المسالك في المناسك
للإمام أبي منصور محمد بن مكرم بن شعبان الكرماني
توفي نحو سنة (983) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية:
الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
المسالك في المناسك
للإمام أبي منصور محمد بن مكرم بن شعبان الكرماني
توفي نحو سنة (983) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية:
الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام أبو مَنْصُور؛ محمد بن مكرم بن شعبان الكرماني غفر الله له: الحمد لله عَلى آلائه، ونَعمائه والصَّلاة والسّلام على رَسُوله محمَّد خَيْر خَلقه وأنبيائه، وَصَحْبه وأوليائه.
وبعد:
فَلَمَّا رَزَقني الله بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، مُجاورة بيته الحرام، والحج ثانياً وثالثاً بعد حجة الإسلام، وزيارة قبر نبيه عليه السلام وانحلت عقد معضلات مسائل الحج ومشكلاتها، بسبب المجاورة وكثرة الممارسة فيها والمحاورة والمدارسة، سألني بعض أعزتي من قُطَّان مكة وساكنيها زادها الله شرفاً، أن أجمع لهم كتاباً في مناسك الحج مشروحاً، غير ممل ولا مخل، مشتملا على أكثر وقائع الحج وحوادثه، محتوياً على ذكر المذاهب الأربعة من أهل السنة والجماعة، موسومة مسائله بالحجج الشافية، والدلائل الكافية، على وجه يقع لصاحبه الغُنية عن غيره من المناسك، فرأيت إجابة ذلك من الواجبات؛
لما فيه من الحاجة إلى التخلص من العقوبات والتوصل إلى المثوبات.
فها أنا قد قابلت دعوته بالإجابة، وشرعت فيه بقدر الوسع والطاقة، مستعيناً بالله جل جلاله طالباً به جزيل الثواب ليوم الحساب، إنّه الكريم الوَهّاب.
ثمَّ إني جعلت الكتاب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في بيان سنن السفر وآدابه، وكيفية الخروج من المنزل، والنزول في المنازل والدعوات المختصة بها وما يليق به.
والقسم الثاني: في بيان مناسك الحج، وسننه، وفرائضه.
والقسم الثالث: في فضيلة المجاورة بمكة شرفها الله، وما فيها من الكراهة. وفضيلة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، والمجاورة بها.
وفيه ذكر نُبذ من علم القلب وعمله، أدرجته في أثناء كلماتي، وختمت بها الكتاب؛ ليُعلم أن العلم
والعمل في الظاهر بدون علم القلب لا ينفع صاحبه؛ لقوله عليه السلام العلم علمان: علم باللسان، وليس له تحقيق على القلب، فذاك العلم الضارّ، وعلم بالقلب فذاك العلم النافع، تمامه نذكره ثمة إن شاء الله تعالى.
وسميت الكتاب بـ المسالك في المناسك لما فيه، وسألت الله تعالى التوفيق لإتمامه والعصمة عن الخطأ والزلل والسهو والخلل، إنّه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
القسم الأول
في بيان آداب السفر، وسننه،
وكيفية الخروج من وطنه إلى مقصده
وأنه يشتمل على فصول
الفصل الأول
في بيان ما يجب على المسافر عند العزم على النهوض، فإنَّه الأهم للنفع الأعم
اعلم أن مَنْ عزم وقصد أن يحج بيت الله الحرام، يجب عليه أولاً أن يتوب عن جميع الذنوب والخطايا توبةً نصوحاً، وإن كانت التوبة لا تختص بسفر الحج، لكن تلك الحالة أدعى إليها من غيرها من الحالات؛ فلهذا خصصت بالذكر لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى ربُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية. أمرنا بالتوبة النصوح، والأمر حقيقةً للوجوب، وكلمة عسى من الله للتحقيق لا للشك.
ثم التوبة النصوحُ أنْ يندمَ عَلى مَا ارتكبَ مِن الذنوب في الزمن الماضي، وعزم على أن لا يعود إليها في المستقبل أبداً، فإنّ بذلك يستحق المغفرة والرحمة بالنص، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله أفرح بتوبة عبده المؤمن مِنَ لضال الواجد، ومِنَ الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد.
وفي رواية: أشد فرحاً بتوبة عبدهِ مِن أحدكم بضالته يجدها بأرض فلاة، عليها زاده وسقاؤه.
والفرح من الله الرّضا وحسن القبول، والإقبال عليه ببسط الرحمة والمغفرة والكرامة، ومعناه أنه تعالى أرضى بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بأرض الفلاة، الحديث.
وإذا تاب توبةً نصوحاً على ما ذكرنا، صارت التوبة مقبولة غير مَردودة قطعاً، من غير شك ولا
شبهة بحكم الوعد بالنص لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يقبلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الآية.
وقد قال الله تعالى: {إنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}.
ولا يجوز لأحد أن يقول: إن قبول التوبة النصوح في مشيئة الله تعالى. فإن ذلك جهل محض، ويخاف على قائله الكفر؛ لأنه وعد قبول التوبة قطعاً، وهذا بخلاف الإيعاد، فإن العفو وترك العقوبة كرم منه؛ لا أنه خُلف.
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً للمعتزلة.
تمامه عُرف في الأصول.
وإنّما ذكرتُ هذه المسألة هنا لئلا يتشكك التائب في قبول توبته إذا كانت توبة نصوحاً، فإنه بتلك التوبة والاعتقاد يصير مذنباً أعظم من الذنب الأول.
تمامه ذكرناه في كتاب المناهج، لا يحتمله هذا المختصر.
ثم اعلم أن تمام التوبة وقبولها موقوف على إرضاء الخصوم بردّ المظالم إلى صاحبها، وقضاء الديون، ورَدُّ الودائع والأمانات، بقدر الوسع والطاقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله توبة عبد حتى يُرضي الخصماء، فإذا رضي خصماؤه رضي عنه ربه، ويقبل الله توبته وصومه وصلاته. ودِرهَمٌ واحدٌ يُردُّ إلى الخصماء خير له من عبادة ألف سنة.
وفيه وردت أحاديث كثيرة، اقتصرتُ منها على هذا القدر مخافة
التطويل.
الفصل الثاني
في ترتيب نفقة العيال عند الخروج
قال: ثم بعده يجب عليه أن يهيئ نفقة العيال والأولاد، ومن وجبت عليه نفقته إلى وقتِ رجُوعه، ولا يُضيّعهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثماً أن يُضيّع أهله.
ولأن أداء الحج حَق الله تعالى على الخُلوص، والنفقة حق العباد، وأنها واجبة، وحق العباد مقدَّم على حق الله تعالى عند الاجتماع؛ لأن العبد مُحتاج مفتقر، والله تعالى منزّه عن الحاجة والافتقار، فيكون حق العبد مقدماً؛ لهذا فلا يجوز الاشتغال بأداء حق الله تعالى على وجه يتضمن ترك حقوق العباد، فيكون حينئذ بمنزلة من بنى قصراً، وهَدمَ مِصْراً، فيكون قبيحاً، والله لا يقبل القبيح.
فصل
في الوصية
قال: ثُمَّ يكتب كتاب الوَصِيّة بعده فيما له على الناس، وعند الناس، وما عليه من الديون والقروض للناس، وما لله تعالى عليه من الصَّلاة والصوم والكفارات ونحو ذلك، ويجعل لذلك وصياً أميناً عَدْلاً ليقوم بها بعد موته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: الوصية حق على كل مسلم.
والمعنى فيه هو أنه ربَّما يموتُ في الطريق، أو فجأة، ولا يعلم أحد ما له على النّاس وما للناس عليه من الديون والقروض، فيبقى هو في عهدة المظالم وقَيْدِها، وهذا يمنعُ من دخول الجنة، واستحقاق الرحمة والمغفرة؛ لما روي أن واحداً مات من الصَّحابة وعليه دين، وللميت ابن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابنه: على أبيك دَيْن؟، قال نعم درهم واحد. فقال: أده عنه، فإني رأيت البارحة أباك على باب الجنة فأراد أن يدخل فيها فسدَّ ذلك الدرهم باب الجنّة عليه.
وَلِمَا روي: أن واحداً من الصَّحابة مَات وَعَليه دَين، ولم يترك به وفاء، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم يُصَلِّ عليه حتى ضمن به علي رضي الله عنه والتزم دينه عنه ثمَّ صلي عليه، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم من حال علي رضي الله عنه أنه يقي به.
وإن لم يكن هو لازماً على ما عُرف في الفقه.
فلهذا المعنى قلنا إنه يكتب كتاب الوصيّة، ويردُّ المظالم بقَدْر الوُسْع والطاقة إن كان عليه؛ لما ذكرنا من الأحاديث.
ولقوله: ردّ دانق من حرام يعدل عند الله سبعين حجة.
ولما فيه من حرمان الرحمة والمغفرة على ما ذكرنا.
فصل
في ترتيب الزاد ونفقة الطريق ونحو ذل
قال رحمه الله يجب عليه أن يهيئ الزاد، ونفقة الطريق من وَجْهِ حلال، ويحذر الحرام؛ لقوله صلى
الله عليه وسلم: إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة، وَوَضع رجله في غرز دابته، وينادي ربَّه: لبيك اللهم لبيك. ناداه مناد السَّماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور من غير مأزور. وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله ينادي: لبيك اللَّهُمَّ لبيك. ناداه مُنادٍ من السَّماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجّك غير مبرور.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: كل لحم نبت من الحرام فالنار أولى به.
فإذا أكل الحرام في الطريق وغيره فينبت منه لحم نجس غير طاهر، فيستحق هو النَّار والعقوبة، فكيف تنزل عليه الرحمة ويستحق المغفرة؟!.
ومذهب أحمد رحمه الله أنَّ من حج بمال مغصوب لم يجز أصلاً، ولم يخرج عن عهدة الحجّ، وهو من المجتهدين وأئمة أهل السنة والجماعة؛ ليحترز الحاج عن الحرام بقدر الإمكان. وكذا كل ما فيه شبهة الحرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ولقول الصحابة رضي الله عنهم: كُنَّا ندع تسعة أعشار من الحلال مخافة الوقوع في عشر من الحرام.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ اسْتَرى ثَوباً بعشرة دراهم، وفي ثمنه درهم حرام، لم يقبل الله صلاته مَا دَام عليه منه شيء.
قال: وينبغي أن يحمل من الزاد والنفقة في الطَّريق قدر ما يكفيه هو ورفقاءه من الفقراء إن تيسر له ذلك، فإن فيه رفقاً بالمساكين فإنَّه برّ الحج؛ لقوله عليه الصَّلاة والسلام حين سُئل عنه: ما بر الحج؟، قال: إطعام الطعام، ولين الكلام.
ولقوله عليه الصلاة والسلام فيه: خيركم من أطعم الطَّعَام.
فصل
في صلاة الاستخارة
ي الأهم والأصل عند العزم على الأمور، سفراً كان أو حضراً؛ وهي لقوله صلى الله عليه وسلم: ما خاب من استخار، وما نَدِمَ مَن استشار.
فينبغي للمسافر إذا عَزَم على الخروج والنهوض، أنْ يُصَلي صلاةَ الاستخارة قبل الخروج بأيام، ويفعل ذلك سبع مرات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه: إذا هَممت بأمر فاستخر ربَّك فيه سَبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه.
وإن اقتصر على ثلاث فحسن وهو الأدنى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لواحد من الصحابة رضي الله عنهم: إذا استخرت فاستخر ثلاثاً.
وعن جابر رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن.
وصفة صلاة الاستخارة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا هم أحدكم بأمر فليصل ركعتين من غير الفريضة، يقرأ فيهما ما شاء من القرآن، ثم يسلم ويقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي، وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به، إنك على كل شيء قدير. كذا ذكر في صحيح البخاري.
وذكر في بعض الكتب أنه يقرأ في الركعة الأولى فاتحة الكتاب وهذه الآية: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَحْتارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخَيرَةُ} إلى آخر الآيات الثلاث إلى قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ويقرأ في الركعة الثانية الفاتحة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} إلى آخر الآية.
وذكر في بعض النسخ أنه: يصلي أربع ركعات، فأيهما فعل فهو جائز من غير كراهة.
وما ينبغي أن يكتب على ثلاث ورقات من البياض أو غيره افعل أو لا تفعل، أو يكتب الخير والشر ونحو ذلك، كما يفعله بعض الجهال والعوام، فإنها بدعة وليست بسنة كذا سماعي من كبار العلماء.
بل يصلي على الوجه الذي ذكرنا، ويفوض الأمر إلى الله؛ لما ذكرنا في الحديث، فالله تعالى يقضي ويقدر ما هو خير له في دينه ودنياه، فإن كان الخير في المسير والإتيان بذلك الفعل الذي عزم عليه، فالله تعالى ييسّر له ذلك، ويهيئ أسبابه، وإن كان غير ذلك، فالله تعالى يسبب أسباباً تمنعه عن المسير والإتيان به، وهو المجرب في جميع الأمور، فعليك أن لا تنسى ولا تُخلّ به بحال.
فصل
في الاختيار ليوم الخروج إلى السفر
قال رحمه الله: وإذا صلى صلاة الاستخارة على الوجه الذي ذكرناه، واستقر قلبه على الخروج، وصمَّم على ذلك، ينبغي أن يختار يوم الاثنين، أو يوم الخميس، ولا يكون في آخر الشهر؛ لما روي: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الشهر يريد سفراً، فودعه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تخسر صفقتك، وتغبن بيعتك؟، فقال: لا، فقال: اصبر حتى يهل الهلال، ثم اختر يوم الاثنين أو الخميس، فإن الله تعالى يبارك في بيعتك، ويُربح صفقتك.
وقال عليه الصلاة والسلام: إذا سافرتم فسافروا يوم الاثنين، ولا تسافروا والقمر في العقرب.
ولقول علي رضي الله عنه.
وينبغي أن لا يسافر أيضاً في سَبْعَة أَيَّامٍ مِنْ كل شهر؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً ومرفوعاً: الأيام كلها لله تعالى، لكن خلق بعضها سعوداً، وبعضها نحوساً. كما أن الخلق عبيد الله، لكن جَعَلَ بَعْضهم للجنة وبعضهم للنار. وما من شهر إلا وفيه سبعة أيام نحسات، فاليوم الثالث نخس، وفيه قتل قابيل هابيل. واليوم الخامس نحس، وفيه أخرج آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة، وفيه أرسل العذاب على قوم يونس، وفيه طرح يوسف عليه الصلاة والسلام في الجبّ. واليوم الثالث عشر نحس، فيه نزل البلاء على أيوب عليه الصلاة والسلام وفيه سُلب عن سليمان عليه الصلاة والسلام، ملكه، وفيه قتلت اليهود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويوم أحد وعشرين نحس؛ لأن الله تعالى خسف فيه بقوم لوط، ومسخ النصارى خنازير، ومسخ اليهود قردة، وفيه شُقّ زكريا عليه الصلاة والسلام. ويوم الرابع والعشرين نحس؛ لأن الله تعالى خلق فيه فرعون، وفيه ولد، وفيه ادعى الربوبية، وفيه غرق، وفيه أرسل الطوفان والجراد والقمل والضفادع ويوم الخامس والعشرين نحس؛ لأن فيه شق نمرود بطن تسعين امرأة، وفيه طرح الخليل عليه الصلاة والسلام في النار، وفيه عقرت ناقة صالح عليه الصلاة والسلام، وفيه دَمْدَم الله عليهم العذاب. ويوم الأربعاء آخر الشهر؛ لأن الله تعالى أرسل فيه الريح على قوم عاد، والصيحة على قوم هود عليه الصلاة والسلام.
ثم قال رضي الله عنه: يستحب للعاقل أن يجتنب عشر خصال: يجتنب شراء البهائم والخدم والدخول على النساء، وجزي الأنهار، وغرس الأشجار، ولبس الثياب الجدد والنكاح والتزويج،
والسفر. والله يهدي من يشاء.
ومثل هذا منقول عن علي رضي الله عنه.
فصل
في الرفيق
قال: ثم يطلب للطَّريق رفيقاً صالحاً عاقلاً ورعاً، قد سافر قبل ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: الرفيق ثم الطريق.
ولأنه إذا كان له رفيق بهذه الصفة، يكون أقرب إلى محافظة آداب السفر على وجه السنة، ويكون محافظ معيناً له على الطاعة والعبادة، ورادعا عن المنكر والمعصية. فإنه إن نسي خيراً ذكره، وإذا ذكر أعانه، وإذا ضاق صدره صبره، وإذا جبن شجعه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له رفيقاً صالحاً، إن نسي ذكره، وإذا ذكر أعانه الحديث.
فصل
في استكراء الدواب واكترائها
ثم بعده يطلب جمالاً، أو مكارياً له ديانة في الظاهر، فإنه من جملة الرفقاء، ويستكري منه ما يحتاج من الدواب بعد النظر إلى دوابه. والعمل فيه، أن تلك الدواب هل تصلح لحمله والسلوك بذلك الطريق إلى المقصد، أم لا؟، لئلا ينقطع عن الرفقاء في الطريق، فإذا اكترى ينبغي له أن يبين له ما يحمله على دابته، ويُريه بقدر الوسع، كيلا يكون حاملاً حمله على حيوان الغير من غير إذنه ورضاه من غير أجرة وكراء؛ ليكون أبعد من الشبهة، وأقرب إلى التقوى.
فصل
في العزيمة والنية عند الخروج
فإذا عزم على الخروج إلى سفر الحج، ينبغي أن يخرج ويهاجر من بيته إلى الله تعالى على وجه الخلوص، وينوي ذلك الخروج الله، لا للرياء والسمعة، والنزهة والتجارة وتحصيل الربح، والجولان في
البلدان للنظر ومتابعة هوى النفس والصيت، فإن ذلك منهي عنه على ما أخبر الله تعالى عَن جَماعة: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِم بَطَرًا ورئاء الناس}
وقد قال صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان يحج أغنياء من أمتي للنزهة، وأوساطهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للرياء والسمعة.
فيجب أن يحترز عن ذلك بقدر الإمكان، ويكون جُلُّ همومه فيه، منصرفاً إلى تذكُرِه وتعظيم شعائره؛ لينال ثواب الحجاج والمهاجرين على ما قال الله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أجره على الله}.
فصل
في الوداع والخروج من الدار
فإذا أراد أن يخرج من داره لهذا السفر وغيره، يصلي قبل الخروج ركعتين، يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، و {قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ}، وفي الثانية الفاتحة، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
ثم يقول عقيب السلام: اللَّهُمَّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، احفظنا وإياهم من كل آفة وعاهة. كما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.
وفي رواية يقول بعد هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إنا نسألك من مسيرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل الصَّالح ما تحب وترضى. اللهم إنا نسألك أن تطوي لنا الأرض، وتهوّن علينا السفر، وأن ترزقنا في سفرنا هذا سلامة البدن والدين والمال، وتبلغنا حج بيتك الحرام، وزيارة قبر نبيك محمد عليه الصلاة والسلام. اللهم إنا نعوذ بك من وَعْثَاءِ السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد والأصحاب، اللهم اجعلنا وإياهم في جوارك، ولا تسلبنا وإياهم نعمتك، ولا تحول ما بنا وبهم من عافيتك، اللهم ارزقنا حسن الصحبة، واصحبنا بالصالحين، اللهم إني لم أخرج أشرا، ولا بطراً، ولا رياء، ولا سمعة؛ بل خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، وقضاء لفرضك، واتباعاً لسنة نبيك، وشوقاً إلى لقائك.
ثم يتصدق بصدقة قبل الخروج وبعده على الفقراء، وأقلهم سبعة كذا التوارث، فإن فيه سبب سلامة الطريق، ثم يودع أهله الذين في داخل الدار من النسوان وغيرهم من الذين يتعذر عليهم الخروج معه للتوديع خارج الدار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا خرج أحدكم إلى السفر فليودع إخوانه، فإن الله
جاعل له في دعائهم البركة.
ويقول لهم عند التوديع: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم.
وإن كان واحداً يقول: أستودع الله دينك وأمانتك إلى آخر.
كذلك النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.
ويقول أهله له عند التوديع بعد دعاء السير: في حفظ الله و كنفه، زوّدك الله التقوى، وجنبك الردى، وغفر ذنبك، ووجهك لخير أينما توجهت.
كذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم عند الوداع للمسافرين.
وقد روى زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: كنتُ عند أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يوماً يعرض فيه الناس، إذ عرض رجل مع ابنه، فقال له عمر رضي الله عنه: ما رأيتُ غُرابا أشبه بغراب هذا منك، فقال الرجل: أما والله يا أمير المؤمنين ما ولدته أمه إلا ميتة، فلما سمع عمر رضي الله عنه ذلك استوى فقال له: ويحك، حدثني، فقال الرجل: خرجتُ في غزاة، وأمه حامل به فقالت لي: تخرج أنت وتدعني على هذه الحالة حاملة مثقلة؟ فقلتُ لها: أستودع الله ما في بطنك، فغزوت، ثم قدمت فلما وصلت إلى داري فإذا بباب داري مغلقاً، فقلتُ: ما فعلت فلانة؟ قالوا: ماتت ودفنت بالبقيع، فمضيت إلى قبرها وبكيت، فلما جنَّ الليل قعدت مع بني عمي أتحدث، فارتفع من قبرها لهب نار فقلت لبني عمي: ما هذه النار؟، فتفرقوا عني فسألت أهل تلك البقعة فقالوا: نرى قبرها كل ليلة ناراً، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما والله إنها كانت صوّامة قوامة عفيفة حليمة، فكيف هذا الحال؟ فأخذت مسحا، فنبشت قبرها فرأيت قبرها منفرجاً وهي جالسة، وهذا الصبي بَين يديها، فسمعت صوتاً ينادي: أيها المستودع ربَّه خذ وديعتك، أما والله لو استودعتنا أمه أيضاً لوجدتها فأخذتُ ولدي هذا، وعاد القبر كما كان.
فصل منه
في الدعاء عند الخروج
فإذا بلغ باب الدَّار يقرأ: {إنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، ثم يقول: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بك انتشرت، وعليك توكلتُ، وإليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم أنت ثقتي، وأنتَ رجائي، اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به، وما أنت أعلم به مني، عزّ جارك، وجلّ ثناؤك، ولا
إله غيرك. اللَّهُمَّ زوّدني التَّقْوَى، واغفر لي ذُنوبي، وَوَجِّهني الخير أينما توجهت.
كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.
وقال: «إنّ الرجل إذا خرج من بيته، كان معه ملكان موکلان به، فإذا قال العبد: بسم الله، قال الملكان هُدِيْتَ. وإذا قال: توكلت على الله، قالا: كفيت وإذا قال: لا حَوْل ولا قوة إلا بالله، قالا: وقيت ويلقاه قريناه فيقولان: ما تريدان من رجل قَد هُدي وكُفي ووُقي.
وقال عليه الصلاة والسلام: مَن خَرج من بيته يُريد سفراً فقال حين خرج بسم الله، آمنتُ بالله، وتوكلت على الله، ولا حَوْل ولا قوة إلا بالله، رُزق خير ذلك المخرج، وصُرفَ عَنْهُ شرّ ذلك المخرج.
وعنه صلى الله عليه وسلم: من قالَ عند الخروج من الدار: بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضني بما قضيت لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجّلت، يُرزق ما يريد من تلك الخرجة.
وفي رواية يقول: اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي في قدرك.
فصل
في تشييع المودعين والركوب على الدابة
فإذا خرج من بيته ينبغي أن يتصدق على سبعة مساكين على ما ذكرنا، ويشيعه أقرباؤه وأحباؤه وجيرانه ممن يقدر، يشيعه حَسْب طاقته؛ لأنه السنة.
وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: إن الله تعالى يغفر لمنْ يُشيع الحاج الحديث.
ثم يودعونه ويأتون بالدعاء من الجانبين على ما ذكرنا من التوديع داخل البيت، ثم يركب، فإذا وضع رجله في الركاب يقولُ:
«بسم الله.
فإذا استوى على ظهر الدّابة يقول: «الحمد الله»، ثم يقول: سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لمُنقَلِبُونَ
ثم يقول: «الحمد الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً».
ثم يقول: سُبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. كذا كان يفعل
النبي عند الركوب.
ويقرأ على هذا الترتيب، ثم يمضي ويصير في أمان الله تعالى. فإن كان يركبُ في السَّفينة، يقرأ هذه الآية التي تأتي؛ لقوله: «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفن أن يقولوا: بسم الله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا إلى آخر الآية.
ثم يقول: بسم الله مجريها وَمُرْسَهَا إلى آخر الآية.
فصل
الدعاء عند الصعود والهبوط، والنزول في المنزل وعند النهوض والارتحال منه
قال: فإذا سافر فمتى بلغ شرف أو عقبة يقول عند ذلك: اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على كل حال. لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما علا شرفاً من الأرض يقول هذا الدعاء.
فإذا رأى المنزل الذي يريد أن ينزل فيه يقولُ: الحمد لله على السلامة والبلاغ، نسألك ربنا خير هذا المنزل، ونعوذ بك من شره، اللَّهُمَّ ارزقنا جَناهَا، وجنبنا وباها، وحَيِّينا إلى أهلها، وحبّب إلينا صالحي أهلها، اللهُمَّ لا تكتب علينا فيها إثماً ولا خطيئة. كذا نقل عن السلف.
فإذا بلغ المنزل يقول عند النزول: رَبِّ أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، أعوذُ بكلمات الله التامات، كلها من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إنك على كل شيء قدير، سلام على نوح في العالمين. قال: من قال ذلك لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله.
وفي رواية يقول في آخره: سلام على نوح في العالمين، اللهم إني أسألك خير منزلي هذا، وأعوذ بك من شره.
فإذا أراد أن يرتحل من المنزل صلى ركعتين إن تمكن أو تيسر له، إما بالماء أو بالتيمم إذا لم يجد الماء.
ويقول عقيب السلام: الحمد لله الذي عافانا في منقلبنا ومثوانا، اللهم احملنا من منزلنا هذا وبلغنا غيره في خير وعافية، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وفي رواية يقول أيضاً: اللَّهُمَّ ارض عنا، فإنا عنك راضون، ووجهنا للخير أينما توجهنا، اللهم أنزلنا منزلاً خيراً منه وأقرب رشداً، إنك أنت أرحم الراحمين. كذا التوارث.
وينبغي أن يحتاط بالنهار، ولا يمشي منفرداً، ويكون في الليل متحفظاً عند النوم، فإن نام في أول الليل افترش، ذراعه وإن نام في آخر الليل نصب ذراعه، وجعل رأسه في كفّه. هكذا كان ينام رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره.
والمعني فيه أنه ربما يستثقل في نومه، فتطلع الشمس فيكون ما يفوت من الصلاة وغيرها أقوى مما يدرك من الحج.
والسنة أن لا ينزل حتى يحمى النهار، ويكون أكثر سيره بالليل؛ لقوله: عليكم بالدُّلْجَة، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار.
فصل
في الدعاء عند دخول مدينة أو قرية، وعند رؤيتهما
فإذا رأى مدينة أو قرية وأشرف عليها يقولُ: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، وربَّ الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرِّياح وما ذرين.
وفي رواية: ورب البحار ومَا جَريْن، نسألك خَيْر هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها اللَّهُمَّ ارزقنا خيرها، واصرف عنا أذاها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا خرجتم من بلادكم إلى بلاد تريدونها فقولوا إذا أشرفتم على المدينة أو القرية: اللَّهُمَّ ربّ السموات ... » إلى آخره. وفي رواية: اللهم رب السموات وما أظلّت، وَرَبَّ الأرضين السبع وما أقلتْ ... » إلى آخره.
كذا يقولُ عند كُل قرية ومدينة، وركوب ونزول على ما ذكرنا.
فصل
فيما يستحب أن يحمل مَعَ نفسه في السفر مِن العِداد
قال: ويستحب للمسافر أن يأخذ في سفره: المكحلة، والمرآة والمشط والإبرة، والمقراض، والسواك، والمدية في رواية، كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلا.
وفي بعض الروايات عن بعض السلف الخيط، والمُوسَى، والعصى يحملها أيضاً.
وإنما يحمل هذه الأشياء في السَّفر ليتمكن من إقامة السنن والآداب عند الحاجة على الوجه المأمور والمطلوب في المنازل والبراري وغيرها؛ كقص الشارب، وتقليم الأظفار، وغير ذلك، فإن التأخير عن الوقت مكروه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: مَن طوَّل شاربه عوقب بأربعة أشياء: لا يجد شفاعتي، ولا يشرب من حوضي، ويُعذبُ في قبره، ويبعث إليه منكر ونكير في غضب.
وعلى هذا تأخير تقليم الأظافر، فإن تحته محال قرار الشيطان. تمامه عُرفَ في المناهج.
فصل
في هيئة الركوب، وزيّه في الطريق
اعلم أن علماء السلف اختلفوا في كراهية الركوب على المَحْمِل. قال بعضهم: لا بأس به، وأنه مباح من غير كراهة؛ لأنه ليس فيه تضمين شيء محظور، ولا ترك مسنون، فيكون مباحاً من غير كراهة.
وأكثرهُم وَهمُ المتَّقُون، يكرهون ذلك؛ لما فيه من زي المتكبرين المترفهين المتنعمين.
والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ما حجوا على المحامل؛ بل حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته، وكان تحته رَحْل رَث، في قطيفة خَلِقَة تسوى خمسة دراهم، وطاف على راحلته والناس ينظرون إليه وإلى شمائله وهدايته، فقال: «خُذُوا عني مناسككمْ.
فهذا يدل على أن في الركوب على المحمل، ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع الإتيان بزي المتكبرين فيُكره.
وقد رُوي أنه لو كان في سفر، فنزل هو وأصحابه منزلاً، فسرَحَتِ الإبل، فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب، فقال: «أرى هذه الحُمْرة قد غلبَتْ عليكم.
قالوا: فقمنا إليها ونزعناها من ظهورها حتى شرد بعض الإبل.
وقد روي أن ابن عمر رضي الله عنهما، لما رأى قافلة الحاج وفيها المحامل الكثيرة فقال: الحاج قليل والركب كثير. ثم نظر إلى رجل مسكين، رث الهيئة تحته جوالق، فقال: هذا من الحاج. وقَدْ رُوي أن أوّل ما اتخذ الحاج المحامل، أنكر عليهم علماء ذلك الزمان؛ لما فيه من زي المتكبرين فإنه مكروه، ومنهي عنه، فإن السنة أن يكون ربَّ الهيئة، أشعث أغبر، غير مستكثر من الزينة، ولا مائل إلى أسباب التفاخر والتكاثر، كيلا يكتب من المستكثرين المترفهين المتكبرين، فيكونُ خارجاً عن زي الضعفاء والمساكين.
فالحاصل، إن كان ذلك يُفعل للتفاخر والتكاثر والزينة، فإنه يكره، وإن كان يُفعل ذلك للضرورة، بأن يكون بحال لا يستمسك على الراحلة والزاملة، لضعف به أو مرض، لا يكره لحكم الضرورة.
فترك الركوب على المحمل أولى والركوب على الراحلة والزاملة أفضل لما ذكرنا من فعل النبي.
ثم المُستحب أن يرفق بالدابة ولا يُحملها ما لا تطيق، فإنه يُطالب بذلك يوم القيامة، فقد روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان له بعير يركب عليه، فقال له عند الموت لا تخاصمني يا بعير إلى ربّك، فإني لم أكن أُحَمِّلْكَ فوق الطاقة.
فثبت أن الحمل على الدابة فوق الطاقة مكروه.
ويستحب أن ينزل عنها ساعة، غدوة، وعشياً، عند الركوب والنزول؛ لتستريح بذلك، كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن السلف الصالح، أنهم كانوا يكترون الدواب بشرط أن لا ينزلوا عنها في الطريق، ويوفون الأجر بتمامه وكماله، ثم ينزلون عنها في الطريق ساعة فساعة؛ ليكونوا بذلك مُحْسنين في حق الدَّواب، فيحصل لهم بذلك الحسنات، فيوضع ذلك في موازينهم، لا في ميزان المكاري والجمال.
ولأن في النزول ترويح الدابة، وإدخال السرور في قلب المكاري. وقد قال عليه الصلاة والسلام: إدخال السرور في قلب المؤمن لا قيمة له.
وقد رُوي أن رجلاً جاء بكتاب ودفعه إلى عبد الله بن المبارك ليحمله له ويُوصله إلى صاحبه، فقال له رحمة الله عليه: أمسكه حتى أستأمر الجمال، فإني إذا فتحت باب اليسير يفضي ذلك إلى الكثير.
ويستحب أنهم إذا وصلوا إلى موضع كثير العشب والعلف، وتعذر عليهم النزول، أن يُرخي أحدهم زمام الدابة ومقودها لترعى، فإن ذلك تَسَبب لقوتها. كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل
فيما جاء من الدعوات المأثورة
وَمَا يحتاجُ المسافر إليها في الطريق وَغَيْر ذلك
قال: إذا جنّ عليه الليل، ينبغي أن يقرأ هذا الدعاء؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر وأدركه الليل يقرأ هذا الدعاء: «يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدبّ عليك. أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود، وحيَّة وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ومن والد وما ولد.
ويقرأ كل ليلة آية الكرسي، و {شَهِدَ الله}، وآخر سورة الحشر: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْهَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَشِعًا} إلى آخر السورة. وإن قرأ كل السورة فذا أحسن. ويقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات، ويقرأ سورة الفلق والناس. فإنَّ قراءة هذه السور، أمان في النفس والمال.
ولا يغفل عن الدعاء المنسوب إلى أيوب السَّخْتِيَاني رحمه الله، في كل صباح ومساء، فإنّه معروفٌ مجرب لدفع السارق، وحفظ المال والنفس، ووقع لي به سماع من كبار الأئمة رحمهم الله،، وهو هذا الدعاء:
اللَّهُمَّ إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك. وبك يا رب اعتصمت، وعليك توكلتُ، ثقة برحمتك لا بعلمي يا ظهير اللاجئين، ويا غياث المستغيثين، ويا رجاء المذنبين، اصرف عني يا إلهي سُوء من لا يخافك، واكفني شره وعَادِيَتَهُ، وَحِيَلَهُ ومَكْرَه وغائِلته وخديعته وسحره، ولا تسلّط أحداً منهم يا ربّ على نفسي وأهلي ومالي وولدي، واصرف عني يا إلهي وعن جميع المسلمين بأسهم، واجعل بيني وبينهم سداً وردما، وجبلاً محيطاً من حديد. اللهم وردهم عني عمياً وبكماً وصُمَّا لا يبصرون ولا ينطقون ولا يبطشون، واجعلني يا رب في حرزك وجوارك وكنفك،
وحياطتك وحولك وقوتك يا أرحم الراحمين. احفظني يا رب من شرّ إبليس وجنوده، وشرّ الجن والغول، ومِن صاحب مكار موارب. واحفظني يا رب من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي ومن تحتي، حتى تردَّني إلى أهلي مغفوراً مشكوراً، وسَعْيي مقبولاً، ولا توفني حتى تردني إلى أهلي برحمتك يا أرحم الراحمين.
حِرْزُ للخوف في المواحش:
المعروف أنه مَن قرأ ثلاثين آية من كتاب الله تعالى في أول الليل، يكون هو وماله في أمان الله تعالى من القاصدين إلى الصبح. ومن قرأ في الصبح يكون في أمان الله تعالى إلى الليل بإذنه، ولم يظهر عليه وعلى ماله أحد من السراق والقاصدين.
فالآيات:
أن يقرأ الفاتحة.
وأربع آيات من سورة البقرة إلى قوله: {الْمُفْلِحُونَ}.
وآية الكرسي، وآيتين بعدها إلى قوله: {خَلِدُونَ}.
وثلاث آيات من آخر سورة البقرة: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ} إلى آخر السورة.
وثلاث آيات من سورة الأعراف: {إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} إلى قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} إلى آخر السورة. وعشر آيات من أول سورة الصافات إلى قوله: {مِن طِينٍ لَّازِبٍ} وثلاث آيات من سورة الرحمن من قوله: {يَمَعْشَرَ الجينَ وَالْإِنسِ} إلى قوله: {فَلَا تَنتَصِرَانِ}.
وآيتين من سورة الجن من قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا} إلى قوله: {شَطَطًا}.
دعاء الخوف:
فإذا أصابه خوف في الليل أو في النهار يقرأ هذه الآيات: {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَ انا سُرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا}.
{قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم معْرِضُونَ}
{لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَنَتَلَقَّهُمُ الْمَلَيكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَيْكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
{يَعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}.
ويقرأ أيضاً آية الكرسي، و {شَهِدَ الله}، وسورة الإخلاص، وسورة الفلق والناس فإنه مجرب.
حزز أيضاً من الخوف عن السباع والكلاب:
فإذا خفت من سَبع أو كلب تقرأ: {يَمَعْشَرَ اللَّمِينَ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ} إِلَى قوله: {بِسُلْطان}.
فإذا رأيتها تقرأ عليها {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}.
حزز الضّال عن الطريق:
يقرأ ثلاث مرات عن إخلاص: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
روي أن مَنْ قرأها عن إخلاص ولو كان أسيراً في أيدي الظلمة روي أطلق، ولو كان خائفاً أَمِنْ، ولو كان ضالاً اهتدى، ولو كان مغموماً سُرَّ، ولو كان غريباً يصل إلى أهله، ولو كان مديوناً قُضي دينه.
قال معاذ رضي الله عنه: ضللت في طريق مكة، فبينا أنا متحير إذ سمعت خلفي حركة فإذا أنا برجل فاستوحشتُ منه، فقال لي: لعلك ضال؟، فقلت: نعم. فقال: ألا أعلمك دعاء إذا كنتَ ضالاً اهتديت، وإذا كنتَ أرقا رَقَدْتَ، وإن كنتَ مستوحشاً أَنِسْتَ؟ فقلت: نعم، فقال لي: قل: بسم اللَّهِ ذي الشأن عظيم البُرهَان شديد السلطان، كل يوم هو في شأن أعوذ بالله من الشيطان ما شاء الله كان ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالتفتُ فإذا أنا عند أصحابي فقال لي: هؤلاء أصحابك؟ فقلتُ: نعم. فالتفت فلم أر أحدا.
حرز الضالة:
ويقرأ للشيء الضال سورة و العاديات، و «تبت يدا أبي لهب» عن إخلاص. كذا النقل.
وإن كانت دابة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا علينا.
فإن لله عباداً خاصةً في الأرض فتحبسه عليكم.
فصل
في ذكر جُمَلِ من مكارم الأخلاق مع الرفقاء في الطريق وغيرهم
قال: وينبغي أن يكون في الطَّريق مع النَّاسِ طَلْقَ الوجه، حَسَنَ الخلق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب طلق الوجه، ولا يحب العبوس. وما من ذنب إلا وله توبة إلا ما كان من سوء الخلق، فإنه كلما تاب من ذنب عاد فيما هو شر منه.
وينبغي أن يكون ليّن القول مع البرّ والفاجر، والمؤمن والذُّمي غير مُدَاهَنة، ويبذل الطعام في كل منزل بقدر الوسع والطاقة؛ لما روي أنه سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام، ولين الكلام.
ولقوله عليه الصلاة والسلام: رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: خيركم من أطعم الطعام.
وينبغي أن يعتاد المروءة والسَّخاوة في الطريق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: الشاب الفاتك السَّخي أحبَّ إلى الله من الشيخ العابد البخيل.
وينبغي أن يداوم في الطريق على ذكر الله تعالى على وجه المخافتة؛ لقوله حين سئل: أي الأعمال أفضل؟
فقال: أن لا يزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى.
ثم قال: وَيَفْضُلُ الذكرُ الخفي على الذي يسمعه الحفظة سبعين ضعفاً، ولأنه أبعد من الرياء.
ولو تعذر عليه الذكر أو التكلم بكلام الخير لسبب من الأسباب فعليه بالصمت والكف عن كلام الدنيا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله تعالى.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ملك لسانه ستر الله عيوبه».
ولقوله صلى الله عليه وسلم: العافية عشرة أجزاء، تسعة في الصمت، وواحدة في العزلة عن الناس.
وقد يباح أيضاً المزاح في الطريق في غير معصية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ستة من المروءة، ثلاثة منها في السفر، وثلاثة منها في الحضر، فالتي في الحضر: تلاوة كتاب الله تعالى وعمارة مساجد الله، واتخاذ الإخوان في الله. وأما التي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله تعالى.
هذا الأفضل هو الكف عن المزاح؛ كيلا يفضي إلى الكثير ومع منه، فربما يؤدي المزاح إلى ما هو غير مباح، فيكون معصية.
وينبغي أن يحفظ حق الصحبة للرفقاء، ويراعي في الطريق صاحبه حق المراعاة، فإنه يسئل عن ذلك يوم القيامة؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل غيضة ومَعَه واحد منَ الصَّحابة، فقطع من شجرها سِوَاكَيْن، أحدهما مستقيم والآخر معوج، فأعطى الذي معه المستقيم منها، وأمسك لنفسه المعوج، فقال: يا رسول الله كنت أنت أحق بالمستقيم مني، فقال: ما من صاحب يصحب صاحباً ولو
ساعة من نهار، إلا وسئل عن محبته يوم القيامة، هل أقام فيها حق الله تعالى أو أضاعه.
وقال صلى الله عليه وسلم: ما اصْطَحَبَ اثنان قط إلا كان أحبهما إلى الله أرفقهما بصاحبه.
وقال صلى الله عليه وسلم: مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى.
فعلم أن حفظ الصحبة حق، وحفظ الأدب واجب.
ومن آداب الصحبة:
ترك الاعتراض عَلى مَن هو أكبر منك في السن أو العلم والرتبة. وحمل ما ترى منه على وجه جميل حسن إذا كان من المشيخة، وإن كان صاحبه دونه فيصحبه بالشفقة والرحمة؛ لما ذكرنا من حديث النبي.
و إن كان مثله وهو من الأكفاء والنظراء، فبالفتوة والإيثار، والإعانة بالنفس عند الحاجة، على سبيل المبادرة من غير إحواج والتماس، وكتمان السر، وستر العيوب، وترك المماراة والمنازعة، والعفو عن زلته وهَفْوته. هكذا وردت فيها الآثار.
وينبغي أن يجتنب الرفيق السوء، والفاسق فإن ذلك سبب لحرمان الطاعات، وترك المندوبات والواجبات ويُحرِّضُه أيضاً على ارتكاب المناهي والمعاصي، وقد قال فيه: «مثل الجليس الصالح مثل الداري، إن لم يُخذك من عطره علقك من ريحه و مثل الجليس السوء مثل صَاحب الكير إن لم يحرقك من شرر ناره عَلقك منْ دخانه.
قال الشبلي رحمه الله: اصحبوا مع الله، فإن لم تطيقُوا، فاصحبوا مع من يصحب مع الله ليوصلكم بركات صُحبتهم إلى صحبة الله. قال: وينبغي أن لا ينزل على الطريق؛ بل ينحرف عنها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا عرَّستم فلا تعرّسوا على الطريق فإنه مبيت الجن ومأوى الحيات.
قال: وإذا اشتبهت عليهم الطريق فلا يهتدون الجادّة والمنهج ينزلون ولا يسيرون. كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي إذا احتاج إلى البول والغائط أن يتنحى عن الطَّريق، وعر أعين الناس، ولا ينظر إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ولا تنظروا إلى ما يخرج منكم من أذى، ولا تنظروا إلى
فروجكم، ولا تكلموا على البول والغائط فإنه من الوسواس ولا تطيلوا الجلوس فإن منه البواسير.
قال: وينبغي أن يكون على وضوء أبداً. ويتوضأ بالماء اليسير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: اعلموا أن خيار أمتي الذين يتوضأون بالماء اليسير، واعلموا أن الوضوء يوزن وزناً، فما كان منه بتقدير يرفع ويختم، ويوضع تحت العرش فلا يكسر إلى يوم القيامة، وما كان من إسراف فلا يرفع، وشرار أمتي الذين يسرفون في الوضوء بالماء.
قال: ويجتهد أن ينام أبداً على الطهارة؛ لقوله: «من بات طاهراً بات في شعار مَلَك، كلما استيقظ العبد يقول الملك: اللهم اغفر لفلان، فإنه بات طاهراً».
وفي الباب آداب وأحاديث أخر، أعرضت عن ذكرها كراهة التطويل، فمن أراد ذلك فعليه بكتاب المناهج».
فصل
في جمل من الدعوات المأثورة
عند اعتراض أحوال العبد وتغيرها
قال رحمه الله: إذا أصْبَح الرّجل ينبغي أن يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً صالحا متقبلاً.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك عند كل صباح.
وعنه أنه كان يقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور.
أصبحنا وأصبح الملك لله، والعظمة الله، والكبرياء الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم، وخير ما فيه، وخير ما قبله وخير ما بعده. ونعوذ بك من شر هذا اليوم، ومن شر ما قبله، ومن شر ما بعده. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والجبن والبخل، وسُوء الكِبَر، ومن فتنة الدجال، وعذاب القبر، وعذاب النار».
الدُّعاء عند طلوع الشمس:
«الحمد لله الذي جَلَّلَنا اليوم في عافية، وجاء بالشمس من مطلعها، اللَّهُمَّ إني أصبحت أشهد لك بما شهدت به نفسك عليك، وشهدت به ملائكتك وحملة عرشك، وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت قائماً بالقسط، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم.
الدعاء عند رؤية الهلال:
روي أن النبي لو أوصى عليّاً رضي الله عنه بدعاء الهلال عند رؤيته، وقال له: قل: «الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي خلقني وخلقك، وصورني وصوّرك، وقدرني وقدّر منازلك، وجعلك آية للعالمين، اللهم أهلله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، والرزق الواسع، ودفع الأسقام برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدعاء عند هبوب الرياح: يقول: «اللَّهُم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذاباً. اللهم إنا نسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشرّ ما أرسلت به. هكذا النقل عن السلف.
الدعاء عند صوت الرعد:
يقولُ: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ربّ سلّم، يا سلام سلّم سلَّمْ.
الدعاء عند المطر:
إذا عمّ وطبّق وخافوا الهلاك والتلف والضرر، وأرادوا أن يمسك عنهم المطر يقول: يا سلام، سلم، يا سلام سلّم. ثم يقول: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والظراب. كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الدعاء عند الطعام:
قال: إذا أُتي بطعام فقل: اللهم أتمم علينا نعمتك، ووسع علينا رزقك، وعلى فقراء المسلمين سبحانك وبحمدك، ما أكثر ما تعافينا سبحانك وبحمدك ما أحسن ما ابتليتنا، اللهم بارك لنا في طعامنا
وشرابنا، واجعل لنا فيه شفاء ودواء لا داء، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدعاء حالة مد اليد للطعام:
بسم الله في أوله وآخره. اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيراً منه.
قال: وإن كان لبناً: يقول: «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه. كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الدعاء بعد الفراغ من الطعام:
الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وأروانا وجَعَلنا من المسلمين.
قال: وإذا كنت ضيفاً تدعو لمن ضيفك تقول: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وَنَزَلَتْ عليكم الرحمة، وأفطر عندكم الصائمون.
اللهم أكثر خير من هذا خيره، واغفر له واغفر لمن طبخ وخبز وأكل، واجعل مع البركة بركة، وارحمنا وإياهم وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدعاء عند غسل اليدين من الطعام:
الحمد لله الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، مَنْ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا.
الدعاء عند شرب الماء:
بعدما يشرب في ثلاثة أنفاس، ويقول عند كل نفس بسم الله. ثم يقول بعد الثالث: «الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه وجعل له مخرجاً».
الدعاء عند الجوع:
قال: فإذا جاع في الطريق ينبغي أن يكثر من قراءة سورة الإخلاص. وفي رواية: يقرأ ثلاث مرّات عن إخلاص، فإن الله تعالى يُشبعه بقدرته.
وقد وردت به الآثار.
الدعاء عند العطش:
قال: فإذا أصابه في المفازة والسَّفر عَطش، ولم يجد ماء يكثر من قراءة: أَلَمْ نَشْرَحْ فإن الله تعالى يرويه؛ لقوله له: «إذا عطشتم في السفر فاقرأوا سورة ألم نشرح يرزقكم الله تعالى الري، وإذا سمعتم نباح كلب أو نهيق، حمار، فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنهما يريان شيطاناً.
الدعاء عند الإعياء في المشي:
قال: فإذا أعياه المشي ينبغي أن يمشي ساعة على خبب، فإنه يذهب عنه بالعيا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعيا أحدكم فليخبب، فإنه يذهب عنه بالعياء بإذن الله تعالى.
الدعاء عند الغضب وما يقول إذا غضب:
ينبغي أن يتحوّل عن مكانه، فإن كان قائماً يجلس، أو جالساً يضطجع، ويقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كذا النقل عن السلف.
الدعاء عند الدخول في السوق:
قال: وإذا دخلت بلداً ويكون عبورك على السوق بوجه ما، تقول عند ذلك: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قالها عند دخول السوق كتب الله له ألف ألف درجة.
الدعاء عند رؤية المبتلى:
تقول بحيث لا يسمعك المُبتلى: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به، وفَضَّلني عليه وعلى كثير ممن خلق تفضيلاً.
جاء في الأحاديث أن مَنْ قال ذلك عند رؤية المُبتلى عافاه الله مِن ذلك البلاء، ويكون ذلك شكراً للعافية. والله تعالى يحفظه من أن يُبتلى بمثل ذلك.
الدعاء عند كساد المتاع:
إن كان معك في الطريق متاع، وأردت بيعه للإنفاق وغيره، ولا يشترى منك لكساده قال سري بن يحيى رحمه الله: قد نقل أن المتاع إذا كسد ولا يبتاع، فيدعو صاحبه بهذا الدعاء فإنه يبتاع بإذن الله تعالى عن قريب. يقول: «لا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله، والحمد لله كثيراً، اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنهما بيدك، ولا يملكها أحد غيرك.
وفي هذا القسم دعوات كثيرة غير ما ذكرت أعرضت عن ذكرها مخافة التطويل والسآمة، فمن أراد من ذلك شيئاً فعليه بالرجوع إلى كتاب «المناهج»، والله الموفق للخيرات والطاعات.
يتلوه القسم الثاني، وهو قسم النسك في الحج إن شاء الله تعالى.
القسم الثاني
في بيان نسك الحج
من فرائضه، وسننه، وآدابه، وغير ذلك
وأنه يشتمل على فصول
الفصل الأول
في بيان فضيلة الحج والفضل الموعود للحاج قبل الأداء وبعده في الحياة والممات وإنما قدمتُ هذا الفصل ليرغب الناس في أداء الحج. اعلم أن لمناسك الحج فضيلة ودرجةً ما هي لغيرها من العبادات والطاعات، عرفنا ذلك بالكتاب وقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما الكتاب فقوله عز وجل:
{وَمَن يَخْرُج مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله}، أي: من فارق وَطَنَه وَعَشيرته لطلب رضا الله تعالى ومات فيه، فقد وجب أجره على الله بإيجابه ذلك.
ومثله: قوله تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث بنى الكعبة شرفها الله تعالى: {وَأَذِن فِي
النَّاسِ بِالْحَج يَأْتُوكَ رِجَالًا}، أي: ناد فيهم، وأعلمهم بالحج.
فقال: يا رب وأين يبلغ ندائي؟! فقال الله تعالى: عليك النداء، وعلينا البلاغ.
فصعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام المقام ـ وقيل: جبل أبي قبيس ـ وقال: يا عباد الله إن الله تعالى قد بنى بيتاً، وأمركم بحجه فحجوه.
وفي رواية أخرى: أجيبوا داعي الله، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك داعي الله ربنا لبيك. فلا يحجه أحد إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. كذا ذكر في التفاسير.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم، فأحاديث كثيرة، منها: ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحاج والعُمَّارُ وفد الله، يعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم ما دعوا، ويخلف عليهم نفقاتهم، ويُضاعف لهم الدَّرْهم بألف درهم.
وفي رواية: «والذي نفسي بيده إن الدرهم ينفقه أحدكم فيها أثقل في ميزانه من جبلكم هذا وأشار إلى أبي قبيس.
وفي رواية: «هُم وفد الله وزُوَّارُه، إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوا يستجيب لهم، وإن شَفَعُوا شُفَعُوا.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من مات في طريق مكة مقبلاً أو مدبراً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ولا يُنشَر له ديوان، ولا يُوزن له ميزان، ويدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.
وفي رواية عائشة رضي الله عنها: «لم يوقف يوم القيامة، ولم يُحاسب.
وعن أبي ذر عن النبي لا أنه قال: «إذا خرج الحاج من أهله، وسار ثلاثة أيام، وثلاث ليال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكانت سائر أيامه درجات.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته حاجاً أو معتمراً فمات، أجرى الله له أجر الحاج المعتمر إلى يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين لم يحاسب ولم يُعرض وقيل له: أدخل الجنة من أي باب سلام.
وفي رواية نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات بين الحرمين حاجاً أو معتمراً بعثه الله يوم القيامة ولا حساب عليه ولا عذاب، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن جاورني بعد موتي فكأنما جاورني في حياتي، ومَن مات بمكة فكأنما مات في سماء
الدنيا، ومَن شرب من ماء زمزم، فماء زمزم لما شرب له، ومَنْ قبل الحجر واستلمه شهد له يوم القيامة بالوفاء، وَمَنْ طاف حول البيت أسبوعاً كاملاً أعطاه الله بكل طواف عشر نسمات من ولد إسماعيل، وَمَنْ سعى بين الصفا والمروة ثبَّت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام».
وعنه صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرزق وينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد.
وعن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لو يعلم المقيمون ما للحاج عليهم من الحق الأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم لأنهم وفد الله في جميع الناس.
وقال صلى الله عليه وسلم: من اعتمر في شهر رمضان عمرة فكأنما حج معي حجة.
وَمَن صام شهر رمضان بمكة فصامه كله وقام منه ما تيسر، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغيرها، وكان له بكل يوم مغفرة وشفاعة، وبكل يوم حملان فرس في سبيل الله تعالى.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها ناقته سبعين حسنة. وللحاج الماشي بكل قدم يرفعه ويضعه سبعمائة ألف حسنة من حسنات الحرم قالوا: وما حسنات الحرم؟، قال: الحسنة بمائة ألف.
وكل أعمال البر بمكة فالواحدة بمائة ألف حسنة، والركعة بمائة ألف ركعة، وصيام يوم تطوعاً بمائة ألف يوم وصدقة درهم بمائة ألف درهم، وكل أعمال البرِّ فيها بمائة ألف.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: وللماشي فضل على الراكب كفضل ليلة القدر على سائر الليالي.
وقال: ما رؤي الشيطان في يوم هو أصغر ولا أحقر منه منه في يوم عرفة. وما ذلك إلا لما يرى من نزول الرحمة، وتجاوز الله عن عن الذنوب العظام، إذ يقال: «إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة».
وفي الأحاديث:
أعظم الناس ذنباً مَنْ وقف بعرفة فظن أن الله تعالى لم يغفر له.
وعن السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة غفر لكل أهل عرفة،، وهو أفضل يوم في الدنيا. وفيه
حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وكان واقفاً إذ نزل عليه فيه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} الآية.
وعن مجاهد وغيره من علماء السلف رضي الله عنهم: «إن الحجاج إذا قدموا تلقتهم الملائكة وسلموا على ركبان الإبل، وصافحوا ركبان الحمر، واعتنقوا المشاة اعتناقاً.
وقال: «مَنْ حجّ هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وفي الباب أحاديث أعرضت عن ذكرها مخافة التطويل.
قال رحمه الله: فإذا عرفت شرف بيت الله الحرام وبركته، وعرفت قدر الحاج ومرتبته ينبغي أن يكون العارف بذلك عند القصد، مثل الإنسان المريض الموقن بالموت والمتحقق الهلاك والفوت، يخرج من داره كخروج الميت من دار الدنيا إلى دار الآخرة، يُودّع أهله وأحباءه وداعاً لا يطمع بالعود إليهم أبداً.
فإذا ركب راحلته حسب كأنه موضوع على جنازته، محمول إلى لحده وقبره، فإذا دخل في البادية، ظن أنه أدخل في قبره، فإذا بلغ إلى موضع الإحرام، يظن أنه مبعوث من قبره يُنادَى بالوقوف بين يدي الجبار، فإذا قال: لبيك اللهم لبيك، يكون إجابة النداء، ووقوفه بعرفة كوقوفه بين يدي الله تعالى للعرض والحساب الأكبر. ويجعل المزدلفة كالجواز على الصراط ومنى كالأعراف بين الجنة والنار والمسجد الحرام كالجنة، ومن دخله كان آمناً. والطواف بالبيت كالطواف بالعرش والبيت المعمور والصفا والمروة ككفتي الميزان للحسنات والسيئات يعدو مرة إلى هذه الكفة ومرة إلى هذه الكفة، ينظر أيهما أثقل وأرجح.
ويجعل حلق رأسه اشتهاراً للعمل، فإن كل امرء يكشف رأسه بعمله، المؤمن والمسلم بعمله والكافر والمنافق بكسبه ونيته، قال الله تعالى: {يوْمَ تُبلَى السَّرابِرُ}، فإن كنت تخرج بهذه الحالة تجد الله تعالى أمامك وذلك الفوز العظيم. فإن كنت على خلاف ذلك فتفضح وذلك الخسران المبين، نعوذ بالله أن نكون من الخاسرين.
فصل
في بيان وجوب الحج وشرائط الوجوب
اعلم أنَّ الحج في اللغة عبارة عن القصد إلى الشيء المعظم.
وفي الشريعة: عبارة عن قصد البيت على صفة مخصوصة على ما يأتي، ثم الحج، يقال: بفتح الحاء
وكسرها. ويسمى الحج نسكاً أيضاً بإسكان السين، وأنه اسم لكل عبادة، وبضم السين اسم الذبح؛ لقوله تعالى: {أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسك}.
والمنسك موضع الذبح، ومَوْضع العبادة أيضاً.
ثم اعلم أنَّ الحج ركن من أركان الإسلام؛ كالصلاة والزكاة؛ لقوله حين سأله الداخل عليه: ما الإسلام؟ فقال: «تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله وأن تؤدي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام.
فإنَّ ذلك فريضةً على كل مسلم استطاع إليه سبيلاً، وكلمة «على» للإيجاب على ما عرف في الأصول.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً.
وفي رواية: «فليمت على أي دين شاءَ، إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً، وإن شاء مجوسياً.
فمبالغة النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصفة، وإلحاق الوعيد بتاركه، تدل على الوجوب والفرضية. ثم المراد من قوله: إن شاء مات يهودياً، وإن شاء مات نصرانياً» التشبيه بهم والتقريب إليهم، لا الحكم بكونه يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن اليهود والنصارى كانوا لا يعدُّون الحج في شريعتهم و دينهم من العبادات والفرائض والواجبات فلا يعبدون الله تعالى، ولا يتقربون إليه بذلك، ويجحدون أن يكون الحج من الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده ويتقربون بالصلاة والزكاة والصوم دون الحج.
فمعنى الحديث: من قام من المسلمين بشرائع الإسلام كلها، وترك الحج من غير عذر الاستطاعة، فكأنه جحده في الظاهر، وأنه يتشبه باليهود والنصارى في الإثم ومن تشبه بقوم فهو منهم الحديث، أي: يُعدُّ منهم في الإثم؛ لأن الناس لا يُعرفون إلا بالظاهر دون السرائر، فظاهر حاله هكذا، فيكون مؤمناً فاسقاً عاصياً لا كافراً.
وأنه واجب على الفور على ما يأتي في فصله إن شاء الله تعالى. قال بعض العلماء: المراد من الحديث إن تركه تهاوناً يصير كافراً بالتهاون، فحكمه حكم اليهود والنصارى.
فصل
ثم اعلم أنَّ الحجّ إنما يجب على المكلف عند وجود شرائطه وهي تسعة الإسلام والحرية والبلوغ والعقل، والصحة، والغنى، والزَّاد، والراحلة، وأمن الطريق، والقدرة، والإمكان على الخروج إلى الحج عند خروج أهل بلده.
وإنما اعتبرنا هذه الشرائط للوجوب؛ لأنَّ الخطاب لا يتوجه على العبد إلا عند وجود القدرة والاستطاعة على ذلك.
فإذا فُقِدَ واحدٌ من هذه الأشياء، لا يُعَدُّ الشخص قادراً ومستطيعاً عليه، فلا بد من اعتبار هذه الأشياء المذكورة كيلا يؤدي إلى تكليف ما ليس في وسع العباد، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
أما الإسلام: فلان أداء الحج عبادة، والعبادة لا تتحقق من الكافر، فلا يجب، وفي أحد قولي الشافعي رحمه الله: الحج فرض على الكافر، بناء على أن الكفار عنده مخاطبون بالشرائع. وعندنا لا، وهي من مسائل الأصول مذكورة ثمة. ولو أتى به لا يصح بالإجماع.
وظاهر مذهبه أنَّ الحجّ لا يجب على الكافر، إلا أن يكون مرتداً، فتعتبر الاستطاعة في حقه حالة الردة، فإذا أسلم وعاد إلى الإسلام يجب عليه أداؤه.
وعندنا إذا ارتد المسلم والعياذ بالله بطل حجه، فإذا عاد إلى الإسلام يلزمه الحج.
وأما الحرية: فلأنَّ الحجّ، عبادة وأداؤه يتعلق بقطع المسافة، وذلك إنما يتحقق بالمال، وليس للعبد، مال، فلا يجب كالجهاد، ولو أتى به لا يقع عن حجة الإسلام عندنا، يأتي ذكر ذلك في الإحرام.
وأما البلوغ والعقل: فلقوله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه».
ولأنَّ بالعقل يميّز بين العادة والعبادة، فلا يتناوله الخطاب، ولو أتى به لا يقع عن حجة الإسلام عندنا، يأتي أيضاً ذكره في باب الإحرام.
وأما الصَّحَةُ: فلان العجز يؤثر في إسقاط الأداء؛ كيلا يؤدي إلى تكليف ما ليس في الوسع. وقد اختلف أصحابنا رحمهم الله في الأعمى والزَّمن ومَنْ هو مثلهما، يأتي ذلك في باب الأعذار.
وأما اعتبار الغِنَى: فهو الزاد والراحلة، وذلك أن قطع المسافة البعيدة إنما يتحقق بالمال ظاهراً، فلا
بد من وجود المال ليتمكن من المسير إليه، فإنَّ الاستطاعة شرطٌ؛ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبيلا}، إلا أنَّ العلماء اختلفوا في تفسير الاستطاعة، فعندنا وعند الشافعي وأحمد هي الزاد والراحلة.
وعند مالك هي صحة البدن وإمكان المشي لا المال، حتى لو قدر الصحة على المشي وجب عليه الحج، ويكتسب في الطريق إن كان له كسب، أو يسأل الناس إن كان عادته السؤال؛ لأن الاستطاعة الأصلية هي وإمكان المشي إليه.
لنا ما روي أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستطاعة في طريق الحج، فقال صلى الله عليه وسلم: الزاد والراحلة.
ولأن قطع المسافة البعيدة بدون المشقة الزائدة إنما يتحقق بالمال. وحده أن يكون مالكاً وقادراً على الزاد والراحلة، فضلاً عن مسكنه وملبسه وما لا بُدَّ منه، وعن نفقة عياله إلى حين عَوْدِه، بعد أداء دينه، وقضاء أصدقة نسائه، وأداء ما قضي عليه من نفقة ذوي أرحامه، قَدْرَ ما يُبلغه ويردُّه إلى وطنه بنفقة متوسطة، من غير تقتير ولا إسراف، راكباً غير ماش، هذا هو حد الغنى للحج في ظاهر الرواية.
وروي عن أبي الحسن الكرخي، أنه كان يشترط، أنه كان يشترط مع هذه الشروط كلها نفقة شهر بعد الرجوع إلى أهله.
ويحسب نفقة الخفارة أيضاً في نفقة الطريق على ما يأتي ذكره وفي أحد قولي الشافعي. تعتبر نفقة الذهاب دون العودة إذا كان الرجل عزباً.
وإنما اعتبرنا نفقة العيال وما لا بُدَّ منه على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنَّ أداء الحج حق الله تعالى والنفقة وغيرها مما ذكرنا حق الآدمي، وحقُّ
الآدمي مقدَّم على حق الله تعالى؛ لأنه مستغن عنه، والعبد محتاج مفتقر، فصار كالدين والزكاةِ والرجمِ والقِصاص.
وتعتبر القدرة على الزاد والراحلة عند خروج أهل بلده حتى لو تصرف فيه، واشتري به عروضاً
أو حيواناً قبل خروج أهل بلده سقط عنه الحج. إلا أن ذلك مكروه عند محمد، وعند أبي يوسف لا بأس به، ولو تصرف فيه بعد خروج أهل بلده لا يسقط عنه الحج، ويكون ديناً في ذمته حتى لو مات لقي الله تعالى وعليه الحج.
قال: فإن كان له مسكن فاضل عن سكنى مثله لا يسكن هو فيه، وإنما هو يُؤجره أو يُعِيره، أو عبد لا يستخدمه، أو متاع لا يلبسه، أو كان له كتب لا يحتاج إليها، وما أشبه ذلك يجب عليه أن يبيعها ويحج بثمنها؛ لأن هذه الأشياء فاضلة عن الحاجة الأصلية، فَعُدَّ مستطيعاً، كذا قال أبو يوسف رحمه الله: إذا كان عنده دراهم، وليس له مسكن، ولا خادم فالحج لازم عليه، حتى لو صرفه إلى شيء آخر يأثم لوجود الاستطاعة بملك الدراهم في الحال، بخلاف ما إذا كان له مسكن زائد فإن ثمة يستضر بالبيع.
قال: فإن كان له مسكن واحد وخادم واحد يحتاج إليه لا يجب بيعه؛ لما مر.
وقال بعض أصحاب الشافعي رحمه الله: يجب عليه بيع مسكنه وخادمه، ويحج بثمنه، ويكتري مسكناً وخادماً لأهله كما في صدقة الفطر على أصله.
والأصح أنه لا يجب كما هو مذهبنا.
قال: وهذا كله في حق الأفاقي، أما أهل مكة ومن حولهم يجب عليهم الحج إن قدروا على المشي بغير راحلة؛ لأنه لا يلحقهم مشقة زائدة بأداء هذا الفرض كالجمعة. وأما الزاد فلا بد منه في أيام اشتغالهم بنسك الحج، حتى إنه لو كان صانعاً يكتسب كل يوم ما يقوته، ولا يفضل شيء عن قوته وقوت عياله قدر ما يكفيه في أيام النسك، لا يجب الحج عليه؛ لأنه غير واجد للزاد فإنه شرط.
ثم اختلف العلماء في حد أهل مكة، فعندنا مَنْ كان داخل المواقيت إلى الحرم. وقال الشافعي رحمه الله: الذين هم في الحرم، ومَن كان بينه وبين الحرم مسافة لا يقصر فيها الصلاة، وبه أخذ أحمد بن حنبل اعتباراً بصلاة السفر.
وقال مالك رحمه الله: هم أهل مكة وأهل ذي طوى، والله أعلم.
فصل
في كيفية الزاد والراحلة
قال: المعتبر في حق كل واحد من الأغنياء، ما يليق بحاله من شق محمل، أو رأس زاملة، أو مَحارَة، وأمثال ذلك، بنفقة وسط، من غير تقتير ولا إسراف راكباً غير ماش، لكن يكون متمكناً من أداء المكتوبات في وقتها على الوجه المفروض؛ لأنه لا يليق بالملة إيجاب فرض على وجه يَفُوْته فرائضُ أَخَرَ عن وقتها كالصّوم على المريض عَلى وَجْه تَفُوتُه المكتوبات، فإن كان له مال يتمكن من أن يكتري عقبة، فليس عليه الحج؛ لأنه حينئذ في معنى الماشي فلا يجب.
فصل منه
ثم اختلف العلماء: إن حج الآفاقي راكباً أفضل أو ماشياً؟ فعندنا راكباً أفضل من المشي، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله، وهو الأصح من قوليه؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبا، فاتباعه أولى، ولأن في الركوب ارتفاقاً ومؤونة بالمال، وعوناً على قوة النفس لقضاء النسك بصفة الكمال، فكان أفضل.
والقول الثاني له: إنَّ المشي أفضل. وهو قول داود؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: وللماشي فضل على الراكب كفضل ليلة القدر على سائر الليالي.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها ناقته مائة حسنة، وللحاج الماشي بكل خطوة قدم يرفعه ويضعه سبعمائة ألف حسنة من حسنات الحرم قالوا يا رسول الله وما حسنات الحرم؟، قال: الحسنة بمائة ألف».
ولما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما أوصى بنيه عند الموت بأن يحجوا مشاة. وساق الحديث.
إلا أنا نقول: المراد من هذا الحج من مكة وحواليها، إلى ما ذكرنا أن القدرة على الراحلة ليست بشرط في حقهم؛ لأنه لا تلحقهم زيادة مشقة تخل بنسك الحج لقرب المسافة دل عليه قول ابن عباس رضي الله عنهما لبنيه عند الموت: أخرجوا حاجين من مكة مشاة حتى ترجعوا إلى مكة مشاة، فإن للحاج الراكب بكل خطوة وساق الحديث، فكأن المراد من الحديث الحج ماشياً من مكة جمعاً بين الحديثين، وعملاً بهما بقدر الإمكان، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا تفضيل الحج من مكة وإن قربت المسافة، على الحج من سائر البلاد وإن بعدت المسافة شرفاً وتعظيماً، لها، ومَن كان به ضعف من أهل مكة لا يقدر على المشي فالركوب له أفضل بناء على ما ذكرنا، والله أعلم.
فصل منه
وإن اتفق عَام قَحط وجَدْب وغلا وعطش وقلة ماء في الطريق، ولم يجد زاداً، ولا ماءً في الطريق، أو يجد أحدهما دون الآخر، أو يجدهما جميعاً ولكن بأكثر من ثمن المثل جدّاً في المواضع التي جرت العادة بوجودهما فيها، لم يجب الحج عليه؛ لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن المثل جدا بمنزلة العدم؛ لما فيه من المشقة وعلى هذا إذا لم يجد راحلة أو وجدها، ولكن لا يصلح ذلك له بأن يكون شيخاً، أو شاباً مترفاً لا يقدر على الركوب إلا في المحمل أو نحوه، لكن بأكثر من ثمن مثلها، لا يجب الحج عليه؛ لما ذكرنا، وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم مثلُ ذلك.
فصل
في أمن الطريق
وإنما اعتبرنا أمن الطريق في حق الوجوب؛ لأنّه لا يتوصل إليه ظاهراً مع توجه الخوف، كالزاد والراحلة والعبرة هي الغالب، فإن كان الغالب السلامة يجب، وإن كان الغالب القتل والهلاك وأخذ المال لا يجب؛ لما مرَّ غير مرة، أنَّ للأكثر حكم الكل، كذا عن الفقيه أبي الليث رحمه الله عُرف تمامه في فصل سقوط الحج بالأعذار.
ثم اختلف أصحابنا رحمهم الله أنَّ أمن الطريق شرط الوجوب، أم شرط الأداء؟ روى ابن شجاع، عن أبي حنيفة رحمه الله أنه شرط الوجوب.
وقال بعضهم: هو شرط الأداء مع ثبوت أصل الوجوب، كالممنوع عن الشيء بالقيد وغيره.
وثمرة الخلاف تظهر في حق وجوب الوصية عليه:
من قال إنّه شرط الأداء يقول بوجوب الوصيّة؛ ليؤدى عنه بعد موته بعد زوال العذر.
ومن قال إنه شرط الوجوب لا يقول بوجوب الوصية، والله أعلم.
فصل
وأما اعتبار القدرة على الخروج عند خروج أهل بلده، فإن ذلك بمنزلة دخول وقت الوجوب؛ كدخول وقت الصلاة، فإنها لا تجب قبل وقتها كذا هنا، إلا أن ذلك يختلف باختلاف البلدان فيعتبر وقت الوجوب في حق كل شخص عند خروج أهل بلده؛ لأنه أقرب إلى العدل والتخفيف والتيسير في حقه.
فصل
الأعذار لسقوط الحج وما يمنعه من الوجوب أصلاً
ذكر في فتاوى الصُّغرى: لو قُتِلَ بعضُ الحاج في الطريق، فذاك عُذْرٌ يتوجه الخوف عليه بسببه، قال: ولو لم يتمكن من المضيّ وسلوك الطريق إلا بدفع شيء من ماله ونفقته كالمكس ونحوه.
قال بعض أصحابنا: هو عذر لا يجب الحج به، حتى أنهم قالوا: يأثم بدفع ذلك إلى الظلمة؛ لأنه إعانة لهم على الإثم والعدوان، ويجوز له أن يرجع من المكان الذي يؤخذ منه فيه المكس والخفارة.
وفي هذا اختلف المتأخرون من أصحابنا في وجوب الحج في هذا الزمان.
قال أبو القاسم الصَّفار رحمه الله: إني لا أرى الحج فرضاً منذ خرجت القرامطة الأول. والبادية عندي بمنزلة دار الحرب.
وقال أبو بكر: لا أرى الحج فريضة في زماننا، قال ذلك في سنة ست وعشرين وثلاثمائة.
لكن الفتوى على ما قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أَنْ يُنظَر إن كان الغالب السلامة ولا ينهزمون يجب ولا يسقط. وإن كان الغالب هو الانهزام والخوف والقطعَ لا يجب.
وعلى هذا الركوب في البحر في موضع جرت العادة بركوب البحر منه إلى الحج، إن كان الغالب الأمن والسلامة يجب وإلا فلا، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله. وفي قوله الآخر: لا يجب كيف ما كان؛ لأنَّ البحر مظنة الهلاك.
وأما المعضوب: وهو الذي لا يقدر على الاستمساك على الراحلة والثبوت عليها إلا بمشقة وكلفة عظيمة؛ من كبر سن، أو ضعف بين أو يكون به علة الشلل والفالج، أو مقطوع الرجلين واليدين، أو كان محبوساً آيساً من الخلاص ونحو ذلك من الأعراض.
وكذا الأعمى إن وجد قائداً والزَّمِن إذا كان له من يقوم بأمره، والمقعد إن وجد حاملاً وهادياً، يجب الحج على هؤلاء عند أبي حنيفة رحمه الله في أموالهم دون، أبدانهم إذا كان لهم مال، على ما بينا نظراً إلى العجز والعذر الظاهر.
وعندهما الأعمى ومن بمعناه إذا وجد قائداً يجب عليه الحج بنفسه، كما في وجوب الجمعة على
الاختلاف الذي عرف ثمة. قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجب على هؤلاء أن يدفعوا النفقة إلى غيرهم ليحجوا عنهم، وتسقط عنهم حجة الإسلام بشرط أن يدوم ذلك العذر إلى الموت من غير برء، فلو برأ قبل انصراف الحاج أو بعده كان ذلك الحج تطوعاً، وعليه حجة الإسلام، لوجود الاستطاعة والقدرة على الأصل قبل فوت الوقت كالتيمم مع الماء.
وعند مالك رحمه الله: لا يجب الحج على هؤلاء أصلاً لما مر من أصله أن الشرط عنده الاستطاعة بالنفس دون المال.
وقال أحمد والشافعي رحمهما الله: إن كان العذر مرضاً مخوفاً مأيوساً عن برء، أو كان نضو الخلق من كبر سنه أو غيره، على وجه لا يقدر على الاستمساك على الراحلة إلا بمشقة عظيمة، جاز له أن يستنيب غيره ليحج عنه. أما من يقدر على الاستمساك والثبوت على الراحلة من غير زيادة مشقة، وإن كان له عذر، كأعمى ومقطوع اليدين والرجلين ونحو ذلك، فلا تجوز لهم الاستنابة إذا وجدوا من يقودهم ويهديهم عند النزول، عند الركوب بأجرة المثل؛ بل يجب عليهم بأنفسهم إذا قدروا؛ ويُرْكِبُهُم على الزاد والراحلة على ما مر من أصلهم.، ثم عنده إنما يجوز الاستنابة في حق حج الفرض، أما التطوع فله فيه قولان.
والأصح أنه لا يجوز النيابة فيه حتى لو استاجر ليحج عنه، فالإجارة فاسدة، ووقع الحج عن الحاج، لا عن المحجوج عنه.
وعندنا تجوز الاستنابة في الفريضة والنوافل جميعاً على ما يأتي في فصل الحج عن الغير، وفصل الوصية بالحج.
ثُمَّ عند الشافعي رحمه الله: إن برأ المأيوس من علته فله فيه قولان: في قول: تجب عليه حجة الإسلام بنفسه. وفي قول: لا تجب والأصل في هذا الباب ما روى ابن عبّاس رضي الله عنهما أن امرأة خَثْعَمية أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبي قد أدركته فريضة الحج، وإنه شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «نعم.
أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أيجوز؟ قالت: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: فحق الله تعالى أولى.
وكلُّ واحدٍ تمسك بالحديث. ويَلْحَقُه من بمعناه.
فإن لم يكن للمعضوب ومن بمعناه مالٌ، ولكن يجد من يطيعه في فعل الحج، ويبذل له الطاعة
والمال، لم يلزمه الحج عندنا.
وقال الشافعي رحمه الله: إذا بذل ولده أو ولد ولدِهِ وإِنْ سَفل يَلْزمه قولاً واحداً؛ لأنه حينئذ يعد مستطيعاً بالمال.
ولو بذل عنه غير الأولاد من الأقارب والأجانب فله فيه وجهان.
لنا أنّ بالبذل لا يصير المال ملكاً له، فلا يعد غنياً، فلا يجب.
وَمَن مات بعد التمكن من الحج ولم يحج، سقط عنه فرض الحج عنه من ثلث ماله، ويجبر
وبه أخذ مالك رحمه الله، إلا أن يوصي فَيُحَج الورثة على ذلك. وإن لم يوص لم يجبروا، ولا يلزمهم ذلك.
وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله: إذا مات بعد التمكن لا يسقط عنه الحج، ويجب أن يُحَج عنه من أصل ماله ويجبر الورثة على ذلك؛ لأنه دين عليه كسائر الديون.
لنا أن هذه عبادة بدنية حقيقة والمال تبع أو شرط، وبه أخذ مالك وأحمد رحمهما الله، فلا تدخل فيه النيابة كالصلاة، بخلاف ما إذا أوصى. تمامه يأتي في فصل الوصية والحج عن الغير.
ولو حج المسلم حجة الإسلام ثم ارتد والعياذ بالله، ثم عاد إلى الإسلام بطل حجه، ويلزمه أن يحج ثانياً، وبه أخذ مالك وأحمد.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يلزمه ثانياً؛ لأن بطلان العمل عنده معلق بموت المرتد؛ لقوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِر} الآية، فصار كالصوم والصلاة.
لنا أنَّ بنفس الرّدة حبط عمله؛ لقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَنِ فَقَدْ حيط عملهم}، وبالرجوع إلى الإسلام صار مكلفاً بأداء الفرائض، لكن على وجه لا يفضي إلى الحرج، ولا حرج في الحج؛ لأنه يجب مرّة، بخلاف الصوم والصلاة.
ولو و. وجب عليه الحج ولم يحج حتى افتقر لا يكلف بالأداء بحكم العجز، ولكن يستحق الإثم بسبب التأخير على ما يأتي في الفصل الذي يليه أن الحج واجب على الفَوْر، أم على التراخي، فإنها من فروعها.
ثم من حج من هؤلاء الذين لا يجب عليهم الحج؛ كالفقير والزَّمن، والأعمى، والمعضوب، ونحوهم، صح ذلك، ويقع عن حجة الإسلام، إلا الصبي، والمجنون، والمرقوق، والكافر، لما مر، ويكون ذلك تطوعاً، وعليهم حجّة أخرى بعد زوال العذر عندنا.
وعند الشافعي يصح حج الصبي والعبد، وله فيه تفاصيل تأتي كلها في فصل إحرام الصبي والعبد إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: ويعتبر في حق المرأة جميع ما ذكرنا، من الشرائط. لوجوب الحج والأداء وشرطان آخران.
أحدهما: أن لا تكون في العِدة، فإنها تمنع إنشاء السفر.
والثاني: وجود محرم يحج معها، أو زوج إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، وبه أخذ أحمد.
وقال مالك رحمه الله: إن كان صحبة مأمونة جاز لها الخروج؛ لأن الأمن يحصل بهم. وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي رحمه الله: لا بأس بأن تحج إذا خرجت رفقة معها نساء ثقات، وإن كانت واحدة ثقة؛ لأن الأمن يحصل بهن فيلزمها الحج.
لنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها.
والاختلاف هنا كالاختلاف في أمن الطريق أنه شرط الوجوب أم شرط الأداء؟ ثم المحرم من لا يجوز أن يتزوجها على التأبيد بقرابة أو رضاع أو صهورية؛ لأن التحريم على التأبيد يزيل التهمة.
والحر والعبد والمسلم والذمي سواء إلا أن يكون مجوسياً يعتقد إباحة مناكحتها، فلا تسافر معه؛ لأن الأمن لا يحصل به، وكذا المسلم إذا كان فاسقاً غير مأمون بحكم الظاهر؛ لأن الأمن لا يحصل به أيضاً. ولا عبرة للصبي الذي لم يحتلم والمجنون الذي لا يفيق؛ لأن الحفظ لا يتأتى منهما.
قال: ويجب على المرأة نفقة محرمها؛ لأنَّ التوصل إنما يحصل به. وإذا وجدت المرأة محرمها لا يكون للزوج منعها.
وقال الشافعي رحمه الله: له أن يمنعها لتعلق حق الاستمتاع، وحق الآدمي مقدم كما في حج النفل. ولنا أن حق ولنا أن حق الزوج وغيره من الزوج وغيره من الآدمي لا يؤثر في إقامة الفرض عند وجود شرائطه كصلاة الفرض بخلاف صلاة النقل.
ولا يجب على المرأة أن تتزوج بزوج ليحج بها؛ لأن ذلك شرط الوجوب والفرضية، وليس على العبد تحصيل شرط الوجوب. تمامه يأتي في فصل إحرام المرأة، إن شاء الله تعالى.
فصل
في بيان أن الحج واجب على الفور أم على التراخي
اعلم أن المسارعة فيه والإتيان به على الفور مستحب بالإجماع.
أما الوجوب فقد اختلفوا فيه، روى أبو يوسف، عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه واجب على الفور، وهو الأصح عنه. وبه أخذ مالك وأحمد رحمهما الله، وقال محمد والشافعي رحمهما الله: هو واجب على سبيل التراخي؛ لأن فرض الحج كان في سنة ثمان، وفي رواية سنة ست من الهجرة، والنبي أخر الحج إلى سنة عشر، وهي حجة الوداع، وأمر أبا بكر رضي الله عنه على الناس يحج بهم في سنة تسع، ولو كان واجباً على الفور لما أخره إلى السنة المذكورة، فدل ذلك على أنه واجب على التراخي.
لنا قوله صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، نص على التعجيل فيه، فلا يجوز التأخير عن زمان الإمكان.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس، أو سلطان جائر، ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً».
ولأنه فريضة مؤقتة تعلق بفسادها الكفارة، ففي تحصيلها في آخر أجزاء حياته نوع حرج، فوجب القضاء بوجوبه على الفور كما في فريضة الصوم، والجامع بينهما تعظيماً وتشريفاً لهما.
وأما تأخير النبي الله إلى السَّنة العاشرة، كان لعذر ظاهر وهو اشتغاله بدفع شرّ أعداء الله تعالى عن نفسه وأهله والمسلمين بالتدبير في المحاربة مع قبائل هوازن وغيرهم، دل عليه الحديث الثاني.
واجتماعنا على أن الإتيان به على الفور أفضل، ولا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأفضل إلا بعذر، ظاهر وهو اشتغاله بدفع شرّ أعداء الله تعالى على ما ذكرنا.
ثم على قول من يوجب الحج على التراخي فلم يحج حتى مات فهل يأثم بذلك؟، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يأثم بذلك؛ لأنا جوزنا التأخير ولم يرتكب محظوراً بعد ذلك.
والثاني: يأثم بذلك؛ لأن التأخير إنما جوزناه له بشرط السلامة والأداء، وهو الأصح.
والثالث: إن خاف الفقر والكِبَرَ والضعف فلم يحج حتى مات يأثم، وإن أدركته المنية فجأة قبل خوف الفوات لم يأثم؛ لأن الحكم لغالب الظن.
ثم على الوجه الذي يأثم، ومن أي وقت يأثم؟. قال بعضهم: يأثم بتأخيره عن السنة الأولى. وقال بعضهم بتأخيره عن السنة الأخيرة. وقال بعضهم: يأثم من حين تبين ورأى في نفسه الضعف والعجز والكبر. وقال بعضهم: يأثم في الجملة، لا في وقت معين؛ بل علمه إلى الله تعالى وهو أعلم.
فصل
ثم اعلم أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة؛ لما روي أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله الحج في كل سنة أم مرة واحدة؟ فقال: مرة واحدة. وفي رواية قال: أحجنا هذا العامنا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد». وهو إجماع لا يعرف فيه خلاف، إلا أنه حكي عن بعض الناس أنهم يقولون بالوجوب في كل سنة خلاف الإجماع، وإنه مردود غير مقبول.
فصل
في بيان وقت الحج والعمرة
اعلم أن أشهر الحج شوّال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، ويوم النحر منها، وبه أخذ أحمد.
وقال الشافعي، شوال وذو القعدة وتسعة أيام، ويوم النحر ليس من أشهر الحج. وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله.
وقال مالك: أشهر الحج: شوال، وذُو القعدة، وذُو الحجة كلها؛ لقوله تعالى: {الْحَج أَشْهُرُ مَعْلُومَتٌ} فذكر بلفظة الجمع، وأقله ثلاثة أشهر بصفة الكمال.
و للشافعي رحمه الله قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرُ مَعْلُومَتُ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَج}، ولو كان يوم النحر من أشهر الحج لجاز فيه الإحرام بالحج، ولا يفوت الحج بخروج يوم عرفة وليلته وبدخول يوم النحر.
ولنا قوله: {وَأَذَنٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجَ الْأَكْبَرِ}، يعني يوم النحر على قول أكثر المفسرين.
ومِنَ المحال أن يكون يَوْم الحج، ولا يكون من أشهر الحج، ولأن يوم النحر يوم أداء ركن الحج، وهو طواف الزيارة؛ لأنه وقته، ووقت العبادة ما وضع لأداء أركانها، وأداء ركن من العبادة لا يكون في غير الوقت موضوعاً إلا أنه ليس محل أداء الوقوف، كما أن يوم عرفة ليس وقت أداء طواف الزيارة؛ ولأنه يحرم عليه الجماع ودواعيه، وإزالة التفث قبل الحلق وطواف الزيارة على ما يأتي.
وأما الإحرام فيجوز عندنا، إلا أنه يكره ذلك لما يأتي.
وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر و ابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين مثل ما ذهبنا إليه.
وفائدة معرفة أشهر الحج، أن أفعال الحج لا تتقدم عليها بالإجماع.
وأما إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج عندنا ينعقد ويصح، ويكون مسيئاً، وعنده لا يصح إلا في أشهر الحج على ما نذكره في الفصل الذي يليه.
وفائدة الخلاف مع مالك، أن عنده يجوز صَوْم ثلاثة أيام الحج التي أمر الله تعالى بها للمتمتع والقارن في ذي الحجة إلى آخر الشهر، وكذا لو أخر الطواف عن ذي الحجة كلها يجب عليه دم، وإلا فلا فإنه من أشهر الحج.
وعندنا لا يجوز الصوم في يوم النحر، ولا ما في بعده على ما يأتي، وفيه فوائد أخر تأتي بعدها إن شاء الله تعالى.
فصل منه
فإن أحرم بالحج قبل أشهر الحج ينعقد، ويكره ذلك، وبه أخذ مالك، وأحمد، والثوري رحمهم الله.
وقال الشافعي: لا يصح، وينعقد عمرة، وهل يجزي عن عمرة الإسلام؟ فله فيه قولان.
له: أن الإحرام شُرِعَ في الحج، فلا يجوز الإتيان به قبل وقته، كما في الصلاة.
لنا أن الإحرام عزيمة على تحصيل أفعال الحج في ثاني الحال، وأنه شرط لا أنه من ذات الحج، فيصح قبل الوقت كنية الصوم من الليل، والطهارة للصَّلاة، إلا أنه يكره، لأنّا لا نأمن من مباشرة المحظور فيه لطول المدة، وأنه حرام، حتى لو أَمِنَ من ذلك لا يُكره.
فصل
في وقت العمرة
وأما وقت العمرة فجميع السنة وقت لها إلا أنه يكره في خمسة أيَّام:
يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
وقال الشافعي رحمه الله: تجوز في جميع السنة، ولا يكره فعلها في وقت من السنة. وبه أخذ أحمد رحمه الله.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنها تكره في يوم النحر وأيام التشريق.
وقال مالك رحمه الله: لا تجوز في السنة إلا عمرة واحدة.
وهي سنة عندنا، وعند مالك. وعند الشافعي وأحمد هي واجبة.
تمام ذلك يأتي في فصل أفعال العمرة على سبيل الانفراد، وبيان أحكامها إن شاء الله تعالى.
فصل
في المواقيت التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان إلا محرماً
وهي خمسة:
أولها: ذو الحليفة، وهي ميقات أهل المدينة.
وثانيها: الجحفة، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب.
وثالثها: يلملم، وهي ميقات أهل اليمن وتهامة. ورابعها قرن، وهو ميقات نجد اليمن وسائر النجود.
وخامسها: ذات عرق، وهي ميقات أهل العراق، وجميع أهل المشرق.
لما روي أن النبي الوقت على هذا الوجه، وقال: «هُنَّ لأهلهنَّ ولمن مَرَّ عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم ما وقت لأهل العراق ذات عرق، ولأن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأهل المشرق ميقات؛ لأنهم لم يكونوا مسلمين، كذا عن، إلا أن عمر والصحابة رضي الله
عنهم وقتوا ذات عرق طاووس بعده؛ لأنه بحيال قرن.
وروت عائشة وجابر رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق والمشرق ذات عرق، وهو الصحيح؛ لأن أهل العراق وإن كانوا مشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن عرف بطريق الوحي أن بلاد الشرق تصير دار الإسلام ويصير أهلها مسلمين علماء فقهاء، على وجه يفوقون على سائر الأقاليم في الفقه وعلم الشريعة. وإلى هذا ذهب أصحابنا، وأصحاب أحمد، وأكثر أصحاب الشافعي رحمهم الله. ثم اعلم أن أبعد المواقيت ذُو الحليفة، وهي على عشر مراحل من مكة على قدر ميل أو ميلين من المدينة، ويليها في البعد الجحفة، والثلاثة الأخر من المواقيت على مسافة واحدة بينها وبين مكة ليلتان، هكذا ذكر في كتب التواريخ وغيرها من كتب الفقه.
وقال: وكل مَنْ قصد مكة وسلك طريقاً غير مسلوكة بين الميقاتين براً أو بحراً، فإنه يجتهد ويحرم إذا حاذى ميقاتاً من هذه المواقيت.
والأولى أن يكون إحرامه من حده الأبعد من الميقاتين؛ ليكون أبعد الخطأ؛ ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو أن أهل الشرق أحرموا من العقيق كان أحب إلي. والعقيق قبل ذات عرق بمرحلة، وهذا بناء على أن ذات عرق عنده لم يثبت عن النبي يا الله أنه ميقات لأهل العراق، وأن الناس وضعوه بعده.
وعندنا قد ثبت إما بحديث، وإما بإجماع الصحابة رضي الله عنهم بعده على ما بينا.
ولو جاء الشامي من طريق أهل العراق فميقاته ميقات أهل العراق، وكذا إذا جاء العراقي من طريق الشام أو غيرها، فميقاته ميقات أهل تلك الطريق لما مر من الحديث.
فصل
اعمل أن تقديم الإحرام على المواقيت ومِن دُويرة أهله أفضل عندنا إذا كان يملك نفسه، بأن لا يقع في محظور ولا يرتكبه.
وقال الشافعي رحمه الله: الإحرام من الميقات أفضل، في رواية المزني عنه.
وبه قال مالك، وأحمد رحمهما الله؛ لما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من الميقات. ولو كان الإحرام قبل الميقات أفضل لفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية عن الشافعي رحمه الله، أن الإحرام من بلده أفضل.
لنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام أو عمرة، غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، ووجبت له بحج، الجنة».
ولأنه أكثر عملاً في القربة فكان أفضل.
قال: ومَن جاوز من أهل المدينة ذا الحليفة إلى الجُحفة يريد دخول مكة حرسها الله تعالى فله أن يحرم من الجحفة.
وفي بعض النسخ: لا بأس به، ولا دم عليه، ولكن الأولى والمستحب أن يحرم من ذي الحليفة مراعاة لحرمتها.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز لمن يريد النسك أن يتجاوز ذا الحليفة بغير إحرام؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة.
لنا ما روي أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت الحج أحرمت بالحج من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة.
فدل ذلك على أن الإحرام من ذي الحليفة غير لازم، وأنه للأفضلية الجحفة الجواز والظاهر أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ومن ذلك لا يعرف إلا سماعاً، ولأنه أحد الميقاتين لمن سلك تلك الطريق للدخول إلى مكة شرفها الله تعالى فيخير إلا أن الأفضل الإحرام من ذي الحليفة لما بينا.
فصل
في ميقات أهل مكة وأهل المواقيت
قال: ومَن كان منزله في الميقات، وَدُونه إلى الحرم، فميقاته في الحج والعمرة الحِلُّ الذي بين الميقات والحرم، لكن من دويرة أهله أفضل؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُوا الحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}.
قال عمر وعلي رضي الله عنهما: إتمامها أن يحرم بهما من دويرة أهله.
فأما ميقات أهل مكة، ففي الحج الحرم؛ لما روي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم التروية أن يحرموا بالحج من المسجد الحرام.
ولأن أهل مكة ينسبون إلى الحرم، فيحرمون من حيث ينسبون إليه. ولأن ابتداء فعل الحج وهو الوقوف بعرفة يقع في الحل، فيكون محل إحرامه الحرم ليصير جمعاً بين الحل والحرم في نسكهم. ويجوز لهم أن يحرموا من أي موضع شاءوا من الحرم، إلا أن من المسجد أفضل لما ذكرنا من الحديث. ومِن دُويرة
أهله لما ذكرنا من الآية.
وإن خرج مكيّ من مكة، وأحرم في الحرم بالحج، فللشافعي فيه قولان، وقيل فيه وجهان.
فإن خرج إلى الحل وأحرم بالحج كان حكمه في ذلك كحكم غير المكي إذا جاوز الميقات وأحرم على ما ذكرنا.
وأما ميقاتهم في العُمرة الحل؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها أن تهل بالعمرة من التنعيم، وهو أقرب ميقات إلى الحل من مكة، وهما بمكة؛ ولأن أول أفعال العمرة الطواف، وهو يقع في الحرم، فكان ميقاته من الحل، ليكون جمعاً بين الحل والحرم. تمامه يأتي في فصل العمرة.
فصل
في أحكام المواقيت عند الدخول
قال: من كانت المواقيت بينه وبين مكة إذا قصد مجاوزتها لدخول مكة لا يباح له ذلك إلا محرماً، نوى النسك أو لم ينو.
وقال الشافعي رحمه الله: إن كان يريد النسك فكذلك، وإن لم يرد به النسك؛ بل يريد دخول مكة لحاجة لا تتكرر فله فيه قولان:
والأصح أنه يلزمه وإن كان لحاجة تتكرر لا يلزمه الإحرام لقوله صلى الله عليه وسلم فيه: «هنّ لأهلهن ولمن مرّ بهن ممن أراد الحج و العمرة.
شَرَط النسك.
ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم».
ثم على أصله لو تجددت له نية بعد المجاوزة وأراد النسك أحرم من مكانه وموضعه، وحكمه حكم أهل ذلك الموضع من داخل الميقات.
وقال أحمد رحمه الله: يلزمه أن يعود إلى الميقات ويحرم منه؛ لأنه المتعين في الشريعة.
قال: فلو أنه أراد دخول بستان بني عامر، أو نخلة، أو غير ذلك من مواضع الحل لحاجة ولا يريد دخول مكة، فله أن يجاوزه بغير إحرام؛ لأنه لم يرد به دخول مكة والحرم فلا يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: ممن أراد الحج والعمرة؛ فإن الحج أو العمرة لا يتصور وقوعه معتبراً إلا بالدخول في مكة ومجاوزتهما، فهو المراد من الحديث.
والأصل في هذا أن كل من قصد مجاوزة الوقتين للدخول في مكة لا يباح له الدخول إلا محرماً لما ذكرنا.
وفي قصد مجاوزة أحد الميقاتين يجوز له الدخول بغير إحرام، حتى لو قصد أن يدخل بستان بني عامر ثم بدا له أن يدخل مكة لحاجة بغير إحرام، فله ذلك؛ لأنه حينئذ صار من أهل ذلك المكان، ولأهل ذلك المكان يباح لهم الدخول من غير إحرام؛ لما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للحطّابين الخروج إلى الحطب والرجوع إلى مكة بغير إحرام.
وكذا المكي إذا خرج من مكة بسبب تجارة، أو لحاجة أخرى، ثم بدا له أن يعود قبل الخروج من المواقيت المذكورة يجوز له أن يعود بغير إحرام. وإن خرج من الميقات يعني ذات عرق وغيره لا يجوز ذات عرق وغيره لا يجوز أن يعود إلى مكة إلا محرماً بناء على ما بينا، والله أعلم.
وعن أبي يوسف رحمه الله: إن أراد الدخول في بستان بني عامر على نية أن يقيم به خمسة عشر يوماً جاز له أن يدخل مكة بعد ذلك بغير إحرام؛ لأن بنية الإقامة صار من أهل ذلك المكان، وإن لم ينو إقامة خمسة عشر يوماً لم يجز له الدخول إلا بإحرام؛ لأنه حينئذ بقي على حكم السفر الأول، دل عليه قصر الصَّلاة.
فصل
في أحكام مجاوزة الميقات بغير إحرام
قال: وإذا جاوز المحرم أحد المواقيت على الوجه الذي ذكرنا، ودخل مكة بغير إحرام فعليه حجّة أو عمرة قضاء لما عليه وعليه دم الترك للوقت وهو التلبية عند الميقات.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يلزمه حجّة ولا عمرة؛ لأن الحج والعمرة عبادة والعبادة لا تلزم بدون الالتزام وصار كما لو ترك تحية المسجد.
لنا أنه لما حرمت عليه المجاوزة بغير إحرام لزمه ما يلزمه بالإحرام، وذلك حجة أو عمرة، فإذا فاتَ يجب عليه القضاء، ويجب الدم لترك حق الوقت وهو التلبية؛ لما مر فإن عاد إلى الميقات وأحرم ولبي سقط عنه الدم؛ لأنه لما أحرم من الميقات ولبّى فقد وُجِدَ منه ما ترك فينجبر فيسقط عنه الدم خلافاً لهما على ما يأتي، سواء أتى ذلك الميقات بعينه أو ميقاتاً آخر، كيف ما كان في ظاهر الرواية، لأنه ترك ميقاته
إلى مثله فيجوز لكن الأفضل أن يُحرم من ميقاته ذلك؛ ليكون مستدرك العين بالعين لا العين بالمثل، فكان أفضل.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله: إن كان هذا الميقات يحاذي الميقات الذي جاوزه أو أبعد منه يجزيه وإن كان أقرب لا يجزيه لأنه دونه، هكذا ذكر في شرح الطحاوي. وفي شرح القدوري للعوفي مثل قول أبي يوسف رحمه الله، ولكن ذُكِرَ مطلقاً ولم يُحَلْ إلى قول أحد.
وقال هذا في حق أهل غير المدينة؛ لأن ميقاتهم أبعد من الكُلّ فكان غيره من المواقيت داخلاً في ميقاتهم، أما أهل المدينة فلم تثبت لهم الرخصة ذلك.
قال: وإذا دخل الوافد مكة بغير إحرام، حتى وجب عليه أحد النسكين، فأقام بها حتى دخل وقت الحج، ثم خرج من عامه ذلك وعاد إلى الميقات، وأحرم بنية حجة الإسلام، أو عمرة كانت عليه، أو بنية حجّة لزمته بالنذر أو غيرها وجبت عليه أجزأه ذلك عما وجب عليه لدخول مكة بغير إحرام، وسقط عنه ما وجب عليه بسبب المجاوزة بغير إحرام استحسانا.
وقال زفر رحمه الله: لا يسقط كما إذا نذر بحجة أو عمرة لا يسقط ذلك عنه بحجة الإسلام كذا هنا، وكما لو تحولت السنة.
لنا أن وجوب أحد النسكين ما كان باعتبار ذاته؛ بل بسبب التفريط والنقصان في حق قضاء البيت والحرم أو الوقت.
فإذا عاد إلى الميقات في السنة فقد جبر التفريط والنقصان في وقته وتداركه فيسقط، بخلاف النذر، فإن وجوبه کان باعتبار ذاته وبخلاف ما إذا تحولت السنّة وذهب عامه ذلك، لأنه أخرم في غير وقته، لأنه لما تحولت السنة فقد فات الوقت عنه، فلا يقبل الجبر، كمن نذر أن يعتكف شهر رمضان أجزأه صوم رمضان عن صوم الاعتكاف، فإن مضى شهر رمضان وَلَمْ يعتكف، ثم اعتكف في رمضان آخر من السنة الثانية لا يجوز لما قلنا كذا هنا.
وكذا لو أحرم بعمرة منذُورة في السنة الثانية، لا يجوز له أيضاً؛ لأنه لما تأخر أداء العمرة إلى أن دخل يوم النحر وأيام التشريق، فقد أخر إلى أن دخل الوقت المكروه، فصار بمنزلة تحول السنة في حق العمرة وإن كانت العمرة لا تفوت بتحوّل السَّنة لأنه غير مؤقت.
ولو أنه دخل مكة بغير إحرام، ثم خرج وعاد إلى أهله، ثم عاد إلى مكة فدخل بغير إحرام، وجب عليه لكل واحد من الدخولين إحرام، لأنه لما عاد إلى أهله فقد أبطل تلك السفرة والدخول فيها، وإذا
بطل فقد فات عن وقته، وهذا دخول آخر بسفر آخر، فلا يقبل الجبر.
فإن أحرم بحجة الإسلام عن الدخول الثاني جاز إذا كان في سنته، ولم يجز ذلك عن الدخول الأول لما بينا.
فإن عاد إلى الميقات بعد ما أحرم داخل الميقات، ولبي عند الميقات سقط عنه الدم، خلافاً لزفر ومالك رحمهما الله، لوجود الجناية.
فإن دخل مكة بإحرام دون الميقات فطَافَ شوطاً لعمرته، أو ابتدأ بالشوط واستلم الحجر، ثم عاد بعد ذلك ولبي لم يسقط عنه لشروعه وانتقاله إلى عبادة أخرى هي أفعال الحج، فلم يبق في المحل
الأول.
وقالا: إذا رجع إلى الميقات محرماً قبل الشروع في أفعال الحج فلا شيء عليه، لبّى أو لم يلبّ، لأنه قد تدارك حُرمة الميقات في أوانه فصار كما قبل الشروع.
وقال الشافعي رحمه الله: إن عاد إلى الميقات قبل أن يبلغ مسافة القصر من الميقات فلا دم عليه، لبّى أو لم يلبّ، وإن لم يعد حتى بلغ مسافة القصر ثم عاد فله فيه وجهان أحدهما لا دم عليه. والثاني: عليه الدم.
قال: وكذا لو تلبس بالوقوف فإنه كالشروع في أفعال طواف القدوم.
وقال زفر، ومالك رحمهما الله: لا يسقط في الوجهين؛ لما مر.
ولو جاوز من غير إحرام، ثم أحرم ودخل في النسك ثم أفسد أو فاته الحج، وجب عليه القضاء لما مرّ، وسقط عنه ذلك الدم؛ كمصل سهى في صلاته، ثم أفسد صلاته، وجَبَ عليه القضاء، وسقط عنه سجدتا السهو. كذا هنا.
وقال زفر رحمه الله: لا يسقط لما مر.
ولو جاوز بغير إحرام، ثم قرن، فعليه دم واحد.
وقال زفر رحمه الله عليه دمان.
وسيأتي تمام ذلك في فصل القرآن، إن شاء الله تعالى.
فصل
في بيان فرائض الحج وسننه، وبيان كيفية الإحرام وآدابه
اعلم أن فرائض الحج ثلاثة عندنا وهي: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة.
والإحرام وإن كان من الفرائض لكن ليس من جملة الأركان؛ بل هو شرط عندنا كالطهارة في باب الصلاة. وعند الشافعي رحمه الله هو ركن.
وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا أحرم في غير أشهر الحج يجوز عندنا؛ لأنه شرط، كالطهارة في باب الصلاة تجوز قبل دخول الوقت، كذا هنا. وعنده لا يجوز لأنه ركن من أركان الحج، فلا يجوز قبل وقته.
ثم عنده أركان الحج وفرائضه خمسة: الثلاثة التي ذكرناها، واثنان آخران السعي بعد الطواف والحلق. وفي قوله الآخر هي أربعة:
الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي بعده. وهو قول مالك
رحمه الله.
وقال عبد الملك رحمه الله من أصحاب مالك: إن جمرة العقبة رُكن أيضًا.
ولأحمد رحمه الله فيها روايتان: في رواية مثل قول الشافعي. وفي رواية خالفه في السعي فحسب السعي، فحسب أنه ليس بركن، تأتي الحجة في موضعها إن شاء الله، كذا ذكر الغزالي في الخلاصة و الوسيط وهو الصحيح. تمامه يأتي في فصل الحلق.
ثم الحلق عندنا للخروج من العبادة كالتسليم في باب الصلاة، فلا يعد من فرائضها؛ بل من الواجبات على ما يأتي.
ثم الركن الأصلي في الحج، إنما هو الوقوف بعرفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج، ومن فاتته عرفة فقد فاته الحج. ولأنه إذا فات عن وقته لا يمكن إدراكه بوجه ما.
وحد الركن ما لا يجزي عنه البدل.
والركن الآخر هو: طواف الزيارة؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَليَطوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، أمر بالطواف بعد قضاء التفث وهو إزالة الدَّرن. والطواف الذي يجب بعد قضاء التفث عقيبه في يوم النحر إنما هو طواف الزيارة لا غير والحج لا يتم بدون هذه الثلاثة، والدم لا يقوم مقامها ولا يجبرها.
وأما واجبات الحج فهي ستة أشياء: الإحرام من الميقات المذكور، والسعي بين الصفا والمروة،
والوقوف بمزدلفة، الجمار، والحلق عند ورمي الإحلال، وطواف الصدر.
يجوز الحج مع ترك هذه الواجبات ولكن يلزم الدم. هكذا ذكره الفقيه أبو الليث رحمه الله، وأشار في مجموعه إلى وجوب شيء آخر، وقال: لو دفع قبل غروب الشمس من عرفة فعليه دم. فهذا يدل أيضاً على أن الوقوف بعرفة وهو الصبر إلى غروب الشمس أيضاً واجب، لأن الدم لا يجب إلا بترك الواجب.
وقال الشافعي رحمه الله: الواجبات المجبورة بالدم ستة أيضاً: الإحرام من الميقات والرمي والصبر بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، وطواف الوداع وهو طواف الصدر.
قال: فالاثنان الأوّلان وهو الإحرام من الميقات والرمي، يجب بتركهما الدم، قولاً واحدا. وفي الأربعة الأخر فيها قولان: في قول يجب حتماً. وفي قول يجب بطريق الاستحباب.
هذه فرائض الحج وواجباته، وما وراءها سنن و آداب. وهيئات، إلا أن السنة المؤكدة منها التي يصير بتركها مسيئاً، ولا يجب عليه دم، ولا صدقة أربعة طواف القدوم عند الإمكان، والرمل في: طواف البيت، والهرولة في السَّعي والبيتوتة بمنى. كذا ذكر أبو الليث رحمه الله.
فصل
قال: إذا أراد الرّجل الإحرام يستحب له أن يقص شاربه، ويُقَدِّمَ أظفاره ويحلق عانته كذا التوارث؛ ولأنه أنظف للبدن، فكان أحسن كما في حالة الصَّلاة، ثم يتجرد عن ثيابه ويغتسل أو يتوضأ، والغسل أفضل؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل وأحرم، وأمر الصحابة بالاغتسال.
ولأن الغسل أبلغ في التنظيف، فكان أفضل كما في الجمعة، وهذا الغسل والوضوء مشروع لأجل التنظيف لا أنه شرط لصحته، كالغسل في الجمعة والعيدين؛ لأن الإحرام وإن كان عبادة، لكن ليس في معنى الصلاة ليشترط فيه الوضوء، فيصح بدونه كالإيمان والأذان وغير ذلك. ويستحب هذا الغسل للمرأة الحائض والنفساء والصبي؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل وتحرم وهي نفساء ولدت بذي الحليفة. ففي حق الصبي بطريق الأولى.
قال: ثم بعد الغسل يلبس ثوبين جديدين، أو غسيلين، والجديد أفضل؛ لأنه أبقى وأنقى على مثال يوم الجمعة والعيدين، إلا أن هنا يلبس إزاراً ورداء، ويكون مضطبعاً فيه، والاضطباع: أن يتوشح بردائه ويخرجه من تحت إبطه الأيمن ويلقيه على منكبه الأيسر ويغطيه ويبدي منكبه الأيمن فإنه سنة؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس في إحرامه إزاراً ورداء على هذا الوجه، واضطبع هو وأصحابه.
وفي رواية: أن الاضطباع لم يبق سنة في هذا الزمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وأمر به لأجل المشركين إظهاراً للقوة والجلادة، حيث طعن المشركون في عجزهم وضعفهم، والأوّل أصح، وأنه سنة على الوجه الذي ذكرنا. والمستحب أن يكون ثوباه أبيضين، فإن لبس ثوباً واحداً جاز له؛ لأن المقصود منه ستر العورة، وذلك يحصل بالثوب الواحد، إلا أن لبس الثوبين الاثنين على الوجه الذي ذكرنا أفضل اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم.
ويجوز للمرأة لبس المخيط؛ لأن بناء حالها على الستر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: المرأة عورة مستورة.
ثم يمس طيباً في بدنه إن كان له طيب، وهو مستحب، أي طيب شاء، سواء كان طيباً يبقى عليه عينه بعد الإحرام، أو لا يبقى في المشهور من الرواية عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد رحمهم الله.
وقال محمد رحمه الله: يكره أن يتطيب بطيب يبقى أثره على بدنه كالمسك والغالية. ويجب بذلك عنده دم على ما يأتي.
وقال مالك رحمه الله: يكره أن يتطيب بطيب تبقى رائحته، وإن تطيب به يجب غسله؛ لما روي أن عمر رضي الله عنه خرج من المدينة محرماً مع جماعة، فوجد رائحة طيب، فقال: ممَّن هَذه الرائحة؟، فقال معاوية: مني، فقال له عمر رضي الله عنه: أنت لها أنت لها. فقال: يا أمير المؤمنين إنّما طيبتني أم حبيبة. فقال: لترجعن ولتغسلن عنك.
فرجع ففعل ذلك.
لمحمد رحمه الله قوله: «المحرم أشعث أغبر.
وأثر الطيب يزيل هذا المعنى.
لنا أحاديث كثيرة، منها:
ما روت عائشة وأنس، وغيرهما رضي الله عنهم: «رأينا وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُلبي. والوبيص هو: بريق الطيب. هذا في البدن.
أما في الثوب فيكره الطيب فيه على وجه يبقى أثره بعد الإحرام، كما ذكر محمد رحمه الله؛ لأنه لا يزول سريعاً، وهو المراد مما ذكر مالك، و محمد رحمهما الله من الحديثين.
وعن الشافعي رحمه الله قولان آخران في قول هو مستحب أيضاً كما في البدن، وفي قول هو مباح غير مستحب.
وما فعل عمر رضي الله عنه إنما كان ذلك لأجل الجهال؛ كيلا يغتروا به، فربما يرون ذلك ويظنون أنه قد تطيب بعد الإحرام، وأنه مكروه بالإجماع.
فصل منه
قال: ثم يُصلي ركعتين بعد اللبس، وهاتان الركعتان سنة غير واجبة، بمنزلة صلاة الاستخارة للأمور، ولا يُصلي في الأوقات المكروهة بالإجماع، إلا قولاً واحداً من بعض أصحاب الشافعي
رحمه الله
والأصح أنه يحرم بغير صلاة؛ لأن ابتداء النافلة في ذلك الوقت في الحل عندهم لا يجوز فلا يصلي. فإن صلّى المكتوبة ولبي جاز لوجود التحية له.
ثم ينوي الإحرام بعد ذلك، ثم يلبي؛ لأن الإحرام عبادة، والعبادة لا تصح ولا تنعقد بدون النية بالإجماع، والحديث المعروف.
وتفسيره بأن ينوي بقلبه إحرام الحج والعمرة، والذكر باللسان ليس بشرط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات. لكن الأحوط والأولى أن يذكر باللسان ويقول: اللهم إني أريد الحج، فيسره لي وتقبله مني ويستحب أن يقول أيضاً عقيبه: اللَّهُمَّ أعِنِّي عليه، وبارك لي فيه. لأن شروعه في العبادات نوع حرج، خصوصاً في أفعال الحج، فيستحب له أن يذكر ويستعين بالله في تيسيره وقبوله. ثم عندنا وإحدى الروايتين عن مالك: لا يصير داخلاً في الإحرام بمجرد النية وذكرها باللسان حتى يضم إليها التلبية أو نحوها في الذكر والثناء باللسان كالتكبير في باب الصلاة. وهذان الاثنان فريضتان يعني النية، والذكر بالثناء الله تعالى بأي لسان كان حتى لو ترك واحداً منهما لا يصير محرماً، إلا أن يسوق الهَدْي ويتوجه معه، فإن سوق الهدي يقوم مقام التلبية لما يأتي.
ويستحب أن يكبر عند التوجه مع سوق الهدي ويقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد.
وقال مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله: يصير محرماً بمجرد النية، بدون التلبية والذكر، لأن هذه عبادة ليس في أثنائها نطق واجب، فتصح بدون النطق كما في الصوم.
ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا إحرام إلا لمن لبّى.
ولأن هذه عبادة لها تحليل وهو الحلق، فيجب أن يكون لها تحريم وهو الذكر، وما يقوم مقامه كما في الصَّلاة.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يصير محرماً بمجرد النية. ثم عندنا يصير داخلاً في الإحرام بكل ذكر يقصد به التعظيم، سواء كان بالعربية أو بالفارسية كما في تكبيرة الصَّلاة.
وعند أبي يوسف رحمه الله لا يكون محرماً إلا بصيغة التلبية والنية، كما في تكبيرة الصلاة على أصله.
وقال الشافعي رحمه الله: إن لم يحسن العجمي التلبية بالعربية لبي بلسانه بحكم العجز.
وإنما قلنا إنه يصير محرماً بسوق الهدي؛ لقول الله تعالى: {لَا تُحِلُوا شَعَرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلَا الهدى}، أي: لا تستحلوا ما يحرم في الإحرام، ولا الهدي، أي ولا ما يهدى إلى مكة للذبح، ثم قال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا} فدل ذلك على أن الإحرام يقع بالسوق التقليد؛ لأن السوق قربة تختص بابتداء الإحرام فيشبه التلبية فيصير محرماً به.
قال: وإذا قلد هديه ولم يَسُقُ لم يكن محرماً؛ لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قلد هذيه، ثم أحرم بالتلبية.
ولو كان الإحرام يحصل بمجرد التقليد لم يكن للتلبية معنى، ولأن التقليد في ذاته محتمل، فإذا توجه معه أو لبّى تعيّن أنه أراد به شعار الحج؛ ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: الأولى أن يقدم التلبية، ثم يقلد الهَدْي، لأنه إذا قلدها ربما سارت البدنة فيتبعها مع نية الحج، فيصير محرماً من غير تلبية.
قال: والإحرام بالتلبية أفضل.
وذكر في شرح الطحاوي أنه لو قلد الإبل أو البقر، ونوى به الإحرام يصير محرماً، وإن لم يسق الهدي. تمامه يأتي في باب الهدي والتقليد
قال: ولا يصير محرماً بالتجليل، والإشعار؛ لأن التجليل لحفظ الحيوان عن الحر والبرد، والإشعار مثلَةٌ وليست بقربة في ذاتها، فلا تؤثر في تعيين الحج به.
ولو قلد هديه وبعثه ولم يتوجه معه لم يكن محرماً حتى يلحقه ويتوجه معه؛ لما ذكرنا، إلا هدي المتعة، فإنه يصير محرماً من حين يتوجه قبل أن يلحقه استحساناً؛ لأنه نسك من مناسك الحج أصلاً وتبعاً، هذا إن كان في أشهر الحج، أما إذا كان قبلها فلا لما يأتي في التمتع.
ولو قلد شاة وتوجه بها لم يصر محرماً؛ لأن العادة ما جرت للمحرم بالحج بذلك، ولا يدل على النسك، بخلاف الإبل والبقر، فإن ذلك من عاداتهم على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فصل
في التلبية
وإذا نوى الإحرام على ما ذكرنا بعد الركعتين يلبي عقيبهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: أتاني آت من ربي وأنا بالعقيق فقال لي: قم فصل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقُلْ: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وفي رواية: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
والسنة أن يأتي بها، ولا ينقص منها شيئاً؛ لأنّ هذه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف، فكان من السنة.
والأفضل أن يُلبي عقيب الصلاة، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله. وفي قول آخر وهو قول مالك، وأحمد رحمهما الله، الأفضل: أن يلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وفي ابتداء السير إن كان راجلا.
وعن مالك رحمه الله: أنه يلبي حين يشرف على البيداء.
وكلاهما منقولان عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الأخذ بما ذكرنا أولى وأفضل؛ لأنه أكثر عملاً وأقوى في باب الاحتياط.
قال: فإن زاد على ذلك شيئاً فهو حسن، وأنه مستحب.
وقال الشافعي رحمه الله: هو مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد على ذلك.
وروي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لا تضييق فيه.
لنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد على ذلك في بعض الأحيان وقال: «لبيك إله الخلق لبيك»، «لبيك حقاً حقاً».
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه زاد في تلبيته: «لبيك وسعديك، والخير كله بيديك،
والرغباء إليك.
وزاد عمر رضي الله عنه وقال: لبيك مرغوباً ومرهوباً إليك، لبيك والنعمة والفضل والخير لك.
وقد نقل عن الصحابة والتابعين والسلف الصالح غير ذلك، كانوا يقولون: لبيك عدد التراب إلى غير ذلك. والأصح عن أصحاب الشافعي مثل قولنا.
قال: والمرأة لا ترفع صوتها؛ بل تخفض؛ لقوله تعالى: {فَلَا تَخضَعْنَ بِالْقَولِ} بالقول. ويجوز ذلك بكسر الهمزة وفتحها لغة، إلا أن بالكسر أفضل عندنا.
وقال الشافعي رحمه الله: بالنصب أفضل في قول؛ لأنها وقعت في أثناء الكلام، وأنها بمعنى الصّفة له.
لنا أنَّ إِنَّ بالكسر في معنى الابتداء والثناء، فكان أولى بالصفة.
وينبغي أن يرفع صوته بالتلبية، وأنه مستحب بالإجماع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: أمرني جبريل عليه السلام أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية».
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الحج العج والثج.
فالعج رفع الصوت بالتلبية.
قال: وإذا فرغ من التلبية يستحب أن يُصَلِّي عَلى النبي، ثم يسأل الله تعالى رضوانه، والجنة ويستعيذ به من النار.
لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل ذلك بعد التلبية.
ثم: «التلبية مأخوذة من قولهم: ألب بالمكان، أي: لزمه وأقام به.
ومعناه: أنا مقيم عند طاعتك وعلى أمرك، غير خارج عن ذلك ولا شارد عنه.
قال: والتكرار فيه للتأكيد.
ومعنى قولك: وسعديك»، أي: سَاعَدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة.
قال: ويكثر من التلبية عقيب الصلوات وكلما علا شرفاً أو هبط وادياً، أو لقي ركباً، وبالأسحار.
وأما الإكثار فلقوله تعالى: {اَذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي كلما علا شرفاً، أو هبط وادياً، وبالأسحار.
فصل
في إبهام النية في الإحرام
الإحرام المطلق المبهم يجوز بالإجماع، كذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم.
قال: فإن لبّي ونوى الإحرام ولم تحضره نية في حج ولا عمرة، فله أن يُمضي في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت؛ لانعدام الشروع في أفعال الحج، فكان قابلاً للتعيين، فإذا طاف بالبيت شوطاً واحداً كان إحرامه إحرام عمرة؛ لأنه الأدنى، وكذا إن لم يطف حتى جامع أو أحصر كان إحرامه إحرام عمرة لما ذكرنا.
ولو وقف بعرفة ينصرف إلى الحج وإن لم ينو، لأنه شَرَعَ في معظم أركان الحج.
وللشافعي رحمه الله في هذه المسألة أقاويل، في قول مثل مذهبنا. والأصح عنده أنه لا ينصرف إلى واحد ما لم يصرفه.
وفي الأفضلية عنده قولان في قول: الإبهام أفضل. وفي قول: التعيين أفضل، وإذا عين فالأفضل أن لا يذكر في تلبيته ما أحرم. وبه قال أحمد. وفي قول: الأفضل أن ينطق به.
وهو قول أحمد أيضاً.
قال: ومن كان عليه حجة الإسلام فأحرم بحجة لا ينوي فريضة ولا تطوعاً فهي عن حجة الإسلام استحساناً بالإجماع؛ لأنها فريضة وجبت في زمان تعذر إيجاد جنسها معها فيه، فيصح بمطلق النية كما في الصوم عندنا.
قال: فإذا لبى وهو يريد القرآن أو الإفراد فهو كما نوى، وإن لم يتلفظ بهما لأن العبرة للنيّة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات لكن الأحسن أن يقول: اللهم إني أريد الحج أو العمرة أو كليهما. على ما ذكرنا، كذا النقل. وأنه مستحب على ما بينا في الفصل المتقدم. قال: وإن أحرم بنسك واحد معين، ولبي ثم نسيه أو شك قبل أن يأتي بفعل من أفعال الحج فإنه يتحرى؛ لأن غلبة الظن تقوم مقام اليقين على ما عرف، فإن لم يقع تحريه على شيء يلزمه أن يقرن احتياطاً.
وقال الشافعي رحمه الله: عليه أن يقرن من الابتداء بدون التحري في قوله الجديد، لأنه المتيقن، وصار هذا بمنزلة من شك في عدد الركعات على أصله وأصلنا، وهل تجزيه عن عمرة الإسلام؟، فله فيه قولان هذا كله إذا لم يشرع في أفعال الحج، فأما إذا شرع فحكمه ما ذكرنا. وفي قوله القديم مثل قولنا.
وقال أحمد رحمه الله: يجعل ذلك عمرة بناء على أن عنده يجوز فسخ الحج لأجل العمرة على ما يأتي.
وعندنا لا.
ثم إذا قرن ينبغي أن يقدم العمرة في الذكر، كما تُقَدَّمُ في الفعل. تمامه يأتي في فصل القرآن إن شاء الله تعالى.
ولو أحرم وقال: أحرمت كإحرام زيد صح؛ لما روي أن علياً رضي الله عنه لما أحرم قال: أهللت إهلالاً كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم وله تفاصيل تأتي بعده.
فصل
في إحرام المرأة والأفعال فيه
اعلم أن المرأة كالرجل في حق أداء المناسك في الحج والعمرة إلا في عشرة أشياء:
أحدها: يجوز لها أن تلبس المخيط غير المصبوغ؛ لأن في ترك ذلك ظهور عورتها، والمرأة عَوْرة مستورة بالنصّ.
وثانيها: يجوز لها أن تغطي رأسها في الإحرام خلاف الرجل؛ لما ذكرنا أن رأسها عورة.
وثالثها: أن لا ترفع صوتها بالتلبية؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت امرأة فقال: عقرى حلقى، أي: عقرها الله، فأصابها وجع في حلقها، والمعنى فيه، وهو أن صوتها سبب
الفتنة.
ورابعها: أن ليس عليها الرمل في الطواف.
وخامسها: ليس عليها الهرولة في السَّعي بين الصفا والمروة؛ لأن في ذلك إظهار العورة منها، ولما فيها من الضعف أيضاً.
وسادسها: ليس عليها الحلق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء الحلق»، ولأن الحلق في حقها نوع مثلة.
وسابعها: ليس عليها التقصير في الرأس قدر ربع الرأس كما في الرجل؛ بل عليها أن تقص من أطراف شعرها قدر أنملة؛ لقول عمر أنملة؛ رضي الله عنه: المرأة تقص قدر أنملة، ولأن في الزيادة نوع مثلة أيضاً.
يأتي تمامه في موضعه.
وثامنها: لا دم عليها لتأخير طواف الزيارة عن أيامه بعذر الحيض والنفاس؛ لكونها معذورة فيه.
وتاسعها: سقوط طواف الصَّدر عنها بعذر الحيض والنفاس أيضاً؛ لما يأتي في موضعه.
وعاشرها: اعتبار المحرم لها في الطريق أو الزوج على ما بينا.
هكذا ذكر الطحاوي والفقيه أبو الليث رحمهما الله، وحصراها وعداها عشرة، فهذا يدل على أنه لا يجوز للمرأة لبس الخف في الإحرام كما في الرجل؛ لأن حصر المفارقة والقصر على العشرة يقتضي
المساواة فيما وراء العشرة.
وذكر في شرح القدوري للعوفي، وشرح الكرخي رحمهما الله: أن للمرأة أن تلبس ما بدا لها من الدروع، والقمص، والخمر، والخف، والقفازين؛ لأنها عورة مستورة بالنص، فيجب عليها فعل مَا هُو أستر لها ولبس هذه الأشياء على هذه الصفة، وهو الأصح.
وذكر في كتاب «البيان» لأصحاب الشافعي رحمه الله: أنه يجوز للمرأة أن تلبس الخفين؛ لحديث رواه ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجوز لها لبس القفازين عندنا، وإن كان مخيطاً اعتباراً بالقميص.
وللشافعي رحمه الله فيه قولان، والصحيح أنه لا يجوز، كذا عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قال: وتكشف المرأة وجهها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إحرام المرأة في وجهها.
لكن لها أن تسدل ثوباً على وجهها إن أرادت، وتنحيه عن وجهها ليقع الأمن عن النظر إليها، ولا تكون مكشوفة الوجه كيلا يؤدي إلى الفتنة.
قال: فأما الخنثى المشكل، فإنه يعتبر ويشترط في حقه ما يشترط في حق المرأة احتياطاً في باب الحرمات. فإن كان معه نساء، فإن كن أخواته وذوي أرحامه جاز له المسافرة معهن، وإن كن أجنبيات لم يجز، لاحتمال أنه رجل. ولا يجوز له الجلوس بينهن لهذا.
فصل
في إحرام الصبي والمجنون والعبد
قد ذكرنا أن الحج غير واجب على هؤلاء بالإجماع على ما بينا، ولو أحرم واحد من هؤلاء لا ينعقد ولا يصح إحرامه عن حجة الإسلام أصلاً عندنا كيف ما كان غير أن للولي أن يأذن للصبي في الإحرام ليتعلم أفعال الحج، فيقضي المناسك لأنه قادر على ذلك، وكذا المجنون. ويجتنب ما يجتنب المحرم، فإن فعلا شيئاً من ذلك فلا فدية عليهما لعدم التكليف والأهلية.
وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله: إن أحرم الصبي وهو عاقل مميز بإذن الولي يصح قولاً واحداً، حتى لو بلغ الصبي، أو أعتق العبد في الإحرام قبل الوقوف بعرفة أو حال الوقوف بعرفة أجزأهما عن حجة الإسلام.
وكذا لو بلغ الصبي، أو أعتق العبد بمزدلفة وعادا إلى عرفة قبل طلوع الفجر يجزيهما عن حجة الإسلام عندهما، عندهما، وعليهما دم لنقصان الإحرام في قول.
وقال مالك رحمه الله: يصح إحرامهما، ولكن لا يجزيهما عن حجة الإسلام.
وإن بلغ أو أعتق بعد الوقوف وفوات الوقت لا يجزيه عن حجة الإسلام بالإجماع.
للشافعي ما روي أن امرأة عرضت صبياً في محفة بالروحاء على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله الهذا حج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، ولك أجر».
وإذا صح في الصبي، ففي العبد بطريق الأولى، ولأن أصل الحج عرفة، وقد وجد منهما بعد البلوغ والعتق فيصح.
لنا قوله: أيما عبد حج عشر حجج ثم أعتق فعليه حجة الإسلام، وأيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، من غير فصل حالة وحالة، والإحرام من أركان الحج على أصله.
ولهذا لو أحرم من قبل أشهر الحج لا يصح عنده، فكيف يصح هنا؟
ولأنه شرع في الحج قبل الوجوب، فلا يصح كما لو شرع في الصلاة قبل الوقت، أو قبل البلوغ، ثم بلغ في آخر الصلاة بالسن قبل خروج الوقت. وكالمجنون، فإنه لا يصح بالإجماع لعدم الخطاب، وكالكافر الأصلي، وقد مرّ من قبل.
وأما الحديث، قلنا: المراد من قوله: «نعم» في استحقاق الثواب والدرجات، لا إسقاط الفرض عن ذمته بعد البلوغ.
ثم على أصله لو أحرم الصبي المميز بغير إذن الولي ففيه وجهان، والصحيح أنه لا يصح؛ لأن الحج إنما يتأتى بإنفاق المال والصبي لا يملك إنفاق المال بغير إذن الولي كالبيع.
وإن كان الصبي صغيراً غير مميز جاز عنده أن يحرم عنه وليه، وينوي الولي أنه جعله مُحرماً، ويصير بذلك عنده محرماً، سواء كان الولي محرماً أو كان حلالاً، وسواء كان الولي حج عن نفسه أو لم يحج؛ لأنه العاقد لا المحرم، هذا في الأب والجد أو وصيهما.
أما إذا كان الولي غير الأب والجد؛ كالأخ والعم وابن العم، أو الأم، فله فيه وجهان. والصحيح
أنه لا يصح الإحرام عنه كالأجانب. ثم على أصله إذا صح إحرام الصبي فإنه يفعل بنفسه ما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه يفعله عنه الولي من الطواف والسعي وغيرهما؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نحج بصبياننا، فمن استطاع منهم رمى، ومن لم يستطع رمي عنه.
وأما نفقة الصبي في الحج على أصله، فالذي يحتاج إليه من النفقة في الحضر يكون في مال الصبي وما زاد على ذلك لأجل الحج ففيه قولان، أو قال: وجهان. والصحيح أنه في مال الولى لأنه أدخله
فيما لا بد. وأما إحرام العبد فإنه يصح بالإجماع؛ لكونه أهلاً للعبادات كصلاة الجمعة والجماعات غير أن عندنا للمولى أن يحلله بعد الإحرام، وإن كان قد أذن له في الإحرام.
وعندهم إن أحرم بغير إذن المولى صح، ولكن للمولى أن يحلله. وإن أحرم بإذن المولى فليس له أن يرجع ولم يكن له تحليله بعد الشروع بالإذن حتى لو رجع المولى قبل أن يحرم العبد وعلم العبد بذلك بطل إذنه، حتى لو أحرم بعده له أن يحلله، وإن لم يعلم العبد بالرجوع حتى
أحرم فله فيه وجهان، كالقولين في الوكيل إذا عزله الموكل فتصرف الوكيل بعد العزل قبل العلم.
دليله في مسألة الأصل أن هذا عقد انعقد بإذن السيد، فيقع لازماً كما في النكاح.
لنا أن منافع العبد مملوكة للمولى، وبالإذن ما صارت مملوكة للعبد أو غيره، فله أن يرجع ويسترده كالعارية، بخلاف النكاح، فإن حق المرأة تعلق بمنافع العبد فصار كالملك من وجه.
ثم عندنا إذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو أعتق العبد قبل الإحلال فلو مضوا على ذلك يكون تطوعاً لما مر.
فلو فسخ المجنون أو الصبي الإحرام، وجدد الإحرام قبل الوقوف بعرفة، يكون ذلك عن حجة الإسلام وأما العبد لو أعتق بعد الإحرام ثم فسخ و جدد الإحرام، لا يكون ذلك عن حجة الإسلام، والفرق بينهما هو أن إحرام الصبي والمجنون غير لازم لأنهما ليسا من أهل التكليف، فيقبل الفسخُ فينفسِخُ إذا فُسِخ، وأما إحرام العبد صار لازماً بالعتق، لأنه صح في الابتداء لكونه أهلاً للتكليف، فإذا أعتق انتقلت منافع العبد من مولاه إليه، فصارت منافعه مملوكة له، فيصير لازماً فلا يقبل الفسخ بخلاف ما قبل العتق، وهذا بناء على أن من أحرم بالحج لا يقبل إحرامه الفسخ للعمرة عند عامة الفقهاء.
وقال أحمد رحمه الله: يجوز ذلك يأتي تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ثم العبد لو ارتكب شيئاً من محظورات الحج أو العمرة في الإحرام مثل: أن يتطيب، أو يلبس أو يقتل الصيد تجب الفدية عليه لأنه مكلف وقد جنى، ويجب عليه الصّوم دون المال وإن بذله له سيده أيضاً،
لأن العبد لا يملك شيئاً.
وللشافعي وأحمد رحمهما الله قولان، والأصح مثل مذهبنا؛ لأن العبد لا يملك شيئاً، فتعين الصوم عليه، يصوم عن كل نصف صاع وما دونه يوماً، على الاختلاف في صدقة الفطر.
وفي قول: إذا بذل سيده وملكه يملك فعليه أن يفدي إذا أذن له فيه.
فصل
في بيان ما يحرم على المحرم بعد الإحرام
اعلم أن من أحرم وصار محرماً بحج أو بعمرة يحرم عليه ثلاثون شيئاً عندنا ـ كذا حصر بعض أصحابنا، والفقيه أبو الليث رحمه الله ـ: الجماع، والقُبلة والملامسة وحلق الرأس، والشارب، والإبط، وحلق العانة، والرقبة وموضع المحاجم وقص اللحية، وقص الأظافر، ولبس القميص المخيطة، والسراويل، والعمامة، والقلنسوة، والبرنس، والقبا، والخفين إلا أن يقطعهما من أسفل الكعبين إذا لم يجد نعلين، والثوب المصبوغ بعصفر، أو ورس، أو زعفران، وتغطية الرأس والوجه، ومس الطيب وقتل الصيد والإشارة إليه والدلالة عليه، وكسر بيض الصيد، وقطع شجر الحرم، ونتف الشعر من البدن، والحكّ على وجه يفضي إلى قتل هَوام البدن وغَسْل الرأس واللحية بالخطمي. هكذا عدّه الفقيه أبو الليث رحمه الله وبعض أصحابنا، وربما يزيد على ذلك، لكنهم ذكروا ذلك على وجه الظاهر في الأعم الأغلب.
وقال مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله: التزوج والتزويج من غيره، والوكالة فيه، فإن فعل فهو فاسد عندهم خلافاً لنا، وهي أجناس مختلفة، فنحن نذكر لكل جنس منها فصلاً على حدة مع اختلاف العلماء، وبيان أحكامه في فصول الجنايات في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
فصل
في بيان صفة الحج وكيفية أدائه
اعلم أن المحرمين بالحج على ثلاثة أنواع: قارن، ومتمتع، ومفرد. فنذكر لكل واحد من هذه العبادات فصلاً على حدة.
ونبدأ بالمفرد؛ لأنه الأعمُّ الأغلب، خصوصاً في حق أهل الشرق، وحاج العراق، وخراسان وما وراءهم، فإن القرآن والتمتع لا يتأتى لهم إلا نادراً بعد الجهد والمشقة؛ فلهذا بدأنا به.
ثم إن العلماء اختلفوا في الأفضلية فعندنا: القران أفضل من التمتع والإفراد في ظاهر الرواية. وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أن الإفراد أفضل.
ثم اختلف أصحابنا الله أن الإفراد أفضل، أو التمتع؟. ففي رحمهم المشهور أن التمتع أفضلُ من الإفراد. وفي رواية عن أبي حنيفة رحمه الله أن الإفراد أفضل من التمتع على ما قلنا.
وقال الشافعي رحمه الله: الإفراد والتمتع أفضل من القرآن، ثم اختلفوا فيهما، فالمشهور عنه أن الإفراد أفضل من التمتع، وهو أحد قولي مالك رحمه الله. وفي قوله الآخر عن الشافعي رحمه الله: التمتع أفضل من الإفراد، وإليه ذهب أحمد رحمه الله.
وعن مالك رحمه الله أن التمتع أفضل من الكل، ولكل واحد حجة مرفوعة وموقوفة إلا أنا رجحنا القرآن عند التعارض؛ لما فيه من منهم. الجمع بين العبادتين، فكان الإتيان به أفضل من غيره.
ثم عند الشافعي رحمه الله الإفراد الذي هو أفضل، هو إفراد تكون بعده عمرة فأما إفراد الحج مِن غير عمرة فالتمتع والقران أفضل منه.
فصل
في بيان صفة الحج المفرد
وإنما بدأنا به لما ذكرنا أنه الأعمّ، وصفته أن يحرم، ويصلي ركعتين على ما ذكرنا في فصل كيفية الإحرام، وينوي بقلبه أن يحرم بالحج المفرد، ولو ذكر باللسان كان أفضل وأحوط، ويقول: اللهم إني أريدُ الحج، أو الحج المفرد، فيسره لي، وتقبله مني. كذا نص محمد رحمه الله.
ولو زاد على ذلك ويقول: متصلاً به، اللهم أعني عليه، وبارك لي فيه. فهو حسن.
ثم يلبي عقيبه، وينوي الإحرام بالحج، وتفسير التلبية ما ذكرناه: لبيك اللهم لبيك بحجة مفردة لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. على ما ذكرنا في فصل كيفية الإحرام.
ولا يقطع التلبية إلى أن يصل إلى الحجر الأسود على ما يأتي فإذا نوى ولبى يصير شارعاً في الإحرام بالنية عند التلبية لا بالتلبية، كما إذا نوى الصلاة وكبر يصير شارعاً في الصلاة بالنية عند التكبير، لا بالتكبير، وإذا صار شارعاً في الإحرام تحرم عليه محظورات الإحرام، الثلاثون التي ذكرنا في الفصل المتقدم، كما إذا صار شارعاً في الصلاة يحرم. عليه محظورات الصلاة على ما عرف، والله الموفق.
فصل منه
ثم الحج المفرد يتحقق من الآفاقي وغير الآفاقي، وهم أهل مكة حرسها الله تعالى ومن حولها من أهل الميقات على ما نذكر في فضل إحرام أهل مكة شرفها الله تعالى.
أما الحج المفرد للآفاقي فعلى وجهين:
أحدهما: أن يتوجه من الميقات إلى عرفة قبل دخول مكة، كما يفعل أكثر قافلة حاج العراق، فإذا توجه ووصل ولم يدخل مكة سقط عنه طواف القدوم، لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، فإذا لم يدخل المسجد لم يلزمه ذلك، ولا يجب أيضاً بتركه شيء لما مرّ أنه من السنن.
وبعد الوقوف إذا دخل مكة والمسجد الحرام، يجب عليه طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة، فإنه ركن أو فرض فيتعين عليه أداء ذلك؛ فرض لكون الزمان مستحقاً له دون غيره، كصَوْم رَمَضان عند دخول شهر رمضان؛ ولهذا لو دخل مكة بعد النفر الأول، وطاف ونوى تطوعاً، ولا ينوي طوافاً بعينه فهو للزيارة والإفاضة دون غيره لما ذكرنا. وكمن ردَّ الوديعة وهو يقصد به الهبة أو غير ذلك، كذا هنا.
ثم إذا توجه إلى عرفات، وعاين قبة جبل الرحمة من قريب أو بعيد يقول عند ذلك: اللهم إليك توجهتُ، وعليك اعتمدت، ووجهك أردت، اللهم اغفر لي وتب علي، وأعطني سؤلي، ووجّه لي الخير أينما توجهت سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ثم يلبي عقيبه سَاعَة فساعة على ما ذكرنا إلى أن ينزل بعرفات، ويجتهد أن ينزل بقرب الجبل فإنه الأفضل، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة على ما يأتي بعده. ويذكر الله تعالى ويلبي فيها إلى أن يدخل زمان الوقوف على ما يأتي ذكره في الفصل الذي يليه.
فصل منه
قال: والوجه الثاني من الحج المفرد أن يتوجه المحرم بالحج إلى مكة قبل الوقوف بعرفة.
فإذا توجه ووصل إلى العلمين وهو أول الحرم، وهو الموضع الذي جُعِلَ فيه علامة بين الحل والحرم يقول: اللهم إنَّ هذا حرمك، وحرم رسولك، فحرم لحمي ودَمي وعظمي وبشري على النار، اللهم أمني من عذابك يوم تبعث عبادك، أسألك بأنك أنت الله، الذي لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، أن تُصلّي على سيدنا محمد وعلى آله.
ثم يلبّي، ويثني على الله تعالى إلى أن يصل إلى بطحاء مكة وهو الفضاء الذي بحذاء جبل حراء في طريق منى فيستحب للمحرم أن يغتسل لدخوله من بئر ميمون، وهي أكبر الآبار وأوسعها ثمة.
وإن كان يدخل من طريق مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والشام ومصر وغيرهما من طريق العمرة، فإنه يغتسل بذي طوى «فإن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل به ودخل مكة». فإن لم يتيسر له الغسل به فيغتسل في موضع آخر ويدخل، فإن الغسل مستحب عند الدخول، كذا النقل، اعتباراً بالخروج إلى الجمعة، والجامع أن مكة مجمع النسك والطاعة، فيستحب التنظيف وإزالة الرائحة الكريهة كيلا تتأذى منه الملائكة والناس، وكذا تغتسل الحائض والنفساء؛ لأن هذا للتنظيف لا للصَّلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها بالغسل عند الدخول بمكة، وهي كانت حائضاً.
ويجوز له أن يدخل ليلاً أو نهاراً متى شاء من غير كراهة، وهما على السواء في الدخول عند عامة العلماء.
وقال النخعي وإسحاق من أصحاب الشافعي رحمه الله: دخولها بالنهار أولى وأفضل؛ لما روي أن النبي دخل مكة يوم الفتح حين ارتفعت صلى الله عليه وسلم الشمس».
لنا ما روي أن النبي دخل مكة في عمرة الجعرانة ليلا، وكذا عائشة رضي الله عنها دخلت ليلا، علم أن الدخول في الليل والنهار سواء لوجود الأمرين من النبي يا الله.
أن ويستحب يدخل مكة من ثنية كدا بفتح الكاف والمد، وهي أعلى مكة من طريق الأبطح ومنى على درب المعلا بجنب المقبرة.
ويخرج من ثنية كدي من أسفل مكة بضم الكاف والقصر على درب اليمن خارج الدرب على اليسار؛ لما روى جابر رضي الله عنه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم داخل مكة من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى فإذا وصل إلى درب مكة ورآها وعاينها يدعو ويقولُ: اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورَبَّ الأرضين السبع وما أقللن .. إلى آخره، على الوجه الذي ذكرنا في القسم الأول عند دخول البلدان.
ثم يدخلها من الباب الذي على اليمين ويقول حالة الدخول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك جئت هارباً منك إليك، لأؤدي فرائضك، وأطلب رحمتك وألتمس رضوانك مُتبعاً لأمرك، راضياً بقضائك، أسألك مسألة المضطرين إليك، المشفقين من عذابك، الخائفين من عُقُوبتك، أن تستقبلني اليوم بعفوك وتحفظني برحمتك، وتجاوز عني بمغفرتك، وتعينني على أداء فرائضك، اللهم وافتح لي أبوابَ رَحْمتك،
وأدخلني فيها، وأعذني من الشيطان الرجيم.
فصل
الدخول في المسجد الحرام
قال: وإذا دخل مكة وأراد أن يدخل المسجد، يستحب أن يدخل فيه من باب بني شيبة شيبة، وهو معروف؛ لما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد من باب بني شيبة، وخرج من باب بني مخزوم.
ثم يقدم رجله اليمنى على اليسرى في الدخول كما هو السنة سائر المساجد، ويقول عند الدخول: بسم الله والحمد لله، والصلاة على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك وفضلك وأدخلني فيها، اللهم إن هذا حرمك وموضع أمانك فحرم لحمي وعظمي وبشري على النار.
فصل
قال: فإذا وقع بصره على البيت العتيق يرفع يديه؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت يرفع يديه، ثم يهلل ويكبر ويقول: الله أكبر، الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات، لا إله إلا الله، والله أكبر، ثلاثاً في رواية، ثم يرفع يديه بالدعاء عقيبه ويقول: اللهم أنت السَّلام، ومنك السّلام، وإليك يرجع السلام، حينا ربنا بالسّلام، اللهم زد بيتك هذا تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومَهَابة، وزد من عظمه وشرفه وكرمه، ومن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً وبراً وإيماناً، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد عبدك ورسولك، أسألك أن ترحمني، وتقيل عثرتي، وتغفر ذنبي، وتضع عني وزري برحمتك يا أرحم الراحمين. كذا النقل عن جماعة من التابعين.
ويسأل الله تعالى حوائجه عقيب ذلك، فإنها مستجابة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: تستجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة. ثم يمسح بهما وجهه.
وعن مالك رحمه الله أنه لا يرفع يديه.
ثم يتوجه ويمشي نحو الركن وهو الحجر الأسود، ولا يشتغل بشيء آخر؛ لأن المقصود من الدخول في المسجد البيت، فيبدأ بتحية البيت وهي استلام الحجر الأسود لا غير. كذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل المسجد إلا إذا دخل هو في المسجد والإمام في المكتوبة، وهو لم يصل المكتوبة، فإنه
يشتغل أولاً بأداء المكتوبة بالجماعة إحرازاً لفضيلة الجماعة، فإنها تفوت لا إلى خَلَف والاستلام والطَّوَاف لا يفوت، كما إذا دخل مسجدا آخر والإمام في المكتوبة أو أقيمت الصلاة.
وكذا لو دخل والإمام قد صلى بالجماعة وهو لم يُصل المكتوبة، ويخاف إن اشتغل بالطواف تفوته صلاة الوقت فإنه يبدأ بصلاة الوقت أولاً.
وكذا لو كان عليه قضاء فائتة؛ لأنه الأهم على ما ذكرنا.
ثم يتوجه إلى الحجر الأسود، ولا يقطع التلبية عند ذلك. يعني إذا كان مفرداً بالحج أو قارناً، بخلاف المتمتع والمعتمر على سبيل الانفراد على ما يأتي.
ثم يأتي الحجر الأسود ويقف بحياله، ويستقبله بوجهه رافعاً يديه حذاء أذنيه كما في الصلاة بالحديث المشهور على ما يأتي ولو قال عند ذلك: اللهم إني أريد طواف بيتك الحرام فيسره لي، وتقبله مني. يكون أحسن وأحوط على ما يأتي.
ثم يكبر بعد النية ويرسل يديه ثم يستلمه، وتفسير الاستلام أن يضع كفيه على الحجر ويقبله إن أمكن من غير إيذاء أحد.
وقال الشافعي رحمه الله: يسجد عليه إن أمكن؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحجر وسجد عليه، ثم قبله وسَجَد علَيْه، ثمّ قبّله وسَجَد عليه.
فإن لم يمكنه السجود يقتصر على التقبيل، فإن لم يمكنه ذلك من غير إيذاء يستلمه بيده، فإن لم يمكنه ذلك من غير إيذاء، يشير بكفيه نحو الحجر، كأنه واضع على الحجر يديه مع التكبير والتهليل، ثم يقبل كفيه.
ثم يأخذ في الطواف عن يمين نفسه مما يلي باب الكعبة ويطوف سبعة أشواط على ما يأتي في الفصل الذي يليه.
وإنما قلنا إنه يقف بحياله ويستقبل بوجهه، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد استلام الحجر فعل هكذا.
وإنما قلنا بأنه يرفع يديه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن في افتتاح الصلاة وفي القنوت وفي الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبعرفات، وبجمع.
وإنما قلنا إنه يضع كفيه ويقبله عندنا، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استلم الحجر
الأسود، استلم بيديه جميعاً، ووضع شفتيه عليه، وبكى طويلاً، ومسح بهما وجهه، ووقف ودعا وفاضت عيناه بالدمع، ثم التفت فرأى عمر رضي الله عنه يبكي، فقال: «يا عمرها هنا تُسكب العَبَرات.
وإنما قلنا إنه إذا لم يتمكن من السجود والقبلة واللمس باليد، يقتصر على الإشارة والتكبير؛ لقول النبي لا لا الهلال والعمر رضي الله عنه: «إنك رجل قوي تزاحم الناس في الحجر، وفيهم الضعيف فإن وجدت مسلكاً فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر وهَلَّل وامض.
ولأن الاستلام سنة، وترك الأذى عن الناس فريضة، فلا يجوز الإتيان بالسنة مع ترك الفريضة.
ثم الاستلام هو الافتعال من السَّلام وهو التحية مشتق منه، كذا ذكر في كتاب الغريبين، يقال اختدم إذا خدم نفسه ولم يكن له خادم، ومعناه أنه يحيي نفسه بالحجر. وقال بعضهم: هو مشتق من السَّلام بكسر السين وهو الحجارة، فإذا مس الحجر بيده فقد استلم أي مس السلام وهو الحجر. وقال بعضهم: مشتق من السَّلامة وهي الموافقة، يقال استلأم كذا استلئاماً إذا رآه موافقاً ملائماً له.
وإنما خص الحجر بالتقبيل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا أن الله طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب.
ثم قال: يحشر الحجر الأسود يوم القيامة له عينان ولسان يشهد لكل من استلمه بحق.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الحجر الأسود أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا بني آدم.
فصل
في حقيقة الطواف
قال: فإذا اسْتَلَم الحَجر على الوجه الذي ذكرنا، يأخذ عن يمين نفسه مما يلي الكعبة وقد اضطبع قبل ذلك؛ لما روي أن الكفار كانوا يأخذون عن شمالهم، فاستحب النبي صلى الله عليه وسلم مخالفتهم فيه فطاف عن يمينه.
ويستحب أن يقول عند الاستلام في ابتداء الطواف: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وطهر قلبي، واشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وعافني فيمن عافيت. هكذا ذكر في الفتاوى، وشرح الكافي.
وذكر في بعض النسخ أنه يقول: «بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك وإيماناً
بنبيك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد، لا إله إلا الله والله أكبر، وهو المعروف، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن علي رضي الله عنه مثل ذلك. وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: «بسم الله، والله أكبر.
والأصل فيه أنه يستحب أن يأتي بدعاء وثناء عند ذلك، ولم يعين أصحابنا دعاء بعينه، لأن تعيين الدعاء يفضي إلى إزالة الخشوع والرقة عن القلب، فيأتي بما تيسر له عند ذلك.
قال: ثم يطوف حول البيت سبعة أشواط كل شوط منها من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وقد اضطبع قبل ذلك، ويرمل في الثلاثة الأول، وفي الباقي يمشي على هيئته على السكينة والوقار؛ لما روي أن النبي الله لما قدم مكة وأراد أن يطوف قعدت قريش في الحجر لينظروا طواف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية: «كان المشركون في دار الندوة يقولون: قد قدم عليكم قوم أوهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرّاً، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمر النبي، بالاضطباع، واضطبع هو بنفسه». وتفسيره ما ذكرناه في فضل الإحرام. ثم قال: فرحم الله امرءاً أظهر اليوم من نفسه للمشركين جَلَداً»، فرمل هو وأصحابه ثلاثاً في الطواف، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: ما نراهم إلا مثل الغزلان.
وقال بعض أصحابنا: لم يبق الرمل سنة في هذا الزمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في عمرة القضاء لأجل الكفار، وقد زالت تلك العلة، فلا تبقى سنة والصحيح أنه بقي سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في طواف حجة الوداع، وفي تلك السنة كانت العلة زائلة بمكة، علم أنه بقي سنة. فإن ازدحم الناس في الرمل، يقف حتى تزول الزحمة ويجد مسلكاً وفرجَة ويَرْمل؛ كيلا يتأذى المسلمون منه في الرمل، ثم يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود يعني حول جميع الكعبة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي الرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، ومشى بين الركنين، لأن المشركين لا يرونه في ذلك المكان؛ لأنهم كانوا على جبل قعيقعان. وقال بعضهم: كانوا في
الحجر.
ويطوف في كل شوط من وراء الحطيم وهو الحجر، فإن الحجر من البيت؛ لما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إنّي نذرت أن أصلي في البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم صلي في الحجر فإنه من البيت.
وروت أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضتُ البيت وردتته على قواعد إبراهيم وأدخلت الحطيم فيه، إن قومك لما أرادوا بناء البيت قصرت بهم النفقة، فتركوا بعض البيت في الحجر.
النفقة قيل: قصرت بهم عن الحلال، فإنهم جمعوا مالاً كثيراً لذلك، فخرج عليهم ثعبان ومنعهم عن البناء، فتشاوروا فيه، فقالوا: إنّ لهذا البيت حرمة، وإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب من أموالكم، فجمعوا الطيب الحلال من أموالهم، فلم يبلغ كل البناء، فقصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام لهذا، وأخرجوا بعض البيت وحطوه في الحجر.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقال لعائشة رضي الله عنها: «إن شئت أريتك قدر الذي أخرجوه من البيت، حتى إن قومك لو أرادوا أن يبنوه لبنوه عليه»، قالت: فأراني نحواً من سبعة أذرع.
فثبت أن الحجر من البيت وهو مأمور بالطَّواف حول البيت، لا في البيت، وللحجر ثلاثة أسامي الحطيم، والحظيرة، والحجر والشاذروان ليس من البيت عندنا وعند مالك؛ لأنه خارج عن قواعد البيت.
وعند الشافعي رحمه الله هو من البيت حتى لا يجوز الطواف عليه عنده.
فصل
في استلام الركن اليماني وغيره من الأركان
قال استلام الركن اليماني حسن، وتركه لا يضر؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلمه مرة ويتركه مرة، كذا ذكر في الأصل وهو الصحيح، فإن استلمه يفعل به كما يفعل بالحجر الأسود، على ما ذكرنا، كذا ذكر الطحاوي. وهذا غير ما ذكر في الأصل.
وعن محمّد رحمه الله أنه يستلمه ويقبل يده ولا يقبله.
وقال الشافعي رحمه الله: يستلم الركن اليماني قولاً واحداً، لكن اختلف أصحابه في كيفية استلامه.
قال بعضهم: يقبل يده أولاً، ثم ليضعها على الركن لينقل القبلة إليه. وقال بعضهم: يضع اليد على الركن أولاً، ثم يقبلها ليكون ناقلا بركته إلى يده ونفسه.
وقال مالك رحمه الله: يستلم الركن اليماني بيده، ولا يقبل يده، وإنما يضعها على فيه.
وعن أحمد رحمه الله: أنه يقبل.
وفي الكل ورد النقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. وأما الركنان الآخران اللذان يليان
الحجر والحطيم فعند عامة الفقهاء لا يستلمان. هكذا النقل عن عمر وابنه عبد الله، ومعاوية وغيرهم رضي الله عنهم.
وروي عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم أنهما كانا يستلمانهما، فأنكر عليهما جماعة منهم معاوية، وقالوا: ما كان رسول الله يستلم إلا الركنين.
قال: وكلّما مرّ بالحجر الأسود في الطواف يستلمه إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً على ما بينا وإن لم يستطع يستقبله بوجهه وببطون كفيه رافعاً بهما، ويكبر ويهلل، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي ذكرنا.
وإن افتتح بالاستلام في الطَّواف وختم به، ولم يستلم بين الأشواط الأخر أجزأه، كذا ذكر في الكافي؛ لأن سنة الاستلام لقضاء حق الحجر لا للطواف، بدليل أن من دخل المسجد لا يريد الطواف يسن له الاستلام، فعلم أنه لقضاء حق الحجر، فإذا افتتح وختم به فقد قضى حق الحجر، فيجوز ترك ما وراء ذلك.
فصل
في الدعوات المأثورة المستحبة في الطواف
اعلم أن أكثر أصحابنا لم يُؤَقتوا دُعاء على التعيين في الطواف والسعي، وعلى الصفا والمروة وغيرهما، وعللوا وقالوا: بأن التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب والخشوع، بل يأتي بثناء ودعاء بأي ثناء ودعاء تيسر له في تلك الحالة عن إخلاص، فإنه جائز وهو أقوى في الإخلاص والرقة والخشوع.
وما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم،، ففيه اختلاف كثير، كل واحد نقل على وجه بعبارة أخرى.
وعن هذا قال مالك رحمه الله: لا يقرأ في الطواف القرآن وغيره من الدعوات إلا قوله: {رَبَّنَا ءاتنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةٌ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، وهو أحد قولي أحمد رحمه الله؛ لأن هذا القدر ثابت بيقين بالنص، وفي غيره من الدعوات شك واختلاف، فالإتيان باليقين أولى.
وفي قوله الآخر مثل قول عامة أصحابنا أن الدعاء في الطواف غير مؤقت.
وبعض أصحابنا وأصحاب الشافعي رحمهم الله عينوا دعوات بالنقل عن الصحابة والتابعين رضي
الله عنهم والسلف الصالح، ومع النقل أيضاً اختلاف كثير.
فالمشهور أن يقول عند الاستلام أو بعده: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، وإيماناً بنبيك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد، لا إله إلا الله، والله أكبر. على ما ذكرنا قبل.
فإذا بلغ الملتزم بجنب الباب يقول: اللهم إن لك عليَّ حقوقاً فتصدق بها علي. فإذا جاوز الباب وقارب حذاء المقام يقول: اللهم إن هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ المستجير بك من النَّار، ومن مظالم العباد، فأعذني من النَّار، اللهم حرم لحومنا ودماءنا وبشرتنا على النار.
فإذا بلغ الركن العراقي يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشرك، والشك والكفر والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وسوء المنظر والمنقلب في الأهل والمال والولد وكيد الشيطان والسلطان، وشر كل ذي شر.
فإذا بلغ تحت الميزاب يقول: اللهم أظلنا تحت ظلك يوم لا ظل إلا ظل عرشك ولا باقي إلا وجهك، واسقنا من كأس نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وحوضه شراباً، رويّاً، سائغاً، هنياً، لا نظمأ بعده أبدا.
وفي رواية: اللهم أظلني تحت ظلك لا ظل إلا ظلك، ولا إله غيرك، يا أرحم الراحمين.
فإذا بلغ الركن الشامي يقول: اللّهمّ اجعل حجي مقبولاً، وذنبي مغفورا وسعيي مشكوراً، وتجارة لن تبور، ومنقلباً من سرور إلى سرور، يا خالق النور، يا مدبر الأمور.
وفي رواية يزيد يقول: اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، وموسى كليمك وعيسى روحك، ومحمد نبيك.
فإذا بلغ الركن اليماني يقولُ: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك إلى آخر ما ذكرنا. اللهم إني أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك. ولما روي ابن عباس رضي الله عنهما: أن عند الركن اليماني ملكاً قائماً يقول: آمين آمين
فإذا قرب إلى الحجر الأسود من ذلك الجانب يقول: يَا وَاحِد لا تنزع مني نعمة أنعمتها علي.
وبعض أصحابنا قالوا: يقول في الثلاثة الأول: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً
مشكورا.
ويقول في الأربعة الأخر: ربّ اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، فإنك أنت الأعز الأكرم.
وذكر في خلاصة الفتاوى للفقيه أبي الليث رحمه الله يقول في الطواف: اللهم أني أعوذ بك من الكفر والفقر، والذل ومواقف الخزي في الدُّنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
ولم يبين في أي مَوْضع يدعو به فالكل منقول عن السلف، فبأي الدعوات أتى بها جاز من غير كراهة لما مر.
قال: ويطوف سبعة أشواط على هذا النسق، ويستلم الحجر في آخره على ما ذكرنا، ثم يقف عند الملتزم بقرب الحجر مستقبلاً إليه، رافعاً يديه، ويدعو الله بالتضرع والابتهال، والخشوع، ويسأل الله حاجته بما يحب من دين و دنيا.
ثم يمشي إلى المقام، أو حيث تيسر له من المسجد وغير المسجد في الحرم، يُصلي ركعتين في الأوقات التي تباح فيها صلاة التطوع.
وعند الشافعي رحمه الله يجوز ذلك في أي وقت شاء.
ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بـ {قُلْ يَأَيُّهَا الكَفِرُونَ}، وفي الثانية بـ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} بعد الفاتحة؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً في طواف الإفاضة، فلما فرغ من الطواف نزل وصلى خلف المقام ركعتين قرأ في الأولى فاتحة الكتاب و {قُلْ يَأَيُّهَا الكَفِرُونَ}، وفي الثانية فاتحة الكتاب و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. ولو قرأ غيرهما يجوز؛ لقوله تعالى: {فَأَقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ}، وهاتان الركعتان واجبتان عندنا.
وللشافعي رحمه الله فيها قولان: أصحهما أنهما سنة. وبه قال مالك، وأحمد رحمهما الله؛ لأنها صلاة ليس فيها أذان ولا إقامة فلا يكون أداؤها واجباً.
لنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلمٍ لما فرغ من الصلاة قال: «واتخذوا من مقام إبراهيم مُصلّى، والأمر حقيقة للوجوب، ولأنهما تابعتان للطواف، فتشبه السعي بين الصفا والمروة فكانتا واجبتين. وحيث ما صلى من الحرم يجوز.
وقال مالك، والثوري رحمهما الله: إن لَمْ يصلها خلف المقام لم يجز وعليه دم. كذا ذكر في البيان؛ لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مصلى}.
ورواية أخرى عن مالك: أنه يجوز في غير المقام. والأول أصح.
لنا أن جواز الصَّلاة لا تختص بمكان دون مكان، إلا أن خلف المقام أفضل، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الآية قُلنا المراد في مقام إبراهيم الحرم كله؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: الحرم كله مقام إبراهيم ولأن أكثر الصحابة رضي الله عنهم صلوا ركعتي الطواف في المسجد دون المقام. كذا في الحرم بذي طوى وغيره.
وأن لا يُصَلِّي في الأوقات المكروهة عندنا، وعند مالك بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعند الاستواء وبعد العصر حتى تغرب. وقال الشافعي رحمه الله: يُصلي في أي وقت شاء، بناءً على أن
الصَّلاة كلها المكتوبة وغير المكتوبة ليست بمكروهة بمكة عنده على أصح الوجهين.
وعندنا مكروهة على ما عرفنا في كتاب الصلاة؛ لما روي أن عمر رضي الله عنه طاف بعد صلاة العصر طواف الوداع، فلما فرغ خرج ولم يُصل إلى أن بلغ بذي طوى وقد غربت الشمس فصلى ركعتي طوافه ثمة، فقال: ركعتان مقام ركعتين. ولو كان أداء ذلك غير مكروه في ذلك الوقت لصلى في المسجد الحرام، فإن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة بذي طوى.
قال: ثم يدعو بعد الصلاة والفراغ منه للمؤمنين والمؤمنات، ويقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، واغفر لي ذنوبي، ومتعني بما رزقتني، وبارك لي فيما أعطيتني، واخلف علي بكل غائبة لي بخير.
وفي رواية يقول: اللهم وفقني لما تحب وترضى، وجنبني عما تسخط وتكره ولا ترضى، وثبتني على ملة حبيبك وخليلك عليهما الصلاة والسلام. ثم يأتي زمزم ويشرب من مائها، ويقول عند ذلك: اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً، وعلماً نافعاً، وشفاء من كل داء؛ لقوله: «ماء زمزم لما شرب له».
ثم يعود إلى الحجر الأسود ويستلمه على الوجه الذي ذكرنا؛ لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هكذا.
وفي بعض الروايات: يأتي الحجر الأسود أولاً، ويدعو، ثم يأتي زمزم.
والأول أظهر، لأن الاستلام بين الطواف والسعي سنة، وذلك مما يحقق بأن يأتي زمزم أولاً، ثم يأتي الحجر الأسود.
قال: ويستحب أن يدعو بعد ركعتي الطواف عند الحجر الأسود بدعاء آدم صلوات الله وسلامه عليه، وهو ما روت عائشة رضي الله عنها: «أن الله تعالى لما أراد أن يتوب على آدم عليه الصلاة والسلام
طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى ركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنَّك تعلم سري وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت عليّ، والرضى بما قسمت لي.
فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ذنبك، ولم يأتني أحد من ذريتك يدعوني بمثل ما دعوتني به إلا غفرت له ذنوبه، وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه واتجرت له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة، وإن كان لا يريدها. وهذا حديث صحيح، وقع لنا في السماع والإسناد في فضائل مكة شرفها الله تعالى.
ثم يخرج إلى السعي من باب الصفا على ما نذكره في فصل السعي.
فصل
في بيان أنواع الأطوفة
اعلم أن الأطوفة أربعة:
أحدها: طواف القدوم: وهو ما ذكرناه، وأنه سنة عندنا وعند الشافعي رحمه الله، حتى لو تركه لا يجب عليه دم ولا فدية.
وعن بعض أصحاب الشافعي رحمه الله أنه يجب عليه دم بتركه كما في طواف الوداع.
وقال مالك رحمه الله: هو واجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أتى البيت فليحيه بالطواف، أمر، والأمر حقيقة للوجوب.
لنا أن هذا الطواف تحية والنبي صلى الله عليه وسلم سماه «تحية» في الحديث، والتحيَّة تنفي الوجوب كتحية المسجد، فلا تجب بتركه فدية، والأمر قد يكون للندب، وقد دلّ الدليل على ذلك وهو لفظ التحية.
ولا رمل ولا سعي في طواف القدوم، لأنه سنة، والسعي واجب، والسنن لا تتبعها الواجبات بطريق البناء على قضية الدليل، لكن جاز أن يرمل ويسعى بعده كذا ذكر في شرح الكافي لوجود سبب الوجوب والجواز، أما سبب وجوبه فالإحرام بالحج، فإنه يوجب الطواف والسعي فيه، فجاز أن يأتي به بعد وجود السبب.
وأما سبب جوازه فإن هذا طواف جاز فيه السَّعي لما ذكرنا، فيجوز فيه الرمل، فإنه سنة، لما روي أن النبي كان إذا طاف الطواف الأول حبّ ثلاثاً، ومشى أربعاً.
ولأن الأصل في الرمل: أن كل طواف عقيبه سعي فالرمل في الثلاثة الأول سنّة، وكل طواف لم يكن عقيبه سعي فالرمل في الثلاثة الأول ليس بسنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين رمل في، الثلاثة الأول في الطواف سعى عقيب الطواف، وهذا السعي هو السعي الواجب في الحج على الاختلاف، وموضعه عقيب طواف الزيارة، لأنه فريضة أو ركن، فيجب أن يتبع بالسعي الواجب عقيبه، لأن السعي أبداً مرتب على الطواف، فحقه أن يأتي عقيب طواف هو ركن لا أن يأتي عقيب طواف هو سنة، إلا أن الشرْع جَوَّزه ورخص هنا تقديم السعي على وقته، لكن عقيب طواف القدوم تخفيفاً ورحمة على عباده، لأن أول وقت طواف الزيارة يوم النحر، وأنه أفضل الأيام والأوقات في حق أدائه، وفي ذلك اليوم ترادفت النسك، وهو الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها إلى مِنّى، وَرَمي جمرة العقبة، والذبح، والتفريق على المستحقين، والحلق، والرواح إلى مكة لطواف الزيارة لإحراز الفضيلة فيه والعَوْد إلى منى للمبيت بها، فلهذا جوز التقديم عقيب طواف القدوم تيسيراً للحاج، فعلى هذا إذا كان متمتعاً ليس عليه طواف القدوم، ينبغي أن لا يجوز له أن يسعى، وعليه أن يأتي بالسعي في مكانه عقيب طواف الزيارة، وهو مذهب مالك، وأحمد رحمهما الله، يأتي به بعده، لكن المعنى الذي ذكرنا في جواز التقديم للمفرد ثابت في حق المتمتع أيضاً، فيستوي فيه المتمتع والمفرد هنا فيجوز، لأن المتمتع قد يأتي بطواف عند الإحرام بالحج، فجاز أن يترتب عليه السَّعي الواجب عقيبه، فيجوز كما في المفرد كذا ذكر الكرخي وقال روى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا أحرم: بالحج يوم التروية أو قبله إن شاء طاف وسعى قبل أن يأتي إلى منى، وهذا أفضل عندنا، إلا أن يهل بعد الزوال من يوم التروية، فحينئذ الرواح إلى منى أفضل؛ لأن بعد الزوال الرّواح إلى منى مستحق عليه وقد ضاق وقته، فلا يجوز الاشتغال بفعل ليس بموضع له في ذلك الوقت، بخلاف ما قبل الزوال، فإن الرواح لم يستحق فيه فصار كسائر الأيام.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما: إن أحرم من مكة أخر الطواف إلى يوم النحر أراد به المتمتع.
وروى هشام عن محمد رحمه الله: إن طاف الآن وسعى فلا بأس به، وإن أخره حتى يأتي به في وقته فهو أولى. والأصح ما أجازه الكرخي وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله، وأنه الأفضل، وذكره الطحاوي بهذه العبارة: فإن طواف القدوم سنة، والسعي عقيبه واجب.
أراد بقوله واجب أي أنه لو أتى به عقيب طواف القدوم يقع ذلك السعي عن السعي الواجب لما بينا لا أنه واجب عليه، وهذا أيضاً إشارة إلى الأفضلية، فعلى هذا لو طاف طواف القدوم جنباً وسعى بين الصفا والمروة، كان عليه إعادة السعي عقيب طواف الزيارة، لأن السعي مرتب على طواف مسنون بصفة الكمال، ولم يوجد، فعليه الإعادة، ولو عاد إلى أهله من غير إعادة كان عليه دَم لوجود النقصان فيه عند الإمكان، ولو طاف محدثاً فالمستحب أن يعيد السعي أيضاً عقيب طواف، الزيارة لما مرّ، وإن لم يعد لا شيء عليه عندنا، لأن هذا نقصان يسير، وذلك معفو عنه.
وكذا عند الشافعي رحمه الله فإنه قال: إذا طاف طواف القدوم، وسعى بعده فاضطبع ورمل فيهما فقد سقط فرض السَّعي عنه، ولا يعيد الاضطباع والرمل في طواف الزيارة وإن طاف واضطبع ورمل فيه، ولكن لم يسع بعده فإنه يضطبع ويرمل في طواف الزيارة؛ لأنه لا يفعل ذلك في السعي بدون الطواف؛ لأن السعي تبع والطواف أصل، فلا يكون التبع أكمل من المتبوع، فإن طاف طواف القدوم وسعى بعده، ولم يضطبع ولم يرمل فيهما فهل يضطبع ويرمل في طواف الزيارة؟، ففيه وجهان:
أحدهما يفعلهما. والثاني: لا يفعلهما.
والثاني من الطواف طواف الزيارة: وأنه فرض لا يتم الحج بدونه على ما بينا، فأول وقته من طلوع الفجر يوم النحر، وآخر وقته آخر أيام التشريق، وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله: أول وقته إذا انتصف الليل من ليلة النحر، لمضي أكثر الليل وبقي الأقل وذلك يتبع الفجر. لنا أن قبل الصُّبح وقت وقوف عرفة، وأنه ركن في الحج، فلا يكون وقتاً لرکن آخر غير تابع به.
فإن أخره عن أيام التشريق فعليه دم عند أبي حنيفة، وقالا والشافعي، وأحمد رحمهم الله: ليس عليه شيء؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحلق قبل الذبح فقال عليه الصلاة والسلام: افعل حرج فسأل آخر فقال: يا رسول الله حلقت قبل الرمي، فقال: «افعل ولا حرج فدل على الجواز.
ولأبي حنيفة رضي الله عنه النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل مذهبنا؛ ولأنه أدخل نقصاناً بالتأخير عن وقته، فيجبر بالدم، كتأخير أركان الصلاة وغير ذلك.
وأما الحديث المنقول أن ذلك كان في ابتداء الحج حين لم تستقر أفعال المناسك، دلّ عليه أن في ذلك اليوم سأله رجل فقال: سعيت قبل الطواف، فقال: افعل ولا حرج، وذلك لا يجوز اليوم بالإجماع، فدل ذلك على صحة ما ادعينا.
ثم إن كان سعى حين قدم مكة، لم يعد السعي في طواف الزيارة، ولم يرمل فيه، لأن السعي لا يتكرر في إحرام الحج والعمرة، فإن الواجب سعي واحد، فإذا فعله مرة واحدة في موقعه على ما ذكرنا لا يعيد، وكذا الرمل لما ذكرنا أنه من سنن الطواف الأول. وإن لم يكن قدّم السعي فيه، رَمَلَ في طواف الزيارة وسعي، لأن هذا وقته الأصلي، إلا أنا رخصنا التقديم لما بينا من المعنى، وشرائط صحته يأتي بعده.
ولو طاف بعد الوقوف، ونوى طواف الوداع أو نفلاً يقع عن طواف الفرض عندنا وعند ومالك، والشافعي رحمهما الله.
وقال أحمد رحمه الله: لا يقع عن الفرض وإنما يقع عنده إذا عين النية كالصلاة لنا أنه فرض من فروض الحج، فلا يفتقر إلى تعيين النية كالوقوف بعرفة.
والثالث من الطواف طواف الصدر: وأنه واجب على الحاج إذا أراد الخروج من مكة.
وللشافعي رحمه الله فيه قولان:
أحدهما: أنه سنة، وهو غير واجب، وهو قول مالك رحمه الله.
والقول الثاني: أنه واجب ولو تركه وجب عليه دم، كما هو في مذهبنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أراد أن يرجع إلى أهله فليكن آخر عهده الطواف بالبيت.
والأمر حقيقة للوجوب.
ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم رخص للحيض ولفظة الرخصة لا تطلق إلا في ترك الواجب.
ثم طواف الصدر عندنا يجب على الآفاقي دون المكي، وكذا لا يجب على أهل المواقيت ومن دونهم.
وقال الشافعي رحمه الله: يجب على أهل المواقيت لأنهم ينصرفون من البيت، بخلاف المكي.
لنا أن هذا طواف الصَّدر، وأهل مكة لا يصدرون فلا يجب، وأهل المواقيت تبعاً لهم، فكان حكمهم كحكمهم.
وقال أبو يوسف رحمه الله: أحب إلي أن يطوف المكي، لأن هذا الطواف وضع الخاتمة المناسك، وقد وجد منه أفعال المناسك فيختمه به.
وليس على الحائض والنفساء طواف الصَّدر، وليس عليهما بتركه شيء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء الحيض، ولم يأمرهن بإقامة شيء مقام ذلك. وهذا عندنا أصل في كل نسك جاز تركه لعذر، فإنه لا يجب به كفارة، هكذا ذكره الكرخي رحمه الله.
ومن قدم مكة حاجّاً ثم نوى الإقامة بمكة أبداً، فإن كان ذلك قبل أن يحل النفر الأول وهو اليوم
الثاني من أيام التشريق سقط طواف الصدر، لأنه نوى الإقامة في وقته، فإن كان ذلك بعدما حل النفر الأول، لم يسقط عنه في قول أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف، والشافعي رحمهما الله: يَسْقط عنه. إلا إذا عزم بعد الشروع في الطواف، فحينئذ لا يسقط عنه؛ لأن هذا الطواف غير مؤقت، فإذا نوى قبل الشروع فيه فقد نوى في وقته، فيصح كما لو نوى الإقامة في وقت الصلاة بخلاف ما إذا، شرع فإنه يجب بالدخول فيه فلا يجوز تركه.
لأبي حنيفة رحمه الله، إذا حل النفر الأول وهو وقت الخروج من منى لترك المبيت فيها، فقد حل له وقت طواف الوداع، وخرج وقت الإقامة، فنيّة الإقامة بعد ذهاب الوقت لا تؤثر في حكمه كنية الإقامة بعد خروج وقت الصلاة، كذا هنا فلا يسقط عنه.
ومن لم يطف، ونفر، فإنه يرجع ما لم يجاوز الميقات، لأنه ترك واجباً، فحكمه حكم أهل مكة في حق أداء هذا الحج، فيمكن استدراكه فيرجع فيأتي به، وإن جاوز لم يرجع، لأنه خرج من مكة وإحرامه الأول من الميقات، فلا يقدر على العود إلا بتجديد إحرام آخر إما للعمرة أو الحج ويجب عليه دم لما مر.
وقال الشافعي رحمه الله: إن تذكر قبل أن يبلغ مسافة القصر يرجع، وإن رجع بعدما بلغ مسافة القصر استقر الدم عليه، في المشهور كذا في الإبانة، وكتاب البيان.
ثم عندنا إن عاد بعمرة من خارج الميقات ابتدأ بالعمرة لأن الإحرام انعقد لها، فكان الابتداء بها أولى، فإذا فرغ من عمرته طاف للصدر حينئذ لأنه مستحق عليه لما مرّ.
ولو طاف للصدر ثم تشاغل بعده بشيء آخر بمكة، فليس عليه أن يعيد الطواف لوجود طواف الصدر في آخر عهده بالمناسك.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يستحب أن يعيد طوافاً آخر لما يأتي. وفي رواية الحسن، عن أبي حنيفة رحمهما الله: إذا طاف ثم أقام إلى العشاء فأحب أن يطوف طوافاً آخر ليكون مودعاً للبيت من غير فاصلة.
وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله: لا يشتغل بشيء آخر بعد الطواف إلا صلاة تدركه أو حاجة يحتاج إليها للخروج لما ذكرنا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يكون آخر عهده به الطواف.
ونحن نقول بأنه محمول بأن يكون آخر عهده مناسك الحج، ثم كيفية طواف الوداع يأتي في موضعه، وهو بعد فراغه من طواف الزيارة، ورمي الجمار الثلاثة وغير ذلك من المناسك، عرف تمامه.
والرابع من الطواف طواف العمرة وأنه ركن فيها، حتى لو فات لا يجزي عنه البدل كما في طواف الزيارة في باب الحج، وبقي محرماً إلى أن يعود ويطوف. تمامه يذكر في فصل العمرة على الانفراد إن شاء
الله تعالى.
فصل منه
اعلم أن كل من وجب عليه طواف من هذه الوجوه الأربعة، وأتى به في وقته وقع عنه، نواه أو لم ينوه أو نوى به طوافاً آخر، ويكون الأول وإن نوى الثاني، فلا تعمل النية في تقديم ذلك مثاله: المحرم بالعمرة إذا قدم مكة فطاف وقع عن العمرة، وإن كان حاجاً وقع عن طواف القدوم، وإن كان قارناً وقع الطواف الأول عن العمرة، والثاني عن الحج.
وكذا في طواف الزيارة، إذا نفر في النفر الأول ثم طاف فهو للزيارة، وإن طاف بعد ذلك ينوي تطوعاً أو لا ينوي شيئاً فهو للصدر، وإنما قلنا ذلك لأن الطواف مستحق في وقته، ومن شرطه أصل النية دون التعيين، ليقع التمييز بين العادة والعبادة، فإذا أتى به وقع عن مستحقه كصوم رمضان على أصلنا، وكمن رد الوديعة وهو يقصد به الهبة.
ولو طاف لا ينوي طوافاً أصلاً بأن طاف لطلب غريم، أو يكون هارباً من سبع أو غيره، ولم يقصد به القربة لم يعتبر ذلك، وليس هذا كالوقوف بعرفة، حيث يصح ويُعتد من غير النية، والفرق في ذلك وهو أن الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام فنية الحج تشتمل عليه، فلا يفتقر إلى تجديد النية كركوع الصلاة والسجود، بخلاف الطواف فإنه يوجد بعدما يخرج من الإحرام في حق جميع الأشياء، إلا الجماع ودواعيه على ما يأتي، فلهذا اشترطنا النية فيه.
وقال الشافعي رحمه الله: إن طواف الإفاضة في الحج، وطواف العمرة لا يفتقر إلى النية في أحد القولين، لأن نية الحج أو العمرة تشتمل عليه كما في الوقوف.
والقول الثاني: إنه يفتقر إلى النية كما ذكرنا، وإن كان طواف نذر أو نافلة يفتقر إلى النية قولاً واحداً؛ لأنه قربة تتعلق بالبيت فيفتقر إلى النية كالصلاة.
فصل
في شرائط صحة الطواف وما يقع معتداً وما لا يقع
اعلم أن النية فيه شرط على الاختلاف الذي ذكرنا في الفصل المتقدم، وأما الطهارة فليست بشرط لازم عندنا حتى لو طاف بغير طهارة يصح ويقع معتداً، لكن يجبر بفدية على ما نبين.