الجزء 1 · صفحة 7
الأسرار في الأصول والفروع في تقويم أدلة الشرع
للقاضي أبي زيد عبيد الله بن عبمر بن عيسى الدبوسي
توفي سنة 430هـ.
دراسة وتحقيق
د. محمود العواطلي
القسم الأول
الدراسة عن الكتاب والمؤلف
لمحة تاريخية عن علم الأصول الفرع الأول
الإسلام دين الفطرة، يخاطب العقل ويبني عليه أحكامه
لقد بعث الله سبحانه رسولنا محمدا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم رحمة للأمة المسلمة خاصة والبشرية عامة، على حين فترة من الرسل، وفتح به مغاليق الأمور، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما بعثت فاتحا وخاتما، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واختصر لي الحديث اختصارا فلا يهلكنكم المتهوكون ولا يختلف اثنان في أن أول مانزل من القرآن الكريم على النبي الأمي، قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». وانما يقرأ من يعقل، وقد ورد في القرآن، ما يزيد على سبع وأربعين أية في مادة «عقل» بصيغ: أفلا تعقلون، ولعلكم تعقلون) وما يتبعها، كما ما ورد يزيد على تسع عشرة أية بصيغ: «القوم يتفكرون وما يلحق بها ويقول أحد الأعراب عجبت لهذا الدين ما رأيته يقول للعقل في أمر ما افعل، وقال العقل لا وما قال في أمر ما لا تفعل، وقال العقل أفعل إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث والأمثال أو الحكم وكما أسلفت، فإن العقل مناط التكليف، وكما قال صلى الله عليه وسلم: مامن مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم فطرت الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله) الآية، وفي رواية البخاري: حتى تكونوا أنتم تجدعونها.
وفطرة التدين عند الإنسان ليست بالغريبة إذا ماخلا الإنسان ونفسه ساعة صفوه وتدبره في الكون من غير أن تفسد طباعه وفطرته عوامل خارجية مؤثرة، ومن هنا نجد أن بعض أهل العلم والفلاسفة يرون أن العبد مطالب بالتكاليف الشرعية، قبل ورود الشرع بها.
الجزء 1 · صفحة 8
وفي الأحداث المستفيضة من واقع حياة البشر ما يدل على أن كثيراً ممن يقع تحت طائل الحبائل الشيطانية، لا يكاد يظن أن ذلك الشخص قد تخلى عن فكرة الدين حتى تراه يهرع بفطرته ومن تلقاء نفسه إلى حظيرة الدين الحق الذي فطر عليه مما يسقط في أيدي الغاوين إلا من سبق عليه الكتاب في الضلال والغواية: فريقا) هدى وفريقا حق عليهم الضلالة، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون). وقد ذكر الإمام ابن الجوزي القرشي البغدادي أن من أعظم النعم على الإنسان نعمة العقل بواسطته يهتدي المرء إلى معرفة الله سبحانه ويتوصل إلى تصديق الرسل مع قصوره، فالرسالة السماوية متممة له ويضرب لنا مثلا حسيا فيقول: فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة، رأت الشمس.
وذكر الماوردي بابا مستقلا في فضل العقل، فقد ابتدأ كتابه «أدب الدنيا والدين بالباب الأول: العقل أس الفضائل فقال: «وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل، الذي جعله الله تعالى للدين أصلا، وللدنيا عمادا، فأوجب التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بإحكامه، وألف به بين خلقه اختلاف هممهم وماربهم وتباين أغراضهم ومقاصدهم، وجعل ما تعبدهم به قسمين: قسما وجب بالعقل، فوكده الشرع، وقسما جاز في العقل فأوجبه الشرع، فكان العقل لهما عمادا) ونقل في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، أو يرده عن ردي).
ونقل في ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصل الرجل عقله وحسبه دينه ومروءته خلقه، وفي روايتي الروياني في مسنده وابن عساكر في تاريخه عن معاذ ابن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم (ماخلق الله في الأرض شيئا أقل من العقل، وإن العقل في الأرض أقل) وفي رواية أعز من الكبريت الأحمر وقال في التيسير والعقل أشرف صفات الإنسان إذ به قبل أمانة الله وبه يصل إلى جواره.
الجزء 1 · صفحة 9
و به اختتم المصنف الدبوسي كتابه الذي بين أيدينا وبين منزلته ومكانته). ومما تقدم يظهر لنا، أن العقل السليم السوي، يتقبل شرع الله، لأن هذا ما فطر عليه المرء من أصل خلقته ولأن العقل البشري مجاله محدود ولأنه قابل للتأثير فيه، وتتنازعه الأمور الحياتية الدنيوية العاجلة، وقد لا يهتدي إلى حقيقة ما يصلحه، فكان عامل الشرع ضروريا لتوجيه مساره، وحفظه لما فيه صلاحه، دنيا وأخرى فكانت هناك نعمة أخرى على الإنسان هي بعثة الانبياء والمرسلين عليهم السلام من خالق العقل وخالق الكون، وكانت نعمة النعم على البشرية في بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم بخاتمة الرسائل والشرائع للبشرية، فجاءنا بالقرآن الكريم، نور يستنير به العقل البشري) ويسير على هداه، بحيث إذا تعداه أو رفضه اختل نظام الحياة، وتعثر مسارها الصحيح، لأن في تعطيل هذا النظام، أو الانحراف عنه انحرافا بالفطرة البشرية عن أصلها إلى مافيه عنتها أو هلاكها وشقاؤها. فكان هذا هو الأصل الذي يمسك بالفطرة من أن تضل طريقها، ثابتا واضحا كاملا مستقرا، ممكنا، هاديا، ومرشدا، لذا كان هو الأصل الذي نسير بهداه ونلتزمه في حياتنا.
الفرع الثاني
القرآن الكريم أصل الأصول
الجزء 1 · صفحة 10
القرآن الكريم، هو كتاب الله الخالد، وهو المعجزة الكبرى من معجزاته صلى الله عليه وسلم، المجمع عليه من السلف والخلف الثابت قطعا ويقينا والمجموع بين دفات المصاحف المبدوء بسورة الفاتحة، والمنتهي بسورة الناس، وفيما ذكره المتقدمون عنه من البيان ما فيه الكفاية، ومن قبلهم وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه حبل الله المتين وصراطه المستقيم غير أن المقصود به هنا هو أنه أصل الأصول، أي الأصل الأول لمآخذ التشريع، ومعرفة الحلال والحرام، وأن السنة النبوية الشريفة الثابتة تأتي في الدرجة الثانية منه، وليس كما ذكره بعض المتأخرين وهو في ذلك ينقل عمن سبقه أنه لا فصل بين الكتاب والسنة، بمعنى أنهما بدرجة واحدة، وفي هذا مخالفة لجمهور المتقدمين والمتأخرين، ويكفى أن نعلم أن الإجماع قد انعقد على أن القرآن الكريم، هو المتعبد بتلاوته وهذا أمر شرعي في حين أن السنة لا يتعبد بتلاوتها في الصلاة كالقرآن، فهذا المأخذ الشرعي شرعه الحكيم الخبير. ثم إن السنة، إنما هي شارحة، ومبينة، ومفصلة للكتاب العزيز، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم ولعلهم يتفكرون) وإذا علمنا أن السنة، إنما هي بوحي من الله سبحانه إلى قلب نبيه صلى الله عليه وسلم، نطق بها الذي لا ينطق عن الهوى، فإن الكتاب إنما هو بوحي من الله سبحانه وهو كلامه جل وعلا، وفرضية اتباعه صلى الله عليه وسلم في الأوامر والنواهي، إنما هي بأمر الله سبحانه لنا في كتابه (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) وقوله سبحانه: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)، وقال عز وجل (قل أطيعوا الله والرسول) وقال (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
الجزء 1 · صفحة 11
وكل هذا لا ينافي أن تكون السنة في المرتبة الثانية، والقرآن في المرتبة الاولى، وإن كانت شقيقة القرآن في الأحكام، وقد ذكر الشيخ الألباني في محاضرته التي القاها في الدوحة في رمضان ? هـ، حيث قال: «إن حديث معاذ هذا يضع للحاكم منهجا في الحكم على ثلاث مراحل، لايجوز أن يبحث عن الحكم في الرأي، إلا بعد أن لايجده في السنة، ولا في السنة إلا بعد أن لايجده في القرآن، وهو بالنسبة للرأي منهج صحيح لدى كافة العلماء، وكذلك قالوا: إذا ورد الأثر بطل النظر، ولكنه بالنسبة للسنة ليس صحيحا، لأن السنة حاكمة على كتاب الله، ومبينة له، فيجب أن يبحث عن الحكم في السنة، ولو ظن وجوده في الكتاب لما ذكرنا فليست السنة مع القرآن كالرأي مع السنة، كلا ثم كلا، بل يجب اعتبار الكتاب والسنة مصدرا واحدا لا فصل بينهما أبدا، كما أشار إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (الا) إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة وقوله: (ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض) فالتصنيف المذكور بينهما غير صحيح، لأنه يقتضي التفريق بينهما، وهذا باطل لما سبق بيانه انتهى كلامه.
وهنا ملحوظتان لابد منهما الأولى:
الجزء 1 · صفحة 12
أنه حكم أن السنة حاكمة على القرآن وهو في هذا يأخذ برأي الاوزاعي، كما ذكر البهنساوي) أن ذلك ذكره ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله، حيث يقول: إنها تقضي عليه وتبين المراد منه، وكذا ينقل البهنساوي عن مجلة الدعوة من بحث للشيخ محمد المبارك) حيث يقول: (يجب أن يكون المعلوم لدى جميع المسلمين أن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن فالسنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضيا على السنة. كذا نقل السيد خان عن يحيى بن أبي كثير. وكان الأجدر والأولى أن يعبروا بلفظ أن السنة حاكمة للقرآن، أو قاضية له وليس عليه، لأن في التعبيرين الأولين إشعاراً بأن الكتاب غير مكتمل والتعبير الأخير يشعر بتمشي السنة المطهرة مع قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)). وقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) فكان تعبيرهم بكلمة حاكم عليه أو يقضي عليه غير دقيق، وقد أجاب الإمام أحمد عن هذا القول إن السنة قاضية على الكتاب بقوله: (ما أجسر على هذا إن السنة تفسر الكتاب وتبينه). وهذا هو الأسلم.
الجزء 1 · صفحة 13
وقد نبه الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله على معنى دقيق في هذا عندما ذكر أن السنة. هي المصدر الثاني في التشريع فقال: (يجب الا يفهم منه أنها لا تقبل إلا بعد عرضها على الكتاب لمعرفة أصلها، فذلك فهم قد يجر إلى الإثم، إذ قد يؤدي إلى هدم شطر الدين، وأن حجيتها وكونها مصدر الشرع الإسلامي قائما بذاته ليس موضع ريب أو جدال). أما الملحوظة الأخرى فهي أن الحديث قال عنه إمام الحرمين الجويني) مدون في الصحاح، متفق على صحته، لا يتطرق إليه التأويل) وإنما ورد البيان أن السنة أصل من أصول الشريعة، إنها المصدر الثاني للتشريع، وأن الحديث ورد للرد على القرآنيين الذين تنبأ لهم صلى الله عليه وسلم، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره ولا ألفين أحدكم متكنا على أريكته يأتيه الأمر من أمري .. الحديث»، وفي رواية «يوشك رجل منكم متكنا على أريكته يحدث ب حديث عني فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ماحرم رسول الله (صلي الله عليه وسلم) مثل الذي حرم الله وفي الرواية الأولى زيادة: «ألا وإنى أوتيت القرآن ومثله معه.
الجزء 1 · صفحة 14
فهذا يدل على حجيتها قطعا وكان الاعتماد عليها مع القرآن الكريم في حياته صلى الله عليه وسلم، وحتى ان الصحابة - رضي الله عنهم - ما كانوا يستقلون بالقرآن لبيان أحكامهم، بل كانوا يذهبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ذلك فيسمعون منه، فهو المبلغ عن الله سبحانه للأمة. وكذا نجد أن عليا رضي الله عنه عندما أرسل ابن عباس رضي عنهما لمناظرة الحرورية، أعلمه أن يناظرهم بالسنة الثابتة لأن القرآن فيه مجمل ومفصل، ويحتمل التأويل، وأما السنة فتقطع عليهم التأويل وغيره. أما أن القرآن والسنة من حيث المصدرية، فمصدرهما واحد، وهو الوحي عن الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا، فلا فرق بينهما، إلا أن القرآن معجز في لفظه ومعناه، وهو من كلامه سبحانه وتعالى لفظا ومعنى، وأما السنة، فهي معجزة في المعنى، وهي من لفظه صلى الله عليه وسلم، ولهذا قلت بأن الكتاب هو الأصل الأول، والسنة الأصل الثاني. وهذا لا يقدح في حجيتها إذا جعلناها المصدر الثاني للتشريع، فنحن بحاجة للقرآن لمعرفة الأحكام منه، كما أننا بحاجة للسنة، لمعرفة الأحكام منها كذلك، ولانستطيع أن نستغني عن أحدهما، البتة (وما أتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا)) (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم).
الجزء 1 · صفحة 15
وأما قوله (يجب أن يبحث عن الحكم في السنة وإن ظن وجوده في الكتاب))، فهذا أيضا خلاف الأولى، فإن القرآن هو أصل الأصول وطالما أننا وجدنا الحكم فيه، فلماذا يوجب علينا أن نبحث عنه أولا في السنة وربنا عز وجل يقول: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر)، وأما إذا وجدنا الحكم فيهما، فهذا من باب نور على نور، فطالما أننا اهتدينا للحكم من أحدهما، ولاتعارض، ولاتناسخ في ذلك، ولو في الظاهر، فشرعنا جاء بالتيسير على الخاق، فإذا وجدنا الحكم في القرآن، أخذنا به، فإن عضدته السنة بالشرح والبيان والتوضيح كان أدعى للتثبت والقبول، على أن الحكم ثابت وغير منسوخ، وأدعى لزيادة الاطمئنان من الناحية العلمية، واما من الناحية العقدية فالمسلم يؤمن إيمانا جازما بما يجده من أحكام في كتاب الله تعالى. وهذا الذي ذكره الشيخ الألباني يتفق مع ما أراه من عدم مساواة الرأي للسنة، لأن الرأي فيه مافيه، وهو مبني على الظن، وقابل لليقين، بينما السنة فمبنية على اليقين وأعني بها السنة الثابتة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأما القرآن الكريم فهو عين اليقين ثابت قطعا.
الجزء 1 · صفحة 16
وعلى ضوء مامر: أقول: إن القرآن والسنة هما المصدران الرئيسيان للشريعة، وإن كان الشاطبي يرى ما يراه بعض الفقهاء من أن السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، وأنها مبينة له وأن غيرهما من أدلة الأصول كالإجماع والقياس وغيرهما تبع لهما وليست مستقلة بذاتها، بمعنى أننا لا نأخذ منها أحكاما مستقلة، وإنما نحتاج في ذلك إلى الرجوع إلى كل من الكتاب والسنة. وعلى ذلك تكون جميع الأدلة بل القرآن ومن بينها السنة كاشفة ومبينة لها وليست منشئة لها، وإنما تعددت الأدلة الإجمالية، ومأخذ التشريع بعد القرآن الكريم، كي يتسلسل العلماء في وضع ضوابط معرفة الأمور ويأخذوها أخذاً موثقاً، ولورود قضايا وأمور تشريعية ما كنا لنفهمها من القرآن الكريم وحده لولا أن السنة بينتها كعدد الركعات، ورجم الزاني المحصن، وغيره كثير، فكذلك الأمر، فإن بعض الأمور الجديدة التي قد يتعذر على كل فرد معرفة حكم الله فيها من الكتاب والسنة من غير بحث ونظر، فلزم أن تكون هناك أدلة أخرى، تكشف عن حكم الحادثة الجديدة حيث لم يرد نص صريح في ذلك، في الكتاب أو السنة، فكان لا بد من أدلة أخرى، وهذا ما حدا بالإمام الشافعي رحمه الله أن يضع لنا تلك المبادىء
الأولى، كما هو معروف من قبل ومن بعد، في كتابه المعروف بالرسالة. وسأتحدث عن بقية الأصول بإيجاز يناسب المقام، وإلا فلكل توضيح وبيان بإسهاب واف في مظانه وما حديثي هنا إلا لتسلسل الكلام، إذ العمل كالبناء، لابد له من قاعدة يستمر فوقها البناء، وعلى هذا أسير بعون الله.
الفرع الثالث
السنة النبوية شارحة لأصل الأصول
الجزء 1 · صفحة 17
مما سبق ذكره يتضح لنا أن السنة النبوية الشريفة الثابتة إنما هي الأصل الثاني من مصادر التشريع الإسلامي والحق أن السنة هي الشارحة والمفصلة والمبينة لأحكام القرآن الكريم (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم)، والآيات التي تبين لنا الأحكام قليلة بالنسبة لمجموع أي القرآن الكريم، وقد تعرض لذلك الشيخ أبو زهرة رحمه الله، فقال: «إن الآيات التي تتصدى لبيان الأحكام قليلة إن أضيفت إلى مجموع أي الكتاب الكريم، فمجموع أي القرآن نحو ستة الآف آية تصدى لبيان الأحكام منها نحو مئتين على خلاف في بعض هذه الآيات من حيث دلالتها على الأحكام، ويلاحظ أن تلك الآيات منثورة في القرآن الكريم».
وإذا كان كما اتضح أن بعض أهل العلم اعتبر أن آيات الأحكام مانتا آية، فإن غيره قد ذكر أكثر من ذلك كالجصاص الحنفي، وابن العربي المالكي وغيرهم، فإن القرآن الكريم لم يبين الأحكام بالتفصيل، وهذا مما يعترف به جميع أهل العلم المعتبرين وإذا كان القرآن الكريم قد وضع لنا القواعد الكلية، ولم يتعرض للتفاصيل الجزئية، لأن القرآن يخاطب العقل البشري في كل زمان ومكان، فإن السنة النبوية الشريفة، فصلت مجمله وبينت مبهمه ووضحت مشكله، وقد وضعت عدة كتب تبين لنا أحاديث الأحكام، كما أن هناك كتبا وضعت لآيات الأحكام.
وهكذا يتضح لنا أن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي
وإنما أعني بالسنة النبوية هنا، ما ثبت نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وهذا هو التعريف عند علماء الأصول، فإن علماء الحديث يضيفون في تعريفهم للسنة زيادة على مامر «اوصفة خلقية أو خلقية أو سيرة.
الجزء 1 · صفحة 18
ولم أتعرض هنا للتعاريف الأخرى عند أهل اللغة وغيرهم كالفقهاء، لأنني لم أقصد بها هنا معرفة الأحكام الشرعية منها ودلالتها عليها، فهذا تعريف الفقهاء للسنة ولكن نظري إليها من حيث ثبوت الأحكام وتقررها بها، واتفاق من يعتد برأيهم من أهل العلم، أن السنة النبوية الشريفة، تستقل بتشريع الأحكام، فهي كالقرآن الكريم، من حيث بيان الحلال والحرام، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه - إلى أن يقول - وإن ماحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم. الله .. ) علما بأن هناك بعض أهل العلم، يرون أن السنة لاتستقل بالأحكام، بمعنى أن السنة من حيث المعنى مرجعها الكتاب الكريم، ومن هؤلاء الإمام الشاطبي في موافقاته، وذلك استدلالا من قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)) ومن حديث عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن)). ولعل الشاطبي كان يهدف بقوله أن القرآن الكريم قد اشتمل على القواعد العامة الكلية، وهذا رأي له دلالته، فرغم أن آيات الأحكام قليلة كما أسلفت ذلك نسبيا، إلا أنها شاملة جامعة، وجميع أحكام الشريعة إجمالا إنما ترجع إليها.
أن الخلاف بين الفريقين إنما هو لفظي، فقال: (إن) كلا منهما يعترف بوجود أحكام في السنة لم تثبت في القرآن، ولكن أحدهما لا يسمي ذلك استقلالا والآخر يسميه، والنتيجة واحدة).
الجزء 1 · صفحة 19
ومما تقدم يتبين أن السنة شارحة لأصل الأصول، سواء استقلت عنه في بعض الأحكام أم لم تستقل وهي الأصل الثاني من أصول الشريعة، بمعنى المصدر الثاني لمعرفة وثبوت الأحكام الشرعية، وكما تقدم، فلا حرج في جعل السنة مصدرا ثانيا بعد كتاب الله سبحانه في التشريع، وإن كانت السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحى معنى لما تقدم ذكره من أن القرآن (وحي يتلى ويتعبد بتلاوته بخلاف السنة).
وهذا الرأي: وهو أن السنة تعتبر المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله سبحانه وتعالى، هو ما عليه الجمهور، ولا يعتد بالرأي المخالف في هذا الباب فالناس خلقوا في تفاوت في العقل والإدراك، وهذا من سنن الله في الكون فسبحان من خلق الخلق، وأنار للعقل طريق الهداية، وأكرمنا ببعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا.
الفرع الرابع
القواعد أو الأصول
من المسلم به أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يبلغ الوحي من كلام ريه للصحابة الكرام، وللناس كافة (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) وكان يبين لهم من أمر ربه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم).
الجزء 1 · صفحة 20
ومن هنا كان القرآن الكريم دستور حياتهم، يفيئون إليه، ويستظلون به ويعقدون عليه القلوب مشافهة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتكمون إليه، وينقادون لحكمه سرا وجهرا فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، وعلى هذا، فلم يكونوا بحاجة إلى نظر واستدلال أو قياس، أو نقل للأحكام، إذ كانوا يلتجئون إليه صلى الله عليه وسلم في كل أمور حياتهم، وكتب الحديث والسيرة تطفح بذلك وتشهد له، فإذا قال هذا حلال أخذوا به، وإذا قال: هذا حرام اجتنبوه وفروا منه، كل هذا كان في حياته صلى الله عليه وسلم، ولكن الأمر لم يدم على ذلك فقد لحق الرسول صلى الله عليه وسلم، بالرفيق الأعلى إنك ميت وإنهم ميتون)). ولأن الأمر كما ذكر المصنف أن الحوادث ممدودة، والنصوص معدودة) أصبح الأمر يستدعي معرفة الحلال والحرام، لذا فقد أجمع الصحابة - رضي الله عنهم - على حفظ القرآن ونقله بالتواتر، وأجمعوا على وجوب العمل بسنته، بما وصل إليهم من قوله أو فعله أو غيره بالنقل الصحيح المترجح صدقه، أو الذي يغلب على الظن صدقه، لذلك كان مقتضى الأمر أن توضع القواعد والضوابط، لكي يتوصل المسلمون بها إلى معرفة الحلال والحرام، فيما يجد لهم في معاشهم، وهذه القواعد والضوابط التي اقتضتها حاجة الأمة الإسلامية كانت في أذهان الصحابة الكرام الذين تربوا على يدي النبوة من غير تدوين في كتب فنشأت فيهم الملكة سليقة سليمة، لتلقيهم النور مشافهة، فاستقوا العذب الزلال من مصدره ومعينه من مشكاة النبوة.
الجزء 1 · صفحة 21
ثم إن الزمان قد استدار، فاتسعت رقعة ديار الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ومن غير أهل لغة القرآن فاقتضى الأمر وضع القواعد المحددة والضوابط المشددة، من أجل الوقوف على الأدلة الشرعية الكلية وكيفية استنباط الأحكام الشرعية منها على وجه الصحة والتدقيق يقينا، أو بما يغلب على الظن فثبتت دلالة الشرع الحكيم في الكتاب والسنة بهذا المعنى. ثم كان الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم إذا حزبهم أمر اجتمعوا له وتداولوا الأمر لمعرفة حكم الله فيه، فنزل إجماعهم هذا بمنزلة الكتاب والسنة لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على الإنكار على من خالفهم، ولأن الأحاديث دلت على عصمة الأمة، وأنهم خير القرون، وخير الأمم كنتم خير أمة أخرجت للناس) وقوله صلى الله عليه وسلم (خير القرون الرهط الذي أنا فيهم الحديث) ولايكون إجماعهم هذا إلا من مستند ثابت لأنهم لا يتفقون من غير دليل، ثابت ولما ذكرته من شهادة الأدلة على عصمة الأمة، فاعتبروا الإجماع دليلا شرعيا، ثم إن علماء الأمة نظروا في كيفية استدلال الصحابة والسلف الصالح، في معرفة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، كما قال عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري إعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك) فقايسوا وناظروا والحقوا الشبيه بمثله، ليغلب على الظن حكم الله فيه إن لم تتحقق المعرفة فكان من
ذلك بشروطه، المأخذ الثالث، وهو الإجماع، والمأخذ الرابع، وهو القياس وهذه الأمور الأربعة هي التي سميت في اصطلاح أهل العلم بالأدلة التفق عليها وهى: الكتاب والسنة والإجماع والقياس) للاتفاق عليها عند من يعتد برأيه من أهل العلم، ولا يلتفت إلى الرأي المخالف، لأنه في الحقيقة لا مستند له إلا الهوى كما سنرى ذلك موضحا في مظانه في التحقيق إن شاء الله.
الجزء 1 · صفحة 22
ثم إن هناك أدلة أخرى يمكن الاستفادة منها في معرفة حكم الله سبحانه لمعرفة الحلال والحرام، إلا أن هذه الأدلة اختلفت فيها وجهات النظر، لذلك اعتبرها قوم، ولم يعتبرها آخرون، وسميت بالأدلة المختلف فيها، وهي الاستحسان والاستصحاب والاستقراء والمصالح المرسلة والعمل بالأصل وقول الصحابي.
وهناك أدلة أخرى ظنها البعض أنها أدلة، وليست كذلك، كما سنرى في التحقيق كالإلهام، والاستدلال بلا دليل وغيرها وقد اعتبر جمهور الحنفية الأصول عندهم سبعة، وقد نقل عن الخوارزمي المتوفى سنة 378هـ أن المتفق عليه في الأصول الثلاثة) الكتاب والسنة والإجماع، والمختلف فيها ثلاثة القياس والاستحسان والمصالح المرسلة (أو) (الاستصلاح)، وذكر أن القياس أخذ به الجمهور باستثناء داود بن علي الأصفهاني ومن تبعه.
والاستحسان تفرد به أبو حنيفة وأصحابه، فسموا لذلك أهل الرأي وتفرد مالك بن أنس وأصحابه بالمصالح المرسلة، وسنرى رأي المصنف في القسم الثاني بوضوح ومناقشته لكل ذلك، إن شاء الله.
الفرع الخامس
في تدوين علم الأصول، وذكر بعض الكتب والمصنفين وطرقهم
الجزء 1 · صفحة 23
المسألة الأولى: تدوين علم الأصول: أشرت إلى أن هذا العلم لم يكن مسطورا في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد صحابته - رضي الله عنهم أجمعين - لاستغنائهم عنه، إذ كانوا يرتشفون ما يشاؤون من مشكاة النبوة في حياته صلى الله عليه وسلم فتر عرعت سليقتهم، ونمت فيهم القريحة، بتربيتهم على يديه، فكانوا بحق شموس هداية للبشرية، ولكن لما جاء عهد التابعين، وجدنا أن بعض المصطلحات الأصولية بدأت تظهر في لغتهم وكتاباتهم، كقولهم هذا مكروه أو حرام، أو لا يجوز أو لا ينبغي أو لا أراه أولا استسيغه، أو خلاف الأولى إلى غير ذلك، وأخذت تظهر هذه الألفاظ تدريجيا، كما أشار الدكتور إبراهيم مدكور أن لغة العلم في الإسلام لم تنشأ دفعة واحدة، وإنما أخذت تنمو بنمو العلوم، فقد بدأت منذ القرن الأول للهجرة تكوين لغتها، وظهرت مصطلحات في الفقه والتفسير والكلام، وتلتها أخرى في الأخلاق والسياسة .. الخ، وهذا هو الوضع الطبيعي في حياة البشرية، وهو من سنن الله في الكون.
ولعل هذا التدرج في علم الأصول، شأن بقية العلوم الشرعية، حيث إن هذا العلم وكما وصفه ابن خلدون في مقدمته بان أصول الفقه (من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة، وهو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتكاليف ... فلعل هذا التدرج الذي أصبح علما مستقلا فيما بعد على يد الإمام المطلبي الهاشمي محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - حيث أبرزه للوجود كعلم في كتابه «الرسالة» وهذا هو المجمع عليه، وان كان هناك رأي يقول: بأن أول من صنف في علم الأصول - فيما نعلم - هو إمام الأئمة وسراج الأمة أبو حنيفة النعمان حيث بين طرق الاستنباط في كتابه «الرأي» وتلاه صاحباه القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، والإمام الرباني محمد بن الحسن الشيباني رحمهما الله ثم جاء الإمام. محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، وصنف رسالته).
الجزء 1 · صفحة 24
وزعمت الشيعة الإمامية أن أول من ألف في علم الأصول وضبطه الإمام محمد الباقر علي زين العابدين، ثم جاء من بعده ابنه الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق، وفند الشيخ أبو زهرة - رحمه الله - أقواله وعرض بأقوال الحنفية).
وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته أن الشافعي هو أول من وضع قواعد هذا العلم، وهذا ما أرجحه، رغم ماسلف وماذكره ابن العماد) وابن النديم) أن أبا يوسف ومحمداً قد كتبا في أصول الفقه، كما روى أبو عبيدة عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن حيث قال عن محمد بن الحسن مارأيت أعلم بكتاب الله منه، ومثل هذا عبارة الإمام الشافعي مارأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن.
وأقول: إن هذا لا يمنع من أن يكون الإمام أبو حنيفة وصاحباه قد حازوا قصب السبق في هذا الميدان بالسير على طريق تأسيس القواعد والضوابط الأصولية في المسائل المتفرقة، بدليل ما ذكره الإمام الشافعي نفسه - رحمه الله - بقوله: (مارأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن).
وما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في هذه المسألة بقوله: (إذا كان في المسألة قول ثلاثة لم يسمع مخالفهم، فقيل له من هم؟ قال: أبو حنيفة أبصرهم بالقياس، وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار، ومحمد أبصر الناس بالعربية).
وماذكره الإمامان: الشافعي وابن حنبل - أنفا، وماذكره ابن العماد وابن النديم وغيرهم فهو من مباحث علم الأصول، مما يجعل لهذا الرأي وجاهته وانهم قد سبقوا غيرهم بوضع مسائل متفرقة من علم الأصول إلا أن اكتمال تشييد هذا البناء علماً وفناً مدوناً، إنما كان بحق من وضع الإمام الشافعي - رحمهم الله جميعا - ثم بدأ من جاء بعدهم بالشرح والبيان واستمرار البنيان، فمنهم من اختصر ومنهم من أطنب حتى غدا فنا وعلما قائما على أصوله، يؤتي ثماره في خدمة الدين إلى أن يشاء الله).
المسألة الثانية: بعض الكتب ومراتبها:
الجزء 1 · صفحة 25
إذا علمنا أن علم الأصول إنما يعنى بالقواعد التي يتوصل بها لاستنباط الحكم الشرعي من أدلته الإجمالية، وأن موضوع هذا العلم هو الدليل السمعي الموصل لإثبات الحكم الشرعي، وأن الأصولي هو العالم بهذه الأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة منها، تبين لنا أن هذا العلم فرع أصول الدين، ثم كان من الضروري أن يكون التصنيف فيه حسب اعتقاد الكاتب في ذلك، وقد ذكر الشيخ المراغي - رحمه الله - نقلا عن علاء الدين الحنفي ما يفيد ذلك فقد قال: إن أكثر التصانيف في أصول الفقه – في القديم - كانت لأهل الاعتزال المخالفين لنا في الأصول، ولأهل الحديث المخالفين لنا في الفروع ولا اعتماد على تصانيفهم).
ولما كان فن التدوين والتصنيف لم ينتشر، ولم يكن ثمة بعد في العهد الأول، وكان هذا الفن كما ذكره ابن خلدون في مقدمته) (إن هذا الفن مستحدث في الملة، وإن الصحابة كانوا في غنية عنه، ولكن عندما انقرض السلف، وذهب الصدر الأول، وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى القوانين والقواعد الاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنا قائما بنفسه سموه أصول الفقه)
الجزء 1 · صفحة 26
وذكر أن أول من كتب فيه هو الإمام الشافعي، ثم قال: (ثم كتب فقهاء الحنفية فيه، وحققوا القواعد، وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضا كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها ألصق بالفقه وأليق بالفروع، فكان لفقهاء الحنفية فيها اليد الطولى من الغوص على النكت والتقاط هذه القوانين في مسائل الفقه ما أمكن، وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم، فكتب في القياس بأوسع من جميعهم، وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه، وكملت صناعة أصول الفقه بكماله وتهذبت مسائله وتمهدت قواعده ثم ذكر بعض الكتب المؤلفة فيه، وأنا لا أستطيع هنا أن أسجل جميع ما كتب في هذا الفن على اختلاف مذاهب من كتب فيه، ولا حتى جميع ما كتب فيه على مذهب المصنف، فإن هذا مظانه موجود في الكتب المتخصصة، وقد ذكر ابن خلدون بإيجاز أبرز ما كتبه المتكلمون، ثم تكلم على طريقة الحنفية، فقال: (وأما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيرا وكان من أحسن الكتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي، وأحسن كتابة المتأخرين فيها تأليف سيف الإسلام البزدوي من أئمتهم، وهو مستوعب).
هذا وقد ذكر أيضا صاحب مفتاح السعادة أن من الكتب القديمة المصنفة في هذا العلم، كتاب الإمام الجصاص الحنفي، ومنها كتاب الأسرار وكتاب تقويم الأدلة، وكتاب الأمد الأقصى، ومنها أصول فخر الإسلام البزدوي. ومنها أصول شمس الأئمة السرخسي. ومنها إحكام الأحكام للآمدي.
ومنها منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل ومختصره، لابن الحاجب).
والذي يعنينا أكثر هنا هو مراتب الكتب في المذهب الحنفي بإيجاز فالمشهور عندهم ما أشار إليه الشيخ أبو زهرة:
الجزء 1 · صفحة 27
الأولى: وهي وصاحبيه أبي يوسف ومحمد التي دونها في كتبه الستة. الثانية كتب النوادر وهي التي رويت عن أصحاب المذهب من غير الكتب الستة المذكورة، بل إن لمحمد بن الحسن كتبا أخرى كالجرجانيات التي جمعها بجرجان والكيانيات التي جمعها ولرجل اسمه كيان والهارونيات وهي مسائل جمعها لرجل يسمى هارون والرقيات مسائل جمعها في الرقة عند ما كان قاضيا فيها، وكتاب الأمالي لأبي يوسف والنوادر له، إلا أن المسماة بظاهر الرواية، وتشتمل على أقوال أبي حنيفة النوادر دون مرتبة الأصول، فلو تعارضت النوادر والأصول، فإنه يؤخذ بالأصول لأنها الأقوى سندا، وهي المعتبرة أصلا في المذهب. الثالثة الفتاوى والواقعات وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون فيما كانوا يسألون عنه من مسائل واقعة لم يجدوا فيها رواية لأصحاب المذهب المتقدمين وأولئك المتأخرين من أصحاب أبي يوسف ومحمد، وأصحاب من جاء بعدهم وهم كثيرون، وقد تكفلت كتب الطبقات بذكرهم وهذه الكتب حسب ترتيبها، أي أنها تأتي بعد مرتبتي الأصول والنوادر وعلى ما تقدم، فما ورد في هذه الكتب من غير خلاف، فإنما هو باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه،، وما ورد فيه الخلاف، فهو كما يذكر. ثم توالت كتب الحنفية ومن سار على طريقتهم فيما بعد في الانتشار وقد تكفلت الكتب المختصة بذلك بذكرها، وما تعرضت له بإيجاز هنا، فإنما هو في إطار مذهب المصنف وأقدم الكتب في المذهب.
المسألة الثالثة بعض المصنفين وطبقاتهم
وأعني به من المصنفين في مذهب المصنف، ولقد أشار المصنف رحمه الله إلى ضرورة معرفة الطبقات في مقدمة الكتاب كما ستراه، إذ يقول: (وما العبد بموفق لسلوك هذا الصراط إلا بعد علمه بالطبقات).
الجزء 1 · صفحة 28
وقد ذكر صاحب الجواهر أن الإمام المحدث محيي الدين أبا محمد عبد القادر القرشي الحنفي هو أول من صنف في طبقات السادة الحنفية، ورتب التراجم على الحروف، ثم ذكر الكتب والأنساب، والألقاب، ثم توالت بعده الكتب والمصنفات في طبقات السادة الحنفية.
ويقول ابن عابدين في شرح رسالة رسم المفتي: إن من الطبقة الأولى من المجتهدين في المذهب، مثل أبي يوسف ومحمد وسائر أصحاب أبي حنيفة والحقيقة كما ذكرها الشيخ أبو زهرة، أن أبا يوسف ومحمد وزفر وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة لم يكونوا مقلدين، بل كانوا مستقلين في تفكيرهم الفقهي كل الاستقلال، وما كانوا مقلدين لشيخهم في أي ناحية من نواحي التقليد ودراستهم لآرائه عليه وتلقيهم عنه لا يمنع من استقلالهم في تفكيرهم. وأما الأصول التي استنبط منها التلاميذ، فقد وقع الاتفاق في غالبها مع شيخهم، ويعني هذا وجود بعض المخالفات. هذا ومما هو جدير بالذكر أن اتفاقهم في الطريقة والاستنباط لم يكن عن اتباع وتقليد، بل عن اعتقاد واجتهاد. وأما طبقاتهم، فاختلف فيها فيرى بعضهم أنها ثلاثه)، والآخر خمس والآخر سبع، وأورد بإيجاز طبقات الفقهاء كما ذكرها صاحب الجواهر الطبقة الأولى طبقة المجتهدين في الشرع. كالأئمة الأربعة، ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستبناط أحكام الفروع من القواعد من غير تقليد لأحد. حسب الأدلة.
الطبقة الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف ومحمد وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى قواعد شيخهم التي قررها، يتفقون معه في الأصول، ويخالفونه في بعض الفروع.
الجزء 1 · صفحة 29
الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي وفخر الدين قاضيخان وأمثالهم كثير، ولكنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ لا في الأصول، ولا في الفروع.
الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه فهم لا يقدرون على الاجتهاد، ولكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم يحتمل أمرين.
الطبقة الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح، كأبي الحسن القدوري وصاحب الهداية، فهم يرجحون بعض الروايات على بعض بقولهم هذا أرفق بالقياس
الطبقة السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين القوي والضعيف وظاهر الرواية والنوادر، كأصحاب المتون من المناظرين مثل صاحب الكنز، وصاحب المختار وصاحب الوقاية، وصاحب المجمع، وغيرهم. الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقلدون إلا على ما ذكر ولا يفرقون بين الغث والسمين وهذه الطبقة لا يعتد بها ولا يؤخذ بأقوالها). وأما المصنف الدبوسي فيعتبر من المجتهدين في المسائل، ومن أهل التخريج، وكتبه تشهد له بذلك كما ترى في القسم الثاني، وكما هو واضح في كتابيه تأسيس النظر والتعليقه في مسائل الخلاف، وكذلك وفي عامة كتبه.
المسألة الرابعة
الجزء 1 · صفحة 30
طرق التصنيف والتأليف عند علماء الأصول رجحت القول فيما سبق، أن الإمام الشافعي - رحمه الله - هو أول من وضع علم الأصول فناً مدونا وعلماً أبرز للوجود ثم توالى التأليف بعده وسبق القول ان المصنفين إنما صنفوا كتبهم حسب اعتقادهم، لذا فقد اتخذ علم الأصول طرائق متعددة واشتهرت فيه طريقتان الطريقة الأولى تعرف بطريقة المتكلمين، فهم يعنون بالقواعد دون الفروع، وهذه طريقة الشافعية والمالكية ومن معهم. ذكر ابن خلدون بعد أن أشاد بفقهاء الحنفية، ثم ذكر الإشادة بأبي زيد ال بوسي، ثم ذكر أن من أشهر ما كتب على طريقة المتكلمين كتاب البرهان لإمام الحرمين والمستصفى للغزالي، وهما من الأشعرية، وكتاب العهد لعبد الجبار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري، وهما من المعتزلة فكانت هذه الكتب الأربعة قواعد لهذا الفن وأركانه، ثم جاء بعدهم فارسا هذا الميدان على طريقة المتكلمين، فلخصا هذه الكتب الأربعة وهما: فخر الدين بن الخطيب في كتاب المحصول، وسيف الدين الآمدي، في كتاب الإحكام، وهذان وإن سارا على طريقة المتكلمين إلا أننا لاحظنا فيما بعد أن كلا منهما نحا منحى يخالف منحى الآخر، ففي حين نرى ابن الخطيب يميل إلى الاستثكار من الأدلة والاحتجاج، نرى الأمدي يميل إلى تحقيق المذاهب والتفريع عليها، ثم تتابع الاختصار والتطويل واشتهرت ذلك المختصرات، واستمر التأليف والتصنيف إلى أن يشاء الله. وأما الطريقة الأخرى فهي طريقة الحنفية، فهم يعنون بتطبيق الفروع على القواعد الأصولية، وقال ابن خلدون وأما طريقة الحنفية، فكتبوا فيها كثيرا، وكان من أحسن الكتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي، فله الأسرار في الأصول والفروع، وتقويم الأدلة والأمد الأقصى وغيره، ومنها أصول فخر الإسلام البزدوي)) ومنها كتاب الأصول للجصاص أبو بكر الرازي الحنفي، ومنها التنقيح والتوضيح، وكلاهما لعبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة.
الجزء 1 · صفحة 31
ثم جاء ابن الهمام وابن الساعاتي، وجمعا بين طريقتي الحنفية والشافعية أما ابن الساعاتي، فقد جمع بين كتابي الأحكام وكتاب البزدوي في الطريقتين وسمى كتابه البديع فجاء من أحسن الأوضاع. ولكن المتأمل في كتب الشيخ أبي زيد الدبوسي، سيجد أنه أيضا جمع بين الطريقتين في كتبه لا سيما الأصولية، منها، وأما كتبه الفقهية فهو حقيقة يتمشى فيها على طريقة الحنفية من إيراد المسائل والفروع، ثم يضع معها القواعد الأصولية، وهو بهذا سبق ابن الهمام وابن الساعاتي في الجمع بين الطريقتين، وإن كان ابن الهمام جاء بعد ابن الساعاتي. ومما تقدم، تتضح لنا ضرورة معرفة طبقات هؤلاء العلماء، على اختلاف مذاهبهم، تعريفا بهم، وتبيانا لقدرهم، ثم الإفادة من علمهم، وأحوالهم وظروفهم التي عاشوها، لنقف على ما أصلوه، وكيف تم لهم ذلك، فالعلم لم يأت للمرء دفعة واحدة، بل كما يقال بتلقيح العقول والمدارك والأفهام، بما يفتح الله سبحانه على الإنسان وبما يكتسبه المرء من ذلك، وإنما يكثر العلم بالأخذ منه، ويقل بالاختزان والاحتكار، ويموت بالكتمان، لذا نجد المصنف يتمثل بالقول القائل: لا يستعير كتابي ثم يحبسه إلا ابن زانية من صلب کشخان هذا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
الباب الأول الفصل الأول المسألة الأولى
تحديد الفترة الزمنية التي عاشها القاضي الدبوسي
تشير الروايات التي تتحدث عن القاضي أبي زيد الدبوسي إلى أنه عاش في الفترة بين (370 - 432هـ) وفق (??6 -1039م)، ففي بعضها لم يحدد تاريخ ولادته، وفي أكثرها يذكرون تاريخ وفاته، وبعضها يحدد اليوم والشهر والسنة، وقد قع الخلاف في تحديد السنة، والخلاف في ذلك يسير.
الجزء 1 · صفحة 32
ولكن إجماع هذه الروايات على أن القاضي أبا زيد الدبوسي يعد من مخضرمي القرنين الرابع والخامس الهجريين، وحياته تندرج تحت هذه الفترة الزمنية، وعلى هذا فإن نبوغة المبكر كان في نهاية القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الهجريين، إذ ليس من السهل تحديد فترة زمنية محددة باليوم أو الشهر أو غيره، لتكون بمثابة حد فاصل بين فترة زمنية وأخرى من الحياة العلمية التي عاشها سلفنا الصالح، وسأتحدث بإيجاز عن ذلك في موضعه.
وعلى ضوء هذا، فإن القاضي أبا زيد الدبوسي ولد في قرن وتوفي في آخر فعاصر دولا وأمما، ووقف على مجريات الأمور في ذلك، فكان له أثره في حياته الخاصة، وحياة الأمة بوجه عام، في شتى مناحي الحياة، وهذا ما سأوضحه بعد.
المسألة الثانية
نظرة شمولية لحالة العالم الإسلامي
عاش الدبوسي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، والنصف الأول من القرن الخامس الهجري، في منطقتي بخاري وسمرقند، وهي التي كانت تعرف بولاية الصغد، المنطقة الجبلية بأقليم ما وراء النهر) وكانت العاصمة له هي سمرقند، ويذكر المؤرخون أنها كانت من أعظم المدن فيما وراء جيحون، وقد فاقت بخارى في عهد تيمور حتى بلغت أوجها، ومن مدنها دبوسة وفيها يقع حصنها إلى الغرب من بخارى وهي البلدة التي ولد فيها القاضي أبو زيد وإليها نسب، وتقع بين بخاري وسمرقند، وتقع هذه المنطقة بجوار أفغانستان وكشمير اليوم. وقد عاصر الدولة الفاطمية في المغرب حيث حكمت من 297 هـ - 568 هـ حيث ولد في خلافة العزيز بن المعز لدين الله الفاطمي، وقد عاصرت هذه الفترة العهد الثاني للدولة العباسية، وأقام في هذه الفترة عبد الرحمن الناصر الملقب بصقر قريش حيث أقام خلافة الدولة الأموية في الأندلس وظهرت بمصر الدولة الإخشيدية وغزا الفاطميون مصر وانتزعوها من الإخشيدين).
الجزء 1 · صفحة 33
ومن جهة أخرى فقد ظهر بنوبويه على العراق، وبذا يكون في فترة حياة القاضي الدبوسي في عهد الدولة الفاطمية في مصر، والأموية في الأندلس والعباسية في العراق والمشرق، وقد حاول الفاطميون توسيع رقعة مملكتهم على حساب الأرض المحكومة من قبل العباسيين، وحاول العباسيون بل قاموا بالطعن في نسب الفاطميين كي يصرفوا أنظار الناس عنهم وعن تأييدهم ومن جهة أخرى فقد كان الفاطميون يناصبون العباسيين العداء بالنظر لأنهم استلبوا الخلافة منهم، وأما الدولة العباسية نفسها، فقد انقسمت على نفسها فيما بعد - في العصر العباسي الثاني - وقد تسلط السلاجقة على الحكام والوزراء فكانوا يعينون ويقيلون من شاءوا كما فعل من قبلهم بنو بويه، وتعرض كذلك حكم السلاجقة للخطر بما شنه البساسيري من الحرب عليهم، وكاد أن يقضي عليهم لولا أن قيض الله لهم طغر (لبك فهزم البساسيري ثم القى القبض عليه وقتله، وكذلك فقد سقط عهد السامانيين وظهر عليهم الترك في المنطقة التي عاش فيها القاضي الدبوسي) في عهده، وعلى هذا فقد عاش القاضي الدبوسي أول حياته في فترة الصراع الدامي بين الدولة الحمدانية الممتدة من الموصل إلى حلب ضد الدولة البيزنطية وصده أعتى هجماتهم حيث توالت على مصر الدولة الإخشيدية فالطولونية فالفاطمية مع الحمدانية وكلها تضافرت لصد أطماع البيزنطيين في ديار الإسلام حيث كان البيزنطيون يحلمون بإعادة سيطرتهم على بلاد الشام بقيادة الأسرة المقدونية.
وفي هذه الفترة القرن الرابع الهجري حيث عاش الدبوسي في نصفه الأخير) كان في الشرق قوة تشبه القوة الحمدانية والفاطمية والإخشيدية في منطقة ما وراء نهر قزوين والديلم حيث كانت تموج فيها القوة البشرية التي وجهت للدفاع عن الإسلام، وكان أول هذه القوى هم بنو بويه وكانت متنقلة بين إيران والعراق وبلاد فارس.
الجزء 1 · صفحة 34
ومن جهة أخرى فقد كانت الدولة الإسلامية بمجموعها قوية في الداخل والخارج في إبان القرن الرابع الهجري ولم يحصل تأكل في أطرافها، وفي هذه الفترة ابتدع الفاطميون نظام البريد بالحمام الزاجل وقد اشتهر كذلك عن خلفاء بني العباس إلا أنه في أواخر هذا القرن، وبداية حياة الدبوسي كان شبه استقرار واستقلال في مصر، وازدهرت المدارس الثقافية، وأما العراق وعاصمة الخلافة آنذاك هي بغداد فكان فيها أمر آخر من التناحر والاضطرابات)، وقد كان السلطان السلجوقي يتصرف بما يشاء على مضض من الخليفة دون أن يحرك الخليفة ساكنا أو حتى مجرد الاعتراض كأنه مسلوب الإرادة مما شجع طغرلبك السلجوقي أن يحمل الخليفة على أن يعطيه تفويضا للتصرف في أمر الدولة كما يشاء دون الرجوع للخليفة حتى روي أنه حمل أموال الدولة إخزانته بدل خزانة الدولة وتزوج ابنة الخليفة على كره منه، وكتبوا اسماءهم على النقود، ولقد وصف لنا البيروني حال الخلافة في هذا العصر وانتقال الدولة من بني العباس لبني بويه ولم يبق لبني العباس إلا السلطان الديني فقط.
ومما تقدم فقد كان حال العالم الإسلامي في هذه الفترة بحال لا يحسد عليه من انقسامات، وتسلط، وعدم استقرار، مما كان له الأثر الفعال على الحياة بشكل عام، وقد ظهر هذا التذمر بإشارة من المصنف إلى حال الناس في المقدمة كما سنرى.
المسألة الثالثة
موجز تأثر الفرد بالبيئة
الجزء 1 · صفحة 35
لما كان الإنسان مدنيا بطبعه لزم أن تتأثر مشاعره وأحاسيسه التي ركبها الله سبحانه وتعالى في الإنسان حيث إنه ابتلي بها في هذه الدار، وقد أشار المصنف إلى ذلك في كتابه الأمد الأقصى، وكذلك الأمر فإن المرء لما كان يتأثر إلى حد ما بمن يخالطه على حد ما قيل: "إذا كثر المساس قل الإحساس " فإن الشرع لم يغفل هذه الناحية لذا نرى ذلك في حديثه صلى الله عليه وسلم القائل: (المرء على دين خليله وقول القائل وكل قرين بالمقارن يقتده، فإن القاضي الدبوسي كإنسان قد تأثر إلى حد ما بالمجتمع الذي كان يعيشه، ولما كانت حياته العلمية في القرن الخامس الهجري، فإننا نجد المصنفين قد اعتبروه من أعيان هذا القرن، علما بأن النصف الأخير من القرن الرابع الهجري يعتبر بداية عصر التقليد، وقد كان المقلدون يتمسكون بأراء من يقلدونهم وأصبحت وكأنها ضربة لازب وهكذا كلما تقدم الزمان اشتد أمر التقليد وقد استمر الحال إلى عصرنا هذا، ومن هؤلاء القاضي الدبوسي فقد كان في بدايته مقلدا ويظهر هذا واضحا في مؤلفاته بل هو يشير إلى هذا ضمنا إلا أنه في الشطر الثاني من حياته نحا منحى آخر في تصانيفه فهو يريد أن يجمع بين القديم فيقلد كإطار عام ويجمع بين الجديد فيخالف القديم في الفروع وفي طريقة عرضها، ونجده في تقليده واضحا في كتبه الفهقية خاصة وأما في كتبه الأصولية فيحافظ نوعا ما على إطار المذهب ولكنه أحيانا يخرج على ذلك كما سنراه في قسم التحقيق إن شاء الله ثم هو في كتب العقيدة والأدب له أساليب خاصة، لذا نجد الإمام الدبوسي في مستهل حياته قام بشرح كتاب الجامع الكبير لمحمد بن حسن الشيباني رحمه الله، ويبدو أنه في زمانه كان لابد لطلاب العلم من أن يتقنوا الفن في تعلمهم كتب أصول مذاهبهم وأن لا يكون طالب علم إلا بعد أن يدرس هذه الكتب أمثال كتب محمد بن الحسن وغيره، لذا نجد العشرات من العلماء قد تناولوا كتب محمد بن الحسن، وسواء المعروف منها بظاهر
الجزء 1 · صفحة 36
الرواية أو غيرها) بالشرح أولا أو بالاختصار أو الدراسة.
ولقد ذكرت فيما سبق أن العلم لم يولد طفرة واحدة، ولكن بالأخذ منه، وتلقيح العقول، فبدأت التربية الإسلامية الصحيحة على يد الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم منه لأصحابه الكرام، وهكذا حمل هذه الأمانه خلف عن سلف، واستمر نشوء لغة العلم في الإسلام في شتى المناحي حتى جاء القرن الرابع واكتملت أنذاك لغة العلم، وتكونت المصطلحات وظهرت أنواع العلوم والفنون، كالفقه والتفسير وغير ذلك. ولما ذكرت في المسألة الثانية كذلك من وضع الأمة الإسلامية حيث كان الناس بين مستبد وظالم ومظلوم، وكانت طبقات المجتمع تنتابها فتن المرض والفقر، حتى روي أن بعض المناطق كانت تخرج الجثث من القبور وتأكل لحمها ولحم الكلاب، وعم البلاء وانقطع سبب السماء بالغيث وغارت مياه الفرات، وإذا كان هذا في عاصمة الخلافة العباسية في العراق فإن بلاد الشام عمتها الزلازل والكوارث.
وإلى جانب هذا كان هناك أهل الخير والإحسان، على الرغم من انتشار الأمراض المعدية كالطاعون وغيره، ويقابله ثراء فاحش في بعض المتسلطين. كل ذلك كان له أثره في حياة القاضي الدبوسي، خلال هذه الفترة شأنه شأن عامة الناس. مما جعله يؤلف كتابه الأمد الأقصى في العقيدة والأخلاق والمواعظ، وكتابه روضة العلماء الذي ذكره ابن العربي في كتابه سراج المريدين، وغير ذلك من مؤلفاته.
المسألة الرابعة
الحالة الاجتماعية وأثرها في العلم
أشرت فيما سبق إلى أثر البيئة في العلم والعلماء، وهنا أقصد بالحديث عادات الناس وأخلاقهم وارتباطهم ببعضهم البعض، مركزاً حديثي على الفترة التقريبية التي عاشها القاضي الدبوسي في القرن الخامس الهجري على اعتبار أن هذه الفترة هي فترة النضج والاكتمال له، ومن ثم فسوف أتناول بالحديث عددا من طبقات المجتمع.
الجزء 1 · صفحة 37
- معيشة الحكام والأمراء بسعة من العيش ورغده في رفاهية ودعة. - طبقة عامة الناس ومعها طبقة الجند وهذه كانت تعيش شظف العيش وقسوة الحياة وتعذر صعوبة حصولها على أرزاقها.
- الطبقة الوسطى وهذه الطبقة هي الحلقة بين الطبقتين السابقتين - نتيجة لما وصل إليه حال الأمة فقد ظهرت فيها حركات تدعو للتغيير، وسأتحدث عنها في موقعها.
- وأخيرا ارتباط هذه الطبقات فيما بينها. ولو أمعنا النظر في حياة الأمة في هذه الفترة، ورجعنا إلى مصادر التاريخ المتقدمة، لرأينا أن معيشة الحكام والأمراء والسلاطين وما كانوا عليه من رفاهية ودعة وتبسط في المأكل والمشرب والخدم واللباس وغيره في حل وترحال ويظهر ذلك في مناسباتهم، كما ذكر ابن كثير، وقد كانوا كذلك يتباهون في السرف كما ذكره صاحبا الكامل والشذرات شأن البعض في هذا الزمان، ولم يكن هذا مقصورا على بعض من الخلفاء، بل كانت الصفة العامة والسمة الغالبة على الحكام والأمراء. يقابل هذا ما سبقت الإشارة إليه من الفقر المدقع والجهل والمرض وشدة في المؤونة وبلاء في الأسعار، وكما يقال: "إذا خلت الدنيا من الصالحين فقد بليت فقد كان هناك قلة ممن هدى الله قلوبهم للخير كولاة همذان و نهاوند والجبل حيث كانوا يغدقون الآلاف على الفقراء والمرضى والعلماء، بل أن بعضهم جعل موازنة خاصة لذلك ولمساعدة المنقطعين من الحجاج، وإيجاد مساكن للغرباء، وحفر قبور الفقراء، وتعمير الطرق للمسلمين إلى غير ذلك.
الجزء 1 · صفحة 38
وعلى ضوء ما سبق، نجد أن المجتمع البغدادي، مركز الخلافة لم ينعم بالاستقرار في هذه الفترة التي عمت فيها الفتن والاضطرابات، وما تكاد تخبو نار فتنة وتخمد حتى تشتعل على أدبارها ما هي أشد وأنكى فتحصد الأخضر واليابس، ومن أبرزها الفتنة الداخلية بين السنة والشيعة، مما جعل قوات الأمن تقف عاجزة عن السيطرة عليها في الفترة ما. بين 398ه-447 ه. وهي أوج فترة حياة القاضي الدبوسي، ولم يكن هذا هو الأمر الخلافي بين الشيعة والسنة، بل تعدى ذلك، فأصبح الحنفي لا يزوج الشافعي، وكذلك الآخر، وبعضهم ما كان ليصلي خلف الآخر ولعل ما صوره لنا الشمس المقدسي من أن الحنبلي إذا صلى في مسجد شافعي ولم يجهر غضبوا عليه والعكس كذلك حتى إن بعض العلماء كان يسيء لعلماء مذهب آخر يخالفه في الرأي.
وكذلك الأمر كان بين الشيعة أنفسهم، والأشد من ذلك ما كان يحصل من فتن بين المسلمين واليهود والنصارى، وهكذا كان الحاج لا يأمن على نفسه، فقد أدركت من حدثني أن سكان البوادي كانوا يتعرضون للقوافل ينهبونها ويغتصبون أموالهم ثم بعد ذلك يبقرون البطون بحجة أنهم ابتلعوا النقود ليخفوها عن اللصوص وقطاع الطرق، حتى جاء حكم ابن سعود في هذا القرن وأصبح الأمن في جميع الجزيرة الخاضعة لحكمهم الآن مستتبا. وهكذا كانت تلك البلاد في تلك الحقبة من الزمن تموج بالفتن والقلاقل فتعطلت وفود الحجيج من بغداد والموصل وخراسان والكوفة وواسط وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 39
أضف إلى ذلك أن بعض الفرق المتطرفة ظهرت في هذا العصر، ومنها على سبيل المثال ما سمي بحركة العيارين التي تشكلت من الأكراد والأعراب، وهي تشبه اليوم العصابات المسلحة حيث كانوا يغيرون على الأغنياء ورؤساء الشرط ويسلبون أموالهم، ومن المفارقات العجيبة أنهم ما كانوا يعتدون على النساء والأطفال والشيوخ والفقراء، بل كانت حركتهم ضد السلطة والأغنياء، إلا أن بعض فرقهم استغلت الموقف وأرادت أن تتمادى في انفلاتها، فأرادوا إباحة المحرمات كالزنا والسرقة وشرب الخمر. في مثل هذا الجو كان يعيش القاضي أبو زيد، ولقد ذكر في مقدمة الأسرار طرفا مما كان يعانيه فقد ذكر لنا ما كان عليه العامة من التمسك الشديد بالرأي والتعصب للمذهب لدرجة أنه وصفه بالعقم، فكأنه لا يلد فكرا جديدا، وليس هذا فقط بالنظر للأشياخ، بل وأيضا للتلاميذ الذين يتعصبون من غير دليل فاشتغلوا بالخصومة من باب الطعن، ولم يبق هناك إلا قلة ممن هداهم الله للصواب، فوقفوا عند حدود الشرع بما ورد في كتاب الله ثم في. سنته صلى الله عليه وسلم، ثم ما كان عليه السلف الصالح من غير تعصب أعمى. وكذا يعبر القاضي الدبوسي في مقدمته عن المجتمع فيما إذا التقى أهل العلم للمناظرة، فإن بعضهم يبدؤها وفي نفسه ريبة ممن يجالسه، وغيبة لمن يفارقه، ومن هنا كان لا بد للفقيه - في نظر المصنف - أن يكون عالما بالكتاب والسنة، ثم لا بد له من معرفة أشياخه وتسلسلهم، فيقول: (وما العبد بموفق لسلوك هذا الطريق إلا بعد علمه بالطبقات، ليعرف الهادية بفدوة، ويبعد عن النابيه بنبوة)، ومن هنا جاء دور الإمام القاضي الدبوسي في تأسيسه مدرسة علم الخلاف والتي ظهر تأثيرها عليه، فأبرزها إلى حيز الوجود وساتعرض لها في حينه، إن شاء الله.
الجزء 1 · صفحة 40
هذه صورة موجزة عن تلك الفترة التي عاشها القاضي الدبوسي ويمكن الرجوع إلى مصادر التاريخ لمن أراد التوسع في ذلك). ولما مر فقد تأثر العلماء شأنهم شأن بقية طبقات المجتمع سواء في علومهم أو في علاقاتهم مع بعضهم بحياتهم الاجتماعية ولقد صور لنا القاضي الدبوسي صورة لمن يظنه كريما إذا ما أحس بأنه يشاركه في شيء من حطام الدنيا فيقول: صديق لنا من أفضل الناس في البخل يكنى أبا فضل وليس بذي فضل دعاني كما يدعو الصديق صديقة فجئت كما يأتي إلى مثله مثلى فلما حضرنا للطعام رأيته يري أنه من نغص أعصابه أكلي فيشتم أحيانا ويضرب عبده وأعلم أن الشتم والضرب من أجلي إلى غير ذلك مما يصور لنا الحسد حتى عند هذه الطبقة في تلك الفترة التي عاشها القاضي الدبوسي.
المسألة الخامسة
تشجيع الخلفاء للعلم والعلماء
كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يتلقون العلم من مشكاة النبوة، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون إلى ذلك، بل إن بعضهم كان ينقطع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كأبي هريرة وغيره وكان بعضهم يتناوب مع جاره الذهاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليتعلم منه ويعلم جاره، كما حصل بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأحد جيرانه عندما كان خارج المدينة، وهكذا تسابق الصحابة لكي يتعلموا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رأى بعضهم أن من الضروري على كل مسلم أن يتعلم العلم الشرعي حتى نزل التخفيف بقوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.
الجزء 1 · صفحة 41
وقد وردت الأحاديث الكثيرة المستفيضة الصحيحة للحث على العلم والتعلم، ويكفي أن أول ما نزل قوله تعالى: (إقرأ باسم ربك الذي خلق)). وسار الصحابة رضوان الله عليهم والخلفاء ومن جاء بعدهم على ذلك، حتى جاء عصر التدوين وأخذ الخلفاء يطلبون من أهل العلم أن يضعوا لهم القوانين التشريعية، كما فعل هارون الرشيد عندما طلب من أبي يوسف أن يضع له كتابا في الأموال، فوضع له كتاب الخراج وهو يبحث في الأموال والخراج على ضوء الكتاب والسنة)، وقد كان الخلفاء يستقدمون الأدباء والشعراء والكتاب والفقهاء والعلماء، وكانوا يختارون مؤدبي بنيهم ممن يثقون بعلمهم ودينهم، وكان العلماء يحكمون على الأمراء والمواقف الشاهدة على ذلك كثيرة كما فعل سعيد بن المسيب من خيار التابعين عندما زوج ابنته تلميذه ورفض أن يزوجها ولي عهد خليفة المسلمين، وكما فعل مالك عندما طلبه الرشيد لكي يذهب لمنزله ليؤدب له بنيه فرفض وقال له العلم يؤتى إليه). فأمر بنيه بالذهاب إليه في المسجد ليسمعوا منه الموطأ، ومثل هذا فعل عندما أرسل ولديه الأمين والمأمون لمحمد بن الحسن الشيباني ليسمعا منه السير الكبير، كان هذا في عصر التابعين وانتشرت المذاهب الفقهية كذلك في عهد أتباع التابعين، وكان الخلفاء يشجعون العلماء سواء بالتكريم المادي أو المعنوي، لأن الدعوات لبني العباس ثم للفاطميين من بعد إنما كانت تقوم على الدعوة لآل البيت لذلك كانوا يعتمدون في الدعوة لذلك على الدعوة الدينية وأحقيتهم بالخلافة، ومن هنا جاء احتضانهم للعلماء، وكانوا يشددون النكير على العلماء المخالفين كما سنتعرض له في الفصول اللاحقة.
الجزء 1 · صفحة 42
وعلى الرغم من التمزق الداخلي للدولة العباسية في عصر القاضي الدبوسي من الناحية السياسية والاجتماعية، فإن هناك من كان يشجع العلم والعلماء ويجري عليهم الرواتب وينشيء لهم المدارس، كما فعل الأمير بدر الدين ابن حسنويه والي الجبل وهمذان ونهاوند وبتشجيع الخلفاء للعلماء وتبنيهم لمذاهبهم ومحاولة فرضها على الأمة، انتشرت المذاهب الفقهية والمدارس التابعة لها، فكان لذلك التأثير الواضح على حركة العلوم والعلماء في هذا العصر.
وكان بعض الأمراء يستوزر بعض العلماء، كما استوزر الخليفة القائم بأمر الله أبا طالب محمد بن أيوب و استقضى ابن ماكولا الإمام المشهور في أيامه مما جعل الطريق ممهدة أمام الباحثين وطلاب العلم في هذا العصر حيث كثرت المدارس والمكتبات بل وأقيمت مساكن بجوار المعاهد يسكنها الطلبة وهكذا انتشرت حركة العلم في هذا العصر رغم ما فيه من وضع سياسي لا يحسدون عليه. وكذلك فقد انتشرت المناظرات وشاعت المجادلات في هذا القرن بقصد نصرة كل فريق للدولة التي يعيش فيها، ومع هذا فقد كان هناك من يناظر للحق ويعيش ويموت من أجله.
الباب الأول - الفصل الثاني المسألة الأولى
الحالة السياسية وأثرها
ذكرت من قبل أن هذه الفترة شهدت اضطرابات، وتسلط الوزراء على الخلفاء، وحصل فيها حسد بين العلماء، حيث كان بعضهم يقوم بدور السعاية لدى السلطان لإغرائه بخصومه والتنكيل بهم، فإذا انتهى زمن ذلك السلطان وأفل نجمه، تبعه من كان يسعى بين يديه بإغرائه، فإذا ما تولى نجم آخر وقرب
إله أناسا، آخرين انتقموا ممن سبقوهم بالإيذاء، يقول ابن الأثير الجزري لقد كانت تحصل الفتن بين الشافعية والحنابلة لاختلاف في الفروع وما كاد يطل القرن الرابع الهجري برأسه والخلافة فيه للعباسيين كما هو معروف حتى إذا كانت سنة ? هجرية أعلن عبد الرحمن الناصر الأموي إقامة الدولة الأموية في الأندلس، وأعلن نفسه خليفة وتسمى بأمير المؤمنين، وسك النقود باسمه.
الجزء 1 · صفحة 43
وقد كانت هذه الدولة على طرفي نقيض مع الدولة العباسية، لأنهم أطاحوا بدولة بني أمية. وظهرت كذلك. في هذا القرن الدولة الإخشيدية، ثم غزاها الفاطميون وانتزعوها منهم.
ثم ظهر بنو بويه على بغداد، وظهرت دولتهم على العراق وما جاورها وأصبحوا أصحاب الأمر والنهي، ولم يبق لخلفاء بني العباس إلا الاسم. وفي أفغانستان ظهرت الدولة الغزنوية. وفي الشام ظهرت الدولة الحمدانية، وكان لتعدد هذه الدول وتنافسها أثر كبير في نشاط الحركة العلمية، وكانت بغداد ومصر من أهم المراكز العلمية لشدة التنافس وطموح الفاطميين لتوسيع رقعة ملكهم وحرصهم على نشر
الباطنية ظهر في هذا القرن كثير من العلماء والأدباء وغيرهم.
وأما في القرن الخامس حيث عاش القاضي الدبوسي أوج عهده العلمي فقد كانت الدولة العباسية تعاني من مشاكلها وتسير نحو الاحتضار، فقد غزا السلاجقة خرسان والولايات الغربية للدولة الغزنوية، ثم استولوا على أملاك بني بويه، ثم زحفوا على العراق واستولوا على العاصمة بغداد كما أسلفت. وأما الدولة الأموية ففي القرن الخامس أخذ نجمها يسير نحو الأقول وظهرت دول المرابطين والموحدين، وأخذ نصارى الأسبان يعتدون على المسلمين هناك حتى جاء ابن تاشفين وهزم النصارى بمعركة رفع فيها الظلم عن المسلمين، وأما في مصر، فقد ثبت الفاطميون دعائم حكمهم ووطدوا أقدامهم واتخذوا الأزهر معهدا علميا سنة 361هـ لتدريس مذهبهم الباطني على أيدي معلمين وفلاسفة شيعة، إلا أن هذا لم يتغلب على طبيعة الشعب السني، وشاءت إرادة الله أن تستمر هذه المنارة في هداية الحيارى عبر الزمان والقرون بعكس ما أسس من أجله ليكون من حماة الشريعة القائمة على المحجة البيضاء، إن شاء الله.
الجزء 1 · صفحة 44
وكان خلفاء بني العباس يخشون الفاطميين لقوة نشاطهم وحركتهم الدائبة من هذه الدولة الفتية الناشئة فاجتمع الأشراف من سلالة فاطمة رضي الله عنها مع بني العباس وسجلوا محضرا ينفون فيه نسب الفاطميين ويعلنون البراءة منهم فنشط علماء السنة كأبي بكر الباقلاني، وغيره وبالمقابل تحرك الفاطميون وانشأوا النوادي والمدارس وانتشرت محاضر الطرفين كل ضد خصمه فانتشرت الكتب والمؤلفات ودور الكتب، وأخذ كل من الفريقين يحشد طاقاته ضد الآخر.
هذه الصورة الحية تعبر عما كانت عليه حال الأمة ومدى تأثير السياسة في الحركة العلمية في البلاد، هذا ما جعل نوابغ العلماء تظهر بين العلماء والمحققين كأبي إسحق الإسفراييني الشافعي وأبي عمر الطلمنكي المالكي) وأبي زيد الدبوسي الحنفي وابن حزم) الذي كان شافعيا ثم انتقل إلى مذهب الظاهرية وإمام الحرمين الجويني (الشافعي) والبزدوي الحنفي) وغيرهم. ومن مطالعة تراجم هؤلاء، تعطينا صورة عن مراكز النشاط العلمي والذي يعنينا نحن في هذه الدراسة هو القاضي أبو زيد الدبوسي)، فقد نشأ كما أسلفت بقريته بجوار بخارى، وكان له نشاط علمي بارز سأتناول ذكره في موضعه.
المسألة الثانية
علاقة الأقطار ببعضها البعض وأثر ذلك
الجزء 1 · صفحة 45
لم تكن علاقة الأقطار ببعضها علاقة محبة وإخاء في الغالب، ولم تكن علاقة حسن جوار فقد رأينا تمزق العالم الإسلامي إلي دويلات في الشرق والغرب وعلى طوله وعرضه، أما الشعوب الإسلامية، فهي منذ القديم تبقى علاقتها ببعضها حسنة، وأما السلطة، فكما قال ذلك الشيخ مقولته عندما وقعت الفتنة والقطيعة بين المسلمين في القرن العشرين (قاتل الله السياسة وما اشتق منها). ولقد كان لهذا التمزق تأثيره على الحركة العلمية ونشاط العلماء من جهة ومن جهة أخرى فقد كان هناك أمر آخر وهو نشر الحركة العلمية للتنافس الذي سبقت الإشارة إليه، وقد كانت العلاقة بين هذه الأقطار في مد وجزر، وكانت تنعم فترة بالرخاء، ولكنها سرعان ما تعود إلى الاضطراب وعدم الاستقرار، ومن هنا كان التعصب الذميم، وكانت السعاية كما مر تجري حتى على من تسموا بالعلماء في تلك الفترة إلا من رحم ربك، ومن أراد الاستزادة، فليرجع إلى المراجع التاريخية التي أسلفت ذكرها في الفصول السابقة.
وقد كان التنافس على أشده عندما اتخذ الخليفة العباسي في مؤتمره الذي جمع له العلماء سنة 402هـ وأعلن بتكفير الفاطميين في هذا المؤتمر، وتصدى الفاطميون لهذه الفتوى بكل ما أوتوا وسخروا علماء الشيعة في حينه للرد على تلك الفتوى والسعي الحثيث على نشر مبادئهم الباطنية فكان المدرسون يقررون ذلك على الطلاب، ويجتهدون كذلك لانتقاض أراضي الدولة العباسية وضمها لهم.
المسألة الثالثة
الفتوحات وأثرها
الجزء 1 · صفحة 46
قديما قيل: الناس على دين ملوكهم، غير أن هذه القاعدة وإن كان لها في واقع الأمر حقيقة في الحياة الدنيا، إلا أن لها استثناء، وإن قل هذا في ملهره، فهو كثير وكبير بأمر الله في حقيقته. فمما سبق ذكره تبين لنا أن عبد الرحمن الداخل عندما فر إلى المغرب وأقام الدولة الأموية، وأخذ الإسلام يدخل تلك المناطق النائية من الدولة الإسلامية الأم أو من مركز خلافة بني العباس، فقد شجع أمراء الدولة الأموية العلماء وأغدقوا عليهم، وانتشرت علوم الشريعة وعلوم الحضارة الإنسانية، وأصبحت قرطبة وإشبيلية وغيرهما من المدن تضاهي بغداد ودمشق، وكذلك الحال عندما أقام الفاطميون الدولة في مصر وأسسوا الأزهر ليكون منارة للعلم الباطني الذي صرفه ربنا جل وعلا إلى الحق ودخل كثير في دين الله أفواجا، فاتسعت رقعة أرض الأمة الإسلامية واتسعت إلى جانبها أفق الحضارة البشرية ولا تزال معالم المسلمين في قصر الحمراء الذي بني على فن العمارة في الهندسة الإسلامية خير دليل حيث تدخل الشمس في كل يوم من نافذة لا تدخلها إلا في اليوم المعد لذلك على عدد أيام السنة، وكذلك قاعة السباع حيث أجريت فيها المياه، بحيث يخرج الماء من فم سبع حجري لمدة ساعة من الزمان ثم يتوقف الجريان في الساعة الثانية ليجري من فم أسد أخر، وهكذا إلى غير ذلك، فكان للنتوحات الإسلامية أثر عظيم في حركة الثقافة والعلوم.
الجزء 1 · صفحة 47
وقد ورد أن أول من أدخل كتاب الأسرار للقاضي الدبوسي إلى المغرب هو القاضي ابن العربي عندما قام بجولته في المشرق العربي حتى نقل صاحب الجواهر عن ابن العربي هذار) أنه قال كنت قد وردت تلك الديار الكريمة، فقرأت بتلمسان، وفاس وكنت أذكر فيهما من الأسرار مسائل فما تحركت لذلك همة إلا لرجل واحد، علم أني إذا سئلت قرأ بها، أقول: هي من أول آخر العلم، فإذا أخذتم أوائله) وتاقت نفسه إليها، فرحل إلى العراق وكتبها من مدرسة الحنفية بمدينة السلام وجاء بها، وكان ذلك من جميل فإنه لما ذهب ببعضها من عندي في الدار، استعرتها صنع الله معي وحصلت ما فاتني منها.
الجزء 1 · صفحة 48
فكان للفتوحات الإسلامية وانتشارها عوامل مؤثرة في حركة العلم والثقافة، لأن الأمة الإسلامية انفتحت على غيرها، فنشطت حركة الترجمة والتأليف، وانتشرت المعارف والعلوم، وأخذ طلبة الغرب يفدون إلى جامعات العالم الإسلامي كإشبيلية وقرطبة وغرناطة ودمشق والقاهرة وبغداد حتى جاء دور القرون السابقة والقرن العشرين، فانعكست الحال، وأصبح أبناؤنا يرحلون إلى عواصم الشرق والغرب يتعلمون فيها، لأن الدول الفاتحة غالبا ما تنقل حضارتها وثقافتها معها، ويكون لها تأثير قوي على الأمم المغلوبة ومن هنا كانت الثقافة الدينية والتي علاوة على ما تقدم تتمشى مع الفطرة البشرية السليمة، فكان غير المسلم إذا احتك بالمسلم في معاملاته الحياتية، ويرى حقيقة المسلمين يسارع السير في الرجوع لفطرته فيدخل في دين الله طائعا مختارا، فيكون بما لديه من علم وثقافة مع ما يتعلمه من الإسلام رفدا جديدا، فزادت بذلك حركة الترجمة والنشر ونقل العلوم والمعارف في هذه الفترة خاصة فانتشرت حركة التأليف بشكل بارز واتسعت بذلك الحركة العلمية وبرزت ضرورة التحقيق بروزا ظاهرا بعد النشاط الظاهر الذي شهدته البلاد، واشتدت الحاجة إلى النساخ الذين كان بعضهم همه العلم وهو عالم، وبعضهم ليسوا من أهل العلم، وإنما استفادوا من ذلك في أمور تجارية وبمعنى آخر فبعضهم همه إظهار الحق وإبرازه والبعض الآخر همه الربح والتجارة، ومن هنا برزت ضرورة تحقيق التراث وتدقيقه، وهي لا تقل عن مستوى التأليف.
المسألة الرابعة
الحالة الداخلية وتأثيرها على التأليف
الجزء 1 · صفحة 49
وباستعراض ما سبق وبعد بيان حال الأمة، واجتماع المتناقضات كما رأينا في فرقة العيارين كصورة من صور طبقات المجتمع، ورأينا تحكم الوزراء في الخلفاء، وتسلط بعض الفرق والمذاهب على النواحي السياسية والاقتصادية وحتى على النواحي الفكرية، رغم كل هذا فقد وصف لنا ابن خلدون حالة العالم الإسلامي في القرن الخامس الذي عاش نصفه الأول القاضي الدبوسي حيث يقول: إن أهل المشرق كانت لديهم بضائع العلوم متوفرة ومنتشرة بالرغم مما أصاب العالم الإسلامي من الناحية السياسية والاقتصادية، فمن حيث الثقافة والعلوم والفنون كانوا على جانب عظيم فيها، وقد كان الكثير من الحكام عرب وعجما في الولايات الإسلامية يشجعون العلوم والفنون والآداب على سنة العباسيين.
لقد عاش القاضي الدبوسي في مقتبل شبابه في أواخر حكم السامانيين وعاصر نهاية حكمهم في بلاده ما وراء النهر وفرغانه بعد أن دامت تحت حكمهم (5سنة) ويذكر صاحب تاريخ بخاري) أن حكومات السامانيين كانت بحق تقوم على التقاليد الدينية والاجتماعية التي كان يعدها المسلمون في القارات الثلاث في قرون سابقة أقرب ما تكون بما كان عليه السلف الصالح في عصر الإسلام الذهبي، وعندما كانت حاضرة الخلافة مسرحا لنشاط المذاهب والفلاسفة، كانت بخارى وبلخ وسمرقند (منطقة القاضي الدبوسي) تحت حكم السامانيين (هي) الملاذ الأثير عند العلماء المسلمين الحريصين على الاستمساك بأدق دقائق الشرع والسنة، وبهذا اشتهرت علوم الدين في كل أسيا الغربية على الصورة الرائعة التي عرفتها مكة والمدينة نفسها).
ومما جرى تحريره يتبين لنا بصورة واضحة كيف كانت تجري الحياة الداخلية منطقة في القاضي الدبوسي خاصة، وحال الأمة عامة، حيث كان التنافس بين الولايات في الداخل على أشده. ولا شك أن في ذلك كل التأثير على الحركة العلمية والفكرية.
المسألة الخامسة
انتشار الفرق والمذاهب وأثرها
الجزء 1 · صفحة 50
نتيجة لما كان عليه المجتمع في هذه الحقبة من الزمن فقد رأينا قيام عدة دول في العالم الإسلامي، وكانت تحكم هذه الدول علاقات غير وطيدة بل على العكس مما ينبغي أن تكون عليه هذه الولايات فكانت كل دولة تحاول أن تستولي على الأخرى، فالأمويون يحاولون إرجاع الخلافة العباسية إليهم ويعتبرونهم من المغتصبين لحقوقهم، وكان هذا في المغرب كما مر في الأندلس، والفاطميون الذين حاولوا انتزاع أطراف الدولة العباسية وضمها إليهم، والعباسيون كانوا كذلك يريدون إخضاع بقية الولايات لدولتهم المترامية، ولكن ضعف السلاطين في هذه الحقبة، وتحكم بعض الوزراء والأعوان فيهم، وطمع الطامعين، ولفتن الداخلية، كل ذلك قد حال بين هذا على مستوى الدول، وأما على مستوى الفرق والجماعات والأحزاب فقد عن جميع ذلك كانت جذورها موغلة في القدم منذ أن قامت فرقة السباية ومن في طريقها من اغتيال عمر رضي الله عنه، ثم اغتيال عثمان وعلي كرم الله وجهيهما الصحابة والقرابة والتابعين، فكانت بذور الفرق الله ورضي والمذاهب والأحزاب قد أخذت في النمو وظهرت على مسرح الأحداث فرق الخوارج والشيعة، حيث قامت على أساس من العقيدة في نظرهم وعلى الفكر الذي تبناه كل فريق، وتقادم الزمان، لتتشعب كذلك هذه الفرق ثم لنثبت بعد ذلك مذاهب أخرى وفرق شتى كالمعتزلة والقدرية، والمرجئة، والروافض والحشوية والأشاعرة، ووجدت فرقة العيارين التي أشرت إليها ثم وجد المذهب الفاطمي (الباطني) وبانتشار حركة التقليد للمذاهب في النصف الثاني من القرن الرابع أخذ أصحاب هذه المذاهب يتعصبون لمذاهبهم وجمد الاجتهاد وكثر الخلاف المذهبي واستشرى بين العامة والخاصة وقد سبق كذلك أن أشرنا إليه وأما الفقهاء فمنشأ اختلافهم في الغالب لتفرق الصحابة في الأمصار وكذا التابعين لهم ثم لتأثر أصحاب مذهبي الرأي والحديث إن صح التعبير كل بما وصل لعلمه واجتهاده بالإضافة إلى تفاوت العقول في الفهم والإدراك
الجزء 1 · صفحة 51
والاستنباط، وأخذ كل فريق يبشر بمذهبه ويدعو إليه ويتعصب له، وقد حدثت سعاية بعضهم عند الحكام الإغرائهم بمخالفيهم.
وكلما كانت الدولة قوية وقائمة على العدل كلما كان الاستقرار وخفت حدة التناحر، وكلما ضعفت واستبدت وظلمت كلما انتشرت الفرق والمذاهب على اختلاف أنواعها، وإضافة لما مر فإن تشجيع الخلفاء والأمراء كذلك لبعض المذاهب وحمل الأمة على تبني ذلك كان أيضا له الأثر في إيجاد فرق المعارضة من جهة، وفي نشر المذاهب المتبناة من جهة أخرى كما سنرى في فصول قادمة.
ولقد كان لانتشار الفرق والمذاهب الأثر الفعال في إيجاد المنافسة العلمية والفكرية وإرفاد مواردها (بزخم واستمرار، كل ذلك يلمس واضحا في هذه الفترة الزمنية التي عاشها القاضي الدبوسي خاصة وفي جميع العصور عامة.
الفصل الثالث
المبحث الأول - المسألة الأولى
الحالة الفكرية وأثرها في تأسيس المدارس بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أول أعماله فيها تأسيس المسجد النبوي، فكان هذا المسجد هو الجامعة التي يتلقى فيها الصحب الكرام ومن جاء بعدهم القرآن الكريم والسنة النبوية، بمفهومها الشامل، وهذا هو أهم شيء في حياتهم، ثم استمر الحال على ذلك، فكان للمسجد دوره، ولما اتسعت رقعة الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجا من كل حدب وصوب، انتشر الصحابة الكرام رضي الله عنهم في الأرض بما يحملونه مما تعلموه من الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم جاء السلف ليرث عنه الخلف، فكان لا بد من تدوين العلوم واتساعها وتشعبها بالنظر لحالة الأمة ولما تتطلبه مناحي الحياة المختلفة زمانا ومكانا ضمن الإطار العام الشامل بمفهوم الإسلام.
الجزء 1 · صفحة 52
وكان مصدر الفكر واحدا للصحابة الكرام في عهده صلى الله عليه وسلم، وإلى حد قريب في عهد الخلفاء الراشدين، فكانوا يتلقون حل ما أشكل عليهم بتفسيره من الوحي، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إذا حدثت حادثة جمعوا خيار الصحابة وكبارهم واستشاروهم، ولكن لما اتسعت رقعة الدولة وجاء بعدهم التابعون واختلط العرب بالأعاجم، وحمل الداخلون في دين الله ما حملوا معهم من عادات وثقافات وتقاليد، كان لا بد من صوغها وصهرها في بوتقة الإسلام ونبذ ما يخالفه، وتقويم المعوج فبدأ الصحابة يجتهدون فيما يعرض لهم، وقد تعودوا على ذلك في المدرسة الأولى بتربية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، فكانوا يجتهدون في حياته، ويقرهم صلى الله عليه وسلم على الصحيح ويقوم المعوج كما حصل في معركة بدر والاستيلاء على موقع الماء فيها - وكما حصل في الخندق بحفره في غزوة الأحزاب، وكما حصل مع معاذ بن جبل رضي الله عنه وقد سبق الكلام فيه إلى غير ذلك)، من استشارة الصحابة في أسرى بدر وموقف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مشهور في ذلك واستمر الحال كذلك في عهد الصحابة، ولكن لما جاء عهد التابعين، وأصبحت الدولة كما أشرت إليه ظهرت هناك مدرستان مدرسة الرأي ومركزها العراق ومدرسة الحديث ومركزها المدينة والأولى اشتهر من ممثليها وهم الحنفية بإمامة الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان - رحمه الله - والثانية وممثليها المالكية بإمامة الأمام مالك - رحمه الله، وألف في ذلك كتابه الموطأ. ثم جاء الإمام الشافعي - رحمه الله - وجمع بين الرأي والحديث وسمي ناصر السنة ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - والتزم جانب الأخذ بالأحكام الشرعية من الكتاب ومن السنة النبوية الشريفة.
الجزء 1 · صفحة 53
وقد ظهر الكثير من المجتهدين في ذلك الوقت كأبي ثور، والأوزاعي وداود الظاهري، ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم ولم تنتشر مذاهبهم لأسباب عدة منها أن تلاميذهم لم يقوموا بتدوينها، وحملها للأقطار، والدفاع عنها، وإلى جانب انتشار المذاهب الأخرى، يقول عبد الرحمن بن زيد بن مسلم، نقلا عن ابن العماد الحنبلي. لما مات العبادلة الأربعة: (عبد الله بن عباس، وابن عمر وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص أصبح الفقه في البلدان إلى الموالي، فمثلا مكة كان فيها عطاء، وفقيه اليمن، طاووس وفقيه اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه البصرة الحسن البصري، وفقيه الكوفة، إبراهيم النخعي، وفقيه الشام مكحول.
وأما المدينة فكان فقيهها القرشي سعيد بن المسيب. ثم بدأت طبقة المحدثين بالظهور، فظهر البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وعرفت كتبهم بالكتب الستة، وهناك غيرهم كثير ولكن لم يصلوا إلى درجة شهرة هؤلاء، وقد امتدت هذه الفترة الذهبية من المنتصف الثاني للقرن الأول الهجري إلى نهاية المنتصف الأول من القرن الرابع الهجري ثم بدأت حركة التقليد في الاتساع والانتشار على أشدها وبدأ الخلف يدونون ما ورثوه عن السلف، فبدأوا بتدوين علوم الدين أصولا وفروعا، وأعتنى المسلمون بالتفسير والحديث دراية ورواية وانتشرت حركة الترجمة والنشر.
ومما ساعد على انتشار المدارس الفقهية، وضع الدولة الداخلي وانقاسمها إلى دويلات وتبني الحكام بعض المذاهب كما أسلفت الإشارة إلى ذلك من قبل. وبدأت هذه المدارس تنتشر ولا تزال آثارها حتى اليوم كالأزهر في مصر، وكلية الإمام الأعظم في بغداد وغيرهما في أقطار العالم الإسلامي. كل ذلك كان له الأثر الملموس في حياة القاضي الدبوسي في فترته التي عاشها، كما سنرى في مؤلفاته.
المسألة الثانية
انتشار التقليد للمذاهب الأربعة خاصة
الجزء 1 · صفحة 54
كان لانتشار المدارس الفقهية وغيرها أثر في استقطاب طلبة لها ينشرون أفكارها في كل مكان حتى إن كثيراً من الخلفاء والأمراء والحكام قد فتحوا المدارس وأجروا عليها النفقات وكانوا يعينون لها المدرسين وبلغ التنافس أشده في التعصب للمذاهب، كما أشرت إلى ذلك من قبل بحيث لا يصلي الشافعي خلف الحنفي، والعكس، ولا يزوج هذا من ذاك، والعكس كذلك، واتسع نشاط التقليد، فلم يأت النصف الثاني من القرن الرابع الهجري حتى أخذت المدارس المذهبية في الانتشار والاتساع والعمق في العلوم والفنون وتنوعها، وشاعت كذلك دور الكتب، يضاف إلى هذا، موقف الخلفاء والحكام في تبني العلماء، من أجل الترويج لشرعية حكمهم، كما فعل الفاطميون، وكما فعل العباسيون في تكفير الفاطميين وغيرهم، فكان الطلبة يحملون أفكار المعلمين ولا يخرجون عن قواعد أصول مذاهبهم، وحتى تلاميذ الإمام الأعظم والذين خالفوه في كثير من المسائل وكانوا يخالفونه في الفروع، فما كانوا يخرجون عن أصوله، ويذكر ابن خلكان ذلك فيقول وقليلا ما يخرج من العلماء عن مذهبه وطريقته في الاجتهاد، من حيث أصوله العامة، وإن وجد فهو قليل كما هو الشأن، فمثلا السمعاني كان على مذهب أبي حنيفة ولكنه تركه عن تعصب نفسي لإدخال المذهب الجديد في بلد يخلو منه).
ولم يقتصر التقليد على علوم الشريعة، بل شمل جميع العلوم والمعارف) كالطب والفلسفة وعلم الكلام وعلم الحديث ومصطلحه وغير ذلك.
الجزء 1 · صفحة 55
وكما كان الصحابة - رضي الله عنهم يتمسكون بنصوص الكتاب والسنة، فكذلك الفقهاء والعوام على حد سواء كانوا يتعصبون لمذاهبهم ولا يعدلون عنها، حتى إن التميمي السمعاني عبد الكريم، وهو أول من أدخل مذهب الإمام الشافعي إلي بلاد ما وراء النهر، لم يستطع أن يدخل بلاده وغضب عليه أول الأمر والده حيث كان هذا حنفيا كبقية أسرته، لأنه انتقل من مذهب الإمام الأعظم (أبي حنيفة) إلى المذهب الشافعي، ولم يستطع الرجوع لبلده، حتى أقنع والده بأنه لم يخرج على الأصول، وإنما هو صحح المعاني والمعتقدات والافكار، وقد ألف كتاب الاصطلام للرد على أبي زيد وسأتحدث عنه في موضعه. وكذا من جاء من بعده، مثل أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي القزويني كان نحويا، وكان شافعيا، فتحول مالكيا، وقال: (أخذتني الحمية لهذا الإمام أن يخلو مثل هذا البلد عن مذهبه، وتتلمذ عليه الصاحب بن عباد) وهكذا ما كاد القرن الخامس الهجري يطل برأسه حتى أخذت شمس بني العباس في الضعف والاقتراب من الاحتضار فغزا السلاجقة خراسان وغرب الدولة الغزنوية وأملاك بني بويه والعراق، ودخلوا بغداد، وأصبح لهم الأمر والنهي، وهم ينتسبون إلى الترك. وكذا كان الحال بالنسبة للأندلس فقد اقتربت شمس بني أمية من الأقول لتظهر على أعقابها دول المرابطين فالموحدين حتى جاء ابن تاشفين وأنقذ المسلمين من ظلم النصارى.
وأما مصر، فوطد الفاطميون أقدامهم، وأنشأوا الأزهر جامعة علمية سنة61 3هـ قبيل ولادة القاضي الدبوسي بتسع سنوات لتدريس المذهب الشيعي على أيدي علماء وفلاسفة متخصصين ولكن الشعب المصري المتمسك بدينه لم تلن قناته، ولن تلين بحول الله أمام أعداء الله في كل زمان ومكان - هذا هو أملنا بالله سبحانه وتعالى.
الجزء 1 · صفحة 56
وكما ذكرت فقد اجتهد الفاطميون في الترويج لمذهبهم مما جعل الكثير من القرائح تتفجر كما ظهر أبو إسحق الإسفراييني الشافعي وأبو عمر المالكي وأبو زيد الدبوسي الحنفي وابن حزم الظاهري وأبو إسحق الشيرازي وإمام الحرمين الجويني وغيرهم فغلب على هذا القرن طابع التقليد وانكمش الاجتهاد تدريجيا، ولم يبق بين العلماء مجتهد إلا قليل، وبين أيدينا من مؤلفات هذا القرن كتاب تأسيس النظر للدبوسي تكلم فيه على الأصول التي أدت إلى الخلاف) سواء في المذهب الواحد أو مقارنة مع غيره من المذاهب مقارنا بما في مذهبه، وكذا كتاب الإحكام في أصول الإحكام لابن حزم الظاهري الذي تكلم فيه عن إثبات الحجج والألفاظ المستعملة في لغة أهل العلم والنظر، وكذا الحال في انتشار التقليد فقد ساعد العلماء على البحث والتنقيب للرد علي الخصوم أو لتقويم الأمر، كما استدرك أبو بكر بن داود الحافظ المشهور الذي عاش في القرن الثالث الهجري على الإمام الشافعي في بعض المسائل العربية رغم فصاحته، فقد وقع في الخطأ في بعض الكلمات، ومن هنا جاء مفرق الطريق في تنوع المسائل الفقهية، فمثلا آية الوضوء أخذ الشافعي رحمه الله في ترتيب أعضاء الوضوء في أية المائدة (يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... الآية)).
الجزء 1 · صفحة 57
مع إجماع أهل العربية أن الواو تقتضي الجمع المطلق لا التوالي. وإنما ذكرت هذا المثال للدلالة على كيفية اختلاف الفقهاء في وجهات النظر، وإلا فلو كان اعتراض المعترض على ناصر السنة الثبت في لغته القوي في حجته، الذي لا يداني، لوجد الجواب عنده. وأنا لست بصدد الانتصار لأحد على أحد بمقدار ما أورد المثال للاستشهاد بكيفية مأخذ أهل العلم في أحكامهم. والحق أن الشافعية أخذوا بالسنة العملية في ترتيب أعضاء الوضوء وغيرهم أخذ بدلالة الألفاظ، وكلهم على حد ما قيل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملتمس الكل فيهم كان يجتهد للوصول إلى الحق في علمه هو لا بذاته، فمن اجتهد وأخطأ، فلم يحرم أجر المشقة، ومن أصاب فله كذلك أجر المشقة وثمرة الاجتهاد.
المسألة الثالثة
الجزء 1 · صفحة 58
انتشار الناحية العلمية على الرغم من انتشار التقليد أول ما بدأ به الوحي كما هو مقرر الطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ، ولذا فلا عجب إذا ما رأينا الشارع الحكيم يحثنا على طلب العلم والتعلم، فالسنة النبوية قد أفاضت في بيان فضل العلم وأهله ومن قبل جاء القرآن الكريم بأكثر من ذلك قل) هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب)، فنجد أن شريعتنا من مميزاتها العظيمة والكثيرة عن بقية الأديان السماوية والوضعية إن جاز لنا التعبير، أنها تمتاز عنها بحثها على العلم وإعلاء شأن أهله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) على عكس الأديان التي حاربت العلم وقتلت العلماء في فترة من فترات حياتها، وإنما أقصد بالأديان أهلها كما هو المعروف بينما شريعتنا من أول لحظة وإلى آخر لحظة في حياة الإنسان تطلب منه التعلم اطلب العلم من المهد إلى اللحد فمن هذا المنطلق نجد أن كل الحضارة في القرن العشرين علميا إنما أساسها ومنشؤها حلقة من حلقات العلوم الكونية على الأرض التي أرسى قواعدها سلفنا الصالح سواء أكان في مجال الهندسة أم الطيران أم الفلك، مما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء وقد كانت جامعات المسلمين في العصور السابقة مثابة لطلاب العلم من أهل الأرض وممن سبقوا ماديا في القرن العشرين فلا عجب إذا ما وجدنا استمرار العلوم في عصر القاضي الدبوسي، مع أن هذا العصر كان عصر تقليد منذ بدايته، فقد كثرت فيه نوابغ في علوم شتى، ولم يقتصر الأمر على بلد دون آخر بل شملت حركة التعليم جميع البلاد ولعل ما أورده من أسماء بإيجاز دون تفصيل لاقتضاء الموقف يعطينا صورة عن ذلك، فقد ظهر أمثال: البغدادي والجرجاني والنيسابوري والهروي والبصري والخوارزمي والكرخي والرازي والدبوسي والسرخسي والقزويني والقرطبي والأندلسي والدينوري والنسائي والسجستاني والبغوي المصري والقسطلاني والأصبهاني، وغيرهم، وأمثالهم
الجزء 1 · صفحة 59
كثير، وهؤلاء منسوبون كما هو واضح إلى بلدانهم التي نبغوا فيها واشتهروا بها). ولعل هذا راجع إلى ما سأذكره في المبحث الثاني من هذا الفصل.
وعلى الرغم من أن هذا القرن امتاز بالتقليد إلا أن شيوع المناظرات وانتشار المدارس وتشجيع الخلفاء وانتشار الترجمات والمنافسة السياسية كل ذلك أدى إلى انتشار وازدهار الناحية العلمية، فكان كل فقيه ينتصر لمذهبه ويبحث جاهدا للاستدلال له.
وغالبا ما كانت تقوم المناظرات بين العلماء في المساجد حيث يكثر الحضور ويشهدون تلك المناظرات من الخاصة والعامة فيكثر العلم علاوة على الكتب المصنفة ولقد اشتهرت هذه المناظرات عند علماء الحنفية وسنرى أن من أبرز هؤلاء هو الإمام القاضي الدبوسي المتوفي سنة 432هـ والقدوري أبا الحسين المتوفي سنة 428، ومن الشافعية أبا حامد الإسفراييني المتوفي سنة 480هـ.
وكذلك الحال فقد كانت تحصل المناظرات بين علماء السنة وعلماء الشيعة وبين المعتزلة وغيرهم، وبين فقهاء المذاهب أنفسهم، وقد كثر التصنيف والتأليف بين العلماء في شتى العلوم والفنون كالتفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه والفقه وأصوله والنحو والصرف وعلم الكلام والمنطق والطب والفلك والرياضيات والفلسفة وغير ذلك.
وإذا تجاوزنا الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري وانطلقنا إلى بداية القرن الخامس الهجري وهي الفترة الذهبية في حياة الدبوسي، فسنجد أن هذه الفترة مليئة بالمناظرات والمؤلفات والمدارس الفقهية، وأن علمي الجدل والمناظرة وغيرهما قد انتشرت وسوف يظهر ذلك في موضعه إن شاء الله.
المسألة الرابعة
نبوغ بعض العلماء والفقهاء والأصوليين من أصحاب المذاهب الأربعة و من غيرهم كالظاهرية والمعتزلة والشيعة والصوفية
الجزء 1 · صفحة 60
كان لظاهرة التقليد في هذا القرن خاصة أثرها في الحركة العلمية، إذ ظهرت أكثر من ذي قبل، وقد تعرضت فيما سبق إلى ذلك، وذكرت أن انتشار المذاهب الأربعة، كان أحد عوامل ازدهار هذه الحركة، فقد حمل طلاب هذه المدارس ما تعلموه وما كتبوه عن أشياخهم إلى الآخرين، وتناقلوه بالزيادة والبيان والشرح والإجمال، وغير ذلك، مما كان له أكبر الأثر في استمرارية هذه المذاهب الأربعة، وأما بقية المذاهب كمذهب الأوزاعي، وأبي ثور و كحول وعلقمة وغيرهم، فلم تجد تلاميذ لها لتنقلها وتحملها كما حصل للمذاهب الأربعة المشهورة، ومع هذا فقد امتدت جذور بعض المذاهب من أيام الخلافة الراشدة، وخاصة عندما ظهرت فرقتا الشيعة والخوارج على الأحداث، مسرح بعد معركة الجمل، في خلافة علي - كرم الله وجهه - فأما الخوارج فهم الذين رفضوا التحكيم، ونقموا على علي لقبوله ذلك، وكانوا فرقا كثيرة، وكذلك الشيعة، وهم الذين تشيعوا لعلي بالخلافة، وهم كسابقيهم من حيث تعدد فرقهم، ومن كل المعتدل والمغالي، وقد توالت بعد ذلك الفرق المذهبية ونبغ كثير منهم في هذا العصر ونظرا لما كانت عليه حالة الأمة الإسلامية من تمزق دويلات، وتبني بعض الخلفاء العلماء - إذا ما أخرجنا بعض الخلفاء الذين كانوا يعدون من العلماء - أمثال خلفاء بني العباس، كالقادر بالله والقائم بأمر الله، فقد كانا من العلماء خلال هذه الفترة، فالقائم بأمر الله كان عالما ومحدثا كما وصفه الخطيب البغدادي وكذا وزيره القائم بأمر الله أبو القاسم بن محمد كان عالما ومحدثا))، لهذا ولما آلت إليه هذه الأمة من انتشار للتقليد، نرى أن أهل العلم كانوا يدعون للبحث في الأصول والاستدلال، لذا فقد خرج منهم نوابغ في مختلف الفنون، ومن مختلف الفرق والطوائف، فمن الظاهرية القاضي عبد الجبار أحمد الرازي المتوفى سنة 414هـ، وأبو الحسين البصري المتوفى سنة 436هـ)، وأبو سعيد السمان إسماعيل بن علي الرازي المتوفى سنة 445هـ،
الجزء 1 · صفحة 61
وغيرهم ومن الشيعة أبو عبدالله الكرخي البغدادي المتوفى سنة 413هـ وهو من كبار علماء الشيعة، ويعرف عندهم بابن المعلم، وهو إمام الرافضة، وله مؤلفات وتصانيف كثيرة في علمي المنطق والجدل والفقه وغيرها كثير.
وكذلك فمن رؤسائهم الشيخ أبو الفتح البرامكي محمد بن علي المتوفى سنة 449هـ. والشيخ الطوسي المتوفى سنة 460ه. ومن الزهاد الذين أطلـ ق عليهم فيما بعد الصوفية، فمنهم أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري المتوفى سنة 422هـ. وله كتب في التفسير والتاريخ، وطبقات الصوفية ومنهم أبو نعيم الحافظ الأصبهاني أحمد بن عبدالله المتوفى 430هـ، وله حلية الأولياء وقد اشتهر جماعة بعلوم القرآن كذلك، وكذلك الشأن في علوم الحديث وكذا الحال في علم الكلام والطب والفلسفة وغير ذلك من العلوم.
أما فقهاء المذاهب الأربعة، فهم كثيرون، وكتب الطبقات التي ألفها من جاء بعدهم تحوي الآلاف منهم ويمكن الرجوع إلى طبقات الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية ليقف المرء على أسماء هؤلاء الرجال، وكذا الشأن في علوم القرآن وغيرها من العلوم.
وأما من اشتهر من علماء الأصول في هذا القرن، فهم كثير، وقد ترجم الشيخ المراغي لبعض المشهورين في الفتح المبين فمنهم أبو عبدالله الوراق الحنبلي، والقاضي الباقلاني، وأبو حامد الإسفرايني، وأبو اسحق الإسفرايني وابن فورك، والقاضي عبد الوهاب البغداي، وأبو منصور البغدادي، وأبو الحسين البصري، وأبو زيد الدبوسي، والماوردي، والطبري، والقاضي أبو يعلى الفراء والبيهقي، والشيرازي، وإمام الحرمين، والبزدوي والشاشي والسمعاني وغيرهم). وكان من البارزين في علوم الشريعة حتى ارتقى إلى رئاسة المذهب أحد القضاة السبعة والذي كانت تشد إليه الرحال هو المصنف الدبوسي رحمه الله، حيث إن فتاواه لم تمت بموته بل درست في بغداد ونقلت إلى المغرب وغيرها من الأقطار الإسلامية كما سنرى ذلك في فصول أخرى.
المبحث الثاني
الجزء 1 · صفحة 62
عوامل ازدهار العلم والعلماء المسألة الأولى
تنافس الأمراء بتشجيع العلماء
تبين لنا مما مضى كيف كانت حال الأمة التي تنازعتها دول شتى وكيف كانت منقسمة على نفسها في المشارق والمغارب، وكيف أن كل دولة كانت تريد أن تظهر نفسها للأمة بأحقيتها بالخلافة من غيرها، فكان الأمراء يشجعون لذلك العلماء في ولاياتهم ويغدقون عليهم الأموال ويفتحون لهم المدارس، وقد رأينا طرفا من ذلك، وقد ذكرت في المسألة السابقة كيف كان بعض الخلفاء والوزراء هم فقهاء بأنفسهم وتشجيعهم للعلماء وكيف كانوا يفتحون صدورهم ومنازلهم للعلماء والمناظرات وكانوا يشجعون رجال العلم على نشر العلوم والفنون، واشتهرت بغداد باستقطاب الأدباء والعلماء والحكماء والأطباء، وكان الصاحب ابن عباد وزير المؤيد يبعث بخمسة آلاف دينار سنويا إلى العاصمة بغداد لتنفق على أهل العلم، وكذا أنشأ الخليفة الحاكم سنة 395هـ- دارا سماها دار العلم ودار الحكمة، وجمع إليها أعظم علماء العصر في كل فن وتذكر دائرة المعارف أنه أجرى عليها نفقة تقدر بألفين وخمسمائة وسبعين دينارا سنويا، وكذلك الوالى الغزنوي محمود بن سبكتكين ينفق بمعدل مليونين من الدراهم، وكذلك الأمير بدر الدين والي همذان والجبل وغيرهم كثير.
وكما نشط أمراء بني العباس في المشرق نشط الفاطميون في مصر وما استولوا عليه، وكذلك الشأن في الدولة الأموية في المغرب، وأدى كذلك تعصب العلماء لمن يقلدونهم، وتشجيع الأمراء لمن يحكمونهم إلى ازدهار الناحية العلمية على الرغم من شيوع التقليد.
المسألة الثانية
الجزء 1 · صفحة 63
المنافسة السياسية بين أنظمة الحكم القائمة وأثرها امتاز هذا القرن وهو عصر التقليد في العلوم باتساع رقعة الأرض وترامي أطرافها كما كانت من قبل مع انقسامها إلى دول متصارعة، وكان كل فريق يرنو للسيطرة على أرض الفريق الآخر، لذلك كانت علاقات هذه الدول مع بعضها علاقات تربص وتشف، حتى وصلت بهم الحال فيما بعد إلى أن ينتصر بعضهم على بعض بأعداء الإسلام، وربما ساعد بعضهم أعداء الإسلام على بعض كما سبق الحال فترة استرداد الأراضي المقدسة من الصليبية، ولعل التاريخ يعيد نفسه، فنحيا في جيلنا هذا تلك الصورة التي مر بها العالم الإسلامي من قبل. وأما المنافسة السياسية بين أنظمة الحكم القائمة في تلك الحقبة من الزمن وما رافقها من الدعوة المذهبية لكل دولة، فقد كان لها أثر ملموس واضح في مسيرة الثقافة والعلوم، وكان أشد ما يكون في إيقاد نار المنافسة تلك الفتوى التي استصدرها خلفاء بني العباس في بغداد بشأن تكفير الفاطميين وتبرئتهم من آل البيت وخصوصا عندما حضر تلك الفتوى من آل البيت ممن كانوا يقيمون في ظل العباسيين، وانبرى الفاطميون لهذه الحملة ونشط أهل السنة للرد على الفاطميين وهتك أستارهم كأبي بكر الباقلاني وقد انتشر خبر محضر الأشراف، واشتهرت الكتب والمؤلفات، فاشتدت المنافسة، واحتدم النزاع والنقاش والجدال، وأخذ كلا الطرفين يحشد ما استطاع من القوى الفكرية والمادية، فجند الدعاة لنشر الكتب والمؤلفات ودور الكتب في كل ناحية، وراح الفاطميون يبثون دعوتهم والترويج لمذهبهم الباطني)، والعباسيون يبينون أحقيتهم بالخلافة.
الجزء 1 · صفحة 64
هذه صورة عن الحالة الإسلامية في هذا القرن من ناحية التنافس بين الحكام، وهناك صور أخرى كثيرة وماذكرته إنما هو كمثال لما كانت عليه حال الأمة، ليدلنا على مقدار النشاط العلمي في هذا القرن الذي كان له من العوامل والعناصر ما أخرج نوابغ في شتى انواع العلوم والفنون كما ذكرت أمثلة لذلك سابقا. وأما الدولة الأموية، فهي كذلك لا تقل عن سابقتيها، إلا أن مذهب الإمام مالك هو الذي ساد هناك أكثر من غيره.
المسألة الثالثة
انتشار المناظرات العلمية
بانتشار النهضة العلمية التي لم تقف عند بلد دون الآخر، بل كانت عامة في العراق ومصر والأندلس وخراسان وماوراء النهر، بل إنه في القطر الواحد كانت تنتشر الثقافة في المدن الكبيرة وفي جميع الأصقاع، وكان بعض الأمراء يعرفون قيمة قدر العلم والعلماء، بل كانوا يشار كونهم في المناظرات، ولما كانت الدولة أيضاً تتولى بعض هؤلاء العلماء وتشجعهم وكانت تعقد لهم المناظرات والجدل، كما كان عضد الدولة نفسه يفتح صدره للمناظرين ويناظرهم، ولما كان الوضع السياسي والاجتماعي يتطلب بيان ما يثبته في أذهان الناس وقلوب العامة، كانت كل دولة تحاول استقطاب العلماء إلى جانبها، فكان ذلك مدعاة لتشجيع العلماء لينصروا مذاهبهم كما أسلفت، ومن هنا شاعت المناظرات بين العلماء، ويغلب على كل عالم أن يجتهد لكي ينتصر على خصمه في الحجة والدليل، وشاعت المناظرات بين الفقهاء وعلماء الكلام أنفسهم وفشت المناظرات بين العلماء، وغالبا ماكانت تعقد في المساجد ويشهدها الجمهور، فيزدادوا بذلك علما وثقافة واطلاعا وعلى سبيل المثال ففي بغداد، وقعت المناظرات بين أبي الحسين القدوري - المتوفى سنة 428هـ، وهو من فقهاء الحنفية، وبين أبي حامد الإسفراييني الشافعي - المتوفى سنة 408هـ، من جهة أخرى، وكانت تجري كذلك المناظرات بين أهل السنة والشيعة، وبين المعتزلة وغيرهم.
الجزء 1 · صفحة 65
وكذا فإننا نجد القاضي الدبوسي له باع طويل في هذه المناظرات وتروي جميع المصادر عنه ذلك وأنه كان قوي الحجة والمنطق يتغلب على خصومه ويروى عنه أنه ناظر أحد العلماء، فكان كلما تغلب عليه تبسم خصمه ولم يجب عجزا عن الإجابة، فأنشد أبو زيد قائلا:
مالي إذا الزمته حجة قابلني بالضحك والقهقهة إن كان ضحك المرء من فقهه فالدي) في الصحراء ما أفقهه) هذا وبظهور المذاهب والمقلدين لها كثر الاجتهاد المذهبي والخلاف بين الفقهاء، فكثرت من جراء ذلك الاختلافات الفقهية، وجاء ابن جرير الطبري فألف كتابه اختلاف الفقهاء) ثم توالت بعد ذلك كتب الخلاف، وجاء دور القاضي الدبوسي ليبرزه إلى حيز الوجود كما سنرى في فصل لاحق، ومما شجع: كذلك على انتشار الخلاف ما عاشه العلماء من أنواع مختلفة وأنماط متعددة من نظم الحكم السياسية وتعددها، وهذا أيضا يعطينا فكرة استقلال الرأي والفكر والبحث عن الحق من جانب العلماء فيما يجد ويحدث من أحداث، واعتنى كما سبق أهل العلم باختلاف الفقهاء ودونوها، ونجد الكثير من ذلك في كتاب الإمام الشافعي - رحمه الله - (الأم) في مسائل من ذلك، وكذلك البيهقي في كتابه (الخلافيات)، وغيرهم كثير، ثم جاء أصحاب المذاهب الأخرى ووضعوا في ذلك كتبا، عدة، وقد برز الحنفية في هذا المضمار وعلى رأسهم المصنف - رحمه الله - فقد كان لنشاطه خاصة وعلماء المذهب الحنفي عامة وفتحهم باب المناظرات العلنية مع أصحاب المذاهب الأخرى والتغلب عليهم مما حبب الناس إليهم وفي مذهبهم وقد استمر الحال كذلك رغم ضعف سلطان الدولة السياسي)، وهكذا شاعت المناظرات الفقهية خاصة والعلمية وبقية فروع المعرفة عامة فأثرت الحياة بمختلف العلوم، وشتى الفنون، فازدهرت في هذا العصر المؤلفات والكتب والتي سأتناولها بعد.
المسألة الرابعة
الجزء 1 · صفحة 66
انتشار الكتب والمصنفات ودور الكتب وأثرها لقد شملت النهضة العلمية شتى مناحي الحياة في هذا العصر وانتشرت في البلاد والأصقاع، وكان لهذا الانتشار والزخم عوامل عدة، أسلفت ذكر بعضها، وذكرت أن من بينها وضع العالم الإسلامي بانقساماته، وتشجيع الخلفاء والأمراء للعلماء، ومنافسة العلماء أيضا فيما بينهم، وتعصبهم لمذاهبهم في عصر التقليد، فنجد في العاصمة بغداد مثلا أن الوزير بهاء الدولة البويهي سابور بن أردشير أسس دارا للكتب سماها دار العلم، ووضع فيها ما لا يقل عن عشرة آلاف مجلد، ثم أوقف عليها الأوقاف كي تستمر في أداء مهمتها واستمر حالها كذلك إلى أن وقع عليها الحريق عند مجيء طغرلبك السلجوقي، وقد كانت من أشهر المكتبات في بغداد، ومهوى أنظار العلماء والأدباء)). وكذا فقد أنشأ أبو الحسن محمد هلال الصابي دارا أخرى للكتب في بغداد، احضر لها ما يزيد على ألف كتاب ثم أخذت في النمو. وكذلك أنشأ الوزير البويهي أبو منصور بن فنة دارا للكتب وقفها على طلاب العلم في العقد الرابع من القرن الخامس الهجري، جعل فيها تسعة عشر ألف مجلد. ومن دور الكتب المشهورة (دار) (الحكمة) التي أسسها الخليفة العباسي
هارون الرشيد، ثم جاء ابنه المأمون وزاد فيها). ولكن هذه المكتبات لم تعمر طويلا، حتى جاء التتار سنة 656هـ، وأحرقوا ما أحرقوه وقذفوا ماشاء لهم أن يقذفوه بنهر دجلة، حتى إن الروايات لتذكر أن ماء النهر استمر أكثر من شهر وهو متغير اللون من مداد هذه الكتب ومن ثم تأخرت الحضارة الإنسانية عدة قرون. وأما في مصر فقد أنشأ الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي تولى الخلافة سنة 386هـ (دار العلم) وزودها بالفقهاء والمحدثين ثم قام بعد فترة وجيزة وبنى المدارس ورتب فيها العلماء ثم قتلهم وأمر الناس بإغلاق محلاتهم التجارية نهارا وفتحها ليلا بعد أن أصيب كما قيل بلوثة في عقله.
الجزء 1 · صفحة 67
وفي الشام أنشأ القاضي جلال الملك أبو الحسن دار العلم، ودار الحكمة في طرابلس لتكونا من مراكز التشيع، فانتشرت العلوم والآداب وأصبحت طرابلس منارة العلم ومنبره، وقد جهز مكتبتيها بمئة ألف مجلد وربما كانت طرابلس أول بلد علمي في الشام قبل غزوها من الصليبيين). وأما، خراسان، فأسس فيها الأمير الساماني حاكم خراسان دارا للكتب فريدة من نوعها في تلك البلاد، تحتوي على جميع الفنون والعلوم ميسورة التناول بأيدي العامة والخاصة، ولكنها لم تعمر، إذ أتى عليها الحريق فأتلفها). وانتشرت المكتبات في مصر والشام وبغداد وخراسان ونيسابور وقرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها.
وإلى جانب المكتبات، كان هناك في العراق وخراسان ونيسابور مدارس فأغنى ذلك الناحية الثقافية والعلمية في هذه الفترة من حياة المصنف.
الجزء 1 · صفحة 68
ومما تقدم، يتضح لنا مراكز النشاط العلمي في هذا القرن. فأبو إسحق الإسفرائيني الشافعي كان نشاطه في إسفرائين ونيسابور ببلاد الفرس، وأبو عمر الطلمنكي المالكي بالأندلس، وانتقل منها إلى قرطبة ثم إلى مصر ثم إلى المرية ثم مرسية وسرقسطه). وأما أبو زيد الدبوسي، فقد نشأ بقرية بخارى، وكان له نشاط علمي في سمرقند وبخاري، ونشأ ابن حزم في قرطبة عاصمة الأندلس ونشر مذهبه هناك، وظهر أبو الوليد الباجي ببطليوس - إحدى مدن الأندلس - ثم رحل إلى باجة فالحجاز وبغداد فدمشق، وأبو إسحق الشيرازي انتقل إلى بغداد ونشر علمه وألف كتبه، وإمام الحرمين الجويني بجهة نيسابور وسافر إلى الحجاز وجاور بمكة والمدينة وذاع صيته بهما وانتقل إلى بغداد وقضى أخر حياته بنيسابور، واشتهر البزدوي بسمرقند ونسف وماجاورهما وغيرهم كثير). والذي يهمنا هنا هو كتب الأصول وهي كثيرة مرتبطة بمؤلفيها ومن أهم الكتب المشهورة هذه التي ذكرها القدامى وانتفع بها الناس كتب القاضي الدبوسي (الأسرار) موضوع البحث والأنوار وتأسيس النظر، وقد ذكر ذلك القاضي ابن العربي وابن خلدون كما مر معنا في الفصول السابقة ومنها كتب الجصاص والبزدوي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم.
المسألة الخامسة
ظهور بعض الحركات وأثرها
الجزء 1 · صفحة 69
باتساع رقعة الدولة وانفلات عقد حكامها واستيلاء الوزراء على السلطة وجعل الخلفاء واجهة للحكم يتحكمون في مقدرات البلاد والعباد بدت ظواهر عدة في المجتمعات المسلمة أدت في مجموعها إلى ظهور حركات تدعي الإصلاح، مثل حركة العيارين وحركة إخوان الصفا غير أن حركة إخوان الصفا كان لها أثر في وقتها، لأنها اتجهت في منحاها إلى تأليف الرسائل لتسير بمذهبها الذي تبنته وهذه الحركات ظهرت من حركات الشيعة والخوارج وحركات الحشاشين، وكان ذلك لعدة عوامل منها ضعف السلاطين واستبداد القادة والوزراء واتساع الدولة وبعد أطرافها وتراميها، ثم الظهور الحركات التي شكلت دولا فيما بعد، كالدولة الأموية في الأندلس، والفاطمية في مصر، وما سبقها وما تلاها من حركات سياسية للاستيلاء على السلطة. ولقد قيل من قبل: دوام الحال من المحال، فقد حكم البويهيون العراق وفرضوا على أهلها الضرائب الباهظة، حتى فرض عضد الدولة الضرائب على الطواحين، وعلى الحمير والبغال والمراعي والملح، وجعل لها دواوين خاصة لجبايتها، وكانت تلغى تارة وتعاد أخرى، وانتقدهم أهل العلم في الساجد، واحتدم النزاع بين العلماء ومن معهم وبين الجند، وأخذت حركات التململ تتحرك أشبه بما يسمى اليوم بالمظاهرات الصاخبة فظهرت حركة العيارين التي أشرت إليها - وهم فئة من الأكراد والأعراب - شكلوا مجموعة أشبه بما نسميه اليوم بالعصابات المسلحة، وكان هدفهم في غاراتهم الأغنياء ورؤساء الشرط يسلبونهم الأموال وينفقونها على الفقراء وأعلنوا أن حركتهم ضد الأغنياء والسلطة، وطلبوا من خطباء الجمع أن يدعوا لهم على المنابر بدلا من الخليفة. وإن كانت بعض الروايات تذكر أنهم عبارة عن عصابة من اللصوص اشتغلوا بالسلب والنهب.
الجزء 1 · صفحة 70
وأما حركة إخوان الصفا، فظهرت في العصر حركة فكرية سرية أطلقت على نفسها اسم (إخوان الصفا وتذكر الروايات أن حركتها تأسست في البصرة في القرن الرابع الهجري، ثم أخذت تشكل لها فروعا في المدن، ومنها فرع في بغداد، وتبادل أعضاؤها الرسائل الفكرية التي عرفت فيما بعد باسمهم، وقد بلغت إحدى وخمسين رسالة، وقد تأثر أفراد هذه الحركة بالفلسفة الأفلاطونية الفيثاغورية، وحاولوا أن يضعوا للناس مذهبا جديدا يجمعون فيه بين المذاهب اليونانية القديمة وبين الشعائر التعبدية الإسلامية يضاف إليها عقيدة الشيعة الإسماعيلية، فوضعوا هذه الرسائل من أجل تحقيق هدفهم الخبيث، ولكنهم باءوا بالفشل، وذهبت معهم أدراج الرياح في مزابل التاريخ. وكان لهذه الحركات رد فعل عند علماء السنة الذين تصدوا لهذه الحركات، فنجد أن المصنف الدبوسي وضع كتابه في العقيدة والأخلاق التي تعصم الإنسان من الانحراف خلف الفلسفة المطعمة بالكفر والإلحاد والتي قد تخفي على كثير من الناس، وقد اشتهر كتاب المصنف هذا باسم الأمد الأقصى)، ووضع كذلك الطحاوي الحنفي العقيدة المشهورة (بالطحاوية)، كما قام غيرهما من أهل العلم بالتأليف والتصنيف فكان لهذه الحركات وغيرها أثر في حياة المصنف ظهر واضحا في مؤلفاته، بل وفي حياته العملية والفكرية، حيث كان يشتغل في مناظراتهم ويفحمهم بالرجوع إلى الحق، وهو ما كان عليه أهل السنة والجماعة.
- نسبه
الباب الثاني التعريف بالقاضي أبي زيد الدبوسي وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول
وفيه مبحثان:
المبحث الأول - وفيه خمس مسائل: المسألة الأولى
هو القاضي عبد الله، وقيل: (عبيد الله) بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي، كنيته أبو زيد.
الجزء 1 · صفحة 71
ولقبه الذي اشتهر به أبو زيد الدبوسي وهو العالم المتقن المدقق المتفنن التقي النقي الورع القاضي ومع أنني بذلت قصارى جهدي بحثا وتنقيبا فإنني لم اقف على اكثر مما ذكر من نسبه، إلا أن صاحب الأنساب قد ذكر أن دبوسة - بلدة الإمام المصنف - هاجرت إليها منذ القدم قبيلة من القبائل العربية هي قبيلة الأزد والتي منها أبو عثمان سعيد بن الأحوص الأزدي، وأبو سليمان بن ظليم الأزدي وجميعهم من دبوسة، ولم يتكلم عن الدبوسي، وذكر فؤاد سركين في كتابه أن حياته الخاصة غير معروفة لديه فقال (ونحن لا نعرف شيئا يذكر عن حياته غير أنه شغله الشاغل كان علم الخلاف.
والحقيقة أن أبا زيد وكما وجدته في مخطوطة الأصل نشأ وترعرع في بيت علم وأدب، وكان لوالده رحلة في طلب العلم سافر فيها إلى العراق والتقى بالعلماء هناك فكان والد الدبوسي من العلماء فلا عجب إذا، وكما يقال الولد سر أبيه أن يخرج الدبوسي عالما في بيت علم، وإن كنت لا أعرف دقائق حياته الشخصية إلا من خلال مؤلفاته، وما كتب عنه فهو قليل، ولكن أثاره تدل عليه.
- مولده يذكر بعض المؤرخين أنهم لم يقفوا على تاريخ ولادته)، وأما البعض الآخر فيذكر أن تاريخ ولادته هو. سنة سبعين بعد المائة الثالثة للهجرة 370هـ (ء)، وهذا الذي أرجحه لأن الغالب يذكر أنه عاش ثلاثا وستين سنة والبعض جعل ولادته سنة 367هـ. فمن جعل وفاته سنة ثلاثين بعد المائة الرابعة جعل ولادته سنة 367 هجرية (سبعا) وستين بعد المائة الثالثة للهجرة) ومن جعلها ستا وسبعين بعد المائة الثالثة، جعل وفاته سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة للهجرة.
والذي حققته من وفاته هو سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة هجرية، وعلى هذا يتأكد لدي أن ولادته كانت سنة سبعين وثلاثماية للهجرة).
الجزء 1 · صفحة 72
ولد ببلدة دبوسة، وقيل دبوسية، فمن جعلها دبوسية ألحقها بقرى سمرقند، ومن جعلها دبوسة ألحقها بقري بخاري، وبعد التحقيق تبين أنها من قرى سمرقند سواء أكانت دبوسة أو دبوسية، وهي تقع بين بخارى وسمرقند من أعمال الصغد، مما وراء النهر، وهي البلاد الواقعة شرقي نهر جيحون، ويقال لها بلاد الهاطلة، وعندما افتتح المسلمون تلك البلاد سموها ما وراء النهر، وفي الجانب الغربي من النهر خراسان وولاية خوارزم.
والدبوسي بفتح الدال المهملة، وضم الباء الموحدة، المنقوطة بنقطة واحدة - وروي بتشديد الباء وبالتخفيف - وبعدها واو ساكنة وسين مهملة بعد الواو، نسبة إلى دبوسية بتشديد الياء وتخفيفها نسب اليها المصنف، وجماعة من العلماء، كأبي نصر الدبوسي وغيره.
- خلقه
نشأ في بيت علم وأدب في بلدة دبوسية، وقد كان على جانب كبير من حسن الخلق، زاهدا، تقيا ورعا محببا للنفوس حتى ظهر ذلك في رثاء الرئيس ابن سينا له، وقد اتصف بسعة الصدر، وطول النفس والصبر يدل عليه ما روي عنه في مناظراته مناظراته التي كانت تجري بينه وبين المناظرين. وكذلك الشأن، فهو مؤدب حتى مع الخصوم، ولا تكاد تجد له الفاظا كغيره في الرد على الخصوم وكذلك الحال عند ذكره للآخرين، فلأول وهلة ألاحظ في كتبه كثرة الترحم على الإمام الشافعي - رحمه الله - حيث يكثر من ذلك في الكتاب الذي بين أيدينا وقل أن تجد أمثاله على جانب من الخلق والدين في الفترة التي عاشها، وفي تلك المنطقة التي شهدت جوا من الصراعات العلمية حيث اشتهرت في زمانه المناظرات العلمية.
وقد كان مضرب الأمثال والذي يبدو من مطالعاتي في بقية كتبه كذلك أنه كان يغضب لله إذا استغضب وكان حاضر البديهة روي أنه عندما ناظر أحد الفقهاء وأفحمه ولم يجبه، أخذ الفقيه بالتبسم والضحك وعجز عن الإجابة ولم يستجب، فأنشأ يقول مالي إذا الزمته حجة قابلني بالضحك والقهقهة
الجزء 1 · صفحة 73
إن كان ضحك المرء من فقهه فالدب في الصحراء ما أفقهه عكف على العلم من صغره وتعلق قلبه به، وقد عكف في أول أمره على كتب المذهب المعتبرة منها كتب محمد بن الحسن فدرس الجامع واستوعبه وشرحه الخاص. وتذرع بالصبر في طلب العلم، يدل عليه ما ذكره شعرا أنه لزم التصنيف في علم الأصول نحو عشرين سنة، كما قال:
نظرت سخين العين عشرين حجة فما زلت حتى زال عنها فقرت) وقد وجدت على نسخة الأمد الأقصى ما نصه: (قال الشعراني في طبقاته الكبرى: كان أبو زيد قطبا جامعا للعلم سائرا في الميدان وارث العلوم الشرعية والعرفانية.
- نشأته
كان للحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها الإمام في نشأته تأثيرها في حياته، لا سيما وقد نشأ في بيت علم وأدب، فنشأ على حفظ القرآن والعلم وتعلق به وأضفى عليه حياته على الرغم من أنه نشأ في فترة الصراع الدامي مع الدولة الحمدانية ضد الدولة البيزنطية، وصد أعتى هجماتهم، كما كانت في مصر الدولة الإخشيدية فالطولونية فالفاطمية مع الحمدانية، و كل هذه الدول المسلمة تضافرت لصد أطماع البيزنطيين في ديار المسلمين، حيث كان البيزنطيون يحلمون بالسيطرة على بلاد الشام بقيادة الأسرة المقدونية.
الجزء 1 · صفحة 74
وكان للتنشئة الدينية التي عاشها في أسرته من جهة، ثم لما كانت عليه بلدته دبوسة، ثم لما كانت عليه منطقتا بخارى وسمرقند العلمية الأثر الفعال في حياته، وقد انطبع ذلك في آثاره، أما أسرته فقد عرفنا من قبل رحلة والده في طلب العلم إلى العراق وتلقيه العلم هناك علاوة على اتصاله بعلماء بلدته. وأما دبوسية، فقد كانت تعج بالعلماء وطلبة العلم، فقد أخرجت هذه البلدة المئات من العلماء اء في الفقه والدين منهم أبو الفتح ميمون بن محمد بن عبد الله الدبوسي وابنه محمود، ومنها أبو القاسم علي بن أبي يعلي بن زيد الحسيني العلوي الدبوسي، وقد ولي هذا التدريس بالنظامية ببغداد، وكان إماما في الفقه والأصول والأدب، ومن فحول المناظرين، توفي سنة 432هـ. ومنها: أحمد بن عمر بن نصير بن حامد بن أحيد بن دبوسة الدبوسي المنسوب إلى جده، أسلم دبوسة على يد قتيبة بن مسلم الباهلي سنة 93 هجرية). وقد ذكر السمعاني) أنه خرج منها جماعة من المحدثين منهم أبو الغشيم) الدبوسي من العرب، وجماعة يكثر عددهم. ومنهم أبو عثمان سعيد بن الأحوص الأزدي الدبوسي ومحمود بن ميمون السابق، وذكره السمعاني: أنه كان شريكه في الرحلة والدرس إلى نيسابور. ومنها جماعة من الفضلاء، ذكرت بعض كتب التراجم أسماءهم. هذا الجو نشأ القاضي الدبوسي وترعرع، فكان له الأثر البين في آثاره التي خلفها لنا، وأصبحت كتبه فيما بعد تدرس في مدارس العاصمة بغداد، ويتناقلها أهل المشرق والمغرب كما أسلفت).
الجزء 1 · صفحة 75
وقد وصفه صاحب الأعلام بقوله (كان فقيها باحثا)، كما أنه كان من المجتهدين في المسائل، ومن الذين تصدوا بحزم وبقوة للدهريين) ومن سار على طريقهم، ونقل محقق أسرار ترتيب القرآن للسيوطي طرفا من ذلك من كتاب المصنف الأمد الأقصى وكيف كان يقرعهم بالحجة القوية، مما يدل على تمكنه من علمه وقوة شخصيته، هذا من الجهة الثقافية وأما من جهة السلوك فقد أوجزها ابن تغري بردى في النجوم الزاهرة، بأنه: ان إماما عالما فقيها نحويا بارعا في الفنون عفيفا مشكور السيرة).
المسألة الثانية
طلبه للعلم ونبوغه فيه
ذكرت من قبل أن نشأته كانت في بيئة علمية، فحبب إليه العلم، وعاش له وفيه، ولعل كلمته التالية تدل على ذلك إن الفضيلة الأصلية في الدنيا بالعلم دون الولاية إذ إن الله تعالى ما ألزم الملائكة فضل آدم بجعله خليفة في أرضه، ولكن بما خصه من علمه).
وقد نبغ فيه حتى آلت إليه رئاسة المذهب الحنفي في منطقتي بخارى وسمرقند، واشتهر بين أقرانه بالمناظرات واستخراج الحجج من الأدلة وكان قويا وغزيرا في علمه، وذا اطلاع واسع وخير دليل على ذلك ما سنجده في كتابه الذي بين أيدينا، حيث يذكر أقوال العلماء واستدلالاتهم وبيان الراجح منها، وانفراده في بعض المسائل التي سنذكرها في موضعها، وقد تقدم في مجال المناظرات وعلم الخلاف، حتى أصبحت السمة الظاهرة عليه، وما تأسيس النظر إلا صورة واضحة كأثر من آثاره، أضف إلى ذلك ثناء المشهود لهم من أهل العلم بالإشادة به والإطراء عليه كابن خلدون في مقدمته، والقاضي ابن العربي المالكي المغربي الذي طوف في البلاد كسابقه، وقد شغل منصب القضاء، وما زال الخلق قديما وحديثا ينتفعون بعلمه.
الجزء 1 · صفحة 76
وأما تنقلاته العلمية ورحلاته بين بخارى و سمرقند، ثم استقراره في بخارى حتى سماه ابن العماد الحنبلي شيخ تلك الديار). فتلك حقيقة لا ينكرها إلا جاحد أو مكابر، ذلك بعد أن تولى مناصب القضاء والإفتاء وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على سعة علمه وغزارته وكثرة اطلاعه وتنوعه، وكل هذا ظاهر عيانا في أي مصنف من مؤلفاته، سواء في مجال الفقه وأصوله أو في مجال الأدب والأخلاق والعقائد، أو مجال اللغة ومدلولاتها وكذا قال عنه ابن العماد إنه من كبار فقهاء أبي حنيفة بل هو من أجل كبار فقهاء الحنفية وإليه انتهت مشيخة بخارى وسمرقند وما والاهما. ورئاسة المذهب الحنفي في زمانه بما وراء النهر وكان شيخ الحنفية هناك. ومات والمعول على فتواه بها. وكان إماما عالما فقيها نحويا بارعا في الفنون. هذا وتجمع جميع كتب التراجم على أن له في بخاري و سمرقند مناظرات مع فحول العلماء وجهابذتهم، كما أنه امتاز بإبراز علم الخلاف كعلم مستقل وأظهره للوجود ووضع في ذلك كتابا خاصا هو تأسيس النظر في مسائل الخلاف، وإن كانت هذه الظاهرة واضحة في كل كتبه إلا أنه في كتاب تأسيس النظر متميز وسباق في هذا المضمار، وكما أشرت من قبل أن الإمام الشافعي هو أول من أبرز علم الأصول كعلم مستقل وإن كانت هناك بعض المسائل والقواعد واضحة بالنسبة لغيره ممن سبقه من فقهاء الحنفية، فكذا الشأن، فإن هناك بعض المسائل الخلافية كانت موجودة قبل القاضي أبو زيد الدبوسي) وسأفرد له بحثا مستقلا إن شاء الله.
أ - القضاء:
المسألة الثالثة وظائفة
الجزء 1 · صفحة 77
لم يكن ليتولى هذا المنصب إنسان في هذا العصر إلا إذا كان ثبتا في العلوم، وقد رأينا أن أبا زيد قد برع في شتى العلوم، وكان له دور عظيم في المناظرات، وبرع ونبغ في ذلك، وكان له رحلة في طلب العلم، وأصبح (بلا منازع) شيخ الحنفية في تلك الديار لما وراء النهر في منطقتي سمرقند وبخاري، وازدهرت فيهما الناحية العلمية، وقد خرجتا آلاف العلماء والفقهاء وكلهم على جانب عظيم من الفقه وبقية علوم الشريعة، حتى إن مقبرة القضاة السبعة في بخارى التي كانت تحوي الآلاف من الفقهاء والعلماء في تلك المنطقة، لم يشتهر فيها إلا سبعة أو تسعة من القضاة منهم الدبوسي، وكما كان القدوري المعاصر له في العراق أحد علمائها المشهورين فقد كان الدبوسي في تلك البلاد، لذا نجد الإمام القاضي يضع أصول القضاء، ويبينها، وروضة العلماء التي ألفها كما ذكرها ابن العربي في سراج (المريدين تحوي الكثير من ذلك إلى كتب النوادر والملح والآداب غير أني لم أعثر على هذا الكتاب، ولكن يظهر مثل ذلك في كتبه الفقهية والأصولية.
ولأنه ابتلي بمنصب القضاء ومشاكل الناس فإننا نجد الكثير من المسائل الفرعية قد تعرض لها ولم يكتف بإيرادها في كتب الفقه بل يذكرها حتى في كتبه الأصولية، ويظهر هذا جليا في كتابه تأسيس النظر، وفي كتبه الأسرار الفقهية وفي خزانة الهدي.
الجزء 1 · صفحة 78
ب - الفتيا: وكذلك الشأن فقد تولى القاضي الدبوسي منصب الفتيا في البلاد فجلس للعامة يفتيهم، كما كان يفتي الخاصة الذين كانت تجري معهم المناقشات والمناظرات عادة، وقد ابتلي بذلك كما ابتلي بمنصب القضاء ومع ذلك فقد ترك لنا ثروة علمية قيمة إذا قدر الله لها أن تخرج إلى الحياة، فتخرج عن نطاق حرزها في المتاحف، ودور الكتب، وبالنظرة السريعة إلى مؤلفاته كالأسرار في الفقه، وهو المسمى في بعض دور الكتب أسرار المكمل) وخزانة الهدى في الفقه ومجموع الفتاوى والأسرار في الفروع يتبين لنا مدى قيمتها العلمية في دقة مبناها وقوة أدلتها ثم هي تعطينا. صورة لما كانت عليه حياة الأمة.
وكما كان الشأن في ابتلاء القاضي الدبوسي بمنصب القضاء، كان ابتلاؤه بمنصب الفتيا وقد دفعه هذا المنصب وذاك إلى تدوين فتاويه وتناقلها بين الناس في كل مكان وزمان الأمر الذي جعله محل تقدير وموضع اعتزاز. لذا نجده يكثر من المسائل الفقهية الفرعية، ومن خلال مطالعاتي تبين لي أنه ما كان ليعين في مثل هذه الوظائف إلا من كان على قدر من العلم رفيع وبأحوال الناس خبير، وقد سبق القول في ذلك، فلا عجب أن تتوفر مثل هذه الصفات، وخاصة بعد أن أصبح في هذه المناصب في شخصيته العلمية.
جـ - رئاسة المذهب
الجزء 1 · صفحة 79
هذا العمل لم يكن كسابقيه، إذ القضاء والإفتاء كان أمرهما كثيرا ما يوكل للسلطان أو لمن يوكله السطان بتنصيبه، فكان يعين قاضيا للقضاة ويعين القضاة الآخرين قاضي القضاة، ولعل أول من تسلم ذلك هو القاضي أبو يوسف في عهد الخليفة هارون الرشيد. وكذلك الحال في خلفاء بني العباس، ومثالاً لذلك عندما جاء الخليفة القائم بأمر الله واسمه عبد الله بن القادر بالله كان خيرا دينا فاضلا صالحا وعندما بويع بالخلافة يوم أن مات والده كانت بيعته بحضرة القضاة والأمراء واستوزر أبا طالب محمد بن أيوب، واستقضى ابن ماكولا الإمام المشهور في أيامه وكذا حال محمد بن الحسن، فقد عينه الرشيد لمنصب القضاء على الرقة، ثم عزله، ثم عينه ثانية، وأخذه معه على الري، وبقي قاضيا فيها حتى الوفاة.
الجزء 1 · صفحة 80
هذا ولقد كان المذهب الحنفي هو السائد في عهد العباسيين، بل كان له الغلبة على المذاهب الأخرى في كل قطر كان للعباسيين فيه سلطان، يضعف بضعفهم ويقوى بقوتهم، ويشير الشيخ أبو زهرة - رحمه الله - إلى ذلك) فيقول: كان سلطانهم (أي الحنفية قويا لا يزاحم في العراق وما حولها فإذا ضعف نفوذهم الإداري، قام مقامه نفوذهم الديني فكان لهم في الحالين نفوذ يكفي لأن يستفيد المذهب، ثم إن كل أهل بغداد يميلون كل الميل للمذهب الحنفي ويؤازرون الخلفاء في نصرته، كما حدث عندما حاول أبو حامد الإسفراييني إدخال المذهب الشافعي، فثارت ثائرة الناس حتى أبعده الخليفة القادر بالله العباسي، وأصدر بيانا أن الإسفراييني هذا دخل بمدخل حسن، وتبين أنه خبيث، ثم رحله من البلاد، وأعاد للمذهب الحنفي هيمنته. بقية الأقاليم في عقر دار السلطة العباسية، فالحال لم تكن أقل شأنا في وإذا كان هذا يختارونهم عرفناه من قبل من تنافس الخلفاء في تكريم العلماء واستقدامهم واستقطابهم حولهم، لينصروا سلطانهم السياسي القائم في رعايته على النزعة الدينية كما حدث، وكما أسلفت في إصدار الفتوى في بغداد ضد الفاطميين في مصر.
الجزء 1 · صفحة 81
فالدولة الشرقية أيضا كانت تساعد الخليفة العباسي على مؤازرته للمذهب الحنفي كالسلاجقة وآل بويه)، وكذلك الشأن، فإن الخلفاء كانوا للقضاء مما حبب الناس فيهم، يضاف إلى ما تقدم أن علماء المذهب الحنفي كانوا يفتحون صدورهم وأبوابهم للمناظرات مع أصحاب المذاهب الأخرى وكانت تعقد علنا في المساجد مما كان يزود الناس بالعلوم الشرعية الخاصة، وكان لقوة حجة الحنفية في المناظرات أثره مما كان يعطيهم الغلبة، مما أدى إلى أن يحبهم الناس والحكام، لذا نجد أن المذهب الحنفي كان إذا ضعف الوازع السياسي يتوقف قوة وضعفا على العلماء، وهنا يأتي دور القاضي أبي زيد فقد تولى منصب القضاء في فترة كانت من الوجهة السياسية حرجة، حيث شهد انتهاء عهد السامانيين وظهور الترك ذلك، فقد كان لشخصيته العلمية الفذة وقدرته على المجادلة واستيعابه للعلوم والفنون نحوا ومنطقا وفقها كل الأثر في أن يرقى إلى وظيفة شيخ مشيخة الحنفية في منطقتي بخاري وسمرقند وما والاهما) وان يتولى منصب القضاء والإفتاء ثم يتولى رئاسة المذهب الحنفي حتى وفاته وتكريمه بدفنه في مقبرة القضاة السبعة التي أصبحت مشهورة فيما بعد عليهم، ومع بمقبرة القضاة السبعة، يقول السمعاني (وقد زرت قبره عدة مرات)) مما تقدم نرى أن رئاسة المذهب واختيار الدبوسي لها لم تكن من الناحية السياسية والتعيين من قبل الحاكم بمقدار ما كانت باختياره من قبل أهل العلم لما ظهر لهم خاصة، وللعامة كافة من علمه وفضله، كما ذكره أحدهم عندما قال و كان) مشكور السيرة) رحمهم الله ورحم السابقين واللاحقين بهم بإحسان.
المسألة الرابعة
الجزء 1 · صفحة 82
تحقيق صحبته لأبي حنيفة وبيان مصدر الوهم في ذلك كما رأينا بإيجاز فقد كان لهذا العالم منزلة فذة في فضله وعلمه وخلقه وسيرته، مما أهله بحق أن يكون شيخ تلك الديار بلا منازع مع كثرة أهل العلم، ومع أن كثرتهم المستفيضة في تلك الديار لا تخفى واختياره من بينهم مما جعل الكثير بأن يعده في عداد أصحاب أبي حنيفة إلا أن الفترة الزمنية بينهما بعيدة، فالإمام الأعظم - أبو حنيفة رحمه الله - توفي سنة 150هـ. والقاضي الدبوسي رحمه الله توفي سنة 432هـ. فلم تتحقق الصحبة بينهما في المفهوم الاصطلاحي، أما في المفهوم المجازي، بأن أنزل منزلة أصحاب الإمام من حيث علمه وورعه وزهده وفضله في نشر المذهب وإحيائه وصد المعارضين بالحجة والبرهان الدامغين للخصوم، أو بالتاليف فيه أو بتدريسه أو القضاء والفتيا فيه، لذا عده بعض الناس من أصحاب أبي حنيفة، وربما يكون الالتباس قد حصل بصاحب أبي حنيفة فعلا وهو حماد بن دليل المشهور بأبي زيد قاضي المدائن) وربما حصل بشخص آخر اشتهر في الأوساط العلمية بكنيته أبو زيد) وهو أبو زيد سعيد بن اوس وكذلك ربما حصل الخطأ في وفيات الأعيان حيث يقول: (أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الفقيه الحنفي كان من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه) وربما كان الخلط بينه وبين أبي زيد القاضي - قاضي المدائن - وهو حماد بن دليل فهذا هو صاحب أبي حنيفة وأما القاضي أبو زيد الدبوسي فكما أسلفت لم يكن من المعاصرين لهما. فقد كان حماد بن دليل أبو زيد قاضي المدائن، وحدث عن سفيان الثوري وعن عمر بن نافع وعن أبي حنيفة النعمان بن ثابت، فلعل ابن خلكان كان يقصد هذا.
الجزء 1 · صفحة 83
ومثل ذلك ماذكره صاحب الفوائد من أن أبا زيد (من أكابر أصحاب أبي حنيفة) ولعله يقصد بذلك، من أصحاب المذهب الحنفي وأنصاره وأنه يعد من الطبقة المجتهدة في المسائل، كما أسلفت بيانه عند ذكر الطبقات في المذهب واستخراج الأدلة والتخريج على الأصول حتى انتهت مشيخة بخاري و سمرقند وما والاهما.
وكذلك حصل اللبس عند البعض بينه وبين أبي نصر الدبوسي، فقد نقل عنه الدكتور محمد محروس في كتابه "مشايخ بلخ من الحنفية بعض المسائل الفقهية، وترجم لأبي زيد، والقول حقيقة لأبي نصر. هذا ولقد حسده الحاسدون على علو قدره وفضله، وحاول هؤلاء الحساد الوشاية به كما يصور ذلك تمثله بالأبيات الآتية أرى المتشاعرين غروا بدمي ومن ذا يحمد الداء العضالا ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلالا وتمثله كذلك بقول القائل تغيرت المـ ودة والإخاء وقل الصديق وانقطع الرجاء
إلى غير ذلك مما يصور لنا ما كانت عليه حياته.
المسألة الخامس
وفاته ورأي الناس فيه
اختلف في وفاته، كما اختلف في ولادته، على أقوال عدة، ومنشأ الخلاف هو مبدأ ولادته، غير أن من المعروف أنه عاش ثلاثة وستين عاما، حيث توفي في بخارى يوم الخميس، منتصف جمادى الآخرة سنة 432هـ. وقيل إنه توفي سنة 430هـ، وقيل سنة 403هـ. وقيل توفي بسمرقند، وهذا وهم. وشيع جثمانه إلى مقبرة القضاة السبعة وقيل التسعة بجوار بخارى في مقبرة كلاباذ ودفن بجوار الإمام أبي بكر بن طرفان، وقد شيعه خلق كثير وما زال الناس يزورونه إلى فترة ليست بالوجيزة، وقد رثاه الرئيس ابن سينا بقصيدة عصماء منها.
الجزء 1 · صفحة 84
لو صور الكون عينا تستفيض دما بشق جيب ولطم الوجه بالأيدي لم توف من حقها ما كان يلزمها من البكاء على القاضي أبي زيد وابن سينا من أقرانه الذين عاصروه، وكلامه هذا صورة لما كان يعيشه الرجل في قلوب الناس، وما ذاك إلا لعلو همته ومنزلته الدينية والاجتماعية وما عاشه من حسن سيرة في قومه قاضيا ومفتيا ورئيسا للمذهب، رحمه الله ورحم أمة الإسلام.
المبحث الثاني - المسألة الأولى
- سلسلة شيوخه نشأ الإمام القاضي أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي في بيئة علم وأدب، فكان أول تلقينه على والده الذي كانت له رحلة في طلب العلم ثم تفقه على الإمام أبي جعفر الأستروشني وأخد عنه. عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل.
عن الأستاذ الإمام عبدالله السيذموني. عن أبي حفص الصغير.
عن أبيه الإمام الكبير.
عن محمد بن الحسن
عن أبي حنيفة.
وأخذ أيضا عن أبي بكر الجصاص الرازي.
عن أبي الحسن الكرخي
عن أبي سعيد البردعي.
عن نصير بن موسى.
عن أبي حنيفة). وسمع القاضي الدبوسي من الإمام زيد بن الياس. وتفقه على غيرهم. ولكن هذه السلسة هي أصح الأسانيد في أشياخ القاضي الدبوسي، وسمع من إسحاق بن برهم الخطيب بسمرقند. واليك ترجمة موجزة لها الإمام أبو جعفر الأستروشني بضم الألف، وسكون السين المهملة وضم الراء وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة، وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى أستروشنة بلدة كبيرة وراء سمرقند دون سيحون، خرج منها جماعة في كل فن ومنهم أبو جعفر بن عبدالله الأستروشني، قال عنه صاحب الجواهر المضيئة القاضي الإمام أستاذ أبي زيد الدبوسي. الإمام أبو بكر محمد بن الفضل.
هو محمد بن الفضل، أبو بكر الفضل الكماري، تفقه على الأستاذ أبي محمد بن يعقوب السبذموني، وتفقه عليه ابن الخضر النسفي، والإمام الحاكم عبد الرحمن، وغيرهم كثير، توفي سنة 381هـ.
الإمام الأستاذ عبدالله السيذموني258 - 340هـ.
الجزء 1 · صفحة 85
أبو محمد، عبدالله بن محمد بن يعقوب بن الحرث بن الخليل الكلا باذي الفقيه الحارثي السبذموني، مولى المعروف بالأستاذ.
من أهل بخارى، عرف بالأستاذ لأنه كان فقيه دار، لاختصاصه بدار الأمير الجليل إسماعيل بن أحمد الساماني، كان شيخا مكثرا من الحديث غير أنه كان ضعيفا في الرواية، له رحلة إلى العراق وخراسان والحجاز وأدرك الشيوخ وحدث عن كثير منهم، وأورد السمعاني أسماء اثني عشر منهم، ثم قال: وغيرهم وعد أسماء لبعض من أخذوا عنه، ثم قال: وجماعة سواهم ولد ليلة الأربعاء مائتين وثمان وخمسين، وتوفي ليلة الجمعة لخمس مضين من شوال سنة أربعين وثلاثمائة للهجرة ببخارى.
أبو حفص الصغير ووالده أبو حفص الكبير، واسمه أحمد بن جعفر) أبو حفص الصغير هو محمد بن أحمد بن حفص بن الزبرقان، مولى بني عجيل، عالم ما وراء النهر، شيخ الحنفية، أبو عبد الله البخاري، تفقه على والده العلامة أبي حفص رحل، وسمع من أبي الوليد الطيالسي والحميدي ويحيى بن معين، رافق البخاري وكان ثقة وإماما، ورعا، كان أبوه من كبار تلامذة محمد بن الحسن انتهت إليه رئاسة الأصحاب ببخارى توفي هجرية.
وأما أبو حفص الكبير:
فهو أحمد بن حفص، أبو حفص الكبير البخاري، أخذ الفقه عن محمد بن الحسن، وعن شمس الأئمة، ووصف بالكبير بالنسة إلى ابنه فإنه يكنى بأبي حفص الصغير، وهو الإمام المشهور، وله اختيارات خالف فيها جمهور الأصحاب، وله أصحاب ببخارى كثيرة في زمن محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح. توفي سنة مائتين وأربع وستين هجرية، حسبما أخبره ابن منده وقيل سنة ثلاثمائة وثلاث وسبعين هجرية، وتفقه أبو حفص الكبير على أبي يوسف أولا، ثم تفقه على محمد بن الحسن وتفقه على محمد بن الفضل بن عطية، وروى عنه خلق كثير لا يحصون.
محمد بن الحسن الشيباني
الجزء 1 · صفحة 86
هو محمد بن الحسن بن فرقد بن أبي عبد الله الشيباني، الإمام صاحب الإمام الأعظم أصله من دمشق، قدم أبوه العراق، فولد محمداً بواسط وصحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه، ثم عن أبي يوسف وصنف الكتب، ونشر علم أبي حنيفة، وروى عن مالك وروى عن مسعر والثوري وابن دينار، وروى عنه الشافعي وانتفع به وروى عنه ابن سلام وروى عنه خلق كثير ذكر صاحب التاج أنه ولد سنة 135 هجرية، وتوفي 18? هـ، وذكر صاحب الفوائد أن ابن كمال عده من طبقة المجتهدين في المذهب، الذين لا يخالفون إمامهم في الأصول، وإن خالفوه في بعض المسائل وكذا عد أبا يوسف منهم. ولكن ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في الميزان أنهما من المجتهدين المنتسبين قد خالفوا الإمام في أصول كثيرة).
ومن أشهر كتبه المبسوط وهو المسمى بكتاب الأصل، والجامع الكبير والجامع الصغير والزيادات وغيرها كثير كالسير الكبير والسير الصغير وأثنى عليه كثير، كالسمعاني والذهبي واليافعي وابن خلكان، وشهد له جهابذة العلماء، وإليك ما قاله الشافعي، كنت إذا سمعته يقرأ القرآن كان القرآن ينزل بلغته)). والله أعلم.
أبو حنيفة
الإمام الأعظم النعمان بن ثابت بن زوطة - وهو أشهر من أن يعرف مولى تيم الله ابن ثعلبه وهو من رهط حمزة الزيات. قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: إنا والله من أبناء فارس من الأحرار والله ما وقع علينا رق قط ولد جدي سنة 80هـ، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ودعا له وهو صغير بالبركة.