الجزء 1 · صفحة 1
أحسن الكلام فيما تعلق بالسنة والبدعة من الاحكام
للعلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي
قاضي اسكندرية الحالي وفقه الباري
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي اجتباه واصطفاه وعلى آله وصحبه ومن تبعه ووالاه وصلاة وسلاما دائمين الى يوم تلقاه.
وبعد:
فيقول العبد الغنى بالله وحده الفقير إلى عفوه في الدارين محمد المطيعي الحنفى ابن المرحوم الشيخ بخيت بن حسين غفر الله له ولهم ولسائر المسلمين.
قد سئلت في سنة عشرين وثلاثمائة والف هجرية
عن حكم الترقية بين يدي الخطيب وقراءة سورة الكهف برفع الصوت والاذان داخل المسجد يوم الجمعة ورفع الصوت من الماشين مع الجنازة بنحو قرآن وذكر أو قصيدة بردة أو يمانية
هل كانت هذه الاشياء موجودة في زمنه صلى الله عليه وسلم أو زمن الصحابة أو نص على جوازها أحد الأئمة المجتهدين أو هي بدع يطلب تركها ويمنع الناس عنها خصوصا وفيها تشويش على نحو المصلين في المسجد والسائرين مع الجنازة المتفكرين في نحو الموت وما بعده
وهل هي حرام لقوله صلى الله عليه وسلم لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن
وقوله لا ضرر ولا ضرار
وقوله ملعون من ضار مؤمنا
و هل يصح الاستدلال على جواز فعل هذه البدع ونحوها بوقوعها في نحو الجامع الازهر أو بجريان عادة كثير من الناس
وما القول فيمن قيل له السنة ترك ما ذكر فقال اتركونا من السنة وأهلها ان فعل السنة في هذا الزمان مزر بأهله وعليكم بالبدعة
وقال بعض آخر لا نفعل هذه السنن ولو جاء النبي وأمرنا بفعلها
وقال البعض هذه شريعة جديدة من عمل بها يفتضح بين الناس
وقال بعض فعل النبي وقوله لا يحتج به والعبرة بقول الاشياخ وقال بعض سنة النبي لا تعتبر في هذا الزمان وانما العبرة لما جرت عليه عادة الناس وقال البعض هذه سنن قد نسخت ما جرت عليه عادة الناس وقال بعض البدعة أحسن من السنة وقال بعض هذا ليس بشرع بل هو شر
الجزء 1 · صفحة 2
وصاروا يسخرون بالسنة والعاملين بها فهل يكفر هؤلاء جميعا أو يكفر البعض دون البعض وهل يكفر من لم يرض بسنة نبينا محمد صلي الله عليه وسلم
وطلب السائل منا الاجابة عن ذلك فأجبناه في رسالة سميناها
أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الاحكام
وقد طبعت تلك الرسالة وعم النفع بها بإذن الله تعالى والآن قد ورد الينا من بعض المشايخ سؤال على يد بعض الاصدقاء فرأيت بعض ما سأل عنه السائل الآن مذكورا في السؤال السابق والبعض لم يذكر وهو حكم التبليغ خلف الامام اذا كان الامام يسمع المأمومين وزيادة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان المشروع والنداء المسمى بالاولى والثانية يوم الجمعة وان بعض العلماء أفتى بأن هذه الاشياء بدعة محدثة فتبعه بعض الناس ونهي عن فعلها وبعض آخر أمر الناس بفعلها وطلب منا الجواب أيضا فأردت أن أجيب الآن عنها لم يسبق الجواب عنه وأضم ذلك الى ما سبق عنه الاجابة ليكون المجموع رسالة واحدة سمينها بالاسم السابق فقلت راجيا من الله التوفيق والهداية لأقوم طريق وان ينفع بها المسلمين أجمعين انه ولى الاجابة
(اعلم)
الجزء 1 · صفحة 3
ان الاصل في الاحكام الشرعية أن لا يؤخذ واحد منها الا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا أو من الاجماع أو القياس الصحيح وهذان في الحقيقة يرجعان الى الكتاب والسنة فلا يجوز لاحد من الناس كافة أن يقول في شئ من الاشياء عامة هذا فرض أو واجب أو سنة او مندوب أو حرام أو مكروه تحريما أو تنزيها أو هذا صحيح أو فاسد أو مانع أوسبب أو شرط الا اذا كان قوله مأخوذا من دليل من تلك الادلة الاربعة يقتضى ذلك القول ويدل عليه دلالة صحيحة ولو بغلبة ظن القائل وهذا الذي قلنا ثابت بإجماع المسلمين وبقوله تعالى (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) قال الشافعي وغيره أيه فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى عليه وسلم وهنالك آيات كثيرة تدل على ذلك أيضا وهي معلومة فلا نطول بذكرها
وكل حكم من تلك الاحكام كان مأخوذا من أحد الادلة الاربعة صريحا أو اجتهادا علي وجه صحيح فهو حكم الله وشرعه وهدى محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا الله باتباعه وكل مالم يكن مأخوذا من واحد منها علما كان أو عملا فهو بدعة وضلالة و احداث ماليس من الدين فيه وليس كل مالم يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحدث فعله بعده بدعة مذمومة شرعا بل اذا حدث فعله بعد زمنه عليه الصلاة والسلام كان بدعة لغوية وحينئذ تعتريها الاحكام الشرعية المذكورة فتارة تكون فرضا وتارة واجبة أوسنة أو مباحة أو مندوبة أو محرمة أو مكروهة تحريما أو تنزيها وطريق معرفة حكمها على وجه ماذكر أن يعرض ما يحدث فعله بعد زمنه صلى الله عليه وسلم ويبتدعه الناس على قواعد الشرع وأدلته المتقدمة في أي حكم دخلت كان حكمها
الجزء 1 · صفحة 4
وذلك لان النصوص الواردة عن الشارع من الكتاب والسنة لبيان أحكام الحوادث متناهية لأنها دخلت في الوجود الخارجي وكل ما دخل في الوجود بالفعل من الحوادث متناه، وأما الحوادث فهي متجددة بتجدد الازمان والاشخاص لا تنقضي الا بانقضاء دار الدنيا والنصوص لا تكون الا من طريق الوحى وقد انقضي بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بد لكل حادثة من تلك الحوادث التي لا تتناها من حكم عند الله تعالى يؤخذ من تلك النصوص المتناهية ولا يمكن عقلا ولا شرعا أن ما لا يتناهى ولا يقف عند حد يدخل تحت ما يتناهى ويقف عند حد فلا يمكن حينئذ عقلا ولا شرعا أن يكون كل حكم من أحكام تلك الحوادث الجزئية التى تجدد بتجدد الازمان والاشخاص والاحوال مذكورا صريحا في تلك النصوص بعينه ودالة عليه بشخصه بل لا بد أن يكون مندرجا فيها اندراج الجزئيات في الكليات بواسطة عموم اللفظ تارة وبواسطة هموم علة الحكم تارة أخرى ولهذا كله جعل الشارع الاجتهاد فرض كفاية يقوم به ذوو الملكات الراسخة والذوق السليم القادرون على استنباط الاحكام من تلك النصوص في كل زمان الي أن يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين فلا بد حينئذ من استنباط أحكام الجزئيات وأخذها من تلك النصوص في كل زمان بالرجوع اليها تارة والى على الاحكام الدالة عليها تارة أخرى بالاجتهاد الصحيح
ولو كان كل مالم يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحدث فعله بعده بدعة مذمومة و محرمة شرعا لكان الحكم واحدا هو التحريم في كل ذلك وليس الواقع كذلك
الجزء 1 · صفحة 5
وبناء على هذا قال العلماء أن كل ما يتجدد و يحدث من الحوادث بعد زمان النبي صلى الله عليه وسلم يرجع في معرفة حكمه الى قواعد الشرع التي دلت عليها تلك النصوص وينقسم حكمه الى أقسام فتارة يكون محرما وبدعة مذمومة شرعا وهو كل ما أحدث على خلاف الحق المتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم أو حال أو عمل بنوع شبهة واستحسان وجعل دينا قويما و صراطا مستقيما ولم يكن مخالفا مخالفة صريحة للادلة القطعية التي لا شبهة فيها أصلا بل خالف الظاهر منها فقط وذلك كقول بعض العلماء بفرضية المسح على الرجلين دون غسلهما وأن غسلهما لا يكفي في الوضوء وليس غسلهما فرضا وكانكار المسح على الخفين لمن لبسهما على طهارة كاملة بشروطه المعلومة في الشرع فان الاول مخالف لنص القرآن الدال على فرضية غسل الرجلين الى الكعبين وان قراءة جر الارجل محمولة على قراءة النصب أو هي لبيان جواز المسح على الخفين لاغير»
الجزء 1 · صفحة 6
وانعقد الاجماع ممن يعتد به على ذلك وجرى عليه عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل أصحابه وجميع السلف الصالح بلا نكير لكن قد وجد لقول ذلك البعض بفرضية المسح على الرجلين دون النسل ما يشبه أن يكون دليلا على قوله وان لم يكن دليلا في الواقع ونفس الامر وهو قراءة جر الارجل وامكان حمل قراءة نصبها على قراءة الجر وكان صاحب هذا القول متأولا في قوله فلذلك لم نقل بكفره وقلنا أن قوله هذا بدعة محرمة مذمومة شرعا يضلل صاحبها ولا يكفر ووجد للقول بانكار المسح على الخفين ما يشبه أن يكون دليلا وان لم يكن دليلا في الواقع ونفس الأمر وهو أن الدليل على فرضية غسل الرجلين قطعي من القرآن والاحاديث الواردة بجواز المسح على الخفين ظنية الثبوت وانما كان ما استند عليه هذا القائل شبهة دليل لا دليلا صحيحا في الواقع لان الاحاديث الواردة فيما ذكر وان كانت ظنية الثبوت لكنها مشهورة تلقتها الامة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبول وجرى عملهم عليها بلا تكبير منهم فلم يكن ما استدل به على قوله دليلا صحيحا لان كل ما دلت عليه الاحاديث يجب العمل به أيضا لقوله تعالى (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى) وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول في أمره ونهيه
وقد أجمع العلماء سلفا وخلفا على أن كل ما ينطق به فيما يتعلق بالتشريع فهو عن الوحى ولا ينطق فيه عن الهوى والخلاف في غير ذلك وأما لو كان ما أحدث على وجه ماذكر مخالفا للحق الصريح الذي دلت عليه الأدلة القطعية التي لا شبهة فيها أصلا مخالفة ظاهرة كالقول بانكار الحشر الجسماني وبانكار حدوث العالم بمعنى وجوده بعد العدم بعدية لا يجتمع فيها المتقدم مع المتأخر في الخارج وفى المقل ايضا فهو كفر صريح
الجزء 1 · صفحة 7
ومن البدعة المحرمة شرعا كل ما أحدث بعد زمنه صلى الله عليه وسلم وشهد الشرع بقبعه كالمكوس وسائر المظالم لانها من قبيل أكل أموال الناس بالباطل وقد نهى الله عنه صريحا في كتابه العزيز وكذا الاجتماع على اللهو واللعب كالنوع الذي يسمى بالتياترو متى اشتملت على قبائح الافعال والبللو لانها أيضا من قبيل القبائح والفواحش وقد نهى الله عنها صريحا في القرآن وكذا الالعاب النارية وما شاكل الانها اضاعة للمال بغير فائدة فهي اسراف و تبذير وهو منهي عنه أيضا بصريح القرآن.
وهذا القسم المحرم هو الذي حمل عليه العلماء قوله صلى الله عليه وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وقوله عليه السلام من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد وقوله عليه السلام من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وكذا مارواه الخطيب في تاريخ بغداد من قوله عليه السلام من أعرض عن صاحب بدعة بغضا له في الله ملأ الله قلبه أمنا وأيمانا ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة ومن سلم على صاحب بدعة أولقيه بالبشر أو استقبله بما يسره فقد استخف بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم
فان كل هذه الاحاديث وأمثالها محمولة على النوع المحرم من البدعة لانها هي البدعة في الدين التي تدخل تحت النهى العام الشرعي كما علمت نعم مارواه الخطيب في تاريخ بغداد وأمثاله ليس على اطلاقه بل ان ذلك محمول على ما اذا قصد بفعل شيء مما ذكر مع صاحب البدعة أو ترك شيء مما ذكر ونحوهما تعظيمه وإجلاله وكان صاحب البدعة ممن دعى الناس الى العمل ببدعته أو جاهر بها أما اذا كان القصد من فعل ما يقتضى التعظيم أو ترك ما يقتضى الاهانة ومن تليين القول للظالم أو صاحب البدعة أو السلام عليه أو البشر في وجهه أو نحو ذلك انقاذ مظلوم أو حمله على فعل خير أو معروف فلا بأس به
الجزء 1 · صفحة 8
وكذا لا بأس بمعاملة صاحب البدعة بمكارم الاخلاق اذا لم يدع الناس الى بدعته ولم يجاهر بها ومثله كل مرتكب هوى وكبيرة قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام في مخاطبة فرعون وهو الذي ادعى الألوهية (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) وقال تعالى لسيد أنبيائه عليه الصلاة والسلام (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين) وقال تعالى له عليه السلام (ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) وغير ذلك آيات و احاديث كثيرة تدل على الحض على مكارم الاخلاق وعلى ان الامر بالمعروف أو النهى عن المنكر لا بد أن يكون أمراً بمعروف وليس بمنكر ولاشك أن من مكارم الاخلاق حسن المعاملة والبر والاقساط لمن يخالفنا في ديننا ان لم يكن مقاتلا ومحاربا لنا قال تعالى (لاينها كم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله بحسب المقسطين انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا علي اخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) وفي الخبر من كان آمرا بمعروف فليكن أمره ذلك بمعروف وهذا هو سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم فانه كان يلين القول لمن كان يرجو اسلامه كثمامة بن أثال وغيره لأنه أرجى للهداية قال تعالى مخاطب له صلى الله عليه و سلم و خطا به خطاب لامته (فيا رحمة خطابه من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) وتارة يكون ما حدث فعله بعد زمنه صلى الله عليه وسلم)
الجزء 1 · صفحة 9
بدعة مكروهة شرعا كزخرفة المساجد بغير الذهب والفضة والا كانت من القسم الأول على رأي بعض العلماء وقال بعضهم بالجواز مطلقا الا اذا كانت من مال الوقف ولم يشترط الواقف وتارة يكون ما أحدث فعله كذلك بدعة ولكنه فرض كفاية يسقط بفعل بعض المكلفين يثاب فاعله ثواب الفرض جميع المكلفين اذا لم يفعله أحد منهم وذلك كنصب الادلة العقلية والنقلية وبيانها ودفع الشبهة عنها للرد على الفرق الضالة وكتعليم العلوم التي يتوقف عليها ذلك أو يتوقف عليها فهم الكتاب والسنة وأخذ الاحكام منها وذلك كتعليم علم المنطق والعلوم الطبيعية وسائر العلوم العقلية مما يتوقف عليه الوقوف على حقائق الكائنات وخواصها وأسرارها والاستدلال بذلك على وجود الصانع وعموم قدرته وارادته واحاطة علمه كالعلوم المتعلقة بما يسمى في اصطلاح المتكلمين بالامور العامة وكتعليم علم النحو وعلوم البلاغة ونحو ذلك من العلوم الآلية لدخول ذلك كله تحت الأوامر الشرعية العامة الحاضة
على مثل ذلك الطالبة له طلبا جازما قاطعا لا شبهة فيه فان حفظ دين الله والذب عن قواعده جهاد في سبيل الله وهو فرض كفاية وكذا أخذ الاحكام من الكتاب والسنة فرض كفاية والمقدور الذى يتوقف عليه الواجب المطلق في وجوده لا في وجوبه واجب اتفاقا ولا يضرنا خلاف العلماء في انه واجب بوجوب الواجب كما قال البعض أو بوجوب مستقل كما قال بعض آخر مع اتفاق الفريقين على الوجوب
وتارة يكون ما أحدث فعله بدعة ولكنه مندوب وطاعة
الجزء 1 · صفحة 10
كاحداث نحو رباط ومدرسة وسقاية وكذلك فعل كل خير و احسان و معروف لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم لدخول ذلك كله تحت الاوامر الشرعية العامة التي ندبت فعل الخيرات والمسارعة اليها على وجه العموم قال تعالى (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) وتارة يكون ما حدث فعله بدعة واسكنه مباح لا حرج على فاعله وذلك كالتوسع في المباحات من المأكل والمشارب والملابس والمساكن والتأنق في ذلك كله مما لا يصل الى حد الاسراف والتبذير وكاجتماع الناس على الامور المباحة والجلوس لها كأن يجتمعوا للمؤانسة بمطارحة الاشعار التي لا فسق فيهار نحو ذلك وذلك لانه لم يرد في شيء مما ذكر من قبل الشارع منع ولا طلب ولا دخل شي من ذلك تحت أمر شرعي عام ولا تحت نتهى كذلك وإنما ورد فيه من الشارع اذن عام قال تعالى (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق) وقال - تعالى (خلق لكم ما في الارض جميعا) وكل ما خلق من ذلك فهو لنا الا ما جاء الشرع بتحريمه
وبهذا تعلم ان البدعة شرعا هي التي حدث فعلها بعد زمنه صلى الله عليه وسلم ودخلت تحت عام اقتضى التحريم أو الكراهة وهي المذمومة شرعا والمحرمة هي التي تكون ضلالة ومذمومة عند الشارع وان البدعة التي قسمها العلماء الى الاقسام المذكورة هي البدعة اللغوية وهي أهم من البدعة الشرعية لان الشرعية قسم منها وليس كل ما لم يفعل في زمنه صلى الله عليه وسلم وفصل بعد زمنه عليه الصلاة والسلام بدعة مذمومة وضلالة خلافا لمن زعم ذلك فجعل أكثر السنن بدعة وضلالة حبا في الشهرة واظهارا للورع والصلاح الكاذب واذا بحثنا عن خفاياه لرأيناه انطوى على قبائح نعوذ بالله منها وأنه وانما أظهر ذلك ليتخذه شبكة يصطاد
بها حطام الدنيا في وسط مياه التمويه والتغرير نعوذ بالله من قوم لا يعقلون
الجزء 1 · صفحة 11
ألا ترى ان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا اليهود والنصاري من جزيرة العرب وقاتلو غير العرب من الكفار وفتحوا كثيرا من البلاد و جمعوا القرآن في المصاحف و اجتمعوا على قيام شهر رمضان وصلاته بالجماعة وعلى الاذان الاول يوم الجمعة خارج المسجد وأجمع العلماء قاطبة على تدوين العلوم الشرعية وآلاتها وجعلها بابا بابا و فصلا فصلا ونحو ذلك وتخريج مسائلها واخذ الفروع من الاصول و غير ذلك مالا يحصى و لم يكن شيء منه في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم يقل أحد منهم ولا من غيرهم ان شيئا ما ذكر بدعة مذمومة وضلالة شرعا فدل ذلك دلالة واضحة على أن كل ما أحدث له ولكن ثبت من الادلة الشرعية العامة فرضيته أو وجوبه أو سنيته او ندبه أو اباحته لم يكن فعله بدعة مذمومة شرعا وان كان النبي صلى الله عليه وسلم تركه ولم يفعله نعم ماتركه صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضى لفعله كان تركه سنة وفعله بدعة مذمومة شرعا ولذلك كره أصحابه عليه الصلاة والسلام استلام الركنين الشاميين وكرهوا الصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة لترك النبي صلي الله عليه وسلم لذلك مع وجود المقتضي للفعل فانه عليه السلام كان بصدد تعليم المناسك ومع ذلك استلم الركن اليماني ولم يستلم غيره وصلى عقب الطواف بالكعبة ولم يصل عقب السعي بين الصفا والمروة وكان يقول خذوا عني مناسككم فدل ذلك على ان ماتركه في هذا المقام لم يكن من المناسك فأحداث شيء لم يكن من المناسك وجعله منها زيادة في الدين و احداث ماليس منه فيه فكان بدعة مذمومة شرعا
الجزء 1 · صفحة 12
اذا تقرر هذا فنقول قد اخرج الستة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والامام يخطب أنصت فقد لغوت فهذا الحديث يفيد بعبارته النهي عن الامر بالانصات وقت الخطبة وسماعها وعد ذلك لغوا من القول مع أنه من قبيل الامر بالمعروف وهو فرض من فروض الكفاية فيفيد بمفهوم الموافقة على طريق المساواة النهي عن كل أمر بمعروف وقت الخطبة من غير الخطيب
الجزء 1 · صفحة 13
واذا نهى عن الامر بالمعروف وقت الخطبة فالنهى وقتها عن مالم يكن أمرا بمعروف ولا فرضا يعلم بالطريق الأولى فالنهى عن هذا مستفاد بمفهوم الموافقة على وجه الاولوية بالحكم فتبين ان هذا الحديث يفيد بطريق المفهوم ودلالة النص منع الصلاة والذكر وغير ذلك مما هو طاعة أوليس بطاعة بان كان مباحا لو لم يكن وقت الخطبة وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنه قال اذا خرج الامام من حجرته فلا صلاة ولا كلام ولكن رفع هذا الحديث غريب والمعروف أنه من كلام الزهرى رواه مالك قال (أى مالك) خروجه يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام وأخرج بن أبي شيبة في مصنفه عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الامام وأخرج بن أبي شيبة أيضا عن عروة قال اذا قعد الامام على المنبر فلا صلاة وعن الزهرى قال في الرجل يجي يوم الجمعة والامام يخطب يجلس ولا يصلي فالحديث الاول الذي رواه الستة عن أبى هريرة يقتضي النهي عن الصلاة والكلام وقت الخطبة فقط وهو ساكت عن غير ذلك وحديث اذا خرج الامام من حجرته الى آخره وما رواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عباس وابن عمر يفيدان النهى عن الصلاة والكلام بمجرد خروج الامام من حجرته للخطبة وان لم يشرع فيها، فمن هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه اذا خرج الامام من حجرته يوم الجمعة للخطبة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته وصلاته ولم يستثن رضى الله عنه من ذلك الا الاذان بين يدي الخطيب وهو على المنبر واجابة الخطيب للمؤذن بين يديه لورود السنة الصحيحة في ذلك بخصوصه على ما يأتي» وذلك مبني من أبي حنيفة على إن حديث اذا خرج الى آخره وان كان رفعه غريبا لكنه تأبد بما رواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عباس وابن عمر وقول الصحابي حجة عنده يجب العمل بها فى مثل ذلك والحديث الاول الذي رواه الستة لا ينافي ذلك فكان الأحوط الأخذ بحديث اذا خرج الامام
الجزء 1 · صفحة 14
وما روى عن علي وابن عباس وابن عمر فوجب المصير الى ذلك ووافقه على ذلك بعض المجتهدين
وقال أبو يوسف ومحمد ومن وافقهما رضى الله عنهم ان حديث اذا خرج الامام الى آخره رفعه غريب والمعروف أنه من كلام الزهرى كما تقدم فهو قول تابعى لا حجة فيه فلا يعارض الحديث المتفق عليه الذي رواه الستة وأما ماروى عن علي وابن عباس وابن عمر من أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الامام فهو رأيهم وهو مما للرأى فيه مدخل وليس رأى مجتهد حجة على مجتهد آخر ولا يجب تقليدهم فيما رأوه اجتهادا أو يقال ان الخروج فيما ذكر محمول على الشروع في الخطبة علي طريق المجاز فوجب العمل بالحديث المتفق عليه الذي رواه الستة عن أبي هريرة وهو يقتضي النهي عن الصلاة والكلام وغير ذلك من الطاعات والمباحات وقت الخطبة فقط ولا تقتضى النهي عن شيء من ذلك قبل الشروع فيها
فمن هذا قال أبو يوسف و محمد ومن وافقهما يجوز الكلام قبل شروع الامام في الخطبة وكذا بعد ان يفرغ منها قبل أن يكبر للصلاة لان الكراهة إنما هي للاخلال بفرض استماع الخطبة ولا استماع قبل الشروع فيها وبعد الفراغ منها والخلاف المذكور بين الأئمة انما هو في كلام تعلق بالآخرة كقراءة القرآن والذكر ونحو ذلك.
اما ما لا يتعلق بالآخرة فيكره اجماعا
وعلى هذا الترقية المتعارفة في زماننا وهى عبارة عن قراءة آية (ان الله وملائكته يصلون على النبي) الآية وذكر بعض خصائص وأوصاف التي صلى الله عليه وسلم وكقراءة حديث اذا قلت لصاحبك الى آخره واجابة غير الخطيب للمؤذن كل ذلك ونحوه مما يكون قبل الشروع في الخطبة علي الخلاف المتقدم فهو مكروه بمجرد خروج الامام من حجرته ان كان له حجرة أو بمجرد قيامه للخطبة عند أبي حنيفة ومن وافقه وان لم يشرع في الخطبة وقال أبو يوسف ومحمد ومن وافقهما بجواز ماذكر وكل كلام يتعلق بالآخرة قبل الشروع في الخطبة وبعد الفراغ منها قبل تكبير الامام للصلاة كما تقدم
الجزء 1 · صفحة 15
وممن وافق على الجواز ساداتنا الشافعية كما نص عليه ابن حجر فعلى قولهم أيضا تجوز الترقية المتعارفة الآن وقراءة الآية والحديث المذكورين واجابة غير الخطيب المؤذن ما لم يشتمل شيء من ذلك على تغن وتلحين مخلين فيكره أتفاقا الهذا العارض
ومع اختلاف الائمة المجتهدين على وجه ماذكر لا وجه الانكار على من عمل باحد المذهبين المذكورين لانه متى اختلفوا في حكم وكل واحد منهم أخذ بما رآه دليلا شرعيا من الكتاب أو السنة أو الاجماع أو القياس الصحيح فلاوجه الانكار على من يعمل بقول واحد منهم من المقلدين وانما يجب الانكار فيما أجمع الكل على انكاره وعدم جوازه كالزنا والربا وشرب الخمر ونحو ذلك مما علم تحريمه اجماعا وليس لأحد أيا كان أن يحمل أحدا على اتباع مذهبه في المواضع التي اختلف فيها المجتهدون ولا أن ينكر عليه اذا خالفه فان الواجب على كل مجتهد أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده من الدليل وللمقلد أن يقلد أي مجتهد من الأئمة المجتهدين ولو بعد العمل متى وصل اليه مذهبه بطريق صحيح لأن رأى كل مجتهد حيث كان مأخذه من أحد الادلة الاربعة المذكورة شرع الله في حقه و حق من قلده والتقليد من العاجز عن أخذ الحكم من الدليل لأى مجتهد كان جائز اتفاقا ولو بعد الوقوع خلافا للمتعصبين وأما قراءة سورة الكهف ونحوها يوم الجمعة ولو مع ارتفاع الصوت وعلى مكان مرتفع فهي جائزة اتفاقا ولا وجه للقول بمنعها بل أن قراءتها يوم الجمعة وليلتها سنة عند بعض الائمة في المسجد وغيره سرا أو جهرا على مكان مرتفع أولا وقراءتها في زماننا بالمسجد تكون قبل دخول وقت الصلاة وبمجرد دخول الوقت وشروع المؤذن في الأذان الأول على المنارة خارج المسجد يسكت القارئ وهي من القرآن وتلاوة القرآن كله أو بعضه عبادة في جميع الازمنة والأمكنة وسماعه كذلك عبادة ولم يرد في ذلك نهى خاص عن الشارع ولم يدخل تحت نهى عام وليس مما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضي
الجزء 1 · صفحة 16
لفعله فان القرآن مأمور بتلاوته أمرا مطلقا بنص القرآن واجماع المسلمين عملا وقولا وانما يستثنى من ذلك قراءة القرآن وقت الخطبة أو عند خروج الامام على الخلاف المتقدم وفى غير هذا الوقت لا تكون القراءة بدعة محرمة ولا مكروهة الا اذا وجد ما يمنع القراءة كالحيض والنفاس والجنابة أو ما يخل بآدابها فانها تمنع لهذا العارض لا لذاتها كالمنع منها لعارض الاخلال بسماع الخطبة لان قراءة القرآن قربة لذاتها وكذا سماعه باتفاق المسلمين كما تقدم فكيف يمكن ان تكون قراءته أو سماعه بدعة في وقت من الاوقات أوفي مكان من الامكنة أو فى السر أو الجهر مع وجود الأمر بتلاوته
وسماعه على الاطلاق وعدم ورود النهي عن ذلك الا فى أحوال مخصوصة وليس ما يفعل بالمساجد اليوم على الوجه المعتاد من تلك الأحوال المنهي عنها على أنه قد ورد في قراءة سورة الكهف بخصوصها يوم الجمعة أحاديث كثيرة منها ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعه سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له الى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين) وما رواه غير واحد عن أبي سعيد الخدري من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق ولذلك ذهب الى سنية قراءتها يوم الجمعة وليلتها ساداتنا الشافعية وغير واحد من الأئمة وقالوا يندب تكرار قراءتها» وأما قوله عليه الصلاة والسلام لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن فعلى فرض صحته لا يمنع من قراءة سورة الكهف ونحوها مع رفع الصوت يوم الجمعة على الوجه المتعارف الآن الا اذا تمدد القراء في مسجد واحد وشوش كل واحد منهم على الآخر أوشوشوا على مصل آخر اذا تحقق التشويش ولم تكن المصلحة أكثر فان ذلك غير
الجزء 1 · صفحة 17
جائز لدخوله تحت النهى فى هذا الحديث وغيره وان كان الذي يظهر لنا في معنى الحديث ان معناه لا يذم بعضكم بعضا بالقرآن ولا يشتم ويسب بعضكم بعضا بالقرآن فالمقصود في ما يظهر لنا من الحديث والله أعلم النهي عن أن ينتصر بعضنا في مقام السباب والذم على البعض الآخر بالقرآن بأن يجعله داخلا في الطوائف التي ذمها القرآن كطوائف المفسدين أو الظالمين ونحو ذلك
الجزء 1 · صفحة 18
ومثل الحديث المتقدم في أنه لا يدل على منع قراءة سورة الكهف على وجه ماذكر قوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وقوله عليه السلام ملعون من ضار مؤمنا لأن قراءة سورة الكهف على الوجه المتعارف يوم الجمعة ليس فيها شيء من الضرر ولا من الضرار لمؤمن ولا لغيره بل فيها الثواب الجزيل والنفع الجليل وقد علمت أنها تكون قبل الوقت، ومتى شرع المؤذن في الأذان الاول سكت القارئ وعلى فرض وجود مصل وقت القراءة لنحو تحية مسجد فلا تكره لأن الذين يستمعون القرآن وينتفعون بذلك أكثر على فرض تحقق التشويش علي ذلك المصلي ومع ذلك فالغالب ان لا يحصل التشويش كما هو مشاهد وربما يختلج في صدرك ان القراءة حال اجتماع الناس في المسجد يوم الجمعة لسماع القرآن هي البدعة فنقول لك أيضا قد وردت أحاديث بالترغيب في الاجتماع الاذكار ولا شك ان القرآن ذكر بنص القرآن بل هو أفضل الأذكار فقد روى قوله صلى الله عليه وسلم (لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى الاحفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزل عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم وروي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال القوم جلسوا يذكرون - الله تعالى ويحمدونه على ان هداهم الاسلام أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرني ان الله تعالى يباهي بكم الملائكة وفي الحديثين أوضح دلالة على فضل الاجتماع على الخير كله والجلوس له وان المجتمعين على خير الجالسين له ذكراً كان أو قراءة قرآن أو سماعه أو ادعية أو غير ذلك مما عرف أنه خير شرعاً بان أمر به على الخصوص أو دخل تحت الأمر العام في مسجد أوغيره من الأمكنة التي لا يخل الاجتماع فيها بالآداب في يوم الجمعة أو في غيره مع الجهر والسر يباهي الله الملائكه وتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة ويذكرهم الله بالثناء عليهم فيمن عنده من الملائكة فأي فضائل أجل من هذه الفضائل
الجزء 1 · صفحة 19
ومن هذه القبيل بلا شبهة الاجتماع للصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم لانها جماع الخير ومفتاح البركات باجماع المسلمين وقد امرنا الله في كتابه بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم فقال جل شأنه (يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وهذه الآية عامة في الاشخاص والاحوال والامكنة والاوقات
وقد وردت أحاديث كثيرة أيضا في فضل الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ومن هذا القبيل أيضا الاجتماع لقراءة استماع نحو قصة المعراج وفضائل ليلة النصف من شعبان وليلة القدر وقراءة قصة المولد النبوى فى لياليها المشهورة فان قصة المعراج هي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع له تلك الليلة من خوارق العادات و المعجزات وذكر ما ورد في ذلك من الاحاديث وفضائل ليلة النصف من شعبان وليلة القدر هي قراءة آيات قرآنية وأحاديث نبويه تقرأ في هاتين الليلتين وبيان معنى ذلك مما يرغب الناس السامعين في العمل الصالح، وقصة المولد هي عبارة عن بيان تاريخ ولادته وما حصل فى ذلك الوقت من العجايب وخوارق العادات واظهار الفرح والسرور بظهور سيد الكائنات مما يدل على كمال المحبة لجنابه العظيم
الجزء 1 · صفحة 20
نعم لا يجوز التكلف وتغيير الصوت في ذكر الله باسمائه أو في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم كما يفعل عوام الناس اليوم عندما يقرؤن دلائل الخيرات وعند ما يجلسون للذكر مما تمجه الاسماع وتعافه الأذواق ولا يرضى عاقل أن يذكر اسم نفسه أو يذكر غيره بمثل هذا الصوت القبيح بل يعد ذلك سخرية به واحتقارا له فانك اذا ناديت شخصا باسمه أو دعوت له ورفعت صوتك وغيرته على الوجه الذي ينادى به عوام الناس رب العزة والجبروت عند مايذكرونه تعالى أو على الوجه الذي يفعلونه حين يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعون له بذلك يعد ذلك سخرية أو جنونا فالواجب أن يمنع من ذلك التكلف وتغيير الصوت ومن كل منكر يخرج قراءة القرآن أو الذكر أو الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم عن الكيفية المشروعة ولا يمنع شيء مما ذكر نفسه لأن المحرم هو ذلك العارض فيمنع منه فقط وكذلك يمنع كل منكر وكل شر اشتمل عليه مجلس الذكر والخير دون نفس الذكر والخير
وأما الأذان داخل المسجد يوم الجمعة فهو المسنون المتوارث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه رضى الله عنهم فقد أخرج الجماعة الا مسلما قال كان النداء يوم الجمعة أوله اذا جلس الامام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنها فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء وفي رواية البخارى زاد النداء الثاني وفي رواية النسائي عن سليمان التيمي كان بلال يؤذن اذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم فاذا نزل أقام
الجزء 1 · صفحة 21
ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر وفي رواية أبي داود كان يؤذن بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب المسجد وأبى بكر وعمر وفي رواية عبد بن حميد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان فلما تباعدت المنازل وكثرت الناس أمر بالنداء الثالث فلم يعب ذلك عليه وعيب اتمام الصلاة بمنى وقال الشافعي حدثنا بعض أصحابنا عن ابن أبي ذئب وفيه ثم أحدث عثمان الأذان الاول ووقع في تفسير جويبير عن الضحاك عن برد ابن سنان عن مكحول عن معاذ أن عمر هو الذي زاده فلما كانت خلافة عمر رضى الله عنه وكثر المسلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس الأذان وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم وبين يدى أبي بكر ثم قال عمر أما الأذان الأول فنحن استدعناه لكثرة المسلمين فهو سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضية، وعلى كل فتسمية الأذان الذي زاد عثمان أو عمر أذانا أول باعتبار وجوده أولا وتسميته أذانا ثالثا باعتبار كونه مزيدا مشروعا بعد ما كان يفعل بين يدي الامام وبعد الاقامة التي تسمى أذانا أيضا وتسميته أذانا ثانيا باعتبار الأذان الذي كان يفعل بين يدى الامام فقط فالأذان المزاد في جميع الروايات واحد وهو الذي يفعل أولا عند دخول الوقت فوق المنارة اعلاما بدخوله فهو مشروع باجتهاد عثمان أو عمر وموافقة الصحابة له بالسكوت عليه وعدم انکاره فصار اجماعا على مشروعيته وهو حجة يجب العمل بها وقد سماه عمر سنة ماضية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل وجه الجمع بين رواية (ان الذي زاد هذا الأذان عثمان) ورواية (ان الذي زاده عمر) هو ان عمر زاده ولكن لم يكن بالزوراء بل أمر بفعله خارج المسجد وان عثمان أمر أن يكون ذلك الأذان على الزوراء
وهذا الوجه في الجمع أولى من غيره كما لا يخفى على المطلع
الجزء 1 · صفحة 22
وبهذا تعلم ان الأذان الذي يفعل الآن بين يدى الخطيب داخل المسجد هو المأثور المتوارث الثابت بالسنة الصحيحة وبالاجماع
وان الأذان الاول الذي يفعل عند دخول الوقت فوق المنارة خارج المسجد قبل الأذان بين يدي الخطيب هو الذي زاده عثمان أو عمر وعليه انعقد الاجماع أيضا وان لم يعرف مستنده من الكتاب والسنة وان جزمنا بإن له مستندا من أحدهما في الواقع لم نقف عليه على أنه يجوز أن يكون مستنده هو القياس علي صلاة الظهر فان صلاة الجمعة إما خلف عنه كما يقول الحنفية أو هي فرض الوقت كما تقول الشافعية والعلة على كل حال التي من أجلها شرع الأذان وهي قصد الاعلام بدخول الوقت موجودة في صلاة الجمعة بل الحاجة الى الاعلام بدخول وقتها أشد لانها لا يكرر فعلها في مسجد واحد بل قال كثير من العلماء أنها لا تتعدد في بلد واحد ولو خرج وقتها لا تقضى بل الذي يصلي هو الظهر فكانت المحافظة على فعلها في وقتها والحاجة إلى العلم بدخوله أشد مخافة أن تفوت فلا يمكن فعلها بعد ذلك ولا يمكن أن يحصل من الاذان بين يدي الخطيب تشويش على مصل لان الصلاة تكره على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه وقت الاذان المذكور وكذا على مذهب صاحبيه ومن واقفهما
الجزء 1 · صفحة 23
وفرقوا بينها وبين الكلام بأنها تمتد غالبا الى وقت الشروع في الخطبة فتكون الصلاة اذا خرج الامام من حجرته أو قام من مكانه لاداء خطبته حوما حول حمى الاخلال بسماع الخطبة فشكره لذلك وإن لم يكره الكلام المتعلق بالآخرة الا وقت الشروع بالفعل فيها لانه لا يمتد ويمكن تركه بمجرد في الشروع في الخطبة قال صلى الله عليه وسلم (أن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) فتلخص ان الصلاة تكره بمجرد خروج الامام للخطبة باتفاق الامام وصاحبيه ومن وافقهم وان اختلفوا في الكلام المتعلق بالاخرة بعد خروج الامام وقبل الشروع في الخطبة فلا وجه لما يشعر به كلام السائل من أن الاذان بين يدى الخطيب بدعة وأنه يشوش على نحو المصلى
وربما يخطر على بالك ان السائل انما يريد أن يسأل عن الاذان بين يدى الخطيب على الوجه الذي يفعله الناس اليوم من أن رجلا يؤذن بين يدي الامام أمام المنبر ورجلا آخر يؤذن فوق مكان آخر مرتفع يتعاقبان ألفاظ الآذان قلت قد علمت مما روى عن عمر أنه أمر مؤذنين يؤذنان للناس بالجمعة خارجا عن المسجد وقد جاءت أحاديث كثيرة في صحيح البخارى وغيره دالة على ان بلالا وابن أم مكتوم كانا يتعاقبان الاذان فيؤذن أحدها أولا والآخر ثانيا ولذلك اتفق العلماء على جواز أذان الاثنين وقالوا المستحب ان يؤذنا واحدا بعد واحد
وأما أذانهما معا فقد اختلفوا فيه فمنعهم فريق وقالوا ان أول من أحدثه بنو أمية وقالت الشافعية هو جائز ولا يكره الا أن يحصل منه تهويش
و قال ابن دقيق العيد وأما الزيادة على الاثنين فليس في الاحاديث تعرض اليه وقد نص الشافعى على جوازه ولفظه ولا يضيق اذا أذن أكثر من اثنين اهـ
الجزء 1 · صفحة 24
فعلم جواز الاذان بين يدي الخطيب من اثنين علي الوجه الذي يفعل الآن غاية الأمر أنهما يتعاقبان الفاظه فيأتي المؤذن بين يدى الخطيب بالتكبيرتين فيأتي بهما المؤذن الآخر ثم يأتى المؤذن بين يدى الخطيب بالتكبيرتين الأخريين فيأتى بهما المؤذن الآخر وهكذا وان كان الأفضل اذا أذن اثنان أن يؤذن الثاني عقب فراغ الأول وعلى كل حال ليس هذا الاذان هو الذي اختلف فيه العلماء لان من منع أذان الاثنين معا انما منعه لما يحصل من التهويش فيه
وهذه العلة غير موجودة في أذان الاثنين اذا تعاقبا في الفاظه وليس أذانهما هذا من قبيل أذان الاثنين معا وليس أحدهما أذانا والآخر اجابة له كما قيل لان كلا منهما لا يقصد اجابة الآخر أصلا بل كل منهما يقصد الاذان في المكان الذي يؤذن فيه ولأننا ان جعلنا الاذان هو
الذي يكون على المكان المرتفع وما وقع أمام المنبر اجابة له منع ذلك ان الذي يؤذن أمام المنبر يأتى بكلمات الاذان أولا والآخر يتبعه ويأتي بها بعده والاجابة ليست كذلك وان عكسنا منع منه أيضا كون المؤذن الآخر أرفع صوتا وأعلي مكانا والاجابة ليست كذلك وليس الاذان عند المنبر تلقينا للمؤذن الآخر لانه لا معنى لذلك فتعين ان يكون من قبيل أذان الاثنين وليس ذلك بدعة مذمومة شرعا لما علمت ان له أصلا في السنة
الجزء 1 · صفحة 25
وأما رفع المشيعين للجنازة أصواتهم بنحو قرآن أو ذكر أو قصيدة بردة أو يمانية أو غير ذلك فهو بدعة مكروهة مذمومة شرعا بلا شبهة لاسيما على الوجه الذي يفعله الناس في هذا الزمان مما يمجه الذوق السليم و يستقبحه الطبع المستقيم ولم يكن شيء منه موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم وغيرهم من السلف الصالح بل هو مما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضي لفعله فانه كان يعلمهم كل ما يتعلق بالميت من غسل وصلاة عليه وتشييعه ودفنه فلو كان رفع الصوت من المشيعين مطلوبا شرعا لفعله أو أمر بفعله وما تركه صلى الله عليه وسلم في مقام التعليم يكون تر كه سنة وفعله بدعة مذمومة شرعا كما هو الحكم في كل ما تركه صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضى لفعله على ان رفع الصوت يتنافى الحكمة المقصودة من المشى مع الجنازة من التفكر في الموت وما بعده مع أنه قد ورد النهي عن ذلك بخصوصه فقد روي أبو داود عنه صلى الله وسلم أنه قال لا تتبع الجنازة لا بصوت ولا نار
ولكن جوز بعض المتأخرين رفع الصوت بالذكر ممن يمشي مع الجنازة اذا كان ذكرا شرعيا بناء على ان علة كراهة رفع الصوت هي موافقة أهل الكتاب في رفع أصواتهم امام الجنائز وقد زالت تلك العلة لان أهل الكتاب صاروا يمشون ساكتين مع جنائزهم لا يرفعون أصواتهم فكانت مخالفتهم في رفع الصوت بالذكر المشروع فلا يكره حينئذ وتغير الحكم لتغير العلة ولا يخفى مافيه (أما أولا) فإن المشاهد في زماننا الآن بالديار المصرية ان كثيرا من أهل الكتاب يرفعون أصواتهم مع جنائزهم باناشيد برتلونها فكانت مخالفتهم في عدم رفع الصوت كما هو السنة (وأما ثانيا) فلأن العلة ليست هي ماذكر بل علة السكوت هي التفكر في الموت وما بعده (وأما ثالثا) فلأن المعول عليه في الاحكام الشرعية هو النص في المنصوص عليه وان زالت العلة لان النص هو الذي أثبت الحكم فيها نص عليه فيه
الجزء 1 · صفحة 26
والعلة حكمة فقط لا يشترط بقاؤها في المنصوص عليه لبقاء الحكم وليس هذا الحكم من الاحكام التي بناها الشارع على العرف وأناطها به حتى يختلف باختلاف عرف الناس وعوائدهم ولو كان الامر كما يقول ذلك البعض وان الحكم تغير بتغير العلة لكان عدم رفع الصوت مكروها مع الجنازة ولا قائل به بل الكلام في جواز رفع الصوت وعدم جوازه فقط وقد علمت ان الحق عدم الجواز
وأما ما يفعل في زماننا أمام الجنائز من الأغاني والاناشيد ورفع الصوت بنحو البردة واليمانية وغيرهما مع تغيير في الصوت وتمطيط الكلمات وتغيير للحروف وغير ذلك مما تفعل في هذا الزمان فهذا مما لم يقل بجوازه أحد من العلماء بل هو منكر قطعا وكذا ما يفعل من المشي بالمباخر ومشي العساكر رجالا وفرسانا وحمل الجنازة على غير أعناق الرجال كل ذلك من البدع التي لا يقول أحد من العلماء بجوازها
وعلى كل حال فالصواب الاحتياط والعمل بالسنة وما عليه السلف الصالح ويكفي في ذلك أنه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه،
وأما العرف الحادث من الناس فلا عبرة به فى مثل هذا اذا خالف النص بل بعض العلماء لم يعتبره أصلا حتي فيما يتغير بتغير العرف اذا خالف النص لأن التعارف انما يصح دليلا على الجواز اذا كان عاما من عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجتهدين لأنه حينئذ يلحق بالاجماع فيكون حجة كما صرحوا به وما تعارفه الناس من رفع الصوت مع الجنازة ليس كذلك فلا يصلح تعارفهم له دليلا على جوازه وكذا ما تعارفوه من التغنى ورفع الاصوات بالترضى عن الاصحاب رضى الله عنهم وغير ذلك مما ترفع به الاصوات وقت الخطبة فان كل ذلك ممنوع وبدعة مذمومة شرعا اتفاقا يثاب من منعه أو أمر بمنعه واذا كانت قراءة القرآن والذكر وما شاكل ذلك ممنوعا وقت الخطبة فكيف بغير ذلك مما اعتاده الناس اليوم
الجزء 1 · صفحة 27
أما فعل شئ مما علم شرعا أنه بدعة مذمومة شرعا في المواضع التي يجتمع فيها العلماء كالجامع الأزهر ونحوه وسكوتهم على ذلك فلا يصلح دليلا على الجواز لان المعول عليه في الاحكام الشرعية هو ما ذكرنا من الادلة الاربعة وكل مجتهد و عالم محجوج بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا حجة الا في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
واما قول بعض الناس اتركونا من السنة واهلها الى آخر ماذكره السائل من الاقوال فهو سوء أدب فقط يؤدب ويعزر عليه قائله بما يردعه عن مثل هذه المقالة ولا ينبغي أن يصدر شي من تلك الاقوال من كامل الاسلام قال تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقال أيضا (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ولا يمكن القول علي وجه القطع بان شيئا من تلك الاقوال كفر مع احتمال أن يكون القائل متأولا كأن يريد ذلك القائل خصوص السنة التي دعى لها لانه لا يعتقدها سنة ويعتقد أن من دعاه اليها مخطئ في زعمه انها سنة
الجزء 1 · صفحة 28
نعم إذا كان القائل قال شيئا مما ذكر مستخفا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونها سنته صلى الله عليه وسلم فانه يكفر بلا شك والعياذ بالله تعالى كما يكفر من لم يرض بسنة رسول الله أوسخر بها مع علمه أنها سنته عليه الصلاة والسلام وبالجملة فاللازم على كل مسلم ترك مثل هذه الالفاظ التي نسبت للقائلين في هذا السؤال وأمثالها مما يخل بالأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يجب على كل مسلم أن يطيع أمره ونهيه ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ولا يليق بمسلم في وقت المحاجة والجدال أو فى غيره أن يستفزه الغضب والتعصب لرأيه حتى يقول مثل هذا القول الذي قد يجره من حيث لا يشعر الي الردة والكفر عنادا بقصد غلبة خصمه على أن المحاجة لغير احقاق الحق أو بقصد الغلبة على المخالف مطلقا محرمة وان لم تشتمل على تلك الالفاظ فالواجب على المسلم المتخلق بأخلاق الاسلام أن يملك نفسه عند الغضب وان يكون أمره بالمعروف أمر آمعروف ولا يكون نهيه عن المنكر منكرا وأن يجادل مخالفه بالدليل والحجة لطلب الحق فقط اذا استطاع المجادلة لذلك والا فليسكت ولا يجادل ويأخذ فيما يعمل بقول عالم فطن ثقة لماروى (اذا تكلم أحدكم فليقل خيرا أو ليصمت) ولا خير في مثل هذه الكلمات خصوصا اذا وقعت في مقابلة من دعاء الى اتباع السنة بناء علي اعتقاده ذلك وان كان مخطئا في الواقع فالواجب رده بالتي هي أحسن وبيان خطه فقط لأنه في دعائه لما دعى اليه حسن القصد فعلى من دعاه غيره الى اتباع السنة في زعم الداعى وهو يعلم علما ناشئا من دليل انما دعى الى العمل به ليس هو السنة على مقتضى الدليل الذي وصل اليه وان السنة على مقتضي هذا الدليل خلاف مادعى للعمل به أن يرد مخالفه ردا جميلا وليقتصر على ذلك فقط ولا يقول لا أفعل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وان جاء وأمرنا بفعلها الى آخر الاقوال التي نسبت في هذا السؤال الى قائليها مالا يليق أن يصدر من مسلم متأدب بآداب
الجزء 1 · صفحة 29
الشريعة الغراء ومتحل بمكارم الاخلاق فليستغفر ربه قائلها وليستغفر من دعاه لفعل ما زعمه سنة ان كانت دعوته حملت الناس على من تلك المقالة فان ذلك مخل بآداب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأما حكم التبليغ خلف الامام اذا كان الامام يسمع المأمومين فهو المنع وعدم الجواز عن الأئمة الاربعة فانهم منعوا ذلك إلا عند الحاجة إليه
والاصل فيه ماجاء في صحيح البخارى وغيره في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض مرضه الذي مات فيه أن أبا بكر تقدم للصلاة للناس فلما أحس به صلى الله عليه وسلم تأخر مجلس صلى الله عليه وسلم إلى يساره وكان أبو بكر يسمع الناس تكبير النبي صلى الله عليه وسلم
وأما زيادة الصلاة والسلام عقب الأذان عليه صلى الله عليه وسلم فاعلم ان زيادة السلام أحدثت عقب أذان العشاء الأخيرة في ربيع الآخر سنة احدى وثمانين وسبعمائة هجريه ليلة الاثنين وليلة الجمعة ثم في سنة احدى وتسعين وسبعمائة احدث الطنبدى المحتسب زيادة الصلاة عقب كل أذان عليه صلى الله عليه وسلم الا في المغرب لضيق وقتها
ثم استمر العمل على زيادتهما بعد كل أذان في جميع الاوقات الا في المغرب لما ذكر وفي الصبح للمحافظة على فضل التغليس بها على قول عملا بالاحاديث الواردة في ذلك ولا يلزم من ذلك فعلها بدعة مذمومة شرعا بل فعلهما كذلك سنة حينئذ لدخوله تحت الأمر في قوله تعالى (ياأيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) فان الأمر في هذه الاية مطلق وهو قطعي الدلالة قطعي الثبوت فيفيد الفرضية لكن لاطلاقه تحقق امتثاله بمرة ولا يقتضي التكرار
واما مازاد عليها فهو سنة لأنه داخل تحت الأمر أيضا ومن جزئيات المأمور به
الجزء 1 · صفحة 30
ولا فرق في ذلك بين السر والجهر وبين مكان ومكان وزمان وزمان وبين ان يكون عقب الاذان أولا فان كل ذلك داخل تحت الأمر المطلق في الآية ومن جزئيات المأمور به فانه لم يقيد الأمر فيها بحال دون حال أو مكان دون مكان أوزمان دون زمان والموصول والمنادي فيها عام يعم جميع المكلفين فالضمير العائد عليه في الامر كذلك ولدخول فعلها أيضا تحت الامر في قوله صلي الله عليه وسلم اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا وسلموا على الى آخر الحديث وهو حديث صحيح والامر فيه أيضا مطلق علي وجه ما تقدم وكما يدخل فيه غير المؤذن يدخل المؤذن وكان مأمورا كغيره ممن يسمعه بفعلهما عقب الاذان بلا فرق بين أن يكون مع رفع صوت وان يكون بدونه و على المنارة وغيرها ولا يلزم من عدم فعلهما في زمنه صلى الله عليه وسلم أن يكون فعلها بدعة مذمومة شرعا لان السنة كما تثبت بفعله تثبت بقوله وفعلها داخل تحت الامر القولى من الكتاب والسنة كما علمت
ولذا قال ابن الاثير البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلالة
ثم عرف بدعة الضلالة المذمومة بأنها المخالفة للشرع المنافية له وعرف بدعة الهدى بأنها التي وقعت في عموم ما طلبه الله ورسوله أو التي لم تكن مخالفة له وليس لها مثال سابق كنوع من الجود والثناء لم يكن في الصدر الأول
ثم قال لا يجوز ان نعتقد بدعة الهدى ضلالة مخالفة للشرع لان الشارع سماها سنة ووعد فاعلها أجرا فقال صلى الله عليه وسلم من سن في الاسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شي اهـ
الجزء 1 · صفحة 31
وأما حكم النداء المسمى بالأولى والثانية يوم الجمعة قبل دخول وقتها فهو من قبيل التنبيه على قرب دخول الوقت وكثيرا ما يتوقف التبكير المطلوب والاستعداد للجمعة عليه وقد أحدث لكثرة شواغل الناس وغفلتهم عن صلاة الجمعة واشتدت حاجة الناس الى ذلك لأنها لا تكرر في مسجد واحد اتفاقا والجماعة شرط صحتها بل قال بعض الأئمة بعدم جواز فعلها في مسجدين في بلد واحد فان فعلت فيهما كانت الجمعة الصحيحة لمن سبق ولأنها اذا فاتت مع الجماعة أو بخروج وقتها لا تقضى اجماعا لا بالانفراد ولا بجماعة بل يصلي الظهر فكانت حاجة الناس الى التذكير بقرب دخول وقتها أشد من حاجتهم لذلك في وقت الفجر لأن صلاة الفجر تكرر بالجماعة وبالانفراد في مسجد واحد وفي مساجد في بلد واحد وتقضى لو خرج وقتها بالجماعة والانفراد ومع ذلك فلكون وقتها وقت غفلة وقد حض الشارع على صلاتها بجماعة فقال لو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوها ولو حبوا) شرع النداء قبل دخول وقتها اتفاقات وانما اختلف العلماء في أن ذلك النداء كان للصلاة وبألفاظ الاذان أو هو بالفاظ الأذان ولكن لم يكن للصلاة بل كان لايقاظ النائم ورجع القائم والغائب أو أنه لم يكن للصلاة بل كان لما ذكر ولم يكن بألفاظ الاذان المعروف بل تذكيرا بالفاظ أخرى كالمتعارف اليوم مع اتفاق الجميع على وروده وفعله في زمنه صلى الله عليه وسلم فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومن وافقهم الى الاول محتجين بما في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عمر وعائشة رضى الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم قال ان بلالا يؤذن أو ينادى بليل فكلوا واشربوا وجاء في حديث ابن عمر حتى ينادي ابن أم مكتوم وفي حديث عائشة حتى يؤذن بن أم مكتوم
الجزء 1 · صفحة 32
وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر والثوري لا يجوز أن يؤذن الفجر الا بعد دخول وقته كما لا يجوز لسائر الصلوات الا بعد دخول وقتها لان الاذان انما شرع للاعلام بدخول الوقت ففعله قبل دخوله تلبيس على الناس وتجهيل وليس باعلام فلا يجوز وأذان بلال الذي كان بليل قبل دخول الوقت لم يكن لاجل الصلاة وانما كان ليتنبه النائم ويتسحر الصائم ويرجع الغائب والقائم وقد نص على ان العلة هى ماذكر فيما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره) فانه ينادى، أو يؤذن ليرجع غائبكم وليتنبه نائمكم وفي رواية وهي المشهورة ليرجع قائمكم ومعنى رجع القائم رجعه عن قيامه ليلا بان يستعجل بقية ورده وتهجده ويأتى بوتره قبل طلوع الفجر ومتى كانت العلة منصوصة وجب ان تكون هي العله
الجزء 1 · صفحة 33
قال عياض ان التعليل بما ذكر بعيد لان هذا الحكم لا يختص بشهر رمضان لان العمل منقول فيه وفي سائر الحول بالمدينة ولذلك رجع اليه أبو يوسف حين تحققه ولأنه لو كان لتلك العلة لم يختص بصورة الاذان وألفاظه المخصوصة فلم يكن القصد من ذكر تلك العلة تعليل الحكم بها وانما قصد الاخبار عن عادة بلال في أذانه فقد خرجت العلة المذكورة مخرج العادة فلا تصلح أن تكون علة الحكم قال الحنفية ومن وافقهم اننا قاتلون أيضا بان هذا الاذان لا يختص بشهر رمضان كما ان الصوم والسحور وقيام الليل لا تختص بشهر رمضان فالحاجة لا يقاظ النائم وسحور الصائم الغائب أو القائم كما هي متحققة في رمضان متحققة في سائر الحول بل الحاجة الى ماذكر في غير رمضان أشد منها في رمضان لان من يحيى ليالي رمضان من المؤمنين أكثر ممن يحيى ليالى غيره ولو كان أذان بلال قبل دخول الوقت لاجل الصلاة لاكتفى به في سنة الأذان والكل متفقون على عدم الاكتفاء به وعلى أنه لابد من أذان آخر للصلاة عند دخول الوقت ولم يشرع لغير صلاة الفجر اذانان أحدهما قبل دخول الوقت والثاني عند دخوله فكانت صلاة الفجر كذلك فتبين ان تلك العلة لم تكن خارجة مخرج العادة وانها العلة في أذان بلال
ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ان بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا ان العبد قد نام فرجع فنادى ألا ان العبد قد نام ولا يرتفع التنافي بين حديثى ابن عمر وعائشة السابقين وبين حديث حماد هذا الا بحمل حديثى ابن عمر و عائشة على ان أذان بلال لم يكن للفجر بل كان للعلة المذكورة في حديث ابن مسعود المتقدم وحمل حديث حماد على ان أذان بلال في هذه المرة كان قبل الوقت للفجر فلذلك أمره أن ينادي ألا ان العبد قد نام مخافة أن يقع الناس في التلبيس والتجهيل
الجزء 1 · صفحة 34
وأما قول الترمذى ان حديث حماد غير محفوظ فقال فيه العيني انه غير صحيح وأنه تأيد بما رواه سعيد بن عروبة عن قتادة عن أنس أن بلالا قد أذن قبل الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي ان العبد نام رواه الدارقطني
ثم قال تفرد به أبو يوسف عن سعيد وغيره أرسله والمرسل أصح وقول الدارقطني هذا لا يضر بصحة الحديث فان أبا يوسف ثقة وثقة أهل الشأن في ذلك والرفع من الثقة زيادة مقبولة ولذلك قال الدارقطني والمرسل أصح فأفاد أن المرفوع صحيح أيضا والمرسل أصح لانه لم يتفرد به واحد عن سعيد كما تفرد أبو بوسف على أن المرسل حجة أيضا عند الحنفية وتأيد حديث حماد أيضا محديث حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا أذن المؤذن للفجر قام فصلى ركعتي الفجر ثم خرج الى المسجد وحرم الطعام وكان لا يؤذن حتي يصبح رواه الطحاوي والبيهقي
فهذه حفصة تخبر بأنهم كانوا لا يؤذنون للصلاة الا بعد طلوع الفجر فتبين ان أذان الصلاة كان بعد دخول الوقت وانما كان قبل دخوله لم يكن لها فان قلت قال البيهقى ان هذا الحديث ان صح محمول على الأذان الثاني وقال الأثرم رواه الناس عن نافع عن ابن عمر عن حفصة ولم يذكروا فيه ماذكره عبد الكريم يعنى من الزيادة التي تدل على أنهم ما كانوا يؤذنون للصلاة الا بعد دخول الوقت قلت قال العينى الحديث في ذاته صحيح وماقاله البيهقى تأويل لا داعى اليه الا رد الحديث للمذهب وماقاله الاثرم لا يقدح في صحة الحديث فان عبد الكريم الجزري ثفة أخرج له الجماعة وغيرهم فمن كان بهذه المتانة لا ينكر عليه اذا ذكر مالم يذكره غيره اهـ
الجزء 1 · صفحة 35
وأما ما قيل من أن اذان بلال قبل الوقت لوكان للعلة المذكورة في حديث ابن مسعود لم يختص بصورة الأذان والفاظه المخصوصة فقد أجاب عنه الحنفية ومن وافقهم ففريق منهم ذهب في جوابه الى أن أذان بلال لم يكن بصورة الأذان ولا بالفاظه المخصوصة وهو ما حكاه السروجي عن بعض الحنفية وهؤلاء لم يسلموا أن نداء بلال قبل الوقت كان بصورة الأذان وبالفاظه المخصوصة وقالوا ان ذلك النداء كان تذكيرا أو تسحيرا بالفاظ أخرى كما هو الواقع من الناس اليوم واستدلوا على ذلك بأنه جاء في بعض الفاظ الحديث أن بلالا كان ينادي بليل واعترض عليه ابن الأثير في شرح المسند بأن جميع الطرق قد تضافرت على التعبير بلفظ الأذان فحمله على معناه الشرعى مقدم على حمله على معناه اللغوى فمايفعله الناس اليوم محدث قطعا واعترضه الكرماني أيضا بان للشافعية أن يقولوا ان رواية أنه كان ينادى معارضة برواية أنه كان يؤذن والترجيح لان كل أذان شرعا نداء ولاعكس فالعمل برواية يؤذن عمل بالروايتين وجمع بين الدليلين والعكس ليس كذلك
الجزء 1 · صفحة 36
وقد أجاب العيني عن الاعتراضين بان لفظ الاذان يتناول معناه اللغوى والشرعى أى يحتملهما وقد قام الدليل من قبل الشارع على ان المراد من أذان بلال معناه اللغوى لا الشرعي وهو أذان ابن أم مكتوم عند دخول الوقت اذ لو لم يكن كذلك وكان كل منها بالفاظ الأذان المخصوصة وبصورته لم يكن بينهما فرق ولكن رأينا الشارع نفسه فرق بينهما وقال ان أذان بلال لإيقاظ النائم ورجع الغائب أو القائم وقال لهم لا يمنعن أحدكم أذان بلال وجعل أذان ابن أم مكتوم هو الاصل وانه للصلاة ولم يكتف بأذان بلال وأيضا حديث حماد المتقدم يفيد الفرق وان بلالا حين ما أذن بالفاظ الاذان الشرعي وبصورته قبل الوقت وخاف النبي صلى الله عليه وسلم التلبيس والتجهيل على الناس أمر صلى الله عليه وسلم بلالا أن يرجع وينادى ألا إن العبد قد نام وحين ما كان يؤذن أو ينادي قبل الوقت بغير الفاظ الأذان الشرعى وبغير صورته لم يأمره بما ذكر فدل ذلك على الفرق وان ما كان يصدر من بلال قبل الوقت وأقره صلى الله عليه وسلم لم يكن بالفاظ الأذان الشرعى ولا بصورته الا في المرة التى أمره فيها صلى الله عليه وسلم أن يرجع وينادى ألا إن العبد قد نام والا لما اقتصر على أمره بما ذكر في هذه المرة وماقاله ابن الاثير من أن الطرق تضافرت على التعبير بلفظ كان يؤذن لا ينافي ولا يصادم ما قلنا لما علمت من قيام الدليل على ان المراد من الاذان معناه اللغوي ومحل قولهم ان حمل اللفط في كلام الشارع على معناه الشرعي مقدم على حمله علي معناه اللغوى عند عدم قيام الدليل على حمله على المعنى اللغوى وأما ما قاله الكرماني من أن رواية انه كان ينادي معارضة برواية انه كان يؤذن الى آخره فقير مسلم لان كلا من لفظ النداء ولفط الاذان برجعان في الحقيقة الى معني واحد وهو الاعلام ويحتمل كل منهما أن يكون المراد معناه اللغوى والشرعى ويقدم الحمل في كلام الشارع على المعنى الشرعى الا عند قيام الدليل على حمله
الجزء 1 · صفحة 37
على المعني اللغوي وقد علمت قيام الدليل على ان المعنى الشرعي غير مراد سواء كانت الرواية بلفظ أنه كان ينادي أو بلفظ انه كان يؤذن على أن لفظ الأذان معناه شرعا هو الاعلام بدخول وقت الصلاة بالالفاظ المخصوصة والصورة المخصوصة وأذان بلال لا يصدق على هذا المعنى لانه لم يكن اعلاما بدخول الوقت اتفاقا وأما ما قاله الكرماني من أن معنى الاذان شرعا هو الاعلام الاعم من أن يكون اعلاما بدخول الوقت أو اعلاما بقرب دخوله فهو مردود لانه لو كان كما قال لاكتفى به ولم يعد الاذان عند دخول الوقت ولجاز الاذان قريب الوقت لكل صلاة قبل دخول وقتها ولا قائل بذلك على أن فيه اعترافا بانه كان الاعلام بقرب دخول وقت الصلاة وانه لم يكن للصلاة لانه لو كان لها لجازت الصلاة قريب الوقت قبل دخوله اهـ
بايضاح وفريق آخر من الحنفية ذهب في جوابه إلى أن أذان بلال قبل الوقت كان بألفاظ الاذان الشرعي وبصورته لكنه لم يكن للصلاة وانما كان للعلة المذكورة في حديث ابن مسعود مستدلين على أنه كان بالفاظ الاذان الشرعى و بصورته بما استدل به الشافعية على ذلك كما سبق وعلى أنه كان العملة المذكورة في حديث ابن مسعود بما تقدم أيضا من أنه لو كان للصلاة لا كتفى به ولم يعد الاذان عند دخول الوقت.
واعترض الكرماني على هذا أيضا بان للشافعية أن يقولوا المقصود بيان وقوع الاذان بالالفاظ المخصوصة والصورة المخصوصة قبل دخول وقت الفجر وتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم له
الجزء 1 · صفحة 38
واما أنه للصلاة أو لفرض آخر فذلك بحث آخر وأجاب عنه العيني بما حاصله أن كون نداء بلال كان العلة المذكورة هو المصرح به في كلام الشارع كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الصحيح وقول الكرماني أن المقصود بيان وقوع الاذان قبل طلوع الفجر غير مفيد لان هذا مما لا نزاع فيه لاحد من العلماء بل الكل متفقون على وقوعه قبل الفجر وعلى عدم الاكتفاء به لصلاة الصبح وعلى أنه لابد في أداء سنة الاذان للصلاة من أذان آخر عند دخول الوقت
الجزء 1 · صفحة 39
وانما الخلاف بين العلماء في أن اذان بلال الذى وقع قبل الفجر كان بالفاظ الاذان الشرعي وبصورته وانه كان للصلاة وهو سنة لها كالاذان الثانى عند دخول الوقت بذلك قال فريق منهم مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف أو كان بألفاظ الاذان الشرعى و بصورته ولكنه لم يكن لصلاة الصبح ولا هو سنة لها بل هو للعلة المذكورة في حديث ابن مسعود فهو الفرض آخر غير الصلاة بذلك قال الطحاوى ومن وافقه من الحنفية أو ان اذان بلال المذكور لم يكن بألفاظ الاذان الشرعى ولا بصورته ولم يكن للصلاة أيضا بل كان تذكيرا بألفاظ أخرى غير ما ذكر للعملة المذكورة في حديث ابن مسعود بذلك قال بعض آخر كما حكاه السروجي فالذين قالوا انه كان بألفاظ الاذان الشرعي وصورته وأنه للصلاة لا يسلمون أنه لغرض آخر غيرها والذين يقولون انه كان بألفاظ الاذان وصورته ولكن لم يكن للصلاة يسلمون وقوع الأذان الشرعي قبل الوقت ولكن لا يسلمون أنه كان للصلاة وانه صلى الله عليه وسلم أقره على انه لها وانما أقره على أنه للعلة التي رواها ابن مسعود في حديثه عنه صلي الله عليه وسلم والذين قالوا انه لم يكن بألفاظ الاذان الشرعى ولا بصورته ولاهو للصلاة لا يسلمون انه كان بالفاظ الاذان الشرعى وبصورته وأنه كان للصلاة ولا انه صلى الله عليه وسلم أقر وقوعه على الوجه الذى ادعاه الكرماني فقول الكرماني حينئذ وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم له لا يسلمه الفريق المخالف على الوجه الذي أراده الكرماني ويقولون ان تقريره صلى الله عليه وسلم لمجرد وقوع ذلك قبل الوقت لا يفيد لان هذا القدر متفق عليه وليس موضع النزاع لأحد
الجزء 1 · صفحة 40
من هذا الذي وضحناه لك تعلم أنه لاخلاف لأحد من الأئمة في وقوع ذلك النداء من بلال قبل الوقت وأنه إما بالالفاظ المخصوصة وهو للصلاة أو بتلك الالفاظ وهو لغير الصلاة أو أنه لم يكن بتلك الالفاظ ولا للصلاة ولا شك ان الحامل على وقوعة على كل حال قبل الوقت انما هو ما قلنا ان وقت الفجر وقت غفلة ووقت ميل شديد الى النوم والكسل وقد حض الشارع على صلاة الفجر بجماعة وكان تقديم ذلك الاذان على دخول الوقت سواء كان للصلاة أولم يكن كان بالفاظ الأذان الشرعى وصورته أولم يكن لحاجة الناس اليه وتبكيرهم للصلاة ولا شك ان وقت صلاة الجمعة في هذا الزمان قد ضار وقت غفلة واشتغال الناس بمتاجرهم وأعمالهم فكانت حاجة الناس اليوم الى مثل هذا النداء وتقديمه على وقتها أشد من حاجتهم الى ذلك قبل وقت الفجر كما أوضحناه من قبل وانما لم يقع مثل هذا النداء في زمنه صلى الله عليه وسلم ولا زمن اصحابه ولا زمن السلف الصالح لعدم الحاجة اليه فانهم كانوا في تلك القرون يبكرون الى صلاة الجمعة ويتركون كل عمل لاجلها بل كانوا يسارعون في كل خير فلم تكن حاجة في تلك القرون الى هذا النداء قبل وقتها ألا ترى إلى ما كان في القرون الأولى من أن الخلفاء والملوك والولاة هم الذين كانوا في صلاة الجمعة يؤمون الناس والى ما كان فى هذا الزمان والازمنة الوسطي من تقاعد الناس عن الجمعات والجماعات كما هو مشاهد وكما حض الشارع على صلاة الفجر بجماعة حض أيضا على صلاة الجمعة بل ان التحريض على ذلك فيها أشد كما يعلم من الاحاديث الواردة في ذلك.
الجزء 1 · صفحة 41
ومن هذا كله تعلم ان النداء المسمى بالاولى والثانية يوم الجمعة قبل دخول وقتها له أصل في السنة يرجع اليه ويقاس عليه ويؤخذ منه حكمه فهو مأخوذ من القياس الصحيح ولو كان كل ما يؤخذ بطريق القياس الصحيح من الاحكام بدعة مذمومة شرعا لكان ثلاثة أرباع الاحكام الشرعية فيما حدث بعد زمنه صلى الله عليه وسلم من الحوادث من البدع المذمومة وربما يخطر على بالك ان ذلك النداء بالفاظه المتعارفة بدعة قلنا ان الفاظه المتعارفة هي دعاء مشروع وصلاة وتسليم على النبي صلي عليه وسلم وكل ذلك داخل تحت الاوامر العامة من الكتاب والسنة الطالبة لذلك، وهذا كاف في أن النداء على الوجه المتعارف في هذا الزمان قبل دخول وقت الجمعة لم يكن بدعة مذمومة بل هو بدعة حسنة
الجزء 1 · صفحة 42
ومما أحدث وكثر السؤال عنه الموالد فنقول ان أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون وأولهم المعز لدين الله توجه من المغرب الى مصر في شوال سنة 361 احدى وستين وثلاثمائة هجرية فوصل الى ثغر سكندرية في شعبان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ودخل القاهرة لسبع خلون من شهر رمضان في تلك السنة فابتدعوا سنة موالد المولد النبوي ومولد أمير المؤمنين على بن أبي طالب ومولد السيدة فاطمة الزهراء ومولد الحسن ومولد الحسين ومولد الخليفة الحاضر وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الافضل ابن أمير الجيوش وكان أبوه أمير الجيوش قد قدم من الشام الى مصر في خلافة المستنصر بالله بناء على دعوة منه فدخل مصر في عشية الاربعاء لليلتين خلتا من جمادى الاولى سنة 465 خمس وستين وأربعمائة فلما توجه لمحاربة أهل الشام استناب ولده الأفضل وفي ربيع الآخر أو فى جمادى الاولي سنة سبع وثمانين وأربعمائة مات أمير الجيوش فاقام الجند ولده الأفضل مقامه ثم مات المستنصر بالله لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة 487 سبع وثمانين وأربعمائة ومدة خلافته ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام فاقام الافضل بعد المستنصر ابنه المستعملي بالله ثم مات المستعلى في ليلة ثلاث عشرة بقيت من صفر سنة 495 خمس وتسمين وأربعمائة ومدة خلافته سبع سنين وشهران فاقام الافضل بعده في يوم موته ابنه الأمر باحكام الله ثم قتل الأفضل ليلة عيد الفطر من سنة 515 خمس عشرة وخمسمائة ثم قتل الآمر باحكام الله في سنة 524 خمسمائة واربعة وعشرين وفي خلافته أعاد الموالد الستة المذكورة بعد ان أبطلها الأفضل وكاد الناس ينسونه وكان الخليفة يجلس في هذه الموالد في تواريخ مختلفة ويكون جلوسه كما فى الخطط للمقريزى نقلا عن ابن الطوير في المنظرة التي هي أنزل المناظر وأقرب الى الارض ففي المولد النبوى اذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأول يعمل في دار الفطرة عشرون قنطارا من اليابس حلوى يابسة وتعبي
الجزء 1 · صفحة 43
في ثلاثمائة صينية من النحاس فتفرق تلك الصواني على أرباب الرسوم من ذوى الرتب من أول النهار الى ظهره فأولهم قاضي القضاة ثم داعى الدعاة وقراء حضرة الخليفة والخطباء والمتصدرون بالجوامع فاذا صلى الظهر ركب قاضي القضاة والشهود باجمعم الى الجامع الازهر ومعهم أرباب تفرقة الصواني فيجلسون فيه مدة ثم يستدعى قاضي القضاة ومن معه بالازهر فيركبون وقد كنست الطريق ورشت بالماء رشا خفيفا وفرش ما تحت المنظارة بالرمل الاصفر ثم يستدعى صاحب الباب من دار الوزارة كل ذلك ووالى مصر يغدو ويروح لحفظ ذلك اليوم من الازدحام على نظر الخليفة فيقرب جميع المدعوين من المنظرة ويترجلون قبل الوصول اليها بخطوات فيجتمعون تحتها دون الساعة الزمانية لا نتظار الخليفة فتفتح احدى طاقات المنظرة فيظهر منها وجهه وما عليه من المنديل وفوق رأسه عدة رجال يسمون بالاستاذين وغيرهم من الخواص ويفتح بعض الاستاذين طاقة أخرى ويخرج منها رأسه ويده فى كمه ويشير به قائلا أمير المؤمنين يرد عليكم السلام فيبدأ بقاضي القضاة أولا فيسلم عليه بنعوته ثم بعده صاحب الباب ثم بالجماعة الباقية جملة جملة من غير تعيين واحد فيستفتح قراء الحضرة بالقراءة ويكونون وقوفا في الصدر وجوههم للحاضرين وظهورهم الى حائط المنظرة فيتقدم خطيب الجامع الأنور المعروف بجامع الحاكم فيخطب كما يخطب فوق المنبر الى أن يصل الى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول ان هذا اليوم يوم مولده صلى الله عليه وسلم إلى ما من الله به
الجزء 1 · صفحة 44
على ملة الاسلام من رسالته ثم يختم كلامه بالدعاء للخليفة ثم يتقدم خطيب الجامع الأزهر فيخطب كذلك ثم خطيب الجامع الأقمر فيخطب كذلك والقراء في خلال خطب الخطباء يقرؤن فاذا انتهت الخطب أخرج الاستاذ رأسه ويده فى كمه من طاقته ورد على الجماعة السلام ثم تغلق الطاقتان فينفض الناس ويجري أمر الموالد الخمسة الباقية على هذا النظام الى حين فراغها من غير زيادة ولا نقص الا فيما يتعلق بصاحب المولد في الخطب فانه يكون في كل مولد بما يناسب صاحبه اهـ
وقد استمر عمل الموالد الى الآن غير ان الناس تركوا بعض الموالد الخمسة وزادوا موالد أخرى حتى كادت الموالد الآن لا تحصى وزادوا على ما كان يعمل فيها زمن الفاطميين أشياء ونقصوا أشياء وزادوا في أيامها
وقد قدمنا لك شيئا مما يتعلق بالمولد النبوي ونزيد الآن ان أبا شامة من أئمة الشافعية قال ومن أحسن البدع ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات واظهار السرور والزينة فان ذلك مع ما فيه من الاحسان للفقراء مشعر بمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته فى قلب فاعل ذلك وشكر الله على النعمة المحمدية
وقال السيوطي ان أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الاخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سياط يأكلون وينصرفون من غير زيادة على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب علها صاحبها لما فيه من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف
الجزء 1 · صفحة 45
ثم قال ان أول من أحدث فعل ذلك الملك المظفر صاحب أربل وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية وقد ألف له الحافظ أبو الخطاب بن دحية كتابا سماه التنوير في مولد البشير النذير ثم قال ان الشيخ عمر اللخمي من علماء المالكية ألف كتابا وفيه قال ان عمل المولد بدعة مذمومة ثم سرده برمته ورده بما رآه ثم قال ان الحافظ ابن حجر آيضا قال ان أصل المولد بدعة لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة واسكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة ومن لا فلا
قال وقد ظهر في تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجي فيه موسى فنحن نصومه شكرا الله تعالى فصامه صلى الله عليه وسلم ع عليه وسلم وأمر بصيامه فيستفاد من ذلك فعل الشكر الله تعالى على ما من الله في يوم معين من اسداء نعمة ودفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر الله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة وأي أنعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الذي هو نبي الرحمة في ذلك وعلى ذلك ينبغي أن يتحري اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسي في يوم عاشوراء ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالى في عمل المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قوم ففعلوه في أي يوم من السنة وفيه مافيه
هذا ما يتعلق باصل عمله.
الجزء 1 · صفحة 46
وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والصيام والصدقة وانشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب الى فعل الخير والعمل للآخرة» وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي ان يقال فيه ما كان من ذلك مباحا بحيث يتعين للمسرور بذلك اليوم لا بأس - بالحاقه به وما كان حراما أو مكروها فيمنع ذلك وكذا ما كان خلاف الاولي اهـ
الجزء 1 · صفحة 47
وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابا سماه حسن المقصد في عمل المولد وقد أطال في الاحتجاج فيه على كونه محموداً مثابا عليه بشرطه والرد على من خالف في ذلك وأقول ان الملك المظفر صاحب أربل الذي قال السيوطى انه أول من أحدث فعل ذلك هو أبو سعيد كوكبوري ابن أبي الحسن على ابن بكتكين بن محمد الملقب بالملك الاعظم مظفر الدين صاحب أربل تولى بعد وفاة أبيه الملقب بزين الدين في عشر ذي القعدة سنة خمسمائة وثلاثة وستين وكان عمره أربع عشرة سنة وهو أول من أحدث عمل المولد بمدينة أربل على الكيفية الآتي ذكرها قال ابن خلكان في ترجمة الملك المظفر المذكور وأما احتفاله بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فان الوصف يقصر عن الاحاطة به لكن تذكر طرفا منه وهو أن أهل البلاد كانوا يسمعون بحسن اعتقاده فيه وكان في كل سنة يصل اليه من البلاد القريبة من أربل مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحى خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء ولا يزالون يتواصلون من المحرم الى أوائل شهر ربيع الأول ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب كل قبة أربع أو خمس طبقات ويعمل مقدار عشرين قبة وأكثره منها قبة له والباقي الأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة فاذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة وقعد في كل طبقة جوق من الأغانى وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي ولم يتركوا طبقة من تلك الطباق حتى رتبوا فيها جوقا وتبطل معايش الناس في تلك المدة وما يبقى لهم شغل الا التفرج والدوران عليهم وكانت القباب منصوبة من باب القلعة الى باب الخانقاه المجاورة للميدان فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر ويقف على كل قبة قبة الى آخرها ويسمع غناءهم ويتفرج على خيالاتهم وما يفعلونه في القباب ويبيت في الخانقاه ويعمل السماع فيها ويركب عقيب صلاة الصبح يتصيد ثم يرجع الى القلعة قبل الظهر هكذا يعمل كل يوم الى ليلة
الجزء 1 · صفحة 48
المولد وكان يعمله سنة في ثامن الشهر وسنة في ثانى عشره لأجل الاختلاف الذي فيه فاذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الابل والبقر والغنم شيئا كثيرا زائدا عن الوصف وزفها بجميع ماعنده من الطبول والأغاني والملاهي حتي يأتي بها إلى الميدان ثم يشرعون في نحرها وينصبون القدور ويطبخون الالوان المختلفة فاذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد ان يصلي المغرب في القامة ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيء كثير وفي جملتها شمعتان أو أربع (أشك في ذلك) من الشموع الموكيبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل ومن ورائها رجل يسندها وهى مربوطة على ظهر البغل حتى ينتهى الى الخانقاه فاذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القامة إلى الخانقاه على أيدى الصوفية على يد كل شخص منهم بقجة وهم متتابعون كل واحد وراء الآخر فينزل من ذلك شيء كثير لم اتحقق عدده ثم ينزل الى الخانقاه وتجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس وينصب كرسي للوعاظ وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له شبابيك الى الموضع الذي فيه الناس والكرسي وشبابيك أخرى للبرج أيضا الى الميدان وهو ميدان كبير في غاية الاتساع ويجتمع فيه الجند ويعرضهم ذلك النهار وهو تارة ينظر الى عرض الجند وتارة الى الناس والوعاظ ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند من عرضهم فعند ذلك يقدم السماط في الميدان للصعاليك ويكون سماطا عاما فيه من الطعام و الخبز شيء كثير لا يحد ولا يوصف ويمد سماطا ثانيا في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي وفي مادة المرض ووعظ الواعظين يطلب واحدا واحدا من الاعيان والرؤساء والوافدين لاجل هذا الموسم ممن قدمنا ذكره من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء ويخلع على كل واحد منهم ثم يعود الى مكانه فاذا تكامل ذلك كله حضروا السماط وحملوا منه لمن يقع التعيين على الحمل الى داره ولا يزالون على ذلك الى العصر أو بعدها ثم يبيت تلك الليلة هناك ويعمل السماعات هكذا دأبه في كل
الجزء 1 · صفحة 49
سنة وقد لخصت صورة الحال فإن الاستقصاء يطول فاذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل انسان للعود الى بلده فيدفع لكل شخص شيئا من النفقة اهـ
ولما قدم عمر ابن الحسن المعروف بابي الخطاب ابن دحية الى مدينة أربل في سنة أربع وستمائة وهو متوجه الى خراسان ورأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين ابن زين الدين مولعا بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم عمل له كتابا سماه التنوير في مولد السراج المنير وقرأه عليه بنفسه ولما عمل هذا الكتاب دفع له الملك المعظم الف دينار كذا في تاريخ ابن خلكان في ترجمة أبى الخطاب المذكور ومن ذلك تعلم ان مظفر الدين انما أحدث المولد النبوي في مدينة أريل على الوجه الذى وصف فلا ينافي ما ذكرناه من أن أول من أحدثه بالقاهرة الخلفاء الفاطميون من قبل ذلك فان دولة الفاطميين انقرضت بموت العاضد بالله أبي محمد الله بن الحافظ ابن المستنصر في يوم الاثنين عاشر محرم سنة سبع وستين وخمسمائة هجرية وما كانت الموالد تعرف في دولة الاسلام من قبل الفاطميين وانت اذا علمت ما كان يعمله الفاطميون ومظفر الدين فى المولد النبوى جزمت بانه لا يمكن أن يحكم عليه كله بالحل ولذلك قال السيوطي ان أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس الى آخر ما تقدم وقال من غير زيادة على ذلك من البدع الحسنة الى آخره فهو يشير الى أن ماعدا الذي بينه مما كان يفعل في المولد بدعة مذمومة شرعا ولذلك أيضا قال ابن حجر ان بدعة المولد قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة ومن لا فلا الى آخر ما تقدم نقله عنه فكان ما أفتى هؤلاء العلماء بجوازه وتقتضى الادلة جوازه أيضا فعل ما يصلح أن يقع شكرا الله على النعمة وذلك انما يكون قاصرا على أنواع العبادات والطاعات وأما ماعدا ذلك فلا وجه لان يقع به الشكر وينطبق على قصة موسي في يوم عاشوراء ولكن ان كان مباحا فهو بدعة مباحة وان كان حراما أو مكروها فهو بدعة مذمومة
الجزء 1 · صفحة 50
شرعا بل اذا كان خلاف الأولى على ما ذكره ابن حجر وعلى كل حال فالشرط في كون فعل شيء من الطاعات بدعة حسنة و فعل شيء من المباحات بدعة مباحة ان يقتصر على ما هو طاعة وما هو مباح فقط كما هو صريح قول ابن حجر فمن تحرى في عمله المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة ومن لا فلا وهذا هو الذي يقتضيه الدليل أيضا لان ما ليس بفرض من الطاعات اذا ترتب على فعله محرم أو مكروه تحريما وجب تركه تقديما ا لدرء المفاسد على جاب المصالح
وبهذا تعلم ان المدار في الجواز والمنع علي ان ما يفعل يكون طاعة أو مباحا فقط مع اجتباب غيره من حرام أو مكروه أو خلاف الاولى فيجوز ولا يكون بدعة مذمومة أوان ما يفعل يكون طاعة ليست بفرض أو مباحا اقترن به واحد من المحرم أو المكروه أو خلاف الأولى - أو ان ما يفعل يكون واحدا من هذه الثلاثة فقط فهو بدعة مذمومة يكون حكمها التحريم أو الكراهة أو مخالفة الاولى وما اقتضاه كلام ابن حجر من اشتراط اليوم المعين في كون مولد ولد النبي صلي الله عليه وسلم بدعة حسنة ليس على ما ينبغي بل المدار على ماذكرنا لان شكر النعمة التي وقعت في يوم معين من سنة معينة لا يتعين أن يكون في يوم حدوثها ولا في نظيره من كل سنة أو من كل أسبوع بل شكرها بماهو عبادة وطاعة مع الاقتصار على ذلك محمود ومثاب عليه شرعا في كل مكان وزمان كما ان ما اقتضاه كلام أولئك الأئمة من تخصيص هذا الحكم بمولده صلى الله عليه وسلم غير مراد بل المدار على كون ما يفعل في الموالد طاعة أو مباحا مع الاقتصار علي ذلك واجتناب ما عداه فالطاعات كالاذكار بشرط ان تكون شرعية خالية عن الرقص والاناشيد الغرامية في عشق الولدان والجوارى وذكر الخمور وما أشبه ذلك ولا بأس بالاناشيد المشتملة على المدائح النبوية والزهدية كما قال ابن حجر وكتلاوة القرآن والصدقات
الجزء 1 · صفحة 51
وأما المباحات فكالبيع والشراء واجتماع الناس لذلك فقط والمحرمات والمكروهات ماعدا ذلك كشد الرحال الى تلك البقاع والسفر اليها وايقاد الشموع ونحوها مما يدخل تحت الاسراف والتبذير واحراق السواريخ والشنكات ونحو ذلك مما هو اضاعة للمال في الباطل خصوصا ان كان ما يصرف على ذلك من أموال بيت المال أو من أموال الاوقاف فان الاوقاف اذا علمت شروط واقفيها وجب شرعا العمل بها وان لم تعلم صرف ريعها للفقراء لا في مثل هذه الألاعيب
ومن المحرم أيضا كل ما كان من أنواع الملاهي والمغاني المفسدة للاخلاق وما أشبه ذلك فان كل هذا محرم بلا شبهة وبدعة مذمومة وفي الحديث الصحيح (ان الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال)
وبالجملة فكل ما كان طاعة وقربة لم يعين لها الشارع وقتا معينا ولا مكانا معينا فلكل مكلف أن يفعلها في كل زمان وكل مكان وكذا كل ما كان غير داخل تحت نهى عام أو خاص من قبل الشارع فهو مباح وما عدا ذلك فهو بدعة محرمة أو مكروهة فيلزم اجتنابها والنهي عنها
و مما أحدث أيضا الاحتفال بالمحمل والكسوة الشريفة بالقاهرة ففى سادس عشر شوال سنة 675 خمس وسبعين وستمائة كما في حسن المحاضرة للسيوطي نقلا عن ابن كثير طيف بالمحل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة وكان يوما مشهودا
قال السيوطي قلت هذا مبدأ ذلك واستمر ذلك كل عام الى الآن ثم قال وفى سنة 681 احدي وثمانين وستمائة في شعبان طافوا بكسوة الكعبة المشرفة ولعبت مماليك الملك المنصور أمام الكسوة بالرماح والسلاح وهو أول ما وقع ذلك بالديار المصرية واستمر ذلك الى الآن يعمل سنين ويبطل سنين اهـ
الجزء 1 · صفحة 52
وأما الآن فيحتفل مرتين بالمحمل احداهما حال الذهاب الى مكة والمدينة في أواخر شوال أو أوائل القعدة من كل سنة و الثانيه حال العودة فيمشي أمامه مشايخ الطرق ومعهم البيارق وكثير من العساكر فرسانا ومشاة وتزدحم الطرق ازدحاما شديدا و يستقبله في كل مرة خديوى مصر و نظار الحكومة وكثير من الذوات والعلماء والاعيان والتجار وغيرهم من ذوى الحيثيات والرتب فينتظرون مجى ركب المحمل في مكان الاستقبال المعد لذلك تحت قلعة الجبل فاذا وصل اليه طاف الجمل الذى يحمله حول دائرة هناك سبع مرات كما يطوف زوار الكعبة حولها وبعد الفراغ من الطواف يتجه الجمل نحو مكان الانتظار فيقف خديوي مصر والجموع معه حتى اذا وصل الجمل من أمام الخديوي مر والواقفين معه وخلفه جمال أخرى عليها رجال يتبعون المحمل فاذا انتهوا تستعرض العساكر فرسانا ومشاة ومعهم سيوفهم وبنادقهم ومدافعهم الجبلية والبغال التي تحمل المدافع والذخيرة وأما الكسوة الشريفة فيحتفل بها بمكان الاستقبال أيضا فتنقل من محل تشغيلها إلى ذلك المكان وهناك يجتمع كثير من العلماء والذوات والاعيان والتجار قبل الغروب فتمد الموائد ويأكلون ومنهم من ينصرف ومنهم من يبقى الى ما بعد العشاء الاخيرة ويكون في ذلك المكان بعض قراء القرآن من ذوي الاصوات الحسنة فيقرؤن ما تيسر من القرآن بعد العشاء ويكون هناك أيضا أشهر رجل مغن بمصر فيغنى ويسمع من أراد السماع من الحاضرين صوته وأصوات الآلات المطربة وتوضع كسوة المحمل على أعوادها ويعرض بعض قطع الكسوة الشريفة على الحيطان للتفرج عليها ويزدحم المكان بالمتفرجين علي اختلاف مللهم وأديانهم ويختلط الرجال بالنساء ثم في الصباح يحتفل بها أيضا على وجه ماسبق في الاحتفال بالمحمل و تحمل قطعها على أعناق الرجال لينظرها المستقبلون ثم يسير ركب الكسوة الى أن يصل بها الى المسجد الحسينى فتوضع هناك وفيه تتم خياطتها فتبقي الى أن يحتفل بالمحمل حال الذهاب الى الارض
الجزء 1 · صفحة 53
الحجازية فيبعثون بها الى مكة لتكسى بها الكعبة وهكذا في كل سنة اذا علمت ذلك نقول ان ما يعمل من الاجتماع والاستقبال والانتظار والمشي أمام المحمل أو الكسوة وعرض ذلك على الناس واستعراض العساكر ونحو ذلك كل ذلك من البدع المباحة فانها مما لم يرد فيه عن الشارع نهي خاص ولا دخلت تحت نهي عام ولا يعتقد فاعلوها انها عبادة وأنما يفعله الناس تعظيما للكعبة المشرفة واعلانا بقرب حلول وقت الحج خصوصا وان مثل هذه الاعمال مما يشوق الناس الى الحج وزيارة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وأما ما يفعل من طواف الجمل كما بطوف زوار الكعبة حولها فذلك غير جائز لان الطواف قد عرف عبادة فى مكان معين فلا يجوز فعله في غيره خصوصا وقد جاء الحديث الصحيح ان الطواف صلاة فجعله الشارع شبيها بالصلاة على وجه المبالغة فكما لا تجوز الصلاة الا على الهيئة التي جاءت عن الشارع لا يجوز الطواف الا على الهيئة التي أجازها الشارع وكما لا تجوز الصلاة إلا تعظيما لله تعالى لا يجوز الطواف إلا تعظيما للكعبة وحولها
وبالجملة فالطواف عبادة خاصة بمكان خاص فلا يجوز أن يفعل في غيره وكذلك اختلاط النساء مع الرجال ونحو ذلك مما يؤدى الى الفسق وارتكاب الفواحش ظاهرة وباطنة لا يجوز أيضا والواجب أن يقتصر الاحتفال على ماهو مباح فقط وعلى كل حال فالمكان الذي يجتمع فيه العلماء والامراء مع سمو الخديوى لا يقع فيه الا ماهو مباح مع المحافظة على الآداب ولا يلزم من وجود المنكرات في مكان أن يكون الاجتماع على مباح في مكان آخر منكرا اذا لم يجر الاجتماع علي المباح الى فعل ذلك المنكر ويكون مرتبا عليه وبدونه لا يفعل لما قدمناه في حكم الموالد من أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح فبالاولى يقدم على فعل المباحات
الجزء 1 · صفحة 54
أما اذا كان الاجتماع على طاعة ليست بفرض أو على مباح في مكان لا يترتب عليه فعل المنكر ولا يجر اليه فهو جائز ولا يمنع منه وجود الشكر في مكان آخر لأنه لو امتنع الاجتماع على الطاعات غير المفروضة أو المباحات لمجرد وجود منكر في مكان آخر بدون أن يجر ذلك الاجتماع الى فعل المنكر حرم الاجتماع في المساجد ودخول الاسواق للتجارة والبيع والشراء ولحرمنا السياحة في الارض بل لو كان كذلك لحرمنا السكنى في كل بلد من البلاد لانه لا يمكن أن يخلو بلد من منكر فان الأرض ماخلت منذ بدء الخليقة ولا تخلو الى يوم القيامة من منكر يقع فيها بل أن مبني عمار الدنيا الى أجلها الذي أراده الله لها على الخير والشر قال تعالي (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) وانما الواجب أن يقتصروا في الاحتفال بالمحمل والكسوة المشرفة على ما كان مباحا وهو مجرد الاجتماع في مكان الاستقبال والانتظار واستعراض العساكر ونحو ذلك والمشي بالموكب بشرط أن لا يشتمل على ما يفعله الرعاع ومن ينسبون أنفسهم للتصوف ويسمون أنفسهم بالصوفية من ضرب الطبول والمزامير وضرب النواقيس وكذلك يجب على كل قادر على ازالة المنكر أن يزيله وينكر عليه بالقدر المستطاع إما بيده وإما بلسانه وإما بقلبه قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) أي اذا اهتديتم بأن اجتنبتم فعل المنكرات ونهيتم فاعلها فالزموا أنفسكم لا يضركم من ضل وذلك لأنه سبحانه لا يكلف نفسا الا وسعها وقال تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) أي ان عباد الرحمن هم الذين يتواضعون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يستكبرون واذا خاطبهم السفهاء وجادلوهم دفعوهم وجادلوهم بالتي هي أحسن وقالوا قولا سلاما
الجزء 1 · صفحة 55
وقال تعالى (والذين لا يشهدون الزور واذا مروا باللغو مروا كراما) أي وعباد الرحمن هم الذين لا يحضرون الزور والباطل ولا يفعلونه ولا يشاركون فاعليه واذا مروا باللغو والباطل مروا نزهين كراما محمودين قائمين بما وجب عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقدر المستطاع وفى الحديث قال صلى الله عليه وسلم (مر بالمعروف وانه عن المنكر حتى اذا رأيت شحاً مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك)
و مما أحدث أيضا اجتماع الناس لسماع القرآن والاحتفال به في المنازل تارة وفى المساجد ونحوها تارة أخرى وقت الأفراح والمآتم ونحو ذلك وهذا كله جائز اذا خلا المجلس عن منكر و تشويش على القارئ وغن شرب دخان ونحوه من ذوى الروائح الكريهة ولم يكن في مكان نجس أو مخل بالآداب اللائقة بالقراءة قال في الفتاوى الهندية ولا بأس بالقرآن راكبا وماشيا اذا لم يكن ذلك الموضع معداً للنجاسة فان كان يكره تحريما كذا في القنية وقال فيها أيضا ويكره تحريما أن يقرأ القرآن في الحمام لأنه، وضع النجاسات ولا يقرأ في بيت الخلاء وقال فيها أيضا رجل أراد أن يقرأ القرآن فينبغي أن يكون على أحسن أحواله يلبس صالح ثيابه ويتعمم ويستقبل القبلة لأن تعظيم القرآن والفقه واجب اهـ
وقال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح في الخانية يكره تحريما قراءة القرآن في مواضع النجاسات كالمغسل والمخرج والمسلخ وما أشبه ذلك اهـ
وقال في منحة البارى يسن للقارئ أن يتوضأ وأن يستاك وأن يقرأ في مكان نظيف وأن يجلس وأن يستقبل القبلة وأن يتعوذ جهرا ان جهر بالقراءة في غير الصلاة
الجزء 1 · صفحة 56
أما في الصلاة فيسر بالتعوذ في الجهرية والسرية وأن يبسمل وأن يحسن صوته بحيث لا يخرج عن حد القراءة وان لا يتكلم في أثناء القراءة مع أحد وأن لا يضحك وأن لا يعبث وأن لا ينظر الى مايلهي وأن يجهر اذا لم يكن رياء ولم يؤذ نائما أو مصلي وان يرتل وان يتدبر ويتفكر في معانيه قال علي ابن أبى طالب لاخير في عبادة لافقه فيها ولا فى قراءة لا تدبر فيها وان يحضر قلبه في القراءة بان يترك حديث النفس وان يبكي عند القراءة أو يتباكى ان لم يبك عندها بشرط أن لا يكون في التباكي متصنعاا مرائيا وان يقرأ نظرا في المصحف لان النظر فيه عبادة أخرى وحينئذ يجب الوضوء ان دعى الحال لمس المصحف
ومما يحرم أيضا شرب الدخان في مجلس القرآن الشريف خصوصا اذا كان من القاريء نفسه أو من مجاوره حال القراءة في مجلس القرآن وكذلك يحرم رفع الصوت في مجلس القرآن والتشويش عليه والاعراض عنه لظاهر قوله تعالى (واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال العلامة الشبراوي الشافعى في شرح ورد السحر قال شيخنا محمد السباعي الذي ندين الله عليه حرمة شرب الدخان في مجلس القرآن ولا وجه للقول بالكراهة فمن كان معي فهو معي
الجزء 1 · صفحة 57
وإلا فله دين ولي دين ومما يغيظنى واستعيذ بالله منه رفع الصوت بالحديث الدنيوى فى مجلس القرآن مع أنه منهى عنه قال تعالى (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) قال المفسرون أى حديث النبي فالقرآن أولى اهم وبالجملة فحرمة شرب الدخان في مجلس القرآن تكاد تكون واضحة لا تخفى على أحد منصف لأنه من ذوي الروائح الكريهة وان كان شاربوه لا يدركون ذلك للألف والعمادة فهم كالسنادسية (كساحى المراحيض) لا يشمون رائحة الغائط للألف وكثرة التكرار واذا كان العقلاء يرون من الآداب أن لا يشرب الدخان بحضرة ملوك الدنيا وأمرائها أفلا يرون ذلك مخلا بالآداب بحضرة ملك الملوك وفي وقت مناجاته بقراءة القرآن فان قارئ القرآن يناجي ربه وكم من شي لا يمنع بغير حضرة الملوك ولكن يمنع بحضرتهم فعلى فرض أن شرب الدخان مكروه في غير مجلس القرآن فهو في مجلس القرآن لا خلاله بالأدب في حضرة مالك الملك ذى العزة والعظمة والجبروت محرم.
ألا ترى أن كثيرا من الاشياء مباح خارج الصلاة ولكنه يحرم في أثنائها وان لم يبطلها وما ذاك الا لاخلاله بآداب الوقوف بين يدي الله تعالي في الصلاة
نسأل الله أن يوفقنا للتخلق بالاخلاق المحمدية وان يؤدبنا بالآداب الشرعية انه قريب مجيب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وكان الفراغ من تبييض هذا المؤلف فى يوم الاثنين سابع شهر ذي الحجة سنة 1329 تسع وعشرين وثلاثمائة والف هجرية
لا يعدل المرء عن شيء يقرره ... الا لأمر صحيح ثابت وجلى
أما الظنون وما النمام يخلقه ... فليس يقبله في الناس غير غبي