الجزء 1 · صفحة 7
عمدة الرعاية
على شرح الوقاية
للإمام عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي الحنفي
توفي سنة (1304هـ)
متن الوقاية لبرهان الشريعة (ت673هـ) في الأعلى
ويليه شرح الوح الوقاية لصدر الشريعة (ت747هـ)
ويليه عمدة الرعاية على شرح الوقاية لمحمد عبد الحي اللكنوي
ويليه غاية العناية على عمدة الرعاية للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
تحقيق وتعليق: الأستاذ الدكتور صلاح بو الحاج
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعلى شأن عباده المتقين، وجعل منهم الأنبياء والمرسلين، وهدى بهم إلى الصراط المستقيم، وأرشد بهم إلى السبيل القويم، وأظهر منهم العلماء العاملين، فأقاموا براهين الدين، وكانوا صدور الشريعة الغراء، فأحيوا الدين، ووقَوه بعنايتهم وفتوحهم، وهدوا الخلق بمختاراتهم البديعة، وأتحفوا البشر بانتقاءاتهم الرائقة، وفاقوا البشرية بمواهبهم الزائدة.
فكان علمهم عمدة الدين، ودرراً للحكام، وغرراً للأحكام، ومرداً للمحتار، ودراً للمختار، وشرعة للإسلام، ونوراً للفلاح، وينابيع للمعرفة، ومستصفىً من الكدور، وكنزاً للدقائق، وجوهرةً نيرةً للحقائق، وإعلاءً لسنن الدين، وملتقىًً لبحره العميق، وموضحاً لوسائله، وبانياً وكافياً لمرامه.
والصلاة والسلام على خير الخلق، سيدنا محمد، النبي الأمي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن من أعظم ما ينبغي أن يتوجّه إليه همّ أصحاب الهمم العالية، هو علم الفقه في الدين، بعد أن صار بحليته الصافية النقية التي ورثناها عن سلفنا وخلفنا نسياً منسياً، وحلَّت محلّه الأهواء الزائغة والضلالات الفارغة، حتى آل الأمر إلى أن ينطقَ من يشاء بما شاء من حكم الله - جل جلاله -، بلا قيد ولا شرط، وعاش الناس فوضى لا مثيل لها، وتخبطوا في أحكام الدين بما لا نظير له.
وشاع الطعن واللعن والتكفير بين المسلمين بما يطول ذكره، ويعجز اللسان عن وصفه، ومعرفة الحال تغني عن كثير من المقال.
ولا سبيل للمسلمين للخروج من هذه الورطة الظلماء، إلا بالتمسّك بهدي سلفهم الصالح، وخلفهم الفالح فقهاً وعقيدةً وسلوكاً، وتعليماً وتدريساً وتأليفاً، المتمثلة بمنهج أهل السنة والجماعة.
الجزء 1 · صفحة 9
لذلك توجَّهت قبل أكثر من عشر سنوات إلى العمل في هذا السِّفْر العظيم؛ لِمَا رأيت فيه من الدرر واللالئ، والفوائد النافعة، والمختارات الرائعة، والتحقيقات البديعة، والتدقيقات اللطيفة، كيف لا، وهو لأكبر المحقّقين من الفقهاء والمحدِّثين، جامع علوم المعقول والمنقول، مولانا أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي الحنفي الهندي، الذي شاع صيته، وذاع ذكره في العالمين، بقلمه السيال، وذهنه الوقَّاد، فكان مضرب العمل في حاله ومقاله.
وإن مَن ينظر إلى عمدته هذه يرى فيها الآيات البديعة في إنصافه واعتداله، ورسوخ قدمه، وسعة علمه، ودقّة فهمه، وتمسّكه بهدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً في المتن والشرح إلا وبيَّنها ووضحها، وأبان ما لها وما عليها، وعرض الخلاف الفقهي في داخل المذهب فيها، وأشار للمصحح والمفتى به منها، واهتم بالاستدلال لفروع مسائلها، وهذا على وجه الإجمال.
وأما على التفصيل فإن هذا السفر يتكوَّن من أربعة كتب:
الأول: وهو المتن، ويُسمَّى «وقاية الرواية في مسائل الهداية» لبرهان الشريعة محمود بن أحمد بن عبيد الله المحبوبيّ البُخاريّ؛ إذ استخلص فيه مسائل «الهداية» للمرغيناني مسقطاً لدلائله، ومزيداً على بعض مسائله، ومخالفاً لبعض ترجيحات صاحب «الهداية» على حسب ما يراه مشايخ بخارا؛ لأن المرغينانيّ من سمرقند، وبرهان الشريعة من بخارا، وهما مدرستان فقهيتان وأصوليتان مشهورتان عند السادة الحنفية، لكلّ منهما علماؤها ومشايخها العظام الأفذاذ.
ويعدُّ هذا المتن من أمتن المتون عند الحنفية، فهو من المتون الثلاثة المعتمدة في الفتوى في المذهب؛ لما امتاز به من نقل المعتمد والراجح والصحيح لديهم وعدم الخروج عنه، ولدقّة عبارته في اشتمالها لطائف المسائل في أوجز عبارة وأجزلها.
الجزء 1 · صفحة 10
فكان محلّ نظر العلماء الكملة، وتقرّر درسه وتدريسه طوال القرون والعهود السابقة، فكان يدرس في مدارس الدولة العثمانية، ويقرؤه كلّ مَن يريد أن يتولّى القضاء والإفتاء والتدريس وغيرها من الشؤون الدينية.
وأيضاً ما زال مقرّراً في الدرس النظامي الذي مشى عليه علماء الهند في التدريس والتفقيه منذ مئات السنين، وكذلك في مختلف بقاع العالم الإسلامي لا سيما في الجمهوريات الإسلامية التي استقلت عن روسيا.
وكثير من المتون المشهورة في المذهب الحنفي اعتمدت عليه واتخذته أساساً في بنائها، مثل غرر الأحكام لملا خسرو، والإصلاح لابن كمال باشا، وملتقى الأبحر للحلبي وغيرها، فهنيئاً لِمَن ضبطه وحفظه وأتقنه وعرف مسائلها، فهو في المقام الأعلى لأهل الفقه.
الثاني: هو الشرح المشهور بـ «شرح الوقاية» لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي، المتوفى سنة (747هـ)، حفيد برهان الشريعة مؤلّف المتن، وهو أبرز الشروح على «الوقاية»، كيف لا، وهو لأحد أكبر المحققين والمدققين في الفروع والأصول صاحب «التوضيح شرح التنقيح» في أصول الفقه، الذي كان نبراساً في علم الأصول، محطاً لأنظار العلماء، ومحلاً لفهم الفقهاء.
وقد اشتهر هذا الشرح للوقاية باسم مؤلّفه، فكثيراً ما يذكرونه في كتب الفقه باسم «صدر الشريعة»، ويمتاز بسلوك مؤلّفه فيه طريقاً وسطاً، فليس شرحاً موجزاً بالإيجاز المخلّ ولا مطولاً بالتطويل الممل.
واهتمّ صدر الشريعة فيه بالتدليل لمسائل «الوقاية» بالمنقول والمعقول على وجه الاختصار، مع ذكره خلاف الشافعي - رضي الله عنه - في كثير من مسائله، والإشارة إلى خلاف مالك - رضي الله عنه - في بعضها.
ويعدّ هذا الشرح من أكثر كتب المذهب الحنفي شهرة وانتشاراً واهتماماً وتدريساً وتعليقاً وتحشية، حتى ألفت عليه مئات الحواشي، كما بيَّنت ذلك في «مقدمة منتقى النقاية».
الجزء 1 · صفحة 11
الثالث: عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية للإمام العلامة الفقهية المحدث الأصولي عبد الحي اللكنوي، فهي أفضل حاشية على هذا الشرح؛ لما امتازت به من أمور عن غيرها من الحواشي العديدة على هذا الكتاب العظيم، منها:
أولاً: الاستدلال لمسائل الفقه المذكورة في الشرح من السنة النبوية، بطريقة لم يسبق فيها؛ لسعة اطلاعه على الأحاديث ومعرفته بمظانها، وحفظه لها، وهذا من أكبر ميزات هذه الحاشية؛ لأنها تربط الفقه بدلائله الأصيلة، مما يثلج قلب القارئ الكريم، ويجعله في طمأنينة في أحقية ما بين يديه من الأحكام الفقهية، وإن كان علماؤنا الكرام وفقهاؤنا العظام لا يتكلمون بشيء من عقولهم المجردة، وإنما بالاستناد للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذا الكتاب يؤكد هذه الحقيقة الساطعة التي غفل عنها الكثيرون، فضلّوا وأضلّوا كثيراً من الخلق.
ولو لم تكن في هذا السفر إلا هذه الميّزة لكفته رفعة وشهرة؛ لأننا في هذا الزمان اهتممنا كثيراً بمعرفة دلائل المسائل من السنة النبوية المطهرة، وفي هذا الكتاب تلبية لهذا المطلب، حتى حقّ أن يكون موسوعة لدلائل الفقه الحنفي، كما سيلاحظه القارئ الكريم.
ثانياً: الاستدلال بالمعقول لمسائل الفقه، والمراد هاهنا بالمعقول هو القياس الشرعيّ المعتبر المأخوذ من النصوص الشرعية، والمطبق في الأحكام الفقهية، فالعقل الشرعي المنضبط يلاحظ ما بين أحكامها من تجانس وعلل ومقاصد مشتركة، ويستدلّ لبعضها من بعضها الآخر.
فهو وجه آخر من الاستدلال بالقرآن والسنة بمراعاة علله ومقاصده وحملها على بعضها البعض، وهذا أغلب الاستدلال عند الفقهاء من المتقدّمين والمتأخرين، وهو زبدة الفقه وحقيقته، وبه يتمكن المتفقّه من ضبط الفقه وفروعه المتعددة.
ولأهمية هذا النوع من الاستدلال لم يغفل عنه الإمام اللكنوي، بل اعتنى به غاية الاعتناء، وأكثر منه في تأييد المسائل وتنقيح الدلائل، فلله دره من إمام.
الجزء 1 · صفحة 12
ثالثاً: بيان الراجح والمعتمد والمفتى به في المذهب، فمن المعلوم أن المذهب الحنفي من أكبر مذاهب الإسلام، وفيها من الخلاف والأقوال ما يطول ذكره، فلا بدّ في كلّ قول من معرفة الراجح من المرجوح، وهذا محلّ اهتمام الفقهاء الكبار، للتمكّن من الفتوى والقضاء.
وهذه الميزة ظهرت بصورة واضحة في «حاشية ابن عابدين» حتى فاقت جميع الكتب، والإمام اللكنوي ممن جاء بعد ابن عابدين وغيره من المحققين، فأضاف العديد من تحقيقاتهم في بيان المعتمد والخلاف بين علماء المذهب فيه مع ما تيسّر له من التدقيق والتنقيح لكلامهم وأقوالهم.
وبهذا تكون هذه الحاشية غاية الطلبة والكملة من الوصول إلى ما عليه العمل عند الفقهاء والخلاف الدائر فيه، بالإضافة إلى الاستدراكات اللطيفة والتتبعات الدقيقة لابن عابدين وابن نجيم وغيرهما، وهذا أحوج ما نحتاجه.
رابعاً: شرح عبارات الكتاب وتوضيحها سواء بالرجوع إلى الكتب اللغوية أو الكتب الفقهية المطولة، مما يجعل القارئ على بصيرة في الوصول إلى مقصده بأسهل عبارة، وأقصر مدّة، وأقل جهد.
فأكثر مسائل الشرح يقوم الإمام اللكنوي بتصويرها تسهيلاً على المتفقّهه في تصوّرها وفهمها ودركها، وهذا أمر في غاية الأهمية لفهم الفروع الفقهية لضبطها وحفظها والتمكن من درسها وتدريسها والإفتاء بها.
خامساً: الإكثار من الفروع الفقهية التي يحتاجها الناس في حياتهم، وهذا أيضاً محل اهتمام المتفقّه لضبط المسائل ومعرفتها بكثرة الإطلاع على تفريعاتها؛ لذلك لم يغفل عنه الإمام اللكنوي، وأكثر منه، حتى كان هذا الكتاب موسوعة في بيان المسائل الفقهية وتفريعاتها.
سادساً: التنبيه على مسامحات الشارح البارع، والإشارة إليها ليكون قارئ الشرح على بصيرة بها، فلا يغترّ ولا يقع بها.
الجزء 1 · صفحة 13
وهذه ميزة عظمية في تدقيق العلماء وراء بعضهم البعض وبيان ما وقع منهم من السقطات والغفلات؛ لأنهم بشر يخطئون ويصيبون، ونحن أحوج ما يكون لهذا للوقوف على هذه المسامحات حتى لا نقع فيها؛ لكثرة الرجوع إلى كتبهم والاستفادة منها، وهذا ما فعله الإمام اللكنوي.
والكلام كما ترى على ميزات هذا الكتاب طويل ومتشعب، وفيما ذكر كفاية للمتبصرين في بيان الدرجة العليا التي انتهى إليها هذا السفر العظيم بتحقيقاته البديعة الرائقة، وشرائده وفوائده النافعة، وأترك ما تبقى لنظر القارئ الكريم فيه ليرى ويحكم بنفسه على منزلته الرفيعة التي لا غنى لأهل النظر من العلماء والمتعلمين والباحثين عنه.
الرابع: هو التعليق على عمدة الرعاية للعبد الفقير كاتب هذه السطور، وسميته:
«غاية العناية على عمدة الرعاية»
وخلاصة عملي فيها أجمله في النقاط التالية:
1. جمع عدّة مخطوطات للمتن والشرح ومقابلتها وإثبات أوضح عباراتها وأصحّها وأفضلها فيها، ولم أثبت شيئاً من فروق النسخ لما فيه من الإطالة التي لا طائل تحتها لا سيما في هذا الكتاب الضخم الكبير.
2. اعتنيت بتصحيح حاشية اللكنوي على ثلاثة نسخ من الطبعات الهندية للكتاب، وهي كما يعلم القارئ الكريم مكتوبة بطريقة عجيبة، يصعب قراءتها والانتفاع بها إلا من قبل المتخصصين؛ لحاجة بعض الصفحات لإدارة الكتاب على أربعة جهات ليتمكّن القارئ من قراءة ما فيها، ممّا جعلها في بلادنا العربية خاصة لا ينتفع بها مطلقاً؛ لعسر الاستفادة منها.
3. إرجاع النصوص الفقهية واللغوية وغيرها إلى مصادرها الأصلية قدر ما يكفي لتصحيحها وتوثيقها على حسب الاستطاعة وسعة الوقت، فإن كثيراً من عبارات الكتاب صححتها على حسب ما هو مثبت في مصادرها المأخوذة منها؛ لحصول تحريف من قبل الناسخين، وهذا هو المقصد الأسمى من توثيق النصوص.
الجزء 1 · صفحة 14
4. توثيق كثير من نصوص الكتاب من الكتب الفقهية المنقولة منها، وإن لم يشر إلى ذلك محشي الكتاب، وهذا ما حصل في النصف الأخير سواء في «زبدة النهاية»، و «حسن الدراية»، فإن كثيراً من نقولهما لم يذكر المحشيان لهما مصدرها، وبتيسير من الله - جل جلاله - تمكنت من الرجوع إلى مصدر الكلام، وتصحيح الكلمات والعبارت منه، وتوثيقها؛ إذ وقع فيها أخطاء من قبل الناسخين لا تعدّ ولا تحصى، ولكن بالرجوع إلى المصادر الأصلية تمكنت من استدراك ذلك، والله أعلم.
5. تخريج الأحاديث من مظانها، وإثبات لفظ الحديث المثبت في كتب الصحاح والسنن إن كان مثبتاً بمعناه في الكتاب.
6. زيادة التدليل على كثير من مسائل الكتاب على قدر الحاجة والاستطاعة بما يكفي في سدّ حاجة قارئها.
7. توضيح وبيان بعض ما خفي من الكلمات والعبارات على حسب ما يقتضيه المقام.
8. الاستدراك على المحشي في بعض اختياراته واجتهاداته المخالفة لما عليه المعتمد في الفتوى بذكر أدلة ذلك.
9. تصحيح الآيات القرآنية بحسب الرسم العثماني؛ إذ غالبية أخطاء الكتاب كانت في كتابة الآيات القرآنية، وبإثبات الرسم العثماني، فقد تمكّنا من الخروج من هذه المشكلة.
10. تقسيم الكتاب إلى فقرات قصيرة، تعين القارئ على فهم الكلام دون ملل، ووضع علامات الترقيم المناسبة، ومراعاة قواعد الإملاء الحديثة، تيسيراً للراغبين في الحصول على مقصودهم.
وألفت الانتباه هاهنا إلى أنني لم أثبت ما كتبه النسّاخ بين السطور من فكّ للضمائر وبيان معنى بعض الكلمات وأشباه ذلك، وإنما اقتصرت على ما بدأ بترقيم متسلسل، وابتدأ به بكلمة «قوله»؛ لأن الظاهر أن هذا هو حاشية اللكنوي، والآخر من إضافات النساخ.
الجزء 1 · صفحة 15
وهذا ما أشار عليّ به فضلية شيخنا الفاضل المحقق الكبير الشيخ شعيب الأرنؤوط حفظه الله ورعاه؛ إذ قال: أنه لا داعي لما ذكر بين الأسطر؛ ولما فيه من تطويل للكتاب من غير طائل؛ لأنها تعليقات خالية من الفائدة العلمية الحقيقية، وإثباتها سيضخم حجم الكتاب فحسب، والله أعلم.
كما أشير هاهنا إلى أن الإمام عبد الحي اللكنوي توفي قبل إتمام الكتاب، ووصل إلى كتاب البيع، فتعليقه يكون على النصف الأول للكتاب فحسب، والنصف الأخير تسابق إليه كبار أفاضل البلاد الهندية للتعليق عليه لإتمام الكتاب والنفع به.
فحشّى على الربع الثالث عبد الحميد بن عبد الحليم اللكنوي وسمّاه «زبدة النهاية لعمدة الرعاية»، وهو صاحب «الحلّ الضروري لمختصر القُدُوريّ»، وستقف على ترجمته في بداية حاشيته.
وحشّى على الربع الأخير العالم الفقيه عبد العزيز بن عبد الرحيم اللكنوي، وسمّاه «حسن الدراية لأواخر شرح الوقاية»، فانظر رحمك الله إلى الجهود الكبيرة التي بذلت في إتمام هذا الكتاب وتصحيحه وإخراجه لما فيه من عظيم النفع وعميم الفائدة.
وفي الختام نسأل الله - عز وجل - أن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وأن ينفع به العباد، ويعمّ خيره في البلاد، ويجعله لنا ذخراً يوم المعاد، وصَلَّى اللهُ على سيِّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
الأردن، عمان
الجزء 1 · صفحة 16
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي شرحَ صدورَ العلماء لقبول أسرارِ شريعته الغرّاء، وجعلَهم حملةَ شريعتِه ومهرةَ طريقته الزهراء، ولقَّبَهم بما زادَ به فضلَهم وفخرَهم على لسانِ حبيبه وصفيّه، فأخبرَ أنّهم ورثة الأنبياء، ووعدَ لمَن تفقَّه في الدينِ المتين، وغاصَ في بحارِ الشرع المبينِ بجزيلِ النعماء، وأعدَّ لهم منازلَ شريفة، ومراتبَ لطيفة يوم الحساب والجزاء.
أحمده حمداً كثيراً وأشكره شكراً كبيراً على ما خصَّ أهلِ العلمِ بفضائلَ لا تعدُّ ولا تحصى في الدنيا والعُقبى، وروَّحَ نفوسَهم بقوله في كتابه: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (¬1).
أشهد أنّه لا إله إلا هو وحدَه لا شريك له في الابتداء والانتهاء، وأشهدُ أنّ سيّدَنا محمّداً عبدُه ورسولُه، تاج الشريعة، وبرهان الطريقةِ البيضاء، المخصوصِ بشرفِ السعاية، وحسن الرعاية، شمس الأئمّة وسراجِ الخليقة بلا امتراء، الذي أوضحَ لنا الحلال والحرام، ونبَّه على مشتبهات الأحكام، وقنَّنَ قوانينَ الاهتداء.
¬
(¬1) فاطر: من الآية28.
الجزء 1 · صفحة 17
اللهمّ صلٍّ وسلّم وبارك عليه صلاةً دائمةً متواليةً بلا انقطاع ولا إحصاء، وعلى آله وصحبِه الذين هاجروا لنصرتِه، ونصروا في هجرته، نجوم الاهتداء (¬1)
¬
(¬1) إشارة إلى حديث: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتُم اهتديتُم» أخرجه الدَّارَقُطْنِيُّ في كتاب «غرائب مالك»، والبَزَّار والقضاعي [في «مسند الشهاب» 2: 275]، وأبو ذر الهروي في «كتاب السنة»، والبَيْهَقِيُّ في «المدخل» [(1: 115) وقال: هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد]، وعبد بن حميد [في «مسنده» 1: 250]، وغيرهم، وأسانيده وإن كانت ضعيفة كما بسطَه الحافظُ ابن حجر في «تلخيص الحبير بتخريج أحاديث الشرح الكبير» (4: 190)، و «الكاف الشاف بتخريج أحاديث الكشاف» (2: 603 - 604) لكنَّه صحيحٌ عند أهل الكشف، كما ذكره عبد الوهاب الشَّعْرَانيّ في «الميزان» (1: 30)،فقال: [وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدِّثين، فهو صحيح عند أهل الكشف]، وليس هو بموضوع على ما ظُنّ، وقد فصلت الكلام فيه في رسالتي «تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار» (53 - 65)،وتعليقاتها المسماة بـ «نخبة الأنظار» (ص53 - 65)،فلتطالع. منه رحمه الله تعالى.
وقال ابن قطلوبغا - رضي الله عنه - في «خلاصة الأفكار» (ص58): «رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، وقد رُوي معناه من حديث عمر - رضي الله عنه -، ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنه -، ومن حديث أنس - رضي الله عنه -، وفي أسانيدهما مقال، لكن يشدّ بعضها بعضاً». وحسنه الصغاني والطيبي، قال اللكنوي في «تحفة الأخيار» (ص53): «روي ذلك بألفاظ مختلفة، وقد طالب كلامهم على هذا الحديث تضعيفاً وجرحاً، حتى ظنَّ بعضهم أنه حديث موضوع، وليس كذلك، نعم طرق روايته ضعيفة، ولا يلزم منه وضعها». وقال الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة في تعليقاته على «تحفة الأخيار» (ص54): «ورد هذا الحديث في الجملة وأنه ليس بموضوع».
وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» (4: 191): «ذكر عن البيهقي أنه قال: إن حديث مسلم يؤدِّي بعض معناه، يعني قوله - صلى الله عليه وسلم -: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبن النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».» في «صحيح مسلم» 4: 1961، و «صحيح ابن حبان» 16: 234، و «مسند أحمد» 4: 398، وغيرها. وينظر: «تعليق السيد عبد الله الغماري على تأييد الحقيقة العلية للسيوطي» (ص96)، و «خلاصة البدر المنير» لابن الملقن (2: 431)، و «كشف الخفاء» (1: 147)، و «لسان الميزان» (2: 137)، و «الفوائد» لابن مَنْدَه (ص29)، و «الشريعة» للآجري (1148)، و «الإبانة الكبرى» لابن بطة (709).
الجزء 1 · صفحة 18
وقروم (¬1) الاقتداء، أوضحوا سُبُل الهداية، وبلغوا في نصرةِ الدين أقصى النهاية، وجاهدوا في إعلاءِ كلمةِ الله من غير سُمعة ولا رياء.
وعلى مَن تبعهم من الأئمّة المجتهدين الذين دوّنوا الدواوين، وقنّنوا القوانين، واستنبطوا أحكامَ الوقائعِ والحوادث من العبارة والإشارة، والدلالة والاقتضاء، جزاهم الله عنِّي وعن سائرِ المسلمين خيرَ الجزاء، لا سيما على إمامنا الأعظم، وإمامنا الأقدم، سيّد التابعين، ورأس المجتهدين، أبي حنيفةَ النعمان بن ثابت الكوفيّ، رئيس أرباب الاتقاء، وعلى مقلِّديهم ومتَّبعيهم، ومَن سلكَ مسلكهم، وتمذهبَ بمذهبِهم من المفسِّرين والمحدِّثين والمتكلِّمين والفقهاء.
أمّا بعد:
فيقول الراجي عفوَ ربِّه القويّ، أبو الحسنات محمّد عبدُ الحيّ اللَّكْهْنَويّ (¬2) تجاوزَ اللهُ عن ذنبه الجليّ والخفيّ، ابن صدر العلم، بدر الفضلاء، شمس الفقهاء، تاج الكملاء، البحر الزخّار، الغيث المدرار، صاحب التصانيف النافعة، ذي المناقب والمحامد الوافرة، مولانا الحاج الحافظ محمد عبد الحليم (¬3)، أدخله الله دارَ النعيم، وأوصلَه إلى مقامٍ كريم:
¬
(¬1) القَرْم: السيد المعظّم، المقدم في الرأي. ينظر: «اللسان» (5: 3604).
(¬2) نسبة إلى لَكْهْنَؤ بفتح اللام، وسكون الكاف والهاء، وفتح النّون، وضم الهمزة، وقد يقال: لَكْنَو بحذف الهاء بلدة عظيمة. ينظر: «غيث الغمام» (ص3).
(¬3) ألف الإمام عبد الحي اللكنوي رسالة خاصة في ترجمة والده بيَّن فيها أحواله وأخباره، وسمّاها: «حسرة العالم بوفاة مرجع العالم»، وقد حققتها ضمن رسائل اللكنوي رحمهم الله رحمة واسعة، فراجعها إن شئت.
الجزء 1 · صفحة 19
إنّه لا يخفى على أربابِ النهى أنّ أفضلَ الفضائل وأكمل الشمائل هو التفقّه في الدين، وإليه أشار سيّد المرسلين، بقوله الذي أخرجته أئمّةُ الدين: «من يُرد اللهُ به خيراً يفقِّهه في الدين» (¬1) وهو الوصفُ الذي يمتازُ به المرءُ بين الأقران والأماثل، ويكون مشاراً إليه في الفضلِ والكمالِ بالأنامل، فطوبى لمَن عَلَّمَه وتعلَّمَه، وباحثَ فيه ودرَّسَه.
وقد صُنِّفَت في علم الفقه كتبٌ شريفة، وزُبرٌ نظيفة، وسيطة ووجيزة، وبسيطة وقصيرة، ومن أجلّ الكتب المتوسّطة المشتملةِ على الأصولِ والفروع المعتبرة، التي هبَّت عليها رياحُ القَبول، واستحسنها علماءُ النقول، كتاب «الوقاية في مسائل الهداية» لبرهان الشريعة، وشرحها لتلميذه صدر الشريعة، برَّدَ اللهُ مضجعَهما، وقدَّسَ اللهُ مبعثهما، وقد نالا حظاً وافراً من الاشتهار لا كاشتهارِ الشمسِ على نصف النهار.
وقد صرفَ جمعٌ من الفقهاء عنانَ عزيمتِهم إليهما فكتبوا شروحاً وتعليقات عليهما، وتداولوهما فيما بينهم درساً وتدريساً وتعلُّماً وتعليماً، وقد تركوا كلُّهم ما هو الواجب عليهم من ذكر أدلةِ الأحكام، وربطِ الفروعِ بالأصول بالإحكام:
فمنهم: مَن اقتصرَ فأخلَّ.
ومنهم: مَن طوَّلَ فأملَّ، ترى:
بعضهم: يكتفونَ على حلِّ المواضع السهلة، ويتركون كشفَ المقامات المغلقة.
¬
(¬1) أخرجه بهذا اللفظ البُخاري (1: 37)، ومسلم (2: 718)، وابن ماجه (1: 80) من حديث معاوية - رضي الله عنه -، وعند أبي يعلى (1: 38) من حديثه: «إذا أراد الله بعبد خيراً يفقهه في الدين»، وعند البَزَّار (5: 117) والطَّبَرَانِيّ [في «المعجم الأوسط» (2: 266)] من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - «إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده»، كذا ذكر السُّيوطيُّ في تفسيره «الدر المنثور» (2: 70) عند تفسير قوله - جل جلاله -: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: من الآية269]. منه رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 20
وبعضهم: يكثرون بإيراد الأسئلة والأجوبة.
وبعضهم: يطولون بإيراد الفروع الفقهيّة.
وقد كنت حين أقرأ «شرح الوقاية» [على] حضرة الوالد العلام أدخله الله دار السلام، كتبتُ عليه تعليقاً بأمره الشريف، حاوياً على حلِّ بعض المقامات على حسب تقريرِه المنيف، ثمّ لَمَّا ترقَّى بي الحال، وترفَّعت من الحضيض إلى أوج الكمال، رأيتُه لا يغني لطالبه باختصاره، ولا يفيدُ للكملة باقتصاره (¬1).
فشرعتُ في شرح كبير مسمّى بـ «السعاية (¬2)
¬
(¬1) كتب هذا الشرح المختصر حين كان يقرأ «شرح الوقاية» على والده الماجد، في آخر العشرة الثامنة من المئة الثالثة من الألف الثاني للهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحيات، فكتب على بعض مواضع بأمر والده الشريف تعليقاً مختصراً سبقاً سبقاً مشتملاً على حلّ بعض المواضع متفرّقاً، واسمه «حسن الولاية بحلّ شرح الوقاية»، وهو على النصف الأول من شرح الوقاية. ينظر: «السعاية» (1: 2 - 3)، و «المنهج الفقهي للإمام اللكنوي» (ص465).
(¬2) سمعت أن بعض أبناء الزمان اعترضوا على تسميتي شرحي بـ «السعاية»، وقال: إن «السعاية» في اللغة بمعنى النميمة، وهذا عجيبٌ منه دالٌّ على جهلِه باللغة وبكتب الشريعة، فإن كتب الفقه والحديث متطابقة على إيراد هذا اللفظ بمعنى السعي كما لا يخفى على من طالع أبواب العتق والمكاتب والوصايا وغير ذلك، وفي الدلائل في أوصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - المخصوص بشرف السعاية، وفي كتب اللغة يقال: سعى سعياً وسعاية. منه رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 21
في كشف ما في شرح الوقاية»، التزمتُ فيه ترصيص المسائل بالدلائل، وتأسيس المنقول بالمعقول، وضبط الفروع بالأصول، مع ذكر اختلاف الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من المجتهدين، وإيراد أدّلتهم على مسلكهم، مع النقض والإبرام والجرح والإحكام، على شريطة الإنصاف من دون التعصّب والاعتساف، وأرجو من الله الكريم الذي وفّقنا لهذا الأمر العظيم أن يفسحَ من عمري ويتمّ أمري، ويكمل شرحي ويتمَّ قصدي، ويجعلَه ذريعةً لنفع عباده، وحكماً مصلحاً عند المنازعة بين عباده.
ثمّ طلبَ منِّي بعضُ خُلَّصِ الأحبابِ وأجلَّةِ الأصحابِ أن أحشي «شرح الوقاية»، وأُعلِّقَ عليه تعليقاً مختصراً من «السعاية»، فبادرتُ إلى إجابة ملتمسهم، وإنجاح مقترحِهم، ظنَّاً منِّي أنّ كتاب «السعاية» لكونه مشتملاً على ما ذكرناه يطولُ الزمانُ في اختتامه، والتعجيلُ في نشرِ العلم بقدر الإمكانِ أولى من إبطائه، فكتبتُ عليه تعليقاً سمَّيتُه:
«عمدة الرعاية في حلِّ شرح الوقاية»
التزمتُ فيها:
1. حلَّ المتن والشرحِ مع ذكر الجرحِ والدفع.
2. وذكر أدلّة الأحكامِ الفقهيّة من الكتابِ أو السنّة النبويّة أو آثار الصحابةِ والأصول المرضيّة.
3. مع ذكر اختلافِ الأئمّة الحنفيّة، من دون اهتمام بذكر اختلافاتِ غيرهم من الأئمّة المرضيّة.
4. بالغتُ فيه في توضيحِ مطالب الشرح والمتن، وما يتعلَّق بهما من السؤال والجواب مع الضبطِ المستحسن.
5. وأوردتُ حسبَ مناسبةِ المقامِ بعض الفروع التي يحتاجُ إليها غالباً.
6. وأشرت إلى دفعِ الشبهاتِ الواردةِ على مسائل الحنفيّة رمزاً وصراحةً.
الجزء 1 · صفحة 22
وليس غرضي من هذا التأليف وسائرِ تأليفاتي ـ وكفى بالله شهيدا ـ الرياءُ والسمعةُ والافتخار، وإظهارُ الفضيلة، فأيُّ فخر لِمَن لا يدري ما يمضي عليه في القبر والحشر، وأي فضلٍ لِمَن خُلِقَ من القَذَر، بل أن تنتفعَ به الطلبة، وتبتصرَ به الكَمَلة، ويكون زاداً نافعاً لي في سفر الآخرة، وباعثاً لنجاتي من الأهوال الهائلة، وكثيراً ما أنشدُ (¬1) قول
التاجِ السُّبكيّ (¬2) - رضي الله عنه -:
سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي ... من وصلِ غانيةٍ وطيبِ عناق
وتمايلي طرباً لحلِّ عويصة ... في الذهن أبلغ من مدامةِ ساقي
وصرير أقلامي على صفحاتها ... أشهى من الدوكاه والعشاق
¬
(¬1) إنشاد الإمام اللكنوي في هذه الأبيات هو حال كثير من العلماء كالآلوسي المفسر المشهور كما ذكر الذهبي في «التفسير والمفسرون» (4: 75) في ترجمته، وقد قال ابن عابدين في «رد المحتار» (1: 33): «وعادة العلماء يتلذذون بالسهر في التحرير للمسائل كما قال التاج السبكي ... »، فمن صبر على طريق العلم، وجد لذّة تفوق سائر لذات الدنيا؛ ولذا كان محمد ابن الحسن الشيباني - رضي الله عنه - إذا سَهِرَ الليالي وانحلَّت له المشكلات، يقول: «أين أبناء الملوك من هذه اللذات». ينظر: «آداب طالب العلم» (ص47).
(¬2) هو عبد الوهاب أبو النصر بن تقي الدين السُّبْكي الشافعي المتوفى سنة (771)، ونسبته إلى سُبك بالضم قرية بمصر. منه رحمه الله. أقول: من مؤلفاته: «طبقات الشافعية الكبرى»، و «جمع الجوامع»، و «الأشباه والنظائر»، و «شرح المنهاج». ينظر: «الدرر الكامنة» (2: 425 - 428)، و «النجوم الزاهر» (11: 108 - 109).
الجزء 1 · صفحة 23
وألذُّ من نقر الفتاة لدفِّها ... نقري لألقي الرملَ عن أوراقي (¬1)
وقول محمد الدمشقي المحاسني (¬2) أستاذ العلاء الحَصْكَفِيّ (¬3):
لكلّ بني الدنيا مرادٌ ومقصدُ ... وإن مرادي صحّة وفراغ
لأبلغَ في علم الشريعة مبلغاً ... يكون لي به في الجنات بلاغ
ففي مثل هذا فليتنافس أولو النُّهى ... وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ
فما الفوز إلاَّ في نعيم مؤبَّد ... به العيش رغد والشراب يُساغ (¬4)
¬
(¬1) نسبت هذه الأبيات لغير واحد، فقد نسبت للإمام الشافعي - رضي الله عنه - وذكرت في «ديوانه» (ص12)، ونسبت إلى الزمخشري كما في كتاب «لا تحزن» (ص163) , ونسبت للسبكي كما ذكر اللكنوي وابن عابدين فيما سبق، فليحرر ذلك.
(¬2) هو محمد بن تاج الدين بن أحمد المحاسني الخطيب بجامع دمشق المتوفى سنة (1072)، كما في «خلاصة الأثر» (3: 408 - 411). منه رحمه الله. أقول: قال المحبي: كان فاضلاً كاملاً أديباً لبيباً لطيف الشكل وجهاً جامعاً لمحاسن الأخلاق، حسن الصوت.
(¬3) هو مؤلِّفُ «الدر المختار» وغيره، محمد بن علي بن محمد بن علي، علاء الدين الحَصْكَفِي بفتح الحاء والكاف بينهما صاد مهملة نسبةً إلى حصن كيفا اسم بلدة المتوفى سنة (1088)، كذا في «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» (4: 63 - 65) لتلميذه محمد بن فضل الله الدمشقي المحبي. منه رحمه الله.
(¬4) ذكر الحصكفي في «الدر المختار» (1: 36) هذه الأبيات وأن شيخه المحاسني أنشده إياها، ونسب هذه الأبيات ابن حجر في «الدرر الكامنة» (1: 464) إلى محمد بن أحمد ابن جزيء الكلبي الغرناطي، توفي سنة (741هـ).
الجزء 1 · صفحة 24
وكان ذلك حين كنت مرهوناً بالإحسانات الفائضة إليّ، وممنوناً بالإنعامات الواصلة لديّ من حضرةِ مَن هو بدر بدور الوزارة، شمس شموس الرئاسة، باسط بساط العدل والإنصاف، قامع بنيان الظلم والاعتساف، الذي سطعت أنوارُ العلم والهداية بلطفه؛ ورعدت سحائب الفضل والدراية بفضله، عتبتُه الرفيعةُ ملجأ للعلماء، وسدّتُه العليّةُ مأوى للفضلاء.
ارتفعت بكرمه قُصور (¬1) الشرع في أوان قُصوره (¬2)، وعرجت أربابُ العلم على معارجِ الشرع في زمانِ فتوره، ذي المناصب العليّة، والمناقب السنيّة، آصف السلطنة النظاميَّة، وزير الدولة الآصفيّة: النواب مختار الملك سالارجنكَ تراب عليخان بهادر، لا زالت بدور إقباله بازغة، وشموس أفضاله طالعة، وذلك في عهد سلطنة سلطان الإسلام، ظلّ الله على الأنام، رافع ألوية الولاية في الآفاق، مالك أسرّة الخلافة بالاستحقاق، نورُ حديقة الرئاسة العظمى، نورُ (¬3) حديقة الإمارة الكبرى، بدر بروج الجلالة، قمر منازل السيادة، الذي يحومُ حول منزله العالمون (¬4)، ويزدحم حول عتبته العالمون، حقيق بأن ينشدَ في حقّه ما أنشده السَّعد التَّفْتَازانِيّ (¬5) في شأن ملكه:
علا فأصبحَ يدعوه الورى ملكاً ... وريثما فتحوا عيناً غدا ملكاً
¬
(¬1) بالضم جمع قصر. منه رحمه الله تعالى.
(¬2) بالضم بمعنى الفتور والنقصان. منه رحمه الله تعالى.
(¬3) بالفتح شكوفه. منه رحمه الله تعالى.
(¬4) بفتح اللام وفسرنية بكسر اللام. منه رحمه الله تعالى.
(¬5) هو المحقق مسعود بن عمر، مؤلِّفُ «مختصر المعاني»، و «المطول»، وغير ذلك المتوفى سنة (791) أو سنة (792)، وقد بسطت في ترجمته في «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» (ص136 - 137). منه رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 25
هو السلطانُ بنُ السلطان بن السلطان، والخاقان بنُ الخاقان بن الخاقان سلطان السلطنة النظاميّة، مالك الرئاسة الآصفيّة: النواب محبوب عليخان محبوب الدولة ظفر الممالك فتح جنكَ نظام الملك آصف جاه بهادر، أدام الله سطوته وشوكته، وأعلى الله درجته ورتبته، ابن النواب أفضل الدولة ابن النواب ناصر الدولة، نوَّرَ الله مرقدهما، وبرَّدَ مضجعهما، وبعدما أتممت هذا التعليقِ الأنيق، خدمته بحضرته الشريفة، وأتحفته بعتبته الرفيعة، لا زالت ملجأ لطوائفِ الأعلام، وملاذاً لهم من حوادثِ اللَّيالي والأيّام.
والمرجوّ ممّن يطالعه، وينتفعُ به أن يشكروني فيما تحمَّلتُه في ترصيفِهِ من المحنةِ في ظمأ الهواجر، والمشقَّة في ظلمِ الدياجر، وأن يدعو لي بحسنِ الأوائلِ والأواخر، وبالنجاة عن أهوالِ المحشر والمقابر، وأن يصفحوا عن خطأ الأقلام، وزلّة الأقدام إن وقفوا عليه، فإنّ الإنسان ملازمٌ للسهو والنِّسيان، وقد جبلَ عليه، والله تعالى أسألُ سؤالَ الضَّارع الخاشع، متوسِّلاً بحبيبه المشفَّع الشافع أن يتقبَّلَ هذا التصنيفَ وسائرَ تأليفاتي، ويجعلَها ذخيرةً لمعادي، إنّه بالإجابةِ جدير، وعلى كلِّ شيءٍ قدير، هذا أوان الشروع في المقصود، متوكِّلاً على الربِّ الودود.
ولنقدّم مقدّمة تشملُ على فوائدَ مهمّة تنفعُ للطلاب، وتشرحِ صدور أولي الألباب، مرتبةً على دراسات عديدة، فيها لطائف سديدة، المقدّمة متضمّنة على دراساتٍ متعدّدة:
الجزء 1 · صفحة 26
الدراسة الأولى (¬1)
في كيفيّة شيوعُ العلم من حضرةِ الرسالة إلى زماننا هذا
وشيوع مذاهبِ المجتهدين لا سيما مذهب الإمام أبي حنيفة
قال الكَفَويّ (¬2) في طبقات الحنفيّة المسمّاة بـ «كتائب أعلام الأخيار من فقهاءِ مذهب النعمان المختار»: «اعلم أنّ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - بلَّغَ ما أُنزلَ إليه إلينا، وعَلَّم الدين، وأحكمَ وأقامَ الحدودَ، وقضى وحكم، وبيَّنَ الشرع، وفرَّعَ بيانَ الحكم، وجاهدَ حقَّ الجهاد في إقامةِ أمر الدين، وأمضى وألزم.
¬
(¬1) في لفظ فتح العين لطافة لا تخفى. منه رحمه الله.
(¬2) هو محمود بن سليمان الكفوي نسبة إلى كفة بلدة من بلاد الروم، المتوفى سنة (990)، وقد ذكرت حاله في «التعليقات السنية على الفوائد البهية» (ص19). منه رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 27
ثمَّ الخلفاء الراشدون، ووجوه الصحابة - رضي الله عنهم - بذلوا جهدهم في إقامةِ الدين، وإجراءِ الشرع المبين، وتعيين قواعدِ الموحِّدين، وتوهين كيدِ أعداء الله المبتدعين، فأقاموا الإسلام عن أوده وأسندوا الأمرَ إلى مستنده، معتصمين بنصرِ الله، صادعين بأمرِ الله، وكانوا بشرف صحبةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - سالمين عن الطعن، وببركةِ خدمته سالمين عن شوبِ الشين (¬1)، فكانت آثارهم لِمَن بعدهم شِرْعةً ومنهاجاً، ولرفعِ غيهب الضلال سراجاً وهّاجاً.
¬
(¬1) ما قرَّره العلامة الكفوي هاهنا من عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - عنهم هو مذهب أهل السنة، وهو الحقّ الصواب كما شهدت الأدلة الواضحة الصريحة وكلمات العلماء والأئمة الكبار، فلا يغترّ بخلاف ذلك، وقد بسطت هذا في «سبيل الوصول إلى علم الأصول» (ص112) من ذلك قول الآمدي في «الإحكام» (2: 102 - 103): «والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة وذلك بما تحقَّق من الأدلة الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم، فمن ذلك قوله - عز وجل -: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143]: أي عدولاً، وقوله - عز وجل -: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]، وهو خطاب مع الصحابة الموجودين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا مراء فيه من مناصرتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - والهجرة إليه والجهاد بين يديه، والمحافظة على أمور الدين، وإقامة القوانين، والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه، والقيام بحدوده ومراسيمه، حتى إنهم قتلوا الأهل والأولاد حتى قام الدين واستقام ولا أدل على العدالة أكثر من ذلك، وعند ذلك فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن كان ذلك إنّما لما أدَّى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين».
الجزء 1 · صفحة 28
وكذا أعلامُ التابعين الذين هم يزاحمونهم في الفتوى، ووافقوا لهم بغير خلاف، ونقلوا أحكامَ الدين منهم إلى الأخلاف، محيين سَنَن الأسلاف، حاوين مآثرَ الأشراف.
ولمَّا كانت حوادث الأيّام خارجة عن التعداد، ومعرفة أحكامها لازمةً إلى يوم التناد، وكانت ظواهرُ النصوصِ غير موفية ببيانها، بل لا بُدَّ لها من طريق وافٍ بشأنها اضطروا إلى الاجتهاد بالرأي، فاجتهدوا وأسَّسُوا قواعد الأصول وشيَّدوا، فعزموا على تعيينِ المذهب، ومهَّدوا مستفيضين بما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه لَمَّا بعثَ معاذ - رضي الله عنه - إلى اليمن قاضياً، قال له: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله» (¬1).
¬
(¬1) أخرجه أبو داود (3: 313) والترمذي (3: 616) وأشار إلى ضعفه وله شواهد موقوفة عن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس - رضي الله عنهم - أخرجهما البيهقي في «سننه» (10: 114) عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له. كذا في «مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود» للسُّيوطي. منه رحمه الله تعالى.
أقول: قال الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1: 188): «إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجّوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث»، وقوله في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقوله: «إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا»، وقوله: «الدية على العاقل»، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش «الحدود والأحكام الفقهية» (ص82 - 83).
الجزء 1 · صفحة 29
ثمّ إنّ علماءَ الدين والأئمّة المجتهدين بذلوا جهدَهم في تحقيقِ المسائل الشرعيّة، وتدقيقِ النظائرِ الفرعيّة، واستنبطوا أحكام الفروعِ عن الأدلّة الأربعة، فاتّفاقهم حجّة قاطعة، واختلافُهم رحمةٌ واسعة، فمنهم أصحابُ الطبقةِ العاليةِ من الاجتهاد، وهم الذين صادفَ الدين بهم أقوى عماد، وضعوا المسائل على قواعد أصولهم، وهذَّبوا مسائل الاجتهاد، مع تنقيح طرق النظر على مذاهبهم، يستمدون في استنباطِ الأحكامِ من الكتاب والسنّة والإجماعِ والقياس من غير تقليد في الأصول ولا في الفروع لأحدٍ من الناس، وحالُهم متفاوتةٌ في اشتهار مذاهبهم، واعتبار مشاربهم.
وممَّن شاعَ مذهبُهم في الأعصار، واشتهرَ علمهم في الأقطار والأمصار إمامنا الأعظم أبو حنيفةَ نعمان بن ثابت الكوفيّ، ومالكُ بن أنس، وسفيانُ الثَّوري (¬1)،
¬
(¬1) وهو سُفْيان بن سعيد بن مسروق الثَّوْرِي الكوفي، أبو عبد الله، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95 - 161هـ). ينظر: «وفيات الأعيان» (2: 386 - 391). «مرآة الجنان» (1: 345 - 347).
الجزء 1 · صفحة 30
وابنُ أبي ليلى محمدُ بن عبد الرحمن (¬1)، وعبدُ الرحمن الأَوْزَاعيّ (¬2)، ومحمدُ بن إدريس الشَّافِعِيّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وداودُ بن عليّ الأصفهانيّ (¬3)، ولكن خُصَّ من بينهم الأربعة: أبو حنيفةَ، ومالك، والشافعي، وابن حنبل بالهداية، وهؤلاء الأربعة انخرقت بهم العادة على معنى الكرامة عناية من الله - عز وجل -، فاشتهار مذاهبهم في ظهور الآفاق، واعتبار أصولهم وفروعهم في بطونِ الأوراق، واجتماعُ القلوب على الأخذِ بها على مرّ الدهور دون ما سواها يشهد بصلاح نيّتهم، وحسن طويّتهم.
لا سيما الإمام الأعظم، والقَرْم الهُمام الأقدم، سراجُ الأمّة، وتاجُ الملّة، قمرُ الأئمّة أبو حنيفة قد خصَّه الله - عز وجل - بعنايته، وجمعَ من الفضائل في ذاته ما لم يجمع نُبَذاً منها في غيره، حتى شاعَ علمُه، واشتهرَ مذهبُه بكثرة المجتهدين في ذاهبي مذهبه، وأظهرَ علوم الشرع بين المسلمين، ونشرَ أحكام الفروع بين المؤمنين.
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو عبد الرحمن، قال محمد بن يونس: كان أفقه أهل الدنيا، تولى القضاء بالكوفة وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة، وكان فقيهاً مفتياً. (ت148هـ). ينظر: «العبر» (1: 211)، و «مرآة الجنان» (1: 306).
(¬2) وهو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الأَوْزَاعِيّ، أبو عمر، إمام أهل الشام، وكان يسكن بيروت، ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها. (88 - 157هـ). ينظر: «وفيات» (3: 127 - 128)، و «مرآة الجنان» (1: 251).
(¬3) وهو داود بن علي بن خلف الأصْبَهَانِيّ، أبو سليمان، الملقَّب بالظَّاهري، وسمي بذلك لأخذه بظاهر الكتاب والسنة وإعراضه عن التأويل والرأي والقياس، وعرف بالأصبهاني لأن أمه أصبهانية، وكان عراقياً، (201 - 270هـ). ينظر: «الميزان» (3: 26 - 28)، و «وفيات» (2: 255 - 257)، و «طبقات الشيرازي» (ص102).
الجزء 1 · صفحة 31
فإنّه أوّل مَن فَرَّعَ في الفقه (¬1)، وألَّفَ وصنَّفَ باتّفاق الملازمين إلى درسِهِ من مشاهير العلماء المجتهدين، واجتماع أحزابه المختلفين إلى مجلسه من جماهيرِ الفضلاء المتقدّمين كأبي يوسفَ المتقدّم في الأخبار واللسان، ومحمّد المتقدّم في الفقه والإعراب والبيان، وزفر الفقيه النبيه في القياس، وحسن بن زياد المتقدّم في السؤال والتفريع، وعبد الله بن المبارك (¬2)
¬
(¬1) أي قعَّد القواعد وأصَّل الأصول بصورة أوسع وأدق وأنظم ممن سبقه، إذ أن ما عهد عنه من مسائل تنتظم في سلك واحد لأصول معيّنة لا تخرج عنها، فكل الفروع المتشابهة ترجع لقاعدة واحدة، الأمر الذي جعل مَن بعدهم يقرّ له بالأحقية في التقليد والاتباع، حتى عدَّ واضع علم الفقه؛ لتوسعه بالفقه الافتراضي والتقديري، إذ لا بدّ في تصحيح القواعد والأصول من افتراض ما ينبني عليها من مسائل، حتى روي عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه وضع ثلاث وثمانين ألف مسألة، قال العلامة أبو زهرة في كتابه «أبو حنيفة» (ص233): «إن أبا حنيفة - رضي الله عنه - لم يحدث الفقه التقديري، ولكنه نماه ووسعه وزاد فيه بما أكثر من التفريع والقياس ... »، ومن هنا نلاحظ دقّة ما صدر عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في وصفه للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -: «إن الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة - رضي الله عنه -».
(¬2) وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَلي بالولاء التَّميمي المروزي، أبو عبد الرحمن، قال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. من مصنَّفاته: «الجهاد»، و «الرَّقائق»، (118 - 181هـ). ينظر: «العبر» (1: 280 - 281)، و «طبقات الشيرازي» (ص107 - 108)، و «المستطرفة» (ص37) ..
الجزء 1 · صفحة 32
الصائب في رأيه، ووكيع بن الجراح (¬1)
¬
(¬1) وهو وَكِيع بن الجَرَّاح بن مَليح الرُّؤاسي الكوفي، أبو سفيان، قال ابن حنبل: ما رأيت أحداً أوعى منه، ولا أحفظ، وكيع إمام المسلمين. ذكره الصَّيْمَرِيّ فيمن أخذ العلم عن أبي حنيفة، قال: وكان يفتي بقول أبي حنيفة، وممن كان يفتي برأي أبي حنيفة يحيى بن سعيد القطَّان، وابن المُبارك. من مؤلفاته: «التفسير»، و «السنن»، و «المعرفة والتاريخ»، (129 - 197هـ). ينظر: «تهذيب الكمال» (30: 462 - 484). «التقريب» (ص511)، و «الجواهر» (3: 576 - 577).
الجزء 1 · صفحة 33
المفسّر الزاهد، وحفص بن غيّاث بن طلق (¬1) الفطنِ الذكيّ في القضاء بين الخلق، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة (¬2) في جمع الحديثِ وضبط الفروع، وأسد بن عمرو (¬3) القاضي، ونوح بن أبي مريم (¬4) الجامع، وأبي مطيع البَلْخي (¬5)، ويوسف بن خالد السِّمْتيّ (¬6)،
¬
(¬1) وهو حفص بن غياث بن طلق بن عمر النَّخَعي القاضي الكوفي، صاحب أبي حنيفة، قال الذهبي: أحد الأئمة الثقات، (ت194هـ). ينظر: «طبقات ابن الحنائي» (ص24)، و «الفوائد» (ص116 - 117).
(¬2) وهو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الكوفي، صاحب أبي حنيفة، قال ابن المديني: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه، وقال ابن معين: لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد، (ت3/ 184هـ). ينظر: «الفوائد» (ص370 - 371).
(¬3) وهو أسد بن عمرو بن عامر القُشَيْرِيّ البَجَلِيّ الكُوفِيّ، نسبة إلى جرير بن عبد الله البَجَلي الصحابي - رضي الله عنه -، أبو المُنْذِر، سمع أبا حنيفة، وتفقَّه عليه، (ت190هـ). ينظر: «العبر» (1: 305)، و «الجواهر» (1: 376 - 378)، و «الفوائد» (ص78 - 79).
(¬4) وهو نوح بن يزيد أبي مريم بن جَعْوَنَة، أبو عصمة، أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ولقب بالجامع؛ لأنه أول من جمع فقه أبي حنيفة، وقيل: لأنه كان جامعاً بين العلوم، (ت173هـ). ينظر: «الجواهر» (2: 7 - 8)، و «طبقات الحنائي» (ص21).
(¬5) وهو الحكم بن عبد الله بن مسلم بن عبد الرحمن البَلْخي، أبو مطيع، القاضي الفقيه صاحب الإمام، راوي كتاب الفقه الأكبر عنه، وكان ابن المبارك يعظمه ويحبه لدينه وعلمه، وكان قاضياً ببلخ، قال الكفوي: كان بصيراً علامة كبيراً، ومن تفرداته أنه كان يقول بفرضية التسبيح ثلاث مرّات في الركوع والسجود، (ت8/ 199هـ). ينظر: «طبقات الحنائي» (ص21)، و «الفوائد» (ص117 - 118).
(¬6) وهو يوسف بن خالد السِّمْتي، نسبة إلى السِّمت والهيئة، قال الشافعي عنه: رجل من الخيار. (ت189هـ) .. ينظر: «طبقات الحنائي» (ص23)، و «الفوائد» (ص376 - 377).
الجزء 1 · صفحة 34
وغيرهم.
ثمّ أقرَّ بفضلِهِ الخصوم، وسَلَّموا له كلّ العلوم، حتى قال الإمام مالك - رضي الله عنه - حين سُئل عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: «رأيته رجلاً لو كلَّمك في هذه السارية أنّها ذهبٌ لقام بحجّته» (¬1). وقال أيضاً: «إنّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - لأهل الفقه خير مؤنس»، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: «الناس كلُّهم عيالٌ على أبي حنيفة - رضي الله عنه - في الفقه»، فأصحابنا الحنفيّة ـ عاملهم الله باللطافة الخفيّة ـ هم السابقون في الفقه والاجتهاد، ولهم الرتبةُ العليا في الرأي والحديث» (¬2).
وقال أيضاً (¬3): «إن كثيراً من أصحابنا تفرَّقوا في القرى والبلاد:
فمنهم: أصحابُنا المتقدِّمون في العراق كبغداد، فإنّها دارُ الخلافة ودارُ العلمِ والإرشاد.
ومنهم: مشايخ بلخ خُراسان، ومشايخ سَمَرْقَنْد، ومشايخ بُخارا.
ومنهم مشايخُ من بلاد أخرى كالريّ وشِيراز وطُوس وزنجان وهمدان واستراباد وبسطام ومَرْغِينان وفَرْغان ودامغان وغير ذلك من المدن الداخلية في إقليم ما وراء النهر، وخُراسان وأذربيجان ومازندران وخَوَارَزْم وغَزْنة وكِرْمان إلى بلاد الهند وجميع ما وراء النهر وغير ذلك من مدائن عراق العرب وعراق العجم.
¬
(¬1) ينظر: «تفسير حقي» (1: 182)، و «نصب الراية» (1: 54)، و «تهذيب الكمال» (29: 429)، و «وفيات الأعيان» (5: 409)، و «النجوم الزاهرة» (1: 142)، وغيرها.
(¬2) انتهى كلام الكفوي من «كتائب أعلام الأخيار» (ق1/ب-2/ب) باختصار يسير.
(¬3) أي وقال الكفوي أيضاً في «الكتائب» (ق3/أ) وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 35
ونشروا علم أبي حنيفةَ إملاءً وتذكيراً و تصنيفاً، واستفاد منهم الناس على اختلاف طبقاتهم، فبلغت كثرة الفقهاء إلى حدّ لا يُحصى، وأماليهم وتصانيفهم غير قابلةٍ للعدّ والإحصاء، كانوا يتفقّهون ويجتهدون، ويستفيدون ويجيبون الوقائع، ويؤلِّفون البدائع، ويفتون في النوازل؛ ويجمعون المسائل فبقي نظام العالم، وانتظام أهاليه على أحسن النظام، ورقى رواجه على كرور الليالي، ومرور الأيام إلى حين قدَّر الله - عز وجل - من خروج جنكيز خان فوضع السيف، وقتل العباد، وخرَّبَ العامر، وأهلكَ البلاد، ومشي عليهم مشي الموس على الشعر، وسعى عليهم سعي الجراد على الزرعِ الأخضر، وقدم خَوارَزْمَ وأغارها، وقتل سلطانها خَوارَزْم شاه محمد وأبادها، والشيخ نجم الدين الكُبْرى (¬1) رُزِق بالشهادة في هذه الوقعة العظمى، بيد هذه الفئة الكافرة
الفاجرة الطاغية، في سنة ستّ عشرة وستمئة (¬2).
¬
(¬1) وهو أحمد بن عمر بن محمد الخوارزميّ الخِيوقي الصوفي الشافعي، قال الذهبي: الشيخ الإمام العلامة المحدث الشهيد شيخ خراسان. وقال ابن الحاجب: طاف البلاد وسمع واستوطن خَوارزم، وصار شيخ تلك الناحية، وكان صاحب حديث وسنّة، وملجأ للغرباء، عظيم الجاه، لا يخاف في الله لومة لائم. وقيل: إنه فسَّر القرآن في اثني عشر مجلداً، (ت618هـ). ينظر: «سير أعلام النبلاء» (22: 111 - 112)، و «طبقات المفسرين» (1: 67)، وغيرها.
(¬2) في «سير أعلام النبلاء» (22: 113): «نزلت التتار على خوارزم في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وستمئة، وخرج نجم الدين الكبرى فيمن خرج للجهاد، فقاتلوا على باب البلد حتى قتلوا - رضي الله عنهم -، وقتل الشيخ وهو في عشر الثمانين».
الجزء 1 · صفحة 36
ثمّ تلاه بنوه وذووه، وأكَّدوا فعله حتى تصدَّر هلاكو الكافر بن جنكيز الفاجر بغداد بجيش عرمرم في زمان الخليفةِ المستعصم آخر خلفاء العباسيّة في سنة ستٍّ وخمسين وستمئة، ونزل بغداد، وقتل الخليفة وهجمَ عسكر التتر الفجرة دار الخلافة، وقتلوا مَن كان ببغداد من الفقهاء، وكان فقهاء الحنفيّة في تلك الديارِ قليلاً، فساروا بأهاليهم إلى دمشقَ وحلب، وكانت هذه الديار في هذه الأيّام على حسن النظام، وكانت تَقْدُمُ الفقهاءُ إليها من البلدان والطلبة من كلّ مكان، إلى أن حدثَ فيها تعدّي سلاطين الجراكسة، وصارت أطوار النظام منتكسة، فارتحلَ العلم وأهاليه إلى بلاد الروم، واجتمعَ فيها ذَوُو الفضائل، وأرباب العلوم، ببركة السلطنة العثمانية. انتهى (¬1).
وفي «الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف» للمحدِّث الدِّهْلَويّ (¬2): «كان أشهر أصحاب أبي حنيفةَ أبو يوسف، تولّى قضاء القضاة أيّام هارون الرشيد، فكان سبباً لظهور مذهبه والقضاء به في أقطارِ العراق، وديار خُراسان وما وراء النهر». انتهى (¬3).
• • •
¬
(¬1) من «كتائب أعلام الأخيار» (ق3/أ-4/أ) باختصار.
(¬2) وهو أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدِّهْلَوي، أبو العزيز، الملقب شاه ولي الله، له: «حجة الله البالغة»، و «الانتباه إلى أصحاب الوجوه»، «الفضل المبين في الملل من حديث الأمين» (1114ـ1176هـ). ينظر: «مقدمة التعليق الممجد» (ص40)، و «الأعلام» (1: 145).
(¬3) من «الإنصاف في أسباب الاختلاف» (ص39).
الجزء 1 · صفحة 37
الدراسة الثانية
في ذكرِ طبقات أصحابنا الحنفيّة ودرجاتهم
وهذا أمرٌ لا بُدّ للعالم المفتي من الاطّلاع عليه لينْزلَ الناس منازلهم، ولا يقدّم أدناهم على أعلاهم، وقد بسطتُ الكلام فيه في رسالتي «النافع الكبير لمَن يطالع الجامع الصغير» (¬1)، وفي «الفوائد البهيّة» و «تعليقاتها السنيّة»، ونذكر هاهنا قدراً ضرورياً مع زيادات مفيدة.
فاعلم أنّه ذكر الكفويّ في «طبقات الحنفية» (¬2): «إنّ الفقهاءَ يعني من المشايخ المقلِّدين على خمس طبقات:
الأولى: طبقةُ المتقدِّمين من أصحابنا كتلاميذ أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - نحو أبي يوسفَ ومحمَّد (¬3) وزفر وغيرهم - رضي الله عنهم -، فإنّهم يجتهدون في المذهب، ويستخرجون الأحكام عن الأدلة الأربعة على حسب القواعد التي قررّها أُستاذهم أبو حنيفة.
فإنّهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنّهم يقلّدونه في قواعد الأصول، بخلاف مالك والشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهم -؛ فإنّهم يخالفونه في أحكام الفروع، غير مقلِّدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد.
¬
(¬1) «النافع الكبير» (ص7).
(¬2) «كتائب أعلام الأخيار» (ق2/ب) وما بعدها.
(¬3) قال الإمام اللَّكْنَوِيّ في «النافع الكبير» (ص15): المصرَّحُ في كلام كثير أنَّ أبا يوسف ومحمَّداً مجتهدان مطلقان منتسبان؛ لأنَّ مخالفتهما للإمام في الأصول غير قليلة، وهو مخالف لعدِّهما من المجتهدين في المذهب، والظاهر هو هذا. وقال: في «التَّعليقات السنية» (ص 163): محمَّدُ بن الحسن الشَّيْبَانِيّ عدَّه ابن كمال من طبقةِ المجتهدينَ في المذهبِ، الذي لا يخالفونَ إمامهم في الأصولِ، وإن خالفوه في بَعضِ المسائلِ. وكذا عدَّ أبا يوسف منهم، وهو متعقبٌ عليه، فإنَّ مخالفتهما للإمامِ في الأصولِ كثيرة غير قليلة، فالحقُّ أنهما من المجتهدين المنتسبين.
الجزء 1 · صفحة 38
والثانية: طبقةُ أكابر المتأخّرين من الحنفيّة كأبي بكر أحمد الخَصَّاف (¬1)، والإمام
أبي جعفر أحمد الطحاويّ (¬2)،
¬
(¬1) سيأتي ذكره وذكر من بعده من أصحاب هذه الطبقة وبعض أصحاب الطبقات الآتية فيما يأتي. منه رحمه الله.
(¬2) قال الإمام اللَّكْنَوِيّ في «التَّعليقات السنية» (ص 31 - 32): «الطّحاويّ عدَّهُ ابن كمال باشا وغيره من طبقةِ مَن يقدرُ على الاجتهادِ في المسائل التي لا رِواية فيها، ولا يقدرُ على مخالفةِ صاحبِ المذهبِ لا في الفروعِ، ولا في الأصولِ، وهو منظورٌ فيه؛ فإنَّ له درجةً عالية، ورتبةً شامخة، قد خالفَ بِها صاحبَ المذهبِ في كثيرٍ من الأصولِ والفروعِ، ومَن طالعَ «شرح معاني الآثار»، وغيره من مصنفاتِه يجدُهُ يختارُ خلاف ما اختارَهُ صاحبُ المذهبِ كثيراً، إذا كان ما يدلُّ عليه قوياً.
فالحقُّ أنّه من المجتهدينَ المنتسبينَ الذين ينتسبونَ إلى إمامٍ معيَّن من المجتهدين، لكن لا يقلِّدونَهُ لا في الفروع، ولا في الأصول، لكونِهم متصفينَ بالاجتهادِ، وما انتسبوا إليه إِلا لسلوكِهم طريقه في الاجتهادِ.
وإن انحط عن ذلك، فهو من المجتهدينَ في المذهبِ القادرينَ على استخراج الأحكام من القواعدِ التي قَرَّرها الإمام، ولا تنحطُ مرتبتهُ عن هذه المرتبة أبدا على رغمِ أنف مَن جعلهُ منحطاً، وما أَحسن كلام المولى عبد العزِيز المُحدّث الدِّهْلَوِيّ في «بستان المحَدِّثِينَ»، حيث قال ما معربه: إنَّ «مختصرَ الطّحاويّ» يدلُّ على أنه كان مجتهداً، ولم يكن مقلِّداً للمذهبِ الحنفيّ تقليداً محضاً، فإنّه اختار فيه أَشياء تخالف مذهبَ أبي حنيفةَ لما لاح له من الأدلةِ القويَّة. انتهى. وفي الجملة فهو في طبقةِ أبي يوسف ومحمَّدٍ، لا ينحطُّ عن مرتبتهما على القولِ المُسدَّدِ».
الجزء 1 · صفحة 39
وأبي الحسن الكرخيّ، وشمس الأئمة عبد العزيز الحَلْوَانِيّ، وشمس الأئمّة محمّد السَّرَخْسِيّ، وفخر الإسلام عليّ بن محمّد البَزْدَوْيّ، والإمام فخر الدين حسن المعروف بقاضي خان، والصدر الأجلّ برهان الدين محمود، صاحب «الذخيرة البرهانية»، و «المحيط البرهاني»، والشيخ طاهر بن أحمد (¬1) صاحب «النصاب» و «الخلاصة»، وأمثالهم.
فإنّهم يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا روايةَ فيها عن صاحب المذهب، ولا يقدرون على المخالفة له لا في الأصول، ولا في الفروع، ولكنّهم يستنبطونها على حسب أصول قرَّرها، ومقتضى قواعد بسطها صاحب المذهب.
¬
(¬1) وهو طاهرِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرشيد البُخَاريّ، افتخار الدِّين، قال: الكفوي: كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل، ومن مؤلفاته: «النصاب»، و «خزانة الواقعات»، «خلاصة الفتاوي»، (1/ 482ـ 542هـ). ينظر: «الفوائد» (ص146)، و «الجواهر» (2: 276)، و «التاج» (ص172).
الجزء 1 · صفحة 40
الثالثة (¬1): طبقة أصحاب التخريج من المقلِّدين؛ كالرَّازي (¬2) وأضرابه (¬3).
فإنّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنّهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أو عن واحدٍ من أصحابه، بنظرهم ورأيهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع، وما وقع في «الهداية» (¬4) كذا في تخريجِ الرازي من هذا القبيل (¬5).
¬
(¬1) عدَّ منهم صاحب «الهداية»: أبا عبد الله محمد بن يحيى الجُرْجَانيّ المتوفى سنة (398) تلميذ أبي بكر الرازي. منه رحمه الله تعالى.
(¬2) هو أبو بكر الرازي المتوفى سنة 370. منه رحمه الله. أقول: أحمد بن عليّ الجَصَّاص الرَّازِيّ، إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، من مؤلفاته: «أحكام القرآن»، و «شرح مختصر الكرخي»، و «شرح مختصر الطَّحاوي»، (305 - 370). ينظر: «الجواهر» (1: 220 - 224). «الفوائد» (ص3 - 54). «طبقات المفسرين» (1: 55)، و «أعلام الأخيار» (ق118/أ).
(¬3) قال الإمام اللكنوي في «النافع الكبير» (ص12 - 13): ومن أصحاب التَّخريج الفقيه أَبُو عبد الله الجرجانيّ، ويدلّ عليه كلامِ صاحب «الهداية» في باب صفة الصَّلاة، ثمَّ القومة والجلسة سنَّةٌ عندهما، وكذا الطمأنينةُ في تخريج الجرجاني. وفي تخريج: واجبة، حتى تجب سجدتا السَّهو بتركها عنده.
(¬4) «الهداية شرح بداية المبتدي» (1: 303).
(¬5) سيأتي ردَّ هذا بعد قليل.
الجزء 1 · صفحة 41
الرابعة (¬1): طبقة أصحاب الترجيح من المقلّدين؛ كأبي الحسين أحمد القُدُوريّ، وشيخ الإسلام برهان الدين عليّ المَرْغِينَانِيّ صاحب «الهداية»، وأمثالهما، وشأنهم تفضيلُ بعض الروايات على بعضٍ آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحّ رواية، وهذا أوضح دراية، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق بالناس.
والخامسة: طبقةُ المقلّدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقويّ، والضعيف وظاهر المذهب، وظاهر الروايات، والروايات النادرة، كشمس الأئمّة محمّد الكَرْدَرِي (¬2)،
¬
(¬1) عدَّ منهم الكفويّ علي الرازي تلميذ حسن بن زياد وابن كمال باشا الرومي وأبا السعود العمادي المفسر الرومي، وعدَّ منهم صاحبُ «البحر الرائق» ابنَ الهُمام صاحب «فتح القدير»، وقيل: إنه بلغ رتبة الاجتهاد. منه رحمه الله. أقول: قال الإمام اللَّكْنَوِيّ في «التَّعليقات السنية» (ص 180): «ابن الهمام عدَّه ابن نجيم في «البحر الرائق» من أهلِ التَّرجيحِ، وعدَّهُ بعضُهم: من أهلِ الاجتهادِ، وهو رأي نجيح، يشهدُ بِذلك تصانيفُهُ وتآليفُه».
(¬2) هو محمد بن عبد الستار، تلميذ صاحب «الهداية» المتوفى سنة (642) وكردر كجعفر قرية. منه رحمه الله. أقول: انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه. ينظر: «الجواهر» (3: 228 - 230). «تاج» (ص267 - 268). «النجوم الزاهرة» (6: 351).
الجزء 1 · صفحة 42
وجمالِ الدين الحَصيري (¬1)، وحافظِ الدين النَّسَفِيّ (¬2)، وغيرِهم مثل أصحابِ المتونِ من المتأخّرين، كصاحب «المختار» (¬3)،
¬
(¬1) هو محمد بن أحمد بن عبد السيد البُخاري الحَصيري بالفتح نسبة إلى محلة كان يعمل فيها الحَصير تلميذ حسن بن منصور قاضي خان، كانت وفاته سنة (636). منه رحمه الله. أقول: قال الإمام اللكنوي في «النافع الكبير» (ص56): «كان إماماً فاضلاً انتهت إليه رئاسة الحنفية، ومن تصانيفه شرحان للجامع الكبير: أحدهما مختصر والآخر مطول سماه «التحرير» و «شرح السير الكبير»، وقدم الشام، ودرس، وأفتى».
(¬2) وهو عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين، قال الإمام اللكنوي: وكل تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماء. من مؤلفاته: «الكافي شرح الوافي»، و «الكنز»، و «تفسير المدارك»، (ت701هـ). ينظر: «الجواهر المضية» (2: 294)، و «الفوائد» (ص102)، و «تاج» (ص174).
قال اللَّكْنَوِيّ في «التعليقات السنية» (ص 101 - 102): «النسفي ... عَدَّهُ ابن كمال باشا من طبقة المقلدينَ القادرين على التَّمييز بين القويّ والضَّعيف، الذين شَأنهم أن لا يَنقلوا في كُتُبِهم الأقوال المردودة، والرِّوايات الضَّعيفة، وهي أَدنى طَبقات المتفقهينَ، منحطةً عن دَرجة المجتهدين والمخرجينَ. وعدَّهُ غيره من المجتهدينَ في المذهب، قال: إنه اختتم بِهِ، ولم يُوجد بعدَهُ مجتهد في المذهب».
(¬3) وهو عبد الله بن محمود بن مَوْدُود المَوْصِليّ الحنفي، أبو الفضل، مجد الدين، قال الكفوي: وكان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، وكانت مشاهير الفتاوى على حفظه. من مؤلفاته: «المختار» وشرحه «الاختيار لتعليل المختار للفتوى»، و «المشتمل على مسائل المختصر»، (599 - 683هـ). ينظر: «الجواهر» (2: 349 - 350)، و «تاج التراجم» (ص176 - 177)، و «الفوائد» (ص180).
الجزء 1 · صفحة 43
وصاحب «الوقاية»، وصاحب «المجمع» (¬1).
وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة، والروايات الضعيفة، وهذه الطبقة أدنى طبقاتِ المتفقّهين.
وأمّا الذين هم دون ذلك فإنّهم كانوا ناقصين عامّين يلزمهم تقليد علماءِ عصرهم وفقهاء دهرهم، ولا يحلّ لهم أن يفتوا إلاَّ بطريق الحكاية، فيحكي ما يضبطه من أفواه العلماء، ويحفظه من أقوال الفقهاء. انتهى كلامه (¬2).
¬
(¬1) وهو أحمد بن علي بن ثعلب السَّاعَاتِيّ البعلبكي البغدادي، مظفر الدين، وأبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة ببغداد، قال الكفوي: كان إمام العصر في العلوم الشرعية، كان ثقة حافظاً متقناً، أقرّ له شيوخ زمانه بأنه فارس جواد في ميدانه. من مؤلفاته «مجمع البحرين»، و «بديع النظام»، (ت694هـ). ينظر: «النافع الكبير» (ص25)، و «مرآة الجنان» (4: 227)، و «الكشف» (2: 1600).
(¬2) أي الكفوي من «الكتائب» (ق3/أ).
الجزء 1 · صفحة 44
وذكر عمر بن عمر الأزهري (¬1) المصريّ في آخر كتاب «الجواهر النفيسة شرح الدرة المنيفة في مذهب أبي حنيفة»، وعلى القاري (¬2) المكيّ في رسالته في «ذمّ الروافض»، وغيرهما من محشّي «الدرّ المُخْتار» (¬3) وغيرهم، نقلاً عن ابنِ كمال باشا (¬4)، مؤلّف «الإصلاح والإيضاح»، وسيأتي إن شاءَ الله ذكره: إنَّ الفقهاءَ على سبع طبقات، فذكر خمسَ طبقات نحو ما مرَّ ذكره، وزاد:
الطبقةَ الأولى: وهي طبقةُ المجتهدين بالاجتهادِ المطلق، كالأئمّة الأربعة، ومَن
سلك مسلكهم في تأسيسِ قواعدِ الأصول، واستنباط أحكامِ الفروعِ عن الأدّلة الأربعة من غير تقليدٍ لأحدٍ لا في الفروعِ ولا في الأصول.
¬
(¬1) توفي سنة (1079). ذكره في «خلاصة الأثر» (3: 220). منه رحمه الله. أقول: قال المحبي: كان إماماً جليلاً عارفاً نبيلاً له المهارة الكلية في فقه أبي حنيفة وزيادة اطلاع على النقول ومشاركة جيدة في علوم العربية، من مؤلفاته: «الدرة المنيفة في فقه أبي حنيفة»، وشرحها «الجواهر النفيسة». ينظر: «الخلاصة» (3: 220).
(¬2) هو مؤلِّفُ «المرقاة شرح المشكاة»، و «سند الأنام شرح مسند الإمام»، وغيره، المتوفى في سنة (1014) على ما في «خلاصة الأثر» (3: 185 - 186)، وغيره لا سنة (1044) ولا سنة (1016) كما في «إتحاف النبلاء» لبعض أفاضل عصرنا، وقد ذكرت ترجمته في «التعليقات السنية» (ص25)، وفي «مقدّمة السعاية» (1: 39). منه رحمه الله.
(¬3) ينظر: «رد المحتار على الدر المختار» (1: 52 - 53).
(¬4) ينظر: هذه الطبقات لابن كمال باشا في رسالته «وقف أولاد البنات»، وينظر: «أبو حنيفة» لأبي زهرة (ص384 - 389). و «المدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة» (ص211 - 219). وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 45
والطبقةُ السابعة: وهي طبقةُ المقلّدين الذين لا يقدرونَ على ما ذكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسمين، ولا يميّزون بين الشمال واليمين، بل يحفظون ما يجدون، كحاطب ليل، فالويل لهم ولمَن قلّدهم كلّ الويل. انتهى (¬1). (¬2)
¬
(¬1) أي ابن كمال باشا، وقد ذكر هذه الطبقات في كثير من كتبه منها رسالة في «وقف أولاد البنات»، مخطوطة في المكتبة القادرية، وهي ضمن مجموع (1500).
(¬2) قال المرجاني في «ناظورة الحق» (ص58): «بل هو بعيدٌ عن الصحّة بمراحل فضلاً عن حسنه جداً، فإنّه تحكُّمات باردة وخيالات فارغة، وكلمات لا روح لها وألفاظ غير محصّلة المعنى، ولا سلف له في ذلك المدَّعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى، وإن تابعه مَن جاء من عقبه من غير دليل يتمسَّك به، وحجة تلجئه إليه، ومهما تسامحنا معهم في عدّ الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السبع، وهو غيرُ مُسَلَّم لهم، فلا يتخلصون من فحش الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطبقات وترتيبهم على هذه الدرجات. ينظر: «حسن التقاضي» (ص85).
وقد بيَّنَ المرجاني السبب الذي أوصل إلى هذا التقسيم فقال: «وقد كان ابن الكمال على ولاية عمل الإفتاء من جهة الدولة، فأحوجُه ذلك إلى مراجعة كتب الفتاوى، والإكثارُ من مطالعة ما فيها في تحصيل أربه، والتخلص عن كربه، ووقع في نظره فيما سار به أهل ما وراء النهر من رفع أنفسهم، والوضع من غيرهم، فنَزع إليهم، وصار ذلك طبيعة له وسبباً لاندفاعه إلى هذه التحكمات الباردة والتعسّفات الشاردة، فكان ما فعلَه حداً لمن بعده من المقلّدة، فلا يجاوزون ما ذكره، ولا يتعدّون طواره في تَنْزيل العالي عن درجته، ورفع غيره فوق رتبه، فلو نقل إليهم شيء عن كبار العلماء ربّما يقولون: إنّه ليس من المجتهدين؛ لأنه ليس بمذكور في طبقاته. وغير مستور عن أهل الشأن أن ما أورده الرجل منهم في كتابه كنغبة من دأماء، وتربة في يهماء. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نُنْزل الناس منازلهم»، وصحَّحه الحاكم وغيره، وكلُّهم أئمة الدين، ودعاة الحقِّ في الأرض، ولكن الله فضَّلَ بعضَهم على بعض، وهذه فوائد وفصول وقواعد لأرباب البصر والتحصيل والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل. ينظر: «حسن التقاضي» (92 - 94).
الجزء 1 · صفحة 46
قلت (¬1): لا منافاةَ بين التخميس والتسبيع، فإنّ مَن خمَّسَ اقتصرَ على الفقهاء الذين لم يبلغوا درجةَ الاجتهادِ المطلق، ولم يخطوا عن درجة التمييز بين الضعيف والقويّ، ولم يصلوا إلى درجةِ التقليدِ المطلق، ومَن سبّع عمَّم فأدخلَ في القسمةِ المجتهدين المطلقين، والعلماء الغير المميزين.
وقد زلَّ قدمُ صاحبِ «الدرّ المختار شرح تنوير الأبصار» حيث قال: «قد ذكروا أنَّ المجتهد المطلق قد فُقد، وأمّا المقيّد فعلى سبع مراتبٍ مشهورة». انتهى (¬2).
فإنّ المجتهدَ المطلقَ داخلٌ في المراتب السبع لا خارج عنها، والمرتبةُ السابعةُ ليست من مراتبِ الاجتهاد لا المطلق والمقيد، فالصوابُ أن يقول: وأمّا المقيّد فعلى خمس مراتب مشهورة.
وليعلم أنّ هذه القسمةَ مسبَّعة كانت أو مخمَّسة وإن كانت صحيحةً، لكن في اندراجِ الفقهاءِ المذكورين الذين أدرجَهم أصحابُ التقسيمات بحسب زعمهم في قِسْم قِسْمٍ تحت ذلك القسم نظراً من وجوه:
1. منها: أنّهم أدرجوا أبا يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم - في طبقة مجتهدي المذهب، الذين لا يخالفون إمامه في الأصول، وليس كذلك، فإنّ مخالفتَهما لإمامهما في الأصول غير قليلة، حتى قال الإمامُ الغَزاليُّ (¬3) في كتابه «المنخول»: «إنّهما خالفا أبا حنيفةَ في ثُلُثي مذهبه». انتهى (¬4).
¬
(¬1) القائل الإمام اللكنوي رحمه الله رحمة واسعة.
(¬2) من «الدر المختار» (1: 52).
(¬3) هو محمد بن محمد، حجّة الإسلام، الغَزالي، مؤلِّف «إحياء العلوم»، و «كيمياء السعادة»، وغير ذلك المتوفى سنة (505). منه رحمه الله. أقول: ينظر: «وفيات» (4: 216 - 219). «طبقات الأسنوي» (2: 111 - 113). «طبقات ابن هداية الله» (ص192 - 195).
(¬4) من «المنخول من تعليقات الأصول» (ص608)
الجزء 1 · صفحة 47
وقال شمس الأئمّة محمّدُ بن عبد الستار الكَرْدَرِيُّ (¬1) في «ردّ المنخول»: «إنّ الإمامَ أبا حنيفة - رضي الله عنه - قد عَلِمَ أنّهما بلغا رتبة الاجتهاد، وإنَّ وظيفةَ المجتهد العمل باجتهاده دون اجتهادِ غيره، فأمرَ بترك العمل بقوله؛ إذ لم يظهر دليله، وقال: لا يحلّ لأحدٍ أن يأخذَ بقولي ما لم يعلم من أين قلته، ونهى عن (¬2) التقليد، وندب إلى معرفةِ الدليل، فلم يظهر لهما دليل قول أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - في بعض المسائل، وظهرت لهما الإمارةُ على خلاف قوله، فتركوا قوله بأمره عملاً برأيهما بأمره». انتهى.
فالحقّ أنّهما مجتهدان مستقّلان، نالا مرتبة الاجتهاد المطلق، إلا أنّهما لحسن تعظيمهما لأستاذهما، وفرط إجلالهما لإمامهما أصّلاً أصله، وسلكا نحوه، وتوجّها إلى نقل مذهبه، وتأييده وانتصاره، وانتسبوا إليه.
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الستَّار بن محمد العِمَادِيّ الكَرْدَرِيّ البَرَاتَقِينِي الحنفي، أبو الواجد، شمس الأئمة، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه، (599 - 642هـ)، له رسالة ردَّ فيها على «المنخول»، وقد وقفت على نسخة لها في دار صدام للمخطوطات في بغداد، قال اللكنوي في «الفوائد» (ص291) عنها: رأيت له رسالة في الرد على «منخول» الإمام الغَزاليَ، المشتمل على التشنيع القبيح على الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، تعقَّب فيها على الغَزاليّ: قولاً قولاً، وذكر فيها مناقب أبي حنيفة، وهي رسالةٌ نفيسةٌ حسنةٌ جداً، مُشتملة على أبحاثٍ شَريفةٍ، إلا أنه بَسَط الكلام في بعض مواضعها بالشَّناعة على الإمام الشَّافِعِيّ وأتباعه، لكنه بالنسبة إلى تشنيع الغزاليّ على أبي حنيفة - رضي الله عنه - قليل جداً. ينظر: «الجواهر» (3: 228 - 230)، و «تاج» (ص267 - 268)، و «النجوم الزاهرة» (6: 351)، و «الأعلام» (7: 255)
(¬2) في النسختين: إلى.
الجزء 1 · صفحة 48
فمن ثمّ عدّهما المحدّث الدِّهْلَوِيّ (¬1) في «الإنصاف» (¬2)، وغيره، وعبدُ الوهاب الشَّعْرَانِيّ في «الميزان» (¬3) من المجتهدين المنتسبين (¬4).
¬
(¬1) أي شاه ولي الله بن الشيخ عبد الرحيم رحمه الله. منه رحمه الله.
(¬2) «الإنصاف» (ص84).
(¬3) في «الميزان الكبرى» (1: 16).
(¬4) ما قرَّره الإمام اللكنوي هاهنا هو الصواب، وقد فصلت الكلام في صحة ذلك في «المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي» (ص150 - 152) بما لا يدع شكاً ولا ارتياباً فيه، ومما ذكرت:
1. ... إن العلامة المرجاني (ت1306هـ) في «ناظورة الحق» (ص58) حقَّق ذلك، وأقرّه الإمام الكوثري في «حسن التقاضي» (ص85 - 86)، فقال: «حالهم في الفقه وإن لم يكن أرفع من مالك والشافعي فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال، قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف، بمعنى أن البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف ... ولكل واحد منهم أصول مختصة، تفردوا بها عن أبي حنيفة، وخالفوه فيها، بل قال الغزالي - رضي الله عنه -: إنهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، وقال الجويني: إن كل ما اختاره المزني أرى أنه تخريج ملحق بالمذهب لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما».
2. ... إن انتسابَهما لأبي حنيفة - رضي الله عنه - لا ينقص من اجتهادهما؛ لأنه من انتساب التلميذ لشيخه وعرفانه بجميله، وقد كانت لهم الفضل في نشر مذهب شيخهم.
3. ... إن الإمام الدبوسي - رضي الله عنه - (ت430هـ) ألف كتاب «تأسيس النظر»، وبيَّن فيه الأصول والقواعد التي خالف فيها الصاحبان أبا حنيفة أو خالف كلّ منهما الآخر فيها، مما ابتنى عليها مسائل فرعية عديدة.
4. ... إن محمد - رضي الله عنه - قرن رأيه ورأي أبي يوسف - رضي الله عنه - مع رأي أبي حنيفة - رضي الله عنه - في مسائل كتب ظاهر الرواية التي خالفاه فيها، مما يوضح أنهما كانا يعتقدان أن لهما أهلية في الاجتهاد مثل شيخهما، ولكنهما آثرا نشرَ مذهبهم جميعاً؛ لأن مذهب الجماعة أقوى من مذهب الفرد، ولما فيه من التيسير على غيرهما فيما اختلفا فيه، واعترافاً منهما بمكانة أبي حنيفة - رضي الله عنه - ودرجته العالية في الفقه.
الجزء 1 · صفحة 49
2. ومنها: إنّ قولَهم في الخصَّاف والطَّحَاويّ والكَرْخيّ أنّهم لا يقدرون على مخالفةِ إمامهم، لا في الأصول ولا في الفروع، يردُّه (¬1) النظر في أحوالهم المذكورة في طبقات الحنفيّة، وأقوالهم وآرائهم المأثورة في الكتبِ الفرعيّة والأصلية (¬2).
¬
(¬1) في الأصل: يردهم.
(¬2) قال المرجاني في «ناظورة الحق» (ص61): «إنّ ما خالفوه فيه من المسائل لا يعدُّ ولا يحصى ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوالاً مستنبطة بالقياس والمسموع، واحتجاجات بالمنقول والمعقول على ما لا يخفى على من تتبع كتب الفقه والخلافيات والأصول.
وقد انفردَ الكَرْخي عن أبي حنيفة وغيره في أن العامَّ بعد التخصيص لا يبقى حجةً أصلاً، وإن خبر الواحد الوارد في حادثة تعمُّ بها البلوى، ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في أن العامَّ المخصوصَ حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز، أفليس هذا من مسائل الأصول». ينظر: «حسن التقاضي» (ص89).
الجزء 1 · صفحة 50
3. ومنها: إن عدَّهم أبا بكرٍ الرَّازيّ الجصّاص من الذين لا يقدرون على الاجتهاد مطلقاً بعيد جداً، مع عدّهم شمسَ الأئمّة الحَلْوَانِيّ والسَّرَخْسِيَّ والبَزْدَوِيَّ وقاضي خان في المجتهدين في المذهبين، مع أنّ الرازي أقدمُ منهم زماناً، وأعلى منهم شأناً، وأوسع منهم علماً، وأدقّ منهم سرّاً (¬1).
¬
(¬1) قال المرجاني في «ناظورة الحق» (ص61 - 63): «عُدَّ أبو بكر الرازيّ الجصّاص من المقلِّدين الذي لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، وهو ظلمٌ عظيمٌ في حقِّه، وتَنْزيل له عن رفيع محلِّه وغضٌ منه وجهل بيِّنٌ بجلالةِ شأنه في العلم وباعه الممتدّ في الفقه، وكعبه العالي في الأصول، ورسوخ قدمه، وشدة وطأته وقوة بطشه في معارك النظر والاستدلال، ومَن تتبعَ تصانيفَه والأقوال المنقولة عنه عَلِمَ أن الذين عدَّهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعدهم كلُّهم عيالٌ لأبي بكر الرازي، ومصداقُ ذلك دلائلُه التي نصبَها لاختياراته، وبراهينه التي كشفَ فيها عن وجوه استدلالاته.
نشأ ببغداد التي هي دار الخلافة، ومدار العلم والرشاد، ومدينة السلام ومعقل الإسلام، ورحل في الأقطار، ودخل الأمصار ولقي العلماء أولي الأيدي والأبصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايخ الكبار.
وقال شمس الأئمة الحَلْوانيّ فيه: هو رجل كبير معروف في العلم، وإنّا نقلده ونأخذ بقوله. انتهى. فكيف يصح تقليدُ المجتهد للمقلِّد؟ وذكر في «الكشف الكبير» ما يدلُّ على أنه أفقه من أبي منصور الماتُريديّ، وقال قاضي خان: في «التوكيل بالخصومة»: يجوز للمرأة المخدرة أن توكِّل، وهي التي لم تخالط الرجال بكراً كانت أو ثيباً. كذا ذكره أبو بكر الرازيّ.
وفي «الهداية» (3: 137): ولو كانت المرأة مخدرة قال الرازيُّ: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبَّه المتأخرون، وقال ابنُ الهمام [في «فتح القدير» (7: 509)]: هو الإمام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن علي الرازي، يعني أنه على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة لا فرق بين البكر والثيب المخدرة والمبرزة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذٍ فتخصيص الرازي ثمّ تعميم المتأخرين ليس إلا لفائدة أنه المبتدئ بتفريع ذلك وتبعوه. انتهى كلامه.
وقد أكثر شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ في كتبه النقل عن أبي بكر الرازيّ والاستشهاد به والمتابعة لآرائه، ثمّ الحَلْوانيُّ ومَن ذكره بعدهم وعدَّهم من المجتهدين في المسائل كلُّهم تنتهي سلسلةُ علومهم إلى أبي بكر الرازيّ، فقد تفقه عليه أبو جعفر الاستروشني وهو أستاذ القاضي أبي زيد الدَّبوسي، وأبو عليّ حسين بن خضر النَّسَفيّ، وهو أستاذُ شمس الأئمة الحَلْوانِيّ، ومعلوم أن السَّرَخْسِيّ من تلاميذه وقاضي خان من أصحاب أصحابه.
فلعلَّه نظر إلى قوله: إنه كذلك في تخريج الرازيّ، فظنَّ أن وظيفتَه في الصناعة هي التخريج فحسب، وأن غايةَ شأوه هذا القدر، وقد خرَّجَ أبو حنيفة وأصحابه قول ابن عباس - رضي الله عنهم - في تكبيرات العيدين أنّها ثلاث عشرة تكبيرة بحمل أنها على هذا العدد بإضافة التكبيرات الأصلية، والشافعي وأتباعه بحملها على الزوائد.
وخرَّجَ أبو يوسف قولَ الشعبي: إن للخنثى المشكل من الميراث نصفَ النصيبين بأن ذلك ثلاث من سبعة، ومحمد بأنه خمس من اثني عشر، وخرَّجَ أبو الحسن الكَرْخيّ قول أبي حنيفة ومحمّد في تعديل الركوع والسجود وجعله واجباً، وأبو عبد الله الجُرْجاني خرَّجه وحمله على السنة.
ونظائر ذلك كثيرة وقعت من كبار المجتهدين فما ضرَّهم ذلك في اجتهادهم، ولا نزَّلهم من شأنهم فكيف ينْزل أبا بكر الرازي إلى الرتبة النازلة عن منزلته». ينظر: «حسن التقاضي» (ص89 - 91)، و «طبقات الحنفية» لابن الحنائي (ص40).
الجزء 1 · صفحة 51
4. ومنها: إن شأن القُدُوريّ أجلّ من قاضي خان وصاحبِ «الهداية»، إن لم يكن أجلَّ منه فليس بأدنى منه، فجعل قاضي خان في مرتبةٍ ثالثة، وحطّ القُدُوريِّ وصاحبِ «الهداية» عنها ليس ممَّا ينبغي (¬1).
¬
(¬1) قال المرجاني في «ناظورة الحق» (ص63): «جعل القُدُوريّ وصاحب «الهداية» من أصحاب الترجيح وقاضي خان من المجتهدين مع تقدُّم القُدُوريّ على شمس الأئمة زماناً وكونه أعلى منه كعباً وأطول باعاً، فكيف لا يكون أعلى من قاضي خان، وأما صاحبُ «الهداية» فهو المشارُ إليه في عصره، والمعقود عليه الخناصر في دهره وفريد وقته، ونسيج وحده.
وقد ذكر في «الجواهر» (2: 627)، وغيره: إنه أقرَّ له أهلُ عصره بالفضل والتقدُّم كالإمام فخر الدين قاضي خان والإمام زين الدين العتابي وغيرهما، وقالوا: إنه فاق على أقرانه حتى على شيوخه في الفقه، وأذعنوا له به، فكيف يُنْزَلُ شأنه عن قاضي خان بمراتب، بل هو أحقُّ منه بالاجتهاد وأثبت في أسبابه وألزمه لأبوابه». ينظر: «حسن التقاضي» (ص91 - 92).
الجزء 1 · صفحة 52
وذكر أحمد بن حَجَر المَكّيّ الهَيْتَميّ الشَّافعيّ (¬1) في رسالته «شنّ الغارة على مَن أبدى معرّة تقوّله في الحناء وعواره» (¬2) نقلاً عن «شرح المهذّب» للنَّوَوِيّ (¬3): «إنّ المجتهد:
¬
(¬1) المتوفى بمكَّة سنة (975). منه رحمه الله.
(¬2) قال ابن حجر الهيتمي في سبب تأليف هذا الكتاب في «الكبائر» (1: 405 - 406): «علم من خبر المخنث المخضوب الذي نفاه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأجل تشبهه بالنساء بخضبه يديه ورجليه أن خضب الرجل يديه أو رجليه بالحناء حرام، بل كبيرة على ما ذكر فيه من التشبه بالنساء، وأن الحديث المذكور صريح في ذلك، وقد وقعت هذه المسألة قريباً من اليمن فاختلف فيها علماؤها وصنفوا في الحل والحرمة، ثم أرسلوا إلي بمكة سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة ثلاث مصنفات، اثنين في حله مطلقاً، وواحداً في حرمته، وطلبوا مني إبانة الحق في المسألة، فألفت فيها كتاباً حافلاً سميته: «شن الغارة على من أظهر معرة تقوله في الحناء وعواره»، وإنما سميته بذلك ليطابق اسمه مسماه، فإن بعض القائلين بالحل تعدى طوره إلى أن ادعى فيه الاجتهاد، وزعم أن القائلين بالحرمة: أي وهم الأصحاب قاطبة بل والشافعي كما بينته ثم استروحوا ولم يتأملوه فغلطوا في ذلك، ثم أكثروا في الكلام من نحو هذه الخرافات والمجازفات، وسولت له نفسه أنه أبرز أدلة خفيت عليهم، وأن تقليده أو تقليد شيخه التابع له في الحل أولى من تقليدهم، فلعظيم ضرر هذه الحادثة وسوء صنيع وطوية هذا المجازف جردت صارم العزم وباتر التنقيب والفحص والفهم، وأوريت زند الفكر حمية لأئمتنا غيوث الهدى ومصابيح الدجى ... ».
(¬3) هو شارح «صحيح مسلم» يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة (677) أو سنة (676). منه رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 53
1. إمّا مجتهدٌ مستقل: ومن شروطه: فقه النفس، وسلامة الذهن، ورياضة الفكر، وصحّة التصرّف والاستنباط، والتيقّظ، ومعرفة الأدّلة وآلاتها المذكورة في الأصول وشروطها، والاقتباس منها مع الدراية والارتياض في استعمالها، ومع الفقه والضبطِ لأمّهات مسائله، وهذا عُدِمَ من أزمنةٍ طويلة.
2. وإمّا منتسب: وهو أربعة أقسام:
أحدُها: أن لا يقلِّدَ إمامَه في المذهب والدليل؛ لاتّصافه بصفةِ المستقلّ، وإنّما ينسبُ إليه لسلوكِ طريقه في الاجتهاد.
وثانيها: أن يكون مجتهداً مقيّداً في المذهب، مستقلاً بتقريرِ أصوله بالدليل، غير أنّه لا يتجاوزُ في أدلّة أصول إمامه وقواعده، وشرطه كونه عالماً بالفقهِ وأصوله وأدلّة الأحكامِ تفصيلاً، وكونه بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط؛ لقياس غير المنصوص عليه؛ لعلمه بأصولِ إمامه، ولا يعرى عن تقليدٍ له، لإخلاله ببعض أدوات المستقلّ؛ كالنحو والحديث، وهذه صفةُ أصحابنا أصحاب الوجوه.
وثالثها: أن لا يبلغَ رتبةَ الوجوه، لكنّه فقيهٌ حافظٌ مذهبَ إمامه، قائم بتقرير أدلّته، يصوِّرُ ويحرِّرُ ويقرِّرُ ويمهِّدُ ويزيِّفُ ويرجِّح، وهذه صفةُ كثيرٍ من المتأخرينِ إلى أواخرِ المئة الرابعة الذين رتّبوا المذهب وحرّروا (¬1).
¬
(¬1) ومصدر الاجتهاد الوحيد عند هذه الطبقة كما فصلته في «المدخل» (ص223» هو: «ما نقل إليهم من كلام أئمةِ المذهبِ الذِين يقلِّدون أهله»، قال الإمام النووي الشافعي في «المجموع» (1: 76)، والإمام المرداوي الحنبلي (ت885هـ) في «الإنصاف» (12: 260): «يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقلّ بنصوص الشرع». وإن اعترض عليهم بأن أقوال الأئمة غير معصومة فكيف تُنَزل مَنْزلة الوحيين المعصومين؛ لأن ما روي عن الإمام صاحِب المذهب ليس قرآناً، ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستَنبَطُ الأحكام منه؟ فإنه يجاب بما يلي:
1. ... «إنه كلام أئمةٍ مجتهدين عالمين بقواعدِ الشرِيعةِ والعربيةِ، مبينين للأحكامِ الشرعية، فمدلول كلامهم حجَّة على من قلدهم، منطوقاً كان أو مفهوماً، صريحاً كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث بالنسبة لجميع المجتهدين. وله فضل عظيم لا يستطيع أحد إنكاره، وهو أنه فتح باباً واسِعاً لِتطورِ الفقه، ومسايرته لأحداث الحياة» ينظر: «الموسوعة الفقهية المصرية» (1: 20).
2. ... إنه لا يكون اجتهاد مجتهد إلا بأن يكون له قواعد يحتكم إليها في استخراج الأحكام الفقهية، سواء كان هو واضعها أو قلَّد فيها غيره؛ لأن استنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة يحتاج إلى أصول وقواعد، فمثلاً: إذا تعارضت الأحاديث في الدلالة على حكم من الأحكام يستطيع بالقواعد التي يمشي عليها أن يستخرجه.
إذا تقرَّر هذا فإنه يمكن القول بأن كلام المجتهد في المسائل الفقهية هو تطبيق لقواعده وأصوله التي اعتمدها في استخراج الأحكام، ففي اعتماد حكمه قطع لمرحلة طويلة وصعبة جداً من استنباط للحكم من الأدلة التفصيلية.
فالأمر أمر مرحلية وتدرج، وليس إهمالاً وتركاً للأدلة الشرعية؛ لأن أحكام المجتهد مأخوذة من الأدلة، فهي تمثِّلها، ولكنها قطعت مرحلة للمجتهد في المذهب لاستخراج الأحكام التي لم يبينها المجتهد.
وتأكيد هذا ما يلاحظ في القواعد الفقهية التي استخرجت من مجموعة الأحكام الفقهية المتناثرة المتفقة فيما بينهما، ومن ثم يمكن الاعتماد على القاعدة في معرفة الأحكام غير المبيّنة كما هو معلوم. ينظر: «المنهج الفقهي للإمام اللكنوي» (ص148 - 149).
الجزء 1 · صفحة 54
ورابعها: أن يقومَ بحفظ المذهب ونقله، وفهم مشكله، ولكنّه ضعيفٌ في تقريرِ دليله، وتحرير أقيسته، فهذا يعتبر نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه» (¬1). انتهى ملخّصاً (¬2).
• • •
¬
(¬1) هذا التقسيم لطبقات المجتهدين ارتضاه الإمام اللكنوي بعد أن نقض التقسيم السابق، وكذلك قبله الإمام الكوثري في «حسن التقاضي» (ص24)، وهو الأحرى بالقبول، والله أعلم.
(¬2) من «المجموع شرح المهذب» (1: 77).
الجزء 1 · صفحة 55
الدراسة الثالثة
في ذكر طبقات المسائل
قال الكفويّ في «أعلامِ الأخيار» (¬1) في ترجمة الإمام محمّد - رضي الله عنه -: «اعلم أن مسائلَ مذهبنا على ثلاثِ طبقات:
الطبقة الأولى: مسائل الأصول، وهي مسائلُ ظاهرِ الرواية (¬2)، وهي مسائل «المسبوط» لمحمّد، ولها نسخ أشهرُها وأظهرُها نسخة أبي سليمان الجُوزَجَانيّ (¬3)، ويقال له «الأصل»، ومسائلُ «الجامعِ الصغير»، ومسائل «الجامع الكبير»، و «السير»، و «الزيادات» كلُّها تأليفُ محمّد - رضي الله عنه -، وللـ «مبسوط» نسخٌ:
¬
(¬1) «كتائب أعلام الأخيار» (ق73/ب) وما بعدها.
(¬2) وهي مسائل رويت عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، وقد يلحق بهم زفر - رضي الله عنه - والحسن - رضي الله عنه - وغيرهما ممن أخذ الفقه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم، وسمّيت بظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات: فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة عنه. ينظر: «شرح رسم المفتي» (ص16)، و «المدخل» (ص252).
(¬3) وهو موسى بن سليمان الجُوزَجانيّ، أبو سليمان، أخذ الفقه عن محمّد، من مؤلفاته: «السير الصغير»، و «كتاب الصلاة»، و «كتاب الرهن»، و «النوادر»، توفي بعد المئتين. ينظر: «الجواهر» (3: 518 - 519)، و «الفوائد» (ص354).
الجزء 1 · صفحة 56
منها نسخةُ: شيخ الإسلام أبي بكر، المعروف بخُواهر زَادَه، ويقال لها: «مبسوط شيخ الإسلام»، و «المبسوط الكبرى» (¬1).
ومنها نسخةُ: شمس الأئمّة السَّرَخْسِيّ.
ونسخةُ: شمس الأئمّة الحَلْوانِيّ أستاذ السَّرَخْسِيّ.
¬
(¬1) قال ابن عابدين - رضي الله عنه - في «رد المحتار» (1: 75): «اعلم أن نسخ المبسوط المروي عن محمد متعددة، وأظهرها «مبسوط» أبي سليمان الجوزجاني. وشرح المبسوط جماعة من المتأخرين مثل شيخ الاسلام بكر المعروف بخواهر زاده ويسمي «المبسوط الكبير»، وشمس الائمة الحلواني وغيرهما، ومبسوطاتهم شروح في الحقيقة ذكروها مختلطة بمبسوط محمد كما فعل شراح «الجامع الصغير» مثل فخر الإسلام وقاضي خان وغيرهم، فيقال ذكره قاضي خان في «الجامع الصغير» والمراد شرحه: وكذا في غيره. اهـ. ملخصاً من «شرح البيري على الأشباه»، و «شرح الشيخ إسماعيل النابلسي على شرح الدرر»، فحفظ ذلك مهم كحفظ طبقات مشايخ المذهب».
الجزء 1 · صفحة 57
ومن مسائلِ ظاهر الرواية مسائل كتاب «المنتقى» للحاكم الشهيد (¬1)، وهو للمذهب أصل بعد كتبِ محمّد، ولا يوجدُ في هذه الأعصار، وفي هذه الأمصار، وكتاب «الكافي» للحاكم أيضاً من أصولِ المذهب (¬2)، وقد شرحه المشايخ:
منها شرح شمس الأئمّة السَّرَخْسِيّ.
وشرح شيخ الإسلام علي القاضي الإِسْبيجَابيّ (¬3).
والطبقةُ الثانية: من مسائل المذهب هي مسائلُ غير ظاهر الرواية، وهي المسائلُ التي رويت عن الأئمّة، لكن في غير الكتب المذكورة:
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد بن أحمد المَرْوَزِيّ السُّلَميّ البَلْخِيّ، أبو الفضل، الحاكم الشَّهيد، قال السمعاني: إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره. قال الحاكم: نظرت في ثلاثمئة جزء مثل: الأمالي، والنوادر، حتى انتقيت كتاب «المنتقى»، ومن مؤلفاته: «الكافي»، و «المختصر»، (ت: 334هـ). ينظر: «الجواهر» (3: 313 - 315). «طبقات الحنائي» (ص75). «الكشف» (2: 1851).
(¬2) جمع الحاكم الشهيد كتب ظاهر الرواية مع إسقاط المتكرر منها في كتابه «الكافي» فكان التعويل عليه في المذهب وشرحه جمع من العلماء كالاسبيجابي وإسماعيل بن يعقوب الأنباري (ت331هـ)، وأبرز شراحه وأشهرهم السَّرَخْسيّ شرحه في «المبسوط»، قال حاجي خليفة في «الكشف» (2: 1378» عن «الكافي»: «وهو كتاب معتمد في نقل المذهب». وقال الطرسوسي: ««مبسوط السرخسي» لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى ولا يعوّل إلا عليه». ينظر: «شرح عقود رسم المفتي» (1: 20)، و «المدخل» (ص255).
(¬3) وهو محمد بن أحمد بن يوسف المَرْغِينانيّ الأَسْبيجَابيّ، أبو المحامد، بهاء الدين، المنسوب إلى أَسْبِيجاب، أستاذ الإمام جمال الدين عبيد الله البخاري المَحْبُوبيّ. من مؤلفاته: «زاد الفقهاء شرح القُدُوريّ». ينظر: «الجوهر» (3: 74). «الفوائد» (ص260).
الجزء 1 · صفحة 58
1. إمّا في كتب أخرى لمحمّد - رضي الله عنه - كالكَيْسانيّات (¬1)، والرقيَّات (¬2)، والجُرجانيّات (¬3)، والهارونيّات (¬4)، وإنمّا سمّي غير ظاهرِ الرواية؛ لأنّها لم تشتهرِ عن محمّد - رضي الله عنه -، ولم تروَ عنه بطرقٍ كطرقِ الكتب الأول.
2. وإمّا في كتبِ غير محمّد - رضي الله عنه -، كـ «المجرَّد» للحسن بن زياد، ومنها كتب «الأمالي».
والإملاء: أن يقعدَ العالم وحوله تلامذة بالمحابر والقراطيس، فيتكلَّمُ العالم بما فتحَ الله - عز وجل - عليه من العلم، وتكتب التلامذةُ ما تكلَّمَ مجلساً مجلساً، ثمَّ يجمعون ما كتبوا، فيصير كتاباً، وسميّ بالأمالي، وكان هذا عادةُ أصحابنا المتقدّمين.
¬
(¬1) وتسمَّى الكيانيات: وهي مسائل جمعها محمد - رضي الله عنه - لرجل يسمّى كيان، وقد يوجد في بعض الكتب «الكيسانيات»، وقالوا: جمعها في كيسان، وهي بلدة، قال طاشكبرى زاده في «مفتاح السعادة» (2: 237): «لكن هذا غير صحيح، والصحيح الأول».
(¬2) وهي مسائل جمعها محمد - رضي الله عنه - حين كان قاضياً بالرقّة. ينظر: «المدخل» (ص254).
(¬3) وهي مسائل جمعها محمد - رضي الله عنه - بجرجان. ينظر: «المدخل» (ص254).
(¬4) وهي مسائل جمعها محمد لرجل مسمَّى بهارون. ينظر: «المدخل» (ص254).
الجزء 1 · صفحة 59
3. ومنها: الرواياتُ المتفرّقةُ: كروايةِ ابن سماعة - رضي الله عنه - وغيره من أصحاب محمّد - رضي الله عنه -، وغيره من مسائل مخالفة للأصول، فإنّها غير ظاهرِ الرواية، وتعدّ من النوادر: كنوادر ابن سماعة (¬1)، ونوادر هشام (¬2)، ونوادر ابن رستم (¬3).
¬
(¬1) وهو محمد بن سَماعة بن عبيد الله التَّميميّ، أبو عبد الله، وكان سبب كَتْبِ ابن سماعة النوادر عن محمد أنه رآه في النوم كأنه يثقب الإبر، فاستعبر ذلك، فقيل: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجهد أن لا يفوتك منه لفظة، فبدأ حينئذ، فكتب عنه النوادر. من مؤلفاته: «أدب القضاء»، و «المحاضر والسجلات»، (ت233هـ). ينظر: «التقريب» (ص417)، و «الجواهر» (3: 168 - 170).
(¬2) وهو هشام بن عبيد الله الرَّازِيّ، مات محمد بن الحسن في منزله بالرَّيِّ، ودفن في مقبرتهم، من مؤلفاته: «النوادر»، و «صلاة الأثر»، قال: لقيت ألفاً وسبعمئة شيخ، وأنفقت في العلم سبعمئة ألف درهم. ينظر: «الجواهر» (3: 569 - 570). «طبقات الحنائي» (ص28)، و «الفوائد» (ص364).
(¬3) وهو إبراهيم بن رستم المَرْوزيّ، أبوبكر، تفقه على محمد، وروى عن نوح الجامع، وسمع مالك، (ت211هـ). ينظر: «الفوائد» (ص27).
الجزء 1 · صفحة 60
الطبقة الثالثة: الفتاوى: وتسمَّى الواقعات، وهي مسائل استنبطها المتأخّرون من أصحابِ محمّد - رضي الله عنه -، وأصحاب أصحاب محمّد - رضي الله عنه - فمَن بعدهم في الواقعات التي لم توجد فيها روايةٌ عن الأئمّة الثلاثة، وأوّل كتاب جُمِعَ فيه ممَّا عُلِمَ «النوازل» ألَّفَه الفقيه أبو الليث نصرُ بن محمد بن إبراهيم السَّمَرْقَنْدِيّ، المعروف بإمام الهدى، وجمعَ فيه فتاوى المتأخّرين المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه كمحمّدِ بن مقاتل الرازيّ (¬1)، ومحمّدِ بن سَلمة (¬2)، ونصيرِ بن يحيى (¬3)، وذكر فيها اختياراته أيضاً، وهو أصل الواقعات غير الأصول.
ثمَّ جمعَ المشايخ فيه كتباً: كـ «مجموع النوازل والواقعات» للنَّاطِفِيّ (¬4) والصدرِ الشهيد (¬5)
¬
(¬1) وهو محمد بن مقاتل الرَّازِيّ، من أصحاب محمد، قاضي الرَّي، (ت248هـ). ينظر: «الجواهر» (3: 273)، و «الفوائد» (ص329)، و «التقريب» (ص442).
(¬2) وهو محمد بن سلمة البَلْخِيّ، أبو عبد الله، تفقه على أبي سليمان الجُوزَجاني، وشدَّاد بن حكيم، (192 - 278هـ). ينظر: «الجواهر» (3: 162 - 163)، و «الفوائد» (ص279).
(¬3) وهو نصير بن يحيى البَلْخيّ، أخذ الفقه عن أبي سليمان الجُوزَجانيّ عن محمد، (ت268هـ). ينظر: «الجواهر المضية» (3: 546، 326)، و «الفوائد» (ص363).
(¬4) وهو أحمد بن محمد بن عمر النَّاطِفِيّ، أبو العبّاس، نسبة إلى عمل الناطِف وبيعه، والناطف نوع من الحلوى، قال ابن أبي الوفاء: أحد الفقهاء الكبار، وأحد أصحاب النوازل. ومن مؤلفاته: «الأجناس والفروق»، و «الواقعات»، (ت446هـ). ينظر: «الجواهر» (1: 297 - 298)، و «الفوائد» (ص65 - 66).
(¬5) وهو عمر بن عبد العزيز بن مازه، الصدر الشهيد، أبو محمد، برهان الأئمة، حسام الدين، من مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، و «الفتاو
ى الصغرى»، و «الفتاوى الكبرى»، (483 - 536هـ). ينظر: «الجواهر» (2: 649 - 650)، و «النجوم الزاهرة» (5: 268 - 269)، و «إيضاح المكنون» (4: 124).
الجزء 1 · صفحة 61
وغيره.
ثمَّ جمعَ مَن بعدهم من المشايخ هذه الطبقات في فتاواهم مختلطة غير ممتازة، كما في «جامع قاضي خان»، و «الخلاصة»، وغيرهما من كتب الفتاوى، وقد ميَّزَ بعضُهم كما في «المحيط» لرضيّ الدين السَّرَخْسِيِّ (¬1) فإنّه بدأَ بمسائل الأصول أوّلاً، ثمَّ النوادر، ثمَّ الفتاوى. انتهى كلامه (¬2).
وقد ذكرتُ بعض ما يتعلّق بهذا البحث في «مقدمة الهداية» (¬3)، وفي «النافع الكبير لمَن يطالع الجامع الصغير» (¬4)، فليرجع إليهما.
واعلم أنّهم ذكروا (¬5):
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد السَّرَخْسيّ، رضي الدين، برهان الإسلام، قال الكفوي: كان إماماً كبيراً جامع العلوم العقلية والنقلية، من مؤلفاته: «المحيط الرضوي»، (ت571هـ)، ينظر: «تاج» (ص248 - 249)، و «طبقات الحنائي» (ص104)، و «الفوائد» (ص310 - 314).
(¬2) أي الكفوي من «الكتائب» (ق74/أ).
(¬3) «مقدمة الهداية» (2: 4).
(¬4) «النافع الكبير» (18 - 20).
(¬5) أي إن كبار علماء المذهب نصوا على ذلك، ومن أقوالهم ما يلي:
قال الشرنبلالي في «حاشيته على الدرر» (2: 276): «ونحفظ عن مشايخنا تقديم ما في المتون والشروح على ما في الفتاوى».
وقال الحموي في «غمز العيون» (1: 334): «العمل على ما في المتون إذا عارضه ما في الفتاوى».
وقال الطرطوسي في «أنفع الوسائل»: «إذا تعارض تصحيح ما في المتون والفتاوى فالمعتمد ما في المتون».انتهى. ينظر: «غمز العيون» (4: 155).
وقال ابن عابدين - رضي الله عنه - في «رد المحتار» (4: 33): «إذا اختلف التصحيح لقولين وكان أحدهما قول الإمام أو في المتون أخذ بما هو قول الإمام؛ لأنه صاحب المذهب، وبما في المتون؛ لأنها موضوعة لنقل المذهب». وقال فيه (1: 489): «متى اختلف الترجيح رجح ما في المتون»، وقال فيه (2: 299) أيضاً: «والمتون مقدمة على الشروح».
وقال فيه (1: 77) أيضاً: «في (قضاء الفوائت) من «البحر» من أنه إذا اختلف التصحيح والفتوى فالعمل بما وافق المتون أولى. اهـ. وكذا لو كان أحدهما في الشروح والآخر في الفتاوى لما صرحوا به من أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين أو عدم التصريح أصلاً.
أما لو ذكرت مسألة المتون لم يصرحوا بتصحيحها بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني؛ لأنه تصحيح صريح وما في المتون تصحيح التزامي، والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامي: أي التزام المتون ذكر ما هو الصحيح في المذهب، وكذا لا تخيير لو كان أحدهما قول الإمام والآخر قول غيره؛ لأنه لما تعارض التصحيحان تساقطا، فرجعنا إلى الأصل وهو تقديم قول الإمام، بل في «شهادات» «الفتاوى الخيرية»: المقرر عندنا أنه لا يفتى ويعمل إلا بقول الإمام الأعظم، ولا يعدل عنه إلى قولهما أو قول أحدهما أو غيرهما إلا لضرورة: كمسألة المزارعة وإن صرح المشايخ بأن الفتوى على قولهما؛ لأنه صاحب المذهب والإمام المقدم. اهـ. ومثله في «البحر» عند الكلام على «أوقات الصلاة»، وفيه من «كتاب القضاء»: يحل الإفتاء بقول الإمام، بل يجب وإن لم يعلم من أين قال. اهـ».
وقال ابن نجيم - رضي الله عنه - في «البحر الرائق» (6: 310): «العمل على ما هو في المتون؛ لأنّه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى، فالمعتمد ما في المتون، وكذا يقدّم ما في الشروح على ما في الفتاوى»، وقال فيه (3: 142): «والإفتاء بما في المتون أولى».
وقال الحصكفي - رضي الله عنه - في «الدر المنتقى» (1: 341): «والإفتاء بما في المتون أولى»، وقال في «الدر المختار» (5: 452): «ورجح في «الشرنبلالية» بأن ما في المتون والشروح أولى بما في كتب الفتاوى فليحفظ».
وقال التمرتاشي - رضي الله عنه - في «منح الغفار» (ق2/ 107/ب): «إن اختلف التصحيح، فالمعتمد ما في المتون».
وقال اللكنوي أيضاً في «التعليقات السنية» (ص180): «ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى ... ».
الجزء 1 · صفحة 62
إنّ ما في المتون مقدّمٌ على ما في الشروح، وما في الشروح على ما في الفتاوى، فإذا وجدت مسألة في المتونِ الموضوعة لنقلِ المذهب ووجدَ خلافُها في الشروح أُخِذَ بما في المتون، وإذا وقعت المخالفة بين ما في الشروح وبين ما في الفتوى، أُخِذَ بما في الشروح لكّن هذا إذا لم يوجد التصحيح الصريحيّ (¬1) في الطبقة التحتانيّة.
قال الشيخ أمين (¬2) مؤلّف «ردّ المحتار على الدرّ المختار» في «تنقيح الفتاوى
الحامدية» في «كتاب الإجارة»: «ذكر ابنُ وَهْبان (¬3)
¬
(¬1) بأن يكون صرَّح في الشرح أو الفتاوى بأنه هذا القول صحيح، أو أصح، أو عليه الفتوى، أو به يفتى، أو به نأخذ، أو غيرها من الألفاظ الصريحة في ترجيح هذا القول مما نصت عليها في كتب رسم المفتي، وتمام هذا البحث في «المدخل» (ص245 - 249).
(¬2) وهو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِي، المشهور بابن عابدين، قال الشطي: إنه علامة فقيه فهامة نبيه، عذب التقرير متفنن في التحرير، لم ينسج عصر على منواله. من مؤلَّفاته: «العقود الدرية»، و «نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار»، ورسائله المشهورة، (1198 - 1252هـ). ينظر: «أعيان دمشق» (ص252 - 255). «الأعلام» (6: 267 - 268).
(¬3) وهو عبد الوهاب بن أحمد بن وَهْبَان الحارثي الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِي، أمين الدين، له: «عقد القلائد في حل قيد الشَّرائد ونظم الفرائد» الشرح والنظم له، و «شرح درر البحار»، و «امتثال الأمر في قراءة أبي عمرو»، (قبل 730 - 768). ينظر: «الدّرر الكامنة» (2: 423 - 424)، «الكشف» (2: 1865)، «الفوائد» (ص191).
الجزء 1 · صفحة 63
وغيره: إنّه لا عبرةَ لِمَا يقوله في «القنية» (¬1) إذا خالفَ غيرَه، وقالّوا أيضاً: إنَّ ما في المتونِ مقدَّم على ما في الشروح، وما في الشروح على ما في الفتاوى». انتهى (¬2).
وقال أيضاً في «كتاب الفرائض» منه (¬3): في مسألة ما إذا تركَ الميِّت بنت عمّ وابن خال، بعدما ذكر عن الخير الرَّمْليّ (¬4) أنّه أفتى بأن الكلّ لبنت العمّ: «قد ذكروا أنّ ما في المتون مصحّح التزاماً ـ أي التزمَ أصحابُ المتون أن يذكروا فيها الصحيح ـ، وأنّ
¬
(¬1) لمختار بن محمود الزَّاهِدِيّ الغَزمِيْني الحَنَفِيّ، أبي رجاء، نجم الدِّين، من مؤلفاته «المجتبى شرح القُدُوريّ»، و «القُنْيَة»، قال الإمام اللكنوي: طالعتهما فوجدتُهما على المسائل الغريبةِ حاويينِ، ولتفصيل الفوائد كافيين، إلاَّ أَنَّهُ صَرَّح ابنُ وهبان، وغيره: أنَّه معتزلي الاعتقاد، حنفي الفروع، وتصانيفُه غير معتبرة ما لم يُوجد مُطابقتها لغيرها؛ لكونها جامعة للرطب واليابس. (ت658هـ). ينظر: «الجواهر المضية» (3: 460)، «الفوائد» (ص349)، «الكشف» (2: 1357).
(¬2) أي كلام ابن عابدين من «العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 115).
(¬3) أي قال ابن عابدين في «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 310).
(¬4) وهو خير الدين بن أحمد بن نور الدين الأيوبي العُلَيْمِي الفاروقي الرَّمْلِي الحَنَفي، قال المحبي: الإمام الفقيه المحدِّث المفسِّر اللغوي الصرفي النحوي البياني العروضي المعمر شيخ الحنفية في عصره وصاحب الفتاوى السائرة، ومن مؤلفاته: «الفتاوي الخيرية لنفع البرية»، «حواشي على منح الغفار»، و «حواشي على شرح الكنْز للعيني»، (993 - 1081هـ). ينظر: «خلاصة الأثر» (2: 134). «الأعلام» (2: 374 - 375).
الجزء 1 · صفحة 64
التصحيح الصريح أقوى من التصحيحِ الالتزامي (¬1).
¬
(¬1) ويكون بمعرفة مناهج علماء مذهبه في تأليف كتبهم؛ إذ أن لكل مؤلِّف طريقة في الترجيح بين الأقوال، يتعرفها المفتي بكثرة مطالعة الكتب وشروحها وحواشيها بالإضافة للنظر فيما ألف في رسم المفتي. وصور الترجيح الالتزامي مختلفة، منها:
الأولى: تقديم القول الراجح؛ قد التزم بعض المؤلِّفين بأنهم يقدمون القول الراجح عندهم في الذكر على الأقوال المرجوحة، كقول قاضي خان في «فتاواه» (1: 2): «وبينما كثرت فيه الأقاويل من المتأخرين اقتصرت على قول أو قولين وقدمت ما هو الأظهر، وافتتحت بما هو الأشهر؛ إجابة للطالبين، وتيسيراً على الراغبين».
الثانية: تأخير دليل القول الراجح؛ فإن الكتب التي التزمت ذكر الدلائل كـ «الهداية» و «المبسوط» وغيرهما، فإن عادتهم المعروفة أنهم يذكرون دليل القول الراجح في الأخير، ويجيبون عن دلائل أقوال أخر، فالدليل المذكور في الأخير يدلّ على رجحان مدلوله عند المؤلّف.
الثالثة: ذكر دليل القول الراجح؛ وهذا إذا ذكر دليل قول واحد فقط وأهمل دليل الآخر، فالراجح ما ذكر دليله.
الرابعة: الرد على الأقوال الأخر؛ وهذا إذا ذكر فقيه أقوالاً مع دلائلها، ثم ردّ على دلائل بعض الأقوال ولم يردّ على دليل بعضها، فذلك ترجيح التزامي لقول لم يردّ على دليله. ينظر: «المدخل» (ص244 - 245)، و «أصول الإفتاء» (ص35).
الجزء 1 · صفحة 65
وما أفتى به الخيرُ الرمليُّ صرّح بتصحيحه في «جامع المضمرات»، وقول المؤلّف (¬1): إنَّ المتونَ موضوعةٌ لنقلِ المذهب؛ لا يدلّ على ترجيحِ ما فيها من مسألتنا؛ لأنَّ المرادَ بالمذهب ما يذكرُ في كتب ظاهر الرواية، وهاهنا كلّ من القولين صرّحوا بأنّه ظاهرُ الرواية، فحيث كان كذلك فعلينا اتّباع ما صرّحوا لنا بتصحيحه». انتهى (¬2).
ثمَّ المراد بالمتونِ في قولهم: ما في المتونِ مقدَّم، ليس جميعُ المتون، بل المختصرات التي ألَّفَها حذّاق الأئمّة، وكبار الفقهاء المعروفين بالعلم والزهد والفقه والثقة في الرواية، كأبي جعفر الطَّحاويّ والكَرْخيّ والحاكم الشهيد والقُدُوري، ومَن في هذه الطبقة (¬3).
¬
(¬1) أي حامد أفندي بن علي إبراهيم العمادي الحنفي الدمشقي، كان عالماً محققاً فقيهاً أديباً شاعراً نبيهاً كاملاً مهذباً، من مؤلفاته: «الفتاوى العمادية الحامدية» وسمَّاها: «مغني المفتي عن جواب المستفتي»، (1103 - 1171هـ). ينظر: «إيضاح المكنون» (2: 156)، و «لآلئ المحار» (ص249).
(¬2) كلام ابن عابدين من «العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 310).
(¬3) قال الإمام اللكنوي في «التعليقات السنية» (ص180» أن المقصود بالمتون «في عرف المتقدّمين ... حيث قالوا: ما في المتون مقدم. أرادوا به متون كبار مشايخنا، وأجلة فقهائنا كتصانيف الطحاوي والكرخي والجصاص والخصاف والحاكم وغيرهم».
الجزء 1 · صفحة 66
وقد كثرَ اعتمادُ المتأخّرين على «الوقاية» لبرهان الشريعة، و «كنز الدقائق» لأبي البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد النَّسَفِيّ، المتوفى سنة عشرة وسبعمئة، و «المختار» لأبي الفضل مجد الدين عبد الله بن محمود المَوْصليّ، المتوفى سنة ثلاث وثمانين وستمئة، و «مجمع البحرين» لمظفّر الدين أحمد بن علي البغداديّ المتوفى سنة أربعٍ وتسعين وستمئة، و «مختصر القُدُوريّ» لأحمد بن محمّد المتوفّى سنة ثمان وعشرين وأربعمئة؛ وذلك لما علموا من جلالةِ مؤلّفيها، والتزامهم إيرادَ مسائل معتمدٍ عليها (¬1).
وأشهرُها ذكراً، وأقواها اعتماداً: «الوقاية»، و «الكنز»، و «مختصر القُدُوريّ»، وهي المرادُ بقولهم: المتون الثلاثة، وإذا أطلقوا المتونَ الأربعةَ أرادوا هذه الثلاثة: و «المختار»، أو «المجمع».
¬
(¬1) إن أصحاب هذه المتون متفقون على الالتزام بذكر قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، والراجح في المذهب في كل ما يوردون، ويهتمون كثيراً جداً بجمع مسائل كثيرة في متونهم، مع اختصار شديد في العبارة، ويختلفون في أن بعضهم يذكر بعض المسائل وبعضهم لا يذكرها، وكذا فيما هو الصحيح أو الأصح أو ما عليه الفتوى في المذهب كلٌّ على حسب اجتهاده، وعلى حسب الشائع في البلاد التي يعيش فيها، وأيضاً في ترتيب الكتب تقديماً وتأخيراً. وهذه الميِّزاتُ انفردوا فيها عن أصحاب المتون من المتقدِّمين، إذ قد يخرج صاحب المتن عن رأي المذهب في بعض المسائل، كما يقع ذلك من الطحاوي في «مختصره». ينظر: «المدخل» (ص323).
الجزء 1 · صفحة 67
واعلم أنّه قد اشتهرَ أنَّ المتونَ موضوعةٌ لنقل أصل المذهبِ ومسائل ظاهر الرواية، وهذا حكمٌ غالبيّ لا كليّ، فإنّه كثيراً ما يذكرُ أربابُ المتونِ مسألةً هي من تخريجات المشايخ المتقدّمين، مخالفةً لمسلكِ الأئمّةِ المتبوعين: كمسألةِ (العشر في العشر في باب نجاسة الحوض وطهارته)، فإنّها من تحديداتِ المشايخ المتقدّمين، وأصل المذهبِ خالٍ عن هذا، كما ستعرفه في موضعِهِ إن شاءَ الله تعالى.
وكذا ما اشتهر أنّ المتونَ موضوعةٌ لنقلِ مذهبِ الإمامِ أبي حنيفة، حكمٌ غالبيٌّ لا أكثري، فكثيراً ما ذكروا فيها مذهبَ صاحبيه إذا كان راجحاً، كما في بحثِ (السجدةِ بالجبهة والأنف) وغيره.
• • •
الجزء 1 · صفحة 68
الدراسة الرابعة
في فوائد متفرِّقة مفيدة
للمفتي والمصنّف
فائدة:
- قال في «ردّ المحتار» نقلاً عن «شرح الأشباه» للشيخ هبة الله البَعْلِيّ (¬1)، قال شيخنا العلامةُ صالح (¬2): لا يجوز الإفتاءُ:
1. من الكتبِ المختصرة، كـ «النهر» (¬3)، و «شرح الكَنْز» للعَيْنِيّ (¬4)، و «الدر المختار شرح تنوير الأبصار».
¬
(¬1) وهو هبة الله بن محمد بن يحيى البَعْليّ الحَنَفِيّ، مفتي بعلبك الشهير بالتَّاجي، من مؤلَّفاته: «شرح الأشباه والنظائر»، (1150ـ 1224هـ). ينظر: «أعيان دمشق» (ص290 - 291).
(¬2) وهو صالح بن إبراهيم بن سليمان الجينينيّ الدِّمَشْقِيّ الحَنَفي، من مؤلفاته: «ثبت»، (1094 - 1170هـ). ينظر: «أعيان دمشق» (ص290)، و «معجم المؤلفين» (1: 828).
(¬3) لعمر بن إبراهيم بن محمد، المشهور بابن نُجَيْم المِصْريّ الحنفي، سراج الدين، أخو صاحب «البحر الرائق»، من مؤلفاته: «النهر الفائق بشرح الكنز دقائق»، و «إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل»، و «عقد الجواهر في الكلام على سورة الكوثر»، (ت1005هـ). ينظر: «خلاصة الأثر» (3: 306 - 307)، و «طرب الأماثل» (ص509)، و «هدية العارفين» (1: 796).
(¬4) وهو محمود بن أحمد بن موسى العنتابي العَيْني الحلبي القاهري الحنفي، أبو محمد، بدر الدين، قال السيوطي: كان إماماً عالماً علامة عارفاً بالعربية والتصريف حافظاً للغة. من مؤلفاته: «البناية في شرح الهداية»، و «رمز الحقائق شرح كَنْز الدقائق»، و «عمدة القاري شرح صَحِيح البُخَارِيّ» (762 - 855هـ). ينظر: «الضوء اللامع» (10: 131 - 135)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق351/ب-ق352/أ)، و «الفوائد البَهيَّة» (ص340).
الجزء 1 · صفحة 69
2. أو لعدم الاطِّلاع على حال مصنِّفيها، كـ «شرح الكنز» لملا مسكين (¬1)، و «شرح
النُّقاية» للقُهُسْتَانِيّ (¬2).
3. أو لنقلِ الأقوالِ الضعيفة فيها، كـ «القُنْية» للزَّاهِدِيّ، فلا يجوزُ الإفتاءُ من هذه إلا إذا عَلِمَ المنقولَ عنه وأَخْذَه منه (¬3). انتهى (¬4).
¬
(¬1) وهو معين الدين الهروي المعروف بملاّ مسكين، من مؤلفاته: «شرح الكنز»، (ت954هـ). ينظر: «الكشف» (2: 1515).
(¬2) وهو محَمَّدُ الخُرَاسَانِي القُهُسْتَانيّ، شمس الدِّين، المفتي ببخارا، من مؤلفاته: «جامع الرموز في شرح النقاية»، قال الإمام اللكنوي: هو من الكتب الغير معتبرة لعدم الاعتماد على مؤلِّفه، وقال علي القاري المَكِّيّ في بعض رسائله: قال عصام الدين في حقِّ القُهُسْتَانِيّ: إنَّهُ لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام الهَرَوي، لا من أعاليهم، ولا من أدانيهم، وإنّما كان دلال الكتب في زمانه، ولا كان يعرف الفقه، ولا غيره بين أقرانه، ويؤيده أَنه يجمع في شرحه هذا بين الغث والسمين، والصحيح والضعيف من غير تصحيح ولا تدقيق، فهو كحاطب الليل، جامع بين الرطب واليابس في الليل. (ت نحو: 953هـ). ينظر: «غيث الغمام» (ص30)، و «دفع الغواية» (ص37)، و «تذكرة الراشد» (ص56).
(¬3) وتكملة العبارة: هكذا سمعته منه، وهو علامة في الفقه مشهور، والعهدة عليه. ينظر: «رد المحتار» (1: 48).
(¬4) من «رد المحتار» (1: 48)
الجزء 1 · صفحة 70
ثمّ قال: وينبغي إلحاقُ «الأشباه والنظائر» (¬1) بها، فإنّ فيها من الإيجاز في التعبير ما لا يفهم معناه إلاَّ بعدَ الاطّلاع على مأخذه، بل فيها في مواضع كثيرة الإيجاز المخلّ يظهرُ ذلك لمَن مارسَ مطالعتَها مع الحواشي، فلا يأمنُ المفتي من الوقوعِ في الغلط إذا اقتصر عليها، فلا بُدَّ له من مراجعة ما كتب عليها من الحواشي أو غيرها. انتهى (¬2).
- وفي «تذكرة الموضوعات» (¬3) لعلي القاريّ المكّيّ (¬4): «من القواعد الكلية أن نقل
الأحاديث النبويّة، والمسائل الفقهيّة، والتفاسير القرآنيّة، لا يجوز إلا من الكتب المتداولة؛ لعدم الاعتماد على غيرها من وضعِ الزنادقة، وإلحاق الملاحدة، بخلافِ الكتب المحفوظة، فإنّ نسخَها تكون صحيحة متعدّدة». انتهى.
¬
(¬1) لإبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، و «الرسائل الزينية»، و «الأشباه والنظائر»، و «فتح الغفار شرح المنار»، قال الإمام اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970هـ). ينظر: «التعليقات السنية» (ص221 - 222)،و «الكشف» (1: 385، 2: 1515)،و «الرسائل الزينية» (ص7).
(¬2) من «رد المحتار» (1: 48).
(¬3) الاسم المطبوع به هو «الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة»، وهناك اختلاف في اسمه. ينظر للوقوف عليه: «الأسرار» (ص15 - 17)، و «المصنوع» (ص14 - 16).
(¬4) وهو علي بن سلطان محمد الهَرَوي القَارِيّ الحَنَفي، أبو الحسن، نور الدين، من مؤلِّفاته: «فتح باب العناية بشرح النقاية»، و «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»، و «الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة»، و «شرح مسند الإمام»، (930 - 1014هـ). ينظر: «خلاصة الأثر» (3: 185 - 186)، و «الكواكب السائرة» (1: 445 - 446)، و «الأعلام» (5: 166 - 167)، و «الإمام علي القاري وأثره في علم الحديث» (ص44)
الجزء 1 · صفحة 71
- وقال ابنُ الهُمام في «فتح القدير» في «كتاب القضاء»: «قد استقر رأي الأصوليّين على أنّ المفتي هو المجتهد، وأمّا غيرُ المجتهد ممَّن يحفظُ أقوال المجتهد، فليس بمفتٍ، والواجب عليه إذا سُئِلَ أن يذكرَ قولَ المجتهد كأبي حنيفة - رضي الله عنه - على جهة الحكاية، فعرفَ أنّ ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقلُ كلامِ المفتي ليأخذَ به المستفتي وطريق نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين:
إما أن يكون له سند فيه إليه، أو يأخذ من كتابٍ معروف تداولته الأيدي، نحو كتب محمّد بن الحسن - رضي الله عنه - ونحوها من التصانيف المشهورة؛ لأنّه بمنزلة الخبرِ المتواتر عنهم أو المشهور هكذا ذكر الرازيّ (¬1)، فعلى هذا لو وجد بعض نسخ النوادر في زماننا لا يحلّ عزو ما فيها إلى محمّد - رضي الله عنه -، ولا إلى أبي يوسف - رضي الله عنه -؛ لأنّها لم تشتهر في زماننا في ديارنا، ولم تتداول، نعم إذا وجدَ النقل عن النوادر مثلاً في كتابِ مشهور: كـ «الهداية» و «المبسوط» كان ذلك تعويلاً على ذلك الكتاب (¬2).
فلو كان حافظاً للأقاويلِ المختلفة للمجتهدين ولا يعرف الحجّة، ولا قدرة له على الاجتهاد للترجيحُ لا يقطع بقولٍ منها يفتي به، بل يحكيها للمستفتي بها، فيختار المستفتي ما يقعُ في قلبه أنّه الأصوب، ذكره في بعض الجوامع.
وعندي إنّه لا تجبُ عليه حكاية كلّها، بل يكفيه أن يحكيَ قولاً منها، فإنّ المقلّد
له أن يقلّد أيّ مجتهدٍ شاء» (¬3).
¬
(¬1) أي أبو بكر الرزاي في «الفصول في الأصول» (3: 162)، وسيأتي نص كلامه بعد قليل.
(¬2) أقول: ويمكن نسبة القول في النوادر وغيرها من الكتب غير المتداولة إلى الأئمة إذا حقِّقت على عدّة نسخ خطية، لا سيما إذا كانت قريبة العهد منهم. والله أعلم.
(¬3) لأن المشهور لدى العلماء أن العامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب مفتيه، ومن الفقهاء الذين نصوا عليه ما يلي:
قال ابن عابدين في «رد المحتار» (4: 80): «قالوا: العامي لا مذهب له، بل مذهب مفتيه، وعلله في شرح التحرير بأن المذهب إنما يكون لمن يكون له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذهب على حسبه، أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما غيره ممن قال: أنا حنفي أو شافعي لم يصر كذلك بمجرد القول كقوله: أنا فقيه، أنا نحوي».
وقال عبد الغني النابلسي في «خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق» (ص122): «فإن قولهم: العامي لا مذهب له، يعني معيناً، وإنما مذهبه مذهب مفتيه، فأي فقيه أفتاه جاز له العمل بقوله».
وقال الزركشي في «البحر المحيط» (8: 375): «حكى الرافعي عن أبي الفتح الهوري أحد أصحاب الإمام أن مذهبَ عامة أصحابنا أن العامي لا مذهب له».
وقال الدِّهلوي في «عقد الجيد» (ص35): «والمرجح عند الفقهاء أن العامي المنتسب إلى مذهب له مذهب ولا يجوز له مخالفته». والمسألة تحتاج إلى تفصيل وتحقيق، فلتحرر.
الجزء 1 · صفحة 72
انتهى (¬1).
- وفي بعض رسائل ابن نُجيم المصريّ المؤلَّفة في بعض صورِ الوقف رَدّاً على بعضِ معاصريه: «نقلَه عن «المحيط البرهاني» كذبٌ؛ لأنّ «المحيط البرهانيّ» (¬2)
¬
(¬1) من «فتح القدير» (6: 360) «كتاب القضاء».
(¬2) وهو لبرهان الدين ابن مازه البُخاري (ت616هـ)، من أئمة الحنفية المشهورين، وكتابه من أوسع كتبهم وأجمعها للمسائل والخلاف، إلا أنه لما ندر وجوده حكم عليه بعدم الاعتبار؛ خوفاً أن ينسب أحد مسألة إليه وهي غير موجودة فيه أو خوف سقم النسخة المعتمد عليها أو غير ذلك، وهذا الكتاب ما زال نادراً إلا أنه قد طبع قديماً في الهند وحديثاً في بيروت، وفي دار العلوم في الهند، وقامت جامعة بغداد بتحقيقه كاملاً في رسائل دكتوراه وماجستير زادت على الخمسين رسالة.
قال اللكنوي في «النافع الكبير» (ص28): «وقد وفقني الله بمطالعة «المحيط البرهاني» فرأيته ليس جامعاً للرطب واليابس، بل فيه مسائل منقحة وتفاريع مرّصصة ثم تأملت في عبارة «فتح القدير» وعبارة ابن نجيم فعلمت أن المنع من الإفتاء منه ليس لكونه جامعاً للغث والسمين، بل لكونه مفقود الوجود في ذلك العصر وهذا الأمر يختلف باختلاف الزمان». ينظر: «المدخل» (ص238 - 239).
الجزء 1 · صفحة 73
مفقودٌ كما صرَّح به ابنُ أمير حاج (¬1) في «شرح مُنْية المُصَلِّي»، وعلى تقدير أنّه ظفرَ به دونَ أهلِ عصره لم يجزْ الإفتاءُ منه، ولا النقلُ عنه، كما صرَّحَ به في «فتح القدير» في «كتاب القضاء».». انتهى (¬2).
- وفي «حواشي السّيد أحمد الحَمَويّ (¬3) على الأشباه والنظائر» (¬4) نقلاً عن «الفوائد الزينيّة» لمؤلّف «الأشباه» ابن نُجيم المصريّ: «لا يحلّ الإفتاءُ من القواعد والضوابط، وإنّما على المفتي حكايةُ النقلِ الصريح، كما صرّحوا به». انتهى.
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن أمير حاج، هو تلميذٌ للشيخِ ابنِ الهُمَام والحافظِ ابنِ حَجَرٍ، قال الإمام اللكنوي: وشرحه «للمُنْيَةِ» يدلُّ على تبحرِه، وسعةِ نظرِه، ورجحانِ فِكْرِه، ولو جُعِلَ من أربابِ التَّرْجيحِ فهو رأيٌ نجيحٌ. من مؤلفاته: «حَلْبَةُ المُجَلِّي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي وغنية المبتدي»، و «التقرير والتحبير شرح التحرير»، و «ذخيرة القصر في تفسير سورة والعصر»، (825 - 879هـ). ينظر: «الضوء اللامع» (9: 210 - 211)، و «المستطرفة» (ص146 - 147)، و «الأجوبة الفاضلة» (ص197 - 201).
(¬2) كلام ابن نجيم من «رسالة في صور وقفية اختلفت فيها الأجوبة» (ص191).
(¬3) وهو أحمد بن محمد المَكَّيُّ الحُسَيْنِيُّ الحَمَويّ المِصْريّ الحَنَفي، شهاب الدين، من مؤلفاته: «غمز عيون البصائر على محاسن الأشباه والنظائر»، و «تذهيب الصحيفة بنصرة الإمام أبي حنيفة»، و «العقود الحسان في مذهب النعمان»، (ت1098هـ). ينظر: «هدية العارفين» (1: 164)، و «معجم المؤلفين» (1: 259).
(¬4) أي «غمز عيون البصائر» (1: 307).
الجزء 1 · صفحة 74
- وفيها (¬1) أيضاً في موضع آخر: «لا عبرةَ بما في كتب الأصولِ إذا خالفَ ما ذكرَ في كتب الفروع كما صرّحوا به». انتهى.
- وفيها (¬2) أيضاً في موضع آخرَ نقلاً عن بعض رسائلِ مؤلّف «الأشباه»: «لا تجوزُ الفتوى من التصانيف الغيرِ المشهورة». انتهى.
- وفي «القُنية» نقلاً عن «أصولِ الفقه» لأبي بكرٍ الرازيّ - رضي الله عنه -: «أمّا ما يوجدُ من كلام رجلٍ ومذهبه في كتابٍ معروف به، قد تناولته النسخُ يجوزُ لمَن نظرَ فيه أن يقول: قال فلان كذا، ومذهب فلان كذا، وإن لم يسمعه من أحد، نحو: كتب محمّد بن الحسن و «موطأ مالك» ونحوهما من الكتب المصنّفة في أصنافِ العلوم؛ لأنّ وجودَها على هذا الوصفِ بمنزلةِ الخبرِ المتواتر والاستفاضة، لا يحتاجُ مثله إلى إسناد». انتهى (¬3).
وفي «نوازل الفقيه أبي الليث»: «قيل لأبي نصر: وقعت عندنا أربعةُ كتب: كتاب إبراهيم بن رستم، و «أدب القاضي» عن الخَصَّاف، وكتاب «المجرَّد»، و «النوادر» من وجه هشام، هل يجوز لنا أن نفتيَ منها؟ فقال: ما صحّ عن أصحابنا فذلك علم مجتبى مرغوبٌ فيه، مرضي به، فأمّا الفتوى فإنّي لا أرى لأحد أن يفتيَ بشيءٍ لا يفهمُه، ولا يتحمَّل أثقال الناس، فإن كانت مسائلُ قد اشتهرت وظهرت عن أصحابنا، رجوت أن يسعَ الاعتماد عليها». انتهى.
فائدة:
¬
(¬1) أي في «غمز عيون البصائر» (2: 100).
(¬2) أي في «غمز العيون» (3: 451).
(¬3) كلام الرازي من «الفصول في علم الأصول» (3: 192).
الجزء 1 · صفحة 75
1. من الكتب الغير المعتبرة: «شرح مختصرُ الوقاية» للقُهُسْتَانِيّ شمس الدّين محمّد مفتي بُخارا، المتوفى سنة خمسين أو اثنتين وستّين بعد تسعمئة المشهور بـ «جامع الرموز»، و «شرح مختصر الوقاية» لأبي المكارم (¬1).
قال ابنُ عابدين في «تنقيح الفتاوى الحامدية» في «بحث كراهة لبس الثوب الأحمر» في أثناءِ الردّ على الشرنبلاليّ القائل بجوازهِ المستند إلى كلام أبي المكارم والقُهُسْتَانِيّ: على أن الذي يجب على المقلّد اتّباعُ مذهب إمامه.
والظاهر أنّ ما نقلَه هؤلاء الأئمّةُ هو مذهبُ الإمام لا ما نقله أبو المكارم، فإنّه رجلٌ مجهول، وكتابُه كذلك، والقُهُسْتَانِيُّ كجارفِ سيل وحاطب ليل خُصُوصاً
¬
(¬1) وهو عبد الله بن محمَّد، أبو المكارم، قال ابن عابدين عنه: رجل مجهول، وكتابه كذلك، من مؤلفاته: «شرح النقاية»، وهو من الكتب غير المعتبرة، كما نبَّه عليه الإمام اللكنوي، أتمّه سنة (907هـ). ينظر: «الكشف» (2: 1972)، و «دفع الغواية» (ص39)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 324).
الجزء 1 · صفحة 76
واستناده (¬1) إلى كتب الزاهديّ المعتزليّ. انتهى (¬2).
¬
(¬1) أي استناد الشرنبلالي فيما ذهب إليه بما في كتب الزاهدي. والله أعلم.
(¬2) من «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 324)، وتمام عبارته: «فكان الأليق في حقه أن يقول الاختلاف يوصله إلى الكراهية التنزيهية، فلم يبق التحريم كما قيل، وهذه عجالة سمح لي بها الفياض العليم ببركة النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم كثيراً، ثم رأيت العلامة الحموي محشي «الأشباه» نقل في حاشيته من «أحكام الجمعة» أنه روى البيهقي «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس يوم العيد بردة حمراء»، وهي كما في «فتحٍ» عبارة عن ثوبين من اليمن فيهما خطوط حمر وخضر لا أنها حمراء بحت، فليكن محمل البردة أحدهما بدليل نهيه عن لبس الأحمر كما رواه أبو داود، والقول مقدم على الفعل، والحاظر على المبيح وتعارضا، فكيف إذا لم يتعارضا بالحمل المذكور».
الجزء 1 · صفحة 77
وقال على القاري المكيّ في رسالتِه: «شم العوارض في ذم الروافض»: «لقد صدقَ عصامُ الدين (¬1) في حقّ القُهُسْتَانِيّ أنّه لم يكن من تلاميذ شيخ الإسلام الهَرَوي (¬2)، لا من أعاليهم، ولا من أدانيهم، وإنّما كان دلاّل الكتب في زمانه، ولا كان يعرف بالفقه وغيره بين أقرانه، ويؤيّدُه أنّه يجمعَ في «شرحِه» هذا بين الغث والسمين، والصحيح والضعيف من غير تحقيق وتدقيق، فهو كحاطب الليل، الجامعِ بين الرطب واليابس في الليل». انتهى.
¬
(¬1) وهو إبراهيم بن صدر الدين محمد بن سيف الدين الحنفي، عصام الدين، المشهور بعرب شاه، حفيد الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني الأشعري، (ت951هـ). ينظر: «حاشية عصام الدين على شرح الوقاية»، و «فهرس مخطوطات الأوقاف في بغداد» (1: 473).
(¬2) وهو أحمد بن يحيى بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدِ التَّفْتَازَانِي، المعروف بشيخ الإِسلام الهَرَوِي، من مؤلفاته: «حواشي شرح الوقاية» (ت916هـ). ينظر: «مقدمة عمدة الرعاية» (1: 25)، و «تحفة النبلاء» (ص27).
الجزء 1 · صفحة 78
2. ومن الكتب الغير المعتبرة: «فتاوى إبراهيم شاهي» من مؤلّفات القاضي شهاب الدين الدولة آبادي (¬1)، كما نقله عبد القادر البدايوني (¬2) في «منتخب التواريخ» عن أستاذه العلاّمة، أجلّ علماء العهد الأكبري الشيخ حاتم السنبهليّ (¬3)، المتوفّى سنة ثمان وستّين بعد تسعمئة.
3. ومنها: تصانيف نجم الدين مختار بن محمود بن محمّد الزاهديّ، المعتزليّ الاعتقاد، حنفيّ الفروع، المتوفّى سنة ستٍّ وخمسين وستمئة، كـ «القُنية»، و «الحاوي»، و «المجتبى شرح مختصر القُدُوريّ»، و «زاد الأئمّة»، وغير ذلك، فقد قال في «تنقيح الفتاوى الحامدية»: «نقل الزاهديّ لا يعارضُ نقلَ المعتبرات النعمانيّة، فإنّه ذكرَ ابنُ وهبان: إنّه لا يلتفت إلى ما نقله صاحب «القُنية» مخالفاً للقواعد، ما لم يعضده نقلٌ من غيره، ومثله في «النهر» أيضاً. انتهى (¬4).
وفيه (¬5) أيضاً في موضع آخر: ««الحاوي» للزاهديّ: مشهور بنقلِ الروايات الضعيفة». انتهى.
¬
(¬1) وهو أحمد بن محمد الملقب بنظام الدين الكيكلاني الحنفي، شهاب الدين الدولة آبادي، القاضي، من مؤلفاته: «الإبراهيم شاهية» في الفتاوى، وهو كتاب كبير من أفخر الكتب كقاضي خان جمعه من مئة وستين كتاباً للسلطان إبراهيم شاه. ينظر: «معارف العوارف» (ص108)، و «الكشف» (1: 3).
(¬2) وهو عبد القادر بن ملوك شاه الحنفي البدايوني، قال الحسني: أحد العلماء المبرزين في التاريخ والإنشاء والشعر وكثير من الفنون الحكمية. ينظر: «نزهة الخواطر» (5: 244).
(¬3) وهو حاتم بن أبي حاتم الحنفي السنبهلي، قال الحسني: كان فاضلاً كبيراً كثير الدرس والإفادة، شديد التعبد متين الديانة، (ت8/ 969هـ). ينظر: «نزهة الخواطر» (4: 83).
(¬4) من «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 324).
(¬5) أي في «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 127) ,
الجزء 1 · صفحة 79
3. ومنها: «السراج الوهّاج شرح مختصر القُدُوريّ» من مؤلفات أبي بكر بن عليّ الحَدَّاديّ (¬1)، المتوفى سنة ثمانمئة. كما نقلَه صاحب «كشف الظنون» (¬2) عن المولى البِرْكِليّ (¬3).
4. ومنها: «مشتمل الأحكام» لفخر الدين الروميّ (¬4)، كما نقله صاحب «الكشف» (¬5) أيضاً عن البِرْكِليّ.
¬
(¬1) وهو أبو بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ العباديّ، أبو العتيق، رضي الدين، الشهير بصنعته، ومن مؤلفاته: «كشف التنزيل في تحقيق التأويل» تفسير القرآن، و «شرح منظومة شيخه العاملي» في الفقه، و «النور المستنير شرح منظومة النسفي»، و «شرح قيد الأوابد» في الفقه وسماه «الرحيق المختوم»، و «السراج الوهَّاج شرح مختصر القُدُوريّ» وقد اختصره في «الجوهرة النيِّرة شرح مختصر القُدُوْرِيّ»، (720 - 800هـ). ينظر: «تاج التراجم» (ص141)، و «الكشف» (2: 1631).
(¬2) «كشف الظنون» (2: 1631).
(¬3) وهو محمد بن بير علي البِرْكِلي الرُّوميّ، محيي الدين، من مؤلفاته: «الطريقة المحمدية»، و «جلاء الأفهام»، و «متن العوامل»، (929 - 981هـ). ينظر: «طرب الأماثل» (ص558)، و «الكشف» (2: 1111)، و «الحديقة الندية» (1: 3).
(¬4) وهو يحيى الحنفي، فخر الدين الرومي، من مؤلفاته: «مشتمل الأحكام» في الفتاوى الحنفية، عدَّه المولى البركلي من جملة الكتب المتداولة الواهية، (ت864هـ). ينظر: «الكشف» (2: 1692).
(¬5) «كشف الظنون» (2: 1692).
الجزء 1 · صفحة 80
5. ومنها: «الفتاوى الصوفيّة» لفضل الله [بن] (¬1) محمد بن أيوب (¬2)، تلميذ «جامع المضمرات» (¬3) كما نقله صاحب «الكشف» عن البِرْكِليّ أنّه قال: «إنّها ليست من الكتب المعتبرة، فلا يجوزُ العمل بما فيها إلا إذا علمَ موافقتها للأصول». انتهى (¬4).
6. ومنها: «فتاوى ابن نُجيم» و «فتاوى الطوري (¬5»)، كما نقله صاحب «ردّ المحتار» (¬6) عن «حاشية أبي السعود الأزهري على شرح الكنز» لملا مسكين.
¬
(¬1) غير موجود في الأصل، ومثبتة من «الفوائد» (ص250).
(¬2) وهو فضل الله بن محمد بن أيوب، المنتسب إلى ماجو، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً منتسباً أصولياً سيد أرباب الحقيقة. من مؤلفاته: «الفتاوى الصوفية» وقال ابن كمال باشا: إنه من الكتب غير المعتبرة. من مؤلفاته: «الفتاوى الصوفية» (ت666هـ). ينظر: «الكشف» (2: 1225)، و «الفوائد» (ص250).
(¬3) وهو يوسف بن عمر بن يوسف الصُّوفِيّ الكادوري البَزَّار الحنفي، قال الكفوي: شيخ كبير وعالم نحرير جمع علمي الحقيقة والشريعة، من مؤلفاته: «جامع المُضْمَرات والمشكلات شرح مختصر القُدُوريّ» قال الإمام اللكنوي: وهو شرح جامع للتفاريع الكثيرة، وحاوٍ على المسائل الغزيرة (ت832هـ). ينظر: «الكشف» (2: 1632)، و «الفوائد» (ص380).
(¬4) من «كشف الظنون» (2: 1225).
(¬5) وهو محمد بن حسين بن علي الطوري القادري الحنفي، من مؤلفاته: «الفواكه الطورية في الحوادث المصرية»، و «تكملة البحر الرائق شرح كنْز الدقائق»، وجمع ورتب فتاوى سراج الدين الهندي وزاد عليها، وفرغ منها سنة (1138هـ). ينظر: «معجم المؤلفين» (3: 255). «هدية العارفين» (2: 318). «إيضاح المكنون» (2: 202 - 203).
(¬6) «رد المحتار» (1: 48).
الجزء 1 · صفحة 81
7. ومنها: «خلاصة الكيداني» المنسوبة إلى لطف الله النَّسَفِيّ، فإنّها وإن اشتهرت في بلادِ ما وراءَ النهرِ اشتهاراً، وتداولوها فيما بينهم حفظاً واستذكاراً إلا أنّه لم يعرفْ إلى الآن حال مؤلّفها أنّه مَن هو؟ وكيف هو؟ وهل هو ممّن يستندُ بتصنيفه أو هو ممّن يضربُ به المثل المشهور: إنّ مَن لا يعرفُ الفقهَ صنّف فيه كتاباً؟ وقد اختلفَ في تعيين مؤلّفها على أقوالٍ ثلاثةٍ أوردها صاحب «كشف الظنون» (¬1):
الأوّل: إنّها لشمسِ الدِّين محمَّد بن حمزة الفناريّ (¬2)، المتوفّى سنةَ أربع وثلاثين وثمانمئة، وهو جدّ حسن جلبي، محشّي «المطول»، و «التلويح»، وغيره، وهذا ذكرَه المولى أحمد، المعروف بطاشكبرى زاده الرُّوميّ (¬3) في «شرحه» للمقدِّمةِ المذكورة (¬4).
¬
(¬1) «الكشف» (2: 1802).
(¬2) وهو محمد بن حمزة بن محمد الفناري، شمس الدين، قال الكفوي: إمام كبير، علامة نحرير، أوحد زمانه في العلوم النقلية وأغلب أقرانه في العلوم العقلية، شيخ دهره في العلم والأدب. من مؤلفاته: «فصول البدائع في أصول الشرائع»، و «شرح ايساغوجي»، و «تفسير الفاتحة»، (ت834هـ). ينظر: «الفوائد» (ص274 - 276). «الشقائق» (ص16 - 21)، وقد خصصت بكتاب سمّيته «ضوء الدراري في أخبار شمس الدين الفناري».
(¬3) وهو أحمد بن مصطفى، الشهير بطاشكبرى زاده، أبو الخير، عصام الدين، من مؤلفاته: «الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية»، و «مفتاح السعادة ومصباح السيادة»، و «حواشي على البيضاوي»، (901 - 968هـ). ينظر: «التعليقات السنية» (ص123 - 124). «الشقائق» (ص325 - 331).
(¬4) قال حاجي خليفة في «الكشف» (2: 1802): «وهو الصحيح».
الجزء 1 · صفحة 82
الثاني: إنّها لابنِ كمالِ باشا الرُّوميّ (¬1) مؤلّف «الإيضاح والإصلاح»، ذكره شارحُها حسن الكافي الأقحصاريّ، المتوفّى سنة خمسٍ وعشرين وألف (¬2).
الثالث: إنّها للفاضل لطف الله النَّسَفِيّ، المشهور بالفاضل الكيدانيّ (¬3)، ذكرَه
شمسُ الدين القُهُسْتَانيّ في «شرحها»، وإبراهيمُ البُخاريّ في «شرحها» (¬4).
¬
(¬1) وهو أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرُّوميّ، الشَّهير بابن كمال باشا زاده، من مؤلفاته: «الإصلاح والايضاح»، و «تغيير التنقيح» شرحه بـ «تجريد التجريد»، و «حواشي على أوائل البيضاوي»، (ت940هـ). ينظر: «الشقائق» (ص226 - 228). «الفوائد» (ص42 - 44).
(¬2) ناقلاً عن بعض أساتذته وهو الشيخ حاجي أفندي، المعروف بقره ميلان، وكان تلميذاً لابن كمال باشا ست عشرة سنة، وكان معيداً لدرسه، وأميناً لفتواه، وتوفِّى سنة (983هـ)، وقد جاوز المئة. ينظر: «كشف الظنون» (2: 1802).
(¬3) توفي سنة (900هـ). ينظر: «فهرس مخطوطات الأوقاف العراقية» (1: 541).
(¬4) ونسبها له أيضاً عبد الغني النابلسي في «الجوهر الكلي» (ق1/أ)، وإسماعيل باشا في «إيضاح المكنون» (4: 544).
الجزء 1 · صفحة 83
وهاهنا قول رابعٌ ذكرَه بعض معاصري عليّ القاريّ المكيّ مؤلّف الرسالةِ المسمّاة بـ «تزيين العبارة لتحسينِ الإشارة»، ورسالة مسمّاة بـ «التدهين للتزيين» وهو أنّها لأبي البركاتِ النسفيّ، حافظ الدين عمر مؤلّف «الوافي»، وهذا القول أضعف الأقوال، يشهد بعدم معرفة قائله أحوال الفقهاء، فإنّ مؤلّف «الوافي» هو عبد الله النسفيّ، مؤلِّف «الكنز» و «المنار» و «المدارك» وغيرها، المتوفّى سنة إحدى أو عشرة وسبعمئة، وعمر النَّسَفِيّ غيره، ومتقدّمٌ عليه، فإنّه عمر بن محمد النَّسفيّ الملقّب بمفتي الثقلين، ونجم الدين، مؤلّف «نظم الجامع الصغير» و «المنظومة في الفقه» وغيرها، المتوفّى سنة سبع وثلاثين وخمسمئة، على ما بسطنا كلّ ذلك في «الفوائد البهيّة في تراجم الحنفيّة» (¬1) ولم يذكر أحدٌ ممّن صنّف في تراجم الحنفية، وذَكَرَ أحوالَهما وتصانيفَهما: «مقدّمة الصلاة» من تأليفات أحدهما.
وأمّا الأقوال الثلاثة فعلى القولِ الثالث منها الذي هو المشهور بين الجمهور، يكون مؤلّفها رجلاً مجهولاً، فإنّه لم نقفْ في كلامِ أحدٍ ممّن ألّف في تراجمِ الحنفيّة للطف الله النسفيّ خبراً ولا أثراً، والمجهولُ يكونُ تأليفه ممّا لا يعتمدُ عليه إلا أن يوافقَ الكتب المعتبرة (¬2).
¬
(¬1) ينظر: «الفوائد» (ص243 - 244). «الجواهر» (2: 659 - 660). «مرآة الجنان» (3: 268). «معجم الأدباء» (16: 70 - 71). «طبقات المفسرين» (2: 5 - 7).
(¬2) أقول: إن جهالة حال المؤلف واقعة في كثير من الكتب كـ «منية المصلي» للكاشغري (ت705هـ)، ومع ذلك فإنها من الكتب المعتمدة كما نصوا على ذلك ومنهم الإمام اللكنوي فقال في «تحفة الكملة» (ص6): «إنها من الكتب المعتمدة المتداولة»، فجهالة مؤلف الكتاب لا تسقط الكتاب إن كانت مسائله معتمدة، وإنما معرفة حال المؤلف تزيد من قوة الكتاب ومكانته وهكذا. ينظر: «المرقاة شرح مقدمة الصلاة» (ص16).
الجزء 1 · صفحة 84
وعلى القولِ الأوّل والثاني، وإن كان مؤلّفُها من المعتبرين، فإنّ ابنَ كمال باشا وابن حمزة من أجلّة عصرهما، وكَمَلةِ دهرهما كما بسطناه في «الفوائد البهيّة» (¬1) إلا أنّ جمعَها بين الرطبِ واليابس يشهدُ بعدم اعتبارها، فكثيراً ما يكون المؤلّف معتبراً في نفسه، ومؤلّفه غير معتبر؛ لعدمِ التزامِهِ فيه التنقيد والتنقيح، وجمعه فيه كلّ رطبٍ ويابس من غير تدقيقٍ وتوضيح.
والذي ينادي بأعلى النداء على أنّها رسالةٌ غير معتبرة، وأنّ مؤلّفها لا يخلو إمّا أن يكون ممّن لا ممارسةَ له بالمسائل، ولا علمَ له بالدلائل، وإمّا أن يكون لم يلتزم فيها التحقيقَ والتنقيح، وإن كان في نفسِهِ من أربابِ الترجيح، مطالعةُ هذه الرسالة من أولها إلى آخرها (¬2)،
¬
(¬1) «الفوائد» (ص42 - 44).
(¬2) أقول: قد طالعت الرسالة من أولها إلى آخرها، وتتبعت مسائلها مسألة مسألة من الكتب المعتبرة، وراجعت بعض شروحها كشرح العلامة عبد الغني النابلسي فوجدتها رسالة بديعة في بابها، لطيفة في منوالها، حريٌّ بها أن تشتهر في الخافقين لاشتمالها على دقائق المسائل، والفروع العديدة في صفحات يسيرة، مما جعل كبار العلماء يتوجهون لشرحها وحل عباراتها كإبراهيم البخاري وطاشكبرى زاده والقهستاني والأقحصاري والسرهندي والقاسمي والسنبهلي والسورتي والأفغاني والخويشكي وغيرهم ممن لا يعدون ولا يحصون.
وهذا التلقي والاهتمام من هؤلاء الأئمة الأعلام بها لما وجدوا فيها من الفوائد الجسام التي تتناسب مع المبتدئين من الطلبة، فهي صغيرة الحجم كثيرة النفع، حتى قال إبراهيم البخاري: «قد شرحها غير واحد من العلماء، فإنّها مع نهاية صغرها مشتملةٌ على مسائل ضرورية، يحتاج إليها البرية، مغنية عن مئة مؤلف من المتداولات ... » كما في «الكشف» (2: 1802).
فانتشار هذه الرسالة اللطيفة بين الخافقين وإقبال الطلبة والكملة عليها كان لحسن حالها وبديع نظامها، قال القُهُستاني في شرحه عليها: «وقد اشتهرت فيما وراء النهر، اشتهار الشمس في رابعة النهار، وذكر أنه ـ أي مؤلفها ـ من مهرة الناظرين عندهم» كما في «الكشف» (2: 1802).
وأما ما ذكر من جمعها للرطب واليابس، وأن مسائلها غير معتمدة، فإنه محلّ نظر؛ فإنني علقت عليها بشرح سميته «المرقاة»، وأمعنت النظر في مسائلها واعتمادها حتى بان لي أن ما خالفت فيه الكتب المعتمدة ينحصر في ذكر مؤلفها لباب من المحرمات وعدَّ تحته بعض المسائل كما سيذكر اللكنوي، وهذا المسائل عدَّها غيره من المكروهات، وقد صرَّح هو في نهاية الباب أن صاحب «المحيط» عدَّها من المكروهات، فلعل هذا سبق قلم وذهن منه، وقد تعقبه في هذا الباب الشرّاح والعلماء. وكذلك ذكر مؤلفها لعدم وجوب سجود السهو بترك الطمأنينة في الركوع والسجود، وهذا خلاف المعتمد كما نبهت عليه في «المرقاة» (ص41 - 42).
فإذا انتبه لهذين الأمرين في تدريسها والأخذ منها عمَّ نفعها وانتشر علمها، وسلمت لنا من كلّ نقص وشين، وقد درستها مرَّات ومرَّات لشدّة اختصارها ودقّة عبارتها وكثرة علمها ممّا يمكن المدرس من تدريسها في مجلس أو مجلسين أو ثلاثة على حسب مستوى مَن أمامه من الطلبة، نفعنا الله تعالى بها.
الجزء 1 · صفحة 85
والاطِّلاعُ على مسائلها الشاذّة، وأحكامها الفاذّة، فإنّ فيها مسائل مخالفةٌ لظاهرِ الرواية، مباينةٌ للكتبِ المعتبرة، ألا ترى إلى أنّه:
عرَّف الواجبَ في مفتحِ «رسالته» (¬1) بما ثبتَ بدليلٍ فيه شبهة، وذكرَ أنّ حكمَه حكمَ الفرض، عملاً لا اعتقاداً (¬2)،
¬
(¬1) في «خلاصة الكيداني» (ق1/أ).
(¬2) أي أنه لا يلزم اعتقاد حقيته؛ لثبوته بدليل ظني، ومبنى الاعتقاد على اليقين، لكن يلزم العمل بموجبه للدلائل الدالّة على وجوب اتّباع الظنّ، فجاحدُه لا يكفر، وتارك العمل به إن كان مؤولاً لا يفسق، ولا يضلل؛ لأن التأويل في مظانه من سيرة السلف، وإلا فإن كان مستخفاً يضلل. ينظر: «التلويح» و «التوضيح» (2: 247 - 248)، و «فتح الغفار» (2: 64)، و «سبيل الوصول» (ص223).
فما بيَّنه صاحب «الخلاصة» من حكم للواجب، فهو محلّ اتفاق، وهو في هذا المقام ذكر حكم الواجب كما نصَّ عليه علماء الأصول، ولم يقصد به بيان حكم الواجب في الصلاة من أنه يجب عليه سجود سهو، وبذلك لا يُسلَّم للإمام اللكنويّ قرنه بين تعريف صاحب «الخلاصة» للواجب وحكمه وبين الواجبات في الصلاة، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 86
ثمّ ذكر في الباب الثاني المنعقد لبيان واجبات الصّلاة من جملةِ الواجبات لفظ التكبيرِ للتحريم (¬1)، وهذا مخالفٌ لأكثرِ الكتبِ المعتبرة، فإنّهم صرّحوا بأجمعهم أنّ لفظَ: التكبيرِ للتحريمة سنّة لا واجب ولا شرط (¬2).
وعرَّف الحرام في مفتحِ «رسالتِه» بما ثبتَ النهيُ فيه بلا معارض، وذكر أنّ حكمه
¬
(¬1) في «خلاصة الكيداني» (ق1/ب).
(¬2) أقول: لعلَّ هذا سبق قلم من الإمام اللكنوي؛ إذ أن الاتفاق في الكتب المعتبرة على أن التحريمة بكل ما فيه ذكر خالص لله - عز وجل - من أسمائه شرط كالتهليل والتسمية، وخصَّ التحريمة بالتكبير فإنه واجب، ويكره تركه كراهية تحريم، وإنما السنة في التحريم هي رفع اليدين، وهذا عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - فإن ذكر لفظ التكبير للتحريمة شرط لا تصح الصلاة إلا به. كما في «منحة السلوك» (1: 173)، و «المراقي» (ص252)، و «نفحات السلوك» (ص76)، و «تحفة الملوك» (ص76)، و «اللباب» (1: 57)، و «مختصر القدوري» (ص57»، و «رد المحتار» و «الدر المختار» (1: 315)، و «حاشية الطحطاوي» (ص252)، و «المشكاة» (ص183)، وغيرها.