الجزء 1 · صفحة 7
الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي
للأستاذ الكبير الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفى
مفتي الديار المصرية
توفي سنة (1354هـ)
اعتنى به: لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه وسائر أتباعه وأحزابه
و أما بعد فيقول الفقير إلى عفو مولاه محمد بخيت المطيعي الحنفى غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولاخوانه في الله.
قد سألني ولدنا الشاب الذكى الزكي الصالح النقي الشيخ أحمد نجل العلامة الفاضل الورع الزاهد صديقنا في الله الاستاذ الكامل الشيخ محمد الصديق الغماري من أفاضل علماء المغرب عما اذا كان التصوير الفوتغرافي جائزا أو غير جائز وإذا قلنا بجوازه فما الفرق بينه و بين التصوير اليدوى وطلب منا الجواب وبيان الحكم الشرعى بأوضح عبارة مع الدليل الشرعى عليه فقلت وعلى الله اعتمدت
اعلم أنه قد ورد في التصوير واقتناء الصورة والقعود عليها أحاديث كثيرة جدا
منها مارواه البخاري عن عائشة رضى الله عنها قالت حشوت للنبي صلى الله عليه وسلم وسادة فيها تماثيل كأنها تمرقة
فقام بين البايين وجمل يتغير وجهه
فقلت مالنا يارسول الله قال ما بال هذه الوسادة قلت هذه وسادة جعلتها لتضطجع عليها قال أما علمت ان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة وان من صنع الصورة يعذب يوم القيامة يقول أحيوا ما خلقتم
وما رواه عن ابن عباس يقول سمعت أبا طلحة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل
الجزء 1 · صفحة 10
وعن زيد بن خالد ان أبا طلحة حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة قال بسر فمرض زيد بن خالد فمدناه فاذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير فقلت لعبد الله الخولاني ألم يحدثنا في التصاوير فقال انه قال الا رقما في ثوب الا سمعته قال لا قال بلى فذكره اه وروى الترمذى بسنده عن عتبة انه دخل على أبي طلحة الانصاري يعوده فوجد عنده سهل بن حنيف قال فدعا أبو طلحة انسانا ينزع نمطا تحته فقال له سهل لم تنزعه قال لان فيه تصاوير
وقال فيه النبي الله عليه وسلم ماقد علمت قال سهل أو لم يقل الا ما كان رقا في ثوب فقال بلى ولكنه أطيب لنفسي
وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح اه قال في عمدة القارى على البخارى أصل الرقم الكتابة والصورة غير الرقم وقال ابن الاثير الرقم النقش والوشم اهـ
ومن حديث الاعمش عن مسلما قال كنا مع مسروق فى دار يسار بن نمير فرأى في صفته تماثيل فقال سمعت عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون اه
قال العينى والتماثيل جمع تمثال بكسر التاء وهو اسم من المثال يقال مثلت بالتخفيف والتثقيل اذا صورت له مثالا
وقيل لا فرق بين الصورة والتمثال والصحيح أن بينهما فرقا
وهو ان الصورة تكون فى الحيوان والتمثال يكون فيه وفي غيره
وقيل التمثال ماله جرم وشخص والصورة ماكان رقمها أو تزويقا في ثوب أو حائط اه
ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم
ومن حديث عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك فى بيته شيأ فيه تصاليب الا نقضه
ومن حديث أبي زرعة قل دخلت مع أبى هريرة دارا بالمدينة فرأى في أعلاها مصورا يصور فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة
الجزء 1 · صفحة 11
ومن حديث عائشة رضي الله عنها قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لى على سهوة لي فيها تماثيل فلما رآه رسول الله هتكه وقال أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين
قال العينى والقرام بكسر القاف وبالراء ستر فيه رقم ونقوش وقيل الستر الرقيق وقيل ثوب من صوف ملون يفرش في الهودج أو يغطى به والسهوة الصفة وقيل غير ذلك ومن حديث عائشة رضى الله عنها قالت قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر وعلقت درنوكا فيه تماثيل قاصرني ان انتزعه فنزعته والدرنوك بضم الدال المهملة وسكون الراء وضم النون وبالكاف و يقال درموك بالميم بدل النون
ضرب من الستر له خمل وقيل نوع من البسط وقيل هو ثوب غليظ له خمل اذا فرش فهو بساط واذا علق فهو ستر
ومن حديث عائشة أيضا رضى الله عنها أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالباب ولم يدخل فقلت أتوب الى الله مما أذنبت فقال ما هذه النمرقة قلت لنجلس عليها وتوسدها قال ان أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال أحيوا ما خلقتم وان الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصور
وأخرجه مسلم عنها وزاد فيه فأخذته فجعلته مرفقتين فكان يرتفق بهما في البيت
ومن حديث أنس رضي الله عنه قال كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم اميطي عني فانه لا تزال تصاويره تعرض لى فى صلاتي
الجزء 1 · صفحة 12
وقد جمعوا كما فى عمدة القاري بين هذا الحديث وحديث عائشة في النمرقة فإن هذا الحديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أقر وجود القرام وصلى وحديث عائشة يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل البيت الذى فيه الستر المصور حتى نزعته وقالوا في الجمع أن حديث عائشة يحمل على ان الستر كان فيه تصاوير ذوات الأرواح وحديث أنس هذا محمول على أن الستر كان فيه تصاوير من غير ذوات الأرواح وإنما أمر بإماطته لان من الفقه التزام الخشوع وتفريغ البلل في الصلاة وترك التعرض لا يشغل المصلى عن الخشوع
ودل حديث أنس على ان ما يعرض للشخص في الصلاة من الفكر في الدنيا لا يقطع صلاته وأقول لكن هذا الجمع لا يتأتى على ماتقدم من ان الصحيح ان بين الصورة والتمثال فرقا
وهو ان الصورة تكون في الحيوان والتمثال يكون فيه وفي غيره
ولا على القول ان التمثال ماله جرم وشخص والصورة ما كانت رقما أو تزويقا في ثوب أو حائط فان ما على الستر لا يكون ذا جرم وشخص فتمين ان تكون رقا أو تزويقأ وهو مستثنى بنص الحديث المار
وانما يتأتي على القول بعدم الفرق بينهما وان كلا من الصورة والتمثال يشمل ما يكون للحيوان وغيره وما يكون له جرم وغيره وما يكون رقما وتزويقا وما لا يكون كذلك وهو خلاف الصحيح كما سبق وسيأتى لهذا بقية ومن حديث ابن عمرو عد النبي صلى الله عليه وسلم جبريل الله فراث عليه حتى اشتد على النبي صلى الله عليه وسلم خرج النبي صلى عليه وسلم فلقيه فشكا اليه ما وجد فقال له انا لاندخل بيتا فيه صورة ولا كان ومن حديث قتادة قال كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما وهم يسألونه ولا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم حتى سئل فقال سمعت محمد صلى الله عليه وسلم يقول من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة ان ينفخ فيها الروح وليس بنافخ اه
والمراد بنفخ الروح ايجاد الحياة المطلقة بأن ينفخ حتى تصير تلك الصورة حيوانا وهاك ماقاله العلماء في هذا
الجزء 1 · صفحة 13
قال ابن التين يريد كاب دار وأراد بالملائكة غير الحفظة وكذا قال النووى ان هؤلاء هم الذين يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار بخلاف الحفظة
وقال الخطابي انما لم تدخل في بيت اذا كان فيه شيء من هذه مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور واما ما ليس بحرام من كلاب الصيد أو الزرج أو الماشية والصورة التي تمتهن فى البسط والوسادة وغيرها فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه
وقال النووى الاظهر انه عام في كل كلب وكل صورة
ثم قيل سبب المنع من دخول الملائكة كونها معصية فاحشة وكونها مضاهاة لخلق الله تعالى ومنها ما يعبد من دون الله
وامتناعهم من الدخول في بيت فيه كلب كثرة أكله النجاسات ولان بعضها يسمى شيطانا والملائكة ضدهم ولقبح رائحة الكلب والملائكة يكرهون الرائحة الكريهة
ولانها ينتهي عن اتخاذها مالم يؤذن فيه فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له وتبريكها عليه ودفعها أذى الشيطان
قلت كل هذا في الكلب لا يشفى المايل ولا يروى الغليل وهذا الخنزير أسوء حالا من الكلب مع انه ماورد فيه شيء وفى النجاسة هو أنجس منه لانه نجس العين بالنص بخلاف الكلب فان في نجاسة عينه خلافا
قال الخطابي المراد من الصور التي فيها الروح مالم يقطع رأسه ولم يمتهن بالوطء
وفى التوضيح قال أصحابنا وغيرهم تصوير صورة الحيوان حرام أشد التحريم وهو من الكبائر سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فهو حرام بكل حال لان فيه مضاهاة لخلق الله تعالى
وسواء كان في ثوب أو بساط أو دينار أودرهم أو فلس أو إناء أو حائط وأما ما ليس فيه صورة حيوان كالشجر ونحوه فليس بحرام
وسواء فى هذا كله ماله ظل وما لا ظل له و بمعناه قال جماعة العلماء مالك والثورى وأبو حنيفة وغيرهم
الجزء 1 · صفحة 14
وقال القاضي الا ما ورد في لعب البنات وكان مالك يكره شراء ذلك وكره القعود على شيء فيه صورة ولو كان يداس و يمتهن لانه صلى الله عليه وسلم أنكر على عائشة حين قالت لتجلس عليها وتوسدها وروى ذلك عن الليث بن سعد والحسين بن حى وبعض الشافعية
وقال الطحاوى ذهب ذاهبون الى كراهة اتخاذ مافيه الصور من الثياب ما كان يوطأ من ذلك ويمتهن وما كان منقوشا وما كان ملبوسا وكرهوا كونه فى البيوت واحتجوا على ذلك بهذا الحديث وبحديث أبي هريرة الذي مضى في الباب السابق
وقال الكرماني وقد دل حديث الباب على أنه لا فرق في تحريم التصوير بين ان تكون الصورة لها ظل أولا ولا يبين ان تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة خلاف لمن استثنى النسج وادعى أنه ليس بتصوير
وقال بعضهم وظاهر حديث عائشة والذي قبله التعارض فان الذي قبله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم استعمل الستر الذي فيه الصورة بعد ان قطع وعملت منه الوسادة وهذا يدل على انه لم يستعمل أصلا
قلت لا تعارض بينهما أصلا لأن هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا من حديث عائشة والذى فيه فجعلته مرفقتين فكان يرتفق بهما في البيت وهذا يدل على أنه استعمل ما عملته منه وهما المرفقتان غاية ما في الباب أن البخاري لم ير وهذه الزيادة والحديث حديث واحد
وقد ذهل هذا القائل عما رواه مسلم فقال بالتعارض وادعى الماوردي ان هذا الحديث ناسخ لجميع الاحاديث الدالة على الرخصة واحتج بانه خبر والخبر لا يدخله النسخ
ورد عليه ابن التين بان الخبر اذا قارنه الأمر جاز دخول النسخ فيه وقال الخطابي الذي يصور أشكال الحيوان والنقاش الذي ينقش أشكال الشجر ونحوها فاني أرجو ان لا يدخل في هذا الوعيد وان كان جملة هذا الباب مكروها و داخلا فيما يشغل القلب بما لا يعني
وقال الطحاوى يحتمل قوله الارقما في ثوب انه أراد رقما يوطأ و يمتهن كالبسط والوسادة
وقالوا كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان سترا ولم يكره مايداس ويوطاً
الجزء 1 · صفحة 15
وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وسالم وعزوة وابن سيرين وعطاء وعكرمة
وقال عكرمة فيما يوطأ من الصوره وآذن بها وهذا أوسط المذاهب و به قال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعى وإنما نهى الشارع أولا عن الصور كلها وإن كانت رقما لأنهم كانوا حديثي عهد بعبادة الصور فنهى عن ذلك جملة ثم لما تقرر نهيه عن ذلك أباح ما كان رقما في ثوب للضرورة إلى اتخاذ الثياب وأباح ما يمتهن لأنه يأمن على الجاهل تعظيم كل ما يمتهن و بقى النهى فيا لا يمتهن ا هـ.
وأقول ما قاله الطحاوى من ان قوله الارقما يحتمل أنه أراد رقما يوطأ و يمتهن وما قالوه من ان النبي صلى الله عليه وسلم كره ما كان سترا الى آخر ما وفقوا به على هذا الوجه يخالفه ما قدمناه من حديث زيد بن خالد عن أبي طلحة وان زيد بن خالد مرض فعاده بسر فوجد في بيته سترا فيه تصاوير فقال لعبد الله الخولاني ألم يحدثنا في التصاوير فقال انه قال الا رقما إلى آخر ما سبق
فان هذا صريح في ان التصاوير كانت في ستر وانها من جنس التصاوير التي يعتقدون انها منهى عنها وان عبد الله الخولاني فهم انها داخلة في معنى الرقم المستثنى وليست ما يمتهن
كما ان قولهم انما نهى الشارع أولا عن الصور كلها وان كانت رقما لانهم الخ يدل صريحا على ان الرقم من جنس الصور المنهى عنها واستثنى بعد ذلك وان كل ما كان في ثوب و نحوه فهو رقم
وقد جاء في الاحاديث بلفظ تماثيل و بلفظ تصاوير فيكون المراد بالتصاوير ماهو أعم من ذى الجرم وغيره وكذا المراد بالتماثيل ما هو أعم أيضا ويكون قوله الا رقما ناسخ للقرم مخرجا لما ليس مجرم كما خرج ما فقد عضو الا يعيش بدونه بحديث آخر کما سيأتي
وهذا يوافق القول بان التمثال ماله جرم وان الصورة ما كانت رقة أوتزويقا
فان هذا القول يقتضى ان كل صورة ليست ذات جرم فهى رقم أو تزويق وكتب ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على قول المصنف
(وكره لبس ثوب فيه تماثيل)
الجزء 1 · صفحة 16
عدل عن قول غيره تصاوير لما في المغرب الصورة عام في ذى الروح وغيره والتمثال خاص بمثال ذى الروح و يأتي ان غير ذى الروح لا يكره اه
وهذا الذي نقله ابن عابدين عن المغرب عكس ما قدمناه من ان الصحيح ان الصورة خاصة بذى الروح والتمثال أعم
ثم قال ابن عابدين قال القهستاني وفيه اشعار بانه لا يكره صورة الرأس كما فى اتخاذها وفيه خلاف كذا في المحيط قال في البحر وفي الخلاصة وتكره التصاوير على الثوب صلى فيه أولا اه
وهذه الكراهة تحريمية وظاهر كلام النووي في شرح مسلم الاجماع على تحريم تصوير الحيوان وقال سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال لان فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء كان في ثوب أو بساط أو دينار أو درهم أواناء أو حائط أوغيرها اه
فينبغي أن يكون حراما لا مكروها ان ثبت الاجماع أو قطعية الدليل بتواتره
وكلام النووي في فصل التصوير ولا يلزم من حرمته حرمة الصلاة فيه بدليل ان التصوير يحرم ولو كانت الصورة صغيرة كالتي على الدرهم أو كانت في اليد أو كانت مستورة أو مهانة مع انا الصلاة بذلك لا تحرم بل ولا تكره لان علة حرمة التصوير الضاهاة لخلق الله تعالى وهى موجودة فى كل ماذكر وعلمة كراهة الصلاة التشبه وهي مفقودة فيما ذكر فاغتنم هذا التحرير اهـ
و بناء على ذلك كله قال في التنوير وشرحه وحواشيه ما ملخصه
وكره لبس ثوب فيه تماثيل ذي روح وان يكون فوق رأسه أى فى السقف أو بين يديه أو بحذائه يمنة أو يسرة أو محل سجوده تمثال مرسوم في جدار أو فى غيره أو مرفوع أو معلق ولو في وسادة منصوبة بحيث لا توطأ ولا يتكأ عليها بخلاف ما اذا كانت الوسادة مثلا مفروشة
قال فى الهداية ولو كانت الصورة على وسادة ملقاة أو على بساط مفروش لا يكره لانها تداس وتوطأ بخلاف ما اذا كانت الوسادة منصوبة أو كانت على الستر لانه تعظيم لها اهـ
واختلف فيها اذا كان التمثال خلفه والاظهر الكراهة لكنها فيه أيسر لانه لا تعظيم فيه ولا تشبيه
الجزء 1 · صفحة 17
قاله في المعراج
وفى البحر قالوا وأشدها كراهة ما يكون على القبلة أمام المصلى ثم ما يكون فوق رأسه ثم ما يكون عن يمينه ويساره على الحائط ثم ما يكون خلفه على الحائط أو الستر اهـ
قلت وكأن عدم التعظيم في التي خلفه وان كانت على حائط أوستران في استدبارها استهانة لها فيعارض ما في تعليقها من التعظيم بخلاف ماعلى بساط مفروش ولم يسجد عليها فانها مستهانة من كل وجه وقد ظهر من هذا ان علة الكراهة فى المسائل كلها
اما التعظيم أو التشبيه على خلاف ما يأتي ولا يكره اذا كانت تحت قدميه وكذا لو كانت على بساط يوطأ أو مرفقة يتكأ عليها كما في البحر والمرفقة وسادة الاتكاء كما في المغرب
وكذا لا يكره اذا كانت في محل جلوسه لانها مهانة أو كانت في يده
وعبارة الشمني بدنه لانها مستورة بثيابه ففى العبارة الاولى اشكال وهو انه اذا كانت في يده تمنعه من سنة الوضع وهو مكروه بغير الصورة فكيف بها اللهم الا أن يراد أن لا يمسكها بل تكون مطلقة بيده ونحو ذلك كذا فى شرح المنية وأراد بنحو ذلك مالو كانت مرسومة في يده وفي المعراج لا تكره امامة من في يده تصاوير لانها مستورة بالثياب لا تستبين فصارت كصورة نقش خاتم اه
ومثله فى البحر عن المحيط وظاهره عدم الكراهة ولو كانت بالوشم و بقيد عدم نجاسته كما أوضحناه في آخر كتاب الانجاس فراجعه ولا تكره اذا كانت على خاتمه بنقش غير مستبين قال في البحر ومفاده كراهة المستبين لا المستتر بكيس أوصرة أو ثوب آخر وأقره المصنف وذلك بإن صلى ومعه صرة أو كيس فيه دنانير أو دراهم فيها صور صفار فلا تكره لاستتارها كما في البحر ومقتضاء انها لو كانت مكشوفة تكره الصلاة مع ان الصغيرة لا تكره الصلاة معها لكن يكره كراهة تنزيه جعل الصور في البيت كذا فى النهر
الجزء 1 · صفحة 18
والصغيرة هي التي لا تبين تفاصيل أعضائها للناظر قائما وهى على الارض ذكره الحلبي وهذا الذي قاله أضبط ممافي القهستاني حيث قال لا تبدو للناظر إلا بتبصر بليغ كما فى الكرماني أولا تبدو له من بعيد كما فى المحيط
ثم قال لكن في الخزانة ان كانت الصورة مقدار طير تكره وان كانت أصغر فلا وهذا يفيدانها اذا كانت أصغر من الطير لا تكره ولو بدت تفاصيل أعضائها للناظر قائما وهى على الارض أو بدت المناظر بتبصر غير بليغ أو كانت قريبة فهو مقابل لكل ما تقدم
وكذا لا تكره اذا كانت مقطوعة الرأس أو الوجه أو ممحوة عضو لا تعيش بدونه وسواء كان من الأصل أو كان لها رأس ومحى وسواء كان القطع بخيط خيط على الرأس حتى لم يبق له أثر أو بطليه بمغرة أو بنحته أو بغسله لانها لا تعبد بدون الرأس عادة
وأما قطع الرأس عن الجسد بخيط مع بقاء الرأس على حالة فلا ينفى الكراهة لان من الطيور ما هو مطوق فلا يتحقق القطع بذلك وقيد بالرأس لأنه لا اعتبار بإزالة الحاجبين أو العينين لانها تعبد بدونها ولا اعتبار بقطع اليدين أو الرجلين كذافي البحر
وهل مثل محو عضو لا تعيش بدونه مالو كانت مثقوبة البطن مثلا الظاهر انه لو كان الثقب كبيرا يظهر به نقصها فنعم وإلا فلا كما
لو كان الثقب لوضع عصا تمسك به كمثل صور الخيال التي يلعب بها لانها تبقى صورة تامة تأمل اهـ
وأقول الظاهر أن يقال ان كان الثقب بحيث لا تعيش معه فلا كراهة والا كره كما هو ظاهر فان قيل ان كانت علة كراهة الصلاة في الاحوال المارة هي كون المحل الذى يقع فيه الصلاة لاتدخله الملائكة لان شر البقاع بقعة لاتدخلها الملائكة ينبغي ان تكره الصلاة ولو كانت الصورة مهانة ونحو ذلك
لان الصورة في قول جبريل عليه السلام لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة وقعت نكرة في سياق النفي فتعم وان كانت العلة هى التشبه بعبادتها فلا تكره الا اذا كانت امامه لا فوق رأسه والجواب
الجزء 1 · صفحة 19
ان الحلقة هي الامر الاول وأما الثاني فيفيد أشدية الكراهة غير أن عموم النص المذكور مخصوص بغير المهانة لما روى ابن حبان والنسائي (استأذن جبريل عليه السلام: على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادخل فقال كيف أدخل وفى بيتك ستر فيه تصاوير فان كنت لا بد فاعلا فاقطع رأسها أواقطعها وسائد أواجعلها بسطا)
نعم يرد على هذا ما اذا كانت على بساط في موضع السجود فقد مر أنه يكره مع انها لا تمنع دخول الملائكة وليس فيها تشبه لان عبدة الاصنام لا يسجدون عليها بل ينصبونها و يتوجهون اليها الا أن يقال فيها صورة التشبه بعبادتها حال القيام والركوع والتعظيم لها ان سجد عليها اهـ
ملخصا من الحلية قال ابن عابدين الذي يظهر من كلامهم ان العلة اما التعظيم أو التشبه كما قدمناة والتعظيم أعم كما لو كانت عن يمينه أو يساره أو موضع سجوده فانه لا تشبه فيها بل فيها تعظيم وما كان فيه تعظيم وتشبه فهو أشد كراهة ولهذا تفاوتت رتبتها كما مر
وخبر جبريل عليه السلام معلل بالتعظيم بدليل الحديث الآخر وغيره فعدم دخول الملائكة انما هو حيث كانت الصورة معظمة وتعليل كراهة الصلاة بالتعظيم أولى من التعليل يعدم الدخول لان التعظيم قد يكون عارضا لان الصورة اذا كانت على بساط مفروش تكون مهانة لا تمنع من الدخول وعلى هذا لوصلى على ذلك البساط وسجد عليها تكره لان فعله ذلك تعظيم لها و الظاهر أن الملائكة لا تمتنع من الدخول بذلك الفعل العارض وما في الفتح عن شرح عتاب من انها لو كانت خلفه أو تحت رجليه لا تكره الصلاة ولكن تكره كراهة جعل الصورة في البيت للحديث فظاهره الامتناع من الدخول ولو مهانة وكراهة جعلها في بساط فروش وهو خلاف الحديث المخصص حكام اهـ
الجزء 1 · صفحة 20
وأقول صرحوا بانه يكره ان يصلى على ما فيه صورة مسجد على الصورة أولا وقيدها في الجامع بان تكون في موضع سجوده فان كانت في موضع قيامه وقعوده لا يكره لما فيه من الإهانة ووجه ما فى الاصل وهو الاول أن المصلى معظم أى ان السجادة التي يصلى عليها معظمة فوضع الصورة فيه تعظيم لها حيث كانت منه بخلاف وضعها على البساط الذى لم يعد للصلاة ام وهذا يدل على ماقاله ابن عابدين من أن الجملة في الكراهة اما التعظيم أو التشبه واذا تأملت لا تجد خلاف بين ما في الجامع وما فى الاصل وكلاهما من كتب الامام محمد، وكتب ظاهر الرواية وذلك لان ما في الجامع انما هو في البساط الذي لم يكن معد الصلاة فتكره الصلاة اذا كانت الصورة في موضع سجوده لا اذا كانت في غيره وما في الاصل انما هو فى البساط الذي أعد الصلاة فان وضعها فيه تعظيم لها وهذا ظاهر جدا من بيان وجه ما في الاصل
واختلف المحدثون في امتناع ملائكة الرحمة بما على النقدين فنفاه عياض وأثبته النووى قال عياض لان الاحاديث مخصصة كما في البحر وهو ظاهر كلام علماء الحنفية فان ظاهر ان مالا يؤثر فى كراهة الصلاة لا يكره اتخاذه وصرح في الفتح وغيره بان الصورة الصغيرة لا تكره في البيت
قال وقد نقل انه كان على خاتم أبي هريرة ذبابتان اهـ
ولو كانت تمنع دخول الملائكة لكره اتخاذها في البيت لانه يكون شر البقاع وكذا المهانة كما مر وهو صريح قوله فى الحديث المار أواقطعها وسائد او اجعلها بسطا
وأما مامر عن شرح عتاب فقد علمت ما فيه هذا كله في اقتناء الصورة وأما فعل التصوير فغير جائز مطلقا لانه مضاهاة لخلق الله كما مر
وفى آخر حظر المجتبى عن أبي يوسف يجوز بيع اللعبة وان يلعب بها الصبيان اهـ
وفي تفسير الالوسى عند قوله تعالى (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) التمثال الصورة شبيهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء اذا شبهته به
الجزء 1 · صفحة 21
وقال في تفسير قوله تعالى (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل الخ) قال الضحاك كانت صور حيوانات وقال الزمخشرى صور الملائكة والانبياء والعلماء كانت تعمل في المساجد من نحاس و صفر و زجاج و رخام ليراها الناس فيعبدون نحو عبادتهم
وكان اتخاذ الصور في ذلك الشرع جائزا كما قال الضحاك وأبو العالية
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس انه قال في الآية اتخذ سليمان عليه السلام تماثيل من نحاس فقال يارب انفخ فيها الروح فانه أقوى على الخدمة فنفخ الله فيها الروح فكانت تخدمه وهذا من العجب العجاب
ولا ينبنى اعتقاد صحته وما هو الا حديث خرافة
وأما ماروى من انهم عملوا له عليه السلام أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فاذا أراد ان يصعد بسط الاسدان له ذراعيهما واذا قعد اظله النسران باجنحتهما فأمر غير مستبعد فان ذلك يكون بآلات تتحرك عند الصعود والقعود فتحرك الذراعين والاجنحة
وقد انتهت صنائع البشر الى مثل ذلك في الغرابة وقيل التماثيل طلاسم فتعمل تمثالا للتمساح أو للذباب أوللبعوض فلا يتجاوزه الممثل به مادام في ذلك المكان وقد اشتهر عمل نحو ذلك عن الفلاسفة وهو مما لا يتم عندهم الابواسطة بعض الاوضاع الفلكية
وعلى الباب الشهير باب الطلسم من أبواب بغداد تمثال حية يزعمون انه لمنع الحيات من الايذاء داخل بغداد
الجزء 1 · صفحة 22
ونحن قد شاهدنا مرارا أناسا لسعتهم الحيات فمنهم من لم يتأذومنهم من تأذى يسير اولم تشاهد موت أحد من ذلك وقلما يسلم من لسعته خارج بغداد لكن لا نعتقد أن لذلك التمثال مدخلا فيما ذكر ونظن ان ذلك لضعف الصنف الموجود في بغداد من الحيات وقلة شره بالطبيعة وقيل كانت التماثيل صور شجر أو حيوانات محذوفة الرؤس ماجوز في شرعنا ولا يحتاج الى التزام ذلك الا اذا صح فيه نقل فان الحق حرمة تصوير الحيوانات كاملا لكن لا فى ذلك الشرع وانما هي في شرعنا ولا فرق عندنا بين أن تكون الصورة ذات ظل وأن لا تكون كذلك كصورة الفرس المنقوشة على كاغداً وجدار مثلا
وحكى في الهداية ان قوما أجازوا التصوير وحكاه النحاس أيضا و كذا ابن الفرس واحتجوا بهذه الآية
وأنت تعلم أنه ورد في شرعنا من شديد الوعيد على المصورين ما ورد فلا يلتفت إلى هذا القول ولا يصح الاحتجاج بالآية وكانها انما حرمت التماثيل لأنه بمرور الزمان اتخذها الجهلة مما يعبد وظنوا وضعها في المعابد لذلك فشاعت عبادة الاصنام أو سد الباب التشبيه يمتخذى الاصنام بالكلية اهـ
وانما لم يصح الاحتجاج بالآية على جواز التصوير لان القاعدة الاصولية ان شرع من قبلنا شرع لنا اذا قص علينا ولم يرد فى شرعنا ما يخالفه
على قول أو اذا ورد في شرعنا ما يقرره على قول آخر
وهنا قد ورد في شرعنا ما يخالفه من تشديد الوعيد على المصورين كما علمته من الأحاديث المارة فتلخص من كل ما قدمناه ان الكلام في أربعة مقامات
المقام الاول في دخول الملائكة بيتا فيه صورة أو كلب وقد علمت ان الجميع متفقون على ان المراد منهم غير الحفظة وانهم هم الذين يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار وانهم اختلفوا بعد ذلك
الجزء 1 · صفحة 23
ففريق كالخطابي ومن وافقه قالوا انها لا تدخل بيتا فيه شيء مما يحرم اقتناؤه من كلب أو صورة واما ما لا يحرم ككلب الصيد والزرع والماشية والصور الممتهنة في البسط والوسائد أوالتي فقدت عضوا لاتعيش بدونه فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه والى هذا ذهب عامة الحنفية عملا بما رواه ابن حبان والنسائى من الحديث السابق المخصص لعموم النص وان النووى قال الاظهر انه عام في كل كلب وصورة ومبني هذا الخلاف اختلافهم في سبب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب أو صورة
فالفريق الاول ومنهم الخطابي يقول أن السبب هو ارتكاب المعصية باقتناء ما منع الشارع اقتناءه فيختص ذلك بما حرم اقتناؤه
والفريق الثاني ومنهم النووى يقولون ان وجود الكلب أو الصورة فى البيت مانع من دخول الملائكة سواء جاز الاقتناء ككلب الزرع أو الماشية ونحو ذلك وكالصورالممتهنة اما بكونها في البسط أو الوسائد أولكونها قد فقدت عضوا لا تعيش بدونه أولم يجز ككتاب الدار والصور التي يحصل تعظيمها أو التشبه بعبادة الصور
و يلزم الفريق الاول ان يقول بتخصيص الاحاديث التي وردت عامة في ذلك مما ورد منها مخصصا لعمومها كما تقدم
و يلزم الفريق الثاني ان يبقى النصوص على عمومها ومما قال الفريق الثاني يعلم انه لا يلزم من امتناع دخول الملائكة بيتا فيه صورة أوكلب ان يكون اقتناء الصورة أو الكلب محرما
و على ذلك لا يلزم من امتناع جبريل عليه السلام من دخول بيت النبي صلى الله عليه وسلم لوجود الصورة بالقرام الذي كان معلقا على باب بيتها ونحوه ان يكون اقتناء الصورة محرما وان النبي صلى الله عليه وسلم انما هتك الستر تارة وأمرها بنزعه تارة وبقطعه تارة لانه يمنع دخول الملائكة عنده لا لان الاقتناء حرام
الجزء 1 · صفحة 24
فلا تدل هذه الاحاديث على ان اقتناء الصور التي لا ظل لها محرم وغضب النبي صلى الله عليه وسلم انما هو لا جل امتناع جبريل عليه السلام عنه صلى الله عليه وسلم لان جبريل هو رسول الوحى اليه من ربه تعالى لا لأن اقتناء الصورة على هذا الوجه محرم بل يكون مكروها كراهة تنزيه فقط لمنعه دخول ملائكة الرحمة ويدل لهذا ان أشدية الوعيد الذي جاء في الاحاديث انما توجه للمصورين الذين يصنعون الصور وانهم هم الذين يعذبون فيقال أحيوا ما خلقتم
ولم تتعرض الاحاديث فيما أعلم لى شديد وعيد الي من اقتى الصور التي لا ظل لها
المقام الثاني مقام الصلاة في الثياب التي فيها التصاوير أو على البسط التي فيها ذلك وقد علمت حكمه أيضا مفصلا وانه لا يلزم من حرمة فعل التصوير حرمة الصلاة في الثوب الذي فيه الصورة أو على البساط الذي فيه الصورة لان علة حرمة التصوير هى مضاهاة خلق الله وعلة كراهة الصلاة هي تعظيم الصورة أو التشبه بعبادة غير الله تعالى
المقام الثالث مقام اقتناء الصورة وقد علمت أن حكم اقتنائها حكم الصلاة
فكل موضع لا تكره الصلاة مع الصورة كذلك لا يكره اقتناؤها فيه كما فصلناه
المقام الرابع وهو المقصود بالذات وقد علمت ان ابن عابدين قال ان ظاهر كلام النووى انه حرام بالاجماع مطلقا سواء صنعه لا يمتهن أولغيره وسواء كانت الصورة صغيرة أو كبيرة وسواء كان لها ظل أولا ظل لها
لكن قول الخطابي الذي قدمناه ان المصور الذي يصور اشكال الحيوان والنقاش الذي ينقش أشكال الشجر فاني أرجو ان لا يدخل في هذا الوعيد وإن كان جملة هذا الباب مكروها وداخلا فيما يشغل القلب بمالا يعنى اهـ
الجزء 1 · صفحة 25
يمنع القول بالاجماع على الاطلاق بل يقيد ذلك الاجماع على فرض صحة نقله بغير المصور الذي يصور أشكال الحيوان وتصويراشكال الحيوان معناه صنع صورته بدون ان يكون لها ظل ولا جرم وكذلك ما قدمناه عن الالوسى من ان مكيا حكى عن قوم انهم يقولون بجواز التصوير وكذلك حكاه النحاس وابن الفرس يمنع من وجود الاجماع على حرمة التصوير فى كل صورة وان كان هذا القول لا يلتفت اليه وان الآية لا تدل عليه السكن وجوده يمنع انتقاد الاجماع لان كل واحد من المتخالفين يعتقدان مذهبه صواب يحتمل الخطأ وان ذهب غيره خطأ يحتمل الصواب خصوصا وان كلام النووى ليس نصا صريحا في نقل هذا الاجماع وأنت تعلم الطرق التي دونها علماء الاصول في نقل الاجماع وإنه كنقل الأحاديث فلا يكتفى فى نقله كونه ظاهر كلام النووي فقط وعلى كل حال فذهب مالك والثورى وأبي حنيفة وغيرهم من جماعة العلماء حرمة تصوير الحيوان أشد التحريم وانه من الكبائر سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره كما قدمناه عن التوضيح
اذا تقرر هذا فنقول ان علة حرمة التصوير على ما تقدم هي مضاهاة خلق الله تعالى وذلك لان معنى التصويره وايجاد الصورة بمعنى ان المصور يحدث صورة حيوان يفعله وصنعه حتى بذلك يكون مضاهيا لخلق الله ويعذب يوم القيامة و يقال انفخ فيها الروح وليس بنافخ أو يقال لهم احيو اما خلقتم
وحينئذ ينظر فيما يفعله بعض الناس في عصرنا من أخذ صور الحيوانات من الاناسى وغيرهم بالآلة المسماة الفوتغرافيا ان كان فيه معنى التصوير أوليس فيه معنى التصوير
وهل توجد فيه علة التحريم المذكورأ ولا توجد فنقول مما لاشبهة فيه
الجزء 1 · صفحة 26
ان هذا الفعل انما حدث في عصرنا هذا ولم يكن موجودا ولا معروف فى عصور السلف ممن تقدم من العلماء ولكن قد أطبقت كلمتهم انه لا يمكن وجود حادثة تحدث في دار التكاليف الى أن تنقضى الا ولها حكم شرعى يؤخذ من شرعنا وان ذلك اما بان ينص على حكمه السلف أو يرجع فيه الى القواعد التي قررها السلف ما أخذوا من الكتاب والسنة وقد علمت ان علة التحريم المذكورة منصوصة في الاحاديث التي وردت بتحريم التصوير فنقول ان أخذ الصور بالآلة المذكورة على ما علمناء من الثقات في ذلك أنه عبارة عن حبس الظل بطريقة مخصوصة معلومة لاربابها ومن المعلوم في كيفية حدوث الظل ان كل جسم كثيف اذا قابل جرما منيرا حدث للجرم الكثيف ظل في الجهة المقابلة للجرم المنير مثلا من المشاهد الذي لا شك فيه ان الشمس اذا كانت في جهة المشرق فاظلال جميع الاجسام الكثيفة التي تقابلها تمتد الى جهة المغرب فإذا صارت الشمس في جهة المغرب تحولت الاظلال الى جهة المشرق وان الشمس اذا طلعت ووقع ضوءها على تلك الاجسام حصل لها الاظلال فلولا الشمس و وقوع ضوءها على الاجرام لما عرف للظل وجود ولا ماهية ومن ذلك علمنا ان الظل انما يحدثه الله تعالى اذا وقع ضوء جرم منير على حرم کثيف فوجود الاظلال كلها بهذه الواسطة انما هو من الله تعالى بدون ان يكون للعباد في ذلك صنع ومدخل أصلا ويدل لذلك قوله تعالى (ألم تر الى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا) فان الظاهر من قوله تعالى ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا ان المراد بالظل ما يحدث من مقابلة الاجرام الكثيفة للشمس فمعنى الآية والله أعلم أولم تنظر أي تشاهد أو تفكر إلى صنع ربك كيف أنشأ و أوجد ظل كل مظل كان عند ابتداء طلوع الشمس يمتد الى ما شاء الله تعالى كما اختاره شيخ الاسلام وهو الظاهر من الآية كما قدمناه فان الظاهر من جعل الشمس دليلا على الظل انه
الجزء 1 · صفحة 27
تعالى جعل طلوع الشمس دليلا على ظهور الظل للحس أو دليلا على وجوده أى علة له لان وجوده انما هو بحركة الشمس إلى الافق وقربها منه عادة وهو الذي اختاره الرازي والطبرى وغيرهما والظاهر أيضا من قبضه الظل أيضا ازالته بعد انشائه ممتدا عند أيقاع شعاع الشمس موقعه أو بايقاعه كذلك ومحوه قليلا قليلا حسب سير الشمس وكروية الارض والظل على هذا شامل لظل الشاخص من جبل ونحوه وشامل للظل الذي يحدث بين الطلوعين لان كلا منهما ناشي من جرم كثيف يقابل ضوء الشمس غير ان الجرم الذي نشأ عن الظل الثاني هو جرم الارض الكروى
وعلى كل حال فازالة كل من الظلين لا تكون دفعة واحدة بطلوع الشمس في الافق وذلك لكروية الارض والمراد ان ذلك باعتبار أهل كل أفق لا باعتبار أهل جميع الآفاق في وقت واحد لان جهات الكرة الارضية بالمشاهدة مختلفة فما يكون ليلاعند قوم يكون نهارا عند آخرين بل ما من لحظة من لحظات الزمن الا وهى طلوع شمس لقوم غروب لآخرين
الجزء 1 · صفحة 28
وهكذا خلافا لمن ادعى ان هذا ظاهر على الكل بالمعنى الاول دون الثاني وعلى كل حال فالآية دالة على ان موجد الظل بجميع أنواعه هو الله وحده بدون مدخل للخلق اذا تقرر هذا وعلمت ان أخذ الصور بالفوتغرافيا ليس الا حبس الظال الناشئ بخلق الله تعالى من مقابلة الاجسام المظلة للضوء وعلمت ان أخذ الصورة على هذا الوجه ليس ايجاد الصورة و معنى التصويرانة وشرعاه و ايجادا الصورة وصنعها بعد ان لم تكن فلم يكن ذلك الاخذ تصويرا أصلا وليس فيه معنى التصوير والمضاهاة لخلق الله تعالى وانما هو منع للظل الذي خلق الله تعالى في زواله اذا زات مقابلة الجسم الكثيف للظل للجرم المنير وجعل ذلك الظل الذى خلق الله مستمر الوجود ألا ترى انه يجوز اقتناء نفس جثة الحيوان اذا حنطت وعملت لها الوسائط التي تحفظها من البلا والتعفن كما انه يجوز ان يقف الانسان امام مرآة ما شاء ان يقف فيعكس ظله فيها فلو فرضنا ان آخر حبس هذا الظل الذي انعكس بالمرآة فيها بوسائط وصلته لذلك و جمله مستمر الوجود في المرآة بعد زوال وقوف ذلك الانسان امام المرآة أيمكن لأحد أن يقول ان هذا مصور صور هذا الظل وأوجده وصنعه بعد ان لم يكن مصنوعا على انك قد علمت ان الخطابي قال ان المصور الذي يصورشكل الحيوان فاني أرجو ان لا يدخل في هذا الوعيد وماذاك الا لان مصور شكل الحيوان لا يوجد صورة الحيوان بل انما يرسم شكله وصورته والصورة التي على هذا الوجه قد فقدت أعضاء كثيرة لا تعيش بدونها بل هي فاقدة للجرم فليست هي صورة الحيوان التي يكلف مصورها يوم القيامة نفخ الروح فيها وليس فيها بنافخ لان الظاهر ان الصورة التي يقال ماذكر فى الصورة المجسمة ذات الظل التي لم تفقد عضوا لا تعيش بدونه حتى تكون قابلة بذاتها لنفخ الروح فيها فيكون عجز المصور عن النفخ راجعا اليه لا لعدم قابلية الصورة للحياة
الجزء 1 · صفحة 29
وعلى كل حال فاخذ الصورة بالفوتغرافيا الذي هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة ليس من التصوير المنهى عنه في شيء لان التصوير المنهى عنه هو ايجاد صورة وصنع صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة من قبل يضاهي بها حيوانا خلقه الله تعالى وليس هذا المعنى موجودا فى أخذ الصورة بتلك الآلة سواء قلنا كما هو الراجح ان التصوير المنهى عنه شامل لإيجاد كل صورة وصنعها لا فرق في ذلك بين ذات الظل وماليس لها ظل الخ ما سبق
أوقلنا كما هو قول آخر ان التصوير المنهى عنه خاص بالصور ذوات الظل الكاملة التي لم تفقد عضوا لاتعيش بدونه واما تصوير ما لا ظل له ولو كاملا وتصوير ماله جرم وظل ولكن فقد عضوا لا تعيش بدونه فلا يعد تصويرا منهيا عنه لان ما لا ظل له داخل في الرقم وهو مستثنى من النهى وان تحريم ما لا ظل له كان في الوقت الذي كانوا فيه حديثي عهد بعبادة الصور ثم لما تقرر نهيه بعد ذلك المستثنى ما كان رقما كما تقدم هذا ما رأيناه في هذا الموضوع أخذا من النصوص المارة ومن أقوال العلماء فان كان صوابا فهو من الله تعالى ومن نعمه علينا التي نعجز عن شكرها ونرجو منه تعالى أن يجعل عجزنا عن شكرها شكرا مقبولا لديه وان كان خطأ فهو منا ونستغفر الله منه انه غفور رحيم ولا يكلف الله نفسا الا وسعها وإنى أرجو منه تعالى ان يكون صوابا عنده كما هو صواب عندى فيها أعتقد وعلى كل حال فإني فتحت الباب لاولى الرأى الناظرين في العلوم الشرعية الواقفين على الآيات والاحاديث والقواعد التي وضعها العلماء لاستنباط الاحكام منها والله الموافق الملهم للصواب أنه الكريم الوهاب
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم