مقدمة الصلاة ...
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
مقدمة الصلاة ...
الطبعة الأولى
1446هـ ـ 2024م
مقدمة الصلاة
للفقيه أبي الليث نصر بن محمد السَّمْرَقْنديّ الحنفي
توفي سنة (375هـ)
تحقيق
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد:
كنت قبل سنوات عديدة قابلت مقدمة الصلاة للسمرقندي على عدة نسخ، وعلقت عليها تعليقات موجزة طبعة الكترونية، وأحببت أن أطبع المتن منفصلا لما فيه من الفوائد الخاصّة للحفظ والبحث والمراجعة.
سائلين المولى أن يتقبل هذا العمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح ابو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
عمان، الأردن
21/ 9/2024م
بسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وَالعَاقِبَةُ للمُتَقِينَ، وَلا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى خَيْرِ البَرِيَّةِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ الفَقِيهُ أبو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رحمة الله عليه:
اِعْلَمْ بِأنَّ الصَّلاةُ فَرِيضَةٌ قَائِمَةٌ، وَشَرِيعَةٌ ثَابِتَةٌ، عُرِفَتْ فَرَضِيْتُهَا بِالكِتَابِ وَالسُّنَةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ.
أَمَّا الكِتَابُ:
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، فاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَنَا بِإقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالأَمْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى الوجوب.
[وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى}، أَلا وَهِي العَصْرُ، وَيُقَالُ: المَرُادُ مِنَهَا مُحَافَظَةُ الخَمْسِ كُلِّهَا، فاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَنَا بِمُحَافَظَةِ خَمْسِ صَلَوات، وَالأَمْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}: [أَي فَرْضَاً مَوَقَّتَاً].
فاللهُ سُبُحانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الصَّلاةَ عَلَى المُؤْمِنِينَ فَرْضَاً مُوَقَّتَاً، [وهذا أيضاً يدل على الوجوب].
وَأمَّا السُّنَّةُ:
فَمَا رُوِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وَجَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البجلي - رضي الله عنهم - عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَ قَالَ: (بُنِي الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَه إلا اللهِ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَان، وَحَجُّ البَيْتِ مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا).
وقَدْ جَاءَ ِفي خَبَرٍ آخَرَ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: (صَلُّوا خَمْسَكَمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ طَيِّبَةً بِها أَنْفُسكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِكُمْ بِلا حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ).
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قَالَ: (الصَّلاةُ عِمَادُ الدِّينِ فَمَنْ أَقَامَها فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ، وَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ هَدَمَ الدِّينَ).
وأما إجماع الأمة:
فإن الأمة قد اجتمعت على فرضية الصلاة والزكاة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، من غير نكير منكر، ولا ردّ راد.
وإجماع الأمة هو من أقوى الحجج بدليل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا تجتمع أمتي على الضلالة).
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الفرض على نوعين:
فرض العين.
وفرض الكفاية.
أمّا فرض العين: فهو ما إذا قام به البعض لا يسقط عن الباقي: كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، [والوضوء للصلاة]، والاغتسال من الجنابة، والحيض والنفاس، والجهاد إذا كان النفير عاماً.
وأما فرض الكفاية: فهو ما إذا قام به البعض يسقط عن الباقي: كردّ السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصلاة الجنازة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد إذا لم يكن النفير عاماً.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الصلاة من الله تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء.
وفي اللغة: عبارة عن الدعاء.
وفي الشريعة: عبارة عن أركان معلومة، وأفعال مخصوصة.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الحدث على نوعين:
1.حدث حقيقي.
2.وحدث حكمي.
أما الحدث الحقيقي: كالبول، والغائط، والدم، [والرعاف]، والقيح، والصديد، وما أشبه ذلك.
وأما الحدث الحكمي: كالنوم، والإغماء، والجنون، والقهقهة في كلِّ صلاة ذات ركوع وسجود.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الطهارةَ على نوعين:
1.طهارة غليظة.
2.وطهارة خفيفة.
أمّا الطهارة الغليظة: كالاغتسال من الجنابة، والحيض، والنفاس.
وأمّا الطهارة الخفيفة: كالوضوء للصلاة.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الماء على نوعين:
1.ماء مطلق.
2.وماء مقيد.
أمّا الماء المطلق: فهو كل ماء لو نظر إليه الناظر سمّاه ماءً على الإطلاق: كالماء الذي نزلَ من السماء، وماء العيون، وماء الآبار، وماء
الغُدْران، وماء الحِياض، وما أشبه ذلك.
فحكمه: إنه طاهر وطهور يزيل النجاسة الحقيقية والحكمية عن الثوب والبدن ويجوز الوضوء به في قولهم جميعاً.
وأما الماء المقيد: فهو كلّ ماء يستخرج بالعلاج: كماء الورد،
والقِثَّاء، وماء الحُرُض، وماء البطيخ، وماء القرع، وما أشبه ذلك.
فحكمه: إنه طاهر وطهور يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن، ولا يجوز الوضوء والاغتسال به، هكذا ذكر الكَرْخيّ في
«مختصره»، والطَّحَاويّ في «كتابه»، وهذا هو المختار.
وقال محمّد بن الحَسَن - رضي الله عنه -: إنه طاهر غير طهور لا يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن ... ، ولا يجوز الوضوء والاغتسال به،
وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -.
وذكر الفقيه أبو الليث - رضي الله عنه - في «مختلفه»، وفي كتاب «العيون»: إنه لا يزيل النجاسة الحقيقية والحكمية عن البدن، وإنما الاختلاف يظهر في الثوب عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -. وعند محمد - رضي الله عنه - لا يزيل، وهو قول زفر والشافعي - رضي الله عنهم -.
وقال محمد - رضي الله عنه - في رواية أخرى هذه المسألة كما قال الكَرخيُّ في «مختصره» والطحاوي، والأصحُّ ما قالاه.
وروى عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنّه ذكر في «الأمالي»: إن كل ثوب إذا أصابته نجاسة، فالحكم فيه إن كل شيء ينعصر بالعصر، فإن يزيل النجاسة عنه: كالخلّ، وماء الورد، واللبن، وما اشبه ذلك، وكل شيء لا ينعصر بالعصر، فإنه لا يزيل النجاسة عنه، كالعسل، والسمن، والدهن، والدبس، وما أشبه ذلك.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن للصلاة شرائط، وأركاناً، وواجباتاً، وسنناً، وأداباً؛ لصحّة الشروع في الصلاة.
أما شرائطها فستّةٌ:
1.الطهارة من الحدث.
2.والطهارة من النجاسة.
3.وستر العورة.
4.واستقبال القبلة.
5.والوقت.
6.والنيّة.
وأما أركانُها فستّةٌ أيضاً:
تكبيرة الإفتتاح.
والقيام.
والقراءة.
والركوع.
والسجود.
والقعدة الأخيرة مقدار التشهد.
والخروج من الصلاة بفعل المصلِّي فرضٌ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -: ليس بفرض.
ثمّ تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وقال محمد - رضي الله عنه -: هي من الصلاة.
* * *
فصل
وإنّما قلنا: بأن الطهارةَ من الحدث شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}، فالله سبحانه وتعالى أمرنا بغسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والأمر من الله تعالى يدلّ على الوجوب.
وأمّا السنة: فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لكل شيء مفتاح، ومفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم).
* * *
فصل
وإنما قلنا: بأن الطهارة من النجاسة شرط بالكتاب والسنة:
أمّا الكتاب؛ قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}، وقيل في التفسير: أي قصره.
وأمّا السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يقبل الله تعالى صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول)، والغلول: هي الخيانة في المغنم.
* * *
فصل
وإنّما قلنا: بأن ستر العورة شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب، قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، والمراد من الزينة: إنما هو ستر العورة.
وأما السنة: فما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في ثوب واحد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أوكلكم يجد ثوبين)، وفي رواية أخرى: (أولكلكم ثوبان).
* * *
فصل
وإنما قلنا: بأن استقبالَ القبلة شرط بالكتاب والسنة.
أمّا الكتاب: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.
وأمّا السنة: فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال حين علم الأعرابي أركان الصلاة وأمره في ذلك باستقبال القبلة.
* * *
فصل
وإنما قلنا: الوقت شرط بالكتاب والسنة:
أمّا الكتاب؛ قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ}، والمراد به حفظ أوقات الصلاة، هكذا ذكر في التفسير.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أمّني جبريل بإزاء باب الكعبة في يومين، فصلى الفجر في اليوم الأول حين طلع الفجر الثاني وصلى الظهر حين زالت الشمس مقدار شراك النعل، وصلى العصر حين صار ظلّ كلّ شيء مثله، وصلى المغرب حين غربت الشمس، وصلى العشاء حين غاب الشَّفق ـ «والشفق: هو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي - رضي الله عنهم -: هو الحمرة» ـ وصلى الفجر في اليوم الثاني حين أسفر جداً، وصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله سوى في الزوال، وصلى
العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى المغرب حين يفطر الصائم، وصلى العشاء حين مضى ثلث الليل، ثم التفت إليَّ فقال: يا محمّد هذا وقتك، ووقت الأنبياء من قبلك، ووقت أمّتك من بعدك ما بين هذين الوقتين).
* * *
فصل
وإنّما قلنا: بأن النيّة شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، والإخلاص لا يحصل إلا بالنيّة.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ـ يعني فضيلتها لا تحصل إلا بالنيّة ـ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فجرته إلى ما هاجر إليه):
* * *
فصل
وإنّما قلنا: بأن تكبيرة الافتتاح شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، وقوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبيرة، وتحليلها التسليم).
* * *
فصل
وإنما قلنا: بأن القيام ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}: أي خاشعين.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يصلى المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فمستلقياً على قفاه، ويجعل الرجلين إلى القبلة، يؤمى برأسه إيماءً، فإن لم يستطع فالله سبحانه وتعالى أولى بالتجاوز والكرم).
* * *
فصل
وإنما قلنا: بأن القراءة ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا صلاة إلا بقراءة).
* * *
فصل
وإنما قلنا: بأن الركوع والسجود ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال حين علم الأعرابي أركان الصلاة وعلمه في ذلك الركوع والسجود.
* * *
فصل
وإنما قلنا: بأن القعدة الأخيرة ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا أحدث الإمام بعدما قدر التشهد فقد تمت صلاته وصلاة من خلفه إن كان حالهم مثل حاله).
فصل
وأما واجباتها فسبعة:
1. تعيين فاتحة الكتاب.
2. ومعها شيء من القرآن في الركعتين الأوليين.
3. والقعدة الأولى.
4. وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة.
5. والقنوت في التوتر.
6. والجهر فيما يجهر فيه، والمخافتة فيما يخافت فيه.
7. وتعديل الأركان.
وقال بعضهم: هما واجبتان.
وقال بعضهم: هما سنتان.
والاختلاف إنما يظهر في وجوب سجدتا السهو، إذا تركهما عامداً لا يجب عليه سجدتا السهو، وإن تركهما ساهياً:
قال بعضهم: يجب عليه سجدتا السهو.
وقال بعضهم: لا يجب عليه سجدتا السهو.
* * *
فصل
وأما سننها فاثنتا عشر:
1. الثناء.
2. والتعوذ.
3. والتسمية.
4. والتأمين.
5. والتسميع.
6. والتحميد.
7. وتسبيحات الركوع.
8. وتسبيحات السجود.
9. وقراءة التشهد في القعدة الأولى.
10. وقراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين.
11. والتكبيرات التي تتخلل في خلال الصلاة سوى تكبيرة الافتتاح.
12. وإصابة لفظة السلام.
وما سوى ذلك فيكون آداباً.
* * *
فصل
ولو ترك شيئاً ممّا سمّيناه شرطاً لا يصح دخوله في الصلاة سواء كان عامداً أو ناسياً.
* * *
فصل
ولو ترك شيئاً مما سمّيناه ركناً [إن كان ممّا يمكن قضاؤه يقضى]، وإن كان ممّا لا يمكن قضاؤه {في الصلاة} فسدت صلاتُه.
* * *
فصل
ولو ترك شيئاً ممّا سمّيناه واجباً، إن كان عامداً لا يجب سجدتا السهو، ولكن تكون صلاته صحيحة مع النقصان، وقد أساء، وإن كان ناسياً يجب عليه سجدتا السهو.
* * *
فصل
ولو ترك شيئاً مما سمَّيناه سنة لا يجب عليه سجدتا السهو سواء كان عامداً أو ناسياً، ولا تفسد صلاته، إلا أنه إذا كان عامداً يكون مسيئاً.
وما سوى ذلك يكون آداباً لا يجب عليه بتركه شيئاً.
فصل
ثم اعلم بأن للوضوء فرائض، وسنناً، ونوافل، ومستحبات، وآداباً، وكراهيات، ومنهيات:
أمّا فرائضته فأربعة:
1.غَسل الوجه: وهو ما يواجه الإنسان، وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، ومن شحمة الأُذن إلى شحمة الأذن.
والعذاران يدخلان في الغَسل عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يدخلان في الغَسل، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -.
2.وغَسل اليدين إلى المرفقين.
3.ومسح الرأس.
4.وغَسل الرجلين إلى الكعبين.
بدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن}، فالله سبحانه وتعالى أمرنا بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والأمر من الله تعالى يدل على الوجوب.
والمرفقان والكعبان يدخلان في الغَسل عند علمائنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، وعند زفر والشافعي - رضي الله عنهم - لا يدخلان في الغَسل.
وأمّا سنته فعشرة:
1. تسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء.
2. وغسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء.
3. والاستنجاء بالماء عند وجود الماء أو بالحجر أو بالمدر أو بالتراب عند عدم الماء.
4. والسواك.
5. والمضمضة.
6. والاستنشاق.
7. ومسح الأذنين.
8. وتخليل اللحية
9. والأصابع.
10. وغسل الأعضاء المفروضة ثلاثاً.
* * *
فصل
وأمّا نوافل الوضوء فستة:
1.مسح اليد على الحائط بعد الاستنجاء.
2.وغَسل اليدين بعد المسح الحائط.
3.وذكر الدعاء عند غَسل كلّ عضو.
4.ومسح الرقبة.
5.وغَسل الأعضاء المفروضة في المرة الثانية.
6.ورش الماء على الفرج والسراويل بعد الفراغ من الوضوء.
* * *
فصل
وأما مستحبّ الوضوء فستة:
1.النيّة في ابتداء الوضوء.
2.والبداية بما بدأ الله سبحانه تعالى بذكره.
3.والبداية بميامنة.
4.ومراعاة الترتيب.
5.ومراعات الموالات قبل أن تقرب إلى الجفاف.
6.واستيعلب جميع الرأس بالمسح.
* * *
فصل
وأما آداب الوضوء فستة:
1.ترك استقبال القبلة واستدبارها، وترك استقبال عين الشمس والقمر واستدبارهما.
2.وترك الكلام سوى الأدعية التي يدعى بها عند عسل كلّ عضو.
3.والمضمضة.
4.والاستنشاق بيده اليمنى.
5.والامتخاط بيده اليسرة.
6.وستر العورة بعد الاستنجاء.
* * *
فصل
وأما كراهية الوضوء فستة:
1.تعنيف ضرب الماء على الوجه.
2.والنظر إلى العورة.
3.وإلقاء البزاق والامتخاط في الماء.
4.والمضمضة.
5.والاستنشاق بيده اليسرى والامتخاط بيده اليمنى، إلا من عذر.
6.والكلام عند الاستنجاء.
* * *
فصل
وأما منهيات الوضوء فستة:
كشف العورة بعد الاستنجاء.
وإلقاء البول والغائط في الماء.
والاستنجاء بيده اليمنى إلا من عذر.
وإسراف الماء في الوضوء.
والاغتسال في الماء الدائم.
وغسل أعضاء الوضوء أكثر من ثلاثة مرات أو أقلّ.
والمسح على الرجلين بغير خف، وكذلك المسح على المسح على الخفين بخرق كبير.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الاستنجاء على تسعة أوجه: أربعة منها فرض، وواحد منها واجب، وواحد منها سنة، وواحد منها مستحب، واحد منها احتياط، وواحد منها بدعة.
فأما الأربعة التي هي فرض فالاغتسال من:
1.الجنابة.
2.والحيض.
3.والنفاس.
4.والنجاسة إذا كانت النجاسة أكثر من قدر الدرهم.
فهذه الأربعة فريضة.
وأما الواجب: إذا كانت النجاسة مقدار الدرهم، فالاستنجاء يكون واجباً.
وأما السنّة: إذا كانت النجاسة أقلّ من قدر الدرهم، فالاستنجاء يكون سنّة.
وأما المستحب: إذا بال ولم يتغوّط، فإنه يغسل قُبُله دون دبره.
وأما الاحتياط: إذا خرج شيء من بدنه ولم يتلطخ فإنه يغسل ذلك الموضع احتياطاً.
وأما البدعة: إذا خرج شيء من غير السبيلين، أو خرج ريحٌ من دُبُره، فإنه لا يستنجي، ولو استنجى بذلك يكون بدعة.
* * *
فصل
ولو استنجى بثلاثة أحجار، أو بثلاثة مدرات، أو بثلاثة خفنات من التراب فإنه يجوز عندنا، والعدد ليس بشرط عند علمائنا الثلاث - رضي الله عنهم -، ولكن الانقاء شرط حتى لو أنقى بحجر واحد لا يحتاج إلى الثانية، ولو لم ينق بثلاثة أحجار فإنه يزيد على ذلك حتى ينقيه ألا يرى أنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، واستنجى بكل حرف حصل التطهير، فإنه يجوز عندنا، وعند الشافعي - رضي الله عنه - العدد شرط، وهي ثلاثة.
واحتج الشافعي - رضي الله عنه - بخبر عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الجنّ فسألني حجر الاستنجاء فأتيت بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة، فقال: هذا رجس أو نكس). والرجس والنكس بمعنى واحد.
والجواب: قلنا هذا الخبر حجّة عليكم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الحجرين، ورمى الروثة، ولم يسأله ثالثة، ظنَّ كأن العدد شرط المسألة الثالثة، فلما سكت - صلى الله عليه وسلم - عن الثالثة تبين أن العدد ليس بشرط الإنقاء.
* * *
فصل
ويجوز الاستنجاء بستة أشياء:
1.بالحجر.
2.والمدر.
3.والتراب.
4.والخرقة.
5.واللبد.
6.والقطن، وما أشبه ذلك.
ويكره الاستنجاء بستة أشياء:
1.بالعظم.
2.والروث.
3.والخزف.
4.والفحم.
5.والآجر.
6.وعلف الدواب وما أشبه ذلك.
* * *
فصل
فإن قيل ما الفرق بين الاستنجاء، والاستبراء، والاستنقاء؟
فقل له:
الاستنجاء هو استعمال الماء عند وجود الماء، أو الحجر أو التراب عند عدم الماء.
وأما الاستبراء: هو التنحنح والسعال: وهو ان يتنحنح الرجل حتى يزول الماء من مثانته بفرك ذكره.
وقال بعضهم: الاستبراء هو أن ينقل قدميه من موضع الغائط إلى موضع الطهارة حتى يستيقن بزوال أثر بوله.
وقال بعضهم الاستبراء: هو أن يركض برجله على الأرض حتى يزول عنه برودة الطبيعة.
وأما الاستنقاء: إنما هو طلب النقاوة بالحجر والمدر والتراب.
وقال بعضهم: هو أن يدلك مقعده حتى تذهب الرائحة الكريهة براحة شماله.
وقال بعضهم: هو أن ينشف بالمنشفة أو بالخرقة حتى لا يقطر الماء المستعمل على الثوب.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن المستنجي يحتاج عند الدخول والخروج من الخلاء إلى ستة أشياء:
أولها: البداية برجله اليسرى.
والثاني: الاستعاذة بالله تعالى، وهو أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم.
والثالث: الاستنجاء بثلاثة أحجار، أو بثلاثة مدرات، أو بثلاثة حفنات من التراب، فيزيد على ذلك إذا احتاج.
والرابع: الخروج برجله اليمنى.
والخامس: الشكر لله تعالى: وهو أن يقول: الحمدُ لله الذي أذهب عنّي ما يؤذيني، وأمسك عليّ ما ينفعني.
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (غفرانك) مرتين، وفي رواية أخرى: (غفرانك ربنا وإليك المصير).
وروى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الحمد لله الحافظ من المؤذي).
والسادس: أن لا يتكلم في الخلاء، بدليل ما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه كان إذا أراد أن يدخل إلى الخلاء يبسط رداءه على
الأرض، يقول: «أيها الملكان الحافظان اجلسا هاهنا، فإني عاهدت الله أن لا أتكلم في الخلاء».
فصل
وإذا أراد الرجلُ أن يتوضأ يغسل يديه ثلاثاً، ويقول: بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام.
ثم يجلس على الأرض مكشوف العورة، ثم يستنجي بعد ذلك، فإذا فرغ من الاستنجاء يستر عورته ويقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني من الذين آمنوا لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.
وفي رواية أخرى: الحمد لله الذي أنزل من السماء ماء طهوراً، وجعل الإسلام نوراً وقائداً ودليلاً إلى جناتك جنات النعيم، وإلى دارك، دار االسلام، ثم يقول: اللهم حصن فرجي، واستر عورتي، ومحض ذنوبي.
ثم يستاك بالسواك إن كان له مسواك، وإن لم يكن له مسواك يستاك
بالأصابع، فإنه يجزئ ويكفي، ويقول: اللهم طهر نكهتي ومحص ذنوبي.
ثم يتمضمض، ويقول: اللهم أعني على تلاوة ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ثم يستنشق، ويقول: اللهم أرحني من رائحة الجنة، وارزقني نعيمها، ولا ترحني من رائحة النار، واحفظني من سمومها وألمها.
ثم يغسل وجهه، ويقول: اللهم بيِّض وجهي بنورك يوم تبيّض وجوه أوليائك، ولا تسوّد وجهي يوم تسوِّد وجوه أعدائك برحمتك يا أرحم الراحمين.
وفي رواية أخرى: اللهم بيض وجهي، وطهر قلبي، واشرح صدري.
ثم يغسل يده اليمنى، ويقول: اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حساباً يسيراً.
ثم يغسل يده اليسرى، ويقول: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري، ولا تحاسبني حساباً عسيراً.
ثم يمسح رأسه، ويقول: اللهم غشني برحمتك، وأنزل علي من بركاتك، ونجني من عذابك يا أرحم الراحمين.
ثم يمسح أذنيه، ويقول: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ثم يمسح رقبته، ويقول: اللهم أعتق رقبتي من النار، واحفظني من السلاسل والأغلال والأنكال.
ثم يغسل رجله اليمنى، ويقول: اللهم ثبت قدمي على صراطك المستقيم.
وفي رواية: يوم تزلزل فيه الأقدام.
ثم يغسل رجله اليسرى، ويقول: اللهم اجعل لي سعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مقبولاً، وتجارةً لن تبور، بعفوك يا عزيز يا غفار، وبرحمتك يا أرحم الراحمين.
فإذا فرغ المتوضئ من الوضوء يستحبّ له أن يقرأ الأدعية المأثورة على أثر الوضوء، وينظر إلى السماء، ويقول: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك.
ثم ينظر إلى الأرض، ويقول: أشهد أن محمداً عبدك ورسولك، وأتوب إليك.
وينبغي للمتوضئ أن يقرأ: إنا أنزلناه في ليلة القدر على إثر الوضوء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل هكذا، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من قرأ إنا أنزلناه على إثر الوضوء مرةً واحدةً أعطاه الله تعالى عبادة خمسين سنة، صيام نهارها، وقيام لياليها، ومَن قرأ مرتين أعطاه الله ما أعطى الخليل، والكليم، والرفيع، والحبيب، ومَن قرأ ثلاث مرات يفتح الله له ثمانية أبواب في الجنة فيدخلها من أي باب شاء بلا حساب ولا عذاب).
وروى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (مَن قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر على أثر الوضوء مرةً واحدةً كتبه الله تعالى من الصديقين، ومن قرأها مرتين كتبه الله من الشهداء والصالحين، ومَن قرأها ثلاث مرّات يحشره الله تعالى يوم القيامة في محشر الأنبياء والمرسلين).
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الطهارة على ستة أوجه:
أولها: أن يطهر الإنسان قلبه من الغلّ والغش، والحقد والحسد، والغيبة والنميمة والبهتان.
والرابع: أن يطهر باطنه من أكل الحرام.
والخامس: أن يطهر ظاهره من لبس الحرام.
والسادس: الطهارة الشرعية حتى يصير أهلاً للعبودية، والسنة أن يتوضأ بثلاثة أرطال من الماء: رطل للاستنجاء، ورطل لجميع الأعضاء سوى القدمين، ورطل للقدمين.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الطهارة على نوعين:
طهارة حقيقية.
وطهارة حكمية.
أما الطهارة الحقيقية: كالوضوء للصلاة، والاغتسال بالماء من الجنابة والحيض والنفاس.
وأما الطهارة الحكمية: كالتيمم بالتراب.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن السنة على نوعين:
سنةٌ أخذها هداية وتركها ضلالة: كالأذان، والإقامة، والقنوت في الوتر، وسنة الفجر، وسنة الظهر، وما أشبه ذلك.
وسنة أخذها فضيلة وتركها لا حرج عليه: كالصوم التطوع، والصلاة التطوع، والحج التطوع، والصدقة التطوع، وما أشبه ذلك.
وروي عن محمد بن الحسن - رضي الله عنه - أنه قال: إذا أراد الرجل الدخول في الصلاة فليتوضأ، قال الفقيه أبو الليث - رضي الله عنه -: فمعناه إذا كان محدثاً فليتوضأ؛ لأن محمداً ذكر الوضوء وأضمر فيه الحدث، وكره أن يفتتح كتاب الصلاة بذكر الحدث؛ لأن هذا الكتابَ شريفٌ؛ لما روي عن شقيق
بن إبراهيم الزاهد البَلخي - رضي الله عنه - أنه قال: قرأت كتاب الصلاة على أبي يوسف - رضي الله عنه - في رستاق القلانسين، وعلى رأسي قلنسوة، قد بدت القطنة منها، فقال لي: يا أبا عليّ ما رأيت تحت خضراء السماء، ولا فوق أديم الارض أشرف وأفخر من هذا الكتاب سوى كتاب الله تعالى.
وروي عن حسن البصري - رضي الله عنه - أنه قال: تخرق كتاب الصلاة في كمي كذا وكذا مرة فما نظرت فيه إلا وقد استفدت في كل مرّةً فائدةً جديدة.
وروي عن محمد بن سلمة - رضي الله عنه - أنه قال: قرأت كتاب الصلاة على أبي يوسف - رضي الله عنه -، وقرئ عليّ أربعمئة مَرّة فما نظرت فيه إلا وقد استفدت في كل مرّة.
فائدة جديدة:
مسألة:
فإن قيل: أي مسلم لو أدّى الفريضة لا يقبل الله تعالى منه، ولو تركها يثاب؟
فقل: الحائض والنفساء لو أدتا الفريضة والصوم والصلاة لا بقبل الله تعالى منهما وبتركهما يثابان.
مسألة:
فإن قيل: أي سنة تقوم مقام الفريضة؟
فقل: المسح على الخفين، ولكن تقوم مقام الفريضة.
مسألة:
فإن قيل: أي جنب لا يلزمه الغُسل؟
فقل: الجنب الذي اغتسل وبقي على أعضائه لمعة لم يصبها الماء، فإنه يغسل ذلك الموضع عند وجود الماء، ويتيمم عند عدم الماء، ولا يجب غسله جميع الأعضاء.
مسألة:
فإن قيل: أي مصلٍ جاز صلاته بغير قراءة؟
فقل: الأمي والأخرس واللاحق والأبكم.
مسألة:
فإن قيل: بماذا عرفت الفريضة من السنة، والسنة من النفل؟
فقل: الفريضة ما أمر الله تعالى، وفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وأمرنا بفعله، فيكون ذلك علينا فرضية.
وأما السنّة: ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من تلقاء نفسه، وداوم عليها في جميع عمره، فيكون علينا سنة.
وأما النفل ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت وتركه في وقت، وذكر فضيلته لأمته فيكون ذلك علينا نفلاً.
وجواب آخر:
الفريضة: ما يكون تاركها عاصياً، وجاحدها كافراً.
والسنة: ما يكون تاركها فاسقاً، وجاحدها مبتدعاً.
والنفل: ما لا يكون تاركها فاسقاً، ولا جاحدها مبتدعاً، ولكن يكون بإتيانه زيادة الدرجات، وبتركه نقصان الدرجات.
مسألة:
فإن قيل: الطهارة تجب لأجل الصلاة أم لأجل الحدث؟
فقل: الطهارة تجب لأجل الصلاة مع وجود الحدث، حتى لو دخل عليه وقت الصلاة، وهو محدث يجب عليه الوضوء.
مسألة:
فإن قيل: الإتيان بالإيمان فريضة أم سنة؟
فقل: الإيمان السابق للمبتدي بوحدانية الله تعالى وبرسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجميع الأنبياء والمرسلين صلى الله تعلى عليهم أجمعين فريضة، والتكرار والإعادة علينا سنّة.
مسألة:
فإن قيل: كيف عرفت الله تعالى؟
فقل: ليس له كيف ولا كيفية، بل عرفته بتعريفه إيايّ، فقد عرَّفني حقّ معرفته.
مسألة:
فإن قيل: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الإحسان؟
فقل: الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان.
والإسلام: فهو الانقياد لأوامر الله تعالى، والاجتناب عن نواهيه، والإحسان فهو الإحسان إلى خلق الله تعالى، والشفقة عليهم بلا منّة.
وجواب آخر:
الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
سئل شقيق البلخي - رضي الله عنه - عن الإيمان والمعرفة والتوحيد والشريعة والدين؟
فقال: الإيمان: إقرار بوحدانية الله تعالى.
وأما معرفة لله بلا كيف، ولا كيفية، ولا شبيه، ولا شبهية.
وأما التوحيد لله تعالى: فهو موحِّدٌ لربّه أنه واحد لا شريك له في الابتداء بالإخلاص من غير تشبيه ولا تعطيل.
وأما الشريعة: فهو الانقياد لربّه بتقديم أوامره والاجتناب عن نواهيه.
والدين: فهو الدوام والثبات على هذه الأربعة إلى الموت.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الإيمان والشريعة تدوران على عشرين وجهاً: خمسة منها على القلب، وخمسة منها على اللسان، وخمسة منها على الجوارح، وخمسة منها على خارج الجوارح:
أما الخمسة التي على القلب: فهو أن تعرفَ بأن اللهَ تعالى واحد، لا ثاني له، فرد، صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولد، وأنه واحد لا شريك له، وهو خالق الخلق، ورازقهم، وحافظهم، ومحولهم من حال إلى حال.
وأما الخمسة التي على اللسان: فهو أن تؤمن بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى.
وأما الخمسة التي على الجوارح: فهو الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، والوضوء للصلاة، والاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس.
وأما الخمسة التي على خارج الجوارح: فهو طاعة الأمراء، والسلاطين، والأئمة، والمؤذنين، والمسح على الخفين، وصلاة العيدين.
مسألة:
فإن قيل: الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟
فقل: الإيمان إقرار وهداية.
أما الإقرار: فهو صنع العبد، وهو مخلوق.
وأما الهداية: فهو صنع الرب، وهو غير مخلوق.
مسألة:
فإن قيل: ما الفرق بين الإيمان والعمل؟
فقل: الفرق بين الإيمان والعمل باثني عشر وجهاً:
أولها: الإيمان متبوع والعمل تابع.
والثاني: الإيمان دائم، والعمل مؤقت.
والثالث: الإيمان فرضٌ في حقّ المؤمن والكافر، والعمل فرض في حقّ المسلم لا في حقّ الكافر.
والرابع: أحكام المؤمنين متعلّقة بالإيمان لا بالعمل.
والخامس: الإيمان يقبل بغير العمل، والعمل لا يقبل إلا بالإيمان.
والسادس: إن الجنة تجب بالإيمان، ولا تجب بالعمل.
والسابع: لا يعطى الإيمان للخصماء في يوم القيامة، ويعطى العمل.
والثامن: يجوز الوصية بالعمل، ولا يجوز بالإيمان.
والتاسع الإيمان لا يورث، والعمل يورث.
والعاشر: تارك الإيمان كافر، وتارك العمل ليس بكافر.
والحادي عشر: الأنبياء متفقون في الإيمان، مختلفون في الشرع: أي العمل.
والثاني عشر: الناس مشتركون بالأعمال، ولا يشتركون بالإيمان.
مسألة:
فإن قيل: إذا مات العبد ذهب إيمانه مع روحه أم يبقى مع جسده، فإن قلنا: يذهب مع روحه يبقى جسده بلا إيمان، وإن قلنا: يذهب مع جسده يبقى روحه لا إيمان؟
قلنا: الإيمان بين الجسد والروح: كمثل الشمس بين السماء والأرض: يعني يتصل نور الإيمان فيها، كما يصل نور الشمس إلى السماء والأرض.
أو نقول: كلمة الإيمان قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فإذا مات العبد يذهب لا إله إلا الله مع روحه ومحمد رسول الله يبقى مع جسد، فإذا اجتمعا صارا إيماناً.
نسأل الله سبحانه أن يثبتنا على الإيمان بحرمة سيد الأنام محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبحرمة وبجاه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبحرمة الصحابة والقرابة والتابعين، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
* * *