الجزء 1 · صفحة 1
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
كلية الدراسات العليا
قسم الفقه الحنفي وأصوله
"بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ في تَرْتِيبِ الشَّرَائِعِ" مِن بِدايةِ الكِتَابِ إِلى بِدايةِ كِتَابِ التَّيَمُّمِ لِلإِمَامِ عَلاءِ الدّين أَبي بَكْرٍ بنِ مَسْعُودٍ الكَاسَاني الحَنَفِي 587هـ "دراسة وتحقيق وتعليق"
" Bada’i Al-Sana’i fi Tartib Al-Shara’i "
Starting from the beginning of the book Until the beginning of Taymmum by Al-Imam Alauddin Abi Bakr bin Mas'ud Al-Kasani Al-Hanafi 587 A.H. "Studying, Text Editing and Commenting"
إِعداد
محمَّد جواميس
إِشراف
أ. د صلاح محمَّد أَبو الحاج
قُدّمت هذه الرّسالة استكمالًا لمتطلبات درجة الماجستير في تخصص
الفقه الحنفي وأُصوله في جامعة العُلُوم الإسلامية العالمية
تاريخ المناقشة: عمان 31/ 8/2023
بسم الله الرحمن الرحيم
المُقَدِمَةُ
الحَمْدُ لله الَّذي فَطَرَ أَجناسَ البَدَائِع، وأَتقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن كانَ مُتَمّمًا لِلأَخلاقِ، وَسَيّدًا وِإِنْ كانَ آخرًا في تَرتِيبِ أَصْحَابِ الشَّرائِع، وهو سَيّدُنا محمّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وعلى آلهِ وَصَحْبْهِ أَجمَعينَ.
إِنَّ أَقوى الفَرَائِضِ بَعدَ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالى طَلَبُ العِلْمِ (¬1)،
¬
(¬1) ينظر: المَبْسُوط، ج1، ص69.
السّرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل، المبسوط، تحقيق: محمد حسن محمد حسن، المكتبة الحقانية.
الجزء 1 · صفحة 2
كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ عَن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قالَ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (¬1).
وقالَ أَيضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «العُلَماءُ وَرَثَةُ الأَنبياءِ» (¬2)، فَالعِلْمُ مِيراثُ النُّبوةِ (¬3)، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لا رُتبَةَ فَوقَ النُّبوةِ، ولا شَرَفَ فَوقَ الورَاثَةِ لِتِلكَ الرُّتْبَةِ (¬4)، فَهذه الدَّرَجَةُ أَعلى النَّهايَة في القُّوةِ (¬5).
وإِنَّما شَرَفُ العِلْمِ لِكَونِهِ وَسيلَةً إِلى التَّقوى، الَّذي يَستَحِقُّ بِهِ المَرْءُ الكَرَامَةَ عِندَ اللهِ تَعالى، والسَّعادَةَ الأَبديَّةَ (¬6).
¬
(¬1) أَخرَجَهُ ابن ماجه، ج1، ص151، رقم:224، البيهقي، شُعَب الإِيمان، ج3، ص193، رقم:1543، وقال: هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ، كُلُّهَا ضَعِيفٌ. اهـ وفي مرقاة المفاتيح، ج1، ص478: لكن كثرة الطُّرقِ تَدُلُّ على ثُبُوتِهِ، وَيُقَوّي بعضُهُ بِبَعضٍ.
ابن ماجه، محمد بن يزيد، السُّنن، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى، دار الرسالة، 2009. البيهقي، أحمد بن الحسين، شُعب الإيمان، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، الطبعة الأُولى، مكتبة الرُّشد، 2003. القاري، ملا علي، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، تحقيق: صدقي محمد جميل العطار، دار الفكر، 1994.
(¬2) أخرَجَهُ أَبو دَاود، ج5، ص485، رقم:3641، وسكتَ عنه. وابن ماجه، ج1، ص151. والتّرمذي، ج4، ص617 - ص618، وقال: ليس إسنادُهُ عِندي بِمُتَّصلٍ.
(¬3) ينظر: المَبْسُوط، ج1، ص69.
(¬4) ينظر: إِحياء عُلُوم الدّين، ج1، ص16.
الغَزالي، محمّد بنُ محمّد، إِحياء عُلُوم الدّين، الطبعة الأُولى، دار الرّيان، 1987.
(¬5) ينظر: المَبْسُوط، ج1، ص70.
(¬6) ينظر: تعليم المُتَعلّم، ص17.
الزَّرنُوجي، بُرهانُ الإِسلام، تَعليم المُتعلّم طريق التَّعلّم، تحقيق: نعيم أَشرف نُور أَحمد، إِدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1437هـ.
الجزء 1 · صفحة 3
والعِلْمُ يَقُودُ إِلى العَمَلِ، فَإِنْ لم يَكُن، فلا فَائِدَةَ مِنهُ، لِذا قَالوا: إِذا تَجَرَّدَ العِلْمُ عَن العَمَلِ كانَ عَقِيمًا، أَي: لم يَنتِجْ أَمرًا عَظِيمًا، فَإِنَّ العِلْمَ بلا عَمَلٍ، وَأَثَرٍ، كَشَجَرٍ بلا ثَمَرٍ، وَسَحَابٍ بلا مَطَرٍ، وإِذا خَلا العَمَلُ عَن العِلْمِ كَانَ سَقِيمًا، إِذا لم يَكُن أَسَاسُهُ مُسْتَقِيمًا (¬1).
والفِقهُ هو الجَانِبُ العَمَليُّ، الَّذي لا غِنى عَنهُ، فَهو يَتَرَبَّعُ على عَرْشِ العُلُومِ، وَتَمَيّزَ كَذَلِكَ عَن غَيرِهِ، بِما جاءَ في فَضْلِهِ، فَعَن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: فتح أَبوابِ الدّين، ص138. وفي تاج العَرُوس، ص185: ما فائِدةُ العِلْمِ إِلَّا العَمَلُ بِهِ، مِثَالُهُ: كَمَلِكٍ كتَبَ إِلى نائبِهِ بِثَغْرٍ كِتابًا، فما فائِدَةُ الكِتابِ أَنْ يَقرأَهُ فقط، إِنَّما فائِدَتُهُ: العَمَلُ بِما فيه.
مِثالُ مَنْ يَشْتَغِلُ بِالعِلْمِ ولَيس لَهُ بَصيرَةٌ، كَمَثَلِ مئةِ أَلفِ أَعمى، سَلَكُوا طَرِيقًا مُتَحّرينَ فيها، فلو كانَ فيهم واحدٌ بِعَينٍ، لَتَبِعَهُ النَّاسُ أَجمونَ، وَتَركُوا مِئةَ أَلفِ أَعمى.
وَمِثَالُ العِلْمِ مع تَركِ العَمَلِ، كالشَّمْعَةِ تُضِيءُ لِلنَّاسِ بِإِحراقِ نَفْسِها، عِلْمٌ فيهِ الغَفْلَةُ عَنِ اللهِ، الجَهْلُ خَيرٌ مِنهُ.
القاري، عليّ بنُ محمّد، فتح أَبوابِ الدّين في شَرحِ آدابِ المُريدين، تحقيق: هيئة التَّأليف في وقف إِسماعيل آغا، الطبعة الأُولى، دار السّراج، 2020. ابن عطاء الله، أَحمد بنُ محمّد السَّكَندري، تاجُ العَرُوس الحاوي لتَهذيبِ النُّفُوس، تحقيق: قُصَيُّ بنُ محمَّد نورس الحلَّاق، الطبعة الثَّانية، دار التَّقوى، 2019.
(¬2) أَخرجه البخاري، ج1، ص42، رقم: 71، مسلم، ص299، رقم: 1037.
البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع المسند الصحيح، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى، دار الرّسالة، 2011. النَّيسابوري، مُسلم بن الحجَّاج، المُسنَد الصَّحيح المختصر من السُّنن بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، ترجمَ لمؤلفه وعرَّفَ بالكتاب: عبد المحسن بن حمد العبَّاد، الطبعة الأُولى، دار العالمية، 2016.
الجزء 1 · صفحة 4
وقالوا: ليس ثَمَّة عِلْم مِن العُلُومِ عَنِي بِهِ العُلماءُ عِنايةً تَامَّةً على تَوالي القُرُون، مِن أَبعدِ عَهدٍ في الإسلامِ، إلى أَدنى عُهُودِهِ القَريبةِ مِنَّا، مِثل الفِقْهِ الإسلامي (¬1).
وَهُو مِن أَشْرَفِ المَطالِب، وأَسنى المآرِب (¬2)، بُحُورُهُ زَاخِرَةٌ، وَرِيَاضُهُ نَاضِرَةٌ، وَنُجُومُهُ زَاهِرَةٌ، وَأُصُولُهُ ثَابِتَةٌ مُقَرَّرَةٌ، وَفُرُوعُهُ ثَابِتَةٌ مُحَرَّرَةٌ. لَا يَفْنَى بِكَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ كَنْزُهُ، وَلَا يَبْلَى عَلَى طُولِ الزَّمَانِ عِزُّهُ (¬3).
وَجاءَ التَّرغيبُ بِرَفْعِ شأنِ أَهلِهِ، فَقالَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «خِيارُكُم في الجاهليَّةِ خيارُكُم في الإسلامِ؛ إذا فَقِهُوا» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: مقالات الكوثري، ص106.
الكوثري، محمّد زاهد، المقالات، الطبعة الثَّانية، دار السَّلام، 2007.
(¬2) ينظر: مُسْعِفَةُ الحُكَّامِ، ص66.
التُّمرتاشيّ، محمّد بنُ عبد اللهِ، مُسْعِفَةُ الحُكَّامِ على الأَحكامِ، تحقيق: سامر مازن القُبَّج، الطبعة الأُولى، دار الفتح، 2007.
(¬3) ينظر: الأَشباه والنَّظائر، ص3.
السّيوطي، عبد الرَّحمن بن أَبي بكر، الأَشباه والنَّظائر، الطبعة الأُولى، دار الكتب العلميّة، 1990.
(¬4) أَخرجه البخاري، ج3، ص21، رقم: 3353، مسلم، ص715، رقم:2378.
الجزء 1 · صفحة 5
لِذا قَالوا: أَهْلُهُ قِوَامُ الدِّينِ وَقُوَّامُهُ، وَبِهِمْ ائْتِلَافُهُ وَانْتِظَامُهُ، هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِهِمْ يُسْتَضَاءُ فِي الدَّهْمَاءِ، وَيُسْتَغَاثُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَيُهْتَدَى كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَإِلَيْهِمْ الْمَفْزَعُ فِي الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَالْمَرْجِعُ فِي التَّدْرِيسِ وَالْفُتْيَا، وَلَهُمْ الْمَقَامُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى الزَّهْرَةِ الْعُلْيَا، وَهُمْ الْمُلُوكُ، لَا بَلْ الْمُلُوكُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَفِي تَصَارِيفِ أَقْوَالِهِمْ وَأَقْلَامِهِمْ، وَهُمْ الَّذِينَ إذَا الْتَحَمَتْ الْحَرْبُ أَرَزَ الْإِيمَانُ إلَى أَعْلَامِهِمْ، وَهُمْ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ إذَا افْتَخَرَ كُلُّ قَبِيل بِأَقْوَامِهِمْ (¬1).
فاشتَغَل بِهِ أَعلامُ الصَّحابَةِ، والتَّابعينَ رُضوانُ اللهِ عليهم (¬2)، وأَوَّلُ مِن دَوَّنَ الفِقهَ، إِمامُ الأَئمةِ، وَسِراجُ الأُمَّةِ، الإمَامُ الأَعظمُ الأَقدَمُ، أَبو حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالوا: جَعَلَهُ أَبوابًا، وَفُصُولًا، وأَربَاعًا، بعدَ ما كانَ إِذا وَقَعَ مَسأَلةٌ، ذَهبَ النَّاسُ إِلى القُرآنِ، والحَديثِ، يَلتَمِسُونَها مِنهُ، وَوَضَعَ كُلَّ بَحْثٍ مِن الفُرُوعِ، فللهِ درّه (¬3)، فَهُو أَوَّلُ مَن فَرَّعَ فيه (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الأَشباه والنَّظائر، ص3.
(¬2) ينظر: المَبْسُوط، ج1، ص70.
(¬3) ينظر: الحُجَجُ الباهرةُ، ص309.
الدَّوَّاني، محمّد بن أَسعد، الحُجَجُ الباهرةُ في إفحام الطَّائفةِ الكَافرةِ الفَاجرَةِ، تحقيق: عبد الله حاج علي منيب، الطبعة الأُولى، مكتبة البخاري، 2000.
(¬4) ينظر: المَبْسُوط، ج1، ص70.
الجزء 1 · صفحة 6
فالنَّاسُ عِيالٌ على أَبي حَنِيفَةَ في الفِقْهِ (¬1)، وَقَد كانَ رَحِمَهُ اللَّهُ طَيرًا، أَو شبه طَير نَفْسِهِ، وأَبو يوسف جَناحُهُ الأَيمنُ، ومحمَّد بنُ الحَسَن جَناحُهُ الأَيسرُ، وَزُفَر رِيشُهُ، فما مِن ريشةٍ مِن جَناحِهِ، إِلَّا وهو فَقِيْهُ أُمَّةٍ (¬2).
¬
(¬1) كما قال الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقال أَيضًا: ما طَلَبَ أَحدٌ الفِقْهَ إِلَّا كانَ عِيالًا على أَبي حنيفة. وقال أَيضًا: كانَ أَبو حنيفة وَقولُهُ في الفِقْهِ مُسَلَّمًا لَهُ فيه. وقال أَيضًا: مَن اَرادَ أنْ يَتَبَحَّرَ في الفِقْهِ، فهو عِيالٌ على أَبي حنيفةَ. ينظر: فضائل أَبي حنيفة، ص87، الانتقاء، ص210، مَعْدَنُ اليَواقِيت، ص116، مُسنَدُ أَبي حَنيفة، ص22.
ابن أَبي العوَّام، عبد الله بن محمّد، فضائل أَبي حنيفة وأخباره ومناقبه، تحقيق: لطيف الرّحمن البهرائجي القاسمي، الطبعة الأُولى، المكتبة الإمدادية، 2010. ابن عبد البرّ، يوسف بن عبد البرّ، الانتقاء في فضائل الأَئمة الثَّلاثة الفقهاء، تحقيق: عبد الفتَّاح أَبو غدّة، الطبعة الأُولى، دار البشائر، 1997. الهَيتَميّ، أَحمد بنُ محمّد بنُ عليّ بنُ حَجَر، مَعْدَنُ اليَواقِيتِ المُلْتَمِعة في مناقبِ الأَئمّة الأَربعة، تحقيق: أَحمد مُرْشِد، الطبعة الأُولى، دارُ السَّمَّان، 2020. الأَصبهاني، أَحمد بن عبد الله بن أَحمد، مُسنَد الإمام أَبي حنيفة، تحقيق: نظر محمّد الفاريابي، الطبعة الأُولى، مكتبة الكوثر، 1415هـ.
(¬2) ينظر: الغُرَفُ العَلِيَّة، ج1، ص231.
ابن طُولُون، محمّد بنُ عليّ، الغُرَفُ العَلِيَّةُ في طبقات متأخري الحنفيَّةِ، تحقيق: عبد الله بن عبد العزيز الشّبراوي، دار الرّسالة، القاهرة.
الجزء 1 · صفحة 7
وَقَد فَرَّغَ محمّد بنُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ نَفْسَهُ لِتَصنيفِ ما فَرَّعَهُ أَبو حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ (¬1)، فَحَصَل بِتَوفيقِ اللهِ تَعالى لَهُ الإبداع، وَمِنْ ثَمَّ نَسَجَ كُلُّ مَن جاءَ بَعدَهُ على مِنوالِهِ.
فَبَرَزَ الإِمامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ مِن مَدْرَسَةِ الإِمامِ الأَعظمِ، وَبَرَعَ بِما خَطَّت يَداهُ كِتَابَهُ البَدِيع: «بَدائِع الصَّنائِع في تَرتيبِ الشَّرائِع»، فَكانَ اسمًا على مُسَمَّى.
فَأَولَتهُ كُليةُ الفِقْهِ الحَنفيّ عِنايةً خَاصةً: دِرَاسةً، وَتَحقيقًا، وَتَعليقًا، حيثُ قَسَّمَت أَجزَاءَهُ بينَ طَلَبةِ الدّرَاساتِ العُلْيا في بَرنَامَج المَاجستير؛ لِلقيامِ بهذا الوَاجبِ، فَكانَ الجُزءُ المُوكَل إِليَّ مِن أَوَّلِ بابِ الطَّهارةِ إِلى نهايةِ أَحكامِ الحَيضِ وَالنّفَاسِ.
أَوَّلًا: مُشْكِلَةُ البَحْثِ
يُعتبرُ كِتابُ «بَدائِع الصَّنائِع في تَرتيبِ الشَّرائِع» مِن الكُتُبِ المُهمّةِ، ذات المَكانة الرَّفيعة لَدى العُلماءِ، وَطلابِ العِلْمِ في المَذهبِ الحَنفي، والذي تَنَاقلُوهُ جِيلًا بعدَ جيلٍ، إلَّا أَنَّه مِن خلال البَحْثِ، والتَّحريّ وَجَدَ الباحثُ أَنَّ هناك جوانب لا بدَّ مِن بَيانِها، والإجابة عليها، وإعادتها بِشكلٍ وَعَرضٍ جَديدين، ومِن هُنا جَاءت مُشكلةُ البحثِ وِفْق الأَسئلةِ الآتيةِ:
1. ما تَرجَمَةُ العَالِمِ، الشَّخصيةِ والعِلْمِيّةِ: عَصْرُهُ، شُيُوخُهُ، مُؤلَّفَاتُهُ وَدَرَجَتُهُ في الاجتِهادِ؟.
2. ما الدّراسَةُ السَّلِيمَةُ لِلمَخطُوطِ، مِن حَيثُ التَّعْلِيقاتُ النَّافِعَةُ، والتَّحْشِيَة؟.
3. ما النَّصُّ الصَّحيحُ، والأَكملُ لِلمَخطُوطِ؟.
ثَانيًا: أَهمّيةُ البَحْثِ:
تَكْمُنُ أَهمّيةُ التَّحقيقِ لهذا الكِتابِ في:
¬
(¬1) ينظر: المَبْسُوط، ج1، ص71.
الجزء 1 · صفحة 8
1 - حَاجةِ المَكتبةِ الإِسلاميةِ لِمثلِ هذا الكِتابِ الفَريدِ مِن نَوعِهِ في المَذْهبِ الحَنفي، بِبَيانِهِ، وَتَوضِيحِهِ،
وَعَرضِهِ بِشَكلٍ مُناسِبٍ.
2 - حَاجةِ طُلابِ العِلْمِ الشَّرعيّ لِمعرفةِ الكِتابِ، مِن حيثُ التَّرْجيح، والتَّقْعيد، والمُوازنة بينَ الأَقوالِ
المُعتمدةِ في الَمذْهبِ الحَنفي، لِيَكونَ مَرْجعًا لهم.
3 - حَاجةِ البَاحثينَ لِمعرفةِ قَواعد المَذهبِ الحَنفي، من حيث التَّأْصيل، وَبِناء المَسائلِ، والاستنباطات.
4 - حَاجةِ طُلابِ العِلْمِ للتَحشيةِ، والتَّعليقاتِ الخَادمة للمَخْطُوط، للاعتماد عليها، وفكّ غَوامِضِها.
ثَالِثًا: أَهدافُ البَحْثِ
يَهْدفُ البَاحثُ مِن خِلالِ البَحْثِ إِلى الآتي:
1. التَّعرِيفُ بِشَخْصِيَّةِ العَالِمِ، وَمَكانَتِهِ العِلْمِيَّةِ.
2. بَيَانُ الدّرَاسَةِ السَّلِيمةِ لِصَاحِبِ المَخْطُوطِ مِن حَيثُ التَّعْلِيقاتُ النَّافِعَةُ، والتَّحْشِيَة؟
3. إِثباتُ النَّصِ الصَّحِيحِ والأَكْمَلِ لِلمَخطُوطِ، مع تَثْبيتِ الفَوارِقِ، وَضَبْط تَصحِيحِها؟
رَابِعًا: الدّراساتُ السَّابقةُ
لم أَطلع على دِراساتٍ سَابقةٍ قَامت بِتَحقيقِ المَخْطُوطِ بِطريقٍ عِلْميّ، ومَنهجيةٍ سَليمةٍ، فَجُلّ ما وُجِدَ نُسَخٌ لا تَتَوافقُ مع الإِخراجِ الجَيدِ، والبَحْثِ العِلْميّ، كما خَلَت مِن التَّحقيقِ، والتَّعْليقِ العِلْميّ، وَيظهرُ ذلك جَليًّا لِلمُتخصّصِ في الفِقْهِ الحَنفي على وَجْهِ الخُصُوصِ، وهذه الطَبعاتُ هي:
1 - الطَّبْعَةُ الأُولى: طُبِعت في مِصْرَ سَنَة 1328هـ في سَبْعِ مُجلداتٍ في الطَّبعةِ الجَماليةِ، لمحمد أَمين الخانجي، وعلى نَفَقةِ الشَّيخ محمَّد سعد باشا الجابري والحاج مراد أفندي، وَبِتَصحيحِ الشَّيخ عبد الجواد خلف، على نُسخةٍ خَطيّةٍ، مَحفوظة في خزانة كُتبِ الحاج عبد القادر أفندي الجابري.
الجزء 1 · صفحة 9
ناسخه: عبد الله بن عبد الرحيم المدعو باللبقى، وتاريخ نَسخِهِ 1170هـ.
2 - الطَّبْعَةُ الثَّانيةُ: نشرَها زكريا علي يوسف مِن مَطبعةِ الإمامِ بالقاهرة، في بداية السَّبعينات، ولم
يُصرّحُ بالأَصلِ المَخْطُوطِ الَّذي اعتمدَ عليه في النَّشْرِ، ويقعُ في عَشرةِ أَجزاءٍ، خرَّج أَحاديثَ
الجُزءِ الأَوَّلِ منهُ - فقط - الشَّيخ أَحمد مُختار عُثمان.
3 - الطَّبْعَةُ الثَّالثةُ: وَقد ظَهَرت لِلكتابِ طَبعةٌ أُخرى، بتَصْنيفٍ حَاسوبيّ جديدٍ مِن دارِ الفِكْرِ للطباعةِ والنَّشرِ والتّوزيع - بيروت-، الطَّبعةُ الأُولى عام 1417هـ - 1996م، كُتِبَ على غِلافِهِ: طَبعة، ٌ جَديدةٌ مُنقَّحةٌ، مُصَحَّحةٌ، بإِشرافِ مَكتب البُحوث والدّراساتِ بِدارِ الفِكر، وَكَتب مُقدمةَ النَّاشرِ: الأُستاذ صدقي جميل العطَّار.
4 - الطَّبْعَةُ الرَّابعةُ: أَخرَجتها دارُ إِحياءِ التُّراثِ العَربي، ومؤسسة التَّاريخ العَربي - بيروت - لبنان. وَحاليًا بينَ أَيدينا الطبعةُ الثَّانية، منها عام 1419هـ - 1998م، بتقديم: فضيلة الشَّيخ عبد الرَّزاق الحَلبي، وتحقيق وتخريج: محمَّد عدنان بن ياسين درويش، واعتمَدَ في إخراجِ الكتابِ على ثلاثِ نُسَخٍ خَطيّةٍ بينها:
أ. نُسخة مكتبةِ الحاج عبد القادر آفندي الجابر، وهي مطبوعةٌ -كما بينّا في الطبعةِ الأُولى- بالمطبعةِ الجمالية.
ب. النُّسخةُ الثَّانية: وهي نُسخةُ المكتبة الظَّاهرية، هي قديمةٌ، عليها قراءة في أَوّلها - سنة 817هـ
وَتملَّكها محمد بنُ طُولون الحَنفي، وهي ناقصةٌ، تحتوي من أَوَّل الكتابِ إِلى صلاةِ الجنازةِ.
ت. النُّسخةُ الثَّالثةُ: تتكوَّنُ في الحقيقةِ من نُسختينِ، يُكمّلُ بَعضُهما البعض، مُصَوَّرة مِن دارِ الكُتُبِ
المَصْريةِ: أَوَّلها نُسِخت في 650هـ، وَتَملَّكهما قاضي المَدينةِ المُنوَّرةِ في الخِلافةِ العُثمانيةِ الشَّيخُ أحمد آفندي.
الجزء 1 · صفحة 10
5 - الطَّبْعَةُ الخَامسةُ: قامت بإِخراجِها دارُ الكُتُب العِلْميّةِ - بيروت - عام 1418هـ - 1997م، الطبعةُ الأُولى في عَشرةِ أَجزاءٍ، والمحقّقان - كما أُثبتَ على الغِلافِ- الشَّيخ علي محمد معوض والشَّيخ عادل أَحمد عبد المَوجود.
6 - الطَّبْعَةُ السَّادسةُ: أَخرجتها دارُ الحَديثِ - القاهرة، سَنَة الطّباعة 1426هـ - 2005م، في عَشرةِ أَجزاءٍ، قام على تَحقيقها: محمَّد محمّد تامر ومحمد سعيد الزّيني ووجيه محمد علي.
إِنَّ الذي حَدا بالبَاحثِ أْنْ يَشْرعَ في تَحقِيقِ كِتابِ البَدائِع هو النَّقْصُ في التَّحقيقِ العِلْمِيّ لِلطبَعاتِ، المُنْتَشِرَةِ، والمُتَداولَةِ بينَ الأَيدي، بِحيثُ نَجِدُ أَنَّها أَخلّت كَثيرًا بِالنَّصِ، وأَبعَدت المَعنى الصَّحيحَ عن المُرادِ، وهذا من المُبرّراتِ التي أَوجَبت على البَاحثِ أَنْ يَخْدُمَ كتابَ البَدَائِع، لِيَصِلَ النَّصُ الكامِلُ إِلى طَلَبَةِ العِلْمِ، وَيَفْرَح بِهِ أَصحابُ التَّخَصُّصِ، حينَ يَرَونَ تَحقِيقَ المَسَائِلِ من مَظانّها، وَتَدقِيقَ الخِلافِ الواقِعِ فيها، وتَخْرِيجَ الأَحادِيث، وَما يَتْبَعُ مِن الحُكْمِ عليها.
وَحَينما تَقَصَّدتُ ذَلِكَ، لِأُدَلَّل على ما ذُكِرَ آنفًا، وَضَعْتُ مُقَارَنةً بينَ أَشْهَرِ الطَّبعاتِ، لِتكُونَ النتائجُ مُطابقةً لِما تَوَصَّلتُ إِليه.
مُقَارَنةٌ بَينَ بَعْضِ النُّسَخِ المَطبُوعةِ
الجزء 1 · صفحة 11
1. نُسخَةُ دارِ الحَديثِ (¬1)، وَقَد وَرَدَ في مُقَدّمةِ تَحقِيقِها أَنَّهُ تَمَّ مُقابَلَةُ النَّصِ على نُسخَةٍ كامِلَةٍ مَخطُوطَةٍ مُصوَّرَةٍ مِن دارِ الكُتُبِ المَصريَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لم يَتَحصَّل لِمُحقّقِيها أَصلٌ مَخطُوطٌ لِكتابِ النَّذرِ، والكَفَاراتِ والأَشرِبَةِ، مُعتَمِدينَ على نُسخَةٍ قديمةٍ جدًا، إِضافةً إِلى نُسخَةِ دارِ الكُتُبِ العِلمِيَّةِ، التي يُشَارُ إِليها بِقَولِهم: وفي المَطبُوعِ كذا.
2. نُسخَةُ المَكتَبَةِ التًّوفيقيَّةِ (¬2)، وَقَد وَرَدَ في مُقَدّمةِ تَحقِيقِها أَنَّهُ تَمَّ الاعتِمادُ على خَمسِ نُسَخٍ مَطبُوعَةٍ، وادَّعى مُحَقّقُها أَنَّ أَفضَلَ النُّسَخِ هي طَبعَةُ دَارِ الكُتُبِ العِلميَّةِ.
3. نُسخَةُ دارِ الكُتُب العِلميَّةِ (¬3)، وَقَد وَرَدَ في مُقَدّمةِ تَحقِيقِها أَنَّهُ تَمَّ الاعتِمادُ على تِسعِ مَخَطُوطاتٍ لِمُقابَلَةِ النَّصِ.
وَمِن الجَديرِ ذِكرُهُ:
1. أَنَّ النُّسَخَ المَطبُوعةَ كَثِيرةٌ، إِلَّا أَنّي ارتَأَيتُ أَنْ اقتَصِرَ على عَيّنةٍ مِنها.
2. أَنَّ السَّقْطَ الواقِع في هذه النُّسَخِ، على اختلافِهِ، بعضُهُ لا يُؤثّرُ في النَّصّ، والآخرُ يُخلُّ في المَعنَى.
¬
(¬1) بتحقيق: محمَّد محمّد تامر وآخرين، سَنَةُ الطَّبعِ، 2005م.
(¬2) بتحقيق: أَحمد محمود العتموني، الطبعة الأُولى، 2015م.
(¬3) بتحقيق: علي محمَّد معوّض وعادل أَحمد عبد الموجود، الطبعة الأُولى، 2019م.
الجزء 1 · صفحة 12
3. أَنَّ طَبعَةَ دارِ الكُتُبِ العِلمِيَّةِ على الرَّغمِ مِن أَنَّها الأَكثرُ انتِشارًا، ومُقابَلتها على أَكبرِ عَدَدٍ مِن النُّسَخِ المَخطُوطَةِ، واعتَمَدت عليها النُّسَخُ المَطبُوعةُ، إِلَّا أَنَّ بعدَ المُقَارَنَةِ، تَبيَّنَ أَنَّ تَغييرَ الكَلِمةِ النَّاتِجُ مِن الطّباعَةِ أَخلَّ بِمَقصُودِ النَّصِ كثيرًا، ممَّا جَعَلَ هذه الطَّبعَةَ أَقلَّ الطَّبعاتِ رُتبَةً في الاعِتمادِ.
تَفصِيلُ المُقَارَنَةِ:
نسخة ... نسخة ... نسخة ... دار الحديث ... المكتبة التَّوفيقيّة ... دار الكتب العلمية
1 ... سَقْطُ كَلمةٍ ... 68
2 ... سَقْطُ أَكثرِ من كَلمةٍ في مَوضَعٍ واحدٍ ... 158
3 ... تَغييرُ كَلمةٍ ... 85
4 ... زِيادةُ كَلمةٍ ... 16 ... 12 ... 22
5 ... زِيادةُ أكثر من كَلمةٍ في مَوضِعٍ واحدٍ ... 11 ... 17 ... 27
6 ... تَغييرُ العِبارةِ ... 9 ... 7 ... 6
7 ... التَّقديمُ والتَّأخير في العِبارَةِ ... 9 ... 9 ... 11
8 ... سَقْطُ حَرْفٍ ... 28 ... 45 ... 40
9 ... زِيادةُ حَرْفٍ ... 18
10 ... تَغييرُ حَرْفٍ ... 39
11 ... سَقْطُ حَرفينِ من كَلمةٍ واحدةٍ ... 1
خَامِسًا: المَنْهَجيَّةُ المُتبعَةُ في التَّحقيقِ
1. المَنْهَجُ الاستِقرائي، مِن خِلالِ دِرَاسةِ الشَّخْصِيّةِ، وَتَرْجَمَتِها، والتَّعْلِيقِ، والتَّحشِيةِ.
2. المَنْهَجُ التَّارِيخِيُّ «الاستردَادِي» في تَحْقِيقِ المَخْطُوطِ، مِن تَصحِيحٍ، وَضَبطٍ، وَمُقَابَلَةٍ، تَيْسِيرًا لِفَهْمِهِ.
3. المَنْهَجُ الجَدَلِيُّ في مُنَاقَشَةِ المُؤَلّفِ في اختِيَارَاتِهِ، واعتِمادِها.
سَادِسًا: مَنْهجيةُ العَمَلِ في التَّحقيقِ
سَيكونُ مَنهجُ عَمَلِ البَاحثِ في التَّحقيقِ كالآتي:
أَوَّلًا: مَنْهَجُ البَاحثِ في المُقَابلةِ والتَّعليقِ:
1 - بَيانُ النُّسخِ التي اعتُمِدت لِلتحقيقِ وَوَصفها، وتَحديد مَكانِها، وَعدد الأَوراقِ، وتاريخ كِتابتِها،
الجزء 1 · صفحة 13
وعدد أَسطرِها، وغيرها من الأُمور التي لها شأنٌ في تَوضيحِ المَخْطُوطِ، وتوثيق مَصدرِهِ، بالإضافةِ إِلى صُورةِ الوَرقةِ الأُولى والأَخيرةِ لكلِ نُسخةٍ، وإِثباتها عندَ الوَصفِ.
2 - تَوضيحُ المَسائلِ الغَامِضَةِ في المَخْطُوطةِ ذات الخَفاءِ، أَو الأَلغازِ لشدّةِ اختصارِها، لإزالةِ
الإبهامِ عن العِبارات، وشَرحِها، وتَوضيحِها من الكُتُب الفِقْهيةِ المُعتبرة؛ وُصُولًا لأَسهلِ عبارةٍ،
وَتثبتُ بالحاشيةِ مع مَراجِعِها.
3 - التَّعليقُ على جميعِ الآراءِ التي خالفَ فيها المُؤلّفُ مُعْتمدَ المَذْهبِ، كأن يَأتي بِتَخريجٍ ضَعيفٍ
في المَذْهبِ، أَو يَذْكُر رَأيًا مُخالفًا للمُعْتمَدِ، فَأعملُ على التَّعليقِ، والتَّنبيهِ على ذلك الرَّأي في
الحاشيةِ، مُبيّنًا ضَعْفَهُ، وَردّهُ، وعدم اعتمادِهِ، مُسْتعينًا بالكُتُبِ الفِقْهيةِ، وَمُدلّلًا مِن عِباراتِ
الفُقَهاءِ، وِفْق أُصُولِ قَواعد التَّرجيحِ.
4 - إِثباتُ النَّصِ الأَصلحِ والأَصحِ في الأَعلى، وَذِكْر الفُرُوق الأُخرى في الحاشيةِ، فلا يَتجاوزُ
الباحثُ في مَرحلةِ تَمحيصِ المَخْطُوطِ كلمةً كلمةً، إلَّا بالاقتناعِ أَنَّها هي الصَّحيحةُ؛ من خلالِ
التَّرجيحِ بينَ النُّسخِ، واختيار الأَصحِ، لا الاعتمادَ على النُّسخةِ الأُم في التَّحقيقِ في الأَعلى، وما
سُواهُ نُثبتُه في الحَاشيةِ.
5 - مُناقشةُ كلّ مَسألةٍ نَصَّ المَخْطُوطُ عليها بِعبارةِ التَّرجيحِ صَرِيحَة، مِثل: وهو الصَّحيحُ، أَو
الأَصحُ، أَو المُختارُ، أَو وَبِهِ يُفتى، لِبيانِ الأَقوالِ الأُخرى في ذَاتِ المَسألةِ.
6 - بَيانُ الرّواياتِ الضَّعيفةِ التي نَقَلَها صَاحبُ المَخْطُوطِ بِدُونِ التَّنبيهِ عليها، نتيجة اعتمادِهِ على
كِتابٍ غيرِ مُعْتَمدٍ، مع التَّعليقِ في الحاشيةِ بما يُثبتُ ضَعْفها، وعدم اعتمادِها.
الجزء 1 · صفحة 14
7 - التَّنبيهُ على عباراتِ التَّساهُلِ في الإطلاقِ في المَخْطُوطِ، حيث تَركيبُ العِبارةِ مِن الجَانبِ
العِلْميّ غَير صَحيحٍ؛ لكنه ليس من قِبِيلِ الخَطأ؛ ولكن من قِبِيل التَّساهلِ في العِباراتِ.
8 - بَيانُ المَعنى الاصطلاحي لِلمُفرداتِ من مَصادرِها الأَصليةِ عندَ الحنفيَّةِ؛ لِلوُصُولِ إِلى مُرادِ
الحنفيَّةِ من هذا المُصْطَلحِ، وعدم الاقتصارِ على مَعرفةِ المَعنى في اللغةِ، وكذا عندَ المَدارس
الفقهية الأُخرى عندَ الحاجةِ.
9 - ذِكْرُ مُصطلحاتِ المُؤلّف في المَخْطُوطِ ضِمنَ قائمة مُنْفَردة؛ لِتكونَ مِفتاحًا للقارىء في فَهمِ
المَخْطُوط.
10 - تَخريجُ أَسماءِ الكُتُبِ التي ذَكَرَها المُؤلّف في المَخْطُوطِ؛ لأَنَّها مَصادرُهُ، سَواء كانت
بالواسِطَةِ، أَو مُباشرة بكتابةِ اسمِ الكِتابِ، وَمُؤلّفهِ، وَطباعتِهِ، وَمكانِ المَخْطُوطِ إنْ لم يكن
مَطبُوعًا ومُحَقَّقًا.
11 - تَخريجُ الأَحاديث بِذكرِ رُواتِهِ من الصَّحابَةِ، والكُتُب التي خرَّجتهُ، وَذِكر الحُكْمِ من حيثُ
الصِّحة، والضَّعف، من قِبَلِ كِبارِ المُحَدِّثينَ، والإتيان لَهُ بالشَّواهد التي تُقوّيه إنْ كان فيه ضَعْفٌ، وَتثبيتُ لَفْظِ الحديثِ المَذكورِ في كُتُبِ السُّنّةِ إنْ ذَكَرهُ الشَّارِحُ بِمَعناهُ، واكتفيتُ بذكرِ الجُزءِ، والصَّفحةِ، وَرَقمِ الحَديث، بدل الكِتاب والباب خوف التَّطويل؛ لأَنَّ غالبيةَ الأَحاديث غير مَذكورةٍ في الصّحاحِ، فاحتاجُ إِلى ذِكرِ عَددٍ كَبيرٍ مِن كُتُبِ السُّنّةِ الوارد فيها، فلو ذَكَرتُ الكِتابَ، والبابَ، لاستغرقَ تَخريجُ كَثيرٍ منها أَكثر مِن صَفحةٍ.
ثَانيًا: مَنْهَج البَاحِثِ في التَّوثيقِ كالآتي
1 - القِيامُ بِتَرميزِ نُسَخِ المَخْطُوطات بِحَرفٍ، مثلًا: أ، ب، ج.
الجزء 1 · صفحة 15
2 - تَوثيقُ كُلّ الأَقوالِ الوَاردةِ في المَخْطُوطِ لأَصحابِها، وَيُستثنى مِن ذلك قول الإمامِ أَبي حنيفةَ، وَصاحبِيه الإمامين: أَبي يوسف، ومحمّد بنُ الحَسَن، وَزُفَر بنُ هذيل، والحَسَن بنُ زِياد؛ لأَنَّ كُتُبَ الفِقْهِ في المذهبِ وُضِعَت مِن أَقوالِهم، فهي مَظانُّها، إلَّا في حالةِ اضطرابِ الرَّأي في مَسألةٍ ما، فَيتمُّ التَّحرّي للتأكدِ مِن نِسبةِ القَولِ من أَجلِ التَّصحيحِ.
3 - تَوثيقُ أَقوالِ أَئمّة المذاهبِ: الإمامُ مالك بن أَنس، أَو الإمامُ الشَّافعيّ مُحمَّد بنُ إدريس، أَو الإمامُ أَحمد بن حَنبل، فَيتمُّ تَوثيقُهُ من الكُتُبِ المُعْتَمَدةِ لِصَاحبِ المَذْهبِ؛ للتأكد مِن نِسبةِ القَولِ وَصِحتِهِ، وإِنَّهُ مُعتمدُ مَذْهَبِهِ، وإنْ ظهرَ غيرَ ذلك، يَتمُّ التَّنبيهُ في الحَاشيةِ.
4 - تَوثيقُ النَّقلِ عن عُلَماءِ التَّفسيرِ، أَو الحَديثِ، أَو اللغةِ مِن كُتُبِهم، فإن كانَ مَفْقُودًا يُوثَّق مِمّن نَقَلَ عنهُ؛ بِشَرطِ أَنْ يكونَ مُتقدّمًا على مُؤلّفِ المَخْطُوطِ.
5 - وَضْعُ علامةِ التَّنصيص «» لِكُلّ نَصّ في المَخْطُوطِ نَقَلَ بِحُرُوفِهِ مِن كِتابٍ آخر، أَو مُخْتَصَرًا، والتَّنبيهُ على ذلك بالقَولِ: إِنّه مُلَخَّصٌ، فَيُجعل في نهايةِ النَّقْلِ، وَيُذكر في الحاشيةِ: انتَهى مِن كِتابِ كذا، أَو انتهى مُلَخَّصًا مِن كِتابِ كذا، وإِنْ كان في نِهايةِ النَّصِ في المَخْطُوطِ لَفْظُ انتهى، يُكتبُ في الحَاشيةِ، مِن كِتابِ كذا.
6 - إِذا كانَ الاختلافُ في كلمةٍ واحدةٍ نَضَعُ «علامة الحاشية» عليها بِدُونِ وَضعها بين مَعكوفيته هكذا: «زيد»، وإن كان الاختلافُ في كَلمتينِ فَأكثر وَضَعنا «علامة الحاشية» على معكوفتين هكذا: «».
الجزء 1 · صفحة 16
7 - إذا سقطت كلمةٌ، يُثبتُ في الحاشية سقَطَت من: ب، أو سَقَطَت من: أ، ب، أَو يمكن أَن يُعبّر: زِيادة في: د. وإِذا سَقَطَت كلماتٌ من نُسخةٍ، أَو نُسَخٍ، نَضَعُ السَقْطَ في الأَعلى بين معكوفين []، وإِذا تداخَلَ السَّقْطُ بِسَبَبِ كَثرةِ النُّسخِ، نَضَعُ السَّقْطَ الأَكبرَ أَوَّلًا بين معكوفين []، ثُمَّ السَّقْطُ الَّذي دونه يكون بين مَعكوفين مُضاعفين هكذا [[]]، وإِذا زاد يَكونُ هكذا [[[]]].
8 - إذا كان الاختلافُ في تَركيبِ كلمةٍ، أَو كلمات، أُثبت الصَّحيحَ في الأَعلى، وَذِكر الصُّور
المَرجُوحة في الأَسفل، «في ج، د: كذا»، فإذا كان الاختلافُ على أكثرِ من صُورتينِ
أُثبت الصُّور المَرجوحة في الأسفل، «في ج، د: كذا»، و «في ح، خ: كذا».
9 - تَوثيقُ الآياتِ في الأَعلى بِبيانِ اسمِ السُّورةِ وَرقمِ الآيةِ، بحيث تَكونُ الآيةُ بالرَّسمِ العُثماني بين
قَوسين مزهرين، والتَّوثيق بين معكوفين مُرَبّعين [].
10 - تَثبيتُ الفُرُوقِ ما عدا الاختلاف في صِيغِ الصَّلاةِ على النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وَصِيغِ التَّرحمِ على العُلماءِ والصَّحابةِ؛ لأَنَّها في الدَّرجةِ الأُولى مِن النُّساخِ، لا من المُؤلّفِ، بِسبَبِ التَّفاوتِ الكبيرِ فيها بَينَ ذِكْرِها وحذفِها. لذا سَأَقوم بِتثبيتِ شَكْلِ الصَّلاة كالآتي «صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم»، وكذا اختلاف النُّسخِ بصيغةِ التَّرحمِ، والتَّرَضي على من يذكر من العلماءِ شكل التَّرضي «صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم».
ثَالِثًا: مَنْهَجُ البَاحِثِ في تَرجَمَةِ شَخصيةِ المُؤلّفِ، والشَّخصياتِ، والأَماكِن
1 - التَّأكد من اسمِهِ، وَنَسَبه، ولقبه، وكنيته، والتَّفريق بينه وبين الأسماءِ المُشابهةِ لَهُ.
الجزء 1 · صفحة 17
2 - التَّثبتُ من تَاريخِ مَوْلِدِهِ ووفاتِهِ، ونشأتِهِ، وعائلتِهِ، وَرحلاتِهِ، والوَظائف التي تقلَّدها، ومكانته العِلْمِيَّة، والثَّناء عليه، ودرجته في الاجتهادِ في المَذْهبِ.
3 - تَحقيقُ عِنوانِ المَخْطُوطِ، وصحة نِسْبةِ المُؤَلّف إليه، والسَّبب الدَّاعي لتأليفهِ.
4 - مَعرفةُ شُيوخِهِ، وتلاميذِهِ، والطَّبقات التي تتلّمذَ عليها، والطَّبقات التي عَلَّماها، وأَخذت عنه.
5 - بَيانُ مَنْهجِ المُؤلّفِ في المَخْطُوطِ، وَتَسجيلُ المُلاحظاتِ، وبَيانُ صِحَّتِها، ومُواءَمتِها لِقَواعدِ المَذْهَبِ.
6 - تَرجَمةٌ لِجميعِ الأَعلامِ التي تُذكَرُ في المَخْطُوطِ، بِذكرِ الاسمِ، واللقبِ، والوَفاة، والكُتُبِ التي ألَّفها، كَذِكْرِ ثَلاثِ كُتُبٍ على الأَقلّ، وَنِسبتهُ إليه مع تَوثيقِ رَقمِ الصَّفحةِ، والكتاب الذي اقتُبسَ منهُ، مع نبذةٍ لا تتجاوزُ الثلاث أَسطرٍ -إِلَّا إِذا دَعَت الحاجَةُ- عن كُلّ عَالِمٍ من مَصادِر قَديمة وحَديثه.
7 - تَرجمةُ الأماكن التي تُذكر وقد تُوهِمُ على القَارىء، بالإضافةِ لِتَرجمةِ المَذاهبِ، والفِرَق بِبيانِ مَذْهبِها، ومكانتِها في الفِقْهِ، أَو الاعتقادِ، أَو اللغةِ، أَو في فنّها، وَصَنْعتِها.
رَابِعًا: مَنْهَجُ البَاحِثِ في التَّعاملِ مع النَّصِ
1 - انتقاءُ نُسخةِ المَخْطُوطِ الأَفضلِ، والأَكملِ، والأَوضحِ من النُسَخِ، لِتوضيحِ وَتَثبيتِ الفُرُوق.
2 - تَقْسيمُ المَخْطُوطِ لِفَقَراتٍ تَتَناسبُ مع المَواضيع والمَعاني.
3 - وَضْعُ عَلامات التَّرقيمِ، والرَّسم الإِملائي المُناسب.
4 - الاعتناءُ بِمَواضِع الهَمزات، والشَّدّات المُناسبة، وِفْق المَدارس الإِملائيةِ، والنَحْويةِ في مدارس اللغة العربية.
5 - تَوضيحُ بَعْضِ الكَلماتِ التي تَحتاجُ إِلى تَوضيحٍ لُغَوي من المَعَاجم؛ لِكَشْفِ خَفَائِها.
سَابِعًا:
الفصل الأَوَّلُ: مُقَدّمَةُ التَّحْقِيقِ
الجزء 1 · صفحة 18
المبحث الأَوَّل: دراسةُ حياةِ المُصَنّف الشَّخصيّة.
المطلب الأَوَّل: اسمُهُ وَكُنيتُهُ، نَسَبُهُ، ولادتُه، نَشأَتُه، أُسرَتُهُ، أَلقابُهُ، صِفَاتُه، وَفَاتُهُ.
المطلب الثَّاني: عَصْرُهُ، تَحصِيلُهُ للعِلْمِ، شُيُوخُهُ، تَلامِيذُهُ.
المطلب الثَّالث: اختِيارَاتُهُ ودَرَجَتُهُ في الاجتِهادِ، َثَناءُ العُلماءِ عليه، مؤلفاتُهُ.
المبحث الثَّاني: دراسةُ كِتابِ البَدائِع.
المطلب الأَوَّل: نِسبةُ الكتابِ إِلى المُصنّفِ، مَصَادرُهُ.
المطلب الثَّاني: مَنهَجُ المُصَنّفِ وَمَيّزَاتُ كِتَابِهِ، مُسَامَحاتُه.
المطلب الثَّالث: وَصفُ نُسَخِ المَخطُوط.
الفصل الثَّاني: النَّصُ المُحَقَّقُ
1.الطَّهارَةُ وأَركانُ الوُضُوء.
2. المَسْحُ على الخُفّينِ، والجَوْرَبَينِ والجَبائر.
3. شَرَائِطُ أَركانِ الوُضُوء.
4. سُنَنُ الوُضُوءِ وآدابهِ
5. نَواقِضُ الوُضُوءِ.
6. أَحكامُ الحَدَثِ.
7. الغُسْلُ.
8. الحَيْضُ وَالنّفَاسُ.
الخَاتِمَةُ والفهارِس
أَوَّلًا: الخَاتِمةُ
ثَانِيًا: الفِهْرِست
1. الآيات.
2. الأَحادِيث.
3. الآثار.
4. الصَّحابة.
5. التَّابِعُونَ.
6. الأَعلام
7. الفِرَق.
8. الشّعْر.
9. المُصْطَلَحات.
10. تَحْقِيقُ المَسَائِلِ.
11. المَصَادِرُ والمَراجِعُ.
الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدّمَةُ التَّحْقِيقِ
المبحث الأَوَّل: دراسةُ حياةِ المُصَنّف الشَّخصيّة.
المطلب الأَوَّل: اسمُهُ وَكُنيتُهُ، نَسَبُهُ، ولادتُه، نَشأَتُه، أُسرَتُهُ، أَلقابُهُ، صِفَاتُه، وَفَاتُهُ.
المطلب الثَّاني: عَصْرُهُ، تَحصِيلُهُ للعِلْمِ، شُيُوخُهُ، تَلامِيذُهُ.
المطلب الثَّالث: اختِيارَاتُهُ ودَرَجَتُهُ في الاجتِهادِ، ثَنَاءُ العُلماءِ عليه، مؤلفاتُهُ.
المبحث الثَّاني: دراسةُ كِتابِ البَدائِع.
المطلب الأَوَّل: نِسبةُ الكتابِ إِلى المُصنّفِ، مَصَادرُهُ.
المطلب الثَّاني: مَنهَجُ المُصَنّفِ وَمَيّزَاتُ كِتَابِهِ، مُسَامَحاتُه.
الجزء 1 · صفحة 19
المطلب الثَّالث: وَصفُ نُسَخِ المَخطُوط.
المبحث الأَوَّل: دراسةُ حياةِ المُصَنّف الشَّخصيّة.
المطلب الأَوَّل: اسمُهُ وَكُنيتُهُ، نَسَبُهُ، ولادتُه، نَشأَتُه، أُسرَتُهُ، أَلقابُهُ، صِفَاتُه، وَفَاتُهُ.
المطلب الثَّاني: عَصْرُهُ، تَحصِيلُهُ للعِلْمِ، شُيُوخُهُ، تَلامِيذُهُ.
المطلب الثَّالث: اختِيارَاتُهُ ودَرَجَتُهُ في الاجتِهادِ، ثَنَاءُ العُلماءِ عليه، مؤلفاتُهُ.
المطلب الأَوَّل: اسمُهُ وَكُنيتُهُ، نَسَبُهُ، ولادتُه، نَشأَتُه، أُسرَتُهُ، أَلقابُهُ، صِفَاتُه، وَفَاتُهُ.
أَوَّلًا: اسمُهُ وَكُنيتُهُ، نَسَبُهُ
هو أَبو بكر بنُ مَسعودٍ بنُ أَحمد، وهذا باتفاقِ أَصحابِ التَّراجمِ والسّيرِ (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضيّة، ص445، تاج تراجم، ص327، طبقات الحنفية، ج2، ص164، كتائب أَعلام الأخيار، ج2، ص485، الفوائد البهيّة، ص91، مُعجم المؤلفين، ج1، ص446، مهام الفقهاء الحنفية الأَنجاب، ص301.
القرشي، عبد القادر بن أبي الوفاء، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، تحقيق: محمد عبد الله الشَّريف، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت، 2005. ابن قُطلُوبُغا، زين الدّين قاسم، تاج التَّراجم، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الطبعة الأولى، دار القلم، 1992. ابن الحنائي، علي بن أَمر الله الحميدي، طبقات الحنفية، تحقيق: محيي هلال السَّرحان، الطبعة الأولى، ديوان الوقف السُّنّي، 2005. الكفوي، محمود بن سليمان، كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النَّعمان المختار، تحقيق: صفوت كوسا وآخرون، الطبعة الأولى، مكتبة الإرشاد، 2017، اللكنوي، محمد عبد الحي، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، تحقيق: أحمد الزُّعبي، الطبعة الأولى، دار الأرقم بن أبي الأرقم، 1998. كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين، الطبعة الثانية، دار الرّسالة العالمية، 2021. الأَدَرنويّ، محمد كامي بن درويش، مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب بما عُرفوا به من الأسماء والكُنى والأنساب والألقاب، تحقيق: محمد خالد الخرسه، الطبعة الثانية، مركز حرف للبحث والتَّطوير العلمي، 2022.
الجزء 1 · صفحة 20
ولم أَجد للإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ اسمًا غيرَ الكُنيةِ في كُتُبِ تَرَاجِمِ الحَنَفيّةِ (¬1)، وهذا يَحتملُ أَمرين:
1. إِمَّا أَنْ يكون اسمُهُ: أَبو بكر.
2. وإِمَّا أَنْ يكون ممن غَلبت كنيتُهُ اسمَهُ.
الاحتمالُ الأَوَّلُ ليس بِمُستَغربٍ، خاصةً أَنَّ ثَمَّةَ مَن اشتَهرَ بذلك، وأَمثلتُهُ:
1. أَبو بَكْرٍ بنُ محمّدٍ بنُ عَمْرو بن حزم بن زيد الأَنصاري، أَميرُ المدينةِ، ثُمَّ قاضي المدينةِ، أَحدُ الأَئمةِ الأَثباتِ، قيل: تُوفي سنة عشرين ومائة، وقيل: ماتَ في سنة سبعة عشر (¬2).
2. أَبو بلال الأَشعري، هو الإِمامُ المُحدّث، أَحدُ عُلماءِ الكُوفةِ، تُوفي قبل الثَّلاثينَ ومائتين، قال أَبو حاتم: سأَلتُهُ عن اسمِهِ، فقالَ: هو كُنيتي (¬3).
3. أَبو حصين بنُ يحيى بن سُليمان الرَّازي، لا يُعرفُ له اسمٌ (¬4)، قال عبد الرَّحمن بنُ أَبي حاتمٍ، وهو صَدوقٌ، ثقةٌ، سمعت أَبي يقول: قلتُ لأَبي حصين: هل لك اسمٌ؟ قال: قال: اسمي وكُنيتي واحدٌ، فقلتُ: فأَنا أُسميك عبد الله، فتبسَّم، وقال أَبو القاسم الطبرانيُّ: قيل: إِنَّ اسمَ أَبي حصين يحيى ابن سُليمان (¬5).
¬
(¬1) وأَطلق في تَبصير المُنتبه، ج3، ص1148، أَنَّ اسمَهُ: رِزقُ اللهِ.
(¬2) ينظر: سير أَعلام النُّبلاء، ج6، ص122 - ص123.
الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النُّبلاء، تحقيق: أبي سعيد عمر بن غرامة، الطبعة الأولى، دار الفكر، 1997.
(¬3) ينظر: سير أَعلام النُّبلاء، ج9، ص240 - ص241.
(¬4) ينظر: تاريخ الإسلام، ج5، ص1293.
الذَّهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأَعلام، تحقيق: بشَّار عوَّاد معروف، الطبعة الأُولى، دار الغرب الإِسلامي، 2003.
(¬5) ينظر: تهذيب الكمال، ج33، ص249 - ص250، التَّكميل في الجَرحِ والتَّعديل، ج3، ص149 - ص150.
المزّي، يوسف بن عبد الرَّحمن، تَهذيبُ الكَمال في أَسماءِ الرّجال، تحقيق: بشَّار عوَّاد معروف، الطبعة الأُولى، مؤسسة الرّسالة، 1980. ابن كثير، إِسماعيل بن عمر، التَّكميل في الجرحِ والتَّعديل ومعرفة الثّقات والضُّعفاء والمجاهيل، تحقيق: شادي بن محمّد بن سالم آل نعمان، الطبعة الأُولى، مركز النُّعمان، 2011.
الجزء 1 · صفحة 21
4. أَبو بكر بنُ عَيَّاش (¬1) الحَنَّاط: الفقيه، المُحدّث، المُقرئ، شيخُ الإِسلام، تُوفّي سنة ثلاث وتسعين مائة، وله ستٌّ وتسعونَ سَنَةً.
والصَّحيح أَنَّ اسمَهُ كُنيتُهُ.
قال ابنه إِبراهيم: سألتُ أَبي، ما اسمُكَ؟ قال: إِنَّ أَباكَ لم يَكُن له اسمٌ.
وسأَله يحيى بنُ آدم وغَيرُه عن اسمِهِ، فقال: اسمي كُنيتي (¬2).
والاحتمالُ الثَّاني ليس بِبَعيدٍ، فقد جاء في كُتُبِ التَّراجِمِ والسّيرِ ما يُثبتُ ذلك، وأمثلتُهُ:
1. أَبو شَيبة الخُدْريّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، صاحبُ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، تُوفي أَثناء حصارِ القُسطنطينيّة.
سُئِلَ أَبو زُرعة عن أَبي شيبةَ الخُدري، فقال: له صُحبةٌ، ولا يُعرفُ اسمُهُ (¬3).
¬
(¬1) وقع في الجواهر المضيّة، ص443، نسخة دار الكُتب العلميّة: «عبَّاس». ولكن بعدمَّا تقصّدتُ نُسخةً أُخرى وبعضَ كُتُبِ التَّراجمِ، وجدتُ «عَيَّاش»، ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص21، سير أعلام النُّبلاء، ج7، ص680، شذرات الذَّهب، ج2، ص430.
القُرشي، عبد القادر بن محمّد، الجواهر المُضيّة في طبقات الحنفية، تحقيق: عبد الفتَّاح محمّد الحلو، الطبعة الثَّانية، مؤسسة الرّسالة، 1993.
(¬2) ينظر: الجواهر المضيّة، ص443 - ص444، سير أعلام النُّبلاء، ج7، ص680 - ص698، شذرات الذَّهب، ج2، ص430، مشاهير علماء الأَمصار، ص272.
ابن حبَّان، محمَّد بن حبَّان البُستي، مشاهير علماء الأَمصار وأَعلام فقهاء الأَقطار، تحقيق: مرزوق علي إِبراهيم، الطبعة الأُولى، دار الوفاء، 1991.
(¬3) ينظر: الاستيعاب، ج4، ص252.
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد معوض وعادل محمد عبد الموجود، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، 2002، البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع المسند الصحيح، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى، دار الرسالة العالمية، 2011.
الجزء 1 · صفحة 22
2. أَبو بَكْرٍ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ بنُ الحَارِثِ بن هشام المَخزُومي، أَحدُ الفقهاءِ السَّبعةِ، توفي سنة أَربع وتسعين بالمدينة، وقيل: سنة خمس وتسعين.
يُقال اسمُهُ محمّد، والصَّحيح أَنَّ اسمَهُ كُنيته (¬1).
ويُنسَبُ الإِمامُ الكاساني رَحِمَهُ اللَّهُ إِلى كَاسَان (¬2)،
¬
(¬1) ينظر: سير أَعلام النُّبلاء، ج5، ص352 - ص354.
(¬2) ينظر: الفوائد البهيّة، ص92، الجواهر المضيّة، ص503، مفتاح السَّعادة، ج1، ص348، الأَعلاق الخطيرة، ج1، ص268، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347، سُلّم الوُصُول إِلى طبقات الفُحُول، ج5، ص235، الأَثمار الجَنيَّة، ج2، ص705، هدية العارفين، ج5، ص235.
طاش كبرى زادة، مفتاح السّعادة ومصباح السّيادة، تحقيق: شعبان خليفة ووليد محمد العوزة، بدون طبعة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1993م. ابن شدَّاد، محمّد بن علي، الأَعلاق الخطيرة في ذكر أُمراء الشَّام والجزيرة، تحقيق: يحيى زكريا عَبَّادة، الطبعة الأُولى، منشورات وزارة الثَّقافة، 1988. ابن العديم، عمر بن أَحمد، بُغية الطَّلَب في تاريخ حلب، تحقيق: سُهيل زكار، دار الفكر. حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، سُلّم الوُصُول إِلى طبقات الفُحُول، تحقيق: محمود عبد القادر الأَرناؤوط، بدون طبعة، مكتبة إِرسيكا - تركيا، 2010. القاري، علي بنُ سُلطان، الأَثمارُ الجَنيَّة في أَسماءِ الحنفية، تحقيق: عبد المُحسن عبد الله أَحمد، الطبعة الأُولى، ديوان الوقف السُّنّي- العراق، 2009.
الجزء 1 · صفحة 23
بفتح الكاف، ثُمَّ الأَلف، ثُمَّ السَّين المُهملة، ثُمَّ الأَلف، ثُمَّ النُّون (¬1) (¬2)، وهي بلدةٌ وراء الشَّاش (¬3)
¬
(¬1) ينظر: الفوائد البهيّة، ص92، الجواهر المضيّة، ص503.
(¬2) وقاسان أَيضًا، بالسّين المُهملة، وآخره نون، بلدٌ كبيرٌ بتركستان، خَلْف سيحون، ناحية بأَصفهان، وأهلهُا يقولون: كاسَان بالكاف، وكانت من محاسن الدُّنيا، كثيرة الخيرات، واسعة الساحات، متهدّلة الأَشجار، حسنة النواحي والأَقطار، خربت باستيلاء التُّرك. كما تبصير المنتبه، ج3، ص1147، مراصد الاطلاع، ج3، ص1056، مُعجم البلدان، ج4، ص295، توضيح المُشتبه، ج7، ص27.
ابن حجر، أَحمد بن علي، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، تحقيق: علي محمد البجاوي، بدون طبعة، دار المصرية للتأليف والتَّرجمة. ابن عبد الحقّ، عبد المؤمن بن عبد الحقّ، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأُولى، دار المعرفة، 1955. الحَموي، ياقوت بنُ عبد الله، مُعجم البلدان، الطبعة الثَّانية، دار صادر، 1995. ابن ناصر، محمّد بن عبد الله بن محمّد، توضيح المُشتبه في ضبط أَسماء الرُّواة وأَنسابهم وأَلقابهم وكناهم، تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي، الطبعة الأُولى، مؤسسة الرّسالة، 1993.
(¬3) ينظر: الجواهر المضيّة، ص503، الفوائد البهيّة، ص92، طبقات الحنفية، ج2، ص169، شذرات الذَّهب، ج6
، ص50، ج7، ص782، سُلّم الوُصُول إِلى طبقات الفُحُول، ج5، ص235، اللُّباب في تهذيب الأَنساب، ج3، ص75، الأَنساب، ج11، ص18.
ابن العماد، عبد الحي بن أحمد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: محمود الأرنؤوط، الطبعة الأولى، دار ابن كثير، 1988، ابن الأَثير، عز الدّين الجَزري، اللُّباب في تهذيب الأَنساب، دار صادر، بيروت. السَّمعاني، عبد الكريم بن محمّد بن منصور، الأَنساب، تحقيق: عبد الرَّحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره، الطبعة الأُولى، مجلس دائرة المعارف النّعمانيّة، 1962.
الجزء 1 · صفحة 24
(¬1)، من فرغانة (¬2).
وهي مدينة كبيرة في أوّل بلاد تركستان، وراء نهر سيحون (¬3) وبها قلعةٌ حصينةٌ (¬4)،على بابها وادي أخسيكث (¬5)، نَزِيلُ حَلَب (¬6).
ونَسَبَهُ بَعضُهم إِلى: الكَاشَاني (¬7)، بالمُعجمية بدل المُهْمَلة (¬8).
ثانيًا: ولادتُهُ، نَشأَتُه، أُسْرتُهُ.
وِلادَتُهُ:
تَتَبَّعتُ كُتُبَ التَّراجِمِ، فلم أَجد مَن أَرَّخَ لِوِلادَتِهِ، ممَّا يَستدعي ذلك الاجتهادَ والنَّظَرَ في القَرَائِن، كي تَتَحَصَّلَ لدينا فَترَةٌ زَمَنيةٌ تَقريبيّةٌ، يَغلُبُ على ظَنّنا أَنَّهُ وَلِدَ فيها.
¬
(¬1) قيل: ناحيةٌ وبلدةٌ من بلاد الرُّوم، يُقال لها: تورخال. ينظر: سُلّم الوُصُول إِلى طبقات الفُحُول، ج5، ص235.
(¬2) ينظر: أَوضح المسالك إِلى معرفة البلدان والممالك، ص542.
ابن سِبَاهي زادة، محمّد بن علي البروسَوي، أَوضح المسالك إِلى معرفة البلدان والممالك، تحقيق: المهدي عيد الرَّواضية، الطبعة الثَّانية، دار الغرب الإِسلامي، 2008.
(¬3) ينظر: مراصد الاطلاع، ج3، ص1143.
(¬4) ينظر: طبقات الحنفية، ج2، ص169، مراصد الاطلاع، ج3، ص1143، الأَنساب، ج11، ص18.
(¬5) ينظر: مراصد الاطلاع، ج3، ص1143.
(¬6) ينظر: هدية العارفين، ج5، ص235.
الباباني، إسماعيل باشا بن محمد البغدادي، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنّفين، طُبع بعناية وكالة المعارف الجليلة - استانبول، 1951م.
(¬7) ينظر: مهام الفقهاء الحنفية، ص301، كشف الظُّنُون، ج2، ص410، الأَعلام، ج2، ص70. وفي الفوائد البهيّة، ص92: وقد يُقالُ في نسبَتِهِ: الكاشاني.
حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، كشف الظُّنون عن أَسامي الكُتُب والفُنُون، تحقيق: أَكمل الدّين إِحسان أوغلى وبشَّار عوَّاد معروف، الطبعة الأُولى، مؤسسة الفُرقان للتُراث الإِسلامي، 2021. الزّركلي، خير الدّين بن محمود، الأَعلام، الطبعة الرَّابعة، دار العلم للملايين،1979.
(¬8) ينظر: الفوائد البهيّة، ص92.
الجزء 1 · صفحة 25
وَيمُكِنُنا القول أَنَّ الإِمامَ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ وُلِدَ في بِدَايةِ القَرْنِ السَّادسِ هِجْرِي، وَيَتَرَجَّحُ لي ذلك بِقَرِينَتينِ، وَهُما:
1. أَنَّ السَّمرقنديَّ رَحِمَهُ اللَّهُ - شَيخَ الكَاسَاني- تُوفيّ سَنَةَ تِسْعٍ وثَلاثينَ وَخَمْسُمائة، وَقد تَتَلّمذَ الكَاسَاني بينَ يَدَيهِ حتى نَبَغَ، وَيُعرَفُ بالاستقراءِ أَنَّ هذا يَتَطَلّب سَنَوات مِن الدّراسة والتَّأليف بَعدَ بُلُوغِهِ، قد تَصِلُ إِلى عِشرينَ سَنَة، كي يَحُوزَ المَلَكَةَ الفقهيةَ.
2. أَنَّ الإِمامَ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ قد تَزَوَّجَ مِن ابنةِ شَيخِهِ، بَعدَ بُرُوزِهِ في الجَانبِ العِلْمِي، وَعَادةً يَتِمُّ ذلك في سَنّ يَقرُبُ مِن الثَّلاثين، لِمَن كانَ مُتَفَرّغًا في بدايةِ أَمرِهِ لِتحصِيلِ العِلْمِ.
وبناءً على ما ذُكِر، فَإِنَّ الإِمامَ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ يَكونُ مِن القِلّةِ التي تَجَاوَزَت مُعَدّلَ أَعمارِ الأُمَّةِ، فقد رَوَى أَبو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، أَنّهُ قَالَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» (¬1).
نَشأَتُهُ:
وُضِعَت كُتُبُ التَّراجِمِ والسّيرِ لِبَيانِ تَمَيُّزِ الأَفرادِ في صِناعَةِ التَّاريخِ، وبناء الحَضَارةِ، وهذا لا يتأَتّى إِلَّا بِصَلاحِ النَّفْسِ، وَطَرْقِ أَبوابِ العِلْمِ على اختِلافِ أَنواعِها، لِذلِكَ تَعرِضُ هذه الكُتُبُ عن تَسطيرِ الأُمور التي يَتَساوى بِها النَّاسُ، إِلَّا نادِرًا، لِفائِدَةٍ مَرْجُوةٍ.
¬
(¬1) أَخرجَهُ ابنُ ماجه، ج5، ص311، رقم: 4236، والتَّرمذي، ج6، ص152، رقم: 3864، وقال: هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
الجزء 1 · صفحة 26
وَبناءً على هذا لم نَجِد في كُتُبِ التَّراجِمِ والسّيرِ ما يُشِيرُ إِلى النَّشأةِ العَادِيةِ للإِمامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ، أَو الحَدِيث عن بَعضِ مَراحِلِ حَياتِهِ الأُولى.
أُسرتُهُ:
كَوّنَ أُسرَتَهُ بَعدَ أَنْ تَزَوَّجَ فاطمةَ الفقيهةَ (¬1) العَالِمة (¬2)، وهي ابنةُ شَيخِهِ السَّمرقنديّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وكان سَبَبُ الزَّواجِ (¬3)، أَنَّهُ شَرَحَ كِتابَ شَيخِهِ «تُحفَةُ الفُقهاء»، فَعَرَضَهُ على شَيخِهِ، فَزدادَ فَرَحًا بِهِ، وَزَوَّجَهُ ابنتَهُ، وَجَعَلَ مَهرَها مِنهُ ذلك، فقال الفقهاءُ في عَصرِهِ: شَرَحَ تُحفَتَهُ، وَزوَّجَهُ ابنتَهُ (¬4)
وَخَلَّفَ وَلَدًا ذَكَرًا، اسمُهُ محمود، تَولَّى المَلِكُ الظَّاهرُ تَرْبِيتَهُ، واجتَهَدَ في اشتِغَالِهِ بِالفِقْهِ، ولم يُنْجِب (¬5)
ثَالثًا: أَلقابُهُ، صِفَاتُه وَوَفاتُه.
أَلقَابُهُ:
أَطلَقَت كُتُبُ التَّراجِمِ على الإِمام الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ عِدَّةَ أَلقَابٍ، منها:
1. مَلِكُ العُلماءِ (¬6).
2. أَميرُ كَاسَان (¬7).
¬
(¬1) ستأتي ترجمتها.
(¬2) ينظر: بُغية الطَّلَب، ج10، ص4348.
(¬3) وقيل: إِنَّ سَبَبَ تَزويجِهِ بابنتِهِ، أَنَّها كانت مِن حِسَانِ النّساء. ينظر: طبقات الحنفية، ج2، ص165، الفوائد البهيّة، ص91.
(¬4) ينظر: تاج التَّراجم، ص328، طبقات الحنفية، ج2، ص165، الفوائد البهيّة، ص91، الأَثمار الجنيَّة، ج2، ص706.
(¬5) ينظر: كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص487، الفوائد البهيّة، ص91، الجواهر المضية، ص446.
(¬6) ينظر: تاج التَّراجم، ص327، طبقات الحنفية، ج2، ص164، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485، الفوائد البهية، ص91، مفتاح السّعادة، ج1، ص ص348.
(¬7) ينظر: الأَعلاق الخطيرة، ج1، ص268، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347.
الجزء 1 · صفحة 27
3. عَلاءُ الدّين (¬1).
4. صَاحِبُ البدائع (¬2).
صِفَاتُهُ:
تَحَلَّى الإِمامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ بِصِفَات كثيرةٍ مَحمودةٍ، مِن أَبرَزِها:
أَنَّه كان ذا وَجاهَةٍ، وكثير الخِدمةِ، وصَاحِب شَجاعَةٍ، وَمعروفًا بِالكَرَم (¬3)، وعندَهُ نَخوة الإِمارَةِ، وَعزّة النَّفْسِ، وكثير الذَّمِ للمُعتزلةِ (¬4)
¬
(¬1) ينظر: تاج التَّراجم، ص327، طبقات الحنفية، ج2، ص164، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485، مهام الفقهاء، ص301، الفوائد البهيّة، ص91، الأَعلاق الخطيرة، ج1، ص268، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347، هدية العارفين، ج5، ص235.
(¬2) ينظر: تاج التَّراجم، ص328، طبقات الحنفية، ج2، ص164، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485، مهام الفقهاء، ص301، الفوائد البهيّة، ص91.
(¬3) ينظر: تاج التَّراجم، ص328.
(¬4) اختُلف في نشأتِ هذه الفِرقَةِ على قولين: القَولُ الأَوَّلُ: من يرى أَنَّها ابتدأت في قَومٍ مِن أَصحابِ عليّ اعتزلوا السّياسةَ، وانصرفوا إِلى العقائد، عندما نزلَ الحَسَنَ عن الخِلافَةِ لمعاوية بن أَبي سفيان، وسَمّوا أَنفسَهم معتزلة، - وَيُسمَّونَ أَصحاب العَدلِ والتَّوحيدِ، ويُلقّبونَ بِالقدرية والعدلية-، ولزِموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا نشتغلُ: نشتغلُ بِالعلمِ والعبادة. والقول الآخر وعليه الأَكثرون، وهو أَنَّ واصل بن عطاء، كان ممّن يحضرُ مجلسَ الحَسَن البصري العلمي، فَثَارت مسألةُ مُرتكبِ الكبيرةِ، فخالفَ واصلٌ الحَسَن البصري فيها، فاعتزلَ مَجلسَهُ، واتَّخذ مجلسًا آخر في المسجد، ثُمَّ تطوَّرت عقيدتهم، فأَصبح لهم خَمسُ أُصولٍ مَشهورةٍ؛ وهي: العدل والتَّوحيد، والمَنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأَمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ثُمَّ تَفرَّقُوا بعد ذلك إِلى عِشرينَ فِرقة.
ينظر: الاعتصام، ج3، ص146، ص198، الفَرقُ بين الفِرَق، ص18، ص93، المِلَل والنّحَل، ج1، ص42، التَّنبيهُ والرَّد على أَهل الأَهواء والبدع، ص36، تاريخ المذاهب، ص118.
الشَّاطبي، إِبراهيم بن موسى، الاعتصام، تحقيق: محمّد بن عبد الرّحمن الشّقير وآخرين، الطبعة الأُولى، دار ابن الجوزي، 2008. البغدادي، عبد القاهر بن طاهر، الفَرقُ بين الفِرَق وبيان الفِرقة النَّاجية، الطبعة الثَّانية، دار الآفاق الجديدة، 1977. الشّهرستاني، محمّد عبد الكريم، المِلَل والنّحَل، تحقيق: محمّد سيّد كيلاني، بدون طبعة، دار المعرفة، 1404هـ. المَلَطي، محمّد بن أَحمد بن عبد الرّحمن، التَّنبيه والرَّد على أَهل الأَهواء والبدع، تحقيق: محمّد زاهد بن الحسن الكوثري، بدون طبعة، المكتبة الأَزهرية. أَبو زهرة، محمد أَحمد مصطفى، تاريخ المذاهب الإِسلامية في السّياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهيّة، بدون طبعة، دار الفكر، القاهرة.
الجزء 1 · صفحة 28
وأهل البِدَعِ، يُصرّحُ بِشَتمهم، ولعنهم في دُرُوسهِ.
يَغلبُ على حالتِهِ الصّحيّةِ الأَلم، وذلك ممَّا يجدُ من النّقْرِس (¬1) في رجليه والمفاصل، ومع ذلك لا يُخلُّ بِدَرسِ العِلْمِ، وَكانَ يَركَبُ الحِصانَ إِلى أَن مات (¬2).
وكان لا يَقطَعُ زِيارَةَ قَبرِ زَوجِهِ في كُلّ ليلةِ جُمعَةٍ، إِلى أَنْ ماتَ (¬3).
وَفَاتُهُ
اتَّفَقَ أَصحابُ التَّراجِمِ والسّيرِ على سَنَةِ وَفاتِهِ، فقد ماتَ يومَ الأَحد (¬4)، بَعد الظُّهرِ (¬5)، عَاشِر رَجَب (¬6)،
¬
(¬1) النّقْرِس، بِكَسْرِ النُّونِ والرَّاء، داءٌ مَعروفٌ، وهو وَرَمٌ، وَوَجَعٌ في مَفاصِلِ الكعبين، وأَصابع الرّجلين، وفي إِبهامِها أَكثر، ولا يجتمعُ مُدَّةً، ولا يَنْضُجُ، لأَنَّه في عُضوٍ غير لحَمي. ينظر: تاج العروس، ج9، ص21، لسان العرب، ج6، ص240، الصّحاح، ج3، ص986، التَّوقيف على مُهمات التَّعاريف، ص329.
الزّبيدي، محمد مرتضى الحسيني، تاج العروس مِن جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري، بدون طبعة، دار الفكر،1994. ابن منظور، جمال الدّين محمد بن مكرم، لسان العرب، بدون تحقيق، الطبعة 3، دار الفكر، 1994. الجوهري، إِسماعيل بن حمّاد، الصّحاح تاج اللُّغة وصحاح العربية، تحقيق: أَحمد عبد الغفور عطّار، الطبعة الرَّابعة، دار العلم للملايين، 1987. المُناوي، محمّد عبد الرَّؤوف، التَّوقيف على مُهمات التَّعاريف، الطبعة الأُولى، عالم الكُتُب، 1990.
(¬2) ينظر: بُغية الطَّلَب، ج10، ص4348.
(¬3) ينظر: الجواهر المضية، ج4، ص28، الأَثمارُ الجنيَّة، ج2، ص706.
(¬4) ينظر: تاج التَّراجم، ص329، طبقات الحنفية، ج2، ص169، الأَعلاق الخطيرة، ج1، ص269.
(¬5) ينظر: الأَعلاق الخطيرة، ج1، ص269.
(¬6) ينظر: تاج التَّراجم، ص329، طبقات الحنفية، ج2، ص169، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص488، الفوائد البهيّة، ص91، الأَعلاق الخطيرة، ج1، ص269.
الجزء 1 · صفحة 29
بَعدَ أَنْ شَرَعَ في قراءَةِ سُورَةِ إِبراهيم، فانتَهى إِلى قولِهِ تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم:27] (¬1)، خَرَجَت رُوحُهُ عِندَ فَرَاغِهِ مِن قَولِهِ {وَفِي الآخِرَةِ} (¬2) وذلك سَنَة سَبْع وَثمانينَ وَخَمسمَائة (¬3)، وَدُفِنَ داخل مَقامِ إِبراهيم الخَليل -عليه السَّلام- بِظاهرِ حَلَب (¬4)، عِندَ زَوجَتِهِ فاطمة (¬5)، والدُّعاءُ عندَ قَبرِهما مُستَجابٌ، وذلك مشهورٌ بِحَلَب، وَقبرُهما مَعروفٌ عند الزَّوار (¬6) بِقَبرِ المرأَةِ وزَوجها (¬7).
المطلب الثَّاني: عَصْرُهُ، تَحْصِيلُهُ لِلْعِلْمِ، شُيُوخُهُ، تَلامِيذُهُ.
عَصْرُهُ:
¬
(¬1) ينظر: كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص488، الفوائد البهيّة، ص92، طبقات الحنفية، ج2، ص169.
(¬2) ينظر: طبقات الحنفية، ج2، ص169.
(¬3) ينظر: تاج التَّراجم، ص329، طبقات الحنفية، ج2، ص169، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص488، مهام الفقهاء، ص301، الفوائد البهيّة، ص91، الأَعلاق الخطيرة، ج1، ص269، سُلّم الوُصُول إِلى طبقات الفُحُول، ج5، ص235، الأَثمارُ الجنيَّة، ج2، ص706، هدية العارفين، ج5، ص235.
(¬4) ينظر: تاج التَّراجم، ص329، طبقات الحنفية، ج2، ص169، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص488، مهام الفقهاء، ص301، الفوائد البهيّة، ص92، الأَثمارُ الجنيَّة، ج2، ص706.
(¬5) ينظر: طبقات الحنفية، ج2، ص169، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص488، مهام الفقهاء، ص301، الفوائد البهيّة، ص91 - ص92، الأَثمارُ الجنيَّة، ج2، ص706.
(¬6) ينظر: كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص488، الفوائد البهيّة، ص91 - ص92، الأَثمارُ الجنيَّة، ج2، ص706.
(¬7) ينظر: الأَثمارُ الجنيَّة، ج2، ص706.
الجزء 1 · صفحة 30
عاشَ الإِمَامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ في فَتْرَةٍ تَمَيَّزت بأَحدَاثٍ جِسَامٍ، كيف لا، وَقَد وُلِدَ، وتَرَعْرَعَ في ظِلّ دَولَةِ السَّلاجِقَةِ، وَشَهِدَ زَوالَها، وَكانَ بَعدَها في كَنَفِ الدَّولَةِ الزّنكيّة، ثُمَّ الأَيوبيَّة، وَخِلالِ ذَلِكَ شَارَكَ في دَفعِ غَزو الفِرنْج، الَّذينَ استَولوا على بَعْضِ بِلادِ المُسلِمينَ في الشَّامِ وَغَيرِها.
وَكانَت الأُمُّةُ الإِسلاميّةُ تَعِيشُ في حالةِ تَمَزُّقٍ، وَعَدَمِ الاستقرَارِ السَّياسي، إِضافَةً إِلى كَثرَةِ التَّغيّراتِ الاجتماعيّةِ، والاقتصاديَةِ.
أَما الجَانِبُ الدّيني آنذاك فقد كانَ يُمثّلُ الحِصْنَ لِلْفَردِ والمُجْتَمَعِ.
وَهذا التَّمهيدُ يُجَلّي لنا صُورَةَ عَصْرِ الإِمامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ، وَيَحْسُنُ بِنا أَنْ نُبْرِزَ بَعْضَ تَفَاصِيلِ أَحوالِ عَصْرِهِ بما يأتي:
أَوَّلًا: الحَالَةُ السَّياسيّةُ
1. هَجَمَ الفِرِنْجُ سَنَةَ 511هـ، على حَمَاةٍ، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وعادُوا إِلى بلادِهم، وَتُوفّيّ في هذه السَّنَةِ السُّلطانُ محمّد بنُ مَلْكشاه، وَخَلَفَهُ ابنُهُ محمود، وهو ابنُ أَربع عشرة سَنَة، وَوُلِدَ فيها نُورُ الدّين زِنكِي (¬1).
2. تُوفّيّ الخَلِيفَةُ المُستَظهر بِالله، سَنَةَ 512هـ، وَتَولَّى ابنُهُ المُستَرشِد بِالله (¬2).
¬
(¬1) ينظر: البِداية والنّهاية، ج16، ص232 - ص233، الكامل في التَّاريخ، ج10، ص525، ص532.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنّهاية، تحقيق: عبد الله بن المحسن التركي، الطبعة الأولى، دار هجر، 1998، ابن الأثير، علي بن محمد، الكامل في التّاريخ، الطبعة السادسة، دار صادر، 1995.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص236 - ص239، الكامل، ج10، ص534 - ص536.
الجزء 1 · صفحة 31
3. احتَلَّ الفِرِنْجُ حَلَبَ، سَنَةَ 513هـ، وَحَرَّرها المُسلِمونَ في نَفْسِ العَامِ (¬1).
4. وَقَعَت صِراعاتٌ داخليةٌ بينَ حُكَّامِ المُسْلِمين، سَنَةَ 514هـ، استَغَلَّها الكُرْجُ، وَمَعَهم كُفَّارُ القُفْجَاقِ، فَقَتَلُوا مِن المُسلِمينَ خَلْقًا كَثيرًا، وَغَنِمُوا أَموالَهم، وفيها تَمَرَّدَ العَيَّارونَ بِبغدادَ، جَهارًا نَهارًا (¬2).
5. مَلَكَ الأَتَابِك زِنْكي بنُ آق سُنْقُر «عِمادُ الدّين زِنْكي» مَدِينةَ حَلَب سَنَةَ 522هـ، وَما حَولَها (¬3).
6. مَلَكَ عِمادُ الدّين زِنْكِي بِلادًا كَثِيرةً مِن بِلادِ الفَرنجِ، بعد حُروبٍ طَويلةٍ مَعَهُم، انتصَرَ في جَميعِها، وذلكَ سَنَةَ 524هـ، وَقُتِلَ فيها خَلِيفَةُ مِصْرَ الفَاطِميّ على يَد باطنيّ (¬4).
7. تَصَالحَ المَلِكَينِ مَسعُود وَسُلْجُوق شاه، سَنَةَ 526هـ، وَقاتَلا المَلِكَ سَنْجَر، وكان جُملةُ مِن قُتِلَ بينهم أَربعينَ أَلفًا (¬5).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص240 - ص243، الكامل، ج10، ص553 - ص554.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص244 - ص245، الكامل، ج10، ص567.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص278، الكامل، ج10، ص649.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص284، الكامل، ج10، ص662 - ص664، ص666.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص292، الكامل، ج10، ص676 - ص677.
الجزء 1 · صفحة 32
8. هَزَمَ جَيشُ المَلِكِ مَسعود جَيشَ الخَليفةِ المُسْتَرْشِد بِالله، سَنَةَ 529هـ، وَقَتلُوا منهم خَلْقًا، وأَسَرُوا الخَلِيفَةَ، وَنُهِبَت أَموالُهُ، وَحَواصِلُهُ، وَتَمَّت فِتنةٌ كَبيرةٌ في بَغدادَ، فَكَتَبَ المَلِكُ سَنْجَر إِلى ابنِ أَخيه مَسْعُودٍ يُحذّرهُ مَغَبَّةَ ذَلِكَ، فَأَطلَقَ المَلِكَ مَسعُود سَراحَ الخَليفة، وأَرسلَهُ إِلى دِيارِهِ مع عَشَرَةٍ مِن الرّجالِ، فَقَتَلُوهُ بِالطَّرِيقِ، وَقَطَّعُوهُ قِطَعًا، وَتَبيَّنَ أَنَّهم من الفِرَقِ الباطنيّةِ (¬1).
9. مَلَكَ عِمادُ الدّين زِنْكِي مَدينةَ حِمْصَ، سَنَةَ 532هـ، وَوُلِدَ فيها صلاحُ الدّين الأَيوبيّ (¬2).
10. قُتِلَ عِمادُ الدّين زِنْكِي صَاحِبُ الموصِلِ وَحَلَب، سَنَةَ 541هـ، وفيها مَلَكَ عبد المؤمِن صَاحِب المَغرِبِ جَزيرةَ الأَندَلُس، بَعدَ حُرُوبٍ طَويلَةٍ (¬3).
11. غَزَا نُورُ الدّين صَاحِب حَلَب بلادَ الفرنجَ، سَنَةَ 544هـ، وفَتَحَ الكَثيرَ مِن قلاعِهم، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنهم، وفيها ماتَ صاحبُ الموصِل، سيفُ الدّين زِنْكِي، الذي بَنَى مَدرَسَةً فيها، وبَنَى رِباطًا لِلصُّوفيةِ، وَتَولَّى أَخوهُ قُطْبُ الدّين زِنْكِي (¬4).
12. اقتَتَلَ المُسلِمُونَ والإفرنج، وأَسرُوا مَلِكَهُم جوسلين، سَنَةَ 546هـ (¬5).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص303 - ص305، الكامل، ج11، ص50 - ص54.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص315 - ص316، الكامل، ج11، ص55، ص65 - ص66.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص340 - ص341، الكامل، ج11، ص110، ص115، ص118.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص352 - ص358، الكامل، ج11، ص138 - ص141، ص146.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص362 - 363، الكامل، ج11، ص154 - ص155.
الجزء 1 · صفحة 33
13. تُوفّيّ صَاحِبُ العِراقِ السُّلطان مَسعُود، سَنَةَ 547هـ، وقامَ بَعدَهُ ابنُ أَخيه مَلِكْشاه بن محمود، فأَخَذَ المُلْكَ، واستَقرَّ لَهُ (¬1).
14. كَثُرَت الحُرُوبُ الدَّاخلية بين المُسلِمين، سَنَةَ 548هـ، وصارت الدَّولةُ دُولًا، وأَخَذَ الفرنجُ عَسْقَلانَ مِن السَّواحل (¬2).
15. حَدَثَت وَقائِعٌ بينَ دُويلات المُسلمينَ، بَعْضُهم بِبَعضٍ، سَنَةَ 553هـ، وَكَسَرَ جَيشُ مِصْرَ الفرنجَ بِأَرضِ عَسْقلانَ (¬3).
16. تُوفّي الخَلِيفةُ المُقْتَفي لأَمرِ الله، سَنَةَ 555هـ، وَتوَلَّى الخِلافَةَ ابنُهُ المُسْتَنْجِدُ بِالله (¬4).
17. هَزَمَ الفرنجُ المُسْلِمِينَ سَنَةَ 558هـ (¬5)، واستمرّت الحُرُوبُ بينهم، إِلى أَن انتصر المُسلمون سَنَةَ 559هـ (¬6).
18. هَاجَمَ الفرنجُ مِصْرَ، سَنَةَ 562هـ، فانبَرى لَهُم أَسدُ الدّين شِيرَكُوه، فَكَسَرَهُم (¬7)، وَفُتِحَت على يَدِهِ سَنَةَ 564هـ، وَتُوفّيّ فيها، وَخَلَفَهُ ابنُ أَخيه صلاح الدّين (¬8).
19. تُوفّيّ الخَلِيفَةُ المُسْتَنْجِد بِالله سَنَةَ 566هـ، وَكانت فيها خِلافَةُ ابنِهِ المُسْتَضِيء (¬9).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص364، الكامل، ج11، ص160 - ص162.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص368، الكامل، ج11، ص188.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص385.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص393 - ص394، الكامل، ج11، ص256 - ص258.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص406، الكامل، ج11، ص294 - ص296.
(¬6) ينظر: البِداية، ج16، ص410 - ص411، الكامل، ج11، ص301 - ص305.
(¬7) ينظر: البِداية، ج16، ص421 - ص423، الكامل، ج11، ص324 - ص326.
(¬8) ينظر: البِداية، ج16، ص428، ص435، الكامل، ج11، ص335 - 344.
(¬9) ينظر: البِداية، ج16، ص428، ص435، الكامل، ج11، ص335 - 344.
الجزء 1 · صفحة 34
20. تُوفّيّ العَاضِدُ سَنَةَ 567هـ، وهو آخرُ خُلَفاءِ العُبيدينَ الفاطميينَ في مصْرَ (¬1).
21. فَتَحَ صلاحُ الدّين الأَيوبيّ اليَمَنَ سَنَةَ 569هـ، وفيها حاوَلَ الفَاطِميونَ التَّجَمع مِن جَديدٍ، واستَنجدُوا بالفرنج، لكنَّهم لم يُفْلِحوا، وفيها تُوفّيّ نُورُ الدّين زِنْكِي، وَبُويعَ مِن بَعدِهِ المَلِكُ الصَّالحُ إِسماعيل، وبدأَت حالةُ ضَعفٍ، وانتشارٌ لِلفَواحِشِ، والشُّرُورِ، وازدادَ طَمَعُ الفرنج بِبلادِ الشَّام (¬2).
22. سَنَة 575هـ، كانت سَنَةَ نَصْرٍ لِلمُسلِمينَ على الفرنج، وَوَضَعَ صَاحِبُ الرَّملةِ، وطبريّة، وَقَسطَلان، وَيافا، وآخرون مِن مُلُوكِهِم، الطَّاعةَ لِلسلطان، وَتُوفّيّ فيها الخَلِيفَةُ المُسْتَضيءُ بأَمرِ الله، وَبُويعَ وَلَدُهُ النَّاصِر لِدينِ الله (¬3).
23. هَادَنَ السُّلطانُ صلاحُ الدّينَ الفرنجَ سَنَةَ 576هـ، وَسَارَ إِلى بلادِ الرُّومِ، وأَصلحَ بينَ مُلُوكِها (¬4).
24. تُوفّيّ المَلِكُ إِسماعيل ابنُ نُورِ الدّين سَنَةَ 577هـ في قَلْعَةِ حَلَب، وَتَوَجَّهَ بَعدَها صلاحُ الدّينِ فَتَسَلَّمها مِن عِمادُ الدّين زِنْكِي، وفي هذه السَّنَةِ سَارَ قَرَاقُوش إِلى بِلادِ إِفريقية، فَفَتَحَ بلادًا كَثيرةً (¬5).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص450 - ص459، الكامل، ج11، ص368 - ص373.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص470 - ص498، الكامل، ج11، ص402، ص405، ص410.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص535 - ص541، الكامل، ج11، ص459.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص 544، الكامل، ج11، ص464 - ص467.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص551 - ص554، الكامل، ج11، ص472.
الجزء 1 · صفحة 35
25. تَصَالَحَ السُّلطانُ مع أَهلِ الموصِل سَنَةَ 581هـ، على أَنْ يَكُونُوا مِن جُندِهِ إِذا نَدَبَهُم لِقِتالِ الفرنج، وفي هذا العَامِ مَرِضَ السُّلطانُ صلاحُ الدّينِ مَرَضًا شَديدًا، فَعَاهَدَ اللهَ إِنْ شَفَاهُ أَنْ لا يَرفَع سَيفَهُ بَعْدَها إِلَّا على كافِرٍ (¬1).
26. هَادَنَ قُومَصُ طَرابُلُسَ السُّلطان، سَنَةَ582هـ، وَصَالَحَهُ، وَصَافَاهُ، حتَّى كان يُقاتِلُ مُلُوكَ الفرنجَ أَشدَّ القِتالِ، وَيُسبِي منهمُ النّساءَ والأَطفالَ، وَكادَ أَنْ يُسلِمَ، ولكنْ صَدَّهُ شَيطانُهُ، وَرَماهُ بِالخَبَالِ، وكانت مُصالحتُهُ مِن أَقوى أَسْبَابِ نُصْرَةِ السُّلطانِ على الفرنج (¬2).
27. انتَصَرَ صلاحُ الدّينِ في مَعرَكَةِ حِطينَ على الفرنجَ، سَنَةَ 583هـ، ثُمَّ فَتَحَ العَديدَ مِن بُلدَانِ فِلِسطينَ، ثُمَّ في نَفْسِ السَّنَةِ فَتَحَ صَلاحُ الدّينِ بَيتَ المَقْدِسِ، وَحَرَّرهُ مِن أَيدي الفرنج (¬3).
28. فُتِحَت صَفَد صُلْحًا سَنَةَ584هـ (¬4).
29. سَقَطت عَكا بِيدِ الفرنج سَنَةَ 587هـ، بَعدَ حِصَارٍ طَويلٍ، وَتَقَدَّمَ الفرنج نَحوَ بيت المَقْدِسِ (¬5).
ثَانِيًا: الحَالَةُ الاجتماعيّةُ
1. كانت زَلزَلَةٌ عَظِيمةٌ سَنَةَ 511هـ، ماتَ فيها خَلْقٌ كَثيرٌ (¬6).
2. تَفَاقَمَ أَمرُ العَيَّارين سَنَةَ 512هـ، ولم تَستَطع الشُّرطَةُ السَّيطَرةَ على ذلِكَ (¬7).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص569 - ص571، الكامل، ج11، ص516 - ص517.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص576 - ص577.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص579 - ص585، الكامل، ج11، ص529 - ص553.
(¬4) ينظر: الكامل، ج12، ص21 - ص22.
(¬5) ينظر: البداية، ج16، ص633، الكامل، ج12، ص66 - ص68.
(¬6) ينظر: البداية، ج16، ص232 - ص233، الكامل، ج10، ص534 - ص536، ص544 - ص545.
(¬7) ينظر: البداية، ج16، ص236 - ص239، الكامل، ج10، ص66 - ص68.
الجزء 1 · صفحة 36
3. تَمَرَّدَ العَيَّارونَ في بَغدادَ، جَهارًا، نَهارًا، سَنَةَ 514هـ (¬1).
4. حَصَلَ زِلزَلٌ عَظِيمٌ في الحِجَازِ، سَنَةَ 515هـ، تَهَدَّمَ بِسَبَبِها بَعضُ الرُّكْنِ اليَمانيّ، وَشيءٌ مِن الحَرَم في المدينةِ المُنوَّرةِ، وَهَبَّت بِمِصْرَ رِيحٌ سَوداءٌ استمرَّت ثَلاثَةَ أَيامٍ، أَهلَكَت خَلْقًا كَثيرًا مِن النَّاسِ، والأَنعامِ (¬2).
5. وَقَعَت زَلزَلَةٌ في العِرَاقِ، سَنَةَ 524هـ، تَهَدَّمَت بِسَبَبِها دُورٌ كَثيرةٌ (¬3).
6. كَثُرَ مَوتُ الفَجأةِ في أَصفهان، سَنَةَ 531هـ، فَمَاتَ أُلوفُ النَّاسِ، وأُغْلِقت دُورٌ كَثيرَةٌ، وَحَدَثت كَوارثٌ طَبيعيّةٌ (¬4).
7. وَقَعَت زَلزَلَةٌ عَظِيمةٌ في بلادِ الشَّامِ، والجزيرةِ، والعِراقِ، سَنَةَ 532هـ، فانهَدَمَ شَيءٌ كَثيرٌ، وماتَ تَحتَ الهَدْمِ خَلْقٌ كَثيرٌ (¬5).
8. وَقَعَت زَلزَلَةٌ بِمَدينةِ جَنْزَة، سَنَةَ 533هـ، وماتَ بِسَبَبِها مئتا أَلف، وثلاثونَ أَلفًا، وَوَصَلَ الزّلزالُ إِلى حَلَب (¬6).
9. أُسقِطَت الضَّرائِبُ عَن المُسلِمينَ سَنَةَ 541هـ، بِسَبَبِ قِلّةِ المَطَرِ، وَقِلّةِ مِياهِ الأَنهارِ، وانتشَرَ جَرادٌ عَظِيمٌ، وأَصابَ النَّاسَ دَاءٌ في حُلُوقِهم، فمات بِذَلِكَ خَلائِقٌ كَثِيرَةٌ (¬7).
¬
(¬1) ينظر: البداية، ج16، ص244 - ص245، الكامل، ج10، ص567.
(¬2) ينظر: البداية، ج16، ص250، الكامل، ج10، ص594.
(¬3) ينظر: البداية، ج16، ص284، الكامل، ج10، ص662 - ص664، ص666.
(¬4) ينظر: البداية، ج16، ص313 - ص314، الكامل، ج11، ص50 - ص54.
(¬5) ينظر: البداية، ج16، ص315 - ص316، الكامل، ج11، ص55، ص65 - ص66.
(¬6) ينظر: البداية، ج16، ص321، الكامل، ج11، ص71.
(¬7) ينظر: البداية، ج16، ص340 - ص341، الكامل، ج11، ص110، ص124.
الجزء 1 · صفحة 37
10. اشتَدَّ الغَلاءُ في إِفريقية، سَنَةَ 542هـ، هَلَكَ بِسَبَبِهِ أَكثرُ النَّاسِ، حتى خَلَت المَنازِلُ، وأَقْفَرت المَعَاقِلُ (¬1).
11. وَقَع مَطَرٌ في اليَمَن، سَنَةَ 545هـ، كُلُّهُ دَمٌ، صَبَغَ ثِيابَ النَّاسِ (¬2).
12. وَقَعَت زَلزَلَةٌ عَظِيمةٌ في الشَّامِ، والجَزيرَةِ، سَنَةَ 565هـ، وَعَمّت أَكثرَ الأَرضِ، سيما بِدِمَشقَ، وحِمصَ، وحَماة، وحَلَب، وَبعلبك، فَجَدَّدَ نُورُ الدّينِ عِمارَةَ أَكثر ما سَقَطَ (¬3).
13. تُوفّيّ نُورُ الدّين زِنْكِي، سَنَةَ 569هـ، وَبُويعَ مِن بَعدِهِ المَلِكُ الصَّالحُ إِسماعيل، وبدأَت حالةُ ضَعفٍ، وانتشارٌ لِلفَواحِشِ، والشُّرُورِ (¬4).
14. عَمَّ مَرضُ السّرسام، سَنَةَ 574هـ، فما ارتفعَ إِلَّا في سَنَةِ ستّ وَسَبعينَ (¬5).
15. وَقَعَت زَلزَلَةٌ عَظِيمةٌ، سَنَةَ 575هـ، انهَدَمَ بِسَبَبِها قِلاعٌ، وقُرى، وماتَ خَلْقٌ كَثيرٌ، وفيها أَصابَ النَّاسَ غَلاءٌ شَديدٌ، وَفناءٌ شَريدٌ، وجَهْدٌ جَهيدٌ، فماتَ خَلْقٌ كَثيرٌ مٍن الخلائِقِ، بِهذا وهذا (¬6).
16. مَنَّ اللهُ على النَّاسِ بِكَثرَةِ وِلادَةِ النّساءِ مِن التَّوائِم، سَنَةَ 577هـ، جَبْرًا لِما أَصابَهم مِن الجَدْبِ، والغَلاءِ (¬7).
ثَالثًا: الحَالَةُ الاقتصاديّةُ
1. كانت البِلادُ مُخصبَةٌ، سَنَةَ 510هـ (¬8).
¬
(¬1) ينظر: البداية، ج16، ص345، الكامل، ج11، ص110، ص115، ص118.
(¬2) ينظر: البداية، ج16، ص360.
(¬3) ينظر: البداية، ج16، ص441 - ص442، ج11، ص354 - ص355.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص470 - ص498، الكامل، ج11، ص402، ص405، ص410.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص528 - ص529، الكامل، ج11، ص451.
(¬6) ينظر: البِداية، ج16، ص539 - ص540.
(¬7) ينظر: البِداية، ج16، ص551 - ص554، الكامل، ج11، ص472.
(¬8) ينظر: البِداية، ج16، ص229، الكامل، ج10، ص523.
الجزء 1 · صفحة 38
2. وَقَعَت زَلزَلَةٌ عَظِيمةٌ بِبَغدادَ، سَنَةَ 511هـ، وَغَلَت الغَلاةُ (¬1).
3. وَقَع غَلاءٌ شَديدٌ بِبَغدادَ، سَنَةَ 512هـ، وانقطعَ الغَيثُ، وَعدِمت الأَقواتُ، وَتَفاقَمَ أَمرُ العَيَّارينَ، ولم تَستَطع الشُّرطَةُ السَّيطرةَ على ذَلِكَ (¬2).
4. حَصَلَ غَلاءٌ شَديدٌ في خُراسان، سَنَةَ 532هـ، حتى أَكلوا الكِلابَ (¬3).
5. نُهِبَت العِراقُ مِن أُمراءِ السُّلطانِ مَسعود، سَنَةَ 543هـ، فَغَلَت الأَسعارُ (¬4).
6. حَصَلَ غَلاءٌ شَديدٌ في خُراسان، سَنَةَ 552هـ، حتى أَكلَوا الحَشَرات، وَذَبَحَ إِنسانٌ رَجُلًا، فَطَبَخَهُ، وَباعَهُ في الأَسواقِ (¬5).
7. وَقَعَ رُخصٌ عَظيمٌ في بَغدادَ، سَنَةَ 556هـ (¬6).
8. سَقَطَ بَرْدٌ كِبارٌ كالنَّارَنْجِ، سَنَةَ 569هـ، وَمنهُ ما وزنُهُ سَبعَةُ أَرطالٍ، وَخَرَجَ النَّاسُ إِلى الصَّحراءِ، واستمرَّت الأَمطارُ أَربعينَ يومًا، في دار بَكْرٍ، والموصِل، وَعَلا مَنْسُوبُ الفُراتِ، ودِجلة، وَغَلَت الأَسعارُ في العِراقِ، وَوَقَعَ الوَباءُ في الغَنَمِ (¬7).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص232 - ص233، الكامل، ج10، ص525، ص532.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص336 - ص339، الكامل، ج10، ص534 - ص536، ص544 - ص545.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص315 - ص316، الكامل، ج11، ص55، ص65 - ص66.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص348 - ص350، الكامل، ج11، ص129 - ص133، ص137.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص381 - ص382، الكامل، ج11، ص218 - ص228.
(¬6) ينظر: البِداية، ج16، ص401.
(¬7) ينظر: البِداية، ج16، ص470 - ص498، الكامل، ج11، ص402، ص405، ص410.
الجزء 1 · صفحة 39
9. أَسقَطَ السُّلطانُ صلاحُ الدّين المكوسَ عن الحُجَّاجِ في مَكةَ، سَنَةَ 574هـ، وَكانَ في هذه السَّنَةِ غَلاءٌ شَديدٌ بِسَبَبِ قِلّةِ الأَمطارِ في العِراقِ، والشَّامِ، ودِيارِ مِصْرَ، واستمرَّ إِلى سَنَةِ 575هـ، فَجاءَ المَطَرُ، وَرَخُصَت الأَسعارُ (¬1).
رَابِعًا: الحَالَةُ الدّينيّةُ
1. وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ في بَغدادَ، سَنَةَ 510هـ، احترقَت دارُ الكُتُب النّظاميّة، ودارُ نُورِ الهُدى، وَسَلِمَت الكُتُب، لأَنَّ الفقهاءَ نَقَلُوها (¬2).
2. تُوفّيّ أَبو سَعْد المُخَرّمِيّ سَنَةَ 513هـ، وقد بَنَى مَدْرَسَةً بِبَابِ الأَزْجِ، المَنْسُوبَةُ إِلى الشَّيخِ عبد القادر الجَيلي (¬3).
3. بَنَى بَهْرَامُ بنُ بَهْرَامَ، أَبو شُجاعٍ البَيّعُ، مَدرَسَةً لأَصحابِ الإِمَامِ أَحمد، سَنَةَ 520هـ، بِكَلْوَاذى، وَوَقَفَ قِطعَةً مِن أَملاكِهِ على الفُقهاءِ (¬4).
4. انتَهَى بِناءُ المَدْرَسَةِ الكَمالية بِبَغدادَ، سَنَةَ 535هـ، المَنْسُوبَةُ إِلى كَمالِ الدّين حَمزةَ بن طَلحة، وَدَرَّسَ فيها الشَّيخُ أَبو الحَسَن بنُ الخَلّ، وَحَضَرَ عِندَهُ الأَعيانُ، والرُّؤساءُ (¬5).
5. تُوفّيَّ صَاحِبُ الموصِل سيفُ الدّين زِنْكِي، سَنَةَ 544هـ، الذي بَنَى مَدرَسَةً فيها، وَبَنَى رِبَاطًا لِلصُّوفيّةِ، وفي هذه السَّنَة تُوفّي نَظْرٌ الخَادِمُ أَميرُ الحَاج، لِمُدَّةٍ أَكثرَ مِن عشرينَ عامًا (¬6).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص528 - ص529، الكامل، ج11، ص451.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص229، الكامل، ج10، ص523.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص243، الكامل، ج10، ص353 - ص354.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص272، الكامل، ج10، ص637 - ص638.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص328، الكامل، ج11، ص80.
(¬6) ينظر: البِداية، ج16، ص352 - ص358، الكامل، ج11، ص138 - ص141، ص146.
الجزء 1 · صفحة 40
6. تُوفّيَّ أَبو الحَسَن البَلْخِي، شَيخُ الحَنفيةِ في دِمَشقَ، سَنَةَ 546هـ، دَرَّسَ بِالبَلْخِيَّةِ، ثُمَّ بِالخَاتونيّة البَرَّانيّة (¬1).
7. وَقَعَت في أَصبَهان فِتنَةٌ عَظِيمةٌ بينَ الفُقهاءِ، سَنَةَ 560هـ، بِسَبَبِ المَذاهبِ، دامت أَيامًا، وَقُتِلَ فيها خَلْقٌ كَثيرٌ (¬2).
8. أَظهَرَ الرَّوافِضُ سَبَّ الصَّحابَةِ، سَنَةَ 561هـ، وَتَظاهَرُوا بِأَشياءٍ مُنْكَرَةٍ، وَوَقَعَ بينَ العَوامِ كلامٌ فيما يَتَعلَّقُ بِخَلْقِ القُرآنِ (¬3).
9. احتَرَقَ جامِعُ حَلَب، سَنَةَ 564هـ، فَجَدَّدَهُ نُورُ الدّين (¬4).
10. أَمَرَ نُورُ الدّين بِعِمارَةِ جامِعِ المُوصِل، وَتَوسِعَتِهِ، سَنَةَ 566هـ، وَوَقَفَ على تَأسِيسِهِ بِنَفْسِهِ، وَجَعَلَ لَهُ خَطِيبًا، وَدَرسًا لِلفِقهِ، وَوَقَفَ على الجَامِعِ قريةً مِن قُرى الموصِل، بإِشارةِ الشَّيخِ عمر الملا، وَقَد كانت لَهُ زَاويةٌ يَقْصِدُ فيها، وَلَهُ في كُلّ سَنَةٍ دَعوةٌ في شَهْرِ المَوْلِدِ، يَحضُرُ عِندَهُ المُلُوكُ والعُلماءُ، فَحَصَلَت الخَيراتُ بِالمُوصِل، واندَفَعَت عنهم المَصَائِب.
وفي هذه السَّنَةِ عَزَلَ صَلاحُ الدّين القُضاةَ في مِصْرَ، لأَنَّهم كانوا شِيعةً، وَوَلَّى قضاءَ القُضاةِ لِلماراني الشَّافعيّ، واستنابَ في سَائِر الأَعمالِ الشَّافعيّة، وَبَنَى مَدْرَستين لِلشَّافعيّة والمالكية، واشترى ابنُ أَخيه دارًا جَعَلَها مَدْرَسَةً لِلشَّافعيّةِ (¬5).
11. شَرَعَ نُورُ الدّين سَنَةَ 568هـ في إِنشاءِ مَدْرَسَةٍ كَبيرةٍ لِلشَّافعيّة، وَعَمَّرها بَعدَهُ المَلِكُ أَبو بكر بنُ أَيوبٍ (¬6).
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص363.
(¬2) ينظر: البِداية، ج16، ص414، الكامل، ج11، ص319.
(¬3) ينظر: البِداية، ج16، ص418.
(¬4) ينظر: البِداية، ج16، ص435.
(¬5) ينظر: البِداية، ج16، ص464 - ص465، الكامل، ج11، ص393 - ص395.
(¬6) ينظر: البِداية، ج16، ص465.
الجزء 1 · صفحة 41
12. وَقَفَ السُّلطانُ المَلِكُ النَّاصِرُ صلاحُ الدّين قَريَةَ حَزْمٍ على الزَّاويةِ الغَزَّاليَّةٍ، سَنَةَ 572هـ، وَمن يَشْتَغِلُ بِها بِالعُلُومِ الشَّرعيّةِ، أَو ما يَحتاجُ إِليه الفَقِيهُ، وَجَعَلَ النَّيسابوريّ مُدَرّسَها.
وفيها أَمَرَ النَّاصِرُ صلاحُ الدّين بِبِناءِ مَدْرَسَةٍ لِلشَّافعيّةِ على قَبرِ الإِمِامِ الشَّافعيّ، وَجَعَلَ الشَّيخَ الخُبُوشانيَّ مُدَرّسَها، وَنَاظِرَها.
وفيها أَمَرَ بِبناءِ المَارَسْتَانِ في القاهرةِ، وَوَقَفَ عليها أَوقافًا كَثيرةً.
وفيها بَنَى الأَميرُ قايمازُ جَامِعًا، وَرِباطًا، وَمَدْرَسَةً، وَمَارَسْتانًا، مُتَجاوراتٍ بِالموصِل (¬1).
وَكذا نَجِدُ صَاحِبَ الأَعلاقِ الخَطِيرَةِ يُفْرِدُ لَنا مَدَارِسَ الحَنَفيّة التّي أَنشَأَها الأُمراءُ، والسَّلاطينُ (¬2).
والحَاصِلُ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا أَنَّ الأُمَّةَ الإِسلاميَّةَ في عَصْرِ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ لم تَكُن مُسْتَقِرَّةً على حَالٍ، فَلو اجتَمَعَت بَعْضُ أَحوالِها على أُمَّةٍ مِن الأُمَمِ لَندَثَرَت، وانْطَوت صَفْحَةُ تَارِيخِها، إِلَّا أَنَّ الله تعالى يُظَلّلُ هذه الأُمَّةَ بِلُطْفِهِ، وَيُرسِلُ مَن يَكُونُ سَبَبًا في ثَباتِها أَمام المِحَنِ، وَمِن أَقوى الأَسبابِ التي حَفِظَت بَيضَةَ الإِسلامِ، وَرَثَةُ الأَنبياءِ، مِن الفُقَهاءِ والرَّبانيينَ، وَهُم أَصحابُ الهِمَمِ العَلِيَّةِ.
¬
(¬1) ينظر: البِداية، ج16، ص518 - ص520، الكامل، ج11، ص440.
(¬2) ينظر: ج1، ص264، وما بَعدَها. وفي الأَثمار الجنيّة في أَسماء الحنفية، ج2، ص646 - ص647: محمود بنُ أَبي سَعِيد زِنْكِي المَلِكُ العَادِلُ التُّركي السُّلْطانُ السَّعيدُ نُورُ الدّين الشَّهيد ... كان حنفيًا، وهو أَوَّلُ من بنى دارَ الحديثِ على وجهِ الأَرضِ، ووقَفَ كُتُبًا كثيرةَ، ت569هـ.
الجزء 1 · صفحة 42
فَقَد كانَ الإِمَامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيرُهُ مِن الفُقَهاءِ يَتَولَّونَ مُهِمَّةَ التَّدريسِ، والإفتاءِ، وَيُصَحّحونَ مَسَارَ النَّاسِ.
والرَّبانيُّونَ هُم أَهلُ التَّزكِيةِ والتَّسْلِيكِ، يَعمَلُونَ على تَبصِيرِ غَيرِهم بِالطَّرِيقِ المُوْصِلِ إِلى اللهِ تعالى، فَهُم مَصَابيحُ الأَرضِ.
وَمِن الجَديرِ ذِكْرُهُ أَنَّ عَصْرَ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ قَد ضَمَّ قُطْبَينِ مِن أَهلِ التَّزكيةِ، وهما: العَارِفُ بِاللهِ عبد القَادِرِ الجيلاني (¬1)، والعَارِفُ بِاللهِ أَحمدُ الرّفاعي (¬2)، قَدَّسَ اللهُ سِرّهما، وَنَوَّرَ مَرقَدَهما.
¬
(¬1) وهو عبدُ القَادرِ بنُ عبدِ الله الجيلي، المُكَنَّى بِأَبي محمّد، تَفَقَّهَ على أَبي سَعْدٍ المُخرّميّ، وَمِمَّن حَدَّثَ عَنهُ: ابنُ قُدامة، والسَّمعانيّ، وَمِن تَصانيفهِ: «الفتح الرّباني»، «الغُنية لِطالبي طَريقِ الحَقّ»، أَثنى العُلماءُ عليه فقالوا: شيخُ الإِسلام، عَلَمُ الأَولياءِ، إِمامُ الحَنابِلَةِ، تُوفّي سَنَةَ إِحدى وَسِتّينَ وَخمسمائة. ينظر: سير أَعلام النُّبلاء، ج15، ص182 - ص189، معجم المؤلفين، ج1، ص200.
(¬2) وهو أَحمدُ بنُ عليّ، المُكَنَّى بِأَبي العَبَّاس، كانَ فَقِيهًا، شافعيّ المَذْهَبِ، تَخَرَّجَ بِخالِهِ الشَّيخ الزَّاهد مَنصور، مِن تَصانيفه: «البرهان»، وَشَرَح التَّنبيه في فُروعِ الشَّافعيّة. أَثنى العُلماءُ عليه فقالوا: الإِمامُ، القُدوةُ، شَيخُ العَارِفينَ، تُوفّي سَنَةَ ثمانٍ وَسَبعينَ وَخمسمائة. ينظر: سير اَعلام النُّبلاءِ، ج15، ص318 - ص319، وفيات الأَعيان، ج1، ص171 - ص172، شذرات الذَّهب، ج6، ص427 - ص430، معجم المؤلفين، ج1، ص213.
ابن خلّكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر.
الجزء 1 · صفحة 43
فَكِلاهما كانَ يَجرِي في مُهمّةِ إِصلاحِ القُلُوبِ، والدَّعوةِ إِلى العَمَلِ، وتَنشِيطِ الأَبدانِ في نُصْرَةِ وخِدْمَةِ دِينِ الله تعالى.
تَحصِيلُهُ للعِلْمِ:
أَقامَ الإِمَامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ في بُخَارَى، فَسَمِعَ مِن شَيَخِهِ السَّمَرقَنْديّ رَحِمَهُ اللَّهُ الحَديثَ، وَمن غَيرِهِ (¬1)، وَلَزِمَ شَيْخَهَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واشتَغَلَ عليه (¬2)، فَقَد فَقَرَأَ على شَيخِهِ مُعْظَمَ تَصَانِيفِهِ (¬3)، مِثْل: «التُّحْفَة» في الفِقْهِ (¬4)، و «شَرْح التَّأْوِيلات في تَفْسِيرِ القُرآنِ العَظِيم» (¬5)، وَغَيرِها مِن كُتُبِ الأُصُولِ (¬6) (¬7)، حتَّى بَرَعَ في عِلْمَي الأُصُولِ والفُرُوعِ (¬8).
وَمِن الدَّلائِلِ على تَمَكُّنِهِ مِن العِلْمِ:
¬
(¬1) ينظر: بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347.
(¬2) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص26، طبقات الحنفية، ج2، ص165، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347.
(¬3) وَشَرحِها. ينظر: كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485. وقد اقتصر في الفوائد البهيّة، ص91، على عبارة: قَرَأَ عليه مُعْظَمَ تَصَانِيفِهِ.
(¬4) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص26، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485، مهام الفقهاء الحنفية، ص301.
(¬5) ينظر: بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347.
(¬6) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص26، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347، مهام الفقهاء الحنفية، ص301.
(¬7) وَالفُرُوع. ينظر: كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485.
(¬8) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص26، طبقات الحنفية، ج2، ص165، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4347 - ص4348.
الجزء 1 · صفحة 44
1. صَنَّفَ كِتابَ «البَدائِع»، وهو شَرْحٌ لِتُحفَةِ شَيخِهِ، فَلَمَّا عَرَضَهُ عليه، ازدادَ فَرَحًا بِهِ، وَزَوَّجَهُ ابنَتَهُ، وجَعَلَ مَهْرَها مِنهُ ذَلِكَ، فقالَ الفُقَهاءُ في عَصْرِهِ: شَرَحَ تُحْفَتَهُ، وَزَوَّجَهَ ابنَتَهُ (¬1).
2. أَنَّهُ كانَ مُنَاظِرًا، قَويَّ الحُجَّةِ، فَقَد أَوْرَدَت كُتُبُ التَّراجِمِ والسّيَرِ سَبَبَ ذَهابِهِ إِلى حَلَبٍ، هو أَنَّهُ أُرْسِلَ رَسُولًا مِن مَلِكِ الرُّوم إِلى نُورِ الدّينِ مَحْمُود، بِحَلَبٍ، وَسبَبُ ذَلِك، أَنَّهُ تَنَاظَرَ مَع فَقِيهٍ بِبِلَاد الرُّوم في مَسأَلَةِ المُجتَهِدَينِ، هل هما مُصِيبان، أَم أَحدُهمَا مُخطئٌ؟ فَقَالَ الْفَقِيهُ: الْمَنْقُولُ عَن أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهدٍ مُصِيبٌ، فَقَالَ الكَاسَاني: لَا، بل الصَّحِيحُ عَن أبي حَنِيفَةَ أَنَّ أَحَدَ الْمُجْتَهدَينِ مُصِيبٌ، وَالْآخر مُخطِئٌ، وَالْحقُّ في جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا الذي تَقُولُهُ مَذْهَبُ الْمُعْتَزلَةِ.
وَجَرَى بَينَهُمَا كَلَامٌ في ذَلِك، فَرَفَعَ الكَاسَاني على الْفَقِيهِ المِقْرَعَةَ، فَقَالَ مَلِكُ الرُّومِ: هَذَا افْتَاتَ على الْفَقِيهِ، فَاصْرِفْهُ عَنَّا. فَقَالَ الْوَزيرُ: هَذَا رَجُلٌ كَبِيرٌ، وَمُحْتَرَمٌ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ، بل نُنْفِذْهُ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدّين مَحْمُود، فَأُرْسِلَ إِلى حَلَبٍ.
وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدِمَ الرَّضِيُّ السَّرَخْسِيُّ صَاحِبُ «الْمُحِيط» إِلى حَلَبَ، فَوَلَّاهُ نُورُ الدّينِ الحَلاوِيَّةَ، وَاتَّفَقَ عَزْلُهُ، فَوَلَّى السُّلْطَانُ صَاحِبَ «البَدائِع» الحَلاوِيَّةَ، عِوَضَهُ، بِطَلَبِ الْفُقَهَاءِ ذَلِك مِنْهُ، فَتَلَقَّاهُ الْفُقَهَاء (¬2)،
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص26، طبقات الحنفية، ج2، ص165.
(¬2) بِالقَبُول. ينظر: الفوائد البهيّة، ص91.
الجزء 1 · صفحة 45
وَكَانُوا في غَيْبَتِهِ يَبْسُطُونَ لَهُ السَّجَّادَةَ، وَيَجْلِسُونَ حَولَها في كُلّ يَوْمٍ إِلى أَنْ يَقْدمَ (¬1).
3. أَنَّهُ كانَ مُتَمَكّنًا مِن حِفْظِ مَسَائِلِ المَذْهَبِ، وَإِبرَازِ الخِلافِ فيها، فَقَد أَوْرَدَت كُتُبُ التَّرَاجِمِ والسّيَرِ، مَجْلسَ اختِبَارِهِ مِن قِبَلِ فُقَهاءِ دِمَشْقَ، فَحِينَ قَدِمَ إِليها، حَضَرَ إِليهِ الْفُقَهَاءُ، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْكَلَامَ مَعَهُم في مَساَلَةٍ، فَقَالَ: لَا أَتكَلّمُ في مَسأَلَةٍ فِيهَا خِلافُ أَصْحَابِنَا، فَعَيّنُوا مَسأَلَةً، فَعَيَّنُوا مَسَائِلَ كَثِيرَةً، فَجَعَلَ كُلَّمَا ذَكَرُوا مَسَأَلَةً، يَقُول: ذَهَبَ إِلَيْهَا مِن أَصْحَابِنَا فلَانٌ، وَفُلَانٌ، فَلَم يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى إِنَّهُم لم يَجِدُوا مَسأَلَةً إِلَّا وَقَد ذَهَبَ إِلَيْهَا وَاحِدٌ مِن أَصْحَابِ أَبي حَنِيفَةَ، فَانْفَضَّ الْمَجْلِسُ على ذَلِكَ (¬2)، ولم يَتَكَلَّمُوا مَعَهُ (¬3).
وَجَمَعَ مَع عُلُومِ الشَّرِيعَةِ الشّعْرَ، وَكانَ يَنظُمُهُ، حَيثُ وُجِدَ على نُسْخَةٍ مِن كِتَابِهِ البَدِيعِ «البَدَائِع» بِخَطّ يَدِهِ:
سَبَقْتُ العَالَمِينَ إِلى المَعَالِي ... بِصَائِبِ فِكْرَةٍ وَعُلُوّ هِمَّهْ
وَلاحَ بِحِكْمَتِي نُورُ الهُدَى ... في لَيالٍ بِالضَّلالَةِ مُدْلَهِمَّهْ
يُرِيدُ الجَاحِدُونَ لِيُطْفِئُوهُ ... فَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّهْ (¬4).
شُيُوخُهُ
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص26 - ص27، طبقات الحنفية، ج2، ص165 - ص167، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص487 - ص488، الفوائد البهيّة، ص91.
(¬2) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص27، طبقات الحنفية، ج2، ص169، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص488.
(¬3) ينظر: تاج التَّراجم، ص328.
(¬4) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص25، تاج التَّراجم، ص328، الأَثمار الجنيَّة، ج2، ص706، الفوائد البهيّة، ص91.
الجزء 1 · صفحة 46
لم تُسْعِفْنا كُتُبُ التَّراجِمِ والسّيرِ بِبَيانِ شُيُوخِهِ، سُوى أَنَّها ذَكَرَت شَيخًا واحِدًا، وَبِهِ تَفَقَّهَ، وهو الإِمامُ السَّمرقَنْدِيّ، وقد جاءَ في تَرجَمَتِهِ ما يَلِي:
1. اسمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيّ (¬1).
2. كُنيَتُهُ: أَبو مَنصُور (¬2)، أَبو بَكر (¬3)، أَبو أَحمد (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المُضيّة، ج3، ص18، طبقات الحنفية، ج2، ص98، تاج التَّراجم، ص252، الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364 - ص368، كشف الظُّنون، ج2، ص410، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، مُعجم المؤلفين، ج3، ص46.
(¬2) ينظر: الجواهر المُضيّة، ج3، ص18، تاج التَّراجم، ص252، مُعجم المؤلفين، ج3، ص46، مفتاح السّعادة، ج1، ص ص348، الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص556.
(¬3) ينظر: طبقات الحنفية، ج2، ص98، الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص568.
(¬4) ينظر: التَّحبير في المُعجم الكبير، ج2، ص84، المُنتخب، ص1393.
السَّمعاني، عبد الكريم بن محمَّد، التَّحبير في المُعجم الكبير، تحقيق: منيرة ناجي سالم، الطبعة الأُولى، رئاسة ديوان الأَوقاف، 1975. السَّمعاني، عبد الكريم بن محمَّد، المُنتَخب مِن معجم شيوخِ السَّمعاني، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، الطبعة الأُولى، دارعالم الكتب، 1996.
الجزء 1 · صفحة 47
3. لَقَبُهُ: علاءُ الدّين (¬1)، صَاحِبُ التُّحفَة (¬2).
4. شُيُوخُهُ:
أ. مَيمُون بنُ مُحمَّد، يُكنّى: بِأَبي مَعين النَّسَفي، مِن تَلاميذِهِ: علاء الدّين أَبو بكر محمّد السَّمرقَنْدِي، أَثنى العُلَماءُ عليه فقالوا: إِمامٌ فاضِلٌ، جامِعُ الأُصول، مِن مُصنّفاتِهِ: «تَبصِرةُ الأَدلة»، «التَّمهيدُ لِقَواعدِ التَّوحيد»، «بَحرُ الكَلامِ»، «مِناهجُ الأَئمةِ في الفُرُوع»، «إيضاحُ المَحجّةِ لِكَونِ العَقلِ حُجّة»، «شَرحُ الجامعِ الكَبيرِ»، تُوفّي سَنَةَ ثمانٍ وخمسمائة (¬3).
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحنفية، ج2، ص98، تاج التَّراجم، ص252، الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، كشف الظُّنون، ج2، ص410، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، المُنتخب، ص1393، مفتاح السّعادة، ج1، ص348، الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص568، كما سيأتي في مُقَدّمَةِ الإِمامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ.
(¬2) ينظر: الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص556.
(¬3) ينظر: طبقات الحنفية، ج2، ص99، الفوائد البهيّة، ص355، كشف الظُّنون، ج2، ص341، هدية العارفين، ج6، ص487، الجواهر المضيّة، ج3، ص147، ج4، ص24، الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص667.
الجزء 1 · صفحة 48
ب. مُحَمّد بنُ مُحمّد بنُ عبدِ الكريم، يُكنّى: بِأَبي اليُسْرِ، والمُلَقّب بِصَدرِ الإِسلامِ البَزْدَوي، أَخَذَ عن إِسماعيل بنِ عبد الصَّادِق، وأَبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، وَتَفَقَّهَ عليه: نجمُ الدّين عمر النَّسَفي، وعلاءُ الدّين السَّمرقندي، صاحب «تُحْفة الفُقهاء»، وغيرهما، أَثنى العُلماءُ عليه فقالوا: بَرَعَ في العُلومِ فُرُوعًا وأُصولًا، وانتهت إِليه رياسةُ الحنفية بما وراء النَّهر، وكان إِمام الأَئمةِ على الإِطلاقِ، ملأَ بِتَصَانيفهِ بُطُونَ الأَوراقِ، تُوفّي بِبُخارى سَنَةَ ثلاثٍ وَتسعينَ وأَربعمائة (¬1).
5. تَلامِيذُهُ:
¬
(¬1) ينظر: تاج التَّراجم، ص275، الفوائد البهيّة، ص309 - ص310، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص267 - ص270، الجواهر المضيّة، ج4، ص98 - ص99، الأَثمار الجنيّة، ج2، ص723 - ص724.
الجزء 1 · صفحة 49
أ. فَاطِمةُ بنتُ مُحَمَّد بْنُ أَحْمَدَ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيّ «مُؤلّف التُّحفة»، طَلَبَها جماعةٌ مِن مُلُوكِ بلادِ الرُّوم، إِلَّا أَنَّ أَباها زوَّجها لِتلميذِهِ الإِمامِ علاء الدّين أَبي بكر بن مَسعود الكَاسَاني «صاحبُ البدائع» بعد أَنْ شَرَحَ تُحفَتَهُ، وتَفَقّهت على أَبيها، وَحَفِظت مُصنّفَهُ «التُّحفة»، وكانت تَنْقُلُ المَذهبَ نَقلًا جيدًا، وكانت الفَتوى أَوَّلًا يَخرجُ عليه خَطُّها وَخَطُّ أَبيها، فَلمَّا تَزوَّجت بِالكَاسَاني، كانت الفَتوى تَخرُجُ بِخطّ الثَّلاثةِ، وربما وَهمَ زَوجُها في الفَتوى في بعضِ الأَحيانِ، فتأخذُ عليه ذلك الوَهمَ، وتنبُّههُ على وجهِ الصَّوابِ، فيرجعُ إِلى قَولِها، قال داود بن عليّ - أَحدُ فُقهاءِ الحَلاوِيَّة بحلب-، هي التي سَنَّت الفِطْرَ في رَمضانَ للفقهاءِ بِحلاويَّة، كان في يَديها سِواران، فأَخرجتهما، وباعتهما، وَعَملت بِالثَّمن الفَطورَ كلّ ليلةٍ، واستمرَّ على ذلك إِلى اليوم، وَتُوفيت في حلب قبل زَوجِها، ولم يُذكر سَنَةُ وَفاتِها، ولَمَّا ماتَ زوجُها دُفِن بِجانِبِها (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المُضيّة، ج3، ص18، تاج التَّراجم، ص252، الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، البدور المضيّة، ج14، ص259، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4348، الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص726 - ص727.
الكملائي، محمد حفظ الرحمن، البدور المضيّة في تراجم الحنفية، الطبعة الثانية، دار الصَّالح، 2017.
الجزء 1 · صفحة 50
ب. أَبو بكر بنُ مَسْعودٍ بنُ أَحمدَ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ (¬1)، «صَاحِبُ البَدائِع»، وقَد سَبَقَت تَرجَمَتُهُ.
ت. مُحمَّد بنُ الحُسين (¬2) بن ناصر بن عبد العزيز النّوسوخي، وَنَوسوخ: بلدةٌ مٍن بلاد فَرْغَانَة، المُلَقَّب ضِياءُ الدّين، وعليه تَفَقَّه صَاحبُ «الهداية»، وَتَفَقَّهَ على الإِمامِ علاءِ الدّين أَبي بكر مُحمّد بن أَحمد السَّمرقندي، وأَيضًا على مَجْدِ الأَئمةِ أَبي بكر محمد بن عبد الله بن فاعل السُّرْخَكْتِيّ، بضَمّ السّين، وسكون الرَّاء، وفتح الخَاء المُعجَمَة والكاف، وفي آخرها التَّاء ثالث الحُرُوف، نِسْبَةً إِلى سُرْخَكَت بَغْرجسْتان سَمَرقَند (¬3).
6. ثَناءُ العُلَماءِ عليه:
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المُضيّة، ج3، ص18، تاج التَّراجم، ص252، الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، كشف الظُّنون، ج2، ص410، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، البدور المضيّة، ج14، ص259، الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص556.
(¬2) وفي كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، ومهام الفقهاء الحنفية، ص212: الحَسَن.
(¬3) ينظر: الجواهر المضيّة، ج3، ص146 - ص147، ج4، ص24، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، مهام الفقهاء الحنفية، ص212.
الجزء 1 · صفحة 51
الشَّيخُ (¬1)، الإِمَامُ (¬2)، الفقيه (¬3)، الأُصُولي (¬4)، الزَّاهد (¬5)، شيخٌ كَبيرٌ (¬6)، مِن كِبارِ الحَنفية (¬7)، إِمامٌ فاضِلٌ (¬8) في الفَتوى، والمُناظرة، والأُصُول (¬9)، والكَلام (¬10)، جَلِيلُ القَدْرِ (¬11)، وَارِثُ السُّنّةِ، وَمُورِثُها، ومُؤَدّيها، رَئِيسُ أَهلِ السُّنّةِ (¬12).
7. تَصَانيفُهُ:
¬
(¬1) ينظر: كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، كشف الظُّنون، ج2، ص410، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، كما سيأتي في مُقَدّمَةِ الإِمامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ.
(¬2) ينظر: تاج التَّراجم، ص252، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، كشف الظُّنون، ج2، ص410، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، كما سيأتي في مُقَدّمَةِ الإِمامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ.
(¬3) ينظر: معجم المؤلفين، ج3، ص68، الأَعلام، ج5، ص317.
(¬4) ينظر: الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص568، معجم المؤلفين، ج3، ص68.
(¬5) ينظر: كشف الظُّنون، ج2، ص410، كما سيأتي في مُقَدّمَةِ الإِمامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ.
(¬6) ينظر: الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، مهام الفقهاء الحنفية، ص212.
(¬7) ينظر: الأَعلام، ج5، ص317.
(¬8) ينظر: الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364، التَّحبير في المُعجم الكبير، ج2، ص84، المُنتخب، ص1393.
(¬9) ينظر: التَّحبير في المُعجم الكبير، ج2، ص84، المُنتخب، ص1393.
(¬10) ينظر: المُنتخب، ص1393.
(¬11) ينظر: الفوائد البهيّة، ص260، كتائب أَعلامِ الأَخيار، ج2، ص364.
(¬12) كما سيأتي في مُقَدّمَةِ الإِمامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ.
الجزء 1 · صفحة 52
«تُحفةُ الفُقَهاء» (¬1)، «اللُّباب» (¬2)، «ميزانُ الأُصُولِ في نَتَائِجِ العُقُول» (¬3)، «التَّأويلاتُ الماتُرِيديّة في بَيانِ أُصولِ أَهلِ السُّنّةِ وأُصولِ التَّوحيد» (¬4).
8. وَفاتُهُ:
تُوفّي غَرّة جمادى الأُولى سَنةَ تِسْعٍ وثلاثينَ وَخَمسمائة، بِبُخارى (¬5)، وقال بَعضُهم: تُوفّي سَنَةَ أَربعينَ خَمسمائة (¬6)، وَوَهِمَ بَعضُهم فقال: سَنَةَ ثَلاثٍ وَخَمسينَ وَخَمسمائة (¬7).
ثالثًا: تَلامِيذُهُ
بِما أَنَّ الإِمامَ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ انتَهَت إِليه رِياسَةُ المَذْهَبِ، وَغَدا مَرْجِعًا فيه، وَتَولَّى التَّدْرِيسَ في المَدْرَسَةِ الحَلاوِيَّةِ (¬8)، بَعدَ أَنْ تَمَّ تَوكِيلهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الذين تَفَقَّهوا عليه عَدَدٌ لا يُمكِنُ حَصْرُهُ، فَمِنهُم:
1. أَحمد بنُ محمَّد بنُ محمود بنُ سعيد (¬9)
¬
(¬1) ينظر: تاج التَّراجم، ص252، مهام الفقهاء الحنفية، ص212، معجم المؤلفين، ج3، ص68، مفتاح السّعادة، ج1، ص348.
(¬2) ينظر: تاج التَّراجم، ص252.
(¬3) ينظر: معجم المؤلفين، ج3، ص68. وفي الأَثمار الجَنيّة، ج2، ص568: ميزان الفُصُول على نتائج العُقُول.
(¬4) ينظر: كشف الظُّنون، ج2، ص337.
(¬5) ينظر: التَّحبير في المُعجم الكبير، ج2، ص85، المُنتخب، ص1393.
(¬6) ينظر: الأَعلام، ج5، ص317، مفتاح السّعادة، ج1، ص348.
(¬7) ينظر: معجم المؤلفين، ج3، ص67.
(¬8) وَكَذَلِكَ هو أَوَّلُ مَن دَرَّسَ في المَدرَسةِ الجاوليَّةِ، ولم يَزَلْ بِها مُدَرّسًا إِلى أَنْ تُوفّي. ينظر: الأَعلاق الخَطِيرَةِ، ج1، ص277.
(¬9) وفي الفوائد البهيّة، ص71: سعد.
الجزء 1 · صفحة 53
الغَزْنَوي، نسبةً إِلى غَزنة، بفتح الغين المُعجمة، وسكون الزَّاي المُعجمة، ثُمَّ مفتوحة، بلدةٌ مِن أَوّل بلادِ الهند، المَعْروف بالتَّاج الحنفي، مُعِيدُ دَرْسِ الإِمامِ الكَاسَاني صَاحِب البَدائعِ، تَفقّه على: أَحمد بن يوسف الحسيني العلوي، انتفعَ بِهِ جماعةٌ مِن الفقهاء، كان فَقيهًا فَاضلًا، بَلَغَ دَرَجةَ الرّياسة في المَذْهَب، له تَصَانيف حَسَنةٌ مُفيدةٌ، منها: «رَوضةُ اختلاف العلماء»، «أُصولُ الفقه»، «رَوضةُ المتكلّمين»، «المقدمة الغَزنوية»، مات بِحلب، سنةَ ثَلاثٍ وتسعينَ وخمسمائة، وَدُفِنَ بِمَقابِرِ الفُقهاءِ الحنفية، قِبْلِيَّ مَقام إِبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية، ج1، ص315 - ص316، تاج التَّراجم، ص104، كشف الظُّنون، ج4، ص259، الفوائد البهيّة، ص71، بُغية الطَّلَب، ج3، ص1029، الطَّبقات السّنية، ج2، ص89، الأَثمار الجنيّة، ج1، ص346، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص487.
التَّميمي، تقيّ الدّين بن عبد القادر، الطَّبقات السّنية في تراجم الحنفية، تحقيق: عبد الفتَّاح محمّد الحلو، بدون طبعة، دار الرّفاعي،
الجزء 1 · صفحة 54
2. خَليفَةُ (¬1) بنُ سُلَيْمَان بنُ خَليفَة بن مُحَمَّد الْقُرشِيّ الحُورَانيّ، أَبُو السَّرَايَا، الْخَوَارِزْمِيّ الأَصْل، الْحلَبِيّ والمَولِد والدَّار، مَولِدُه بِحَلَب، سنةَ سِتّ وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة، وَقيل: سنةَ خمسٍ، قالَ ابن العَديم: وَكَتبَ بِخَطِّهِ في الْإِجَازَة أَنَّ مولَدَه سنةَ ثَلَاثٍ وَخمسين، قَرَأَ الْفِقْهَ بِحَلَب على الإِمَامِ عَلَاءِ الدّين أَبي بكر بن مَسْعُود الكَاسَاني «صَاحب الْبَدَائِع»، وَرَحلَ إِلى بِلَادِ الْعَجمِ، وتَفَقَّهَ بهَا على جمَاعَةٍ مِنْهُم: الصَّفِيّ الْأَصْبَهَانِيّ «صَاحب الطَّرِيقَة»، وكانَ فَقِيهًا عالِمًا، وهو أَوَّلُ مَن دَرَّسَ في المَدرسةِ الأَتابكيّة، تُوفّي يوم الاثنين الثَالِث عشْرينَ شَوَّال (¬2)، سنةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَستّ مائَة، بِحَلب، وَدُفِنَ بِجَبَّانةِ مقَامِ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صَلَّى اللهُ عليه، خَارج بَاب الْعِرَاق (¬3).
3. أَبو حَفْص عمرُ بنُ حَفَّاظ بنُ خَلِيفة بنُ حَفَّاظ - المَعْروف بابنِ عَقَّادة الحَمَوي - أَحدُ طَلَبةِ علاء الدّين الكَاسَاني -، دَرَّسَ في المَدرَسَةِ الطُّمَانيَّةِ، التي أَنشأها الأَمير حُسام الدّين طُمان النُّوريّ، ثُمَّ سَافَرَ عنها (¬4).
¬
(¬1) وفي الأَثمار الجَنيّة، ج1، ص425: خالد.
(¬2) وفي الرَّابع والعشرينَ مِن شَوَّال. ينظر: الأَعلاق الخَطِيرة، ج1، ص273.
(¬3) ينظر: الجواهر المضية، ج2، ص176، الأَعلاق الخَطِيرة، ج1، ص273، بُغية الطَّلَب، ج7، ص3369 - ص3370، الأَثمار الجَنيّة، ج1، ص425، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص487.
(¬4) ينظر: الأَعلاق الخَطِيرة، ج1، ص278، كنوز الذَّهب، ج1، ص355.
ابن العَجمي، أَحمد بنُ إِبراهيم، كنوز الذَّهب في تاريخ حلب، الطبعة الأُولى، دار القلم، 1417.
الجزء 1 · صفحة 55
4. أَبو حَفْص عمرُ بنُ عليّ بنُ محمّد بنُ فارسٍ بنُ عُثمان بنُ فارسٍ بنُ محمّد بنُ قُشَام التَّميمي الحَنَفي، تَفَقَّهَ على الإِمامِ عبد الرَّحمن الغَزْنَوي، وعلى علاء الدّين الكَاسَاني، وهو أَوَّلُ مَن دَرَّسَ في المدرَسةِ الجُرْدِيكيَّةِ، التي أَنشأَها الأَمير عزّ الدّين جُرْدِيك النُّوريّ بالبلاط في سنةِ تسعين وخمسمائة، ولم يَزَل مُدرّسًا بِهَا إِلى أَنْ تُوفيَّ ليلةَ السَّبتِ الثَّاني مِن جمادى الآخرة، سنة ثَلاثٍ وعشرينَ وستمائة، وكان مولدهُ ليلة الأَحد، السَّابع والعشرين مِن شَهرِ رَمضانَ سنة ثلاثٍ وأَربعينَ وَخَمسُمائة (¬1).
5. أبو حَفْص عُمَر بنُ عليّ بنُ مُحَمَّد بن قُشَّام، بِضمّ القَافِ، وَفَتحِ الشّينِ المُعَجمة، وبعد الأَلف ميم، الحَلَبِيُّ الدّارقطنيّ، من دار القُطن؛ مَحلّةٌ بِحَلب، عاشَ ثمانينَ سنةً.
كان مَولِدُهُ في السَّابع والعِشرينَ مِن شَهرِ رَمضانَ، سنة ثلاثٍ وأَربعينَ وَخَمسُمائة، َحَدَّثَ عن أَبي بَكرٍ مُحَمَّد بنِ ياسرٍ الْجِيّانيّ، وَتَفَقَّهَ على الكَاسَانيّ، وأَبي الفَتْح عبد الرحمن بن محمود الغَزْنَويّ، وحدَّث، ودَرَّسَ، وأفادَ بِبلدِهِ، وكانَ من كِبارِ الحنفية (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الأَعلاق الخَطِيرة، ج1، ص275.
(¬2) ينظر: تاريخ الإِسلام، ج13 ص745، التَّكملةُ لِوَفياتِ النَّقلة، ج3، ص176.
المُنْذري، عبد العظيم بن القوي بن عبد الله، التَّكملةُ لِوَفياتِ النَّقلة، تحقيق: بشَّار عوَّاد مَعروف، الطبعة الثَّانية، مؤسّسة الرّسالة، 1981.
الجزء 1 · صفحة 56
6. نَجَا بنُ سَعْدٍ بنُ نَجَا ابْنُ أَبي الْفَضلِ شمس الدّين، قَالَ ابْن العديم: من أَصْحَابِ أبي حنيفَة، تَفَقَّهَ بِحَلَبٍ على الإِمَامِ أَبي بكر الكَاسَاني، وَدَرَّسَ بِمَدرسةِ بُصْرَى، وَكتب بِخَطِّهِ نُسْخَةَ الْبَدَائِع من خطّ شَيْخِهِ، بَيَّضَها في سَبعِ مُجلداتٍ، وهي وَقْفٌ بِالْمَدْرَسَةِ الشّبْلِيَّة (¬1).
7. مُحمَّد بنُ أحمد بنُ مُحمَّد بنُ خَميسٍ، المَغربيُّ الأَصل، الموصليُّ المَولِد، أَبو عبد الله الوكيل، كان شيخًا حسنًا ظريفًا، مطبوع النّظم، قرأَ الفِقهَ على مَذهبِ الإمامِ أَبي حنيفة- رَحِمَهُ اللَّهُ - على علاءِ الدّين الكَاسَاني، وَسَمِعَ منهُ شَيئًا من إملائِهِ بِحَلَبٍ.
سُئِلَ عن مَولِدِهِ، فقال: ليلةُ الأَحدِ الَّتاسع مِن مُحرّم من سنة اثنتين وأَربعين وخمسمائة. وتُوفّي يوم الجُمعةِ السَّابع مِن جمادى الأُولى من سنة اثنتين وعشرين وستمائة، بِحَلَبٍ، وَدُفِنَ بِمَقابِرِ بَابِ الجنان (¬2).
8. مُحمَّدُ بنُ يوسف بنُ الخضر بنُ عبد الله بنُ أَبي محمَّد عبد الرحيم بن القاسم بن عبد الله، المعروف بابن الأَبيض، الفقيه الحنفيُّ الحلبيُّ، وكان يُكنَّى أَبا القاسم أيضًا.
تَفَقَّهَ على والِدِهِ، ثُمَّ على علاءِ الدّين الكَاسَاني، كانَ دَمث الأَخلاق، حَسن المُعاشرةِ، كريمَ الطّباع، غزيرَ العِلم، كثيرَ الوَرع، مليحَ الّنظم والنّثر.
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية، ج3، ص531 - ص532.
(¬2) ينظر: قلائد الجمان، ج5، ص281 - ص282.
الموصلي، المبارك بن الشعار، قلائد الجمان في فوائد شعراء هذا الزَّمان، المشهور بـ: عُقُود الجمان في فرائد شعراء هذا الزَّمان، تحقيق: كامل سلمان الجبوري، الطبعة الأُولى، دار الكتب العلمية، 2005.
الجزء 1 · صفحة 57
وُلِدَ بِحَلب في رابع صَفر من سنةِ ستينَ وخمسمائة (¬1)، ونَشأَ بها، حتى انتقل أَبوه إِلى دمشق، وولي القضاء بها، فسار إِلى والده، إِلى دمشق.
تَولّى قضاء العَسكر، وتَقلّد عدّة مدارس بدمشق، منها: مسجد خاتون- ظاهر مدينة دمشق-، ومدرسة باب البريد، ومدرسة خاتون أيضًا.
كانت وفاتُه رَحِمَهُ اللَّهُ ليلة سَبعِ وعشرينَ من شهرِ رَمضانَ، من سَنةِ أَربع عشرة وستمائة فَجأةً.
كان قد استَدعى فُقهاءَ المدرسةِ، في تلك الليلة على عادته في شهر رمضانَ للإفطارِ على مائدتِهِ، وأكلوا وخرجوا عنه، ثم صلّى العِشاءَ الآخرة والتَّراويح، وَسَجدَ، وحضرته الوفاةُ، فلم يتكلّم بِشيءٍ؛ إِلى أَنْ ماتَ، وَدُفِنَ صَبيحة تلك اللّيلة، بِتُرْبةِ بمقامِ إبراهيم- عليه السلام (¬2).
9. أَبو بَكر المُجَلّد الحَنَفي: نَقِيبُ المَدرسةِ الحلاويّة بِحَلَبٍ، كان مِن جُملةِ الفُقَهاءِ بها، وكان نَقيبُهم، وكان يجلّدُ الكُتُبَ في بَيتهِ بالمَدرسةِ، وكان شَيخًا حَسَنًا، بَهيّ المَنْظَرِ، عنده مُحاضرة، وَكيس، وكانَ سَمِعَ الإمامَ علاءَ الدّين الكَاسَاني (¬3).
10. مَحمُود بنُ أَبي بَكرٍ بنُ مَسْعُودٍ الكَاسَاني، كانَ قَدْ تَفَقَّهَ على وَالِدِهِ، وقد وَلي المَدرَسَةَ النُّوريةَ، بعد وَفاةِ أَبيه علاءُ الدّين الكَاسَاني، وَتَولَّى المَلِكُ الظَّاهِرُ تَرْبِيَتَهُ، واجتَهَدَ في اشتغالِهِ بالفِقْهِ، فلم يُنْجِب (¬4).
المطلب الثَّالثُ: اختِيارَاتُهُ ودَرَجَتُهُ في الاجتهادِ، ثَناءُ العُلَماءِ عليه وَمُؤلَفَّاتُهُ
¬
(¬1) وفي الفوائد البهيّة، ص332: ولد بِحَلب سَنَةَ ستٍ وستين وخمسمائة.
(¬2) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص452 - ص453، قلائد الجمان، ج5، ص283 - ص284، الفوائد البهيّة، ص332 - ص333.
(¬3) ينظر: بغية الطَّلَب، ج10، ص4367 - ص4368.
(¬4) ينظر: كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص487، الفوائد البهيّة، ص91، الجواهر المضية، ج4، ص28.
الجزء 1 · صفحة 58
اختِيارَاتُهُ ودَرَجَتُهُ في الاجتهادِ:
نَالَ الإِمَامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ الرُّتْبَةَ العَلِيَّةَ في الاجتهادِ في المَذْهَبِ، وَسيأَتي تَفْصِيلُ وَبَيانُ ذَلِكَ، فاختِياراتُهُ مُصَحّحةٌ، وَيُعمَلُ بِها، إِلَّا إِذا خالَفَ المُعْتَمَدَ، وَضَعَّفَهُ المُرجّحُونَ.
وَقَد وافَقَ الإِمَامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ شَيخَهُ السَّمرقَنْدي رَحِمَهُ اللَّهُ في جَميعِ تَصحيحاتِهِ، إِلَّا في مَسأَلَةٍ واحِدَةٍ، خَلافَهُ فيها، بل خَرَجَ بِها عَن المُعْتَمَدِ، وَسَيأتي بَيانُها وَتَفصِيلُها.
وَظَهَرت تَرجيحاتُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ في حالاتِ سُكُوتِ شَيخِهِ السَّمرقَنْدي رَحِمَهُ اللَّهُ في مَواطِنِ الخِلافِ، أَو في مَسَائِلٍ أَورَدَها ولم تُذْكَرْ في التُّحْفَةِ.
وَمِن تَرجِيحاتِ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ:
أَوَّلًا: ما يُوافِقُ تَرجِيحُهُ المُتُون
1. المَسْأَلَةُ: اعتِبارُ ابتِداءِ مُدَّةِ المَسْحِ على الخُفّين.
عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُ وَقْتِ الحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الخُفَّ جُعِلَ مانِعًا مِنْ سِرَايَةِ الحَدَثِ إلى القَدَمِ، وَمَعْنَى المَنْعِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الحَدَثِ، فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ المُدَّةِ مِنْ هَذَا الوَقْتِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ المُدَّةَ ضُرِبَتْ تَوْسِعَةً، وَتَيْسِيرًا، لِتَعَذُّرِ نَزْعِ الخُفَّيْنِ فِي كُلِّ زَمانٍ، وَالحَاجَةُ إلى التَّوْسِعَةِ عِنْدَ الحَدَثِ؛ لِأَنَّ الحَاجَةَ إلى النَّزْعِ عِنْدَهُ لولا الحَدَثُ (¬1).
¬
(¬1) ص 153.
الجزء 1 · صفحة 59
وَالمُعْتَمَدُ: ما صَحَّحَهُ الإِمامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهو ما مَشَت عليه المُتُونُ: كما في المُختَصَرِ (¬1)، والكَنْزِ (¬2)، والوافي (¬3)، والوِقايةِ (¬4)، والمُختارِ لِلفَتوى (¬5)، وَتُحفَةِ المُلُوكِ (¬6)، والهداية (¬7).
2. المَسْأَلَةُ: تَقْدِيرُ المَسْحِ على الخُفّ بالأَصابِع
عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِأَصَابِعِ اليَدِ، وهو الصَّحِيحُ (¬8).
وَالمُعْتَمَدُ: ما صَحَّحَهُ الإِمامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو ما مَشَت عليه المُتُون، كما في: الكَنز (¬9)، الوافي (¬10)، الوقاية (¬11)، المختار للفتوى (¬12)، مجمع البحرين (¬13)، الهداية (¬14).
ثانيًا: ما يُوافِقُ تَرجِيحُهُ أَحَدَ الأَقوالِ المُصَحَّحة
1. المَسْأَلَةُ: المَسْحُ على الخُفّ الذي تَبدُو مِنهُ الأَناملُ أَثناءَ المَشي.
عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ بَدَا ثَلَاثٌ مِنْ أَنَامِلِهِ، اخْتَلَفَ المَشَايِخُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَمْنَعُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَمْنَعُ، وهو الصَّحِيحُ (¬15).
وَالمُعْتَمَدُ: أَنَّهما قولانِ مُصّحَحانِ، وَصَحَّح الإِمامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ المَنْعَ، وهو تَصَحيحُ المَبْسُوط (¬16)، وَعَدَم المَنْعِ، وإليه مالَ الإِمامُ الحَلْواني، وَصَحَّحَهُ في المُحيطِ البُرهاني (¬17).
2. المَسْأَلَةُ: المَسْحُ على الخُفّ المُتَّخَذِ مِن اللُّبَدِ.
¬
(¬1) ص53.
(¬2) ص 146.
(¬3) ج1، ص181.
(¬4) ج1، ص72.
(¬5) ص98.
(¬6) ص35.
(¬7) ج1، ص35.
(¬8) ص 184.
(¬9) ص146.
(¬10) ج1، ص181.
(¬11) ج1، ص74.
(¬12) ص98.
(¬13) ص91.
(¬14) ج1، ص36.
(¬15) ص 177.
(¬16) ج1، ص234.
(¬17) ج1، ص348.
الجزء 1 · صفحة 60
عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كَانَ يُطِيقُ السَّفَرَ بِه جَازَ المَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا هُوَ الأَصَحُّ (¬1).
وَالمُعْتَمَدُ: ما صَحَّحَهُ الإِمامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو ما ذَهَبَ إِليه في: المَبْسُوط (¬2)، وَشَرحِ الجَامِعِ الصَّغير، لِقاضيخان (¬3)، وفتاوى قاضيخان (¬4)، والفتاوى البزَّازية (¬5)، والمُحيط البُرهاني (¬6).
ثَالثًا: ما وافَقَ تَرجِيحُهُ إِحدى الرّوايات
1. المَسْأَلَةُ: إِذا أَخرَجَ بَعضَ قَدَمِهِ أَثناءَ لبْسِهِ لِلخُفّ.
عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: رَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ أَكْثَرَ العَقِبِ مِنْ الخُفّ، انْتُقِضَ مَسْحُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ أَكْثَرَ القَدَمِ مِنْ الخُفّ، اُنْتُقِضَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ مِنْ القَدَمِ فِي الخُفّ مِقْدَارُ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ المَسْحُ بَقِيَ المَسْحُ، وَإِلَّا اُنْتُقِضَ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ يَسْتَمْشِي، فَإِنْ أَمْكَنَهُ المَشْيُ المُعْتَادُ يَبْقَى المَسْحُ، وَإِلَّا فَيُنْتَقَضُ.
وَهَذَا قَوْلٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وهو اعْتِبَارُ أَكْثَرِ القَدَمِ، لِأَنَّ المَشْيَ يَتَعَذَّرُ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ القَدَمِ، ولا بَأْسَ بِالِاعْتِمادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ المَقْصِدَ مِنْ لُبْسِ الخُفّ هُوَ المَشْيُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ المَشْيُ، انْعَدَمَ اللُّبْسُ فِيما قُصِدَ لَهُ؛ وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الكُلّ (¬7).
¬
(¬1) ص 168.
(¬2) ج1، ص237.
(¬3) ج1، ص59.
(¬4) ج1، ص52.
(¬5) ج1، ص16.
(¬6) ج1، ص342 - ص343.
(¬7) ص 189 - ص190.
الجزء 1 · صفحة 61
وَالمُعْتَمَدُ: أَنَّها رِواياتٌ مُصَحَّحةٌ، وما مالَ إِليه الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ، صَحَّحَهُ بَعضُ المَشايخِ، كصاحب الهداية (¬1)، وغاية البيان (¬2)، واقتصر عليه في شَاملِ الفوائد النُّعمانيّة (¬3).
رابِعًا: ما يُخالِفُ تَرجِيحُهُ المُتُونَ وعامَّةَ الشُّروحِ
1. المَسْأَلَةُ: الجَمْعُ في المَسْحِ بينَ ظاهِرِ الخُفّ وَباطِنِهِ.
عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالمُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا الجَمْعُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ فِي المَسْحِ، إلا إذَا كَانَ على بَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ (¬4).
وَالمُعْتَمَدُ: هو اقتِصَارُ المَسْحِ على ظاهِرِ الخُفّ، وهو ما مَشَت عليه المُتُونُ، وَعامَّةُ الشُّرُوحِ، كما في: المُختَصَر (¬5)، الكَنز (¬6)، الوافي (¬7)، الوقاية (¬8)، مجمع البحرين (¬9)، المختار للفتوى (¬10)، الهداية (¬11)، المبسوط (¬12)، شرح مُختصر الطَّحاوي، للإِسبيجابي (¬13)، تبيين الحقائق (¬14).
2. المَسْأَلَةُ: تَخْلِيلُ اللّحيةِ.
عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مِنْ الآدَابِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ سُنَّةٌ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ «الآثَارِ».
لِأَبِي يُوسُفَ: ما رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - تَوَضَّأَ، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي لِحْيَتِهِ كَأَنَّهَا أَسْنَانُ المِشْطِ» (¬15).
وَلَهُما: أَنَّ الَّذِينَ حَكَوْا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - ما خَلَّلُوا لِحَاهُمْ.
¬
(¬1) ج1، ص37.
(¬2) ج1، ص317.
(¬3) ج1، ص70.
(¬4) ص 179.
(¬5) ص53.
(¬6) ص146.
(¬7) ج1، ص181.
(¬8) ج1، ص70 - ص71.
(¬9) ص91.
(¬10) ص98.
(¬11) ج1، ص35.
(¬12) ج1، ص234.
(¬13) ج1، ص219.
(¬14) ج1، ص144.
(¬15) سيأتي تَخرِيجُهُ ص291.
الجزء 1 · صفحة 62
وما رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ فَهُوَ حِكَايَةُ فِعْلِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - ذَلِكَ اتّفَاقًا، لا بِطَرِيقِ المُوَاظَبَةِ، وَهَذَا لا يَدُلُّ على السُّنَّةِ (¬1).
وَالمُعْتَمَدُ: سُنّيّةُ التَّخلِيلِ، وهو ما مَشَت عليه المُتُونُ، كالمختَصرِ (¬2)، والوقايةِ (¬3)، والنُّقايةِ (¬4)، والكَنز (¬5)، والوافي (¬6)، والمُختارِ لِلفتوى (¬7)، وَتَنوير الأَبصارِ (¬8)، وَرُجّح في عامَّةِ الشُّرُوحِ، كَفَتحِ القَدير (¬9)، والبحر الرَّائق (¬10)، وغاية البيان (¬11)، واختاره أَصحابُ الفَتاوى، كخُلاصةِ الفتاوى (¬12)، وفتاوى السّراجيّة (¬13)، وغيرها.
أَمَّا دَرَجَتُهُ في الاجتِهادِ
فَنَقُولُ: إِذا كانَ الاجتِهادُ هو أَنْ يَبذُلَ المَرءُ غَايَةَ وُسْعِهِ لِيَصِلَ إِلى الفَهْمِ، وَيُحَقَّقَ المُرادَ، وَعُقُول النَّاسِ مُتَفَاوتَةٌ، فَالنَّتيجةُ الحَتمّيةُ أَنْ تَتَعدَّد الآراءُ في المَسأًلَةِ الوَاحِدةِ.
وهذا ليس مَعنَاهُ أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَيدانَ الاجتِهادِ، فَأَمرُ الاجتِهَادِ مُنْضَبِطٌ عِندَ أَهلِهِ، وَغَيرُ مُتَيسّرٌ لِكُلّ أَحَدٍ.
والاجتِهادُ على ضَرْبَينِ:
1. اجتِهادُ استِنبَاطٍ، وَيُقصَدُ بِهِ أَنَّ صَاحِبَهُ يَرجِعُ إِلى استِخراجِ الحُكْمِ مِن القُرآنِ، والسُّنّةِ النَّبَويَّةِ الصَّحِيحَةِ، بِناءً على أُصُولٍ صَحِيحَةٍ وَصَلَ إِليها، فاعتَمَدَها، وأَصحابُ هذه الطَّبَقَةِ لَيسُوا على دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ.
¬
(¬1) ص 290 - 291.
(¬2) ص41.
(¬3) ج1، ص19.
(¬4) ج1، ص51.
(¬5) ص139.
(¬6) ج1، ص163.
(¬7) ص87.
(¬8) ص22.
(¬9) ج1، ص31.
(¬10) ج1، ص55.
(¬11) ج1، ص80.
(¬12) ج1، ص22.
(¬13) ص28.
الجزء 1 · صفحة 63
وهذا النَّوعُ مِن الاجِتِهادِ كانَ في حُقْبَةٍ زَمَنيَّةٍ مُبارَكَةٍ، ثُمَّ عَجَزَت العُقُولُ بَعدَها أَنْ تَصِلَ إِلى تِلْكَ المَرتَبَةِ، وانقَطَعَ السَّبِيلُ، وَصَرَّحَ الفُقَهاءُ المُتَأخّرونَ بِذَلِكَ (¬1).
2. واجتِهادٌ يَقَعُ دَاخِلَ المَذْهِبِ، وهو دَرَجاتٌ، وأَصحابُهُ كَذَلِكَ، وَلَهُم وَظائِفٌ، فَعَلى قَدْرِ انشِغَالِ الفَقِيهِ فيها، وَالتَّحَقُّق بِها، يَتِمُّ تَحْدِيدُ دَرَجَتِهِ.
وَقَبلَ أَنْ نُحَدَّدَ دَرَجَةَ اجْتِهادِ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ، علينا أَنْ نَعْرِضَ وَظَائِفَ المُجتَهِدِ، وَمِن ثَمَّ نُبَيّنُ حَالَ اجِتِهَادِهِ، بِنَاءً عليها، مع الأَمثِلَةِ على ذَلِكَ.
وَظَائِفُ المُجْتَهِدِ (¬2):
1. استِنباطُ الأَحكامِ مِن الكِتابِ، والسُّنَّةِ، وآثارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، وهو نَوعان:
الأَوَّلُ: الاعتِمادُ على أُصُولٍ استَخرَجَها المُجْتَهِدُ بِنَفْسِهِ.
الثَّاني: الاعتِمادُ على أُصُولٍ مُقَرَّرَةٍ في المَذْهَبِ، استَخْرَجَ أُسُسَها أَئمَّتُهُ.
2. التَّخريجُ على أَقوالِ أَئمَةِ المَذْهَبِ، وهو نَوعان:
الأَوَّلُ: حَمْلُ قَولِ المُجْتَهِدِ المُطْلَقِ على مَحْمَلٍ مُعَيّنٍ، بأَنْ يَكونَ كلامُهُ مِن الفَرائضِ، أَو الواجباتِ، أَو السُّنَن، أَو المُبطلاتِ، أَو غَيرِها.
¬
(¬1) فقد سُئِلَ الإمامُ حُسامُ الدّينِ، «الصَّدر الشَّهيد» المُتَوفّى 536هـ: أَنت مُجْتَهدٌ؟ فَأَجَابَ: بأَنَّ الاجتِهادَ انقَطَعَ. ينظر: الأَثمار الجنيّة في أَسماء الحنفية، ج2، ص530.
(¬2) ينظر: إِسعاد المُفتي، ص134 - ص139.
أَبو الحاج، صلاح مُحمَّد، إِسعادُ المُفتي على شَرْحِ عُقُودِ رَسْمِ المُفتي، الطبعة الأُولى، دار البشائر الإِسلامية، 2015.
الجزء 1 · صفحة 64
الثَّاني: التَّفريعُ على مَسائِلِ المُجْتَهِدِ، وَقَواعِدِهِ، في المَسائِلِ المُسْتَجَدَةِ (¬1).
3. التَّرجِيحُ والتَّصْحيحُ بينَ أَقوالِ عُلَماءِ المَذْهَبِ، وهما نوعان:
الأَوَّلُ: التَّرجِيحُ بينَ الأَقوالِ، اعتمادًا على الأُصُول، والقَواعَدِ، والمعاني، وأُسُسِ الأَبوابِ الفِقْهيةِ.
الثَّاني: التَّرجِيحُ بينَ الأَقوالِ بناءً على قواعدِ رَسْمِ المُفْتي، مِن المَصْلَحةِ، والعُرْفِ، والتَّيسيرِ، وَتَغَيّرِ الزَّمانِ، والضَّرورةِ، والحَاجَةِ.
¬
(¬1) فَإِنَّ واحدًا مِن العُلماءِ وإِنْ جَمَعَ أَوقارًا مِن الكُتُب، وَحَفِظَ أَقاوِيلَ المُتَقَدّمينَ والمُتأَخرين، فَرُبّما تَقَعُ حادِثَةٌ لا يَجِدُها في كُتُبِهِ، ولا فيما حَفِظَهُ، بل يَحتَاجُ إِلى الاجتهادِ، وذَلِكَ لا يَحصُلُ إِلَّا بِمَعرِفَةِ الدَّلائِلِ والمَعاني، ولم يَكُن ذَلِكَ نَهيًا عن حِفْظِ الصُّورِ والأَسامي، فَإِنَّ مَن حَفِظَ أَقاويلَهم، وَدَرَسَ كُتُبَهُم، يَزيدُ لَهُ قُوّةً، وَبَصِيرةً.
وَقَد حُكِيَ عَن أَبي عبد اللهِ الثَّلْجِي أَنَّهُ قال: لا تَسْتَخِفُّوا بِكلامِ هؤلاءِ، فَإِنّي رُبَّما أُتيتُ بِمَسأَلَةٍ لولا أَنّي أَحفَظُ أَقَاويلَهم، ما دَرَيتُ كيف أَضَعُ قَدَمي فيها.
وقال السّيّدُ الإِمامُ الأَجَلُّ محمّد بنُ أَبي شُجاعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في خُطبَةِ غَرِيبِ الرّوايةِ الَّذي جَمَعَهُ: إِنَّما تَبِعتُ جَوابات المَشايخِ المُتأَخرينَ، لأَكُونَ مُقتديًا بِهِم في الحَوادِثِ، لا مُبتَدِئًا. مجموع الحوادث، ج1، ص73، الفتاوى، ج1، ص10.
الكَشّي، أَحمد بنُ مُوسى بنُ عيسى، مجموع الحوادث والنَّوازل والواقعات، تحقيق: عبد المَلِك تُويتشيبَايُوف، الطبعة الأُولى، دار ابن حزم، 2023. السَّمرقندي، نصر بن محمّد، الفتاوى من أَقاويل المشايخ في الأَحكام الشَّرعية، تحقيق: محمّد سالم هاشم، الطبعة الأُولى، دار الكتب العلمية، 2017.
الجزء 1 · صفحة 65
4. التَّمْيزُ والتَّفْضيلُ بينَ الأَقوالِ، والرّوايات، وهما نوعان:
الأَوَّلُ: تَميزُ أَصلِ المَذْهَبِ «ظاهِر الرّواية» عن غَيرِهِ مِن الأَقوالِ.
الثَّاني: تَميزُ بينَ الأَقوى والقَويّ، والصَّحيح والضَّعيف.
5. التَّقْرِيرُ والتَّطبيقُ في العَمَلِ، والإفتاءِ، والقَضَاءِ بالمُناسبِ لِلواقِع، وهما نوعان:
الأَوَّلُ: تَقْرِيرُ ما هو الأَنْسَبُ، والأَرفَقُ، والمُفْتَى بِهِ، بناءً على قَواعدِ رَسْمِ المُفتي، مِن عُرْفٍ، وَضَرورةٍ، وغَيرِها.
الثَّاني: تَقْرِيرُ المَسْألةِ بَعدَ تَصَوّرِها جَيدًا، وإِدرَاكُ أَنَّها هي المُنَاسِبةُ لِلواقِعَةِ، وَفَهم عِلَّتِها، وَمَبناها، وَأَصلَها، وَمَحلَّها في الإِفتاءِ والعَمَلِ.
وعلى تَقرِيرِ ما ذُكِرَ مِن تَقْسيماتِ الوَظائِف، سَنَرَى أَنَّ قِسْمًا مِنها لم نَضَع له مِثَالًا، لأَنَّ الدّراسَةَ لا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَبوابِ كِتَابِ «بَدائِعِ الصَّنَائِع».
أَوَّلًا: الوَظِيفَةُ الثَّالِثَةُ
المَسأَلَةُ: الاعتِبارُ في ابتِداءِ مُدَّةِ المَسْحِ.
مِثَالُها: وَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُ وَقْتِ الحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الخُفَّ جُعِلَ مانِعًا مِنْ سِرَايَةِ الحَدَثِ إلى القَدَمِ، وَمَعْنَى المَنْعِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الحَدَثِ، فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ المُدَّةِ مِنْ هَذَا الوَقْتِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ المُدَّةَ ضُرِبَتْ تَوْسِعَةً، وَتَيْسِيرًا، لِتَعَذُّرِ نَزْعِ الخُفَّيْنِ فِي كُلِّ زَمانٍ، وَالحَاجَةُ إلى التَّوْسِعَةِ عِنْدَ الحَدَثِ؛ لِأَنَّ الحَاجَةَ إلى النَّزْعِ عِنْدَهُ لولا الحَدَثُ (¬1).
المَسأَلَةُ: أَخْرَجَ بَعْضَ قَدَمِهِ مِن الخُفّ، أَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ.
مِثَالُها: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ يَسْتَمْشِي، فَإِنْ أَمْكَنَهُ المَشْيُ المُعْتَادُ يَبْقَى المَسْحُ، وَإِلَّا فَيُنْتَقَضُ.
¬
(¬1) ص 153.
الجزء 1 · صفحة 66
وَهَذَا قَوْلٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وهو اعْتِبَارُ أَكْثَرِ القَدَمِ، لِأَنَّ المَشْيَ يَتَعَذَّرُ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ القَدَمِ، ولا بَأْسَ بِالِاعْتِمادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ المَقْصِدَ مِنْ لُبْسِ الخُفّ هُوَ المَشْيُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ المَشْيُ، انْعَدَمَ اللُّبْسُ فِيما قُصِدَ لَهُ؛ وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الكُلّ (¬1).
ثَانِيًا: الوَظِيفَةُ الرَّابِعَةُ
1. المَسأَلَةُ: حَدُّ الوَجْهِ
مِثَالُها: وَلَمْ يَذْكُرْ في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حَدُّ الوَجْهِ، وَذُكِرَ في غَيْرِ رِوَايَةِ الأُصُولِ، أَنَّهُ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ إلى أَسْفَلِ الذَّقَنِ، إلى شَحْمَتَيْ الأُذُنَيْنِ، وَهَذَا تَحْدِيدٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِما يُنْبِئُ عَنْهُ اللَّفْظُ لُغَةً، لِأَنَّ الوَجْهَ اسْمٌ لِما يُوَاجِهُ الإِنْسَانَ، أَو ما يُوَاجَهُ إلَيْهِ في العَادَةِ، وَالمُوَاجَهَةُ تَقَعُ بِهَذَا المَحْدُودِ (¬2).
2. المَسأَلَةُ: غَسْلُ شَعْرِ اللّحيَةِ في الوُضُوءِ.
مِثَالُها: رَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ مِنْ لِحْيَتِهِ ثُلُثًا منها، أَوْ رُبُعًا منها جَازَ، وَإِنْ مَسَحَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لم يَجُزْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ لم يَمْسَحْ شَيْئًا مِنْهَا جَازَ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مَرْجُوعٌ عَنْهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ (¬3).
ثالِثًا: الوَظِيفَةُ الخَامِسَةُ
المَسأَلَةُ: مَسُّ المَرأَةِ.
1. مِثَالُها: وَلِأَنَّ مَسَّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُجُودُهُ، فَلَوْ جُعِلَ حَدَثًا، لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ (¬4).
المَسأَلَةُ: مَسُّ الذَّكَرِ.
¬
(¬1) ص 190.
(¬2) ص 102.
(¬3) ص105 - ص107.
(¬4) ص 360.
الجزء 1 · صفحة 67
2. مِثَالُها: وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِنَفْسِهِ، وَلَا سَبَبٌ لِوُجُودِ الْحَدَثِ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَسَّ الْأَنْفِ، وَلِأَنَّ مَسَّ الْإِنْسَانِ ذَكَرَهُ مِمَّا يَغْلِبُ وُجُودُهُ، فَلَوْ جُعِلَ حَدَثًا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ (¬1).
إِذن يُمْكننا القَول: الإِمَامُ الكَاسَاني مُجتَهِدٌ في المَذْهَبِ، بَلَغَ بِاجتِهادِهِ وَمَلَكَتِهِ الفِقْهِيّةِ رُتْبَةً عَلِيَّةً، إِنْ لم يَكُن في كَمَالِ الاجتِهادِ، كانَ قَرِيبًا مِنهُ.
ثَناءُ العُلماءِ عليه:
سَبَقَ أَنْ أَوردتُ أَلقَابَهُ التي تَدُلُّ على مَكانَتِهِ السَّامِقة، وَإِضافةً لها، جاءَ في الثَّناءِ عليه:
الشَّيخُ، الإِمامُ (¬2)، الفقيه (¬3)، كان مِن ذَوي التَّحصِيلِ، والتَّفريعِ، والتَّأصِيلِ (¬4)، بَرَعَ في عِلْمَي الأُصُولِ والفُرُوعِ (¬5).
¬
(¬1) ص360.
(¬2) ينظر: كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485، مَهام الفقهاء، ص301.
(¬3) ينظر: الأَعلام، ج2، ص70.
(¬4) ينظر: الأَعلاق الخَطِيرة، ج1، ص269.
(¬5) ينظر: الجواهر المضية، ص445، بُغيةُ الطَّلَب، ج10، ص4348.
الجزء 1 · صفحة 68
وَقَد جاءَ في مَنشُورِ تَعيينِهِ مُدرّسًا في المَدارِس الحَنفية بِحَلَب: الشَّيْخُ، الإِمامُ، الْعَالِمُ، عَلَاءُ الدّين أَبُو بكر بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الكَاسَاني، أَدامَ اللهُ تَوفيقَهُ، ذُو الْفضلِ الْوَاسِع، وَالعِلْم الْجَامِع، والبَرهان الْقَاطِع، وَالدَّلِيل الصَّادِق الصَّادع، وَهُوَ الْبَحْرُ الطَّامي عبابُهُ، والغَيثُ الهَامي سَحابُهُ، والعَالِم الَّذِي هُوَ أَوحدُ الْعَالم فِي عَصرِهِ، والحَبْرُ الذى حَبَّرَ عِلمَ الْفِقْه بِذكرِ وُضُوحِهِ، وايضاح ذِكرِهِ، وَهُوَ مَالِكُ قَلَمِ الْفُتيا، وسَالِكُ لَقَمِ الْعُليا، ومُوضّحُ الْمَذْهَب إِلى رَفعِ الْخِلافِ، والمُوضِعُ فِي سَبِيلِ الإِفادةِ بِفَضلِ الإِسعاد والإِسعاف، والمُتحلّي مِن الْفَضَائِل بِأَحْسَن الحُلى، وأَشرف الأَوصافِ (¬1).
مؤلفاتُهُ:
صَنَّفَ الإِمامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ التَّصانيفَ البَدِيعةَ في أَحكامِ الشَّريعةِ، والكُتُبَ التي سَارَ في الآفاقِ ذِكْرُها، واستَوى في شِياعِها خَبَرُها، وَخُبْرُها (¬2)، وَممَّا وَقَفتُ عليه:
1. «بَدَائِعُ الصَّنائِعِ في تَرتِيبِ الشَّرائِعِ»، وَسَنُفصّل الحَدِيثَ عَنهُ بِدارَسَةٍ مُستَقِلّةٍ، وقد أَفرَدتُ لِذَلِكَ مَبحَثًا.
¬
(¬1) ينظر: البَرقُ الشَّامي، ج5، ص135.
الأَصبهاني، محمّد بنُ محمّد صفيّ الدّين، البَرْقُ الشَّامي، تحقيق: فالح حسين، الطبعة الأُولى، مؤسسة عبد الحميد شُومان، 1987.
(¬2) ينظر: الأَعلاق الخَطِيرة، ج1، ص269.
الجزء 1 · صفحة 69
2. «السُّلطانُ المُبِينُ (¬1) في أُصُولِ الدّين» (¬2)، وَقِيلَ: سمَّاه: «المُعتَمَدُ في المُعتَقَد» (¬3).
وَكِتابُ «المُعتَمَد مِن المُعتَقَد» مَطبوعٌ (¬4)، وجاءَ في مُقدّمَتِهِ: فَجَمَعتُ اعتِقَادَ السُّنّةِ والجَمَاعَةِ، صَافِيًا عَن كَدَرِ البِدْعَةِ، وَشَوْبِ الضَّلالَةِ، وَعَمَلْتُهُ مُخْتَصِرًا، لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ، وَيَعُمَّ نَفْعُهُ، رَجاء أَنْ يَكُونَ ذِكْرًا لي في الدُّنْيَا، وَذُخْرًا في العُقْبَى، وَسَمَّيْتُهُ «المُعتَمَد مِن المُعتَقَد» (¬5).
وخَتَمَهُ بِقَولِهِ: هذا آخِرُ ما بَلَغَنا مِن اعتِقَادِ أَهلِ السُّنّةِ والجَمَاعَةِ مِن أَساتِذَتِنا الطَّيّبين الطَّاهرِينَ، رُؤَساء أَهلِ السُّنّةِ والجَمَاعَةِ بِسَمَرقَنْدَ وَبُخارَى، فَرَحِمَهُمُ اللهُ، وَرَحِمَ مِن دَعَا لَهُم، وَلِجَامِعِ هذا الاعتِقَادِ، وَلِوالِديْهِ، وأَسلافِهِ، وَلِجَميعِ المُسلِمِينَ، ثَبَّتَنا اللهُ على هذا الاعتِقَادِ، وَخَتَمَنا عليه، بِفَضلِهِ، وَكَرَمِهِ، وَرَحمَتِهِ، إِنَّهُ أَرحَم الرَّاحِمينَ (¬6).
المبحث الثَّاني: دراسةُ كِتابِ البَدائع.
المطلب الأَول: نِسبةُ الكتابِ إِلى المُصنّفِ، مَصَادرُهُ.
المطلب الثَّاني: مَنهَجُ المُصنّفِ وَمَيّزاتُ كِتَابِهِ، مُسَامَحاتُه.
المطلب الثَّالث: وَصفُ نُسَخِ المَخطُوط.
المطلب الأَوَّل: نِسْبَةُ الكتابِ إِلى المُصنّفِ، مَصَادرُهُ.
¬
(¬1) وفي الأَثمار الجنيَّة، ج2، ص705: المَتين.
(¬2) ينظر: الأَعلام، ج2، ص70، هدية العارفين، ج5، ص235، كشف الظُّنون، ج4، ص390، بُغية الطَّلَب، ج10، ص4348، طبقات الحنفية، ج2، ص167، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص487، مهام الفقهاء الحنفية، ص301.
(¬3) ينظر: الأَثمار الجنيَّة، ج2، ص705.
(¬4) بِتحقيق: أَكرم محمّد إِسماعيل، الطبعة الأُولى، 2021، دار النُّور المبين، عمّان - الأُردن.
(¬5) ص49.
(¬6) ص92.
الجزء 1 · صفحة 70
أَوَّلًا: نِسبةُ الكتابِ إِلى المُصنّفِ
اتَّفَقَت كَلِمَةُ أَصحابِ التَّراجِمِ والسّير على نِسْبَةِ كِتابِ البَدائِعِ للإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ (¬1)، بل يُلَقَّبُ بِهِ، كما مَرَّ آنِفًا.
وَتَعلُو قِيمَةُ الكِتَابِ بِناءً على دَرَجَةِ صَاحبِهِ في المَذهَبِ، فَكُلَّما كانَ اجتهادُهُ أَقوى، نالَت كُتُبُهُ وَصْفًا أَعلى.
وقد كَثُرَ الثَّناءُ على كِتَابِ البدائِعِ، وَتَنَوَّعت العِباراتُ في وَصْفِهِ، منها:
1. الكِتَابُ الجَلِيلُ (¬2).
2. رَتَّبَهُ أَحسَنَ تَرتِيبٍ، وَأَوضَحَ مُشْكلاتهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ في جَميعِ المَسائِلِ (¬3).
3. هذا الكِتَابُ جَلِيلُ الشَّأْنِ، لم أَرَ لَهُ نَظيرًا في كُتُبِنا (¬4).
4. التُّحفةُ: أَي للإِمَامِ محمّد السَّمَرْقَنْدِي، التي شَرَحَها تِلميذُهُ الكَاشَاني، بِشَرْحٍ عَظِيمٍ سَمَّاهُ البَدائِعَ (¬5).
5. صَنَّفَ الكَاشَاني الحَنَفي، شَرْحًا عَظِيمًا، في ثَلاثِ مُجلَّداتٍ، وَسَمَّاهُ: «بَدَائِعَ الصَّنَائِع في تَرتِيبِ الشَّرَائِع»، ... وهذا الشَّرْحُ تَأْلِيفٌ يُطَابِقُ اسمُهُ مَعْنَاهُ (¬6).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص25، الأَثمار الجنيَّة، ج2، ص705، تاج التَّراجِم، ص328، طبقات الحنفية، ج2، ص164، كشف الظُّنون، ج2، ص410، كتائب أَعلام الأَخيار، ج2، ص485، مَهام الفقهاء الحنفية، ص301، الفوائد البهيّة، ص91.
(¬2) ينظر: الجواهر المضيّة، ج4، ص25، الأَثمار الجنيَّة، ج2، ص705.
(¬3) ينظر: بُغية الطَّلَب، ج10، ص4348.
(¬4) ينظر: رَدّ المُحتار، ج1، ص215.
ابن عابدين، محمد أمين، رَدُّ المُحتار، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، 1994.
(¬5) ينظر: رَدّ المُحتار، ج1، ص215.
(¬6) ينظر: كشف الظُّنون، ج2، ص410، ص411.
الجزء 1 · صفحة 71
6. قالَ ابنُ العَدِيمُ (¬1):
¬
(¬1) عمرُ بنُ أَحمد بنُ هبةِ الله، يُكنّى، بأَبي القاسم، مِن شُيُوخِه: البدر الأَبيض محمد بنُ يوسف، أَثنى عليه العُلماء فقالوا: الفقيه الحنفي، كمال الدّين، المُلقَّب رئيس الأَصحاب، المُحدّث، المؤرّخ، الأَديب، الكاتب، مِن مُؤلفاته: «بُغية الطَّلب في تاريخ حلب» نحو ثلاثينَ مُجلَّدًا، تُوفّي سَنَةَ سِتينَ وستمائة. ينظر: الجواهر المضية، ج2، ص634 - ص636، الفوائد البهيّة، ص239، مرآة الجنان، ص120، مُعجم الأُدباء، ج5، ص2068، العِبَرُ في خَبَرِ مَن غَبَر، ج5، ص261.
اليَافِعيُّ، عبدُ اللهِ بنُ أَسعد، مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يُعتبر مِن حوادثِ الزَّمان، وضع حواشيه: خليل منصور، الطبعة الأُولى، دار الكتب العلميّة، 1997. الحَمَوي، ياقوتُ بنُ عبد الله، مُعجَمُ الأُدباء، تحقيق: إِحسان عبَّاس، الطبعة الأُولى، دار الغرب، 1993. الذَّهبي، محمد بنُ أَحمد، العِبَرُ في خَبَرِ مَن غَبَر، تحقيق: صلاح الدّين المُنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1984.
الجزء 1 · صفحة 72
سَمِعْتُ الفَقِيْهَ شَمْسَ الدّين الخُسْرَوْشاهي (¬1)
¬
(¬1) عَبدُ الحَميدِ بنُ عِيسَى بنُ عَمويه بنُ يُونُس بنُ خَلِيل الخُسْرَوْشاهي، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَفَتْح الرَّاء، بعْدهَا وَاو سَاكِنة، ثمَّ شِين مُعْجمَة، وَآخِرهَا الْهَاء، مِن قُرى تبرِيز، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بهَا، وَسَمِعَ الحَدِيثَ من الْمُؤَيد الطُوسي، حَدَّثَ عَنهُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدّميَاطي، وَغَيرُهُ، وَكَانَ فَقِيهًا، أُصُوليًا، مُتَكَلّمًا، مُحَقّقًا، بَارِعًا فِي المَعْقُولاتِ، قَرَأَ على الإِمَامِ فَخْرِ الدّين الرَّازِيّ، وَأكْثرَ الْأَخْذَ عَنهُ، ثمَّ قَدِمَ الشَّامَ بَعدَ وَفَاةِ الإِمَامِ، وَدَرَّسَ، وَأفَادَ، ثمَّ تَوَجَّهَ إِلى الكَرَكِ، فَأَقَامَ عِنْد صَاحِبِهَا الْمِلِكِ النَّاصِر دَاوُدَ، فَإِنَّهُ اسْتَدْعَاهُ لِيقْرَأَ عَلَيْهِ، ثمَّ عَادَ إِلى دِمَشْقَ، فَأَقَامَ بهَا إِلى أَنْ تُوفّي في شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسِتمِائَة، وَدُفِنَ بقاسيون، وَمن مُصَنَّفَاتِهِ: «مُخْتَصر الْمُهَذّب» فِي الْفِقْه، و «مختصر المقالات» لِابْنِ سِيْنا، و «تَتمّةُ الْآيَاتِ الْبَيّنَات». ينظر: طبقات الشَّافعية الكُبرى، ج8، ص161، طبقات الشَّافعية، ج2، ص108.
السُّبكي، عبد الوهاب بنُ تَقيّ الدّين، طبقات الشَّافية الكُبرى، تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتَّاح محمد الحلو، الطبعة الثَّانية، هجر، 1413هـ. ابن قاضي شهبة، أَبو بكر بنُ أَحمد بنُ محمد، ت851هـ، طبقات الشَّافعية، تحقيق: الحافظ عبد الحليم خان، عالم الكتب، 1407هـ.
الجزء 1 · صفحة 73
يَقُولُ لي: لأَصْحَابِكُم في الفِقْهِ كِتَابُ البَدَائِع، لِلْكَاسَاني، وَقَفْتُ عَليهِ، ما صَنَّفَ أَحَدٌ مِن المُصَنّفِينَ مِن الحَنَفِيةِ، ولا مِن الشَّافِعيةِ مِثْلَهُ، وَجَعَلَ يُعَظّمُهُ تَعْظِيمًا، قَالَ لي: وَرَأَيتُهُ عِندَ المِلِكِ النَّاصرِ دَاود صَاحِب الكَرَكِ، أَهدَاهُ إِليهِ بَعضُ الفُقَهاءِ الحَنَفِيةِ، وَأَظنُّهُ قالَ الشَّمسُ نَجا، أَحَدُ المُدَرّسينَ بِدِمَشْقَ: فَعَجِبْتُ ممّن يَكُونُ عِندَهُ مِثْل ذَلِكَ الكِتَاب، وَيَسْمَحُ بإِخرَاجِهِ مِن مُلْكِهِ (¬1).
وَلَم يُذْكَر في كُتُبِ التَّراجم، أَيّ خِدمَةٍ لِكتابِ البَدائِعِ، سُوى ما قامَ بِهِ المناستريّ (¬2) بِتَجرِيدِ البَدَائِع، سَمَّاهُ: «مُجَرَّدُ البَدائِعِ وَمُلَخَّصُ الشَّرائِعِ» (¬3) (¬4).
ثانيًا: مَصَادرُهُ.
¬
(¬1) ينظر: بُغية الطَّلَب، ج10، ص4350 - ص4351.
(¬2) هو محمّد شَاه بنُ أَحمد المناستريّ، الصّديقيّ بنُ أَبي السُّعود الرُّوميّ الحَنَفي، صَنَّفَ: «مُجَرَّدُ البَدائِع وَمُلخَّصُ الشَّرائِع»، «مُنتهى الأَنهر في شرح ملتقى الأبحر»، «نهر الدّقائِق في ترجمةِ بحر الحقائق»، تُوفّي سَنَة 1052هـ. ينظر: هدية العارفين، ج6، ص281.
(¬3) ينظر: كَشْف الظُّنُون، ج2، ص411.
(¬4) وجاء في مُعجمِ تُراثِ الفقهِ الحَنَفي، ج1، ص519: زاد الغريب الضَّائع من بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع، - مختصر بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع «مطبوع»، لمحمد بن محمّد الرّويني الحسيني أَبو عبد الله الفقيه الحنفي المُتوفى سنة 925هـ / 1519م.
عمر مصطفى أَحمد إِبراهيم، مُعجمُ تُراثِ الفقهِ الحَنَفي، الطبعة الأُولى، شركة وعي الدّولية، 2023.
الجزء 1 · صفحة 74
بَعدَ التَّدْقِيقِ وإِمعانِ النَّظَر نَجِدُ أَنَّ المَصَادرَ التي اعتَمَدَ عليها الإِمَامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتَابِهِ البَدِيعِ «بَدَائِع الصَّنَائِعِ في تَرْتِيبِ الشَّرَائِع» كَثِيرة، وَمُتَنَوّعة، مِنها: كُتُبُ ظَاهرِ الرّوايةِ، والنّوادرُ، واللُّغةُ، والحَدِيثُ، وَغَيرُها.
فَقِسْمٌ صَرَّحَ بِها، والآخرُ استَخْرَجناها مِن بَينِ السُّطُورِ بَعْدَ المُقَارَنَةِ مع بَعْضِ كُتُبِ الشُّرُوحِ المَعْتَمَدِةِ في المَذْهَبِ.
وَتَفْصِيلُ ما ذَكَرْنا يكونُ على النَّحوِ الآتي:
1. الكُتُبُ المُصَرَّحُ بِها
الكِتَابُ ... التّكرارُ ... مطبوع ... مُلاحَظَة
1 ... الأَصْلُ ... 5 ... نعم
2 ... شَرْحُ مُخْتَصَرِ الكَرْخِي «لِلْقُدُوري» ... 3 ... نعم
3 ... الزّيادَاتُ ... 2 ... نعم
4 ... الجَامِعُ الصَّغِير ... 2 ... نعم
5 ... نَوادِرُ ابنِ رُسْتُم ... 2 ... لا
6 ... النَّوادِرُ ... 2 ... وَرَدَ الاسمُ مِن غَيرِ نِسْبَةٍ
7 ... الجَامِعُ الكَبِير ... 1 ... نعم
8 ... الجَامِعُ ... 1 ... وَرَدَ الاسمُ مِن غَيرِ نِسْبَةٍ
9 ... شَرْحُ مُخْتَصَرِ الطَّحاوي «الإِسبيجابي» ... 1 ... نعم
10 ... الاختِلافُ «إِبراهيمُ بنُ جَابِر» ... 1 ... لا
11 ... الأُمّ «الشَّافِعيُّ» ... 1 ... نعم
12 ... الآثار «الشَّيباني» ... 1 ... نعم
13 ... صَحِيحُ مُسْلِم ... 1 ... نعم
14 ... سُنَنُ أَبي دَاود ... 1 ... نعم
15 ... إِصلاحُ المَنْطِقِ «ابنُ السّكّيت» ... 1 ... نعم
2. الكُتُبُ غَيرُ المُصَرّحِ بِها: وهي كَثِيرةٌ، مِنها ما يَرْجِعُ إِلى المُصَرّحِ بَها، ومِنها غَيرُ ذلك.
واقتَصِرُ في المَواطِن غَيرِ المُصَرّحِ بِها بِمُقَارَنَتِها مع: شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحاوي - لِلجَصَّاص رَحِمَهُ اللَّهُ، شَرْحِ مُخْتَصَرِ الكَرْخي - لِلْقُدُوري رَحِمَهُ اللَّهُ، شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحاوي - للإِسبيجابي رَحِمَهُ اللَّهُ، المَبْسُوط - لِلْسَّرْخَسِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
أَوَّلًا: مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ
الجزء 1 · صفحة 75
1. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: مَسَحَ على جَوْرَبَيْهِ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ: «فَعَلْتُ ما كُنْت أَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ»، فَاسْتَدَلُّوا بِهِ على رُجُوعِهِ (¬1).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: المَبْسُوط (¬2).
2. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلِأَنَّ الجُرْمُوقَ فَوْقَ الخُفّ، بِمَنْزِلَةِ خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ، وَذَا يَجُوزُ المَسْحُ عَلَيْهِ، فَكَذَا هَذَا (¬3).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: المَبْسُوط (¬4).
3. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ الخَرْقُ فِي ظَاهِرِ الخُفّ، أَوْ فِي بَاطِنِهِ، أَوْ مِنْ نَاحِيَةِ العَقِبِ (¬5).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: المَبْسُوط (¬6).
4. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلِأَنَّ بَاطِنَ الخُفّ لا يَخْلُو عَنْ لَوْثٍ عَادَةً، فَالمَسْحُ عَلَيْهِ يَكُونُ تَلْوِيثًا لِلْيَدِ، وَلِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ الحَرَجِ، وما شُرِعَ المَسْحُ إلا لِدَفْعِ الحَرَجِ (¬7).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: المَبْسُوط (¬8).
5. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَحَكَى إبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ فِي كِتَابِ «الِاخْتِلَافِ» الإِجْماعَ على أَنَّ الِاقْتِصَارَ على أَسْفَلِ الخُفِّ لا يَجُوزُ (¬9).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: شَرْحِ مُخْتَصَرِ الكَرْخِي، لِلْقُدُوري (¬10).
6. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: لأَنَّ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ أَنَّهَا تَطْرَحُ التَّمْرَ فِي الماءِ المِلْحِ لِيَحْلُوَ (¬11).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: شَرْحِ مُخْتَصَرِ الكَرْخِي، لِلْقُدُوري (¬12).
¬
(¬1) ص 166.
(¬2) ج1، ص236.
(¬3) ص 170.
(¬4) ج1، ص237.
(¬5) ص 177.
(¬6) ج1، ص233.
(¬7) ص 181.
(¬8) ج1، ص234 - ص235.
(¬9) ص 180.
(¬10) ج1، ص257.
(¬11) ص 227.
(¬12) ج1، ص247.
الجزء 1 · صفحة 76
7. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْقَيْءِ، لِأَنَّ مَا وَصَلَ إلَى الرَّأْسِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْفَمِ، إلَّا بَعْدَ نُزُولِهِ فِي الْجَوْفِ (¬1).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: شَرْحِ مُخْتَصَرِ الكَرْخِي، لِلْقُدُوري (¬2).
8. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: غَلَا، وَاشْتَدَّ، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سَكَرًا، وَالسُّكْرُ حَرَامٌ، فَلَا يَجُوزُ التَّوضِي بِهِ (¬3).
مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ مع: شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحاوي، للإِسبيجابي (¬4).
ثانيًا: مُطَابَقَةُ المَعْنَى
أَمَّا المُطَابَقَةُ مِن حَيثُ المَعْنى فَهي أَشهَرُ مِن أَنْ تُذْكَر، وأَكبر مِن أَن تُحصَر، فَلِذا اقتَصِرُ على مِثَالَينِ:
1. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: فَكَانَ النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، لا فِي عَيْنِهِ (¬5).
مُطَابَقَةُ المَعْنَى مع: شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحاوي، لِلجَصْاصِ (¬6).
2. عِبَارَةُ الإِمَامِ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ: لأَنَّ ماسِحَ شَعْرَةٍ، أَوْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لا يُسَمَّى ماسِحًا في العُرْفِ (¬7).
مُطَابَقَةُ المَعْنَى مع: المَبْسُوط (¬8).
المطلب الثَّاني: مَنهَجُ المُصنّفِ وَميّزاتُ كِتَابِهِ، مُسَامَحاتُه.
أَوَّلًا: مَنهَجُ المُصنّفِ وَميّزاتُ كِتَابِهِ
اتَّخَذ الإِمَامُ الكَاسَاني رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتَابِهِ البَدِيعِ «بَدَائِع الصَّنَائِع في تَرْتِيبِ الشَّرَائع» مَنْهَجًا يَسِيرُ عليه، وَإِنْ لم يُصَرّحْ بِهِ، وَلَكِن يُدْرَكُ ذَلِكَ بِالدّرَاسَةِ والتَّأمُّلِ، وَحاصِل مَنْهَجِهِ يَكُونُ على النَّحْو الآتي:
¬
(¬1) ص 332.
(¬2) ج1، ص104.
(¬3) ص227.
(¬4) ج1، ص59.
(¬5) ص 245.
(¬6) ج1، ص355.
(¬7) ص118.
(¬8) ج1، ص180.
الجزء 1 · صفحة 77
1. تَقسِيمُ الكِتابِ إِلى فُصُولٍ:
وَمِثَالُهُ: فَصْلٌ في بَيانِ أَنواعِ الطَّهارَةِ، فَصْلُ المَسْحِ على الخُفَّينِ، فَصْلٌ: وأَمَّا شَرائِطُ جَوازِ المَسْحِ على الخُفّين (¬1).
2. يُعَرّفُ بِالمُصْطَلحاتِ وَيَهتَمُّ بِها
وَمِثَالُهُ: الماءُ المُطْلَقُ: هُوَ الَّذِي يَتَسَارَعُ أَفْهَامُ النَّاسِ إلَيْهِ عِنْدَ إطْلَاقِ اسْمِ الماءِ (¬2).
المُوَالَاةُ: وَهِيَ أَنْ لا يَشْتَغِلُ المُتَوَضِّئُ بَيْنَ أَفْعَالِ الوُضُوءِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهُ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ المُوَالَاةِ: أَنْ لا يَمْكُثَ فِي أَثْنَاءِ الوُضُوءِ مِقْدَارَ ما يَجِفُّ فِيهِ العُضْوُ المَغْسُولُ، فَإِنْ مَكَثَ تَنْقَطِعُ المُوَالَاةُ (¬3).
3. إِيرادُ تَخْرِيجاتٍ على مَسَائِل:
وَمِثَالُهُ: وإذا عَرَفْنا مَاهيَّةَ الحَدَثِ نُخَرّجُ عليه مَسَائِلَ: فَنَقُولُ: إذَا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ البَوْلِ وَالغَائِطِ على رَأْسِ المَخْرَجِ انْتَقَضَتِ الطَّهَارَةُ لِوُجُودِ الحَدَثِ، وهو: خُرُوجُ النَّجَسُ، وهو انْتِقَالُهُ مِنْ البَاطِنِ إلى الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ المَخْرَجِ عُضْوٌ ظَاهِرٌ، وَإِنَّما انْتَقَلَتِ النَّجَاسَةُ إلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّ مَوْضِعَ البَوْلِ المَثَانَةُ، وَمَوْضِعَ الغَائِطِ مَوْضِعٌ فِي البَطْنِ يُقَالُ لَهُ قُولُونٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الخَارِجُ قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا، سَالَ عَنْ رَأْسِ المَخْرَجِ، أَوْ لم يَسِلْ، لِما قُلْنَا (¬4).
4. كَثرَةُ عَرْضِ أَقوالِ الفُقَهاءِ والاستِدلالِ بِها:
وَمِثَالُهُ: سُئِلَ الفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الهِنْدُوَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِالثَّلْجِ، فَقَالَ: ذَلِكَ مَسْحٌ، وَلَيْسَ بِغَسْلٍ، فَإِنْ عَالَجَهُ حَتَّى يَسِيلَ يَجُوزُ.
¬
(¬1) ص 138.
(¬2) ص 207.
(¬3) ص 276.
(¬4) ص 306.
الجزء 1 · صفحة 78
وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي لِلْمُتَوَضِّئِ في الشِّتَاءِ أَنْ يَبُلَّ أَعْضَاءَهُ بالماءِ شِبْهَ الدُّهْنِ، ثُمَّ يُسِيلَ الماءَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الماءَ يَتَجَافَى عَنْ الأَعْضَاءِ في الشِّتَاءِ (¬1).
5. التَّوفِيقُ بينَ الأَقوالِ
وَمِثَالُهُ: وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ حِكَايَةِ القَوْلَيْنِ، وهو أَنَّ مَنْ قَالَ: «إنَّ المَسْحَ على الجَبَائِر لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ» عَنَى بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ لِما ذَكَرْنَا أَنَّ المَفْرُوضَ اسْمٌ لِما ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَوُجُوبُ المَسْحِ على الجَبَائِر ثَبَتَ بِحَدِيثِ عَلِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَنَّهُ مِنْ الآحَادِ فَيُوجِبُ العَمَلَ دُونَ العِلْمِ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّ المَسْحَ على الجَبَائِر وَاجِبٌ عِنْدَهُما، فَإِنَّما عَنَى بِهِ وُجُوبَ العَمَلِ لا الفَرْضِيَّةَ، وعلى هَذَا لا يَتَحَقَّقُ الخِلَافُ، لِأَنَّهُما لا يَقُولَانِ بِفَرْضِيَّةِ المَسْحِ على الجَبَائِر لِانْعِدَامِ دَلِيلِ الفَرْضِيَّةِ، بَلْ بِوُجُوبِهِ مِنْ حَيْثُ العَمَلُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الأَمْرِ يُحْمَلُ على الوُجُوبِ فِي حَقّ العَمَلِ، وَإِنَّما الفَرْضِيَّةُ تَثْبُتُ بِدَلِيلٍ زَائِدٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ بِوُجُوبِهِ فِي حَقّ العَمَلِ، وَالجَوَازُ وَعَدَمُ الجَوَازِ يَكُونُ مَبْنِيًّا على الوُجُوبِ، وَعَدَمُ الوُجُوبِ فِي حَقّ العَمَلِ (¬2).
6. تَحدِيدُ مَوطِنِ المَسأَلَةِ في ظَاهرِ الرَّواية أَو في غَيرِها
وَمِثَالُهُ: وَهَلْ تُشْتَرَطُ مُلَاقَاةُ الْفَرْجَيْنِ - وَهِيَ مُمَاسَّتُهُمَا -؟.
¬
(¬1) ص 101.
(¬2) ص 197 - ص198.
الجزء 1 · صفحة 79
عَلَى قَوْلِهِمَا: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا، وَشَرَطَهُ فِي «النَّوَادِرِ» (¬1).
7. عَزْو الرّواياتِ إِلى أَصحَابِها
وَمِثَالُهُ: إذَا قَاءَ دَمًا، فَلَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ نَصًّا، وَذَكَرَ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ يَكُونُ حَدَثًا، قَلِيلًا كَانَ، أَوْ كَثِيرًا، جَامِدًا كَانَ، أَوْ مَائِعًا.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ مَائِعًا يَنْقُضُ، قَلَّ، أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا، لَا يَنْقُضُ، مَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ.
وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا، مَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ، كَيْفَ مَا كَانَ (¬2).
8. تَقدِيمُ القَولِ المُختارِ عِندَهُ وَتأَخيرُ دَلِيلِهِ
وَمِثَالُهُ: وَأَمَّا الْكُدْرَةُ فَفِي آخِرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيضٍ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَكَذَا فِي أَوَّلِ الْأَيَّامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُم اللهُ تَعالى -.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَكُونُ حَيْضًا.
وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ الْحَيْضَ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الرَّحِمِ، لَا مِنْ الْعِرْقِ، وَدَمُ الرَّحِمِ يَجْتَمِعُ فِيهِ فِي زَمَانِ الطُّهْرِ، ثُمَّ يَخْرُجُ الصَّافِي مِنْهُ، ثُمَّ الْكَدِرُوَدَمُ الْعِرْقِ يَخْرُجُ الْكَدِرُ مِنْهُ أَوَّلًا، ثُمَّ الصَّافِي، فَيُنْظَرُ إنْ خَرَجَ الصَّافِي أَوَّلًا، عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ الرَّحِمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَإِنْ خَرَجَ الْكَدِرُ أَوَّلًا، عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ الْعِرْقِ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا.
وَلَنَا: مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ (¬3).
¬
(¬1) ص 355.
(¬2) ص 336 - ص337.
(¬3) ص 467 - ص468.
الجزء 1 · صفحة 80
9. لا يُرَجّحُ إِذا تَسَاوى القَولانِ مِن حَيثُ القُوَّةِ.
وَمِثَالُهُ: إذَا عَلِمَ كَوْنَهُ جُنُبًا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ، اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُم اللَّهُ فِيهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَلْزَمُهُ الِاغْتِسَالُ أَيْضًا، لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ مِنْ الْقُرُبَاتِ، وَالْغُسْلُ يَصِيرُ قُرْبَةً بِالنِّيَّةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الْجَنَابَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الْحَدَثِ، حَتَّى يَلْزَمَهُ الْوُضُوءُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، كَذَا الْجَنَابَةُ (¬1).
10. تَأْخِيرُ القَولِ المُختارِ غَالبًا عِندَ اختلافِ المَشَايخ
وَمِثَالُهُ: إذَا كَانَ شَعْرُهَا ضَفِيرًا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا إيصَالُ الْمَاءِ إلَى أَثْنَائِهِ؟.
اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ:
قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم -: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، أَلَا فَبُلُّوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» (¬2).
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ الْأَصَحُّ (¬3).
11. يُقَوّي القَولَ المُختارِ بِالتَّعليلِ
وَمِثَالُهُ: وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ بِبَطْنِهَا، وَبِظَهْرِهَا، وَبِجَانِبَيْهَا لم يُذْكَرْ في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَاخْتَلَفَ المَشَايِخُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ، وهو الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ في مَعْنَى المَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ (¬4).
12. يُقَوّي القَولَ المُختارِ بِالدَّلِيلِ
¬
(¬1) ص 426 - ص427.
(¬2) سيأتي تَخرِيجُهُ ص412.
(¬3) ص411 - ص412.
(¬4) ص 123 - ص124.