الكافي في الفقه الحنفي
فقه العبادات على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان
تأليف
وهبي سليمان غاوجي
الجزء الأول
جارٍ تحميل الكتاب…
الكافي في الفقه الحنفي
فقه العبادات على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان
تأليف
وهبي سليمان غاوجي
الجزء الأول
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله جل جلاله على آلائه والشكر له سبحانه على نعمائه، والصلاة والسلام على الرسول الخاتم سيدنا محمد الذي بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأنزل عليه أول ما أنزل من كتابه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) العلق: ((1))، وكان من كلامه فداه أُمي وأبي: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
أما بعد فقد منَّ الله تعالى فكتبت في أركان الإسلام على مذهب إمام الأئمة الفقهاء التابعي الجليل أبي حنيفة النعمان، رحمه الله تعالى ورضي عنه خمس رسائل ابتداءً من عام ????هـ وما بعد، وقد طبعها تباعاً الأستاذ رضوان دعبول في الشركة المتحدة، ثم صورها مراراً دون استدراك لأخطاء في الطباعة، ولا يكاد يخلو كتاب يطبع من أخطاء فيه.
وقد عَنَّ لي أن أعيد النظر في تلك الرسائل هذا العام، سنة (1421) هـ، فأصلح بعض الأخطاء المطبعية، وأضيف بعض المسائل العلمية، وتخريج بعض الأحاديث والآثار، وقد أعان على هذا نُخبة طيبة من الشباب والحمد لله.
كنت - وما أزال - أرى أنَّ الأئمة الأربعة المجتهدين وأولهم الإمام أبو حنيفة رحمهم الله تعالى قد أكرمهم الله تعالى بالعلم والإخلاص لله تعالى، وأكرمهم بحسن الفهم للنصوص والأدلة، وزينهم بالتقوى ومراقبة الله تعالى، وألقى على أقوالهم وأحكامهم القبول لدى العلماء المعاصرين لهم ومن جاء بعدهم من علماء التفسير والحديث والفقه واللغة، بل ومن أصحاب القلوب وأرباب الزهد الحق في الدنيا وزخرفها.
وقد قام بعد أولئك الأئمة بخدمة أقوالهم وأحكامهم واجتهاداتهم وبيان قواعدهم وطرق فهمهم وتمحيص أدلتهم علماء يعدون ـ على مدى القرون - بالألوف، على اختصاصاتهم الشرعية المختلفة، فلم تعد أقوال أولئك الأئمة أقوال أفراد عظام من العلماء بل أصبحت مدارس توافر على خدمتها ونشرها ونصرتها كثير من ذوي الاختصاصات الشرعية كما أسلفت كما نجد ذلك في الكتب المؤلفة لتقرير المذاهب وأحكامها يبينون فيها أن تلك المذاهب اتجاهات مقعدة. موضحة، ينهل الناس من معينها، وأنها مدارس صحيحة الأصول، قوية البنيان، متينة الأركان، صادقة في القصد والحمد لله.
فليس من السهل على فرد أو أفراد تخطئة مذاهب أولئك الأئمة، والإنكار لقواعدها وتوجهاتها بعد أن قلنا أنها أصبحت مدارس صحيحة الأصول قوية البنيان والحمد لله، وما يقال في مذهب الإمام أبي حنيفة يقال في المذاهب الأربعة.
وقديماً قال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام عبد الرحمن الأوزاعي: (لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه مع اعترافنا)
بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها) (?).
ومن أجل هذا حرصت من جديد على إعادة طبع تلك الرسائل وجمعها في كتاب واحد لتكون نبراساً لأتباع مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ومن شاء أن يتفقه من الناس يزدادون بها علماً، كما هو شأن أصولها، وطمأنينة على أحكام مذهبهم، وحرصاً على أحكام مذهبهم إن شاء الله تعالى فلا يقبلون أي، قول ولا يميلون مع كل قائل.
ومثل هذا يقال في المذاهب الأربعة عامة كما قررت. فالأئمة الأربعة أبناء مدرسة واحدة في الإيمان والاعتقاد، واعتماد الأدلة الشرعية، وكلهم كانوا في موسم علمي قريب. فقد التقى مالك وأبو حنيفة أكثر من مرة في طيبة الخير، على ساكنها الصلاة والسلام ونزل الإمام محمد بن الحسن الشيباني ثاني تلامذة الإمام أبي حنيفة على مالك ثلاث سنوات أخذ منه فيها «الموطأ» وعلوماً أخرى. ودرس الإمام الشافعي على محمد بن الحسن وأخذ من علومه. وطلب أحمد بن حنبل الحديث أول ما طلبه على الإمام أبي يوسف التلميذ الأول للإمام أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. إن المذاهب الأربعة أغصان دوحة واحدة قامت على أساس الدين والحق والحمد لله.
فإذا رأينا بعض الآراء الجديدة تخالف مسائل ظاهرة في مذاهب الأئمة؛ فينبغي المحافظة على المذاهب في هذا دون ما جد عند بعض الناس أنه الصواب، وليس ذلك بصواب، مثل:
ظنا منهم
(1) سير أعلام النبلاء ??/?
1 - وضع اليدين عند القيام في الصلاة، إنَّ المذاهب الأربعة وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه المسألة ما يلي يرى أبو حنيفة أن الرجل في الصلاة يضع اليد اليمنى على اليسرى تحت السرة، والمرأة تضع على صدرها.
ويرى الإمام الشافعي أن الرجل يضع اليمنى على اليسرى فوق السرة دون صدره متجهاً إلى الجهة اليسرى جهة القلب.
ويرى الإمام أحمد أن الرجل يضع اليمني على اليسرى تحت سرته، وفي رواية عنه فوق سرته.
ويرى الإمام إسحاق - الذي نشأ حنفيا - وضع اليد اليمنى على ظهر اليسرى تحت السرة.
وقد أنكر الإمام أحمد - كما نقل عنه أبو داود - وضع اليدين على الصدر، كما نقل ابن القيم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التكفير»، أي: وضع اليدين على الصدر في الصلاة.
أقول: من الصعب أن تخطئ تلك المدارس في هذه المسألة ثلاثة عشر قرناً ثم يصيب فيها الحق بعض المعاصرين من الهند وغيرها.
? - يرى بعض المعاصرين أن يقال في التشهد بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (?): (السلام على النبي، لا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، وفي كتب المذاهب الأربعة أن صيغة التشهد هي هي على كل حال (السلام عليك أيها النبي) (?).
زعم هؤلاء المعاصرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات فلا يُسَلَّم عليه! ولم يذهب إليه أحد من الأئمة وهذه كلمة للعلامة السهارنفوري في بذل المجهود»
(1) يعني بعد وفاته.
(2) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته (667) / (1) - (668).
من كلام على أن النبي حي في قبره كما أن الأنبياء أحياء في قبورهم، ولا فرق بين أن يكون فوق الأرض أو تحت حجابها، كما لا فرق بين الحضور والغيبة في زمان حياته (?).
-
ـ وظهر من يرى فرشخة الرجلين ورفع مؤخرة الأقدام، والميل بمقدمة الجسم، ورفع المؤخرة ويلجأ بعضهم إلى لصق الكعب بكعب من يجاوره، بأن يميل بالقدم حتى يتأتى الإلصاق.
وهذه المسألة مذكورة في فتح الباري ???/?، وعمدة القاري ? (59) / (5)، وقد قال ابن حجر وغيره من شراح الحديث أن المراد سدّ الخلل بين الصفوف لا حقيقة إلزاق الكعب بالكعب. قال العلامة الفقيه المحدث أنور الكشميري في «فيض الباري»، بعد أن نقل كلام ابن حجر: قلت: هو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثا.
ثم ربط رحمه الله تعالى بين هيئة قيام المصلي في الجماعة بهيئة المنفرد فقال: ولم أجد في السلف فرقاً بين حال الجماعة وحال الانفراد في حق الفصل بأنهم كانوا يفصلون بين قيامهم في الجماعة أزيد من حال الانفراد.
ثم قال: وهذه المسألة حدثت متأخرة. فقال مُشَنْعًا عليهم: وهذه المسألة أوجدها غير المقلدين فقط وليس عندهم إلا لفظ الإلزاق ...
وقال: والحاصل أنَّا إذا لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون بين قيامهم في الجماعة والانفراد علمنا أن المراد بقوله: (المنكب بالمنكب) ما هو إلا التراص وترك الفرجة.
ثم قال: وفكر في نفسك ولا تعجل هل يمكن إلزاق المنكب بالمنكب مع إلزاق القدم بالقدم إلا بعد ممارسة شاقة، ولا يمكن
(?) ??/? وانظر: إعلاء السنن للفقيه المحدث ظفر أحمد العثماني (99) / (3) - (100).
بعدها أيضًا، فهو إذن من مخترعاتهم، لا أثر له في السلف (?).
(4) - الصلاة بين السواري أي العمد تكون في المساجد كما هو مشاهد حتى في الحرمين الشريفين ...
خلاصة أقوال الجمهور في الصلاة بين السواري: إن المنفرد لا كراهة له في الصلاة بين السواري باتفاق، وقد صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة المشرفة بين ساريتين وإن الصلاة بين السواري لا تقطع الصف، واستدلوا بأمور منها: قياس الجماعة على الواحد، وأنه لم يصح عندهم المنع من ذلك، وردوا الآثار الواردة في ذلك بعدم صحتها.
نعم كره أحمد وإسحاق الصلاة بين السواري لانقطاع الصف بذلك، أو لأنه موضع النعال أو لأنه موضع صلاة الجني المؤمن. ونقل من مالك في المدونة بالكراهة كما يفهم ذلك بالنظر فيها، وقال بعض محققي المالكية: إن الصلاة بين السواري جائزة بلا كراهة وهو قول الإمامين أبي حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى، وقد ألف أحد المشتغلين بالحديث وهو الأستاذ حسان عبد المنان رسالة جامعة في بيان جواز الصلاة بين السواري دون كراهة، ورَدَّ ما ورد من آثار في المنع على طريقة أهل الحديث والرسالة مطبوعة بعنوان: الصلاة بين السواري والرد على الألبانيين.
أقول: تجد بعض الأحباب يشدد على هذا الأمر المباح عند الأئمة الثلاثة خلافا لأحمد، ويتسبب في التشويش في بيت الله تعالى وعلى المصلين، وإفساد ذات البين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(?) (?/? (6)، ???/?. انظر تمام الكلام في هذا الموضوع في: رسالة الشيخ الدكتور صالح معتوق في تخريج بعض أحاديث القيام في الصلاة وبيان الحكمة منها، وهي رسالة نافعة.
وإنَّه لَمِمّا يسرّ الخاطر ويدل على فضل علم الفقه ومكانته وحاجة الناس إليه، هذه المجامع الفقهية المنثورة بين الأزهر الشريف ومكة المكرمة، وجدة والرياض وغيرها، والتي تنظر في القضايا المعاصرة أو الوافدة فتستعين بالفقه واختصاصاته لإخراج الأحكام الشرعية فيها، ولا ريب أن الإسلام يحلّ كل مشكلة، وينقض كل عقدة؛ لأنه دين الخلود؛ الأدلة الشرعية فيه محدودة، وفقه الفقهاء فيها يتجدد يوما بيوم والحمد لله، ولا شك أن الاجتهاد الجماعي أفضل من الاجتهاد الفردي، خاصةً إذا كان هذا الاجتهاد الأخير معارضًا لما وصل إليه العلماء الأفراد من قبل.
ورحم الله تعالى الإمام الأعظم أبا حنيفة رحمه الله تعالى، فقد كان له مجلس علماء يقرر الأحكام فيما قد يخفى من المسائل، فتكون آراؤه آراء جماعة لا رأي فرد.
قال ابن كرامة: كنا عند وكيع أحد شيوخ البخاري وشيح الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى، فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع: كيف يقدر أبو حنيفة أن يخطاء ومعه مثل أبي يوسف وزفر ومحمد في قياسهم واجتهادهم، ومثل يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، وحفص بن غياث وحبان ومندل ابني علي في حديثهم ومعرفتهم به والقاسم بن معن ـ يعني ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود - رحمهم الله تعالى في معرفة اللغة العربية، و داود بن نصر الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما، من كان هؤلاء أصحابه وجلساءه لم يكن ليخطاء، لأنه إذا أخطأ ردوه إلى الحق (?).
وعن جرير قال: سمعت الأعمش وجاءه رجل يسأله في مسألة، فقال:
(?) انظر: جامع المسانيد للخوارزمي، (415) / (2)، وذكره الخطيب في تاريخ بغداد.
عليك بأهل تلك الحَلْقة؛ فإنهم إذا وقعت لهم مسألة لا يزالون يديرونها حتى يصيبوها. يعني حلقة أبي حنيفة (?) وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه، ونحن معهم،
وأهلينا ومشايخنا والقرّاء والمسلمين: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: ???، ???].
وكتبه وَهْي سليمان غاوي
(?) المصدر السابق (27) / (1).
أَرْكَانُ الإِسْلَامِ (1)
الشَّهَادَيَّات
وَاحْكَامُهُمَا
تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده والشكر له سبحانه على فضله وإحسانه حَقَّ شكره وإحسانه، والثناء عليه جل جلاله لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، والصلاة والسلام على نبي جاء بالهدى ودين الحق فتح الله تعالى له به قلوبًا غلفا، وآذانا صما، وعيونا عُميا، هدى الله تعالى به من شاء بعد الضلالة، واستنقذ بعد العماية، فكان بحقِّ رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه وأتباعه إلى يوم الجزاء والدين.
أما بعد، فلقد أكرمني الله تعالى وإخوتي بوالد صالح، غيور على الدين، عزيز به، فنشأنا مع لبان الأم الصالحة الرؤوم على العقيدة السليمة، وحب العلم والعمل به، والحرص على العيش، به والغيرة على الدين والاعتزاز به والحمد الله.
ومع أننا نشأنا في بلاد بعيدة عن بلاد العرب، إلا أن العقيدة السليمة، والإسلام الحق كان هو الدين الذي يعيش به المسلمون في أكثر مناطق الدولة الإسلامية المتغلغلة إلى جنوب أوروبا والبلقان.
وحين أكرمنا الله تعالى بالهجرة مع الوالد والعم رحمهما الله تعالى في
سبيل حفظ الإسلام من بلادنا الأصلية ألبانيا سنة ((1356) هـ) الموافق ((1937) م) حيث الأهل والمال والوطن إلى بلاد الشام التي بارك الله تعالى فيها ((1))، وجعلها مُهاجر الأنبياء قديمًا، ومُهاجر الصالحين فيما بعد (?)، وذهبت إلى الأزهر الشريف لتعلم العلم، ثبتني الله تعالى هناك على العقيدة السليمة، والإسلام
(1) الوطن هو المكان الذي ينشأ فيه الإنسان ويقيم، قال ابن الرومي: وحبب أوطان الرجال إليهمو مارب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكر تهمو عهود الصبا فيها فحثوا لذلكا
وقال إقبال:
وكل بلاد الله أرضي إذا انتهى إلى الإسلام فيها الحكم والنهي والأمر ولو كان ظهر البحر دنيا عقيدتي لأصبحت الدنيا لدي هي البحر (?).
قال زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: بتنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع: أي نجمعه: إذ قال: «طوبى للشام»، قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه» رواه أحمد.
وعن عبد الله بن عمر قال: «يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام» رواه الحاكم، وقال: صحيح. . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيتُ كأن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع عُمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان ـ إذا وقعت الفتن - بالشام رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وعن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستجندون أجنادًا جندًا بالشام وجندًا بالعراق وجندًا باليمن، قال: قلت يا رسول الله: اختر لي، قال: عليكم بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق غدره فإن الله عزّ وجلّ تكفّل لي بالشام وأهله» رواه الحاكم. وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
وقال خُريم بن فاتك الأسدي رضي الله عنه: [أهل الشام سوط الله في الأرض ينتقم بهم ممن يشاء وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولن يموتوا إلا هما أو غيظا أو حزنًا] رواه أحمد.
الحق والعيش بالإسلام، وزادني يقينًا في ذلك والحمد الله، ثم حين كبرت السن، وشاب الرأس، وتجمع لديّ شيء من العلم بفضل الله تعالى، رأيت حقا علي أن أكتب للناس ما أرجو به النفع لي ولهم في أركان الإيمان وأركان الإسلام، على مذهب إمام أئمة الفقهاء أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى ورضي عنه، فشرعت فيها وكتبت أركان الإيمان) في كتاب واحد، وأركان الإسلام كل ركن في كتاب والحمد لله.
ثم وفق الله أن أجمع هذه الأركان في كتاب واحد، وأولها ركن الشهادتين، علم التوحيد من قالهما عصم دمه وعرضه وماله، فما هو معناهما وحكمهما؟!
وفيما يأتي توضيح ذلك في ثلاثة فصول.
والله سبحانه أسأل الأجر والمثوبة وأن يجعله عملاً صالحًا لوجهه الكريم، وأن ينفع بعملي هذا كما نفع بأصوله، وأن يجنبني الزيغ والزلل، إنه جواد كريم.
وأسأل الله تعالى أن يلهم القراء الكرام دعوة خالصة مستجابة لي وأن يغفر الله تعالى لي ولوالدي وأهلي ومشايخي وأن يكرمني بحسن الخاتمة، وقضاء كل حاجة في رضاه سبحانه إنه سبحانه مولانا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المقدمة
الدين حَاجَةُ الإنسان الأولى
1 - الدين فطرة الإنسان:
خلق الله تعالى الإنسان مفطورًا على الإيمان، مغروزًا في طباعه الاعتقادِ
بالله خالق باراء.
فلو ترك هذا الإنسان وفطرته لما اختار سوى الإيمان بالله تعالى، قال الله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: (30)].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلُّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانِهِ أو يُمَجِّسَانِه (?).
والمراد بالفطرة: الخلقة المعروفة الأولى المخالفة لخلق البهائم، قال بعض أهل الفقه والنظر: على خلقةٍ يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة. وقيل: المراد بالفطرة: ما أخذ عليهم في صلب آدم يوم خلقهم: (أَلَسْتُ برتكم) [الأعراف: ???] وإن الولادة تقع عليها حتى يقع التعبير بالأبوين،، وقرره أبو العباس القرطبي، بأن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول
(?) رواه البخاري: جنائز،??، تفسير ??؛ ومسلم قدر (25)
الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وصحته (?). وقيل: المراد أن الله تعالى قد فطرهم على الأفكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم عليه السلام الميثاق حين خلقهم، فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فقالوا جميعًا: بلى، فأما أهل السعادة، فقالوا بلى، على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة فقالوا: بلى، كرها لا طوعا (?). وإن مما يؤكد فطرة الإيمان في الإنسان أن الله تعالى لم يَدْعُ الإنسان إلى الإيمان، فإن الإيمان فطرة وإنما دعاه إلى الإيمان بالله وحده، وهو الحق، كما قال سبحانه: {وَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)
[الحديد: (7)]
كما أننا لا نجد آية تأمر الإنسان بأكل الطعام، لأن العمل على حفظ الحياة عن طريق الأكل وغيره فطرة في الإنسان، وإنما نجد تخصيص الطعام أن يكون حلالاً طيبا، أو أن يكون اعتدالاً دون إسراف مثل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا شرفوا) [الأعراف: (31)].
? ـ الدين إجابة على الأسئلة الدائمة في حياة الإنسان: من أنا؟ لماذا خُلقت؟ ماذا يُراد بي؟ ماذا يُراد مني؟ إلى أين المصير؟ ما هذا الكون؟ من أوجده؟ من جعله صالحًا لانتفاع الإنسان والحيوان به؟ ما شأنه؟ ما حدوده؟ وما غايته ونهايته؟ وغير ذلك من الأسئلة التي يعجز عن الإجابة عليها كل عقل وفكر وفلسفة وحضارة، إلا أن يرجع إلى الدين يسأله،
ويأخذ منه الجواب الصحيح.
(?) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب لأبي زرعة العراقي (225) / (7).
(?) المرجع السابق (227) / (7).
لقد ضل عقل الهوى والتقليد ضلالاً بعيدا، حين دخل مداخل مابعد الطبيعة، فقال على جهل أو هوى أو تقليد أعمى: إن هذا الكون قد وجد هكذا. وتجنب الوقوف عنده، والتفكير فيه؛ ليستر ضلاله وعجزه. وهو يعلم، ويقرر للناس: أن سطرًا من كتاب لا يكتب هكذا دون كاتب ومائدة طعام لا تهيأ هكذا دون عامل، فكيف يوجد هذا الكون؟! هذه العلوم المختلفة؟! هذا الإنسان العجيب؟! هكذا صدفة دون خالق قادر عليم حکيم؟!! كما ضل هذا العقل حين اله نفسه فأراد أن ينظم حياة الإنسان على الأرض، وهو لا يعلم حقيقة ما هذا الإنسان ولا يعلم مستقبل هذا الإنسان، ولا مستقبل حياة الناس على الأرض.
لذا تجده يرقع كل يوم آراءه أو يغيرها، يضيق أو يوسع أحكامه عليه باسم التقدم والمصلحة، دون أن يعترف بالعجز عن إدراك حقيقة هذا الإنسان، وما يُصلح هذا الإنسان ويصلح له.
الدين علم ومعرفة حقة:
من المعلوم أن طرق الوصول إلى المعارف ثلاثة:
(أ) الحواس من السمع والبصر واللمس والشم والذوق، وهو أقل مراتب المعرفة، فإن الحواس ضيقة المجالات محدودة القوى، ويعرض لها النقص والضعف والفتور والخطأ أكثر من سواها
(ب) العقل والتفكير، وهو أعلى من الطريق الأول، ولكنه كذلك ضيق المجال، محدود بالتصورات لا يدرك إلا ما يتصور، محدود القوة لأنه كائن في هذا الإنسان المخلوق المحدود، وأنّى له إدراك الغيوب.
(ج) الخبر الصادق وهو أعلى مراتب المعرفة، وأشرفها، لأنه مستمد من الله الذي خلق فسوى، لا تخفى عليه خافية مما خلق وأنشأ، ثم نقل إلى الإنسان ما شاء منه بواسطة رسول من خلقه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يوحى) [النجم: (3)، (4)].
وكلما قرب علم الخبر من صدق القائل والناقل، كان أجدر بالقبول: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [النساء: ???]، و وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) [النساء: (87)، اللهم لا أحد. ومِنْ عِلْمِ الخبر هذا ـــ بعد حقائق الدين ـ المعارف النظرية، بل وكثير من المعارف العملية، فالكثير الكثير من حقائق العلوم العملية تنقل إلى الناس على أساس أنها معلومات مأثورة مروية، لا داعي للتحقيق فيها والتمحيص لها فاعجب بعد بمن لا يؤمن إلا بما يشاهد، ثم يدعُ الخبر الصادق والعقل جانبا.
(4) - الدين تنظيم لشؤون الفرد والمجتمع:
لا ريب أن خالق هذا الإنسان ومالكه هو الله سبحانه، وهو جل جلاله العليم الخبير به وما يضره وما ينفعه، فهو وحده الجدير بأن يشرع لعباده ما يصلح نفوسهم، وقلوبهم، وأخلاقهم، وما يصلح حياتهم في صلاتهم بأنفسهم وأهليهم والمجتمع، في العقيدة والمعاملة والسلوك، على أساس العبودية الله تعالى، والأخوة المحبة للناس.
وما أراني بحاجة إلى القول أن تخبط البشرية ـ بعيدا عن توجيه الدين ـ وتنازعها يقوم في الصعيد الفكري والعقدي على تقدير صلاح الفرد والمجتمع، وفق آراء وأفكار ومصالح معينة، وكل، كما قال الشاعر:
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
لذا نجد الإنسان في نفسه، وربطه بالمجتمع، والمجتمعات بالمجتمعات
يزداد تعقدًا وضمورًا، وبُعدًا عن التعاون على البر والتقوى كلما ابتعد عن مسار الدين، وترك الدين وراءه ظهريًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ه - الدين تلبية لأشواق وأماني: الحب، الرحمة، الشوق التواضع، الصدق، الأمانة، الرجاء، من يحرك هذه العواطف في قلب الإنسان كما يفعل الدين؟
إن الدين هو وحده الذي يعلق القلب بحب الكمال، وحب الكامل البريء من النقائص والعيوب، بالغني الكبير المتعال، وهو الله سبحانه، وجميع ما يكون في سبيله وابتغاء مرضاته سبحانه، حتى حب الزوجة والولد والمال، وبر الوالدين وصلة الرحم، والصدق مع الخلق وحب الخير للناس كافة. من يحوّل القلب نحو الرحمة وإغاثة اللهفان ومساعدة الضعيف، وعون المحروم، مثل الدين؟ إنَّ الصورة مهما كانت معبرة في إظهار البؤس والفقر، لا تكاد تحرك قلب الإنسان نحو موضع المال لاستخراجه ومساعدة الفقير والبائس، لأن الصورة لا تثير فيه جانب الاندفاع إلى مساعدة الآخرين.
وقل مثل هذا في الصدق والأمانة، والعفة والحياء. إنَّ المصلحة والمنفعة واللذة لا تُعلّم خُلقَ الصدق والعفّة؛ لأنَّ المصلحة زئبق لا يثبت على ميزان، وبَرْق خُلب لا يستقر على حال، ودعوى يركبها لهواه كل إنسان. والأماني في حياة الإنسان سعادة وراحة، حبور وسرور، طمع في العيش في نعيم لا يعكره كدر في سرور لا يعتوره حزن، هذه الأماني ينظمها، ويحققها في الإنسان الدين ولا شيء غير الدين إنك لتسمع حتى في البلاد التي يراد لها أن لا تؤمن بالله تسمع فيها تلك الأشواق والأماني، دار النعيم، مقهى الفردوس، جنة الأطفال ... يُرَبَّى فيها الناس أن يعتقدوا أنهم إذا فرغوا
من الأعمال، أو أحيلوا إلى التقاعد سيحيون بعد في نعيم، وراحة وسعادة؟! وكثير منهم ينفقون على أنفسهم في كبرهم ما جمعوه بشقاوة النفس، وعلى انحراف السلوك في شبابهم، فأين تحقق الرجاء؟
أما الدين فهو يُرغب في الجنة، دار الراحة والسعادة الحقة، حيث يجد حقا - ما تشهيه نفسه وتلذ عينه على سرور لا يعتوره حزن، المؤمن وصحة لا يعرض لها مرض في حياة لا يقتنصها موت، وشباب لا يأتي عليه شيخوخة، على دوام لا يدركه زوال.
قال الله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ اسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّن لَّبَنِ لَمْ يَنغَير طَعْمُهُ وَأَنْهَرُ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّرِينَ وَأَنهَرٌ مَنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ من ربهم ... ) [محمد: (15)].
- الدين سعادة:
في الإخلاص الله تعالى مالك الملك، الذي يملك الإثابة والعطاء، ومنح المرء ما يحب ويتمنى في حب الخير الذي يندفع إليه المؤمن دون انتظار مكافأة بل شكرٍ من الناس، لأنه قد فعل ذلك كله الله، وقد وقع أجره على الله. وأنى أن يتحقق ذلك بغير الدين؟ من يدفع الإنسان إلى الإخلاص للناس، ولو تنكروا لفضله أو جحدوا معروفه؟ الذكر الحسن؟ ثناء الناس؟ كتب التاريخ؟ كل هذا في نظرهم لا يساوي شيئًا، إذ لا يفيده في الحصول على منصب أو مال أو حاجة مرغوب فيها، وقل مثل هذا في سواه، وواقع الحياة في المجتمعات المختلفة المتمدنة منها وما دونها يُفيد هذا!!
من دفع ذلك اليهودي الأميركاني إلى أن يبيع أسرار القنبلة الذرية إلى روسيا، وهو يعيش في أميركا ويعيش من العمل بها .. ؟
من دفع موظفين كبارًا في دول عديدة إلى أخذ الرشاوي من شركات تبيع
لبلادهم ما تحتاج إليه؟ لا شكّ أنَّ المرتشي لا يبالي تطبيق المواصفات الحقة في المشترى من: مالها هدرًا في سبيل الشيطان أو قل: في سبيل مصلحته الخاصة هو.
تلك الشركات، فيخون بذلك مصلحة بلاده، إذ يذهب ببعض لو أخلص أولئك الله لا متنعوا عن الخيانة خوفًا من الله.
- الدين حماية وتربية:
الدين حماية من فساد القلب، وحسده وبغضه وأنانيته الدين حماية للتربية من فساد السلوك في السرقة والاحتيال والكذب، والغيبة والنميمة، وإرادة الشر، والحرمان بالناس .. الدين تربية للقلب على المحبة، في أن يحب للناس ما يحب لنفسه، وأن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به.
ولا أراني بحاجة إلى عقد مقارنة بين حالة المؤمن القلبية والسلوكية، وحالة الملحد القلبية والسلوكية؛ الأول يربطه بالخُلُق دين، كما تربطه به صلاة وصيام، أما الملحد فلا يربطه بالخلق إلا مصلحة، أو خوف ورجاء مرتقب، لأنه لا دين له.
وواقع الحياة في الأفراد والمجتمعات المُعْرِضة عن الدين برهان وأي برهان!
- الدين سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة: ذلك لأن المؤمن يعتقد أن جميع ما يصيبه في حياته هو خير له، قد يكون خيرا في الظاهر والحقيقة، وقد يكون خيرًا في الحقيقة فقط، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابته النعماء قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات،
وإذا أصابه غير ذلك قال: الحمد الله على كل حال (?).
(?) رواه ابن ماجه عن عائشة قالت: كان رسول الله إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وإذا رأى ما يكره قال: الحمد الله على كل حال.
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عجبا لأمر المؤمن إنَّ أمره كله خير إن أصابته نَعماء حَمِد الله تعالى عليها فكان خيرا له، وإن أصابته ضَرَّاءَ صبر عليها فكان خيرا له؛ فكل أمر المؤمنين خير (?).
إن المؤمن يعتقد أن الدنيا مزرعة للآخرة، وما من فلاح إلا ويتعب في زرعه رجاء الحصاد فالمؤمن مهما نصب، وبذل وقاسى وناله من مكروه يعلم يقينا أنه أمر زائل، ثم هو يُخلف خيرًا كثيرًا عند الله، وما الدنيا عنده سوى أيام ... وستمضي الأيام ويبقى حلوها، وأجرها.
عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فَيُغمس فيها غمسة ثم يقال له: يا فلان، هل رأيت نعيما قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب ما رأيت نعيما قط وما مر بي نعيم قط. ويؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس فيها غمسة ثم يقال له: يا عبد الله هل رأيت بؤسا قط؟ هل مرَّ بك بؤس قط؟ فيقول: لا يا رب، ما رأيت بؤسا قط، وما مر بي بؤس قط (?).
أما في الآخرة، فالأمر، واضح إن السعادة في الآخرة وقف على من آمن بالله حقا، قال رسول الله: ألا لن يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ((3)).
إنَّ النَّار مقرّ ومنتهى من كفر بالله والأمر يومذاك على ما قال تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ) [آل عمران: (185)].
(?) رواه مسلم: الزهد (64) عن صهيب مع اختلاف في اللفظ؛ وأحمد (34) / (5).
(?) رواه مسلم منافقين (55)؛ وأحمد (202) / (3).
(?) رواه البخاري: جهاد ???؛ ومسلم: إيمان ???؛ وأحمد ???/?.
إن أخطر أمراض البشرية اليوم مرض القلق والاضطراب. . عدم الرضا بالموجود، والتعلق بالمجهول، بالأمل، حتى يأتي قاطع الأمل وهادم اللذات، وهو الموت بما فيه.
إن حوالي (75) ? من الشعب السويدي من فوق الثلاثين من العمر، يحتاج إلى تعاطي المواد المهدئة للأعصاب والمساعدة على النوم. ويدخل المستشفيات والمصحات العقلية السويدية ??? آلاف شخص كل عام، ومنهم (22) ألفًا يُؤخذون إلى مستشفيات الأمراض العقلية إجباريا لحالاتهم الخطرة على الناس، ويموت ثمة ???? شخص منتحرين والذين يحاولون الانتحار ويتم إنقاذهم يصلون إلى (50) ألف شخص ?
(1) وإنه لمما لا شك فيه أن راحة البال أساس راحة الأعصاب، ولا شك أن الرضا بما قسم الله تعالى هو الغنى الحاضر، وفيه هدوء الفكر، وراحة الأعصاب، وقرار الروح والعيش الهنيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب (?).
ـ الدين مع الإنسان دائما:
كان مع الإنسان الأول في السماء: وَعَلَمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ... وَقُلْنَا يَتَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة: (31) و (35)].
وكان معه حين أهبط إلى الأرض لعمار الأرض: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: (38)].
(1) من مقالة في حضارة الإسلام بعنوان: أنباء فيها مزدجر، لكاتب هذه الرسالة.
(?) رواه الترمذي: الزهد (2)؛ وأحمد ???/?
وكان معه فيما أرسل الله تعالى إلى كل أمة نبيًّا أو رسولاً: {وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فيها نَذِيرٌ) [فاطر: (24)] حتى النبي الأخير: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن | رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبيِّنُ} [الأحزاب: (40)]، ولن يزال هذا الدين مع الإنسان يعلمه، يعظه وينصحه يرشده ويقومه إلى قرب قيام الساعة عند طلوع الشمس من مغربها، ويومذاك: لا يَنفَعُ نَفْسًا إيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كسَبَتْ في ايمنيها خيرا) [الأنعام: (158)].
فالإنسان هو الإنسان ترفعه تربيته، أو تضعه تربيته، لا يفعل فيه المظهر من اللبس والمركب والمسكن شيئًا.
حاجة الإنسان الفطرية والجسمية والروحية حاجة دائمة، وإنما يغذيها حقا ـ الدين الدين بما يربي الروح على الإيمان بالله تعالى وطاعته، ويربي العقل بالعلم النافع والبحث، وطلب المعرفة، ويربي الجسم بالتمتع بما أباح الله من أنواع الطعام والشراب واللباس، مما هو طيب نافع مباح دون ما هو خبيث وضار.
كم يخطاء أولئك الذين يظنون أنَّ الإنسان العصري غير الإنسان القديم، وأن مطالب الاثنين الحقيقية قد اختلفت.
انظر إلى حب النفس، والأنانية والاستثثار وحب التسلط، وحب الجنس الآخر والولد والمال هل تغيَّرت في إنسان العصر عن الإنسان القديم؟ أم قد تغيرت مظاهر ووسائل لا غير؟!
انظر إلى حاجة الإنسان إلى الهواء والطعام والشراب، والكساء، هل اختلفت بين إنسان اليوم وإنسان الأمس البعيد هذه الحاجة؟ لا، وإنما تغيرت مظاهر ووسائل؟!
انظر إلى تقدير العقل للصدق والأمانة والعفة وبر الوالدين، وحب
الخير للآخرين، وحب النظام، وطاعة الحاكم انظر هل اختلف تقدير العقل قديما لها عن تقدير العقل اليوم لها؟ وهكذا هكذا. ...
التربية.
إن الإنسان هو الإنسان ترفعه تربية دينية صحيحة، ويضعه فقدان تلك
إن الناس يقرؤون لعقلاء حكماء، عاشوا منذ مئات السنين ولا يبالون بكتاب نوكى يعيشون في عصرهم، لأن أولئك كانوا عقلاء حكماء ذوي آراء جيدة في الحياة، وهؤلاء سفهاء حمقى ذوو تربية هي الهوى، والغرض الرخيص.
(10) ـ وأخيرا:
إن حاجة الإنسان إلى الدين ضرورية فوق حاجته إلى الطعام والشراب وكل شيء، لأن الدين يُعرف الإنسان
مواقع رِضَى الله تعالى عنه ومساخطه، في جميع أعماله الاختيارية وهي مبنية على الوحي الذي لا يخطاء، ولا يجهل بحال.
قال ابن القيم (?): هي حاجة أشد من حاجة الناس إلى الطعام والشراب، لأن غاية ما يُقَدِّرُ على عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه، وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة وهلاك الأبد، وأعظم من حاجة الناس إلى الطب، ألا ترى أن أكثر العالم يعيشون بغير طبيب؟»، يعني: ولا يستطيعون أن يعيشوا على خير بغير دين.
(?) مفتاح دار السعادة (2) / (2)، بتصرف.
الفصل الأول
بلاغ الدين إلى النّاس
وإنما بلغ هذا الدين الناسَ رُسُلٌ من البشر، أوحى الله تعالى إليهم بما شاء بواسطة الملك وبغير واسطة الملك، قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) [الشعراء: ???]. هذا الدين هو الإسلام، الذي يعني: الخضوع والانقياد الله تعالى عن طواعية واختيار، لما جاء من الله تعالى من أوامر ونواه ووصايا وأحكام.
هذا الإسلام دين، واحد جاء به أنبياء الله تعالى ورسله، بدءًا بآدم، وانتهاء بمحمد عليهما وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام. قال الله تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًا وَلَا نَصْرَانِيا ولاكن كان حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: (67)].
وقال في شأن يعقوب عليه السلام: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ الهَكَ وَإِلَهَ وَابَابَكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: (133)].
وقال في شأن موسى عليه السلام: (وَقَالَ مُوسَى يَنقَوْمِ إِن كُنتُمْ وَآمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: (84)].
وقال في شأن عيسى عليه السلام: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِينَ أَنْ وَامِنُوا بِي
وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: (111)].
وقال سبحانه لرسولنا محمد: (قُلْ آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
وقال سبحانه مبينا وحدة دينِ الرُّسُل جميعًا (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: (13)].
أصول الدين:
إن أصول الدين واحدة في رسالات الأنبياء والرسل جميعا، وهي:
أصول أربعة:
? - العقائد من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: (25)].
(2) - العبادات: من الصلاة والزكاة والصيام، قال الله تعالى في شأن إسماعيل عليه السلام: ... وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَمُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوْةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مرضيا) [مريم: (55)]، وقال على لسان عيسى عليه السلام: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ النِي الْكِتَبَ وَجَعَلَنِي بِنَا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِي بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم: ??،??]، وقال سبحانه: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وقال في بيان التكليف العام بها رُسله وأقوامهم: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مخلصين له الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوْةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: (98)]، وقال سبحانه لإبراهيم عليه السلام: (وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَجَ يَأْتُوكَ رِجَالًا وعلى كل ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَتِ) [الحج: ??، ??].
- الأخلاق من الصدق والأمانة، وحفظ حقوق الآخرين، قال الله تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَى) [النجم: (37)]، وقال في شأن إسماعيل عليه السلام: (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيَا) [مريم: (54)]، وقال في شأن عيسى عليه السلام: (وَبَرًا بِوَالِدَتِي) [مريم: ??]
وروي أن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (1).
(4) ـ الحلال والحرام من حل البيع وحرمة الربا .. من حل الهدية وحرمة أكل أموال الناس بالباطل، قال الله تعالى في شأن المغضوب عليهم من اليهود الملعونين على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام: وَأَخْذِهِمُ الرِّبوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) [النساء: (161)]، وقال في شأن أهل الكتاب: {لَوْلَا يَنْهَنْهُمُ الرَّبَّنِيتُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِنْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِلْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: (63)] .. ومن حل أكل لحوم الأنعام المذكاة، وحرمة غير المذكاة منها وحرمة لحم الخنزير، وحرمة قليل الخمر وكثيره.
إنَّ الدين الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا يقوم على أصول خمسة، تسمى الكليات الخمس.
? ـ الدين، وحمايته من العدوان عليه.
- النفس، وحمايتها من العدوان عليها بغير حق.
(1) رواه مالك: حسن الخلق ?؛ وأحمد ???/?.
- المال، وحمايته من العدوان عليه بالباطل.
- العرض وحمايته من العدوان عليه بالقول أو بالفعل.
- العقل، وحمايته من اغتياله بالخمر أو المخدر.
شرائع متعددة:
? - وأنزل الله شرائع على بعض، رسله وهي طرائق في القيام بتلك الأصول، وهي تختلف من شريعة إلى غيرها، قال الله تعالى: ... لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا وَاتَنكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَتكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: (48)]، وقال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) [الجاثية: (18)]، وقال سبحانه في حق عيسى عليه السلام: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَى مِنَ التَّوْرَةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِنَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: (50)]، وقال في حق رسولنا محمد. ... وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَخْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: (157)]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ليس بيني وبينه نبي والأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، أحمد وأبو داود وغيرهما. وهو صحيح (?). (2) ـ وقد كان شأن كل شريعة أنها تنسخُ وترفع ما سلفها من الشرائع، لأنها في زمانها حكم الله تعالى وأمره ونهيه وما يضرُّ الناس أن ينتقلوا من
(?) روى بعضه البخاري: أنبياء (48)؛ ومسلم: فضائل (145)؛ وأحمد (319) / (3)، وأبو داود: سنة (13).
شريعة ورثوها، إذا جاءتهم شريعة أُخرى ناسخة لها أُمروا باتباعها؟!؛ فالأصول واحدة بين ما سلف من الشريعة وما جاء بعدها، والله سبحانه أعلم بما يصلح لعباده، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: (14)].
لقد جاء عيسى عليه السلام يحكم بالتوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام نورا وهدى، ثم أنزل الله تعالى عليه الإنجيل فعمل به، ودعا قومه بني إسرائيل إليه قال الله تعالى: {وَقَفَيْنَا عَلَى أَثَرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَةِ وَآتَيْنَهُ الإنجيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ. .. ) [المائدة: (46)]، وقال على لسانه عليه السلام: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَالأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِنَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [آل عمران: (50)].
وقال الله تعالى لنبيه محمد: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بين يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: (48)]. (3) ـ وجاءت شريعة الإسلام الأخيرة ناسخة لما سلفها من الشرائع في حق الناس عامة إلى أن يرث الله الأرض وَمَنْ عليها، قال الله تعالى: {قُل يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى
تُقِيمُوا التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وكيزيدن كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنَنَا وَكَفْرًا} [المائدة: (68)].
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مَثَلاً، فاضربوا له مثلاً، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المأدبة. ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة،
والقلب يقظان، فقالوا فالدار الجنة والداعي محمد، فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا، فقد عصى الله عز وجل، و محمد فَرْقٌ بين الناس (?).
وتواترت دعوته للناس - على اختلاف شرائعهم وعقائدهم ـ إلى شريعة الإسلام الخاتمة، فدعا عباد النار إلى الإيمان به واتباعه، ودعا عباد الأصنام إلى الإيمان به واتباعه، ودعا اليهود والنصارى إلى الإيمان به واتباعه قال الله تعالى على لسانه: قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَامٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: (64)].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة
يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» مسلم.
وقال الله تعالى له: {قُلْ يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف: (158)].
(4) - والأنبياء والرسل كثيرون، وقد روى أحمد في مسنده» أن الأنبياء يزيدون على مئة وعشرين ألفا، وأن الرسل ثلاث مئة وعشر رسولاً، والله تعالى أعلم بصحته.
وقد ذكر الله تعالى من أولئك الأنبياء والمرسلين في القرآن ((25)) نبيًّا، أمرنا بالإيمان بهم عدا وتفصيلاً، ومن سواهم نؤمن بهم إجمالاً، أي: إذا قيل لأحدنا: هل تؤمن بأن فلانا نبي؟ نقول: إن صح بالدليل الشرعي أنه نبي أو رسول آمنا به، وإلا فلا لأنا نؤمن بأن الله تعالى بعث أكثر من خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، قال الله تعالى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ
(1) رواه البخاري: بدء الخلق (6)؛ ومسلم: إيمان (264).
وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: (164)].
الدخول في الدين:
يتم الدخول في الدين بالشهادتين ولفظهما أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أو ترجمتها لمن لا يعرف العربية (1).
الشهادة لغة: الخبر القاطع وشرعًا: إخبار صدق لإثبات حق ((2))، وقال الراغب الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة، ثم قال: والشهادة: قول صادر عن علم بمشاهدة بصيرة أو بصر. اهـ (?). فالشهادة لا تكون قائمة على وهم أو ظن، وإنما على يقين بالعلم، أو الحواس، وفيها ورد قوله: إذا علمت مثل الشمس فاشهد» ((4)). الشهادة الله تعالى بالوحدانية:
هي: الإخبار القاطع الصادر عن يقين واضح، أنه ليس ثمة معبود يستحق الإيمان به وإفراده بالعبودية ورجاء النفع به وخوف الضرر منه، وطلب الرزق وقضاء الحاجات، ودخول الجنة والنجاة من النار إلا الله تعالى، الذي له الأسماء الحسنى سبحانه.
إنَّ الله تعالى واحد في ذاته، ليس مؤلفاً من أجزاء وأبعاض، لا يحل في
(1) يعتبر ولد الأبوين المسلمين - أو الأب - مسلما، ويعتبر من كان غير مسلم مسلما بصلاته مستقلاً ومع الجماعة، وبصيامه رمضان مع المسلمين، إذا لم ينكر الإسلام إذا عرض عليه، وإلا فلا يعتبر هذا الصنف الثاني مسلمًا عند المسلمين، والله تعالى أعلم
بحقيقة حاله عنده.
(?) اللباب ?/ ???
(?) مفردات الراغب، طبع البابي، ص (268).
((4)) رواه الديلمي وله الفاظ انظر: كشف الخفاء ??/?.
مكان ولا تحويه جهة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: (11)]، واحد في ذاته: (مَا أَخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا) [الجن: (3)]. {وَلَمْ يَكُن لَمُ شَرِيكَ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ [الإسراء: ???] ... لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: (3)، (4)].
إنه سبحانه واحد في صفاته له سبحانه الصفات العلى، ليس لصفاته ابتداء، وليس لها انتهاء، هي صفات كاملة تامة ما عرض لها ولا يعرض لها نقص يومًا، ولا يعرض لها زيادة ونموّ يوما هي صفات قديمة قائمة بذات الله تعالى، والله وحده يعلم كيفية اتصافه بها.
إن صفات الله تعالى لا تشبه صفات المخلوقات، فالله تعالى عالم، ولكن ليس علم الله تعالى كعلم العباد له ابتداءً وامتداد وانتهاء، وله وسائله، بل علمه سبحانه صفة أزلية قديمة تامة ما كانت ناقصة يومًا، فنمت، ولا يعرض لها نموّ ولا انتهاء في المستقبل، معاذ الله .. وكذا سائر صفات الله تعالى.
ليس الله سبحانه من كل نوع إلا صفة واحدة، فليس الله سبحانه قدرتان مثلاً، ولا علمان، بل قدرة واحدة، وعلم واحد، وهكذا سائر الصفات فيقال: العلم واحد والمعلوم، متعدد القدرة واحدة والمقدور متعدد، وإلا لزم وقوع المؤثرين على أثر واحد، والله أعلم.
قال الشيخ سعيد إن المسلم عندما قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [الصافات: (35)]، فكأنه يقول: لا مطمأنّ إليه، ولا مستجار به ولا محبوب، ولا معبود ولا مالك، ولا، مطاع ولا معظم ولا معتصم به، ولا سيد، ولا حاكم إلا الله. فالتوكل عليه واجب والاستجارة بغيره جاهلية، ومحبته فريضة، ومحبة غيره لا تكون إلا بإذنه. ومعاني العبادة والعبودية لا تقدَّم إلا له، وهو مالكي وحده، فلا أطيع
غيره إلا بإذنه؛ وهو المستحق للتعظيم فيه أعتصم؛ وهو الذي له حق السيادة المطلقة على البشر، والحاكمية المطلقة عليهم، فهو مصدر الأمر والنهي، وهو مصدر التحليل والتحريم، وهو مصدر التشريع؛ فلا سلطة تشريعية إلا له، فهو ذو الجلال وذو الكمال جل جلاله سبحانه لا إله غيره.
وأي إخلال بواحدة من هذه، بحيث يعطيها الإنسان لغير الله تعالى بدون إذنه جهل بما الله من حق، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَتَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تعلَمُونَ [الأعراف: ??] ((1))
لقد كان المشركون يعلمون معنى (لا إله إلا الله)، لذا كانوا ينفرون منها فضلاً عن الركون إليها والإيمان بها. ... وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) [الزمر: (45)]
عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم الهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول، ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته ... فأرسل إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق عليه، فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب .. فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما لقومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول .. وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية
(?) الإسلام (25) / (1).
ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟! نعم وأبيك عشرا. فقالوا: ما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أَجَعَلَ الأَلِمَةَ الهَا وَحِدا) [ص: (5)]. قال: فنزلت الآيات من هذا الموضع إلى قوله: بَل لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) [ص: ?] (?)
ويأتي الكلام على الشهادة الرسولنا محمد ال بأنه عبد الله ورسوله في موضعه بإذن الله تعالى.
فَضْل كَلِمَة الشَّهَادتين:
لا بد من النطق بالشهادتين لمن يريد الدخول في الإسلام. قال اللقاني في «جوهرة التوحيد:
وفُر الإيمان بالتصديق والنطق فيه الخلف بالتحقيق وقيل: شرط كالعمل، وقيل: بل شطر، والإسلام اشرحن بالعمل وقال علماء التوحيد: لا يقبل إيمان الكافر إلا بالنطق بالشهادتين مطلقا، أو عند طلب ذلك منه، عند الله وعند الناس والله أعلم بسرائر القلوب وخفايا الصدور.
عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك؛ أعتق الله ربعه من النار، ومن قالها مرتين؛ أعتق الله نصفه، ومن قالها ثلاثاً؛ أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، فإن قالها أربعا؛ أعتقه الله من النار (?).
(?) رواه أحمد والنسائي، والترمذي وقال: حديث حسن. كذا في ابن كثير (28) / (4). (?) رواه أبو داود بإسناد جيد (317) / (4). انظر: الأذكار؛ والترمذي.
وكفى بالشهادتين فضلاً ومكانة عند الله تعالى أن جعلهما الله تعالى من ألفاظ الأذان والإقامة، ومن جملة دعاء التحيات في القعود الأول والأخير من الصلوات، ويسميه الفقهاء دعاء التشهد ذكرًا للتحيات بأهم ما فيها في حق العبد.
وقد أورد ابن خزيمة حديث سلمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في استقبال رمضان، وقد جاء فيه: واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار. ومن سقى صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة. قال علامة الهند حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على المطالب العالية: إن صح الخبر. والله أعلم.
وحين جاء عكرمة [ابن أبي جهل] مؤمنًا واستقبله الرسول صلى الله عليه وسلم بحفاوة قال لأصحابه: اذكروا محاسن موتاكم. ثم عرض على عكرمة ما يريد من منصب أو مال فقال: إنَّه لا يريد سوى مغفرة الله تعالى وأن يوصيه الرسول صلى الله عليه وسلم بما ينفعه. فنصحه أن يكثر من أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كي يعم نور التوحيد قلبه ويضيء جوانب نفسه ويلين بها لسانه. وقد أكرمه الله بالصدق في
الإسلام وفي الجهاد حتى استشهد في معركة اليرموك ومات متأثرًا بجراحه ورأسه في حجر -. خالد رضي الله عنهما.
وكان الشيخ حسن البنا حين أصيب برصاصات سبع استقرت في جسمه يكثر أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وأخذته الرحضاء فلمعت عيناه وضم شفتيه بحزم وقال: إنَّ الله حق إنَّ الله حق. ثم قضى رحمه الله تعالى.
وفي الحديث الصحيح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة ((1)).
قال غالب بن قطان: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية: {شَهِدَ الله أنه لا إله إلا هو والْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: ??]. ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله عزّ وجل: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد؛ أدخلوا عبدي الجنة ((2)). ونحن نقولها، فأكْرِمْنَا بالجنة دون مناقشة حساب ولا سابقة عذاب
يا أرحم الراحمين. آمين.
(1) رواه أبو داود ????، والمعجم الكبير ???/??؛ والمستدرك على الصحيحين
(503) / (1)؛ والترمذي ???/?
(?) رواه الطبراني في الكبير. انظر: مختصر ابن كثير (1) / ???.
الفصل الثاني
كمالات الله تعالى
لقد قرر علماء التوحيد من قديم وجوب وصف الله تعالى إجمالاً ـ دون تحديد - بكل صفة من صفات الكمال، وتنزيهه سبحانه عن كل صفة من صفات العيب، والنقصان فقالوا: الله تعالى خالق كل شيء، من الذوات والصفات والأفعال، فهو سبحانه موصوف بكل صفة من صفات الكمال، ومنزه عن كل صفة من صفات النقصان وقالوا إن العلم والقدرة، والسمع، والبصر، والعدل والرحمة والحكمة. . . إلخ من صفات الكمال في العبد، فيجب أن يكون الله تعالى متّصفاً بها؛ إذ كيف يكون منعما بنعمة القدرة والعلم وأمثالهما على العبد، ولا يكون هو سبحانه متصفّا بها؟ فيكون فقيرا ناقصا!! ثم، كيف يهب تلك النعم على من شاء من عباده ثم لا تكون هي له من قبل؟! وفاقد الشيء لا يعطيه. ألا إن صفات الله تعالى هذه ـ وسائر صفاته سبحانه ـ كاملة تامة، ما سبقها عدم ولا طرأ عليها نقص ولا يعرض لها خلل ولا نقص، أو زوال أو فناء بحال من الأحوال. وصفات العبد خَلْقٌ من الله تعالى، لم تكن فأوجدها الله تعالى، والتي أوجدها ناقصة أكمل منها ما شاء، ثم يعرض لها على الزمان النقص والخلل، ثم يكون الزوال والفناء وفق مشيئة الله وإرادته. وقرروا كذلك وجوب وصف الله تعالى تفصيلاً ـ تحديدا بكل ما وصف به نفسه كما
وصف به نفسه بعيدا عن التشبيه والتعطيل، والله تعالى وحده يعلم كُنه ذاته وصفاته.
وَحْدَانِيَّة الله تعالى:
الله تعالى واحد لا شريك له، لا قرين له ولا صديق، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: [(3)، (4)
لقد دعت رسل الله تعالى جميعًا إلى الإيمان بالله تعالى، وإفراده سبحانه بالعبودية والطاعة، كإفراده سبحانه بالربوبية والإيجاد فقال الله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: (25)] وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: (5)].
وحدانية الله أمر مقرر في القرآن الكريم والسنة الشريفة، على تصريف في الآيات وتنويع فيها: قال الله تعالى مقررًا وجوب اليقين بوحدانية الله تعالى: {فَأَعْلَمْ أَنَّهُرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد: (19)].
وقال سبحانه مقررًا منع قيام الكون أو انتظامه واستمراره لو كان معه سبحانه سواه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَ الهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا) [الأنبياء: (22)]. وقال سبحانه مقررًا امتناع بقاء الإله على تدبير الكون لو كان معه آلهة: قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ عَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَابْتَغُوا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَنَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوا كبيرًا) [الإسراء: (42)، (43)].
وقال سبحانه مقررًا ما يشهد به العلم والواقع، أنه ليس ثمة إلله خالق سوى الله، فكيف يعبد مخلوق مخلوقا مثله، ويدع عبادة الخالق سبحانه
وحده؟! قال الله تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَا يَخْلُقُ) [النحل: (17)]، وقال: وأم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَى و ... ) [الرعد: (61)]. وقال سبحانه مقررا افتقار كل شيء إليه سبحانه، وغناه سبحانه عن كل شيء، وذلك ـ لعمر الله ـ دليل الألوهية الحقة، قال سبحانه: { ... وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَه) [الأنعام: (14)]، وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ لا مَا أُرِيدُ
مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ}
وقال سبحانه مقررا إيجاده هو لهذا الكون وحفظه إياه من الفساد والزوال إلى حين يشاء جل جلاله قال سبحانه اللهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر: (62)]، وقال: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَين زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِية ... ) [فاطر: (41)].
وقال سبحانه مقررًا كمال سلطانه على الكون وأهله، بحيث لا يفوته فائت من خلقه، فقال: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [العنكبوت: (22)] وقال: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِرُونَ)
[الأنفال: (59)]
وفيما ذكر من الآيات الكريمة غَنَاء عن ذكر الأحاديث الشريفة التي تقرر وحدانية الله سبحانه، ووجوب إفراده سبحانه بالتوجه إليه والعبادة له. إنَّ أمر وحدانية الله تعالى مقرّر في كل شيء.
إن الخبر الصادق - (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا) [النساء: (87)]- يقرر وحدانية الله تعالى، فمنذ أقدم ما عرف البشر من عقائد، عرف فيها الوحدانية أولاً، ثم دخل عليها ما دخل من شرك ووثنية، حتى بلغت آلهة اليونان أكثر من ألف إلله باطل!! فإذا قال الله تعالى ثم قال صفوة الله من خلقه، والعقلاء والحكماء قديمًا وحديثًا: إن الله تعالى واحد، فأحر به أن يكون صدقا وحقا، فليس ثمة من هو أصدق من الله حديثا، وليس في البشر من هو أصدق من صفوة الله من خلقه حديثا.
والعقلاء والحكماء قدوة في الناس، وأسوة في هذا الأمر خاصة. . إن البداهة والضرورة تقرر وحدانية الله تعالى، فما يرى الإنسان مصنوعا إلا ويبدر إلى ذهنه أن صانعه واحد، ولقد نطقت بهذه البداهة السنة عباد الأوثان أمام إبراهيم عليه الصلاة والسلام في فترة من فترات صفاء النفس، وحكم العقل: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ تكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ) [الأنبياء: (6564)].
إن الفكر النير والمنطق السليم يقرر وحدانية الله تعالى، ويكفي لتقرير هذا المعنى، ما أوردنا من الآيات الشريفة. إنَّ الفكر لا يرتضي أن يجتمع سلطانان بلة حاكمين على جماعة، بل ولا مدرسان في فصل واحد، ولا مديران لمدرسة، إنه يحكم بأن النظام سيختل والفساد سيستشري، فكيف يكون للكون أكثر من إله، وشأن الألوهية السلطان والانفراد بالأمر، واستمع إلى قوله تعالى في هذا المعنى: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ الهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَابْتَغُوا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَنَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوا كَبِيرًا} [الإسراء: (42)، (43)].
إن العلم الكوني يقرر وحدانية الله تعالى قال الأستاذ عبد الرزاق نوفل والمتدبر للحياة بكل ما فيها يجد الأدلة العلمية والمنطقية على وحدانية الله سبحانه وتعالى فكل الكائنات الحية أصلها خلية حية واحدة، وكل المواد الأخرى أصلها ذرة واحدة، وفي داخل الخلايا الحية، مكونات واحدة من أصل واحد، وكل ما في الذرات كهارب من أصل واحد فوحدة الخلق، ووحدة الأصل، إنما تؤكد وحدة الخالق.
وتنقسم الخلية الحية - كل خلية وأي خلية - بطريقة واحدة، وبشكل
واحد، وتتكاثر الأحياء بطريقة واحدة، فالناس كلهم منذ آدم عليه السلام حتى نهاية البشر، تناسلهم بطريقة واحدة أينما كانوا في مشرق الأرض ومغربها، في قديم الزمان أو حديثه والطيور والنباتات لم يحدث أن شذ في تناسلها أو تكاثرها مجرد فرد واحد ألا يشير ذلك إلى وحدة الخالق؟
ووصل العلماء إلى حقيقة علمية مؤكدة وهي تناسق الحركة، وتماثلها في كل الكون، فإن الكهارب داخل الذرة نسبتها إلى الفراغ الذي في الذرة كنسبة أفراد مجموعة الشمس إليها ونسبة المجموعة الشمسية إلى غيرها، وهكذا تستمر سلسلة من نِسَب متساوية ومتناسقة لا تختلف، بل إن سرعة دوران هذه الكهارب حول مركزها وحول بعضها بالنسبة لحجمها تعادل تماما سرعة دوران المجموعات الكونية.
إن هذه الوحدة في كل الخلق والتناسق والتكامل، إنما تؤكد وحدة الخالق جل شأنه.
وبتحليل مكونات المجموعة الشمسية، وُجد أنها كلها تتكون من عناصر واحدة، وبتحليل جسد الإنسان والحيوان والنبات وجد أنها كلها أيضًا تتكون من عناصر واحدة.
إن الوحدة في الخلق هي الصفة الأولى الأساسية التي تسير إليها الحياة في كل صورها ((1)).
(1) أسئلة حرجة ص (26)، وهذا الكتاب - على فائدته - يحوي أشياء خطيرة، أخطرها ما يعد مكفرًا في الإسلام، وهو نفي ما تواتر من نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان، وقد حكم - تقليدًا لشلتوت والقاديانية، وإن كان الشيخ شلتوت حكم بضعف تلك الأحاديث لا وضعها، لكنه رجع والحمد لله - بوضع أحاديث نزول عيسى عليه السلام وهي تصل إلى (???) نصوص ما بين حديث وأثر. وانظر: التصريح بما تواتر في نزول المسيح، للعلامة الكشميري بتعليق الشيخ عبد الفتاح رحمهما الله.
ملاحظة: يحلو لبعضهم جهلاً وغروراً، أن يزعم بأن مع الله تعالى شريكا، أو أنه سبحانه وتعالى اتخذ صاحبة أو ولدا، فيزعمون أن رسولاً قال لقومه: أبي الذي في السماء. إن الواجب في ذلك الكلام، وأمثاله أن يعرض على منصة التحقيق، فهل كان ذلك حقا كلام رسول من رسل الله؟.
لقد قرأنا معا في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: (25)]، وقال الله تعالى على لسان عيسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلَّم: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: ???]، وقال لقومه حين حدثهم وهو في المهد: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ اتَنيَ الْكِتَب وَجَعَلَنِي بِنَا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِي بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيَّا وَبَرًا بِوَالِدَتِي. . .) [مريم: (30) - (32)].
والكتاب الذي نقل ذلك الكلام ليس كتاب الله قطعا، بل هو كتابات معاصرين لرسول، أو غير معاصرين من حفظهم، وما نُقل إليهم من ذلك الكتاب الذي ضاعت أصوله، لذا تعددت نسخه وتبدلت، وتعارضت أحيانًا، وما أنزل ذلك الكتاب - كسائر الكتب ـ إلا مرة واحدة، والله أعلم. وقال عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي مؤلف أسباب اختلاف المسلمين، المتوفى سنة (521): إلهي إني شاكر لك حامد وإني لساع في رضاك وجاهد وإنك مهما زلت النعل بالفتي على العائد الأوَّاب بالعفو عائد تباعدت مجدا وادَّنَوْتَ تعطفاً وحلماً فأنت المدني المتباعد وما لي على شيء سواك معوّل إذا دهمتني المعضلات الشدائد أغيرك أدعو لي إلها وخالقا وقد أوضح البرهان أنك واحد وقدما دعا قوم سواك فلم يقم على ذاك برهان ولا لاح شاهد
وبالفلك الدوّار قد ضل معشر وللنيرات السبع داع وساجد وللعقل عباد وللنفس شيعة وكلهم عن منهج الحق حائد وكيف يضلُّ القصد ذو العلم والنُّهى ونهج الهدى من كان نحوك قاصد وهل في التي طاعوا لها وتعبدوا لأمرك عاص أو لحقك جاحد وهل يوجد المعلول من غير علة إذا صح فكرًا أو رأى الرشد راشد وهل غبت عن شيء فينكر منكر وجودك أم لم تبد منك الشواهد وفي كل معبود سواك دلائل من الصنع تنبي أنه لك عابد وكل وجود من وجودك كائن فواجد أصناف الورى لك واجد (?) سرت منك فيها وحدة لو منعتها لأصبحت الأشياء وهي بوائد ((2)) وكم لك في خلق الورى من دلائل يراها الفتى في نفسه ويشاهد كفى مكذبا للجاحدي نفوسهم تخاصمهم إن أنكروا وتعاند ((3))
آيات الله في الكون:
للشيخ أحمد عبد الرحيم السايح:
? ـ الله في الآفاق آيات لعل ل أقلها هو ما إليه هداكا - ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناكا (3) ـ والكون مشحون بأسرار إذا حاولت تفسيرا لها أعياكا
(4) - قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداكا ه - قل للمريض نجا وعُوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا (6) - قل للبصير وكان يحفر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواكا - بل سائل الأعمى خطا بين الزحا م بلا اصطدام من يقود خطاكا
(?) فالله تعالى خالق كل شيء، وفي كل شيء آية تدل على الله تعالى وتهدي إليه.
(?) أي لخربت وانتهت هذه الكائنات.
(?) نسيم الرياض في أخبار القاضي عياض.
- قل للوليد بكى وأجهش بالبكا لدى الولادة ما الذي أبكاكا (9) - وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا (10) واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهدا وقل للشهد من حلاكا ?? بل سائل اللبن المصفى كان بين دم و فرث ما الذي صفاكا (12) - وإذا رأيت الحي يخرج من حنا يا ميت فاسأله من أحياكا (13) - وإذا ترى ابن السود أبيض ناصعا فاسأله من أين البياض أتاكا (14) - وإذا ترى ابن الأبيض فاحما فاسأله من ذا بالسواد طلاكا (15) قل للهواء تحسّه الأيدي ويخ فى عن عيون الناس من أخفاكا (16) ـ قل للنبات يجف بعد تعهد ورعاية من بالجفاف رماكا ?? وإذا رأيت النبت في الصحراء ير بو وحده فاسأله من أرباكا ?? وإذا رأيت البدر يسري ناشرا أنواره فاسأله من أسراكا (19) واسأل شعاع الشمس يدنو وهي أبـ عد كل شيء ما الذي أدناكا (20) قل للمرير من الثمار من الذي بالمر من دون الثمار غذاكا ?? وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من با نخل شق نواكا (22) - وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراكا (23) وإذا ترى الجبل الأشم مناطحا قمم السحاب فسله من أرساكا (24) وإذا رأيت النهر بالعذب الزلا ل جرى فسله من الذي أجراكا (25) وإذا رأيت الليل يغشى داجيا فاسأله مَنْ يا ليل: حاك دجاكا (26) - وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحكًا فاسأله من يا صبح صاغ ضُحاكا. هذي عجائب طالما أُخذت بها عيناك وانفتحت بها أذناكا ?? - والله في كل العجائب مائل إن لم تكن لتراه فهو يراكا.
يزعم بعضهم - جهلاً وغرورا - أن الله تعالى يقرر تعدد الخالقين، إنه يقول: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ} [القمر: (49)] ((1))، وغفلوا أن الله تعالى يصف نفسه بالعظمة، ولا تكون لغيره سبحانه فيعبر بنُونِ الجماعة، ومع ذلك فقد جاء الخلق منسوباً إلى الله تعالى بصفة، الإفراد، لتفقأ في أعين المكذبين الحصرم والمرار، قال الله تعالى: اللهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر: (62)] وقال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: ??] وقال: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِي) [طه: (14)].
أسباب الإشراك بالله تعالى:
فإذا كان أمر وحدانية الله تعالى في هذا الظهور، الذي يفوق ظهور الشمس في رابعة النهار فما الذي يدفع بعضهم إلى الإشراك بالله تعالى أو الإلحاد؟ هي أسباب عديدة يمكن حصرها فيما يلي:
(1) - التقليد الأعمى للآباء والموروث من التقاليد والعادات:
قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ وَآبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [البقرة: (170)]، وقال: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى أَثَرِهِم مُقْتَدُونَ) [الزخرف: (23)].
حين أسلم عمرو بعد أخيه خالد رضي الله تعالى عنهما، قال فيهما أبان أخوهما ـ قبل أن يُسلم ـ يندد بهما، ويذكرهما بأبيهما الذي هلك بمكان يقال له: الظريبة: أطاعا معا أمر النساء فأصبحا يعينان من أعدائنا من يكايد
فقال عمرو يجيبه: أخي ما أخي شاتم أنا عرضه ولا هو عن سوء المقالة يُقْصِرُ
(1) موقع الشاهد: في قوله: (إنَّا). فعلى زعمهم أنه استعمل صيغة الجمع تقريرا للتعدد!! وهذا جهل في فهم النص واستعمال اللغة، فإن لفظ إنَّا) جاء للتعظيم وليس للتعدد.
يقول إذا اشتدت عليه أموره ألا ليت مينا بالظريبة ينشر فدع عنك ميتا قد مضى لسبيله وأقبل على الحق الذي هو أظهر)
وما أحسن قول أحدهم في هذا التقليد الأعمى المجنون:
عمي القلوب عَمُوا عن كل فائدة لأنهم كفروا بالله تقليدا ولا يظن القاراء الكريم أن أصحاب التقليد الأعمى قد ذهبوا مع أهل الجاهلية، لا ... إن ????) (مليون ألفًا ومئتي مليون من البشر في الهند، والصين، واليابان، وغيرها يعبدون الأصنام ولا يهتدون إلى عبادة الله تعالى
وحده.
إنهم أقوام تعلموا ودرسوا وتثقفوا مع ذلك فهم يصرون على ذلك التقليد الأعمى المجنون لآبائهم الوثنيين، أو يتظاهرون بذلك. (2) - الحسد والبغي:
ولقد حال الحسد بين بني إسرائيل والإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بعث،
كما قال سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: ??]. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدث، أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسًا يستمع فيه، وهو لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو راكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا. ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذ طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم
(?) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (531) / (2).
الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر، تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا تبرح حتى نتعاهد ألا
نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا الحنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعتُ أشياء أعرفها، وأعرف ما يُراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يُراد بها، قال: الأخنس وأنا والذي حلفت به كذلك.
قال ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعتُ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرفَ أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذبنا على الركب وكنا كفرسَي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه (?).
- إيثار عاجل الشهوات والمصالح:
كان رسول الله في مكة المكرمة، حين جاء إليها الشاعر أبو بصير (الأعشى)، وكان مشركو مكة قد جعلوا على أنقابها رجالاً ينفرونهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوته، فلما جاء هذا الشاعر قال له أولئك: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يحرم الزنى. فقال: قد كبرت سني، فما بقي لي مطمع في الزنا. فقالوا: إنه يحرم الخمر، فقال: أما هذه فلا. . . فقال (المسكين) أنه يعود هذا العام إلى بلاده نجد فيشرب الخمر ما استطاع، فإذا جاء الموسم القادم قدم مكة، وقد
(?) سيرة ابن هشام تحقيق السقا وإخوانه (1) / (315).
ارتوى من الخمر، فيسلم فيمتنع عن الخمر فوقصته الناقة في طريق عودته إلى
بلاده، فسبقت به إلى جهنم ولا حول ولا قوة إلا بالله ((1)).
وكم من الناس تمرغوا في المنكرات، واستمرؤوا الفواحش والموبقات، فهم يصرون على دعوى الشرك أو الإلحاد، ليستمروا في غوايتهم، دون منغص من دين يحرم ما يحبونه، أو إله يغضب ما يأتونه ويعاقب على ما يفعلونه، حتى ... يبغتهم هادم اللذات وقاطع الشهوات فيسبق بهم إلى النار، وبئس
المهاد.
(4) - الجهل القائم على إهمال العقل وعلومه: يقول العلم: لو كانت قشرة الأرض أكثر سمكا بمقدار عشرة أقدام من سمكها الحالي لما وجد الأوكسجين، إذ أن القشرة الأرضية ستمتص حينئذ الأوكسجين، وبدونه تستحيل الحياة الحيوانية، وكذلك لو كانت البحار أعمق بضعة أقدام أكثر من العمق الحالي لانجذب ثاني أكسيد الكربون والأوكسجين، حتى يمتصهما الماء، ولاستحال وجود النباتات على الأرض فضلاً عن الحياة، ولو كان الغلاف الهوائي للأرض ألطف مما هو عليه الآن لاخترقت النيازك كل غلاف الأرض الخارجي ولرأيناها مضيئة بالليل ولسقطت على كل بقعة من الأرض وأحرقتها، فهذه النيازك تواصل رحلتها بسرعة أربعين ميلاً في الثانية الواحدة ونتيجة لهذه السرعة العظيمة فإنها ستحرق كل شيء يمكن احتراقه على الأرض، حتى تصبح الأرض غربالاً في وقت ليس ببعيد.
يوم
،
فلولا أن غلاف الأرض الهوائي يقينا من هذه الشهب، لاحترقنا؛ فإن سرعتها أكثر من سرعة البندقية بـ ((90))،مرة، كما أن حرارتها الشديدة كافية لإهلاك كل شيء بما فيه الإنسان، فنحن إذن في حماية هذا الغلاف الكثيف
(1) انظر: سيرة ابن هشام.
الموزون الذي لا تخترقه الأشعة الشمسية ذات الأهمية الكيماوية إلا بالقدر الذي يكفي لحياة النبات وإيجاد الفيتامينات والقضاء على الجراثيم الضارة وما إلى ذلك.
إن الأرض تتم دورة واحدة حول محورها في كل أربع وعشرين ساعة، ومعنى ذلك أنها تسير حول محورها بسرعة ألف ميل في ا الساعة،، فإذا فرضنا أن هذه السرعة انخفضت إلى مئتي ميل في الساعة لطالت أوقات ليلنا ونهارنا عشر مرات بالنسبة إلى ما هي عليه الآن، ويترتب على ذلك أن تحرق الشمس ــ لشدة حرارتها - كل شيء فوق الأرض وما بقي بعد ذلك ستقضي عليه البرودة الشديدة في الليل.
إنَّنا نتحيّر إذا رأينا النظام المعقد لأسلاك التلفون، ونتحير إذا وجدنا أن مكالمة من لندن إلى ملبورن بأستراليا، تتم في بضع ثوان، فإذا كان تعقيد نظام أسلاك الهاتف يوقعنا في هذه الحيرة، فما بالنا بنظامنا العصبي، وهو أوسع من هذا النظام، وأشد تعقيدا؟! إن ملايين الأخبار تجري على أسلاك نظامنا العصبي من جانب إلى آخر ليل نهار، وهذه الأخبار هي التي توجه القلب في تدفقها وفي حركتها، وتتحكم في حركات الأعضاء المختلفة، وتتحكم في الحركات الرئوية، ولو لم يكن هذا النظام موجودًا في أجسامنا لصارت الأجسام تلفيقا لأشياء مبعثرة، تسلك كل منها مسلكها الخاص.
ومركز هذا النظام للمواصلات مخ الإنسان، وفي هذا المخ يوجد ألف مليون خلية عصبية، ومن كل هذه الخلايا تخرج أسلاك تنتشر في سائر الجسم، وتسمى هذه الأسلاك الأنسجة العصبية، وفي هذه الأنسجة يجري نظام استقبال وإرسال للأخبار، بسرعة سبعين ميلاً في الساعة، وبواسطة هذه الأنسجة نتذوق، ونسمع ونرى، ونباشر سائر أعمالنا.
بل إنَّ هنالك ثلاثة آلاف من الشعيرات المتذوقة، وتسمى TASTEBUDS)، ولكل منها مسلك عصبي خاص، متصل بالمخ، وبواسطة
هذه الشعيرات يُحس بالمذاقات المختلفة.
وتوجد في الأذن عشرة آلاف خلية سمعية، ومن خلال نظام معقد يسري
من هذه الخلايا يسمع مخنا.
وفي كل عين مئة وثلاثون مليونا من الخلايا الملتقطة للضوء، وتقوم بمهمة إرسال هذه المجموعة التصويرية إلى المخ.
وهناك شبكة من الأنسجة الحسية على امتداد جلدنا، فإذا قربنا إلى الجلد شيئًا حارا، فإن ثلاثين ألفا من الخلايا الملتقطة للحرارة تحس بهذه العملية، وترسلها فورا إلى المخ، وإذا قربنا إلى الجلد شيئًا باردًا فإن ربع مليون من الخلايا التي تلتقط الأشياء الباردة تحس به وعندئذ يمتلاء المخ بأسرها،
ويرتعد الجسم، وتتسع الشرايين الجلدية، فيسرع مزيد من الدم إليها، ويزودها بالحرارة، وإذا أحست هذه الخلايا بحرارة شديدة، فإن مخابرات الحرارة
توصلها إلى الدماغ، وحينئذ تفرز ثلاثة ملايين من الغدد العرقية تلقائيا عرقا
باردًا إلى خارج الجسم.
والنظام العصبي يشتمل على عدة فروع:
منها: الفرع المتحرك ذاتيا ويقوم بأعمال تحدث ذاتيا في الجسم،
كعملية الهضم، والتنفس، وحركات القلب.
ويندرج تحت هذا الفرع نظامان:
أحدهما النظام الخالق للحركة، والآخر هو المانع لها، وهذا الأخير يقوم بعملية المقاومة والدفاع، ولو ترك الأمر للنظام الأول لازدادت حركة القلب زيادة يترتب عليها موت صاحبه، ولو سيطر النظام الثاني لتوقفت حركة القلب توقفا تاما.
وأقسام هذين النظامين تباشر أعمالها في دقة فائقة، وفي توازن عام، ولكن هنالك حالات يزداد فيها نشاط أحد النظامين فالنظام الأول يتغلب عند الضغط واحتياج القلب إلى قوة، مسعفة وعندئذ تزيد سرعة عمليات القلب، والرئة. والنظام الثاني يتغلب عند النوم فيسود السكون جميع الحركات
الجسمية.
(1)
إن العلم الذي يقرر هذه الحقائق وأمثالها لا يعرف تفسيرًا لها وتعليلاً، وإنما يعرفه المؤمن من خلال قول الله تعالى للناس: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا منه) [الجاثية: ??]، وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جمِيعًا) [البقرة: (29)].
إن القول بأن هذا كله إنما حدث صدفة وبدون خالق عليم حكيم
جنون، وصممٌ وعمى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنا فِي أَصْعَبِ السَّعِيرِ)
[الملك: (10)].
ه - التربية الضالة المنحرفة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ((2)).
وقد تستمر تلك التربية الضالة بصاحبها حتى يموت عليها، أغلف القلب، أعمى، أصم أبكم، فيكون من أهل النار، وما أكثر ما يفسد عقول
الناشئة وإيمانهم زخارفُ أقوال بعض المعلمين والكتاب، والمتجبرين.
وقد تهيأ لصاحب تلك التربية الضالة فرصة يبصر فيها خلاف ما كان
(1) من كتاب: الإسلام يتحدى للأستاذ وحيد الدين خان، مفرقاً.
(?) رواه البخاري ومسلم، وتقدم.
عليه، فيعود إلى الفطرة إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، كما سمعنا ونسمع عن مشركين ملاحدة عادوا إلى الإيمان ومنهم من عاد إلى الإسلام الحق،
والحمد لله.
هذه ابنة ستالين (سفيتلانا) ولدت في بيت شيوعي، أبوها ذلك الوحش - كما يصفه كاتب شيوعي يوغسلافي، كان من أحبابه - الذي قتل الألوف من مخالفيه، وأقام على حكم روسيا في شدة وبطش نحوا من ثلاثين عاما، وأمها روزا اليهودية، ومع ذلك فقد آمنت سفيتلانا بالله تعالى، ثم أعلنت إيمانها، حين أمكنتها فرصة الخروج من بلادها، قالت: غير أني بعد أن شببت عن الطوق، دخل في قلبي أنه مستحيل أن يعيش الإنسان دون الشعور ولو في قلبه بوجود الله يحيي ويميت، ويهيمن على كل شيء في الوجود، ولقد توصلت إلى هذا العقيدة بدون أي إرشاد، أو عظة من أي شخص ولكن هذا في حد ذاته كان تغيرًا عظيمًا في فكري، مما دفعني إلى التقليل من أهمية المباداء، الشيوعية، الملحدة ومن ثم فَقَدْت هذه التعاليم
6
(1)
قوتها في نفسي " أما أوبارين رئيس معهد الكيمياء الحيوية في روسيا، الذي ظل (??) عاما يبحث عن أصل الحياة، وما إذا كان من الممكن إيجاد الخلية الأولى عن طريق تفاعل كيماوي، فقد قال: إن الحياة لا يمكن أن تبدأ من العدم، أو أن تتولد من التفاعل الكيميائي، والتوالد، الذاتي، وإن العلم لا يمكن أن يخوض فيما وراء
حدود المادة.
هذا الرجل حين قيل له: فماذا تقول في هذا الوجود القائم؟ قال كلاما يردد فيه صوت سيده مما لا علاقة له بالعلم والعقل! قال: لعل الحياة جاءت
(1) أركان الإيمان،
إلى الأرض من كواكب أخرى، ثم ترعرعت في هذه الأرض حتى كان فيها الإنسان ما أحراه أن يقال فيه ((1)):
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
إنَّ الجنون فنون وقد يظهر على ألسنة أقوام يُسَمَّون علماء كيمياء!.
فإذا سمعت هكسلي يقول: لو جلست ستة من القرود على آلة كاتبة، وظلت تضرب على حروفها ملايين السنين، فلا يستبعد أن تجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، فكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة عمليات عمياء ظلت تدور في المادة لبلايين
السنين!!!
فلا تستهزاء به، ولا تضحك عليه ولكن قل الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به كثيرًا من خلقه، ثم دعه، وخذ بقول من قال: إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة حادث اتفاقي، شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة. وذلك محال عادة.
التوسل إلى الله:
فإن قيل: أليس التوسل إلى الله تعالى بشيء، أو بأحد، شركا به سبحانه؟ أجيب: لا، لا تنافي بين توحيد الله تعالى والتوسل إليه سبحانه، قال تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة) [المائدة: (35)]. إن التوسل إلى الله يعني: التقرب إلى الله بما يصح التقرب به إليه، طلبًا للقرب منه سبحانه، والدرجة عنده، أو لقضاء حاجة بحصول نفع، أو دفع ضرر.
(?) انظر: كتاب الله جل جلاله للشيخ سعيد حوى، والجانب العاطفي في الإسلام للشيخ محمد الغزالي.
صوره:
(1) - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه سبحانه، أو صفة من صفاته: سمع رسول الله ل رجلا يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد»، فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى» (?)
(2) - التوسل إليه سبحانه بطاعة من الطاعات:
كالصلاة والصيام والحج، والجهاد، وقراءة القرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تُرد دعوتهم، الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين
(?)
- التوسل إليه سبحانه بعمل من الأعمال الصالحة:
كتوسل الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار بأعمالهم الصالحة الخالصة لوجهه سبحانه من بر الوالدين والتعفف عن الزنا، وإعطاء الأجير حق أجره، حتى كشف الله تعالى عنهم الغمة، وانزاحت الصخرة عن فم الغار، فخرجوا
يمشون والخبر في البخاري.
(4) ـ التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم:
جواز التوسل:
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن قولهم في الاستسقاء: ولا بأس
(1) رواه الترمذي وحسنه أبو داود في الوتر ?? وإسناده صحيح؛ ورواه أحمد
(346) / (5)
(?) رواه الترمذي: جنة (2)، دعوات ???
بالتوسل بالصالحين، وقول: أحمد: ويتوسل بالنبي خاصة، مع قولهم: إنه
لا يستغاث بمخلوق.
فقال: فالفرق ظاهر جدا، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعض العلماء يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي، وأكثر العلماء عنده - ينهى عن ذلك ويكرهه، فهذه مسألة من مسائل الفقه، وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور من أنه مكروه، فلا ننكره على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد (?).
فهذا الكلام من الشيخ يدل على جواز التوسل عنده، غاية ما يرى أنه مكروه في رأيه عند الجمهور، والمكروه ليس بحرام فضلاً عن أن يكون بدعة أو شركا. اهـ ((2)).
قال ابن مفلح تلميذ ابن تيمية في كتاب الفروع له: ويجوز التوسل بصالح، وقيل: يستحب. قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي: إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه. وجزم في المستوعب وغيره. وقال في كشف القناع: قد استسقى عمر بالعباس ومعاوية بيزيد بن الأسود واستسقى به الضحاك مرة أخرى. ذكره الموفق والشارح. وقال السامري وصاحب التلخيص: إنه لا بأس في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين وقال في المذهب: يجوز التوسل برجل صالح، وقيل: يستحب. اهـ (?).
وقال الشيخ المالكي حفظه: مولاه على أن الشيخ ابن تيمية في بعض المواضع من كتبه أثبت جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم دون تفريق أو تفصيل بين حياته
(?) فتاوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من مجموعة مؤلفات الشيخ، القسم الثالث ص (68).
ص
(?) مفاهيم يجب أن تصحح. (?) براءة الأشعريين (1) / ???.
وموته وحضوره وغيابه. ونقل عن الإمام أحمد والعز بن عبد السلام جواز
ذلك (1).
عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع
الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت، فهو خير لك»، قال: فادعه قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني
|
أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي فشفعه في ((2)).
ولقد أخطأ من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا للرجل، فاستفاد الرجل من
دعاء رسول الله له، وأنه لا يتوسل به بعد انتقاله وموته.
والجواب عليه بأمور:
? - ظاهر الحديث: فليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للرجل بشيء، فذلك التأويل دعوى عليه دون برهان
(2) ـ الرواية التالية، تبين أن المراد دعاء الرجل بنفسه متوسلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم لا دعاء الرسول أو غيره له عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف، فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: إيت الميضأة، فتوضأ، ثم انتِ المسجد، فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي
(?) الفتاوى الكبرى (1) / (105).
(?) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه؛ ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة؛ والحاكم وصححه وسلمه الذهبي وابن ماجه وابن السني
وغيرهم.
الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي حاجتي واذكر حاجتك، ثم
رح حتى أروح. فانطلق الرجل، وصنع ذلك، ثم أتى باب عثمان بن عفان، فجاء البواب، فأخذه بيده، وأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها. ثم قال ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت هذه الساعة. فقال: انظر ما كانت لك من حاجة فائتنا.
ثمَّ إنَّ الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إليَّ حتى كلَّمْتَه، فقال له عثمان بن حنيف: ما كلمته، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير، فشكا له ذهاب بصره ... وذكر الحديث، وفيه: قال عثمان: فوالله ما تفرقنا، ولا طال بنا الحديث، حتى دخل الرجل، وكأنه لم يكن فيه ضير (قط) (?).
(3) - المؤمن يعلم أن حالته في حياته عند الله كحالته بعد موته فهو على كل حال لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله تعالى، فإباحة التوسل به حال حياته ومنع ذلك بعد انتقاله فيه شبهة اعتقادية خطيرة، كأنها تعني أن أحدًا يملك مع الله شيئًا، ومعلوم أن رتبة النبوة لا تنقطع بالموت، إن التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم توسل بنبوته، وحياته المباركة وأعماله الصالحة.
والتوسل بالأنبياء والصالحين هو توسل بذوات الأنبياء والصالحين
المتصفة بالإيمان بالله تعالى وطاعته.
فالتوسل بالذات لا ينفك عن التوسل بالأعمال الصالحة. فلا ينبغي أن يقوم كبير خلاف وخصام بين المسلمين على التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم،
(1) رواه الحاكم والطبراني في معجمه الكبير». انظر: مفاهيم يجب أن تصحح ص (136)؛ والترغيب والترهيب (475) / (1).
أو بأحد من الصالحين بعد ما تبين الحق، والله أعلم (?).
مخالفته تعالى للحوادث أو مُغَايَرته للمخلوقات:
[11
قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:
وكل ما خطر ببالك في حق الله تعالى فالله تعالى بخلاف ذلك.
الله سبحانه مغاير لمخلوقاته، فوجوده سبحانه ليس كوجود الخلق ووحدانية الله تعالى وكذا بقاؤه، وقدرته، وعلمه وإرادته سبحانه؛ لا يشبه الله تعالى أحدا من خلقه في شيء مما ذكر، ولا يشبهه سبحانه شيء من خلقه في
(?)
شيء مما ذكر. وكل ما أوهم مشابهة الله تعالى بشيء من خلقه، أو مشابهة شيء من خلقه له، فلا بد من ترك التعرض لتأويلها، مع القطع واليقين باستحالة ظواهرها على الله تعالى) ولقد كان السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم يكرهون الخوض في المتشابهات مثل صفات الله تعالى، ويعاقبون من يخوض طلبا للشبهة، أو تحريكا لقلوب المنافقين والملاحدة للجرأة على الله تعالى، قال الله تعالى: هو هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ وَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: (7)]
(1) انظر: مصباح الزجاجة في فوائد قضاء الحاجة للمحدث عبد الله الصديق الغماري فقد أطنب في سرد طرق الحديث وشرحه.
(?) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (14) / (4).
قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن
تفسير الحروف المشكلات في القرآن لأن السائل إن كان يسعى بسؤاله تخليد البدعة، وإثارة الفتنة، فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده، فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلاً إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل، وحقائق التأويل.
فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار، أن صبيغ بن عسل قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، وعن أشياء، فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فبعث إليه، عمر فأحضره، وقد أعد له عراجين من عراجين النخل فلما حضر قال له: عمر من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وأنا عبد الله عمر. ثم قام إليه، فضرب رأسه، بعرجون فشجه ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي .. ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه، فتاب، وحسنت توبته (?).
،
ذات الله تعالى وحقيقته مخالفة لذوات وحقائق المخلوقات كلها، فذات الله تعالى واجبة الوجود، لا ابتداء لوجودها، ولا انتهاء لها، ليست ذاته سبحانه مؤلفة من أبعاض وأجزاء كذوات المخلوقات كلها، لا يحتاج إلى حيّز ومكان، لا تعرض له الجهات الست مثل سواه سبحانه مما خلق ولا يفتقر إلى شيء مما خلق من هواء وماء وطعام كما يحتاج إليه كلُّ ما خلق سبحانه، ولو شابه سبحانه خلقه في شيء من ذلك، لكان مماثلاً وموافقًا لشيء من خلقه، وذلك
(1) القرطبي (15) / (4).
محال، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْةٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:
[(11)
صفات الله تعالى مخالفة لصفات المخلوقات التي خلقها؛ فصفة السمع
والبصر من صفاته سبحانه لا تشبه شيئاً من صفتي السمع والبصر في خلقه. فخلقه يسمعون بآذان جعل الله فيها قابلية تبلغ الأصوات عن طريق الهواء، وقرب المسافة والانتباه والخلو من الأمراض، وأمثال ذلك، جعل لها تلك القابلية مع توفر تلك الشروط .. ومثله يقال في البصر وأمثاله .. ولا تعلم كيفية اتصاف الله تعالى بصفتي السمع والبصر ذلك لأن ذاته سبحانه مجهولة التحديد لدى الخلق فصفاته كذلك، وإن كنا نقطع أنهما ليسا
جنس صفات الخلق.
،
من
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: (وهو شيء لا كالأشياء، ومعنى
الشيء إثباته بلا جسم، ولا جوهر، ولا عَرَض، ولا حد له، ولا ضد له، ولا ندَّ له ولا مثل له (?). وله يد ووجه ونفس، فما ذكره الله تعالى في القرآن مع ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات، بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته، أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف) (?).
(?) لأن الحد. من طول، وقصر واحتواء وجهة من خواص الأجسام، لا ضد له تعالي أي لا منازع له سبحانه في ملكه ولا شبيه ولا كفؤ ولا مماثل، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ). ((2)) أي بلا معرفة كيفية؛ لعجزنا عن معرفة كنه، صفاته، فضلاً عن معرفة كنه ذاته. (الفقه
الأكبر بشرح علي القاري. وانظر: منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر ص ??? وما بعدها، للمؤلف.
القول في المتشابهات
ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة ما يوهم مشابهة الله تعالى لخلقه
6
في الذهاب والمجيء والجهة، والمعية والاستواء، والنزول، وغير ذلك، فكيف التوفيق بين إثبات ظواهر ذلك، وبين قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: (11)]؟.
الجواب: إن التوفيق هو في حمل المتشابه من النصوص على المحكم منها، وتفويض المعنى الحقيقي إلى الله تعالى مع التنزيه عن مماثلته سبحانه
للخلق.
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى بعد کلام: اعلم أن الحق الصريح ا الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف ـ أعني مذهب الصحابة والتابعين ـ وها أنا أورد بيانه و بيان برهانه، فأقول:
حقيقة مذهب السلف - وهو الحق عندنا - أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث - المتشابهة - من عوام الخلق يجب عليه سبعة أمور: التقديس، والتصديق، ثم الاعتراف بالعجز، ثم السكوت، ثم الإمساك،
ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة.
(1) - أما التقديس: فأعني به تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن الجسمية
وتوابعها.
(2) - وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله، وأن ما ذكره حق وهو
فيما قاله صادق، وأنه حق على الوجه الذي قاله وأراده. (3) ـ وأما الاعتراف بالعجز فهو أن يقرَّ بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته.
(4) ـ وأما السكوت: فأن لا يسأل عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن
-
سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه مُخاطِر بدينه وأنه يوشك أن يكفر لو خاض
فيه من حيث لا يشعر.
ه - وأما الإمساك: فأن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه (?)، والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا
بذلك، وعلى ذلك الوجه من الإيراد والتعريف والتصريف.
(6) - وأما الكف: فأن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكير فيه.
- وأما التسليم لأهله: فأن لا يعتقد أن ذلك إن خفي عليه لعجزه فقد
خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على الأنبياء أو على الصديقين والأولياء. فهذه سبع وظائف اعتقد كافة السلف وجوبها على كل العوام لا ينبغي أن
يظن بالسلف الخلاف في شيء منها. اهـ.
فإن قيل: إنَّ الله تعالى قد أثبت الفوقية لنفسه على خلقه، فقال سبحانه: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: ??]، وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: (1)].
الجواب: إن المراد هو فوقية رتبة ومكانة لا فوقية جهة ومكان، لقد قال فرعون فيما حكى الله عنه: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ فَهِرُونَ [الأعراف: (127)] ولا يعني قطعا أنهم ادعوا فوقية مكانٍ وَجهَةٍ على موسى عليه السلام وقومه.
(1) فلا تترجم كلمة استوى في لغة أخرى إلى معنى استقر، ولا يحول مثل الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى، فيقول: إنه سبحانه يستوي على العرش، أو هو مستو، لأن ذلك مما لم يرد به نص، فانظر إلى الحيطة والأدب مع الله تعالى في هذا الشأن، من هذا العلم، رحمه الله تعالى.
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهو يشرح الوظيفة الأولى وهي التقديس التي سردناها آنفًا: إذا سمع لفظ (فوق) في قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَيرُ} [الأنعام: ??]، وفي قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم من فَوْقِهِمْ} [النحل: (50)]، فليعلم أن الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم، بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل، يعني أن الأعلى من جانب رأس الأسفل، وقد يطلق لفوقية الرتبة، وبهذا المعنى يقال: الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الوزير وكما يقال: العلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة.
و (الأول) يستدعي جسمًا ينسب إلى جسم، و (الثاني) لا يستدعيه. فليعتقد المؤمن قطعا أن الأول غير مراد، وأنه على الله تعالى محال فإنه من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام.
وإذا عرف نفي هذا المحال فلا عليه إن لم يعرف أنه لماذا أطلق؟ وماذا أريد؟ وقد خفف الله عنه هذه الكلفة، وأمثلة هذا كثيرة، فقس على ما ذكرناه ما
لم نذكره (?). وإن قال قائل: ما الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إطلاق هذه الألفاظ الموهمة مع الاستغناء عنها؟ أكان لا يدري أنه يوهم التشبيه، ويُغلط الخلق، ويسوقهم إلى اعتقاد الباطل في ذات الله تعالى وصفاته؟! وحاشا منصب النبوة أن يخفى عليه ذلك. أو عرف لكن لم يبال بجهل الجهال، وضلالة الضلال؟! وهذا أبعد وأشنع؛ لأنه بُعِثَ شارحًا لا مبهما ملبسًا ملغزًا.
(1) انظر: أضواء البيان للشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى ???/?؛ وكبرى اليقينات، للشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص ??؛ وشرح جوهرة التوحيد، للشيخ محمد أديب الكيلاني وزميله ص ???؛ وأركان الإيمان ص ??،
للمؤلف.
وهذا إشكال له وقع في القلوب، حتى جر بعض الخلق إلى سوء الاعتقاد فيه، فقالوا: لو كان نبيًّا لعرف الله، ولو عرفه لما وصفه بما يستحيل عليه في ذاته وصفاته. ومالت طائفة أخرى إلى اعتقاد الظواهر، وقالوا: لو لم يكن حقا لما ذكره كذلك مطلقا، ولعدل عنها إلى غيرها أو قرنها بما يزيل الإبهام عنها.
فما سبيل حل هذا الإشكال العظيم. .. ؟!
الجواب - كما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ـ: الجواب: أن هذا الإشكال منحل عند أهل البصيرة.
وبيانه أن هذه الكلمات ما جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة، وما ذكرها، وإنما جمعها المشبه. وقد بينا أن لجمعها من التأثير في الإيهام والتلبيس على الأفهام ما ليس لأحادها المتفرقة، وإنما هي كلمات لهج بها عليه السلام في جميع عمره في أوقات متباعدة؛ وإذا اقتصر منها على ما في القرآن والأخبار المتواترة، رجعت إلى كلمات يسيرة معدودة؛ وإن أضيفت إليها الأخبار الصحيحة فهي أيضًا قليلة، وإنما أكثرت الروايات الشاذة الضعيفة التي لا يجوز التعويل عليها ثم ما تواتر منها إن صح نقلها عن عدول فهي كلمات آحاد، وما ذكر كلمة منها إلا مع قرائن وإشارات يزول معها إيهام التشبيه، وقد أدركها الحاضرون المشاهدون، فإذا نَقَلَ الألفاظ مجردة عن تلك القرائن
ظهر الإيهام. وأعظم القرائن في زوال الإيهام المعرفة السابقة بتقديس الله تعالى عن قبول الظواهر ومن سبقت معرفته كانت تلك المعرفة ذخيرة له، راسخة في نفسه، مقارنة لكل ما يسمع، فينمحق معه الإيهام انمحاقا لا شك فيه. ويعرف هذا بأمثلة، أنه سمّى الكعبة بيت الله تعالى وإطلاق هذا يوهم عند الصبيان، وعند من تقرب درجتهم منهم أن الكعبة وطنه ومثواه.
لكن العوام الذين اعتقدوا أنه في السماء وأن استقراره على العرش ينمحق في حقهم هذا الإيهام على وجه لا يشكون فيه.
فإن قيل لهم: ما الذي دعا رسول الله إلى إطلاق هذا اللفظ الموهم المخيل إلى السامع أن الكعبة مسكنه؟! لبادروا بأجمعهم وقالوا: هذا إنما يوهم ا في حق الصبيان والحمقى، أما من تكرر على سمعه أن الله مستقر على عرشه، فلا يشك عند سماع هذا اللفظ أنه ليس المراد به أن البيت مسكنه ومأواه، بل يعلم على البديهة أن المراد بهذه الإضافة تشريف البيت أو معنى سواه غير ما وضع له لفظ البيت المضاف إلى ربه وساكنه.
أليس كان اعتقاده أنه على العرش قرينة أفادته علمًا قطعيًا بأنه ما أريد يكون الكعبة بيته أو مأواه وأن هذا إنما يوهم في حق من لم يسبق إلى هذه العقيدة؟ فكذلك رسول الله و مخاطب بهذه الألفاظ جماعة سبقوا إلى علم التقديس، ونفي التشبيه، وأنه منزه عن الجسمية وعوارضها، وكان ذلك قرينة قطعية مزيلة للإيهام، لا يبقى معه شك، وإن جاز أن يبقى لبعضهم تردد في تأويله وتعين المراد به من جملة ما يحتمله اللفظ، ويليق بجلال الله تعالى ... إلخ. اهـ ((1)).
قال الراغب في «مفردات القرآن» وعرش الله عز وجل مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له، تعالى الله عن ذلك، وليس هو كما قال قوم: إنه الفلك الأعلى، والكرسي فلك الكواكب.
(1) إلجام العوام للغزالي رحمه الله تعالى ص (240). ولعل أفضل مرجع للكلام على صفات الله تعالى من خلال النصوص والآثار كتاب ((الأسماء والصفات للبيهقي
تعليق الكوثري وهو مطبوع - فعليك به تغنم
روى البيهقي في الأسماء والصفات بسنده عن عبد الله بن وهب أنه قال: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: (5)] كيف استواؤه؟ فأطرق مالك، وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كما وصف نفسه، ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء وصاحب بدعة، أخرجوه. فأخرج الرجل. وفي رواية يحيى بن يحيى ... ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف
غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وقال البغوي: أهل السُّنَّة يقولون: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به ويَكِلُّ العلم فيه إلى الله عزَّ وجلّ. وذكر حديث مالك بن أنس مع الرجل، وقد تقدم (?).
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: (18)]: يعني تعالى ذكره بقوله نفسه، يقول: والله القاهر فوق عباده، ويعني بقوله القاهر: المذلل المستعبد خلقه العالي عليهم، وإنما قال: فوق عباده، لأنه
وصف نفسه بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيء أن يكون مستعليا عليه.
قال البيهقي: تكرر ذكر الوجه في القرآن والسنة الصحيحة. وهو في بعضها صفة ذات كقوله: «إلا رداء الكبرياء على وجهه» وهو في صحيح البخاري عن أبي موسى. وفي بعضها بمعنى مِنْ أجل، كقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ} [الإنسان: ?]. وفي بعضها بمعنى الرضا، كقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ) [الأنعام: (52)] إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعلى) [الليل: (20)]. وليس المراد الجارحة جزما. اهـ. افتح الباري ??: ???.
(1) إتحاف الكائنات، للإمام الجليل ناصر الشنة وقامع البدعة، الشيخ محمود محمد خطاب السبكي ص (45). قام بنشره الشيخ يوسف أمين خطاب، إمام أهل السنة.
وقال ابن حجر في قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:
??] والمراد بالوجه: الذات. وتوجيهه أنه عبر عن الجملة بأشهر ما فيها. ويحتمل أن يراد بالوجه: ما يعمل لأجل الله أو الجاه وقيل: الاستثناء منقطع، والتقدير: لكن هو سبحانه لا يهلك، والشيء يساوي الموجود لغة وعرفا: «الفتح» (12): (402).
وقال ابن دقيق العيد: إن كان التأويل من المجاز البين الشائع فالحق سلوكه من غير توقف، أو من المجاز البعيد الشاذ فالحق، تركه، وإن استوى الأمران فالاختلاف في جوازه وعدمه مسألة اجتهادية، والأمر ليس بالخطر بالنسبة للفريقين ((1))
وقال نُعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما
وصف به نفسه فقد کفر
(?)
وقال ابن المُنير في شرح حديث البخاري: إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه وقد سُئِلْتُ: هل يجوز لقاراء هذا الحديث، أن كما يصنع صنع رسول الله؟ فأجبتُ وبالله التوفيق: إنه إن حضر عنده مَنْ يوافقه على معتقده، وكان يعتقد تنزيه الله تعالى عن صفات الحدوث، وأراد التأسي محضًا جاز والأولى به الترك خشية أن يُدْخِل على من يراه شبهة التشبيه تعالى الله عن ذلك (?).
وقال ابن حجر في التعليق على قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ استوى) [طه: (5)] وقال المجسمة: معناه الاستقرار. وهو قول فاسد؛
(?) إتحاف الكائنات، ص ???
(?) إتحاف الكائنات، ص
((3)) الفتح (390) / (12).
لأن الاستقرار من صفات الأجسام، ويلزم منه الحلول والتناهي، وهو محال في
حق الله تعالى ولائق بالمخلوقات.
وقال الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل: ولم يقع ذكر الجهة في حق الله في كتاب الله ولا في سنّة رسوله ولا في لفظ صحابي أو تابعي ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة، وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلاً، فضلاً عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة.
،
وما أحسن قول شارِحَي «الجوهرة» حول المتشابه من الصفات: والخلاصة أن من لم يصرف اللفظ المتشابه - آية كان أو حديثا ــ عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال فقد ضل ومن فسره تفسيرًا بعيدا عن الحجة والبرهان قائمًا على الزيغ والبهتان فقد ضل كالباطنية، وكل هؤلاء يقال فيهم: إنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة. أما من يصرف المتشابه عن ظاهره بالحجة القاطعة، لا طلبًا للفتنة، بل منعا لها، وتثبيتا للناس، على المعروف من وردا لهم إلى محكمات الكتاب القائمة، فأولئك هم هادون مهديون حقا، وعلى ذلك درج سلف الأمة وخلفها وأئمتها وعلماؤها (?).
دينهم،
حكمة الله تعالى
الحكمة هي وضع الأمر موضعه فهداية المهتدي وإثابته حكمة، وإضلال الضال وعقوبته حكمة.
(?) شرح جوهرة التوحيد، للشيخين محمد أديب الكيلاني وعبد الكريم التتان. وانظر لزاما: دفع شبه التشبيه الخطيب بغداد وواعظها أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي رحمه الله تعالى.
لقد وصف الله تعالى نفسه بالحكمة، فقال سبحانه: {وَاللهُ عَزِيزُ حكيم) [البقرة: (228)].
ولنذكر هنا بعض مظاهر حكمة الله تعالى في خلقه:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان حكمة الله في خلقه الإنسان: فأعد الآن النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية من الذي دبرك بألطف التدبيرات، وأنت جنين في بطن أمك، في موضع لا يد تنالك، ولا بصر يدركك، ولا حيلة لك
في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر؟!
فمن الذي أجرى عليك من دم الأم ما يغذوك، كما يغذو الماء النبات، وقلب لك الدم لبنا، ولم يزل يغذيك في أضيق المواضع، وأبعدها من حيلة التكسب والطلب، حتى إذا كمل خلقك، واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصَلُبَتْ عظامك على مباشرة الأيدي والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمك، فأزعجك على الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء، فركضك الرحم ركضة من مكانك كأنه لم يضمك قط، ولم يشتمل عليك فيما بعد ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وضعت وبين هذا الدفع والطرد والإخراج، وكان مبتهجا بحلمك، فأصبح يستغيث، ويعج إلى ربك من ثقلك؟!
نطقة،
فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت ثم ضمه عليك حتى حفظت، وكملت، ثم فتح ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر، لم يخنقك ضيقه، ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه؟!
فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه، لذهب بك
العجب كل مذهب. فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك، وأنت نطفة حتى لا تفسد
هناك؟! وأوحى إليه أن يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليما، إلى أن خرجت فريدًا وحيدًا ضعيفًا، لا قشرة ولا لباس، ولا متاع ولا مال، أحوج خلق الله وأضعفهم وأفقرهم، فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءك على صدرها كما حملتك في بطنها، ثم ساقه إلى تينك الخزانتين، ألطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت
له، فلا يزال واقفا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة، فيجري وينساق إليك، فهو بئر لا تنقطع مادتها ولا تفسد طرقها، يسوقها إليك في طرق لا يهتدي إليها الطُّوَّاف، ولا يسلكها الرجال. فمن رفقه لك وصفاه، وأطاب مطعمه، وحسن لونه وأحكم طبخه أعدل إحكام لا بالحار المؤذي
ولا بالبارد الرديء، ولا المر، ولا المالح ولا الكريه الرائحة؟!. . .؟! (?). جعل الله تعالى رضاب الفم عذبًا لا مرارة فيه وجعل سبحانه ماء العين مرا لا حلاوة فيه، فلو جعل سبحانه رضاب الفم مالحا وماء العين حلوا، لما طابت لنا الطيبات، ولفسدت رائحة ماء العين فلا يدنو أحد من أحد. وجعل الله تعالى الأوكسجين حارقًا، والهيدروجين خانقا ولما جمع
بينهما جعلهما ماء، وجعل منه كل شيء حي.
قضى الله تعالى بحكمته في تكون المطر أن يكون تبخرا من الماء المالح يفقد الماء ملوحته، ثم يصاعد البخار في السماء ويصاعد، حتى يبلغ درجة من البرودة تعيد البخار ماء، ثم تجمع الرياح سحب الأمطار، وإذا أذن الله تعالى بنزول الأمطار في مكان أنزل منها حبات ناعمة دقيقة متفرقة على أوقات وأماكن متعددة، ولو نزل مطر السنة في يوم أو نزل مجموع حباته في قرية لأهلك
(1) مفتاح دار السعادة (256) / (1)، وحبذا قراءة الكتاب كله، فقد أورد ص (304) من الحكم المختلفة الدالة على حكمة الله تعالى وتمام فضله وإحسانه.
الحرث والنسل، لكنه لطف الله تعالى القائل: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ
فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ} [المؤمنون: ??].
تبلغ سرعة الأرض في دورتها اليومية حول محورها ((1000)) ميل في الساعة عند خط الاستواء، فلو كانت سرعة دورتها (???) ميل في الساعة لكان طول الليل والنهار عشرة أضعاف طولهما الآن ولاستطاعت حرارة الشمس أن تحرق نباتنا في النهار الطويل، وكذلك استطاع الليل لغياب الشمس أن يجمد نباتنا الذي ربما بقي حيا بعد وهج الشمس الطويل: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) [الأعراف: (54)] ((1)).
ما يهدم الإيمان بالله تعالى
الإيمان: هو التصديق بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة. أي علم أنه من الدين بالدليل القطعي الواضح والذي ثبت به بداهة ما يقرره من أحكام.
-
• والكفر والردة كفر - هو: إنكار جميع أو بعض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفة التي ذكرتُ.
وكل ما يؤدي إلى الكفر كفر، سواء كان بالاعتقاد، أو القول، أو العمل. . لا نكفر أحدا من أهل القبلة بفعل ذنب إلا باعتقاد باطل، أو فعل ما يدل على الكفر ((2)).
يهدم الإيمان بالله تعالى الارتداد عن الإيمان به سبحانه، والخروج عليه مع العلم والاختبار دون القهر والإكراه.
(?) آيات الخالق الكونية والنفسية، للأستاذ رشدي العابري.
((2)) يأتي بهذا زيادة بإذن الله تعالى.
ويتحقق الارتداد عن الإيمان بالله تعالى والخروج عن الإسلام بأحد أمور
ثلاثة: بالاعتقاد، والقول والعمل
1 - الارتداد بالاعتقاد:
(أ) أن ينكر - معاذ الله تعالى - وجود الله سبحانه، أو يشرك به غيره من زوجة أو ولد أو معاون له مكافى له سبحانه أو ينكر صفة من صفاته سبحانه أو اسمًا من أسمائه ثابت بالتواتر أو يرى أن مخلوقا له صفات الخالق سبحانه من الإحياء والإماتة والقدرة على فعل ما يريد، والغنى المطلق، والبقاء، وأمثالها.
• أن ينكر كون القرآن الكريم من عند الله تعالى، أو يرى أن القرآن الكريم قد أتاه الباطل، والخطأ، أو يأتيه، أو يرى عدم التزام الصدق في بعض قصص القرآن الكريم وأخباره بعد قوله سبحانه: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) [يوسف: ???]، أو اتهام السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها في عرضها، وقد برأها الله تعالى بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و بالإفكِ عُصْبَةٌ منكر) [النور: (11)]، أو يزعم أن القرآن الذي بين أيدي المسلمين ليس هو كل الذي أنزل على رسولنا
محمد صلى الله عليه وسلم
أن يعتقد في الله تعالى صفة من صفات النقص، كالظلم، والمحاباة وجهل شيء جرى أو يجري في خلقه ومن خلقه والعجز والتعب، والحاجة إلى شيء.
أو يرى أن الله تعالى هو هذا الكون كله وليس ذاتا موصوفة بصفات الكمال أو يزعم أنه غيب سبحانه، أو أنه يحل في جسم أحد من خلقه، أو يتحد معه، معاذ الله. (ب) إنكار وجود الملائكة الكرام، أو نسبتهم إلى الأنوثة، وأنهم بنات