الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله حق حمده، والصلاة على رسوله محمد أفضل عبده، وعلى آله وأصحابه من بعده.
قال القاضي الإمام الأجل الأستاذ بهاء الدين، جمال الإسلام والمسلمين، حسام الملّة والدين، زين الأئمة، مفتي الأمة، محمد بن أحمد بن يوسف المنسوب إلى إسبيجاب وجمه الله.
كتاب الطهارة
قال الشيخ الامام الجليل ابو الحسن القدوري البغدادي رحمه الله:
قال الله تعالى: "يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إلى الصلوة فاغسلوا وُجُوهَكُم وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق"، فَفَرْضُ الطَّهارة: غَسْلُ الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس؛ لأن محكم الكتاب تناول هذه الأعضاء بالأمر فاقتضى الفرضية.
وحد الوجه من قصاص الشعر إلى حد الذقن وإلى شحمتي الأذن؛ لأن الوجه في اللغة ما يواجه الناظر في العادة.
فإن كان قبل نبات اللحية يفترض غسل كل الوجه، وإذا نبتت لحيته سقط غسل ما تحتها عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: إن كثفت فكذا، وإن خفت يجب.
والشعرالذي استرسل من الذقن لا يجب غسله عندنا، خلافا الشافعي رحمه الله؛ لأنه ليس بوجه ولا قائم مقام الوجه.
وإيصال الماء إلى داخل العين ليس بفرض؛ لأنه شحم لا يقبل الماء، وفيه حرج
أيضا.
والفرجة التي بين العذار والأذن يجب غسلها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافا لأبي يوسف رحمه الله؛ لأنها من جملة حد الوجه، ولا شعر عليها.
والمرافق والكعبان يفترض غسلها عندنا، خلافا لزفر رحمه الله؛ لأنها جعلت حد الإسقاط بعد تناول اسم اليد والرجل إياهما، فلا تدخل تحت السقوط.
الجزء 1 · صفحة 8
والمفروض في مسح الرأس عندنا مقدر بالناصية في هذه الرواية؛ لما روي: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على ناصيته وخفيه".
وفي ظاهر الرواية: أنه مقدر بثلاث أصابع اليد مطلقا؛ لأن الله تعالى أمر بمسح الرأس، والمسح يكون بالآلة، وآلة المسح أصابع اليد عادة، ويكون المسح في الغالب بأكثرها وهو الثلاث؛ فيصير تقدير الآية: وامسحوا بثلاث أصابع أيديكم برؤوسكم.
وسنن الطهارة:
غسل اليدين للمستيقظ من منامه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده"، أشار إلى المعنى وهو: الاحتراز عن توهم النجاسة.
وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء سنة؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ بذكر اسم الله تعالى فهو أبتر".
والسَّواك سنة حالة المضمضة؛ تكميلا للإنقاء قالصلى الله عليه وسلم: "مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ومسخطة للشيطان"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء".
والسواك أفضل، فإن لم يجد فيعالج فمه بالإصبع.
والمضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلهما.
وليسا بفرضين فيه؛ لأن اسم الوجه لا يتناوله.
ومسح الأذنين سنة؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: " الأذنان من الرأس"، أراد به بيان الحكم دون الخِلقة.
وتخليل اللحية سنة، وفي رواية: أدب ومستحب.
وتخليل والأصابع سنة؛ مبالغة في إيصال الماء إليها؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: «خلّلوا أصابعكم قبل أن تتخلّلها نار جهنم».
وتكرار الغسل إلى ثلاثا في المغسولات سنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توضأ مرة مرة، فقال: "هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين فقال: هذا وضوء يضاعف الله
الجزء 1 · صفحة 9
تعالى الأجر مرتين ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، قال: هذا وضوئي و ضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم".
معناه: إذا زاد على الثلاث أو نقص، ولم يرَ الثلاث سنة كافية.
ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة عندنا؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات".
وفي رواية: "لا عمل إلا بالنية"، والمراد به نفي الكمال الفضيلة.
وعند الشافعي رحمه الله: النية شرط لصحة الطهارة حتى لا تجوز الصلاة بدونها.
وهي بناء على أن الطهارة ليست بعبادة عندنا خلافا له.
ويستوعب رأسه بالمسح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله وهو فرض عند البعض.
ويُرتب الوضوء؛ فيبدأ بما بدأ الله تعالى؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ابدأوا بما بدأ الله تعالى ".
ويبدأ بالميامن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التّيامن ويبغض التياسر في كل شيء، حتى التنعّل والترجّل.
وعند الشافعي رحمه الله: الترتيب فرض؛ بظاهر نظم آية الوضوء.
إلاّ أنّا نقول: إنّه معطوف بعضها على البعض بحرف الواو، وإنّه للجمع المطلق دون الترتيب بإجماع أهل اللّغة.
المعاني الناقضة للوضوء:
كلُّ ما خرج من السبيلين ينقض الوضوء؛ لقوله تعالى: "أو جاء أحد منكم من الغائط"، وإنه كناية عن خروج شيء من السبيلين.
والدم والقيح إذا خرجا من بدن الآدمي الحي فتجاوزا إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
والقيء إذا ملءُ الفم ينقض عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: الخارج من غير السبيلين لا ينقص الوضوء.
والصحيح قولنا؛ لقوله: " إنما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل".
الجزء 1 · صفحة 10
وخروج الطاهر ليس بناقض للوضوء بالإجماع؛ فتعيّن خروج الجنس.
غير أن الخروج من السبيلين يعرف بالظهور على رأس المخرج؛ لأنه ليس بموضع الخارج، فكان الظهور عليه بالانتقال من الباطن إليه، فأمّا البدن فمحل الدّماء والرّطوبات إلّا أنّها لم تظهر لقيام الجلدة، فإذا انشقّت الجلدة ظهرت في محله، فما لم تسل عن رأس الجرح لا يصير خارجا.
وأمّا مقدار ملأ الفم، فقد روي عن الحسن رحمه الله أنه قال: إن عجز عن إمساكه بكونه ملأ الفم وإلا فلا.
ومن النواقص للطهارة: والنوم مضطجعًا، أو متكئًا، أو مستندًا إلى شيء لو أزيل لسقط؛ لأنه سبب لخروج الريح غالبا، فيقام مقامه.
أمّا إذا نام قاعدًا مستقرًا على الأرض غير مستند إلى شيء لا ينقض؛ لأنه ليس بسبب لخروج الريح غالبًا.
وإن نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا وهو خارج الصلاة، فالأصح أنه ليس بحدث كما في حالة الصلاة.
ومن نام قاعدًا مستقرًا على الأرض فسقط إن انتبه قبل السقوط، أو في حالة السقوط، أو كلّما سقط انتبه من ساعته لا يكون ناقضًا، وإن استقر نائمًا بعد الوقوع وإن قلّ ينقض الوضوء؛ لأنه وجد النوم مضطجعًا، هذا هو الصحيح.
ومن النواقص:
الغلبة على العقل بالإغماء والجنون، والسّكر الذي يستر العقل؛ لأنها فوق النوم مضطجعًا.
وكذا المباشرة الفاحشة، وهي أن يباشر الرجل امرأته بشهوة وانتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم يرَ بللا ناقض عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد رحمهم الله؛ لأن المباشرة على هذا الوجه سبب لخروج المذي غالبًا.
فأمّا مجرد مس المرأة بشهوة أو بغير شهوة، ومسّ ذكره، أو ذكر غيره، فليس بحدث عندنا، خلافًا لمالك، والشافعي رحمهما الله؛ لأنه ليس بسبب للخروج غالبًا.
الجزء 1 · صفحة 11
والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود ناقضة عندنا، خلافًا للشافعي رحمه الله لحديث الأعرابي الذي في عينه سوءٌ فتردّى في بئر عليها خصفة فضحك بعض القوم فقال - صلى الله عليه وسلم -: " ألا من ضحك منكم قرقرة ويروى: قهقهة فليُعد الوضوء والصلاة".
والحديث ورد في حال صلاة مطلقة مستتمّة الأركان، فبقي حال خارج الصلاة وما ليس بصلاة مطلقة على أصل القياس، والقياس: أنّه لا ينقض، والحديث مقدّم على القياس.
وفرضُ الغُسل: المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن مرة؛ لقوله تعالي: "وإن كنتم جنبًا فاطّهّروا"، وقد أمكن الاطّهار بالمضمضة والاستنشاق؛ ولهذا يفترض إيصال الماء إلى أصول الشعر، وإلى أثناءه أيضاً، وإلا إذا كان شعر النساء ضفيرًا، فلا يجب إيصال الماء إلى أثناءه؛ لأن في نقضه حرجًا.
وإنما يجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية كما يجب إلى الأصول؛ لأنه لا حرج فيه.
وسُنَّةُ الغُسلِ: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه، ويزيل النَّجاسة إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصَّلاة إلا رجليه، ثمّ يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً، هكذا حكت ميمونة غُسْل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتنحى عن ذلك المكان، فيغسل رجليه؛ لكونهما في مستنقع الماء المستعمل، إلا إذا كان لا تجتمع الغُسالة تحت القدمين، فحينئذ لا يؤخّر غسلهما كما في حالة الوضوء.
ثم المعاني الموجبة الغسل:
إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، من الرجل والمرأة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الماء من الماء"، أي: الاغتسال من الإنزال.
والتقاء الختانين من غير إنزال؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة، وجب الغسل أنزل أم لم ينزل".
والحيض؛ لقوله تعالى: "حتى يطّهرن"بتشديد الطاء.
والنفاس؛ لأنه أقوى من الحيض.
هذا كلّه إذا كان من أهل وجوب الصلاة عليه، أمّا إذا لم يكن كالمجنون والكافر ونحوهما لا غسل عليهم؛ لأن الغسل إنما يجب لأجل الصلاة ولا صلاة عليهم.
الجزء 1 · صفحة 12
ولو أنّ المني إذا خرج لا عن شهوة وانفصل لا عن شهوة نحو أن يضرب على ظهر الرجل، أو حمل حملا ثقيلا ونحو ذلك فلا غسل فيه عندنا خلافا الشافعي رحمه الله.
أمّا إذا انفصل عن شهوة، وخرج لا عن شهوة فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: يجب الغسل، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: لا يجب وثمرة الخلاف تظهر في ثلاث مسائل:
إحداها: إذا احتلم فانتبه، قبض على عورته حتى سكنت شهوته. ثم خرج المني بعد ذلك بلا شهوة.
والثانية: إذا اغتسل من الجنابة قبل النوم أو البول ثم خرج منه بقية المني.
والثالثة: إذا وجد على فراشه منيًّا ولا يتذكر الاحتلام، ذكرها ابن رستم في نوادره.
فأبو يوسف رحمه الله أخذ بالقياس، وهما أخذا بالاستحسان احتياطًا لأمر العبادة.
ثم المني هو: الماء الأبيض الغليظ الذي ينكسر منه الذكر، وتنقطع منه الشهوة.
والمذي هو: الماء الأبيض الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة.
والودي هو: الماء الأبيض الذي يخرج بعد البول.
و الغسل للجمعة والعيدين والإحرام سنة كذا غسل يوم عرفة.
والحاصل: أن الغسل المشروع أحد عشر نوعاً:
خمسة منها فرض: من التقاء الختانين، ومن إنزال الماء عن شهوة، ومن الاحتلام، ومن الحيض، ومن النفاس.
وأربعة منها سنة وهي ما ذكرنا.
و أحد واجب: وهو غسل الميت.
و أحد مستحب وهو غسل الكافر إذا أسلم، وهذا إذا لم يكن جنبًا، فإن كان جنبًا ولم يغتسل حتى أسلم، فقد قال بعض المشايخ: لا يلزمه الغسل.
والأصح أنه يلزمه؛ لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في حق وجوب الوضوء به.
الجزء 1 · صفحة 13
وليس في المذي والودي غسل، وفيهما الوضوء؛ لحديث مقداد بن أسود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الوضوء في المذي.
والودي ما يخرج عقيب البول، فيكون حكمه كحكم البول.
فصل في المياه:
والطَّهارة من الأحداث جائزة بماء السَّماء، والأودية، والعيون، والآبار، وماء البحار قال الله تعالى: "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا"، وقال صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته".
ولا تجوز بما اعتصر من الشَّجرِ والثّمر؛ لأنه ليس بماء مطلق، والطهارة عن الحدث حكم ثبت بخلاف القياس؛ لكون الأعضاء طاهرة حقيقة وشرعاً، ولا يتصور تطهير الطاهر فاقتصر على مورد النص.
ولا يجوز بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء كالخل، وماء الورد، وماء الباقلاء، والأشربة، والمرق؛ لأنه يسمى ماء مطلقاً.
وتجوز الطهارة بما خالطه شيءٌ طاهر فغيَّره، يريد به إذا خالطه ما يزيد به التطهير كالصابون والأشنان، إلا إذا صار الماء غليظا بحيث لا يمكن تسييله على العضو، فإنه لا تجوز به الطهارة؛ لزوال اسم الماء عنه ومعناه أيضاً.
وهذا في غير حالة الضرورة، أما عند الضرورة يجوز التوضؤ به.
وإن تغير لونه أو طعمه أو رائحته بامتزاج غيره، بأن وقعت أوراق الأشجار في الحياض حتى تغير لونه يجوز التوضؤ به؛ لأنه لا يمكن صون الحياض عنها، وكذا الماء المكدر؛ لأن الماء غالب على التراب، إلا إذا صار الماء غليظا.
هذا إذا كان الخلط على وجه لا يزول عنه اسم الماء ومعناه، فأما إذا صار مغلوبا به فهو ملحق بالماء المقيّد، غير أنه تعتبر الغلبة أولا من حيث اللون، ثم من حيث الطعم، ثم من حيث الأجزاء، فيقول: ينظر إن كان شيئاً يخالف لونه لون الماء، كاللبن، والعصير، والخل، وماء الزعفران ونحوها، فإن العبرة فيه للون، إن كانت الغلبة للون الماء يجوز التوضؤ به، وإن كان مغلوبا لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 14
وإن كان يوافق لونه لون الماء نحو ماء البطيخ، وماء الأشجار والثمار؛ فالعبرة للطعم إن كان شيئاً له طعم يظهر أثره في الماء، فإن كان الغالب طعم ذلك الشيء لا يجوز التوضؤ به، وذلك نحو نقيع الزبيب وسائر الأنبذة.
وكل ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز التوضؤ به قليلا كان أو كثيرا؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم"، والأمر بالحفظ عن البول دلّ على تغيره به.
والماء الجاري إذا وقعت فيه النَّجاسة جاز الوضوء منه إذا لم يُرَ لها أثر؛ لأنَّها مع جريانه لا تستقر في موضع.
والجاري ما يعدّه الناس جارياً، وهو الصحيح.
وهذا إذا كانت النجاسة غير مرئية كالبول، أما إذا كانت مرئية كالجيفة ونحوها فإنه لا يتوضأ به من الجانب الأسفل الذي وقعت فيه الجيفة؛ لأنه متيقن بوصول النجاسة إلى الموضع الذي يتوضأ منه.
هذا إذا كان ماء النهر بحال يجري بالجيفة، فإن كان لا يجري بالجيفة إن كان بحال يجري جميع الماء عليها أو أكثره أو نصفه لا يتوضأ به؛ لأنه تنجس جميع الماء بها والماء النجس لا يطهر بالجريان وإن كان يجري عليها أقل الماء فهو طاهر؛ لما أن العبرة للغالب.
والغدير العظيم الذي لا يتحرَّك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت فيه نجاسةٌ في أحد جانبيه جازَ الوُضوء من الجانب الآخرِ؛ لأنَّ الظَّاهر أَنَّ النَّجاسة لا تصل إليه.
هذا الذي ذكرنا اختيار العراقيين من مشايخنا: أن حكم المرئية وغير المرئية سواء في ذلك: أنه لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة.
ومشايخنا فصّلوا بين الأمرين كما قالوا في الماء الجاري، وهو الأصح.
وموتُ ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه كالبق، والبراغيث، والذُّباب، والعقرب، والزنبور وهذا عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: ينجّس.
لنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه ثم انقلوه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء"، ومعلوم أن الذباب بالمقل في الطعام الحار يموت
الجزء 1 · صفحة 15
لا محالة؛ ولو كان موته مفسدا للطعام لما أُمر به؛ لأنه حينئذ يكون إضاعة للمال وذلك منهي عنه شرعا وقد منع من الإضاعة.
وموتُ ما يعيش في الماء فيه لا يُفسده كالسمك، والضّفدع، والسَّرطان؛ لأن هذا الأشياء لا دم لها؛ لما أن الحرارة خاصية الدم ولو كانت فيها حرارة لانطفت بدوام السكون في الماء.
وأما إذا مات في غير الماء، ذكر الكرخي عن أصحابنا: أنه لا يفسد، واختلف المتأخرون فيه.
والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث، وعليه الجمهور، وإنما الخلاف في طهارته ونجاسته، والفتوى على قول محمد رحمه الله: أنه طاهر غير طهور.
والمستعمل: كلُّ ما أُزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القُربة.
وكلُّ إهاب دبغ فقد طهر، وجازت الصَّلاةُ فيه والوضوء منه؛ لقوله صلو الله عليه وسلم: " أيما إهاب دبغ فقد طهر" ..
والدباغة على ضربين: حقيقة وحكمية.
فالحقيقة هي: أن يدبغ بشيء له قيمة كالعفص ونحوه.
والحكمية: ما إذا دبغ بشيء لا قيمة له كالتراب، والإلقاء في الريح، والشمس.
وحكم الدباغ الحقيقي ما ذكرنا، أما الدباغة الحكمية إذا وجدت، ثم أصابه الماء هل يعود نجسا؟ ففيه روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله: وفي رواية: يعود، وفي رواية: لا يعود. والأصح: أنه يعود.
ثم قال: إلّا جلد الخنزير؛ لأنه نجس العين.
وكذا جلد الآدمي؛ لكونه محرم الانتفاع كرامة له.
وشعر الميتة، وريشها، وعظمها، وعصبها، وصوفها، وقرنها طاهر عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله؛ لأنها ليست بميتة لعدم الحياة فيها وعدم الحياة فيها لعدم الحس والحركة فيها، وإنما فيها النمو كما في النبات والنامي لا يسمى حيّا فلا يكون ميتة.
الجزء 1 · صفحة 16
وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ نُزِحَت، وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها؛ وذلك لإجماع الصحابة رضي الله عنهم.
وإذا ماتت في البئر فَأَرةٌ، أو صعوة، أو سُودانية، أو عصفورة أو سامٌ أَبرص نُزحَ ما فيها من عشرين دلواً إلى ثلاثين بِحَسَبِ كِبَرَ الدَّلو وصِغَرِها.
وإن ماتت فيه حمامة أو دجاجة أو سنور نُزح منها ما بين أربعين دلوا إلى ستين؛ لحديث أبي سعيد الخدري هكذا؛ ولأن هذه المراتب ثبتت بإجماع الصحابة توقيفا؛ لأنها لا تعرف رأياً واجتهاداً.
وإن كان آدميا نزح ماء البئر كله؛ لما روي أن زنجيا مات في بئر زمزم، فأمر عبد الله بن عباس بنزحه ونزح ماء البئر كله.
وكذلك الكلب و الشاة؛ لأن جثتهما مثل جثة الآدمي.
وإن كانت قد انتفخت أو انفسخت نزح جميع الماء صغر الحيوان أو كبر؛ لأن أجزاء الميتة شاعت في الماء.
وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل في الآبار؛ لأن الوسط أقرب إلى العدل، وقد قال صلو الله عليه وسلم: "خير الأمور أوسطها".
فإن نزح منها بدلو عظيم قَدْرَ ما يَسعُ من الدلاء الوسط المستعملة للآبار أعتد به؛ لحصول المقصود به، وهو نزح قدر الواجب.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا يجوز، وهو قول زفر رحمه الله؛ لأن بتواتر الدلاء يصير الماء في معنى الماء الجاري، وإن كان معينا منبعا لا ينزف ووجب نزح ما فيها أخرجوا منها مقدار ما كان فيها.
وعن محمد رحمه الله: أنه يُنزح منها مئتا دلو إلى ثلاثمائة دلو.
وإن وجدوا في البئر فأرة ميتة لا يدرون متى وقعت، ولم تنتفخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضأوا منها، وغَسَلُوا كُلَّ شيءٍ أصابه ماؤُها.
وإن كانت قد انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 17
وقالا: ليس عليهم إعادة شيء حتّى يتحققوا متى وقعت فيه؛ لأن الشك في فساد الماء فيما مضى ثابت بيقين، والوقوع من الحوادث، فيحال به إلى أقرب الأوقات وجوداً.
وله أن الوقوع سبب للموت ظاهراً، فيضاف إلى السبب الظاهر، غير أنه مقدر باليوم والليلة احتياطا فيما لم ينفسخ، وبالثلاث فيما إذا انفسخ؛ لأن الثلاث لإبلاء العذر.
ولو وجد في ثوبه نجاسة، وقد صلّى فيه ولا يدري متى أصابه فقد روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفةرحمهما الله: أنه يحكم بنجاسته للحال؛ لأن الثوب طاهر معاين.
وسُؤْرُ الآدمي وما يُؤكل لحمه طاهر؛ لأن لعاب الآدمي وما يوكل لحمه طاهر، ألا في حال شرب الخمر؛ لنجاسة فمه.
وكذا الإبل الجلالة، والبقر الجلالة، الدَّجاجة المخلاة؛ فإن سؤرهن مكروه لاحتمال نجاسة فمها، حتى لو كانت محبوسة لا يكره.
وسؤر الفرس طاهر في ظاهر الرواية، أما عندهما فلكونه مأكول اللحم، وأما عنده فلأنه لا يوكل لحمه بكرامته؛ فلا يدل ذلك على كراهة سؤره ومعنى التحريم.
وسور الخنزير سباع الوحوش نجس؛ لأن لعابها نجس.
وسؤر سباع الطير مكروه؛ لأنها لا تتحامى الجيف، وكذا سور سواكن البيوت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " خمّروا آنيتكم".
وسور الهرة مكروه عند أبي حنيفة رحمه الله خلافاً لأبي يوسف رحمه الله لقوله صلى الله عليه وسلم: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، ومن ولوغ الهرة مرة "، فهذا دليل على الكراهة.
وسؤر البغل والحمار مشكوك فيه؛ لاشتباه الأدلة في معنى التحريم.
فإن لم يجد غيره توضأ به وتيم؛ حتى يخرج من عهدة الواجب بيقين، وأيهما قدّم أو أخّر جاز.
وعند زفررحمه الله: لابد من تقديم الوضوء؛ ليصير عادما للماء وقت التيمم.
ولنا: أن المطهر إما الماء أو التراب، والتقديم في هذا والتأخير سواء. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 18
باب التيمم:
ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر تيمم؛ لقوله تعالى: "فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيبا"، وهذا كله إذا كان بينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر وهذا إذا ثبت عدم الماء عنه إما بطريق اليقين وإما بطريق الغالب ظنه.
وأما إذا غلب على ظنه أن الماء قريب منه أو أخبره عدلٌ بقرب الماء لا يباح له التيمم؛ لأنه ليس بعادم للماء حقيقة ولكن يجب عليه الطلب.
وكذا ان كان قريبا من العمران يجب عليه الطلب، حتى لو تيمم وصلّى قبل الطلب ثم ظهر الماء لا تجزئه صلاته؛ لكونه واجداً للماء، وهذا الذي ذكرنا هو عدم الماء حقيقة.
وقد يكون عدم الماء من حيث الحكم والمعنى، وهو: أن يعجز عن استعماله مع وجوده لموانع منعته بأن كان مريضاً يخافُ إن استعمل الماء أن يشتد مرضه أو خاف إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه أو لم يجد آلة الاستقاء وكان على رأس البئر، أو كان معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش، أو كان مع رفيقه ماء لا يعطيه منه أو يبيعه ولكن يغاليه أو نحو ذلك، فإنه يجوز تيممه؛ لأن الله تعالى نفى الحرج في الدين.
التيمم ضربتان، يسمح بإحداهما وجهه، و بالأخرى يديه إلى المرافق؛ لما روى جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة الذراعين إلى المرفقين".
وكيفيته: أن يضرب بيديه ضربة واحدة فيرفعهما على الأرض وينفضهما حتى يتناثر التراب، فيمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى، فينفضهما، ويمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق ثم يمسح بباطن كفه اليسرى باطن ذراعه اليمنى إلى الرسغ، ويمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى ثم يفعل بيده اليسرى كذلك، وهذا القول أحوط.
والاستيعاب في التيمم شرط ذكر في ظاهر الرواية ما يدل عليه، وعلى هذا ينبغي أن يخلل بين أصابعه في التيمم، هكذا روي عن محمد رحمه الله.
و التيمم في الجنابة و الحدث سواء؛ لقوله تعالى: " أولامستم النساء"، والمراد به الوقاع، حمل عليه ليكون في التيمم بيانا شافيا للطهارتين جميعاً كما في الطهارة بالماء، ولأنهما استويا في الحاجة إليه.
الجزء 1 · صفحة 19
و يجوز التيمم عند أبي حنيفة و محمد رحمهما الله بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب، و الرمل، و الحجر، و الجص، و النورة، و الكحل، و الزرنيخ، والمغرة؛ لأن الصعيد وجه الأرض.
والطيب هو الطاهر، عليه إجماع أهل اللغة، وهو اللائق بالطهارة.
و قال أبو يوسف رحمه الله: لا يجوز إلا بالتراب و الرمل؛ لحديث خاص ورد في الرمل.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز إلا بالتراب المنبت؛ لأن الطيب عبارة عنه.
ثم الفاصل بين جنس الأرض وغيرها أن كل ما يحترق بالنار ويصير رمادا، أو ما ينطبع ويلين كالحديد والذهب ونحوهما فإنه ليس من جنس الأرض، وما عداها فهو من جنس الأرض.
ثم اختلف أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيما بينهما، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الل: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، التزق بيده شيء أو لم يلتزق.
وعند محمد رحمه الله: لا يجوز إلا أن يلتزق بيده شيء من أجزاء الأرض، حتى لو تيمم بأرض نديّة جاز عند أبي حنيفة رحمه الله التزق بيده شيء أو لم يلتزق وعند محمد رحمه الله إن التزق بيده جاز وإلا فلا، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا يجوز كيف ما كان؛ لأن التراب مخلوط بما لا يجوز له التيمم وهو الماء.
والنية فرض في التيمم؛ لأن التيمم ليس بطهارة حقيقة فلا يجعل طهورا إلا بالنية، بخلاف الوضوء؛ فإنه مطهر حقيقة.
فإن تيمم ينوي إباحة الصلاة، أو ينوي مطلق الطهارة يباح له كل فعل لا صحة له إلا بالطهارة، ولو تيمم لمس المصحف أو لدخول المسجد لا يباح له أداء الصلاة ولا ما هو من أجزائها؛ لأن ذلك ليس بعبادة مقصودة بنفسها، ولا ما هو من جنس الصلاة، ولا من أجزائها، ولا من ضروراتها، حتى تكون نية ذلك نية لها؛ فجعل التيمم طهورا في حقهما لا غير.
و ينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء؛ لأنه خلف عن الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 20
وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج لم يجد الماء"، جعله طهورا إلى غاية وجود الماء.
ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر؛ لقوله تعالى: "فتيمموا صعيدا طيبا" ولهذا إذا تيمم بأرض أصابتها نجاسة فجفت وذهب أثرها فإنه لا يجوز في ظاهر الرواية؛ لأنه لا يخلو عن أجزاء النجاسة.
وفي رواية ابن الكاس النخعي عن أصحابنا: يجوز؛ لاستحالته أرضا.
و يستحب لمن يجد الماء و هو يرجو أن يجده أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت؛ لأنه يرجو أداء الصلاة بأكمل الطهارتين.
فإن وجد الماء وإلا تيمم و يصلي بتيمّمه ما شاء من الفرائض و النوافل؛ لأن التيمم بدل مطلق وليس بضروري لما روينا من الحديث.
وعند الشافعي رحمه الله: بدل ضروري، وعنى به أنه يباح له الصلاة بالتيمم مع قيام الحدث لضرورة صحة أداء الصلاة، بمنزلة طهارة المستحاضة.
ويبنى على هذا ان عادم الماء اذا تيمم قبل دخول الوقت يجوز عندنا لأنه خلف مطلق حال عدم الماء، وعنده لا يجوز لأنه خلف ضروري ولا ضرورة قبل الوقت كما قال في طهارة المستحاضة.
و يجوز التيمم الصحيح في المصر إذا حضرته جنازة والولي غيره ولو اشتغل بالوضوء يخاف فوت الصلاة؛ لأنه غير واجد للماء في حق الصلاة على هذه الجنازة.
وكذا الذي يخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته صلاة العيد.
وفي الجمعة لا يجوز التيمم؛ لأنها تفوت إلى خلف وهو الظهر.
وكذا الذي يخشى فوات الوقت يتوضأ ولا يتيمم، ويقضي الفائتة؛ لأنها تفوت إلى خلف وهو القضاء.
و المسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم و صلى ثم تذكر الماء لم يعد صلاته عند أبي حنيفة و محمد رضي الله عنهما خلافاً لأبي يوسف رحمه الله؛ لأن كونه قادر ينبني على كونه عالما ولم يوجد.
و ليس على من يريد التيمم طلب الماء إذا لم يغلب في ظنه أن بقربه ماء.
الجزء 1 · صفحة 21
وعند الشافعي رحمه الله: يجب عليه الطلب مقدار الصلاة.
والصحيح ما قلنا؛ لأن الله تعالى أباح التيمم عند عدم الماء غير مقيد بهذا الشرط، ولأنه سبب لضياع مال المسافر ونفسه عسى.
فإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه؛ لأن الظاهر في الماء عدم الضنّة به فإن منعه منه تيمم؛ لأنه ممن لم يجد الماء.
باب المسحُ على الخفين:
المسح على الخفين جائز بالسنة التي قربت من التواتر وبإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على ذلك قولاً وفعلاً وإجماع الصحابة رضي الله عنهم حجة قاطعة.
وهو قائم مقام غسل القدمين في حق المسافر والمقيم جميعاً.
ويجوز من كل حدث موجب للوضوء إذا لبسهما على طهارة كاملة ثم أحدث، المراد به على طهارة كاملة عند الحدث بعد اللبس ولا يشترط أن يكون على طهارة كاملة عند اللبس حتى إذا غسل الرجلين ولبس الخفين، ثم أكمل الطهارة بعد ذلك قبل الحدث، ثم أحدث جاز له المسح عندنا.
وعن الشافعي رحمه الله: لبس الخفين على طهارة كاملة شرط جواز المسح.
ولا يجوز المسح عن الجنابة؛ لأن الجواز في الأصل باعتبار الحرج، ولا حرج في الحدث الكبرى؛ لما أن ذلك يندر وجوده في السفر، وإنما شروطنا الطهارة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - المغيرة بن شعبة: "إذا أدخلت القدمين في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما".
وينبغي أن يكون لابسا خفا يستر الكعبين فصاعداً؛ لأن ما يستر الكعبين ينطلق عليه اسم الخفين، فكذا ما يسترهما مما سوى الخف فهو في معناه نحو المِكعب الكبير والجرموق والميثم.
فإن كان مقيما يمسح يوما و ليلة و إن كان مسافرا يمسح ثلاثة أيام و لياليها هكذا روي في الحديث.
وابتداؤها عقيب الحدث؛ لأن قبل الحدث لا يحتاج إلى المسح؛ فكان أول وقته أول وقت الحاجة إلى المسح.
الجزء 1 · صفحة 22
و المسح على الخفين على ظاهرهما خطوطا بالأصابع؛ لقول علي: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ولكني رأيت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يسمح على ظاهر الخفين.
ويبتدئ من قبل الأصابع إلى الساق؛ اعتبارا بالغسل.
وفرض ذلك ثلاثة أصابع من أصابع اليد؛ لأنها أكثر آلة المسح؛ وللأكثر حكم الكل.
ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير يبين منه مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرجل؛ لأنه يجب غسله لظهوره، والجمع بين الأصل والخلف ممتنع، وإن كان أقل من ثلاثة أصابع جاز عندنا، خلافاً للشافعيرحمه الله؛ لأن التحرز عن قليل الخرق في الخفاف متعذر خصوصاً في الأسفار.
فإن تفرق الخرق في مواضع ينظر إن كان في خف واحد يجمع ولا يجمع في خفين؛ لأن كل عضو منفرد بحكمه.
وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء،؛ لأنه بعض الوضوء، كغسل القدمين.
وينقضه أيضًا نزع الخف؛ لأن الخف مانع سراية الحدث إلى الرجلين وقد زال المانع.
ومضي المدة أيضاً، فإذا تمت المدة نزع خفيه وغسل رجليه، وصلّى؛ لوجود سراية الحدث إلى الرجلين عند تمام المدة وليس عليه إعادة بقية الوضوء؛ لعدم الناقص فيها.
ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها؛ لأنه مسافر والمسافر يمسح ثلاثا لما روينا من الحديث.
وإن مسح وهو مسافر ثم أقام، فإن كان مسح يوما وليلة نزع خفيه، وإلا تيمم يوما وليلة؛ لأن مسح المقيم لا يزيد على يوم و ليلة.
ومن لبس الجرموق فوق الخفين مسح عليه؛ لأنه بمنزلة طاق من طاقات الخف.
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يكونا مجلّدين أو منعّلين.
الجزء 1 · صفحة 23
وقالا: يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه مسح على جوربيه".
وله أن مواظبة المشي فيهما سفرا غير ممكن؛ فكان بمنزلة الجورب الرقيق.
والثخين من الجوارب أن يستمسك على الساق من غير أن يشده بشيء.
والصحيح من المذهب جواز المسح على الخفاف المتخذة من اللبود التركية.
وأما المسح على صاروخ فقد استحسن بعض مشايخنا تجويز المسح عليه إذا كانت اللفافة ذا طاقين، وهو بحال لا يسع فيه ثلاثة أصابع اليد إلا بالتكلف؛ لأنه حينئذ يكون بمنزلة جورب منعّل، وفيه دفع الحرج خصوصا في بلاد الترك.
ولا يجوز المسح على العمامة، والقلنسوة، والبرقع، والقفازين، وهذا عند عامة العلماء؛ لأن غسل هذه الأعضاء ومسح الرأس فرض لظاهر الكتاب فلا تترك إلا بدليل مثله، ولم يوجد، بخلاف المسح على الخفين.
ويجوز المسح على الجبائر وإن شدّها على غير وضوء؛ لما روي عن علي أنه قال: كُسرت زنداي يوم أُحد فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمسح على الجبائر.
وهذا إذا كان يضره الغسل، أو كان في نزع الجبائر خوف زيادة العلة، وزيادة الضرر، فإن لم يكن شيء من ذلك لا يمسح، بل يغسل.
هذا إذا مسح على الجبائر التي فوق الجراحة، فأما إذا زادت الجبيرة عن رأس الجراحة هل يجوز المسح على الخرقة الزائدة؟ وكذا إذا افتصد وربط رباطا فإن كان حل الخرقة، وغسل ما تحتها يضره يجوز المسح على الخرقة الزائدة، وإن كان الحل لا يضره بالجرح، ولا يضره المسح أيضاً فعليه النزع والغسل لما حول الجراحة ويمسح على الجراحة لا على الخرقة وإن كان يضره المسح ولا يضره الحل فإنه يمسح على الخرقة التي على الجرح ويغسل حواليها وما تحت الخرقة الزائدة هكذا فسّره ابن زياد؛ لأن جواز المسح ثبت بطريق الضرورة فيتقدر بقدرها.
ولو مسح على بعض الجبائر دون البعض، روى الحسن: أنه إن مسح على الأكثر جاز وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 24
فإن سقط عن غير برء لم يبطل المسح؛ لأن سقوط الغسل لمكان العذر وهو قائم والمسح قائم وإن زال الممسوح كما لو مسح برأسه ثم حلقه.
وإن سقط عن برء بطل المسح؛ لوجوب غسل ما تحته؛ لأنه صار قادراً على الأصل فيبطل حكم البدل وإن كان هذا في الصلاة يستقبل؛ لأنه حصل بطريق التبيّن.
باب الحيض:
قال الشيخ رحمه الله: أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام وهذا عندنا؛ لرواية أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام وما نقص عن الثلاثة أو زاد على العشرة فهو استحاضة"، وهذا أيضا عندنا؛ لأن التقدير الشرعي يمنع أن يكون لما دون المقدر أو فوق المقدر حكم المقد؛ إذ يفوت به فائدة التقدير الشرعي.
وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيض، حتى ترى البياض خالصاً؛ لأن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى، وكل هذا الألوان سواء في هذا المعنى.
الحيضُ يُسْقِطُ الصَّلاةَ عن الحائض، ويُحرّم عليها الصوم وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة أما السقوط؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلّي"، يعني زمان كونها حائضاً وأما القضاء بعد الطهر للصوم دون الصلاة؛ فلأنها تحرج في قضاء الصلوات لتكررها في كل يوم وليلة خمس مرات ولا حرج في قضاء الصوم؛ لأن قضاء عشرة أيام في سنة واحدة يسير.
ولا تدخل المسجدَ؛ لأن ما بها من الأذى أغلظ من صفة الجنابة، ثم الجنب يمنع عن دخوله فالحائض أولى والفقه فيه أن المسجد مكان الصلاة فمن ليس من أهلها يكون ممنوعا عن دخوله ضرورة.
ولا تطوف باليت لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي اللّاه عنها حين حاضت بسرف: "اصنعي ما يصنع جميع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت".
ولا يأتيها زوجها؛ لقوله تعالي: " فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن".
ولا يجوز لحائض ولا جُنُب قراءة القرآن؛ لما روي عن ابن عمررضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان ينهى الحائض والجنب عن قراءة القرآن".
الجزء 1 · صفحة 25
وعن الطحاوي: أنه لا يمنع عن قراءة ما دون الآية؛ لأن المتعلق بالقراءة حكمان جواز الصلاة ومنع الحائض عن قراءته، ثم في حق أحد الحكمين يفصل بين الآية وما دونها؛ فكذا في الحكم الآخر إلا أن على هذه الرواية يمنع عن قراءة ما دون الآية أيضا على قصد قراءة القرآن؛ لما أن الكل قرآن، وهذا هو الأحوط.
ولا يجوز لهما و للمحدث مس المصحف إلا أن يأخذه بغلافه لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى بعض القبائل: "لا يمس القرآن حائض ولا جنب".
والحدث حل اليد أيضاً إلا أن يأخذه بغلافه؛ لأنه لا يمسه.
والغلاف هو الخريطة وأما الجلد فهو تبع للمصحف، والكم تبع للحامل.
وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل؛ لقوله تعالى: "حتى يطَّهرن" بالتشديد أي: إلى غاية الاغتسال.
وإن انقطع لعشرة أيام جاز وطوئها قبل الغسل؛ لقوله تعالي: "حتى يطهرن" بالتخفيف، أي: إلى غاية الطهر، عملا بهما في الحالتين؛ لأن الحمل على عكس هذا يوجب ترك العمل بإحدى القراءتين؛ ولأن الزيادة على العشرة في الحيض لا تتصور وإذا انقطع على رأسها فقد تيقنا بخروجها عن الحيض، فلا حاجة إلى مؤيد آخر.
وأما فيما إذا كان أيامها دون العشرة فاحتمال معاودة الحيض قائم فلا بد من مزيد ينضم إليه حتى ينقطع هذا الاحتمال وهو: إما الطهارة الحقيقية أو إجراء شيء من أحكام الطهارات لصيرورة الصلاة ديْناً في ذمتها.
والطهرالمتخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري، لأن الطهر الذي هو دون خمسة عشر يوما لا يصلح للفصل بين الحيضتين، فلا يصلح للفصل بين الدمين أيضا، وكان الفقه فيه هو: أن ما نقص من الطهر عن خمسة عشر يوماً يكون فاسداً، وبين صفة الصحة والفساد تنافي فلا تتعلق به أحكام الصحيح شرعا وهذا اختيار أبي يوسف رحمه الله وهو آخر أقوال أبي حنيفة رحمه الله، وهو الأيسر على المفتي والمستفتي؛ فيكون أليق بشريعتنا على ما قال: "بعثت بالحنيفية السمحة"، السهلة وهو اختيار أساتذتنا للفتوى.
الجزء 1 · صفحة 26
وأقل الطهر خمسة عشر يومًا؛ لأن مدة الطهر نظير مدة الإقامة من حيث أنه يعيد ما كان سقط من الصوم والصلاة وقد ثبت لنا بالأخبار: أن أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما، فكذا أقل مدة الطهر.
وأما أكثر مدة الطهر فلا غاية لها، إلا إذا ابتليت بالاستمرار حتى ضلت أيامها ووقعت الحاجة إلى نصب العادة لها فحينئذ فيه اختلاف والاعتماد على قول محمد بن إبراهيم الميدانيرحمه الله: أنه يقدر أكثر مدة الطهر في حقها بستة أشهر إلا ساعة؛ لأن الطهر المتخلل بين الدمين دون مدة الحبل عادة وأدنى مدة الحبل ستة أشهر فقدرنا أكثر مدة الطهر بستة أشهر إلا ساعة.
ودم الاستحاضة: هو ما تراه المرأة لأقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام، وحكمه حكم الرعاف لا يمنع الصوم ولا الصَّلاة ولا الوطء قال - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش حين قالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلك دم حيض، إنما هو دم عرق عند أو داء اعترض توضئي لكل صلاة"، أشار إلى أنه فاسد لا يتعلق به ما يتعلق بالصحيح.
وإذا زادَ الدَّمُ على العشرة، وللمرأة عادةً معروفةٌ رُدَّتْ إلى أيام عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"، أي: أيام حيضها.
وإن ابتدأت مع البلوغ استحاضة فحيضُها عشرة أيام في كل شهر، والباقي استحاضة، وهذا عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: حيضها أقل الحيض عنده، وذلك يوم وليلة، أخذاً باليقين ولنا أنّها رأت الدم في وقت أمكن جعله حيضاً فيجعل حيضا أخذا بالظاهر بخلاف صاحبة العادة حيث ترد إلى عادتها؛ لقيام الدليل على أنه ليس بدم حيض؛ لمخالفة العادة.
فإن لم تكن لها عادة معروفة بأن ترى مرة ستًا، ومرة سبعاً، فاستحيضت فعليها أن تغتسل عند تمام الست، وتصوم وتصلي ولا يطؤها زوجها وينقطع حق الرجعة وإذا مضى اليوم السابع اغتسلت في اليوم الثامن أيضاً وتقضي الصوم الذي صامت في اليوم السابع
الجزء 1 · صفحة 27
دون الصلاة ويحل للزوج وطؤها؛ لأن الحيض إحدى العادتين فعليها الأخذ بالاحتياط وذلك فيما قلنا.
والمستحاضة، ومَن به سَلَسُ البول، والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ يتوضؤون لوقت كلّ صلاة، و يُصلُّون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنوافل فإذا خرج الوقتُ بَطَل وضوؤهم، وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى.
وقال الشافعي رحمه الله: يتوضأ لكل فرض.
والصحيح قولنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة".
وإنما يبطل وضوؤها بخروج الوقت عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ولا يبطل بالدخول.
وعند أبي يوسف وزفر رحمهما الله؛ يبطل بالدخول لعدم الضرورة قبل الوقت.
ويبطل بالخروج ايضا عند ابي يوسف رحمه الله؛ لأن الحاجة الى الطهارة لا تتحقق قبل الوقت وبعده تتحقق إلا أنهما يقولان: لابد من تقديم الطهارة على الوقت حتى يتمكن من الإتيان بالعزيمة، وهو شغل كل الوقت بأداء الوقتية.
فصل:
والنفاسُ هو الدَّمُ الخارجُ عَقِيبَ الولادة من الرحم؛ لأنه مشتق من تنفس الرحم، أو من النفس الذي هو عبارة عن الدم، أو من النفس الذي هو الولد فخروجه لا ينفك عن دم يتعقبه.
وما تراه المرأة الحامل من الدم قبل خروج الولد استحاضة وهذا عندنا، وهو مروي عن عائشة رضي اللّاه عنها. وعرف أنها إذا حبلت ينسد فم الرحم فلا يكون الدم المرئي من الرحم حيضاً فيكون دم عرق ضرورة فيكون استحاضة.
وأقل النفاس لا حدّ له وأكثره أربعون يومًا عندنا؛ لحديث أم سلمة رضي اللّاه عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تنتظر النفساء ما بينها وبين أربعين صباحا إلا أن ترى طهراً قبل ذلك".
الجزء 1 · صفحة 28
وما زاد عن الأربعين فهو استحاضة؛ لما ذكرنا فإذ كانت لها عادة معروفة في النفاس ترد إلى عادتها والزيادة استحاضة. وإن زاد على الأربعين، فإن كانت مبتدئة نفاسها أربعين كما قلنا في الحيض.
وإذا ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها من الولد الأول وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد وزفررحمهما الله: نفاسها من الولد الثاني.
وأجمعوا أن عدتها تنقضي بالولدالأخير.
والصحيح هو القول الأول؛ لأن فم الرحم قد انفتح بوضع أحد الولدين فكان الدم المرئي من الرحم، فكان نفاسا بخلاف انقضاء العدة؛ لأنه متعلق بفراغ الرحم، ولا فراغ مع بقاء شيء من الشغل.
فإن كان بين الولدين أربعين يوماً فلا نفاس من الولد الثاني، فإن خرج بعض الولد فرأت الدم إن خرج الأكثر منه صارت نفساء وإلا فلا؛ لأن للأكثر حكم الكل، والله أعلم بالصواب.
باب تطهير النجاسة:
تطهير النَّجاسة واجبٌ من بَدَنِ المصلي، وثوبه، والمكان الذي يُصلِّي عليه؛ لأنَّ الصَّلاةَ تعظيم الله تعالى والمناجاة معه؛ فيجب أن يكون على أحسن الأحوال، وذلك في طهارة هذه الأشياء.
ويجوز تطهير النَّجاسة بالماء وبكل مائع طاهر يمكنُ إزالتها به كالخل، وماء الورد، والماء المستعمل وقال محمد وزفر والشافعي رحمهما الله: لا يجوز؛ لأنَّ الزَّوالَ بالماء حكم ثبت مخالفاً للقياس فيقتصر على مورد الشرع وصارت كالحدث.
ولهما: أنَّ هذه المائعات إذا كانت طاهرةً كانت مشاركة للماء في الإزالة فكانت كالماء بخلاف الحدث لما ذكرنا.
ثمَّ ذَكَرَ من جملة المائعات الطَّاهرة الماء المستعمل وهذا قول محمد رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله وعليه الفتوى.
الجزء 1 · صفحة 29
وإذا أصابت الخف نجاسة ولها جزم فجفَّتْ فدلكه بالأرض جاز؛ لأنَّ الجلد شيءٌ صلب فلا يدخل فيه من أجزاء النَّجاسة إلا قليل، وإذا يبست يعود ذلك إلى جزم النَّجاسة فإذا دلكه بالأرض زالت فلم يبق فيه إلا قليل وذلك معفو شرعاً، بخلاف الثوب؛ لأنَّه شيءٌ رَخْو تدخل فيه أجزاء النَّجاسة فلا تخرج منه إلا بالمعالجة بالغسل، بخلافِ الرَّطْبِ؛ لأنَّ أجزاء النَّجاسة المتشربة لم تعد إلى جرمها بعد.
وإن لم يكن للنَّجاسة جرم نحو البول والخمر رُوي عن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا مسحه بالتُّراب على سبيل المبالغة يطهر ويقوم ذلك مقامَ جرم النَّجاسة واعتمد مشايخنا على هذه الرواية لمكان الضرورة.
والمني نجس يجب غسل رطبه، وإن جف على الثوب أجزأ فيه الفرك وهذا عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: المني طاهر.
لنا قوله لعائشة رضي الله عنها حين سألته عن المني يُصيب الثَّوبَ: "إن كان رطباً فاغسليه، وإن كان يابساً فافركيه".
والنَّجاسة إذا أصابت المرآة، أو السَّيف اكتفى بمسحها؛ لأنَّه لا نجاسة إلا على سطحها وقد زالت بالمسح.
وإن أصابت الأرضَ نجاسة فجفَّت بالشَّمس، وذهب أثرها جازت الصَّلاةُ على مكانها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "ذكاة الأرض يبسها".
ومن أصابه من النَّجاسة المغلظة كالبول، والدَّمِ والغائط، والخمر مقدار الدرهم وما دونه جازت الصلاة معه، وإن زادَ لم يجز؛ لأنَّ القليل لا يمكن التحرز عنه والكثير يُمكنُ؛ فَفَصَلْنا بينهما بالدرهم؛ أخذاً من موضع الاستنجاء، فنقول: الدرهم، وما دونه في حد القلة وما زاد عليه في حد الكثرة.
والمراد بالدرهم هو الدرهم الكبيرُ المثقال وتكلَّموا في أنَّ المعتبر فيه: بَسْطُ الدرهم أو وزنه، فقد قال الفقيه أبو جعفر الهندواني: إن كان للنَّجاسة جرم يُعتبر فيها وزن الدرهم وإن لم يكن لها جزمٌ يُعتبرُ فيها المساحة عملاً بهما في حالين مختلفين.
الجزء 1 · صفحة 30
وإن أصابته نجاسة مخففة كبولِ ما يُؤكل لحمه جازت الصَّلاة معه ما لم تبلغ ربع الثوب؛ لأنَّ المانع من مثل هذه النَّجاسة هو الكثيرُ الفاحش، وذلك مقدَّرُ بالرُّبع؛ لأنَّ رُبعَ الشَّيء قد يُقام مقامَ الكُلِّ في بعض المواضع.
وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين: فما كان له منها عين مرئية فطهارتها زوال عينها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشقُ إزالتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة حين سألته عن دم الحيض: "حتيه ثمَّ اقْرصيه ثم اغسليه بالماء، ولا يضرك
أثره ".
وما ليس له عين مرئية فطهارتها أن تُغسل حتّى يغلب على ظنه أنه قد طهر.
وعند الشافعي رحمه الله: يطهرُ بالغَسل مرة اعتباراً بالحدث.
ولنا: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أن يغسل اليد ثلاثاً للمستيقظ من منامه عند توهم النَّجاسة، فلأن يجب عند تحقق النَّجاسة كان أولى؛ ولأنَّ غلبة الظَّنِّ قد تقوم مقام اليقين عند التَّعذر على الوقوفِ على اليقين.
الاستنجاء سنة، وعند الشافعي رحمه الله فرض وهو فرع مسألة النَّجاسةِ القليلة.
ويُجزئ فيه الحَجَرُ والمَدَرُ وما قام مقامه يمسحه به حتى يُنقيه؛ لأنَّ المقصود الاستنجاء هو الإنقاء.
وليس فيه عدد مسنون.
وعند الشافعي رحمه الله: العدد في الاستنجاء شرط وهو أن يستنجي بثلاثة أحجار أو بحجرٍ له ثلاثة أحرف، ليقوم كل حرف مقام حجر.
لنا: "من استجمرَ فليوتر مَن فعل هذا فحسنُ، ومن لا فلا حرج".
وغسله بالماء أفضل؛ لأنَّ أهل قباء كانوا يتبعون الحجارة بالماء، فنزل قوله تعالى:
" فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتطَهَرُوا ".
وقيل: الاستنجاء بالماء كان أدباً في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ صَارَ سُنَّةٌ بعده بإجماع الصحابة كالتراويح.
الجزء 1 · صفحة 31
فإن تجاوزت النَّجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا الماء؛ لأنَّ البدن له حرارة جاذبة أجزاء النجاسة فلا يطهر بالمسح إلا أنَّ في موضع الاستنجاء اكتفى بالأحجارللضرورة.
هذا إذا كان وراء موضع الاستنجاء من النَّجاسة أكثر من قَدْرِ الدّرهم، أما إذا كان أقل لكن مع موضع الاستنجاء يكون أكثر من قدر الدرهم، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: يكفيه الاستنجاء بالأحجار.
وعند محمد رحمه الله: لا بُدَّ من غَسْله.
والصحيح قولهما؛ لأنَّ التي في موضع الشَّرْج ساقطةٌ كَأَنْ لا نجاسة عليه، بدليل: أنَّ تركه لا يضر فبقيت العبرة لما عداها وذلك أقل من قَدْر الدرهم.
ولا يستنجي بعظم ولا بروث؛ لورود النهي عنه، ولا بطعام؛ لأنه استهانة به، ما يمنع به وذلك منهي عنه ولا بيمينه؛ لقوله: "اليمين للوجه واليسارُ للمَقْعَدِ"، قَسَمَ والقسمة تقطع الشركة والله أعلم بالصواب.
كتاب الصلاة
قال الله تعالى: "إِنَّ الصَّلاةَ كانَت عَلَى المُؤمِنينَ كِتابًا مَوقوتًا"، أي: فرضا مؤقتا؛ فلا بد من معرفة الأوقات فنقول:
أول وقت الفجر، إذا طلع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق؛ لقوله: "لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، وإنما الفجر المستطير في الأفق".
وآخر وقتها عند طلوع الشمس؛ لقوله تعالى: "وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ"، يعني: الصلاة.
وأول وقت الظهر حين تزول الشمس.
وآخره إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: إذا صار مثله؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمني جبرئيل عليه السلام عند البيت مرتين، وصلى الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، ثم قال: يا محمد، الوقت ما بين هذين الوقتين ".
ولأبي حنيفة رحمه الله أن عند تعارض الأدلة، يقع الشك في خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر؛ فلا يثبت بالشك.
الجزء 1 · صفحة 32
وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على اختلاف القولين.
وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس.
وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس؛ لحديث إمامة جبرئيل عليه السلام.
وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، والشفق هو البياض بعد الحمرة عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: هو الحمرة؛ لأن المراد في أغلب الاستعمال.
لأبي حنيفة رحمه الله أنه اسم مشترك بين الحمرة والبياض، فيقع الشك في خروج وقت المغرب فلا يخرج بالشك.
وأول وقت العشاء حين غاب الشفق بلا خلاف بيننا.
وآخره حين يطلع الفجر الصادق عندنا.
وأول وقت الوتر ما بعد العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر ".
ويستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف، وهذا عندنا.
أما الفجر؛ لقوله: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر "، وأما الظهر: "أبردوا بالظهر؛ فإن الحر من فيح جهنم".
ويقدم في الشتا؛ إظهارا للمسارعة إلى المغفرة.
وتأخير العصر أفضل عندنا؛ لقول عبدالله بن رافع: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بتأخير العصر.
مالم تتغير الشمس؛ لورود النهي عن الصلاة عند الغروب.
ويستحب تعجيل المغرب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن تزال أمتى بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم ".
ويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلى ثلث الليل".
الجزء 1 · صفحة 33
هذا إذا لم يكن يوم غيم، فإن كان يوم غيم عجل العصر؛ كيلا يقع في وقت مكروه، والعشاء كيلا يقع الناس في الظلم والأوحال.
ويستحب في الوتر لمن يألف الصلاة آخر الليل، فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من خشي منكم أن لا يستيقظ فليوتر في أول الليل، ومن طمع أن يستيقظ فليوتر في آخر الليل".
ثم الوتر سنة مطلقة عند الشافعى رحمه الله، مؤكدة عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، واجبة عند أبي حنيفة رحمه الله لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر"، والزيادة من جنس المزيد عليه، وقال فيه: " فأوتروا "، وهو أمر وإنه للإيجاب، والله أعلم بالصواب.
باب الاذان:
الأذان سنةٌ للصَّلوات الخمس، والجمعة دون ما سواها؛ للتوارث.
وصفة الأذان ما هو المعهود اليوم، ولا ترجيع فيه عندنا؛ للتوارث، والروايات المشهورة.
ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصَّلاةُ خيرٌ من، النَّوم مرَّتين؛ لأنَّه إن لم يكن مِن أصل الأذان فالنَّاسُ أَدخلوه فيه، فاستحسنوا ذلك وأَحْسَنوا؛ وما رآه المسلمون حَسَناً فهو عند الله حسن.
والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة مرتين هو المأثور المتوارث.
ويترسل في الأذان، ويحدر في الإقامة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لبلال: "إذا أذّنت فترسل واذا أقمت فاحْدر".
ويستقبل لها القبلة فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حوّل وجهه يميناً وشمالاً؛ لأنَّ في الأذان مناجاة ومناداة، فيتوجه في المناجاة إلى القبلة، وفي المناداة يتوجه إلى مَن عن يمينه وشماله، كما في الصَّلاة يستقبل القبلة في أفعال الصَّلاة، ويحول وجهه يميناً وشمالاً في السلام.
ويُؤذِّنُ للفائتة ويقيم؛ كما فَعَلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة ليلة التّعريس.
الجزء 1 · صفحة 34
فإن فاتته صلوات أذّن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الثانية إن شاء أذّن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة؛ لما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما شغله الكفار يوم الأحزاب عن أربع صلوات: فقضاهُنَّ على الولاء والتّرتيب كل صلاة بأذان وإقامة ورُوي في هذا الحديث: أَنَّه قضاهُنَّ على الولاء والتَّرتيب بإقامة، فخيَّرناه لهذا.
وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر، فإن أذّن على غير وضوء جاز، ومع الجنابة يكره؛ لأنه ذكرٌ مُعظّم فأشبه قراءة القرآن، فكره مع أفحش الحدثين دون أخفهما.
ويُكره أن يقيم على غير وضوء؛ لأنه حينئذ يقعُ الفصل بين الإقامة والشروع.
ويُستحبُّ إعادة أذان أربعة نفر: الجنب، والمرأة، والصبي، والسكران؛ لاختلال الإعلام بأذان هؤلاء.
والإقامة لا تعاد أصلاً؛ لما أنَّ تكرار الإقامة غير مشروع، وتكرار الأذان مشروع في الجملة.
ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها؛ لأنَّ الأذان للإعلام بدخول الوقت فلا يجوز قبله.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه جوّز أذان الفجر قبل الوقت بعد نصف الليل، وهو قول الشافعي رحمه الله؛ لأن بلالاً كان يفعل ذلك.
ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم - لبلال: ”لا تُؤذِّن حتى يستبين لك الفجر هكذا “، ومد يديه وبه تبيَّن أنَّ أذان بلال قبل ذلك ما كان للإعلام بدخول الوقت، بل ليرجع القائم على فراشه، ويتسحر الصائم، كما نطق به حديث آخر والله أعلم.
باب شروط الصلاة التي يتقدمها
يجب على المصلِّي أن يُقدِّم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدَّمنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ”لا صلاة إلا بالطَّهارة”، شَرَطَ الطَّهارة مطلقاً فيتناول الطَّهارة عن الأنجاس والأحداث جميعاً.
ويستر عورته؛ لقوله تعالى: ”خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُل مَسْجِدٍ”، وأدنى الزينة ما يُواري العورة.
الجزء 1 · صفحة 35
والعورة من الرجل: ما تحت السرة إلى الركبة؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: ”عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته “، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: ”ما دون سرته حتَّى تُجاوز ركبته “.
والركبة من العورة عندنا؛ لحديث هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”الركبة من العورة “، ولأنها ملتقى عظم السَّاق والفَخذ.
وعَظْمُ الفَخِذ عورة وعَظمُ السَّاقِ ليس بعورة، فعند الاجتماع يترجح الموجب لكونها عورة احتياطاً.
وبَدَنُ المرأةِ الحَرَّةِ كلُّه عورة إلا وجهها وكفّيها وقدميها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ”المرأة عورة مستورة”، والمراد: كونها واجبة الستر وأمَّا استثناء الوجه والكفين والقدمين؛ فلقوله تعالى: “ولا يبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ منها “ قال علي وابن عباس رضي الله عنهما: ما ظهر منها الكحل والخاتم أي: موضعهما.
وقالت عائشة رضي الله عنها: تُبدي إحدى عينيها.
وقال ابن مسعود: خفها وملاءتها.
إلا أنا أخذنا بقول علي وابن عباس رضي الله عنهما؛ لأَنَّا أجمعنا على أَنَّه يُباحِ النَّظرُ إلى ثيابها فكذا إلى وجهها وكفَّيها.
وأما قدمها فلأنها كما تُبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال، وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء، تُبتلى بإبداء قدميها إذا مَشَت حافية أو متنعّلة.
وفي جامع البرامكة عن أبي يوسف رحمه الله أنَّه يُباح النظرُ إلى ذراعها أيضاً؛ لأنها في الخبز وغسل الثياب تُبتلى بإبداء ذراعها أيضاً.
وهذا إذا لم يكن النظر عن شهوة، فإن كان يعلم أنه يشتهي لو نظر لم يحل له النَّظر إلى شيء منها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ”من نظر إلى محاسن أجنبية صُبَّ في عينيه الآنك يوم القيامة”.
وكذا إذا كان أكثر رأيه أنه لو نظر يشتهيها؛ لأنه كاليقين فيها لا يُوقف على حقيقته.
الجزء 1 · صفحة 36
ولا يحل له أن يمس وجهها، ولا كفَّها وإن أمن الاشتهاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ”من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وُضِعَ في كفه جمرة يوم القيامة حتى يُفصل بين الخلائق “، إلا إذا كانت عجوزة لا تشتهي فلا بأس بمصافحتها.
وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة بطريق الأولى، وبطنها وظهرها عورة؛ لأنَّ النظر إلى هذين العضوين ومسَّهما قد يكون سبباً للفتنة، وما سوى من ذلك من بدنها ليس بعورة لما رُوي عن أنس: كُنَّ جواري عمر يُخدِمْنَ الضّيفان كاشفاتِ الرؤوس مضطرباتِ الشَّديين؛ ولأن فيهنَّ ضرورة وبلوى؛ لأنَهنَّ يخرجن لحوائج مواليهنَّ في ثياب مهنتهنَّ؛ فكان حالهنَّ مع الرِّجالِ في النَّظرِ والمس كحالِ الرَّجل في ذوات محارمه.
فصل:
ومَن لم يجد ما يُزيل به النجاسة صل معها ولم يُعد الصَّلاة. وهذا إذا كان الربع من الصلاة مع الثوب طاهراً أو أكثر؛ لأنَّ الربع قد يُقام مُقامَ الكمال، وإن كان الطَّاهرأقل من الربع يتخيّر إن شاءَ صلَّى معه بركوع وسجود، وإن شاء صلى عرياناً بالإيماء، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد رحمه الله: يُصلي فيه لا محالة؛ لأنه ابتلي بين أن يترك فرضاً واحداً، وبين أن يترك الفرائض؛ فكان ترك الفرض الواحد أيسر، فيتعين عليه ولهما: أن كل واحد منها مانع جواز الصلاة حالة الاختيار وعدم العذر، فكانا سواء فيتخير.
ومن لم يجد ثوباً صلَّى عُرياناً قاعداً يوميء بالركوع والسجود؛ لما أنَّ الركوع والسجود يزيده كشفاً، فإن صلَّى قائماً أجزاه لوجودِ الانكشاف فيها؛ إلا أنَّ الأول الصلاة أفضل.
وينوي الصَّلاة التي يدخل فيها بنية، لا يفصل بينها وبين التحريمة بفعل؛ لأنَّ النية شرعت لتعيين الفعل وتحقق الإخلاص.
وذا إنما يتحقق حالة الشروع في الأداء، وأما إذا تقدمت النية على حالة الشروع فعند محمد رحمه الله في جملة العبادات: إذا لم يشتغل بعدها بعمل آخر يجوزُ؛ لأنها وجدت حقيقة فتبقى حكماً إلى أن يوجد ما يُبطلها.
الجزء 1 · صفحة 37
وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يُجزئه إلا في الصوم؛ لمساس الحاجة في الصوم دون غيره من العبادات.
وعند الشافعي رحمه الله: يُشترط مخالطاً للتكبير، وهو قول الطحاوي.
فأما إذا تأخرت النية عن وقت الشروع لا يصح في ظاهر الرواية.
وقال أبو الحسن الكرخي: تصح مادام في الثناء.
فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد، فإن علم أنه أخطأ بعدما صلّى فلا إعادة عليه عندنا.
وقال الشافعي رحمه الله: أعادَ إن استدبر الكعبة؛ لأنه ترك الفرْضَ وهو: استقبال القبلة بيقين.
ولنا: أنَّه مأمورٌ في هذه الحالةِ بالصَّلاةِ إلى جهة هي جهة الكعبة عنده، وقد أدى، فيخرج عن العهدة كما لو تيامن أو تياسر.
فإن علم ذلك في الصَّلاة استدار إلى القبلة، وبنى عليه كما فعل أهل قباء حين أخبروا بانتقال القبلة إلى الكعبة استداروا إلي الكعبة.
باب صفة الصلاة
ومن فرائض الصلاة:
التحريمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ”مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير” وقال صلى الله عليه وسلم: ” لا يقبل الله تعالى صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة ويقول: الله أكبر”.
والقيام؛ لقوله تعالى: ” وقوموا لله قانتين”.
والقراءة؛ لقوله تعالى: ”فاقرءوا ما تيسر منه”.
والركوع والسجود؛ لقوله تعالى: ”يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا”.
فهم من هذه الأوامر تعلق جواز الصلاة بها.
والقَعْدَةُ في آخِرِ الصَّلاةِ مقدار التشهد؛ لقوله: ”إذا رفعت رأسك من آخر السجدة، وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك”.
الجزء 1 · صفحة 38
وإذا دخل الرجل في صلاته كبّر؛ لما روينا، ورفع يديه مع التكبير حتى يحاذي بإبهاميه شحمة أذنيه؛ لما روي: ” أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه حذاء أذنيه إذا افتتح الصلاة “.
وكيفية الرفع: أن يرفع يديه، ناشرا أصابعه عن الطيّ، مستقبلاً بباطن كفيه إلى القبلة. كذا ذكره الطحاوي.
فإن قال بدلاً عن التكبير: الله أجل أو أعظمُ أو قال: الرَّحمن أكبر، أجزاه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن المفروض ذكر اسم الله تعالى على الخلوص، وقال الله تعالى: ”قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلّى”.
وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يصح إلا بقوله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر إذا كان يحسنه.
وعند الشافعي رحمه الله: لا يصح إلا باللفظين الأوّلين.
وعند مالك: لا يصح إلا باللفظ الأوّل لا غير.
والصحيح قولهما؛ لأن التكبير هو التعظيم وقد حصل.
ولو قال: الله، ولم يزد عليه، روي عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يصح.
وبقوله: اللهم اغفر لي، لا يصح بالإجماع.
ولو قال: اللهم، ففيه اختلاف المشايخ.
ويجوز افتتاحها بالفارسية عند أبي حنيفة رحمه الله، خلافاً لهما.
ويعتمد بيده اليمنى على اليُسرى ويَضعُهما تحت سُرَته؛ لأنه أقرب إلى التواضع، وأبلغ في الخضوع والخشوع، وأبعد عن التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، وأحفظ للإزار من السقوط؛ فكان أولى من الوضع على الصدر كما هو قول الشافعي رحمه الله.
ثم هذا الوضع سنة القراءة عند محمد رحمه الله. وعندهما: سنّة القيام.
والمختار: أن كل قيام فيه ذكر مسنون فالسنة فيه الاعتماد وما ليس فيه ذكر مسنون فالسنة فيه الإرسال.
الجزء 1 · صفحة 39
ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك .. إلى آخره؛ لرواية عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يقول كذلك.
ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لقوله تعالى: ”فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم”؛ معناه: إذا أردت قراءة القرآن.
وفي كيفية التعوذ اختلاف بين القرّاء يعرف في موضع آخر.
ثم التعوّذ؛ لأجل القراءة عن محمدرحمه الله، وهو رواية عن أبي حنيفةرحمه الله، فيأتي به من يقرأ حين يقرأ.
وعند أبي يوسفرحمه الله لأجل الصلاة، وقد عرف في موضعه.
ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويسرهما.
وعند الشافعيرحمه الله: يجهر في صلاة الجهر؛ لأنها فاتحة القراءة.
ولنا قول ابن مسعود: ما جهر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة مكتوبة قط، ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما.
ثم يسمي في الركعة الأولى لا غير.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يسمي في كل ركعة. وهو رواية عن ألي حنيفة رحمه الله أيضاً.
وعند محمد رحمه الله: أنه يسمي بين الفاتحة والسورة في صلاة المخافتة دون الجهر.
ثم يقرأُ فاتحة الكتاب وسورة، أو ثلاث آيات من أي سورة شاء.
فأصل القراءة في الركعتين غير عين فرض، والقراءة على هذا الوجه في الأوليين على سبيل التعيين واجب، واظب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم من بعده على ذلك.
وإذا قال الإمام: ” ولا الضالين”، قال: آمين ويقولها: المؤتمّون ويُخفونها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” إذا قال الإمام: ”ولا الضالين”، فقولوا: آمين؛ فإن الإمام يقولها و الملائكة يؤمّنون، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه”.
ثم يركع ويكبر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر عند كل خفض ورفع.
الجزء 1 · صفحة 40
ويعتمد بيديه على ركبته في الركوع، ويُفرِّجُ بين أصابعه وهما من السنن قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنس بن مالك: ”اذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، وفرّج بين أصابعك “.
ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه، ولا ينكسه؛ لرواية زيد بن أسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركع يسوّي ظهره حتى لو وضع قدح من ماء على ظهره لاستقر.
و يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وذلك أدناه، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدناه، يريد به: أدنى الكمال؛ لرواية ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: " إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدناه ".
ولو زاد على الثلاث فهو أفضل بعد أن يكون وترا، فالأدنى هو الثلاث، والأوسط خمس مرات، والأكمل سبع مرات.
ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده. ويقول المؤتمّ: ربنا لك الحمد لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا لك الحمد”، قسم والقسمة تقطع الشركة.
وعند أبو يوسف ومحمد رحمهم الله: يقول الإمام: ربنا لك الحمد، كيلا يصير تاركا ما صار آمرًا به.
وأما المنفرد فعن ابي حنيفة رحمه الله روايتان؛ في رواية: أنه يسمع لا غير. وفي رواية: يجمع.
وعندهما: يجمع بينهما.
فإذا استوى قائماً كبر وسجد؛ لما روينا، واعتمد بيديه على الأرض، و ضع وجهه بين كفّيه، كذا روي من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
و يسجد على أنفه وجبهته، و إن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفةرحمه الله.
وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء: الوجه، والكفين، والركبتين، والقدمين”.
ولأبي حنيفة رحمه الله – أنه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أشار إلى الأنف؛ ولأنهما عظم واحد فبأي طرف وضع كفاه.
وإن سجد على كور عمامته، أو فاضل ثوبه يجوز، ويكره.
الجزء 1 · صفحة 41
عن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يجوز، وهو قول الشافعي رحمه الله.
والصحيح قولنا؛ لأنه تبع له.
ولو سجد على كمّه إن كان ثمّة تراب أو حصاة أو نحوهما لا يكره؛ لأنه يدفع الأذى عن نفسه، وإن لم يكن جاز ويكره.
ولو سجد على ظهر رجل إن كان في موضع الزحام يجوز كما في يوم الجمعة، وإن كان لا يصلي لا يجوز في الحالتين.
وإن سجد على ظهر ميت إن وجد حجمه لا يجوز، وإن لم يجد بأن كان عليه لبد جاز.
ويبدي ضبعيه، ويجافي بطنه عن فَخِذَيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد يجافي عضديه عن جنبيه حتى يرى عفرة إبطيه.
وفي رواية: حتى أن بهيمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرّت.
والبهيمة: السخلة، والعفرة: البياض.
ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” إذا سجد العبد المؤمن سجد كل عضو من أعضائه معه، فليوجه من أعضائه نحو القبلة ما استطاع”.
ثم يرفع رأسه ويكبر؛ لما روينا.
فإذا اطمأن جالساً كبر وسجد، فإذا اطمأن ساجداً كبر، كذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم الطمأنينة والقرار في الركوع و السجود ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف والشافعي فرض.
ولقب المسألة: أن تعديل الأركان ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، خلافاً لهما.
واستوى قائمًا على صدور قدميه، ولا يقعد وهذا عندنا؛ لما روي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر وعليًا وابن مسعود وابن الزبير رضي الله عنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ” أنه كان إذا قام من الأولى إلى الثانية قام كأنه على الرّضف”. وهي الحجارة المحماة.
الجزء 1 · صفحة 42
ولا يعتمد بيديه على الأرض عندنا، كذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يرفع يديه إلا في الركعة الأولى يريد به: تكبيرة الافتتاح؛ لما روى ابن مسعود: ”أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح، ثم لا يعود”.
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعةِ الثانية قعد وافترش رجله اليسرى، و جلس عليها، ونصب رجله اليمنى، ووضع يديه على فخذيه، ويبسط أصابعه نحو القبلة؛ كذا حكت عائشة رضي الله عنها قعدة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما يروى أنه كان يقعد متوركا، فهو محمول على حالة الضعف.
و يتشهد والتّشهدُ: التَّحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السَّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى وهذا عندنا وهو تشهد جماعة كثيرة من الصحابة.
رجحنا هذا على غيره بما روي عن ابن مسعود، أنه قال: كان يعلمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا التشهد كما يعلمنا سورة من القرآن، وكان يأخذ علينا بالواو والألف.
ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب خاصة، وهي واجبة عندهما، ورواية ابن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله.
وظاهر الرواية عنه: أن يتخير في الأخريين بين قراءتها وبين التسبيح، وبين السكوت.
فإذا جلس في آخر صلاته جَلَس كما جَلَس في الأولى عندنا، وتشهد وصلّى على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا بما شاء من ما يُشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، توارثنا هكذا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، وبقوله تعالى: ” فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب”.
ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة في عمره مرة عند الكرخي؛ لأن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار.
الجزء 1 · صفحة 43
وعند الطحاوي: كلما ذكر اسم النبي أو سمع اسمه يجب عليه أن يصلي عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” من ذكرت عنده ولم يصل علي فقد جفاني”، وهذا هو الصحيح.
ثمَّ يُسلَّم عن يمينه فيقول: السَّلامُ عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك وهذا عند الجمهور؛ لقول ابن مسعود: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسلّم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر.
وإصابة لفظ السلام فرض عند الشافعيرحمه الله؛ لقوله: ” وتحليلها التسليم”.
وعندنا واجب؛ لأن الفرضية لا تثبت بمثل هذا الخبر.
ويجهر بالقراءة في الفجرِ، و الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إمامًا، ويُخفى القراءة فيما بعد الأوليين، هذا هو المأثور المتوارث.
ولو كان منفرداً فهو مخيّر إن شاء جهر وأسمع نفسه؛ لأنه إمام في حق نفسه، وأن شاء خافت؛ لأنه ليس معه من يسمعه.
ويخفي الأمام القراءة في الظهر والعصر؛ للتوارث هكذا.
والمتطوع بالنهار يخافت، وبالليل إن شاء جهر، وتكلّموا في الأفضلية، والمتوسط عند الأكثرين أفضل.
وحد المخافتة، قيل: هو تبيين الحروف. وقيل: أن يسمع نفسه إلا بمانع، هو الصحيح، والجهر: إسماع غيره.
والوتر ثلاث ركعات، لا يفصل بينهم بسلام، وهذا عندنا؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: بت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرقب صلاته بالليل، فأوتر بثلاث وقنت قبل الركوع، قال: وأرسلت والدتي في الليلة القابلة فرأت كذلك”.
ويقنت في الثالثة قبل الركوع؛ لهذا الحديث.
ويقرأ في كل ركعة في الوتر بفاتحة الكتاب و السورة، بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قرأ في الأول من الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، وقنت فيها بعدما فرغ من القراءة قبل أن يركع الثالثة.
وإذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه ثم قنت؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” لا ترفع الأيادي إلا في سبع مواطن، وعدّ منها: القنوت في الوتر، ولا يقنت في غيرها “.
الجزء 1 · صفحة 44
وقال الشافعي رحمه الله: في الفجر قنوت.
والصحيح قولنا؛ لقول ابن مسعود: قنت رسول الله في الفجر شهراً ثم ترك.
وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها، ويُكره أن لا يقرأ غيرها؛ لأن فيه هجر الباقي من وجه، وليس شيء من القراءة مهجوراً.
وأدنى ما يُجزئ من القراءة في الصَّلاة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لقوله تعالى: "فاقرءوا ما تيسر من القرآن".
وقالا: لا يجزئ أقل من ثلاث آياتٍ قصار، أو آية طويلة؛ لأن القرآن هو المعجز، والكلمة الواحدة مثل قوله تعالى: " ثم نظر" لا يكون معجزاً.
وأما مقدار المستحب فقد ذكر في كتاب الصلاة: أنه يقرأ في الفجر بأربعين آية سور فاتحة الكتاب وفي الظهر مثل ذلك أو دونه. وفي العصر والعشاء نصف ذلك وفي المغرب يقرأ بسورة قصيرة خمس آيات أو ست آيات سوى فاتحة الكتاب.
وفي الجامع الصغير: أربعين أو خمسين أو ستين آية سوى فاتحة الكتاب.
وفي رواية ابن زياد: مائة.
قيل: الأربعون من الطوال، والستون من الأوساط والمائة من القصار.
وقيل: المائة للزهاد، والستون في الجماعة المعهودة، والأربعون في المساجد الشوارع.
وقيل: إنما اختلفت الروايات لاختلاف الأحاديث التي وردت فيها على نحو ما قلنا.
ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام عندنا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".
فصل:
ومَن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاجُ إلى تبيين نيَّة الصَّلاة ونية المتابعة؛ لأنه لا يكون داخلا في صلاة غيره بلا إرادة.
فلو أنه نوى الإقتداء به ولم ينو غير ذلك كفاه عن كل نية؛ لأنه جعل نفسه تبعاً لإمام مطلقاً، وإنما تظهر تبعيته إذا صار شارعاً في صلاة الإمام، هو الصحيح.
الجزء 1 · صفحة 45
فلو نوى صلاة الإمام لا غير لا يجزئه؛ لأن اداء صلاة الإمام قد يكون منفرداً وقد يكون مفتديا فلا يتعين له الإقتداء إلا بالنية.
فلو نوى الشروع في صلاة الإمام، الصحيح أنه يجزئه؛ لأنه جعل نفسه تبعاً من كل وجه ولا تثبت التبعية من كل وجه مع المخالفة من وجه.
والجماعة سنة مؤكدةً؛ لقوله تعالى: ”واركعوا مع الراكعين”.
وأولى النَّاسِ بالإمامة أعلمُهم بالسُّنة، فإن تساووا فأقرؤهم، فإن تساووا فأورعُهم، فإن تساووا فأسنهم، لقوله صلّى الله عليه وسلم: ” يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن تساووا فأعلمهم بالسنة فأقدمهم هجرة، فإن تساووا فأكبرهم سنا”.
وإنما قدّم في الحديث الأقرأ؛ لأنه كان هو أعلم بالقرآن ومعانيه ثم الأعلم بالسنة وهو الأعلم بمعاني الأخبار.
وأما قوله: ” فأقدمهم هجرة “، فنقول: انتسخت الهجرة إلى المدينة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا هجرة بعد الفتح”، وقام الورع مقامه لقوله صلى الله عليه وسلم: ”المهاجر من هجر السيئات”.
ويُكره تقديم العبد، والأعرابي، والفاسق، وولد الزنا، والأعمى،؛ لأن العبد يكون مشغول بعمل السيد فلا يتفرغ للتعليم، والغالب من حال الأعراب هو الجهل، وولد الزنا ليس له أب يعلمه ولا سايس يؤدبه، والفاسق لا يؤتمن على الأمانة الشرعية والأعمى قلما يمكنه أن يصون ثيابه عن النجاسات.
و إن تقدموا جاز،؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” صلّوا خلف كل بر وفاجر”.
وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصَّلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: ” صلّ بالقوم صلاة أضعفهم؛ فإن فيهم الصغير والكبير وذا الحاجة”، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أخف الناس صلاة في تمام.
ويُكره للنساء أن يُصلِّين وحدَهُنَّ جماعةً؛ لعدم ورود السنة بالجماعة في حقهنّ؛ ولأن مبنى حالهنّ على التستّر، وفي صلاة الجماعة في حقهنّ مخالفة في هذه الحالة.
فإن فَعَلْنَ قَامت الإمامة وَسَطَهنَّ؛ تحرزاً عن زيادة التكشّف والظهور، كما في صلاة العراة.
الجزء 1 · صفحة 46
ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه، كما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن عباس رضي الله عنهما حين صلّى معه فقال ابن عباس: فانخنست وقمتخلفه فلما فرغ قال لي: " مالك أقمتك بحذائي فانخنست؟ " فقلت: أو يجوز أن أقوم بحذائك وأنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: ” اللهم علّمه الحكمة”.
وإن كانا اثنين تقدَّمَ عليهما؛ لأنهم جماعة، فيتقدم الإمام كما في الثلاثة، فإن لم يتقدّمهما لا يكره أيضاً؛ لأنهم ليسوا بجماعة تامة بخلاف الثلاثة والأكثر فإنهم إذا كثروا وقام الإمام وسطهم أو في ميمنة الصف أو في مسيرته فقد أساء؛ لمخالفة السنة وعمل الأمة وجازت صلاتهم؛ لاستجماع شرائط الصحة.
ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة؛ لإجماع الأمة.
ويصفُ الرّجالُ، ثمَّ الصَّبيانُ، ثمّ النِّساءُ،؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” لِيلني ذوا الأحلام منكم"، ويؤخر النساء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” أخروهنّ من حيث أخرهنّ الله”.
فإن قامت امرأة إلى جانب رجل وهما مشتركان في صلاة واحدة فسدت صلاته.
وقال الشافعي رحمه الله: لا تفسد، وهو القياس، كما لا تفسد صلاتها.
ولنا: أن الرجل أخطأ مكان صلاته، فتفسد صلاته كالمقتدي إذا تقدّم على إمامه، وبيانه: أن مكان الرجل في صلاة مشتركة مطلقة أمام المرأة؛ لأن الشرع أمر بتأخيرها عن الصف بقوله صلى الله عليه وسلم: ” أخروهنّ من حيث أخرهنّ الله”، فإذا وجب عليه تأخيرها عن الصف صار مكان صلاته أمامها ضرورة فإذا أخطأ مكانه تفسد صلاته.
ويُكره للنساء حضور الجماعة؛ لما في حضورهنّ من خوف الفتنة.
لا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء، والجمعة والعيدين؛ لأن في العشاء نام الفسقة، وفي الفجر لم يخرجوا بعد، وفي المغرب مشغولون بالتعشّي، وفي الجمعة والعيدين الغلبة لأهل الصلاح فأمّا في غيرها يتوهّم الفتنة، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: لهنّ شهود كل الصلوات؛ اعتبارًا بالمتفق عليه، وإلا أن الفرق ما قلنا.
ولا يُصلِّي الطَّاهِرُ خَلْفَ مَنْ به سَلس البول ولا الطَّاهرات خَلْفَ المستحاضة؛ لأنه لا طهارة لهؤلاء الأئمة في حق الأصحّاء؛ لأنه قارنها بما ينافيها.
الجزء 1 · صفحة 47
ولا القارئ خَلْفَ الأُمِّي، ولا المكتسي خَلْفَ العاري؛ لأنه لا صلاة لهم؛ لعدم شرطها أو ركنها، وإنّما جعلت صلاة في حقهم للضرورة، ولا ضرورة في حق المقتدين.
ويجوز أن يؤم المتيمم للمتوضئين، والماسح على الخفين للغاسلين. وكذا يؤمّ القاعدة القائم.
وقال محمد رحمه الله: لا يجوز إمامة المتيمّم والقاعد، وهو القياس؛ لأنه اقتداء كامل الحال بمن هو ناقص الحال، فلا يصح، كاقتداء الّلابس بالعاري.
ولنا: أن القعود خلف عن القيام، والتيمم خلف عن الوضوء، فيقوم مقام الأصل عند عدم الأصل، فيصح الإقتداء كاقتداء الغاسل لمن يمسح على الخفّين بخلاف العاري؛ لأنه لا خلف ثمّة ولا بناء على العدم.
ولا يُصلّي الذي يركع ويسجد خَلْفَ المومئ؛ لأن المومئ لا يأتي بأركان الصلاة، ولأنّما هو خلف عنها.
ولا يُصلِّي المفترضُ خَلْفَ المتنفّل؛ لأنه بناء الموجود على المعدوم في حق صفة الفرضية وهو محال.
و لا مَن يُصلي فَرْضاً خَلْفَ من يُصلِّي فرضاً آخر، عندنا؛ لما روي عن كثير بن جهان أنه قال: أتيت المدينة فوجدتهم يصلّون، وكنت أصلي الظهر فصليت معهم، ثم علمت أنهم يصلون العصر، فأعدت الظهر ثم صليت العصر، فلمّا خرجت رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرين، فسألتهم عن ذلك فكلّهم أفتوني بما فعلت.
وهذا إجماع.
ويصلي المتنفلُ خَلْفَ المفترض؛ لأنه بناء الضعيف على القوي.
وإذا لم يصح اقتداؤه عند تغاير الفرضين هل يكون شارعاً في صلاة نفسه تطوعاً؟ ففيه روايتان: وفي رواية: يصيروفي رواية: لا يصير متطوعاً أصلاً.
ومن اقتدى بإمام ثم علم أنه على غير طهارة أعاد الصلاة؛ وهذا أيضاً عندنا؛ لأن الاقتداء بناء، ولا بناء على العدم.
فصل
الجزء 1 · صفحة 48
ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده؛ لأن العبث خارج الصلاة حرام ففي الصلاة أولى.
ولا يُقلب الحصى إلا مرة؛ ليمكنه من السجود عليه؛ لما روي: أن أبا ذر سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال له: ” يا أبا ذر مرة أو ذر”.
ولا يُفَرقِعُ أَصابعه؛ لأنه من العبث.
ولا يتخصَّرُ، ولا يُشبك أصابع يديه؛ لأنه ترك السنة أخذ اليد.
ولا يسدل ثوبه.
ولا يعقص شعره، وهو: أن يلويه على الرأس ويجمعه؛ لأنه قال في حديث سلمان: " ذلك كفل الشيطان"، أي: مقعده.
ولا يكف ثوبه؛ لقوله: ”أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، و أن لا أكف ثوباً، ولا شعرا”.
ومعناه: أن يرفع ثوبه أو يرفع شعره؛ ولأنه تقزّز وإزالة اليد عن موضع السنّة.
ولا يلتفت؛ لما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً التفت في الصلاة، فقال: " تلك يختلسها الشيطان من صلاة العبد".
ولا يقعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب، وهو الجلوس على العقبين.
ولا يردُّ السَّلام بلسانه؛ لأنه كلام من كل وجه، ولا بيده؛ لأنه ترك سنة الأخذ.
ولا يتربع إلا من عُذر؛ لأنه ترك القعدة المسنونة.
و لا يأكل ولا يشرب؛ لأنه مناف للصلاة، وأنه عمل كثير أيضاً.
وإن سَبَقَهُ حَدَثُ انصرف، فإن كان إماماً استخلف وتوضّأ، وبنى على صلاته، وهذا عندنا وهو استحسان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ”من قاء او رعف في صلاته”.
والاستئناف أفضل؛ ليكون مؤدّياً الصلاة بلا خلل.
فإن نام فاحتلم، أو جُنَّ أو أغمي عليه استأنف الصلاة؛ لأن هذه الأفعال لا يغلب وجودها فلا يكون في معنى ما ورد النص به.
الجزء 1 · صفحة 49
وكذا القهقهة، والكلام ناسيًا أو عامدًا أما القهقهة فلأنه حدث عمد، وأما الكلام؛ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس”.
وفي حديث سبق الحدث: ” وليبنِ على صلاته ما لم يتكلم، فإذا تكلم فليستقبل الصلاة”.
وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلّم؛ لأن إصابة لفظة السلام واجب، فيتوضأ ويبني إحرازاً للواجب.
وإن تعمد الحَدَثَ في هذه الحالة أو تكلم أو عَمِلَ عملاً يُنافي الصَّلاة تمت صلاته؛ لأنه لم يبق عليه شيء من فرائض الصلاة، والخروج حصل بفعله.
وإن رأى المتيمَّمُ الماء في صلاته بطلت صلاته؛ لأن طهارة المتيمّ تنتهي بوجود الماء.
فإن رآه بعدما قعد قدر التشهد، أو كان ماسحاً فانقضت مُدَّة مسحه، أو خَلَعَ خُفَّيه بعمل رفيق أو كان أمياً فتعلم سُورةً أو عُرياناً فوَجَدَ ثوباً أو مومِئاً فَقَدَرَ على الركوع والسجود، أو تذكَّر أنَّ عليه صلاة قبله أو أحْدَث الإمام القاري فاستخلف أمياً أو طلعت الشَّمسُ في صلاة الفجر، أو دخل وقت العصر في الجمعة، أو خرج وقت صلاة صاحبِ العُذر أو كان ماسحاً على الجبيرة فَسَقَطَت عن بُرْءِ بَطَلَت الصَّلاةُ في قول أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: تمَّتْ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمّت صلاتك”.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه قد بقي عليه شيء من الفرائض، وهو الخروج عن الصلاة بفعله فصار كما لو وجدت هذه الأفعال قبل أن يقعد قدر التشهد، وأمّا الحديث قلنا: أراد به تمام أفعال الصلاة، والتحلل فرض؛ لأنه من أفعالها. والله أعلم.
باب قضاء الفوائت:
ومن فاتته صلاةٌ قضاها إذا ذكرها، وقدَّمها على صلاة الوقت؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها أو استيقظ، فإن ذلك وقتها”.
وهذا عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله.
إلا إذا كان يخافُ فَوْتَ صلاة الوقت، فيقدم صلاةَ الوقتِ ثُمَّ يقضي الفائتة؛ لأن آخر الوقت الوقتية بالإجماع والخبر المتواتر، فلا يصير وقتاً للفائتة بخبر الواحد، بخلاف ما
الجزء 1 · صفحة 50
إذا كان في الوقت سعة؛ لأنه أمكن العمل بالدليلين، وكثرة الفوائت بمعنى ضيق الوقت وكذا النسيان؛ لما ذكرنا.
وإن فاتته صلوات رتّبها في القضاء، كما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع صلوات يوم الخندق.
إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات فيسقط الترتيب فيها؛ لكثرة الفوائت والأصح على خمس صلوات.
باب الأوقات التي يكره فيها الصلاة:
لا تجوز الصلاة عند طلوع الشَّمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها.
أراد به قضاء الفرائض والواجبات الفائتة عن أوقاتها، كسجدة التلاوة التي وجبت بالتلاوة في وقت غير مكروه أو الوتر الذي فات عن الوقت.
فأمّا أداء التطوعات في هذه الأوقات يجوز مع الكراهة، وهذا عندنا؛ لحديث عقبة بن عامر الجهني أنه قال: " ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا، إذا طلعت الشمس حتى ترتفع ونصف النهار وإذا تضيّفت الشمس الغروب" من غير فصل.
ولا يُصلِّي فيها على جنازة؛ لما روينا.
ولا يسجد للتلاوة؛ لأنها من أبعاض الصلاة.
إلا عصر يومه عند غروب الشمس وكذلك ورد التقييد في بعض الألفاظ.
ويُكره أن يتنفل بعد صلاة الفجرِ حتّى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشَّمسُ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس”.
والمراد هو: النفل، والمعنى فيه: ليكون ابتداء اليوم بالفرض، وختمه بالفرض الذي يعدل سبعين نافلة.
الجزء 1 · صفحة 51
ولا بأس بأن يُصلِّي في هذين الوقتين الفوائت و سجدة التلاوة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” لا صلاة”، ينفي الاستجاب دون الأصل
ولا يصلي ركعتي الطواف لأن النهي الذي روينا ليس فيه فصل.
ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر؛ لرواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
وكذلك بعد الغروب قبل صلاة المغرب؛ لأنه يودي إلى تأخير المغرب، وأنه مكروه.
اما اداء الواجب الذي وجب بصنع العبد من النذر وقضاء التطوع الذي أفسده ونحو ذلك يكره في ظاهر الرواية.
ويكره أداء العشاء بعد نصف الليل؛ كيلا يؤخر العشاء إلى النصف؛ لما فيه من تقليل الجماعة.
ويكره أداء الصلاة وقت الخطبة؛ لأنه سبب لترك استماع الخطبة.
ويكره الشروع في صلاة التطوع وقت خروج الإمام قبل أن يشتغل بها، وبعد الفراغ عنها قبل الشروعفي الصلاة عند ابي حنيفة خلافا لهما.
وبعد شروع الإمام في الجماعة يكره القوم التطوع قضاء لحق الجماعة إلا في ركعتي الفجر.
و قت آخر يكره فيه التنفل فيه، وهو ما قبل صلاة العيد لمن حضر المصلى يوم العيد.
باب النوافل
السُّنةُ في الصَّلاة أن يُصلي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر، وإن شاء ركعتين، وركعتين بعد المغرب، وأربعاً قبل العشاء، وأربعاً بعدها، وإن شاء ركعتين،؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” من ثابر على ثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة”. وأحاديث أُخر وردت فيها، وعمل الأمة على هذا أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 52
نافلة الليل جائزة والزيادة على الثمان مكروه عند أبي حنيفة رحمه الله – بتسليمة واحدة.
وفي نوافل النَّهار يُكرَهُ الزيادة على الأربع؛ لأن المثنى والأربع فيها أحاديث مشهورة، وفي الثمان حديث خاص، فكرهنا الزيادة على الثمان؛ لعدم ورود الخبر.
والأفضل في التطوع ليلاً ونهاراً مثنى مثنى، عند الشافعي رحمه الله.
وقالا: بالليل مثنى مثنى؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” صلاة الليل مثنى مثنى”، و اعتباراً بالتراويح، وبالنهار أربع اعتباراً بالفرائض.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: بالليل والنهار أربع أفضل؛ لأنها أدوم فكان أشق عن البدن؛ فكان أولى؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” أفضل الأعمال أحمزها”، أي: أشقها.
والقراءة واجبة في جميع ركعات النفل؛ لأن كل شفع أصل بخلاف الفرض؛ لأن الصلاة كانت في الأصل ركعتين زيدت في الحضر وأُقرّت في السفر؛ فتجب القراءة، في الأصل دون التبع كيلا يودي إلى التسوية بين الأصل والتبع.
ومن دخل في صلاةِ التَّفلِ ثُمَّ أَفَسَدَها قضاها، وهذا عندنا، لأنه يجب صيانة المودّى من العمل عن البطلان؛ لأن الإبطال حرام بالنص، ولا يحصل ذلك إلا بالإتمام، وكذا الصيام على هذا.
فإن صلى أربع ركعات وقرأ في الأوليين وقعد ثم أفسد في الأخريين قضى ركعتين؛ لأن كل شفع في التطوع صلاة على حدة، وقد تم الشفع الأول.
ولو لم يقرأ في الكل قضى ركعتين عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يقضي أربعاً.
وإن صلّى النافلة قاعداً مع القدرة على القيامِ جاز؛ لأن تركها جائز، فترك وصفها أولى أن يجوز.
وإن افتتحها قائماً ثُمَّ قَعَدَ جاز عند أبي حنيفة، رحمه الله.
وقالا: لا يجوز؛ لأن الشروع كالنذر.
الجزء 1 · صفحة 53
وله: أنه أمكن صيانة المودّى بأصل الباقي، فلا حاجة إلى وصفه.
ومن كان خارج المِصْرِ تنفّل على دابته إلى أي جهة توجهت به يومئ إيماءً؛ لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلي على دابته حيث ما توجهت به. وكان يقرأ قوله تعالى: ” فأينما تولوا فثم وجه الله”.
والسفر وما دون السفر سواء؛ لأن الإنسان إذا كان خارج المصر ويتعذر عليه النزول لو لم نجوّز له الصلاة على الدابة ينسد عليه باب التنفل، وهو خير مشروع في جميع الأحوال.
فإن كان في مصر لم يجز لعدم الضرورة. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يجوز.
الجزء 1 · صفحة 54
باب سجود السهو
سجود السهو واجب في الزيادة والنقصان بعد السَّلام، وهذا عندنا؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد السهو بعد السلام، ولأنه محل لوجوب السجدتين، فلا يكون محلا للأداء كما قبل التشهد، وما يُروى أنه سجد قبل السلام، فمحمول على سلام التشهد توقيفا بين الأخبار.
ثم يتشهد ويسلّم؛ لأنه عاد إلى حرمة الصلاة، وعليه عمل الأمة.
وسجود السهو يلزم إذا زادَ في صلاته فعلاً من جنسها ليس منها، أو ترك فعلاً مسنوناً، أو ترك قراءة فاتحة الكتاب، أو القنوتَ في الوتر، أو التشهد، أو تكبيرات العيدين، أو جهر الإمام فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر، أو أخّر القراءة عن موضعها؛ لأن سجود السهو إنما يجب بترك الواجب، وهذه الأشياء متضمنة ترك الواجب.
وسهو الإمامِ يُوجِبُ على المؤتم السجود؛ لأن النقص يمكن في صلاتهم أيضاً، وهم أتباعه شرعاً، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم.
وإن سهى المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم، لأنه لو سجد وحده خالف إمامه، وإن سجد معه الإمام يصير تبعا له، وجعل التبع متبوعا لمتبوعه قلب الموضوع وتغيير المشروع.
ومن سهى عن القَعْدَةِ الأُولى ثمَّ تذكَّر وهو إلى القعود أقرب عادَ فَجَلَسَ وتَشَهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يَعُد ويسجد للسهو؛ لأن القيام فرض؛ والقعدة الأولى واجبة، فلا يجوز ترك الفرض لأجل الواجب.
وإن سهى عن القعدة الأخيرة فقام إلى الخامسة رَجَع إلى القَعْدَةِ ما لم يسجد، وألغى الخامسة، وسَجَدَ للسهو؛ لأن القعدة الأخيرة فرض، وما قام إليه فليس بفرض ولا واجب.
وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضُه؛ لأنه انتقل إلى النافلة قبل إكمال الفرض، ولكن عند محمدرحمه الله: إذا رفع، وعند أبي يوسفرحمه الله: كما وضع.
وتحولت صلاته نفلاً على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وكان عليه أن يضم إليها ركعة سادسة حتى يكون متنفلاً بالشَّفْع.
الجزء 1 · صفحة 55
ولو لم يضم لا شيء عليه عندنا، خلافاً لزفررحمه الله؛ لأنه شرع في الشفع الأخير على ظن أنه عليه، ثم تبيّن أنه ليس عليه.
وإن قعد في الرابعة ثمَّ قام ولم يسلّم فظنّها القعدةَ الأولى عاد إلى القعدة ما لم يُقيَّد الخامسة بالسجدة ويُسلَّم.
فإن سجد في الخامسة ضم إليها ركعة أخرى ليتم شفعاً وقد تمت صلاته، والركعتان نافلة له.
ومَن شَكٍّ في صلاته ولم يدر أثلاثاً صلَّى أم أربعاً، وذلك أَوَّل ما عَرَضَ له استأنف الصلاة؛ كذا روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: أنه يستقبل.
وإن كان الشك في ذلك يعرِضُ له كثيراً بنى على غالب ظنه إن كان له ظن، وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً فليتحرّ الصواب، وليبن عليه، وليسجد سجدتي السهو بعد السلام.
وعند الشافعي رحمه الله: إذا شك بنى على الأقل بكل حال، ويروي في ذلك حديثاً إلا أنّا نحمله على ما قلنا، عملاً بالأخبار كلها.
باب صلاة المريض
إذا تعذر على المريض القيام صلَّى قاعداً يركعُ ويسجد، فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماء، ويجعل الركوع أرفع من السجود، ولا يُرفع إلى وجهه شيءٌ يسجد عليه.
أمّا الإيماء فلقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الحصين: ” صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً” الحديث، وأمّا لا يرفع اليه؛ لقوله في مثله: ” إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلّا فأوم برأسك”.
فإن لم يستطع القُعودَ استلقى على قفاه، وجَعَلَ رِجليهِ إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود، وهذا عندنا.
وقال الشافعي رحمه الله: الأولى أن يصلي على الجنب؛ لحديث عمران بن الحصين: ” فإن لم يستطع فعلى الجنب يومئ إيماءً”.
الجزء 1 · صفحة 56
ولنا: أن في حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: ” فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماءً”، والأخذ بما روينا أولى؛ لأنه إذا استلقى على قفاه كان أقرب إلى استقبال القبلة؛ لأن الجانبين منه تكون إلى القبلة، فإشارته تقع إلى الكعبة، وإذا اضطجع على جنبه تقع إشارته إلى رجليه، وذلك ليس بقبلة.
وحديث عمران: كان في مرض لا يستطيع أن يستلقي على قفاه.
وأن اضطجع على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز، يريد به: في حالة العجز عن الاستلقاء؛ لقوله تعالى “وعلى جنوبهم”
قال الضحاك في تفسيره: هو بيان حال المريض في أداء الصلاة بحسب الطاقة.
ولا يومئ بعينيه، ولا بقلبه، ولا بحاجبيه.
وعند زفر، وابن زياد رحمهما الله: يومئ بحاجبيه، فإن عجز عن هذا يومئ بعينه، فإن عجز عن هذا، فعند زفررحمه الله: يومئ بقلبه، فأن عجز عن ذلك أيضاً الآن يؤخر الصلاة؛ لأن الطاعة بقدر الطاقة.
ولنا: أن الأفعال أصل في الصلاة ولم يوجد فعل في هذه المواضع؛ فإن بالعينين يكون إيحاء لا إيماء، وبالقلب يكون نية.
فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام؛ لأن القيام لافتتاح الركوع والسجود به، فكل قيام لا يتعقّبه ركوع وسجود لا يكون ركناً، ولأن إيماء القاعدة أقرب إلى الشبه بالسجود من إيماء القائم، وهو المقصود من الإيماء؛ فكان الإيماء قاعدًا أولى.
فإن صلَّى الصَّحيحُ بعض صلاته قائما ثمَّ حَدَثَ به مرضٌ تمّمها قاعداً، يركعُ ويسجد، أو يُومئ إن لم يستطع الركوع والسجود، أو مستلقياً إن لم يستطع القعود؛ لأنه لو استقبل وقع الكل ناقصاً، ولو مضى يقع البعض ناقصاً، فكان هذا أولى.
ومن صلى قاعداً يركع ويسجد ثمَّ صحّ، بنى على صلاته قائماً؛ لأن صلاة القاعدة بالركوع والسجود مستجمعة للأركان؛ ولهذا جازت إمامة القاعدة للقائم، وإلا في قول محمد رحمه الله – بخلاف المومئ.
الجزء 1 · صفحة 57
فإن صلى بعض صلاته بإيماء، ثمَّ قَدِر على الركوع والسجود استأنف؛ لأنه قدر على الأصل قبل تمام الحكم بالخلف، فيبطل حكم الخلف، ولأنه تقوّى حاله، وبناء القوي على الضعيف لا يستقيم.
ومَن أُغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضاها إذا صح، فإن فاته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقض، وهذا عندنا، وهو استحسان.
وقال بشر: عليه القضاء وإن طالت المدة؛ لأنه بمنزلة المرض.
وقال الشافعي رحمه الله: إذا استوعب الإغماء وقت صلاة كامل فلا قضاء عليه.
والصحيح قولنا؛ لأن الإغماء إذا قصر فهو معتبر بما يقصر عادة، وهو النوم، فلا يسقط القضاء، وإذا طال كان معتبرا بما يطول عادة وهو الجنون والصغر، فيسقط القضاء، ففصلنا بين الطويل والقصير بيوم وليلة، فإذا زاد على يوم وليلة كان طويلا، لأنه يدخل به الصلوات في حد التكرار.
باب سجود التلاوة
سجود التلاوة في القرآن أربعُ عَشَرَةَ سجدة، في آخر الأعراف، وفي الرعد وفي النَّحل، وبني إسرائيل، ومريم، واول سورة الحج، والفرقان، والنَّمل، وألم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، وإذا السَّماء انشقت، واقرأ باسم ربك؛ لأحاديث مختلفة وردت في هذه المواضع وفي بعضها اختلاف الصحابة واختلاف مالك وموضع ذلك كتاب الصلاة.
والسجود واجب في هذه المواضع، على التالي والسامع، سواءٌ قصد سماع القرآن أو لم يقصد؛ لقول الصحابة رضي الله عنهم: السجدة على من سمعها وعلى من تلاها.
وإذا تلا الإمام آيةَ السَّجدة سَجَدَها وَسَجَدَ المأمومُ معه، وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المؤتم؛ كي لا يؤدي الى مخالفة الامام.
وإن سمعوا وهم في الصَّلاةِ آية سجدة من رجل ليس معهم في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة، وسجدوها بعد الصلاة.
وقال محمد ـ رحمه الله ـ في تلاوة المقتدي: انهم يسجدوها بعد الصلاة؛ لوجود السبب الموجب وزوال المانع.
الجزء 1 · صفحة 58
وعندهما: لا يجب؛ لانه محجور عليه، فلا يتعلق بها حكم، كطلاق الصبي، بخلاف الجنب والحائض، حيث يجب فيهما على السامع وعلى الجنب القارئ دون الحائض؛ لانهما منهيان غير محجورين ودلالة كونه محجورا نفاذ قراءة الامام في حقه.
فإن سجدوا في الصلاة لم تجزهم، ولم تفسد صلاتهم.
اما عدم الجواز فلانها بصلاتية، وأما عدم الفساد فلأنها تحتمل زيادة سجدة.
ومن تلا آية سجدة فلم يسجدها حتَّى دَخَلَ في الصلاة فتلاها وَسَجَدَ أجزأته السجدة عن التلاوتين وهذا في ظاهر الرواية.
وجهه أن السبب واحد لان المتلو اية واحدة والمكان متحد ايضا والمؤداة اكمل من الاولى؛ لما ان لها حرمتان، لو كانت مثل الاولى نابت عنها، فاذا كانت اكمل كان اولى.
وان تلا في غير الصلاة فسجد ثم دخل في الصلاة فتلاها سجد لها، ولم تجزئه السجدة الاولى؛ لان الأولى ليست بصلاتية، فكانت أضعف من الثانية؛ فلا تنوب عن الثانية.
ومن قرأها في صلاته فلم يسجدها حتى خرج منها لم يقضها؛ لأنها صلاتية فلا تؤدى خارج الصلاة.
ومن كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد أجزأته سجدة واحدة، لأنه يحتاج الى التكرار للتحفظ، أو للتعليم فلو لزمه لكل سجدة لوقع في الحرج، وأنه منفي شرعا.
ومن أرادَ السُّجود كبر ولم يرفع يديه، وسَجَد، ثم كبر ورفع رأسه، ولا تشهد عليه ولا سلام؛ للسنة المتوارثة.
ولم يذكر ماذا يقول في سجوده، والأصح أنه يقول فيها ما يقول في سجدة الصلاة.
باب صلاة المسافر
السَّفْرُ الذي تتغيّر به الأحكام هو: أن يقصد الإنسان موضعاً بينه وبين ذلك مسيرة
ثلاثة أيام ولياليها، سير الإبل ومشي الأقدام.
ولا يُعتبر في ذلك السير في الماء، وهذا عندنا.
الجزء 1 · صفحة 59
أما التقدير بثلاثة أيام؛ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها الاّ ومعها زوجها أو ذو محرم منها.
معناه: ثلاثة ايّام وكلمة فوق صلة كما في قوله تعالى: ”فَاضربوا فَوقَ الأعناق”، وهي لاتُمنع من الخروج لغير السفر بدون المحرم.
وأما سير الأبل ومشي الأقدام فلأن العدل هو اعتبار الوسط فالسير؛ لأن اسرع السير سير البريد، وابطأه سير العجلة وأوسطه السير القافلة، وخير الأمور أوسطها.
وفرضُ المسافر عندنا في كلّ صلاة رباعية ركعتان لا يجوز الزيادة عليها.
وقال الشافعي رحمه الله اربع.
والصحيح قولنا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "فُرضت الصلاة بالأصل ركعتين الا المغرب؛ فانها وتر النهار، ثم زيدت بالحضر، وأقرت بالسفر على ما كانت".
وعن عمر رضي الله عنه قال: "صلاة المسافر ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم".
فإن صلى أربعاً وقد قَعَد في الثانية قدر التَّشهد أجزأته الركعتان عن فرضه، وكانت الأخريان نافلة، وإن لم يقعد مقدار التشهد في الركعتين الأوليين بطلت صلاته؛ لانها هي القعدة الاخيرة في حقه بمنزلة الفجر في حق المقيم.
ومن خرج مسافرًا صلّى ركعتين إذا فارق بيوت المصر لانه ما دام في المصر فهو ناوٍ للسفر، لا مسافر فاذا جاوز عمران المصر صار مسافر؛ لاقتران النية بعمل السفر.
ولا يزال على حكم السفرحتى ينوي الإقامة في بلد خمسة عشر يومًا فصاعدًا فليزمه الإتمام، وإن نوى اقامته أقل من ذلك لم يتمّم، ومذهبنا مذهب ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ: أقل مدة الاقامة اربعة ايام، وبه كان يقول عثمان رضي الله عنه.
والصحيح قولنا؛ لأن مدة الاقامة في معنى مدة الطهر؛ لانه يعيد ما سقط من الصوم والصلاة، ثم ادنى مدة الطهر قُدرت بخمسة عشر يوما، فكذا ادنى مدة الاقامة.
ولو قال: غدا اخرج او بعد غدا اخرج، حتى بقي على ذلك سنين صلّى ركعتين، وهذا عندنا.
الجزء 1 · صفحة 60
وقال الشافعي رحمه الله: اذا على ثمانِ عشرة ليلة أتم الصلاة.
والصحيح قولنا؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بتابوك عشرين ليلة يقصر الصلاة وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما أقام ب أذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة.
وإذا دخل العسكر أرض الحرب ونووا الإقامة خمسة عشر يوماً لم يُتِمُّوا الصَّلاة؛ لأن نية الاقامة لا تصح ألا في موضع الاقامة، ودار الحرب ليس بمكان الأقامة في حق الغزاة؛ لأنه لا يمكن من القرار بنفسه، بل هو متردد بين ان يهزم العدو فيستقر، وبين أن يُهزم فيفر.
وقال زفر رحمه الله: ان كانت القوة والشوكة للغزاة صحت نية الاقامة منهم، وما لا فلا.
وقال ابو يوسف رحمه الله ان كانو نزلو أبنيةً صحت وأن كانو بالخيام لا تصح والأصح ما قلنا لما مر.
وإذا دَخَلَ المسافر في صلاة المقيم أتمَّ الصَّلاةَ وان دخل معه فائتةٍ لم تجز صلاته خلفه لان الوقت مادام قائما، كان فرضه قابلاً للتغير، فيصير بالاقتداء فرضه وفرض الامام واحدا، اما اذا خرج الوقت فقد يقدر الفرض في حقه ركعتان؛ فلا يقبل التغير، فيصير اقتداء مفترض بمتنفل؛ لأنه اذا كان بالشفع الاول، فالقعدة فرض في حقه، نفل في حق الامام، وان كان في الشفع الثاني فالقراءة فرض في حقه، نفل في حق الامام، وهذا لا يجوز.
واذا صلّى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم، ثم اتم المقيمون صلاتهم، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أهل مكة؛ فانه روي: انه صلّى ركعتين بهم، ثم قال: "أتمو صلاتكم يا أهل مكة؛ فانا قوم سفر".
ويستحب له اذا سلّم أن يقول: أتمو صلاتكم فانا قوم سفر اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
واذا دخل المسافر مصره أتم الصلاة لأنه مقيم فيه لتعينه للأقامة في حقه ومن كان له وطن فانتقل عنه واستوطن غيره، ثم سافر ودخل وطنه الأول لم يتمم الصلاة.
وحاصله أن الأوطان الثلاثة:
وطن قرار، وهو البلد الذي هو منشأه و مولده، أو تأهل به وتوطن، وهذا لا ينقضه الا وطن مثله كمكة في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء 1 · صفحة 61
والثاني: وطن مستعار وهو البلد الذي ينوي المسافر الاقامة فيه خمسة عشر يوما فصاعدا، وهذا الوطن ينقضه الوطن الأصلي، لأنه فوقه، ووطن مستعار، لأنه مثله، والسفر؛ لأنه ضده.
والثالث: وطن السكنى، وهو الموضع ينوي المسافر الاقامة فيه أقل من خمسة عشر يوما، وهذا ينقضه كل شيء، الا الخروج منه لا عن نية السفر.
واذا نوى المسافر ان يقيم بمكة ومنى خمسة عشرا يوما لم يتم الصلاة؛ لأنه لم ينوِ الإقامة بأحدهما مدة الإقامة، فان عزم على الإقامة بالليالي في أحدهما، ويخرج بالنهار الى الموضع الآخر. فاذا دخل بالليل الموضع الذي عزم الإقامة بها ليلا يصير مقيما وان كان على العكس لا يصير مقيما؛ لان موضع اقامه الرجل حيث يبيت فيه.
ومَن فاتته صلاةٌ في السَّفر قضاها في الحضَرِ ركعتين، ومن فاتته صلاة في الحضر حالة الإقامة صلاها في السفر أربعاً؛ لأنَّ القضاء يحكي الفائت فيعتبر حالة الفوات.
والمطيع والعاصي في سَفَرِه في الرخصة سواءٌ، وهذا عندنا، خلافاً للشافعي رحمه الله؛ لأنَّ الرخصة إنَّما تثبتُ بالسَّفر، وهو عاصي في سفره لا يسفره؛ لأنَّ السَّفر مجرَّدُ قطع المسافة؛ فجازَ أن تثبت الرخصة بما لا عصيان فيه.
وإذا صلّى في السفينة توجه إلى القبلة على أي حال كانت السفينة؛ لأنّها بمنزلة البيت؛ لأنَّ سَيرَها غير مضاف إلى راكبها.
وإن كان يصلي في السَّفينة قاعداً، وهو يقدِرُ على القيام أجزاه عند أبي رحمه الله.
وعندهما: لا يجزئه؛ لأنَّ القيام ركن فلا يسقط إلا بعذر.
وله: أن الغالب هو دوران الرأس فيها، والغالب بمنزلة الواقع.
والجمع بين الصلاتين يجوز فعلاً ولا يجوز وقتاً، وهو أن يُؤخر الظهر إلى آخر الوقت، ويُصلي العصر في أول الوقت، وهذا عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: يجوز وقتاً لعذر المطر والسّفر.
والصَّحيح قولنا؛ لقوله: من أكبر الكبائر تأخيرُ الصَّلاة عن وقتها من غير فصل.
باب صلاة الجمعة
الجزء 1 · صفحة 62
لا تصحُ الجُمُعَةُ إلا في مصر جامع أو في مُصلَّى المصر.
اما الاول فهو عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا اضحى الا في مصر جامع”.
وأما الثاني ف لإنه متصل به فكان حُكمُه حُكمَه.
ولا تجوز في القرى لما قلنا.
ولا تجب الا على الأحرار البالغين العقلاء الأصحّاء من الرجال المقيمين لما نبين.
ولا يجوز إقامتها إلا بسلطان أو من أمره السلطان، وهذا عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله قاسه بأداء سائر المكتوبات.
ولنا ان الناس يتركون الجماعات لإقامة الجمعة فلو لم يشترط فيها السلطان يؤدي الى الفتنة؛ لأنه قد يسبق بعض الناس الى الجمعة فيقيمونها لغرض لهم، وتفوت على غيرهم فيؤدي الى الفتنة؛ فشرطنا فيها السلطان؛ ليكون أقرب الى تسكين الفتنة.
ومن شرائطها: الوقتُ، فتصح في وقت الظهر، ولا تصح بعده؛ "لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمصعب بن عمير حين بعثه الى المدينة قبل هجرته: ” اذا مالت الشمس فصلِّ بالناس الجمعة”.
ومن شرائطها: الخطبة قبل الصَّلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صلى الجمعة في عمره بغير خطبة فلو جاز ذلك لفعله مره تعليما للجواز.
وهل تقوم الخطبة مقام ركعتين؟ اختلف المشايخ فيه:
منهم من قال تقوم؛ ولهذا لا تجوز الا بعد دخول الوقت.
ومنهم من قال لا تقوم وهو الاصح؛ لأنه لا يشترط لها سائل شرائط الصلاة من استقبال القبلة والطهارة وغير ذلك.
ويخطب الإمامُ خُطبتين يفصل بينهما بِقَعْدة وهكذا جرى التوارث من لدن - صلى الله عليه وسلم - الى يومنا هذا.
الجزء 1 · صفحة 63
ويجوز الاكتفاء بخطبة واحدة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله؛ لما روي ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما خطبة، واحده فلما أسّن جعلها خطبتين بينهما جلسة خفيفة ففيه دليل على ان الجلسة للاستراحة، لا لكونها شرطا.
ويخطب قائماً على طهارة أما القيام فلقوله تعالى: ”وتركوك قآئمًا” وأما الطهارة فكيلا لا يقع الفصل بين الخطبة وبين الشروع في الصلاة.
فإن اقتصر على ذكر الله تعالى جاز عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: لابد من ذكرٍ طويل يُسمى خُطبة.
لهما: ان الشرط هو الخطبة، فما لم يأتِ بها يسمى خطبة لم يتم شرط الجمعة.
ولأبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى: ”فاسعوْا إلى ذكر الله” والمراد به الخطبة، والذِّكر يحصل بقوله: الحمد لله او لا اله الا الله فما زاد عليه يُجعل شرط الكمال لا شرط الجواز؛ كي لا يؤدي الى ترك العمل بالكتاب.
وإن خَطب قاعداً أو على غير طهارة جاز.
وعن ابي يوسف وهو قول الشافعي رحمهما الله لا تجوز بغير طهارة لان الخطبة بمنزلة شطر الصلاة " قالت عائشة رضي الله عنها: إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة.
ولنا: أن الخطبة ذكر، والمحدث والجنب غير ممنوعين عن ذكر الله ما خلا قراءة القرآن في حق الجنب.
وتأويل الحديث: انها كشطر الصلاة في حق الثواب، لا في حق اشتراط شرائط الصلاة
ومن شرائطها: الجماعةُ، وأقلهم عند أبي حنيفة رحمه الله: ثلاثة سوى الإمام وقال ابو يوسف رحمه الله: اثنان سوى الامام.
أما اشتراط أصل الجماعة فلأنها سميت جمعة للاجتماع الجماعات فيها، إلا عند ابي يوسف رحمه الله للمثنى حكم الجماعة حتى يتقدم الإمام عليهما، وفيهما معنى الإجتماع ايضا.
الجزء 1 · صفحة 64
وهما يقولان: بأن أهل اللغة فصلوا بين المثنى والجمع واشتراط الجماعة ثابت مطلقا، والمثنى وان كان فيه معنى الاجتماع فليس بجمع مطلق؛ لان الجمع المطلق ما يوجد فيه الفرد والشفع واقل ذلك ثلاثة.
وعند الشافعي رحمه الله: لابد من أربعين رجلاً من الأحرار البالغين المقيمين.
وهذا فاسد؛ لأنه روي عن أهل المدينة لما رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وبقي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر رجلا فصلّى بهم الجمعة.
ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين للتوارث.
وليس فيها قراءة سورة بعينها لأطلاق النص وهو قوله تعالى: ”فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ “.
ولا تجب الجمعة على مسافر، ولا امرأة، ولا مريض، ولا عبيد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فعليه الجمعة الا مسافراً، او مملوكاً، او صبياً، أو امراة او مريضا فمن استغنى عنها بلهوٍ او تجارة يستغنى الله عنه والله غني حميد".
فإن حضروا وصلّوا مع النّاس أجزأهم عن فرض الوقت؛ لأن سقوط فرض السعي عنهم لا لمعنى في الصلاة بل للحرج والضرر، فاذا تحملوها التحقوا في الاداء بغيرهم.
ويجوز للمسافر والعبيد والمريض ان يؤمّ في الجمعة؛ لكمال الأهلية في حقهم.
ومن صلّى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك، وجازت صلاته خلافا لزفر.
وقال الشافعي: لا تُجزئه الظهر الا بعد خروج الوقت لأن من أصله أن الفرض في حقه هو الجمعة، والظهر بدل فما لم يتحقق العجز عن الأصل ولا يجوز المصير الى البدل.
وعندنا: أصل الفرض هو الظهر، بدليل أنه ينوي القضاء في الظهر اذا أدّاه بعد خروج الوقت، وقد أدّاه في وقته فتجزئه.
وقد روي عن محمد رحمه الله: أن الفرض أحدُهما لا بعينه، ويتعين بفعله.
والأفضل هو الجمعة، فإن بدا له أن يحضر الجمعة فتوجه نحوها بطلت صلاة الظهر بالسعي، فإن كان خروجه من بيته بعد فراغ الإمام منها فليس عليه إعادة الظهر، وإن كان قبل فراغ الإمام عنها فعليه إعادة الظهر عند أبي حنيفة رحمه الله –.
الجزء 1 · صفحة 65
وقالا: لا يبطل ظُهره حتى يدخل مع الإمام
لهما: أنّ فرض الظهر قد صار مؤدّى فلا ينتقض الا بما هو أقوى منه وهو الجمعة.
وله: أن السعي الى الجمعة من خصائص الجمعة فكان الاشتغال به كالاشتغال بها من وجه فيصير به رافضا للظهر.
ويكره ان يصلّي المعذور يوم الجمعة صلاة الظهر بجماعة وكذلك أهل السجن لإجماع الأمة على ترك الجماعة يوم الجمعة مع أن المصر قلّ ما يخلو عن معذورين يتعذر عليهم إتيان الجامع.
ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلّى معه ما أدرك، وبنى عليه الجمعة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا" من غير فصل.
فإن أدركه في التشهد في او في سجود السهو بنى على الجمعة.
وقال محمد رحمه الله إن أدرك معه اكثر الركعة الثانية بنى على الجمعة وإن أدرك اقلها بنى الظهر عليها لأنه أدرك الجمعة تحريمةً، لا أركانا فيجمع بينهما احتياطا.
وهي جمعة في حقه عنده؛ ولهذا ألزمه القراءة في كل ركعة، وألزمه القعدة الأولى ايضا على رواية الطحاوي عنه.
وفي رواية المُعلّى عنه: لا يلزمه القعدة الأولى لأنه ظهر من وجه فلا تكون القعدة الأولى واجبة فيه.
الّا أنهما يقولان: هذا باطل؛ لأنه إن كان ظُهرا لا يمكنه ان يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وإن كان جمعة فهي لا تكون اربع ركعات.
واذا خرج الإمام يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته عند أبي حنيفة رحمه الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ”إذا خرج الإمام يوم الجمعة فلا صلاة ولا كلام”.
وقالا: يكره الصلاة في هذين الوقتين ولا يكره الكلام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ” خروج يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام “.
الجزء 1 · صفحة 66
واذا أذن المؤذن يوم الجمعة الآذان الأول ترك الناس البيع والشراء وتوجهوا الى الجمعة؛ لقوله تعالى: ” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ”.
واذا صعد الإمام المنبر جلس وأذّن المؤذنون بين يدي المنبر، فاذا فرغ من الخطبة أقاموا هكذا توارثنا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى يومنا هذا.
باب العيدين
يستحب يوم الفطر ان يَطعم الإنسان قبل الخروج الى المصلى فصلاً بينه وبين يوم الصوم. ويغتسل ويتطيب هو السنه المتوارثة وصيانة للناس عن الرائحة الكريهة.
ويتوجه الى المصلى؛ توصلا الى إقامة الواجب او السنة على حسب اختلاف الروايات والأوجه إنها واجبة وينبغي ان يخرج صدقة الفطر قبل الخروج الى المصلى وهو السنة المتوارثة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أغنوهم عن المسألة في هذه الايام".
ولا يُكبّر في الطريق عند ابي حنيفة رحمه الله يريد به جهراً.
وعندهما: يُكبّر جهراً.
وفي عيد الأضحى يكبّر جهراً حال ذهابه الى المصلى، فاذا انتهى الى المصلى يترك.
والصحيح قول أبي حنيفة رحمه الله لأن الأصل في الأذكار هو الإسرار وإنّما يُصار إلى الجهر بدليل زائد وقد ثبت في عيد الأضحى عن رسول الله انه كان يكبر في الطريق جهرا ولم يثبت في عيد الفطر.
ولا يتنفل قبل صلاة العيد يريد به: في المصلى؛ لقول علي رضي الله عنه: " صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد فلم يتنفل قبلها".
وروي انه رأى رجلا كان يتنفل في المصلى فقيل له ألّا تنتهي فقال أخشى أن أكون من الذين قيل فيهم:
“ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى “.
الجزء 1 · صفحة 67
وإن أحب أن يصلي بعدها صلّى اربعًا هكذا قال صاحب الكتاب الاّ أن مشايخنا قالوا: المستحب ان يصلّي أربعًا بعد الرجوع الى منزله؛ كيلا يظن ظانٌّ انه هو السنة المتوارثة.
فاذا حلّت الصلاة بارتفاع الشمس دخل وقتها الى الزوال، فاذا زالت الشمس خرج وقتها، لما روي ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العيد والشمس على قدر رمح او رمحين.
ويصلي الإمام بالناس ركعتين يكبّر في الأولى تكبيرة الإحرام وثلاثا بعدها ثم يقرأ فاتحة الكتاب والسورة ويكبّر تكبيرة يركع بها ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة فاذا فرغ من القراءة كبّر ثلاث تكبيرات ويكبّر تكبيرة رابعة يركع بها، وهذا قول عبد الله بن مسعود وبه اخذ علماؤنا رحمهم الله لأنه وافقه كثير من أصحابه وأنّه لا اضطراب في قوله، بخلاف قوله غيره.
وعن ابن عباس روايات كثيرة، والمشهور منها: انه يكبّر ثلاثَ عشرة تكبيرة ثلاثٌ أصليّات وعشر زوائد في كلّ ركعة خمسٌ في العيدين جميعاً.
ويقدّم التكبيرات على القراءة في الركعتين جميعاً وتكبير عامّة البلاد اليوم على هذا؛ لأن الولاية لما انتقلت الى آل عباس رضي الله عنهم امروا الولاة والناس بالعمل في التكبيرات بقول جدهم.
ويرفع يديه في التكبيرات العيد؛ لأن المقصود منها إعلام من لا يسمع؛ بخلاف تكبيرتي الركوع؛ لأنه لا يؤتى بهما في حالة الانتقال فلا حاجه الى رفع اليد للإعلام.
ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين يُعلّم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها كذا وردت السنة.
ومن فاته صلاة العيد مع الإمام لم يقضها بمنزلة صلاة الجمعة؛ لما أنّ الجماعة والسلطان شرط فيها وليس في وسع المتفرد تحصلها.
فإن غُمّ الهلال على الناس فشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال صلّى الإمام العيد من الغد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ".
فإن حدث عذر منع الناس من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده، وإن تُركت بغير عذر سقطت اصلا.
الجزء 1 · صفحة 68
وفي عيد الأضحى يصلي الى ثلاثة أيام سواء كان الترك لعذر او لا لعذر؛ لأن القياس ان لا تؤدى الا في العيد؛ لأنها عرفت بصلاة العيد وإنما عرفنا جواز الاداء في اليوم الثاني في عيد الفطر بالنص الخاص في حالة العذر وفي عيد الاضحى في اليوم الثاني والثالث استدلالاً بالأضحية.
ويستحب في يوم الأضحى أن يغتسل ويتطيب؛ للتوارث ويؤخر الأكل الى ما بعد الصلاة حتى يكون الفطر بتناول القرابين، بخلاف يوم الفطر وفي الرساتيق.
ويتوجه الى المصلّى ويكبّر؛ لما روينا من الحديث في عيد الفطر.
ويصلي الأضحى ركعتين كصلاة الفطر ويخطب بعدها خطبتين يُعلّم فيها الناس الأضحية وتكبير أيام التشريق هكذا جرى التوارث.
وتكبير أيام التشريق اولها عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة وآخره عقيب العصر من يوم النحر عند ابي حنيفة رحمه الله وهو قول ابن مسعود لأن الآثار قد اختلفت فكان الأخذ بالأقل أولى تحاميا عن البدعة في الجهر بالأثنية.
وقالا: الى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو ثلاثٌ وعشرون صلاة وهو قول عليٌ؛ أخذاً بالاحتياط من باب العبادات بالإتيان بالأكثر.
والتكبير عقيب الصلوات المفروضات في الجماعات المستحبة على المقيمين في الأمصار الله اكبر، الله اكبر الله اكبر، لا اله الا الله، الله اكبر، الله اكبر، ولله الحمد وهذا قول ابي حنيفة رحمه الله – لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ولا تشريق الا في مصر جامع "، والمراد بالتشريق هو التكبير كذا روي عن نضر بنت شميل.
وقالا: يجب على كل من يصلي المكتوبة؛ لأنها تبع للمكتوبة.
وقال الشافعي رحمه الله على كل من يصلي الصلاة مطلقا فرضا كانت او نفلا.
باب صلاة الكسوف
واذا انكسفت الشمس وصلّى الإمام بالناس ركعتين كهيئة النافلة في كل ركعة ركوع واحد.
اما الصلاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اذا رأيتم من هذه الأفزاع فافزعوا الى الصلاة". حتى قال بعض مشايخنا بأنها واجبة أخذوا بظاهر الأمر.
الجزء 1 · صفحة 69
وعن ابي حنيفة رحمه الله ما يدل على أنها سنة؛ فإنه بين خَيّر بين أن يصلي ركعتين وبين أن يصلي اربعا وبين الأكثر من ذلك والتخيير يكون في التطوع.
وقال الشافعي رحمه الله يركع في كل ركعة بركوعين وسجودين.
وكل ذلك مروي إلاّ أن ما قلنا موافق للأصول فكان الأخذ به أولى.
ويُطوّل القراءة فيهما ويخفي عند ابي حنيفة رحمه الله.
وعند ابي يوسف يجهر.
وقول محمد مضطرب.
والصحيح قول أبي حنيفة رحمه الله لأن الأصل في صلاة النهار المخافتة إلا اذا قام الدليل بخلافه.
ثم استحباب الجماعة فيها بثلاث اشياء بالجماعة والإمام الذي يقوم الجمعة والعيدين لأن الاجتماع بدون الإمام ربما يفضي الى الفتنة والفساد وبالمكان الذي تقام فيه الجمعة او صلاة العيد لأن الغالب أنهم لا يسعون الا في هذين الموضعين.
ويكره اداء كل قوم بجماعة في كل موضع فإن لم يجتمع الناس صلّاها الناس فرادى الا ان الصلاة جمعا افضل.
واذا فرغوا منها دعوا الله تعالى حتى تنجلي الشمس كذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وليس في خسوف القمر جماعة وإنما يصلي كل واحد وحده وهذا عندنا؛ لأن الاجتماع بالليل مما يشق على الناس وربما يفضي الى الفتنة ايضا.
وليس في الكسوف خطبة كذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: " ولا خطبة فيها".
باب الاستسقاء
قال أبو حنيفة رحمه الله: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونةٌ في جماعة، فإن صلى النَّاسُ وُحداناً جاز، وإنّما الاستسقاء الدعاء والاستغفار لقوله تعالى: ”فقلت استغفروا ربكم إنّه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا”، فمن زاد الصلاة لا يستغني عن دليل.
وقول محمد رحمه الله: يصلي الإمام بالناس ركعتين.
الجزء 1 · صفحة 70
وقول ابي يوسف مضطرب.
ويجهر الإمام فيهما بالقراءة ولا يكبر فيهما سوى تكبيره الافتتاح وتكبيرتي الركوع في المشهور.
وفي رواية يكبر فيهما كما في صلاه العيد.
ثم يخطب ويستقبل القبلة بالدعاء ويقلب ويقلب رداءه دون القوم وهو ان يجعل أسفله أعلاه عند مضي صدر من خطبته.
وعن ابي حنيفة رحمه الله لا يخطب.
وفي الجلوس في خطبته روايتان.
وإنما يخطب على الارض قائما معتمدا على قوس او سيف مستقبلا بوجهه الى الناس فاذا فرغ من الخطبة يجعل ظهره الى الناس ووجهه الى القبلة ويقلب رداءه.
ثم يشتغل بدعاء الاستسقاء مستقبل القبلة لان الدعاء مستقبل القبلة أقرب الى الإجابة فيدعو الله تعالى ويستغفر للمؤمنين ويجددون التوبة ويستسقون. وهذا عندهما.
وأما عند ابي حنيفة رحمه الله: تقليب الرداء ليس بسنة في دعاء الاستسقاء.
ثم المستحب أن يخرج الإمام بالناس الى الاستسقاء ثلاثة ايام متتابعات لان الثلاثة مدة لإبلاء الأعذار ولا يحضر اهل الذمة الاستسقاء لان الخروج لطلب الرحمة، والكفرة أهل السخط والعقوبة.
باب قيام شهر رمضان
ويُستحب أن يجتمع النَّاسُ في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات في كل ترويحة تسليمتان، ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة.
وهي سنة لا يسع تركها اذ الأمة اجمعت على شرعيتها وجوازها ولم ينكرها احد من اهل القبلة الا الروافض.
ويصلون كل ليلة عشرين ركعة بفاتحة الكتاب وقدر عشر آيات اقل او اكثر؛ لأن السنة في التراويح الختم مرة لأن عدد الركعات في جميع الشهر ستمائة، وعدد آي القران ستة آلاف وشيء فاذا قرأ في كل ركعة عشر آيات يحصل الختم فيها.
الجزء 1 · صفحة 71
ومشايخ بخارى رحمهم الله جعلوا القران خمسمائة وأربعين ركوعا، وأعلمو المصاحف بها؛ ليقع الختم في ليلة السابع والعشرين رجاء ان ينالوا فضيلة ليلة القدر؛ اذ الاخبار قد كثرت على انها هي ليلة السابع والعشرين من رمضان.
ثم يوتر بهم إمامهم، ولا يصلي الوتر جماعة في غير شهر رمضان توارثا هكذا من لدن زمن عمر رضي الله عنه.
باب صلاة الخوف
وإذا اشتدَّ الخوفُ جعل الإمامُ النَّاسَ طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة خلفه، فيُصلِّي بهذه الطَّائفة ركعة وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضَتْ هذه الطَّائفة إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة فيُصلِّي بهم الإمام ركعةً وسجدتين ويسلم، ولا يسلّم القومُ وذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطَّائفةُ الأولى فصلوا وُحداناً ركعة وسجدتين بغير قراءة، وتشهدوا وسلَّموا ومَضَوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا ركعة وسجدتين بقراءة، وتشهدوا وسلَّموا ومَضَوا إلى وجه العدو.
وهذا في صلاة الفجر وذوات الأربع في حالة السفر.
وإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين والثانية ركعتين ويصلي بالطائفة الأولى ركعتين ومن المغرب وبالثانية ركعة.
ولا خلاف ان صلاة الخوف كانت مشروعة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما بعده هل بقيت مشروعة؟ فعلى قول ابي حنيفة ومحمد رحمهم الله وهو قول ابي يوسف رحمه الله أولاً بقي ثم رجع وقال: لم تبقى مشروعة بعده ذكره في نوادر ابي سليمان.
والصحيح هو الاول لما ان الصحابة رضي الله عنهم اجمعين أقاموا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى: ” واذا كنت فيهم” معناه والله اعلم انت او من يقوم مقامك في الإمامة.
وصفتها عندنا ما ذكر في الكتاب وهو اولى؛ لأنه اوجه واوفق لظاهر الكتاب.
ولا تجوز الصلاة في المقاتلة، وهذا عندنا وقال مالك وهو قول الشافعي رحمهم الله القديم يجوز.
الجزء 1 · صفحة 72
والصحيح قولنا لأن القتال عمل كثير ليس من أعمال الصلاة ولا تمس الحاجة اليه لا محالة فكان مفسدا كاتباع السارق لاسترداد المال ولو جاز هذا لما أخّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اربع صلوات يوم الخندق.
وان اشتد الخوف صلوا ركبانا وحدانا يومئون بالركوع والسجود الى اي جهة شاءوا اذا لم يقدروا على التوجه الى القبلة؛ لان بينهم وبين الإمام طريق فيمنع ذلك صحة الاقتداء.
وعن محمد رحمه الله انه جوّز لهم ان يصلوا ركبانا بالجماعة احرازا لفضيلة الجماعة الى ان نقول: ما اثبتناه من الرخصة اثبتناه بالنص، ولا مدخل للرأي في اثبات الرخصة.
باب الجنائز
إذا احتضرَ الرَّجلُ وُجّه إلى القبلة على شقه الأيمن.
واختار أهل بلادنا الاستلقاء على قفاه وقيل بأنه ايسر لخروج الروح.
والاول أفضل لأنه هو السنة؛ ولأنه أقرب الى الموت فيضجع في هذه الحالة كما يضجع في القبر بعد الموت.
ويلّقن الشهادة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا اله الا الله ".
والمراد منه الذي قرب من الموت لا الميت حقيقة.
فإذا مات شدوا لحييه غمضوا وعينيه؛ لأنه اذا تُرك كذلك يكون كريه المنظر ويقبح في أعين الناس وعليه توارث الأمة ايضا.
فإذا ارادوا غسله وضعوه في سرير اي تخت وجعلوا على عورته خرقة ونزعوا ثيابه.
أما غسل الميت واجب؛ لإجماع الأمة من لدن ادم عليه السلام الى يومنا هذا، وأما الوضع على السرير وتجريده عن الثياب؛ للتمكن من الغسل المطهّر.
ويوضأ أولا وضوءه للصلاة الى أنه لا يمضمض ولا يستنشق ولا يمسح على راسه ولا يؤخر غسل قدميه
اما ترك المضمضة والاستنشاق؛ فلأن إخراج الماء منه متعذر او متعسر، واما عدم المسح على رأسه فلأنه لا فائدة فيه.
الجزء 1 · صفحة 73
وأما غسل الرجلين فلان الغسالة لا تجتمع تحت قدميه.
ثم يفيضون الماء عليه ثم يضجع على شقه الأيسر فيغسل حتى يرى ان الماء خَلُص الى ما يلي التخت لأن المسنون هو البداءة بالميامن.
والسنة ان يغلى الماء بالسدر والخطمي والحُرض فإن لم يكن فالماء القراح يكفي ويغسل رأسه ولحيته بالخطمي تنقية له من عن التفث وتطهيرا له عن النجاسة والدرن.
ثم يضجعه على شقه الايمن فيغسله بالماء القراح الذي اغلى فيه ما ذكرنا حتى ينقيه ويرى ان الماء قد خلص الى ما يلي التخت.
ثم يجلسه ويسنده الى يده ويمسح بطنه مسحا رفيقا فإن خرج منه شيء مسحه ولا يعيد غسله.
ثم يضجعه على شقه الايسر فيغسله بالماء القراح حتى ينقه لان السنة في غسل الميت هو الثلاث اعتبارا بغسل الحي.
ويُجمَّر سريره وترا اي يعطر بالمجمر.
وقوله وترا اي واحدا او ثلاثا او خمسه لان الوتر أحب الاعداد الى الله تعالى ففي الخبر" ان الله تعالى وتر يحب الوتر ".
ثم ينشف الميت بخرقه كي لا تبتل أكفانه، ويجعل الحنوط في رأسه ولحيته والكافور على مساجده يعني به جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه؛ لأنه كان يسجد على هذه الاعضاء فتخص بزياده الكرامة وذلك بعدما جعل في أكفانه وهذا لأنه يلبس كفنه للعرض على ربه، وفي حياته كان اذا لبس ثوبه للجمعة والعيد طيب فكذلك بعد الموت يفعل بكفنه.
والسنة ان يُكفن الرجل في ثلاثة أثواب إزار، وقميص، ولفافة وهذا عندنا؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنه: كُفّن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث أثواب بيض سحولية فيها قميصه.
فإن اقتصر على ثوبين جاز لأن المقصود هو الستر والاكرام وقد حصل.
فاذا أرادوا ان يلفوا اللفافة عليه ابتدأوا بالجانب الأيسر فألقوه عليه ثم بالأيمن فإذا خافوا ان ينتشر الكفن عنه عقدوه، اعتبارا بالمقتبي في حياته.
الجزء 1 · صفحة 74
واذا وضع في قبره تحل العقدة ولا يبين أنه هل تخشى مخارقه؟ قالوا لا باس بذلك في انفه وفمه كي لا يسيل منه شيء.
وفي تعميم الميت اختلاف المشايخ وقد استحسنه بعض المشايخ لحديث ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان يعمم الميت، ويجعل ذنب العمامة على الوجه، بخلاف حالة الحياة حيث يرسل قبل القفا؛ لمعنى الزينة وقد انقطع ذلك بالموت.
وتكفن المرأة في خمس اثواب: إزار، وقميص، وخمار ورداء، وخرقه تربط بها ثدييها روت ام عطية: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن أبنته رقية في خمسة أثواب.
وإنّ اقتصروا على ثلاثة أثواب جاز ويكون الخمار فوق القميص تحت اللفافة كذا وردت السنة.
ويجعل شعرها على صدرها ولا يعقص ولا يسرح شعر الميت ولا لحية الرجل ولا يقلم ظُفره ولا يقص شعره لان ذلك امر يفعله الحي للزينة وقد انقطع ذلك بالموت ولأنه لو فعل به ذلك ربما يتناثر شعره.
والسنة دفنه على ما مات عليه وتُجمر الأكفان قبل ان يدرج فيها وترا اي تجمع لما روينا أن أحب الأعداد الى الله تعالى الوتر.
فاذا فرغوا منه صلوا عليه السنة المتوارثة.
وأولى الناس بالصلاة: السلطان اذا حضر فان لم يحضر فالقاضي او الوالي وان لم يحضر واحد منهم فإمام الحي استحسانا لا استحبابا فإن لم يكن فوليه الاقرب فالأقرب على ترتيب العصبات.
أما تقديم السلطان فلأن له ولاية عامة في تقديم عليه ازدراء وكذا من يقوم مقامه.
واما إمام الحي لأنه رضيه بإمامته في حال حياته.
وان صلّى عليه غير الولي والسلطان أعاد الولي لان الصلاة لم تجز بدون الولي لحقه، وإن صلّى الولي لا تُعاد؛ لأنه لو جاز اعادة الصلاة على الجنازة لصلينا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وان دُفن الميت ولم يصلِّ عليه صُلّي على قبره لأنه قد سلم الى الله تعالى وخرج عن ايديهم قال - صلى الله عليه وسلم -: "القبر اول منزل من منازل الآخرة "الى أنهم لم يؤدوا حقه بالصلاة عليه، والصلاة على القبر مما يتأتى قد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيصلى على قبره ما لم يعلم انه تفرق جسده.
الجزء 1 · صفحة 75
والصلاة أن يكبر تكبيره يحمد الله عقيبها ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يرفع يديه ثم يكبر الثالثة يدعو فيها للميت ولنفسه وللمسلمين ثم يكبر الرابع ويسلم.
والتكبيرات اربع عند أهل السنة والجماعة وقالت الروافض خمس ويرون ذلك عن علي رضي الله عنه ويكذبون فقد جمع عمر رضي الله عنه الصحابة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اختلفوا في هذا فاتفقوا على آخر صلاة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان صلّى على سهيل بن البيضاء وكبر عليه اربعا فاتفقوا عليه.
هذا اذا كبر الافتتاح مع الامام فإن كبر الامام تكبيرة او تكبيرتين ثم جاء رجل فانه ينتظر عند ابي حنيفة ومحمد حتى يكبر الامام فيكبر معه عند ابي يوسف رحمه الله يكبر حين يحضر.
ومذهبهما مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ويقوم المصلي عليه بحذاء صدر الميت اشارة الى أنّا نشفعه لإيمانه.
ولا يصلّى على ميت في مسجد جماعة وهذا عندنا لحديث ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " انه قال من صلّى على جنازة في المسجد فلا أجر له ".
واذا وضعت الجنازة خارج المسجد والإمام مع صف واحد قام خارج المسجد هل يكره؟ ففيه اختلاف المشايخ.
واذا حملوه على سريره اخذوا بقوائمه الأربعة ويمشون بها مسرعين دون الخبب وهذا عندنا.
اما الأخذ فلتعظيم الميت واما الثاني في فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " انه سئل عن المشي بالجنازة فقال ما دون الخبب فإن يكُ خيرا عجلتموه وإن يكُ شرا وضعتموه عن رقابكم "او قال" فبعدا اهل النار".
فان بلغوا الى قبره كره للناس ان يجلسوا قبل ان يوضع عن اعناق للرجال موافقه للذين يحملون الجنازة واستعدادا لإعانتهم ولأنهم انما حضروا اكراما له، فكان الجلوس قبل الوضع عن المناكب نوع استخفاف وازدراء به وبعد الوضع لا يؤدى الى ذلك.
ويحفر القبر ويلحد وهذا عندنا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " اللحد لنا والشق لغيرنا ".
ويدخل الميت مما يلي القبلة عندنا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ادخل ابا دُجانة من قبل القبلة.
الجزء 1 · صفحة 76
فاذا وضع في لحده قال الذي يضعه: بسم الله وعلى ملة رسول الله هكذا السنه.
ويوجهه الى القبلة؛ لما روي في الخبر خير الاماكن ما استقبلت به القبلة.
ويحل العقدة ويسوي اللبن عليه ويكره الآجر ولا يكره القصب لانهما للبقاء والقبر للبلى والفناء وهكذا ورد في الاثر.
ثم يهال التراب عليه ويُسَنّم القبر ولا يُسطّح اي لا يربع وهذا عندنا؛ لان النبي - صلى الله عليه وسلم - " نهى عن تربيع القبور"، وعن عبد الرحمن بن رافع انه قال: " رأيت قبر رسول الله مسنما".
ولا يجصص لما روي ان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تقميص القبور" وهو تجصيصها.
ولا يطين ولا يبنى عليه لأنه يشبه عماره الدنيا.
ويسجى قبره المرأة ولا يسجى قبر الرجل لأن بناء حالهن على الستر ومر علي رضي الله عنه بقبر رجل قد سجي فنحاه وقال انما هو رجل.
ومن استهل بعد الولادة سمي وغسل وصُلّي عليه ومعنى الاستهلال رفع الصوت بالبكاء لأنه حي كسائر الاحياء.
وان لم يستهل ادرج في خرقه ولم يصلِ عليه.
وعن محمد رحمه الله انه يغسل.
وهل يسمى؟ روي عن ابي حنيفة وابي يوسف رحمه الله انه لا يسمى وعن محمد رحمه الله انه يسمى.
باب الشهيد
الشهيد من قتله المشركون او وجد في المعركة قتيلا وبه اثر الجراحة او قتله المسلمون ظلما ولم يجب بقتله دية لأنه في معنى شهداء أُحد وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حق شهداء: "أُحد زملوهم، بكلومهم، ودمائهم فانهم يبعثون يوم القيامة و أوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك ".
فيكفن ويصلى عليه عندنا ولا يغسل خلافا للشافعي رحمه الله لما روي ان النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلّى على حمزة سبعين صلاة" اي على سبعين نفرا وحمزة موضوع بين يديه يدعو له مع كل صلاة.
واذا استشهد الجنب غسل عند ابي حنيفة رحمه الله وكذلك الصبي.
الجزء 1 · صفحة 77
وقال لا يغسلان لأطلاق الحديث في شهداء احد.
ولابي حنيفة رحمه الله حديث غسل الملائكة لحنظله بن ابي عامر حين استشهد جنبا.
والصبي ليس في معنى شهداء احد في كون القتل مُكفِّرا للذنوب فلا يكون في معناهم.
ولا يغسل عن الشهيد دمه ولا ينزع عنه ثيابه؛ لحديث زيد بن صوحان رضي الله عنه حين قال: "استشهد يوم الجمل قال لا "تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا وارمسوني في التراب رمسا فاني رجل محاج احاج يوم القيامة من قتلني ".
وينزع عنه الفرو والحشو والخف والسلاح وما لا يصلح كفنا لان ما يترك كفنا وهذه الاشياء لا تصلح كفنا.
ومن ارتث غسل معناه من خلق امره في باب الشهادة يقال ثوب رثه اي خلق لأثار وردت في غسل مرتث ولان المرتد لا يكون في معنى شهداء احد لانهم لم يرتثوا.
والارتثاث: ان يأكل او يشرب او يداوى او يبقى حيا حتى يمضي وقت صلاة وهو يمرض او ينقل من معركه حيا ثم مات لأنه هذه الامور من مرافق الاحياء فيخفف اثر الظلم بسبب هذه الاشياء فتبطل المقايسة بشهداء أحد.
ومن قتل في حد او قصاص غسل وصلي عليه لأنه ليس في معنى الشهداء ومن قتل من البغاء قطاع الطرق لم يصلى عليه لانهم يحاربون الله ورسوله فيستحقون الإهانة دون كرامة.
باب الصلاة بالكعبة
الصَّلاةُ في الكعبة جائزة فرضُها ونفلها؛ لأنَّه متوجّه إلى بعض الكعبة، وهذا هو الفرضُ في حقه كما في حق من هو خارج الكعبة، وهذا عندنا خلافاً لمالك – رحمه الله في صلاة الفرض.
فإن صلى الإمام بجماعة فَجَعَلَ بَعضُهم ظَهرَه إلى ظهر الإمام جاز؛ لأنه وُجد استقبال في القبلة من الكلِّ على وجه ليس فيه تَقدُّم أحدهم على الإمام فيجوز.
ومَنْ جَعَلَ منهم ظَهِرَهُ إلى وَجْهِ الإمامِ لا يجوز؛ لتقدمه على إمامه.
ومَنْ كانَ عن يمين الإمامِ أو عن يساره جاز، إذا لم يَكُن أَقرب إلى الجدارِ الذي توجه إليه الإمامُ من الأَمامِ؛ لما قلنا: إِنَّ الجهات كلها قبلة، ولا تقدم فيها على الإمام.
الجزء 1 · صفحة 78
وهذا بخلاف قومِ صَلَّوا بالتحري في المفازة عند الاشتباه إلى جهات مختلفة، حيثُ لا تجوز صلاةٌ مَنْ عَلِمَ بِمخالفة جهة إمامه؛ لأنَّ تلك الجهة ليست بقبلة عِنْدَهُ، فكان إمامه على الخطأ عنده.
وإذا صلَّى الإمامُ في المسجد الحرام فيتحلَّقُ النَّاسُ حول الكعبة، وَصَلَّوْا بصلاة الإمامِ فَمَنْ كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام جازت صلاته، إذا لم يكن في جانب الإمام؛ لاستقبال الكل القبلة، وعدم تقدمهم على إمامهم.
ومَنْ صَلَّى على ظَهْرِ الكعبة جازت صلاته عندنا، خلافاً للشافعي رحمه الله؛ لأنه يكون متوجهاً إلى هواء الكعبة، وهو منها.
كتاب الزكاة
قال رحمه الله: الزكاة واجبه على الحر البالغ المسلم العاقل اذا ملك نصابا ملكا تاما وحال عليه الحول.
اعلم بان الزكاة واجبة، وهي الطهرة والنماء لغة وسميت بها شريعة؛ لما فيه من طهره المؤدي بالمغفرة ونماء المؤدى عنه بالبركة.
ووجوبها ثابت بالكتاب والسنه وإجماع الامة.
وأما اشتراط الحرية؛ فلأن غير الحر لا يملك والملك شرط.
وأما البلوغ والعقل؛ فلأن الخطاب لا يتوجه على الصبي والمجنون على ما عرف.
وأما الاسلام؛ فالأهلية الثواب الموعود فيها.
وأما الغنى بملك النصاب فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا صدقة إلا عن ظهر غنى".
وأما تمام الملك؛ فلأن الملك الناقص لا يكفي لوجوب الزكاة كملك المكاتب.
وأما حولان الحول فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه".
وليس على الصبي ولا المجنون ولا المكاتب زكاة هذا عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: تجب في مال الصبي والمجنون.
الجزء 1 · صفحة 79
والصحيح قولنا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ" وفي ايجاب الزكاة عليهما اجراء القلم عليهما وهذا لا يجوز؛ ولأنها عباده خالصة فلا تجب عليهما كصوم والصلاة ودليل كونها عبادة أنها من الخمس التي بني عليها الاسلام.
واما المكاتب؛ فلأنه عبد ما بقي عليه درهم وأنه ليس من أهل الملك فلا يتحقق في حقه الغنى الذي هو شرط وجوب الزكاة.
ومن كان عليه دين يحيط بماله فلا زكاة عليه فإن كان ماله اكثر من الدين زكى الفاضل اذا بلغ نصابا وهذا عندنا؛ لأن قدر الدين مستحق الصرف إلى الدين فهو كالمصروف إليه كالماء المستحق للشفة كالمصروف إليه في حق جواز التيمم.
وليس في دور السكنى وثياب البذلة واثاث المنازل والدواب الركوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاة؛ لانعدام وصف النماء في الكل.
ولا يجوز اداء الزكاة الا بنية مقارنه للأداء او مقاربة لعزل المقدار الواجب؛ لأنها عبادة خالصة وطاعة صافية لله تعالى فكان الاخلاص من شرطها وذا بالنية.
ومن تصدق بجميع ماله لا ينوي الزكاة سقط فرضها عنه؛ لأن الركن الزكوي قد تم وهو التمليك من الفقراء على سبيل المبرة لتعيين جزء من النصاب لأداء الواجب.
باب زكاة الابل
وليس في اقل من خمس ذود من الابل صدقة، فإذا بلغت خمسا سائمة وحال عليها الحول ففيها شاة الى تسع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ”في خمس من الإبل السائمة شاة”، وفي العشر شاتان إلى اربعة عشر، فإذا كانت خمسة عشر ففيها ثلاث شياه الى تسعة عشر، فإذا كانت عشرين ففيها اربع شياه الى اربع وعشرين، فاذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي التي تمت لها السنةوطعنت في الثانيةالى خمس وثلاثين، فإذا كانت ستة و ثلاثين ففيها بنت لبون وهي التي لها السنتان وطعنت في الثالثة الي خمس واربعين، فاذا كانت ستة وأربعين ففيها حقة وهي التي تمت لها ثلاثة سنين وطعنت في الرابعة إلى ستين فاذا كانت احدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون الى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان الى مائة وعشرين، ثم تستأنف الفريضة، فيكون الخمس شاة مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاثة شياه، وفي العشرين اربعة شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض
الجزء 1 · صفحة 80
الى مائة وخمسين، فيكون فيها ثلاث حقاق، ثم تستأنف الفريضة على نحو ما قلنا، ففي كل خمس شاة مع ثلاث حقاق، وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشره ثلاث شياه، وفي عشرين اربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين بنت لبون، فتصير الجملة مائة وستة وثمانين، فإذا بلغت مائة وستة وتسعين ففيها اربع حقاق إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة كما تستأنف في الخمس التي بعد المائة والخمسين، والى مائة وعشرين لا خلاف بين الامة.
فاذا زاد فعندنا الجواب ما ذكر في الكتاب.
وعند الشافعي رحمه الله اذا زادت الابل عن مائة وعشرين ففي كل اربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
وهو المذهب مالك رحمه الله إلا أن ملكا يشترط الزيادة عشرة، والشافعي رحمه الله: يعتبر واحدا.
والصحيح قولنا؛ لأن الأحاديث قد تعارضت فقد روي كما قلنا وقد روي كما قالا، إلا أنا رجحنا ما قلنا؛ لأنه مذهب علي وابن مسعود رضي الله عنهما، كانا من فقهاء الصحابة وهذا باب لا مدخل للرأي فيه؛ فكان ذلك دليلا على الاستقرار على الوجه الذي قالا من التوقيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والبخت والعراب في وجوب الزكاة سواء لشمول اسم الإبل الكُلَّ.
باب صدقة البقر
وليس في اقل من ثلاثين من البقر صدقة، فإذا بلغت ثلاثين سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيع او تبيعة، وهي التي تمت لها سنة وطعنت في الثانية، وفي أربعين منها مسنة بهذا امر الرسول الله معاذ بن جبل حين بعثه، على هذا الاجماع الأمة.
فاذا زادت الى الاربعين وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند ابي حنيفة رحمه الله، ففي الواحد ربع عشر مسنة او ثلاث عشر تبيع، وفي الاثنين نصف عشر مسنة، وفي الثلاث ثلاثة ارباع عشر مسنة او تبيعة.
وقالا: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين فيكون فيها تبيعتان.
وهو رواية أسد بن: عمرو عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي – رحمهما الله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تأخذوا من أَوْقاص البقر شيئاً"، وفسروا الأوقاص بما بين الأربعين إلى ستين، وهذا هو أعدل الأقاويل.
الجزء 1 · صفحة 81
وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة تبيعتان ومُسنة؛ وعلى هذا يتغيَّر الفرضُ في كلِّ عَشَر من تبيع إلى مُسِنَّة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ الله حين بعثه إلى اليمن: " في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة"
والجواميس والبقر سواء؛ لاشتمال اسم البقر عليهما.
باب صدقة الغنم
وليس في أقل من أربعين شاة صدقةٌ. فإذا كانت أربعين سائمة وحال عليها الحولُ ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة فقيها ثلاث شياه. فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة.
هكذا كتب أبو بكر الصديق كتاب الصدقات لأنس بن مالك وعليه إجماع الأمة، وطريق معرفة النُّصُبِ النَّصُّ دون الاجتهاد.
والضأن والمَعْزُ سواء؛ الشمول اسم الغنم الكلَّ.
باب زكاة الخيل
الخيل إذا كانت سائمة ذكوراً وإناثاً فصاحِبُها بالخيار، إن شاءَ أعطى عن كلِّ فَرَس ديناراً أحمر، وإن شاءَ قومها وأعطى من كلَّ مائتين خمسة دراهم، وفي الذُّكورالخلص والإناث الخلص روايتان.
وقالا: لا زكاة في الخيل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عفوتُ لكم صدقة الخيل والرقيق ".
وله قوله - صلى الله عليه وسلم -: في كل فرس سائمة دينار.
وليس على الرابط شيء؛ قياساً على سائر السوائم.
ولا شيء في البغال والحمير في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في النخة ولا في الجبهة ولا في الكسعة صدقة".
قيل: النخة: الرقيق، والجبهة: الخيل، والكسعة: الحمير.
إلا أن تكون للتجارة؛ اعتبارا بسائر عروض التجارة".
وليس في الفصلان، والعجاجيل، والحملان صدقة عند أبي حنيفة، وهو قول محمد إلا أن يكون معها كبار.
الجزء 1 · صفحة 82
وقال أبو يوسف: تجب فيها واحدة منها.
وهذا فيها إذا كانت خمسة وعشرين، وفي أقل منها لا يجب شيء عنده في رواية له.
انا الفائت هو وصف الكبر وهذا لا يمنع وجوب الزكاة كالمهازيل.
ولهما: أنَّ النَّصَّ وَرَدَ بأسنان معلومة وهي بنت مخاض فما فوقها في نُصُبٍ مُرتبة، ولا يوجد فيها بنت مخاض؛ ولأنَّه جنس لا يُؤخذ منه في الصدقة، فلا تجب فيه أيضاً، بخلاف المهازيل؛ لأنَّه يُوجد فيها المنصوص عليه، وهو بنتُ مخاض فصاعداً، وبخلاف ما إذا كان معها كبار؛ لأنها أتباع لكبار، فكانت العبرة بالمتبوع، فصار كأنَّ الكل مسان.
ومَنْ وَجَبَ عليه في إبلِه سِن فلم يُوجد ذلكَ أَخَذَ المصَّدِّقُ أَعلى منه ورد الفضل، أو أَخَذَ دونها وأَخَذَ الفَضْلَ؛ تحرزاً عن الإضرار بالفقراء أو الإجحاف بأرباب الأموال.
ويجوز دفع القيم في الزَّكاة، وكذا في العُشورِ، والكفارات، وهذا عندنا، خلافاً للشافعي رحمه الله.
والصَّحيح قولنا؛ لأنَّ المقصود من إيجابِ الزَّكاةِ إغناء الفقير، وهذا يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء الشَّاة.
وليس في العوامل والعلوفة والحوامل صدقةٌ؛ لأنَّ الزَّكَاةَ لا تجب إلا في المال النامي، والنماء في الحيوان بالإسامة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في العوامل والحوامل صدقة".
ثم السائمة هي التي تسام في البراري يُقصد الدَّرُ والنَّسل.
والشَّرط أن تُسام في أكثر السَّنةِ وإن كانت تُعلَف في الأمصار في أقل السنة، لا أن تسام في جميع السنة.
ولا يأخذ المصدِّقُ خِيارَ المالِ ولا رُذالته، ويأخذُ الوَسَطَ؛ لأنَّ به يعتدلُ النَّظَرُ من الجانبين.
المستفاد من جنسِ النّصابِ في أثناء الحولِ يُضمُّ إلى ما عِنْدَه عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله – لا يُضمُّ إلا الأولاد والأرباح"؛ لأنَّ المستفاد أصل في حق الوظيفة والملك والسبب، فكذا في حق الحول. أما الأولاد والأرباح فهي تابعة للأصول حقيقة.
الجزء 1 · صفحة 83
ولَنَا: أَنَّه تَبَع من حيثُ إِنَّ الأصلَ يَتكثرُ به ويزداد، والزيادة تبع للمزيد عليه فاعتبرنا جهة التبعية في حق الحول احتياطاً لأمرِ الزَّكاة. والمستفاد بخلافِ جنسه لا يضم لانعدام الجنسية. فإن أعلف السائمة نصف الحولِ أو أكثر فلا زكاة فيها؛ لأنَّ جهة الإسامة لم تترجح فلا تجب.
والزَّكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله - في النَّصابِ دُونَ العفو.
وعند محمد - رحمه الله: في الكُل؛ لأنَّ الزَّكاةَ وجَبَت شائعة في الكُلِّ، فَيَتعلق الواجب بالكل.
ولهما: أن النصاب هو الأصل وما عداه تابع؛ ألا ترى أنه تتعلق الزَّكاةُ بالنصاب ولم تجب في العفو ابتداء، والحكم يتعلق بالأصل دُونَ التَّبع.
فإن هَلَك المالُ بعد وجوبِ الزَّكَاةِ سَقَطَت.
وعند الشافعي رحمه الله: إذا هَلَك بعد التفريط لا يسقط لأنه صار فصار ضامناً.
ولنا: أنَّ الواجب زكاة هو جزء من النّصاب، وقد هَلَكَ فتعذَّر أداءُ الواجب. فإن قدم الزَّكاة على الحولِ وهو مالك للنصابِ جاز؛ لِتَحقُّقِ الأَداءِ بعد وجوبِ السبب؛ لأنَّ المال سبب بدليل إضافة الزكاة إليه، والأصل إضافة الحكم إلى السبب.
باب زكاة الفضة
ليس فيما دون مائتي درهم صدقة، فإذا كانت مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم؛ لقوله في كتاب عمرو بن حزم: ليس فيها صدقة حتّى تبلغ مائتين فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم، سواءٌ نوى التجارة أو لم ينو، وسواء كانت مضروبة أو تبراً أو حلياً.
وهذا عندنا؛ لما روينا من الحديث من غير فصل.
ولا شيء في الزيادة حتّى تبلغ أربعين درهماً فيجب درهم.
وقالا: يجب في الزيادة بقدره، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في الرَّقَةِ ربعُ العُشْرِ " مطلقاً.
له: أن في اعتبار الكسورٍ حَرَجاً بالنَّاس، والخرجُ مرفوع.
وإذا كان الغالب على الورق الفضةُ فهو في حكم الفضةِ؛ لأنَّ الغش مستهلك فيها، الضابط في الغش وإن كان الغالب عليها الغشَّ فهو في حكم العروض، وفي العروض إذا كانت للتجارة تعتبر بالقيمة
الجزء 1 · صفحة 84
إن بلغت نصاباً تجب، وإلا فلا إلا أن تكون كثيراً، يبلغ ما فيها من نصاباً فحينئذ تجب؛ هذا إذا لم تكن ثَمَناً رائجةً، فأما إذا كانت ثمناً رائجة إن بلغت نصاباً من أدنى ما يجب من الزَّكاة من الدَّراهم الرديئة تجب فيها الزَّكاةُ، وإلا فلا.
باب زكاة الذهب
ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقة فإذا كانت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول ففيها نصفُ مثقال، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي رضي الله عنه: "ليس عليك في الذَّهَبِ زكاة ما لم يبلغ عشرين مثقالاً "، فإذا بلغ عشرين ففيها نصفُ مثقال، ثم في كل أربع مثاقيل قيراطان.
وليس فيما دون أربع مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة رحمه الله.
وعندهما والشافعي: تجب في الكسور.
و الصحيح قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لما قلنا في الدراهم.
وفي تبر الذهب والفضة وحُليهما والآنية منها الزكاة، خلافاً للشافعي رحمه الله – في الحلي كما في الفضة.
والصحيح قولنا؛ لما روينا من الحديث.
باب زكاة العروض:
الزَّكاةُ تجب في العُروض إذا كانت للتّجارةِ، وحال عليها الحولُ، وبلغت قيمتها نصاباً من الورق أو الذهب، يقومها بما هو أنفع للمساكين منهما؛ لأنَّ السَّبب هو المال النامي الفاضل عن الحاجة. والنماء في مال التجارة بالاسترباح؛ إلا أنَّ حقيقة النماء مما يتعذر اعتبارها، فأقيمت التجارة التي هي سبب النماء مع الحول الذي هو زمان الاستنماء مقامه، فمتى حال الحول على مال التّجارة يكون نامياً فاضلاً عن الحاجة تقديراً، ويقوم بما هو الأنفع نظراً للفقراء.
وإذا كان النصاب كاملاً في طَرَفي الحولِ، فنقصانه فيما بين ذلك لا يُسقط الزَّكَاةَ، وهذا عندنا.
وقال زفر – رحمه الله: يُعتبرُ كمالُ النّصابِ مِن أَوَّل الحول إلى آخره، وهو قول الشافعي – رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 85
والصحيح قولنا؛ لأنَّ كمال النصاب شرط وجوب الزكاة فيعتبر حال انعقاد السبب، وحال ثبوت الحكم وهو أوّل الحول وآخره. فأما إذا هَلَكَ كُلُّ النّصاب يُستأنف الحول؛ لأنَّه لم يبق شيء من النصاب حتَّى يُضم إليه المستفاد بخلافِ الفصلِ الأَوَّلِ؛ لأنَّ ثمة بعض الأصل فيضم إليه المستفاد، فيتكامل الحول.
وتضم قيمة العُروض إلى الذهب والفضة؛ لاتحاد معنى الكلِّ فيما يرجع إلى التجارة إلا أنَّ الذَّهب والفضة للتّجارة، وضعاً، وغيرهما للتّجارة جَعْلاً، لكن عند أبي حنيفة رحمه الله – يقوم بأنظرِهِما للفقراءِ مِن الدَّراهم والدنانير حتَّى بَلَغت نصاباً بالفضة دون الذهب يقوم بالفضة دون الذهب لأنهما في حُكم الثَّمينة سِيَّان، فيُعتبر الأرفق للفقراء احتياطاً.
وعند محمد – رحمه الله: يقومُ بالنَّقدِ الغالب على كل حال.
وقال أبو يوسف: يُقوَّمُ بالثمن الذي اشتراها، وإن كان الثّمنُ مِن العُروض، يُقومُ بالنقد الغالب.
ويُضمُّ الذَّهَبُ إلى الفضة بالقيمة عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: بالأجزاء.
وقال الشافعي – رحمه الله: لا يُضمُّ، بل يُعتبر كمال النصاب من كل واحد منهما على حدة؛ لأنهما جنسان مختلفان فلا يُضمُّ أحدهما إلى الآخر في حق تكميل النصابِ كالسوائم.
ولنا حديث بكير بن عبدالله بن الأشج "قال: من السُّنة أن يُضمّ الذَّهَبُ إلى الفضة في إنجاب الزكاة ". ومطلق اسم السنة ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهما قالا: لأنَّ الشرع اعتبر الأجزاء في كل فرد منهما.
ولأبي حنيفة – رحمه الله: هما عينان وجبَ ضمُّ أحدهما إلى الآخر لإيجاب الزَّكاةِ؛ فكان الضم باعتبار القيمة كعُروض التجارة؛ وهذا لأنَّ النصاب إنَّما يُشترط للغنى والغنى بالمالية لا بالأجزاء.
باب زكاة الزروع والثمار
قال أبو حنيفة – رحمه الله: ما أخرجت الأرضُ ففيه العُشرُ، قل أو كثر، سواءٌ سُقي سَيْحاً، أو سَقَتَهُ السَّماء، ما له ثمرة باقية أو لم تكن له ثمرةٌ باقيةٌ إلا الحطب والقَصَب والحشيش.
وقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق.
والوَسْقُ ستون صاعاً بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء 1 · صفحة 86
وليس في الخضر عندهما شيء.
وما سقي بغرب أو دالية أو ساقية ففيه نصف العشر في القولين.
لهما: أنَّ حق الله تعالى إنَّما يجب فيما يعزُّ وجوده فيناله الأغنياء دون الفقراء كالسوائم ومال التجارة وما له ثمرةً باقية يعزُّ وجوده، فأمَّا الخضر والرياحين تافه عادة، فلا يجب فيها العشر، كما لا يجب في الصيود، والخطب، والحشيش.
وفي الثوم والبصل عن محمد – رحمه الله – روايتان، في رواية: هما من الخضر فلا شيء فيهما. وفي رواية: يقعان في الكيل، ويبقيان في أيدي النَّاسِ من حول إلى حول فيجب فيهما العشر وفي اشتراط الوَسْقِ احتجا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
ولأبي حنيفة – رحمه الله – قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أخرجت الأرض ففيه العشر ".
والمستثنى عند أبي حنيفة رحمه الله خمسة أشياء: السعف، والتبن، والحشيش، والقصب.
أمَّا السَّعَف فلأنه من أغصان الشَّجرِ ولا في الشَّجرِ.
وأمَّا التين فلأنه سياق الحب فكان كالشجر للثّمرِ.
وأما الطرفاء والحشيش فلأنه لا يُقصد استغلال الأرض بهما عادةً، وكذا القصب والمراد به القصب الفارسي؛ فأمَّا قصب السكر ففيه العُشر، وكذا عندهما إذا كان بحيثُ يُتَّخذ منه السكر وكذا في قصبِ الذريرة العُشْرُ.
وإنَّما لم يشترط النصاب عند أبي حنيفة – رحمه الله – في باب العُشر؛ لما أَنَّ العُشر مؤنة الأرض النامية، والخارج وإن قل تصير الأرض به نامية.
وتأويل ما روينا من الحديث نَفَى زكاة التجارة؛ فإنَّهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وكانت قيمة خمسة أوسق مائتي درهم.
ثمَّ ما سَقَتْهُ السَّماءُ أو سُقي فيحاً ويُقال: سَيْحاً، الماء وهو الذي يجري في الأنهار على وجه الأرض – ففيه العُشرُ، وما سُقي بغَرْبِ، أو دالية، أو سانية فقيه نصفُ العُسْرِ، هكذا وَرَدَ في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا تقدير شرعي يُعتقد فيه المصلحة وإن لم يقف عليه.