك قوله تبارك وتعالى حيث يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الزمر:.
وعن مكحول الشامي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النظر إلى خمس
عبادة إلى وجه الأبوين، وإلى المصحف، وإلى الكعبة، وإلى بئر زمزم، وإلى وجه العالم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي، ومن صلى خلف نبي من الأنبياء غفر الله تعالى ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، "ومن أحب العلم والعلماء لم يكتب خطيئة أيام حياته".
وعن علي الله أنه قال: قال رسول الله عليه السلام: "جلوس ساعة عند العالم في مذاكرة العلم خير له من مائة ألف ركعة تطوع، وخير له من مائة ألف تسبيحة، وخير له من عشرة آلاف فرس يغزو بها المؤمن في سبيل الله».
وعن أنس بن مالك عن النبي عليه السلام أنه قال: الناس اثنان عالم و متعلم وسائر الناس همج.
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله عليه السلام: يبعث الله تعالى العباد يوم القيامة؛ ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلا بعلمي علمي بكم، فلم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا إني قد غفرت لكم .. ثم قال عليه السلام: يقول الله تعالى لا تحقروا عبدا آتيته علما فإني لم أحقره حين علمته"
قال أبو الدرداء سمعت النبي عليه السلام يقول: من سلك طريقا يطلب فيه فقها وعلما سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم".
قال أبو بكر بن إسحاق في معنى قوله عليه السلام: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم يعني يبسطون أجنحتهم حتى يمر عليها حملة العلم، إلا أن أجنحتها لا تحول بينهم وبين أقدامهم لأنهم خلقوا من نور وليس لهم جسم كثيف، بل لهم جسم لطيف.
قال أبو نصر: الخبر أن المراد من الوضع التواضع، يعني بتواضع الملائكة كما قال الله {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الشُّعَرَاء:، وقوله {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} الإسراء: وعني به التواضع.
وقال أبو الفضل البخاري: معناه يسرع الملائكة في صحبة طالب العلم لأن ذا الجناح يسرع في طيرانه.
وعن وهب بن منبه قال لقمان الحكيم لابنه جالس العلماء لأنك إن تكن عالما يزداد علمك وإن تكن جاهلاً تتعلم منهم ولا تجالس الجهال فإنك إن تكن عالماً نسيت علمك وإن تكن جاهلاً يزداد جهلك.
وقال هشام بن عروة: تعلموا العلم فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم.
وقال حكيم من الحكماء كل محلة فيها عالم فهم أحياء، وكل محلة ليس
فيها عالم فهم موتى.
وعن أحمد بن سعيد أنه يقول صحب رجل الخضر في طريق البصرة وهو لا يشعر به، فبلغا إلى قرية حولها زروع وكروم، فقال الخضر لصاحبه: ليتني أعلم أن هذه الزروع والكروم لأهلها أو لغيرها؟ فقال صاحبه: وهل يكون بهذا إلا لأهلها، فقال: إذا كان عليهم ديون فهو لصاحب الديون لا لهم.
وبلغا إلى قرية أخرى عامرة فقال: ليتني اعلم أهي عامرة أو خربة؟ فقال له صاحبه أما يُرى أنها عامرة فقال الخضر: إن كانوا مسلمين فهي عامرة وإن كانوا على غير ملة الإسلام فهي خربة أخرب من كل خراب.
وبلغا إلى قرية أخرى أهلها في سطوحها وكل واحد منهم يعمل عمله، وقال: ليتني أعلم أن أهل هذه القرية أحياء أو موتى؟ قال صاحبه: أما ترى أنهم أحياء يعمل كل واحد منهم عمله؟ فقال: أنا لا أعني بحركاتهم بل أعني إن كان فيهم عالم فهم أحياء وإن لم يكن فيهم عالم فهم موتى
الباب الثالث
زهد العلماء وبعدهم عن السلطان
الجمعة لا تصح إلا بإذن السلطان عندنا؛ وكذلك العيد.
وإذا توجبت اليمين على رجل لم يحلف إلا بأمر السلطان.
ولو أن صغيرة زوجها وليها غير الأب والجد فبلغت مبلغ النساء فاختارت بنفسها، لكن لا يتمكن اختيار نفسها إلا عند حاكم ذي سلطان.
ولو أن رجلاً اشترى شيئاً فوجد به عيبا بعدما قبضه فأراد رده بذلك العيب؛ فإن أبى البائع أن يقبله لم يكن رده إلا عند الحاكم ذي سلطان لأنه قضاء بالرد والفسخ.
وإذا أسلم أحد الزوجين وأبى الآخر أن يسلم فطلب فراقه لم يكن له ذلك إلا عند حاكم.
وإذا حضر السلطان جنازة ميت فهو أولى بالناس، وفي كثير من الصور يحتاج إليه، وإذنه شرط وحضوره فإن كان هذا السلطان الذي تتعلق به أحكام الشرع يظهر به ظلم فالتقرب إليه يوجب النار وغضب الرحمن كما قال الله تعالى {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تصرُونَ} هود:.
قال الفقيه رحمه الله: اختلف العلماء في قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ
ظلموا} معناه ولا تجالس الظلمة.
وقال بعضهم: لا تتكلموا معهم.
وقال بعضهم: لا تخالطوهم في أعمالهم.
وقال بعضهم: معناه لا تعينوا في ظلمهم.
وقال بعض الزهاد معناه لا تنظروا إليهم.
وقوله تعالى {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} هود: معناه إذا تقربتم إلى السلطان ووافقتم معه في ظلمه فأنتم في النار.
وقوله تعالى {ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} الزمر: معناه لا ينصركم الله تعالى على شيء بعدما وافقتم الظلمة في ظلمهم.
وقد جاء عن أنس أنه قال: قال عليه السلام: "العلماء أمناء الرسل والناس ما لم يخالطوا السلطان، فإذا خالطوهم فاجتنبوهم.
وعن أبي القاسم بن منصور أنه مرض خلف بن أيوب، فذهب إليه الأمير عائدا، فلما سمع حسه حول وجهه ودخل عليه داود فقال له ابنه معتذرا إلى الأمير إنه لم ينم طول الليلة فنعس الآن، فناداه خلف يا بني إن الكذب حرام لست بنائم لكن رأيت في الأخبار أن الكلام مع الأمراء حرام ولم أر أن النظر إليهم حرام أو حلال فحولت وجهي لأن لا أراه وأفعل أمراً أشك فيه وفي جوابه، فلما سمع داود رفع وجهه إلى السماء بالدعاء وقال: إنه يتقرب بالإعراض عني فإني أتقرب إليك بالنظر إلى وجهه فاغفر لنا جميعاً يا غفار، ثم انصرف فقيل له لقد توفي داود فرأوه، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال غفر لي بدعائي الذي دعوت عند خلف بن أيوب حيث أعرض عني بوجهه.
عن ابن عباس الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علماء هذه الأمة رجلان رجل آتاه الله العلم يطلب به وجه الله والدار الآخرة ولم يأخذ عليه جعلا.
ولم يشتر به ثمنا وبذله للناس وذاك يستغفر له حيتان البحر ودواب الأرض على
الغبراء والطير في جو السماء، ويقدم على الله سيدا شريفا حتى يوافق المرسلين.
ورجل آتاه الله علما فيبخل به على عباد الله تعالى وأخذ به جعلا واشتري به ثمنا قليلا فذاك يلجم يوم القيامة بلجام من نار ومناد ينادي على رؤوس الخلائق والأشهاد يا أهل الجمع إن هذا فلان بن فلان آتاه الله تعالى علما في الدنيا فيبخل به على عباده وأخذ جعلا عليه واشترى به ثمنا قليلا، فيكون كذلك حتى يفرغ الله من الحساب".
وعن الحسن بن أبي بريدة قال: مثل عالم السوء الذي يعلم الناس
وينسي نفسه مثل الفتيلة تضيء الناس وتحرق نفسها».
وقال النبي عليه السلام: واعظ القول ضائع كلامه وواعظ الفعل نافذ سهامه".
الباب الرابع
في فضل من علم ولده القرآن أو قرأ نفسه
ولو أن إنساناً أجر نفسه في عمل يفرض عليه لم يجز كالولد إذا أجر نفسه لوالده ليخدمه لأنه يفرض عليه خدمة، والده وكذا المرأة إذا أجرت نفسها لزوجها لتخدمه لأن خدمة الزوج وخدمة بيته فرض عليها.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل على بنته خدمة بيت علي بن أبي طالب لها فرضا، فبان أن من أجر نفسه في شيء يفترض عليه لم تجز الإجارة كما لواستأجر عالماً ليعلم ولده القرآن أو العلم لم يجز عندنا وعند الشافعي يجوز.
وكان الإمام أبو محمد عبد الله بن الفضل يقول: كان هذا الجواب في الزمن الأول حيث كان الناس يرغبون في أعمال الخير والبر بغير بدل ويقاتلون على الإمامة والأذان والتعليم ليحصل لهم الثواب، وأما في زماننا هذا يجوز للمعلم والمؤذن والإمام أن يأخذ لذلك أجرا لأنا لو لم نجوز لا يوجد أحد يفعل هذه مجانا لأجل الله تعالى؛ فيختل الأمر فجوّز، فقد يجوز أن يتغير الجواب بتغير الأحوال فى الناس، ألا يرى أن أبا حنيفة رحمه الله قال: لبس السواد لا يجوز لأنه لا يلبس ذلك في زمانه، وقالا في زماننا لبس السواد جائز لأن الناس لبسوه وافتخروه، وكذا في حد الشرب كان في عهد أبي بكر الصديق الله أربعين فوافي خلافته ثمانين وبقى على ذلك.
ويدل عليه أن في ابتداء الإسلام كان لا يجوز الأكل في ليالي رمضان بعد العتمة ولا المباشرة في أزواجهم ليلاً في رمضان مدة، فأحل الله تعالى ذلك وقال الله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَتُ} البَقَرَة:، فبان أن الأحكام تختلف باختلاف الزمان والطبائع، وقع ذلك عند أكثر الفقهاء، لا يجوز الأجرة
في الأذان لما روى أن رجلاً قال لعمر: يا عمر إني أحبك فقال: أنا أبغضك فإنه أنك تؤذن وتأخذ أجرا، فإن آخر ما عهد إلينا رسول الله أن لا تتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجراً؛ فدل أن ثواب الأذان والتعليم في العقبى كثير لا يجزي فيها أجرا لأن الله تعالى يعدهم أجرا بالوفاء حيث يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّن تبُورَ ليُوفِّيَهُمْ أجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكور فاطر: -، معناه غفور يستر علينا عيوبنا في الدنيا شكور يعني لم يفضحنا في العقبى ويرضى عنا لما ذكرنا من تلاوة القرآن وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وعن عائشة لنا أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل لأولاد أمتي من آبائهم لا يعلمونهم القرآن لفرض فينشؤون جهالاً، أنا بريء من أولئك ثلاث مرات، يعني من الآباء.
وعن مصعب بن سعد عن أبيه عن النبي عليه السلام أنه قال: خياركم من تعلم القرآن وعلم ولده أو غيره. ـ قال سعد - وأقعدني في مجلسه أقرى». وعن ابن عباس أنه قال: من اتبع القرآن وقرأه وعلم ولده هداه الله تعالى من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب في الآخرة؛ وذلك أن الله تعالى قال {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} طه:.
وعنه رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: من حفظ القرآن ثم نسيه جاء يوم القيامة وهو أجذم يعني مقطوع اليدين.
وقيل إن إبليس اللعين يرسل جنوده إلى إضلال الخلق، فواحد يجيء ويقول إني وقعت فلاناً في الزنا، والآخر يقول إني وقعت فلاناً في الشرب، والآخر يقول إني أوقعت فلاناً في الدم من غير حق فيقول ما فعلتم اليوم، وواحد يقول أمسكت صبيا من التعلم فيقول فعلت ما فعلت فيضمه من النشاط، وهذا ظاهر أن أعظم الكبائر ما يفرح به إبليس اللعين وأعظم الأعمال أجرا ما يغتم به اللعين، فقراءة القرآن وتعليمه يخزيه وينكسه.
الباب الخامس
فيما يجب على العالم أن يستعمل أولاً ثم يعلم غيره
رجل له ولد ذكر وغلام صغيران ومات عنهما ولم يعلم أيهما ولده فماله يوضع في بيت البيت.
ولو أن رجلاً وضع ولده الصغير في المسجد ليلاً ثم ندم فرجع ليرفعه فإذا فيه ولدان ولم يعرف ولده من غيره فرفعهما؛ ثم مات قبل أن يظهر له ذلك لم يصر ماله ميراثاً لأحدهما بل يوضع في بيت المال وينفق الإمام عليهما من بيت المال حتى يبلغان.
ولو أن رجلين أودعا عند رجل أحدهما غلاماً والآخر جارية ثم تنازعا عند الأخذ، فقال أحدهما أودعت غلاماً وقال الآخر بل أنا؛ فكل واحد منهما يدعي الغلام ولم يكن لهما شهود والمودع الجارية أودعني هو بعينه وهو ينكر ويدعي الغلام كما هو الآخر؛ والمودع يقول لا أعرف أيهما أودعني الغلام يدفع الجارية لمن أقر أو يسلم الغلام إليهما بعد تحليفهما، ويضمن المودع لكل واحد منهما نصف قيمة الغلام لأنه ما عمل بما علم، وكذا واضع الولد في المسجد، فالذي لم يعمل بما علم يعاقب في الشرع فكيف في الآخرة.
ويدل عليه قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتا}
الصَّف أي بغضا معناه أن تكون تاليا بلسانك فارا في قلبك.
واختلف المشايخ في نزول هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت في الصحابة حيث قالوا: لو فرض الله علينا الغزو نقاتل الكفار، فلما فرض الغزو وغزوا فأصابتهم الجراحات هربوا من القتال حتى قال عليه السلام: من فارق الصف فليس منا " فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقيل نزلت هذه الآية في شأن اليهود حيث قالوا إن محمداً نبي الله ورسوله وما آمنوا، فنزلت هذه الآية، فكل من لم يعمل بما علم يدخل في هذه الآية.
وعن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: رأيت في التوراة أن العالم
إذا لم يعمل بعلمه زالت موعظته عن القلوب كما زالت القطرة عن الصخرة.
وعن مكحول الشامي وعطاء الخرساني أنهما خرجا يريدان هشاما بالرصافة، فلما بلغاه دخلا المسجد فإذا هما بحصيف، أي فقيه جالس في المسجد، فلما رآهما قال: إن العلماء إذا علموا عملوا؛ فإذا عملوا شغلوا؛ فإذا شغلوا فقدوا؛ فإذا فقدوا طلبوا؛ فإذا طلبوا هربوا فرجعا إلى رواحلهما وقال ما أحسن ما وعظنا.
وقال الحكيم: قول بلا عمل كقوس بلا وتر، وقول بلا عمل كسحاب بلا مطر، وقول بلا عمل كشجر بلا ثمر.
وعن علي بن أحمد بن عبد الله النسفي أنه قال: لما توفي شقيق البلخي الله قالوا للتلميذ حاتم الأصم أنت خلف شيخنا فعظنا، فقال
أمهلوني سنة أصلح أمري، فدخل داره وعبد الله سنة، ثم طولب فقال أمهلوني سنة، فلما تمت السنة الثانية كان بحذاء داره طيور فخرج إليهم فطرن خوفا، فرجع حاتم إلى منزله ودخل داره ورد الناس فلما تمت السنة الثالثة وجاء القوم إليه خرج إلى تلك الشجرة وعليها صلصل - أي طيور ـ، فقرب إليهن حتى مسح يده على ظهورهن فلم يطرن لم يبرحن منه، فرجع إلى داره فرحا وأجابهم بما سألوا منه وأثر عليهم الوعظ حيث تابوا بأجمعهم.
فسألوا عن تسويفه لهم وتأثير وعظه فقال توقفت ثلاث سنين حتى عملت بما تعلمت وجربت نفسي ما بين الطيور فآمنوا من شري، فتوجهت إليكم فاثر عليكم قولي إذ قدمت العمل على العلم.
حكي أن أبا حفص الكبير لما انصرف من العراق اجتمع الناس من أهل تجارة وسألوه أن يجلس للعامة، فقال: نعم، ودخل داره ولبس الثياب، واستعد فقالت له امرأته إلى أين قصدت؟ فقال: أذكر العامة، فقالت: هل عملت بما تعلمت حتى تخرج إلى الناس فتعظهم؟ فقال: أيتها المرأة رميت سهما نافذا، وخرج إلى الناس فصاح بهم وقال: انصرفوا فإني وجدت في الدار معلماً أحتاج إلى علمه، ثم دخل الدار وجعل يعبد الله تعالى ويستعمل العلم ثلاث سنين،، فلما تمت ثلاث سنين طولب بالتذكير فشاور امرأته فقالت له: هل عملت بما علمت؟ فقال: عملت بأكثرها. فقالت: هل تعرف لنفسك خصما؟ فجلس أبو حفص يتفكر ثم قال: خرجت يوما قبل خروجي إلى العراق إلى قصر المجوسي بدرب سمرقندي، وكنت أطوف مزارعهم فأخذت منها باقة كراث
وأكلتها، فلا أعرف لنفسي خصما غير هذا فقالت ارض خصمك أولاً ثم عظ الناس، فخرج أبو حفص يطلب صاحب الدين فإذا هو مجوسي، فأخبره ه بصنعه فاستحل منه فلم يحله فقال: أبو حفص لك عشرة دراهم واجعلني في حل فأبى حتى قال له لك عشرة آلاف درهم فقال المجوسي حتى استأذن أهلي، فذهب إلى منزله فأخبر أهل بيته فقالت أهله إن هذا دين حسن حق حيث يعطيك هذا الرجل عشرة آلاف درهم في كراثة واحدة فدخل في دينه، فأخبر المجوسي أهل القرى وكانوا أكبرهم المجوسي، فتبعه من القرى سبعون نفرا من المجوس من أقرباء ذلك المجوسي حتى وقفوا على أبي حفص وقالوا اعرض علينا فعرض عليهم فأسلموا بأجمعهم ببركة عمله بالعلوم.
ثم خرج إلى الناس وصعد المنبر فأول ما تكلم بهذا الحديث، ثم قال أبو حفص عمل واحد ينفع الألف، وقول الألف لا ينفع لواحد.
وعن أبي نصر أحمد بن الشرف رحمه الله قال: كنت مع أبي حفص فسأله رجل عن فضل الأيام البيض، فلم يجبه حتى مضى مدة، ثم قال: جيئوا بالرجل الذي الأيام البيض، فلما حضر أجابه فقلت له: لم لم تجبه مسرعاً؟ فقال: ما كنت استعملت فالآن صمت الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر أجبته لينتفع به، فإنه لو علمته ذلك قبل استعمال لم ينتفع به.
عن أبي محمد يحكى عن شقيق البلخي والله أنه كان في وقت شبابه رأس الشبان، فمر مع أصحابه يوما على باب بيت مجوسي، فقال لأصحابه حتى ندخل هذا الموضع، فدخل شقيق فإذا به شاب جميل يعبد النار، فقال شقيق للشاب: لم تعبد النار ولا تسلم لخالق النار وتصون حسن وجهك من النار؟ فقام الشاب ولطمه فخرج فلما تاب وأناب شقيق البلخي الله وغير حاله اتفق ممره
مع أصحابه بعد مدة على ذلك البيت وهو بيت المجوسي، فقال حتى أدخل هذا فانظر، فدخل فإذا فيه رجل يعبد النار، فقال له شقيق: لم لا تسلم وأنت رجل حسن الوجه؟ فقال: اعرض علي الإسلام، فعرض عليه وخرج معه نادما بما فعل في مدة عمره، وفرح شقيق ثم قال له: وقتئذ دخلت كذلك هاهنا فكان فيه شاب فوعظته ودعوته إلى الإسلام فلطمني وما أجابني فأين هو؟ فقال ذلك الغلام أنا، وقال: الحمد لله. فقال: فعلت ما فعلت والآن أسلمت؟ فقال له: لأنك كنت يومئذ نجساً وأنا كنت نجساً، والنجس لا يطهر النجس، فالآن صرت طاهرا فطهرت طهارتك نجاستي. يومئذ كنت ظلمة وأنا ظلمة والظلمة لا تنور الظلمة فالآن صرت نورا فنورك نور ظلمتي، فنورك الله في الدارين كما نورتني. عملك يومئذ قولا فلم ينفعني، فالآن صار عملك فعلا فنفعني.
قال أبو الفضل محمد بن نعيم كان قاض يقضي للعامة قريبا من محمد بن واسع فيوبخ جلساءه ويقول: ما لي أرى قلوبكم لا تخشع؟ وعيونكم لا تدمع؟ وجلودكم لا تقشعر؟ فقال محمد بن واسع: يا عبد الله ما أرى القوم أتوا إلا من قبلك، إن الذكر إذا خرج من القلب وقع في القلب.
ذكر أبو الفضل أحمد بن محمد الرهماني لله: أن سائحا دخل على عالم فسلم عليه فخافت في رد السلام ودخل عليه غيره فسلم فرده جهرا. فصاح الفقير فقال: رحمك الله ما تقول في السلام على نوعين أم أكثر؟ فقال: بل نوع واحد فقال: يا شيخ أراه عندك على نوعين. فخجل الشيخ. ثم قال الفقير: أسألك عن مسألتنا ما تقول فيمن حلف لا يدخل داراً بنيت لغير سنة الله تعالى فدخل دارك هذه حنث أم لا؟ ومراد الفقير من دار بنيت لغير سنة أن
يكون مرتفعا عاليا وهذا مكروه، فتحير الفقيه فقال تلاميذه للسائح: اذهب فإنك قد شغلتنا فقال: ما مثله ومثلكم إلا كمثل ضال ضل الطريق يسترشده عن ضال مثله أيرشده أم لا؟ فأستاذكم ضل طريق الآخرة وأنتم تطلبون منه الهداية؛ فكيف يهديكم؟ ثم قام وخرج.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه أتى مجلساً بالري؛ فإذا ذلك العالم جالس على سرير مرتفع بالجلال والكبر، فلما فرغ تعوذ إبراهيم ثم قرأ وقال {تَبَرَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} المُلك:، الذي خلق السرير. فقال الفقيه: أخطأت فقال: الذي خلق الفرس والاسطام. وكانت دابة الفقيه عند باب المسجد. فقال: أخطأت يا خرساني. فقال: علمني كيف. قال الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والحيوة المُلك:. قال: إذا علمت أنك خُلقت للموت فما هذا التعظيم والتكبر والجلال؟ فصاح وصرع وقال: رميت سهما معترضا نافذا، فتاب وأناب إلى الله تعالى. وخرج مع إبراهيم سائحا، وترك داره وماله لأهله حتى مات. فلما كان قول إبراهيم من القلب وقع على القلب.
الباب السادس
في فضل لا إله إلا الله محمد رسول الله
إذا أذن الكافر هل يصير مسلماً بنفس الأذان لم لا؟ إن كان في وقت الصلاة مسلماً لأنه أتى بدليل الإسلام في وقته وأجرى كلمة الشهادة على لسانه معتقدا بتصديقه، فصار مسلماً. وإن كان في غير وقته فلا. وكذلك الحكم في الصلاة وإن صلى في الجماعة يصير مسلما.
ولو قال الذمي: لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يزد عليه شيئاً لا يصير مسلما، لأن أهل الكتاب يقولون: نحن نؤمن بمحمد ولكن لم يخرج، فإن قال: آمنت بمحمد الذي خرج ومضى فى سبيله صار مسلماً.
ولو أن الكافر قرأ القرآن فإنه يُسأل هل آمنت بما في القرآن؟ فإن قال: آمنت به صار مسلماً وإلا فلا.
ولو قال الكافر: لا إله إلا الله ولم يزد عليه شيئاً لم يصر مسلماً، لأن الإسلام هو الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته وأكثر الكفار يؤمنون بالله تعالى ولا يؤمنون بالرسل والكتاب والإسلام هو الإيمان بهذه الأشياء كلها لقوله تعالى {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ} البَقَرَة: إلى قوله تعالى: ولَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} البَقَرَة:. وفي نزول قوله تعالى شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} آل عِمران: إلى آخره.
قال الكلبي: لما ظهر رسول الله عليه السلام بالمدينة فقدم حبران من
اليهود من الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي عليه السلام قالا له: أنت محمد عليه السلام؟ قال: "نعم». قالا: أنت أحمد؟ قال: "أنا أحمد». قالا: نسألك عن شهادة إن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقنا بك، قال عليه السلام: "سلاني قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فنزلت هذه الآية {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} آل عِمرَان: الآية، فأسلم الرجلان، فصدقا النبي عليه السلام.
وعن سعيد بن جبير رحمه الله أنه قال: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزل قوله تعالى {وشَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} آل عمران: إلى آخره خرت الأصنام سجدا لله تعالى نحو القبلة.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: شكا عثمان بن عفان من عمر إلى أبي بكر فقال: يا أمير المؤمنين سلمت على عمر لم يرد سلامي. فقال أبو بكر علي بعمر. فأتي به فقال أبو بكر: يا عمر أما تذكرت أن رسول الله كان جالسا على رأس بئر في كرم عمه العباس بن عبد المطلب في إزار مكشوف الرجلين والظهر والبطن، فدخلنا فلم يغط، فدخلت أنت فلم يغط، فدخل عثمان فغطاهما. فقلنا في ذلك. فقال ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة». قال عمر: نعم يا أمير المؤمنين. فقال أبو بكر: لم لم ترد عليه السلام حين سلم عليك. قال عمر: والذي خلقني ما سلم علي عثمان قط. وقال عثمان:
والذي خلقني لقد سلمت عليه فقال: أبو بكر: إني أعلم أنكما صادقان حقان في همك يا عمر حيث لم تشعر سلام عثمان فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا ولم أسأل عنه بماذا يكون نجاة أمتك من النار في العقبى؟ فقال أبو بكر: يا عمر إن لم تسأله أنت سألته أنا، فقال "الكلمة التي دعوت إليها عمي أبا طالب فلم يجبني»، يعني لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعن وهب بن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما دخل على يعقوب عليه السلام مبشر بيوسف عليه السلام فقال له يعقوب عليه السلام على أي دين تركته؟ فقال: على دين الإسلام فقال: الآن تمت النعمة على يعقوب وآله ".
وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: دخلت على عمر ولايته فإذا عليه ثياب خلق فقلت يا أمير المؤمنين يرد عليك الوفود ومن ملوك الدنيا، فاتخذ لنفسك ثوباً حسنا تلبسه يوم دخولهم عليك. فقال: يا أبا عبيدة لو قال هذا غيرك لضربته؛ لكن منعني عن ذلك صحبتك مع رسول الله، ألم أكن أذل عباد الله فأعزني الله بالإسلام ووفقنا إلى قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأي عز أكبر من هذا؟.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله عموداً من ياقوتة حمراء رأسه تحت العرش وأسفله على ظهر الحوت في الأرض السابعة السفلى، فإذا قال العبد لا إله إلا الله محمد رسول الله من نية صادقة اهتز العرش وتحرك العمود والحوت، فيقول الله تعالى اسكن يا عرشي ويقول وكيف أسكن وأنت لم تغفر لقائلها، فيقول الله تعالى اشهدوا يا سكان سمواتي أني قد غفرت لقائلها من الذنوب صغيرها وكبيرها؛ سرها وعلانيتها».
والفقه أن من يقول هذه الكلمة الشريفة ينجو من سيف الدين؛ فكيف أن لا ينجو من قطيعة العقبى.
وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى أنبيائه أن لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أتاني معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقلت له: من أين جئت يا معاذ؟ فقال: من عند النبي عليه السلام. فقلت: فما قال؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال أشهد أن لا إله إلا الله مخلصا في قبل نفسه دخل الجنة». فقلت: اذهب إلى النبي عليه السلام واسأله فقال: نعم.
فذهبت وأتيت النبي عليه السلام فقلت يا نبي الله حدثني معاذ بن جبل أنك قلت من قال أشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً في قبل نفسه دخل الجنة». قال عليه السلام: صدق معاذ ثلاث مرات.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله عليه السلام: إنه يستخلص رجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه، ثم يقول الله له أتذكر من هذا شيئاً ظلمك حفاظك بشيء؟ فيقول لا يا رب فيقال له: ألك عذر أم حسنة؟ فيبهت ويقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى إن لك عندي حسنة ولا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها قول العبد في الدنيا مرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات. فيقال: إنك لا تظلم اليوم، فتوضع السجلات في كفة الميزان فلم تثبت السجلات وطاشت وثقلت البطاقة، قال:
فلا يثقل مع اسم الله شيء.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: "ما زلت أشفع إلى ربي عزوجل ويشفعني وأشفع ويشفعني حتى أقول يارب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله، قال فيقول: ليت لك هذه يا محمد بل هذه إلي وعزتي وجلالي وعلمي ورحمتي لا أدع في النار أحد ممن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله.
عن معاذ بن جبل قال: كنت رديف رسول الله عليه السلام ليس بيني وبينه إلا مؤخر الرجل، فقال يا معاذ. قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله. ثم سار ساعة فقال: يا معاذ قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله. ثم قال بعد ما سار ساعة: هل تدري ما حق الله تعالى على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقه على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا ثم سار ساعة فقال: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله تعالى إذا هم فعلوا ذلك؟ قال: حقهم أن يغفر لهم ولا يعذبهم.
وعن أبي بكر الصديق الله الله قال عن رسول الله عليه السلام أن دحية الكلبي كان كافراً من ملوك العرب، وكان النبي عليه السلام يحب إسلامه فإنه كان تحت يده سبعمائة أهل بيت وكانوا يسلمون بإسلامه وكان يقول أبداً: اللهم ارزق دحية الإسلام، فلما أراد دحية الإسلام أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر يا محمد إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول إن دحية يدخل عليك الآن ويسلم»، فلما سمع ذلك أصحابه عليه السلام وكان في قلوبهم كأن شيئاً من دحية من وقت الجاهلية فكرهوا أن يمكنوا له فيما بينهم، فلما علم
ذلك رسول الله منهم كرهوا أن يقول لهم مكنوا دحية فيما بينكم، وكره أن يدخل دحية فيوحشوه فيرد قلبه عن الإسلام، فلما دخل دحية المسجد رفع النبي عليه السلام رداءه عن ظهره وبسطه على الأرض بين يديه فقال "يا دحية اجلس ههنا وأشار إلى ردائه، فبكى دحية من كرم رسول الله فرفع رداءه وقبله و وضعه على رأسه وعينه وقال: بأبي وأمي من هذا الرداء.
ثم قال: يا محمد ما شرائط الإسلام فاعرضها علي؟ فقال: "أن تقول أولاً لا إله إلا الله محمد رسول الله». قال دحية ذلك، ثم وقع البكاء على دحية، فقال النبي يا دحية ما هذا البكاء وقد رزقت الإسلام؟ قال: إني ارتكبت خطيئة وفاحشة كثيرة فعل ذلك ما كفارته؟ إن أمرتني أن أقتل نفسي قتلتها، وإن أمرتني أن أخرج من جميع مالي خرجت فقال النبي عليه السلام ماذا يا دحية؟ قال: كنت رجلاً من ملوك العرب استنكفت أن تكون لي بنات لهن أزواج فقتلت سبعين بنتاً لي كلهن بيدي فتحير رسول الله عليه السلام في ذلك حتى نزل جبريل عليه السلام وقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك يا محمد قل لدحية يقول الله تعالى: وعزتي إنك لما قلت لا إله إلا الله محمد رسول الله غفرت لك كفر ستين سنة، فكيف لا اغفر قتل بناتك وهن لك؟ قال فبكى النبي عليه السلام وأصحابه رضي الله عنه م، ثم قال النبي عليه السلام: إلهي قد غفرت لدحية كفر ستين سنة وقتل بناته بشهادة أن إلا إله إلا الله مرة فكيف أن لا تغفر للمؤمنين صغائرهم بشهادات كثيرة؟».
الباب الآخر
في فضل لا إله إلا الله محمد رسول الله
ولو أن رجلاً تزوج امرأة مسلمة فينبغي إذا خلا بها أن يسألها عن الإسلام أولاً، إن وصفت حل له المقام معها لأنها مسلمة مثله، وإن لم تصف فهي كالمرتدة.
ولو قال لها الزوج قولي معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فيكون بهذا أدخل في الأدب، لأنه لو قال لها صفي الإسلام فلعل أنها تستحي ويشق عليها، فالمرأة لا تحل إلا بهذه الكلمات.
وقد روي عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن أفضل الذكر لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإن أفضل الدعاء الحمد لله" وإنما كان هذا أفضل الأذكار لأن العدو عند الشدة والضيق عند الابتلاء لا يشغلون إلا بها كما قال فرعون - لعنه الله - وقت الغرق {ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي امَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَاءِيلَ} يونس:.
ويونس في بطن الحوت كذلك اشتغل بهذا حتى شهد الله به فقال {فَلَوْلَا أَنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} الصافات: -. ثم إن كان نبياً لا يتخلص إلا بها فكيف العبد الساهي. ثم الحكمة في أن فرعون - لعنه الله - ردت عليه هذه الشهادة وقيل له {ءالئنَ وَقَدْ عَصَيْتَ} يونس:، وقبلت هذه الشهادة من يونس عليه السلام لأن فرعون قالها في الضراء وأما يونس عليه السلام كان يذكره في السراء كما يذكره في الضراء، وهو قوله تعالى {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} الصَّافات:؛ معناه لو لم يكن مسبحا في الأرض لما نفع له تسبيحه في بطن الحوت كما لفرعون ـ لعنه الله ـ ما نفعه قوله الشهادة.
وعن أحمد بن سهل الزاهد قال: رأيت يحيى بن أكتم في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: قدموني إلى ربي جل جلاله فقال يا شيخ السوء جئتني بتخليط كثير. فقلت: يا رب حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة لها عن النبي عليه السلام عن جبرائيل عنك جل جلالك قلت: "إني لأستحي من عبدي وأمتي أن أعذبهما بالنار وقد شابا في الإسلام وهما يشهدان عليّ ويصدقان ما أمرت، وأنا شيخ كبير. فقال الرب تعالى: صدق عبد الرزاق، ومعمر، وصدق الزهري، وعروة وعائشة وصدق النبي وجبرائيل عليهما السلام، أنا قلت ذلك احملوا به إلى دار اليمين ـ يعني الجنة.
وعن أبي بكر محمد بن إبراهيم الواسطي قال: إن رجلاً واقفاً بعرفات كان في يده سبعة أحجار فقال: أيتها الأحجار السبعة اشهدوا في فإني أشهد أن لا إله إلا الله ومحمد عبده ورسوله فنام فرأى في المنام كأن القيامة قد قامت وأنه حوسب فوجبت له النار، فلما ساقوه إلى باب النار فإذا هو بحجر من تلك السبعة ألقت نفسها على باب النار فاجتمعت الملائكة على رفعها فلم يطيقونها، ثم سيق إلى باب الآخر فجاءت الثاني، فسيق إلى باب الثالث حتى إلى السابع
ويجيء الحجر، فعجز الموكلون من الملائكة فلم يقدروا إدخاله إلى النار بإلقاء الحجر نفسها على كل، باب فسيق إلى العرش والرب أعلم بذلك، فقال الله تعالى: عبدي أشهدت بشهادتك الحجارة فلم يضيعن حقك؛ فكيف أنا أضيع بي حقك وقد شهد بي وبرسلي؟ أدخلوه الجنة. فلما قرب من باب الجنان فإذا هو مغلق، فجاءت الشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، ففتح الباب ودخل الجنة. فهذا ببركة قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وعن أبي عبد الله رضي الله عنه أنه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله أربعة وعشرون حرفا والليل والنهار أربع وعشرون ساعة، وإذا قال العبد من قلبه بالصدق: لا إله إلا الله محمد رسول الله يقول الرب جل جلاله: أتيت هذه الأربعة والعشرين وقد خلقت ساعات ليلك ونهارك أربعاً وعشرين؛ وكل ذنب أديته في هذه الساعة صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها، خطأها وعمدها، قولها وفعلها غفرت لك بحرمة قولك مرة واحد لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال أبو منصور: إن الله تعالى جعل العذاب عذابين، عذاباً في الدنيا وعذابا الآخرة. فعذاب الدنيا وهو السيف بيد الرسل وأصحابهم، وعذاب الآخرة هي النار بيد مالك وأعوانه والسيف في غلاف يرى والنار في غلاف لا ترى.
ثم إن الله تعالى أعطاك اللسان والقلب، فاللسان في غلاف يرى والقلب في غلاف لا يرى فالله تعالى قال لنبيه عليه السلام من أخرج لسانه بذكري وهو في غلاف يرى أدخل السيف في غلاف يرى - وهو الغمد، ومن اشتغل قلبه بذكري وهو في غلاف لا يرى أغلق عليه باب النار وهو في غلاف لا يرى، ومن اشتغل بذكري باللسان والقلب حفظت نفسه من سيف الدنيا ونار الآخرة".
الباب السابع
في الصبر على الشدة لأجل الدين
ولو أن رجلاً أكرهه السلطان وقال له لتشربن من هذا الخمر أو لأقتلنك كان في وسعه أن يشرب الخمر لأنه لو لم يشربها تلفت بذلك نفسه وعليه صيانة نفسه.
ألا يُرى أنه يرى متوجها إليه، فلو لم يدفعه فقتل بدفعه لم يجب على الرافع القصاص لأنه كان رافعا والرفع واجب على النفس، ولو أن الرافع يقتل فيكون شهيدا لقوله عليه السلام من قتل دون ماله فهو شهيد»، ولا خوف بقتل أو قطع عضو أو ضرب مائة سوط على أن يكفر بالله ـ نعوذ بالله منه ـ ليسعه إجراء الكفر على لسانه إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، والأفضل أن لا يجري تلك الكلمة ويعصي نفسه لتلف وإن أصابه الضرر لأجل الدين والإسلام،
ويدل ذلك على قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ أَطْمَأَنَّ بِهِ ? وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَنقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ الحج: الآية.
معناه على حرف أي لطمة في الدنيا، {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَنقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} الحَجّ: يعني إذا خسر في تجارته ولم يصب خسر الدنيا، أنقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ يعني ارتد عن الإيمان بالله وتحول إلى الكفر،
فينبغي أن يكون المسلم صلبا في دينه لا يتركه وإن أصابه الضرر، ويدل عليه ما قاله النبي عليه السلام لأبيرزين العقيل أن تحرق بالنار أحب إليك من أن
تشرك بالله».
قال أبو رزين العقيل يا رسول الله كيف لي بأن أعلم أني مؤمن؟ قال عليه السلام: "ما من أمتي من عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة وأن الله مجازيه خيراً منها، ويعمل سيئة فيعلم أنها سيئة يستغفر الله منها؛ ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله فهو مؤمن".
وعن مجاهد عن ابن عباس أن أهل مكة من المشركين مثل أبو جهل ـ عليه اللعنة ـ أخذوا بلال المؤذن، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وجارية من قريش كانت أسلمت فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يجرونه ويضعون درعا من حديد في حر الشمس ثم يلبسونه إياه وهو يقول: أحد أحد. وأما خباب بن الأرت فجعلوا يجرونه على الشوك والجبال، فأبى أن
يتابعهم.
وأما عمار قال لهم كلمة فأعجبهم.
وأما الجارية فوتدها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها وعذبها حتى قتلها وهي تقول الله.
ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي تكلم به، فقال رسول الله: "كيف كان قلبك حين قلت ما قلت يا عمار؟ قال: مطمئن بالإيمان.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنى على خباب وبلال ودعا لهما بدعوات كثيرة، فتبين لنا أن فعل بلال في ترك البيعة أفضل من فعل عمار حين أعطى البيعة مخافة نفسه.
وعن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه عن عطاء قال: بعث رسول الله خبيب بن عدي وعاصم بن ثابت إلى مكة عيناً، فسارا حتى شارفا مكة فلقيهما خيل المشركين، فقتلوا عاصماً وأرادوا أن يصلبوه فحمته الدبر ـ يعني الزنابير - فلم يقدروا على ذلك فرموه بالنار فاحترق ما حوله ولم تصبه النار،
فتركوه وأسروا خبيبا، فقدموا به مكة وذلك يوم بدر وقد كثرت اليتامى بمكة، فجعل النساء يضربنه ثم أمر به ليصلب، قال: يا معشر قريش ائذنوا لي فأصل ركعتين، قالوا: صل. فصل ركعتين ثم انصرف فقال: لولا تظنوا بي أني أجزع من الموت لزدت في صلاتي فصلبوه فقال: يا معشر قريش اجعلوا وجهي نحو القبلة عن الكعبة، فأبوا وصرفوا وجهه عن القبلة وهو يقول: اللهم إني لا أجد رسولاً إلى رسولك غيرك فاقرأه مني السلام عليه، فقالت له قريش حل محمداً وعش طيبا قال لأن أموت مائة موتة أحب إلي مما تدعونني إليه، فتكلم بأبيات على التوحيد.
ثم قالوا، اقتلوه فطعنوه حتى قتلوه فدارت الخشبة التي بها وهم ينظرون
حتى استقبلت بوجهه إلى الكعبة، فأتى جبريل عليه السلام إلى النبي عليه السلام فاخبره خبر خبيب وبلغه منه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ودعا له بدعوات كثيرة.
ثم قريش أرسلوا إلى عاصم ليجيئوا برأسه أو بشيء من جسده، فبعث الله مثل الظلة من الزنابير فحمته فلم يقدروا على أخذ شيء من جسده.
وعن أبي بكر الصديق عنه أنه قال: إن أمية بن خلف كان ذا مال وله اثنا عشر مملوكا، ولم يكن عليه أحد أحب إليه من بلال، وكان موكلا ببيت الصنم الذي يعبده أمية بن خلف ـ عليه اللعنة، وكان بلال يسجد لله في بيت الصنم ويذكر الله تعالى ويقول: أحد أحد، فبلغ الخبر إلى النبي عليه السلام وشاع حتى سمع أمية بن خلف أن بلالا خلف أن بلالا يسجد لرب محمد عليه السلام، فقال له: يا بلال ألآلهتي تسجد أم لرب محمد؟ فقال بلال مغضبا عليه: لا سجود إلا لله الواحد القهار الكبير المتعال رب محمد الذي خلق السموات السبع والأراضين السبع
وما بينهما بالحق، فوثب أمية عليه يضربه ويعذبه. ومما يعذبه أنه إذا كان نصف النهار جعله عرياناً وطلى عليه الزيت وأقامه في الرمضاء يجره، فكان إذا أصابته الشمس وحر الرمل نادى أحد أحد.
قال أبو بكر الصديق: فمررت عليه فقلت يا أمية إلى كم تعذب عبدا يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فاختصمنا حتى اشتريته بعبد أبيض وأوقيتي من ذهب فقال لي أمية بن خلف اشتريت غلاماً لو طلبته مني بدرهم لبعته لك، فقلت: ما أرخص ما بعته لو ساومتني ملكي كله لاشتريته. فأخذت بيد بلال وسترته بردائي ومسحت عن وجهه التراب، وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا معشر قريش اشهدوا أنه حر لوجه الله وحب محمد عليه السلام، فانزل الله في شأنه {وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} الليل: - إلى آخره.
وعن أبان عن ابن عباس عن أنس بن مالك كان رجلاً من أحبار اليهود وعلمائهم يقال له حبيب، وكان له ابن يقال هيهاب ذو جمال، وكمال، وأدب فدخل هذا إلى خزانة أبيه يوما فرأى فيها سفطاً من ذهب مختوم بخاتم من مسك، فخرج الغلام إلى أبيه كهيئة المسخط عليه، فقال له أبوه: يا بني مالي أراك على السخط؟ فقال: إني دخلت خزانتك فرأيت سفطا من ذهب، فأي شيء فيها؟ فقال: يا بني والله تعالى ما فيها ياقوتة ولا جوهرة إلا وفيها اسم رجل أعرابي ترب الله فاه - فلعنة الله عليه بما قال ـ، فلو جالست الأحبار وقرأت الكتب وفهمت معانيه كنت مطلعا على ما فيه، فلما شرب والده
الخمر وسكر دخل هيهاب خزانة أبيه ومعه سراج فدن من السفط وفتحه، فخرج
منه نور ساطع أطفأ نور السراج، فإذا فيه ورق أبيض مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله واضح الخدين، مقرون، الحاجبين، كث اللحية طوبى لمن شهد زمانه وسمع كلامه وكلامه القرآن ودينه الإسلام، يدعو إلى الله تعالى لا تأخذه في الله لومة لائم. ثم قال: وأخذه الغلام فوضعه على عينيه وقلبه ويقول: وامحمداه ليت شعري أفي السماء أنت مع الملائكة، أو في البحر مع الحيتان؟ فلم يزل الغلام يبكي حتى سقط مغشيا عليه، فدخلت عليه والدته مع خادم فحملوه إلى أبيه وهو لا يعقل، فلما نظر إليه والده سقط عليه يقبله ويبكي، فلما أفاق رفع الغلام رأسه فنظر إلى أبيه فقال: لا أقر عينيك ولا رحم كبر سنك حيث لم تعلمني بمحمد عليه السلام، فأخذه والده الملعون من شعره وأقبل يضرب برأسه الأرض، فدخل عليه الحارث بن أخطب وكعب بن الأشرف وأبو لبابة فقالوا: أيها الشيخ قد كبر سنك وذهب عقلك ما تريد من هذا الغلام؟ فقال: أريد قتله. قالوا: ولم ذاك؟ قال: إنه آمن بمحمد عليه السلام فقالوا: أيها الغلام أما علمت أن كباد الإبل إلينا تضرب والركبان إلينا يستحضرون، والدين منا يتعلمون، والقوم بنا يعبدون؟ فما هذا الصبا؟ قال لهم: ما صبوت ولكن آمنت بمحمد عليه فأخذ والده شعره وضربه فقالوا: إن ابنك غدا في النعم فلو أمسكتها عنه تبرأ من محمد عليه السلام، فألبسه مسحاً وأدخله مظلماً، وكان يناوله كل ثلاثة أيام قرصاً من شعير وماء مالحاً، فقام الغلام يمشي في الظلمات كأنه في النور، فأخذ الطعام فلم يقدر أن يأكله من ملوحته والماء كذلك، فبكى الغلام بكاء شديدا، فظن والده أنه ندم فقال له ما يبكيك فأعلمني؟ فقال الغلام:
أبكاني الشوق إلى محمد عليه السلام فقال له والده: لأعذبنك بهذا العذاب حتى تتبرأ من محمد عليه السلام فقال الغلام: قد رسخ حب محمد عليه السلام في قلبي ولا أستطيع أن أتبرأ منه؛ فهذا مما لا يتصور.
ثم رجع الغلام إلى الله وقال: يا خالق الظلمة والنور نور قلبي وطيب طعامي وشرابي بحق محمد عليه السلام فطيب الله تعالى طعامه وأعذب شرابه فأكل طيباً وشرب عذبا فمكث بذلك سنين حتى هاجر محمد عليه السلام إلى المدينة، فبلغ خبره إياه، فبعث إلى رعايته فقال أحرار لوجه الله تعالى إن فعلتم ما أمرتكم به، إن هذا الغلام ولدي وأنا بريء منه، فاذهبوا به إلى مراعيكم واستعملوه في جميع أعمالكم، فغل يده إلى عنقه وقيد رجله وبعثه مع رعاته، فأقبل الغلام ينعى بالليل ويحرس بالنهار، فلما كان ذات ليلة من الليالي ممطرة مظلمة اشتد شوق الغلام إلى محمد عليه السلام، فقال: إلهي أنزلت المطر من السماء لتحيي به الأرض وتسقي به العباد من خلقك، اللهم قد اشتد شوقي وعطشي إلى رؤية محمد عليه السلام وقد طال حزني فارحمني ومنّ عليّ بالنظر إلى محمد عليه السلام فسقط الغل عن يده والقيد عن رجليه وطوى له ثمانين فرسا حتى أصبح بالمدينة بباب رجل من الأنصار يقال له عمار بن واثلة، فلما خرج عمار إلى بابه إذا هو بغلام كئيب حزين متفكر، فقال له عمار: ما لي أراك كئيب؟ إن تكن جائعا أطعمناك، وإن تك عطشانا سقيناك. فقال الغلام: أيها الشيخ إن لي غما وهما لا يسعهما الطعام والشراب. فقال له عمار يا غلام وما همك؟ وما حزنك؟ فقال: أيها الشيخ إني لا أستطيع أن أفشي سري إليك، فقال له عمار: لوجه محمد لئن أخبرتني لأجهرن لك جهري فلما سمع ذكر محمد بكى بكاء شديدا، ثم قال: أيها الشيخ أرأيت محمدا؟ قال: نعم. قال: بحق محمد عليك أن تدنو مني، فدنا عمار من الغلام، فسقط الغلام على عينيه ويقول: يا عيني طوبى لك إذا رأيت محمد عليه السلام،
ثم سقط على رجليه ويقول كذلك، فسقط عمار على الغلام يقبله ويقول: صفوت
سنك وكمل عقلك.
فأخذ بيد الغلام فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهبط جبريل عليه السلام وقال: يا محمد رب العزة يقرئك السلام ويقول: أحب هيهاب فإنه قد أحبك، فلم يكن في أمتك مثله في حبك. فالنكتة أن هيهاب عنى وجه محمد عليه السلام فرأى ما رأى من المحن حتى وجده عليه السلام فما ظنك بما تريد من إرضاء الله وحبه.
وعن وهب بن منبه قال كان في بني إسرائيل ملك كافر يدعو المسلمين إلى دينه، فكل من آمن به واتبعه مُحب أحسن إليه وكل من لم يؤمن به قتله. فوقعت في يده امرأة لها ثلاث بنات إحداهن رضيعة أتت ثلاثة أشهر، فعرض عليها الكفر فأبت فخوفها بالقتل والعذاب الشديد فلم تدخل في دينه، فجمع وزراءه وأتى ببناتها ووضعوا في فمها، فذبح الابنتين الكبيرتين فشربت دمهما ولم تترك دينها، فأتيت الرضيعة وقصدوا ذبحها في فمها فأدركتها شفقة الأمهات وقالت في نفسها: أكفر باللسان وقلبي مطمئن بالإيمان، فأنطق الله الصغيرة وقالت: يا أماه اصبري ولا تنافقي فصبرت بذبح الصغيرة في فمها، ثم قتلوها مؤمنة فلم تترك دينها.
وقيل الأولاد الذين تكلموا قبل أوان التكلم أربعة: إحداهن هذه البنت، والثاني عيسى عليه السلام، والثالث شاهد يوسف عليه السلام كما قال الله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} يُوسُف:، والرابع كان في بني إسرائيل زاهد عبد الله في صومعته دهرا طويلا فزارته والدته وقرعت عليه الباب في صومعته وكان مشغولاً بالصلاة فلم يجبها، قالت: إن سمعت قرعي بابك ولم تفتح أفضحك الله على رؤوس الخلائق ورجعت فلما توفيت والدته ولدت بعد ذلك ابنة ملك زمانهم وهي عذراء، فقال لها أبوها لمن ولدت هذا الولد ولا زوج
لك، أنت عذراء؟ فقالت: من هذا الزاهد.
فنادى الملك حتى خرج أهل بلدته وخربوا الصومعة، وأخذوا الراهب وأركبوه، فدخلوا البلدة وقصدوا صلبه، فقال: دعوني فقد عرفت من أين أوتيت هذا، ثم قام وصلى ودعا الله تعالى ثم قال: الزاهد علي بالرضيع، فأوتي فأخذه فقال: بالله الذي خلقك تخبر هؤلاء القوم من أبوك، فأنطقه الله تعالى فقال: إن أبي هذا الذي يرعى غنم جدي كانت تنزل والدتي إلى مراحه كل ليلة الذي خلف قصر جدي وتزني معه، فخلقني الله تعالى من مائه. قال: فأراد الملك أن يخلي عنه ويبني صومعته بالذهب والفضة ورجم الراعي.
وقال المغازي: الصبيان الذين تكلموا قبل أوانهم كانوا خمسا، فأربع ذكروا، والخامس وهو أن النبي عليه السلام كان جالساً في بعض مجالسه إذ مرت عليه امرأة من المشركين شديدة القول في رسول الله عليه السلام ومعها صبي لها ابن شهرين؛ حتى إذا جازت بالنبي عليه السلام قال: الغلام وهو ابن شهرين: السلام عليك يا رسول الله فقال النبي عليه السلام: "وما يدريك يا أني رسول الله وأني محمد بن عبد الله؟ قال: علمني رب العالمين والروح الأمين. وقال جبريل عليه السلام وهو قائم على رأسه: يا محمد اسأله من الروح الأمين؟ فسأله فقال: جبرائيل عليه السلام رسول رب العالمين وهو قائم على رأسك ينظر إليّ. فقال النبي عليه السلام ما اسمك يا غلام؟ فقال: عبد العزي: وهو صنم وأنا كافر به، فسمني يا رسول الله فقال: أنت عبد الله. فقال: الغلام أدعو الله أن يجعلني من خدامك في الجنة. فقال جبرائيل: يا محمد عليهما السلام ادع له فدعا له فقال: الغلام سعد من آمن بك وشقى من كفر بك، وشهق شهقة فمات.
فأقبلت الأم لما رأت من ابنها ما رأت فقالت: يا رسول الله إني كنت مكذبة لك شديدة القول عليك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله،
وا أسفي على ما فاتني منك. فقال رسول الله: أبشري فوالذي ألهمك بما
رأيت فكأني أنظر إلى كفنك وحنوطك مع الملائكة فماتت المرأة قبل أن تبلغ إلى منزلها، فصلى رسول الله الا الله عليها وعلى ولدها ودعا لهما».
عن علي رضي الله عنه أنه قال: صلى رسول الله عليه السلام بعد صلاة الغد بالمدينة يوما بعد حرب بدر، وتوجه إلى الناس فقال من يؤذن بمكة أضمن له الجنة؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا، فدعا له النبي عليه السلام، فذهب الرجل إلى أولاده وأهل بيته فبكوا وقالوا يقتلك كفار مكة فتبقينا أيتاما، فرحمهم ورجع إلى المسجد، فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بندامته، فلما دخل المسجد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحمت على أولادك فندمت؟ قال: نعم. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يؤذن بمكة أضمن له الجنة؟ فقام رجل من الأنصار يقال له حبيب قال: أنا أؤذن يا رسول الله فدعا النبي عليه السلام». فخرج حبيب من المسجد وتوجه إلى مكة فلم يذهب إلى منزله كيلا تأخذه الشفقة على أولاده فتمنعه ذلك من رأيه.
فلما دخل مكة صعد ظهر الكعبة ونادى بأعلى صوته: الله أكبر الله أكبر، فسمع صوته جميع أهل مكة، فاجتمعوا وقالوا ما هذه النغمة التي سمعناها؟ فقالوا رجل قائم على ظهر الكعبة يؤذن، فصبروا على قوله أشهد أن لا إله إلا الله وما صبروا على قوله وأشهد أن محمداً رسول الله بل صعدوا وأسقطوه من ظهر الكعبة وقد كانت كثرت اليتامى بمكة في حرب بدر، فأخذوه وصلبوه.
ونادى أبو سفيان رؤساء مكة ألا من أراد أن يقتل قاتل أبيه أو زوجها فإن هذا هو القاتل فرموه بالحجارة، فلما أصابه حجر نادى أحد أحد، فلما دنى موته رفع بصره إلى السماء وقال: إلهي لا أجد إلى رسولك رسولاً غيرك، فبلغ سلامي إلى رسولك واعلمه بحالي، فنزل جبرائيل عليه السلام على محمد وبلغ سلامه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام يا حبيب عشت حميداً ومت شهيداً».: ورموه بالنبل حتى مات على الخشبة، ثم دارت الخشبة حتى توجهت إلى
الكعبة، فتركوه كذلك حتى أكلته الطيور.
المؤمنون كانوا رأوا بالدين ما ذكرنا ولم يتركوا دينهم، فالآن لا يرون مما رأوا ويتركون دينهم بسبب الدنيا، فهذا أعظم المصائب.
الباب الثامن
في خوف الخاتمة والخروج من الدنيا بأي حالة تكون
يجوز للصائم أن يباشر امرأته دون الفرج ويقبلها في رمضان، فإن خاف على نفسه الجماع أو الإنزال بنفس المباشرة لم يجز له ذلك لما روى أن شابا قام إلى ابن عباس فقال له: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: لا. فقام إليه شيخ قال: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: نعم.
فعاد إليه الشاب فقال: أتجيز له ما حرمت علي ونحن على دين واحد؟ فقال
لأنه شيخ يملك إربه وأنت شاب لا تملك إربك ـ يعني عورتك ..
وإذا كان في أرض أو بلدة وباء أو مرض لا يدخلها مخافة أن لا يلحقه، ولو كان فيها لا يخرج منها لمعنيين: أحدهما أنه يكون فاراً مما قضى الله تعالى، والثانية أن لا يكرهه أحد أنه من أهل الوباء والمرض.
وللمحرم أن ينظر إلى المحرم إلى ما فوق السرة وتحت الركبة إذا لم يخف
نفسه، وإن خاف فلا.
وله أن يسافر مع محرمته إذا كان موثقا، وإن لم يكن فلا.
وإذا كان لرجل أو امرأة والدان كافران أو أحدهما كافر فعليه نفقتهما وبرهما وخدمتهما وزيارتهما لقوله تعالى {وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفَا} لقمان:.
قال ابن عباس: المصاحبة بالمعروف برهما والإنفاق عليهما في الدنيا: ما عاشا وزيارة قبورهما إذا ماتا، فلو أنه خاف إنما يجلبان إليه الكفر إذا زارهما
جاز له أن لا يزورهما لأن صيانة الدين فريضة والاهتمام لأجل الدين فريضة في أنه يخرج من الدنيا مسلماً، وذلك فرض وواجب على الإنسان أن يخاف أبداً
على خاتمته كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فصلت: معناه ربنا الله أي قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم استقاموا، يعني تمسكوا بالدين المستقيم وتباعدوا عن الكفر والآثام وخافوا أن يسلب عدوهم إبليس عليه اللعنة حتى الممات.
{تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائكَةُ} فصلت: عند موتهم وفراقهم عن الدنيا والا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا فصلت: أي لا تخافوا على فوات دينكم عند نزاعكم، فإنكم تخرجون على الإيمان بالله تعالى من دنياكم ولا تحزنوا على ما سلف من قبح أعمالكم فإن ربكم يغفر ذلك لكم ويتجاوز عنكم بفضله لقوله تعالى: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فصلت: معناه إذا استقمتم على دين الإسلام والإيمان بي فلكم الجنة التي وعدت لكم بقوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وعيون} الذاريات:.
وقال أهل الإشارة: من خرج من الدنيا مسلماً يعلم أنه يبلغ الجنة لا محالة فهذا معنى قوله: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} فصلت:.
وقيل يستقبل المؤمن في القيامة ثلاثة وسبعون، هولا، لا يشبه هول هولا، فلو لم يقل في أذنه عند نزعه لا تخاف ولا تحزن لا يتمكن استقراره يوم القيامة من الأهوال كما قال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام حين عرف أن أخاه ابن يامين يخاف من تهمة السرقة، فقال يوسف لأخيه: {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يُوسُف: فصار أمناً.
فهذا الخطاب يكون لمن خاف من العاقبة ويجتهد حتى يخرج من الدنيا مسلماً، وهذا لا يحصل إلا بمقدمات من الأعمال الصالحة، ويدل عليه ما نقل عن النبي عليه السلام أنه قال يقول الله عز وجل وعزتي وجلالي لا أجمع على عبد خوفين قال ولا أمنين إذا أمن مني في الدنيا خوفته في الآخرة، وإذا خاف مني في الدنيا أمنته يوم القيامة. فبان أن الخائف في الدنيا أمين عند الفزع وعند القيامة فلا بد من أن يكون المؤمن خائفاً مع طاعاته وكثرة عبادته كقوله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا عَاتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة المؤمنون:.
وقيل روي عن وهب بن منبه رضي الله عنه أنه قال: كان في بني إسرائيل سبعون رجلاً من الزهاد وليس في زمانهم مثلهم في الزهد فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن هؤلاء يخرجون من الدنيا كفاراً، فقال: يارب لم؟ قال الله تعالى لأنهم أمنوا من عاقبة أمرهم.
وقيل: إن العبد إذا دنا موته يقسم حاله على خمسة: المال للوراث، والروح لملك الموت واللحم للدود والعظم للتراب، والحسنات للخصومة. فلو لم يذهب الشيطان بإيمانه عند نزعه - نعوذ بالله من ذلك ـ يعود إليه ذلك ولا يضره فوات كلها.
وقال معاذ النسفي الله: بلغنا أن الله تعالى نظر إلى الملائكة فرآهم يبكون، فقال: مالكم تبكون - وهو أعلم بحالهم - وأنا لا أظلم أحدا؟ قالوا: لا نأمن من مكرك - يعني قضاءك .. فقال الله تعالى: كونوا باكين فلا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرين. عن عبد الله بن أحمد المؤذن الزروري قال: كنت أطوف حول الكعبة فإذا أنا أرى رجلاً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم أخرجني من الدنيا مسلماً، لا يزيد على ذلك. فقلت له: لِمَ لم تزد في دعائك؟ فقال: لو علمت قصتي ما قلت ذلك. فقلت: وما قصتك؟ فقال: كان لي أخوان فأذنا أربعين سنة، فلما قرب وفاتهما سأل كل واحد منهما مصحفا فتبراً وحولا إلى دين النصرانية، فأخاف من حالهما أن يلحقني، فأدعو الله تعالى حتى يحفظني عن ذلك. وعن معاذ النسفي أنه كان يدعو ويقول: اللهم خذ عقلي قبل موتي بثلاثة
أيام. قيل له: لم قلت؟ قال: خوفاً من أن يختم لي بالشقاوة ويجري على لساني غير الإسلام، فلا أكون مؤاخذا ولا يجري علي القلم.
وعن محمد الزاهد أن فضيل بلغ داود الطائي رحم الله وقرع ولم يفتح وجعل يبكي حتى بكى فضيل ثم قال: افتح بابك يا. داود قال: ارجع يا فضيل وأخر الزيارة فإن خوف الخاتمة شغلني عن عبادة الله فكيف عن زيارة الإخوان؟، فتوقفت حتى خرجت إلى المسجد فدخلت داره فرأيت كوزة يشرب فيها الماء موضوعة في الشمس، فقلت له: لم لم تبرد ماءك؟ فقال: أخرت التنعم إلى الآخرة. فقلت: إن دارك منهدمة فقال: أنا مشغول بعمارة الآخرة، ففزعت من الأولى. فقلت: أراك متغير اللون فلما أنت كذلك؟ فقال: صرت كذلك من خوف الخاتمة وخوف ثمانية أشياء؛ لا يهنأني طعام ولا شراب. فقلت: وما هي يا داود؟ قال: أولها أن روحي أتخرج على الإسلام أم على الكفر؟، والثاني أقبري يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران؟، والثالث أأقدر على جواب منكر ونكير أم لا أقدر؟ والرابع إذا بعثت من القبر أيكون وجهي مسودا أو مبيضا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه؟، والخامس إذا بعثت من القبر أأحمل على البراق أم على النار كما قال عليه السلام: يحشر يوم القيامة ركبانا بعضهم على النار وبعضهم على البراق، والسادس إذا حوسبت أيكون الحساب علي أو لي، والسابع إذا تطايرت الكتب أأعطى كتابي بيميني أم بشمالي؟، والثامن أيؤمر بي في طريق الجنة أو في طريق النار كما قال الله تعالى {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} الشورى:.
باب آخر من خوف الخاتمة وهو التاسع
ولو أن رجلاً أراد أن يتسحر في رمضان فخاف طلوع الفجر في وسط مسحره أو خاف أنه طلع فالأفضل له أن يترك التسحر، لأن التسحر ريبة وتركه لا يريبه، وقال عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، التسحر جاز له لأنه على اليقين من الليل وشك النهار واليقين لا يزال بالشك. ولو أراد الصائم أن يفطر فخاف أن الشمس لم تغرب لم يفطر، فإن أفطر فعليه الكفارة لأنه ترك اليقين بالشك، وفي التسحر لا كفارة لأنه على اليقين من الليل وشك بالنهار. ويجوز للمسلم الصحبة للكافر لقوله تعالى {وَلَا يَنْهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} المُمتَحنَة: إلى قوله أَن تَبرُوهُمْ} المُمتَحنَة:. ويجوز للمسلم أن يدخل بيت نار المجوس وبيع اليهود وبين أوثان النصارى ليري الكافر فيشكر الله تعالى على إسلامه، وإذا خاف فوات دينه لصحبته مع الكافر أو دخوله بيت النار فالأفضل أن يصون دينه ونفسه؛ فلا يدخل في مثل هذه المواضع ولا يصاحب الكفار صيانة لدينه كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} مريم:، وكان إبراهيم عليه السلام. كمال صلابته ونبوته وخلته يخاف الخاتمة حتى حكى الله تعالى عنه أنه قال {وَاجْنُبْنِي وَبَنِى أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}
إبراهيم:.
وقد حكى الله تعالى كذلك عن يوسف عليه السلام أنه قال تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّلِحِينَ} يوسف:. قال ابن عباس الله: سأل يوسف ربه الموت على الإسلام فكان يوسف عليه السلام يخاف عاقبة أمره حين سأل الموت، بالإسلام ونبينا عليه السلام كان يقول في دعائه اللهم إني أسألك إيماناً دائماً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وبدناً صابراً "، فدل أن الخوف على فوات الدين واجب، ليس للمؤمن أن يأمن فى ذلك ومن جبلة الشيطان.
وقال أبو حفص الزاهد السفكردي الله: مازال إبليس عليه اللعنة يوسوس المؤمن في ثلاثة أوقات حين يكون صحيحا وشابا فيقوله له ذق الدنيا:: ذق واجمعها بأي طريق يوجد؛ وافعل ما شئت فإنك الآن أسد من الأسود؛ فإذا شئت تب إلى الله تعالى كما فعل فلان وفلان من أهل بلدك.
ثم إذا كبر ومرض يجيء إليه فيوسوسه أن فراشك نجس وجسدك ذو وسخ والصلاة بالإيماء جائزة غير أنها قائمة في مكان طاهر أفضل؛ فأخرها حتى تصح فتقضيها، فإذا أجابه إجابة وترك الفرض يجيء إليه عند النزع فيقول له وهو جالس عند رجليه: أيها العبد ارتكبت المعاصي بأمري وتركت الفرائض بأمري فجئت إليك لأخلصك من هذه الشدائد التي أنت فيها ولكن آمن بي فإني منجيك، فمن أدركه الشقاء آمن به ـ ونعوذ بالله ـ ويخرج من الدنيا كافراً، ومن أدركته الرحمة من الله تعالى رد عليه قوله - عليه اللعنة - ولا يستمع إلى ما يقول له؛ لا محالة يخرج من الدنيا مؤمناً.
كما حكى أن زاهدا عبد الله في صومعته دهرا طويلا وكانت عنده ابنة ملك لئلا يطلع الناس أن للملك ابنة، فلما كبرت الصغيرة وسوس إبليس للزاهد في الابنة وواقعها فحبلت ثم لما ظهر الحبل عليها تمثل إبليس للزاهد وقال: إنك زاهدنا فلو ظهرت عليك هذه الفاحشة لك ما أقبحها لنا، ولكن اقتلها وقل لأبيها ماتت فيصدقك، فقتلها فدفنها، فذهب إبليس - عليه اللعنة - إلى الملك
بصورة الشيخ الكبير وقال له: هل علمت ما فعل الزاهد بابنتك؟ فقال: لا، فإنها ماتت فقال: ليس كذلك لكن زنا بها وحبلت فخاف منك فقتلها ودفنها، وإن كنت تريد صدقني وانبش قبرها وشق بطنها فإن في بطنها حبلاً، ففعل كذلك فوجد كما وصف له، فأخذ الزاهد وأركبه على الحمار وحوله في البلد ثم صلبه حيا، فجاءه الشيطان وهو مصلوب فقال: زنيت بأمري وقتلتها بأمري، فآمن انجيك من عذاب هذا الملك فآمن به فهرب الشيطان منه فوقف من بعيد. فقال الزاهد نجني فقال إبليس - عليه اللعنة -: {إنّ بَرِىءُ مِنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} الحشر: الآية.
ويدل عليه ما قاله أبو نصر الزاهد أحمد بن محمد الجوالقي دخلت على صهري وهو في النزع، فدعاني فجئت عند رأسه وجعلت ألقنه الشهادة، فكان يقول: لا أقول، ثم قال لي شرعت يا أبا نصر أخرج اللعين من عندي، فلما أفاق قلت: لقنتك الشهادة فقلت لا أقول فقال لا تهتم فإن الشيطان جاءني وفي يده قدح من ماء بارد وهو يقول: إن قلت إن إبليس إلهي أسقيك هذا الماء، فكنت أقول لا أقول، واشهد يا أبا نصر فإني أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد
أن محمداً رسول الله، ثم مات على المكان.
وقد حكى عن أبي زكريا الزاهد وهو من زهاد سمرقند لله وكان له صديق في الله تعالى يقال له شاوه الكش فحضر أبو زكريا الوفاة فأتاه شاوه وهو في سكرات الموت، فوضع رأسه على ركبته ولقنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأعرض بوجهه عنه ولم يقلها، وقال له الثانية فأعرض بوجهه ولم يقل، وقال في المرة الثالثة لا أقول لا أقول فغشي عليه شاوه الزاهد وجعل يبكي يقول: هذا خاتمة زاهدنا فكيف نحن؟ فلما مضى ساعة ووجد أبو زكريا خفة في نفسه ففتح عينه فقال: هل قلتم لي شيئا؟ قالوا: عرضنا عليك الشهادة ثلاث مرات فأعرضت وجهك في المرتين وقلت في الثالثة لا أقول لا أقول. قال: أتاني إبليس ومعه قدح من ماء بارد فوقف على عيني وحرك القدح وقال: ألا تحتاج إلى الماء؟ قلت: بلى قال: قل عيسى بن الله؛ فأعرضت عنه، ثم أتاني عن شمالي فأعرضت عنه كذلك، ثم أتاني من قبل رجلي وقف بحذائي وحرك القدح فقال: ألا تحتاج؟ قلت بلى قال: قل هو ثالث ثلاثة. قلت: لا أقول مرتين. فضرب القدح على الأرض وولى هاربا، فأنا رددت قول إبليس لا قولكم، فاشهدوا أني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم خرجت روحه.
سئل عيينة عن الحكمة في أن الناس يعيشون بعضهم مسلمين ويموتون كفاراً، وبعضهم يعيشون كفاراً ويموتون، مسلمين، وبعضهم يعيشون كفاراً
ويموتون كفاراً، وبعضهم يعيشون مسلمين ويموتون مسلمين، فهم أربعة أقسام؟
فقال: هذا من وقت الذرية لما أخرج الله ذرية آدم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم وقفوا بين يدي الجبار في عرفات بمكة، فقال لهم الرب: ألست بربكم؟ قالوا بلى وخروا لله ساجدين بعضهم ولم يسجد بعضهم؛ فصاروا قسمين، فلما رأى القسم الذي لم يسجد القسم الذي سجد قالوا: إن هؤلاء سجدوا لله تعالى فخر بعضهم من القسم الذي لم يسجدوا موافقة للقسم الأول. فلما رفع الساجدون وهو القسم الأول رؤوسهم من السجود ورأى المتخلفين الذين لم يسجدوا فندم بعضهم من القسم الأول وقالوا: هؤلاء ما سجدوا فلِمَ سجدنا نحن؟، فصاروا أربعة أقسام قسم سجدوا وما ندموا قط، وقسم سجدوا ثم ندموا لسجودهم، وقسم ما سجدوا أولاً ثم سجدوا وما ندموا بسجودهم، وقسم ما سجدوا وما ندموا بترك سجودهم.
فالأولان يعيشون مسلمين ويموتون، مسلمين والثاني هم الذين يعيشون مسلمين ويموتون كفاراً، والثالث يعيشون كفاراً ويموتون مسلمين، والرابع يعيشون كفاراً ويموتون كفارا.
وقيل في معنى قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} الأعراف: معناه من قال: بلى شهدنا " فهو من الذين يعيش مسلماً ويموت مسلماً، ومن اقتصر بقوله "بلى " فهو كافر ويخرج من الدنيا كافرا.
وقيل إن مؤذنا بعد أذان أربعين سنة رأى من المنارة امرأة نصرانية فافتتن بها، فبلغ دارها ودخل عليها واستخطبها، فقالت أنا لك ولكن ارجع إلى ديني، فرجع الشقي وشد الزنار وشرب الخمر، وكانت المرأة في الغرفة فقالت انزل واصعد مع أبي فاقعد بيننا، فلما هم بالنزول سقط من السلم ومات نصرانيا - فنعوذ بالله من ذلك.
وحكى أبو محمد الإمام أنه خرج ثلاثة من الزاهدين حاجين متوكلين
بغير، زاد فنزلوا قرية فيها نصاري، فوقع بصر واحد منهم على امرأة وتعلق بها قلبه، فلما صار وقت ذهابهم قال لصاحبيه: أنا لا أقدر الارتحال، فذهبا وتركاه، فخطبها فقالوا إن صبوت عن دينك إلى ديننا فهي لك وإلا فلا، فصباً الشقي فتنصر وتزوج بها وولد له منها ولدان وعاشا حتى توفي على النصرانية، فمضى سنين فرجع صاحباه إلى تلك القرية فتفحصا عنه، فقيل لهما إنه تنصر وتوفي على النصرانية، فبلغا إلى مقبرته فوجدا فيها امرأته وولديه على قبره يبكون، فبكيا ووضعا عند ولديه وامرأته صلاحية ودينه السابق ورشده، فلما سمعت المرأة ذلك أسلمت مع ولديها فسبحان الله حيث مات المسلم على الكفر ومن كان كافراً مات على الإسلام، فوجب أن يخاف الإنسان عاقبة أمره، ولذلك قال عمر الله: من لم يخف عاقبة أمره وخاتمته أنه كيف يكون حاله يخاف عليه فوات دينه.
باب في ترك الذنب مخافة الله تعالى وهو العاشر
يد المودع يد أمانة بالاتفاق ما لم يتعد فإن تعدى ضمن بالاتفاق، ولو دفع الوديعة ليمنعها من في صاحبه ويصرفها إلى نفسه ثم خاف الله تعالى فندم وأعادها إلى مكانها ثم هلكت لا ضمان عليه لأنه تاب فانقلب أميناً، فالشارع لا يجوز أن يكون خائناً بعد التوبة والخوف، فكيف أرحم الراحمين؟ وكذا الوكيل والمستأجر يدهما يد، أمانة فإن نوى التعدي ثم تاب عاد أميناً، وكذلك الشريك. وإذا قصد المسلم الزنا، أو شرب الخمر، أو السرقة، أو ترك الصلاة وندم ولم يفعل ذلك الذنب له الجنة بتركه لقوله تعالى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات: -.
وعن علي بن أبي طالب الله الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن راقب الموت ترك اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن أشفق عن النار لها عن الشهوات.
وعن ابن عباس له عن النبي عليه السلام أنه قال: "من أصبح وهمه التقوى عن المعاصي من خوف الله تعالى ثم أصاب من ذلك - يعني من المعاصي ـ شيئاً - عفى الله تعالى عنه ".
وعن عبد الصمد بن حسان المروِّ الروذي له أنه قال: كنت عند سفيان
الثوري سمع منه الأحاديث وما كان يجلس للعامة، فقلت: رحمك الله لو انبسطت وجلست فيأتيك الشريف والوضيع فيستفيدون منك ويحملون عنك، فقال سفيان هل تعقل منصوراً وإبراهيم وعلقمة؟ فقلت: أما منصور فإمام ثقة، وإبراهيم النخعي إمام من أئمة المسلمين، وعلقمة بن قيس من أفاضل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
ثم قال سفيان حدثني منصور بن معمر عن إبراهيم النخعي عن عبد الله بن أنه قال: قال رسول الله: إن الله تعالى خلق جنات عدن، ودعا صلى الله عليه وسلم مسعود
جبرائيل عليه السلام وقال له انطلق فانظر ماذا خلقت لعبادي وأوليائي، فذهب جبرائيل عليه السلام وجعل يطوف في تلك الجنان فأشرفت إليه جارية من الحور العين في بعض تلك القصور؛ فتبسمت إلى جبرائيل فأضاءت جنات عدن من ثناياها، فلم يرها جبرائيل فخر لله ساجداً ظن أن النور من رب العالمين، فنادته الجارية يا أمين الله ارفع رأسك، فرفع رأسه فنظر إليها فقال: سبحان الله الذي خلقك. فقالت الجارية: يا أمين الله أتدري لمن خلقت؟ قال: لمن خلقت؟
قالت: إن الله تعالى خلقني لمن آثر رضا الله على هوى نفسه خوفاً من عقابه وطلباً لمرضاته».
رجع
ثم قال لي: أوَيُخدع اللبيب العاقل عن مثل هذا يا مرو الروذي؟
وعن الحسن البصري الله قال: كان في زمن عمر بن الخطاب له شاب ليلة من المسجد فاستقبلته امرأة جميلة وعرضت نفسها، فتبعها حتى وقف على بابها ثم ذكر هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ} الأعراف: الآية وخر مغشياً عليه حتى خرجت نفسه، وأخبر عمر بذلك بعدما دفنوه فجاء إلى قبره فنادي يا فلان وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ الرحمن:، فأجابه الشاب من قبره: قد أعطانيهما الله يا عمر.
الله
وقيل: كان الفضيل بن عياض أولاً قاطع الطريق، فكان وقتئذ في ناحية ما واضعاً رأسه في حجر غلام إذ ظهرت القافلة، فلما دنوا علموا أن فضيلاً ههنا مع غلمانه لأجل أن يقطعهم، فقالت طائفة منهم وهم ثلاثة نفر للباقين: إن أذنتمونا نرمي إليه سهم الله تعالى، فإنه رجل عالم لعل ينفع، فقالوا لهم، ارموا، فقرأ أحدهم بأعلى صوته قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ
لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الحديد:، فصاح فضيل صيحة وخر مغشياً عليه، فظن الغلام أنه أصابه سهم فجعل يطلبه في جسده، فلما أفاق قال: الله. يا غلام أصابني سهم
ثم قرأ الثانية قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} الذاريات:، فصاح فضيل أشد من الأولى. ثم لما أفاق قرأ الثالث: وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} الزمر: فصاح صيحة شديدة، فلما أفاق قال لخادمه وحشمه ارجعوا كلكم فإني نادم على ما فرطت في جنب الله ـ أي في حق الله ـ ودخل خوفه في قلبي، فمن اليوم لا يهنأ لي طعام ولا شراب وتركت ما كنت فيه، ثم فرق أمواله وبلغ إلى الوالي مشدوداً يديه وقام بين يديه وقال: علي حدود فأقم عليّ، فإني ندمت على ما فعلت وأصابني سهم الله وخوفه.
فقال الوالي: نحن محجبون ممن يخاف الله تعالى فتوجه إلى مكة حتى بلغ بقرب من نهروان فاستقبله هارون الرشيد فقال: يا فضيل إني رأيت في المنام كأنَّ منادياً ينادي بأعلى صوته إن فضيلاً خاف الله واختار خدمته فأحبوه، فصاح صيحة وقال: إلهي بكرمك وكبريائك تحب عبدا مذنبا كان هاربا من بابك منذ أربعين سنة. فمن يخاف الله بعد الأربعين يحبه، فكيف من يكون خائفاً أبداً مدة عمره؟
عن الشيخ الإمام أبي محمد الله يحكى أن رجلاً خرج ليلة وأخذ بيد امرأة وخلا بها في موضع فقالت انظر هل يطلع علينا أحد؟ فقال: لا ترانا إلا النجوم. فقالت: إن الذي خلقنا والنجوم يطلع علينا ألا تخاف منه ولا تستحي منه؟ فتركها وأناب وتاب ولما توفي رآه في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بترك ذنبي.
وقد حكي أيضاً أن واحداً تعلق قلبه بواحدة من القافلة، فوجد فرصة عليها، قالت له: انظر هل في القافلة يقظان؟ فطاف بها فقال: هم نيام بأجمعهم. فقالت ربكم هل نام؟ فقال: إن الله لا ينام فقالت: تخاف منهم وهم لا: يضرونا ولا تخاف الله؟ فتاب الرجل. فلما مات رآه في المنام فسئل فقال: غفر الله لي بترك الذنب.
وعن سهل بن عبد الله التستري رحم الله: أنه قال ليس كل من عمل بطاعة الله صار حبيب الله، ولكن من اجتنب ما نهى الله عنه صار حبيبه، لأن أعمال البر يعملها الأبرار والفجار من أهل الأديان كلها، ولكن من المناهي لا تجتنب إلا بنبي أو ولي. وقال ابن عيينة الله: للخائف علامتان: أحدهما أن لا يؤذي رحم أحداً من الخلق مخافة الله والثانية أن يترك جميع المعاصي.
وعن معقل بن سنان الي الله عن النبي عليه السلام أنه قال: "ما من يوم إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل في شهيد اعمل في خيراً أشهدكم القيامة واغتنم فإني إن مضيت لم ترني إلى يوم القيامة، وفي الليلة كذلك"فعلينا أن نخاف من شهادتهما.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم إلا وملك ينادي من قبل المشرق أيها الناس مهلاً مهلاً فإن الله ذو سطوات وذو نقمات، فإن خفتم سطواته ونقماته فداووا قروحكم فلولا رجال خشع، وصبيان رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا حتى تذوقوا به مهلاً الله مهلاً ".
الباب الحادي عشر
في تفويض الأمر إلى الله تعالى
ولو قال الرجل وكلتك في مالي ففي القياس لا يصير وكيلاً وفي الاستحسان يصير وكيلاً بالحفظ، والأصل أن وكل من تكلم بكلام مشتمل وأمر الآخر بذلك الكلام أمراً فإنه ينصرف إلى الأقل المتيقن لأن الأكثر مشكوك والأقل متيقن فالأخذ بالأقل أولى كما لو قال فوضت إليك أمر مالي يحتمل الأنواع، فأقل الأنواع حفظ له فجعلناه حافظاً له لما له بقوله إن لم يظهر ولو قال: فوضت إليك أمر عيالي في بيتي كان وكيلاً بالنفقة إلى عياله لأنها أقل التصرفات وأسهلها.
ولو قال: فوضت إليك أمر دوابي صار وكيلاً بالرعي والحفظ، ثم لأنه
أقل التصرفات. ولو قال: فوضت إليك امرأتي صار وكيلاً بالطلاق لأنه لا أمر له فيها إلا هذا ولكن يختصر في المجلس كقوله: أمرها في يدك، حتى إذا قام عن المجلس بطل الأمر. كذا بخلاف ما لو قال: وكلتك في طلاقها، فله أن يطلقها
متى شاء.
ولو قال لامرأته: فوضت أمرك إليك صارت وكيلة في طلاقها واختص في
المجلس.
وكذلك لو قال: وكلتك في طلاقك، اختص على المجلس لأنه تفويض لا توكيل، لأن الإنسان لا يصير وكيلاً إلى نفسه. ولو أن إنساناً ادخر شيئاً من الدنيا للغد يجوز، ولو أنفق دنياه ولم يدخر
للغد وتوكل على الله فهو أحسن وفوض أمره إليه فهو أولى كما قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه} ُ الطلاق: - الآية.
وقد حكى في هذه الآية أن رجلاً كان في سفينة فسمع صوتا من البحر يقول: من يعطني عشرة آلاف دينار اعلمه كلمة ينتفع بها، فألقى الرجل العشرة فنودي أن واظب قراءة قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخرَجا} الطلاق: الآية، فقال له أهل السفينة: إن هذه الآية في القرآن فضيعت عشرة آلاف دينار، فقال الرجل: لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
فما مضى إلا قليلاً إذ عصفت الريح واشتدت حتى انكسرت السفينة وغرق أهلها، فبقى الرجل في لوح منها، فأخرجته الريح إلى جانب البحر وهو يواظب قراءة قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ الطلاق: إلى آخره، فخرج من البحر ببركة
قراءتها.
فرأى قصراً مشيداً وعند بابه امرأة جالسة، فسألها فقالت: إني امرأة من البصرة وكان أبي يحملني مع نفسه في الأسفار لغيرة كانت لأجل، فكنا في سفينة في هذا البحر؛ فانكسرت السفينة فغرق أهلها وخرجت أنا إلى هذا القصر يخرج إليّ كل يوم إبليس من الأبالسة ينظر إلي ملياً وينصرف إلى البحر وأنا لا أقدر الذهاب فقبل أن تتم الكلام خرج إبليس كالطود العظيم، فنظر إلى الشاب والشاب لا يزال يقرأ هذه الآية وإبليس يتقرب مرة بعد مرة ويذوب إبليس مثل
الثلج في الشمس والنار والشاب يقرأ قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا الطلاق: حتى صار إبليس رماداً بحول الله وقوته فبقي الشاب مع المرأة فوجدا سفينة فركبا وبلغا البصرة، فخرجت المرأة إلى عشائرها وقصت عليهم القصة، فعرفوها وزوجوها من هذا الشاب وأكرموهما.
فأخرج الرجل صدفا كان وجده في البحر فإذا فيه من اللآلئ والجواهر، فباعها بمئتين وعشرين ألف دينار، ووجد في داخل الصدف عشرة آلاف دينار كانت له، فهذا بركة قراءة قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، فهذا بركة مجرد قراءتها، فكيف من عمل بها وقرأها؟
قيل إن موسى عليه السلام لما خوف بفرعون - عليه اللعنة ـ فوض أمره إلى الله تعالى كما حكى الله، فقال عنه: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللهِ} غافر: فقال الله تعالى: لما فوضت أمرك إلي فإنك من الآمنين فالله تعالى ما فعل بفرعون وقومه ـ عليهم اللعنة، معلوم، فكل من يفوض أمره إلى الله ينصره كما نصر موسي عليه السلام على خصمائه.
ويدل على ذلك حديث يعقوب عليه السلام حين أرسل يوسف مع إخوته وما فوض أمره إلى الله تعالى، بل قال {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّنْبُ} يوسف:، وأخذ يعقوب من أولاده موثقا، ففعلوا بيوسف إخوته ما هو مشهور.
ولما سألوا منه ابن يامين حين قالوا يَتَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا: أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} يوسف:، وقال يعقوب مجيبا لهم هَلْ ءَامَنكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَفِظَا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ يوسف:، فلما فوض أمر ابن يامين إلى الله تعالى رده الله تعالى إليه مع يوسف عليه السلام، ثم عاتبه الله تعالى يا يعقوب لما فوضت أمر يوسف إلى إخوته فعلوا به ما فعلوا وفوضت أمر ابن يامين إلي رددت عليك يوسف عليه السلام.
ويدل على ذلك ولادة موسى عليه السلام كذلك أن فوضت أمه أمره إلى الله تعالى فرباه في حجر عدوه، وكانت ترضعه أمه ولم يشعر به أحد. وقد قيل: لِمَ أحرق الله لسانه ولم يحرق يده حين أخذ من الجمرة؟ فقال أهل الإشارة: إن موسى عليه السلام كان يأخذ من لحية فرعون - عليه اللعنة - فحفظ الله يده، وكان يدعوه بلسانه بابا فأحرقه الله لكي يزول من لسانه ذلك الإثم.
وقيل: إن موسى عليه السلام لما فوض أمر قومه إلى أخيه فاتخذوا عجلا،
ونبينا عليه السلام فوض أمر أمته إلى الله تعالى فبعده انتشر دينه بين الآفاق.
وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله لها العلم يحرس بأصحابه ليلاً ونام آخر الليل وفوض الانتباه إلى صلاة الفجر إلى بلال، فنام بلال فلم يوقظهم إلا حر الشمس فعاتبه الله تعالى وقال: يا محمد فوضت أمرك إلى بلال ففاتت منك الصلاة، ولو فوضت إلي ما فاتتك عن وقتها.
وقيل إن آدم عليه السلام لما تناول من الشجرة وأخرج من الجنة إلى الدنيا قال: يا رب لم عاقبتني وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ قال الله تعالى: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، فطالبت معنا سوانا ففارقتنا.
عن الإمام أبي محمد يحكي عن عبد الله بن المبارك شابا من مرو استأذن والدته فأذنت له، ثم قامت وصلت بركعتين وقالت: اللهم إني أستودعك ابني. ولما كان في بعض الطريق يمشي مع القافلة إذ هو برجل فقال له: يا فتى إن ههنا طريق إن صحبتني سبقنا القافلة بثلاثة أيام فنستريح حتى تبلغ القافلة، فعدلا حتى سارا مرحلتين فهبطا على واد فيه قتلى، قال له: يا فتى أترى هؤلاء؟ قد قتلتهم أنا، ولكن ضع ما معك قال: ويحك اتق الله فإن لي أما كبيرة السن وليس لها أحد غيري. قال: ضع ما معك ولا بد من قتلك. قال: فخذ دابتي ومتاعي وخل سبيلي. فقال: إني لا أستحل مال أحد حتى أهرق دمه. فنا شده الله غير مرة فأبى قال له فأذن لي حتى أتوضأ وأصلي ركعتين، فتوضأ وصلى ركعتين، فنادى الشاب في سجوده يا قريب غير بعيد إذا منادياً من السماء لبيك لبيك، ثم نادى الثانية فقال: يا قريب غير بعيد إذ سمع صوتاً أقرب من ذلك لبيك لبيك ثلاثاً، ثم نادى الثالثة يا قريب غير بعيد إذ سمع صوتاً أقرب، فإذا هو ملك من الملائكة على فرس شهباء بيده حربة من نور ونادى
اللص وقد اخترط سيفه، فصاح به وقال: مه يا عدو الله، فارتعد فوقع السيف من يده فطعنه بالحربة طعنة وقتله ثم قال خذ فرسه ومتاعه حلالاً لك، ثم قال: وحيث ناديت وقلت يا قريب غير بعيد كنت في السماء السابعة، فلما ناديت ثانية أجبتك من السماء الدنيا، وفي الثالثة أجبتك من فوقك كما رأيت، اذهب فانصرف فإن الله تعالى إذا استودع شيئاً رده.
الباب الثاني عشر
من فوات الجنة
وإذا أذن الرجل في صلاته فهو على وجهين: إما أن يكون ذلك من وجع خوف من النار أو اشتياقاً إلى الجنة، فإن كان من وجع أو من تذكر خسران أصابه في الدنيا فسدت صلاته لأنه يصير من كلام الدنيا يفسد الصلاة لقوله عليه السلام "ألا إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها من كلام الناس شيء، إنما هو التسبيح والتحميد والتهليل وقراءة القرآن». وإن كان من خوف النار أو اشتياقاً إلى الجنة فلا يفسد لأنه من أعمال الصلاة، لأن الخوف من أفعال الصلاة لقوله عليه السلام: صلِّ صلاة مودع كأنك تموت، فبان أنه من أعمال الصلاة فلا يفسد كما لو بكى فيها من خوف النار، ولو تأوه فكذلك التفصيل.
ولو قال: آه، ذكر في الجامع الصغير: أنه إن كان من خوف النار لا يفسد الصلاة، وإن كان من وجع أو من مصيبة فسدت صلاته عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وهو قياس قول محمد رحمه الله.
وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: لا تفسد الصلاة في
الأحوال كلها. ولو دعا المصلي فقال: اللهم اكسني ثوباً أو زوجني فلانة أو اردد بني فسدت صلاته ولو قال: اللهم عافني أو أكرمني، أو أنعم علي أو أصلح أمري، أو اغفر لي أو ما أشبه ذلك لا تفسد صلاته بهذا كله. وأصل هذا أن كل دعاء يشبه كلام الناس فهو كلام يفسد الصلاة، وكل دعاء لا يشبه كلام الناس فهو دعاء لا يقطع الصلاة.
وفيه قول آخر وهو أن كل دعاء له أصل في القرآن وهو ذكر لا يقطع الصلاة، وما لا أصل له في القرآن فهو كلام يقطع الصلاة، والرزق والعاقبة له أصل في القرآن لقوله تعالى {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} البَقَرَة:، {وَأَنتَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ} المائدة: لم يقطع الصلاة، وقول اكسني وما أشبهه لا أصل له في القرآن فيفسد صلاته.
ولو قال: نجني من النار أو أدخلني الجنة لم يفسد الصلاة لأن الله أوحى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم أن ينذر الخلق ويخوفهم حتى يستعيذون به من النار كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} الشورى:.
قوله {أَوْحَيْنَا} أنزلنا عليك يا محمد قرآناً بلسان العرب. {ولِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى} معناه لتنصح أهل مكة ومن حولها من أهل المدائن، وتمنعهم عن الحرام وتخوفهم شديد اليوم الذي لَا رَيْبَ فِيهِ} الجَاثِيَة: يعني لا شك فيه، وهو اليوم الذي يؤمر ببعض العباد إلى الجنة وبعضهم إلى السعير.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: لما حضرت أبا هريرة الوفاة بكى، فقيل:
ما يبكيك وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لك بالجنة. فقال: بعد المسافة والعقبة الكؤود وقلة الزاد أبكاني.
وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن شابا كان يجتهد في زمانه في الطاعات قالت له أمه: يا بني أرى الناس يأكلون ويشربون وأنت لا تأكل ولا تشرب، الناس ينامون ويضحكون ويدخلون ويخرجون وأنت لا تنام ولا تضحك ودخلت بيتا ولا تخرج قط؟ قال: يا أماه إني أطلب داراً لو نلتها صرت أنا وأهل بيتي من السعداء، وأتقي دارًا لو نجاني الله تعالى كنت من الفائزين، ولو أدخلني الله تعالى فيها كنت من الأشقياء. فلما مضى أيام جاءت أمه إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقالت صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمت منه العلوم ما لم يتعلمه، أحد، وإن لي ابنا يتعب نفسه من الجهد، فاذهب إليه وانصحه فذهب عبد الله إلى الشاب وبلغ إليه مع أمه، فلما وقع بصره على الشاب قال: يا شاب إن لله تعالى عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولوالديك عليك حقا فأد حق الله وارفق بنفسك وبر بوالدتك. قال: يا ابن مسعود هل رأيت فارسين يستبقان؟ قال: نعم. قال: أيهما يسبق؟ قال: الذي وسطه أدق. فقال الشاب: أنا أدق وسطي لأسبق على جواز الصراط. فعرف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه عارف أواب. قال: حبيبي اعمل وخف من النار فإن أهل النار فيها يأكلون وعليها ينقلبون، وجريحهم لا يداوى، ومريضهم لا يعاد، وكسرهم لا يجبر. فصاح الشاب وخر مغشياً عليه، فقالت العجوز: أتيت بك ناصحا لا منذرا متلفا ولا قاتلاً؛ اذهب قد قتلت ابني.
وعن علي وابن عباس وأبي سعيد الخدري له أنهم قالوا: قال النبي عليه السلام يوم الاثنين في سلخ ربيع الأول من لم يكن له هم ثلاثة فليس منا: هم
هول المطلع أنه يخرج من الدنيا مسلماً أم كافرا؟ وهم سؤال منكر ونكير بعدما عاين حالهما؟، وهم أنه يؤمر به يوم القيامة إلى الجنة أو إلى النار؟ ". وعن مالك بن دينار رضي الله عنه أنه كان يصلي الليل ثم يناجي ربه الله تعالى وهو يقول: إلهي خلقت دارين وخلقت لكل دار أهلها فلا ادري من أي الدارين أنا؟ اللهم حرم شيبة مالك على النار.
حكى أن زوج رابعة العدوية لما مات استأذن عليها الحسن البصري وأصحابه، فأذنت بالدخول عليها وأرخت سترا وجلست وراءه، فقال لها الحسن وأصحابه: مات بعلك ولا بد لك من زوج وقد انقضت عدتك، فاختاري من هؤلاء الزهاد. قالت: نعم وكرامة، ولكن من أعلمكم فأزوجه من نفسي؟ قال الحسن البصري الله الله فقالت له: إن أجبتني عن أربع مسائل فأنا بك. قال: سليني إن وفقني الله تعالى أجبتك.
قالت: ما تقول لو مت أنا وخرجت من الدنيا أمت مسلمة أو كافرة؟ قال: هذا غيب لا يعلمه إلا الله.
قالت: ما تقول إذا وضعت في القبر ويسألني منكر ونكير، أأقدر على جوابهما أم لا؟ قال: هو أيضاً، غيب، لا يعلم الغيب إلا الله. قالت: ما تقول إذا حشر الناس يوم القيامة وتطايرت الكتب، أيُعطى كتابي بيميني أو بشمالي؟ قال: هذا غيب لا يعلم الغيب إلا الله.
قالت: إذا نودي في الخلق يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، أكنت في أهل الجنة أم في أهل النار؟ فقال: هذا غيب لا يعلمه إلا الله. قالت: سميت نفسك عالماً ولست بعالم ثم قالت: يا حسن من كان في غم
هذه الأربع أيحتاج إلى زوج؟ ثم قالت يا حسن أخبرني على كم قسم الله العقل بين الرجال والنساء؟ قال: على عشرة أجزاء جزء للنساء وتسعة أجزاء للرجال. قالت: وعلى كم قسم الشهوة بينهما؟ قال على عشرة أجزاء، تسعة للنساء وجزء واحد للرجال.
قالت: أنا أملك نفسي بتسعة أجزاء من الشهوة وجزء واحد من العقل، وأنت لا تقدر بجزء واحد من الشهوة وتسعة أجزاء من العقل؟ فبكى الحسن وخرج من عندها.
وعن سعيد بن المسيب له قال: كتب محمد بن سيرين إلى صديق له كتابا فقال: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنك يا أخي كيف تغير من نفسك وبعملك والله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} المائدة:، ويقول: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} الشُّعَرَاء: -، ويقول يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ الله: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} المائدة: يعني ماذا أجابكم قومكم؟ {قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا} المائدة: من شدة هول مسألة الرب، فتذهب عقولهم وتتحير قلوبهم من شدة ما ينزل بهم، ويقول: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} الأعراف:، ثم ها هو التقريب معلوم فافهم.
الباب الثالث عشر
في منادى الموتى وندامتهم ومنادى القبر
وإذا كبر الإمام في العيد زيادة على التكبيرات المعروفة وهي ثلاث عشرة عند ابن عباس لله، وتسع عند ابن مسعود له، وإحدى عشرة في الفطرة عن علي بن أبي طالب له، وعشر عند الحسن البصري لله هل يتابعه المأموم؟ فهو على وجهين: إن سمع من المنادي يتابعه في ذلك وإن كثرت التكبيرات؛ لأن الغلط يحتمل من المنادي وإن كان من الإمام لا يتابعه لأنه لا يتيقن زيادة التكبير.
ولو أن رجلاً وجد لقطة أو أخذ عبداً أبقاً فعليه أن ينادي ويقول: عندي لقطة فمن رأيتموه يطلبه فدلوه عليّ، وإن ترك النداء والتعريف ثم هلكت يضمن.
ومن نادى في إخراج الشبهات والحرام من يده في الدنيا لا يحتاج إلى المنادي في العقبى، لأن النداء في الدنيا ينفع والنداء في العقبى لا ينفع كما قال الله تعالى حكاية عن أهل النار حيث يقول: {وَنَادَوْا يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مكِثُونَ} الزخرف:.
والدليل على أن الموتى لهم منادي ندامة بما عملوا في الدنيا والدليل ما روي عن عمر بن الخطاب الا الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ميت يوضع على سريره فيخطى له ثلاث خطوات إلا وينادي نداء سمع ما شاء الله غير الثقلين يقول: يا أخوتاه ياخدمتاه يا أحباء يا حملة نعشاه لا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرتني، ولا تلعب بكم الدنيا والزمان كما لعبت بي، خلفت ما جمعت
لورثتي ولم يحملوا من خطيئتي شيئاً ".
وقد روي عن كعب لعل الله له له أن النبي عليه السلام قال: "لا يمر أحد في المقابر إلا وينادي أهل القبور يا غافل لو علمت ما نحن نعلم لذاب لحمك وجسدك كما يذوب الثلج في النار».
وعن عبد الله بن عمر التميمي له أنه قال: ليس ميت يموت إلا نادته حفرته: أنا بيت الظلمة والوحدة والانفراد فإن كنت لله مطيعا في حياتك فأنا عليك الرحمة، وإن كنت عاصيا فأنا عليك النقمة، أنا البيت الذي من دخلني مطيعا خرج مني مسرورا، ومن دخلني عاصيا خرج مني مثبوراً.
وعن عائشة لنا أنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه في حجري ونام ونظرت إلى وجهه الجميل وكث لحيته فرأيت فيها سبعة عشر بيضا، فقلت لعل أن يخرج هو من الدنيا، قبلي، فسال دمعي على خده. وتقاطر على وجهه فانتبه وقال ما الذي أبكاك يا أم المسلمين؟». وقصصته ما وقع في قلبي، فقال لي أية حالة أشد على الميت؟ قلت: لا يكون حالة أشد عليه من خروجه من داره فقال عليه السلام أشد حالة على الميت حين يدخل الغسال داره ليغسله فيخرج من أصبعه وينزع ثيابه فعند ذلك ينادي روحه حين يرى نفسه عاريا بصوت تسمعه الخلائق غير الثقلين يقول: يا غسال بالله عليك أن تنزع ثيابي في رفق فإني الساعة قد استرحت من مخالب ملك الموت. فإذا صبّ عليه الماء صاح كذلك، فإذا رفعه المغتسل إلى الكفن ويشد موضع قدميه يقول: بالله عليك يا غسال لا تشد رأس الكفن حتى يرى وجهي أهلي وأولادي وقرابتي كنت أحبهم فإن هذه آخر رؤية يروني، فإذا اخرج الميت من الدار نادى بالله عليك يا حملة عرشي أن لا تعجلوني حتى أودع داري التي بنيتها ونقشتها وأهلي ومالي وأولادي وعشيرتي فإني لا ألقى أهلي ومالي وأولادي وعرشي وأحبائي إلى يوم القيامة، فإذا رفعت الجنازة ينادي بالله عليكم أن لا تعجلوني حتى أسمع صوت
أولادي يقدون خلف جنازتي و عرشي التي تبكي علي صوت والدي الذي تقوس ظهره بموتي ووالدتي شدت وسطها بالمنديل لفراقي، ثم يقول: لا تؤذوا صبياني وأيتامي ولا تنهروهم فإذا صلى عليه ورفعت جنازته من المصلى ورجع بعض أصدقائه وقومه يقول: يا أخوتاه كنت أعلم أن الميت ينساه الأحباء لكن لا بهذه السرعة، رجعتم علي قبل أن يدفنوني ونسيتموني بهذه السرعة. فإذا وضع في لحده وحتي عليه التراب وسوي اللبن ينادي يا وارثاه تركت الكثير من المال فلا تنسوني بكسرة من الخبز علمتكم القرآن والأدب فلا تنسوني بالدعاء؛ فإني صرت محتاجاً إلى كسيرة خبزكم ودعائكم».
الباب الرابع عشر
في رفع الحاجة إلى الله تعالى
إذا قرأ الإمام اسم النبي عليه السلام فصلى رجل خلفه على النبي عليه السلام لا تفسد صلاته.
وإذا قرأ الإمام آية فيها ذكر الجنة فقال من خلفه اللهم أدخلني الجنة لا تفسد صلاته.
ولو قال في صلاته: اللهم ارزقني الجنة جاز ولا تفسد صلاته لقوله تعالي: {وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ} المائدة:، ولقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ غافر:.
قال محمد بن نعيم: ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة. وقيل: ادعوني تذللا أستجب لكم تفخرا. وقال ابن عيينة في الآية تنبيه أنه ينبغي للعباد أن يرفعوا حوائجهم إلى الله تعالى.
عن أبي حازم أن النبي عليه السلام قال لابن عباس له: "ألا أعلمك كلمات تنتفع بها؟ قال: نعم يا رسول الله قال تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة"يعني تصدق على الفقراء في حال غناك يوسع الله عليك الرزق في حال فقرك وشدتك. ثم قال: "فإذا سألت فاسأل الله، ولو جهد الخلق أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله تعالى عليك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله
عليك لم يقدروا، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرح مع الكرب وإن مع العسر يسر.
قال الفقيه أبو الليث أبو الحسن عن ابن الحسن النور جاز له يحكى في عامة أن أمير البصرة غضب على ابن أخ الزياد المنقري وحبسه وقيده، فشفع إليه أهل البصرة مراراً كثيرة فلم يشفع لأحد، فرأى الزياد ليلة في المنام كأن قائلا يقول: إلى متى تشفع إلى الأمير؟ سل حاجتك من الله تعالى فإنه يستحي من عبد إذا رفع يديه وسأله حاجته أن لا يجيبه ويرده خائبا، فاسجد لله تعالى وسل حاجتك من الله تعالى. قال زياد فانتبهت وتوضأت وصليت وبدأت سورة الأنعام وقرأتها كلها في ركعتين، ثم قمت إلى الركعتين الأخيرتين فإذا قارع يقرع الباب فخففت الصلاة وخرجت فقلت: من هذا؟ قال: أنا ابن أخيك افتح الباب. فقلت: ما وراءك؟ ومعه رجلان قال يا عم كنت في السجن وأنا مقيد، فأيقظني السجان وحل القيد وحملني إلى الأمير، فقال الأمير: أنت ابن أخ الزياد المنقري؟ قلت: نعم قال: قمت علي يومي وليلتي كما رقدت ينبهني شخص ويقول اقضِ حاجة الزياد المنقري، فاذهب إلى عمك. قال زياد: الحمد لله الذي إذا سألناه حاجة قضى حاجتنا في الساعة بغير شفاعة أحد. وهذا ليس ببعيد فإنه يقول ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر:.
ومنها أن النبي عليه السلام كان يسأل من الله تعالى الإسلام لعمر فحين هم عمر إلى أذية رسول الله متقلدا سيفه فمشى حتى أن بلغ الأبطح،
فرأى عجلا يذبح فتكلم العجل بلسان ذلق يا أهل مكة ألا تصدقون رجلاً يدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله؟، فتفرق عنه القوم. فمضى عمر مرعوباً معجبا حتى أتى بأناس من خداعة وهم في مخاصمة، فتحاكموا إلى صنم يقال له: فإذا هاتف يهتف من جوف الصنم: يا أيها الناس ذو الأجسام ما أنتم وطائش الأحلام لا ترفعوا الحكم إلى الأصنام فالحكم لله على الأنام على الخلائق، أما ترون ما أرى أمامي من ساطع منور الظلام قد لاح للناظرين من تهام حتى بدى للناظرين الشام، قد حكم مهذب الأنام محمد ذو الغرة والكرام، يأمر بالصلاة والصيام والبر والعطف على الأيتام، ويرد الناس على الآثام فبادروا جدا إلى الإسلام.
فلما رأى ما رأى مع ذلك مضى بعزمه، فلقيه رجل فقال له: إلى أين؟ فقال: إلى محمد و أريد قتله، فقال له: أختك وختنك صبوا عن دينهما؛ فهذا أولى. فجاء يطلب، فبلغ دارهما وعندهما خباب يعلمهما الإسلام، فلما أحس خباب من عمر توارى في البيت، فدخل عليهما وهما يقرآن سورة طه، فوثب عليهما وهما يقولا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فوقع على عمر الهيبة بعد ذلك، فسكن وقال: أعطوني هذا الكتاب. فقالت أخته: لا يمسه إلا المطهرون وأنت نجس قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} التوبة:، فقام عمر رضي الله وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} طه: إلى قوله تعالى: {مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} طه:، فقال: أو ربّكم يعلم ما في السموات وهو الذي أرسل محمداً؟ فخرج خباب وقال: أبشر يا عمر فلعل الله أجاب دعوة
نبيه ورسوله في حقك، فقال عمر الله: دلوني على محمد. فانطلق حتى أتى الدار التي فيها رسول الله له و معه نفر من أصحابه وهم في وجل من عمر، فدق الباب فقال رسول الله افتحوا الباب فإن عمر عند الباب»، فما قدر أحد أن يخرج، فخرج رسول الله عليه السلام وعمر بالباب متقلدا سيفه، فقال رسول الله الله صلى الله عليه وسلم: ألم يأن لك يا عمر أن تؤمن بالله؟ فسقط السيف من يده ووقع على رجليه فقال: اعرض عليّ الإسلام، فعرض النبي عليه السلام فأسلم، ففرح المؤمنون وخرجوا مستبشرين فذهبوا بإسلام إلى الكعبة والكفار منتظرون إلى عمر أن يجيء برأس محمد، فلما رأوهم من بعيد ظنوا أن عمر جاء بهم فظفرنا وبلغنا إلى ما كنا نرجوا.
فلما قدموا رجع الأمر غير ما اعتقدوا، فهزموا وتفرقوا وتشتتوا، فسل عمرسيفه وضرب أعناقهم وكسر أصنامهم، ثم سأل، معجزة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا هبل ـ وهو صنم ـ من ربك؟ ومن أنا؟ "فقال: ربي الله خالق السموات والأرض وأنت محمد رسول الله أفلح من صدقك وخاب من كذبك.
فصعد عمر السطح فصاح بلسانه وأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فحينئذ قوي الإسلام ببركة دعاء رسول الله قيل رفع أهل بغداد في قصة إلى علي بن موسى يشكون عن كف الأمطار وغلاء السعر لينظر في أمورهم فكتب في القصة: لست سماء فأسقيكم ولا بأرض فأكفيكم ارجعوا إلى بارئكم يكفيكم. قال الإمام أبو محمد عبد الله بن الفضل رحمهم الله: إن رجلاً مديونا طولب وما كان له شيء فيقضي به، ديونه فاضطر فاستقرض من جميع أصدقائه
فما أجابوه فعجز فدخل مسجدا وصلى ركعتين في جوف الليلة ثم رفع وجهه ويديه إلى السماء وقال: إلهي أتيت بابك بعد اليأس من عبادك وأنت لا تخيب رجاء الراجين إليك وتعلم أنه لا يقضي حاجتي إلا أنت، اللهم إنك تعلم أن عليّ ديوناً لا بد من قضائها ولا طاقة بي في قضائها اللهم فاقض عني ديوني من خزانتك ويا مغيث من استغاث بك ومعطي من يسألك وواصل من وصل بك ومقرب من يقربك يا مغيث كل مستغيث.
قال: فلم يتم دعاءه إذ سمع نداء من باب المسجد خذ يا عبد الله من عند الله رزق الله فخرج فإذا برجل راكب وفي يده صرة فيها ألف دينار، فقال له: خذها واقض ديونك، وإذا فنى هذا فأنا فلاناً بن فلان فاطلبني، فقال له: أطلب من يعطيك.
وروي أن رجلاً أخذه السلطان وحبسه فما تركه حتى أخذ منه خطا بأداء ذلك القدر إلى الأجل المعلوم، فذهب الرجل إلى جميع ما كان يعرف من الأصدقاء ليعينوه بإزالة الظلم وكشف ما به من الضر فما وجد أحداً يعينه وحل أجله، فدخل المسجد مغموماً وصلى ركعتين ثم رفع يديه إلى السماء: إلهي أنت وأنا وكل يعمل بما يشاكله، أنت الكريم وأنا اللئيم فما حضرت بابك إلا بعد يأسي من عبادك وأنا معترف بوحدانيتك وقوتك وغناك، فارحم الضعيف الفقير بإزالة الظلم عنه فإنه لا يقدر على ذلك أحد غيرك يا رؤوف يا رحيم.
فلما فرغ من دعائه سمع صوتاً يقول: يا عبد الله أبطأت لكن أتيت بقلب سليم ومعاذير بليغة ورفعت حاجتك إلى من بيده قضاء الحاجات للعباد وتيقنت أنه لا يقضي حاجتك إلا هو. فخر الرجل لله ساجدا، فلم يرفع حتى سمع صوت رجل يقول: يا عبد الله خذ خطك واعف عنا، فإذا هو السلطان الظالم وبيده خطه ويقول: خذ خطك واعف عني ونجني من صاحب السيف الذي خلف يقودني إليك ويأمرني برد الخط عليك وإزالة الظلم عنك وإلا فيقتلني
إن لم تعف عني، فأخذ الرجل خطه وقال: الحمد الله الذي لا ينسى من ذكره ودعاه ورفع حاجته إليه في ظلمة الليل.
قيل تفقد سليمان عليه السلام الهدهد هو أحسن الطيور فاختلف فيه، قال بعضهم نزل سليمان عليه السلام بمفازة ليس فيها ماء وضاق وقت الصلاة فخاف فواتها وكان الهدهد أعرف الطيور بالماء فطلبه لأجل علمه.
فالنكتة أن سليمان عليه السلام مع نبوته احتاج إلى الهدهد لسبب علمه، وما استنكف سليمان عليه السلام بتفقده وميزه من بين سائر الطيور، فكيف العالم؟ وقال بعضهم إنما طلبه لأنه كان له صوت طيب ويسبح الله بألحان طيبة، فاشتاق إلى صوته فتفقده. فالنكتة أن النبي عليه السلام اشتاق إلى تسبيح غير مكلف، فكيف أن لا يشتاق سكان السموات إلى تسبيح عبد مكلف موحد؟ وقال بعضهم وهو علي بن أبي طالب لا له: إن سليمان كان يعطي رزق كل طير بيده، فلما
أن هم يعطي رزق الهدهد فما وجده فقال لأعذبنه عذاباً شديدا، وقد شق عليه أن لا يطلب رزقا غيره فقال ذلك.
والنكتة أن سليمان عليه السلام مع عجز عبوديته قد تأذى أن لا يطلب غيره، فكيف القادر الرزاق أن لا يغضب حين يسأل عبده غيره وهو ضامن لأرزاق العباد؟
قال بعضهم إن الطيور كانت تظل سليمان عليه السلام وقت مسيره من الشمس، فوقعت الشمس من موضع الهدهد فقال: لأعذبنه عذاباً شديداً فالنكتة أن سليمان عليه السلام مع عجزه أوعد الهدهد بتقصيره مرة مع عذره، فكيف القادر أن لا يوعد عبده بتقصيره مدة عمره وبارتكاب معاص كثيرة.
ثم في قوله عليه السلام: {لَأُعَذِبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَا أَذْبَحَنَّهُ} النَّمل:
اختلف في كيفيتها، فقال علي رضي الله عنه: لأعذبنه عذاباً أي لأفرقن وبين أهله فيذوق طعم الفراق، فلا يعود إلى فراق بغير سبب.
فالنكتة أنه أوعده بالفراق من زوجته مع أنه لو فقد الأهل يوجد بدله إلا أن الإنسان لو فارق الحق لم يجد رضا مولاه يوم القيامة أفلا يكون عذاباً شديداً وخسراناً ظاهر؟ - اللهم أعذنا من ذلك.
قيل إن واحداً من الزهاد مر بباب بعض الوزراء وهو مشدود ليس فيه أحد عليه غيره؛ وكان قد رآه قبل ذلك مراراً بحشم كثير وبأس شديد، فسأل فقالوا إن الوالي غضب عليه فقال الزاهد هذا غضب المخلوق فكيف غضب الخالق؟ ثم لما أوعد سليمان الهدهد وأخبروه بذلك فقال: هل عقب قولا آخر؟ قيل له: قال عليه السلام أو ليأتيني بسلطان مبين فصار مغتما يدعو ربه ويلتجأ إليه لكي يظهر عليه حجة حتى ينجو من وعيد سليمان عليه السلام فألهمه الله تعالى حتى رأى عرش بلقيس وقومها، وفرح بذلك على أنه وجد عذرا.
فالنكتة أن غير المكلف طلب عذرا لكي ينجو من المخلوق والمكلف لا يطلب عذرا لمعاصيه لكي ينجو من غضب الخالق، فلما رجع الهدهد إلى سليمان قال إني أحدثك عن امرأة تملكهم. فلم يلتفت سليمان إلى كلامه. فقال: أوتيت من كل شيء. فلم يلتفت إلى كلامه فقال: ولها عرش عظيم. فلم يلتفت إلى كلامه فعلم الهدهد أنه اخبره بخبر الدنيا فلم يقبل عذره، فاشتغل بعذر فيه ذكر من الله تعالى فقال: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، فأثر ذلك على سليمان فتغير لونه واحمر وجهه واصفر لونه.
فالمقصود أن المخلوق سمع عبادة لغير الله فغضب، فكيف الرب أن لا يغضب إذا عُبد غيره.
ثم لما قويت حجة الهدهد عند سليمان عليه السلام فرح بنجاته من يد سليمان.
ثم النكتة أن غير المكلف إذا التجأ إلى الله تتيسر الحجة عند المخلوق لغيبة ولفقده، فكيف العبد إذا تاب إلى الله أفلا ينقذه من يد الشيطان وسطوته؟ فلما أرسله سليمان عليه السلام بالكتاب إلى بلقيس وحل الكتاب كان يتبختر بين الطيور؛ وكانوا يشرفونه ويعظمونه بحمل كتابه، فالمؤمن أولى أن يعظم مما في قلبه من الإيمان.
ثم لما وصل وألقى الكتاب على صدرها فأخذت الكتاب وقالت: إني
ألقي إليّ كتاب كريم وقرئ كتاب كريم. وقيل في التفسير: يعني كريم ما فيه وكان فيه لا إله إلا الله وأي هو أكرم من لا إله إلا الله وهو مخلص الإيمان والتوحيد.
فالنكتة أن كتابا فيه مرة لا إله إلا الله صار كريما وسمي كريما، فكيف المؤمن وهو يقول كل يوم مراراً لا إله إلا الله أن لا يصير كريما عند الله؟ وقيل: إن واحداً رأى سليمان عليه السلام في حالة جلاله وعظم شأنه فقال تعجبا: لقد أوتي إلى داود ملكا عظيما، فسمع سليمان قوله فقال: والذي نفسي بيده إن تسبيحة واحدة في ديوان أحدكم يوم القيامة أعظم قدرا من ملكي هذا، فطوبى للمؤمن ما له عند الله تعالى وحق المؤمن أن يكون في جميع
أحواله متوجها إلى الله ولا يسأل غيره.
وقيل إن قارون حين أخذته الأرض قال ثلاث مرات: أغثني يا موسى فلم يغثه حتى ابتلعته الأرض، فعاتب الله تعالى موسى عليه السلام وقال: إن قارون لو استغاثني مرة فبعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأغثته. فالواجب أن يكون العبد راجعا إلى الله تعالى في جميع أحواله.
الباب الخامس عشر
في إصلاح النفس والقلب بمسائله وعظاته
وإذا صلى الرجل الوتر في المسجد يجوز ولكن الأفضل أن يصلي في بيته
لوجهين:
أحدهما: أن النبي عليه السلام كان يصلي في البيت وقد تواترت الأخبار بذلك.
والثاني: أنه في البيت يكون أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص،
وكذلك الحكم في ركعتي الفجر.
وقد روي في الأخبار أن النبي عليه السلام قال: "من صلى ركعتي الفجر في بيته كثر خير أهل بيته ولم يكن له منازعة بينه وبين أهله، وخرج من الدنيا حين يخرج وهو مسلم.
ولو رد المودع الوديعة في ملأ من الناس فإنه يجوز، ولو ردها خفية هو أفضل كما قال يحيى بن معاذ الرازي حين سئل عن العدل والصلاح فقال: من اؤتمن سرا فأداه سرا فهو عدل.
ثم إن الله تعالى خلقك فلم يكن بينكما أحد، ورزقك فلم يكن بينكما أحد، وعلمك ما لم تعلم ولم يكن بينكما أحد فكذلك يحب عبده أن يعبده وليس بينهما
أحد، ولهذا إن رجلاً مذنبا لو لم يتب بقلبه لم تنفعه توبة بلسانه الفساد ستره.
أما ترى أن رجلاً من أجرى كلمة الكفر على لسانه عند الإكراه لم يضره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، فإنما المعتبر القلب لا، اللسان، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} البَقَرَة: -.
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: "من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ومن أصلح فيما بينه وبين الله تعالى أصلح الله فيما بينه وبين العباد، ومن افسد سريرته أفسد الله علانيته فيما بينه وبين خلقه.
وعن محمد بن إسحاق رضي الله عنه صاحب المعاد قال: "أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى قل لعبادي من كانت سريرته مثل علانيته فهو مؤمن حقا، ومن كانت سريرته أحسن من علانيته فهو ولي حقا، ومن كانت سريرته أشر من علانيته فهو عدوي حقا».
وعن منصور بن محمد يروي بإسناد إلى نعمان بن بشير نه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين والحرام بيّن وبينهما أمور شبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيها، ألا إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد فإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.
وعن أبي محمد أن رجلاً قال لعمر بن عبد العزيز قال: إذا كان الله معك فممن تخاف أنت؟ فقال: زدني. قال: إذا لم يكن الله معك فممن ترجو الرحمة؟ قال: زدني فقال: لا تكن ممن يحب الصالحين ولا يتبعهم، ولا تكن من
مبغضي الفاسقين وتعمل أعمالهم، ولا تكن من الذين يلعنون الشياطين في الملأ ويطيعونه في الخلاء. قال: كفاني وبكى وانصرف.
وعن محمد بن نعيم الله يحكى عن معاذ النسفي قال: قلت لحاتم الأصم الله إن الناس يمدحونني فهل أعرف أن مدحهم صدق؟ قال: نعم بثلاثة أشياء أحدها: أن لا تجد في قلبك شيئاً من عرض الدنيا له منزلة، والثاني أن لا يرهب قلبك من الموت، والثالث أن لا تستحي من سرك إن أعلنته.
عن سهل بن عبد الله الصوفي التستري قال كان في بعض الصالحين من يغسل موتى الصوفية، فقال غسلت ميتاً يوماً وأدرجته في كفنه، فسمعت هاتفاً من زاوية البيت يقول: إنه غسل باطنه في حياته وأنت غسلت ظاهره بعد وفاته فاجتمع الغسلان فصار نورا على نور وأنتم تحملون الميت إلى القبور ونحن نحمل الروح إلى السيد الغفور، وأنتم زينتم البدن بالثياب ونحن زينا الروح بالثواب فطوبى لمن أناب وتاب وغسل باطنه.
حكي أن عبد الله بن المبارك الله له له رأى فرسا يباع في السوق بأربعين درهما، فقال ما أرخصه. قيل له عيوب وهو أنه لا يعدو خلف العدو ويقف حتى يدركه العدو ويصهل في موضع يحتاج فيه إلى السكوت. قال: فإذا هو غالي بذلك القدر فتركه واشتراه تلميذه فلما كان يوم الحرب بارز هذا الفتى وعمل الفرس عملاً حسناً، فقال عبد الله لتلميذه: أليس هذا الفرس هو الذي وضعوا به عيوباً؟ فقال: نعم ولكن لما اشتريته قلت في أذنه أيها الفرس تركت الذنب الذي ما في السر فطهرت سري فصرت بريئا من العيب؛ فاترك أيضاً أنت ما يضعون بك من العيوب، فتحرك رأسه ثلاث مرات فما رأيت بعده عليه من العيوب، فعرفت أن العيب كان من الصاحب لا من الفرس، فالفرس لا يرضى بصاحبه المعيب ولا يطاوعه لأجل فساد سره، فكيف الخالق أن يرضى من عبده مع كونه عيباً؟، وكيف يجيبه عند فساد سره؟ فالله تعالى يوفقنا لإصلاح ضمائرنا.
الباب السادس عشر
في ذكر العلماء السوء والقراء
وإذا فتح الرجل الصلاة وكبر لها ولم يحضر النية حتى قرأ الفاتحة؛ هل يكون شارعا في الصلاة أم لا؟ قال هذا على وجهين: إما أن يكبر مع نية الصلاة أو يكبر بغير نية شيء، فإن كبر مع نية الصلاة كان شارعا في النافلة، وإن كبر بغير نية شيء فهو لاغ وليس بشارع في الصلاة، كمن أمسك عن الطعام والشراب يوماً كاملا في غير رمضان بغير نية شيء لم يكن ذلك صياماً فهذا كذلك. فإن كبر للصلاة ونوى الصلاة إلا أنه لم ينو أية صلاة هي حتى قرأ الفاتحة ثم تذكر أنه لم ينو الصلاة التي عليه من الظهر والعصر أو غيرها لا يجزيه عما عليه إلا بالنية، لأن النية والاستقبال في الابتداء من شرط صحتها فلم يوجد ذلك.
ولو أن رجلاً وجد لقطة أو عبداً آبقاً فأخذ لنفسه هو غاصب يجب عليه الضمان إذا هلك عنده، فلو أخذه لصاحبه ليرده نظر فإن أشهد عند الأخذ لا ضمان عليه إذا هلك عنده بالاتفاق، وإن لم يشهد ضمن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
ولو وجد لقطة ولم يرفعها بل نوى الجناية وما رفعها فلا ضمان عليه، فلو رفعها لنفسه ثم نوى أن يدفعها إلى صاحبها ثم هلك لم يبرأ عن الضمان لأنه
غاصب، والغاصب لا يبرأ بمجرد النية.
ولو نوى المسلم أن يكفر بعد ألف سنة فهو كافر من ساعته، ولو نوى الكافر الإسلام لا يصير مسلماً إلا بالشروع فيه، وهو إتيان كلمة الشهادة، لأن الإسلام عمل فلا عاملاً يصير بمجرد النية، كصاحب الإبل السائمة إذا نوى أن تكون إبله للتجارة لا تصير للتجارة ما لم يعرض البائع لأنه عمل، ولو نوى صاحب إبل التجارة أن تكون إبله سائمة انعقد الحول من وقت نيته لأنه ترك العمل فكفته النية، فكذا هنا لا ينبغي للمسلم أن يكون في لسانه غير ما في قلبه حتى لا يدخل تحت قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لفترُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَعُ قَلِيلٌ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النحل: الآية، يعني لا تقل أيها العامل إن هذا حلال وهذا حرام ثم تأخذ الحرام ولا تبال فيكون في قلبك خلاف ما يظهر لسانك حتى قال جعفر بن عبد الصادق رحمهما الله: نزلت هذه الآية في علماء السوء. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه السلام: "ويل لأمتي من علماء السوء يتخذون بهذا العلم تجارة لأنفسهم لا أربح الله تجارتهم.
وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في جهنم واد يفزع منه جهنم، وفيه جب يفزع منه ذلك الوادي، وإن في ذلك الجب حية يفزع منها ذلك الجب. قيل: لمن هذا يا رسول الله؟ قال: لفسقة حملة العلم والقرآن».
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان
يعلمون القرآن ويحفظون حروفه ويضيعون حدوده، فويل لهم مما حفظوا وويل لهم مما ضيعوا وإن أولى الناس بهذا القرآن من يرى أثره عليه وإن لم يكن جمعه، وإن أبعد الناس منه من جمعه ولم ير أثره عليه».
وعن معاذ بن جبل الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع لأن في الكلام تزينا وزيادة لا يرى على صاحبه إلا
الإثم والخطأ والمستمع شريك المتكلم وفي الاستماع سلامة وتعلم». وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يأتي على الناس زمان يأكلون بألسنتهم - يعني العلماء - كما تأكل البقر بألسنتها وهم أبغض خلق الله.
وعن مسيب بن واضح رضي الله عنه أنه قال: كنت مع عبد الله بن المبارك في طريق الروم فقال: يا مسيب ما جاء فساد العامة إلا في الخاصة، قلت: يرحمك الله يا أبا عبد الرحمن فلم؟ قال: لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خمس طبقات: أوله العلماء، والثاني، الزهاد، والغزاة، والتجار، والولاة.
فأما العلماء فهم ورثة الأنبياء، والزهاد عمود الأرض، والغزاة جنود الله في الأرض، والتجار أمناء فالولاة وهم الرعاة. فإذا كان العالم طامعا وللمال جامعا فالجاهل بمن يقتدي؟ فإذا كان الزاهد، راغبا فالتائب بمن يقتدي؟ فإذا كان الغازي مرائياً فمن يظفر بالعدو؟ فإذا كان التاجر خائناً فكيف يؤتمن الخائن؟ فإذا كان الوالي ذئباً فمن الرعية يحفظها؟
وقال محمد عبد الله بن سهل: بلغني أنه إذا فعل قراء آخر الزمان وعلماؤها ثلاثة أشياء عاقبهم الله تعالى بثلاثة أشياء: إذا تركوا حراسة القلب عاقبهم برفع الهبة، وإذا اشتغلوا بالنزهة واللذة عوقبوا برفع المودة في قلوبهم،
وإذا اشتغلوا بالذنوب فلم يتوبوا عوقبوا بالعداوة، لم يقبل منهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهلكوا.
وعن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: إذا رأيت العالم يحب الأغنياء فاعلم أنه صاحب الدنيا، وإذا رأيته يأتي باب السلطان فاعلم أنه لص.
وقال مكحول الشامي رضي الله عنه: "القرآن والفقه رفعة في الدنيا، فمن تعلم القرآن والفقه رفع في الدين ثم إذا أتى باب السلطان بالغاً إليه وطمعاً فيه ورغبة إلى ما في يده خاض في جهنم بقدر خطاياه».
الباب السابع عشر في الورع وذكر الورعين
ولو أن رجلاً شك في طلوع الفجر في شهر رمضان أنه طلع الفجر أو لم يطلع جاز له أن يتسحر لأنه على يقين من الليل وشاك في النهار واليقين لا يزول بالشك، ولكن الورع أنه لا يتسحر لقوله عليه السلام: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
يجب
ولو أن مسلماً أكره بالكفر فلا بأس أن يجري لفظة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان والأفضل أن لا يجري ويعطي نفسه حتى يقتل.
ويجوز للرجل أن يجيب دعوة الفاسق لأن له ملكاً كما للمتقي، والأفضل لأنه عسى أن لا
يتقي عن الشبهات والحرام لفسقه كما قال الشيخ أبو بكر أحمد بن سعد يقول: أعطاني الله تعالى أربعة أشياء: اللسان، واليد، والحلق والرجل فشاركت الناس فاسقهم وتقيهم في اليد واللسان، فكما أكلم الفاسق كذا التقي؛ وكما أصافح البر كذا الفاجر، ولا أشاركهم في الحلق والرجل؛ لا آكل الطعام إلا الحلال ولا أمشي إلا إلى رجل تقي صالح.
وقيل لم يبلغ العبد درجة المتيقن حتى يدع ما لا بأس به حذر ما به بأس،
ومن لم يكن له ورع يصده عن معاصي الله تعالى إذا خلا لم يقبل الله تعالى شيئاً
من عمله.
وعن عبد الله عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على ما يتابعون؟ قال عليه السلام على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا
تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن أتى بعد الإيمان بشيء من ذلك فما قمتم عليه الحد كان الحد كفارته ومن ستره الله تعالى فحسابه على الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ومن تورع واتقى ولم يأتِ بعد الإيمان بشيء من ذلك ضمنت له الجنة حتى يدخلها خالداً مخلداً.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله عليه السلام: "من أصبح وهمه التقوى عن المعاصي ثم أصاب من ذلك شيئاً غفر الله له ذلك».
عن أبي الحسن محمد بن الحسين رضي الله عنه أنه قال: اشترى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب الله له له و قميصا بثلاثة دراهم ممن كان لا يعرفه أنه علي، فلما لبسها جاوز کماه عن يديه قدر شبر فقال للبائع: اقطع الزيادة. فقال: يعيب الثوب. فقال: الثوب ثوبي فقطع الزيادة فرآه إنسان فقال: علي إنه مجنون. فقال رضي الله عنه: الحمد لله الذي أكمل إيماني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يتم إيمان امرئ مسلم حتى يقول الناس إنه مجنون.
ثم اختلف الناس في قطعه الزيادة، فقال بعضهم إنما قطعها لأن طول الكم عادة الشيطان والمترفين فكره أن يتشبه بهم.
وقال بعضهم: وهو أحسن إنما قطع لأجل أن لا يحاسب في العقبى إذ هو غير محتاج إليها في ستر أعضائه والزهد والورع ينبغي أن يكون مثل ذلك، فإن كنت ممن يحبه فاتبعه حتى تكون معه يوم القيامة، فإن المرء مع من أحب"وهذا قول النبي عليه السلام.
ويروى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: التقي من يحاسب مع نفسه كل يوم كما
يحاسب شريكه قال الشيخ: معناه - والله أعلم - أنه يحاسب مع نفسه فيقول: ماذا فعلت اليوم خيراً وشرا؟ وماذا قدمت إلى الآخرة؟ وماذا أكلت أنه من الحرام أو الحلال؟ وماذا لبست من الحرام والحلال فهذا هو التقوى والورع.
قيل ينبغي أن يكون المؤمن مثل النحل فإن النحل يأكل طيباً فيكون روثها شفاء للناس، فإن المؤمن إذا أكل طيباً فأولى أن يكون وجوده شفاء الخلق ونزوله الجنة كما قال الله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران:.
حكي أن سهل بن عبد الله التستري له دخل يوماً على عبد الله بن المبارك رضي الله عنه فقال له: لم لا تمنع جواريك عن أعين الناس؟ قال عبد الله: كيف ذلك؟ قال سهل: إني رأيتهن على السطح فلما وقع بصرهم علي ضحكن فقلن جاءنا سهلنا ثلاث مرات فقال عبد الله لما خرج سهل من عنده: قد دنا موته إذ ليس لي جارية وأهلي لا تصعد السطح، فهن حوراء أرسلها الله إليه فبشرنه بوصوله إليهن، فمات سهل عن قريب. فلما كان سهل من المتقين بشره الله تعالى بالكرامات حال حياته فكيف أن لا يدخله الجنة.
وحكى عن السدي رحمه الله أن هارون الرشيد كان يسأل منه إن سمع حديثاً يخبره، فسمع وقتا من فارس ... وهو من جملة قطاع الطريق أنه أخذ امرأة حسنة وأجلسها في مجلسه، فلما أخذ الشرب منه ناول يده إليها فقالت: اتق الله ولا تفضحني يحفظ الله نساءك، فتركها. فلما طال الأمر وأثر عليه السكر فتطاول فكانت تحتال فلم ينفع، قالت له اصبر فإني أعطيك دواء تنفع به مدة عمرك وتصير آمناً من خصمك، فقال: ما هو؟ فقالت دواء لو تخلطه على نفسك
لم يجر عليك السلاح، وإن كنت تجربه فأنا أسطح رقبتي وأنت تضرب عنقي بسيفك، ففعل الرجل كذلك فحزت رقبتها وبلغت إلى جوار الله تعالى؛ وكان ذلك خوفاً من معصية الله تعالى، فلما رأى الرجل ذلك صاح وعلم ما كانت إرادتها، فتاب هو وصار من أعبد الناس.
حكي أن السدي رحمه الله وصف هذا الحديث عند هارون الرشيد فاستحسنه وتنبه غاية الانتباه وكل من سمعه تاب ورجع إلى الله تعالى.
ثم المقصود أن المرأة خافت من عقاب الله فاختارت عقاب الدنيا فوصلت إلى الراحة، وبسبب تقاها تابوا وقد آمن العصاة، فهذه ببركة الورع والخوف والتقى فيوفقنا الله بذلك.
الباب الثامن عشر
محبة الله تعالى بمسائله
وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله وأنت طالق في أمر الله أو في حکم الله أو في رضى الله أو في محبة الله لم يقع الطلاق، لأن الله تعالى لم يشأ الله ولم يرضَ ولم يحب الطلاق كما قال عليه السلام: "ما خلق الله تعالى أحب إليه من العتاق والنكاح ولا خلق الله تعالى حلالاً أبغض إليه من الطلاق"، فالله تعالى يحب الواصلة لا القطيعة ويدل على هذا قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَنقَلَبَ عَلَى خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} الحج:، يعني إذا كانت النعمة تواترت عليه والبلايا مرفوعة عنه يقول هذا دين حسن والتمسك به واجب وإن أصابه خسران في ماله وأهله ارتد عن دينه فينقبض عليه العيش في الدنيا ويعذب في الآخرة.
عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال: يا داود من أكل شبعا فلا يصلح لخدمتي، ومن نام أجمع الليل لا يصلح لجنتي، ومن لا يحب من أحبني لا يصلح بمحبتي.
عن أبي الحسين النوري رحمه الله أنه كان واقفاً على جبل فأتاه شاب فقال: دلني على ماء أتوضأ به وأصلي ركعتين ثم أموت. قال الحسين: الموت ليس في يدك. نعم أعلم، ولكن اشتقت لنبي الله تعالى وإن الله لا يمسك حبيبه على الشوق طويلا، فقال له خُلق في هذا الجبل عين ماء، فذهب وأبطأ الانصراف،
فذهب إليه أبو الحسين فإذا هو قد فارق الدنيا في سجوده، فدفنه ثم نبشه بعد أيام لينظر حاله، فضحك الميت في وجهه فقال له: أتضحك بعد الموت؟ فقال الميت: أما تعلم أنه لا يُميت حبيبه بل ينقله من دار العمل إلى دار الكرامة. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال النبي عليه السلام كان داود النبي يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي بلغني حبك، اللهم اجعل حبك إليَّ أحب من نفسي وأهلي ومن الماء البارد.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب الله فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد فإنها أفنية الله وأبنية أذن الله في رفعها وبارك فيها ميمونة ميمونة أهلها؛ مزينة مزين أهلها؛ محبوبة محبوب أهلها هم في صلاتهم والله في حوائجهم؛ هم في مساجدهم والله تعالى من ورائهم"يعني رحمة على قضائهم.
وحكي عن واحد من الخلفاء رأى في المنام كأنه يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده فقال له: أدِمٌ على قولك حببني في قلوب عبادك، فإن أولياء الله لا يحبون إلا بعد أن يحبهم الله تعالى.
كان أبو يزيد البسطامي يقول في مناجاته في قوله تعالى: {ويُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} المائدة: لست أتعجب من حبي لك فإن العبد لا محالة يحب مولاه، وإنما أتعجب من حبك العبد الحقير المقصر، ثم يقول: إلهي كما أنت لا تشبه المخلوقين فكذلك أفعالك لا تشبه أفعال المخلوقين، إنهم إذا أحبوا عبداً أنعموا عليه وأنت إذا أحببت عبداً جعلته عرضاً للبلاء، وذلك لأن الله تعالى يعلم أن مؤنة الدنيا توجب نعمة الآخرة.
مرض ذو النون المصري فعاده زاهد فقال: من لم يتلذذ بحبه لم يصبر على ضربه، فقال ذو النون: من لم يتلذذ بضربه لم يصدق في حبه.
حكي عن وهب بن منبه رضي الله عنه أنه قال: بكى شعيب عليه السلام حتى ذهبت عيناه فرد الله بصره، ثم بكى حتى ذهبت عيناه فرد الله بصره، ثم بكى حتى ذهبت عيناه فرد الله بصره ثالثاً، فأوحى الله تعالى إليه إن كان بكاؤك من خوف فقد أمنتك، وإن كان للجنة فقد أجبتك، وإن كان من خوف النار فقد حرمتها عليك. فقال: إلهي ليس بكائي من مخافتك ولا رجاء من الجنة ولا خوفاً من النار؛ بل بكائي شوقاً إليك وحباً للقائك ورضاك عني، فأوحى الله تعالى يا شعيب ابكِ ثم ابك فقد حق لك البكاء؛ فوعزتي وجلالي وارتفاع مكاني بهذه المحبة التي أحببتني أخدمتك نبيّاً من أنبياء وصفياً من أصفيائي عشر سنين وهو موسى عليه السلام.
وحكي عن ربيع بن خثيم أنه كان لا ينام وكانت تقول ابنته: نم ليلة يا أبت. فقال: إني أخاف البيات فوقتئذ قالت له: ابنته من أفضل خلق الله عليك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قالت بحقه أن تنام الليلة هذه. قال ربيع: إلهي تعلم أن السهر: عندي أحب إلي من النوم لكن شفع إلى حبيبك فأنام، فلما نام رأى أن ميمونة الزنجية تكون امرأتك؛ وهي في البصرة، فلما أصبح خرج إلى البصرة ومشى حتى بلغ فسأل عنها فقالوا: كيف تصنعها وهي مجنونة ترعى دوابنا وأغنامنا ولا تتركنا كل ليلة في النوم من الصياحة؟ قال الربيع: هل تفهمون ما تقول؟ قالوا: أكثر ما تقول هجع الناس ونام ما لقيني لا ينام. فقال الربيع: هذا ليس من أقوال المجانين دلوني عليها، فدلوه إلى جانبها، فلما بلغ إليها وهي تصلي وأغنامها ترعى والذئاب في حافتها يحفظن الأغنام، فلما فرغت من صلاتها سلم عليها فقالت: السلام عليك يا ربيع فقال: وكيف عرفتني ولا عهد لنا؟ فقالت: إن الذي أخبرك في المنام عني أخبرني عنك، ولكن وعدك في الآخرة. فقال لها: منذ كم ترعى الذئاب غنمك؟ فقالت: منذ تعلق قلب الراعي بالمولى وأنا اختار حبه في الآخرة والأولى، ثم قالت: اقرأ لي شيئاً
من القرآن فقرأ الربيع {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غَضَةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} المزمل: -، فشهقت شهقة ثم خرت ميتة، فإذا بجماعة من النساء قد جئن وقلن نكفنها، فقال لهن الربيع وكيف عرفتن أنها ماتت؟ قلن: كنا نسمع في دعائها اللهم لا تمتني إلا بين يدي الربيع فلما سمعنا حضورك علمنا إجابة دعائها.
ومن فضائل الربيع أنه كان في سفينة فاتهم بلؤلؤة، فصاح ونظر إلى البحر فخرجت هوام البحر تأخذ كل واحدة لؤلؤة بفمها، فقال لهم الربيع: من له مثل هذه الخزينة يسرق؟ فخجل القوم واعتذروا له.
قيل خلق الله صنفان أولياء وأعداء فالأولياء مشغولون بالطاعات وتحصيل الدرجات والأعداء بالأكل والشرب واللباس.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: والله لا تكون مؤمناً حتى تكون محبا، ولا تكون محبا حتى تحب من أحب الله وتبغض من أبغض الله.
عن عبد الله بن الفضل رضي الله عنه أن مسلماً وكافراً كانا يصطادان السمك في البحر، وكان يرزق الكافر ويحرم المسلم فتعجب الملائكة، فأوحى الله تعالى إليهم يا ملائكتي انظروا إلى زينة المسلم في الجنة فنظروا ما فيها من القصور وألوان العطايا فقالوا: هذا له خير من جميع دنياه. ثم قال الله تعالى انظروا إلى ما أعددت للكافر في النار، فنظروا فخروا سجدا لما رأوا من ألوان العذاب. فقالوا: أنت أعلم فتجاوز عنا.
وقيل مرض يعقوب بن الليث رضي الله عنه وما نفعه الأطباء، فبعث إلى سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه، وأحضروه فلما جلس عنده قال: اللهم إنك أريته ذل
المعصية فأره عز الطاعة. قال: فبرأ من مكانه وقام من مضجعه، فأمر له بالهدايا فلم يقبل وقال: إن الذي ضمن الأرزاق قادر أن يغنيني عن نفقة يعقوب، فالله تعالى يعيننا حتى نتبع أثرهم.
الباب التاسع عشر
في فضل الصلوات على النبي عليه السلام
إن الصلوات على النبي عليه السلام في الصلاة فرض عند الشافعي رحمه الله واجب عندنا فلا تفسد الصلاة بتركها، فلو أن الإمام قرأ في صلاته قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ} الفَتْح: - وقوله تعالى {وَمَا محمد إِلَّا رَسُولٌ} آل عِمرَان: فصلى من خلفه لا تفسد صلاته، لكن الأفضل أن يسكت بحرمة الصلاة، وإنما لم تفسد صلاته لأن الصلاة على النبي عليه السلام مأمورة في الصلاة كما تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله إلى قولك: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وكيف تفسد الصلاة والله تعالى يأمرنا بالصلاة عليه فيقول: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا
عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} الأحزاب: معناه إن الله يغفر لنبيه عليه السلام ورحم عليه والملائكة يستغفرون له ويدعون له بالرحمة، فاستغفروا له أيها المؤمنون وسلموا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وسلموا لأمره ونهيه بما يأمركم به وانزلوا على حكمه وقضائه.
وقال مجاهد الصلاة من الله التوفيق والعصمة، وصلاة الملائكة الاستغفار والعون وصلاة الأمة الاتباع والسلام.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء محجوب حتى يصل عليّ».
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يصلي على محمد وعلى آل محمد، فإذا فعل ذلك انخرق ذلك الحجاب ودخل الدعاء، فإذا لم يفعل ذلك رجع الدعاء".
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرج من عندي جبرائيل عليه السلام، آنفا، فخبرني عن ربي جل وعلا ما على الأرض مسلم صلى عليك مرة واحدة إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشرا، فأكثروا عليّ من الصلاة يوم
الجمعة، فإذا صليتم فصلوا على المرسلين فإني رجل من المسلمين.
ثم قال عليه السلام: "أيما مسلم لم يكن له صدقة فليقل في دعائه: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وصل على المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات فإنه له زكاة».
وعن كعب الأحبار وجدت في بعض ما أنزل الله تعالى على موسى
عليه السلام: إذا أحببت أن أكون أقرب إليك من كلامك فأكثر الصلاة على محمد عليه السلام.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: أوتي برجل إلى النبي عليه السلام وقد اتهم بسرقة جمل، فأنطق الله الجمل وقال إنه بريء من سرقتي ولكن سرقني هذا الرجل نسبة إلى رجل آخر، فقال النبي عليه السلام للرجل "ما فعلت اليوم حتى أعطاك الله تعالى هذه الكرامة؟ فقال: قلت اللهم صل على محمد حتى لا تبقى صلاة وبارك على محمد حتى لا تبقى بركة، وسلم على محمد حتى لا يبقى السلام فقال عليه السلام نجوت به - ثلاثاً ".
وعن محمد بن علي رضي الله عنه وإنما سمي ابن الحنفية وهي جارية علي رضي الله عنه نسب انا إلى الأم كرامة للحسن والحسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن صلى علي في يومه مائة مرة قضى الله تعالى له مائة حاجة، سبعين من حوائج ائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا».
عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت قوله جل ذكره سر {إنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَنَهُ} الأحزاب: الآية إن هذه من العلم المكنون، لولا أنكم سألتموني ما أخبرتكم. به ثم قال: إن الله تعالى وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي عليّ إلا قال ذلك الملكان غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذلك الملكين آمين.
وعن أبي كاهل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا كاهل من صلى عليَّ ثلاث مرات حبّاً لي وشوقاً إلي كان حقاً على الله أن يغفر له ذنوب ذلك اليوم وذنوب تلك الليلة».
وعن الحسين قال سمعت أبا هريرة يقول: ما من أحد يصلي على النبي عليه السلام مرة واحدة إلا ويقضي الله ملكاً يبلغ تلك الصلاة إلى قبر النبي عليه السلام أسرع من طرفة عين فيقول الملك: يا محمد إن فلان بن فلان وفلانة بنت فلان يقرئاك السلام، ويقول النبي عليه السلام من الفرح بلغه عني عشرا وقل له لو كان لك من العشرة واحدة لدخلت معي الجنة كالسبابة والوسطى وحلت لك شفاعتي.
وعن الحسن البصري الله عنه أنه قال: رأيت نوح بن مريم في المنام فقلت له: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي فقلت له بأي خصلة؟ قال: ما ذكرت حديثاً عن النبي عليه السلام إلا وصليت عليه، فغفر الله لي بذلك.
وعن عبد الله بن أبي حفص الكبير: قال مات وراق بالكوفة فرأوه في المنام، فقيل ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي ربي. فقيل: بماذا؟ فقال: بإلحاقي الصلاة عقيب اسم النبي عليه الصلاة والسلام، فمن يكتب صلاته بالقرطاس يجد الغفران، فكيف أن لا يغفر الله تعالى لقائلها لساناً وقلبا.
وروي عن النبي عليه السلام أنه كان جالساً في المسجد ودخل عليه شاب فعظمه وأجلسه بجنبه فوق أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وحسب النبي عليه السلام أن أبا بكر تأذى فاعتذر إليه فقال يا أبا بكر إنما أجلسته أعلى منك لأنه ليس في الدنيا أحد يصلي عليّ أكثر منه فإنه يقول كل غداة وعشي: اللهم صل على محمد بعدد من صلى عليه؛ وصل على محمد بعدد من لم يصل عليه؛ وصل على محمد ما تحب أن يصلى عليه؛ وصل على محمد كما أمرتنا بالصلاة عليه؛
وصل على محمد كما ينبغي الصلاة عليه فلذلك أجلسته أعلى منك.
وعن سعيد بن أبي الهلاك كان يقول: أربعة أبخل الناس وأكسل الناس، وأخذل الناس، وأعجز الناس: فأما أبخل الناس فرجل ذكر عنده النبي عليه السلام فلم يصل عليه، وأكسلهم رجل سمع الأذان فلم يجبه، وأخذلهم من دعي ليعين على خير فلم يعن، وأما أعجزهم فرجل يعجز من أن يدعو لنفسه؛ فإذا عجز لنفسه فهو لغيرها أعجز.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من صلى على النبي عليه السلام مائة مرة يوم الجمعة يعطى من النور يوم القيامة ما لو أعطي جميع أهل الدنيا لوسعتهم.
وعن زيد بن رفيع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى عليّ في كل يوم الجمعة مائة مرة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.
وعن أنس بن مالك الله قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان ويصليان على النبي عليه السلام إلا أنهما لم ينصرفا حتى يغفر لهما ذنوبهما ما تقدم وما تأخر "، فالله تعالى يرزقنا من شفاعته.
الباب العشرون
في شرف النبي عليه السلام
ولو قال أنا بريء من رسول الله يكون يميناً لأنه لما تبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تبرأ من الإسلام، لأن الإسلام إنما يتم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والموت والبعث والجنة والنار وأن يرى محمداً عليه السلام أفضل الأنبياء والرسل وأشرفهم، وإذا تبرأ منهم ولم ير له فضلاً على جميع البشر من الجن والإنس وغيرهما من المخلوقين فقد أدخل نقصاً في إيمانه؛ فجميع هذا يدل على شرفه وفضله وكذلك يدل عليه قوله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} التوبة: معناه من بين أظهركم آدمي مثلكم، وقد قرأ بنصب الفاء "من أنفسكم" يعني من أعز قومكم وأكرمها عندكم، {عَزِيزُ عَلَيْهِ} شديد عليه ما أثمتم وأقمتم على الكفر، {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} يعني على إيمانكم وطاعتكم، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ} يعني مشفق بهم عطوف عليهم.