القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير
لشرح الجامع الكبير للإمام الحصري
شرح لكتاب الجامع الكبير للإمام محمد الشيباني
استخرجها وقدمها علي أحمد الندوي
جارٍ تحميل الكتاب…
القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير
لشرح الجامع الكبير للإمام الحصري
شرح لكتاب الجامع الكبير للإمام محمد الشيباني
استخرجها وقدمها علي أحمد الندوي
بسم الله الرحمن الرحيم
علم القواعد الفقهية من أجل علوم الشريعة الإسلامية وهي معبرة عن أصول التخريج ورابطة للفروع المتناثرة بسياج يحيط بها تمهد السبيل إلى إدراك المسائل بدون مراجعة طويلة وتفسح المجال أمام الفقهاء للوصول إلى الحلول الشرعية الناجعة فيما يعنّ لهم من قضايا مستجدة ولذلك عنى العلماء بها من القديم ودبجوا مؤلفات ذات شأن أثرى بها هذا الموضوع.
ولكن هناك كنوزا تراثية ثمينة تنطوي على مواد غزيرة خصبة يمكن أن ترفد هذا العلم وتزيد في قدره إذا أحسن استخراجها، وصبت في محالها المتناسبة وكتاب التحرير للإمام جمال الدين الحصيري ??? هـ الذي وضع أصالة لشرح الجامع الكبير للإمام الجليل محمد بن الحسن الشيباني189 هـ شاهد عدل على ما ذكرت فإنه في فواتح أبوابه وتضاعيف فروعه احتوى على كثير من هذه القواعد على اختلاف صياغاتها وأنواعها.
وهذا ما حدا بي أن يكون إبراز القواعد من التحرير موضع اهتمامي ومجال تفكيري للحصول على درجة الدكتوراه في الفقه والأصول مع الحرص على تفادي تكرار ما ذكرت في رسالة الماجستير القواعد الفقهية
وقد احتوت هذه الدراسة على بحوث تاريخية وعلمية وتنبيهات كثيرة في هذا الموضوع يمكن تلخيصها في سطور كالآتي:
1. إن الإمام جمال الدين الحصيري أحد الفقهاء الراسخين المرموقين في القرن السابع الهجرى. وقام هذا الإمام بأعمال علمية تنوء بالعصبة من أولى العلم في هذا العصر.
2. كان الإمام الحصيري محل التوقير لدى الجميع لأن الله سبحانه وتعالى جمع له خصالا حميدة من حسن العمل ونبالة الخلق ورقة القلب وأضف إلى ذلك كله أنه لم يكن مجرد فقيه يُكبّ على كتبه في محراب العلم فحسب بل كان مجاهداً يخرج إلى الميدان ويصدع بكلمة الحق.
3. التحرير، للإمام الحصيرى كتاب قيم نفيس كما يتبين ذلك من الأصول التي وشح بها أبواب الكتاب من البداية إلى النهاية.
4. هناك كتب في علم القواعد الفقهية كانت موضع اهتمام العلماء في القديم، ولكن قد غشيها ضباب الزمن وأصبحت مطمورة في ركام التاريخ منها القواعد في فروع الشافعية للعلامة محمد الجاجرمي??? هـ و حواشي القواعد الفقهية، للعلامة محب الدين ابن نصر الله الحنبلي??? هـ.
5. إن الكتب الفقهية الواسعة مثل المبسوط وشرح السير الكبير للإمام السرخسي، وكشاف القناع للإمام البهوتي انطوت على أصول فقهية كثيرة كما يتبدى ذلك عند تقليب النظر فيها، ويمكن أن تمد هذا العلم وتسنده إذا تم استخراجها من بطونها.
6. احتوى الكتاب والسنة على كثير من جوامع الأحكام التي تمدنا بقواعد تتناول موضوعات فقهية متشعبة الأطراف بجانب مكانتها التشريعية الأساسية.
7. إن كلمة الإمام ابن قتيبة الدينوري في الحث على حفظ جوامع الكلم الطيب مع درايتها وتدبرها كلمة وجيهة تسترعي الأنظار وتشحذ الهمم لمزيد من الخوض في الموضوع.
8. إن معظم القواعد التي يتعرض لها الفقهاء مستوحاة من نصوص الكتاب والسنة، ومنبثقة من النظر في مقاصد الشريعة الإسلامية.
9. القواعد الفقهية عبارة عن علل جامعة للأحكام في بداية نشأتها ثم نظم الفقهاء هذه العلل في كتب وأبواب خاصة بعد انتزاعها من مطاوى المصادر الفقهية وسبكها في صياغات تأتلف مع طبيعة التقعيد لضبط المسائل الفقهية المتناثرة المتنافرة.
10. الإمام الكرخي في رسالته والإمام الجصاص الرازي في شرح الجامع الكبير، والإمام محمد بن حارث الخشني المالكي في أصول الفتيا، يمثلون الرواد الأوائل الذين سلكوا مسلك التأصيل على اختلاف مناهجهم.
11. لم يكن الإمام الحصيرى مبتكرا في مجال التأصيل بل سبقه إلى ذلك طائفة من شيوخ المذهب في شروحهم للجامع الكبير.
12. تجلت مزية الحصيري في التحرير في جمع ما نثره السابقون من القواعد والضوابط في شروحهم. وبذلك تجد هذا الشرح يبد كثيراً من الأعمال العلمية المتعلقة بهذا الموضوع.
13. احتوى التحريرعلى أصول فقهية كثيرة. منها فقهية بحتة، ومنها راجعة إلى أصول الفقه، أو نابعة من النحو، ولكنها اكتسبت صبغة القواعد الفقهية بسبب ما لها من ظلال فقهية.
14. ليست قواعد التحرير في درجة واحدة من حيث مكانتها العلمية فإن منها قواعد فقهية مهمة جمة المعاني تشير إلى علل شرعية نيطت بها الأحكام ومقاصد حكيمة روعيت في التشريع ومنها أصول تقرب بعض المسائل إلى الأذهان وتروض الفكرلكنها لا تمس الواقع كثيراً لانطوائها على مسائل فرضية يستبعد وقوعها ومنها أصول تعبر عن الضوابط المحدودة في مفاهيمها ثم تجد هذه الأصول تتفاوت في درجتها من حيث اتفاق الأئمة عليها أو اختلافهم فيها أيضا.
15. اشتمل التحرير على أصول فقهية لا تتوافر في كتب القواعد المتداولة وفي ذلك دلالة على أن المصادر الفقهية انبثت فيها قواعد وضوابط لم تحظ بها الكتب المتخصصة بهذا الموضوع.
16. لابد من جرد المطولات وقراءات واسعة لإبراز هذا الموضوع على الوجه الناصع المطلوب وبذلك سوف يتحقق بإذن الله ما يتطلع إليه العلماء الباحثون في هذا المجال. والله أعلم.
حكم المغير إذا صادف محلا قابلا للتغيير
قاعدة: إن المغير إذا صادف محلا قابلاً للتغيير، يعمل عمله وإلا، فلا.
ذكر الحصيري رحمه الله هذه القاعدة لارتباطها بمسألة تتعلق بصلاة المسافر. والمغير هنا: التبعية. وهي اقتداء المسافر بالمقيم، لأنه يؤدي إلى تغيير فرض المسافر من الركعتين إلى أربع ركعات، وقد جاز هذا الاقتداء لاتصاله بالسبب وهو الوقت، كما يتضح من المسألة المذكورة في الكتاب كالآتي:
اقتداء المسافر بالمقيم إن كان فرضا لا يتغير بالسفر: يجوز في الوقت وبعده؛ وإن كان فرضا يتغير إن كان في الوقت: يجوز، وإن كان خارج الوقت: لا يجوز. لأنه إذا كان في الوقت ففرضه لم يتقرر ركعتين، فجاز أن يتغير بمغير، وقد وجد المغير: وهو الاقتداء بالمقيم؛ ولهذا يتغير بنية الإقامة، إلا أن ههنا إذا فسدت صلاته يصلي ركعتين، لأن بعد الاقتداء بقى مسافراً، وصلاة المسافر ركعتان، وإنما يلزم الأربع بالتزامه بحكم المتابعة، وقد انقطعت والله أعلم.
حكم المستحاضة والمريض الدائم في الطهارة
ضابط: إن المستحاضة ومن بمعناها ممن به حدث دائم كسلس البول، واستطلاق البطن والجرح الدائم، والرعاف الدائم: يتوضأ لوقت كل صلاة. ولا ينتقض طهارتها ما دام الوقت باقيا، وتنتقض بخروج
ويجعل الوقت مانعا ظهور حكم الحدث، ويقوم الوقت مقام الأداء تيسيرا وتسهيلا.
وقال مالك رحمه الله: المستحاضة لا تتوضأ
إن هذا الضابط من الضوابط المستوحاة من الأدلة الشرعية التي نصت على رفع الحرج عن العباد. مثل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج}. بقطع النظر عن اختلاف الفقهاء في تحديد وقت الوضوء للمستحاضة، ولمن كان في حكمها من حيث التمادي في المرض لتحقق المناط ويعد هذا الأصل من فروع القاعدة الشهيرة: المشقة تجلب التيسير
ومن المسائل التي ظهر فيها أثر هذا الضابط ما جاء في النص الآتي من التحرير: -
مستحاضة توضأت على السيلان، ولبست خفيها، ثم أحدثت حدثاً آخر في الوقت وتوضأت: فلها أن تمسح: لأن الوقت مانع ظهور حكم الحدث، فصارت كالأصحاء. ولو توضأت خارج الوقت، هل لها أن تمسح فالمسألة على أربعة أوجه: إما أن يكون الدم سايلا عند الوضوء واللبس، أو كان سايلا عند الوضوء، منقطعا عند اللبس، أو على العكس، أو كان منقطعا عندهما.
ففي الوجه الرابع: تمسح بالإجماع، لأن اللبس على طهارة كاملة، فصارت كالأصحاء. وفي الوجوه الثلاثة لا تمسح عندنا
وقال زفر: تمسح، لأن الوقت مانع ظهور حكم الحدث، فكانت كالأصحاء.
وإنا نقول: الوقت مانع ظهور حكم الحدث ما بقي الوقت، فإذا خرج الوقت، ظهر حكم الحدث، لأن خروج الوقت ليس بحدث، بل به يتبين انتقاض طهارتها بالحدث السابق إلا أن هذا التبيين لا يظهر في حق الصلاة لضرورة، ولا ضرورة في المسح
ترك القياس في موضع الضرورة والحرج
قاعدة: إن ترك القياس في موضع الضرورة والحرج جائز لأن الحرج منفي، ومواضع الضروروات مستثناة عن قضيات الأصول.
ثم النجاسة على ضربين: حقيقة وحكمية، فالحكمية لا تتصور إلا في البدن. وإنها لا تزول إلا في الماء المطق أو نبيذ التمر عند عدمه على الاختلاف المعروف.
والحقيقة تتصور على البدن والثوب جميعًا، وإنها تزول في الماء المطلق،
والمقيد، وكل مائع طاهر ينعصر بالعصر، سواء أصابت البدن والثوب؛ خلافاً لمحمد والشافعي
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه فرق بين البدن والثوب. فقال في البدن: لا تزول إلا بالماء، وفي الثوب تزول بكل مائع طاهر ينعصر بالعصر. أما ما لا ينعصر كالدهن والدبس واللبن، لا تزول به النجاسة.
هذه القاعدة تمثل مدى سعة التشريع الحكيم في وضع الحرج عن المكلفين بشرع الرخص في مواضع الضرورة والعدول عن القاعدة العامة إلى حلول استحسانية في ظروف استثنائية. والدليل على هذه القاعدة ونظائرها: قول الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وقوله عز وجل: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ وما سواهما من النصوص المتوافرة.
وأوماً الحصيري بهذه الصياغة إلى موضوع الاستحسان الذي قد يعبر عنه ب ترك القياس، أو الأخذ بما هو أوفق للناس؛ لأن إجراء القياس مطلقا قد يؤدي إلى حرج؛ والحرج مرفوع في الشريعة الإسلامية.
وتتخرج مسائل كثيرة على هذا الأصل، منها مسألة النجاسة وتطهيرها كما أشار إلى ذلك الحصيري في النص المذكور مع القاعدة. ولمزيد من الإيضاح لا بأس أن أذكر مسألة جاءت في أثناء الشرح:
و إذا غسل الثوب النجس في ثلاث إجانات، وعصره في كل مرة:
يطهر. والقياس: أن لا يطهر أبداً. وهو قول بشر المريسي والشافعي. لأن الماء الأول تنجس بأول الملاقاة وتنجست الإجانة. وكذا الثانية والثالثة، فلا يطهر إلا بصب الماء عليه، أو بالغسل في الماء الجاري
وجه الاستحسان: أن للناس فيه ضرورة وبلوى؛ لأن الثياب تغسلها النساء والخدم عادة، وقد يكون ثقيلا، لا تقدر المرأة على حمله لتصب الماء عليه، والماء الجاري لا يوجد في كل مكان فلو لم يطهر، يؤدي إلى الحرج. هذا إذا كانت النجاسة غير مرئية، فإن كانت مرئية، فطهارتها بزوال عينها، ولا يضره بقاء الأثر بالحديث.
تبدل رأى المجتهد وحكم العمل به
قاعدة: إن رأي المجتهد حجة من حجج الشرع. وتبدل رأي المجتهد بمنزلة انتساخ النص، يُعمل به في المستقبل لا فيما مضى.
هذه القاعدة تعبر عن القاعدة الشهيرة عند الفقهاء والأصوليين: الاجتهاد لا ينقض بمثله. وقوله يعمل به في المستقبل لا فيما مضى، يدل على أنه يتوجب على المجتهد العمل بالرأي الجديد الذي يعنّ له في المسألة الجديدة الأخرى إذ ليس هناك ما يؤدي إلى التسلسل والدور. والعمل بموجب المعتقد واجب في حق المجتهد والله أعلم.
وأورد الحصيري رحمه الله هذه القاعدة في مستهل باب صلاة العيدين وربط بها بعض الفروع الفقهية؛ لأن مسائل الباب مبنية على تحول الرأي عن قول بعض الصحابة إلى قول البعض الآخر رضي الله عنهم.
وفيما يلي أسوق نصا من الكتاب تطبيقا على ما ذكر:
لو كان الإمام يرى تكبير ابن مسعود، فلما شرع في القراءة تحول رأيه إلى رأي ابن عباس يأتي ببقية التكبيرات لقيام المحل، ثم إذا قرأ الفاتحة لا غير، يعيدها، وإن قرأ السورة معها، لا يعيد؛ وإن تحول رأيه بعد ما أتم الركعة الأولى، يفعل في الثانية برأيه الحادث. لأن ما مضى كان على وجه الصحة، فلا ينقض كالقضاء.
ولو كان يرى تكبير ابن عباس، فلما كبر ثلاثا أو أربعا، تحول رأيه إلى رأي ابن مسعود، يترك ما بقي، لأن الزيادة خطأ عنده، وليس في تركها نقض المؤدى، ويفعل في الثانية برأي ابن مسعود ولو تحول رأيه إلى رأي علي، وقد كان رأى رأى ابن مسعود أو ابن عباس وقد كبر، يقرأ، ولا يعيد التكبير لأن من مذهبه تأخير التكبير، وكان مؤديا في محله، وإنه يوجب نقض ما مضى بخلاف ما إذا تحول رأيه إلى رأي ابن عباس وقد كان يرى رأي ابن مسعود وقرأ الفاتحة والسورة لأنه يؤدى على وجها القضاء، فالتحق بمحله ولو كان رأيه رأي علي، فتحول إلى رأى ابن عباس أو ابن مسعود، إن لم يقرأ السورة يكبر ويعيد القراءة، وإن أتم القراءة لا يرفض ذلك، ويكبر على نحو ما تحول إليه رأيه والله أعلم
حكم النقود في المعاوضات
قاعدة: إن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات وفسوخها عندنا؛ والعروض تتعين.
هذه القاعدة المذهبية كثيرة الدوران على أقلام الفقهاء عند تعليل المسائل في عقود المعاوضات ولا يخفى ما فيها من دفع الحرج في التعامل. وهم قالوا بذلك بناء على أن و التعيين لبيان المقدار لا غير، إذ
الثمن في الذمة ثابت بالدراهم المطلقة، بخلاف الغصوب والأمانات، فإنها تستلزم التعيين لكونها مقصودة بذاتها.
وذكرها الحصيري رحمه الله لارتباطها ببعض المسائل المتعلقة بزكاة المال؛ كما يظهر من المسألة المذكورة كالآتي:
فلو وجد بها إن اشترى بالألف جارية للخدمة، يصير مستهلكا عيبا، فردها بقضاء أو بغير قضاء واسترد دراهمه، لم يسقط عنه الضمان؛ لأن وجوب الرد لا يتعلق بتلك الدراهم، لأنها لا تتعين في الفسخ كما لا تتعين في العقد ولهذا كان له أن يمسك تلك الدراهم ويرد غيرها؛ فكانت غير تلك الدراهم حكما وإن كانت العين حقيقة بخلاف الهبة؛ لأن حقه متعلق بالعين. ولو كان مكان الدراهم عروض التجارة، فحال عليها الحول، ثم باعها بعبد للخدمة، صارت الزكاة دينا في ذمته، فلو وجد بالعبد عيبا، وردّه وقبض العرض، فإن كان بقضاء، سقط الضمان، وتتحول الزكاة إلى العرض؛ لأنه فسخ والعرض يتعين في الفسخ كما يتعين في العقد، فعاد اليه قديم ملكه، فيعود ما فيه من الحق؛ وإن كان بغير قضاء، لا يسقط الضمان، ولا يتحول إلى العرض، لأن الرد بتراضيهما واصطلاحهما، فصار كبيع جديد
ويمكن أن يلحق بها ما جاء في النص الآتي من المبسوط:
ولو كانت له جارية قيمتها خمسمائة، فباعها بألف درهم، واشتراها المشتري للتجارة، ثم حال الحول عليها ثم وجد بها عيبا، فردها بقضاء أو بغير قضاء، فعلى البائع زكاة الألف، لأن حق المشتري عند ردّ الجارية بالعيب يثبت دينا في ذمة البائع ويتخير هو بين أداء الألف وبين أداء ألف أخرى، بناء على الأصل المعروف أن النقود لا تتعين في العقود والفسوخ؛ فهذا دين لحقه بعد الحول، فلا يسقط عنه شيء من الزكاة والله أعلم
البدل عند تعذر المبدل
قاعدة: إن بدل الشيء قائم مقام أصله، فكان حكمه حكم المبدل تحقيقاً لقيامه مقامه.
هذه القاعدة من القواعد المشهورة في الفقه الإسلامي. وحكمة مشروعيتها: تيسير الطاعات للعباد. كما يفهم من استقراء النصوص التي ألمعت إلى اعتبار هذه القاعدة منها قول الله تعالى {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أَخَرَ و عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينَ}.
وقوله عز وجل: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}.
ولها فروع كثيرة تناثرت في أبواب العبادات والمعاملات. وذكرها الحصيري رحمه الله لصلتها ببعض الفروع الواردة فى باب زكاة المال كما يظهر من النص الآتي:
لو باع العبد بعرض ونوى التجارة، فحال الحول عنده، ووجب فيها الزكاة، ثم ردَّ العبد بالعيب، وأخذ العرض، فإن كان بقضاء، سقطت عنه زكاة العرض، لأنه انفسخ ملكه جبرا وأخذ منه قهراً، فصار كالهلاك والاستحقاق، ولا زكاة عليه.
فيما استرد وهو العبد، لأنه كان للخدمة. وإن كان بغير قضاء، فعلى بائع العبد زكاة العرض للسنة الماضية، لأنه بمنزلة البيع المبتدأ، فلا تسقط عنه الزكاة.
وهذا إذا نوى الخدمة عند الرد. أما إذا نوى التجارة أو لم ينو شيئا، لا يضمن زكاة العرض، وتتحول الزكاة إلى العبد، ويكون العبد للتجارة لأنه بدل مال التجارة، وحكم البدل حكم الأصل كما لو باع ابتداء بعد الحول، ولم ينو شيئا والله أعلم.
ومن الفروع التي يستحسن إلحاقها بهذه القاعدة ما ورد في النصين التاليين:
للماسح على الخفين أن يوم الغاسلين، لأنه صاحب بدل صحيح. وحكم البدل حكم الأصل. ولأن المسح على الخف جعل كالغسل لما تحته في المدة، بدليل جواز الاكتفاء به مع القدرة على الأصل وهو غسل الرجلين، فكان الماسح فيحكم الإمامة كالغاسل
لو دفع إلى رجل أرضَ عُشر على أن يزرعها ببذره وعمله بالنصف، فاستحصد الزرع، ولم يحصد حتى استهلكه رجل أو سرقه، وهو مقر به، فلا عُشر على واحد منهما حتى يؤدي المستهلك ما عليه، وما أدى من شيء كان على رب الأرض عشره في قول أبي حنيفة رحمه الله، سواء كان البذر من قبل العامل أو من قبل رب الأرض؛ لأن حكم البدل حكم المبدل
الدين المانع من الزكاة
ضابط: إن الدين المانع من الزكاة يصرف إلى أيسر الأموال قضاء؛ وهو الدراهم والدنانير. لما روي أن عثمان رضي الله عنه خطب الناس في شهر رمضان وقال: ألا إن شهر زكاتكم قد حضر، من كان
عليه دين وله مال فليحسب ماله بما عليه ثم ليزك بقية ماله؛ فلم يأمرهم بصرف الدين إلى أموال القنية. ولأن ما ليس بمال الزكاة ليس بمال على الإطلاق؛ حتى لو حلف: أن لا مال له، وله عروض لغير التجارة، لا يحنث؛ ثم إلى ما هو ملحق به وهو عروض التجارة ثم إلى المال الفاضل عن حاجته وهو السوائم؛ ويعتبر في السوائم أقلها وجوبا نظراً للفقراء.
إن الشريعة الإسلامية تتوخى التيسير على المدين، ومن مظاهر هذا التيسير أنها قررت إسقاط الزكاة عنه. وهذا إذا كان الدين محيطاً بمال الإنسان. أما إذا كان ماله أكثر من الدين: فزكى الفاضل إذا بلغ نصابا. ثم إن كان له نصب متعددة: صرف الدين إلى النقود أولا، فإن فضل عنه، صرف إلى العروض، فإن فضل منها إلى السوائم. كما يتجلى ذلك من المسألة الآتية المتفرعة على هذا الضابط الذي ذكره مقروناً بدليله في مستهل الباب:
إذا كان لرجل دراهم ودنانير، وسائمة من الإبل والبقر والغنم وعروض التجارة، وعليه دين، فإن كان الدين مستغرقاً للكل: لا يجب شيء، وإن كان مستغرقاً للبعض: يُصرف إلى الدراهم والدنانير لأن القضاء منهما أيسر لعدم تعلق.
المصلحة لعينها، ولكونها معدة لقضاء الحوائج، ولا يتوقف القضاء منها على واسطة خصوصاً إذا كان الدين من جنسها، فإن فضل عن الدراهم والدنانير، أو لم يكن له دراهم ولا دنانير: يُصرف إلى عروض التجارة، لأنها معدة للبيع، فكان قضاء الدين من ثمنها أغلب، بخلاف السوائم، لأنها معدة للإمساك والدر والنسل؛ ولأنه أنفع للفقراء، لأن زكاة العروض: أداؤها مفوض إلى أربابها، ولا مطالب لها، فربما يؤخر الأداء بخلاف السوائم، فإن لم يكن له عروض أو كان وفضل الدين حينئذ: يصرف إلى السوائم، فإن لم يكن فإلى العروض التي هي لغير التجارة، فإن لم يكن فإلى العقارات وأثاث البيت وعبد الخدمة. لأن الحاجة إلى قضاء الدين أهم من حاجة الخدمة. ولا يُباع في ذلك ثياب بدنه، لأنه مشغول بالحاجة الضرورية.
ولو كان له أجناس من السوائم، يُصرف إلى اقلها وجوباً نظراً للفقراء، حتى لو كان له أربعون من الغنم وثلاثون من البقر وخمس وعشرون من الإبل، يصرف إلى نصاب الغنم.
أداء الحق بعد وجود السبب
قاعدة: إن أداء الحق بعد وجود السبب جائز؛ لما روي عن النبي عليه السلام: أنه استسلف من العباس صدقة عامين وكما لو صام المسافر في رمضان، والصلاة في أول الوقت.
وسبب وجوب الزكاة: المال المعني، وسبب وجوب العشر: الأرض النامية، وسبب صدقة الفطر: رأس يمونه ويلي عليه.
هذه قاعدة مهمة من قواعد الفقه، تسوّغ للحاكم استسلاف الزكاة قبل حولان الحول عليها، بعد وجود النصاب الذي هو سبب وجوبها، إذا اقتضت المصلحة؛ كما يجوز للمكلف أداء بعض الواجبات بعد وجود أسبابها قبل حلول أوانها، لما في ذلك من المبادرة إلى الخير والإقبال على العمل الصالح، الذي دعا إليه الشرع في جميع الأحوال والله أعلم.
وتنبني على هذه القاعدة مسائل من العبادات المالية والبدنية. وهنا تطرق إليها الحصيري رحمه الله لعلاقتها ببعض الفروع المتعلقة بالزكاة؛ كما يتبين من النصوص التالية:
لو عجل عشر زرعه، إن كان بعد النبات يجوز؛ وإن أدى قبل الزراعة؛ لا يجوز؛ لأن الأرض ليست بسبب لوجوب العشر، وقد بقى بينها وبين الوجوب عمل سوى مضى الزمان؛ ولو أدّى بعد الزراعة قبل النبات؛ يجوز عند أبي يوسف؛ لأنه لم يبق بينه وبين وجوب العشر إلا مضي الزمان؛ وعند أبي حنيفة ومحمد: لا يجوز؛ لأن العشر إنما يجب في الخارج ... ، بخلاف ما لو عجل خراج سنة أو سنتين، فإنه يجوز لأن سببه ملك الأرض المنتفعة، وأنه موجود، فيجوز؛ كما لو عجل صدقة الفطر سنين أما العشر وإن كان مؤنة الأرض النامية إلا أنه لا يجب إلا بحصول الخارج حقيقة، فلا يتم السبب قبل الزراعة؛ وبخلاف الزكاة؛ لأن حقيقة النماء ليس بشرط.
ولو عجل خمسة عن مئتين، ثم استفاد خمسة، وتم الحول، فإنه يقع الخمسة زكاة، ولا يجب عليه زكاة المستفاد، ولو لم يقع عنه، لوجب عليه زكاته ولو كان له مائة درهم، فعجل زكاة خمسة وعشرين، ثم استفاد ألف درهم؛ لا يجوز، لأن المائة ليست بسبب، فكان أداءً قبل وجود السبب، فلا يجوز.
المعتبر في المنصوص وغير المنصوص
قاعدة: إن المعتبر في المنصوص: عَيْنُ النص، وفي غير المنصوص: معناه، لأن التنصيص يُشعر بكونه مقدراً، وتغيير المقدر باطل.
المعتبر في المنصوص وغير المنصوص
يستفاد من هذه القاعدة أن الشرع إذا نص على تقدير معين، لم يجز استبداله بشيء آخر، بحيث يفضي إلى إبطال التقدير المنصوص عليه. لأن كل تعليل يتضمن إبطال النص، فهو باطل
ومن شواهدها في كتاب الله: قوله عز وجل في كفارة اليمين فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فهنا نصت الآية الكريمة على جواز التخيير في كفارة اليمين في هذه الأصناف المذكورة؛ ومقتضى ذلك أن المكلف يسوغ له أن يختار أحد الأنواع ولكن بدون أن يتصرف تصرفاً يتضمن إبطال التنصيص ويتضح ذلك من المسائل التي تتفرع على هذا الأصل. ومنها ما جاء في التحرير كالآتي
إذا أدى خمسة أثواب تساوي عشرة أثواب إلى عشرة مساكين في كفارة اليمين: لا يجوز عن العشرة؛ لأن الله تعالى قال: أو كِسْوَتُهُمْ؛ ذكر في التفسير: لكل مسكين ثوب، ولم يبين مقداره، فأي ثوب أدى، وإن كان مرتفعا: كان هو المنصوص عليه؛ فما لم يؤد إلى كل مسكين ثوبا كاملا، لا يجوز.
ولو نذر أن يتصدق بقفيز تمر دقل، فتصدق بنصف قفيز تمر فارسي: قيمته مثل قيمة قفيز دقل لا يجوز، إلا عن نصف قفيز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند زفر: يجوز.
ولو أدى مكيلاً آخر من الحنطة أو الشعير، ما يُساوي قيمة قفيز تمر دقل: يجوز؛ بخلاف صدقة الفطر إذا أدى مكان الحنطة أو الشعير نصف صاع من تمر يساوي صاعاً من شعير، أو نصف صاع من حنطة: لا يجوز. لأن كل واحد منهما منصوص عليه، وأداء المنصوص عن المنصوص بالقيمة لا يجوز، لأنه متعين بتعيين الله تعالى بخلاف أداء غير المنصوص.
الدين المطالب من جهة العباد
ضابط: إن الدين المطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة، وغير المطالب لا يمنع. لأنه إذا كان مطالبا، كان محتاجا إليه، لدفع المطالبة والحبس في الدنيا والإثم في الآخرة. فلو أمر بصرف بعضه إلى الفقير، يبقى في ورطة الحاجة وفيه عُسر، ولأن الدين يصرف إلى المال الفاضل والمال الفاضل عن الحاجة الأصلية: مال الزكاة. ومتى صرفت حاجة قضاء الدين إليه لم يبق غنيا بذلك المال. والغني شرط لوجوب الزكاة بالنص. أما إذا لم يكن مطالبا، لم يكن مخرجاً إياه عن مالية الزكاة
إن من شروط الدين الذي يمنع وجوب الزكاة: أن يكون له مطالب من جهة العباد سواء أكان الله تعالى مثل الزكاة والعشر والخراج، أو للعباد مثل الثمن والأجرة ونفقة المحارم، وما لا مطالب له مثل النذر والكفارة والحج: لا يمنع. كما يفهم من هذا الضابط المذهبي الذي وضعه فقهاء المذهب الحنفى.
ومن المسائل التي تندرج تحت هذا الضابط ما ورد في النصين التاليين من التحرير:
رجل له مائتا درهم، فقال: على أن أتصدق بمائة منها، فحال الحول، يجب عليه الزكاة خمسة دراهم؛ لأن بالنذر لا يزول المال عن ملكه، لأنه إيجاب التمليك، وإيجاب التمليك يقتضي تقرير مالكيته لا إعدامه، وحاجته إلى تمليك هذا المال لا يعتبر في حق هذا المال؛ لأنه لا مطالب له، فلا يمنع وجوب الزكاة.
له مائنا درهم، وعليه كفارات ونذور وحج، لا يمنع وجوب الزكاة، لأنه لا مطالب له من جهة العباد. وكذا نفقة الزوجات والمحارم قبل فرض القاضي، لعدم المطالبة.
وما كان له مطالب من جهة العباد، يمنع وجوب الزكاة. كثمن البياعات، والأجرة، والقرض، وضمان الاستهلاك، ونفقة المرأة بعد القضاء، ونفقة المحارم بعد القضاء؛ لأن نفقة المحارم تصير دينا بالقضاء على هذه الرواية.
وذكر في كتاب النكاح: أن نفقة المحارم لا تصير دينا بالقضاء، حتى تسقط بمضي المدة؛ فعلى تلك الرواية لا يمنع وجوب الزكاة.
حكم النكرة في حالتي الإثبات والنفي
قاعدة: إن النكرة في موضع الإثبات: تخص وفي النفي: تعم كقولك: ما رأيت اليوم رجلا، يقتضي نفي رؤية جميع الرجال وإذا قلت: رأيت رجلا، يثبت الصدق برؤية رجل واحد.
وموضع الجزاء في موضع الإثبات، فتخص النكرة فيه؛ وموضع الشرط في موضع النفي يعم؛ لأنه لتأكيد النفي.
هذه القاعدة ترجع إلى أصول النحو أصالة، وذكرها الأصوليون أيضا في مبحث العام، ثم سارت على أقلام الفقهاء خصوصاً في موضوعات الأيمان والطلاق. ولها فروع فقهية فرضية كثيرة. وفيما يلي أسوق نصين من التحرير
ظهر فيهما أثر هذا الأصل المذكور:
ولو قال: كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فواحدة منكما طالق، أو قال: فإحداكما طالق: طلقت إحداهما واحدة، وإليه البيان، يوقعه على أيهما شاء، لأنه جعل الحلف بطلاق واحدة: شرطاً لوقوع الطلاق على واحدة، وقوله فواحدة منكما طالق: نكرة في الإثبات، فيخص، وإنه كلام تام مستقل بنفسه، فلا يتعمم ضرورة تعمم الأول، فكان الجزاء خاصاً، واليمين تعرف بالجزاء فصار الحلف بطلاق واحدة عامة: شرطاً لوقوع الطلاق على واحدة خاصة، فيقع واحدة
ولو قال: كلما حلفت بطلاق واحدة منكما فهي طالق، كلما حلفت
بطلاق واحدة منكما فواحدة منكما طالق: وقعت واحدة، وإليه البيان. لأن الشرط في اليمين الأولى: الحلف بطلاق واحدة عامة، لأنه نكرة في موضع الشرط، فيعم عموم الأفراد. وقوله في الجزاء فهي: كناية عن تلك الواحدة. وقوله: فواحدة منكما طالق، في المرة الثانية: يتناول واحدةً خاصة، لأنها مذكورة في موضع الجزاء، فيخص، وقد وجد الحلف بطلاق واحدة، فيقع واحدة، وإليه البيان
الفرق بين كل وكلما، وأثر ذلك في الفقه
قاعدة: إن كلمة كل تعم الأعيان، وتثبت عموم الأفعال تبعا، وكلما، يعم الأفعال ويعم الأعيان تبعا.
قال الله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ يعني عند كل إضاءة يمشون. وقال الله تعالى: {كلما نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْتَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.
فالحاصل: أن كل للعموم والإحاطة فيما دخل فيه، إن دخل في الأعيان: يعم الأعيان، وإن دخل على الأفعال: يعم الأفعال. و ه كلما» يدخل على الفعل بمعنى: كل كلام حصل مني أو كل تزوج حصل مني فكذا. فكل فعل وجد في أي محل كان، لزمه جزاؤه.
ثم إن المنعقد ب كلما يمين واحدة للحال، ويتجدد انعقادها كلما حنث في يمينه، أم أيمان؟ على رواية الجامع: أيمان ينحل بعضها بوجود الشرط، ويبقى الباقي؛ وعلى رواية المبسوط: يمين واحدة ويتجدد انعقادها. لأن اليمين تعرف بالجزاء، ولم يذكر الجزاء إلا مرة واحدة، فكان يمينا واحدا، إلا أنه يتجدد انعقادها بتعدد الحنث. لأنها عُقدت بكلمة توجب التكرار. ولهذا لو قال لامرأته: كلما دخلت
الدار فأنت طالق؛ فدخلت، لا يقع إلا واحدة. ولو انعقدت أيمان في الحال، لوقع الثلاث. كما لو عقد اليمين ثلاث مرات، فدخلت.
وجه رواية الجامع وهو الأصح: أن اليمين إنما يتكرر بتكرر الشرط والجزاء، وقد تكرر لأن كلمايقتضي تكرار الأفعال وتعممها، فكان كل فعل شرطا؛ ومن ضرورة تكرر الشرط: تكرر الجزاء، لأن الشرط لا يصح بدون الجزاء، ولو تكرر الجزاء حقيقة، يكون أيمانا؛ فكذا إذا تكرر حكما، إلا أنه انحلت بعضها بالحنث، وبقيت البعض منعقدة، فكان الثابت في الحال أيمانا منعقدة متعاقبة على حسب تعاقب الشرط. كأنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، إن دخلت مرة أخرى فأنت طالق، هكذا، ولو صرح بهذا، لا يحنث في الأيمان بشرط واحد
إن مجرد الإلمام بنص القاعدة يوحي بأن مرجعها إلى النحو، ولكن المصادر الفقهية فاضت بالتفريع على أمثال هذه القاعدة خصوصا الجامع الكبير ومن الفروع المتعلقة بهذا الأصل في التحرير ما يأتي:
ولو قال لامراتيه، وقد دخل بهما: كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان؛ قاله مرتين، طلقت كل واحدة منهما طلقة، لأن شرط طلاقهما: الحلف بطلاقهما، وفي المرة الثانية وجد الحلف بطلاقهما، لأنه جعل الجزاء طلاقهما ولو قال في المرة الثالثة، وقعت على كل واحدة تطليقتين عند الثانية وتبين بثلاث، لأنها منعقدة بكلمة التكرار، فانعقدت الثالثة، والأولى والثانية منعقدتان فانحلتا بالثالثة، لأن الشرط الواحد يصلح شرطاً لأيمان كثيرة، فتبين كل واحدة بثلاث.
وكذا لو قال: كلما حلفت بطلاقكما، فكل واحدة منكما طالق، لأنه جمعهما في الشرط، وجمعهما في الجزاء بحرف متكرر، فإذا تكرر الحنث، تكرر الطلاق.
المحلى بالألف واللام وما يتفرع عليه
قاعدة: إن الألف واللام يدخلان في الاسم للتعريف عند أهل اللغة، فلابد من اعتبار المعرفة فيما دخلا عليه. وذلك بالصرف إلى المعهود لو كان معهودا؛ إما بالذكر أو الرؤية أو الصحبة إذا كان ذلك معلوما عن المتكلم والمخاطب.
قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ ثم قال: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أي الشهر الذي سبق ذكره. وقال الله تعالى: كما أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنَ الرَّسُولَ أي ذاك، ويقال: استقبلني الرجل: أي الذي صحبته أو رأيناه بعينه.
وإن لم يكن ثم معهود، ينصرف إلى الجنس، لأنه معهود في نفسه. يقال: الأسد أقوى من الذئب والفرس أعدا من الحمار، أي جنس الأسد والحمار
ثم اسم الجنس عند البعض يقع على الواحد بحقيقته، ويحتمل الكل عند الإرادة. قال الله تعالى {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ والمراد: الفرد وقال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ وميزان القيامة واحد وهذا لأن الواحد من الجنس يسمى باسمه، وهو يصلح لكل الجنس. ألا ترى أن آدم عليه السلام جنس الإنس حين لم يكن في العالم إلا هو، وهو متيقن، فكان صرف الاسم عند الإطلاق إليه أولى؛ ولأنه اسم فرد. والواحد فرد بصورته ومعناه. والكل فرد معنى من حيث إنه فرد بالنسبة إلى سائر الأجناس وهو عدد في نفسه، وكان الفرد بذاته ومعناه أحق به.
وعامتهم على أنه يصرف إلى كله إن أمكن، وإن تعذر يصرف إلى أقله، لأن الكل معهود في نفسه، لا يزاحمه غيره في استحقاق اسمه. والواحد من الجنس بعض الجنس وهو نكرة يزاحمه أمثاله في استحقاق اسمه، فلا يجوز صرف الاسم إليه، لأنه لا به التعريف. والدليل على أنه يصرف إلى الكل أنه يصح استثناء الجماعة. قال الله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا؛ إِلَّا إِذا تعذر إما حقيقة أو شرعا، فيُصرف إلى أقله.
وتكلموا: أنه يصرف إليه بطريق الحقيقة أم بطريق المجاز؟ قال بعضهم: بطريق المجاز؛ لأنه بعض الكل، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز بطريق المجاز. والأصح أنه يصرف إليه بطريق الحقيقة، لأن اسم الجنس ينطلق عليه بطريق الحقيقة، وأقله معهود، وإن كان فيه ضرب تنكير كالكل.
ثم اسم الجنس قد يكون بصيغة الجمع. كما في قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النساء، وقد يكون بصيغة الفرد كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا. وفي الوجهين يقع على الأدنى ويبطل معنى الجمع، كيلا يلغو لام التعريف، لأن الجماعة نكرة لوجود جماعات كثيرة. ولا يقال: ينبغي أن يقع على أدنى الجمع وهو ثلاثة، كما يقع على أدنى الأفراد، لأناً نقول: لو فعلنا ذلك إنّما فعلنا بقضية صيغة الجمع، وحينئذ يبطل معنى المعرفة أصلا، لأنه جنس معنى، فإن اللام لاستغراق الجنس واستيعابه، وصيغة الفرد كذلك لأنه فرد بالنسبة إلى سائر الأجناس
وتكلموا: أنه لو كان هناك معهود يصرف إليه أو إلى الجنس؟؛ قال بعضهم: إلى الجنس؛ لأنه معهود مطلق، لا يشاركه غيره، وفي استحقاق تسمية المعهود ذكرا أو حالا قد يشاركه غيره في استحقاق
اسمه، فيصرف إليه، إلا إذا تعذر، فيصرف إلى المعهود. وقال بعضهم: يصرف إلى المعهود، لأنه أقرب إلى الفهم. ثم الجنس قد يكون بغير لام التعريف كقول الأعمى يارجلاً خذ بيدى وهذا يتناول جنس الرجال؛ وقد يكون مع اللام كقول الخطيب: أيها الرجل، فكلكم ذلك الرجل؛ لكن إذا كان بغير اللام، كان للفرد حقيقة وللجنس حقيقة. وإذا دخل اللام، لم يبق للفرد حقيقة، وكان عمل اللام في التمحض للجنس.
وهذا كله إذا لم يقيده بشيء. أما إذا قيده ينصرف إلى ذلك المقيد بالإجماع. فإذا كان الجزاء معلقا باسم جنس ينزل بأدنى ما يُطلق عليه الاسم، ذكره معرفاً أو منكراً؛ كما لو قال: إن اشتريت التمر أو تمراً، أو السمك أو سمكة، أو الطعام أو طعاما.
هذه القاعدة كما رأيت تدور حول موضوع المحلى بالألف واللام،، وإنه من موضوعات النحو أصالة، ولكنه وارد في كتب الفقه والأصول تبعا وتضمنا؛ لما يتفرع على هذا الأصل من أحكام فقهية لاسيما في كتاب الأيمان
وقد استهل الحصيري هذا البحث بذكر ثلاثة أنواع أل العهدية: العهد الذكري، والعهد الذهني أو العلمي، والعهد الخارجي أو الحضورى، ثم تطرق إلى موضوع أل الجنسية مع بيان اختلاف العلماء في بعض أحكامه، ثم بين في الختام أن اسم الجنس قد يكون بغير لام التعريف. والغرض من ذلك كله: الإلماع إلى أن الإمام محمدا جمع هنا مسائل من الأيمان تنبني على هذا الأصل وعلى أصل آخر سيأتي بيانه.
وإليك نصوصا من التحرير يلوح فيها أثر بعض ما تناوله في هذا الأصل:
رجل قال: امرأته طالق، إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد، أو كلمت الرجال أو الناس، فتزوج امرأة، أو كلم رجلا، أو اشترى عبدا؛ يحنث؛ لأنه اسم جنس بدخول اللام، فينصرف إلى الأدنى.
دل عليه قوله تعالي: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم والمراد به الواحد، ولأن الغرض من اليمين المنع. وإنما يمنع الإنسان نفسه عما في وسعه عادة، وليس في وسعه التكلم مع جميع الرجال والتزوج بجميع النساء وغيره فينصرف إلى الأدنى.
ولهذا لو حلف: لا يشرب ماء هذا البحر، ينصرف إلى قطرة منه ولو حلف: لا يشرب ماء هذا الكوز، ينصرف إلى جميعه.
وكذا لو حلف لا يشرب ماء هذه الخابية، فشرب بعضها، حيث، لأنه لا يستطاع شربها في مرة واحد.
ولو قال: إن كلمتُ رجلا فعبدي حرّ، فكلم رجلا وقال: عنيت غيره، لا يصدق قضاء، لأنه ذكر رجلا منكرا، فلا يصح نية التخصيص فيه. ولو قال: إن كلمت الرجل، فعبدي حرّ، يصدق في القضاء، لأنه اسم جنس الكل، فتناول الكل، ويحتمل الأدنى، إلا أن الأدنى صار مراداً، لأنه لا يمكنه الكلام مع الجميع، فتعين الواحد. كما لو قال: إن تزوجت النساء. بخلاف ما لو قال: لا أكل التمر أو تمراً، أو الطعام أو طعاماً، أو الماء أو ماء. لأنه اسم جنس بوضعه فيقع على الأدنى.
أقل الجمع وما يتعلق به من الفقه
قاعدة: إن أقل الجمع الصحيح ثلاثة. وقال بعضهم اثنان. وقيل: هو قول أبي يوسف لقوله عليه السلام: الاثنان وما فوقهما جماعة. ولأن فيه معنى الاجتماع. والدليل عليه قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلَى داود، وكان الداخل عليه اثنان بدليل قوله خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بعض، وآية المواريثوكذلك في الوصية والاصطفاف.
والصحيح ما قلنا لأن الجمع الكامل لغةً: ما وضع له صيغة الجمع، ولا خلاف أن صيغة الجمع وضعت للثلاث فما فوقه؛ لأن لما دونه صيغة على حدة. يقال: درهم ودرهمان ودراهم فدل إفراد المثنى بصيغة على حدة: أنه ليس بجمع مطلق؛ ولأن الجمع المطلق ما فيه اجتماع مطلق عند الضم وبعده، وإنه في الثلاثة، لأنه ضم الشفع إلى الوتر، وفي الاثنين ضم الفرد إلى الفرد، فلا يكون جمعا مطلقا، وإن صار جمعاً بالضم. ولا حجة له في النصوص، فإنا نسلم إطلاق اسم الجمع عليه بطريق المجاز لوجود معنى الاجتماع.
هذه القاعدة المختلف فيها على طراز ما سبق: موضع بحثها في النحو أصالة، ولكن ارتباط بعض المسائل الفقهية بها استدعى ذكرها في كتب الفقه وأصول الفقه ويبدو أن الحصيري رحمه الله تعرض لها هنا عقب موضوع المحلى بالألف واللام للتنبيه على أن الجمع المعرف ينصرف إلى الجنس، والجمع المنكر ينصرف إلى الثلاث على الراجح.
وفيما يلي أسوق مسألة من التحرير ذات مساس بهذا الموضوع:
لو قال: إن تزوجت نساء، أو اشتريت عبيداً، أو كلمت رجالا: لا يحنث إلا بشراء ثلاثة أعبد ونحوه، لأنه اسم جمع، وأقله ثلاثة، فينصرف إليه؛ لأنها متيقنة، وما زاد مشكوك
ولو نوى جنس العبيد والنساء، يصدق، ويحنث بشراء عبد واحد، لأنه شدد على نفسه، والجمع يُذكر ويراد به الواحد ولهذه المسألة نظائر كثيرة بنها الفقهاء في كتب الفقه
التسمية والوصف في الحاضر والغائب
قاعدة: إن الاسم والصفة في الحاضر لغو، وفي الغائب معتبر، وتصير الصفة بمعنى الشرط حتى يتعلق الحكم بوجوده؛ لأن الحكم إنما يضاف إلى محله، وإذا كان محله الموصوف، ولا يُعرف الموصوف إلا بالصفة؛ يوقف الحكم عليه ضرورة، فصار بمعنى الشرط. أما في المعين محل الحكم معلوم بدون الصفة، وإن وصفه بصفة، فلا تصير الصفة بمعنى الشرط، فلا يتوقف الحكم عليه، ويكون ذكر الصفة إخباراً عن حالي فيه، إما ذما أو مدحاً. كما لو قال بعتك هذا الحمار
وأشار إلى الأتان، ينعقد البيع على المشار إليه، ويكون مدحا
ولو قال: بعتك هذه الأتان وأشار إلى الحمار، ينعقد البيع عليه.
وكما لو قال: بعتك هذا الثوب الأبيض، فإذا هو أحمر.
وكما لو قال: هذه الطويلة من نسائي طالق وهي قصيرة، يقع الطلاق
عليها؛ ولو قال: الطويلة من نسائي طالق، لا يقع على القصيرة
ولو دعا زينب، فأجابته عمرة، وقال: أنت طالق، طلقت. ولو قال: زينب طالق، لم تطلق ولو أشار إلى امرأة، وقال: يازينب أنت طالق، طلقت هي
وإن كانت عمرة إن كانت امرأته، وإن لم تكن امرأته: لا تطلق زينب.
الوصف في الغائب مقبول وفي الحاضر ساقط الاعتبار؛ لأن الدليل الحسي أرجح من غيره من الأدلة، والتعريف من طريق الحس مقدم على التعريف من طريق الوصف، فلا عبرة للوصف عند وجود ما هو أقوى وأرجح. وهذا إذا كان المشار إليه من جنس المسمى الموصوف ... وأما إذا كان من غير جنسه، فلا عبرة للإشارة بل للتسمية والوصف.
هذه قاعدة مشهورة تولى شراح المجلة بيانها بالتفصيل وفي التحرير مسائل قريبة مما ذكر مع هذه القاعدة، ولا بأس أن أسجل مثالين منها:
ولو قال: هذه المرأة التي تدخل الدار منكن: طالق، أو فلانة بنت فلان التي تدخل الدار طالق يقع الطلاق في الحال، لأنه أوقع على امرأة معينة معروفة، فلغا الوصف وبقي اللفظ إيقاعاً للحال
ولو قال: فلانة بنت فلان طالق إن دخلت الدار، أو قال: هذه طالق
إن دخلت الدار، أو متى دخَلَتْ، أو قال: إن دخلت امرأة لي الدار فهي طالق:
لا يقع ما لم تدخل؛ لأن كلمة إن كلمة شرط، وقد دخل على الطلاق، فيعلق الطلاق بالشرط مع الصفة المذكورة، سواء كان معرفا أو منكرا؛ كما لو قال: إن دخلت هذه الطويلة الدار فهي طالق، وهي قصيرة، لا تطلق ما لم تدخل. وكما
لو قال: إن دخلت راكبةً؛ بخلاف الفصل الأول، لأنه ليس يشترط لانعدام حرف الشرط، لكن فيه معنى الشرط من حيث إنه يوجد به وينعدم عند عدمه، والمعينة غير محتاجة إليها، فبقى تنجيزا
الحقيقة والمجاز
قاعدة: إن الكلام إذا كان له حقيقة مهجورة ومجاز مستعمل، يحمل على المجاز المستعمل بالإجماع. لأن الكلام يحمل على ما يريده المتكلم. والكلام دلالة الإرادة بقرينة الاستعمال، لأنه إنما استعمل لغرض الإفهام، فالظاهر أنه يريد الأمر الذي استعمل اللفظ له دون غيره، ليحصل المقصود من الكلام، وصار اللفظ الذي استعملوه كالحقيقة، كأنهم أعرضوا عن الوضع الأول ونقلوا الاسم إلى غيره، فصار المنقول إليه بمنزلة الوضع، حتى لا يفهم غيره عند الإطلاق، بمنزلة اسم الحج والصوم والصلاة وغير ذلك من الأسماء
المنقولة، فإن الحج في حقيقة اللغة: القصد، والصلاة: الدعاء، والصوم: الإمساك. ثم عند الإطلاق لا يفهم إلا العبادة المخصوصة التي نقل إليها في الشرع. ولهذا لو حلف: لا يأكل من هذه الشجرة، فأكل من عينها، لا يحنث.
ولو أكل من ثمرها، يحنث.
وكذا لو حلف: لا يأكل من هذا الدقيق، فأكل من خبزه، حيث
ولو أكل عينه، لا يحنث. لأنه مهجور، لا تنصرف الأفهام إليه عادة.
وإن كان له حقيقة مستعملة ومجاز مستعمل، إن كان استعمال الحقيقة أغلب، فالعبرة للحقيقة، لأن الكلام بحقيقته، حتى يقوم الدليل على المجاز. كما لو حلف لا يأكل من هذا الرطب، فأكله بعدما صار تمراً، لا يحنث؛ وإن كان يطلق على اسم التمر مجازا. لأن استعمال الحقيقة في هذا أغلب وأكثر، فإن أكل التمر لا يُسمى أكل الرطب عادة
وإن كانت الحقيقة مستعملة، وله مجاز مستعمل متعارف أيضا، عند أبي حنيفة: ينصرف إلى الحقيقة المستعملة، وعندهما: ينصرف إلى المجاز المتعارف أصله: إذا حلف لا يأكل من هذه الحنطة، فأكلها قضماً، حنث. وإن أكل من خبزها، لم يحنث عند أبي حنيفة، اعتباراً للحقيقة المستعملة. وعندهما يحنث اعتباراً للمجاز المتعارف.
هما قالا: بأن الحقيقة إذا صارت كالمهجورة، يكون استعمال المجاز. لأن المرجوح ساقط الاعتبار بمقابلة الراجح، خصوصا في الكلام.
لأن المقصود الإعمال والإفهام؛ والأفهام إنما تتسارع إلى ما يكثر استعماله وتعارفوه لا إلى ما يقل استعماله. كذكر الدراهم عند البيع ينصرف إلى ما يتعارف استعماله في البياعات، لا إلى غيره، وإن كان الاسم حقيقة للكل. ولهذا تختلف معاني الأسماء في الطلاق والأيمان باختلاف البلدان الانصراف أفهام كل قوم إلى ما استعملوه فيما بينهم مع اتحاد المسماة حقيقة بحكم الوضع. ولهذا حملنا قوله لا أضع قدمي في دار فلان على الدخول لكثرة استعمال الناس هذا الاسم فيه، وإن كان حقيقته: الوطأ بالقدم ولأبي حنيفة: أنه متى استعمل في الحقيقة كما استعمل في المجاز، كان صرفه إلى ما وضع له أولى؛ لأنه لما بقي الاستعمال؛ لا يصير كالمهجورة، وإبطال الحقيقة لا يجوز إلا لضرورة، ولا ضرورة، لأن الاستعمال حق الحقيقة وإنما تحققت الضرورة إذا صارت مهجورة. وكثرة الاستعمال لا توجب الترجيح؛ لأن ذلك دلالة كثرة وقوعها ولكن إذا استعمل على الإطلاق، وقع التعارض بين المحملين، فكان الحمل على ما وضع له أولى.
ألا ترى أن ذكر اللحم عند الأكل يكثر استعماله فيما يحل أكله، لا فيما لا يحل، لأنه يقل أكله وذلك لا يوجب انصراف الاسم عنه، حتى لو حلف: لا يأكل لحما، يحنث بأكل لحم الذئب وأجمعوا أن الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لا يجوز.
هذه القاعدة تعرض لها الحصيري رحمه الله في مواضع كثيرة من هذا الشرح، وقد بحثها الأصوليون بحثا وافيا من كافة جوانبها.
وهي وثيقة الصلة بقاعدة أساسية كبرى: اليقين لا يزول بالشك، بحيث إن المراد من الكلام والخطاب: هو المعنى الحقيقي، ولا يمكن زواله بوجود المعنى المجازي له، إلا عند التعذر.
وتجدها منسجمة مع القاعدة المشهورة إعمال الكلام أولى من إهماله، لأن الأصل في الحقيقة: إعمال معناها الحقيقي، وإذا لم يتيسر الوصول إليه، وجب حملها على المعنى المجازي، صيانة للكلام عن الإلغاء والإهمال.
قال الإمام الجصاص الرازي: متى تناول اللفظ معنيين هو في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة فالواجب حمله على الحقيقة، ولا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة. لأن الأظهر من الأسماء: أن كل شيء مستعمل في موضعه؛ ولا يعقل منه العدول به عن موضعه إلا بدلالة.
وفيما يلي أقطف نصوصا من الشرح يظهر فيها تطبيق بعض ما تناوله في هذه القاعدة:
إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شرب من الفرات، فإن شرب منه كرعاً، فإنه يحنث؛ وإن استقى أو أسقى له غيره من مائه في إناء فشرب منه، قال أبو حنيفة: لا يحنث. وقالا: يحنث. لأن هذا الكلام له حقيقة مستعملة ومجاز مستعمل، والمجاز أغلب، لأن الحقيقة وهو الكرع عادة للبعض، والمجاز وهو العرف عادة، فصار المجاز راجحا، فانصرف المطلق اليه. كما لو كانت الحقيقة مهجورة، وهذا لأن الأيمان محمولة على معاني كلام الناس؛ والناس في العادة يشربون من الإناء وباليد ويقولون: شربنا من الفرات. ألا ترى أنه يقال: أهل بغداد يشربون من الدجلة أو الفرات، وإنهم يشربون بالأوانى عادة. ويقال في الحكاية عن الماضي: شربنا من الفرات، والمراد: الشرب من مائه وإذا شرب كرعاً، يحنث على قولهما أيضا، لاستحقاق الاسم؛ وإن شرب بالإناء، يحنث باعتبار معاني كلام الناس؛ وهذا عمل بعموم اللفظ وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن له نية، فإن نوى الحقيقة على قولهما، صحت نيته ديانة وقضاء، وإن نوى المجاز على قوله، صحت ديانة لا قضاء، لأنه نوى ما يحمله لفظه لأن الشرب لا يتحقق بدون الماء، فكان مضمرا فيه، ويُجعل ما نوى كالمصرح به وهو اختيار الفقيه أبي بكر الأعمش.
وقيل: لا تصح نيته. لأنه غير مذكور أصلا، أو أنه إن صار مذكورا، صار مذكورا بطريق الاقتضاء، والمقتضي لا عموم له؛ فلا يصح فيه نية التعميم. كما لو قال لامرأته: أنت طالق ونوى الثلاث، لا يصح. ولهذا لا تصح نية التخصيص في المقتضي.
ولو شرب من نهر يأخذ من الفرات، لا يحنث بالإجماع. أما عند أبي حنيفة، فلأن الشرط أن يضع فمه على الفرات، وأما عندهما فلأن في العرف: الشرب من نهر يأخذ من الفرات لا يُعد شرباً من الفرات. ولو حلف: لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ من الفرات كرعاً أو اغترافا، يحنث عندهم؛ لأن شرط الحنث: شرب ماء منسوب إلى الفرات، وبالأنهار التي تأخذ الماء منه
لا تنقطع النسبة، لأنها أتباع له.
ألا ترى أنه يقال: أهل بغداد يسقون أراضيهم من الفرات؛ وإنما يسقون بأنهار تأخذ الماء منها؛ ولأن ماء الفرات ما جرى بين حافتي الفرات، وقد شرب ما جرى بين حافتي الفرات؛ كمن حلف لا يشرب ماء زمزم فشرب ماءه، بأى صفة كان، يحنث
وكذا لو حلف لا يشرب ماء السماء، فشرب ما اجتمع من المطر في موضع، على أي وجه شرب، يحنث
اللفظ المحتمل المعنيين
قاعدة: اللفظ المُحتمل المعنيين إذا أضيف إلى محل يحمل على أليق محتملى اللفظ بذلك المحل. كما صرفنا لفظة الحرمة المضافة إلى الأعيان إلى حرمة بيعها وإلى النساء إلى حرمة نكاحهن وإلى الطعام إلى حرمة أكله.
هذه القاعدة متفرعة عن القاعدة العامة المتعلقة بالحقيقة والمجاز، وخلاصتها: أنه لا يجوز اللجوء إلى المجاز إلا عند تعذر المصير إلى الحقيقة، وهذا ما ينم عن المسألة المذكورة فيما يلي:
إذا قال لأجنبية: إن نكحتك فأنت طالق، فتزوجها، تطلق ولو قال: إن نكحتك فعبدي حرّ، وتزوجها، عتق العبد، ولو وطئها، لا يُعتق ولو قال ذلك لامرأته أو أمته؛ يحنث بالوطء، ولا يحنث بالعقد، حتى لو أعتقها، ثم تزوجها، أو أبانها، ثم تزوجها، لا يحنث؛ لأن النكاح حقيقة للوطء، مجاز متعارف في العقد، أو حقيقة فيهما للمعنى العام: وهو الضم، فإن كان حقيقة للوطء، فالعمل بالحقيقة ممكن في الأمة والمرأة، فينصرف إليه، ومتعذر في حق الأجنبية، فينصرف إلى المجا؛ وإن كان حقيقةً فيهما،
فاللفظ ينصرف إلى ما هو معتاد لا إلى ما هو ممتنع. والعقد في المنكوحة والأمة ممتنع، فالظاهر أنه أراد به: الوطء عند الإضافة إليهما، والوطء في الأجنبية ممتنع، والعقد غير ممتنع، فصرفنا مطلق كلامه إلى غير الممتنع في الوجهين؛ ولأن الإنسان لا يمنع نفسه عن ما هوممنوع عنه ظاهراً، فالصرف إلى ما لا يمنع عنه أليق
النية وأثرها في اللفظ المحتمل
قاعدة: إن النية إنما تعمل في المذكور، لا في غير المذكور. لأنها إنما تصح في لفظ عام يحتمل الخصوص، أو مجمل، أو مشترك يحتمل وجوهاً من المراد، لأنها وضعت للتمييز والتعيين. وذلك إنما يستقيم في موضع الاحتمال التمييز بعض الوجوه، فإذا لم يكن اللفظ محتملا، يبقى مجرد النية، ومجرد النية لا حكم لها شرعاً.
ثم إن كان المنوي محتمل لفظه احتمالاً على السواء: صدق ديانة وقضاء، لأن الظاهر لا يكذبه وإن نوى محتمل لفظه مرجوحاً، إن كان فيه تغليظ الأمر على نفسه، يُصدق أيضاً. لأنه غير متهم في الإقرار على نفسه، لكن لا يصدق في الصرف عن الظاهر، حتى يحنث بأيهما وجد. وإن كان فيه تخفيف الأمر على نفسه، يصدق فيما بينه وبين الله تعالى: لأن الضمائر عند الله تعالى ظواهر، ولكن لا يصدق قضاء.
لأن القاضي يقضي بالظاهر؛ وفيما لا يصدقه القاضي، لا تصدقه المرأة أيضاً.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا ذكر الفعل، واستعمل النية في المفعول، لا يصدق في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن المفعول به غير مذكور
ومتى ذكر الفعل والمفعول، واستعمل النية في المفعول، يصدق فيما بينه وبين الله تعالى. لأنه يجوز أن يُذكر الشيء ويراد به بعضه. كما قال الله تعالى {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا}. وكان ذلك أربعة من الجبال، إلا أنه لا يصدق قضاء، لأنه يخصص اللفظ، وإنه خلاف الظاهر، لأن العموم مقتضاه بقضية الوضع، فصار كنية المجاز خلاصة الموضوع: أن النية إنما تعمل في الملفوظ فقط. لأن المقصود بها التمييز؛ وهذا لا يتأتي إلا في لفظ محتمل مثل عام يحتمل التخصيص، أو مجمل يحتاج إلى البيان، أو ما سواهما من الأمور التي بينها الحصيري رحمه الله
والقاعدة المذكورة منبثقة عن قاعدة: النية طويلة الذيل متسعة الأنحاء.
وفيما يلي أسوق نصوصاً من التحرير يتبين منها أثر هذا الأصل: رجل قال: إن اغتسلت الليلة في هذه الدار، فعبدي حر، ثم قال: عنيت الاغتسال من الجنابة: لا يصدق؛ وهو على كل اغتسال.
وروي عن أبي يوسف أنه يصدق ديانةً لا قضاء وعلى قياس هذه الرواية: إذا قال لامرأته: أنت طالق، ونوى الثلاث، يصح، ووجه أنه نوى محتمل لفظه، لأنه نوى تخصيص ما ثبت مقتضى كلامه، لأن مفعول فعله وهو الغسل مذكور مقتضى ذكر الغسل، فصحت نية التخصيص؛ كما لو قال: إن خرجت؛ ونوى الخروج إلى السفر، يصدق؛ لهذا: أنه يقتضي المصدر لغة، وإنه نكرة في محل النفي، فتعم، فيصح نية التخصيص؛ كما إذا نص على المصدر.
وجه ظاهر الرواية: أن الاغتسال فعل واحد، لا عموم له. لأن العموم للاسم لا للفعل، ولا تصح النية أيضا من حيث إنه يتنوع إلى فرض ونفل، لأن الاغتسال من حيث اللغة لا يتنوع، إنما التنوع من حيث الشرع، واحتمال اللفظ من باب اللغة، ولأن الاغتسال نوع واحد: وهو إسالة الماء على جميع البدن وتطهيره وتنظيفه، لكن يوصف بالوجوب في حالي، وبه لا يختلف؛ لأن ذاك ليس بوصف راجع إلى ذاته حتى يختلف أما اسم المصدر الذي وضع له من قبيل أسبابه وهو الغسل: له عموم ولكنه غير مذكور، وإن صار كالمذكور يصير كالمذكور اقتضاء وضرورة، فلا يكون له عموم. لأنه إنما يصير مذكوراً بقدر ما يصح به الكلام، وما يصح به الكلام لا عموم له
وكذا لو قال: إن تزوّجت، أو شَرِبتُ، أو كلمتُ، أو دخلت أو لبست؛ ونوى امرأة دون امرأة، أو رجلاً بعينه، أو شراباً، أو داراً، أو ثوباً بعينه: لا يصدق ديانة ولا قضاء لما ذكرنا: أن المأكول والمشروب والملبوس غير مذكور، والمرأة محل فعل التزوج، وذكر الفعل لا يكون ذكر المحل لغة، وإن لم يستغن الفعل عنه، أما ذكره يستغني عن ذكره. بخلاف ما لو حلف: لا يسكن.
داراً اشتراها فلان، فسكن داراً اشتراها فلان لنفسه أو لغيره يحنث، فلو عنى داراً اشتراها لنفسه: يصدق؛ لأن لفظ الشراء عام يتناول الشراء لنفسه ولغيره، فكان ولو قال: إن اغتسلت غسلاً، فعبدي حرّ، ونوى من جنابة، يصدق هذا نية النوع.
ديانة لا قضاء، لأنه ذكر المفعول، واستعمل النية فيه؛ لأن الغسل اسم لفعل الاغتسال، وأنه صار مذكوراً على طريق العموم؛ لأنه نكرة في موضع النفي، فيتناول الاغتسال من جميع أسباب الاغتسال. فإذا نوى البعض، فقد نوى تخصيص الملفوظ، ولم يدل عليه ظاهر اللفظ، فيصدق ديانة لا قضاء.
السؤال معاد في الجواب
قاعدة: إن الكلام متى خرج جوابا للسؤال، إن كان بقدر ما يحتاج إليه في الجواب: يقتضي على السؤال ويتضمن إعادة ما في السؤال.
كما لو قالت لزوجها: طلقني ثلاثاً، فقال: فعلتُ، يقع الثلاث. وكذلك لو قال: طلقت
ولو قال: أنت طالق؛ اختلف المشايخ فيه. قال نصير بن يحيى: يقع الثلاث. وقال البلخي: يقع واحدة. وقال شاذان: إن أراد الجواب: فثلاث، وإن قال: نويت واحدة؛ فواحدة
وإن زاد على القدر المحتاج إليه، يصير كلاماً مبتدأ، مع احتمال أنه جواب
لكنه خلاف الظاهر؛ حتى لو قال: عنيتُ به الجواب، يصدق ديانة لا قضاء. هذه القاعدة انبثقت من علم العربية أساسا، ثم سارت على أقلام الفقهاء خصوصاً في المسائل والقضايا المنوطة بالإقرار.
وفي الغالب تجد الفقهاء يعبرون عنها بقولهم: السؤال معاد في الجواب. ومعناها: أنه إذا ورد جواب ب نعم وبلى من ألفاظ الإنشاء بعد سؤال مفصل، يعتبر الجواب محتوياً على ما في السؤال.
وهنا نبه الحصيري رحمه الله إلى أنها تفيد هذا المعنى إذا ورد كلام جواباً على سؤال، وكان الكلام بمقدار ما يحتاج إليه الجواب، فالكلام المذكور حينئذ يكون مقصوراً على السؤال، ويكون السؤال معاداً في الجواب ضمناً. أما إذا كان الكلام زائداً على ما يفتقر إليه الجواب، فيكون الكلام إنشاء في الظاهر وفيما يلي أسوق نصوصاً من التحرير لبيان أثر هذه القاعدة في مسائل من الأيمان:
ولو قال: إن اغتسل في هذه الدار الليلة أحد، ثم قال: عَنيْتُ فلاناً، يصدق ديانة، لأنه ذكر الفاعل في محل النفي، فيعم.
ولو قيل له: إنك تغتسل الليلة من الجنابة؛ فقال: إن اغتسلت فعبدي حر؛ فاغتسل من غير جنابة، لا يحنث لأنه خرج جواباً للكلام، والجواب يتضمن إعادة ما في الخطاب، قال الله تعالى: {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
وكما لو قال لآخر: لي عليك ألف، فقال: نعم، يكون إقراراً؛ لأن معناه: نعم لك على ألف - وكما لو قُرىء صك على رجل، وقيل له: أتشهد بجميع ما في هذا الصك، فقال: نعم؛ كان إقراراً لجميع ما فيه.
ولو قال الرجل: تعال تغد معي، فقال: عبده حرّ إن تغدى، ولا نية له، فرجع إلى منزله في يومه ذلك، وتغدى، لا يحنث. وكذا لو تغدى معه في زمان آخر، لأنه خرج جواباً له، فتقيد به، كأنه قال: إن تغديت هذا الغداء المدعو إليه. وهذا لأنه جواب هو يمين؛ وجواب: هو يمين لا يكون أقصر من هذا.
ألا ترى أن المرأة لو قالت لزوجها: طلقني وطلقني وطلقني، فقال: طلقت، أو فعلت، يقع الثلاث، لأنه جواب، فيضمن ما في السؤال.
ولو قال: إن تغديت اليوم، أو إن تغديت معك فعبدي حر، فتغدى في بيته منفرداً، أو معه في زمان آخر، يحنث. لأنه زاد على الجواب، فصار مبتدئاً، فإن قال: عَنيْتُ الجواب، يصدق ديانةً لا قضاء والله أعلم.
الحكم الثابت إلى غاية
قاعدة: إن الحكم الثابت إلى غاية ينتهي بوجود الغاية، ولا يبقى بعدها. كما في قوله تعالى:
وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وقوله عليه السلام: لا زكاة في مال، حتى يحول الحول عليه.
وكلمة إلا للاستثناء كما في كلمة الشهادة، وقوله تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}، وقول الرجل: لفلان على عشرة إلا خمسة.
وكلمة حتى للغاية. كما في قوله تعالى: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} وقوله
تعالى: {فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ}.
وكلمة إلا أن متى دخلت على ما يقبل التوقيت، جعلت غاية بمنزلة كلمة حتى، أصله: قوله تعالى: {لَا يَزَالُ بُنْيَنُهُمُ الَّذِي بَنَوَارِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي حتى. وقد قُرى بإلى مخففا. وقال الله تعالى: {وَلَسْتُم بِتَاخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} أي حتّى تغمضوا فيه. وقال الله تعالى في قصة يعقوب: {لَتَأْلُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ}، أي حتى يغلب عليكم
وهذا لأن حقيقة الاستثناء: التكلم بالباقي بعد الثنيا أو الإخراج وذلك لا يصح إلا عند المجانسة بين المستثنى والمستثنى منه، فإذا لم يكن المستثنى منه، يجعل مجازاً عن الغاية المجانسة بينهما، فإنّ في الغاية معنى الاستثناء. لأنه لولا الغاية، لكان الحكم ثابتاً في الأزمنة كلها. وبالغاية استثني ما وراء الغاية عن دخوله تحت الكلام، ففي الاستثناء معنى الغاية أيضاً، لأن حكم المستثنى منه ينتهى بالاستثناء إلى المستثنى؛ فإذا كان بينهما مناسبة من الوجهين، يحمل عليه تصحيحاً لكلامه
أو متى دخل على ما لا يقبل التوقيت، يُجعل شرطاً بمنزلة إن لم، لأنه يعذر حمله على الغاية لكن في الشرط معنى الغاية، لأن حكم ما قبل الشرط يخالف ما بعده، كما أن حكم ما بعد الغاية يخالف حكم ما قبله
وحرف الباء للإلصاق؛ فيقتضي ملصقاً به من جنس الفعل المذكور كما يقال: ضربت بالسيف أي ضرباً ملصقاً بالسيف وكتبت بالقلم: أي كتابة ملصقة بالقلم.
هذه القاعدة تطرق إليها الأصوليون إذ إنها تتعرض لبيان الغاية والاستثناء ومن المعلوم أنهما من أنواع التخصيص المتصل، وساغ اندراج هذا الموضوع في الفقه باعتبار ما يتفرع عليه من الأحكام الفقهية
وقد بدأ الأصل بذكر الحروف التي تستعمل للغاية وهي: حتى و إلا، و إلا أن، وختمه بذكر حرف الباء، الذي يكون للإلصاق؛ لعلاقته ببعض المسائل المذكورة في الشرح.
وفيما يلي أورد نصوصاً يلوح فيها أثر هذا الأصل:
رجل قال: إن خرج فلان من الدار إلا أن أذن له، فعبدي حر، فأذن له، فلم يخرج حتى نهاه ثم خرج، لا يحنث.
وكذا لو قال: حتى اذن له، لأنه تعذر حمل إلا أن على الاستثناء، لأن استثناء الإذن من الخروج ممتنع، فحمل على الغاية، وهو حصر الخروج وانه قائل له، فصح، والمصروف له الغاية ينتهي عند وجود الغاية؛ فانتهى حصر الخروج باليمين عند وجود الإذن، والمنتهي لا يعود؛ ولأن الغاية لا تتكرر، فلا يحنث. ولأن إلا أن، إذا ذكر مخففا، لا يمكن حمله على اسم المصدر: وهو الخروج، لأنه يصير كأنه قال: إلا خروجاً أن أذن له أو إلا آذن له خروجاً وأنه لا يصح، فأوقعناه على الوقت، فيصير وقت الإذن غاية لليمين.
أو نقول إلا أن حقيقة للغاية إذا دخلت على ما لا يتوقت، لما ذكرنا من النصوص؛ وكما يقال في العرف: لا يجب عليك الحج إلا أن تصيب مالاً أي حتى تصيب ولا تجب عليك الصلاة إلا أن تزول الشمس أي حتى تزول؛ فصار كأنه قال: إن خرجت من هذه الدار حتى الليلة أو حتى الشهر، فإنه ينتهي اليمين بمضي اليوم أو الشهر؛ كذلك ههنا. وكذلك في قوله: حتى آذن، بل أولى. لأنه صريح في الغاية، ولو قال: إلا أن يقدم فلان، فهو بمنزلة قوله: إن لم يقدم، لأنه لا يتوقت، فيكون للشرط.
ولو قال: إن خرج فلان من الدار إلا بإذني فعبده حر، فإن خرج بإذنه، لا يحنث؛ وإن خرج بغير إذنه، يحنث، ويحتاج إلى الإذن في كل مرة، لأن حرف الباء للإلصاق، فلابد من سببين يلتصقان بآلة الإلصاق، وليس ههنا شيء ملفوظ يلتصق به الإذن، فلابد من الإضمار، فأضمرنا ما يدل عليه اللفظ في صدر الكلام وهو قوله: إن خرج، وليس ذلك إلا الخروج، فصار كأنه قال: عبده حر إن خرج فلان خروجاً من هذه الدار إلا خروجاً بإذني، فيكون الخروج
الأول عاما، لأنه في محل النفى، فاحتمل الاستثناء، لأنه مذكور لغة لا اقتضاء بدلالة حرف الإلصاق. والثاني عام بعموم وصف الإذن، فإذا استثنى خروجاً.
موصوفاً: بقي كل خرجة غير موصوفة بالإذن: تحت حصر اليمين، فيحنث. كما لو قال: إن خرجت من الدار إلا بملحفة؛ فخرجت بغير ملحفة، طلقت، وكما لو قال: إن خرجت من الدار إلا راكبا أو إلا بعمامة؛ ألا ترى أنه يصح إظهار المصدر بأن يقول الآخر: إلا خروجاً بإذني ولأن هذا استثناء، والاستثناء لا يدخل في الأفعال؛ لأنه لا عموم له؛ وإنما يدخل في الأسماء والاستثناء في معنى التخصيص، فلا يصح إلا من العام، فيصير الخروج مضمراً في كلامه، ليصح الاستثناء، كما مر.
الجزاء الواقع بين الشرطين
قاعدة: إن الجزاء متى تخلل بين الشرطين، وأمكن تعليقه بالشرط الأول، يكون الشرط الأول شرطاً لانعقاد اليمين، والثاني شرط الحنث. لأن الانعقاد يسبق الانحلال في الوجود، فكان الأصل أن يكون سابقاً في الذكر، تقريراً الموضوعه، وإذا كان شرط الحنث، كان بمعنى الغاية. لأن اليمين تنحل بوجوده، ولا تبقى بعده وهو معنى الغاية، لكن إنما جعل غاية بمقتضى كلامه، لا بصريح كلامه، فإنّما يعمل به إذا لم يوجد التنصيص بخلافه، أما إذا وجد التنصيص بخلافه، فلا.
هذه القاعدة مستقاة من أصول العربية. وقد نبه إليها الأصوليون في كتبهم خصوصاً عند ذكر شرائط القياس، وبيان الفرق بين الشرط والعلة.
ومن الفروع المتعلقة بهذا الأصل في التحرير:
رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن كلمت فلانا، فتزوج امرأة قبل الكلام وامرأة بعد الكلام، يقع الطلاق على المتزوجة قبل الكلام، ولا يقع على المتزوجة بعده وهذا؛ لأنه ذكر شرطين، وتخلل الجزاء: وهو قوله «فهي طالق، بينهما.
ثم إن قوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق: كلام تام مستقل بنفسه والأصل في الكلام التام: الانعقاد دون التوقف؛ فكان وقوع الطلاق بالكلام معلقا بالتزوج، فصار الكلام شرطاً للحنث دون الانعقاد، وصار غاية لليمين، فإذا كلم، انحلت اليمين، فالتي تزوجها بعد الكلام، تزوجها بعد انحلال اليمين، فلا تطلق؛ والتي تزوجها قبل الكلام، تزوجها واليمين باقية، فطلقت.
أما إذا قدم الكلام، فقد علق انعقاد اليمين بالتزوج بالكلام، فما لم يوجد الكلام، لا ينعقد اليمين بالتزوج، لأن المعلق بالشرط لا ينزل قبل وجوده.
حكم الشرط على الشرط
قاعدة: إن الشرط متى اعترض على الشرط، يقدم المؤخر ذكرا ويؤخر المقدم، أصله قوله تعالى: {وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}، معناه - والله أعلم: إن كان الله يريد أن يغويكم، لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم. لأن إرادة الإغواء من الله تعالى سابق على إرادة نصحه. ولأن النصح إنما لا ينفع بعد ظهور إرادة الله تعالى إغواءهم.
وقال تعالى: {وَامْرَأَةَ مُؤْمِنَةٌ إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يستنكحها معناه والله أعلم إن أراد النبي أن يستنكحها إن وهبت نفسها. لأن إرادة الاستنكاح سابقة على الهبة
والمعنى فيه: أنه تعذر جَعْلُهما شرطاً واحداً لانعدام حرف العطف، وتعذر أن يجعل الثاني مع جزائه جزاء للأول لانعدام حرف الجزاء، فيقدم المؤخر. لأن الجزاء متى قدم على الشرط، لا يحتاج إلى الفاء.
بغير إن اعتراض الشرط على الشرط وهو دخول جملة شرطية على مثلها حرف العطف والجزاء يقتضي تقديم المؤخر منهما، لأنه لا يستقيم البيان إلا بذلك؛ كما ذكر الحصيري رحمه الله في الفقرة الأخيرة من الأصل المذكور.
ومن الفروع المتعلقة بهذا الأصل في التحرير:
لو قال: كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار أو إذا دخلت الدار أو متى دخلت فهي طالق، فاليمين على كل امرأة يتزوجها بعد الدخول، لأن الشرط اعترض على الشرط، فيقدم المؤخر. لأن كلمة هي لا تستند بذاتها، فصار كما إذا قال: كل امرأة أتزوجها إن كلمت فلانا فالمرأة التي أتزوجها طالق.
ولو قال هكذا، صار الشرط مقدما، ولأنه تعذر جعلهما شرطاً واحداً، وجعل الثاني مع جزائه جزاء للأول.
المعلق بالشرط والمضاف إلى الوقت
قاعدة: إن المعلق بالشرطين لا ينزل إلا عند وجود آخرهما. لأن المعلق بالشرط عدم قبله، فلو نزل عند أولهما، كان موجوداً قبله، ويكون معلقا بأحدهما، وهو ما علق إلا بهما.
والمعلق بأحد الشرطين ينزل عند وجود أولهما، لأنه لو لم ينزل، كان معلقاً بهما
والمضاف إلى الوقتين ينزل عند وجود أولهما، لأنه لو وقع في أحدهما، لا يكون الوقتان ظرفا
والمضاف إلى أحد الوقتين يقع في أحدهما حتى يكون أحدهما ظرفاً لا كلاهما.
وإذا علق أحد الجزائين بأحد الفعلين، فأيهما يقدم، نزل جزاؤه، وبطل الآخر، لأنه علق أحد الجزاءين بأحد الشرطين، فلو لم ينزل جزاء الشرط السابق، لكان ذلك جزاء الشرطين
وإذا أضاف أحد الجزائين إلى أحد الوقتين، لا يلزمه شيء ما لم يوجد أحد الوقتين، فإذا وجد أحد الوقتين، يلزم أي الجزاءين شاء، وبطل الثاني، لأنه التزم أحد الجزاءين في أحد الوقتين فيتأخر التزام الجزاء إلى آخر الوقتين. وإذا تأخر، تعين أحدهما شاء، لأن الملتزم أحدهما.
وإليك فروعاً متعلقة بهذه الأصول:
رجل قال لامرأته: أنت طالق غداً أو بعد غد؛ فهي طالق بعد الغد، لأنه أضاف الطلاق إلى أحد الوقتين، فينزل عند آخرهما، لأنه لو وقع عند أولهما، كانت مطلقة في الوقتين، ولأن إيقاع الطلاق في أحد الوقتين بمنزلة إيقاعه بإحدى الصفتين.
وهذا الفرع متعلق بقوله: والمضاف إلى أحد الوقتين، الخ، الذي يمكن أن تعده قاعدة رابعة من القواعد المذكورة.
ولو قال: إذا جاء غد أو بعد غد فأنت طالق؛ يقع في الغد، وكذا
لو قال: إذا قدم فلان أو فلان؛ طلقت بأولهما قدوماً، لأنه علق بأحد الفعلين. هذه المسألة تنطبق على قوله: والمعلق بأحد الشرطين، الخ، الذي يعتبر قاعدة ثانية من هذه القواعد رجل قال: إن دخلت هذه الدار فعبدي حر أو إن كلمتُ فلاناً فامرأتي طالق؛ فإن دخل الدار أولا، عتق عبده، ولم ينتظر كلام فلان، وإن كلم فلانا أولا؛ طلقت امرأته ولم ينتظر الدخول لأنه علّق أحد الجزاءين بأحد الفعلين، فأيهما يقدم، نزل جزاؤه؛ لأن كل واحد منهما يمين تامة، لوجود ركنها: وهو ذكر الشرط والجزاء، والملتزم أحدهما، فإذا نزل أحدهما، بطل الآخر، ولو وجد الشرطان معاً، نزل أحدهما، والتعيين إليه.
هذه المسألة متعلقة بالقاعدة الخامسة قبل الأخيرة ولو قال: أنت طالق غداً أو عبدي حرّ بعد غد لم يقع شيء حتى يجييء بعد غد، ثم هو مخير بخيار العتق أو الطلاق. لأنه أضاف أحد الجزاءين إلى أحد الوقتين وهذا ما تشير إليه القاعدة الأخيرة هنا
مقابلة الجمع بالجمع
قاعدة: إن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الجمع بالجمع؛ كما يقال: قتل المسلمون الكافرين
وتحتمل مقابلة الفرد بالفرد مضموماً إليه فرداً آخر بالنقل والاستعمال. قال الله تعالى: {جَعَلُوا أَصْبَعَهُمْ فِي مَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ.
والمراد: جعل كل واحد إصبعه في أذن نفسه، واستغشى كل واحد بثوب نفسه. وقال تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ ويقال في العرف: ركب القوم دوابهم ولبسوا ثيابهم. والمراد: ركوب كل واحد دابته، ولبس كل واحد ثوبه، إذا كان في موضع لا يحتمل مقابلة الجمع بالجمع إلا بطريق مقابلة الفرد بالفرد ضرورة لا موجبا المقابلة الجمع بالجمع.
أما الجمع إذا قوبل بالفرد يقتضي مقابلة الجمع بالفرد. كما يقال: دخل القوم داراً، وضربوا رجلا.
هذه قاعدة مهمة، يتفرع عليها كثير من المسائل الخلافية بين الأئمة ومن الفروع المذهبية ومن مسائل التحرير المتعلقة بها:
رجل قال لامرأتيه: إذا دخلتها هذه الدار، فأنتما طالقان، لا يحنث حتى تدخلا جميعاً الدار، لأنه أضاف دخولهما جميعا إلى دار واحد، فيصير الجمع مقابلا بفرد من الدار.
ولو قال: إن دخلتها هاتين الدارين، فأنتما طالقان، فدخلت إحداهما داراً والأخرى الدار الأخرى طلقتا.
قاعدة: إن كلمة أى تتناول واحداً من الجملة على سبيل الإنفراد قال الله تعالى: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا} والمراد: أحد الفريقين.
وهم المؤمنون. ويقال: أي الرجال أتاك؛ ولا يقال: أتوك. ويقال: أيكم يفعل كذا؛ ولا يقال أيكم يفعلون. ولأن أي تستقيم في النكرات، ولا تستقيم في المعارف، فعلمنا أنه في نفسه نكرة فيتناول فرداً من الجماعة تحقيقا للتنكير، ويصحب الأسماء ولا يصحب الأفعال، فإنك تقول أي رجل، ولا تقول: أي فعل ولا أي ضرب.
وقال سيبويه والمبرد: إن أي في اللغة بعض مجهول من جملة معلومة وإذا ثبت أنه يتأول نكرة تخص في موضع الإثبات، إلا إذا وصفت بصفة عامة، فتعم. لأن الصفة متى كانت عامة، تعم الموصوف ضرورة، لأنه يصير معرفة حينئذ، فيصير في معنى اسم الجنس، وأنه جنس واحد، فيصير كل الموصوف بتلك الصفة مرادا كما لو حلف: لا يكلم الناس إلا رجلاً، فكلم واحداً، لم يحنث. لأن المستثنى نكرة في الإثبات مطلقة عن الصفة، فتخص؛ لأن المسمى رجل وهو نكرة؛ لأن أسماء الأجناس نكرات لا معارف. ولهذا يستقيم أن يقال: أي رجل، ولو كان اسم معرفة لما استقام. ولو قال: والله لا أكلم كوفياً، كان المستثنى جميع رجال الكوفة لأن المستثنى نكرة وقد وصفه بصفة عامة، فتعم، إلا إذا كان المستثنى لا يحتمل عدداً؛ كما لو قال: إلا رجلا واحداً كوفياً.
والدليل على أن أي إذا كانت موصوفة تعم: قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا؛ والكل داخل تحت الابتلاء. وقال تعالى: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي أَنَا مَالِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن بعرشها، والكل مخاطب به، حتى
{قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا عَانِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا عَالِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ.
فإذا لم تكن موصوفة، تخص؛ ولأنها تستعمل في الفرد وتستعمل في الكل أما الفرد ما ذكرنا، وأما الكل فقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةً. ويقول الرجل: أيكم يقاومني، والمراد الكل، فكان محتملا للعموم والخصوص، وإنما يتعين أحدهما بالإضافة، فإن أضاف الفعل الذي علق الطلاق أو العتاق به إلى الواحد، كان معناه: الخصوص، وإن، أضافه إلى الجماعة كان معناه: العموم.
هذه القاعدة مردها إلى أصول العربية. وتناولها الأصوليون أيضاً بالتفصيل في مبحث العام. وتجد الفقهاء يقرنون بها مسائل في كتاب لأيمان. وفيما يلي أسوق فروعاً من التحرير تطبيقا على بعض ما ذكر:
رجل قال: أى عبيدي ضربته يافلان: فهو حر، فضربهم فلان جميعاً معاً، أو واحداً بعد واحد لم يُعتق إلا واحد، لأن قوله: أى عبيدي، تناول واحدا منهم منكراً، ولم يصف ذلك المنكر بصفة عامة، لأن الضرب صفة المخاطب.
ولو قال: أي عبيدى ضربك فهو حرّ، فضربوه جميعاً أو واحد بعد لأنه جعل الضرب صفة لهم، فيعم بعموم الصفة واحد، عتقوا لأنه جعل الضرب صفة لهم، فعم بعموم الصفة.
و على هذا لو قال: أي نسائي كلمتك فهي طالق، فكلمته: طلقن.
ولو قال: أي نسائي كلمتها فهي طالق، فكلمهن معاً: طلقت واحدة، والخيار إلى الزوج في البيان
الكلام الذي يستقل بنفسه والذي لا يستقل بنفسه
قاعدة: إن كل كلام يستقل بنفسه، يوجد منه الحكم، ولا يبنى على غيره. وما لا يستقل بنفسه يبنى على غيره؛ لأن التعلق بما قبله لأجل الضرورة، ولا ضرورة إذا كان مفيداً بنفسه.
من تطبيقات هذا الأصل ما ورد في النص الآتي من التحرير:
لو قال: أنت طالق ثلاثاً، لا بل هذه، طلقت كل واحدة ثلاثاً ثلاثاً، لأن قوله: لا بل هذه غير مستقل، فأضمر فيه الجزاء، فتعلق الجزاء بالثانية لتعلقه بالأولى
ولو قال: أنت طالق وطالق وطالق، لا بل هذه، وقع على الثانية واحدة، وعلى الأولى ثلاث لأنه أضمر في الثاني ما يستقل به الكلام، والكلام يستقل بإضمار تطليقة. ألا ترى أن التطليقات ههنا متفرقة، فكأنه قال: لا بل هذه طالق.
قال المُعلَّى: سألت محمداً رحمه الله عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، لا بل غلامي حرّ. قال: يُعتق عبده الساعة، لأنه لما استأنف قوله لا بل غلامي حرّ فقد ذكر كلاماً مستقلاً لا يفتقر إلى ما تقدم، فتعلق به الحكم، ولم يُعتبر فيه الشرط.
ولو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق لا بل فلانة، والثانية امرأته، فإنها لا تطلق الساعة، لأن الكلام الثاني غير مستقل، فيعلق بالشرط.
كلمة في واستعمالاتها حقيقة ومجازا
قاعدة: إن الكلام يعمل بحقيقته ما أمكن؛ فإن تعذر يُعمَل بمجازه.
وكلمة في للظرفية لغةً. وهي مستعملة فيه عرفاً، يقال: زيد في الدار، والثوب في الجراب وحنطة في الجوالق وغير ذلك، فعند الإطلاق يصرف اللفظ إليه، إلا إذا تعذر، بأن دخل على ما لا يصلح ظرفا؛ كالأفعال، فحينئذ يحمل على التعليق لما بينهما من المناسبة، فإن بين الشرط والجزاء اتصالاً؛ كما أن بين الظرف والمظروف اتصالاً.
ولأنها تستعمل للمقارنة بمعنى كما في قوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. أي مع عبادي ويقال دخل الأمير في جنده أي مع جنده.
وتستعمل مكان كلمة على قال تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي على جذوع النخل.
وهما يفيدان معنى التعليق؛ كما لو قال: أنت طالق مع دخولك الدار؛ يتعلق بالدخول. وكذا لو قال: أنت طالق على دخولك الدار.
وقال بعضهم: تجعل في مجازا عن مع؛ ثم مع تجعل مجازا عن كلمة بعد. لأنها مستعملة فيه كما في قوله: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} أي بعد سليمان فتصير شرطا.
ثم الظرف على نوعين: ظرف زمان وظرف مكان؛ فإن أدخلها في المكان، يقع في الحال في ذلك المكان وفي غيره، لأن الطلاق لا يختص بمكان دون مكان، فيكون تنجيزاً. وإن أدخلها في الزمان، فإن
كان ماضياً، وقع في الحال؛ كما لو قال أنت طالق في الأمس أو في العام الماضي. لأنه لا يملك الإيقاع في الزمان الماضي، إلا أنه وصفها في الحال بطلاق وقع عليها فيما مضي، وهي ممن توصف به في الحال، فوقع. وكذا إن كان الزمان حاضراً مثل أن يقول أنت طالق في هذه الساعة أو هذا الوقت؛ لأنه وصفها بصفة موجودة، فيقع.
وإن كان الزمان مستقبلا، لا يقع ما لم يجيء الوقت. كما لو قال: أنت طالق في غد أوفي الشهر الآتي. لأن الطلاق يجوز أن يختص بزمان دون زمان، فإذا وصفه بزمان، لم يقع قبله كما إذا وصفه بشرط.
هذا الأصل المذكور ينقسم إلى قسمين، القسم الأول وهو الشرط الأول منه: ينطوي على قاعدة فقهية أصولية تتعلق بموضوع الحقيقة والمجاز.
والقسم الثاني من هذا الأصل وهو الذي دار حوله البحث يتناول استعمالات حرف في من حروف المعاني التي ينبني عليها كثير من الأحكام.
وهنا جعل حرف في تابعاً لقاعدة الحقيقة والمجاز من حيث إنه وضع للظرفية أصالة، ولذلك ينصرف إلى الظرفية عند الإطلاق، وعند التعذر يحمل على الشرطية لوجود المجانسة بينهما ثم الأصل في حروف الصلات: أن يقام بعضها ببعض مجازاً، ومتى ما عُدلت عن موضوعها الأصلي، تنزلت منزلة الحرف الذي وضعت موضعه.
وإليك مسألتين من الكتاب ظهر فيهما تطبيق بعض ما ذكر في المقدمة:
رجل قال لامرأته: أنت طالق في دخولك الدار؛ لا يقع ما لم تدخل الدار، لأنه تعذر حَمْل كلمة في على الظرفية؛ لأنها دخلت على الفعل: وهو الدخول، وأنه لا يصلح ظرفا، لأن الظرف ما يحتوي على جوانب المظروف، فيحمل على مع، فصار كأنه قال: أنت طالق مع دخولك الدار فيعلق بالدخول، ووقع مقارناً له.
ولو قال: أنت طالق في الدار؛ طلقت ساعة تكلم به، سواء كانت في الدار أو لم تكن، لأنه وصفها بالطلاق وخصه بالمكان، والطلاق، لا يختص بالمكان، لأن الطالق في مكان، يكون طالقاً في جميع الأمكنة
تعليق الشرط بفعل وإضافته إلى شخصين
ضابط: إن الطلاق متى علق بفعل، وأضافه إلى شخصين، لا يقع ما لم يوجد الفعل منهما. هذا هو الحقيقة. كما لو قال: إن دخلتها الدار، وإن كلمتها فلاناً، إلا إذا كان فعلاً يستحيل وجوده منهما، فحينئذ يتعلق بوجوده من أحدهما بطريق المجاز، وتجعل الإضافة إليهما إضافةً إلى أحدهما مجازاً.
كما في قوله تعالى: يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ والرسل من الإنس، لا من الجن. وقال تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجَانُ؛ وهما إنما يخرجان من أحدهما: وهو المالح، لا من العذب.
وقال الله تعالى: نَسِيَا حُوتَهُما والناسي أحدهما: وهو يوشع لقوله تعالى: {فَإِنِّي نَسِيتُ
الحوت.
وقال عليه السلام: لمالك بن الْحُوَيْرِث وابن عم له: إذا سافرتما، فأذنا
وأقيما، وليؤمكما أكبر كما سيناً، والمراد أحدهما.
وقد ظهر التعارف بين أهل اللسان والناس: أنهم يضيفون إلى اثنين ويريدون به مباشرته من أحدهما والإعانة من الآخر، لأنه لما أعانه للآخر، صار كأنهما اشتركا في المباشرة. ألا ترى أن الرِّدْء والمُعين في الجهاد وقطع الطريق والسرقة: بمنزلة المباشرة.
وقد ظهر تطبيق هذا الأصل في المسألة المذكورة كما يلي: رجل قال لامرأتيه: إذا ولدتما ولداً فأنتما طالقان، فالشرط ولادة إحداهما، لأن ولادة الولد الواحد لا يتصوّر منهما، فجعل ذلك إضافة إلى إحداهما مجازا، فكأنه قال: أيتكما ولدت ولدا وكذا إذا قال: إذا حضتهما حَيْضةً فأنتمان طالقان، فحاضت إحداهما: طلقتا، لأن الحيضة الواحدة لا تتصور منهما
والقياس: أن لا تصح هذه اليمين، لأنه علق الطلاق بشيء مستحيل، فيلغو؛ كما لو قال لامرأته إن مسيست السماء، فأنت طالق إلا أنا استحسنا وقوع الطلاق بولادة إحداهما وحيضة إحداهما لأن الظاهر أنه أراد بكلامه: الصحيح لا الفاسد واللغو، فلو حملناه على ولادتهما ولداً: يلغو، ولو حملناه على ولادة إحداهما: يصح، فوجب حمله عليه.
ولو قال: إذا ولدتما أو إذا حضتهما فأنتما طالقان، لا يقع إلا بولادتهما أو حيضتهما، لأنه أضاف الفعل إليهما، ويتصوّر من كل واحدة منهما فعل الولادة وفعل الحيض، فيتعلق بولادتهما وحيضهما، عملاً
بالحقيقة إذ العمل بالحقيقة واجب ما أمكن، وقد أمكن بخلاف الأول؛ لأنه نص على الولد الواحد، لأن الولد اسم جنس، وإنه ينصرف إلى الأدنى إذا تعذر صرفه إلى الكل، والأدنى واحد.
وكذا لو قال لامرأتيه: إذا أكلتهما هذا الرغيف فأنتما طالقان، لم يطلقا حتى يأكلا، لأن اجتماعهما على أكل الرغيف الواحد متصور، ولا يشترط التساوي، لأن الشرط: أكلهما مطلقا سواء كان بوصف التساوي أو بوصف التفاوت، واعتبار التسوية متعذر، بل المعهود: الأكل بوصف التفاوت.
ذكر بعض ما لا يتجزأ
قاعدة: إن ذكر بعض ما لا يتجزأ، كذكر كله؛ ضرورة التصحيح. كما لو طلق من امرأته جزاً شائعاً وقال نفاة القياس: إذا طلق نصف تطليقة، لا يقع شيء؛ لأن نصف التطليقة غير مشروع وإيقاع ما ليس بمشروع من الزوج باطل.
لكنا نقول: ما لا يحتمل الوصف بالتجزىء، ذكر بعضه كذكر كله موقعاً تطليقة كاملة بهذا اللفظ، وإيقاع التطليقة مشروع. وهذا لأنه وجد المقتضي لثبوت النصف: وهو اللفظ الدال على الإيقاع، ولا يمكن إثباته إلا بإثبات كله، ولا مانع من إثبات كله، ولا مقتضي لإبقاء النصف الآخر، فتكامل ضرورة.
هذه القاعدة من القواعد المشهورة في الفقه الإسلامي؛ وهي محل الاتفاق عند جمهور الفقهاء، اللهم إلا زفر من الحنفية وداود ومن تبعه من الظاهرية. ولها مساس بقاعدة: إعمال الكلام أولى من إهماله او بقاعدة أخرى وهي: تصحيح كلام المتكلم واجب ما أمكن، إذ لا يخلو: إما أن يجعل ذكر البعض كذكر الكل، فيعمل الكلام، أو لا يجعل، فيُهمل، لكن الإعمال أولى من الإهمال، فقلنا بعدم التجزؤ.
وقول الإمام الحصيري عقب القاعدة: ضرورة التصحيح: خير معبر عن هذا المعنى وإليك نصاً من الكتاب تجلي فيه أثر هذه القاعدة:
رجل قال لامرأته: إذا حضت نصف حيضة، فأنت طالق، لم تطلق حتى تطهر من الحيض؛ لأن الحيض لا يتجزأ؛ إليه أشار عمر رضي الله عنه بقوله: عدة الأمة حيضتان، ولو استطعت جعلتها حيضة ونصفا. وما لا يتجزأ، يكون ذكر بعضه كذكر كله. كما إذا طلقها نصف تطليقة أو عفا عن نصف القصاص، أو سلّم نصف الشفعة. وكما لو أضاف الطلاق إلى الجزء الشائع.
اليمين إذا تعلقت باسم مشار إليه أو باسم غير مشار إليه
قاعدة: إن اليمين إذا تعلقت باسم مشار إليه، تبقى ببقاء الاسم، وتزول بزواله، ولا تعتبر أوصافه، إذا لم تكن الصفة داعية إلى اليمين. لأن الوصف يذكر للتعريف. والإشارة أبلغ أسباب التعريف، فلا يعتبر الوصف معها. لأنه دونها ولا يتقيد اليمين به. والوصف الذي هو داع إلى اليمين،. لأنه وإن كان لا يفيد التعريف، يفيد تقييد اليمين به. يعتبر ألا ترى أنه لو حلف: لا يأكل هذا الرطب، فأكله بعد ما صار تمراً، لم يحنث. لأن وصف الرطوبة داع إلى اليمين. لأن الإنسان ربما يضره أكل الرطب دون التمر، لاختصاصه بزيادة الحلاوة
ولو حلف: لا يكلم هذا الصبي أو هذا الشاب، فكلمه بعد ما صار شيخا، يحنث؛ لأن صفة الصبا لا تصلح داعية إلى اليمين؛ لأنها سبب المرحمة والإحسان، فلا تصلح سببا للهجران. والامتناع عن كلام الشاب للاستخفاف به. وذلك لا يختص بكونه شاباً. وهذا، لأنه عقد اليمين على غير مسماة، وتغير الصفات لا يؤثر فيها، ولا في المقصود بها، فعلى أى وجه وجد الفعل، يحنث
وإذا تعلقت باسم غير مشار إليه، تعتبر كل أوصافه، لأن الغائب يعرف بوصفه، فيدل بقاء الوصف على بقاء الموصوف، وزواله على زواله. وهذامعنى قول أصحابنا رحمهم الله: إن الوصف في المعين لا يعتبر؛ لأنه لا يفيد؛ وفي غير المعين يعتبر؛ لأنه مفيد.
ولهذا لو حلف: لا يكلم صاحب هذا الطيلسان، فكلمه بعد ما باع الطَّيْلَسَان، يَحْنَتُ، لأن امتناعه عن كلامه لا يجوز أن يكون لِمَالِكِيَّة الطَّيْلَسَان، فيقع على العين وتكون الإضافة للتعريف.
فأما اليمين المُطلقة، فتُعتبر فيها الصفة، لأنه ليس هناك عَيْنٌ مُشَاراً إليها، فصارت الصفة هي المقصودة، فكانت شرطاً في الْيَمِين.
ولهذا لو حلف: لا يكلم صاحب طَيْلَسَان، فكلم شخصاً كان صاحب طَيْلَسَان، وباعه، لم يَحْنَتْ.
ولهذا لو حلف: لا يلبس هذه العمامة، فَطَرَحَها على عاتقه، يَحْنَث.
ولو حلف: لا يلبس عمامة، لا يحنث.
ولو حلف: لا يلبس هذا القميص، فائزر به أو ارتدى، يحنث، وإن لم يوجد المعتاد وإن كان بغير عينه، لا يحنث، إلا باللبس المعتاد.
ولو حلف: لا يلبس قباء، فوضعه على كتفه ولم يدخل يده في الكمين، فعلى قياس ما ذكر في باب لبس المخيط من المناسك: أنَّ المُحرم إذا فعل ذلك،
فلا كفارة عليه: يجب أن لا يحنث. قالوا: والصحيح إنه يحنث، لأنه كذا يُلْبَسُ عادة. وإن قال: هذا القباء، يحنث، لأن اللبس المعتاد في الْمُشَار لا يُعْتَبَرُ لِلْحِنْثِ.
وفي القُدُوْرِي: إذا حلف لا يلبس قميصاً أو سراويلاً، فاتزر به أو تعمم به، لا يحنث. ولو أشار إلى القميص والسراويل أو العمامة، فعلى أي حال لبس، حَيْثُ
تخصيص اللفظ العام بالعرف
قاعدة: إن اللفظ العام يجوز تخصيصه وتقييده بالعرف لأن تخصيص العام جائز بإرادة الحالف لا يأكل طعاماً، أو شراباً، أو لا يلبس ثوباً، ونوى البعض، يصدق ديانة؛ لأنه مما يحتمله كلامه، وصرف الكلام إلى ما يحتمله عند قيام الدليل جائز، لما فيه من اعتبار الدلالة واللفظ جميعا.
ولهذا حملنا قوله لامرأته عند إرادتها الخروج: إن خرجت فعبدي حر، على الخروج المعين لأنه عمل باللفظ والدلالة وإذا جاز تخصيصه بالنية، جاز بالعرف. لأنه إرادة جميع الناس، فلما جاز تخصيصه بإرادته وحده، جاز تخصيصه بإرادة جميع الناس، كيف وقد دل الدليل على إرادته أيضاً، لأن المقصود: الإفهام وتحصيل المقصود من الكلام، والأفهام عند الإطلاق تنصرف إلى المتعارف. ولهذا حملنا اللفظ على المجاز المتعارف.
ولهذا لو حلف: لا يشتري رأساً، فاشترى رأس عصفور أو رأس جرادة، لا يحنث لأن الإرادة ثابتة بالعرف؛ لأن الحكم يثبت باللفظ لا بالنية، واللفظ لا يصير موجوداً بالنية والإرادة. ولهذا ينصرف عند أبي حنيفة رحمه الله إلى رأس الغنم والبقر جميعا. لأن المتعارف بينهم ذلك؛ وعندهما إلى رأس الغنم؛ لأن المتعارف في زمانهما ذلك.
فإذا نوى الخاص، يكون الحكم في الخاص ثابتاً باللفظ لا بالنية، لكن بالنية يعين محتمله بالإرادة.
أما الزيادة على شرط الحالف بدلالة العرف، لا يجوز لأنه لا تأثير لها في جعل ما ليس بملفوظ ملفوظاً.
إن التخصيص بعرف الشرع لا اختلاف فيه، ولكن التخصيص بعرف كلام الناس أصل مختلف فيه من قول الحنفية وغيرهم. وهذا الموضوع من موضوعات أصول الفقه أصالة. وهنا صاغ هذه القاعدة لما تتخرج عليها مسائل من الأيمان، كما هو واضح من نص الأصل المذكور.
الإدراج في الكلام لتصحيح التصرف
قاعدة: إن الإدراج في الكلام لتصحيح التصرف لا يجوز، لأنا لو فتحنا هذا الباب، لا يبقى تصرف ما في عالم الله تعالى فاسداً، لأنه ما من تصرف إلا ويصح إدراج شيء فيه.
أما إثبات المقتضى وتقييد الكلام ببعض الأحوال دون البعض جائز عند الإمكان، بشرط أن لا يكون للكلام صحة بدونه، تصحيحاً لكلامه وإخراجاً له عن اللغو والعبث؛ لأن تصحيح كلام العاقل واجب ما أمكن.
لا يجوز الزيادة على ظاهر الكلام أو التصرف فيه، لأن هذا أمر مرفوض شرعا وعقلا؛ كما أشار إلى ذلك في الشطر الأول من نص القاعدة المذكورة، اللهم إلا ما كان من باب دلالة الاقتضاء إذ الثابت بمقتضى الكلام فيما يرجع إلى تصحيح الكلام، كالمصرح.
ولا يمنع ذلك أيضاً أن يُصرف الكلام إلى أحسن وجه حسب الأحوال والقرائن، صيانة لكلام العاقل عن الإهمال بقدر الإمكان.
وظهر أثر هذا الأصل في النص الآتي من التحرير.
لو قال لامرأته: إن نكحتك فعبدى حرّ، ينصرف إلى الوطء. ولو قال لأجنبية، ينصرف إلى العقد، اعتباراً للمتصور في الحال في كل واحدة منهما، والنكاح متبوع مستعمل فيهما.
وكذا لو قال المطلقة الرجعية في العدة: إن راجعتك، ينصرف إلى الرجعة، ولو قال للمبانة، ينصرف إلى ابتداء النكاح، صرفاً للكلام إلى ما يليق بالمتكلم والحال.
الثابت بدلالة العرف؛ والصفة في الحاضر
قاعدة: إن الثابت بدلالة العرف كالثابت بدلالة النطق. أصله: نقد البلد
والصفة في الحاضر لغو، سواء كانت الصفة مذكورة أو مدلولة بدلالة العرف.
ومن الفروع المتعلقة بهذين الأصلين ما جاء في النص الآتي من «التحرير»:
رجل قال: إن لبست قميصين، أو نِمْتُ على فراشين، أو تغديت برغيفين فعبده حر، ولا نية له، فاليمين على أن يجمع بين لبس القميصين، أحدهما فوق الآخر، وينام على فراشين معاً، ويتغدى برغيفين على سبيل الجمع، حتى لو فرق، فلبس قميصا، ونزع، ثم لبس قميصاً آخر لا يحنث.
والقياس: أن يحنث؛ لأن الشرط: لبس قميصين، وقد لبس، وليس في كلامه ما يوجب التقييد بوصف الاجتماع، إلا إنا استحسنا وقلنا: لا يحنث إلا بلبسهما بوصف الاجتماع، لأنه أضاف الفعل إليهما إضافةً واحدةً، فيجب أن يكونا بمنزلة شيء واحد في حق وقوع الفعل عليهما، وإنما يكون عند الجمع، لا عند الانفراد والتفريق.
وفي النوم على الفراشين أيضاً كذلك، لأن صفة الاجتماع فيه مقصودة كلبس الوطاء، فيتقيد اليمين به ولهذا يستجيز أن يقول: ما نمت على فراشين قط، وإن كان نام على فرش كثيرة
وكذا التغدي؛ لأنه في العرف اسم لأكل يُكتفى به في الغدوات. وذلك بلقمات مجتمعة مشبعة، والمقصود: التنعم وزيادة الشبع ولهذا يستجيز الإنسان أن يقول: ما تغديت برغيفين قط. ولأن غرضه: الاحتراز عن كثرة الأكل.
وذلك إنما يكون في الجمع، بخلاف ما إذا أشار وقال: إن لبست هذين القميصين، أو نمت على هذين الفراشين، أو تغديت بهذين الرغيفين، فلبسهما مجتمعا أو متفرقا: يحنث، لأنا إنما قيدنا بالاجتماع للعرف، ولا عُرف حالة التعيين.
ألا ترى أنه لا يستجيز أن يقول: من حلفت ما لبست هذين القميصين، إذا لبسهما متفرقا. وكذا في الفراش والتغدي، ولأن التفرق والاجتماع صفة، وإنها تعتبر في الغائب دون الحاضر. ولأنا عرفنا موضع حنثه بالإشارة، فأغنانا عن اعتبار معاني كلام الناس.
ألا ترى أنه لو حلف: لا يدخل بيتاً، فدخل مسجداً، لا يحنث ولو أشار إليه، يحنث. ولو قال لا آكل لحماً، فأكل لحم السمك، لا يحنث؛ ولو أشار إليه، حيث. وذلك لأن الإشارة من أقوى أسباب التعريف.
التعليق وشرط ثبوته
قاعدة: التعليق لا يثبت إلا بلفظ موضوع للتعليق. لأن لكل معنى: لفظاً موضوعاً له لغة. واللفظ الموضوع للتعليق: ذكر الجزاء عقيب شرط صالح بحرف الفاء، إن كان الجزاء اسمًا. قال الله تعالى:
إن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وقال الله تعالى {وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَبِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى وإن كان الجزاء فعلا: قال الله تعالى: وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} وقال الله تعالى: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.
وقد يدخل في الأفعال حرف الفاء في موضع الجزاء. قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَةً طَيِّبَةُ
فالحاصل: أنه لابد من علامة الجزاء إذا تأخر عن الشرط ليتعلق به. وذلك الفاء في الأسماء والجزم في الأفعال. يقال: إن زرتني أزرك، وإن أكرمتني أكرمك، وإن تضربني أضربك ويصح أيضاً: فأزورك وفأكرمك. وإذا قدم الجزاء، يقول: أزورك إن زرتني وأضربك إن ضربتني، من غير حرف الفاء.
وإنما جعلنا العلامة شرطاً عندنا جزاء الجزاء، لأنه يصلح كلاماً تاماً مستقلا بنفسه. والأصل في الكلام: هو الاستقلال وعدم التعلق، فلو علقنا، لصار ناقصا ومهما أمكن حمله على التمام لا يحمل على النقصان بخلاف ما إذا قدم الجزاء. لأن
حرف الشرط مذكور في الشرط، فعلم به أنه شرط لما قبله، فيتعلق به ضرورة أما إذا أخر، لا دليل على التعلق بما قبله؛ فلابد من علامة، حتى يُعرف أنه جزاء لما قبله. ولأنه إن كان فعلا، فقد أثر هذا الشرط فيه؛ إن كان فعلاً ماضياً، جعله مستقبلا، وإن كان فعلا مستقبلا، فقد جزمه فلما أثر فيه اتصل من غير حرف. أما إذا كان اسما، يؤثر الشرط فيه بوجه ما؛ فلا يتصل به من غير حرف الفاء، الموضوع للاتصال، ليتعلق به. فلو لم يُذكر حرف، لكن نوى إضماره، لا يصدق قضاء. لأنه خلاف الظاهر، لأن ظاهر كلامه للإرسال. وهل يصدق ديانة إن كان بحال: لو أظهر ما أضمر، يصدق، وإلا فلا؛ لأن المضمر مظهر تقديراً، فإذا لم يصح إظهاره حقيقة، كيف يجعل مضمراً تقديراً.
وروى عن أبي يوسف رحمه الله: يُصدق مطلقا. لأنه إذا ذكره عقيب الشرط، فالظاهر أنه أراد به الجزاء، فإذا نوى ما دل عليه ظاهر كلامه، صدق مطلقا.
تعرض الإمام الحصيري لهذه القاعدة النحوية هنا مع ضرب الأمثلة لها: إذ ينبني كثير من المسائل الفقهية الفرضية على هذا الأصل، خصوصاً الفروع المتعلقة بالطلاق المعلق بالشرط الذي ينزل عند وجود الشرط، وبالطلاق المضاف إلى وقت ينزل عند وجود وقته.
وظهر تطبيق بعض ما ذكر في النص الآتي من الشرح:
رجل قال لامرأته: إن دخلت الدار أنت طالق، طلقت ساعة تكلم، لأن قوله: أنت طالق كلام تام بنفسه، فلا يتعلق بغيره إلا بأمارة. وذلك: الفاء في الأسماء، والجزم، في الأفعال، ولم يوجد.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أنها لا تطلق حتى تدخل، لأنا تضمر فيه حرف الفاء، صيانة للشرط المذكور عن الإلغاء.
وإن نوى التعليق، صدق ديانةً، لأنه يحتمله بإضمار حرف الفاء، لأن جواب الشرط قد يُحذف منه الفاء كما في قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَمُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ؛ أي فيشرح.
وقال القائل: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ: الله يشكرها أي فالله، أو التقديم والتأخير.
لكنه خلاف الظاهر، فلا يصدق قضاء. وعن أبي يوسف رحمه الله. أنه يصدق مطلقا. لأنه لما ذكره عقيب الشرط. فالظاهر أنه يريد به الجزاء، فإذا نوى إضمار ما دل عليه اللفظ، صح مطلقا.
قاعدة الحقيقة والمجاز وأثرها في مسائل من الأيمان
قاعدة: إن الكلام يعمل بحقيقته؛ ولا يُعدل عنها إلى المجاز إلا عند التعذر أو العرف.
ومتى عقد اليمين على عين مأكولة، يتناول عينها لا ما يتولد منها، لأن ذلك هو الحقيقة، فلا يصرف إلى المجاز.
ومتى أضيف إلى عين غير مأكولة، يُصرف إلى ما يتولد منها، لأنه تعذر العمل بالحقيقة، وأمكن جعله مجازاً عن المتولد منه باعتبار الجزئية والمجاورة. وإن لم يتولد ويحدث منه شيء يُصرف إلى الأكل المعتاد فيما بين الناس، للعين المضاف إليها. وإن كانت العادة مشتركةً، فعند أبي حنيفة رحمه الله، يحمل على الحقيقة المستعملة. وعندهما على المجاز المتعارف؛ وقد ذكرناه.
ذكر الحصيري رحمه الله هذه القاعدة في أبواب متعددة وبسط القول فيها في بعض المواطن كما تقدم. وهنا تعرض لها لصلتها بمسائل الأيمان. وفيما يلي أورد فروعا تتخرج عليها، مستنداً إلى التحرير.
إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئاً، فأكل من ثمرها أو جمارها قالوا: الجمار: شحم النخلة أو طلعها، أو رطبها، أو أكل الكفرى وهو
أول ما يخرج مثل لسان الثور، ثم ينشق ويخرج الطلع، أو دبسها، الذي يخرج من ثمرها بغير علاج: حيث،، لأنه منع نفسه عن أكل ما لا يتصور أكله و لا يؤكل عادة. وأكل عين النخلة لا يتصوّر، فصار مجازاً عن أكل ما يخرج ويتولد منها. وهذه الأشياء تخرج وتحدث منها، واسم الشيء ينطلق على ما يخرج منه، لأنه في معنى المسبب، أو يُضمر فيه ما يخرج منه، بدلالة ذكر الأكل. وهذا مجاز متعارف. يقال فلان يأكل من شجرة فلان ومن نخله، ومرادهم: ما يخرج منه.
ولو قال: عبده حرّ إن أكل من هذه الشاة شيئاً، ولا نية له، فأكل من لبنها أو سمنها أو زبدها لم يحنث؛ إنما يقع يمينه على عينها عملاً بحقيقة كلامه، لأن عينها مأكولة. ولو قيل في العرف فلان أكل شاة، لا يفهم إلا أكل عينها.
ولو قال: لا يأكل من هذا الرُّطَب، أو من هذا العنب، أو من اللبن شيئاً، فأكل من تمر الرطب، أو من دبسه، أو زبيب العنب، أو عصيره، أو سمن اللبن، لم يحنث؛ لأن ما أضيفت إليه اليمين: عينه مأكولة، فلم يصر مجازاً عن ما يحدث منه، وقد زال الاسم، وإنه يدل على تبدل الذات.
ولو حلف: لا يأكل تمراً وأكل بسراً مطبوخاً، لم يحنث. لأن اسم التمر لا يتناوله؛ وإن نوى ذلك، حنث، لأن جنس التمر حقيقة. ولهذا لا يجوز بيعه بالتمر إلا متساوياً. ولو أكل حَيْساً حيث؛ لأن التمر بعينه لم يغلب عليه شيء. لأن الحيس تمر يُلقى في اللبن، وهو حال ما يؤكل تمر على صفته إلا أنه متفتت. وكذا لو أكل خبيصاً، لأن اسم التمر لم يزل عنه. ولو جعله عصيدة، فأكلها، لم يحنث، لأنه صيرة بحالي خرج به عن إطلاق اسم التمر، لتغير الاسم والوصف والمعنى، حتى لو رأى فيها التمر، يحنث.
ولو حلف: لا يأكل من هذه الحنطة شيئاً، فأكل من خبزها، لم يحنث عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يحنث، إلا أن يعني الحب بعينه. ولو أكل عين الحنطة، يحنث بأكل عينها.
لهما أن أكل الحنطة في العرف والعادة يتناول أكل خبزها وما في، فانصرف اللفظ إلى ما غَلَبَ استعماله، والاستعمال يتناول العين ضمنها وما يتخذ منها، فيتناولهما.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن هذا كلام له حقيقة مستعملة: وهو الأكل قضماً بعد القلي والطبخ، ومجاز مستعمل، فكانت الحقيقة أولى. كمن حلف: لا ينكح فلانة وهي امرأته، وقع على الوطء دون العقد. كذلك ههنا.
اسم جنس واسم نوع وما يترتب عليهما من مسائل
قاعدة: إن الأسماء على نوعين: اسم جنس واسم نوع: فاسم الجنس يقع على الخاص، والعام والذكر، والأنثى، كاسم الآدمي والإنسان: يتناول الذكر والأنثى. واسم النوع لا يتناول الجنس كاسم الإنسان لا يتناول الحيوان، واسم الذكر لا يتناول الأنثى.
والهاء على ضربين: هاء تأنيث وهاء إفراد؛ فهاء التأنيث تقع على الإناث خاصة مثل الدجاجة والناقة والحمارة. وهاء الإفراد تقع على الذكور والإناث، كالبغلة والجرادة والتمرة.
وقول محمد رحمه الله حجة في هذا الباب لأنه إمام اللغة والفقه جميعا؛ احتج أبو عبيد بقوله في كثير من المواضع؛ وكذا الأصمعي، وغلام
ثعلب وكذا قول غيره من أهل اللغة.
هذه القاعدة في الأصل مرجعها إلى العربية، ولكن تتخرج عليها فروع فقهية لاسيما في باب الأيمان؛ لأنها مبنية على العرف ومعاني كلام الناس، بخلاف ما يتعلق بالعبادة. على سبيل المثال إن اسم البقر يتناول الجاموس أيضاً في باب الزكاة، وإن كان ذلك خلاف ما هو عليه العرف؛ لأن العبادات يراعى فيها الاحتياط، فقد يلحق الثابت من وجه: بالثابت من كل وجه ولا يمكن الاعتماد فيها على مجرد العرف.
وهذا الأصل الذي ذكره هنا له فروع فقهية فرضية كثيرة؛ منها ما ظهر في النصوص الآتية من التحرير:
رجل قال: عبده حرّ إن أكل لحم دجاج، فأكل لحم ديك؛ حيث؛ لأن الدجاج اسم جنس يقع على الذكر والأنثى. قال امرؤ القيس:
لما مررت بباب الديرين أرقني ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس
والصوت الموقظ يكون للديك. وكذا في العرف، يقال: فلان يملك كذا من الدجاج، ويراد به جنسه. وقيل: هو مشتق من الدَّج: وهو سرعة المشي.
فلو حلف: لا يأكل لحم دجاجة، فأكل لحم ديك، لم يحنث؛ فالدجاجة اسم للأنثى خاصة. والهاء للتأنيث: كالمرأة في المرء، والحمارة في الحمار. والديك اسم للذكر خاصة. يقال: هو مشتق من الدَّل: وهو القهر، وأنه يختص به الذكر، فيكون لكل نوع اسم خاص، وللجنس أيضاً اسم ناص.
ولو حلف لا يأكل لحم جمل أو إبل أو بعير أو جزور، فأكل لحم بعير ذكر أو أنثى: يحنث؛ ويدخل في هذا الاسم: العربي والبختي، لأنه اسم جنس فيتناول الكل.
ولو حلف: لا يأكل لحم ناقة، فأكل لحم ذكر، لا يحنث. لأنه اسم للأنثى خاصة لا اسم للأنثى وغيره، واسم البختي لا يتناول العربي، لأن البختي نوع، وهو ما يكون أمه عربية وأبوه هندي أو تركي.
ولو حلف لا يأكل لحم بقر أو بقرة، فأكل لحم ثور، حيث، لأنه اسم جنس يتناول الذكر والأنث والهاء للإفراد لا للتأنيث.
وهذا كله إذا لم يكن له نية، فإن نوى شيئاً، فهو على ما نوى.
قاعدة: إن المطلق يجب إجراؤه على إطلاقه ما أمكن، ويجوز تقييده بدلالة الحال والغرض.
كما لو حلف: لا يأكل من طعام فلان أو لا يلبس من ثياب فلان، وفلان بائع الطعام أو الثوب يقع يمينه على الطعام الذي يعتاد فلان بيعه، وعلى الثوب الذي يبيعه فلان، حتى لو اشترى منه، وأكل، أو لبس، يحنث. لأن المقصود: الشراء منه في العادة. وإن لم يكن فلان بائع ذلك، يقع على ثوب أو طعام مملوك له، حتى لو اشترى منه، وأكل، أو لبس، لا يحنث.
وكذا لو حلف: لا يلبس من نسج فلان، فلبس من نسج غلمانه وإخوانه؛ إن كان فلان ينسج بنفسه عادة؛ لا يحنث، وإن لم ينسج بنفسه، يحنث.
فكل شيء يختص به الأحياء دون الأموات، يقع اليمين على حالة الحياة. وكل شيء يشترك فيه الحى والميت، يقع على الحالين للعرف، ويعتبر الإطلاق؛ أو تقول: كلما يَسُرُّ وَيَعُمُّ ويَلَذُّ وَيُؤْلِم يقع على الحياة دون الوفاة، وما سواه يقع على الحالين.
وغرض الحالف معتبر في بقاء اليمين. كما إذا حلف السلطان رجلاً: ليعرفته بكل. داعر أو رَبُّ الدين غريمه: أن لا يخرج من البلد إلا بإذنه: يتقيد بحال قيام السلطنة والدين، لفوات الغرض المطلوب بالعزل وهو التأديب. وإنما يحصل غرضه بإجراء اليمين على العرف، لأن الظاهر أن غرضه هو المعتاد المتعارف وهو معنى قولنا: الأيمان تبنى على العرف والعادة.
ألا ترى أنه لو حلف بطلاق امرأته: ليضربنها حتى يقتلها، أو حتى ترفع ميتة، ولا نية له: أنه إذا ضربها ضرباً شديداً كأشد الضرب، بر في يمينه: لأن العادة: أنهم يريدون به شدة الضرب دون الموت.
ولو قال: امرأته طالق إن لم يكن لقي فلانا ألف مرة، وقد لقيه مراراً كثيرة، إلا أن ذلك لا يكون ألف مرة، لا يحنث. لأن ذلك يذكر في العادة على طريق التكثير دون العدد المحصور.
من الفروع المتعلقة بهذا الأصل في التحرير ما يأتي: لو حلف: لا يغسل فلانا، أو لا يحمله، أو لا يمسه إلا بوصية، أو لا يغسل رأسه، فهو على الحياة والموت؛ لأن هذه الأفعال تتحقق بصورتها ومعناها بعد الموت، ويحصل الغرض المطلوب منها، لأن الصورة إسالة الماء على المحل و الماء يزيل الدرن والوسخ، ويحصل المعنى: وهو الطهارة، حتى تجوز الصلاة بعده والميت محتاج إليه لأجل الصلاة عليه.
وكذا لو قال: إن البس فلاناً، فعبده حرّ، فألبسه بعد موته، فإنه يحنث، لأنه وجد صورة اللبس وتحقق معناه: وهو الستر والتغطية.
ولمزيد من الإيضاح لا بأس أن أذكر ما جاء في الوجيز: إذا قال: إن كلمتك، أو دخلت عليك أو ضربتك، أو قال لامرأته: إن وطئتك أو قبلتك فعبدي حر، يتقيد بالحياة؛ لأن الضرب اسم لفعل مؤلم، والكلام للإفهام، والدخول للزيارة والوطء لقضاء الشهوة، وإنه لا يتحقق بعد الموت بخلاف قوله: إن غسلتك، أو وضأتك، أو حملتك، أو مسيستك، لتحققه وللحاجة إليه.
قاعدة: إن كلمة أو إذا دخلت بين اسمين أو فعلين، تتناول أحد المذكورين، فإن كان إنشاء؛ يخير. وإن كان إخباراً: أفضى إلى الشك ضرورة، لا أنها موضوعة للشك. وإذا تناولت أحدهما، فإن دلّت الدلالة على العموم، صارت عامة، وإلا فلا: والنفي دليل العموم. وكذا الإباحة.
أما النفي، فلأنه نكرة في موضع النفي. قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ أَئِمًا أَوْ كَفُورًا. يعني واحداً؛ ومن ضرورة نفي الواحد: نفي الكل، فيعم بطريق الضرورة.
وأما الإباحة فلقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ابابِهِنَّ الآية. وقد حل الإبداء لجميع المذكورين.
ويقال: جالس الحسن أو ابن سيرين. والمراد: كلاهما. ويقول الطبيب: كل التفاح أو الرمان والمراد: الإطلاق فيهما، وأنه لا يضره كل واحد منهما.
وكذا إذا دخلت على الاستثنائين. كما في قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا الآية والمراد: الاجتماع.
وإذا دخلت في الإثبات، تخص؛ كما في آية التكفير، إلا إذا وصفت بصفة عامة، فتعم لعموم الوصف، وتصير بمنزلة اسم الجنس.
ومن الفروع المتعلقة بهذا الأصل في التحرير ما يلي: رجل قال: والله لا أكلم فلاناً أو فلاناً، فله أن يكلمهما أو أحدهما لأن كلمة أو دخلت في موضع الإباحة؛ لأن الاستثناء من الحظر: إباحة؛ ولأنها دخلت في الاستثنائين، فصار كأنه قال: إلا فلاناً وفلانا.
وكذا لو قال: والله لا أكل طعاماً إلا لحماً أو خبزاً، له أن يأكلهما.
ولو قال: والله لا أكلم أحداً من الناس إلا أحد هذين الرجلين؛ إن كلم أحدهما، لا يحنث، لأنه مستثنى، وإن كلّمهما، يحنث، لأن قوله: أحد هذين الرجلين: معرفة، لأنه مضاف إلى المعرفة، فصار خاصا، ولأنه وصف المستثنى بالتوحد، ولم يوجد ما يوجب إسقاط اعتباره فصار المستثنى أحدهما.
وكذا لو قال: والله لا أكلم أحداً إلا واحداً من هذين الرجلين؛ لما ذكرنا أنه معرفة، ولأنه نص على التوحد في الاستثناء، فيبطل العموم الثابت بقضية الوصف، أو العموم الثابت بقضية النكرة في محل النفى.
ولو قال والله لا أكلم أحداً إلا رجلا واحدا من أهل الكوفة، فكلم رجلين من أهل الكوفة، يحنث لأن قوله: إلا رجلاً كلام تام بنفسه، وإن كان نكرة، لكن نص على الوحدة، فيبطل العموم الثابت بقضية الوصف. ولو قال: ه إلا رجلا من أهل الكوفة، فكلم الكل، لا يحنث؛ لأن قوله رجلا وإن كان نكرة، لكنه موصوف، فعم بعموم الوصف لعدم ما يبطل الوصف.
البدل والصفة والمستثنى
قاعدة: إن اللفظ إذا جعل بدلاً عن غيره، كانت العبرة للبدل لا للمبدل كما في قوله: لفلان على ألف زيوف.
والصفة في الحاضر لغو، وفي الغائب معتبرة والمستثنى من جنس المستنثى منه.
هنا أدمج الحصيري رحمه الله ثلاث قواعد تحت عنوان: حرف آخر، وذلك لأنه ظهر تطبيقها في سياق واحد حسب مقتضى الموضوع، ولا يسوغ فك بعضها من بعض في هذا الباب، ولم أقف إلا على مسألة واحدة فرضية تعد مرتبطة بهذه الأصول المذكورة، وهي كما يلي:
لو قال: والله لا أكلم أحداً أبداً إلا أحد رجلين كوفي أو بصري، أو قال: إلا واحداً من رجلين كوفي أو بصري، كان المستثنى كلاهما، وإن وصف المستثنى بوصف التوحد؛ لأنه جَعَل قوله: كوفيا أو بصرياً، لأنه ليس بمفهوم، ما لم تصفه. فإذا قال: كوفيا أو بصرياً، كانت الصفة تفسيراً وصفةً عن قوله رجلين، فسقط اعتبار المبدل. وإذا سقط اعتبار قوله: رجلين سقط اعتبار قوله: واحداً أو أحداً؛ لأنه لو قال: إلّا أحد كوفي أو بصري
أو إلا أحداً من كوفي أو بصري، لم يكن كلاماً مستقيماً، فسقط اعتبار لفظ التوحد أيضاً، فصار كأنه قال: لا أكلم أحداً إلا كوفيا أو بصرياً، ولأن قوله: أحد رجلين ليس بكلام مستقل مفهوم المراد بنفسه، بل هو مجمل يحتاج إلى البيان والوصف لكونه غائبا، فإذا وصفه بكونه كوفياً أو بصرياً، صح الوصف، فيعلق الحكم به، فصار قوله: رجلاً: فصلاً في حق تعلق الحكم به، فيصير كقوله: إلا بصرياً أو كوفيا.
معنى الأول،، وتعليق الطلاق بشرط موصوف، والدعوى خلاف الظاهر وعمل «إلا أن»
قاعدة: ما ذكرنا: أن الأول اسم لفرد سابق.
وإن الطلاق متى تعلّق بشرط موصوف، لا يقع إلا عند وجود الشرط بتلك الصفة.
ومن ادعى خلاف الظاهر، لا يصدق قضاء، إلا إذا كانت دعواه على نفسه، لأنه غير متهم في حق نفسه، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن اليمين متى ضربت لها الغاية، لا تبقى بعد الغاية.
وإلا أن متى دخلت فيما يتوقت، تكون للغاية.
هذا الأصل ينطوي على عدة موضوعات من بيان مفهوم «الأول»، وحكم الطلاق إذا تعلق بشرط موصوف، والدعوى خلاف الظاهر، واليمين إذا ضربت لها الغاية، وحكم إلا أن إذا دخلت فيما يتوقت؛ وقد ظهر أثر هذه الجمل في الفقرات الآتية من التحرير.
إذا قال الرجل لصاحبه: إن ابتدأتك بكلام أبداً، أو إن كلمتك قبل أن تكلمني، أو إن سبقتك بالكلام؛ فعبدي حرّ؛ ثم التقيا، وسلّم كل واحد منهما على صاحبه معاً، لم يحنث. لأن شرط الحنث: البداية بالكلام، ولم توجد؛ لأن البداية عبارة عن السبق: وهو وجود الشيء قبل غيره وبين المقارنة والسبق
تنافي. وكذا القبلية والسبق؛ فإن كلمه بعد ذلك، لم يحنث أيضاً لأن الكلام الثاني وجد بعد الكلام المحلوف عليه، فلم يتصف بالسبق والقبلية وأوصاف الشرط مراعاة.
ولو قال: إن كلمتك إلا أن تكلمني أو حتى تكلمني فعبدي حرّ، فالتقيا، وسلّم كل واحد منهما على صاحبه، حيث الحالف. وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يحنث. لأنه منع نفسه أن يكلم المحلوف عليه قبل كلامه، ولم يوجد كلامه، فهو كقوله: إن ابتدأتك. ولأن كلامه قارن حال سقوط اليمين، ولم يكن لليمين قرار في ذلك الوقت، فلا يحنث. كما لو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فباعه، لا يُعتق. لأن العتق صادف حال خروج العبد عن ملكه؛ كذلك ههنا إذا صادف الحنث وقت سقوط اليمين، لا يحنث.
وجه ظاهر الرواية: أنه جعل كلام فلان غاية يمينه لأن كلمة حتى للغاية، وه إلا أن متى دخلت على اليمين التامة، يراد به الغاية، فيصير بمنزلة حتى.
ولو قال: أول امرأة أتزوجها فهي طالق، فأقر بعد اليمين بتزوج امرأة، فادعت الطلاق وادعت أنها أول، وقال: قد تزوجت فلانة قبلك، وصدقته فلانة أو كذبته: لم يصدق في القضاء على التي أقر بنكاحها أو تزوجها معاينة، وطلقت. لأنه أقر بوجود الشرط: وهو الأولية في التزوج، فكان مقرا بوقوع الطلاق، والطلاق لا يقع إلا على المنكوحة، وقد ظهر نكاحها دون نكاح غيرها، فكان مقراً بوقوع الطلاق عليها ظاهرا، فإذا ادعى صرفه عنها إلى غيرها، لا يصدق في الصرف، حتى لو أقام بينة على ما ادعى، قبلت بينته، وطلقت تلك دون المعروفة؛ لأنها هي الأولى، وتطلق الأخرى أيضاً لإقراره على نفسه بحرمتها؛ ثم الأخرى إن صدقته، فلها نصف المهر، لأنه أقر أنه طلقها قبل الدخول؛ وإن كذبته في النكاح، فلا شيء لها. لأنها ردت إقراره.
حكم القضيتين المتنافيتين
قاعدة: إن المتنافيين لا يجتمعان أبداً. والتنافي بين الشيئين شرعاً، كالتنافي بينهما حساً.
وإذا دلت الدلالة على المتنافيين، فإن تساويا، تساقطا؛ لأن كل واحد منهما ينفي صاحبه، ولا رجحان لأحدهما على الآخر، فلا يمكن الحكم بهما، ولا بأحدهما، فتساقطا.
وإن كان لأحدهما رجحان، يُعمل بالراجح، ويجعل الآخر كالمعدوم في حق الحكم وإن سبق القضاء لأحدهما، لا يلتفت إلى الآخر.
ألا ترى لو ادعت امرأة على رجل: أنه تزوجها يوم النحر بمكة، وأقامت أخرى أنه تزوجها في ذلك اليوم بالكوفة، لا تقبل بينتهما، ولا يُقضى بشيء. ولو سبق القضاء لإحداهما، لا يلتفت إلى بينة الأخرى. وكذا لو أقام اثنان البيئة على القتل على هذا الوجه.
الترجيح في أخبار الآحاد يراد: لقوة غلبة الظن بأحد الخبرين عند تعارضهما. والدليل على ذلك إجماع السلف على تقديم بعض أخبار الآحاد على بعض هذه قاعدة أصولية أساسية، وفي ضوئها استمدت هذه القاعدة
الفقهية التي بينها الحصيري هنا، وفي الغالب تجد الفقهاء يتعرضون لها في الدعاوى والبينات.
ومن المسائل التي يمكن إلحاقها بهذه القاعدة ما ورد في النصوص التالية: رجل وكل رجلا أن يزوجه امرأة، ووكل آخر بمثل ذلك، فزوجه كل واحد منهما امرأة بغير إذنها، ووقع النكاحان معاً، وهما أختان من الرضاعة، فالنكاحان باطلان؛ لأن الوكيلين قاما مقام الموكل فكانت عبارتهما منقولة إليه، فيصير كأنه جمع بين الأختين في عقدة.
ذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد رحمهما الله: أن البكر إذا زوجها وليان، كل واحد منهما من رجل، فبلغها العقدان، فإن أجازت أحدهما، جاز ذلك، وإن أجازتهما معاً، بطلا للمنافاة بينهما، ولو سكتت، لم يكن سكوتها رضا بواحد منهما.
شاهدان شهدا: أن فلاناً طلق امرأته، فشهد أحدهما: أنه طلقها يوم الجمعة بالبصرة، والآخر أنه طلقها في ذلك اليوم بعينه بالكوفة، لم تقبل شهادتهما، لأناً تيقنا بكذب أحدهما.
لو ادعى في ذي القعدة: أنه اشترى منه هذه الدار في شهر رمضان بألف، ونقده الثمن، ثم أقام البينة على أنه تصدق بالدار على المدعي في شعبان، لا تقبل بينته؛ لأن دعوى التصدق في شعبان تنافي الشراء في شهر رمضان، لاستحالة شراء الإنسان ملك نفسه، والتوفيق غير ممكن، فلا تقبل. وإن أقام البينة على التصدق في شوال، ووفق فقال: جحدني الشراء، ثم تصدق بها علي، تقبل.
الطارئ على قضاء القاضي قبل الإمضاء
قاعدة: إن كان طريقه طريق الحدود، فإذا اعترض بعد القضاء قبل الإمضاء ما يمنع القضاء: يمنع الإمضاء، لأن الإمضاء فيه معنى القضاء.
هذه القاعدة أوردها الحصيري رحمه الله في مستهل باب من النكاح في الفرقة ولم يتبين أثرها إلا في موضع واحد من الباب المذكور تضمناً لا أصالة، وفيما يلي أسوق النص بكامله، حتى يتضح الموضوع بجلاء:
رجل وامرأته التعنا، ولم يفرق القاضي بينهما، حتى عنه أحدهما، فإنه يفرق القاضي بينهما، وإن كان العته يُخلّ بأهلية اللعان، لأنهما قد فرغاً من اللعان؛ ولو كانا عاقلين، لا يحتاج إلى كلامهما بل يفرق بينهما؛ فكذا إذا صار أحدهما معتوها. ألا ترى أنهما لو طلباً من القاضي: أن لا يفرق بينهما، لا يلتفت إلى كلامهما ويفرق؛ لأنه حق الشرع والحاجة إلى أهلية الحكم: وهو الفرقة وإنه ثابت. وهذا لأن اللعان بعد تمامه إنما يبطل بالإكذاب إما حقيقة أو حكما. لأن اللعان: شهادات مؤكدة بالأيمان، والإكذاب رجوع، ورجوع الشاهد يبطل الشهادة، ولم يوجد فلا يبطل اللعان، فلا يبطل حكمه: وهو التفريق.
فإن قيل: اللعان شهادات عندنا، وهي شهادة لم يتصل بها القضاء، والعته جرح في الشاهد. وهذا الجرح يمنع القضاء باللعان؛ كما لو كان مقارناً للعان، أو طارئاً على البعض، فإذا كان طارئاً على الكل مقارناً للقضاء، وجب أن يمنع القضاء؛ ولأن اللعان: حد في حق الزوجين وإقامته بالتفريق بينهما؛ فهذا عارض اعترض بعد وجوب الحد قبل الاستيفاء، والاستيفاء في الحدود من تمام القضاء، نما يمنع القضاء يمنع الاستيفاء.
قلنا: العته إذا كان مقارناً للعان، لم يمنع القضاء باللعان للجرح، وإنما يمنع لفوات أداء الشهادة لأن أداء الشهادة صحته بالكلام، فلابد من المعرفة والتمييز وقت الكلام حتى يصح؛ وأما بعد الفراغ، فلا حاجة إلى الأداء حتى يمنع القضاء لفوات الأداء وهذه شهادة اتصل بها الحكم، فإن حكمها: حرمة الاستمتاع، وقد تثبت الحرمة عند الفراغ من اللعان؛ نص عليه محمد رحمه الله في المنتقى». والتفريق من القاضي بناء على هذه الحرمة. لأن بالحرمة فات الإمساك بالمعروف، فتعين التسريح بالإحسان؛ فإذا امتنع صار ظالماً، فينوب القاضي منابه، فكان العارض بعد ثبوت حكمه، ولأن نفس اللعان: حد، وأثره: اللعن والغضب، وأحدهما نازل على أحدهما بيقين، فكان العارض بعد ثبوت حكمه.
الإجازة في العقود
قاعدة: إن الإجازة إنما تعمل في العقد الموقوف، لا في العقد المفسوخ. لأن الإجازة تنفيذ العقد، فيقتضي قيام العقد. ولهذا قلنا: إن في بيع الفضولي يشترط لنفاذ العقد عند الإجازة: قيام المعقود عليه،
وقيام المشتري، ومن توقف على إجازته، ولو كان البيع مقايضة، يشترط قيام البدلين. والعقد الموقوف كما ينفسخ بتصريح، ينفسخ ببيعه من غيره.
هذه القاعدة تمثل مدى صحة تصرف الفضولي، سواء أكان في مجال البيع أو في مجال النكاح. وهي ليست محل الاتفاق لدى الفقهاء، وسيأتي بيان ذلك.
وفيما يلي أسوق مسألة من التحرير، تفريعاً على هذا الأصل:
رجل وكل رجلاً أن يزوجه امرأة على ألف درهم، فزوجها على خمسين ديناراً بإذنها أو بغير إذنها، ثم زوجها ثانية بغير إذنها بألف درهم. فهذا فسح للأول لأنه فضولي في النكاح الأول للمخالفة في المهر، فيتوقف على إجازة الزوج إلا أنه وكيل في العقد الثاني، فصار مباشرته كمباشرة الموكل، فتوقف الثاني على إجازتها.
فلو كان الأول بألف بغير إذنها، والثاني بخمسين ديناراً بغير إذنها؛ فالنكاح الأول على حاله بقي موقوفاً على إجازتها، لأنه فضولي في الثاني غير قائم مقام الموكل، فلم يصير دليلا على فسخ الأول؛ فإن أجاز الزوج الثاني، جاز، لأنه فضولي في حقه، فتوقف على إجازته.
ولو كان الثاني برضاها، انفسخ الأول، لأنه موقوف على إجازتها. فإذا باشرت الثاني، انفسخ الأول، وبقي الثاني موقوفاً على إجازة الزوج، فإن أجاز، جاز، لأنه فضولي في حقه.
الفرق بين الجعل و الإجازة
قاعدة: إن الجعل يستعمل في الابتداء والإنشاء والإجازة تستعمل في البناء والإمضاء. قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ اينين. ولهذا لو قال لغيره: جعلت هذا المال لك، يكون تمليكا، ويشترط القبض.
هذا الأصل لا يمثل قاعدة فقهية، و إنما يتناول الفرق بين كلمتي الجعل و الإجازة، لما يترتب على ذلك من اختلاف الحكم في مسائل فقهية.
وفيما يلي أسوق مسألة من التحرير لبيان ما ذكر:
رجل تزوج أمة بغير إذن مولاها وبغير شهود: على مائة درهم، فبلغ المولى فقال: أجزت ذلك النكاح بخمسين ديناراً، ورضى الزوج، وحضر هذا القول شهود، فالنكاح باطل. لأن وجود الشهود يشترط لدى العقد وقد انعدم، فكان فاسداً، والإجازة: عملها في تنفيذ الموقوف دون تصحيح الفاسد.
ولو قال: جعلت ذلك النكاح نكاحاً بخمسين ديناراً، وقبل الزوج بحضرة الشهود فهو جائز، لما ذكرنا: أن الجعل: للإثبات.
ألا ترى أنه لو قال ابتداء: جعلت نكاح أمتي لك بخمسين ديناراً، وقبل الزوج بحضرة الشهود يكون نكاحاً صحيحاً. ولو قال: جعلت أمتي لك بألف درهم، وقبل، كان بيعا. ولو قال لامرأته جعلتك طالقاً، أو لعبده: جعلتك حراً، يكون طلاقاً وإعتاقاً.
الإجازة إذا لحقت العقد الموقوف
قاعدة: إن الإجازة إذا لحقت العقد الموقوف، كان الحالة الإجازة حكم الإنشاء؛ لأن العقد لم يتم قبل الإجازة: وإنما تمَّ ونَفَذَ بالإجازة، فكان لها حكم الإنشاء، فيكون الطارىء على العقد الموقوف يجعل كالمقارن للعقد. لأنه سبق النفاذ الذي هو المقصود بالعقد، فجعل في التقدير سابقاً على ما هو الإجازة إذا لحقت العقد الموقوف وسيلة لاستتباع المقاصد.
ذكر الحصيري رحمه الله هذه القاعدة في مواضع كثيرة، بصياغات وأساليب متقاربة. وموضوعها الأساسي: بيان تصرف الفصولي وما يتعلق به، وبناءً على هذه القاعدة يمكن القول بأن كل تصرف صَدَرَ من غير المالك: إن كان له مجيز حال
وجوده، يتوقف على إجازة المجيز وهو من توافرت فيه شروط الأهلية ليوكل غيره وإن لم يكن له مجيز حال صدوره، لا يتوقف؛ لأن فائدة الانعقاد والتوقف: النفاذ النفاذ عند الإجازة، وبجانب ذلك لابد من وجود العاقدين الفضولي والطرف الآخر والمعقود عليه، عند الإجازة، حتى يصح التصرف ويتم العقد.
وهذا الأصل ليس محل اتفاق لدى جميع الأئمة، فقد أخذ به الحنفية والمالكية والإمام إسحاق بن راهويه، خلافاً للشافعية والحنابلة على المذهب الراجح عندهم.
واستند القائلون بهذه القاعدة إلى نصوص كثيرة. منها ما ثبت في صحيح البخاري وغيره: أن الرسول الله أعطى عروة البارقي رضي الله دينارا ليشتري له به شاة، فاشترى له شاتين فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك.
أمره ره عليه وجه الدلالة في الحديث المذكور: أن النبي له سوغ هذا التصرف، مع أن لم يتناول شراء الشاة الثانية وبيعها. ثم لو كان إذن المالك شرطاً في انعقاد البيع لما جاز أن يتقدم عليه البيع.
ومن الأدلة العامة التي يمكن الاحتجاج بها في جواز تصرفات الفضولي قوله تبارك وتعالي: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى). لأن هذا المتصرف: مقصده شريف إذ قصد به إعانة أخيه المسلم وبجانب ذلك هو كامل الأهلية، وينبغي أن يصان كلامه عن الإهدار والإهمال بقدر الإمكان.
ثم ههنا الحكم يتأخر إلى إجازة المالك ولا ينعدم أصلا، لأن انعدام الحكم لدفع الضرر عن المالك، وفي تأخر الحكم إلى حين الإجازة توفير المنفعة عليه.
ومن القواعد العامة: أن الإنسان يملك نفع غيره بغير رضاه، بدليل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
وهنا ذكر الحصيري هذه القاعدة في باب يتناول موضوع النكاح. وفيما يلي أسجل نصاً تفريعاً على ما سبق:
بنتا عم: وليهما واحد، وهما صغيرتان، فزوجهما من رجل في عقدة أو في عقدتين وقبل عن الزوج فضولي فأرضعتهما امرأة، بطل نكاحهما. لأن الولي لما كان واحداً، كان المنشيء في كل ساعة، والعقدان والعقد الواحد سواء، وقد صارتاً أختين في حالة التوقف، والولي إذا كان واحداً، يملك فسخ الأول بالثاني، فصار كأنهما وقعا معاً. ولو كان لكل واحدة ولي على حدة، بقي النكاحان على التوقف، فأيهما أجاز، جاز، لأن أحدهما لا يملك فسخ نكاح الآخر، ولو أنشأ العقد بعد الأختية، توقفا؛ فهذا أولى. ولو كان النكاحان في عقدة واحدة، بطلا، لأن الطارىء على العقد الموقوف كالمقارن، فكأنه جمع بينهما في النكاح.
حكم الشك في نقض القضاء أو جوازه
قاعدة: إن الشك متى وقع في نقض القضاء لا ينقض. ومتى وقع في جوازه لا يجوز بالشك لأن اليقين لا يزول بالشك؛ كما في سائر الأحكام.
اليقين لا يزول بالشك: إحدى القواعد الأساسية الكبرى في الفقه الإسلامي. ولها فروع فقهية كثيرة. وما ذكر هنا نابع من هذه القاعدة، إذ الثابت بالقضاء بمثابة أمر متيقن، فلا يمكن أن ينتقض بشك طارىء بعد الإمضاء والنفاذ وكذلك لا يجوز القضاء في أمر مع وجود الشك في صحته؛ لأن الأصل: بقاء ما كان على ما كان.
وفيما يلي أسوق نصاً ظهر لي فيه أثر القاعدة التي أوردها الحصيري:
لو ادعى داراً في يد رجل أنها له، وأقام البينة، وقضى له، ثم أقرأنها الفلان لاحق له فيها، فهي للمقر له إذا صدقه في الإقرار، ولا شيء على المقر، لأن القضاء صح من حيث الظاهر ووقع الشك في نقضه؛ لأن إقراره محتمل يحتمل: أن لا حق له من الأصل، فيكون تكذيباً لشهوده وتخطئة للقاضي، ويحتمل: أنه لا حق له الآن، لأنه ملكها من فلان ببيع أو هبة بعد القضاء، فلا ينتقض بالشك.
ولو لم يقض القاضي للمدعي على الذي كانت في يده بشهود المدعي حين قال المدعي: هي دار فلان لا حق لي فيها، أو قال: ليست لي هذه الدار ولكنها لفلان، وصدقه فلان، فالقاضي لا يقضي؛ لأن الشك وقع في جواز القضاء. فإنه لو كان المراد من قوله: هي دار فلان، يعني من الأصل، لا يجوز القضاء، لأنه لا يمكن الجمع بين الإقرار وبين الدعوى الأولى، فصار مكذباً شهوده، وإن كان المراد: هى دار فلان لأني ملكتها منه، يجوز القضاء. والشك متى وقع في جواز القضاء، لا يجوز، بخلاف ما إذا قضى، لأن الشك وقع في النقض.
مدى حجية علم القاضي
قاعدة: إن علم القاضي في حالة القضاء في باب الأموال حجة، يجوز له أن يقضي به كالبينة بل أولى. لأن معاينته السبب تفيد له علم اليقين، وشهادة الشهود لا تفيده ذلك لاحتمال الكذب. فإذا جاز له أن يقضي بالشهادة، فلأن يجوز له أن يقضي بعلم نفسه؛ أولى. بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى، فإنه لا يجوز له أن يقضي بها بعلم نفسه استحساناً. وفي القياس: يجوز أيضاً لما قلنا.
وجه الاستحسان: أن الحدود التي هي من خالص حق الله تعالى: يستوفيه الإمام على سبيل النيابة من غير خصم يطالبه به من العباد، فلو اكتفى بعلم نفسه في الإقامة، ربما يتهمه بعض الناس بالجور والإقامة بغير حق. وهو مأمور بأن يصون نفسه عن ذلك؛ بخلاف القصاص وحد القذف وغير ذلك من حقوق الناس، لأن هناك خصماً يطالب به من العباد وبوجوده تنتفي التهمة عنه، فكان مصدقا فيما
زعم أنه رأى ذلك. ولأن ولاية الاستيفاء للولي، فلا يثبت لنفسه حقا، بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى. لأن ولاية الاستيفاء له، فكان متهماً في إثبات الحق لنفسه.
يوضح الفرق: أن المُقرّ بالحدود الخالصة لله تعالى إذا رجع، صح رجوعه، ولم يكن للقاضي ولاية الإقامة، للتعارض بين خبريه. فكذا إذا أخبر القاضي أنه رأى ذلك، وأنكر هو لم يكن له ولاية الإقامة، للتعارض بين الخبرين. فكل مسلم أمين فيما يُخبر به من حق الله تعالى. ولهذا ضمنه في السرقة لأن ذلك حق المسروق منه، ولا يعمل الرجوع فيه.
فأما حد القذف والقصاص وغير ذلك من حقوق الناس، فالرجوع فيه بعد الإقرار باطل. وللقاضي أن يلزمه ذلك بإقراره. فكذلك بمعاينة السبب، لأنها أقوى في إفادة العلم من الإقرار. بخلاف ما إذا عاين ذلك قبل تقلد القضاء، أو في غير مصره الذي هو قاض فيه، لأنه حين عاين السبب فقد استفاد به علم الشهادة، وبأن استقضي بعد ذلك: لا يزداد علمه بذلك، وعلم القضاء فوق علم الشهادة، فإن علم القضاء ملزم، والشهادة بدون القضاء غير ملزم. بخلاف ما إذا علم حالة القضاء، لأنه استفاد علم القضاء بمعاينة السبب. والدليل عليه: أن ما يستفيده من العلم بمعاينة السبب وما يستفيده بشهادة الشهود عنده: في الحكم سواء. إن قضاء القاضي بعلمه: أحد طرق إثبات الحق، لكنه ليس محل الاتفاق، فقد أخذ به فقهاء الحنفية والشافعية، لكن الآخرين نازعوهم في ذلك؛ ثم ذهب الحنفية من المتأخرين أيضا إلى عدم حجيته لفساد الزمان.
ونص القاعدة هنا يمثل اتجاه المذهب الحنفي؛ وخلاصة الموضوع: أنه يجوز للقاضي أن يحكم فيما يتعلق بحقوق العباد بما علم؛ بعد تقلد القضاء، عند الإمام أبي حنيفة، خلافاً للصاحبين فإنه لا مانع في نظرهما أن يحكم بما علم، بدون فرق بين علم حادث في زمن القضاء، أو علم سابق لهذا الزمن؛ والراجح المفتى به: هو عدم الجواز.
ظهور الحكم عقب سببه
قاعدة: إن الحكم متى ثَبَتَ، وقد ثَبَتَ سبق سببه: يُحال به إلى السبب السابق. كما إذا عاينا الجرح، ثم مات قبل البرء، يُحال به إلى الجرح السابق.
وإن التصرف يدل على اليد. لأن من تصرف وتقلب في شيء، فهو في يده في الحكم، فإذا ثبت تصرف الغائب حكماً أو حقيقةً، فقد ظهرت يده، فبظهور يده اندفعت الخصومة عن الحاضر.
هذه القاعدة قريبة من القاعدة المشهورة: الأصل: إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، إذ العمل بالسبب الظاهر دون الموهوم بمثابة إضافة الحكم إلى أقرب أسبابه والله أعلم.
مثالها في التحرير: رجل أقام البينة على دار في يد رجل أنها له. وأقام الذي هي في يده شاهدين فقالا: نشهد إنَّ فلاناً أشهدنا أن الدار التي في يدي فلان هذا: داره، وأنه أسكنها هذا الذي في يديه، ولم نره دفعها إليه. وقد علمنا أنها كانت يومئذ في يد هذا الذي هي في يديه، فلا خصومة بينهما لأن شهادتهما بالإسكان والدار في يد الساكن يوم الإسكان شهادة بالتسليم، لأن اليد إذا ظهرت عقيب سبب، تحال إليه، فيثبت الوصول إليه من جهة الغائب، فاندفعت الخصومة عنه. وهي كثيرة الفروع والآثار وفيما يلي أتناول مسألتين نص فيهما الإمام السرخسي على هذه القاعدة لمزيد من إيضاح ما ذكر الحصيري:
وإن وجد في المعركة ميتاً ليس به أثر: غُسل، لأن المقتول يفارق الميت بالأثر، فإذا لم يكن به أثر، فالظاهر أنه لم يكن انزهاق روحه بقتل مضاف إلى العدو، بل لما التقى الصفان، انخلع قناع قلبه من شدة الفرع، فمات، والجبان مبتلى بهذا. وإن كان به أثر، لم يُغسل، لأن الظاهر أن موته كان بذلك الجرح، وأنه كان من العدو، فاجتماع الصفين كان لهذا. والأصل أن الحكم متى ظهر عقيب سبب، يحال على ذلك السبب.
إن بينة ذي اليد في النتاج وفيما يتبعه من حيث المعنى: تترجح على بينة الخارج. ولذلك إن أقام كل واحد منهما البيئة: أنه ابنه من امرأته هذه، قضى بنسبه من ذي اليد ومن امرأته وإن جحدت هي،، لأن السبب هو الفراش بينهما قائم. والحكم متى ظهر عقيب سبب ظاهر، يُحال به على ذلك السبب.
الظاهر يصلح حجة للدفع
قاعدة: إن الظاهر يصلح حجة للدفع دون الاستحقاق؛ كاليد وحياة المفقود. وكما في النصراني إذا مات، فجاءت امرأته مسلمة، وقالت: أسلمت بعد موته ولي الميراث، وقالت الورثة: أسلمت قبل موته، فالقول قول الورثة، ولا ميراث لها، تحكيماً للحال في معرفة الماضي.
ولو مات مسلم، وله امرأة نصرانية، فقالت: أسلمتُ قبل موته ولي الميراث، وقالت الورثة أسلمت بعد موته، فالقول قول الورثة أيضاً، ولا ميراث لها، ولا يجعل الحال حكماً؛ لأن الحال ظاهر في دلالته على الماضي، فيصح التمسك به في معرفة الماضي في الدفع لا في الاستحقاق، والورثة هم الدافعون في المسألتين.
من القواعد الشرعية العامة: أن الثابت باستصحاب الحال يصلح للدفع لا للاستحقاق على الغير لأن الثابت لا يزول بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك، والثابت بدليل ظاهر يجوز إبطاله بدليل أقوى منه؛ كما في سائر الدلائل الشرعية.
وهذه القاعدة جمة الفروع كثيرة الدوران على أقلام الفقهاء، وقد تصدى الأصوليون لبيانها في الأدلة المختلف فيها عند ذكر موضوع الاستصحاب.
الأصل في الآدمي: الحرية
قاعدة: إن الأصل في الآدمي: هو الحرية. لأنهم أولاد آدم وحواء عليهما السلام؛ ولأن دار الإسلام دار حرية وعصمة؛ فالظاهر أن من كان فيها، كان حراً باعتبار المكان.
ولهذا جعلنا اللقيط الموجود في دار الإسلام مسلماً حراً باعتبار الدار، حتى لو مات، يُصلّى عليه؛ ويُجعل اللقيط الموجود في البيعة أو الكنيسة كافراً بحكم المكان، حتى لو مات، لا يصلى عليه.
والقول قول من تمسك بالأصل في حق الدفع لا في حق الإلزام إلا أن هذا الأصل قابل للتبدل، فإذا قامت الحجة بخلاف هذا الأصل، يُقبل بقدر ما قامت الحجة.
الأصل في بني آدم: الحرية. لأنهم أولاد آدم وحواء عليهما السلام، وهما كانا حرين، والمتولد من الحرين يكون حُراً، وإنّما حَدَثَ الرق لبعض الناس لأمر عارض، فيجب العمل بالأصل؛ لأن الأصل: بقاء ما كان على ما كان، حتى يقوم الدليل على الطارىء.
وإليك نصاً من التحرير ظهر فيه أثر هذا الأصل:
رجل ادعى على رجل أنه عبده، وقال المدعى عليه: لم أزل حر الأصل، ولم أملك قط، فالقول قوله. لأنه متمسك بالأصل للدفع، لأن الرق عارض.
ألا ترى أن القول قول ذى اليد لكونه متمسكاً بالأصل، وقول المدعى عليه في الدين؛ لأن الأصل: براءة الذمة، فكذا هذا، فإن أقام المدعي بينة أن نصفه عبد له، تقبل بينته، وقضى له بنصفه. لأنه لما ادعى الكل، وهم شهدوا له بالنصف، فقد شهدوا ببعض ما ادَّعَى، فتقبل كما لو ادعى ألفاً، فشهدا بخمسمائة ولا يحكم في النصف الآخر برق ولا حرية؛ لأن الدليل المبدل للأصل وجد في النصف دون
النصف، فيقتصر عليه. ولأنه لا يمكن القضاء بالرق والملك لأنه لم يعرف له مالك، والقضاء لا بد له من مقضي له.
ولا يمكن القضاء بالعتق، لأنه لما قضي برق نصفه، تبين أنه لم يكن حر الأصل، فتعذر القضاء بالحرية. لأن العتق والرق لا يتجزأ، فبقي موقوفاً. وهذا على قولهما ظاهر. لأنه لما ظهر الرق في نصفه، عُلم أن النصف الآخر ليس بحر. لأن الحرية لا تتجزأ عندهما
وكذا على قول أبي حنيفة رحمه الله. لأنه لم يظهر في النصف الآخر حرية ولا رق، فبقي موقوفاً؛ كما في الابتداء.
إقرار الإنسان على نفسه
قاعدة: إن إقرار الإنسان على نفسه صحيح وعلى غيره لا. لأن له ولاية على نفسه وعلى غيره لا. وهذا لأنه خبر متميل بين الصدق والكذب، فكان محتملا باعتبار ظاهره، والمحتمل لا يكون حجة، لكنه جعل حجة بدليل معقول: وهو رجحان جانب الصدق على جانب الكذب فيه لأنه غير منهم فيما يُقربه على نفسه، بل ربما يمنعه الطبع والنفس الأمارة بالسوء عن الإقرار بالصدق، فلظهور دليل الصدق فيما يُقرّ به على نفسه، جعل حجة عليه، وفي حق الغير ربما يحمله الطبع على الإقرار بالكذب. فكان متهماً فيه، فلا يجعل حجة في حق غيره وإليه أشار الله تعالى في قوله عز وجل: بَلِ الْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بصيرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أي شاهدة بالحق.
ورجم رسول الله الله ما عزاً رضي الله عنه حين أقر على نفسه بالزنا
وقال عليه السلام في حديث العسيف: واعد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها فكون الإقرار حجة في الحدود التي تندرىء بالشبهات دليل على أنه حجة فيما لا تندرىء بالشبهات بطريق الأولى.
هذه قاعدة مشهورة استمدها الفقهاء من النصوص الشرعية الكثيرة منها قوله تعالى: {قَالَ: أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى؟ قَالُوا: أَقْرَرْنَا. فالله عز وجل طلب من عباده الإقرار، ولو لم يكن الإقرار حجة، لما طلب. وقوله سبحانه: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ}. وهذه الآية توحي بأن شهادة المرء على نفسه إقرار وهناك أدلة أخرى، وقد تعرض لبعضها الحصيري رحمه الله أيضاً كما رأيت في هذا النص.
والإقرار سيد الأدلة لانتفاء التهمة فيه وهو في الغالب يكون نابعاً عن الوازع الإيماني القوى الذي يدفع صاحبه إلى الاعتراف بجريرته حتى يلقى الله عزّ وجل بقلب سليم منيب. ولكن حجيته قاصرة على المقر ولا يتجاوز أثره إلى غيره بسبب قصور ولاية الإنسان على نفسه.
وهي مطردة في جميع المجالات سواء أكانت متعلقة بحقوق الله أم بحقوق العباد، ولكن يجب التنبيه فيما يتعلق بحقوق العباد إلى: أن الإقرار إذا اتصل به التكذيب من جهة القاضي بالبينة يبطل الإقرار؛ كما لو اتصل من جهة المقر له، بل أولى؛ لأن البيئة حجة في قول الناس كافة فكان مكذباً شرعاً بالحجة، فيبطل، وصار وجوده وعدمه بمنزلة واحدة.
ومن فروع القاعدة في هذا الباب: «كيس في يد رجلين فيه ألف درهم، فأقر أحدهما لأجنبي بنصفه وأنكر شريكه، فإنه لا يصدق على الشريك. لأن النصف له ظاهراً، وهو مصدق في حق نفسه، ولا يصدق في إبطال حق الشريك، فيأخذ الشريك: النصف، وذلك بعض ظاهر حقه، فيبقى النصف بين المقر والمقر له.
هلاك المال المشترك
ضابط: إن المال المشترك ما تَوى منه يتوى على الشركة، وما بقي يبقى على الشركة. لأن أحد النصيبين بصرف الهلاك إليه، ليس بأولى من الآخر. وإن استهلكه أحدهما، ضمن نصيب صاحبه.
من الضوابط المقررة في موضوع الشركة: أن المال المشترك بين اثنين يبقى مشتركاً بينهما، ما لم توجد قسمة صحيحة. والقسمة الصحيحة: أن يمتاز نصيب أحدهما عن نصيب صاحبه وإذا هلك هذا المال قبل أن يُفرز نصيب أحدهما، كان الهلاك مشتركاً متساوياً لعدم الأولوية.
وفيما يلي أورد مسألة فرضية تفصيلية ظهر فيها أثر هذا الأصل:
كيس في يد رجلين فيه ألف درهم، أقر أحدهما لأجنبي بنصفه، وأنكر شريکه، فهذا على أربعة أوجه:
أحدها: أن يقول: نصف الكيس لك؛ ولا يزيد على هذا.
وثانيها: أن يقول: نصف الكيس لك، والنصف الآخر بيني وبين شريكي: نصفان
وثالثها: أن يقول: نصف الكيس لك والنصف لي.
ورابعها: أن يقول: الكيس بيني وبينك نصفان
ففي الوجه الأول والثاني: يُقسم ما في يد المُقر بينه وبين المُقر له أثلاثاً، ثلثاه للمقر له وثلثه للمُقرّ. والوجه الأول هو الوجه الثاني من حيث المعنى. كأنه قال: نصف الكيس لك، والنصف الآخر بيني وبين شريكي: نصفان، فيصدق في حق نفسه ولا يصدق في حق شريكه، فبقي النصف له كما كان.
والنصف الآخر يقسم بينهما أثلاثاً لما ذكرنا: أن إقراره ينصرف إلى النصيبين، فكان مقراً أن للمقر له النصف، والنصف بينه وبين شريكه، فكان مقراً أن حقه ضعف حقه وضعف حق شريكه. ولهذا: لو صدقه شريكه، كان للمقر له: النصف، والنصف بينهما، إلا أنه لم يظهر في حق شريكه لتكذيبه، فيظهر في حقه. وهذا لأن من زعمه: أن شريكه غاصب ظالم في أخذ الربع زائداً على حقه. والمال المشترك إذا تَوى منه شيء، يكون على الشركة. وإنما يكون كذلك أن لو قسم الباقي على السهام التي قبل التوى، وقبل التوى: القسمة بينهم أرباع: سهمان للمقر له وسهم له وسهم لشريكه، فبعد التوى: يُقسم الباقي على هذه السهام.
بخلاف ما ذكر في الجامع الصغير: إذا مات الرجل وترك ابنين وألفاً، فاقتسما، فأقر أحدهما أن الميت أوصى لهذا بثلث ماله، وكذبه الأخ، فإن المقر يعطيه ثلث ما في يده، وإن أقر أن حقه مثل حقه لأنه إنما أقر له بالثلث في
التركة، ونصيبه بالقسمة صار مفرزاً متميزاً عن نصيب صاحبه، فإنما أقر له بنصف الثلث في نصيبه، ونصف الثلث في نصيب صاحبه، إلا أن إقراره لم ينفذ في نصيب صاحبه، فينفذ في حقه. والمكذب لم يأخذ شيئا من المال المشترك حتى يكون التوى عليهما، لانعدام الشركة وقت الإقرار، فكان الإقرار بمال معين، فلا يأخذ من نصيبه.
وفي الوجه الثالث والرابع: يأخذ منه نصف ما في يده، لأنه أنكر شركة صاحبه، وادعى أن الكيس بينهما وأن حقهما فيه على السواء. ولهذا: لو صدقه صاحبه، كان بينهما؛ فإذا كذبه كان في زعمه أنه غصب نصف الكيس، فيكون التوى عليهما بالتسوية لاستواء حقهما، فيكون الباقي بينهما نصفين.
قاعدة: إنَّ من أقر بسبب موجب للضمان، ثم ادعى البراءة عنه، لا يصدق إلا بالبينة أو بتصديق المدعى عليه. ومتى أنكر سبب وجوب الضمان، كان القول قوله مع اليمين. لأنه في الوجه الأول: مدعي، ومجرد الدعوى لا يصلح سبباً للاستحقاق، لقوله عليه السلام: لو أعطي الناس بدعواهم الحديث.
ألا ترى: أنه لو أقر بالدين، ثم ادعى الإيفاء أو الإبراء لا يقبل إلا ببينة ولو أقر بالبيع وادعى الإبراء عن العيب، لا يقبل إلا ببينة.
والْمُوْلِي: إذا ادعى الفيء بعد مضي المدة: لا يقبل قوله، لوقوع الطلاق ظاهرا بمضي المدة وفي الوجه الثاني: منكر، والقول قول المنكر مع اليمين، لقوله عليه السلام في هذا الحديث: ولكن اليمين على من أنكر.
وهذا لأن مدعي الإبراء يدعي خلاف الظاهر. لأن الأصل: إبقاء ما كان، فلا يقبل قوله، كما في سائر الحقوق؛ والمنكر متمسك بالأصل: وهو فراغ ذمته، أو عدم تعلق حق الغير به وتوجه الخصومة نحوه، فكان القول قوله.
هذه القاعدة معبرة عن الأصل المقرر في الفقه الإسلامي:
إن من أنكر حقا على نفسه، كان القول قوله لأنه متمسك بالأصل: وهو فراغ الذمة؛ ومن أقر بسبب الضمان، وادعى ما يُسقطه، لا يصدق إلا بحجة، لإبقاء ما كان على ما كان والأصل في الإقرار: هو اللزوم والبقاء.
وفيما يلي أسوق نصوصاً منط التحرير، تفريعاً على ما ذكر:
رجل قال لغيره. أخذتُ منك ألفي درهم: ألفاً غصباً وألفاً وديعة؛ أو قال: أخذت منك ألفا وديعة وألفاً غَصْباً، فضاعت الوديعة وهذه الألف المغصوبة، وقال رب المال: أخذت الألفين غصباً؛ أو قال: هلكت المغصوبة وهذه الوديعة، فالقول قول رب المال ويغرم المُقرّ ألفاً، إلا أن يُقيم البيئة على ما ادعى أو يُحلف رب المال، فينكل؛ لأنه أقر بسبب الضمان: وهو الأخذ ثم ادعى ما يبرئه عن الضمان، فلا يصدق إلا بحجة.
ولو قال: أودعتني ألفاً وغصبتك ألفاً والمسألة بحالها، فالقول قول المقر. لأنه ما أقر بسبب الضمان بل أنكر، لأنه أقرّ بفعل الغير: وهو الإيداع، وفعل الغير لا يصلح سبباً لوجوب الضمان عليه، وإنما أقر بسبب الضمان في أحدهما مبهماً، فكان البيان إليه، ويكون القول قوله مع اليمين، إلا أن ينكل، فحينئذ يلزمه الضمان.
ولو استأجر دابتين: إحداهما إلى الجيزة والأخرى إلى القادسية وهي أبعد من الجيزة - فحمل عليهما إلى القادسية، فنفقتْ إحداهما في القادسية، فقال المالك نَفَقَتْ التي استأجرتها إلى الجيزة وعليك
ضمانها، وقال المستأجر: لا، بل نَفَقَتْ التي استأجرتها إلى القادسية، فالقول قون المالك، ويضمن المستأجر؛ لأنه أقر بسبب وجوب الضمان: وهو الحمل على دابة الغير، إلا أنه ادعى عارضاً يُبرئه عن الضمان: وهو الإجارة؛ والمالك منكر. ولو أنكر الإجارة أصلاً كان القول قوله.
ولو أقر أنه أخَذَ من دار فلان ألف درهم، ثم قال: كنتُ فيها ساكناً، أو كانت معي بإجارة، لم يصدق. لأنه يدعي سبب ثبوت يده في الدار، فلا يصدق إلا بحجة؛ فإن أقام البيئة أنها كانت في يده بإجارة، أو أنه نزل أرض فلان، أبرأته من ذلك.
المقاصة في الديون
ضابط: إن الدينين إذا اتفقا جنساً ووصفاً، أحدهما للرجل على صاحبه والآخر لصاحبه عليه وقعت المقاصة بينهما، تقاصا أو لم يتقاصا؛ لأنه لا فائدة في بقائهما وهذا عندنا.
وقال ابن أبي ليلى رحمه الله: لا يقع ما لم يتراضيا اعتباراً للدين الذي لكل واحد منهما على صاحبه بالعين الذي لكل واحد منهما عند صاحبه. فإنه لو كان الرجل في يد رجل مائة درهم، والآخر في يده مثل ذلك: لم يكن قصاصاً، ولكل واحد منهما أن يطالب صاحبه بماله، بل أولى فإن مبادلة العين بالعين صحيحة، ومبادلة الدين بالدين باطلة، فلا يمكن أن يجعل كل واحد منهما مستوفياً حقه بطريق المبادلة. لأنه مبادلة الدين بالدين وأنه منهي، ولا يمكن أن يجعل مستوفياًباعتبار أنه عين حقه، لأن ما في ذمته حق غيره.
ولنا: أن في مطالبة كل واحد منهما صاحبه بدراهم: اشتغالاً بما لا يفيد. لأنه يستوفي من صاحبه ويرد عليه من ساعته مكان ماله قبله، وأنه لا يجوز؛ بخلاف العين، لأن في الأعيان للناس أغراضاً، ولا يوجد مثل ذلك
الغرض في الدين، فإن الديون تُقضى بأمثالها لا بأعيانها، فلا فائدة لواحد منهما في مطالبة صاحبه، لأن التفاوت بين العينين يتحقق في معنى من المعاني، ولا يتحقق التفاوت بين الدينين إذا استويا من كل وجه. وإنما يتحقق التفاوت إذا اختلفا في صفة الجودة، بأن كان له على صاحبه عشرة جياد ولصاحبه عليه عشرة زيوف، أو كان أحدهما مؤجلاً والآخر حالاً، فلا جرم عند ذلك لا تقع المقاصة إلا بتراضيهما ومبادلة الدين بالدين إنما لا يجوز فيما يحتاج إلى قبضه في المجلس، وهنا لا حاجة إلى القبض.
ألا ترى أنهما لو تراضيا على المقاصة كان جائزاً، ومبادلة الدين بالدين حرام حقاً للشرع، فلا يجوز بالتراضي، لنهى النبي عليه السلام عن بيع بالكالي. وإذا وقعت المقاصة أو تقاصا، يصير آخر الدين قضاء عن أولهما، وأولهما لا يكون قضاء عن آخرهما. لأن القضاء لا يسبق خوب.
هذا الأصل يتناول المقاصة بين الدينين كما هو واضح لنص. وهنا تجدر الإشارة إلى أنها تنقسم إلى قسمين:
المقاصة الجبرية: وهي التي بينها الإمام الحصيري في بداية هذا الضابط.
المقاصة الاتفاقية أو الاختيارية: وهي التي تتم بتراضي الطرفين ما لم يترتب على ذلك محظور شرعي.
والفرق الأساسي بين النوعين: أنه يُشترط الحصول المقاصة الجبرية اتحاد الدينين جنساً ووصفاً وحلولاً، وقوَّةً وضعفاً. ولا يشترط ذلك في المقاصة الاختيارية؛ فإن كان الدينان من جنسين مختلفين، أو متفاوتين في الوصف، أو مؤجلين، أو أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، أو أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً، فلا يلتقيان قصاصاً، إلا بتراضي المتداينين، سواء اتحد سببهما أو اختلف ويتبين أثر هذا الأصل في النص التالي من التحرير.
رجل له على رجل ألف درهم قرض حالة، فباع المستقرض من المقرض عبداً بألف درهم إلى سنة، وقَبَضَ المُقْرض العبد، لا تقع المقاصة بينهما ما لم يحل الثمن، لأنهما اتفقا جنساً لا وصفاً لأن المؤجل لا يكون مثل الحال. ولهذا لو اشترى شيئاً بألف إلى سنة، لم يجز له أن يبيعه حالاً مرابحة على ذلك الثمن، فصار كالجيد مع الرديء.
فإن مرض المستقرض، وعليه ديون كثيرة في صحته تحيط بماله، فحل أجل الثمن في مرضه وقعت المقاصة. لأن المانع من المقاصة: اختلاف الوصف باعتبار الأجل، وقد زال.
فإن مات المستقرض، ولم يترك مالاً آخر، فالغرماء أسوة المشتري في ثمن العبد وفيما ترك الميت من المال؛ لأن ثمن العبد آخرهما، وهو مال الميت، فيتعلق حق الغرماء به؛ وآخر الدينين يصير قضاء عن أولهما، فيصير قاضياً حق المقرض خاصة، فبطل، ولم يسلم له. كما لو قضى دينه حقيقة، كان لهم أن يستردوا منه حصصهم، كذلك هنا.
تكذيب المُقرّ له المُقر في بعض ما أقر به
قاعدة: إن تكذيب المقر له المُقر في بعض ما أقربه، لا يمنع صحة الإقرار فيما بقي. كما لو قال: غَصْبتُ منك عبدين، فصدقه في أحدهما.
فمتى اتفق المقر مع المقر له على العين أو الدين، واختلفا في السبب، كان للمقر له: أن يأخذ ذلك من المقر. وإن اختلفا في العين والضمان: لا سبيل له عليه، وإن اتفقا على السبب؛ لأنهما إذا اختلفا في العين، لا يثبت ما أقر به المقر، لأن المقر له كذبه في ذلك. والإقرار يرتد بالرد ولا يثبت ما ادعاه المقر له لإنكار المقر.
إن مما يبطل الإقرار به بعد وجوده: تكذيب المقر له في أحد نوعي الإقرار: وهو الإقرار بحقوق العباد؛ لأن إقرار المُقرّ دليل لزوم المقر به، وتكذيب المقر له دليل عدم اللزوم، واللزوم لم يُعرف ثبوته، فلا يثبت مع الشك.
وهذه القاعدة المذكورة تقرّر أن تكذيب المقر له المقر في شطر ما أقر به، لا يمنع صحة الجزء الباقي منه.
ومن الفروع التي يمكن تفريعها على الأصل المذكور ما يلي:
إذا قال الرجل لغيره: هذه الألف التي في يدي وديعة لك عندي، فقال المقر له: ليست بوديعة، ولكن لي عليك ألف درهم قرض أو ثمن بيع، وأنكر المقر الدين والوديعة أيضاً، فأراد المقرله أن يأخذ ذلك الألف قصاصا عما له من الدين، لم يكن له ذلك؛ لأنه أقر بالعين، فإذا كذبه، فقد رَدَّ إقراره فيه، ثم ادعى عليه ديناً في ذمته. ورَدُّ الإقرار جائز. ودعواه الدين لا يصح إلا بالبينة. وهذا اختلاف في السبب والضمان جميعاً. لأن العين غير الدين، فقد اختلفا في نفس المقر به.
فإن عاد المقر له، وصدقه في الوديعة، إن كان المقر مصراً على إقراره، له أن يأخذها، ويجعل كإقرار مبتدأ، وإن لم يكن مصراً، ليس له ذلك، لأن إقراره ارتد بتكذيبه وهذا دعوى مبتدأ.
ولو قال المقر: لك على ألف درهم قرض، وقال المقر له: ليس بقرض الدين الواجب في الذمة واختلفا في السبب، وإنه لا يبطل أصل الضمان.
ألا ترى أنه لو قال: هذه الألف وديعة لك عندي، فقال: لا ولكن غصبت مني، له أن يأخذ، لأنهما اتفقا على ملك العين؛ كذلك هنا.
ولو قال: أقرضتني ألف درهم وقال المقر له: لا، بل غصبتني، فالمقر ضامن، لأنهما تصادقاً على كون المال مضموناً عليه للمقر له، وإن اختلفا في سببه، والأسباب مطلوبة لأحكامها لا لأعيانها، فبعد التصادق على الحكم لا ينظر إلى اختلاف السبب.
وهذا لأن قوله: لا، بل غصبتني، لا يكون رداً لأصل الواجب، وإنما يكون رداً للسبب، فبقي الإقرار معتبراً في وجوب المال لتصديق المقر له، وله أن يأخذ تلك الدراهم بعينها إن كانت قائمة، لأنهما تصادقا على ملك العين للمقر له، فالمقر بدعوى القرض يدعي التملك، وهو ينكر، فلا يصدق عليه إلا بحجة.
الأصل: في الكلام والنداء
قاعدة: إن الكلام الحقيقته، إلا إذا غلب استعمال مجازه وهو المتعارف، فينصرف مطلق اللفظ إليه.
والنداء لا يوجب التحقيق في المنادى، لأنه يُقصد به: الإعلام، أو التعظيم، أو التحقير دون التحقيق. ولهذا ينادى من يطوف في السوق بما يبيع الإحضاره لا لتحقيق المعنى إلا إذا أخرج النداء على وجه الصفة عرفاً أو صفة يمكن إثباتها من جهته، فيجعل وصفاً للمحل وإثباتاً لها. والصفة توجب التحقيق في الموصوف.
ومما يتفرع على هذا الأصل ما ورد في النص الآتي:
إذا قال الرجل الجاريته: يا سارقة، أو يا آبقة، أو يازانية، أو يا مجنونة؛ ثم باعها، فوجد المشتري بها هذه العيوب، فأراد أن يردّ بالعيب، فقال البائع: حدث عندك، فالقول قوله. لأنه يُنكر الردّ، فإن أقام المشتري البيئة على ما كان من قول البائع، لا يقبل ذلك، وليس له أن يردها؛ لأن المتعارف في هذا النداء: أن يراد به الشتم دون إثبات الحقيقة في المشتوم، فحمل على ما هو المتعارف.
ألا ترى أن الرجل قد يُنادى بالحكيم ولا يكون فيه من الحكمة شيء، ويُنادى بالكلب والحمار للتحقير، ويُنادى بالأب والعم للتعظيم، بخلاف قوله: ياحر أو يا طالق، لأنه يراد به إثبات الصفة لا النداء عرفاً؛ ولأنه يمكنه إثبات هذه الصفة؛ والأصل أن يسمى باسم قائم فيه، إلا عند التعذر، فيجعل إثباتاً للوصف.
الجمع بحرف الجمع ومدى صلته ببيان التغيير
قاعدة: إن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع. وإن أول الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره كلاماً صحيحاً يغير موجب أوله. ولهذ صح إلحاق الاستثناء والعدد والشرط به.
وإذا كان الثاني مفصولاً عن الأول، لا يتغير موجب أوله. لأن الأول ثم بالسكوت، فكان الثاني كلاماً مبتدأ. ولهذا لا يصح الاستثناء، والشرط مع تخلل السكوت بينهما. وهذا لأن التوقف أمر ضروري، جوز عند الوصل لحاجة الناس إلى التكلم بالشرط والاستثناء والاشتراك. فإذا اتصل المغير بأول الكلام، يبطل أول الكلام. أما إذا فصل، لم يصح الكلام الثاني، أو يصح كلاماً مبتدأ؛ فلا يتغير الأول، غير أنه إن كان في كلامه الثاني ما يوجب الحق عليه، يعتبر في حقه، وإن كان لا يعتبر في إبطال الأول.
ذكر الحصيري رحمه الله في هذا الأصل حكم الجمع بحرف الجمع، ثم فصل القول فيما يتعلق ببيان التغيير إذ البيان الذي فيه تغيير الموجب الكلام الأول: عبر عنه الأصوليون من الحنفية بهذا الاسم، ويبدو أنه تعرض لهذا الموضوع لكي يبين أن الجمع بحرف الجمع لا يصح إلا إذا توقف أول الكلام على آخره. والله أعلم.
وفيما يلي أسوق نصاً من التحرير ظهر فيه أثر هذا الأصل:
رجل مات، وترك ثلاثة أعبد، قيمة كل واحد ثلاث مئة درهم، لا مال له غيرهم، وترك ابناً واحداً لا وارث له غيره، فقال الابن: أعْتَقَ أبي في مرضه: هذا وهذا وهذا، فإنه يُعتق من كل واحد منهم ثلثه، ويسعى في ثلثى قيمته، لأنه جمع بينهم بحرف الجمع وهو الواو. ولو جمع بينهم بلفظ الجمع بأن قال: أعتق أبي: هؤلاء، عتقوا. ا من الثلث، ويسعى كل واحد في ثلثى قيمته. فكذا إذا جمعهم بحرف الجمع.
فرق بين هذه المسألة وبين: ما لو قال لامرأته قبل الدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق، أنه يقع عليها واحدة. ولو جمع بلفظ الجمع بأن قال: أنت طالق ثلاثا، يقع الثلاث.
والفرق أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع إذا صح الجمع. وصحته بتوقف أول الكلام على آخره. وتوقفه إنما يكون إذا كان آخره يُغيّر أوله
وفي مسألتنا: آخره يغير أوله، لأن أوله يوجب كل العتق للأول، لأنه يخرج من الثلث، وبآخر الكلام لا يحصل له كل العتق، فكان مغيرا، فيتوقف وفي الطلاق آخره لا يغير أوله، فلا يتوقف عليه.
حكم تأجيل القضاء لأمر موهوم
قاعدة: إن القاضي مأمور بالنظر والاحتياط. لأنه نصب لدفع الظلم وإيصال الحقوق إلى أربابها، فيحتاط لإيفائها ويتحرز عن تعطيلها، والموهوم لا يعارض المتحقق؛ فلا يؤخر الحق الثابت بيقين لحق عسى يكون وعسى لا يكون؛ لأن التأخير إبطال من وجه، فلا يجوز لحق موهوم.
ألا ترى أنه لو اشترى نصف دار، وصاحب النصف الآخر غائب، كان للجار أن يأخذ بالشفعة، ويقضي القاضي له، لأن حقه ثابت وحق الآخر موهوم عسى يطلب وعسى لا يطلب، فلا يؤخر حقه لحقه، وإن كان هو مقدماً عليه.
وكذا لو أقر بعين الغائب، ثم أقر به الحاضر، وصدقه الحاضر، يؤمر بالتسليم إليه. لأنه ظهر حقه بالتصديق، والغائب ربما يصدقه وربما يكذبه، فلا يؤخر حقه لأجله.
وكذا لو قطع رجُلٌ من المفصل الأعلى وقطع إصبع رجل آخر فإنه يبدأ بالقصاص لصاحب المفصل؛ فلو كان غائباً، وطلب صاحب الإصبع استيفاء القصاص، يقضى له، وإن كان فيه إبطال حق صاحب المفصل في القصاص، لأن حقه موهوم عسى يدعي وعسى يعفو، وحق صاحب الإصبع متحقق.
هذه قاعدة قضائية مهمة تبين أنه لا يسوغ للقاضي تأجيل الحق الثابت لحق موهوم، لأنه مأمور بإمضاء الحكم عند شهادة الشهود، الذين ظاهرهم العدالة. ولو توقف عن إمضاء الحكم بما شهد به الشهود من عقد أو فسخ عقد، لكان آثماً؛ لأنه إنما كلف الظاهر ونصب لإيفاء الحقوق وتوفيرها على المستحقين، إذ التوقف بعد الثبوت، أو التردد والتأخير لأمر موهوم بمثابة إهدار وإبطال للحقوق، وهذا ما لا يقره التشريع الحكيم؛ ثم هذه القاعدة راجعة إلى القاعدة الكبرى:
اليقين لا يزول بالشك؛ كما هو واضح من النص المذكور.
ومن الفروع التي ظهر فيها أثر هذه القاعدة ما جاء في النص التالي من التحرير:
رجل اشترى من رجل جارية بيعاً فاسداً، وقبضها المشتري، فحضر البائع يريد استردادها، فقال المشتري: وهبتها من فلان، وقبضها، ثم أوْدَعَها عندي؛ وأنكر البائع ذلك، لم يُقبل قوله، وللبائع أن يأخذها. لأن حق البائع في الاسترداد ثابت بيقين لوجود سببه: وهو البيع الفاسد، فلا يؤخر الحق موهوم
قد يثبت بتصديق الغائب وقد لا يثبت بتكذيبه؛ ولأن المشتري أقر بكونه خصماً، ثم أراد دفع الخصومة بتصرفه، فلا يقدر على ذلك لما ذكرنا.
أثر الشراء وما يجري مجراه من أسباب الملك
ضابط: إن الاستيام والشراء وما يجري مجراه من أسباب الملك: إقرار بأن لا ملك له قطعاً، وإقرار بملك الآخر ظاهراً. لأن الظاهر مباشرة التصرف بجهة الأصالة وحكم الملك، لا بجهة النيابة؛ وإقرار بصحة التصرف؛ لأن إقدام العاقل على التصرف طلب لحكمه المتعلق به، فيكون طلباً للصحة والجواز؛ والظاهر يصلح للدفع دون الاستحقاق.
والإقرار متى ثبت في ضمن البيع، يبطل ببطلان البيع، لأنه تبع له.
يتفرع على ذلك ما يلي:
عبد في يد رجل ادعاه شخص آخر، وأقام البيئة، فشهد أحدهما على إقرار ذي اليد أنه عبد المدعي، وآخر على إقراره أنه اشتراه من المدعي بألف، فقال المشهود له: قد أقر بما شهدا به، لكني لم أبعه العبد؛ تقبل شهادتهما، وقضى به للمدعي. لأنهما اتفقا على إقرار المدعى عليه أنه ملك المدعي. أما الأول، فلا يُشكل. وأما الثاني، فلأنه شهد على إقراره بالشراء منه والإقرار بالشراء منه إقرار بالملك له. لأن كل من أقدم على الشراء من غيره، كان مقراً بالملك له؛ وإن كان الإنسان قد يشتري من نائب المالك كما يشتري من المالك. لأن الأصل في إطلاق التصرف الملك دون النيابة.
وفي الزيادات: رجل اشترى طيلساناً، وتقابضا، ثم ادعى: أن الطيلسان كان لأبيه يوم اشترى مات أبوه أمس وتركه ميراثاً له، ولا وارث له غيره، وأراد أن يرجع بالثمن على بائعه، لا تسمع دعواه، ولا تقبل بينته. لأن الإقدام على الشراء إقرار بملك البائع ظاهراً والظاهر يصلح حجة للدفع؛ فإن أقام الأب البينة أن الطيلسان له، تسمع دعواه ويقضى له، لعدم التناقض منه.
ولو ادعى طيلساناً في يد رجل أنه اشتراه منه بمائة درهم، وأقام شاهدين، فشهدا: أن الذي في يديه باعه من هذا المدعي بمائة درهم، فقضى القاضي به أو لم يقض، حتى ادعى الشاهدان: أن الطيلسان كان لأبيهما يوم شهدا، ثم مات أبوهما أمس، وتركه ميراثاً لهما، لا تسمع. لأن شهادتهما بالبيع إقرار بملك البائع وإقرار أن البائع كان بسبيل من البيع، وكانا متناقضين، فإن استحقه رجل آخر، ثم وصل إلى الشاهدين بسبب من الأسباب، لم يكن للبائع ولا للمشتري سبيل عليهما. لأنهما شهدا بالبيع نصاً وما
صرحا بالملك للبائع أو المشتري. فلو ثبت ذلك، إنما يثبت في ضمن البيع، فإذا بطل البيع بقضاء القاضي للمستحق، بطل ما في ضمنه. ولما ذكرنا: أن الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق.
حكم الضمان اللاحق لمنفعة
قاعدة: إن كل من لَحِقَه الضمان، لمنفعة حصلت له، لا يرجع على غيره بذلك. ومتى لَحِقَه الضمان، لمنفعة حصلت لغيره، فله حق الرجوع عليه.
من المسائل المتعلقة بها في التحرير:
رجلان شهدا على رجل أنه قتل فلاناً خطأ، وقضى القاضي بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، وقبضها منهم، ثم جاء المشهود بقتله حياً، فالعاقلة بالخيار: إن شاءوا ضمنوا الولي، لأنه قبض ما ليس له حق القبض، وإن شاءوا ضمنوا الشهود، لأنهم أتلفوا حكماً، لأنهم أكرهوا القاضي على القضاء، والقاضي أزال المقضي به عن ملك المقضي عليه، وأنه إتلاف حكماً، فيصير القاضي آلة الشهود.
وهذا النوع من الإتلاف مضاف إلى الشهود، موجب للضمان؛ كما لو أكره رجلاً على إتلاف مال الغير، فإن ضمنوا الولي، لا يرجع على الشهود،
لأنه إنما لحقه الضمان المنصة نفسه وقد حصل له ملك المضمون، ولم يحصل من أحد جناية عليه بعد ملكه. ولان الإتلاف ببدل لا يُوجب الضمان. كما لو شهدوا بالبيع بمثل قيمته، وقضى به، ثم رجعوا؛ أو شهدوا بالنكاح بمهر المثل. ثم رجعوا؛ فهذا أولى. لأن ثَمَّةَ لم يحصل له المال بمقابلته، وهنا حصل بمثل ما ضمن.
وإن ضمنوا الشاهدين، فلهما أن يرجعا على الولي، لأنه لحقهما الضمان المنفعة حصلت للولي، بمنزلة الوكيل والمودع يرجع على الموكل والمودع بما يلحقه من الضمان. ولأنهم ملكوا المضمون بأداء الضمان، فظهر أن الولي جنى عليهم بأخذ ملكهم، فكان لهم الرجوع عليه. كما إذا ضَمَّنَ المالك الغاصب، له أن يرجع على غاصبه. ولأن العاقلة لهم تضمين الولي، فلما ضمنوا الشهود، فقد أقامهم مقام نفسه في حق الرجوع.
حكم الشهادة من غير إشهاد
قاعدة: إن من سمع ما هو حجة ملزمة بنفسه، حَلَّ له أن يَشْهَد به من غير إشهاد. ومن سمع ما ليس بحجة ملزمة بنفسه، لا يحل له أن يشهد به من غير إشهاد.
إن ما يتحمله الشاهدان نوعان: أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه وهو ما يُعرف بالسماع المباشر مثل الإقرار أو البيع؛ أو المعاينة: مثل الغصب، فالشاهد إذا سمع أو رأى، له أن يشهد به.
والثاني: ما لا يثبت حكمه بنفسه. وهو ما لا يوجب الشهادة بنفسه، وإنما بالمرافعة إلى مجلس القضاء، فإذا سمع شاهداً يشهد بشيء، لم يجز له أن يشهد بنفسه.
ومن الفروع المبنية على الأصل الذي ذكره الحصيري ما ورد في النصوص الآتية:
رجلان سمعا من رجلين يقولان: تشهد أن لفلان على فلان ألف درهم، لا يسعهما أن يشهدا على شهادتهما، ما لم يشهداهما، لأنه لم يوجد التحميل، ولا أن يشهدا بذلك الحق ابتداء، لأنهما لم يسمعا حجة ملزمة بنفسها ولو أن قاضياً أشهد قوماً على قضية، وسمع آخران، وسعهما أن يشهدا به.
وإن شهدا وبينا للقاضي، تقبل شهادتهما؛ والفرق: أن قول القاضي وقضيته حجة ملزمة بمنزلة الإقرار.
ومن عاين حجة أو سمعها، وقع العلم له بحكمها؛ حلّت له الشهادة من غير إشهاد. كما لو عاين البيع أو النكاح؛ لأنه لم يقم مقام غيره، وإنما شهد بعلم نفسه، والعلم يحصل له بالسماع ومعاينة السبب.
شهادة جار المغنم أو دافع المغرم
قاعدة: إن الشاهد إذا جر إلى نفسه مغنماً، أو دفع عن نفسه مغرماً، أو أبطل حقاً أوجبه لغيره لا يتمكن من إبطاله إلا بالشهادة، أو حول ضماناً وجب عليه الإنسان إلى غيره، لا تقبل شهادته.
أما إذا جر مغنماً أو دفع مغرماً، فلأنه يصير متهماً، ولا شهادة للمتهم بالنص؛ ولأن الشهادة خبر يحتمل الصدق والكذب، فإنما يكون حجة إذا ترجح جهة الصدق فيه، وعند تمكن التهمة لا يترجح جهة الصدق فيه، فلا يُقبل.
ولهذا لا تقبل شهادة الفاسق لتهمة الكذب، لأنه لما لم ينزجر عن ارتكاب محظور دينه مع اعتقاده حرمته يتهم بأنه لا ينزجر عن شهادة الزور.
وأما إذا أبطل حقاً أو حول ضماناً عليه، فلأنه يصير متناقضاً؛ والمتناقض لا قول له، ولا ولاية له على الغير في إبطال حقه، والتهمة أيضاً قائمة؛ لأن الثاني ربما يكون أقل مناقشة في المطالبة، فيصير شاهداً لنفسه من وجه.
أما إذا لم يكن تحوّل ما وجب عليه للمشهود عليه إلى المشهود له، لا يصير شاهداً لنفسه من وجه ولا متناقضاً، فتقبل.
هذه القاعدة تتناول موضوع الشهادة. والشهادات من معالم أمور الدين الدنيا، وقد عُقد بها مصالح الخلق في وثائقهم وإثبات حقوقهم وأملاكهم وإثبات الأنساب والدماء، وهي مبنية على غالب الظن ومعتمدة على ظاهر الشاهد فيما شهد به. وينتفي هذا الظاهر إذا كانت التهمة تحوم حول الشاهد من جلب النفع و دفع الضرر عن نفسه، أو ما سواهما من الأمور التي تطرق إليها الحصيري؛ لأن التهمة قادحة في جميع التصرفات، لاسيما في الشهادة إذ إنها من الدعائم التي حقوم عليها نظام القضاء.
ثم إن الجار بشهادته إلى نفسه مغنماً أو دافعاً بها عن نفسه مغرماً: غير مقبول الشهادة. لأنه حينئذ يقوم مقام المدعي، والمدعي لا يجوز أن يكون شاهداً فيما يدعيه.
وإليك نصين من التحرير تبدى فيهما أثر هذا الأصل:
رجلان في أيديهما مال وديعة لرجل، فادعاه آخر، فشهد المودعان أنه لمدعي، جازت شهادتهما. لأنهما عدلان شهدا ولم يجرًا إلى أنفسهما مغنماً،
ولا دفعا عن أنفسهما مغرماً، ولا أبطلا حقاً، ولا حولا ضماناً عليهما. وشهادة العدل إذا خلت عن هذه الأسباب، قبلت.
فإن قيل: إنهما دفعا عن أنفسهما مغرماً: وهو ردّ الوديعة، لأنه واجب عليهما لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.
قلنا: ليس كذلك، فإن رد الوديعة غير واجب على المودع ولا عليه مؤنة الرد. إنما ذلك إلى المالك، بل عليه التَّخْلِية لا غير، فلا تتحقق التهمة.
رجلان في أيديهما رهن لرجلين، فادعاه مدعي، فشهد له المرتهنان، جازت شهادتهما؛ لأنهما لم يَجُرًا إلى أنفسهما مغنماً، ولا دفعا مغرماً، ولا حولا ضماناً. لأن الضمان غير واجب عليهما قبل الهلاك؛ وإن كان
مضموناً، فهو مضمون بالدين لا بالقيمة. ولو ثبت الملك للمدعي، يصير مضموناً بالقيمة؛ فلم يكن فيه إبطال حق عليهما ولا تحويل ضمان عليهما، بل شهدا على أنفسهما بإبطال اليد والحبس، وإبطال التوثق بالدين.
الحكم عند التناقض
قاعدة: إن حكم الشرع إنما يثبت إذا لم يؤد إلى التناقض. أما إذا أدى فلا؛ لأن الشريعة منزهة عن المناقضة.
التناقض عبارة عن اختلاف جملتين بالنفي والإثبات اختلافاً يلزم منه لذاته كون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة ولا جرم أن الأحكام الشرعية لا يتصور فيها مثل هذا التناقض، غير أنه يقع أحياناً فى تصرفات المكلفين، وحينئذ يلزم التوفيق إذا أمكن تصحيحاً لكلام العاقل.
وظهر تطبيق هذا الأصل في المسألة التالية من التحرير:
رجلان شهدا أن فلاناً مات وهذا الرجل أخوه لأبيه وأمه ووارثه، لا يعلمان له وارثاً غيره: فيقضى بذلك. ثم شهداً لآخر أنه ابن الميت لا يعلمان له وارثاً غيره، لم تجز شهادتهما للابن لأنهما ناقضا في شهادتهما، لأنهما شهدا أولا: أن الأول أخوه ووارثه، فلما شهدا لآخر أنه ابن الميت، فقد زَعَمًا: أن الأول لم يكن وارثاً، لأنه محجوب بالابن، فقد تناقضا في شهادتهما تناقضاً لا يمكن التوفيق، فلا تقبل، ويغرمان للابن جميع ما وَرِثَ الأخ. لأنهما زعما أن ما ورث الأخ كان للابن، وقد أتلفا على الابن بشهادتهما بغير حق، فيصدقان على أنفسهما.
ولو شهدا لآخر: أنه أخ الميت لأبيه وأمه أيضاً لا يعلمان له وارثاً آخر غيره وغير الأول، قبلت شهادتهما، ويدخل الثاني مع الأول فيما قبض من الميراث، ولا ضمان عليهما أما القبول فلعدم التناقض: فإنّهما شهدا للأول: أنه وارث الميت، ويبقى وارثاً بعدما شهدا للثاني. فإذا لم تثبت المناقضة، قبلت شهادتهما أيضاً، فصار الثابت بالشهادة كالثابت مُعَايَنَةً والله أعلم.
نيابة أحد الورثة عن جميعهم
ضابط: إن أحد الورثة يقوم مقام الكل فيما يستحق للميت وعليه، باعتبار الخلافة عنه؛ ولا يقوم بعضهم مقام البعض فيما يستحق لهم وعليهم، لعدم الخلافة وعدم اتصال ملك أحدهما بملك الآخر، وعدم الولاية.
يتبين من هذا الضابط أن أحد الورثة يقوم مقام جميع الورثة في الحقوق المستحقة للميت وعليه ولذلك لو ادعى الوارث ديناً للميت، وقضى له، يكون قضاء الجميع الورثة.
وهذا عند اتفاق الوارثين على الإرث واتحاد السبب والجهة. أما إذا اختلفا، فالقضاء لأحدهما قضاء للميت وعليه، لا للوارث الآخر وعليه. على سبيل المثال: لو ادعى أحدهما أن لأبيهما على فلان ألف درهم قرض، وأقام البينة، وكذبه الآخر، وأقام البيئة أن لأبيهما عليه ألفاً من ثمن بيع، يقضى لكل واحد منهما بخمسمائة بالجهة التي ادعى، حتى لا يشارك أحدهما صاحبه فيما قَبَضَ.
ومن الفروع التي ظهر فيها أثر الضابط الذى ذكره الحصيري ما جاء في النص الآتي:
رجل مات وترك ثلاثة بنين وداراً، فغاب اثنان وبقي واحد والدار في يده، فجاء رجل وادعى الدار على الحاضر، فإن ادعى ملكاً مرسلا أو الشراء من أبيهم، وقال الحاضر: كانت الدار لأبينا، مات وتركها ميراثاً لي ولأخوي فلان وفلان، وقبض كل واحد منا نصيبه، ثم أوْدَعَني الغائبان نصيبهما، وصدقه المدعي: أنها كانت في يد أبيهم وفيما أخبر من الإيداع، وأقام البيئة على ما ادعى: تقبل بينته، ويقضى له بجميع الدار؛ لأن الابن الحاضر وكيل عن الغائبين فيما يدعي في يده من تركة الميت حكماً لأن أحد الورثة ينتصب عن الباقين وعن الميت فيما يُدعى على الميت وللميت، لأنهم كالوكلاء عن الميت.
خطأ القاضي
قاعدة: إن القاضي متى أخطأ في قضائه، لا يجب الضمان عليه؛ لأنه نائب عن الشرع، عامل لغيره، وليس في وسعه التحرز عن وقوع الخطأ قطعاً، وقد وجب عليه القضاء بالظاهر على وجه لو تركه يأثم ويصير فاسقاً، فإذا أتى بما في وسعه من التأمل وتعديل الشهود، يسقط عنه ما وراءه، فلا يؤاخذ به. ولأنه لو وجب عليه الضمان مع عجزه عن التحرز، لتقاعد الناس عن تقلد القضاء، فيتعطل تنفيذ الأحكام ومصالح العامة وإقامة حقوق الشرع. وإذا لم يجب عليه، يجب على من وقع له القضاء، لأنه عامل له. كالوكيل يرجع على الموكل فيما يلحقه من العهدة، إلا إذا وقع القضاء للعامة، فإنه يرجع في بيت المال، لأنه حقهم.
هذه قاعدة قضائية مهمة ترفع الحرج عن الحكام والقضاة. وخلاصتها: أن خطأ القاضي غير مضمون عليه؛ لأن تصرفه منوط بمصلحة الغير.
والحديث المروى عن النبي الله أنه: إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران.، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر فيه دليل أيضاً على أن الحاكم أو القاضي لا يغرم بخطئه.
وإليك نصا من التحرير يلوح فيه أثر هذا الأصل:
ثلاثة شهدوا على رجل بالقتل عمداً، وقضى القاضي، فضربه الولي ضربة، فقطع يده، ثم رجع واحد من الشهود، ثم قتله الولى، ثم وجد أحد الباقيين عبداً، ولم يرجع صاحبه، فعلى الراجع نصف دية اليد في ماله في سنتين. لأنها تلفت بشهادته وبشهادة الآخر. لأن العبد ليس بشاهد، والآخر ثابت على شهادته، فصار: كما لو شهد اثنان بحق واستوفى بشهادتهما، ثم رجع أحدهما، فكان التالف بشهادة الراجع نصف اليد، فيغرم نصف الدية في ماله. وعلى عاقلة الولي دية النفس كاملة في ثلاث سنين. لأن القاضي أخطأ في القضاء بالنفس، حيث قضى بشهادة الواحد، فكان على العاقلة.
التحكيم ومدى أثره
قاعدة: إن حكم الحكم في حق المحكمين بمنزلة قضاء القاضي في حق الناس كافة؛ فيعتبر أهلية الحكم للشهادة في حقهما؛ كما يعتبر ذلك في حق القاضي في حق الناس كافة، وبمنزلة الفتوى في حق غيرهما، حتى لو رفع حكمه إلى القاضي وهو مخالف لرأيه، أبطله وإن كان ذلك مما يختلف فيه الفقهاء ويسوغ فيه الاجتهاد
وعند ابن أبي ليلى رحمه الله: حُكْمُ الْحَكم بينهما في المجتهدات نافذ، ولا يبطله القاضي إلا أن يكون مخالفاً للنص أو الإجماع بمنزلة قضاء القاضي.
والأصل في جواز الحكم قوله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أهلها ولما روي أن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما اختصماً في شيء، فحكما زيد بن ثابت رضي الله عنه.
وجه قول ابن أبي ليلى رحمه الله: أنه فيما بينهما صار كالحاكم المولى، وحكم الحاكم في المجتهدات نافذ، لا يبطله قاضي آخر. لأن هذا الْحَكَم لو أراد أن يُبطل حكم نفسه في المجتهدات، ليس له ذلك، فكذا لا يكون لقاض آخر.
لكنا نقول: سبب هذا الحكم: اتفاق الخصمين، فيكون بمنزلة اصطلاحهما على شيء بالتراضي. ولو اصطلحاً في المجتهدات على شيء، ثم رفعا إلى القاضي، كان له رأي في تنفيذه وإبطاله؛ فهذا مثله. وهذا لأن لهما ولاية أنفسهما، ولا ولاية لهما على القاضي، وقد كان للقاضي رأي في هذه الحادثة لو ترافعا
قبل حكم الحكم بينهما، فلا يبطل رأيه بحكمه. ولأنه لا ولاية للحكم على المجتهدين في هذه الحادثة في تقديم قول البعض، إنما ولايته على نفسه وعلى الخصمين، فلا يصير المجتهد فيه بحكمه كالمتفق عليه، بخلاف القاضي المولى، فله ولاية على الناس كافة. لأن المقلده: وهو الخليفة ولاية على الناس كافة وإنما لا يبطله إذا وافق رأيه، لا لأن حكمه يلزم القاضي شيئا، ولكن لأنه لو نقضه احتاج إلى إعادة مثله، فليس في الاشتغال بالنقض فائدة؛ وإنما لا ينقض حكمه بنفسه لزوال ولايته حين نفذ الحكم بينهما.
إن إصلاح ذات البين والصلح بين الفريقين المتخاصمين من الأمور التي يستتب بها نظام المجتمع. ولذلك تجد التشريع الإسلامي يرسم طرقاً مختلفة في هذه السبيل، ومنها: مشروعية التحكيم برضا الجانبين. وهو ملزم في حق المحكمين مثل قضاء القاضي في رأي أكثر الفقهاء
وتعرض لهذه القاعدة في بعض المواطن من الشرح كما يتمثل ذلك في النص الآتي:
رجلان رضيا بحكم يحكم بينهما بقضية، فَحَكَمَ، ثم رفع ذلك إلى القاضي، فإن كان يوافق رأي القاضي، أمضاها، وإِلَّا رَدَّها؛ لأنَّ الْحَكَمَ بمنزلة القاضي في حقهما، لأنهما رضيا بحكمه، فينفذ حكمه في حقهما ولا يقدر واحد منهما على إبطاله. أما في حق القاضي، لم ينفذ لعدم الولاية عليه، فيتوقف نفاذه على إجازته. لأن بحكمه لا يبطل رأي القاضي. بخلاف القاضي إذا قضى في فصل مجتهد فيه، حيث ينفذ على الكل لأن له ولاية على الكل، فَنَفَذَ في حق الكل
الأصل في الأبضاع
قاعدة: إن الاحتياط في باب الفروج بصيانتها عن التصرف بغير: واجب. لأن الأصل في الأبضاع: الحُرمة، والشرع عظم حرمته، حتى حق أوجب القتل على مناولتها بغير حق إذا كان مُحصناً، والجلد إن لم يكن محصناً، وأوجب المال على مناولتها بحقيقة الحل.
هذه القاعدة معبرة عن احتياط الشرع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة وهذا: لأن النكاح عقد عظيم، خطره كبير، ومقاصده شريفة ومن المعلوم أن الشيء إذا عظم قدره، شدد فيه.
وفيما يلي أسوق نصاً من التحرير ظهر فيه أثر هذه القاعدة:
رجلان شهدا على رجل: أنه طلق امرأته ثلاثاً، وقد دخل بها، وهي تدعي شهادتهم أو تكذبهم أو تقول: لا أدري، والزوج يَجْحَدُ، تقبل شهادتهم من غير دعوى، وينبغي للقاضي أن يمنع الزوج من