الجزء 1 · صفحة 7
منية الصيادين في تعلم الاصطياد وأحكامه
للفقيه محمد بن عبد اللطيف بن فرشة المعروف بابن ملك
توفي سنة (854) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي كرَّم بني آدمَ بأنواع التكريمات، وحَمَلَهم في البر والبحر ورَزَقَهم من الطيبات، وسخَّر لمصالحهم مافي السموات من النيّرات، وأنزل ماءً فأخرج به من الحبوب والثمرات، وأظهر عليهم قُدْرَته بعجائب المصنوعات، وذلل لمنافعهم ما في الأرض من الحيوانات ورخص لهم في الاصطياد بالرمي والجوارح المُعَلَّمات، لينالوا إلى الصُّيود الوحشية بواسطة الآلات، من عليهم بفضله من النّعم والكمالات، ما يَخْرُج عَدُّه عن الوسع والطاقات.
بَعَثَ حبيبه محمداً بالهُدَى والآيات البينات، لإرشاد عباده آمراً وناهِياً - إلى سُبُل الفلاح والنَّجاة، بشيراً لَمَنْ تَمَثَّل أوامره، ونذيراً لمَنْ يَرْتكب المنهيَّات، وداعياً إلى الحق، وسراجاً منيراً لكشف الظلمات، فمَن صَدَّقه وتابَعَ هُدَاه نال الفوز والدرجات، ومن أبى واتَّبع هواه نال العقوبة في الدَّرَكات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الثقات، الذين هم كانوا أشداء على الكفار والطغاة.
أما بعد:
لمَّا حَصَل الاطلاع على عدم معرفة أحكام الصيد لعامة صيَّادي المسلمين من العَوَام ومن الملوك والسلاطين، لمن له إذن وفضل من الله تعالى وِراثةً على أَنْ يَحُلَّ عَوِيصات شريعة حبيبه محمد العباده المجتهدين في القُربات، ويَكْشِفَ لأُمَّتِه سُبُلَ الاقتصاد في المثوبات، وهو العبد الضعيف: محمد بن عبداللطيف بن فِرْشِتَه جزاهما اللهُ بخَيْرَي الدنيا والآخرة، فبَعَثَه على ضبط قوانين الصيد في رسالة تحوي على جَمَّةِ فوائدِ فرائدِ الكتب الدينية من التفاسير والأحاديث النبوية، ومن أصول الفقه وفروعه مما لاغِنَاء عنه من تعلمه وتعليمه.
إذ وَرَدَ في الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «العلماءُ وَرَثَةُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وفي كلام القوم من الحِكَم الشيخ في قومه، أو في زمانهكالنبي في أُمته صلى الله عليه وسلم.
فكتبت لهم جامعاً في معرفة الاصطياد وأحكام الصيود، حاوياً لما يُحتاج إليه من المسائل وأقوال الأئمة فيها، والفوائدِ والقيود، ورتبته لهم على أحسن مايُسَرُّ به البال، ويقيهم من الوَقْعةِ في ثَبَج بحر الوَبال، بتوفيق
الجزء 1 · صفحة 9
الله عليَّ لهم على ذلك المنوال، إنه ولي التوفيق والإعانة لعباده، فمالهم من دونه من وَال، وسميته بـ
«منية الصيادين في تعلم الاصطياد وأحكامه»
إذ بدون العلم لا يَتَمَيَّزُ حِلُّ الصيد عن حرامه، وقَسَمْتُه على أربعة فصول، رجاءَ أَن يجعلها الله في حيز القبول:
الفصل الأول: في بيان كرامة بني آدم عليه السلام، وما سخَّر الله لهم في السموات والأرض وما أَنْعَمَ عليهم من النعم، وتسخير الأنعام ومنافعها وبيان إباحة الاصطياد، وماهو حلال من الصيد وماهو حرام.
الفصل الثاني: في الاصطياد بالجوارح المعلمة، وكيفية تعليمها، وأحكام صيودها والاصطياد بالرمي ونَصْبِ الشبكة ونحوها، وأحكام صيود الحَرَم ومايجوز بيعه من الحيوانات وما يَحْرُم. الفصل الثالث: في بيان صيد البحر وأحكامه.
الفصل الرابع: في الذبائح وأحكامها.
الفصل الأول
في بيان كرامة بني آدم عليه السلام، وماسخّر الله لهم، وما أنعم به عليهم، وبيان إباحة الاصطياد]
[تفسير بعض الآيات الواردة في ذلك:]
? - قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} أي كرَّمْناهم مؤمنين كانوا أو كافرين - على البهائم، وهو أنهم يأكلون بالأيدي، وغيرُ الآدمي يأكل بفيه من الأرض.
كذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما
وروي عنه أيضاً أنه قال: بالعقل.
وقال الضحاك: بالنُّطق.
وقال عطاء بتعديل القامة وامتدادها، والدوابُ مُنكَبَّةٌ على وجوهها.
وقيل: بحسن السيرة والصورة.
وقيل: كرَّمَ الرجال باللحى والنساء بالذوائب.
وقيل: بتدبير أمر المعاش والمعاد.
الجزء 1 · صفحة 10
وقيل: بتسليطهم على مافي الأرض، وتسخيره لهم. {وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ} على الدواب وَالْبَحْرِ على السفن
{وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} أي من لذيذ المطاعم والمشارب. وقيل: من السَّمْنِ والعسل والزُّيْدِ والتَّمْر، وجَعَلَ رِزْقَ غيرهم مالا يَخْفَى، كالتِّبْنِ والشعير
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.
ظاهر الآية يدلُّ على أنهم فُضّلوا على كثير من خَلْقِه، لاعلى الكل.
قيل: فُضّلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة.
وقال الكلبي:: فُضّلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم. وقيل: فُضّلوا على جميع الخلق، وعلى الملائكة كلهم.
والأولى أنْ يُقال: عوالم المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة.
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ أُولَيْكَ هُمْ خَيْرُ البرية
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: المؤمنُ أكرم على الله من الملائكة الذين عنده.
2 - وقال الله تعالى: {وَسَخَّرَ أي ذلَّلَ لَكُرُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْه}.
نُصِبَ على الحال بعد الحال، أي كائنة من رحمته وقدرته، لِصَلاحِكُم ومنفعتكم، كنُور الشمس والقمر والنجوم والبحر والبر والجبال والمياه والدواب والنبات.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي فيما ذُكِرَ {لَآيَتِ} أي دلائل واضحات {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيُوحدونه ويعتبرون في صُنْعِه.
ـ وقال الله تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} دلالةً
على قدرته وتوحيده {وَأَنزَلَ مِن السَّمَاءِ مَاءً} أي مطراً نافعاً {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} أي سبباً لعَيْشِكُم وَسَخَّرَ أي ذلَّلَ لَكُمُ الْفُلْكَ أي ركوبها لِتَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) أي بإذنه.
وسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ} أي المياة الجارية، تُجْرُونها حيث شئتم من بساتينكم وزروعكم وبيوتكم.
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ} حال من الشمس والقمر، مُطِيعَيْن على الدوام، يعني سخَّر لكم ضوءهما تنتفعون بهما، وجَرَيانَهما لأجل معرفةِ السِّنينَ والشهور والحساب، يعني أنهما يجريان لأجلكم لا
الجزء 1 · صفحة 11
يفتران.
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أي يتعاقبان في الضياء والظُّلمة، والزيادة والنقصان تَسْتَقرُّون بالليل للمنام والاستراحة، وتتحركون بالنهار التماساً لمعاشكم وحوائجكم.
{وَءَاتَنكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي أعطاكم بعض جميعِ ماطلبتموه من الله بلسان الحال مصلحة لكم.
{وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} أي نِعَمَهُ التي أنعمها عليكم ولا تُحْصُوهَا) أي لا تُطيقوا عَدَّها، وبلوغ آخرها على الإجمال لكثرتها.
وأعظمُ النّعم: إلهام المعرفة، واستواء الخلقة.
وقيل: أي لا تقدروا على أداء شكرها.
هو إن الإنسَنَ أي الجنسَ لَظَلُومٌ أَي يَظْلِمُ على نفسه بإغفال الشكر، أو يشكو ويَجْزَعُ كَفَّارٌ أَي ستَّارِ لِنِعَمِ رَبِّه، لأنه يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، وهو مأمورٌ بعدم الجَمْع والمَنْع.
ـ وقال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ} أي من الشمس والقمر والنجوم والسَّحَاب وغير ذلك {وَمَا فِي الأرض} من البحار والأنهاروالمعادن والدواب، وغير ذلك مما لا يحصى، يعني ذلَّلَ لكم منافِعَها.
{وَأَسْبَغَ} أي أفضل وأسبَلَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ وَالنِّعْمَةُ به الإحسانُ والنَّفْعُ، والله تعالى خَلَقَ العالم كلَّه نِعمةٌ لنَفْع غيره، لأنه غني لا يَحتاجُ إلى المنافع.
{ظهِرَةً وَبَاطِنَةُ} حالان للنعمة، فالنعمة الظاهرة: ما يُعلَم بالمشاهدة، كحُسْن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء،
أو هي: البصرُ والسَّمْعُ واللسان وسائر الجوارح الظاهرة.
والنّعمةُ الباطنة: المَعْرِفةُ، وما لا يُعلم إلا بالدليل، أو مالا يُعلم أصلاً، ويُنْتَفَعُ به، فكم في بَدَنِ الإنسان من نعمة لا يَعْلَمُها ولا يهتدي إلى العلم بها، كالسِّرِّ والقلبِ والعقلِ والفَهْمِ والرُّوحِ، وما أشبه ذلك.
وقيل: الظاهرةُ: الإعراضُ عن الدنيا، والباطنة: التوكُلُ
والثقة بالله. ه - وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاء} أي مطراً لكُرُ مِنْهُ شَرَابٌ أي ماتشربون
الجزء 1 · صفحة 12
من الماء المُنْزَلِ، وتشرب أنعامكم {وَمِنْهُ شَجَرٌ} أي من ذلك الماء حصول نباتكم، والعرب تُطْلِقُ الشجر على النبات {فِيهِ تُسِيمُونَ} أي في الشجر تَرْعُونَ مواشيكم.
{يُنْبِتُ لَكُم بِهِ} أي بالماء الذي أُنْزِلَ {الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ} أي الكرومَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ أي ومن ألوانها. (من): فيه للتبعيض، لأنَّ كلَّ الثمرات في الجنة، وإنما أُنْبِتَ في الأرض بعض من كلّها، للتذكرة.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في نزول الماء السماء، وخروج النبات من الأرض بسببه {لآيَةً} أي لعبرة {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيستدلون بها على قدرته وحِكْمَته.
- وقال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ} أي بتقدير
ووزن يأمنون معه من المضرة، ويَصِلُّون إلى المنفعة، أو بمقدار يكفيهم في مصالحهم ومعاشهم.
قيل: ليست سَنَةٌ بأمطرَ من سَنَةٍ، ولكن الله يَصْرفُه حيث يشاء.
فَأَسْكَتَهُ أي فأَدْخَلْنا ذلك الماءَ فِي الْأَرْضِ فَأَخْرَجْنَا منه ينابيع.
قيل: منه الغُدْران والرَّكايا.
وكلُّ مافي الأرض الأرض من السماء.
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ) أي على إزالته {لَقَدِرُونَ بِأَن يَغُورَ في الأرض، فلا يقدرون عليه، فيموتون مع دوابهم عَطَشاً، فيجب عليهم أن يستعظموا نعمة الماء بشكر مُنْعِمه دائماً، ويخافوا بأن يَغُورَ إذا لم يشكروه عليها.
وروي مقاتِلِ بن حَيَّانَ عن عِكْرِمة عن ابن عباس عن النبي: «إِنَّ الله أَنْزَلَ من الجنة خمسة أنهار: جَيْحون، وسَيْحُون، ودجلة، والفُرات، والنِّيْلَ، أَنْزَلَها من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجةٍ من دَرَجاتها على جناحي جبريل عليه
السلام، استَوْدَعها الجبال، وأَجْراها في الأرض، وجَعَلَ فيها منافع للناس، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوجَ أرسل الله جبريل، فرفَعَ من الأرض القرآن والعِلْمَ كله، والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، ورَفَعَ كلَّ ذلك إلى السماء، فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض، فَقَدَ أهلها خير الدين والدنيا».
فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ} أي بالماء جَنَّاتٍ أَي بساتينَ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةُ أي أنواعها سوى
الجزء 1 · صفحة 13
النخيل والأعناب {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ) بكسر السين وفتحه، هو جبلُ فَلَسْطين، أو جبل بين مصر ومنه نودي موسى عليه السلام.
وأُضيف «طور» إلى بقعة تسمى «سيناء».
وأَيْلَة،
وتلك الشجرة شجرة الزيتون تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ من الإنبات، والباء زائدة {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} والصَّبْغُ هو الإدامُ، وهو مايُؤكَلُ بالخبز، وإن لم يَصْبُعَ اللُّقْمَةَ.
قال مقاتل: جَعَلَ الله في هذه الشجرة إداماً ودُهناً، فالإدام
الزيتون، والدُّهْنُ: الزيتُ.
وخَصَّ الطورَ بالزيت، لأن أوَّلَ الزيتون نَبَتَ بها.
وقيل: إِنَّ الزيتونَ أوَّلُ شجرة نَبَتَت في الدنيا بعد الطوفان.
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَلِيمِ} أي في الإبل والبقر والغنم لعبرة) أي لعِظةٌ لمَنْ يَعْتبرُ بها.
تُسقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونَها أي من ألبانها التي تَخْرُجُ من بينِ فَرْثٍ ودم و {ولكمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةُ} أي في ظهورها من الأصواف والأشعار {ومِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي من لحومها وأوداكها وألبانها
{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ}.
وقال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا} أي ألم ينظروا بنظرِ الاعتبار {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} أي قوتنا وقُدْرَتنا بلا واسطة {أَنْعَما} أي الإبل والبقر والغنم فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ أي متصرفون تَصَرُّفَ المُلاكِ، مُخْتَصُّونَ بالانتفاع بها، يعني بما في بطونها من الألبان والنتائج.
{وَذَكَلْنَهَا} أَي سخَرْناها وهَمْ فَيَحْمِلون عليها، ويَسُوقونها حيث شاءوا فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) أي مَرْكوبُهم وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ اللحم والوَدَك وَلَهُمْ فِيهَا أي في الأنعام مَنَفعُ كثيرةٌ من الأصواف والأوبار والأشعارِ {وَمَشَارِبُ} أي من ألبانها، جَمْعُ: مَشْرَبٍ، وهو الشِّرْبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ رَبَّ هذه النَّعَمِ فيُؤمنون به، وبما
جاء من عنده.
(1 - مشروعية الاصطياد:]
الجزء 1 · صفحة 14
فإذا علمتَ تسخير الله لهم منافع الحيوانات الأهلية، فاعلم أنه رخص لهم في اصطياد الحيوانات الوحشية، لأنها خُلِقَتْ أيضاً لمنافعهم، فمَنْ لم يكن مُحْرِماً يجوز له الاصطياد في غير الحرم.
قال الله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا} يعني إِذا خَرَجْتُم من إحرامكم، ومن حَرَم الله وأَمْنِه إلى حِلَّه، حَلَّ لكم الاصطياد. والاصطياد نوع اكتساب لتحصيل البقاء بشيء خال عن الخَبَثِ الناشيء باختلاط أموال خبيثة الصافي عن كَدَر المِنَّة والظلم الحاصل بأخذ أموال الناس بالرضا أو بغير الرضا، وانتفاع بما هو مخلوق لذلك، فكان مباحاً كالاحتطاب. والاصطياد سُنَّةُ إسماعيل النبي عليه السلام.
وشُرعَ لينالَهُ الفقيرُ بقوَّته وحيلته، والغني بماله وسَعَتِه، والله تعالى يرزق عباده بعضهم من بعض، وجَعَلَ لكلّ واحدٍ منهم سبباً يطلب به رزقه.
أما المُحْرِمُ فلا يُباحُ له الاصطياد من البر، قال الله تعالى: {وَحَرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي مُحْرِمِين، فلا تأخذوا الصيد منه {وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نُهِيْتُم عنه الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فيجازيكم بأعمالكم.
والاصطياد من البحر يجوز للمُحْرِم أيضاً.
[2 -تعريف صيد البر وصيد البحر:]
وفي الوجيز: صيد البر: ماكان توالده ومثواه في البر، وصيد البحر: ماكان توالده ومثواه في الماء، والمعتبر هو التوالد. قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} في الإحرام وغيرِ
الإحرام والمراد من: (البحر: جميع المياه)، ومن: (صيده): جميع ماصيد منه.
وَطَعَامُر» أي طعام البحر، والمراد المأكولُ منه.
قال مجاهد: صيده: طرِيُّ السمك، وطعامه: مالحه. وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم: طعامه: ما قَذَفَه الماء إلى الساحل ميتاً.
متعا لَكُمْ) مفعولٌ له أي تمتيعاً لكم، بأن تأكلوه طَرِياً وَالسَّيَّارَةِ أي للمسافرين بأن يتزَوَّدوه لأسفارهم، والمراد السمكة المالحة.
[3 -تعريف الصيد:]
والصيد هو الحيوان المتوحش، المُمْتَنعُ عن الآدمي، مأكولاً أو غير مأكول. فالبعيرُ إذا توحش يكون صيداً، يُكتفى بذكاة الاضطرار [فيه]، خلافاً لمالك.
الجزء 1 · صفحة 15
والظَّبي المربوط لا يكون صيداً، فلا بد فيه من ذكاة الاختيار.
وعن محمد: الشاة إذا ندَّت في الصحراء، فهي وحشيةٌ تَحلُّ بالعقر، وإن ندَّت في المصر، فلا تكون وحشية، فلا تَحِلُّ إلا بذكاة الاختيار، لأنه يُمكن أخذها في المصر عادةً، فلم يتحقق العَجْزُ عن ذكاة الاختيار، بخلاف ما إذا ندَّت في الصحراء، لعجزه عن ذكاة الاختيار.
أما البعيرُ والبقر، فإنهما يكونان وحشيان بالند، سواء كانا في المصر أو في الصحراء، لأنهما يدفعان عن أنفسهما، فلا يُقْدَرْ على أخذهما.
والصِّيَالُ كالنَّدُ إذا كان لا يُقْدَرُ على أَخْذه، حتى لو قَتَلَهُ المَصُولُ عليه، وهو يريد الذكاة: حَلَّ أَكْلُه.
[ه -]
وذكر الإمام الناطفي: إذا ندَّ البعيرُ أو الثورُ: إِن عُلِمَ أنه لا يُقْدَرُ أخذه إلا أن يجتمع له جماعةٌ كثيرة، فله أنْ يَرْمِيَه، لأنه عَجَزَ عن الذكاة الاختيارية بنفسه، لأن البعير يصول والبقر ينطَح.
وفي فتاوى قاضي خان: «الظبي إذا عُلِّمَ في البيت، فخرج خان: إلى الصحراء، فرماه رجلٌ وسمى: إن أصاب المَذْبَحَ حَلَّ أكله، وإلا، فلا، إلا أن يتوحَشَ، فلا يؤخذ إلا بصيد».
[?-جواز اصطياد ما يُؤكل ومالا يؤكل:]
ويجوز اصطياد مايُؤكَلُ من الحيوان، ومالا يؤكل، لإطلاق قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا}، ولأن في اصطياده تحصيل
منفعة جلده أو شعره أو ريشه، أو دفع أذاه عن الناس، فكان مشروعاً، تحصيلاً لهذه المنافع.
[-مايؤكل من صيود البر:]
فما يؤكل من صيود البرِّ: الظبي والأرنب وحمار الوحش وبقر الوحش وغنم الجبل والطيرُ الذي ليس له مِخْلَبٌ، كالحمام والإوز والغُراب الأسود الذي يأكل الحبَّ، يقال له: غراب الزرع. ولا بأس بأكل العَقْعَق عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يكره.
الجزء 1 · صفحة 16
ولا بأس بأكل الخُطَّافِ والقُمْرِيّ والسُّوداني والزَّرُزُور والعصافير والفاختة والهُدْهُدِ والجرادِ، ويَحِلُّ اللَّقْلَقُ
[9 -ما يحرم أكله من الصيد:]
ويَحْرُمُ كلُّ ذي مِخْلَبٍ من الطيور، كالصَّقْر والبازي والنَّسْرِ والعُقَابِ والباشَقِ والشاهينِ والحِدَأَةِ والغُراب الأبقع الذي يأكل الجيف، والرَّحَمَةِ والبُغَاثِ.
وكذا كلُّ ذي ناب من السباع، كالأسد والفهد والنَّمِرِ والذئب والضَّبُع والفيل والدُّبِّ والقِردِ واليربوع وابن عِرْسِ والخُفَّاسُ والسِّنَّوْرِ الأهلي والبرِّيِّ والسنجاب والفَنَكِ والسَّمُورِ والدَّلَقِ.
وكذا الضَّبُ والقُنْفُذُ والسُّلَحْفاةُ والزَّنْبُورُ والحشرات كلها. وإنما حَرُمَ كلُّ ذي ناب وذي مِخْلَب من السباع، لأنَّ طَبْعَها الظلم والإيذاء، فيَسْري طَبْعُه إلى طَبْعِ الآكِلِ من البشر، فَحَرُمَ عليهم مصلحة لهم
قال النبي: لا تُرْضِعوا أولادكم لَبَنَ الحَمْقَاءِ، فَإِنَّ اللبَنَ يؤثر.
{0-أثر اللقمة الحرام:]
وبهذا اسْتُدِلَّ أنَّ أعمال ابن آدمَ تفسُدُ بفساد لُقْمَتِه الحرام والخبيثة والنجسة، لأنها تصيرُ لحماً وشحماً، فإذا كان لبنها يؤثر، فنجاسةُ اللُّقمة وخَبَتُها وحُرْمَتُها أَوْلى بالتأثير.
وقال بعضهم: مَنْ أَكَلَ الحرام لا يحصُلُ منه إلا المعصية، ومَنْ أَكَلَ الشُّبْهة لا يحصُلُ منه إلا الغَفْلة، ومَنْ أكل الحلال الطيب لا يحصل منه إلا الخير
فاللقمة نطفه العمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، إلا مَنْ حَفِظَه الله تعالى بفضله ورحمته، فيُطهِّرُ باطنه عن كَدَرِ لُقمته.
والآثارُ بخَلْق الله، ولا توجد متولّدة من أسبابها عند أهل السُّنَّة والجماعة، خلافاً للمعتزلة، فيجوز في العقل وجود الخير أكل الحرام، لكنَّ العِبْرة للغالب لا للنادر.
وقالو: مَنْ كان طَبْعُه الظلم والإيذاء، فقلما ينجو من الرَّدَى.
وقيل: إنَّ البازِيَّ لا يعيش أكثر من ثلاث سنين، لما فيه من الكبر والإيذاء والظلم على مادونه من الطيور الضعفاء.
الجزء 1 · صفحة 17
والهُمَاءَ يعيشُ ألف سنة، ويتبرَّك الناسُ بلقائه وظله، لأنهيتباعد عن الإيذاء والظلم.
شعر
إِنَّ الهُمَا على الطيور له شَرَف ... إذ يَقْنَعُ بالعظم ولا يُؤذي أحداً
فينبغي لمَنْ يكون أميراً أن يكون متَّصِفاً بصفة الهُمَاء، حتى يستريح الفقراء والضعفاء في ظِلٍّ عَدْله وإحسانه، فيدعون له بدوام دولته، ومتخلّقاً بمكارم الأخلاق، ومُحْسِناً إلى خلق الله تعالى ما استطاع، فيجد في الآخرة إحساناً، كما قال الله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ). [الرحمن / 0].
شعر:
مافي الدنيا أحدٌ يُقال فيه يطيب ... إلا ويجد الناسُ منه راحةً وطيباً
الفصل الثاني
[في الاصطياد بالجوارح المعلمة، وبالرمي ونصب الشبكة ونحوها، وأحكام صيودها وصيود الحرم، وما يجوز بيعه من الحيوانات وما يحرم]
رُوي عن سعيد بن جبير لما نَزَلَت آيةُ تحريم المحرمات، سألَ عدي بن حاتم الطائي وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا قوم نتصيَّد بالكلاب والبزاة، فما يَحِلُّ لنا من المطاعم والصيود؟ فَنَزَلَ: {يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ} أي الذبائح على اسم الله تعالى أو كلُّ مالم يرد فيه نص من كتاب
أو سُنَّة للتحريم.
{وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِج} َأي أُحِلَّ لكم صيد الذي عَلَّمْتُم من الجوارح.
وفي معنى الجوارح قولان:
أحدهما: أن يكون جارحاً حقيقةً بنابه أو بمِخْلَبه، فيكون من الجرح بمعنى الجراحة.
والثاني: الكواسِبُ، كقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ)
أي: كَسَبْتُم.
ويُمكن حَمْلُه عليهما، فيشترط أن يكون من الكواسب التي تَجْرَحُ، ليُعْلَم بالجَرْحِ بيقين.
الجزء 1 · صفحة 18
{مكلبين} أي معلمين إياها الصيدَ {تُعَلِّمُونَهُنَّ} أَي تُؤدِّبونهن لطلب الصيد م {ِما عَلَمَكُمُ اللهُ} من عِلْم التكليبعلى لسان رسوله.
{فَكُلُوا مِما أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} أي حَبَسْنَه لكم، ولم تأكل.
{وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} أي سموا على المذبوح عند الذَّبْحِ: الله أو على الذي أُرسِلَ على الصيد من الجوارح المعلمة عند الإرسال.
{واتقوا الله} من أكل الميتة، أو من ترك التسمية على المذبوح أو المُرْسَل {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} أي المُجازاة.
[-شروط حل الصيد:]
وفي الخلاصة»: إنما يَحِلُّ الصيد بخمسة عشَرَ شرطاً:
خمسة في الصياد، وهي:
1 - أن يكون من أهل الذكاة.
2 - وأن يوجد منه الإرسال.
3 ـ وأن لا يشاركه في الإرسال مَنْ لا يَحِلُّ صيده.
- وأن لا يترك التسمية عامداً.
ه - وأن لا يَشْتغل بين الإرسال والأخْذِ بعمل آخر.
وخمسة في الكلب، وهي:
- أن يكون مُعَلَّماً.
2 - وأن يذهب على سَنَنِ الإرسال.
3 - وأن لا يشاركه في الأخذ ما لا يَحِلُّ صيده.
- وأنْ يَقْتُلَه جَرْحاً.
ه - وأن لا يأكل منه.
الجزء 1 · صفحة 19
وخمسة في الصيد، وهي:
? - أن يكون مأكولاً متوحشاً ممتنعاً.
2 - وأن لا يتوارى عن بصره، ولا يَقْعُدَ عن طلبه حتى يَجدَه. 3 - وأن يموت بهذا قبل أن يُوصَل إلى ذَبحه.
- وأن لا يكون من الحشرات.
ه - وأن لا يكون من بنات الماء سوى السمك.
[2 -مايجوز الاصطياد به:]
فيجوز الاصطياد بالجوارح المعلمة من سباع البهائم، كالكلب والفهد والنَّمِر، ومن سباع الطير كالباز والعقاب والصقر، وأمثالها مما يَقْبَلُ التعليم.
وعن أبي يوسف: أنه استثنى من ذلك الأسد والدُّبَّ، لأنهما لا يتعلّمان، ولا يعملان لغيرهما، أما الأسد فلعلو همته، وأما الدب فلنجاسته، حتى لو تعلما جاز.
وقيل: لايجوز بالذئب والحدأة، لخساستهما.
قال محمد في الذئب لا أدري أنه يتعلم أم لا؟ فإن تعلم: لا بأس به
وعن أصحابنا: أن الأسد والذئب من عادتهما أن يُمْسِكا صيدهما، ولا يأكلاه في الحال، ولا يُستدل بالإمساك على العلم)، فإن تُصُوِّرَ التعلم جاز» كذا في الخلاصة.
وفي الوجيز: عن أبي حنيفة رضي الله عنه في ابن عِرْس: إذا تعلم جاز.
-وأما الخنزير فلا يجوز الاصطياد، به، لأنه نجس العين، فكان الانتفاع به مُحَرَّماً.
[3 -حَدُّ تعليم ذي النّاب:]
وحَدُّ تعليم ذي النّاب: أنه إذا أُرْسِلَ يَتْبَعُ الصيد، وإذا أَخَذَه أَمْسَكَه لصاحبه، ولا يَأْكُلُ منه، فإذا تَرَكَ الأكل ثلاث مرات، عُلِمَ أنه مُعَلَّم، لأنَّ تبدل طبيعته الغريزية، وهي الأكل عند الظفر بالمأكول، يدلُّ على علمه.
وهذا عند أبي يوسف ومحمد وهو رواية عن أبي حنيفة. وإنما قُيَّدَ، بالثلاث لأنها مُدَّةٌ ضُربت لمعرفة تكرار
الجزء 1 · صفحة 20
التجارب، مُعَلِّمه. كما في قصة موسى عليه السلام مع
[-حد تعليم ذي المخلب:]
وتَعَلَّمُ ذي المِخْلَب بالإتباع إذا أُرْسِلَ، وبالإجابة إذا دُعِيَ فحسب، كذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ولأن بَدَنَ الكلب يَحْتَمِلُ الضربَ، فيُمكن أن يُضْرَب حتى يَدَع الأكل، وبَدَن البازي لا يحتمل الضرب، فتعذَّرَ تحقيق هذا الشرط فيه، فأُقيم مُقامَه مايدل عليه، وهو الإجابة عند الدُّعاء.
وروي عن أبي حنيفة أنه لم يُوَقِّت في التعليم شيئاً، بل فَوَّضَ إلى اجتهاد صاحبه فإن كان أكبر رأيه أنه صار معلماً، فهو معلم، لأنَّ نَصْب المقادير لا يكون بالرأي، إذ لامَدْخَلَ للقياس في معرفته، ففُوَّضَ إلى رأي المبتلى به.
وقيل: فوَّضه إلى أهل هذه الصناعة، فإن قالوا إنه تعلم فهو معلم، وإلا فلا.
[5 -]
وعلى الرواية التي قدَّر أبو حنيفة بالثلاث: يُؤكَلُ الصيد الثالث عنده.
وعندهما لايُؤكل، الثالث لأنه إنما حكم بكونه معلماً حين تَرَكَ الأكل من الثالث، فكان الثالث صيد كلب غير معلم، فيَحْرُم.
وله: أن الحُكْمَ بكونه معلماً عند إمساك الثالث على صاحبه، وقد أمسك على صاحبه بعد إرسال صاحبه، فكان صيد كلب معلم، فيَحِلُّ التناولُمنه كالرابع.
وروي عنهما أيضاً: أنه يَحِلُّ الثالث.
وروى الحسن عنه أنه قال: لا يُؤكل أوَّلُ ما يَصِيدُه، ولا
الثاني، لأنه غيرُ معلم بعد.
ولو صادصُيوداً، ولم يأكل منها، ثم أكل من صيد: لا يؤكل هذا الصيد، لأنَّ أَكْلَه علامة الجهل، ولا مايصيد بعده، حتى يصير معلماً باجتهاد الكلاب عنده.
الجزء 1 · صفحة 21
وعندهما: بترك الأكل ثلاثاً، كما في الابتداء.
وأما الصيود التي أَخَذَها من قبل، فما أُكِلَ منها، فلا تَظْهَرُ الحرمةُ فيه، لعدم المحليّة.
وماليس بمُحْرَزِ، بأن كان في المفازة بعد، يعني: لم يأخُذه الصائدُ، يَحْرُم اتفاقاً، وماهو مَحْرَزٌ في بيته: يَحْرُمُ عنده، خلافاً لهما».
قال بعضُ مشايخنا: إنما تَحْرُمُ تلك الصيود إذا كان العهد قريباً بأخذه، أما إذا تطاول العهد، بأن أتى عليه شهر ونحوه، وقد قدَّر صاحبه تلك الصيود، لم تَحْرُم اتفاقاً، لأن في الطويلة يتحقق النسيان، فلا يُعْلَم أنه لم يكن معلماً في الزمان الماضي، وفي المدة القصيرة لا يتحقق النسيان، فيَظْهَرُ أنه لم يكن معلماً حين اصطاد تلك الصيود، فتَحْرُم.
وقال الشيخ الإمامُ شمسُ الأئمة السَّرَخْسِيُّ: «الصحيحُ أَنَّ الخلاف في الفصلين واحدٌ، لأن الحِرْفَةَ لا تُنْسَى.
ولو أَرسَلَ كلبه المعلَّمَ، أو بازِيَه المعلم على صيد، وذَكَرَ الله عند إرساله، فأَخَدَ الصيدَ وجَرَحَه، فمات، حَلَّ أَكْلُه.
والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام لعَدِي بن حاتم: «إذا أَرْسَلْتَ كلبَكَ المعلَّمَ، وذكرت اسم الله عليه، فكُلْ، وإن أَكل منه، فلا تأكُل، لأنه إنما أَمْسَكَ على على نفسه».
ولأنَّ الكلب أو البازي آلةٌ والذَّبْحُ لا يحصل بمجرَّد الآلة إلا بالاستعمال، وذلك فيهما لا يكون إلا بالإرسال.
واشتراط كونه معلماً، لتحقيق الإرسال فنزل منزلة الرّمي وإمرار السكين، فلا بد من التسمية عنده.
وكذا السهمُ آلةٌ، فتُشتَرطُ التسمية فيه عند الرمي.
:
وإذا نَصَبَ الحديدةَ لأَخْذِ الظبي، أو نَصَبَ مِنْجَلاً لصيد حمار الوحش، تُشتَرطُ التسمية عند النصب.
الجزء 1 · صفحة 22
ولو أخَذَ الجارحُ الصيدَ، وجَرَحَه من غير إرسال صاحبه، لا يَحِلُّ إلا إذا أَدْرَكَ حياته، وذَبَحَه، فيَحِلُّ بذكاة الاختيار، ولو ترَكَ التسمية، لا يَحِلُّ إلا إذا تركها ناسياً.
ولو أرسل كلبه المعلم على صيد، وترك التسمية عامداً، فلما مضى الكلب سمَّى، وزَجَرَه فانزجر أو لم يَنْزَجر، وقتل الصيد، لا يَحِلُّ، لأنَّ وقت التسمية عند الإرسال، فَتَرْكُها عمداً فعل محرم، ولا يُنْسَخُ إلا بمثله بأن يُمْسِكَهُ، ثم يُرسله مع التسمية.
[-اشتراط الجرح في الذكاة الاضطرارية:] ولابد من الجَرْح في ظاهر الرواية، لتحققِ الذكاة الاضطرارية، وهو الجَرحُ في أي موضع كان من بدن الصيد، سواء كان الاصطياد بالكلب أو بالرمي حتى لو خَنَقَه الكلبُ، ولم يَجْرَحْه، لا يَحِلُّ.
وكذا لو كَسَرَ عضواً من الصيد، فقتله، لأن المعتبر جُرْحُ سبباً لإنهار الدم، ولا يحصل ذلك بالكسر، فأشبه ينتهضُ التخنيق.
وعن أبي حنيفة: أنه يَحِلُّ بالكسر، لأنه جراحةً باطنة، فهي كالجراحة الظاهرة.
ولو أخذ جناحه أو منقاره أو ظُفُرَه، حَرُم.
وعن أبي يوسف والشافعي: لا يُشترط الجَرْحُ، فأولا: الجارح على الكاسب.
وأما البازي إذا قتل الصيدَ، يحِلُّ أكله، وإن لم يجرح) كذا في «الخلاصة».
[-من شروط حِلَّ الصيد: إمساكه على صاحبه:] ولابد من إمساك الصيد على صاحبه حتى لو أكل منه الكلب أو الفهد، حَرُمَ أَكْلُه. وقال مالكُ والشافعى في قوله القديم اعتباراً بالبازي، فإنه لو أَكَلَ منه البازي لا يَحْرُمُ.
ولنا قوله تعالى: (فَكُلُوا مِما أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)، وحين أَكَلَ. تبيَّن أنَّه أَمْسَكَه على نفسه لاعلى صاحبه
والبازي لا يمكن تعليمه بترك الأكل، فاكتفي بالإجابة بخلاف الكلب.
ولو فر باز أو صقر من صاحبه، فمَكَثَ حيناً ثم عاد إلى صاحبه، فصاد لايُؤكَل صيده، لأنه تَرَك ماصار به عالماً، وهو إجابته إلى صاحبه، داعياً، فيُحكم بجهله فصار كالكلب إذا أكل من الصيد في الوجوه التي ذكرنا.
ولو شَرِبَ الكلبُ من دم الصيد في الاصطياد، لا يَحْرُم، لأنه دليل على علمه حيث أمْسَكَ على صاحبه مايريد صاحبه، وتناول مالا يريده. وقال ابن أبي ليلى: لا يَحِلُّ.
الجزء 1 · صفحة 23
ولو أخذ صاحبه الصيد منه، ثم قَطَعَ منه قطعة وألقاها إليه، فأَكَلَها، يؤكل مابقي، لأنه أمسك على صاحبه، حيث وقع التسليم إليه، فصار كما لو ألقى إليه طعاماً آخر.
وكذا إذا وثَبَ الكلب، فأخذه منه، وأكل منه، لأنه ما أكل أَكَلَ من الصيد، فصار كما لو افترس شاته بخلاف مالو فَعَلَ ذلك قبل أن يُخرزه المالكُ لبقاء جهة الصيدية، باعتبار عدم الإحراز.
ولو نَهَسَ الكلبُ من الصيد قطعةً في إتباعه إياه، فأكلها، ثم أَتْبَعَه، فَأَخَذَه وقَتَلَه، ولم يأكل لم يَحِلَّ أَكْلُه، لأنه صيدكلب جاهل، حيث أكل منه، وعدم أكله مما بقي لشبعه بتناول تلك القطعة، لا للإمساك على صاحبه.
وإن ألقى مانَهَسَه وأَتْبَعَ الصيد، فأَخَذَه وقتله، ولم يأكل أَخَذَه صاحبه، ثم عاد فأكل تلك القطعة، يؤكل الصيد، لأنه أمسك الصيد على صاحبه وتناولُه تلك القطعة بعد وصول الصيد إلى يد صاحبه كتناوله قطعةً ألقاها إليه صاحبه، بل ذلك دليلُ حَذَاقَتِه، حيث تناول ما يعلم أن صاحبه لا يرغب فيه، فهو كما لو شرب من دمه.
وفي الفتاوى:: ولو أَرْسَلَ كلبه المعلم، فأخَذَ صيدا، وأمسكه، فمات الصيد من أخذه أو صَدْمِه، لم يؤكل.
[ـمن شروط حِلَّ الصيد أن لايتوارى الصيد عن بصره:]
ويشترط ألا يتوارى عن بصره، أو لا يقعد عن طلبه، فيكونُ في طلبه، ولا يشتغل بعمل آخر حتى يجده، لأنه إذا غاب عن بصره ربما يكون موت الصيد بسبب آخر، فلا يَحِلُّ، لقول ابن عباس رضي الله عنهما:
كُلْ ما أَصْمَيْتَ، ودَعْ ما أَنْمَيْتَ.
والإصماء: ما رأيته والإنماء: ماتوارى عنك
فلو توارى الكلبُ عن المرسل، أو تحامل الصيد السَّهم بعد وقوعه، حتى غاب عن الرامي، ولم يَزَلْ في طلبه حتى أصابه ميتاً، حَلَّ استحساناً.
والقياسُ أنْ لا يَحِلَّ وهو قول الشافعي، لاحتمال أنه مات بسبب آخر.
ولنا: أنه عليه الصلاة والسلام مرَّ بالرَّوْحاء على حمار وحش عقير، فتبادَرَ أصحابه إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: دَعُوه، فسيأتي صاحبه فجاء رجلٌ فقال: هذه رميتي، وأنا في طلبها، وقد جَعَلْتُها لك، فأَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقَسَمَها بين الرفاق.
ولأنَّ الاحتراز عنه غير ممكن، لأن الاصطياد غالباً يكون في المشاجر والبَرَاري، فلابد من التواري،
الجزء 1 · صفحة 24
فأبَحْناه إذا لم يَقْعُدْ عن طلبه للضرورة.
وإن قعد طلبه، عن ثم أصابه ميتاً، لم يحل، لأنه عليه الصلاة والسلام كَرِهَ أَكْل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال: العلَّ هوام الأرض قَتَلَتْه».
وهذا حُجَّةً على مالك في قوله: إنَّ ماتوارى عنه إذا لم يبتْ يَحِلُّ، وإذا بات لا يَحِلُّ.
وما ذُكِرَ في «المحيط»: نَصَبَ مِنْجَلاً لصيد حمار الوحش، ثم وَجَدَه مجروحاً ميتاً لا يَحِلّ محمول على ما إذا قَعَدَ عن الطلب.
ولو وَجَدَ به جراحةً سوى جراحة سهمه، لا يحلُّ، فَعَدَ طلبه أو لا، لأنه ظَهَرَ لموته سببان: أحدهما موجب للحل، والآخر موجِبٌ للحُزمة، فيُغَلَّبُ الموجِبُ للحزمة، الموهوم في هذا كالمتحقق.
وذكر صاحب المحيط»: رمى صيداً، وأَمَرَ غيرَه بالطلب، جاز.
وفي فتاوى التُّمُرْتَاشِيّ: لو كان المبعوث شيخاً، والرامي شاباً، أو كان الرَّامي، فارساً، وبَعَثَ، راجلاً، أو لو ذَهَبَ الرّامي بنفسه لوَجَدَه حياً يُؤكَلُ.
ولو ذَهَبَ رجلٌ في طلبه من غير أن يَبْعَثَه الرامي، فوَجَدَه ميتاً، لا يُؤكل.
وفي «القُنْية»: لو رَمَى طيراً في الماء، فأدماه، ثم نَزَعَ الخُفَّ، وخاضَ في الماء، فوَجَدَه ميتاً، وكان بحال لو خاص فيه متخفّفاً لوَجَده حياً: يَحِلُّ.
وقيل: لا يَحِلُّ، لأن اشتغاله بنَزْعِ الخُفَّ ليس بعُذْرٍ، فَوُجِدَ تَرْكُ الطلب.
ولو أَدْرَكَ المرسِلُ أو الرّامي الصيد حياً، وَجَبَ عليه أن يُذَكِّيه، فإن تَرَكَ التذكية حتى مات حَرُمَ أكله، لأنه تَرَكَ ذكاةالاختيارمع القدرة عليها.
وهذا إذا تمَكَّن من ذَبحه، أما إذا وَقَعَ في يده، ولم يتمكن من ذَبحه، وفيه من الحياة فوق مايكون في المذبوح، لم يُؤكل في ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يَحِلُّ، وهو قول الشافعي) لأنه لم يقدر على الأصل، فصار كما إذا رأى الماء، ولم يقدر على الاستعمال.
وجه الظاهر: أنه قَدَرَ على الأصل اعتباراً، لأنه ثَبَتَتْ يده على المَذْبَح، ا، وهو قائم مقامَ التمكن من
الجزء 1 · صفحة 25
الذبح، لتعذر الوقوف على حقيقة القدرة والعجز لتفاوت أحوال الناس في الهداية في أمر الذبح وعدمها، فأدير الحُكْمُ على ماذكرنا.
بخلاف ما إذا بقي فيه من الحياة مثل مابقي في المذبوح، لأنه حكماً، ولهذا لو وَقَعَ في الماء وهو بهذه الحالة لا يحرم، كما لو وقع وهو ميت وإذا كان ميتاً حكماً، لا يكون محلاً للذبح.
وقال بعض المشايخ: إن لم يَتَمَكَّنْ لفَقْد الآلة، لم يُؤكل، رلأن التقصير من قبله، حيث لم يحمل آلة الذكاة مع نفسه. وإن لم يتمكن لضيق الوقت بأن كان في آخر الرَّمَقِ، لم يؤكل عندنا، لأنه بالوقوع في يده لم يبق صيداً، فلم تعتبر ذكاة الاضطرار فيه.
وقال الحسن بن زياد ومحمد بن مقاتل: يحل استحساناً، وهو قول الشافعي، لأنه لم يَقْدِرُ على الأصل لضيق الوقت، فبقيت ذكاة الاضطرار موجبة للحل.
وبه أخذ القاضي فخر الدين خان.
وهذا إذا كان يُتَوَهَّمُ بقاؤه حياً مع الجُرح الذي جَرَحه الكلب، أما إذا شقّ بطنه وأخرج مافيه، ثم وقع في يد صاحبه حياً، فمات، حَلَّ، لأنه استقرَّ فيه فعل الذكاة قبل وقوعه في يده، ومابقي فيه اضطراب المذبوح فلا يُعتبر، كما إذا وقعت شاةٌ في الماء بعد ما ذُبِحَت.
وقيل: هذا قولهما.
أما عند أبي حنيفة فلا يحل وهو القياس، لأنه وقع في يده حياً، فلا يحل بدون ذكاة الاختيار، كالمتردية.
هذا إذا تَرَكَ التذكية، فلو ذكَّاه، حَلَّ عند أبي حنيفة، لأنه إن كانت فيه حياة مستقرَّةٌ، فالذكاة وَقَعَتْ موقعها بالإجماع، وإن لم تكن فيه حياةٌ مستقرَّةٌ، فعند أبي حنيفة: ذكاته الذبح، وقد وُجِدَ، وعندهما: حَلَّ بلا ذبح
وكذا المتردية، أي الشاةُ التي سقطت من الجبل إلى منخفض، أو في بئر.
والنطيحةُ: أي الشاة المنطوحةُ التي تُنْطَح بقرن صاحبتها.
والموقوذة: أي المضروبة بالخشبة وغيرها.
والذي نَقَرَ الذئبُ بطنَه، أي شَقَّه، وفيه حياة خفيفة ـ يريدُ به القَدْرَ الذي يُعلَم به أنه حي، أو بينةٌ ـ يريد به القَدْرَ الذي فوق ذلك، يحلُّ إذا ذكَّاه، وعليه الفتوى، لقوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ} مطلقاً بلا فَصْلِ.
الجزء 1 · صفحة 26
ولأن المقصود تسييلُ الدم النجس بفعل الذكاة، وقد حَصَل.
وعند أبي يوسف: إن كان بحال لا يعيش مثله: لا يحل، لأنه لم يكن موته بالذبح.
وعند محمد: إن كان يعيش فوق ما يعيش المذبوح: يحل، وإلا فلا، لأنه لا عبرة لهذه الحياة.
هذا إذا أدركه وأَخَذَه، فإن أدركه ولم يأخُذْه:
ذكَرَ الكَرْخِيُّ: إن كان في وقت لو أخذه يُمكِنُه ذَبْحُه، حرم، لأنه صار لأنه صار في حكم المقدور عليه، وإن كان لا يُمْكِنُه ذَبْحُه حَلَّ، لعدم ثبوت اليد والتمكن من الذبح.
وإن أدركه، فذكّاه، حَلَّ بالاتفاق، لما بينا
ولو أرسل كلبه المعلَّم على صيد فلم يأخُذه، وأخَذَ غيره، حَلَّ، لأن المشروط الإرسال دون التعيين.
وقال مالك والشافعي: لا يَحِلُّ، لأنه لم يأخذ ما أُرسِلَ عليه، وأَخَذَ مالم يُرْسَلْ، عليه فكان مأخوذاً بغير إرسال، إذ التعيين شرط عندهما.
قلنا: لا يُمكِنه تعليمه على وجه يأخذ ماعيَّنه، فسقط اشتراطه.
وقال ابنُ أبي ليلى: التعيين ليس بشرط، ولكن إذا عيَّن يصح تعيينه، حتى لو ترك ذلك الصيدَ، وأَخَذَ غيره وقتله، لا يحل عنده.
وهذا الخلافُ فيما أَخَذَه من غير عُدول ولامكث، لأنه لو انصرف عن طريقه يميناً وشمالاً، أو مَكَثَ، أو تشاغل في غير طلب الصيد، ثم أَتْبَعَ صيداً وأَخَذَه، لا يحل اتفاقاً، لانعدام حكم الإرسال الأوّل، إلا إذا زجره صاحبه فينزجر، فيحلُّ، لأن الزَّجْر بمنزلة إرسال مستأنف.
ولهذا قالوا: لو انقلب الكلبُ المعلم، أو البازي المعلم، فصاح به صاحبه فانزجر، وزاد في الطلب، حل ماصاده، لأن ذلك بمنزلة الإرسال وإن لم ينزجر ولم يَزْدَدْ في الطلب، لا يحل، لعدم الإرسال.
ولو أخذ الجارحُ المعلم صيداً، فقتله، ولم يُدْرَ أرسله إنسان أم لا؟ حَرُم، لأن الإباحة لا تثبت بدون الإرسال، وقد وقع الشك فيه.
ولو أرسل كلبه على صيد كثير، وسمى مرةً واحدةً وقت الإرسال، فقتل الكل يحل بالتسمية الواحدة، لأن الذبح يقع بالإرسال، حتى تُشترط التسمية عنده، والفعل واحد، فيكفيه تسمية واحدة.
الجزء 1 · صفحة 27
وكذا لو رمى سهماً إلى صيد فأصابه السهم، ونفذ فأصاب آخَرَ، حَلَّ الكل عندنا.
وعند مالك: يحل الأول فقط
ولو أخذ صيداً فقتله، ثم أخذ آخر فقتله، أكلا جميعاً، لأن الإرسال قائم لم ينقطع، مالم تعرض استراحة، فلو عَرَضَ، بأن قتل الأول، فجَتَمَ عليه طويلاً، ثم مرَّ به صيد آخر فقتله، لم يؤكل الثاني، لانقطاع الإرسال بمُكثه
وفي الخلاصة»: لو أرسل كلبه على صيد، فأخطأ، ثم عَرَضَ له صيد آخر، فقتله، يؤكل.
وإن رجع فعرض له صيدٌ آخرُ في رجوعه، لم يؤكل، لأن الإرسال بطل بالرجوع وبدون الإرسال لايحل.
وفي القنية»: لو رمى صيداً في الهواء، ولم يُصبه، فلما عاد السهم إلى الأرض أصاب صيداً، يحِلُّ، لبقاء فعله، ولهذا لو أصاب إنساناً حالَ العَوْدِ، فمات منه فعليه الدية
ولو أرسل بازيه المعلَّم على صيد، فوقع على شيء. أتبع الصيد، فأخذه وقتله، أُكِلَ، لأنَّ من أن عادة البازي على شيء، وينظر إلى صيده، ليتمكن من أَخْذِه، وهذا إذا لم يمكث زماناً طويلاً للاستراحة، كما مرَّ في الجُثُوم.
ومَن أرسل فهداً فكَمَن حتى استمكن من الصيد، ثم وثب عليه فقتله، أُكِلَ، لأن مكثه ذلك حيلة منه للصيد، لااستراحة، فلا ينقطع به فؤر الإرسال.
وكذا الكلب إذا اعتاد عادته.
[خصال الفهد:]
وقال شمس الأئمة السَّرَخْسِيُّ ناقلا عن شيخه: للفهد خِصال ينبغي لكل عاقل أن يأخذ ذلك منه:
- منها: أنه يَكْمُنُ للصيد حتى يستمكن منه، فينبغي للعاقل أن لا يُجاهر بالخلاف مع عدوه، ولكن يطلب الفرصة حتى يحصل مقصوده، من غير إتعاب نفسه.
الجزء 1 · صفحة 28
- ومنها: أنه لا يتعلَّمُ، بالضرب، لكن يُضرَبُ الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد، فيتعلّم بذلك، وهكذا ينبغي للعاقل يتعظ بغيره كما قيل: السعيد من وعظ بغيره.
- ومنها: أنه لا يتناول الخبيثَ، وإنما يطلب من صاحبه
اللحمَ الطَّيِّب، وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يتناول إلا الطيب. - ومنها: أنه يَتِبُ ثلاثاً أو خمساً، فإن تمكن من الصيد، وإلا تَرَكَه، ويقول: لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري، وهكذا ينبغي لكل عاقل.
ولو أرسل المسلم كلبه المعلَّم على صيد، وسمي، فشاركه كلب غير معلَّم، أو كلب لم يُذْكَر اسم الله عليه عمداً، أو كلب مجوسي، لم يؤكل، لأنه اجتمع المبيحُ والمحرم، فتُغلَّبُ جهة الحُرمة، لقوله عليه الصلاة والسلام:
ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا غَلَبَ الحرام الحلال.
ولأن الحرام واجب الترك، والحلال جائز الترك، فكان الاحتياط في الترك.
ولو رده عليه الكلبُ الثاني، ولم يجرح معه، ومات بجُرْح الأول، كُره أكله، لوجود المشاركة في الأخذ، وعدمها في الجرح.
ثم قيل: كراهة تنزيهية، وقيل: كراهة تحريم، وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني.
ولو لم يردَّه الكلبُ الثاني على الأول، ولكنه اشتدَّ على الأول، أي حَمَلَ عليه حتى اشتدَّ على الصيد، فأخذه وقتله، حَلَّ، لأن فعل الثاني أثَّرَ في الكلب المرسل دون الصيد، حيث ازداد به طلباً، فلا يُضاف الأخذُ فعله.
ولو رده عليه مجوسي، حتى أخذه فلا بأس بأكله، لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب، فلم تثبت المشاركة.
وكذا لو رده عليه آدمي أو دابةٌ أو طير.
ولو أرسل المسلمُ، كلبه فزجره مجوسي، فانزجر برجره، حل، بخلاف ما إذا أرسله مجوسي، فَزَجَرَه مسلم، وسمَّى، فانزجر.
[معنى الزجر والانزجار:]
والمراد بالزجر: الإغراء بالصِّياح عليه، وبالانزجار: إظهار زيادة الطلب.
والفرق أنَّ الزجر دون الإرسال لأنه بناء عليه، والشيء إنما يرتفع بما هو مثله أو فوقه.
الجزء 1 · صفحة 29
ففي المسألة الأولى: إرسال المسلم موجب للحل، فلا يرتفع بزَجْر المجوسي، لأنه دونه، وفي المسألة الثانية: إرسال المجوسي مُحَرَّم، فلا يرتفع بزجر المسلم إياه، لأنه دونه.
وكلُّ مَن لاتجوز ذكاته كالمرتد والمُحْرِمِ وتارك التسمية عمداً في هذا بمنزلة المجوسي
[55 - اعتبار أهلية المرسل عند الإرسال:]
وتعتبر الأهليةُ وعَدَمُها عند الإرسال، حتى إن المسلم لو أرسل كلبه على صيد، فارتدَّ عَقِيبه - والعياذ بالله - ثم أصاب الصيد، يحل.
ولو أرسله مجوسي، فأسلم عقيبه، ثم أصاب الصيد، فجرحه، لا يحلُّ، لأن الإرسال ذكاة، فتعتبر الأهلية عنده.
وكذا في الرَّمي بالسهم.
ولو وقع الصيد عند مجوسي مقدار ما يَقْدِرُ على ذبحه، فمات، لا يحلُّ أكله، لأن المجوسي قادر على ذبحه بتقديم الإسلام، فلا يحلُّ بذكاة الاضطرار.
ولو وقع عند نائم والنائمُ بحال لو كان مستيقظاً يقدر على ذكاته فمات، لا يؤكل في قول أبي حنيفة، لأن النائم عنده بمنزلة المستيقظ
وفي «الوجيز»: لو وقع إلى جنب رجل لا يعلم بموضع الصيد، وقد علم أنه بحضرته أو لا يعلم، فمات، أكل، وهو الأصح.
وذَكَرَ في العيون: أنه لا يؤكل عند أبي حنيفة.
ولو رمي مجوسي صيداً، أو أرسل كلبه عليه، فأقبل الصيد هارباً من سهمه فرماه مسلم، أو أرسل كلبه عليه، فقتله قبل وقوع سهم المجوسي على الأرض، وقبل رجوع كلبه، كرة، لأن فعل المجوسي إعانة، لأنه لولا فعله لما قدر المسلم على صيده بهذا الرمي، والإعانة توجب الكراهة.
ولو كان رمي المسلم وإرساله بعد وقوع سهم المجوسي على الأرض، أو بعد رجوع كلبه لايكره، لأن فعل المجوسي لم يَبْقَ حال رمي المسلم أو إرساله.
وفي الأصل: لابأس بصيد المسلم بكلب المجوسي وبازيهم، كما يذبح بسكينهم.
الجزء 1 · صفحة 30
ولو أرسل المسلمُ كلبه على صيد، وسمى، فأدركه الكلب، فضربه، فوقذه أي أضعفه، ثم ضربه ثانياً فقتله، أُكِلَ.
وكذا لو أرسل كلبين فوقذه أحدهما، ثم قتله الآخر، أكل، لأن الامتناع عن الجُرح بعد الجُرح خارج عن حد التعليم، فصار كأن القتل حصل بفعل واحد.
ولو أرسل رجلان كلُّ واحدٍ منهما كلباً، فوقذه كلب أحدهما، ثم قتله كلب الآخر، يؤكل لما بيَّناه.
والملك للأول، لأنه أخرجه من أن يكون صيداً، غايه مافي الباب أنَّ ضَرْبَ الثاني حصل بعد الخروج عن الصيدية، إلا أن الإرسال من الثاني حصل على الصيد.
والمعتبر في الإباحة والحُرمة حالة الإرسال، حتى لو كان الإرسال من الثاني بعد الخروج عن الصيدية بجرح الأول، فجَرَحَه الثاني، ومات، لا يحل.
ولو أرسل بازياً، فأخذ الصيد، وأمسكه بمخلبه ولم يتخنه فقتله بازي الثاني، فالصيد للثاني، وحَلَّ، لأن يدي البازي الأول ليست بيد حافظة، لتُقام مقام يدِ المالك، أما القتل فهو إتلاف، والبازي من أهل الإتلاف، فيُنْقَل إلى صاحبه.
ومن سمع جساً، وظنّه صيداً، فأرسل كلبه أو بازيه عليه، أو رماه بسهم، فأصاب صيداً ثم تبيَّن أنه حس صيد - مأكولاً أو غير مأكول - حَلَّ المصاب، لأنه قصد الاصطياد.
وعن أبي يوسف: إن كان حِسَّ سَبع سوى الخنزير، أُكل الصيد، وإن كان حِسَّ، خنزير، لم يؤكل، لأنه مغلظ التحريم، حتى لا يجوز الانتفاع به بوجه فسقط حكم فعله أصلاً، بخلاف سباع البهائم، لأن الانتفاع بها مطلق، إلا من جهة الأكل، فكان الفعل معتبرا.
وقال زُفَر: إن كان حِسَّ صيد لا يؤكل لحمه، كالسباع ونحوها لا يؤكل، لأن الإرسال على السَّبع لا يتعلق به حكم إباحة الأكل.
ولنا: أن الاصطياد لا يختص بمأكول اللحم، فوقع الفعل اصطياداً، ثم تَفَوُّتُ الإباحة يتعلق بالمحل، فتثبت بقدر مايقبله لحماً وجلداً، وقد لا تثبت إذا لم يقبله، وإذا وقع اصطياداً، صار كأنه رمى إلى صيد، فأصاب غيره.
فلو تبين أنه حِسُّ، آدمي أو حيوان أهلي، لايحل المصاب، لأن الفعل ليس باصطياد.
الجزء 1 · صفحة 31
والطير الداجن الذي يأوي البيوت أهلي، والظبي الموثق بمنزلته.
ولو رمى طائراً، فأصاب صيداً، فذهب المرمي، ولم يدر أنه وحشي أو مستأنس أكل الصيد لأن الأصل في الطير التوحش فيُتَمَسَّك به، حتى يُعلَم الاستئناس.
ولو رمى بعيراً، فأصاب صيداً، ولم يعلم أن البعير ناد أو غيرُ ناد، لم يؤكل الصيد، لأن الأصل في الإبل الاستئناس، فيُتَمَسَّك به حتى يُعلم غيره.
ولو رمى سمكةً أو جَرادةً، فأصاب صيداً، يحل في رواية عن أبي يوسف، وهو الصحيح، لأن المرمي صيد.
وفي رواية ابن رُسْتُم عنه: أنه لايحل، لأنه لاذكاة لهما، والاصطياد خَلَفٌ الذكاة.
ولو سمع عن حِسّاً، فظنّه آدمياً، فأصاب السهم المسموع حِسُّه، فإذا هو صيد، أُكِلَ، لأنه لا عبرة بظنّه مع تعين المرمي صيداً.
وذكر الإمامُ قاضي خان: لو رمى إلى آدمي أو بقر أو إبل أو شاة أو مَعْز أهلي وسمَّى، فأصاب صيداً مأكولاً، لارواية لهذا في الأصل. ولأبي يوسف فيه قولان: في قول: يحل، وفي قول: لايحل، وإليه أشار ف الأصل.
ولو رمى إلى صيد، وهو يظن أنه شجرة أو إنسان، وسمّى، فإذا هو صيد، يؤكل.
وفي الوجيز»: لو رمى أو أرسل كلبه إلى ظبي مربوط، وهو يظن أنه صيد، فأصاب ظبياً آخر، لم يؤكل.
وكذا لو أرسل فهداً على فيل، فاصطاد صيداً، لم يؤكل.
ولو رمى صيداً، فوقع في الماء، أو سطح أو جبل، فتردى منه إلى الأرض، حَرُم، لأنه المتردَّية، وهي من جملة المحرمات، ولأنه احتمل الموتَ بغير الرمي، إذ الماء مُهلك، وكذا السقوط من مكان عال.
يؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعدي:
وإنْ وقَعَتْ رميتك في الماء، فلا تأكل، فإنك لاتدري الماء قتله أو سهمُك؟».
*وكذا إذا وقع على شجرٍ أو حائط أو آجُرَّةٍ، ثم وقع على الأرض.
* أو رماه وهو على جبل، فترى من موضع إلى موضع، حتى تردّى إلى الأرض.
الجزء 1 · صفحة 32
أو رماه، فوقع على رُمْح منصوب، أو قصبة قائمة، أو رْفِ آجُرَّةٍ، لاحتمال القتل بحدة هذه الأشياء، وهذا مما يمكن التحرر عنه.
فصار الأصل أن سبب الحرمة والحِلِّ إذا اجتمعا، وأَمْكَنَ التحرز عما هو سبب الحرمة، تُرجّح جهة الحرمة احتياطاً، وإن كان مما لا يمكن التحرّزُ عنه جرى وجوده مجرى عدمه، لأن التكليف بحسب الوسع.
وإن وقع على الأرض ابتداءً، حَلَّ أكله، لأن هذا مما لا يمكن التحرز عنه، فجُعِل عفواً لما بينا.
*وكذا إذا وقع على ماهو في معناه كجبل أو ظهر بيت، أو لبنة موضوعة، أو صخرة، فاستقر عليها، لأن الموضع الذي وقع عليه بمنزلة الأرض.
وما ذُكر في «المنتقى»: «لو وقع على صخرة، فانشق بطنه، لم يؤكل: حَمَلَه شمسُ الأئمة السَّرَخْسِيُّ على ما إذا أصابه حد الصخرة فانشق بطنه بذلك، وهذا سبب لموته، سوى الذكاة.
* ويُحمل المروي في الأصل على غير حالة الانشقاق.
وإن كان الطيرُ مائياً، فإن كانت الجراحة لم تنغمس في الماء، أكل، وإن انغمست، لا يؤكل، كما لو وقع غير المائي في الماء، لاحتمال موته بالماء، فإن طير الماء إنما يعيش في الماء غير مجروح. وإن مات قبل وقوعه في الماء، يحل.
وفي شرح السرخسي رمى صيداً، فجرح ظهره، ومات في الماء، لا يحل.
وذكر في شرح بكر خُواهر زاده: أنه يحل.
- وإن أصاب بطنه أو جَنْبَه، لا يحل.
- وعن بعض المشايخ لو رمي،صيداً فجرحه ووقع في الماء، فمات، يُنظر:
إن كان تُرجى حياته حين وقع في الماء، لايحل، لاحتمال أنه مات بالماء، وإن كان لاترجى منه حياته بأن أبان رأسه، ثم وقع في الماء، يحل أكله لأن موته في هذا الوجه لايضاف إلى الماء.
وهذا كله إذا لم يُدرك ذكاته فإن أدرك فذبحه، يحل، لقوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ}.
ولو رماه بعرض المعراض، لا يؤكل، إلا إذا أصابه بحده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أصاب المعراضُ بحده، فكُلْ، وما أصاب بعرضه، فلا تأكل».
الجزء 1 · صفحة 33
وكذا لو رماه بالبندقة، لأنه يُقتل بالدق والكسر، لا بالجرح. وكذا لو رماه بحَجَرٍ ثقيل، وبه حِدَّةٌ، لأنه يحتمل قتله بثقله. وإن كان الحَجَرُ خفيفاً وبه حِدَّةٌ، يحل، لتعين الموت بالجرح حدة.
وكذا لو كان الجرح خفيفاً، وجَعَلَه طويلاً كالسهم، وبه
ولو رماه بمَرْوَةٍ حديدةٍ، ولم يَبْضَعْ بَضْعاً، لا يحل، لأن القتل بالدق.
- وكذا لو رماه بها، فأبان رأسه، أو قَطَعَ أوداجه، لأن العروق تنقطع بثقل الحجر، كما تنقطع بالقطع، فوقع الشكُ، أو لعله مات قبل قطع الأوداج، فلا يحل بالشك.
ولو رماه بعصاً أو بعُودٍ حتى قتله، لا يحل، لأن قَتْلَه ثِقَلا لا جَرْحاً، إلا إذا كان له حَدٌ يَبْضَع بضعاً، فحينئذ يحل، لأنه كالسيف والرمح.
والأصل في هذه المسائل: أن الموت إذا أُضيف إلى الجُرْح قطعاً، حل الصيد، وإن أُضيف إلى النّقل قطعاً، حَرُم، وإن وقع الشكُ ولم يُدْرَ أنه مات بالثَّقَل أو بالجُرْح، حَرُم احتياطاً.
وإن رماه بسيف أو بسكين، فأصابه بحده، فجرحه، حل، وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السيف، حَرُم، لأن القتل بالدَّقِّ.
ولو رماه، فجرحه فمات بالجُرح: إن كان الجرح مُدمياً، يحل اتفاقاً.
وإن لم يكن مدمياً، فكذلك عند بعض المتأخرين، وهو الأظهر، سواء كانت الجراحةُ صغيرة أو كبيرة، لأن الدم يُحْبَس في العروق لضيق المنفَذ، أو لغلظ الدم.
وعند بعضهم: يُشترط الإدماء، لقوله عليه الصلاة والسلام ما أَنْهَرَ الدم، وأفرى الأوداج، فكُلْ.
شرَطَ الإنهار، والمشروط لايوجد عند عند عدم الشرط
وعند بعضهم: إن كانت الجراحة كبيرة، حَلَّ بدون الإدماء، عدم خروج الدم لعدم الدم فلا يكون مضراً، وإن كانت صغيرة، لا يحل لأن عدم خروج الدم لضيق المنفذ، لالعدم الدم.
وإن أصاب السهمُ خِلْفَ الصيد أو قَرْنَه، فقتله، حلَّ إن أدماه، لأن ماهو المقصود، وهو تسييل الدم قد حصل، وإلا لا يؤكل، لأن تسييل الدم النجس لم يحصل.
ولو رمى صيداً، فقطع عضواً منه، ومات، أكل الصيد، ولا يؤكل العضو لقوله عليه الصلاة والسلام:
الجزء 1 · صفحة 34
«ما أُبين من الحي، فهو ميت
- وكذا إذا أَبان شيئاً، يبقى المُبَان منه حياً بدونه عادة، كاليد والرجل والفَخِذ، وثلثه مما، وثلثه مما يلي القوائم والأقل من نصف الرأس.
ولو قده نصفين، أو قَطَعَه، أثلاثاً، والأكثر مما يلي العَجُز، أو قَطَعَ رأسه أو نصف رأسه أو أكثر منه، حَلَّ المُبَانُ والمبانُ منه، إذ لا يُتوهم بقاؤه حيّاً بعد هذا فكان قتلاً، وهذا كله عندنا.
وعند الشافعي يحل المبان والمبان منه في الوجوه كلها إذا مات الصيد، لأن الفعل وقع ذكاة، فظهر أثره في الكل، كما في ذكاة الاختيار.
ولنا مارويناه، وقد ذَكَرَ الحيَّ مطلقاً، فانصرف إلى الحي حقيقة وحكماً، ليكون حيّاً من كل وجه.
ففي النوع الأول: المبان منه حي حقيقة، لوجود الحياة فيه، وحكماً لأنه تتوهم حياته بدون هذه الأعضاء، وقد اعتبره الشرع، حتى لو وقع في الماء، وفيه حياة بهذه الصفة، يحرم.
وأما في النوع الثاني: فالمبان منه حي صورة لاحكماً، إذ لا يتوهم بقاء الحياة فيه بعد هذا الجُرح، حتى لو وقع في الماء، وبه حياة بهذه الصفة، أوتردَّى من جبل أو سطح، لم يحرم.
فالحاصل أن المبان من الحي حقيقة وحكماً: حرام، والمبان من الحي صورة لاحكماً حلال.
ولو ضرب صيداً، فقطع يداً أو رجلاً، ولم يبنه: إن كان يُتوهم الالتئام والاندمال حلَّ أكله إن كان مات، لأن هذا وليس بإبانة، وكان كسائر أجزائه.
وإن كان لايُتوهّم إيصاله، بعلاج بأن بقي متعلقاً بجلد، حل ماسواه، لوجود الإبانة معنى، والاعتبار للمعاني لا للصُّور.
ومن رمى صيداً، فأصابه ولم يُنْخِنْه، ولم يُخرجه من حيز الامتناع فرماه آخرُ فقتله، فهو للثاني، فإنه صيدٌ بَعْدُ، وقال عليه الصلاة والسلام: «الصيد لمن أَخَذَه.
ويؤكل لوجود ذكاة الاضطرار.
وإن كان الأول أثخنه فرماه الثاني فقتله، فهو للأول، ولم يؤكل، لاحتمال موته بالثاني وهو ليس بذكاة، للقدرة على ذكاة الاختيار.
الجزء 1 · صفحة 35
وهذا إذا كان الرمي الأول بحال ينجو منه الصيد، حتى يكون الموتُ مضافاً إلى الرمي الثاني.
وإن كان الرمي الأول بحال لا ينجو منه الصيد، بأن بقي فيه من الحياة بقدر ما يبقى في المذبوح كما لو أبان رأسه، يحل، لأن الموت لا يضاف إلى الرمي الثاني فكان وجوده وعدمه بمنزلة.
وإن كان الرمي الأول بحال لا يعيش منه الصيد، إلا منه الصيد، إلا أنه بقي فيه من الحياة أكثر مما يبقى في المذبوح بأن كان يعيش يوماً أو دونه: فعند أبي يوسف: لا يحرم بالرمية الثانية، لأنه لا عبرة بهذا القدر من الحياة عنده.
وعند محمد يحرم، لأن هذا القدر من الحياة معتبر عنده، فصار الجواب فيه والجواب فيما إذا كان الأول بحال يسلم منه الصيد: سواء، فلا يحل.
- وفي الصورة التي عُلم أن القتل حصل بالثاني، يضمن الثاني للأول قيمته غير ما نقصته جراحته، لأن الأول مَلَكَه بالأخذ معنى، حيث أثخنه، فهو قد أتلف صيداً مملوكاً له، منقوصاً بجراحته.
وقيمة المُتْلَ تعتبر يوم الإتلاف.
وإن عُلم أن الموت حصل من الجرحَيْن، أو لم يُدر يضمن الثاني مانقصته جراحته، لأنه جرح حيواناً مملوكاً للغير، وقد نقصته، فيضمن ما نقصته.
ثم يضمن نصف قيمته مجروحاً بجرحين، لحصول الموت بهما، فيكون هو مُتلفاً، نصفه وهو مملوك لغيره، فيضمن نصفه بجرحين، لأن الأول لم يكن بصنعه، وقد ضمن مجروحاً بجرحين، الثاني، فلا يضمنه ثانياً.
ثم يضمن نصف قيمة لحمه ذكياً، لأنه بالرمي الأول صار بحال يحل بذكاة الاختيار لو لم يكن رمي الثاني، فهو بالرمي الثاني أفسد عليه نصف اللحم، فيضمنه ولا يضمن النصف الآخر، لأنه قد ضمنه مرة، فدخل اللحم فيه.
وإن رماه الأول ثانياً، فالجواب في حكم الإباحة، كالجواب فيما لو كان الرامي غيره، وصار كما لو رمى صيداً على قلة جبل فأثخنه، ثم رماه ثانياً فأنزله، فإنه يحرم، لأن الثاني الثاني مُحَرَّم، كذا هذا.
ولو كان الثاني رماه قبل إصابة سهم الأول، فقتله، يحل أكله، ولم يضمن شيئاً.
ولو كان السهمُ الأول أصابه فتحامل السهم وطار، ثم رماه الثاني، وقتله، فالصيد للثاني، ويحل.
رميا صيداً معاً أو متعاقباً، وأصاباه معاً، فهو لهما، وحلّ، لاستوائهما في سبب الملك، وفِعْلُ كلَّ واحد
الجزء 1 · صفحة 36
منهما مذكٌ للصيد.
وإن رمياه معاً، فسَبَقَ أحدهما، فهو له، لأنه أول مُحْرِزِ، وحلَّ. وقال زفر لا يحل، لأن الأول أخرجه من الصيدية، وقد مات بالجرحين، وجُرحُ الثاني ذكاةُ اضطرار بعدما صارت ذكاته ذكاةً اختيار، فاجتمع المبيحُ والمُحَرِّمُ، فيحرم، كما لو تعاقبا في الرمي والإصابة.
ولنا: أنَّ فعل كل واحد منهما يوجب الحِلَّ، لأنه رمي إلى صيد.
والمعتبر في الحل وقتُ الرمي، وفي الملك يعتبر وقتُ الإصابة، لأنه يثبت بالإحراز، وذلك بالإصابة دون الرمي ولم يضمن الثاني، لأن المعتبر في حق الضمان حالة الرمي، وحال الرمي الثاني كان الصيد مباحاً، فلم ينعقد الرمي سبباً للضمان.
ولو رمى صيداً، فانكسر الصيد بسبب آخر، ثم أصابه السهم، فقتله، حل أكله، لأنه حين رماه كان صيداً، والعبرة لوقت الرمي.
ولو رمى صيداً، فغشي الصيد من غير جُرح، ثم زال ذلك عنه، فمضى الصيد، فرماه آخر فأصابه، كان الصيد للثاني. بخلاف ماذا رمي صيداً، فجرحه جراحة لا يستطيع معها الذهاب، فلبث كذلك، زماناً، ثم برىء، فرماه آخر، فإن الصيد يكون للأول، لأنه لما جرحه جراحة عَجَزَ عن الذهاب بجرحه، فقد أخذه الرامي، فصار له.
وفي المسألة الأولى لم يأخُذه الأول، لعدم بقاء أثر فعله، فهو كمن نَصَبَ شبكة فوقع فيها صيد، والمالك غائب، ثم تخلّص عن الشبكة فرماه رجلٌ آخر وأخذه، فإنه يكون للثاني. ولو جاء صاحب الشبكة قبل أن يتخلص الصيد، وقدر على ثم تخلص، فالصيد لصاحب الشبكة، لأنه بالقدرة على أخذه، أخذه صار في ملكه.
ولو رمى صيداً، ثم رماه آخرُ، فأصاب السهم الأول، فردَّه عن وجهه فأصاب صيداً، فقتله:
قالوا: إن كان الرامي الثاني مسلماً أو كتابياً، وكان قصده الاصطياد، وسمَّى على الصيد، يحلُّ، ويكون للثاني. وإن كان الرامي الثاني مجوسياً، ولم يكن قصده الاصطياد، وإنما قصده الرمي إلى ذلك السهم، لا يحل
وقيل: لا يحل على كل حال، لأن سهم الثاني لم يَجْرَح الصيد، ولم يُصِبْه، وسهمُ الأول خرج من أن يكون مضافاً إلى الأول، فهو بمنزلة مالو رمى سهماً إلى صيد، فأصاب السهم قصبة محددة منصوبة على حائط، فأصابته تلك القصبة بحدها وجَرَحَتْه لم يؤكل، فكذا هذا.
الجزء 1 · صفحة 37
ولو رمي صيداً فأصاب سهماً موضوعاً على حائط، فدَفَعَه ومضى السهم الثاني، وأصاب الصيد، وقتله، حل لأن اندفاع السهم الثاني بواسطة السهم الأول، فأُضيف إلى الرامي، كأنه رماه به.
وكذا لو رماه بمِعْراض أو حجرة أو بندقة، فأصاب سهماً، فرفعه، فأصاب صيداً، فقتله جرحاً، يُؤكل.
ولو رمى سهماً إلى صيد ورمى رجل آخر، فأصاب السهم الثاني السهم الأول، وأمضاه حتى أصاب الصيد، وقتله جرحاً:
إن كان السهمُ الأول بحال يُعْلَم أنه لا يبلغ الصيد بدون الثاني، فالصيد للثاني، لأنه الآخِذُ حتى لو كان الثاني مجوسياً أو مُحْرِماً لا يحِلُّ.
وإن كان السهمُ الأول بحال يبلغ الصيدَ بدون السهم الثاني فالصيد للأول، لأنه سَبَقَ الأخذ، وهو كاف بنفسه. فإن كان الثاني مُحْرِماً أو مجوسياً، لا يحل استحساناً، لأنه أَوْجَبَ زيادة قوة في الأول، فأوجب الحرمة احتياطاً.
ولو رمى سهماً إلى صيد، وأمالله الريح يمنة أو يَسْرةً، ولكن لم يعدل عن سَنَنِه، فأصاب صيداً، يحل، لأن السهم مادام في سَنَنه، فمُضيه يكون مضافاً إلى الرامي.
وكذا لو أصاب السهم حائطاً، ومرَّ على وجهه.
- وإن عَدَلَ عن سَنَنهِ أو ردَّتْه الريح إلى ورائه، فأصاب صيداً، لا يحل، لأنه تنقطع إضافته إلى الرامي.
وكذا إذا أصاب حائطاً أو صخرةً، فرجع السهم، فأصاب صيداً، لا يحل، كما لو وَضَعَ سيفاً في موضع، فحملته الريح وضربته على صيد فمات.
وعن أبي يوسف فيما إذا ردَّته الريحُ يَمْنَةٌ أو يَسرةً، وعَدَلَ عن سَنَنه يحل، أيضاً لأنه لا يُمكن الاحتراز عن ذلك إذا كان الاصطياد في يوم ريح.
قال القاضي الإمام رحمه الله: المتردي في البئر، إذا رماه فأدماه، حل أكله»، ولم يذكر فيه خلافاً.
وفي خلاصة الفتاوى: الشاة لو سقطت في بئر، فطعنت، تحِلُّ.
وقال الحسن بن زياد: لاتحل.
الجزء 1 · صفحة 38
وفي الوجيز»: المتردي في بئرِ لا يُقدر على ذكاته بمنزلة الصيد إذا لم يُتوهّم موتُه بالماء.
وفي" النوادر": دجاجة لرجُل، تعلقت بشجرة لايصل إليها صاحبها، فرماها:
إن كان يخاف عليها، فوتها، تُؤكل وإن كان لايخاف فوتها، لا تؤكل.
وفي فتاوى قاضي خان: «الحمامة إذا طارت من صاحبها، فرماها هو أو غيره:
قالوا: إن كانت لاتهتدي إلى المنزل، حَلَّ أكلها، سواء أصاب السهمُ المَذْبَحَ أو موضعاً آخر، لأنه عجز عن الذكاة الاختيارية. وإن كانت تهتدي إلى المنزل فإن أصاب المَذْبَحَ، حلَّت، وإن أصاب موضعاً آخر، اختلفوا فيها، والصحيح أنه لا يحل أكلها.
مَرْوي ذلك عن محمد لأنها إن كانت تهتدي إلى المنزل، يقدر على الذكاة الاختيارية.
ولو رمى رجل صيداً، وأَخَذَه آخر، فهو للرامي، لأنه بالرمي صار آخذاً.
وكذا لو رمى صيداً، فوقع في أرض رجل، وأخذه آخر، فهو للرامي». كذا في «الوجيز».
وذكر الإمام قاضي خان: «لو أن صيداً أَلِفَ دارَ إنسان، وكان يأوي في مكان في تلك الدار، حتى فرّخ، فأخذ رجلٌ فَرْخَه، فهو للذي أخذه، لالصاحب الدار، إلا إذا اتخذ صاحب الدار وكراً أو موضعاً، ففرّخ فيه، فالفرخُ يكون لصاحب الدار.
وهو نظير ماذكر محمد: رجلٌ حفر في أرضه حُفَيْرةً، فوقع فيها صيد، فجاء رجل وأخذه:
قال: الصيد يكون للآخِذ، وإن كان صاحب الأرض اتخذ تلك الحفيرة لأجل الصيد، فهو أحق بالصيد.
وكذا لو أن رجلاً اتخذ حظيرة في في أرضه، فدخل فيها الماء، واجتمع فيها السمك، وكان بحال يقدر على أخذه بغير صيد وشبكة فأخذها، رجل، فإن اتخذ ذلك ليجتمع فيها السمك، فهو أحقُّ، وإن كان لغير ذلك، فهو للأخذ».
وفي الفتاوى الصغرى: لو اتخذ بُرْج حَمَامٍ، فَأَوكَرَت فيه حمامات الناس، فما أخذ من فراخها يحل له، لأنها بمنزلة اللُّقَطَة، يصنع بها ما يصنع باللُّقَطَة.
ولو وجد إنسان في المصر حَمَاماً، يُعرَف أنَّ مثله لا يكون وحشيّاً، فحكمه حكمُ اللُّقَطَة.
وفي الوجيز: مَن أخذ فِراحَ صيد أو بيضه من دار رجل، فهو له، مالم يَحْرُزُها صاحبها بغلق، باپ، بحيث
الجزء 1 · صفحة 39
يقدر على أخذه بلا اصطياد، حتى لو لم يُرِدْ بإغلاق الباب أَخْذَ الصيد، لم يملكه.
وكذا لو تعقل الصيدُ بفُسْطاطِ رجل. وأَخَذَه آخَرُ، فهو له، إلا إذا أرخى ستر، فسطاطه، فيملكه.
ولو نَصَبَ شبكة في أرض رجل، فتعقل بها صيد، فهو لصاحب الشبكة.
ولو نصبها للتجفيف، فتعقل بها صيد، لم يملكه حتى يأخذه.
وذكر الإمام قاضي خان: لو اشترك صيادان في الاصطياد، ولهما كلب، فأرسلاه، فما أصاب الكلب بينهما، كما لو نَصَبَا شبكة.
وإن أرسلا كلباً لأحدهما، فما أخذ الكلب يكون لصاحبه، لأن إرسال غير المالك لا يُعتبر مع إرسال المالك.
وإن كان لكل منهما كلب فأرسل كل منهما كلبه، فأخذا صيداً واحداً، فهو بينهما.
وما أصاب أحدهما، فهو لصاحبه خاصة.
- وإن أصاب أحد الكلبين صيداً، فأثخنه، ثم أدركه الآخر، فالصيد لمن أثخنه، كلبه، لأنه أخرجه من أن يكون صيداً. وإن أثخناه جميعاً، كان بينهما نصفين، لوجود الاشتراك في السبب.
باب
[أحكام صيود الحَرَم]
روي أنه كان يَكْثُر الصيد في الحَرَم، حيث يتمكنون الأخذ بأيديهم والطَّعْنَ، برماحهم وكانت الوحوش تغشى رحالهم، كثرة، فابتلاهم الله بالصيد، وكان ذلك عام الحُدَيْبِيَّة، وكانوا مُحْرِمِين، فهموا بأخذها، فنزل تحريماً للصيد ماداموا في الإحرام:
{يا أيها الذين ءَامَنُوا بالله ورسوله لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ} أي ليختبرنكم، وهو إظهار ماعَلِمَ من العباد بِشَيْءٍ [قليل من الصَّيْدِ] وفيه: إيذان بأنَّ مَنْ لم يَثبُت عند القليل. عند القليل، لم يثبت فيما هو أشدُّ منه
و (مِنْ أعتدى) للتبعيض، إذ لا يَحْرُم كلُّ الصيد للمُحْرِم، بل صيد البر خاصة.
تَنالُهُ) أي تأخذه وتَصلُه أَيْدِيكُمْ) من صغاره وبَيْضه بغير سلاح، فوق تناله رِمَاحُكُمْ من كباره بالسلاح. وعلل الابتلاء بقوله: {لِيَعْلَمَ اللهُ} علم الظهور والتمييز من يَخَافُه بالغيب فيجتنب الصيد، ويتبيَّنُ
الجزء 1 · صفحة 40
فضل الخائف على غير الخائف منه.
و فَمَنِ [اعْتَدَى] أي ظَلَمَ وأَخَذَ الصيدَ {بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد التحريم {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدنيا بالتعزير والكفّارة، وفي الآخرة بالتعذيب في نار جهنم إن مات بغير توبة.
قال ابن عباس: تُسلب ثيابه، ويُوسَعُ بطنه وظهره جَلْداً.
[7 -تحريم صيد البر على المُحرم:]
وروي أنَّ أبا اليَسَر قتل حماراً وحشياً، وهو في الإحرام فنزل في شأنه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم} جَمْعُ حرام أي المُحْرِم، فيَحْرُم على المحرم صيد البر وقتله، سوى الفواسق.
[-جزاء ماقتله المحرم من الصيد:]
ولو قتله عمداً أو خطاً أو ناسياً، فعليه جزاؤه، فيقومه عَدْلان في موضع القتل، أو في أقرب المواضع إليه، فيُخيَّر القاتل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في أن يشتري بها هَدْياً، فيذبحه في الحرم، أو طعاماً فيتصدَّقَ به على كل مسكين كالفطرة، أو يصوم عن كل سهم يوماً.
وعند محمد: يُخَيَّرُ العدلانِ الحكمان في أن يُحكم على القاتل بإحدى الكفارات، فإذا حَكَم العدلان، بالهَدْي فعنده إن كان له نظير من النَّعَم،
فعليه مثله خلقةً، يشتري بقيمة الصيد ماهو مثله من النعم. فيكون في النعامة بَدَنةٌ، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاةٌ، وفي الأرنب عَنَاقٌ.
وإن لم يُوجَدْ مماثله صورةً، يشتري مماثله قيمة.
وإن لم يكن له نظير، تجب القيمة.
وعندهما: تجب القيمة فيما له مثل، كما في غير المِثْلي.
- وإن حَكَما بالطعام أو بالصيام، فكما قال أبو حنيفة وأب يوسف
[-جواز قتل المحرم للفواسق:]
وأما الفواسقُ فيجوز قتلها، لقوله عليه الصلاة والسلام:
خمس من الفواسق يُقْتَلْنَ في الحِلُّ والحَرَم: الحِدَأَةُ والحيّةُ والعَقْربُ والفأرة والكلبُ العقور.
الجزء 1 · صفحة 41
والمراد بالكلب العقور: الذئب.
ولو صال عليه السَّبُعُ، فقتله، فلا شيء عليه.
وفي المنتقى»: إذا تعرَّض للمُحْرِم شيءٌ من ضواري) الطير، فإن أمكنه دفعه عنه بغير، سلاح، فقتله، فعليه الجزاء، إلا في الفواسق، وإن لم يمكن دَفْعُه عنه إلا بسلاح، مثل العُقاب والنَّسْرِ، فلا شيء عليه.
وفي «الوجيز»: لو أرسل كلباً على صيد مؤذ، فأخذ صيداً غير مؤذ لاجزاء عليه كما لو نصب شبكة للذئب، فوقع فيها صيد، لا جزاء عليه.
ولو نصب شبكة، أو حفر بئراً لاللماء، فتعقل بها صيد، ضمن.
وإن حفر للاستقاء، لا يضمن.
[جزاء صيد الحلال في الحرم:]
ولو قتل حلالٌ صيدَ الحَرَم لزمه قيمته، يُهدي بها، أو يُطعم، ولا يجزئه الصوم.
ولو أتلف مُخرِمٌ أو حلال صيداً مملوكاً في الحرم، معلماً كالبازي، والحَمام فعليه قيمته معلماً للمالك، وقيمته غير معلمالله تعالى.
ولو قتل مُحْرِمٌ صيداً غير مملوك في الحَرَم، يلزمه جزاء واحدٌ استحساناً.
وذكر في فتاوى قاضي خان: «حلالان قتلا صيد الحَرَم بضربةٍ كان على كل واحد منهما نصف قيمته.
وكذا لو قتله جماعةٌ، يُقْسَم الغُرْم على عدد الرؤوس، كما في ضمان الملك.
*وإن ضربه أحدهما، ثم ضربه الآخر، كان على كل واحدٍ منهما ما نَقَصَه ضربه، ثم على كل واحد منهما نصف قيمته مضروباً بضربتين».
وفي الجامع: مُحْرِمٌ وحلالٌ قتلا صيداً في الحَرَم بضربة واحدة، فعلى الحلال نصف قيمته، وعلى المُحْرِم قيمةٌ كاملة.
ولو أدخل حلال صيداً في الحرم، وجب إرساله، ولم يجز بيعه، وإن ذبحه فعليه الجزاء.
ولو أدخل الحَرمَ، بازياً، فأرسله، فقتل حَمَامَ الحرم، لم يضمن.
ولو أخرج صيداً من الحرم يَرِدُ إلى مأمنه، فإن أرسله في الحِلِّ ضمنه.
الجزء 1 · صفحة 42
ولو أخرج ظَبيةٌ من الحرم إلى الحل، فولدت عنده، فماتت الأم والولد، ضمن قيمتهما.
ولو هلكت قبل التمكن من الرد، لا يضمن.
ولو أخذ محرم صيداً في الحرم، فأرسله في الحل، فقتله رجل، فعلى المحرم الجزاء، فإن أرسله في جوف البلدة، لايبرأ.
ولو أخذ محرم صيداً، فأرسله محرم أخر، فلا شيء على واحد منهما.
* ولو قتله في يده فعلى كل واحدٍ منهما جزاؤه، ثم يرجع الآخِذُ على القاتل بقيمته.
ولو كان القاتل نصرانياً أو صَبيّاً، فلا جزاء عليه وإن كان المحرم كفّر، بمال رجع عليه، وإن صام عنه لم يرجع على القاتل بشيء.
وفي فتاوي قاضي خان: «لو أرسل كلباً في الحل على صيد، فدخل الصيد في الحرم، فتبعه الكلب وأخذه، لا يحل أكله، كما لو ذبحه آدمي في الحرم، ولاشيء على المرسل.
ولو رمى صيداً في الحل، ففرَّ الصيد، ووقع السهم به الحرم:
قال محمد عليه الجزاء في قول أبي حنيفة فيما أعلم.
ولو رمى طيراً على غصن شجرة، يُعتبر فيه مكان الطير ان كان الصيد لو وقع يقع في الحرم، فهو من صيد الحرم، وإلا فلا.
ولو كان رأس الصيد في الحرم، وقوائمه في الحل، فهو صيد الحل، ولو كان على العكس، فهو صيد الحرم.
وإن كان الصيد نائماً وقوائمه في الحل، والباقي في الحرم، لا يحل أخذه، لأن قراره في النوم لا يكون على القوائم.
وفي الوجيز»: مُحْرِم دلَّ محرماً على صيد، فقتله، فعلى كل واحد منهما جزاء.
محرم دل حلالاً على صيد، فقتله، فعلى الدال الجزاء.
حلال دل محرماً أو حلالاً على صيد الحرم، فلا شيء على الدال، وعلى القاتل الجزاء.
الجزء 1 · صفحة 43
ولو أَمَرَ محرم محرماً بقتل صيد، فأمر المأمور محرماً آخر، فقتله فعلى كل واحد منهم الجزاء.
ولو أخبره بصيد بالرسالة فقتله فعلى الرسول والمرسل والقاتل الجزاء.
ولو استعار حلال من محرم سكيناً، فقتل به صيداً، ولم يقدر على ذبحه إلا بسكينه أو قوساً، فرمي به صيداً، فقتله فعلي المحرم الجزاء.
وماذبحه المحرم فهو ميتة وكذا ماذبحه الحلال في الحرم من الصيد.
فإن أدَّى جزاءه، ثم أكل منه، يلزمه قيمة ما أكل عند أبي حنيفة، وعندهما: لاشيء عليه سوى الاستغفار
* وإن أكل قبل أداء الجزاء:
قيل: يضمن قيمة ما أكل، وقيل: لا يضمن.
ولو أكل منه محرم آخر، فلاشيء عليه سوى الاستغفار.
ويحل للمحرم أكل ما اصطاده الحلال، وإن اصطاد له. وذكر الطَّحَاوِيُّ: (إن اصطاد له بأمره، يحرم على
وفي المنتقى»: محرم اضطرَّ إلى أكل الميتة وصيد الحرم يأكل الميتة، ويدع صيد الحرم عند أبي حنيفة ومحمد.
وإن وجد صيداً قد ذَبَحَه محرم: يأكل الصيد، ويدع الميتة.
وإن وجد صيداً حياً، ومال مسلم: يأكل الصيد دون مال المسلم.
وذكر الإمام قاضي خان: «لو وجد صيداً وكلباً، فالكلب أولى، لأن في الصيد ارتكاب المحظورين.
ولو وجد صيداً ولحم آدمي: كان ذبح الصيد أولى استحساناً.
وعن محمد الصيد أولى من لحم الخنزير.
وعن بعض أصحابنا من وجد طعام الغير، لاتباح له الميتة.
وهكذا عن ابن سَمَاعة وبِشْرٍ: أن الغصب أولى من الميتة.
وبه أخذ الطحاوي.
وقال الكرخي: هو بالخيار».
الجزء 1 · صفحة 44
وفي الوجيز»: محرم وهب لمحرم صيداً، فأكله:
قال أبو حنيفة: عليه ثلاثة أجزية قيمةٌ للذبح وقيمةٌ للأكل.
وقيمة للواهب، وعلى الواهب قيمته
وقال محمد على الأكل قيمتان: قيمة للواهب، وقيمةٌ
للذبح، ولاشيء للأكل.
ولو أحرم، وفي ملكه صيدٌ، لم يَزُلْ ملكه عنه، ولزمه إرساله إن كان في يده ولا يلزمه إن كان في بيته أو قفصه.
ولو هلك في حال إمساكه، فعليه الجزاء.
فإن أرسله آخرُ من يده غَرِمَ قيمته لصاحب اليد عند أبي حنيفة، وعندهما لاضمان عليه.
فإن أرسله ذو اليد، ثم حلّ، فوجده في يد آخر، فله أخذه، لأن هذا الإرسال ليس دليلُ الإباحة.
وفي الفتاوى الصغرى لو أرسل حلال صيداً، وكان معتاداً في الإرسال، كان إباحةً، حتى لو أخذه إنسان يملكه، ولا يكون للأول أن يسترده.
باب
[ما يجوز بيعه من الحيوانات ومالا يجوز]
ولو اشترى محرم صيداً، لزمه إرساله، وشراؤه فاسد. ولو قتله، فعليه جزاؤه.
ولا يجوز بيع الصيد
ولابيعُ الحلال صيد الحرم.
ولو تبايع حلالان في الحرم صيداً في الحل: يجوز عند أبي حنيفة، لكن يسلمه بعد ما يخرج إلى الحل، وعند محمد: لايجوز.
وذكر الإمام قاضي خان: «لا يجوز بيع لحم مالايؤكل لحمه، ولابيع جلده إن كانت ميتة».
وإن كانت مذبوحة، فباع لحمه أو جلده: جاز، لأنه يطهر بالذكاة. ويباح الانتفاع به، بأن يُؤَكَّل سِنَوْراً،
الجزء 1 · صفحة 45
أو ما أشبه ذلك.
وفي الوجيز: الأصح أنه لا يجوز بيع لحوم السباع وشحمهم، ولحم المذبوحة في الرواية الصحيحة.
ولا يجوز بيع جلود الميتة قبل الدباغة، ويجوز بعدها.
إلا الخنزير، فإنه لا يجوز بيع لحمه، ولابيع شعره، ولا الانتفاع بلحمه وإن كان مذبوحاً.
لكن في ظاهر الرواية: رُخُص الخَرْزُ بشعره للخرَّازين للحاجة، لأن الخَرْزَ لا يتأتى إلا به، فكان فيه ضرورة، فالضرورة تبيح لحمه، فالشعر أولى.
وعن أبي يوسف: أنه يكره، لأنه يتأتى بغيره.
قال الفقيه أبو الليث: إن كان الأساكِفَةُ لا يجدونه إلا بالشراء، ينبغي أن يجوز لهم ذلك للضرورة.
ويجوز بيع عظام الميتة وعَصَبِها وصوفها وظُلْفِها وشعرها وقرنها.
ولو باع مجوسي مخنوقة من مجوسي آخر: يجوز عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد.
ويجوز بيع الكلب، معلماً كان أو غير معلم.
- ويضمن مُثْلِفُه لأنه مال متقوم، يُباح الانتفاع به شرعاً:
حراسة واصطياداً، فصار كالبازي، فإنه يجوز بيعه. روي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكلب، إلا كلب صيد أو ماشية.
وعن ابن عمر (أنه عليه الصلاة والسلام قضى في كلب بأربعين درهماً.
فدل أن بيعه جائز.
وفي الأصل: يجوز تمليك الكلب المعلم بالبيع والهبة والوصية، وغير المعلم كذلك.
حتى ذكر في «النوادر أنه يجوز بيع الجِرْو.
لايجوز بيعه أصلاً، لنهيه عليه الصلاة.
وعند الشافعي: الكلب والسلام عن بيع
قلنا: ذلك محمول على ابتداء الإسلام، حين كان يأمر بقتل الكلاب، قلعاً لهم عما ألفوا من مصاحَبَتِها،
الجزء 1 · صفحة 46
فلما تركوا الإلف، سقط ماثبت تغليظاً.
وعن أبي يوسف: لايجوز بيع الكلب العقور، لأنه لا ينتفع به، فصار كبيع الهوام المؤذية.
وعن محمد: أنه يجوز بيعه.
وأما في إمساك الكلب، فالكلب الذي له نفع: حراسة واصطيادا، يجوز إمساكه.
والكلب الذي له ضرر، لكونه عقوراً، أمر بقتله، لدفع الضرر، فإن كان له صاحب: يقدَّم إليه، فإن لم يدفع ضرره، يضمن ما أتلف بعده لاما أتلف، قبله فصار بمنزلة الحائط المائل.
وقيل: إن لم يوجد الإشلاء) من صاحبه: لا يضمن، لأن جناية العجماءهَدَرٌ، لا يضاف فعله إلى صاحبه.
والكلب الذي لاضرر له ولانفع، لا يتعرض إليه.
ويجوز بيع الفيل والفهد والسباع والطيور، لأنها أموال متقومة.
وفي بيع القرد روايتان عن أبي حنيفة.
بيع ما يسكن في الماء السمك:] سوي وبيع ما يسكن في الماء سوى السمك، كالضفدع والسَّرطان باطل على رواية الإمام قاضي خان.
وفي الوجيز»: روي عن أبي حنيفة أنه كان يُجيز والسلحفاة والضفادع حال حياته، ولا يجوز بعد موته.
ولا يجوز بيع السَّرطان السمك والطير قبل صيدهما، لأن كلا منهما غيرُ مملوك قبله، فلو أخذ السمك وألقاه في الحظيرة، أو هيَّأ له موضعاً، فدخل فيه بحيث لا يمكنه الخروج، يملكه، فيجوز بيعه إذا لم يُحْتَج في أخذه إلى تكلُّف.
ولو باع طيراً له يطير في الهواء: إن كان بحيث يعود إلى بيته، ويأخذه بلا تكلف، يجوز: أي حياة الحيوان.
الفصل الثالث
[في بيان صيد البحر وأحكامه]
[-أنواع حيوانات البحر وحكمها:] قال الله تعالى: [وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طريقا]
والمراد منه السمك الطَّرِيُّ، فلا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك، وهو قول أبي حنيفة. لأن الله تعالى حرم الخبائث، وماسوى السمك يستخبثه الطَّبْعُ السليم، فيحرم بظاهر النص.
الجزء 1 · صفحة 47
وقال مالك والشافعي: يؤكل جميع حيوان البحر؛ لقوله تعالى: [أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ]، من غير فضل، ولأن كلها سمك، وإن اختلفت صورها كالجريث يقال له: حيةُ الماء، وهو على شكل الحية، وأكله مباح بالاتفاق.
وهو قول أبي بكرٍ وعُمَرَ وابن عُمَر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وبه قال شريح والحسن وعطاء.
وللشافعي في الضفدع قولان.
قال صاحب الهداية»: الخلاف في الأكل والبيع واحد. وفي «التبيين: ينبغي أن يجوز بيعه بالإجماع، لطهارته. وذهب قومٌ إلى أنَّ ماله نظير في البر يؤكل: فميتته من حيوانات البحر حلالٌ، مثل بقر الماء ونحوه، ومالا يؤكل نظيره في البر: لا تحل ميتته من حيوانات، البحر، مثل كلب الماء، والخنزير والحمار ونحوها.
وقال الأوزاعي: كل شيء عيشه في الماء، فهو حلال.
قيل: والتمساح؟. قال: نعم.
وقال الشعبي: لو أنَّ أَهْلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم. وقال سفيان الثوري: أرجو أن لا يكون بالسرطان بأساً» كذا في معالم التنزيل».
وعن أبي الفضل الكرماني حيوان البحر طاهر، وإن لم يؤكل.
وفي شرح الأقطع: حتى خنزير البحر.
والأصل في السمك عندنا: أن مامات منه بسبب حادث، فهو حلال، كالمأخوذ منه، ومامات حتف أنفه، لا بسبب ظاهر، لابسبب لا يحل، كالطافي.
وقال مالك والشافعي: لا بأس بالطافي، لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}.
قيل: الطعام من السمك ما يوجد فيه ميتاً.
وقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: «هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ ميتته».
ولنا ماروي أنه عليه الصلاة والسلام قال في السمك: ما لفظه البحر فكلوه، ومانَضَبَ عنه الماء فكلوه، وماطفا على الماء فلا تأكلوه.
الجزء 1 · صفحة 48
والمراد بطعام البحر المالح المقدَّدِ منه، وبمَيْتته: مالَفَظَه، ليكون مضافاً إلى البحر، لامامات فيه.
وفي الجامع الأصغر: إذا وُجد السمك ميتاً على وجه الماء، وبطنه من فوق لم يؤكل، لأنه طاف، وإن كان ظهره من فوق: أُكل، لأنه ليس بطاف.
ولو مات السمك في الماء، لحَرِّ الماء أو برده:
روي عن محمد أنه لابأس بأكله، وبه قال عامة المشايخ؛ لأنها ماتت بسبب.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يؤكل كالطافي، لأن الماء لا يقتل السمك، حاراً كان أو بارداً.
والأول أرفق بالناس.
وذكر الإمام قاضي خان: لو وُجدت سمكة بعضُها في خان: الماء، وبعضها على الأرض، وقد ماتت:
قال محمد: إن كان رأسها على الأرض، لابأس بأكلها، لأنها ماتت بآفة، وإن كان رأسها في الماء يُنظر:
إن كان ماعلى الأرض منها أقل من النصف أو النصف، لا تؤكل، لأن موضع النَّفَس في الماء، فلا يكون الموت بآفة، فيكون بمنزلة الطافي.
وإن كان الأكثر من نصفها على الأرض، أكلت، لأن للأكثر حكم الكل، فصار كأن الكل على الأرض.
وفي الوجيز»: لو وُجِدَ نصفُ سمكة في الماء: تحل، إلا إذا عُلِمَ أنه قَطَعَها إنسان بسيف أو نحوه، فلا تؤكل.
الشَّصُّ إذا رمى به الرجل في الماء، وفي الخلاصة»: الشَّصُّ فتعلق به السمك:
إن رمى به خارج الماء في موضع يَقْدِرُ على أخذه، فاضطرب، فوقع في الماء، مَلَكَه، فليس لرجل آخر أخذه بالاصطياد، وإن انقطع الحَبْلُ قبل أن يُخرجه من الماء، لا يملكه.
ولو وجد على الأرض سمكة ميتة، تحل، لاحتمال أنها ماتت بسبب.
ولو لَدَغَتْ سمكة حيةٌ في الماء وقتلتها، أو أصابتها حديدة، أو أكلت شيئاً ألقاه في الماء، أو قتلها شيء من طير الماء أو غيره، تؤكل، لأنها ماتت بسبب.
ولو انجمد الماء، فبقيت بين الجَمْد، فماتت تؤكل.
الجزء 1 · صفحة 49
وكذا إذا أُلقيت سمكة في جُبِّ ماء، أو في مكان مضيَّق، فماتت فيه، أو ماتت في الشبكة، وهي لاتقدر على التخلص منها، تحل، لأن ضيق المكان سَبَب لموتها.
وكذا إذا جُمعَ السمك في حظيرة لايستطيع الخروج منها، وهو يتمكن من أخذه بلا صيد فمات فيها لضيق المكان، يحل، كما لو أخذ سمكة، وربطها في الماء، فماتت.
وإن كان لا يؤخذ من غير صيد، لاخير في أكله.
وكذا لو انحسر عنه الماء، وألقاه إلى الساحل حياً، وأمكن أي الصياد، فماتت بسببه حَلَّ، لأن موته حينئذ بسبب ضيق أخذه بلا صيد، فمات، المكان، بخلاف ما إذا لم يُمكن لأنه مات حتف أنفه.
ولو أخذ سمكة، فوجد في بطنها سمكة أخرى، لابأس بأكلهما، كما لو وجدها في بطن طير، لأن ضيق المكان سبب لموتها.
ولو وَجَدَ [سمكة] في بطن سمكة طافية: يحل مافي بطنها.
وإن أكلها كلب، فشقّ بطنه، فخرجت السمكة:
روي عن أبي حنيفة أنها تؤكل، يريد به إذا لم تتغير، وهكذا روي عن محمد.
ولو ضرب سمكة، فقطع بعضها، يحل ما أبين ومابقي، لأن موتها بسبب.
وما أبين من الحي، وإن كان ميتاً، فميته حلال، لقوله: «أُحِلَّت لنا مَيْتتان، ودمان أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال.
فميتة السمك والجراد مأكول، ولاذكاة لهما، لكن في السمك لابد لموته من سبب حتى لو مات حتف أنفه، لا يؤكل.
والجراد يؤكل وإن مات حتف أنفه.
وعن علي كرم الله وجهه: «ذكاة السمك والجراد (واحدة). أي يثبت الحل فيهما بالأخذ من غير الذكاة، فلو صادهما مجوسي أو مرتد يحل.
وسئل رضي الله عنه عن الجراد يأخذه الرجلُ من الأرض، وفيه الميت وغيره؟ فقال: كُلْ كلَّه.
وقال مالك: لا يحل الجراد إلا أن يقطع الأخذُ رأسه
الجزء 1 · صفحة 50
ويشويه، لأنه صيد البر، ألا يُرى أنه يجب على المُحْرِم بقتله الجزاء، فلا يحل إلا بالقتل كسائر حيوان البر.
والحجة عليه مارويناه.
وذكر الإمام قاضي خان: رجل اشترى سمكة في خيط مشدود في الماء، وقبضها، ثم دفع الخيط إلى البائع، فقال: احفظها، فجاءت سمكة أخرى فابتلعت المشتراة:
قال محمد المبتلِعَةُ للبائع، لأنه هو الذي صادها، فإن الخيط كان في يده، فما تعلّق بالخيط يصير في يده، فيكون له، وتخرج السمكة المشتراة من بطن المبتلعة، وتُسلَّم إلى المشتري.
ولاخيار للمشتري، وإن انتقصت المشتراة بالابتلاع، لأن هذا نقصان حصل بعد القبض.
- وإن كانت المشتراة هي التي ابتلعت، فهما جميعاً يكونان للمشتري قبل القبض وبعده، لأنه إنما صادها ملك المشتري، فيكون للمشتري، كما لو صاد كلبه».
ولو اصطاد سمكةً، فوجد فيها لؤلؤة، فهي فإن باع السمكة فوجد المشتري في بطنها لؤلؤة:
إن كانت اللؤلؤة في الصَّدَف، كانت للمشتري، لأن الصدف يكون غذاءً للسمك، وكلُّ مايكون غذاء للحيوان، يكون للمشتري.
وإن لم تكن اللؤلؤة في الصدف فإنها تكون للبائع الصائد، وتكون في يده بمنزلة اللقطة
ولو اشترى دجاجة، فوجد في بطنها لؤلؤة، كانت للبائع فتُردُّ عليه.
وعن أبي يوسف: كلُّ شيء يوجد في حَوْصلة الطير: إن كان مما يأكله الطير، فهو للمشتري، وإلا فللبائع.
ولو ابتلعت نَعامةُ رَجُلٍ لؤلؤة الغير، أو شاةٌ نَشِب رأسُها في وعاء، وتعذر إخراجه:
ينظر إلى أكثرهما قيمة فيغرم مالكه قيمة الآخر إلى صاحبه، ويملك ملك صاحبه ويصنع ماشاء، مخيَّراً في إتلاف أيهما شاء.
وإن كانت قيمتهما على السواء، يباع عليهما، ويقتسمان الثمن.
وعن محمد: لو ابتلع رجلٌ دُرَّةٌ، أو ذهباً لغيره، ثم مات: فإن ترك مالاً يُعطى الضمان من تَرِكَتِه، وإن لم يترك شيئاً، لا يُشَقُ بطنه، لأنه لا يجوز إبطال حرمة الأعلى، وهو الآدمي، لصيانة الأدنى، وهو المال.
وذكر الشيخ أبو عبدالله الجُرجاني في كتاب «الحيطان قال: وجدتُ منصوصاً عن أصحابنا المتقدمين أنه
الجزء 1 · صفحة 51
يُشَقُّ بطنه للحال، لأن المانع إما حق الله أو حق الميت، وحق العبد مقدم على حق الله لحاجته وافتقاره، ومقدَّم على حق الغير أيضاً في هذه الصورة، لأنه مظلوم، والمبتلعُ الميت ظالم متعدي.
الفصل الرابع
[في الذبائح وأحكامها]
[الذكاة:]
الأصل في اعتبار الذكاة قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ} أي إلا ما أدركتم ذكاته، فذكيتموه قبل أن يموت، فلا بأس بأكله، وهو استثناء مما يمكن ذكاته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، يعني كلُّ واحد من هذه إذا أُدركت قبل أن تصير إلى حالة المذبوح، فذُبحت، حَلَّت.
والذكاة شرط لحِلِّ، الذبيحة لأن بالذكاة يتميز الدم النجس من اللحم الطاهر.
كما توجب حِلَّ الذبيحة توجب طهارتها وإن لم تكن وهي مأكولة اللحم، لأنها تُنبىء عن الطهارة، ومنه قوله عليه الصلاةوالسلام ذكاة الأرض يُبْسُها) أي طهارتها.
والذكاة على نوعين: اختياري حال القدرة، فيعتبر في محلّ مخصوص، وهي مابين اللبه واللَّحْيَيْن.
واضطراري حال عدم القدرة، وهو الجرح في أي موضع من البدن.
والثاني كالبدل عن الأول لقصوره عنه في المعنى المطلوب من الذكاة وهو إنهارُ الدم، ولهذا يتوقف المصير إلى الثاني على تعذر المصير إلى الأول.
وشرطها: أن يكون الذابح على ملة التوحيد اعتقاداً كالمسلم، أو دعوى كالكتابي، فتجوز ذبيحة المسلم والكتابي لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُم}، والمراد به طعام تلحقه الذكاة من جهتهم.
ويدخل فيه: الكتابي الحربي، والذمي العربي والتغلبي لإطلاق النص.
- والمتولد من كتابي وغير كتابي يحل صيده وذبيحته، لأن الولد يتبع خير الأبوين ديناً.
وعند الشافعي: لا يجل، تغليباً للمحرم.
ويشترط أيضاً أن يكون الذابح حلالاً، خارج الحرم في حق الصيد، فلا يحل ماذبحه المُحْرِم من الصيد، سواء كان ذَبْحُه في الحل أو الحرم، لأن قَتْله الصيد حرام، فلم يكن فعله ذكاة.
الجزء 1 · صفحة 52
وكذا لا يحل ماذُبح في الحرم من الصيد، سواء كان الذابح حلالاً أو حراماً، لقوله عليه الصلاة والسلام:
لا يُنفّر صيده.
والذبح أقوى من التنفير، فأولى بالتحريم.
بخلاف ما إذا ذبح المُحْرِمُ غير الصيد، أو ذَبَحَ في الحرم غير الصيد، لأنه فعل مشروع إذ الحرم لايُؤمِّنُ الشاةَ، وكذا ذبحها لا يَحْرُم على المُحْرِم، إذ الحرمة مخصوصة بالصيد، فلا تتعداه. ـ وكذا يشترط أن يكون الذابح يعقل التسمية والذبحة.
ويضبط أي يعلم أن حِلَّ الذبيحة معلّق بالتسمي.
ويعلم شرائط الذبح من فَرْي الأوداج ونحوه، ويقدر على فري الأوداج، ويُحْسِن القيام به، وإن كان صبياً أو مجنوناً أو امرأةً أو أخرسَ أو أقلف.
أما إذا كان لا يعقل التسمية والذُّبحة ولا يضبط، لايحل، لأن التسمية على الذبيحة شرطٌ بالنص، وذا بالقصد، وصحة القصد بما ذكرناه.
ولا تحل ذبيحة المجوسي، لقوله عليه الصلاة والسلام في المجوس: سنوا بهم ذبائحهم. سُنَّة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي
ولأنه مشرك، ليس له ملةُ التوحيد اعتقاداً أو دعوى.
وكذا ذبيحة الوثني، لأنه لا يعتقد الملة.
والمرتد، لأنه لاملة، له لأنه تَرَك ماكان عليه، وما انتقل إليه لا يُقر عليه.
بخلاف الكتابي إذا تحوّل إلى غير دينه، لأنه يُقَرُّ على ما اعتقده فيعتبر ما هو عليه عند الذبح، لاماقبله.
حتى لو تمجس يهودي أو نصراني، لم يحل صيده، ولا ذبيحته، بمنزلة مالو كان مجوسياً في الأصل.
وإن تهود مجوسي كان عليه في الأصل.
أو نصراني، يؤكل صيده وذبيحته، كما لو
وذكر الإمام قاضي خان: مسلمٌ عَجَزَ عن بنفسه، فأعانه مجوسي، لا يحل أكله، لاجتماع المحرم والمحلل، كما لو أخذ مجوسي يدَ المسلم، فذبح والسكين في يد المسلم».
الجزء 1 · صفحة 53
وتحل ذبيحة الصابئين عند أبي حنيفة، وقالا لاتحل.:
وهذا الاختلاف بناء على أنه وقع عنده أنهم قوم من النصارى، يُقِرُّون بنبوة عيسى عليه السلام، ويقرؤون الزبور، ويعظمون الكواكب والملائكة كتعظيمنا القبلة، فيحل صيدهم وذبائحهم، قياساً على سائر النصارى.
وعندهما: هم قوم ينكرون النبوة، والكُتُبَ أصلاً، الكواكب والملائكة، فلا يحل صيدهم ولاذبائحهم، قياساً على عبدة الأوثان.
وذكر الكرخي أنه لا خلاف بينهم في الحقيقة، لأنه إن كان حالهم كما قالا لايحل بالإجماع، وإن كان كما قاله أبو حنيفة، يحل بالإجماع.
ولا تحل ذبيحة تارك التسمية عمداً، وإن تركها ناسياً تحل.
وقال الشافعي: تحل في الوجهين.
وقال مالك: لاتحل في الوجهين.
وعلى هذا الخلاف إذا ترك التسمية عند إرسال البازي والكلب، وعند الرمي.
للشافعي قوله عليه الصلاة والسلام:
المسلم يذبح على اسم الله، سمَّى أو لم يُسَمٌ.
ولأن التسمية لو كانت شرطاً للحلّ لما سقط بعذر النسيان، كالطهارة في باب الصلاة.
ولنا قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، ومطلق النهي يقتضي التحريم.
وقوله عليه الصلاة والسلام
إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكُلْ،
وإن شارك كلبك، آخرُ، فلا تأكل فإنما سميت على كلبك، ولم تُسَمِّ على كلب غيرك.
فعلَّل الحُرمة بترك التسمية.
وبظاهر ما ذكرناه يحتج مالك، إذ لافضل، فتقييد الحرمة بحالة العمد زيادة على النص.
الجزء 1 · صفحة 54
ولكنا نقول: في اعتبار ذلك حَرَجٌ عظيم، إذ الإنسان مجبول على النسيان والحرج مدفوع بالنص
والمسلم والكتابي في ترك التسمية سواء.
وفي «الخلاصة»: تُشترط التسمية في ذبح الحمار، للطهارة.
ثم التسمية في ذكاة الاختيار تشترط عند الذبح، وهي على المذبوح.
وفي الصيد تشترط عند الإرسال والرمي، وهي لأن التكليف بحسب الوُسع، والمقدور له في الأول الذبح، وفي الثاني الرمي والإرسال دون الإصابة، فتشترط عند فعل يُقْدَر عليه.
حتى إذا أضجع شاة، وسمى ثم تركها، وذبح شاة أخرى بتلك التسمية، لاتحل.
بخلاف مالو أضجع إحدى الشاتين فوق الأخرى، فسمى، وذبحهما بمرة واحدة فإنهما تحلان بتسمية واحدة.
ولو أضجع شاةً ليذبحها، وسمّى ثم ألقى ذلك السكين، فأخذ غيره، فذبح به، به حلت
ولو أخذ سهماً، وسمّى، ثم ألقى ذلك السهم، وأخذ سهماً آخر، فرمي به لايحل.
ولو رمى سهماً إلى صيد وسمَّى فأصاب صيداً آخر، أو أرسل كلبه إلى صيد، وسمّى، فترك الكلب الصيد، وأخذ غيره، يحل.
وفي “فتاوى” قاضي خان: «لو أضجع شاة، وسمى، ثم كلم إنساناً، أو شرب ماءً، أو أخذ سكيناً، أو ما أشبه ذلك من عمل لايكثر، ثم ذبح بتلك التسمية جاز، لوجود التسمية، والعمل اليسير لا يفصل بين التسمية والذبح.
ولو أطال الحديث أو أطال العمل ثم ذبح، لايحل، لوقوع الفضل بين التسمية والذبح.
ولهذا يتبدل المجلس بالعمل الكثير، لا بالعمل القليل.
وفي «الخلاصة»: الطويل ما يستكثره النظّار.
وفي أضاحي» الزعفراني: إذا حدَّد الشفرة، تنقطع التسمية من غير فصل.
وكذا لو انقلبت الشاة، وقامت من مضجعها، ثم أعادها إلى مضجعها، انقطعت التسمية.
ويكره أن يَذْكُر مع اسم الله غيره، وأن يقول عند الذبح: اللهم تقبل من فلان».
الجزء 1 · صفحة 55
وهذا على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يذكر موصولاً لا معطوفاً، نحو أن يقول: «بسم الله محمد رسول الله»، أو يقول: «اللهم تقبل من فلان»، فلا تحرم الذبيحة، لأن الشركة لم توجد، فلم يكن الذبح واقعاً له، لكنه يكره لوجود القِران صورة.
وثانيها: أن يذكر موصولاً على سبيل العطف والشركة، نحو أن يقول: بسم الله واسم «فلان»، أو «بسم الله وفلان» أو «بسم الله ومحمد رسول الله بالخفض فتَحْرُم الذبيحةُ، لأنه أَهَلَّ لغير الله، وقد قال الله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ). وقال عليه الصلاة والسلام: (موطنان لا أُذكر فيهما: عند العطاس، وعند الذبح».
ولو قال بالرفع، تحل.
وفي نَظْم الزَّنْدَوِيسْتِي: النَّصْبُ كالخفض، لاتحل.
وثالثها: أن يقول مفصولاً عنه صورة ومعنى، بأن يقول قبل التسمية، وقبل أن يَضْجَعَ الذبيحة أو بعده، وهذا لابأس به، لما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول بعد الذبح: اللهم تقبل هذه
عن أمة محمد ممَّن شهد لك بالوحدانية، ولي بالبلاغ».
وفي «الخلاصة: لو قال: «بسم الله صلى الله على محمد» تحل، والأولى أن لا يفعل.
ولو قال: «بسم الله وصلى الله على محمد»، مع الواو، تحل.
وفي الروضة: لو قال: «بسم الله بنامفلان: قال أبو بكر الإسكاف: يجوز مطلقاً.
ولو لم يُظهِر الهاءَ في: «بسم الله» إن قصد ذكر اسم الله، تحل، وإن لم يقصد، وقصد ترك الهاء، لاتحل.
ولو سمّى عند الذبح إن أراد به التسمية على الذبيح، يحل، وإن أراد به التسمية على غير الذبيح، لايحل، كالرجل إذا الأذان، فقال المؤذِّن: «الله أكبر»، فقال هو: «الله أكبر»، سمع وشرع في الصلاة، لايصير شارعاً في الصلاة.
والشرط هو: الذكر الخالص المجرَّد، لقول ابن مسعود: الذبح».
جردوا التسمية عند الذبح.
فلو قال عند الذبح: اللهم اغفر لي، لم يحل، لأنه سؤال ودعاء.
ولو قال: «الحمد الله»، أو: سبحان الله»، أو «الله أكبر»، يريد به التسمية حل، لأن الشرط ذكر الله على
الجزء 1 · صفحة 56
سبيل التعظيم، وقد حصل.
وذكر في «مختصر الكرخي»: كلُّ اسم ذُكِر من أسماء الله على الذبيحة إن أراد به التسمية، تحل.
ولو عطس، فقال: «الحمد لله يريد به التحميد على العطاس، وذَبَح، لم يحل في الأصح، لأن المأمور به ذِكْرُ اسم الله تعالى على الذبح وهو يريد به الحمد على نعمه، دون التسمية.
وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قول: «بسم الله، والله أكبر»، فمنقول عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَاف}
أي على البدن عند نحرها، حال كونها قائمة على القوائم الأربع.
وذكر في ذبائح «الذخيرة: قال البقالي: والمستحب أن يقول: «بسم الله والله أكبر».
ثم قال: وذَكِّر شمس الأئمة الحلواني: المستحب أن يقول: الله، الله أكبر بدون الواو، ومع الواو يكره، لأنه يقطع بسم فور التسمية
وفي «القُنية»: عن أبي عاصم العامري: ذَبَحَ للضيف شاة، وسمَّى الله تعالى، تحل.
ولو ذبحها لقدوم الأمير، أو أحد من العظماء، وذكر اسم الله تعالى، لاتحل، لأن في الأول الذبح الله، والمنفعة للضيف، ولهذا يضعها عنده فيأكل منها، وفي الثاني لتعظيم الأمير، لا لله تعالى، ولهذا لا يضعها عنده بل يدفعها لغيره
والذبح مابين الحَلْق واللَّيَّة.
وفي الجامع الصغير لا بأس بالذبح في الحلق كله: وسطه وأعلاه وأسفله.
وفيه: بيان أن محل الذبح الحلقُ وهو رواية «المبسوط»، فيقتضي أن يحل المذبوح وإن وقع الذبح أعلى من الحلقوم، وقد صرّح به في ذبائح «الذخيرة».
والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: "الذكاة ما بين اللَّبَة واللَّحْيَيْن".
ومابينهما هو الحلق كله لأن المقصود إخراج الدم المسفوح من المذبوح، وأتم مايكون منه بالقطع في هذا المحل، لأنه مجمع العروق والمجرى فصار حكم الكل واحداً.
وفي فتاوي سمرقند: قصابٌ ذبح الشاة في ليلة مظلمة، فقطع أعلى من الحلقوم لايحل أكلها لأنه ذبح في
الجزء 1 · صفحة 57
غير المذبح، وهو الحلقوم.
والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم، وهو مجرى النَّفَس. والمَرِيُّ، وهو مجرى الطعام والشراب.
والوَدَجَان وهما عِرقان تجري فيهما الدماء.
لقوله عليه الصلاة والسلام: افرِ الأوداج، وأَنْهر الدم بما شئت.
وهي عروق الحلق في المذبح فتتناول الكل، لأن هذه العروق معهودة، فانصرفت إليها.
وقيل: هي جمع، فينصرف إلى الثلاث، فيتناول الوَدَجَيْن والمري بطريق التغليب.
ويلزم من ذلك: الأمرُ بقطع الحلقوم اقتضاء لتعذر قطع هذه الثلاثة بدون، قطعه والثابت اقتضاء كالثابت نصاً.
فظاهره حُجَّةٌ على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمري، لأنه لا يحيا بعد قطعهما.
ولمالك في اشتراط قطع الكل.
وعندنا: إن قطعها حل، وإن قطع الثلاث منها أي ثلاث كان، يحل عند أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولاً.
وعنه: أنه يشترط قطع الحلقوم والمري وأحد الودجين. وعن محمد: أنه لابد من قطع أكثر كل واحد من هذه الأربعة، وهو رواية عن أبي حنيفة، لأن كل واحد أصل بنفسه، لانفصاله عن غيره ولورود الأمر بفَرْيه، فيعتبر أكثر كل واحد منها.
ولهما: أن الإباحة لم تتعلق بقطع هذه الأربعة بعينها، ليجب قطع الكل، بل لغيرها وهي إسالة الدماء المسفوحة على سبيل السرعة، وهذا المعنى يحصل بقطع الأكثر، فوجب أن يقوم مقام الكل، كما قام في كثير من الأحكام تفادياً عن زيادة التعذيب.
إلا أن أبا حنيفة يقول: إذا قطع أي الثلاث يحصل هذا المعنى، فلا حاجة إلى اشتراط غيره.
وهكذا قال أبو يوسف في رواية.
وشَرَطَ الحلقوم في رواية، لأنه أعظم، فكان أصلاً، فلا بد منه. والحلقوم والمريَّ وأحد الودجين في
الجزء 1 · صفحة 58
رواية، لأن الحلقوم النَّفس، والمري مجرى الطعام والماء، فلا ينوب مجري منابَ الآخر، والودجان مجرى الدَّمَيْن، فينوب أحدهما مناب الآخر.
عقدة الحلقوم مما يلي الصدر، وكان يجب أن يبقى مما يلي الرأس، أتؤكل أم لا؟
أجيب بأن هذا ليس بمعتبر يجوز أكلها، سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو مما يلي الصدر، لأن المعتبر عندنا قطع أكثر الأوداج، وقد وُجد.
ويجوز الذبح بكل آلة حادة، حديداً كانت أو غير حديد، كما لو ذبح بالليطة، أو بالمروة، أو بشقة العصا، أو بالعظم.
ولو ذبح بسن أو ظُفُر منزوع، يحل ويكره.
وقال الشافعي: المذبوح بهما ميتة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (كُلْ ما أنهر الدم، وأفرى الأوداج، ماخلا الظُّفُر والسِّنَّ، فإنهما مُدَى الحَبَشة).
ولأنه فعل غير مشروع، فلا يكون ذكاة، كما لو ذبح بغير المنزوع.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: أَنْهِر الدم بما شئت، وكُلْ.
ومارواه محمول على غير المنزوع، فإن الحبشة يستعملون في ذلك سنّهم وظُفُرهم قبل النزع.
ولأن المنزوع آلة محدَّدة، يحصل بهما تسييل الدم النجس، فصار كالحجر والحديد بخلاف غير المنزوع، لأنه يقتل بالنقل، فيكون في معنى المنخنقة.
وإنما يكره، لأن فيه استعمال جزء الآدمي.
ولأن فيه زيادة تعذيب على الحيوان، وقد أُمرنا بالإحسان في الذبح.
القنية»: أشرف ثوره على الهلاك، وليس معه إلا فجرح وفي ما يجرح، مذبحه ولو طلب آلة الذبح لا يدرك ذكاته، مذبحه لايحل أكله إلا إذا قطع العروق.
وقيل: يحل إن جرحه.
ويستحب أن يُحِدَّ الذابح شفرته، لقوله عليه الصلاة والسلام:
إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة،
الجزء 1 · صفحة 59
وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته».
ويكره أن يَضْجَعَها، ثم يُحِدَّ الشفرة، لما روي «أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً أضجع شاة، وهو يُحِدُّ شفرته، فقال: لقد أردتَ أن تُميتها، موتات هلا حددتها قبل أن تَضْجَعها؟!).
* وكذا كلُّ مافيه زيادة تعذيب لايُحتاج إليه في الذكاة، مثل:
- أن يَمُدَّ رأس المذبوح حتى يظهر مذبحه.
-أو يكسر عُنُقَه قبل أن يسكن من الاضطراب.
وأن يجر مايريد ذبحه برجله إلى المذبح.
وأن يقطع رأسه.
- وأن يبلغ بالسكين النُّخَاعَ، وهو عِرقٌ أَبيضُ في عَظْمِ الرَّقَبة.
- وأن يَسْلُخَ قبل أن يَبْرُدَ، يعني: يسكن من الاضطراب. والكراهة في هذه الصور لمعنى زيادة الألم قبل الذبح أو بعده، فلا يوجب التحريم.
فإن ذبح الشاة من حلت، لتمام فعل، الذكاة ويكره لما فيه من زيادة التعذيب بلا ضرورة، فصار كما لو جرحها، ثم قطع الأوداج.
قفاها، فبقيت حيةً حتى قطع أكثر العروق، وإن ماتت قبل قطع أكثر العروق لاتحل، لوجود الموت بما ليس بذكاة فيها.
قال الإمام السرخسي: «لو ذبح شاة شاة من مذبحها، ولم يسل الدمُ منها وقد يكون ذلك إذا أكلت العُنَّاب:
اختلف المتأخرون: قال أبو القاسم الصَّفار: لاتحل، لعدم معنى الذكاة، وهو تسييل الدم.
وقال أبو بكر الإسكاف: تحل، لوجود فعل الذكاة»
وفي فتاوى قاضي خان: «لو ذبح شاة أو بقرة أو إبلاً، فتحركت بعد الذبح وخرج منها دم مسفوح، تؤكل. ولو لم تتحرك، ولم يخرج منها دم مسفوح، لاتؤكل، لأن
محل الذكاة الحيُّ، ولم توجد علامة الحياة عند الذبح.
الجزء 1 · صفحة 60
ولو لم تتحرك، وخرج منها دم مسفوح، أو تحركت، ولم يخرج منها دم مسفوح أكلت لأن الحركة وخروج الدم المسفوح علامة الحياة.
وإن لم يعلم حياتها عند الذبح، لاتؤكل.
وإن علم حياتها عند الذبح ولم تتحرك، ولم يخرج منها "الدم أصلاً، أكل".
وفي شرح الطحاوي: خروج الدم لا يدل على الحياة إلا إذا يخرج من الحي، وهذا عند أبي حنيفة، وهو ظاهر كما خرج الرواية.
ولو ذبح شاة مريضة ولم يتحرك منها شيء إلا فمها: قال محمد بن سَلَمَة: إن فتحت فاها، لاتؤكل، وإن ضمت تؤكل.
وكذا في العين: إن فتحت لاتؤكل، وإن غمضت تؤكل.
وفي الرّجُل: إن مدَّت لا تؤكل، وإن قبضت تؤكل.
- وإن نام شعرها لاتؤكل، وإن قام تؤكل.
وهذا كله إذا لم يعلم حياتها وقت الذبح، أما إذا علم حياتها وقت الذبح، أكلت على كل حال. كذا في فتاوى قاضي خان».
ولو ذبح شاة أو بقرة، وخرج من بطنها جنين ميت، لم يؤكل الجنين عند أبي حنيفة، أشعر أو لم يشعر
وهو قول زفر والحسن بن زياد.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم خلقه أُكل، وإن لم يتمّ
خلقه لا يؤكل، وهو قول الشافعي
وهذا مبني على أن الجنين لا يتذكى بذكاة الأم عنده.
وعندهما يتذكى بذكاة الأم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ذكاةُ الجنين ذكاة أمه».
أي ذكاتها نائبة عن ذكاته.
ولأنه جزء من الأم حقيقة، لأنه متصل بها، حتى يتغذى بغذائها، ويتنفّس بنفسها، وينمو بنمائها، ويُقطع عنها بالمقراض. وكذا حُكْماً، حتى يدخلُ في البيع الوارد على الأم، ويَعْتِقُ بإعتاقها.
الجزء 1 · صفحة 61
وإذا كان جزءاً منها اعتبر الذبح في الأصل ذبحاً فيه عند العجز عن ذبحه.
وله أنه أصل في الحياة، حتى ينفصل حياً، ولا يتوهم بقاء الجزء حياً بعد الانفصال، وكذا بعد موت الأم ينفصل حياً، ولا يتوهم بقاء حياة الجزء بعد موت الأصل.
والذكاة تصرُّفُ في الحياة، فإذا كان أصلاً في حكم الحياة، يُشترط فيه ذكاة على حِدَةٍ، ولهذا تفرّد بإيجاب الغُرَّة، ويَعْتِقُ بإعتاق مضاف إليه، وتصح الوصية له وبه، وهو حيوان دموي
وهذه أحكام النفوس لا الأجزاء، والذبح إنما شُرع لإنهار
الدم، والفصل بين الرطوبات السائلة النجسة واللحم الطاهر، وبذبح الأم لا يحصل هذا المقصود، لأنه ليس بسبب لخروج الدم عنه، فلا يُجعل تبعاً.
وإنما يدخل في البيع تحرّياً لجوازه، كيلا يفسد باستثناء، ويعتق بإعتاقها كيلا ينفصل من الحرّة ولد رقيق.
ولو خرج الجنين حياً، وعاش مقدار ما يتمكن من ذبحه، ثم مات، لا يؤكل بالاتفاق.
شاة أو بقرة حامل أشرفت على الولادة، يكره ذبحها عند أبي حنيفة، لأن فيه تضييع الولد لأنه لا يتذكى بذكاة الأم عنده.
شاة أو بقرة تعسرت عليها الولادة، فأدخل رجل يده في موضع الولادة، وذبح الولد حل أكله لوجود الذكاة الاختيارية.
وإن جرحه في غير موضع الذكاة، حل أيضاً إن كان لا يقدر على ذبحه، لأنه عجز عن ذكاة الاختيار فيحل بذكاة الاضطرار، وهو الجرح في أي موضع كان.
وإن كان يقدر على ذبحه لا يحل لأنه لم يعجز عن ذكاة الاختيار.
ولو شق بطن شاة، وأخرج الولد حياً وذَبَحَه، ثم ذبح الشاة:
قالوا: إن كانت الشاة لا تعيش من ذلك، لاتحل، لأن الموت يكون بالأول، وذاك ليس بذكاة.
وإن كانت تعيش من ذلك، حلت، لأن الذكاة
ويستحب نحر الإبل، وذبح البقر والغنم، «لأنه عليه الصلاة والسلام نحر الإبل، وذَبح البقر والغنم.
ولأن العروق في الإبل مجتمعة في أسفل العنق عند الصدر، فكان النحر فيه أسهل، وفي البقر والغنم
الجزء 1 · صفحة 62
مجتمعة في المذبح، فكان الذبح أيسر.
فلو نحرهما، وذبح الإبل جاز، ويكره لمخالفة السنة.
وقال مالك: لا يحل لمخالفة المشروع، وصار كالجرح
في غير محل الذبح.
ولنا: أن المقصود تسييل الدم، وهو حاصل.
باب
[ما يحل من اللحوم ومالا يحل]
[لحم الخيل:]
ويكره لحم الخيل عند أبي حنيفة، وهو قول مالك.
وقال أبو يوسف ومحمد لابأس بأكله، وهو قول الشافعي لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأَذِن في الخيل.
ولأن سؤره طاهر على الإطلاق، وبوله كبول مايؤكل لحمه، فدل أنه مأكول كالأنعام.
وله: قوله تعالى: {وَالخَيلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ}، والآية سيقت لبيان المنّة، وقد منَّ علينا بالركوب، ولم يبين الأكل، ولو كان مأكولاً، لكان الأولى بيان منفعة الأكل، لأنه:
أعظم وجوه المنافع ولايليق بحكمة الحكيم العدول عن بيان أعظم المنافع إلى بيان الأدنى عند إظهار المنة، كذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ولأنه آلة إرهاب العدو فيكره أكله احتراماً له، ولهذا يُضرب له سهم من الغنيمة.
ثم قيل: الكراهة عنده كراهة تنزيه وقيل: كراهة تحريم، وهو الأصح.
ويُحكى عن عبدالرحيم قال: كنتُ متردّداً في هذه المسألة، فرأيت أبا حنيفة في المنام يقول لي: كراهة تحريم ياعبدالرحيم.
وإليه مالَ صاحب (الحَضر) (والهداية).
الجزء 1 · صفحة 63
وأما لبنه: ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يكره. وقيل: لابأس به لأنه ليس في شربه تقليل آلة الجهاد. به،
وإذا ذُبح مالا يؤكل لحمه: طَهُر لحمه وجلده، إلا الآدمي والخنزير، فإن الذكاة لاتعمل في الآدمي لحرمته وكرامته، وفي الخنزير الخُبثه ونجاسته، كما في الدباغ.
وقال الشافعي: الذكاة لاتؤثر في جميع ذلك، لأن الذكاة تؤثر في حل اللحم قصداً، وفي طهارة اللحم والجلد تبعاً، ولاتبع بدون الأصل، فصار كذبح المجوسي.
ولنا: أن الذكاة مؤثّرة في إزالة الرطوبات النجسة، فإذا زالت طهر، كما في الدباغ، وهذا حكم مقصود في الجلد، كالتناول في اللحم. وذبح المجوسي إماتة في الشرع، فلا بد من الدباغ. * وكما يطهر لحمه يطهر شحمه حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده عندنا
ثم قيل: لايجوز الانتفاع به في غير الأكل، اعتباراً بالأكل.
وقيل: يجوز، كالزيت إذا خالطه وَدَك الميتة، والزيت غالب، فإنه لا يؤكل، ويُنتفع به في غير الأكل.
وأما الإبل والبقر الجلالة، وهي التي تعتاد أكل الجيف والنجاسات، ولا تختلط فيتغير لحمها، فيكون مُنْتِنا، فإنه لا يؤكل لحمها، ولا يُشرب لبنها، لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك.
وأما ماتختلط بتناول الجيف، والنجاسة وبتناول غيرها، على وجه لايظهر أثر ذلك في لحمه، فلا بأس به.
وفي شرح الشافي: في الإبل تُحبس شهراً، وفي البقر عشرين يوماً، وفي الشاة عشرة أيام وفي الدجاجة ثلاثة أيام. وقال الإمام السرخسي: الأصح أنها تُحبس إلى أن تزول الرائحة المنتنة.
"وفي المنتقى": يكره العمل على الجلالة وكذا بيعها وهبتها، وتلك حالها.
وفي الفتاوى للبقالي: عَرَقها نجس.
وذكر في النوادر: لو أن جَدْياً غُذِّي بلبن الخنزير، لابأس بأكله، لأن لحمه لا يتغيّر، وماغُذي به يصير مستهلكاً، لا يبقى له أثر.
فعلى هذا قالو لابأس بأكل الدجاج، لأنه يختلط، ولا يتغير لحمه.
وماروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه [قال]:
الجزء 1 · صفحة 64
يُحبس الدجاج ثلاثة أيام، ثم يُذبح.
فذاك على سبيل التنزه، لا أنَّ ذاك شرط، لما عليه الصلاة والسلام كان يأكل الدجاج.
أنه روي وإنما يُحبس ما يتناول الجيف وغير الجيف على وجه لايظهر أثر ذلك في لحمه، فيخلص على وجه التنزيه.
والشاة والإبل إذا سُقيت خمراً، فذبحت من ساعتها، حلَّ أكلها.
والذئب إذا نزا على شاة، فولدت ذئباً، يحل أكله، وتجوز الأضحية به، لأن الولد يتبع
وذكر الإمام قاضي خان: الكلب إذا نزا على شاة، فولدت ولداً رأسه رأسُ الكلب، وماسوى الرأس من الأعضاء يُشبه الشاة أو المعز:
قالوا: يُقَدَّم إليه العَلَفُ، واللحم، فإن تناول اللحم، ولم يتناول العلف لايؤكل، لأنه كلب.
وإن تناول العلف ولم يتناول اللحم، يُرمى رأسه، ويؤكل ماسوى الرأس إذا ذُبح.
وإن تناولهما جميعاً، يُضرب إن نَبَح لا يؤكل شيء منه، لأنه كلب وإن ثغا، يرمى رأسه ويؤكل ماسوى الرأس، وإن أتى بالصوتين جميعاً، يُذبح، فإن خرج الكرش، يؤكل ماسوى الرأس، وإن خرج منه الأمعاء، لا يؤكل منه شيء، لأنه منه كلب.
والكلب مما نصَّ على تحريم أكله كتابُ الله تعالى، وسُننُ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته من بعده.