جامع الرموز شرح مختصر الوقاية
للعلامة شمس الدين محمد بن حسام الدين الخراساني القهستاني الحنفي
توفي سنة (962هـ)
من بداية كتاب العتق إلى قول وصح خيار الشرط كتاب البيوع
جارٍ تحميل الكتاب…
جامع الرموز شرح مختصر الوقاية
للعلامة شمس الدين محمد بن حسام الدين الخراساني القهستاني الحنفي
توفي سنة (962هـ)
من بداية كتاب العتق إلى قول وصح خيار الشرط كتاب البيوع
[كِتَابُ العَثْقِ]
(لمَّا شَارَكَ الطلاق في زوال الملك) أي: كما أن الرجل إذا حلف بالطلاق زالت الزوجية فيما بينهما فكذلك العتق يزيل العبودية عن العبد (وَهُوَ أقَلُ وُقُوعاً) أي: إن العتق أقل من الطلاق (عقبَهُ بِهِ) أي جاء بباب العتق بعد باب الطلاق.
(وهو) الطلاق بفتح الطاء، (وَالعَتَاقَةُ والعَتْقُ كُلُّها بالفتح) أي بفتح عين الفعل (الخُرُوجُ عن الرّقِّ) أي عن العبودية فالمراد: الإعتاق فإنه الموافق بالفقه، أي المقصود بالفتح - العتق - وبالكسر العتق: الإعتاق (فَإِنَّهُ الموافقُ بالفقه) أي: كما تزول الزوجية بالطلاق تزول العبودية بالعتق. (وَهُوَ لُغَةً كَمَا ذَكَرَهُ المُطَرَّزِي)
[هُوَ] تَصَرُّفٌ مَنْدُوبٌ لِمَالِكِ المَمْلُوكِ) العتق أمر مستحب في الشرع مرضي لمالك المملوك الله سبحانه وتعالى، حيث أن الله جل جلاله يعتق بكل عضو من المملوك عضواً من المالك حتى يُزيلَ مَا يُوجِبُ الكُفْرَ مِنَ النَارِ بِإِزَالَةِ أَثَرَه) أي: إن العبد الرقيق عندما استنكف عن عبادة الله تعالى جعله الله تعالى عبداً وجعله عبد العبدِ فلعله إن أُعتِق عاد إلى الإسلام، فأزال الكفر عن نفسه، وأزال ما يوجب النار عنه بإزالة أثر الرق عنه. (دَلَّ عَلَيْهِ المَشَاهِيرُ مِنَ الأَخْبَارِ وَ الصَّحِيحَةُ مِنَ الآثار).
(وَ شَرِيعَةً: قُوَّةً حُكْمِيَةٌ يَصيرُ بِها أهلاً لِلْقَضَاءِ والشَّهادَة وغَيْرِها) أي تصبح قوة عند المعتوق وبها يصبح العبد أهلاً لكل تصرفات الأحرار.
(وَفي الزَّاهِدي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتِقَ الرَّجُلُ عَبْداً) رجلاً (وَالمَرْأَةُ أَمَةً) أي يستحب أن تعتق المرأة الحرة أمةً لا رجلاً. (وفي الاختيار: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابَاً بِه) أي يستحب للمعتق أن يكتب كتاباً ذلك، (و يُشْهِدُ عَلَيْهِ خَوْفَاً من التَجاحُد) أي أن يجعل شاهدين على أنه أعتق ذلك العبد، أو أعتق تلك الأمة، خوفاً على العبد والأمة المعتوقين من التجاحد من الورثة وغيرهم.
([يَصحُ] مِنْ حر)
وشريعة: خلوص حكمي يظهر في الأدمي لانقطاع حق الغير عنه.
(مُكَلَّف) فلا يصح من العبد والمجنون و الصبي، ويصح من المسلم والكافر والسكران والمكره ـ لأنهم أحرار مكلفون. وينبغي أن يشترط استقرار الملك فإنه لو اشترى الوكيل بالشراء قريبه لم يعتق عليه لأنه انتقل منه إلى الموكل كما في وكالة الكرماني وغيره. (بِصَريحٍ لَفْظِه) أي بما اسْتُعْمِلَ فيه وضعاً وشرعاً من نحو العتق والحر وغيرهما سواء كان في جملة أسمية أو فعلية أوندائية أو غيرها من قصد أو خطأ فعتِق لوجرى على لسانه أعتقتك، وقيل أنه لا يعتق كما في المحيط.
(بلا) حاجة إلى (نِيَّةٍ، كَأَنْتَ حُرِّ) أي ذو حَرَّ أو ذات حَرَّ، والتاء مفتوحة أو مكسورة كلاهما لخطاب العبد أو الأمة في حروف المعاني من الكشف، لأن الفقهاء لا يعتبرون الإعراب، ألا ترى أنه لو قيل لرجل: زنيت بكسر التاء، ولامرأة بفتحها وجب حد القذف. وفي المحيط لو قال لعبده: أنتِ حرّ أو لأمته أنتَ حرّ فقد عتق. (أَوْ مُعْتَقٌ) بفتح التاء من الإعتاق: وهو إزالة الملك أو إثبات الملك كما يجيء (أو عتيق) وينبغي أن يكون عاتق كذلك لأنهما صفتان من العتاق كما في الصحاح. (أو الإعتاق) كما في التهذيب.
(أو) أنت (أعْتَقْتُك) ويجوز أن يعطف على الجملة - الفعلية وإنما أخرت لأن الأصل في الخبر الإفراد (أو مُحَرَرٌ) بالفتح: أي مُعتَق. (أو حَرَّرتُكَ) أو مولاي (أَوْ هَذا مَوْلَايَ) أي مُعتقي فإنه يُعتق وإن كان مشتركاً بينه وبين الناصر وغيره لأن القرينة معينة له فيلحق بالصريح (أَوْ يَا مَوْلايَ) أي يا حر أو يا محرر أو يا عتيق أو (يا آزاد) - هذه كلمة فارسية ومعناها حر بالعربية. إلا إذا سماه به ثم ناداه، ولو قال عنيت بهذه الألفاظ الإخبار الباطل صدق ديانة لا قضاءً لأنه خلاف الظاهر، لأن هذه الألفاظ جعلت خلافاً كما في الظاهري.
وذكر في المحيط: لو قال أردت اللعب عتق ديانة وقضاء لأن اللعب والجد في العتق سواء. ولو قال لغلامه: أنت مولاي أو يا مولاي اختلف المشايخ فيه كما قال له: يا سيدي أولها يا سيدة. وفي مبسوط صدر الإسلام: لو قال له يا خواجة، أو لها ياكدبانو - كلمة معناها بالفارسية ترادف يا سيدة بالعربية – لم يعتق في الصحيح.
وفي المحيط: لو قال: تو آزاد تراز مني - معناها أنت حرّ مني - لم يعتق. ولو قال: أنت أعتق من فلان وعني به عبداً آخر عتق ديانةً لا قضاءً.
(أَوْ رَأْسُكَ حُرٌ أَوْ نَحْوَهُ) مثل زيد قائم وعمرو فلا تساهل فيه كما ظُنَّ (مِمَّا عُبِّرَ بِهِ عَنِ) كل (البَدَنِ) بيان نموه أي البدن والوجه والرقبة والفرج وغيرها مما مرَّ في الطلاق، فلا يعتق بقوله: يَدُكَ أو رجلُكَ حرّ لأنه مما لا يعبر به عنه لكن في النظم قيل: لا يعتق الغلام بقوله: فرجك. وفي المحيط عن أبي يوسف: أنه يعتق به كما بذكرك بفتحتين
والاكتفاء لا يخلو عن الشيء فإنه لو أعتق جزءاً شائعاً كالثلث والربع عتق ذلك الجزء عنده وسعى في الباقي وكله عندهما كما في الاختيار.
[(وبكنانته)] ويصح بكناية لفظ العتاق (إنْ نَوَى) العناق وتحقيق الكناية في الطلاق. (كَلَا مِلْكَ لي عَلَيْكَ) لأني بعتك أو أعتقتك، وكذا في الأمثلة الخمسة الآتية. (وَلَا سَبيل) أي لا ملك لي عليك لأن العمل بحقيقته أعني الطريق غير الممكن إذا أضيف إلى الإنسان فجعل كناية عن الملك. (وَلا رق) لي عليك: وهو الضعف وشريعة: العجز الحكمي كما يجيء (وَخَرَجْتَ مِنْ مُلْكِي وَخَلَّيْتُ سَبِيلَكَ) وقوله (وَلِأَمَتِهِ قَدْ أطلَقْتُكِ) أي خليت سبيلك. وخص الأمة لأنه في الأصل بمعنى طلقتك وإن لم يستعمل فيه كما في النهاية.
وذكر في المحيط عن أبي يوسف (رحمه الله تعالى): لو قال: (ألف- نون-تا-حا-را) فقد عتق إن نوى أي أراد بتركيب هذه الحروف أنت حر -. (وَ) يصح العتاق بدون النية عندهم (بِهَذَا ابني) للعبد، وهذه بنتي للأمةِ. (لِلْأَصْغَرِ) سناً بحيث يولد مثله لمثله سواء كان معروف النسب أو لا. (وَالأَكْبَر) عطف على الأصغر فيصح عنده. عند الإمام أبي حنيفة. إذا لم يولد مثله لمثله خلافاً لهما. للصاحبين. واحتج محمد بن الحنفية (رحمه الله تعالى) على شيخه أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) فقال: ألا ترى أنه لو قال الغلامه: هذه ابنتي، أو لجاريته هذا ابني لم يعتق - عندك أيضاً لعدم صلاحية صيرورة المذكر مؤنثاً وبالعكس فهكذا هنا -.
ثم قال بعض المشايخ: إنه على الخلاف أيضاً، وكثيراً ما استشهد محمد (رحمه الله تعالى) بالمختلف على المختلف، والغرض نقل الكلام على الأوضح، وقال بعضهم: إنه على الوفاق وهو أظهر - من الاحتجاج -.
ولو قال: هذا ولدي للأكبر عتق قضاءً، ولو قال له هذا عمي أو خالي، أو لها هذه عمتي أو خالتي عتقت، ولو قال: هذا أخي، أو هذه أختي لم يعتق، وعنه أنه يعتق كما لو قال: هذا أخي لأبي أو أمي، الكل في المحيط. وذكر في النظم: أنت ولدي كهذا ابني، ولو قال للأكبر هذا جدي، أو للكبرى هذه جدتي تعتق اتفاقاً ولاعتق لو قال للصغير أو للصغيرة - يا جدي و يا جدتي.
ولما فرغ عما يعتق بالنية، شرع فيما لا يُعتق فقال (لا) يصح (بيا ابني وَيَا أَخِي)، وفي النوادر أنه يصح وهو الصحيح. ولو قال: ((بجة من)) - كلمة فارسية - لم يعتق على الصحيح، ولو قال لعبده يا بابا لم يعتق كما في الصغرى - أي كما لو قال للصغيرة يا ماما لم تعتق - ولو قال يا بني أو يا بنية بالتصغير من غير إضافة لم يعتق كما في الهداية، وعن أبي حفص لو انه قال: يا بني بضم الباء لم يعتق، وبالنصب يا بني عنق كما في التجنيس.
(وَلَا سُلْطَانَ لِى عَلَيْكَ) بمنزلة لا حجة ولا يد، (وَلَفْظِ) أي ولا بلفظ (الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ) أي الطلاق (مَعْ نِيَةِ العِشق) أي إذا قال لأمته: أنت طالق أو خلية أو بنتِ مني أو حرمتك لم تعتق وإن نوى (وَلَا) يصح بقوله: (أَنْتَ مِثْلُ الحُرِّ) أو الحرة وإن نوى، وقال بعضهم: أنه يعتق بالنية كما في الاختيار. ولو قال للحرة أنت مثل هذه وأراد أمته تعتق ولو قال: لم أرد العتق لم يدين قضاءً، وكذا لو قال: مثل هذه الأمة أنت كما في النهاية.
(بِخِلَافِ مَا أَنْتَ إِلَّا حُرّ) بأنه يعتق بخلاف ما أنت إلا مثل الحر كما في المحيط. (وَمَنْ مَلَكَ) بالشراء أو الهبة أو الوصية أو غيره، والمالك أعم من أن يكون صغيراً أو كبيراً أو عاقلاً أو مجنوناً أو مسلماً أو كافراً (ذَا رَحِمٍ مَحْرَم) منه صفة ذا وجره للحوار وهو وعامله مالمناسبة مقتضية-أي كما أن الجر أصبح للحوار وكذلك الفاعلية مقتضية للرفع - وفيه إشعار بأنه عتق بالملك قرابة قريبة كالولاد، ومتوسطة كالقرابة المتأيدة بالمحرمية، ولم يعتق بعبدة كبنت العم، ولا محرم غير ذي رحم كالمحرم بالرضاع والصهرية (أو) من (أَعْتَقَ لِوَجْهِ الله) أي الله نفسه أو لرضاه فحصل به ثواب عظيم فإنه فعل المسلمين. (أوْ لِلْشَيْطَانِ) ولد إبليس أو كل متمرد (أو لِلْصَنَمِ) الوثن فحصل به عذاب أليم فإنه فعل الكافرين (أو) أعتق (مُكْرَهَا أَوْ سَكْرَانَاً) من الخمر أو الزبيب أو البنج أو غيرها، واكتفيت بما ذكرت في الطلاق فإن عنق السكران كطلاقه كما في المحيط.
(أَوْ أَضَافَ عَتقَهُ إلَى) نفس (مِلْكِ) أو إلا سببه كقوله: إن ملكتك أو اشْتَرَيْتُك فأنت حر. ولو قال ذلك مملوكه فقد عتق عليه حين سكت كما في المحيط. (أو) إلى (شَرْطٍ) مُصَدَّرٍ بأن ونحوها كما هو المتبادر نحوإن فعلت كذا فأنت حرّ (وَوُجِدَ) أي الملك أو الشرط المذكور فلا يُتوقف العتق على وجود الدخول لو قال: أنت حر على أن تدخل الدار كما في المحيط.
(عتق) المملوك في الصور الثلاث ـ وهي ملك وأعتق وأضاف - ولا حاجة لهذه الجملة ـ عتق ـ لو أضيف الخلاف إلى من كما لا يحتاج إلى ما ذكره المصنف - في الشرح - أن الجزاء خبره، وعائده ضمير محذوف تقديره عتق مملوكه عليه، فإن الخبر - أي خبر المبتدأ - الشرطية بتمامها - أي مجموع فعل الشرط والجزاء لا الجزاء وحده -، والشرط مشتمل على عائد - الشرط فعل الشرط وهو ملك و أعتق وأضاف، ولأن مستتراتها راجعة إلى من. على أن حذف الضمير المحرور ليس بقياس إلا في موضع ليس هو منه كما في الرضي.
(كَعَبْدِ) أي كعتق عبدٍ قن أو مُدبَّر، ويدخل فيه القنة والمدبرة، وأم الولد تبعاً (لحربي إذا خرَجَ إِلَيْنَا مُسْلِمَاً) فلم يعتق إذا لم يخرج، إلا إذا بيع من مسلم أو ذمي فإنه يعتق قبل قبض المشتري. (مُسْلِماً) ولو حكماً فيشمل المستأمن كما في النظم. (وَالْحَمْلُ يَتْبَعُ أُمَّهُ) لترجيح مالها باستقراره في موضعه.
(في المِلْكِ وَالرّقِ) فإن كانت الأم ملكاً فالحمل ملك، وإن رقاً بلا ملك فرق بلا ملك كالكفار في دار الحرب، فإن كلهم أرقاء غير مملوكين لأحد كما ذكره المصنف وغيره أن الرق لا يوجد بلا ملك. فالرق عجز شرعي لأثر الكفر، والملك اتصال شرعي بين المملوك والمالك مبيح لتصرفه فيه، مانع عن تصرف غيره، وسيأتي زيادة تفصيل في ذلك. (و) في ([التَّعَتُقِ] وفروعه) أي فروع العتق من الكتابة والتدبير وأم الولد، ولذا لو زوّج أم ولده من أحد فحملت منه ثم مات عتق الحمل كأمه من كل التركة هذا إلا أن الإطلاق مُشكل فإن الولد يتبع المديرة المقيدة كما في خزانة المفتين.
(إلا أن وَلَدَ الأمةِ مِنْ) قِبَل (مَوْلاهَا) حُرّ وليس يتابع لأمه لأنه من ماء أبيه، وهذا شامل لولدها من أبي مولاها وولده وولد ولده، كما لو زوج رجل حرّ جاريته من ابنه وهو عبد لآخر بإذنه فولدت. منه فإن هذا الولد حر، وإن كان من زوجين رقيقين لأنه ولد ولد المولى كما في الظهيرية.
فصل: عَتْقُ الْبَعْضِ
(إِنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ) أو أمته كالربع أو النصف أو غيره (صَحَ) الإعتاق أي صح إزالة ملكه عن ذلك البعض، وفيه إشارة إلى أن العبد لا يتمكن إلا من إزالة صفة المالكية، وإلى أن الباقي مملوك له لكنه موصوف بصفة الفساد، ولذا لا يباع، وإلى انه لا يتمكن من إزالة شيء من الرق فيبقى كله - رقيقا - وذلك لأنه - أي الرق - صفة له كالحياة فلم يكن مملوكاً له كالحياة وذلك لأنه حق الله تعالى، عقوبة لكفره، إلا أنه إذا تم فعله بإزالة الملك كله يعقبه العتق، كما إذا تم فعل القاتل في بنيته يعقبه إنزهاق الروح، فالرق كالعتق لا يتجزى و الإعتاق كالملك يتجزى.
(ولذا) قال: [(سَعَى)] أي عمل العبد وكَسَب وجوباً من السعاية - بالكسر - كسبه المعتق رقبته (فيما بَقِيَ) من ملك المولى وصرفه إليه (وَهُوَ) أي المعتق البعض (كَالمُكَاتِبِ) في أن لا يباع، ولا يرث، ولا يورث، ولا يتزوج، ولا تقبل شهادته، ويصير أحق بمكاسبه، ويخرج إلى الحرية بالسعاية، والإعتاق، ويزول بعض الملك عنه كما يزول ملك اليد عن المكاتب.
(بِلَا رَدُّ إِلى الرِّقِ لَوْ عَجِزَ) ذلك المعتق البعض عن السعاية بخلاف المكاتب فإنه يُرَدُّ إليه ـ إلى الرق بالعجز، وينبغي أن المولى يعتق الباقي منه عن عجزه في الاختيار - أي عند عدم اضطراره - قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقْصَاً مِنْ عَبْدِهِ فَعَلَيْهِ عِتْقُ كُلِّهِ)). هذا كله عند أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) وهو الصحيح كما في المضمرات، واعلم أن كلامه لا يخلو عن شيء، أي كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وحق الأداء إلى الملك، فإنه لا يزول شيء من الرق.
(وَقَالا) أي أبو يوسف ومحمد (رحمهما الله تعالى): إن أعتق بعضه (عُتِقَ كُلُّهُ) لأن العتق مطاوع الإعتاق إذ هو إثبات العتق فالإعتاق لا يتجزى كالعتق ولذا عتق كله، وليس له الإستسعاء عندهما-عند الصاحبين- (محمد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى).
ثم أشار إلى فائدة أخرى من فوائد الخلاف فقال: (وَلَوْ أَعْتَقَ شَريكَ) في عبده (حَظَّه) أي نصيبه منه كالنصف وغيره بلا إذن (أَعْتَقَ) الشريك (الآخَرُ) حظه منه، أو كاتبه أو دبره كما في الاختيار وغيره. وذكر الزاهدي: أنه إذا دبَّر حظه فقد سعى وعتق بالأداء، الولاء له في هذه الوجوه. (أوْ اسْتَسْعَى) العبد في قيمة حظه يوم العناق، ولم يرجع العبد به على المعتق، أَوْ ضَمَّنَ الشريك الآخر (المعتق) حال كونه (مُوسِراً) مالكاً مقدار نصيب الساكت من المال والعرض سوى ملبوسه وقوت يومه كما قال محمد (رحمه الله تعالى). ومنهم ون اعتبر يساراً محرماً للصدقة، وعن أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) أنه قال: الموسر الذي له نصف القيمة سوى المنزل والخادم ومتاع البيت وثياب جسده، والأول هو الصحيح كما في المحيط. (قِيمَةَ حَظَّهِ) يوم العتاق، مفعول ضمن الثاني، وفيه إشارة إلى أن الاعتبار في اليسار والعسار ليوم العتاق، فلو أيسر فيه ثم أعسر لم يسقط الضمان، وإلى أن له اختيار الاستسعاء والتضمين، لكن لو اختار الاستسعاء لم يصل إلى التضمين كما لو اختار التضمين لم يرجع إلى الاستسعاء، وعنه - الإمام أبي حنيفة - (رحمه الله تعالى): أنه يرجع إلا إذا حكم به حاكم كما في المحيط، وإلى أنه إذا اشترك بين جماعة جاز أن يعتق بعضهم حظه ويختار بعض الضمان، وبعض الإعتاق، وبعض السعاية، وكذا الوراثة في رواية محمد. رحمه الله تعالى - وروى الحسن: أن ليس لهم إلا الاجتماع على التضمين والاستسعاء أو الإعتاق، وفيه خلاف الصاحبين - لعدم تجزي الإعتاق عندهما كما في الزاهدي.
(لا) يضمنه (مُعْسَرَاً) بل يعتقه أواستسعاء، وعن أبي يوسف: أنه يُؤجَر من رجل ولو صغيراً بمثل فيأخذ من أجرته كالحر المديون. (والوَلَاءُ) أي الميراث منه (لَهُمَا) أي للشريكين بقدر حظهما (إنْ أَعْتَقَ) الشريك الآخر (أَوْ اسْتَسْعَى) العبد (وَ) الولاء (لِلْمُعْتِقِ إِنْ ضَمِنَهُ) أي الشريك الآخر قيمة حظه (وَرَجَعَ) المعتق (به) أي الضمان (على العبد) أي صح له الإستسعاء كما صح له الإعتاق و التدبير والكتابة على قول أبي حنيفة، (وَقَالَا) الصاحبان في صورة إعتاق الحظ: (لَهُ) أي للشريك الآخر (ضَمَانُهُ) أي المعتق إذا كان (غَنياً والسَّعَايَةُ فَقِيراً) ولم يأذن بالإعتاق (فَقَط).
فليس للمعتق الرجوع بالضمان على العبد كما في شرح الطحاوي، ولا للشريك الاستسعاء غنياً، ولا الإعتاق غنياً أو فقيراً إذ الإعتاق غنياً أو فقيراً إذ الإعتاق لا يتجزى (وَالوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ) عندهما في كل الأحوال.
(وَمَنْ مَلَكَ [ابْنَهُ]) أو غيره من ذي رحم محرم منه بالشراء أو الإرث أو الهبة أو غيره حال كون المالك شريكاً (مَع) شخص (آخَرَ عَتَقَ حِصَّتَهُ) نصفاً أو غيره (وَلَمْ يَضْمَنْ) حصة شريكه ولو موسراً سواء علم أنه ابن شريكه أو لا، وعنه أنه ضمن إذا لم يعلم، وللشريك الخيار بين إعتاق نصيبه والاستسعاء، (وَقَالَا: ضَمِنَ) الأب حصة شريكه (غنياً) وسعى ابنه فقيراً (إلا في الإرْثِ) فإنه لم يضمن بلا خلاف لعدم الاختيار بالإرث، كما إذا كان الرحلين: عم وله جارية فَزَوّعها أحدهما فولدت ولداً ثم مات العم فورثاه فإنه عُتق الولد لأنه ملك بالإرث.
(وَإِنْ قَالَ) من له عبيد (لِعَبْدَيهِ) عنده: (أَحَدُكُما حُرِّ؛ فَخَرَجَ وَاحِدٌ) منهما (وَدَخَلَ ثَالِثُ فَأَعَادَهُ) أحدكما حرّ يؤمر بالبيان كما أشار إليه بقوله: (وَمَاتَ بِلا بَيَانٍ) فإنه يبدأ ببيان الإيجاب الأول وقال: عنيت به الثابت عتق وبطل الإيجاب الثاني، وإن بدا بالثاني وقال: عنيت به الثابت عتق وعتق الخارج بالإيجاب الأول، وإن قال: عنيت به الداخل عتق، ويؤمر ببيان الإيجاب الأول (عُتِقَ) عندهم (مِمَنْ ثَبَتَ) عنده (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ) وسعى في ربعه، وفيه تسامح، فإن العنق لا يتجزى بلا خلاف ويمكن أن يجاب عنه بما يأتي من جواز تجزي الإعتاق (و) عتق عند الشيخين (وكُلِّ مِنْ غَيْرِهِ) وهو الخارج والداخل (نصفه) لأنه عتق نصف الثابت والخارج بالإيجاب الأول الدائر بينهما ونصف الداخل بالثاني الدائر بينه وبين الثابت، وعتق ربعه به لأنه بطل مالا في النصف الحر فلم يبق إلا الربع (و) عتق (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) - رحمه الله تعالى - ثلاثة أرباع من ثبت ونصف من خرج و (رُبُعُ مَنْ دَخَلَ) لأن بالإيجاب الثاني عتق ربع كل من الداخل والثابت عنده، والكلام الواني في الكافي. (وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ) والسهام أعني رقبة وثلاثة أرباع رقبة عندهما، ورقبة ونصف رقبة عنده تخرج من ثلث المال، أو لم تخرج، لكن الورثة إن أجازوا العتق عتقت تلك السهام (وَ) إن (لَمْ يُجِزْ وارِثُ) من الورثة، والمال هو العبيد وقيمتهم سواء (جعل) عند الشيخين (كُلُّ عَبْدِ سَبْعَةٌ) من السهام حتى يخرج منه سهام العتق والسعاية لأن حق كل من الخارج والداخل في سهمين، وحق الثابت في ثلثه فبلغت سهام العتق سبعة وسهام السعاية أربعة عشر. (وَ) حينئذٍ (عُتِقَ مِمَنْ ثَبَتَ ثُلُثُهُ) مِن الأَسباع (وَمِنْ كُلِّ مِنْ غَيْرِهِ سَهْمَانٌ) منها (وَ) جعل (عِنْدَ مُحَمَدٍ رَحِمَهُ اللهُ كُلِّ) من العبيد.
(ستة) من السهام لأن حق الداخل في سهم، وحق الخارج في سهمين، وحق الثابت في ثلاثة، فبلغت سهامه سنة، وسهامها اثني عشر. (، وَعُتِقَ مِمَنْ خَرَجَ سَهْمَانِ) من الأسداس (وَمِمَنْ ثَبَتَ تُلْتُه مِنها وَمِمَنْ دَخَلَ سَهُمْ) منها (وَسَعَى كُلّ) من العبيد على المذهبين (في الباقي) من سهام العتق، فعندهما الثابت في أربعة أسباع من قيمته وكل من الداخل والخارج في خمسة أسباع، وعنده الثابت في نصف من قيمته والخارج في الثلثين منها والداخل في خمسة أسداس، فإن قلت ينبغي أن يعتقوا عندهما بلا سعاية فإن الإعتاق لا يتجزى قلت: هذا إذا صادف محلاً معلوماً، وأما إذا لم يُصادف بطريق الضرورة والثابت بهذا الطريق لا يعدو موضعها كما في الكرماني وغيره.
(وَالوَطْءُ وَالمَوْتُ بَيَانٌ فِي طَلَاقٍ مُبْهَمْ) فمن كان له امرأتان وقال: هذه أو هذه أو إحداهما طالق ثلاثاً ثم وطئ إحداهما أو ماتت: تعين أن المطلقة غير الموطوءة، أو الحية، ولو طلق طلقة واحدة فهل هو بيان قبل مدة صالحة لانقضاء العدة؟ وينبغي أن لا يكون بياناً، لأن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطئ. (كَبَيع) صحيح، أو فاسد وإن لم يُسلم المبيع بات أو بشرط الخيار لأحدهما وفيه إشعار بأن العرض على البيع ليس ببيان، وهو بيان كإجارة (وَمَوْتٍ) وقتل وتزويج (وَتَدْبِيرٍ واسْتِيلاد) وكتابة وإعتاق، لكن لو قال أردت المعتقة صدق قضاء.
(وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ مُسَلَّمَتَيْن) إلى الموهوب له / والمتصدق عليه، والرهن كالصدقة كما في النظم. وفيه إشعار إلى انه لو لم يسلم لم يكن بياناً. وفي الكرماني وغيره أنه بيان، والتسليم بمجرد التأكيد (في عَتْقِ مُنْهُمْ) فلو قال: أحدهما حُر ثم وقع منه واحد من هذه التصرفات بالنسبة إلى أحدهما بعينه عتق الآخر لأنها بيان إذ التعيين ثبت بالدلالة كالتصريح. والكلام مشير إلى أن هذا الطلاق والعتق ينزلان، فإن البيان إظهار لا إنشاء، وقال بعضهم إنهما لا ينزلان إلا إذا وجد من الموجب فعل دال على الإيقاع، وإلى أنه لو باعهما، أو وهبهما، أو تصدقهما لكان فاسداً، لكن في الأخيرين يجيز على البيان، وتمامه في المحيط.
(دُونَ وَطْء) لإحديهما فإنه ليس ببيان (فيه) أي في العتق المبهم، لأنه غير نازل تعلق بشرط البيان على ما قيل، ولذا حَل وَطؤهما، وإن لم يجز أن يفتى به لأن هذا العتق لا يُعد وهماً، وإنما صرح بغية ـ أي بغية الوطء - والمفهوم مغنٍ لأنه نازل عندهما على ماقيل، والوطء بيان ولذا لم يحل وطؤهما، وفيه رمز إلى أن التقبيل والمعانقة والنظر إلى الفرج بشهوة ليس ببيان، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه بيان، وإلى أن الاستخدام - أي النظر إلى الفرج بشهوة ـ لم يكن بياناً وذا بلا خلاف كما في النظم.
(والشَّهَادَةُ عَلَى العَتْقِ المُبْهَم) في صحته أو مرضه أو بعد وفاته (بَاطِلَةً) ذلك الشهادة غير مقبولة لاشتراط الدعوى، والدعوى عن المجهول لم تصح، وهذا عنده - عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى - وأما عندهما ـ الصاحبان ـ فلم تبطل لأن العتق حق الشرع، والدعوى ليس بشرط فيه، وفي الحقائق أن الشهادة على إعتاق إحدى أمتيه على الخلاف، والدعوى ليس بشرط فيه بلا خلاف، وفيه إشعار بأن الشهادة على حرية الأصل لم تبطل، وتمامه في العمادي.
(لَا) تبطل الشهادة وتقبل على (الطَّلَاقُ المُبْهَمُ) فيُجبَرُ على البيان، وفيه رمز بأن الدعوى ـ من المرأة على الطلاق المبهم ـ ليس بشرط لأنها ـ أي الشهادة على الطلاق المبهم - متضمنة لتحريم الفرج وهو حق الله سبحانه وتعالى.
{فصل: الحَلِفُ بالعَتْقِ}
(وَيُعْتَقُ) الواو فيه للاستئناف ـ أي لابتداء كلام جديد - والفاعل الموصول (بِأَنْ دَخَلَ) الدار مثلاً (فَكُلُّ مَمْلُوكِ) عبد أو أمةٍ فإنه كالآدمي يقع على الذكر والأنثى كما في الذخيرة، وقال عنيت الذكر دون الأنثى لم يدين قضاء، ولا يتناول الجنين إلا بالتبعية، ولا المكاتب، ولا المملوك المشترك إلا أن يعينهم كما في النهاية.
(لي) للاختصاص، والاختصاص إنما يكون بشيء هو ملكه في الحال دون ما يحدث في المال كما في الكرماني، وفيه تأمل على أن المتبادر من المملوك هو الحالي كما في الرضي وغيره، وفي بعض النسخ: فكل عبد لي (يَوْمَئِذٍ) أي وقت الدخول (حرّ مَنْ) كان ملكاً (لَهُ) أي المعتق بالكسر (حينَ دَخَلَ) في الدار مثلاً (مُلْكُهُ وَقْتَ الحَلْفِ أَوْ بَعْدَهُ) وحين ظرف له كيومئذٍ ظرف لي، ولهذا قيل: إنه مخالف لما مرَّ من أن اليوم مع فعل ممتد للنهار لأنه مطلق الوقت، وفيه أن يومئذٍ مركب والمركب غير المفرد، ألا ترى أن الرضى ذهب إلى أن إذ بدل من يوم، وفي الموصل أنه كخمسة عشر ولذلك بني الأول وشبهت الهمزة بالمتوسطة نحو شئتم وكتبت بصورة الياء على أنه ليس بكليّ.
(و) يعتق بهذا الحلف حال كونه (بِلَا) ذكر ([يَوْمَئِذٍ] مَنْ) كان مُلكاً (لَهُ وَقْتَ حَلْفِهِ فَقَطْ) فلا يُعتق ما ملك بعد الحلف (لا) يعتق ([الْحَمْلُ] بِكُلِّ مَمْلُوكِ) أي بأن قال لأمته الحامل كل مملوك لي (ذكر) فهو (حُقِّ) ثم ولدت ذكراً ولو لأقل من ستة أشهر لأن الحمل كعضو من المملوك، ولذلك لو لم يقيد بالذكر عتق الحمل بتبعية الأم كما في الكافي. وفيه إشعار بانه لو قال: كل مملوك أملكه إلى سنة فصاعداً فعلى ما يستفيد دون مافي ملكه، ولو قال: عنيته دين ديانةً لا قضاءً كما في المحيط. (وَمَنْ [أَعْتَقَ]) بكسر التاء (عَلَى مَالٍ) نقد أو عرض أو حيوان معلوم الجنس أولا، مكيل أو موزون معلوم الجنس أَوْ بِهِ أي بذلك المال بأن قال: أنت حر، أو هو حرّ على ألف أو بألف [(فَقَبِل)] المال في المجلس حاضراً أو غائباً بقرينة الفاء (عُتِق) سواء أدى المال أو لا. (وَالْمَالُ) المشروط (دَيْنٌ عَلَيْه) وينبغي أن يراد بالمال المتقوم فإن العتق كالطلاق، فلو عتق على خمر فعلى تفصيله، وفي كلمة على إشعار بأنه لو علقه بإذا أو متى لم يتقيد بالمجلس كما في الاختيار). (وَ) العبد (الْمُعَلَّقُ عَتْقُهُ بِالْأَدَاءِ) أَي أَداء المال بان قال: إن أديت إلي ألف درهم فأنت حرّ (مَأْذون) في التجارة دون النكدى ـ النكدى: كلمة فارسية أي الإذن المطلق - لأنها المشروعة - أي التجارة - عند الاختيار.
(إنْ أَدَّى) ذلك المال في المجلس (عُتق) وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يتوقف على المجلس كما في إذا وحتى، وفي إضمار فاعل أدى إلى العبد - إشارة إلى أن المولى لو أخذ مكانها مائة دينار لا يعتق، والكلام المشعر بأنه لو استعرض المال من رجل وأدى إلى المولى عتق إلا أن الغريم يرجع إلى المولى، الكل في المحيط. والمتبادر أن الأداء والتخلية بعد رفع المانع سواء قبض أم لا كما يشير إليه في الكافي.
لكن في العمادي قال نصير: إنهم كانوا يقولون في الدين إذا وضعه بين يدي المالك لا يبرأ - المدين - حتى يضعه في يده أو حجره. (لا مُكَاتِبٌ) ولهذا لا يحتاج إلى قبول العبد، ولا يبطل بالرد،، وللمولى أن يبيعه بخلاف المكاتب (وَفِي أَنْتَ حُرِّ بَعْدَ مَوْتِي بِأَلْفِ) أو عليه (إنْ قَبل) العبد الألف [(بَعْدَ مَوْتِهِ)] أي موت المولى ولو ساعة (وَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ) أو الوصي أو القاضي (عُتِقَ) عند الطرفين). ولزمه الألف، أما القبول بعده فلأنه [قابل الألف بالحرية] بعد الموت، وأما إعتاق الوارث فلأن العبد صار للوارث فلم ينفذ ما علقه الميت عليه من الإعتاق في ملك الغير، وفيه إشعار بأنه لو قال: إذا مت فأنت حرّ على ألف فالقبول للحال لا بعد الوفاة فإذا قبل صح التدبير، ولا يلزمه المال كما قال أبو يوسف رحمه الله تعالى وبأنه لو قال: أنت حرّ على ألف بعد موتي فالقبول على الحياة وبعد القبول صار مديراً ولم يجب المال، وذا بالإجماع كما في شرح الطحاوي.
(وَإِلَّا) يقبل وألا يعتقه بأن لم يوجد واحد منهما، أو وُجد أحدهما دون الآخر (لا) يعتق ويلزمه الألف (وَإِنْ حَرَرَهُ عَلَى) المولى (خِدْمَتِهِ سَنَةً) مثلاً كما إذا قال لعبده: أنت حر على أن تخدمني سنةً (فَقَبِلَ) العبد ذلك في المجلس (عُتِق) من ساعته (وَ يَخدُمُهُ) في بيته أو من خارجه على وجه مُتعارَف (سَنَةً) لأنه مُعاوضة (فَإِنْ مَاتَ مَوْلَاهُ) أي عبد (قَبْلَهَا) أي قبل خدمة السنة، بأن مات ساعة إذ - أي ساعة القبول - بلا خدمة، أو نصف سنة مع الخدمة (يَجِبُ) عليه عند الشيخين - أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى - (قيمَتُهُ) أي قيمة العبد كُلاً في الأولى- إن مات لساعته ـ أو بعضاً في الثانية - إن مات بعد نصف الخدمة - (وَ) يجب (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قِيمَةُ خِدْمَتِهِ) أي أجر مثله كُلاً أو بعضاً، فلو أنفق قيمته وقيمة الخدمة فلا خلاف بينهم وإنما الخلاف إذا اختلفتا، كما إذا كان قيمة العبد ألف درهم وقيمة الخدمة خمسمائة، وقيل إذا مات في نصف السنة مثلاً يأخذ بما بقي من خدمة السنة في قولهم، كما لو أعتقه على ألف واستوفى بعضها ثم مات، فإنه كان للورثة أن يأخذونه بما بقي من الألف كما في النهاية.
(َضْلُ التدبير)
(مَنْ) مبتدأ خبره مدبَّر (أَعْتَقَ) ولو سكران أو مكرهاً (بَعْدَ مَوْتِهِ) أي المعتق، وفيه إشعار بأنه لا يصح تدبير العبد والصبي والمجنون والمعتوه. ثم المدبَّر ضربان مطلق من علق عتقه بمطلق موت المولى؛ ومقيد ضده فأشار إلى الأول بقوله موتاً (مُطْلَقَاً) غير مقيد بشيء أصلاً بأن قال: دبَّرتُك، أو أنت حر، أو مدبر بعد موتي، أو إن مت فأنت حرّ، أو أنت حر مع موتي، أو عند موتي، أو في موتي أو هلاكي، أوصيت لك برقبتك أو ثلث مالي. (أو) موتاً (إلى مُدَةٍ غَلَبُ) وكثر (مَوْتُهُ قَبْلَهَا) نحو أنت حر إن مت إلى مائة سنة، ومثله لا يعيش إليه في الغالب إذ الغالب كالكائن كما في الكافي.
وفيه إشعار بأن لو قال أنت حر إن مت إلى مائتي سنة فهذا مدبر مطلق، وفي المحيط أنه مقيد لأنه يتصور أن لا يموت إلى مائتي سنة، لكن في الاختيار أنه قول لأبي يوسف رحمه الله تعالى. وقال محمد بن الحسن: إنه مدبر مطلق وهو المختار، (مُدَبَّرٌ) مجاز أي معتقه من التدبير، وهو لغة: التفكر في عاقبة الأمور، وشريعة: إعتاق المملوك [(بَعْدَ المَوْتِ)] بلا فصل، وقيل: عتق بعده، وقيل تعليق العتق بالموت، فالمدبَّر: هو المعتق بعد الموت، ومن حكمه قبله أنه (لَا يُبَاعُ) لأنه وجد سبب الحرية وإن أُخر كالبيع بشرط الخيار، (وَلَا يُوهَبُ) ولا يتصدق به ولا يُمهر ولا يُرهن (وَ يُسْتَخْدَمُ وَ يُسْتَأْجَى) بالضم، ويُعتَقُ ويُكاتب، وأكسابه للمولى (وَالمُدَبَّرَةُ تُوطَأُ بملك اليمين (وَتُنْكَحْ) ولو كرها، ومهرها، وإرثها للمولى.
(وإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ) بالقتل أو غيره (عُتِقَ مِنْ [تُلْثِ] مَالِهِ) بعد الدين إذا خرج منه، وغن لم يخرج وأجاز الورثة فكذلك (وَ) إن لم يجيزوا (سَعَى فِيما زاد) على الثلث من قيمته مدبراً سواء كان ثلثيه أو أقل أو أكثر، وفيه إشعار بأنه لو خرج من الثلث وهلك باقي التركة قبل الوصول إلى الورثة ليس لهم حق السعاية، وقد ذكر في المنية أن لهم حقاً.
(وَإِنْ اسْتَغْرَقَ) أي أحاط (دَيْنَهُ) قيمة مديره مع ماله أو دونه ([فَفِي] كُلّه) أي فهو سعي في كل قيمته مدبراً، وهي نصف قيمته قناً، وقيل: ثلثا قيمته قناً، وقيل: خدمته مدة عمره على التخمين، وقيل: قيمته قناً كما في خان قاضي وقيل قيمته مدبراً كما في النظم. والأول هو المختار ـ أي كونها نصف قيمة القن ـ كما في الكبرى وبه يُفتى كما في الصغرى ثم أشار إلى الضرب الثاني فقال:
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُ في مَرَضِي هَذَا) أو من مرض كذا، أو في هذا السفر (أَوْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ) أو إلى عشرين سنة فهو حر ليس بمدير مطلق بل مقيد من حكمه أنه (صَحَ بَيْعُهُ) وسائر تصرفاته، (وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ) وإن لم يُبع ووُجد الشرط أي الموت في المرض أو السنة أو غيره (عُتِقَ) من ثلث ماله وسعى فيما زاد، وإن استغرق دينه ففي كله (كَالْمُدَبَّر) المطلق، ولا تظن منه أن المقيد يختص بالشرطية، فإنه لو قال: أنت حر يوم (أموت) فإن نوى النهار فمقيد، وإن نوى الوقت فمطلق كما في المحيط. وإنما لم يذكر تدبير البعض فإنه كإعتاق البعض في التجزي عنه وعدم التجزي عندهما، وأثر الخلاف فيه كما فيه - أي في تجزي التدبير و عدمه ـ كما في المحيط وغير.
(وَأَمَةٌ) مبتدأ خبره أم ولده، [فهذا شروع في الاستيلاد]. وهو لغة: طلب الولد مطلقاً. وشريعة: جعل الأمة أم ولد وهو بشيئين، إدعاء الولد؛ وتملك الأمة كما قال السيد: (وَلَدَتْ) تلك (مِنْ سَيدِهَا) حقيقة أو حكماً فيشمل ما إذا وطئ الأب جارية الابن ثم ولدت (فَادَّعَى الوَلَدَ) أي السقط أو غيره، ولو ادعى أن الفاء بمعنى الواو لكان شاملاً لها إذا كانت حاملاً، فأقر المولى أن الحمل منه فإنها تصير فإنها تصير أم ولد له كما في المحيط. (أوْ) ولدت (مِنْ زَوْج) ولو حكماً فيتناول ما إذا وطئ بشبهة (فَمَلَكَهَا) أي الزوج الحقيقي أو الحكمي بالشراء أو الهبة أو غيره ([أم] وَلَدِهِ) سواء كانت في الأصل قِنَّةً أو مدبرة أو مشتركة بينه وبين غيره.
فولدت فادعاه أحدهما فأم الولد جارية استولدها الرجل بملك اليمين أو النكاح أو بالشبهة، ثم ملكها فإذا استولدها بالزنا لا تصير أم ولد استحساناً عندهم وتصير أم ولدٍ قياساً كما قال زفر رحمه الله تعالى كذا في المحيط. وينبغي أن يُشهد أنها أم ولدٍ له كيلا يُستَرِقَ وَلَدُه بعد موته كما في قاضي خان. (وَحُكْمُهَا كَالْمُدَبَّرَة) أي مثل حكم المديرة المطلقة، فلا تباع ولا توهب وتجبر على النكاح وتُزَوج عليها - أي الحرة لأنها أيضاً حرة. وتستخدم وتوطئ غيرها. (إلَّا أَنَّهَا) أي أم ولده (تُعْتَقُ عِنْدَ [مَوْتِهِ]) أي السيد مِن كُلِّ مَالِهِ بخلاف المدبرة فإنها تعتق من ثلثه، والفرق أن الاستيلاد من الحوائج الأصلية كالأكل، بخلاف التدبير. فإن قلت: قد ذكر في قاضي خان أنه لو أقر في المرض بأنها أم ولدي ولم يكن معها ولد تعتق من الثلث قلت: قد ذكر في المحيط أنه لم يصح إقراره بالاستيلاد، وأنه وصية حتى تعتق
من الثلث.
(وَ) أنها [(لَمْ تَسْعَ لِدَيْنِهِ)] أي دين المولى بخلاف المدبرة فإنها تسعى له (وَلَا يَثْبُتُ) من السيد (نَسَبُ وَلَدِ الْأَمَةِ) أي كل موطوءة بملك اليمين أو شبهة (إلَّا بِدَعْوَةٍ) بالكسر أي ادعاء كون الولد منه (ثُمَّ) أي بعد ما ثبت نسب الولد الأول ثبت نسب الولد الثاني (بِلَا دَعْوَةٍ) إلا أنهم قالوا هذا إذا كانت بحيث يحل الوطء، أما إذا كانت لا يحل كما إذا كاتب أم ولد فجاءت بولد بعده فلا يثبت نسبه، وكذلك الجارية إذا كانت بين رجلين ثم جاءت بولد فادعياه حتى يثبت النسب منهما، ثم جاءت بولد آخر فلا يثبت بلا دعوة كما في المحيط. والكلام مشير إلى انه لو اعتق أم ولده ثم جاءت بولد يثبت نسبه وذا إلى سنتين لا غير كما في قاضي خان. (لَكِن يَنْتَفِي) نسبه (بِالنَّفْي) لضعف الفراش، وعنه أنه إذا حفظها ولم يعزل عنها لم ينفها ديانة، لأن البناء على الظاهر واجب فيما لم يعلم حقيقته، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه إذا وطئها بلا استبراء، فلو ولدت، فعليه أن يدعيه، وعن محمد رحمه الله تعالى: أنه لا يدعيه ما لم يعلم أنه منه لأنه لا يحل استحقاق نسب ليس منه لكنه يعتقه كما في الكافي.
{فَصْلٌ: في الوَلَاءِ}
فإنه لما كان مسبباً عن الإعتاق عند بعض المشايخ، أو العتق على الملك عند الأكثرين وهو الصحيح كما في المحيط وغيره ذيله به. وهو بالفتح لغةً: القرابة كما في الكافي. وشريعة: التناصر، ويسمى بولاء العتاقة والنعمة ومن حكمه: الإرث كما في النهاية وغيره. وقيل: إنه ميراث يستحقه المرء بسبب عتق شخص في ملكه أو بسبب عند الموالاة فتفسير بالحكم، وذا غير عزيز، وإنما لم يذكر الموالاة لقلتها. والموالاة لغة: التناصر كما في الحقائق. وشريعة: أن يعاهده على إن جنى فعليه أرشه، وإن مات فميراثه له سواء كانا رجلين، أو امرأتين، أو أحدهما رجل والآخر امرأة كما في النتف.
وفيه إشعار بأن الإسلام على يده ليس بشرط لصحة هذا العقد كما في المبسوط. وكذا كونه مجهول النسب، وقال بعض المشايخ: إنه شرط كما في الحقائق.
(مَنْ أُعْتِقَ) بكسر التاء سواء كان مسلماً أو ذمياً أو حربياً من مسلم أو ذمي في دار الحرب أو غيرها كما قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: بالولاء والعتق بلا تخلية كما في شرح الطحاوي.
(بإعتاق) لكفارة أو بدل أو غيره لنفسه أو غيره. وفي المضمرات: من أعتق عن أبيه الميت فالولاء له والثواب للميت من غير أن ينقص شيء من ثوابه.0أَوْ بِفَرْع لَه) أي الإعتاق كالتدبير والاستيلاد والكتابة.
[(أَوْ بِمِلْكِ قَرِيبِهِ)] بأن يملك ذا رحم محرم منه بالشراء أو غيره، ولو اكتفى بالفرع لكان جائزاً (فَوَلَاؤُهُ) أي تناصر العناق أو المعتق (لِسَيدِهِ) إن كان حياً ولأقرب عصبة إن كان ميتاً، فعلى هذا يحتاج إلى تصوير لولاء المدبر وأم الولد، وأما إذا أراد به الإرث فبيانه أن يرتد السيد نعوذ بالله، وصار حربياً فيعتقان ثم جاء مسلماً فمات أو لم يموتا لكنهما ملكا عبداً أو أمة، أو دبرا، أو استولدا، ثم صارا حربيين فمات مدبرهما أو أم ولدهما فالولاء له في الصورتين، والكلام شامل لم إذا كان ولاء كل منهما لصاحبه، كما إذا اعتق حربي عبداً في دار الإسلام ورجع إلى دار الحرب ثم سبي واشتراه ذلك العبد ثم أعتقه كما في الظهيرية.
(وَإِنْ) تبرأ منه (وشَرَطَ عَدَمَهُ) أي الولاء لأنه شرط باطل لا يقتضيه العقد ومعناه: أي له الولاء وإن قال عند الإعتاق: لا ولاء لي - (وَمَنْ أَعْتَقَ أَمَةً) ظهر حبلها أولا (زَوْجُهَا قِنّ) غير معتق (فَوَلَدَتْ) ولداً لأقل من سنة أشهر، أو ولدين أحدهما أقل منها ومات ذلك الولد [(فَلَهُ)] أي لمولى الأمة ومعتقها (وَلَاءُ الوَلَد) لأن العتق وَرَدَ عليه (فإن أُعْتِقَ) ذلك الزوج القن ثم مات الولد (جَرَّه) أي مدَّ الزوج ولاء الولد من موالي الأمة (إلَى قَوْمِهِ) أي موالي الزوج أي المعتق وعصبته (إنْ كَانَ بَيْنَ إعْتَاقِ الأَمَةَ وَوِلَادَتُها) الولد (أَكْثَرُ مِنْ نِصْفُ حَوْلٍ) الأحسن نصف الحول - بدل أكثر من نصف الحول - لأنه حينئذ لم يتيقن وجوده وقت العتق فلم يكن الولاء لموالي الأم، وفيه إشارة ما إلى أن الولد لو مات قبل عتق الزوج لم يجره إليهم، وإلى انه لا ولاء للنساء كما يجيء، وإلى انه لو أعتق ولم يكن بينهما ستة أشهر: لم يجره التقرر الولاء على مواليهما.
(وَالمُعْتِقُ) المذكور (عَصَبَةٌ) سَبية (قَدَّمَ) العصبية [(النِّسْبِيَةَ)] بأقسامها الثلاثة (عَلَيْه) / أي المعتق في الإرث وقد مرّ في النكاح (وَهُوَ) أي المعتق أي مقدَّم في الإرث (عَلَى ذِي الرَّحِمِ) أي قريب لا فرضَ ولا تعصيب له، واعلم أنه قد تقرر في محله أن آخر العصبات هو المعتق؛ ثم عصبته؛ ثم صاحب الفرض النسبي مما يرد عليه، ثم ذو رحم محرم، ثم موالى الموالاة، فالأولى هو الإتمام أو الترك رأساً، إلا أنه تابع الهداية. (فَإِنْ مَاتَ) المعتق (السَّيِّدُ) أو السيدة (ثُمَّ) مات العبد (الْمُعْتِقُ) بلا وارث (فَوَلَاؤُهُ) أي ميراثه على ما قال المص: ومن الظن أن موت المعتق ليس بشرط لثبوت الولاء، فإن صيرورة المال ميراثاً لا يكون إلا بعد موته (لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ سَيِّدِهِ) على الترتيب، فلو مات المعتق على ابنين ثم ماتا ولأحدهما ابن والآخر ابنان فالولاء بينهما على السواء لأنهم في القرب إلى المعتق على السواء، فالولاء لا يورث على ما قال أصحابنا في المحيط وغيره وعن. نجم الأئمة: أن ذوي الأرحام يرثون في زماننا إذا لم يكن في للمعتق للوارث كما في المنية.
(وَلَا وَلَاءَ) ثابت بحسب الشرع (لِلْنِّسَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ) أي إلا ولاء معتق أو عبد أعتقه بالإعتاق أو فرعه، أو لا ولاء لهن في وقت إلا وقت إعتاقهن فعلى الأول ما موصولة، وقد تستعمل في ذوي العلم على أنه ناقص في بعض الصفات فيلحق بغير ذوي العلم، وعلى الثانية مصدرية زمانية بمعنى الوقت، أو بحذفه ويحذف الضمير على الأول وفي الثاني يجوز الحذف والتنزيل منزلة اللازم. (كَمَا فِي الْحَدِيثِ) ((لَيْسَ للنِّسَاءِ مِنَ الوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ؛ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ؛ أَوْ كَاتَبْنَ، أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَانَبْنَ، أَوْ دَبَّرنَ، أَوْ دَبَّرَ مَنْ دَبَّرْنَ، أَوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتِقِهِنَّ، أَوْ مُعْتِقِ مُعْتِقِهِن)).
أي ما أعتقنه، أو أعتقه من أعتقنه، وصورته: امرأة أعتقت عبداً ثم هو أَعتَقَ عبداً مَلَكَهُ، ثم مات العبد الأول، ثم مات الثاني ولم يكن له وارث سواها فولاؤُه لها. وقوله - جر - عطف دبر أو عطف أعتق. وولاؤه: فعولة، ومعتقهن فاعله، وصورته كصورة الباقي ظاهرة مما مرَّ. ومن الظن: أن قوله: ما أعتقن منصوب أو مجرور باللام أو الباء المقدرتين أي بإعتاقهن. وفي المنية عن نجم الأئمة: أن بنات المعتق ترث في زماننا إذا لم يكن للمعتق وارث. والحديث متضمن للآخر وكفى ذلك رعاية لحسن الاختتام.
{كِتَابُ المُكَاتَبِ}
لم يجعل -بيان المكاتب - كالاستيلاد في التذييل للعتاق، ولم يُعنون بالفصل لكثرة مباحثه- ولأنه من باب العتق - والمكاتب المكاتبة: فإنه مصدر ميمي فيكون موافقاً للباقي. للباقي من الكتب فإنها مضافة إلى المصادر لا اسم المفعول. و العدول عنها ـ أي لفظ الكتابة إلى لفظ المكاتب وإن كان بمعناها. للتفادي عن نوع التكرار. وهو مستحب إن علم فيه خير أي أمانة ورشد في التجارة وقدرة على الاكتساب كما في قاضي خان. وقيل أي أداء الفرائض، وقيل: عدم الضرر بالمسلمين، وإلا فالأفضل أن لا يكاتب كما في شرح الطحاوي. (الكتابَة) لغة مصدر كاتب عبده كما في الأساس والمقدمة. وقال الراغب: إنها ابتياع العبد نفسه من سيده بما يؤدي كسبه. واشتقاقها من الكتابة التي هي الإيجاب أو النظم-الكتابة العادية-، ولو أضمر لكان أظهر. وشريعة (إِعْتَاقُ المَمْلُوكِ) أي العبد أو الأمة (يَدَاً) تمييز: أي إعتاق يد وهو التصرف أي التمليك والتملك، وحاصله: إزالة المولى عن نفسه ملك اليد وتمليكه إلى العبد. (حالا) أي في الحال وزمان العقد، فيملك البيع والشراء و الخروج إلى السفر وغيرها وإن نهاه المولى.
(وَ رَقَبَةً) أي ذاتاً، فإنها وإن كانت في الأصل العنق إلا أنها جعلت كناية عن مجموع ذات الإنسان تسمية للكل باسم الجزء (مالا) أي وقت أداء بدل الكتابة عند عامة المشايخ، وحالاً فيزول ملك الرقبة أيضاً لكن لا يملكها إلا عند الأداء كشرط الخيار على ما قال بعضهم كما في شرح الطحاوي. وحكمه في جانب المولى حالاً ثبوت ولاية طلب المال، ومآلاً حقيقة الملك في البدل وإنما سمي هذا العقد كتابة: إما لأنه يكتب العبد على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب المولى له عليه العتق، أو لأن فيه [ضم] حرية اليد إلى حرية الرقبة، وأما الخط فإنه لا يكتب لأنه واجب.
(فَإِنْ كَانَتْ) بلفظ الكتابة وقال: كاتبت (قنَّةٌ) أي مملوكة بقرينة التعريف فيتناول المدير وأم الولد. (وَلَوْ) كان (صَغِيرَاً يَعْقِلُ) البيع والشراء بأن يعرف البيع سالب للملك، والشراء جالب كما في الكرماني. وزاد في المضمرات: ويعرف الغين اليسير من الفاحش، وفيه إشعار: بأن غير العاقل لا يصير مكاتباً حتى لو أدى المال عنه. غيره ولم يعتق ويسترد ما دفع ـ أي ذلك الغير ـ كما في الزاهدي. (بِمَالٍ) معلوم صالح للمهر برضاهما كما في النظم. وفيه إشعار: بجواز الكتابة على عين لغيره، كالمكيل، والموزون، والمذروع، والأظهر الفساد كما في قاضي خان. (حَالَّ) أي معجل من حل عليه الدين حلولاً: أي وجب ولزم كما في المغرب. (أَوْ مُنَجم) أي مفرق في الأداء، والعرب تسمي المفرق: منجماً كما في التهذيب. وقال الراغب: أصل النجم الكوكب الطالع، ويقال نجمت عليه إذا أوزعته، كأنك فرضت أن تدفع عند طلوع كل نجم نصيباً، ثم صار متعارفاً في تقدير الدفع بما قدرته.
(أَوْ مُؤجل) أي مجهول له أجل، وهو المدة المضروبة للشيء كما في المفردات. وفيه إشارة إلى أن الأجل لو كان مجهولاً كالحصاد جاز الكتابة، إلى أنه يكفي مجرد العقد إذا كان بلفظ الكتابة، ولا يُشترط أن يزاد عليه: إن أديت حر، وإن عجزت فقراً خلافاً للشافعي رحمه الله تعالى كما في النظم. (أو) إن كاتب بلفظ الكتابة و (قَالَ جَعَلْتُ) لازماً (عَلَيْكَ أَلْفَا) من الدراهم فقدم المفعول الثاني على الأول، ثم وصف بقوله: (تُؤدِّيهِ [نُجُوما]) أي في أوقات فإنها جمع نجم يسمى في الوقت كما في المغرب، ثم وصفه وقال: (أَوَّلُهَا) بالنصب: أي في أول النجوم (كذا) أي خمسمائة مثلاً (وَآخِرُهَا كَذَا) أي خمسمائة (فَإِنْ أَدَّيْتَهُ فَأَنْتَ حُرٌ وَإِنْ عَجِزْتَ [فَقِن]) أي فأنت عبد، وإنما اشترط هذان الشرطان ليكون العقد متفقاً، وإلا فالأول كان عندنا كما مر، وبه صرح الكرماني.
(وَقَبِلَ العَبْدُ) المال، عطف على قال، أو كاتب (صح) الكتابة ولزم المال بالتمام. وقال بعضهم: إنه يندب حط بعضه كما في شرح الطحاوي وغيره. (وَخَرَجَ مِنْ يَدِهِ دُونَ مُلْكِهِ) مستدرك بصريح التعريف، إلا أنه ذكر ليتفرع مسائل الأولى على القيد الثاني، والباقية على الأول، إلا أن الفاء أولى حينئذ في قوله (وَعُتِق) أي العبد المكاتب.
(وَعُتِقَ) المكاتب كله لبقاء الملكية (مجاناً) أي لا بدل قبل أدائه (إنْ أَعْتَقَ) أي أعتقه السيد الصحيح لا المريض، فإن تصرفه يعتبر من الثلث (وَ غَرِمَ) أي ضمن السيد (العُقْرَ) أي مقدار مهر مثل المكاتبة، أو مقدار بدل إجارتها للوطئ لو كان الاستئجار مباحاً، والفتوى على الأول كما في استيلاد المضمرات (إِنْ وَطِئَ مُكَاتِبَتَهُ) لأنها خرجت من يده (وَ) غرم (الأَرْش) أي دية الجراحة (إنْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا) أي جرح أحدهما (أَوْ) غرم المثل أو القيمة إن جنى على (مَالِهَا) أي أتلفه، وكذا غرم أرشه - أي المكاتب - إن جنى عليه كما في قاضي خان. فالأولى تذكير الضمير لتدخل المكاتبة تبعاً، فإن التخصيص موهم بخلاف العكس. (وَصَحَتْ) الكتابة، وإنما أَنَّتَ هاهنا تنبيهاً على جواز الوجهين كما عُرف. (عَلَى حَيَوانٍ ذُكِرَ جِنْسُهُ) كالعبد والحمار (فقط) أي لا نوعه، كالتركي، والهندي، ولا صفته كالجيد والرديء (وَيُؤدِي) المكاتب (الوَسَطَ) بين الجيد والرديء من ذلك الجنس (أَوْ قِيمَتَهُ) أي الوسط في العبد أربعون ديناراً عنده، وعلى قدر غلاء السعر ورخصه عندهما، ولم يقدر في غيره بشيء ولو كاتبه على مال متقوم إلا أنه مجهول الجنس أو القدر ينعقد على القيمة.
وفيه إشعار بأنه لو كان على شعير أو حنطة مع بيان المقدار أدى الوسط كما في المحيط. (وَفَسَدَتْ) الكتابة واقعة (عَلَى قِيمَتِهِ) أي قيمة العبد، لاختلاف المقومين فلا يتعين لكن يعتق بأداء القيمة ويثبت بتصادقهما، وإن اختلفا رجعا إلى المقومين، فإن اتفق اثنان على شيء فهو القيمة، وإن اختلفا بأن يقوم أحدهما بألف الآخر به وبعشرة يعتق بأداء الأقصر، وفيه إشعار بأنه لو كاتبه على ثوب لفسدت كما في المحيط. (أَوْ) على (خَمْرٍ) /أي نفسها أو قيمتها (أَوْ خَنْزيرِ) أو غيرهما مما يُتَقَوَّم (مِنْ المُسْلِم) فلو كاتب ذمي عبده الكافر على نحو الخمر المعلوم المقدار جاز. وفيه إشعار بأنه لو أدى الخمر عُتق، وهذا ظاهر الرواية، وعند الطرفين أنه إنما يعتق به إذا قال: إن أديتها فأنت حر. وعند زفر رحمه الله تعالى: إن أدى المشروط أو قيمة العبد فما في الهداية قيمة الخمر مشكل كما في الكافي و لا يعتق عند الطرفين بأداء الخمر بل بأداء قيمة نفسه لأن القيمة في العقد الفاسد كالمسمى في الصحيح.
(وَصَحَ لِلْمُكَاتَبِ) كما لولده وعبده وأمته (البَيْعُ والشَّرَاءُ) ولو بغين فاحش عنده، وأما عندهما فلا يصحان به، والمحاباة فيهما على هذا الخلاف فيصحان بالغبن اليسير، ولو قال: صح له التجارة لكان شاملاً لمثل المضاربة والشركة والإجارة والاستئجار و الاستقراض والإبضاع و الرهن والارتهان والاستعارة كما في المحيط. (وَ السَّفَرُ) وإن شرط عدمه استحساناً إِنْكَاحُ أُمَتِهِ) من عبد غيره، والتوكيل به لاستفادته المهر، وفيه إشعار بأنه لا يجوز إنكاح عبده أصلاً، حتى لو أجاز بعد العتق لم ينفذ، ولا (إنكاح أمته) من عبده، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه يجوز كما في المحيط وَكِتَابُ قِنَّةٍ خلافاً لزفر رحمه الله تعالى (وَلَهُ) أي المكاتب الأعلى (وَلاؤُهُ) أي المكاتب [الأسفل] (إنْ أدَّى) الأسفل بدل كتابته (بَعْدَ عَتْقِهِ) أي الأعلى لأنه صار حراً (وَلِسَيْدِهِ) أي الأعلى ولاؤه (إنْ أدَّى قَبْلَهُ) أي عنقه (وَلَا) يصح (تَزَوُّجُهُ) بنفسه وبالتوكيل إلا بإجازة السيد فإن أعتق قبل إجازته تقد ذلك النكاح على المكاتب كما مر في النكاح (وَ) و (هِبَتُهُ وَلَوْ بِعِوَضٍ وَ) لا (تَصَدُّقُهُ إِلَّا بِيَسير) منهما، وهو مادون الدرهم لأنه قليل يتوسع فيه الناس كما مرَّ في الكرماني.
وفيه إشعار بأنه لو أهدى بطعام، أو دعي إليه فلا بأس بقبول ولو أهدى بالدراهم أو الثياب لم يقبل كما في المحيط. (وَتَكفُلُهُ) بالنفس أو المال. وفي المضمرات: لو كاتب عبديه كتابة واحدة بألف، فله / أن يطلب كل واحد منهما يجميع الألف ولم يذكر الكفالة (وَ إقْرَاضُهُ) لأنه تبرع لم يدخل تحت الكتابة، وينبغي أن يجوز باليسير كالهبة (وَ إعْتَاقُ عَبْدِهِ وَ لَوْ بِمَالٍ وَ) لا (بَيْعُ نَفْسٍ عَبْدِهِ مِنْهُ) أي من عبده لأن فيهما إسقاط الملك وإثبات الدين على المفلس (إنْكَاحُه) أي عبده كما أشار إليه. (وَالأَبُ الوَصِيُّ في رَقِيقِ) الحر (الصَّغِيرِ كَالمُكَاتَبِ) حكماً فيملكان كتابة قنة، وإنكاح أمته لا إعتاق عبده ولو بمال، ولا بيع عبده و إنكاحه (وَ إِذَا عَجِزَ عَنْ نَجْمٍ) ولو أولا (إِنْ كَانَ لَهُ) أي المكاتب (وَجْهُ) كدين ومال ولو في سفره (سَيَصِلُ) ذلك الوجه إلى المكاتب (لَا يُعْجِزُه) من التعجيز أي لا يعجل (الحَاكِمُ) والقاضي بتعجيز المكاتب بل يمهله (إلى) يومين أو (ثلاثة أيام) فإنها مدة إبلاء العذر في الغالب كشرط الخيار وقصة الإخبار و إمهال من ادعى الدفع ببيئة حاضرة وإمهال الديون المقر ليحضر المال أو ليبيع عيناً في يده وإمهال المرتد كما في الكافي. (وَإِلَّا) يكن له ذلك الوجه (عَجَّزَهُ) الحاكم عند الطرفين. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يُعجزه حتى يتوالى نجمان، والأول هو الصحيح كما في المضمرات.
(وَفَسَحَهَا) أي فسخ الحاكم الكتابة وإن لم يرض [الكاتب] به (بِطَلَبِ سَيِّدِهِ) الفسخ (أَوْ) فسخها (سَيِّدُهُ) بنفسه بلا قضاء (برضاه) أي المكاتب، وفي فسخه بدون رضاه روايتان، وفيه إشعار بأن المكاتب ليس له أن يعجز نفسه بلا رضاء السيد، فإن الكتابة لازمة في جانبه على ماذهب إليه محمد بن سلمة رحمه الله تعالى، إلا أنه خلاف ماذهب إليه أصحابنا فإن الكتابة غير لازمة فيه عندهم على ما قال أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى كما في المحيط. (وَعَادَ) بالفسخ (رقُهُ) كما كان أولاً. وفيه إشكال فإنه مشعر بأن الرق يزول بعقد الكتابة، وقد مر بأن الزائل هو اليد وأن الرق حق الغير والعبد لما يقدر على إزالته كما حققنا، ولذا قال في الهداية: عاد إلى أحكام الرق فالتحقيق أن الرق ثابت فيه إلا أن الكتابة منعت المولى من بعض الأحكام، فلو قيل بحذف المضاف وهو الحكم لا ندفع الإشكال.
(وَمَا) كان (فِي يَدِهِ) من الاكساب ملكاً لِسَيّدِهِ) ملكاً مؤكداً عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وملكاً مبتدأ عند محمد رحمه الله تعالى، ولهذا لو آجر المكاتب أمة ظئراً ثم عجز بطل عنده خلافاً لأبي يوسف رحمه الله تعالى كما في الكرماني. (فَإِنْ مَاتَ) متجاوزاً (عَنْ) أداء (وَفَاء) أي مال يفي بما عليه أي مات وترك مالاً وافياً به (لَمْ تُفْسَخ) الكتابة لأنه عقد معاوضة. وفيه إشعار بأنه إذا لم يترك وفاء تنفسخ حتى لو تبرع أحد بالبدل لا يقبل منه، وهذا قول أبي بكر الإسكاف، وذهب الفقيه أبو الليث: إلى أنه لا تنفسخ بدون الحكم كما في الصغرى. واعلم أنه: إذا مات عن وفاء وعليه ديون بدء بدين الأجنبي، ثم بدين المولى، ثم يبدل المولى كما في المحيط. (وَقَضَى البَدَلَ) حينئذ (مِنْ مَالِه) الذي لم يتعلق به دين (وَحُكِمَ بِمَوْتِهِ) أي المكاتب (حُرَّاً) في آخر جزء من أجزاء حياته عند الأكثرين. ومنهم من يقول: إنه يُعتق بعد الموت بأن يُقدر حياً قابلاً للعتق كما يُقدَّر المولى ميتاً حياً مالكاً معتقاً كما في الكرماني.
(وَ) حكم للوارث سيداً كان أو غيره بأخذ (الإرْثُ) أي الميراث، والهمزة بدل من الواو (مِنْهُ) أي المكاتب، والاكتفاء مُشْعِر بأن وصاياه باطلة فلا يعتبر تدبيره فيقسم بعد أداء البدل بين الورثة لا غير كما في المحيط (وَ عِنْدَ بنيه) أي حكم بعتق أولاده ذكوراً او إناثاً في آخر حياة المكاتب، فإن الإناث يدخلن تغليباً حال كونهم قد (وُلِدوا في) وقت (كتابَتِهِ) لا قبلها فلا يُعتَمُّون (أَوْ) قد شراهم أي مَلَكَ وَالِدَيْهِ وَ مَوْلُودَيهِ بالشراء وغيره من أسباب الملك فهو مجاز واستخدام فلا يعتق بالملك غيرهم من امرأته وسائر ذي رحم محرم عنده خلافاً لهما، والأصل: أن مَنْ يدخل في الكتابة يُعتق ومن لا فلا، وهم يدخلون اتفاقاً، وأما غيرهم فلا يدخلون عنده استحساناً، ويدخلون عندهم قياساً كما في المحيط. عُتِق ابنه قد (كُوتِبَ) المكاتب (هُوَ وَابْنُهُ) حال كونه ([صَغِيرَاً] أَوْ كَبِيراً بِمَرَّةٍ) أي بكتابة واحدة فإنهما جُعلا كشخص واحد، فهو معطوف على عتق بنيه، وابنه على المستتر في كوتب وهو من موضع الظاهر موضع الضمير فلا تساهل فيه كما ظُن. (وَطَابَ) أي حل (لِسَيّدِه) الغني (إِنْ أَدَّى) المكاتب (إِلَيْهِ) شيئاً (مِنْ صَدَقَةٍ) أي زكاة أو غيرها (فَعَجِزَ) فلو عجز ما أدى إليه لا يطيب له لكن الصحيح أنه يطيب لأن الخبث في الأخذ لأنه ذل، على أصل أبي يوسف رحمه الله تعالى، ولتبدل الملك عن محمد رحمه الله تعالى كما في الكافي فلو قال وعجز لكان أحسن.
(وَلَا تَنْفَسِحُ) الكتابة (بِمَوتِ السَّيِّدِ) وإلا لبطل حق المكاتب [(وَأَدَّى)] المكاتب (البَدَلَ إلى وَرَثَتِهِ) أي وارثه الكبير ووصي الصغير (عَلَى نُجُومِهِ) أي على وجه وقع العقد عليه من النجوم (وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْضُهُمْ لَا يَصِحُ) إعتاقه نصيبه لتوقف الإعتاق على الملك، والمكاتب غير مملوك لأحد. (وَإِنْ أَعْتَقُوهُ) جميعاً أو متفرقين (عُتِقَ مَجَّاناً) استحساناً لأنه جعل إعتاقهم إسقاطاً لبدل الكتابة لا قياساً لما ذكرنا. والإبراء والهبة وما في معناه كالإعتاق حكماً ولا يخفى ما يرعاه من وجه حسن الاختتام.
{كِتَابُ الْأَيْمَانِ}
عقب الكتابة بها، لما بينهما من الموافقة في المخالفة، فإن الكتابة مطلقة واليمين مقيدة، / والإطلاق مقدم على التقييد. والأيمان: أي إيقاع الأيمان جمع اليمين - لغة: اليد اليمنى على ما في عامة الكتب فليست بمصدر كالطهارة وغيرها، ولذا جمعت مع حذف وحده دون سائر الكتب. وشريعة: ما قوي به العزم على الفعل أو الترك. وإنما سمي به لأنهم يتماسحون بأيمانهم - أي باليد اليمين - حالة التحالف، وهو على مافي المبسوط والتحفة وشروح الهداية وغيرها؛ قسمان: قسم؛ وجملة شرطية سيأتي تفسيرهما /. فمن الظن السؤال يجعل القسم الثاني خارجاً عن اليمين الشرعية، ولا يكره الحلف به - أي القسم الثاني - جمهور الفقهاء، سيما في زماننا لقلة مبالاة الناس بالقسم الأول اتفاقاً، وإن كان تقليله أولى كما في الكافي وغيره وفي الكفاية: أن ليس لأحدٍ أن يحلف بالله إلا عند الضرورة. ولما كان هذا القسم - الأول - أشيع مع الأشرفية ابتدأ به فقال:
(وَهِيَ) أي اليمين بالله وصفته ومافي حكمه، كتحريم الحلال، (ثَلاثٌ) باعتبار الحكم فإن اليمين باعتبار العد أكثر من أن يُعد ثم فَصَّله فقال: (فَحَلْفُهُ) بفتح الحاء وكسر اللام أو سكونها، يمين يؤخذ بها العبد، ثم سمي به كل يمين كما في المفردات. والمراد به ك المعنى المصدري أي حلف الحالف بالله تعالى. (عَلَى فَعْل) مفتوح الفاء وهو الظاهر المقابل للترك لا ما هو مصطلح النحاة ولا عرف المتكلمين من صرف الممكن من الإمكان إلى الوجود، كما ذهب إليه المصنف، والمشهور المكسور، إلا أنه بمعنى المفتوح.
(وَتَرْك) أي عدم فعل (مَاض) حال كون الحالف (كَاذِبَاً) كذباً (عَمْدَاً أَوْ سَهْوَا) أو كذب عمداً، وكونه حالاً من فاعل كاذباً كذب، وهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه عمداً كان أو سهواً، إلا أنه لا يأثم بالسهو، هذا هو المشهور. لكن في الكرماني والمستصفى وغيرهما أن الكذب يرجع إلى ما في الذهن دون الخارج. وفيه رمز إلى أن عمل اليمين في الحقيقة الجملة الخبرية لأنها الموصوفة بالكذب، وإلى أن تلك الجملة وجب أن تشمل على الماضي المثبت أو المنفي، فتوصيف الفعل والترك به تجوز، وإنما خص الماضي، ولقد وصفنا بالحال لأنه أكثر وقوعاً، وقال المص: أنه داخل في الماضي لأنه لزمان التكلم. واليمين إنما تنعقد بعد الفراغ منه، ففيه أن الحال بالإجماع ما قارن لفظه وجود وجوده جزء من معناه كما ذكر ابن مالك وغيره، ويمكن أن يقال أن الماضي غير محمول على العرف بقرينة ما يأتي من يأتي من قوله آت فلم يكن في التصنيف تحوز وقد اندرج فيه الحال كما قال ابن مالك في ألفيته.
(غَمُوس) أي يمين غموس، ويجوز أن يضاف إضافة الجنس إلى النوع كما في الكرماني وغيره من المتداولات ـ أي إضافة الجنس وهو اليمين إلى النوع وهو الغموس - وقال المطرزي: إن الإضافة خطأ لغة وسماعاً - لغة: إن الإضافة إضافة وصف، وإضافة الموصوف إلى صفته ممنوعة؛ وسماعاً: لعدم كون هذه الإضافة مسموعة من العرب الفصحاء. والغموس: صفة من الغمس أي الإدخال في الماء، سميت به لأنه يدخل صاحبه في الإثم ثم في النار، وفيه إشعار بأنه يمين حقيقية كما يُشعر به الطحاوي. لكن في المبسوط والكرماني وغيرهما أنه يمين مجازاً، لأن اليمين مشروعة وهو ـ أي اليمين أو الحلف عندما يحلف كاذباً عمداً - كبيرة تخضة. واعلم أن ما ذكره - من أن الغموس حلف كاذب عمداً ـ أعم ما يتقطع به حق المسلم وفي المحيط: إنه الغموس - أي ما يُقْتَطَعُ به حق المسلم.
(يَأْثَمُ) صاحبه (به) أي بذلك الحلف، ولا يرفعه إلا التوبة النصوح والاستغفار، لأنه أعظم من أن يرفعه الكفارة بخلاف المنعقدة (وَ) حلقه عليه - أي على أمرٍ ماضي حال كونه (ظَانَاً) وقيل إنه عطف على عمداً على تقدير كونه حالاً من فاعل كاذباً، وفيه ـ أي في العطف على عمداً ـ أنه على تقدير التسليم ـ أي لا نسلم أولاً للوجه الذي مرَّ في عمداً، ولو سلم فهو مستلزم لاستدراك قوله وهو ضده، ولو تركه - أي قوله وهو ضده - وقال عامداً لكان أخصر.
(أَنَّهُ) أي الفعل الماضي، أو الترك الماضي، وكذا الحال في الحال (حق) أي مطابقة الواقع له لا مطابقته للواقع، فإن اتصافه بالحق - أي اتصاف الفعل بالحق اللغوي وهو الثابت و المتحقق ـ ليس لذاته كما عرف. واعلم أن الكذب يستعمل غالباً في الأقوال؛ ويستعمل الحق في المعتقدات (وَهُوَ) أي الفعل أو الترك (ضده) أي لا مطابقة الواقع (لغو) ساقط لم يتعلق به حكم، وفي المقاييس: اللغو ما لا يعتد به. وفي الزاهدي: عن ابن عباس رضي الله عنه: هو اليمين في الغضب. وفي الاختيار: عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه قول الرجل لا والله وبلى والله. وفي المضمرات أنه غموس عندنا.
ومثال اللغو في الماضي والحال أن يقول: والله ما دخلت الدار وإنه زيد ظاناً أنه كذلك، وقد كان بخلافه. وفي المحيط: لو أراد رجل أن يقوم لأخر فقال: بالله أكزبر خيري - كلمة فارسية أي والله لا تقم - فقام، لا يلزمه كفارة لأنه لغو في الكلام (يُرْجَى عَفْوُهُ) أي ترك عقوبته لأنه لم يتعمد الكذب، وإنما لم يقطع بالعفو متابعة لمحمد رحمه الله في المبسوط ولأنه غير منصوص فلا يُعتقد كونه مراداً.
(وَ) حلقه (على) فعل أو ترك (آت) أي مستقبل، أو آت زمانه (مُنْعَقِدٌ) وفي بعض النسخ [منعقدة] باعتبار اليمين، ويسمى معقودة أيضاً لتوثيق الحالف إياها بالقصد والنية، (وَكَفَّرَ فِيهِ) أي المنعقد من الأيمان (فَقَط) دون الغموس واللغو، وهذا تصريح بما أشير إليه (إنْ حَنِثَ) في يمينه بالكسر أي نقضها وأَثْم فيها، والحنث: الذنبُ. وفيه إشارة إلى أن الكفارة لم تُعتبر إلا بعد الحنث، وإلى أنه يُحتمل أن يكون البر والحنث واجبين كما على فعل الفرض وترك المعصية وبالعكس، وان يكون الحنث خيراً من البر كما على هجران المسلم وغيره، وأن يكون البر خيراً كما على المباحات كما في الاختيار وغيره.
(وَلَوْ سَهْوَاً / أَوْ كَرْهَاً حَلَفَ أَوْ حَنِثَ) أي وجب الكفارة، وإن كان الحلف أو الحنث بطريق السهو أو الإكراه كذا ذكره المصنف، وفيه رمز إلى أن (سَهْوَاً أَوْ كَرْهَاً) تمييز مقدم على حامله، إلا أن تقديمه غير جائز على الأصح، وإلى أن كرهاً بالفتح فإنه بالضم الكراهة.
والسهو كالنسيان، في اللغة: الغفلة وذهاب القلب إلى الغير كما في القاموس. وأما عرفاً: فالسهو قسم من النسيان، فإنه فقدان صورة حاصلة عند العقل بحيث لا يتمكن من ملاحظتها أي وقت شاء، هذا ذهولاً ويسمى وسهواً. أو بحيث لا يتمكن من ملاحظتها أَي وقت شاء، ويسمى هذا ذهولاً وسهواً. أو بحيث لا يتمكن منها إلا بعد تحشم كسب جديد، ويسمى نسياناً عند الحكيم كما في التلويح. فالأولى ذكر النسيان، وإن علم من السهو، حُكِمَ قِسْمٌ آخر منه بالطريق الأولى ويدخل فيه ماجرى على لسانه من اليمين عند إرادة غيره، ويسمى هذا خطأ كما في المستصفى.
(وَالقَسَمُ) بفتحتين اسم من الأقسام. وعرفاً: جملة مؤكدة تحتاج إلى ما يُلصَق بها من اسم دال على التعظيم، يسمى بالمقسم به، وجملة مؤكدة يسمى بالمقسم عليها وجواب القسم، فهو أخص من اليمين والحلف الشاملين للشرطية الآتية، ولما كان المقسم به شريفاً في نفسه قال (بالله) أي يلصق باسم دال على ذات الواجب تعالى، فهو اسم للذات ـ أي لفظ الله ـ وذا عند الأكثرين، وقال بعضهم: إنه في الأصل صفة انقلبت علماً، وفيه إشعار بأن باسم الله ليس بيمين، وهو المختار عند الصدر الشهيد. وذكر القدوري: أنه يمين مع النية. وعن محمد رحمه الله تعالى: أنه يمين مطلقاً كما في المحيط.
والإطلاق دال على أنه يمين، وإن كان مرفوعاً أو منصوباً أو ساكناً، لأنه ذكر اسم الله مع حرف القسم، والخطأ في الإعراب غير مانع كما في النهاية. (أَوْ بِاسْمِ) هو عرفاً: لفظ دال على الذات والصفة معاً، فالله اسم على رأي (مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى) ولو غير مختص به ولم يحلف الناس به، ولم يكن صريحاً نحو بك لأفعلن كما في الاختيار وغيره. (كَالرَّحْمنِ) فإنه لا يستعمل في غيره، (والرَّحيم) يستعمل في غيره.
وقال بعضهم: إن غير المختص لم يكن يميناً بلا نية، والأول هو الصحيح كما في المحيط. والكلام مشير إلى أنه لو قال: والله والله، لكان يمينين، وفي النوادر أنه يمين واحدة، ولو قال: والله والله فواحدة بالاتفاق، وإلى انه لو قال: والله والرحمن والرحيم والعزيز والحكيم، فكل منها يمين على حدة، وعنه أن الكل يمين واحدة كما في الصغرى. (والحق) أي لا يقبح منه فعل، فهو صفة سلبية، وقيل من لا يفتقر في وجوده إلى غيره، وقيل الصادق في القول /وفيه إشارة إلى أن حق الله، وحقاً، لم يكن يميناً وفيه خلاف سيأتي.) أَوْ بِصِفَةٍ هي عرفاً: مصدر ممكن الاشتقاق (يُحْلَفُ بِهَا) بتلك الصفة بلا ورودِ فهي احتراز عما يحلفون بها من نحو الآباء والأبناء، فإنه قد نهى الشريعة عنه (مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى) ذاتيه، أو فعليه. وقال مشايخ العراق: إن اليمين هو الأولى لا غير، والأول هو الأصح كما في النهاية. والفرق أن الذاتية ما يتعلق به حدوث ممكن، أو لا يجوز وصفه بضده. والفعلية بخلافه على القولين كالعلم والحلف.
(كَغِرَّةِ اللهِ) أي غَلَبَتِهِ من حَدٌ نَصَرَ، أو عدم النظير من حَدٌ ضَرَب، أو عدم الحط عن منزلته من حَدٌ عَلِمَ، (وَجَلَالِهِ) أي: كونه كامل الصفات (وَ كِبرِيَائِهِ) أي: كونه كامل الذات (وَعَظَمَتِهِ) أي: كونه كامل الذات أصالة، وكامل الصفات تبعاً. (وَقُدْرَتِهِ) أي: كونه بحيث يصح منه كل من الفعل والترك بحسب الدواعي.
(لا) يُلصق القسم (بِغَيْرِ الله) فإنه حرام. عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لو حلفت بالله كاذباً أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغير الله صادقا. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الإشراك بالله ثلاثة: منها الحلف بغير الله. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: الحلف بغير الله شرك كما في الكفاية. فما أقسم الله بغير ذاته وصفاته، من الليل والضحى وغيرهما، وليس للعبد أن يحلف بهما. وما اعتاد الناس من الحلف بجان توسوتو.
، فإن اعتقد أنه حلف والبر به واجب يَكفُر - أي يصير كافراً -. وقال علي الرازي: إني أخاف الكفر على من قال: بحياتي وحياتك وما أشبهه كما في النهاية. وذكر في المنية: أن الجاهل الذي يحلف بروح الأمير وحياته، ورأسه، لم يتحقق إسلامه بعد.
(كَالنَّبِيِّ وَالقُرآنِ) وسورة منه، والمصحف، والشرايع، والعبادات، كالصلاة وغيرها، والعرش، (وَالكَعْبَةِ) كل ذلك لأن العرب ما تعارفوها يميناً كما في شرح الطحاوي. (وَلَا بِصِفَةِ لَا يُحلَفُ بِهَا عُرْفَاً، كَرَحْمَتِهِ) من الصفات الحقيقية، فإن مرجعه الإرادة، إذ المعنى إرادة الأنعام. (وَعِلْمِهِ) صفة بها لا يخفى عليه شيء، وفي الخلاصة أنه يمين بالنية. (وَرِضَاهُ) أي ترك الاعتراض، لا الإرادة كما قال المعتزلة، فإن الكفر مع كونه مراد الله تعالى مرضياً عنده، لأنه يعترض عليه ويؤاخذ به. (وَغَضَبِهِ) أي انتقامه، وكونه معاقباً لمن عصاه، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إنهما - الرضا والغضب- صفتان الله تعالى بلا كيف. (وَسَخَطِهِ) أي: انزال عقوبته، وفي الأصل الغضب الشديد المقتضي للعقوبة كما في المفردات. (وَعَذَابِهِ) أي: عقوبته، وقال الراغب: هو الإيجاع الشديد.
(وَقَوْلُهُ) مبتدأ، أ، خبره قسمٌ بعده (لَعَمْرُ الله) عطف بيان لقوله: وهو مبتدأ خبره محذوف، هو قسمي، أو ما أقسم به، فهذا يجري مجرى قولك: أقسمت بعمرك، وإذا قال لعمر الله فهو بمنزلة قوله: والله الباقي. والعمر هو: البقاء مضموماً أو مفتوحاً، ولم يستعمل في اليمين إلا المفتوح كما في الكشف. وقال الراغب: هو دون البقاء، لأنه اسم لعمارة البدن بالحياة، والبقاء ضد الفناء، ولهذا وُصِفَ الله تعالى به، وقلّما يُوصف بالعمر. وفي الإضافة إشعار بأنه لا يجوز أن يُحلف ويُقال: العُمر فلان فإنه كبيرة بلا خلاف، وإذا حلف فليس له أن يبر، بل يجب أن يحنث فإن البر فيه كفر عند بعضهم كما في الكفاية. (وأَيْمُ الله) بفتح الهمزة وكسرها مع ضم الميم، مقصور أيمن الله بفتح الهمزة وكسرها. وقد يقال هيمُ الله بقلب الهمزة المفتوحة هاء، وقد يحذف الياء مع النون فيقال: أم، بفتح الهمزة وكسرها. ولا يستعمل مقصور الأيمن إلا مع الجلالة. وهو جمع يمين عند الكوفية همزته قطعية؛ جعلت وصلية لكثرة الاستعمال تخفيفاً، ومفرد كأنك عند سيبويه: مشتق من اليمين وهو البركة. وعلى المذهبين: مُبْتَدَأَ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ هو نحو: يميني، ومعنى يمين الله: ما خلف الله تعالى به من نحو (وَالشَّمْسِ، وَالضُّحى)، أو اليمين الذي يكون بأسمائه تعالى نحو: والله كما في الرضي. وذكر في المبسوط: أن اسم الله صلةٌ عند البصرية.
(وَعَهْدِ اللهِ) بالجر بواسطة حرف القسم كما ذكره المصنف رحمه الله. وفيه: أن الواو للعطف، وحينئذ لم يجز جره، والحكاية بعيدة جداً، على أن النصب جائز على إضمار فعل القسم. والرفع شائع على الابتداء: أي أقسم عهداً، أو على عهد الله وقد مر معناه. وفي المحيط: أي المعنى موجب يمين الله، ويجوز أن يكون المعنى ((والله الحافظ)) فإن العهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال. ويسمى الموثق الذي يلزم مراعاته عهداً، وعهد الله ما يُلْزِمه وليس بلازم في الشرع كالنذر وما يجري مجراه (وَمِيثَاقِهِ) وبالميثاق: هو عقد مؤكد بيمين وعهد كما في المفردات. وذكر في المحيط: أن بذير فتم، وعهد كردم سواء في اليمين.
(وَأُقْسِمُ) وأعزم (وأَحْلِفُ) بكسر اللام، وعن محمد رحمه الله لو قال: البتة - أي بالتأكيد. لأحلف كذا فيمين كما في المحيط. (وَأُشْهِدُ) أي أقسم، جزيه بحرى الحلف، (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ) مع كل من الثلاث ـ أُقسم وأحلف، وأُشهد - (بالله) وقال زفر: إن لم يذكر معها ـ أي اسم الله - لم يكن يميناً. (وَعَلَيَّ نَذْرٌ) وهو أن توجب على نفسك ما ليس بواجب كما في المفردات. وفيه إشعار بأنه لو قال: نذرت أن لا أفعل كذا فيمين كما في قاضي خان وغيره وهذا إذا لم يرد بالنذر شيئاً بعينه، وإلا ليس بيمين، ولهذا وجب عليه الوفاء كما يجيء.
(أَوْ) عليَّ (يَمِينُ) معناه برمن سوكناست كه، أو أين كارتكتم، وهو يمين أيضاً كما في المحيط. (أَوْ) عليَّ هْدٌ أو عهد لي أكم عهداً ـ معناه بالفارسي عليَّ ما عليَّ ـ كما في النُّظم. (وَ إِنْ لَمْ يُضِفْ) هذه الألفاظ (إلى الله) ولم يقل علي نذر الله، أو يمين الله، أو عهد الله. وعن أبي يوسف رحمه الله: إذا قال الله عليَّ، يمين، وهو يريد أن يوجبها على نفسه ولا يقول: إن فعلت، فليس بيمين كما في المحيط.
(وَإِنْ فَعَلَ كَذَا) أي إن دخل الدار مثلاً (فَهُوَ كَافِرٌ) أو مجوسي أو يهودي أو نصراني لأنه تحريم الحلال الذي هو يمين، فإن المعنى: هذا الفعل المباح حرام علي لأنه علقه بالكفر. (وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ) بهذا التعليق من الا الكفر هو الظاهر حال كونه (عَلَّقَهُ بِمَاض) بأن يجعل الشرط لفظ ((كان)) مثلاً فإنه لنصوصيته في المضي، لا يستفاد منه في المستقبل أصلاً نحو ((إن فعل كذا فهو كافر)). (أو آتٍ)، وفيه إشارة إلى انه لو قال ذلك لشيء فعله يكفر، والصحيح أنه لو اعتقد أنه يمين لم يكفر فيهما - أي في صورة التعليق في الماضي والآتي.، وإن اعتقد الكفر بالحنث يكفر، لأنه لما أقدم على الحنث لرضي بالكفر كما في الهداية وإلى - أي فيه إشارة - أن من الأيمان جملة شرطية غير مفسرة لجملة، لم يكن يميناً جزاؤها صالح للمنع أو الحمل، وشرطها مطلق عن الشخص والوقت، فلو قال: أنت طالق إن شئت لم يكن يميناً، لأنه تفسير الاختيار الذي ليس بيمين، ولأنه مقيد بالمرأة والمجلس.
وكذا لو قال: إن مت فأنت حر فإنه تدبير، وكذا لو قال: أنت طالق غداً بخلاف أنت طالق في ذبح الناس، لأن الفعل بدخول في؛ صار بمعنى الشرط كما في المحيط. (وَ سُوگند ميخورم بِخْدَاي قَسَم) أي: يمين فهو مجاز إذ الشرطية ليست بقسم كما مرَ. وفيه إشارة إلى أنه لو قال: سوكند ميخورم بطلاق فليس بيمين كما في الخلاصة. وإلى - أي فيه إشارة - أنه لو قال سوكند ميخورم بدون بخداي، وقال سوكند خوردم لم يكن يميناً، وليس كذلك بخلاف ما لو قال: (سوكند خوردة ام ((فإنه إخبار إن صدق حَنَثَ، وإلا لا شيء عليه كما في المحيط.
(وَحَقَاً) لا افعل كذا، لم يذكر في شيء من الكتب ـ أي أنه يمين ـ وقد اختلف المشايخ فيه، ومعناه: لا محالة، كذا في المحيط. لكن في النظم: أنه ليس بيمين عند المتقدمين وأكثر المتأخرين. وفي المضمرات: الصحيح أنه ليس بيمين. وفي قاضي خان: الصحيح انه إن أراد به اسم الله تعالى يكون يميناً. (وَ حَقِ اللهِ) ليس بيمين على الصحيح، لأن معناه ما يستحقه على عبادة من العبادات كما في المحيط. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه يمين: وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يمين السفلة أي الدنيات، وفيه إشارة غلى انه: بحق الله يمين وذا بلا خلافكما في قاضي خان. وإلى ـ أي فيه إشارة ـ أن بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس يمين وذا بالاتفاق وكذا بحق الكعبة، والإسلام، والقرآن، والمساجد، كما في النظم. (وَحُرْمَتِهِ) اسم من الاحترام، وهي ما يحرم تركه.
(وَسُوكَنْد خُورم بخداي) ليس بيمين لأنه وعد، وفي المحيط إنه يمين. (يَا) سوكند خورم (بطلاق زن) - كلمة فارسية - والحسن أو مكان يا - أي الأفضل لو أتى بحرف أو بدل حرف يا العطف ـ إلا أنه راعى تناسب الطرفين. (وَإِنْ فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ غَضَبُه أَوْ سَخَطُهُ أَو لَعْنَتُهُ) اسم من اللعن، وهو إبعاده من رحمته في الدنيا بانقطاع التوفيق، وفي العقبى بالابتلاء بالعقوبة كما في المفردات. وهذا في حق الكفار، وأما في حق المؤمنين: فإسقاطهم من درجة الأبرار ومقام الصالحين كما في الكرماني وغيره. (وَ أَنَا زَانٍ) أي إن فعلته فأنا زان. (أَوْ سَارِقٌ، أَوْ شَارِبٌ خَمْراً، وآكِلْ رِبَا) أو دمٍ / أو ميتة، أو خنزير (لا) يكون قسماً ا، ويميناً خبر لحقاً وما بعده. والفرق بينهما وبين الشرطية السابقة، أن الكفر مما لم يسقط حرمته بحال، بخلاف هذه الأشياء فإن حرمتها تسقط عند الضرورة، فكل ما هو حرام مؤبد فاستحلاله معلق بالشرطين وإلا فلا، والمتبادر ألا يفصل بين المقسم به، وعليه ولو كان الفصل بسكتة فلو حلَّفه وقال: قل: يا يُزِدْ – اسم فارسي لله تعالى ـ فقال: که روز أذينة بيابي: فقال: كه روز أذينة بيايم، وهذه الألفاظ فارسية هي قسم ومعناه حلف بالله لآتين يوم الجمعة - فلم يأته قالوا: لا حنث عليه كما في قاضي خان، وكذا في الخلاصة والكبرى والمحيط بلا. لفظ. قالوا وفيه يتشعب منه كثير من المسائل.
(وَحُرُوفُ القَسَم) أي أحرفه، افتتح بالواو مع أن أصلها باء، لأنها أكثر استعمالاً في القسم، والفرق بينهما ـ بين الواو والباء - أن الواو مختصة بالظاهر، بخلاف الباء والتاء مختصة بالله تعالى، والإضافة تشير إلى الانحصار. ومنها اللام المختصة في الأمور العظام، ومنها - من حروف القسم - من بكسر الميم وضمها المختصة بربي كما في الرضي، وإلى أنها موضوعة للقسم وما وضع له إلا إيم كما في الكشف. (وَتُضْمَرُ) ما هو حرف القسم الأصلي من الباء كما في الكشف والرضي، فيكون من قبيل التقدم المعنوي إلا أنه بلا قرينة. كَالله أي أقسم بالله (لَا أَفْعَلُهُ) وفي اختيار الإضمار: إشعار بأن الجلالة بعد إسقاط الباء مجرور، وفي الكشف أن النصب أكثر - أي بعد إسقاط الباء -. وفي الرضي هو المختار ـ أي النصب. وفي الخلاصة يجوز فيه - اسم الجلالة - الحركات الثلاث والسكون فيه عند ذكرها.
وفي الله، وقيل لم يكن يميناً إلا إذا كان مجروراً. ولو قال له، وأراد اليمين فيمين، وفي قوله كالله، إشعار بأن بعد الإسقاط، جاز ترك الهمزة والهاء عوضاً في جميع ما يُقسم به وذا عند الكوفية، وأما عند البصرية فغير جائز، ولذا قالوا: الله - بالمد أي بقلب همزة التعريف ألفاً ومد همزة الاستفهام.، وها الله ـ بهاء التنبيه - وذا - اسم إشارة مفعول متقدم - لأفعلن كما في الكشف. لكن في الرضي: أن الجلالة ـ الله. مختص بجواز الترك. (وَكَفَّارتُه) أي كفارة الحلف أو الحنث بقرينة السابق واللاحق على أن الأصل هو الإضافة إلى السبب ـ وهو الحنث - وهي - أي لفظ الكفارة - مبالغة فاعل - أي كافر على وزن فاعل ـ والتاء للتأكيد لا للنقل كما ظُنَّ غير لازم غالباً، وإنما سمي بها - أي الكفارة التي هي صيغة المبالغة في الكفر وهو: الستر لغة ـ لأنها ساترة للإثم.
(عِتْقُ رَقَبَةٍ) أي إعتاقه له - أي إعتاق الرقبة وله أي لأجل الحنث والحلف ـ لأن النية شرط في التكفير، وقد مر وجه العتق مقام الإعتاق، فمن الظن الأحسن إعتاق رقبة. (أَوْ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينٍ) مثلاً، فإِن مصرف الكفارة و الزكاة واحد. والعشرة أقل من الحقيقي والحكمي (كَمَا) بيَّنا (هما) من الإعتاق والإطعام (فِي الظُّهَار) فالكاف مصدر - أي بمعنى المصدر. وما كناية عنهما - أي عن العتق والإطعام، وهما تأكيد فلو أعتق عبداً عن كفارة يمينين جاز جعله عن أحدهما عند العلماء الثلاثة كما في الظهار.
ولو أعتق ثلاث رقاب عن ثلاث كفارات ونوى إعتاق كل عن كفارة بلا تعيين جاز عندهم
كما في الظهار كذا في المحيط. وذكر في الكشف: أن كفارة اليمين لم تتداخل بالإجماع، فاليمين إذا تعددت، تعددت الكفارة لكن في المنية عن شهاب الأئمة: أن الأيمان بالله إذا كثرت تداخلت، وكفى كفارة واحدة كما قال محمد رحمه الله، وهو المختار عندي، وعن أبي يوسف رحمه الله: أنها لا تتداخل.
(أَوْ كِسْوَتُهُم) أي كسوة تلك العشرة، فيجوز أن يكسو مسكيناً واحداً عشرة أيام، أو في عشر ساعات من يوم عشرة أثواب، أو ثوباً واحداً، بأن يؤديه إلى مسكين ثم يسترده منه إليه أو إلى غيره بالهبة أو غيرها، فإن لتبدل الوصف تأثيراً في تبديل العين -لأن الأكثر له حكم الكل-، لكن لا يجوز عند أكثرهم كما في الكشف. (لِكُلّ) منهم (ثَوْبٌ) جديد أو خلق، يمكن الانتفاع به أكثر من نصف الجديد بأن ينتفع مثلاً بالجديد ستة أشهر، وبهذا أربعة على ما قال الفقيه أبو الليث، وذهب أبو بكر البلخي: إلى أنه إن كان بحال يجوز به الصلاة يجوز. وقيل: يعتبر في الثوب، الوسط الصالح لأوساط الناس وهو أشبه بالصواب على ما قال الحلواني كما في المحيط. (يَسْتُرُ عَامَّةَ بَدَنِهِ) أي أكثر بدنه، كالملاة - أي الملحفة - أو الجبة، أو القميص أو القباء، وأما العمامة فلا يجوز في أظهر الرواية، وعنه أنها تجوز إذا كانت سابغة - أي كاملة ـ كما في المحيط. وذكر في النظم: أن الكسوة للرجل ما يواري به عورته، وللمرأة درع وخمار في ظاهر الأصول. وعن أبي يوسف رحمه الله: يجب كسوة معروفة، إزرار وقميص له، وإزرار ودرع لها.
(فَلَمْ يُجِزُ السَّرَاوِيلُ) على ماذكره القدوري؛ وهذا إذا أريد بالبدن ما هو مجاز من جميع الأعضاء، وأما إذا أريد به ما هو حقيقة من العنق إلى الورك، فإن الرجلين ناقلتان، واليدين باطشتان، والرأس طليعة، فينبغي أن يجوز ـ أي السراويل من الكفارة - لأنه جمع سروالة تقديراً، أو تحقيقاً، تعريب شلوار، ولو أريد له التبان بضم التاء وتشديد الباء، وهو سراويل صغير مقدار شير ساتر للعورة الغليظة للملاحين - أي في السفينة. فينبغي أن لا يجوز، إلا أن في زماننا لا يفرق بينهما ـ أي بين السراويل والتبان ـ إلا أن يكون مدخل الرجل من التبان أضيق، وربما يكون ذا طاقين، فينبغي أن يجوز. وفي المحيط عند محمد رحمه الله أن في السراويل يجوز. وعنه - أي عن محمد رحمه الله - أنه للرجل يجوز، وللمرأة لا. وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يجوز لهما، والكلام مشير: إلى أنه لو أطعم خمسة وكسا خمسة جاز، وتمامه في قاضي خان. وإلى أن الواجب أحد ثلاثة لم يتعين، فإن الفعل معين فلم يجب الكل على سبيل البدل، فإذا أتى بواحد سقط الباقي، والأول مذهب جمهور الفقهاء، والثاني مذهب بعض العراقيين والمعتزلة منهم.
فعند الجمهور - أي جمهور الحنفية - إذ أتى بالكل كان الواجب واحداً منها،/ هو أعلاها قيمة، ولو ترك الكل كان معاقباً بواحد هو أدناها قيمة لأن الغرض سقط بالأدنى وأما عند غيرهم: إذا أتى بالجميع يثاب ثواب الجميع، ولو ترك الجميع يعاقب على ترك الجميع، وتمامه في الكشف. (فَإِنْ عَجِزَ عَنْهَا) أي عن هذه الثلاثة بأن لم يكن له فضل عن كفافه مقدار ما يُكفّر ولم يملك عين المنصوص عليه (وَقْتَ الأداء) لا وقت اليمين، والأولى ذِكْرُهُ في الظهار، (صَامَ) وجوباً (ثَلَاثَةَ أَيَّام) وعنه أنه: إذا كان له قدر ما يشتري به طعام العشرة لا يصوم، وعن ابن مقاتل: إن كان له ذلك الطعام - أي طعام العشرة ـ وقوت ملوين لا يصوم، وفي الأصل: لو كان له مال مع الدَّيْن - أي وعليه دين - صام بعد قضائه ـ أي قضاء الدين -، وأما قبله ففيه اختلاف المشايخ كما في المحيط.
وذكر في الزاهدي: لو بذل ابن المعسر أو الأجنبي مالاً ليكفر به - أي الحانث العاجز. لم يثبت القدرة بالإجماع (وَلَاء) أي متتابعة حتى لو مرض فيها - أي أثناء تلك الأيام وأفطر، أو حاضت، استقبل بخلاف كفارة الظهار والقتل - أي يكون القاتل مقتولاً قبل التكفير - واعلم أنه لو أخر كفارة اليمين أثم، ولم تسقط بالموت والقتل، وفي سقوط كفارة الظهار خلاف - أي بالموت والقتل - كما في الخزانة. (وَلَمْ تَجُزْ) الكفارة (بلا حِنْثِ) لأنه السبب، فلو قدمت - أي الكفارة - عليه أعيدت، وهذا تصريح بما أشار إليه في السابق بقوله:
(وَمَنْ حَلَفَ) بالقسم أو الشرطية (عَلَى مَعْصِيَةٍ كَعَدَمِ الكَلَامِ مَعَ) أحد (أَبَوَيْهِ) أو غيره بأن يقول: والله لا أكلمه، أو إن كلمته فعلي نذر، وهذا إذا لم ينوي به شيئاً ـ أي بقوله فعلي نذر - وإلا ـ أي إن نوى شيئاً ـ فعليه الوفاء - كما يأتي في آخر الباب -. (حَنِثَ) أي وجب أن يجعل نفسه حانثاً (وَ كَفَّرَ عَنْهُ) بعده، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ عَلى يَمِينٍ - أي المقسم عليه - وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ)). وفيه دلالة على أن اليمين إذا كانت معصية وجب الحنث بالطريق الأولى كما في المستصفى. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ)). والكلام دال على: أن الحنث قد يكون خيراً من البر وبالعكس كما مر - في شرح إن حنث .... إلخ. وقد صرح به في النهاية، والكفاية، وغيرهما، في أول الأيمان. فمن ظن أن لا دلالة للحديث على كون الحلف على معصية، وأن الحديث دال على اشتراط كون الحنث خيراً من البر، وهم لم يشترطوا ذلك في الرواية، فليس إلا من فرط جهله بكمال هؤلاء الأئمة العظام، وقصور تتبعه لكتبهم المشهورة بين الأنام. (وَلَا كَفَّارَةَ فِي حَلْفِ كَافِرٍ) مجوسي أو يهودي (وَإِنْ حَنِثَ) حال كونه (مُسْلِماً) وإِلَّا شمل في حلف غير مكلف، وإن حنث مكلفاً، فإن الصبي أو المجنون إذا حلف ثم كلّف، ثم لم يُكفّر كما في النظم.
(وَمَنْ حَرَّمَ مُلْكَهُ) على نفسه، بأن يقول: هذا العسل /، أو كلام فلان حرام عليَّ، أو حرام است مرا باتوسخن كفتن - كلمة فارسية – (لَا يَحْرُمْ) ملكه عليه لأنه هو تعالى المحرم (وَإِنْ اسْتَبَاحَهُ) أي فعل ما حرم عليه (كَفَّرَ عن يمينه لقوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2]. فلو قال: ما في يدي من الدراهم حرام علي، فإن اشترى بها شيئاً حنث بخلاف ما إذا وهبها أو تصدق، فإنه يراد به تحريم الشراء عرفاً، وإنما اختار ملكه على حلال، إشارة إلى أنه لو حرَّم الخمر ثم شرب كفَّر على المختار، وفي الكفاية لو قال: الخنزير حرام علي فليس بيمين والقياس على الخمر يقتضي أن يكون يميناً على الخلاف، وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو قال لجماعة: كلامكم حرام على حنث بكلام أحدهم، الكل في المحيط
(وَمَن نَذَرَ) بما هو واجب قصداً - تمييز، أو حال أي حال كونه مقصود ـ من جنسه نذرًا (مُطْلَقَا) غير معلق بشرط بقرينة التقابل مثل أن يقول: الله علي حج أو عمرة أو اعتكاف، أو الله عليَّ نذر، وأراد به شيئاً بعينه كالصدقة، وإنما قيد النذر به ـ أي بما هو واجب قصداً كالصوم والصلاة والحج ونحوها - لأنه لو نذر بقراءة القرآن، أو صلاة الجنازة، أو بناء المسجد، أو السقاية، أو عمارتهما، أو إكرام الأيتام، أو عيادة المريض، أو زيارة القبور، أو زيارة قبره عليه السلام، أو أكفان الموتى، أو تطليق امرأته أو تزويج فلانة، لم يلزم شيئ في هذه الوجوه، كما في النظم. وكذا لو نذر بالدعاء دبر كل صلاة عشرة. واختلف في النذر بصلاة عليه كما في المنية. ولو قال الله عليَّ دخول هذه الدار، ونوى اليمين، فيمين وإن لم يكن له نية فليس بيمين ولانذر كما في المحيط.
(أَوْ) نذر (مُعَلَّقَاً بِشَرْطٍ يُريدُهُ) أي يريد وجوده لجلب منفعة، أو دفع مضرة، (كَإِنْ قَدِمَ غَائِبي) أو شفى الله مريضي، أو مات عدوي، فلله علي صوم سنة، أو عتق مملوك، أو صلاة، (فَوَجَدَ) الشرط بأن قدم الغائب مثلاً (وَفَّى) بما نذر، ولم يخرج عن العهدة بالكفارة في هذين - أي المطلق و المعلق بما يريده. بلا خلاف، وعن محمد: أن المعلق عدة ـ أي وعد ـ إن وفى به فأفضل ـ أي من الكفارة ـ لكنه خلاف ما في الأصل، على ما قال الحاكم. ولو قال الله عليَّ صدقة ولم ينوي شيئاً فعليه نصف صاع من بُر، ومن نذر أن يتصدق بهذه المائة على فلان يوم كذا، فتصدق مائة أخرى على مسكين آخر قبل أن يجيء ذلك اليوم جاز كما في المحيط. وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه رجع عن الوفاء في النذر المطلق والمعلق إلى الكفارة فأنه يمين كما في المضمرات.
(وَ) معلقاً (بِمَا لَمْ يُرِدْهُ) من الشرط (كَانْ زَنَيْتُ) أو شربت - خمراً مثلاً ـ فلله علي كذا أو نذر (وَفَّى) بما نذر باعتبار الصيغة في ظاهر الرواية، (أَوْ كَفَّرَ) عن يمينه باعتبار المعنى المقصود، وحاصله - أي حاصل الكلام في المقام - أنه: إن نذر نذراً معلقاً بشرط لا يريده، فالوفاء عند الثلاثة ـ أي أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى - وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه / رجع إليه - أي إلى التخيير قبل موته بسبعة أيام .. وأفتى مشايخ بلخ به ـ أي بالتخيير - وهو - رأي التخيير مختار السرخسي وغيره، وبه ورد الأثر عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم- كما في المحيط، وغيره. (وَهُوَ) أي التفصيل المذكور - أي التخيير. (الصَّحيحُ) كما في البداية. إلَّا أن الأولى: أن يرجع الضمير - أي هو - إلى مل يليه - أي بقربه - من التكفير وفي الصغرى: أنه رجع من الوفاء إلى الكفارة، وهو - أي الرجوع إلى الكفارة - اختيار السر وغيره، وبه يُفتى كما في الخلاصة.
فَصْلٌ: حَلِفُ الفِعْل
(مَنْ حَلَفَ) بالقسم أو الشرطية (لَا يَدْخُلُ بَيْتَاً، يَحْنَتُ بِدُخُولِ صِفَةٍ) لأن البيت مأوى الإنسان سواء كان من حجر، أو مدر، أو صوف، أو وبر، كما في المفردات. قيل: هذا في عرفهم، فإن الصفة عندهم اسم لبيت صيفي يسمى في ديارنا كاشانة - كلمة فارسية - وأما في عرفنا، فهي غير البيت ذات ثلاث حوائط، والصحيح الأول، كما في النهاية لكن في بيعة - أي في كتاب البيع ـ أنه اسم لمسقف واحد له دهليز بخلاف خانة، فإنه اسم لكل مسكن صغيراً أو كبيراً، فهو أعم من الدار أو المنزل الذي يشمل على صحن مسقف وبيتين، أو ثلاثة، والحجرة نظير البيت فإنها: اسم لما حجر بالبناء. والدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل سواء كان راكباً أو ماشياً، من الباب أو من غيره، وفيه إشعار بأنه لو أدخل إحدى رجليه، أو رأسه لم يحنث كما في الإيضاح.
(لا) يحنث بدخول (الكَعْبَةِ، أَوْ مَسْجِدٍ، أَوْ بِيعَةٍ) بكسر الباء، وسكون الياء، معبد النصارى بالفارسية كليسا، أو معبد اليهود، أو الكفار كما في القاموس. (أَوْ كَنِيسَةٍ) بفتح الكاف، وكسر النون، معبد اليهود بالفارسية كنشت، (أَوْ دِهْلِيزِ) معرب، بكسر الدال، ما بين الباب ـ أي باب الدار - وداخل الدار كما في الصحاح، فلو كان ـ أي ما بينهما ـ مسقفاً، لو أغلق بابه بقي ـ أي الحالف ـ داخل البيت يحنث على ما قال مشايخنا كما في المحيط. (أَوْ ظُلَّةِ بَابِ دَارٍ) بالضم ساباط على بابها الساباط ما فوق الباب ـ بلا بناء فوقه أو مع بناءٍ مَفْتَحَهُ إلى الطريق كما في المحيط. فهي على هيئة صفة كما في القاموس. (كَمَا) لا يحنث (في) إن قال والله (لَا يَدْخُلُ دَارَاً فَدَخَلَ) عطف على قال (دَارَاً خَرِبَةً) لأن الدار اسم جامع للبناء و العرصة كما في المغرب وغيره، إلا أنهم قالوا: إنها اسم للعرصة عند العرب والعجم، وضعفه الكافي واستدل عليه بهذه المسألة، ولا يبعد أن يقال: البناء وصف مرغوب، كأن العرصة تنقص بنقصانه، والمطلق ينصرف إلى الكامل، فإذا انعقد اليمين على الكامل لا يحنث بالناقص، وأما سراي - دار السلطان - فمرادف للدار في عرفنا.
(وَفي هَذِهِ الدَّارِ يَحْنَتُ إِنْ دَخَلَهَا) حال كونها (مُنهَدِمَةً) لمجرد الإيضاح، فالعبارة ولو
(صَحْرَاءَ) مشير إلى زوال الجدران، وإنما يحنث لأن البناء وصفٌ، والوصف في الحاضر لغو وقال أبو الليث: إن حلف بالفارسية لا يحنث بالمنكر والمعرف إلا بدخول المبنية كما في الكافي. (أَوْ) دخلها (بَعْدَ مَا بُنِيَتْ) هذه الدار المهندمة داراً (أُخْرَى) فبعد، إما معطوف على الحال، أو الشرط بتقدير الفعل (أَوْ) إن (أَوْ وَقَفَ عَلَى سَطْحِهَا) أو حائطها الغير المشترك، وفيه إشعار بأنه: لو ارتقى غصن شجرة في الدار، أو حائطها أو سطحاً لا يحنث، وعليه الفتوى كما في المحيط. (وَقِيلَ) أي قال أبو الليث (فِي عُرْفِنَا) العجمي (لَا يَحْنُثْ) بالوقوف على السطح، أو الحائط وعليه الفتوى كما في المحيط.
(كَمَا) لا يحنث للتبدل - أي تبدل اسم الدار المجعولات الآتية – (لَوْ جِعِلَتْ) هذه الدار المحلوفة بعد الانهدام (مَسْجِدَاً، أَوْ حَمَّامَاً، أَوْ بُسْتَانَا، أَوْ بَيْتَاً) أو نهراً، أو داراً ثم دخلها (أَوْ) لو (دَخَلَهَا) أي الدار المحلوفة المبنية (بَعْدَ هَدْمِ) مثل (الحَمَّامِ) فإن حذف المثل غير عزيز في كلامهم، فيشمل البيت وغيره. أي حذف المثل، أو الحمام بعده - وإليه أشير في الهداية. وفي إضافة الهدم إلى الحمام دون المسجد مع كونه أقدم، أمر حسن كما لا يُخفى - أي إضافة الهدم للحمام وهو بيت الشياطين والجان أليق من إضافة الهدم للمسجد الذي هو بيت الله تعالى وفيه الصلحاء والزهاد - (وَ كَذَا (البَيْت) أي كما لا يحنث في هذا البيت (وَدَخَلَهُ مُنْهَدِمَاً صَحْرَاءَ) فيحنث بالدخول لو بقى الحيطان كما في الكافي. (أو) دخله (بَعْدَمَا بُنِيَ بَيْتَاً آخر) فإنه لا يحنث والفرق بين المعرفتين ما قال شاعرهم:
والدَّارُ دَارٌ وَ إِنْ زَالَتْ حَوَائِطُهَا وَالبَيْتُ لَيْسَ بِبَيْتٍ بَعْدَ تَهْدِيمِ
(أَوْ) مثل (هَذِهِ الدَّار) أو البيت (فَوَقَفَ) الحالف (فِي طَاقِ بَابٍ) أي فيما عطف من الأبنية كما في الصحاح، فمن الظن: التخصيص في العتبة على أن في الاختيار في كل موضع ـ أي يشمل كل موضع من العتبة والروائق التي بنيت بين طرفي الباب وورائه وداخله -. (لَوْ أُغْلِقَ) الباب (كَانَ) الطاق (خَارِجَاً) من الدار فإنه لا يحنث. (واعلم أنه لو قال: أكرتو كرد ديوار من كردى، أو قال: کرد درو ديوار من کردي ? كلام فارسي يقصد به اليمين ـ فهو ـ محمول ـ على الدخول كما في الخزانة). (أَوْ لَا يَسْكُنُهَا) من السكنى: أي السكون في المكان على سبيل الاستقرار كما في المغرب. (وَهُوَ سَاكِنُهَا، أَوْ لَا يَلْبَسُهُ) من اللبس وهو الاستتار، (وَهُوَ لَابِسُهُ أَوْ لَا يَرْكَبُهُ) / من الركوب وهو كون الإنسان على ظهر الحيوان (وَهُوَ رَاكِبُهُ) من الركوب.
ثم شرع في النشر على الترتيب فقال: (فَأَخَذَ) أي شرع (في النُّقْلَة) بالضم والسكون اسم لا: مصدر، أي انتقاله من باب الدار فإنه لا يحنث، فلو أغلق الباب بحيث لا يخرج منه اختار أبو الليث والصدر الشهيد أنه: لا يحنث / كما في المحيط. ولو لم يخرج للحِمى حنث بخلاف إذا ما قيد كما في المضمرات. وإنما خص السكنى بالدار لأن في البيت تفصيلاً، فإنه لو كان الحالف مصرياً، وسكن في
بيت من شعر، أو خيمة لا يحنث؛ ومن مدر يحنث، ولو كان بدوياً يحنث في الوجهين كما في / المحيط. (وَنَزَعَ) للثوب منه ـ أي من الحالف اللابس - بسكون الزاء (وَنَزِلَ) من مركوبه بكسر الزاء أي النزول كما في بعض النسخ، وهو في الأصل مكان النزول كما في القاموس، وإنما لم يعرفا باللام، واعتماداً على الأول - أي اللف والمعطوف عليه - كما لم يذكر (أو) مكان الواو كما في الموضعين ـ لم يذكر في النشر كلمة (أو) مكان الواو في الموضعين -.
(بلا مُكْثٍ) متنازع فيه لتأكيد الفاء (أَوْ لَا يَدْخُلُ) هذه الدار، وهو داخلها (فَقَعَدَ) أي دام على القعود (فِيهَا) فإنه يحنث استحساناً (إلَّا أَنْ يَخْرُجَ) منها (ثُمَّ يَدْخُلُ) فيها فإنه يحنث (وَفِي لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ) أو البيت، أو المحلة، أو السكة، بقرينة تخصيص المصر والقرية (لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ بِأَهْلِهِ) اتفاقاً، إلا أن يمنع مانع م منه فإنه لا يحنث حينئذ كما في الكافي.
(وَمَتَاعِه أَجْمَعَ، حَتَّى يَحْنِثَ بِوَتد) بكسر التاء، فإنه أفصح من الفتح (بَقَي) فيها، كما حنث، لو بقي شيء لا قيمة له، وهذا كله عند أبي حنيفة رحمه الله، كما في النظم، والهداية، لكن في المحيط والكافي، وغيرهما: أن مشايخنا قالوا: إنه لا يحنث عنده إلا ببقاء ما يقصد به السكن، وعند محمد رحمه الله: ببقاء ما يتأتى به - أي السكنى - وعليه الفتوى. وهذا إذا حلف بالعربية، وإلا فلا يحنث بمجرد الخروج بنفسه بنية ألا يعود، والكلام مشير إلى أنه: لو أخرج متاعه إلى السكة مثلاً لم يحنث، وقيل يحنث، وهذا إذا لم يطلب منزلاً وإلا فلا يحنث إجماعاً كما في المحيط. وإلى أنه لو لم يخرج بأن كان شريفاً، أوضعيفاً، أو خائفاً من اللص، أو سدَّ الباب لم يحنث كما في النظم.
(بِخِلَافِ المِصْرَ) الذي هو العمران داخل الربض (وَ) كذا (القَرْيَةِ) فإنه لو خرج بنفسه من المصر لم يحنث بلا خلاف، وأما في القرية ففيه اختلاف المشايخ، والأصح أنها كالمصر كما في المضمرات. وفيه إشعار بأنه لو خرج بنية لا ألّا يعود ثم عاد للسكنى ولو ساعة حنث، وبأنه لو عاد للزيارة، أو لنقل المتاع لا يحنث كما في المحيط. واعلم أن البر لا يبطل اليمين في الفعل الممتد كالسكنى واللبس كما في خزانة المفتين. (وَحَنَثَ في: لَا يَخْرُجُ) من هذه الدار مثلاً، من الخروج وهو الانفصال من الداخل إلى الخارج (لَوْ حُمِلَ) الحالف (وَ أُخْرِجَ بِأَمْرِهِ) لتحقق الخروج، وفيه إشعار بأنه: لو خرج بقدميه للتهديد لم يحنث، وقيل: حنث كما في المحيط.
(لَا) يحنث (إنْ) حمل أُخْرَجَ بِلَا أَمْرِهِ مُكْرَهَاً بحيث لا يمكنه الامتناع وإلا فقد اختلف المشايخ، وينبغي ألا يحنث عند الشيخين كما في المحيط. وفيه إشعار بأنه: إذا دخل بعد الإخراج ثم خرج اختياراً فقد حنث وهو الصحيح، وقال أبو حفص: إنه لم يحنث، وهذا أرفق بالناس كما في التمرتاشي. (أَوْ رَاضِياً) بقلبه لانتقال الفعل إليه وهو الأصح كما في الخلاصة. وفيه رمز إلى أنه: إذا دخل بعد الإخراج، ثم خرج ينبغي ألا يحنث، كما في صورة الإكراه، واللائق بالكتاب أن يترك هذه الجملة - أي المنفية وهى ينبغي ألا يحنث ـ لأنه مفهوم لسابقه - أي النفي المذكور-.
(وَمِثْلُهُ) أي لا يخرج (لَا يَدْخُلُ أَقْسَامَاً) من الحمل والإدخال بالأمر أو بغيره مكرهاً أو راضياً، (وَحكمًا) من الحنث وعدمه، وبهذا ظهر وجه جمعية الأقسام دون الحكم، وفيه إشعار بأنه: لو قدر على الامتناع على الدخول ففي الحنث اختلاف، كما لو دخل بعد الإدخال، والصحيح الحنث كما في الكافي). (وَلَا) يحنث (في لَا يَخْرُجُ) منها - أي الدار – (إِلَّا إِلَى جَنَازَةٍ) مثلاً (فَخَرَجَ) من باب داره (إِلَيْهَا) حال كونه (يُرِيدُهَا، ثُمَّ) أي بعد الخروج، أي الإرادة أراد وذهب (إلَى أَمْرٍ آخَرَ) من مثل المسجد، إذا لم يخرج إلا إلى جنازة، والذهاب إلى أمر آخر بعده، ليس بخروج إليه حتى يحنث. وفي التمرتاشي، لأن المستثنى خروج مخصوص إلا أن ينوي مرة. واعلم أنه يراعي اللفظ، لا الغرض، وقيل: هذا عند أبي يوسف رحمه الله، وأما عند الطرفين فيراعى الغرض.
(وَحَنِثَ في لا يَخْرُجُ) من بلده (إلى مَكَّةَ) مثلاً، والأولى: الهند، لأنه لا يليق بالمسلم – لا يليق هذا الحلف بالمسلم وإن كان الغرض مجرد التمثيل-، (فَخَرَجَ) من ربْضه (يُريدُها وَرَجَعَ) إليه لتحقق الخروج (لا) يحنث (في لَا يَأْتِيها) أي مكة (حَتَّى يَدْخُلَها) فإن الإتيان عبارة عن الوصول، (وَذَهَابُهُ) معنى (كَخُرُوجِهِ) على ما رُوي عن الصاحبين – أبي يوسف، ومحمد، رحمهما الله تعالى - فيشترط الخروج لا الوصول (في الأصح) كما في التمر تاشي، وغيره. وقال نصر بن يحيى: إنه كإتيانه فيشترط الوصول وهو الصحيح كما في الخلاصة. وفي الاكتفاء – أي إن نوى الإتيان – إشعار بأنه: لو نوى بالذهاب الإتيان، أو الخروج فكما نوى – أي يحاسب على نيته لأن الأعمال بالنيات -. ولو قال: اكرا زين كوى تَرَوَمٌ فكذا فرفتن ضد باشيدن و باشيدن سكنى - كلام فارسي يُقصد به اليمين - فلو خرج عنه بنيته أن لا يعود ثم عاد بنية السكنى يحنث كما في المحيط.
(وَفِي) والله (لَيَأْتِينَ مَكَّةَ وَلَمْ يَأْتِها، لا يَحْنَثُ إِلَّا في آخِرِ) جزء من أجزاء (حَيَاتِهِ) لأن عدم
الإتيان يتحقق، (وَحنِثَ في) والله (لَيَأْتِيَنَّهُ غَداً إِنْ اسْتَطَاعَ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ) متعلق – أي الشرط الثاني -يحنث (بلا مانع كَمَرضِ ا أَوْ سُلْطَانٍ) أو غيره، فإن الاستطاعة عرفاً، القوة من حيث سلامة الأسباب والآلات، وقد وحدت - القوة - بلا إتيان. (وَدِينَ) أي صُدَّق ديانة من دينه، أي وكله إلى دينه، بالتخفيف، أي تركه كما في الطلبة. (نيَّة) الاستطاعة (الحَقيقَيةِ) فاعل دين، وهي: القدرة التي يُحدِثها الله تعالى في العبد عند الفعل – أي -، وذا - أي القدرة المذكورة المسماة بالاستطاعة الحقيقية - شرط عند الجمهور لا علة. وفيه إشعار – أي في قوله: دين - بأنه لم يُصدق قضاءً، وفي رواية صدق فإن الإنسان إذا نوى حقيقة كلامه، فإن كان الظاهر لا يخالفه صدق ديانة وقضاء، وإلا ففي تصديقه قضاء روايتان كما في الكرماني. وذكر أبو مسلم الخراساني، أن الاستطاعة ثلاثة: استطاعة الأموال كالزاد والراحلة، واستطاعة الأفعال، كالأعضاء السليمة، واستطاعة الأموال وهي: القدرة على الأفعال، لا يتقدم عليها بخلاف الأوليين، وتسميان بالتوفيقية، والأخيرة بالتكليفية.
(وَشُرِطَ لِلبِّر في لا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي لا يخرج خروجاً الآخر، وما ملصقاً بإذنه فوقع النكرة في حيز النفي (لِكُلِّ خُروج) ظرف لفاعل شرط وهو (إذن) بالخروج لا لشرط كما ظُنَّ على مالا يخفى، على أنه يلزم منه، تعدية فعل بحرفين متفقين في اللفظ والمعنى. وفيه - أي في قوله: إلا بإذنه لأن حاصله بغير إذنه كما لا يخفى إشارة إلى: أنه يُشترط ذلك الشرط - أي الإذن لكل خروج - في بغير إذني، أو بي دستوري من، أو مكر بي دستوري من – كلام فارسي معناه من التبكير أي جاء بكرة – كما في النظم. وكذا في: إلا برضائي، أو إرادتي، أو أمري وإلى أنه لو أذن بلا فَهم لكونها نائمة، أو أعجمية فليس بإذن لأنه لا يتحقق بدون العلم.
وإلى - أي وفيه إشارة في قوله: إلا بإذنه - أنه لو قال: عنيت بالإذن مرةً، لم يُصدق قضاء لما قال أبو يوسف رحمه الله، خلافاً للطرفين. ويُفتى بقوله - أي بقول أبي يوسف -، ولو أريد الخروج عن مؤنة الإذن لكل خروج قال لها: كلما أردت الخروج فقد أذنت لك، الكل - أي هذه الفتاوى – في الصغرى. (لا) يشترط للبر لكل خروج (في) لا يخرج إلَّا إِنْ أي حتى (أَذِنَ أو رضي، أو هوي – بالفارسي حمل على معنى حتى أي حتى يأذن – أو أراد، فانحل اليمين بالإذن مرةً، وعن أبي يوسف أنه في الحكم: مثل إلا بإذنه كما في الصغرى. ووجهه – أي كونه مثل إلا بإذنه – أنه – أي إن أذن – بتقدير الباء – الإلصاقية أي بأن أذن –، أو مصدر حيني تقديره كل وقت إلا وقت إذني، إلا أن الأدلة عند التعارض تُرجح بقوتها لا بكثرتها، والسالم عن الحذف أقوى، على أن احتمال الشك ثابت فيه كما بيّن في الأصول. وذكر في الكافي، أنه: لو أراد به إلا بإذنه صُدِّقَ قضاءً.
(وَ) شرط (لِلْحِنْثِ في: إِنْ خَرَجْتِ) أنت من الدار فأنت طالق، (و إن ضَرَبْتَ) عبدك فعبدي حرّ، والضرب فعل مؤلم (لِمُريدةِ خُروج) منها (أَوْ) مريدةِ، أو مريد (ضَرْبِ عَبْدٍ) لها، أو له (فَعَلَهُمْا) فاعل شرط أي: فعل المريدين، من الخروج والضرب، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقد يضاف إلى المفعول (فَوْرَاً) أي في الحال، فلو مكث ساعة ثم خرجت أو ضربت لم يحنث الحالف. وفيه إشارة إلى: أنه لو قال - الحالف -: إن لم أَخْرُج - أضاف إلى نفسه - أو لم أذهَب من هذه الدار ونوى الخروج والذهاب دون السكنى و الفور لم يحنث بالتوقف. وإلى أنه: لو نوى – أي قال: نويت - السكنى، أو الفور، أو دلَّ دليل عليه حنث كما في خزانة المفتين.
وإلى - أي فيه إشارة - ما تفرد به أبو حنيفة رحمه الله في استنباطه من إتمام أقسام اليمين، فإن سلفه – أي فقهاء الصحابة والتابعين - قسموها إلى: المؤبدة لفظاً ومعنى، والمؤقتة كذلك مثل: لا أفعل كذا، أو لا أفعله اليوم، ثم زاد الإمام ما سمي بيمين الفور، أن يمين الحال مما هي المؤيدة لفظاً؛ والمؤقتة معنى كما مرَّ و الفور في الأصل مصدر فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم للحالة التي لا لبث فيها كما في النهاية.
(وَ) شرط للحنث (في) قوله (إِنْ تَغَدَيْتُ) أي أكلت طعام الغداة (بَعْدَ) أن قال له رجل (تَعَالَ) بفتح اللام، أمرٌ من تتعالى أي جئى - أمر من جاء يجيئ - وفي الأصل بمعنى ارتفع، ولم يجى منه أمر غائب ولا نهي - لم يأت من فعل يتعالى أمر غائب ولا نهي- (تَغَدَّ مَعي) بفتح الدال المشددة جواب الأمر، (تغديه) فاعل شرط وضميره للحالف (مَعَهُ) أي الآمر، فلو تغدى لا مَعَهُ لا يحنث، لأن الجواب يتقيد بالسؤال أبداً. (وَ كَفَى) للحنث (مُطْلَقُ التَغَدي) سواء كان منفرداً، أو معه، أو مع غيره، (إِنْ ضَمَّ) الحالف (اليَوْمَ) فقال: إن تغديت اليوم فكذا.
(وَمَرْكَبُ) العبد (المَأْذُونِ) في التجارة سواء كان عليه دين أو لا، والدين مستغرقاً لكسبه ورقبته أم لا (لَيْسَ لِمَوْلاهُ في حَقِّ الحَلِفِ) سواء نواه الحالف أم لا (إِلَّا إِذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ) أي المأذون – العبد - (دَيْنٌ مُسْتَغْرِق) بكسر الراء بأن لم يكن عليه دين أصلاً، أو كان ولم يستغرق، (وَنَواه) أي مركب المأذون فإن مركبه-أي المأذون - حينئذٍ لمولاه، فلو حلف أن لا يركب مركب زيد فركب مركب عبده المأذون، فإن استغرق الدين لا يحنث نواه أم لا، وإن لم يكن عليه دين، أو كان ولم يستغرق لا يحنث إلا إذا نوى مركب المأذون، وهذا عنده – عند عند أبي حنيفة – (رحمه الله تعالى).
وأما عند أبي يوسف رحمه الله: فلا يحنث في الأحوال كلها، إلا إذا نوى.
وعند محمد رحمه الله: يحنث / في كل الأحوال وإن لم ينو.
والإضافة إلى المأذون تشير إلى أنه: لو ركب مركب المكاتب لم يحنث.
ولو حلف لا يركب دابةً ولا نية له لم يحنث إلا إذا ركب الفرس أو البرزون بكسر الباء وفتح الزاء المعجمة: أي الفرس التركي، أو البغل، أو الحمار.
ولو حلف أن لا يركب الفرس فركب بِرزَوناً، أو بالعكس، لم يحنث
ولو حلف أن لا يركب خيلاً فركب أحدهما - أي الفرس أو البرزون – حنث الكل في النظم.
ولفظ اسب - كلمة فارسية - كالخيل على ما في قاضيخان.
(ويُقَيَّدُ الأَكْلُ) أي إيصال ما يتأتى فيه المضغ إلى جوفه بفيه سواء كان مَضَغَهُ أم لا، ولذلك لو حلف أن يأكل من هذه البيضة، أو الجوزة، فابتلع كذلك حنث كما في المحيط. (مِنْ هذهِ النَّخْلَةِ) من النخل، بمنزلة التمرة من التمر. (بِثَمَرِها) بالثاء المثلثة، أي حملها مما يخرج منها بلا صنع أحد، فيحنث بأكل الطلع، والحلال، والبلخ، والبسر، والرطب، والتمر، والجمار، أي شحم النخل وكذا بأكل الدبس إلا إذا كان مطبوخاً، – الدبس مايسيل من الرطب –. فلا يحنث بأكل ما يُتخذ منها كالنبيذ، والخل. وفيه - أي في إضافة الثمر إلى هذه النخلة المحلوف عليها - إشارة إلى أنه: لو قُطع منها غصن فَوُصِل بأخرى فأثمر فأكل من ثمرها لا يحنث، كما في التمر تاشي. وإلى أنه: لا يحنث بأكل عين النخلة، وإلى أنه: لو كان عين الشجرة مما يُؤكل حنث بأكل عينها كالديباس، وقصب السكر، وإلى أنه: لو كانت كالحلاف - شجرة بدون ثمر - فيأكل ثمنها - أي إذا باعها وأكل ثمنها فيحنث -.وهذا إذا لم يكن له نية، وإلا فعلى ما نوى إن احتمله اللفظ كما في التتمة.
(وَ) يقيد الأكل (مِنْ هَذا البر) أي الحنطة، والواحدة برة، و إنما اختار اسم الجنس – أي الجمع دون الوحدة - ههنا – أي في باب اليمين - لأنه قلما وقع اليمين على البرة (بأكْلِهِ) أي بابتلاعه (قَضْماً) بالقاف المعجمة أي: كسراً، فلو ابتلعه صحيحاً حنث بالطريق الأولى كما في الكرماني. فإنه – أي المصنف رحمه الله – احترز بالقضم عما يُتَّخَذُ. منه - لا عن صحيحه كالخبز والسويق فإنه لا يحنث به، وهذا عنده - أي عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وأما عندهما – الصاحبان: أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى - فالصحيح أنه: يحنث لترجيح المجاز المتعارف أي عندهما وهذا الراجح عند الحنفية -. ولو أكل مما خرج من زرع البر المخلوف عليه لم يحنث كما في المحيط. وهذا كله إذا لم يكن له نية، فإن نوى عين البر لم يحنث بأكل خبزه وسويقه بالإجماع، كما لم يحنث إن نوى ما يُتَّخَذُ منه فأكل عينه، كما في النهاية. (وَ) من (هذا الدَّقيقِ بِأَكْل خُبْزِهِ) فلو نوى عينه لم يحنث بأكل خبزه كما في المحيط. (فَلا يَحْنَتُ) على الصحيح كما في المضمرات، (لَوِ اسْتَفْهُ) أي ابتلعه يابساً كما في المقدمة. فمن الظن أنه – أي الاستفاف – في هذا المعنى غير مشهور. (كما هُوَ) أي استفافاً مثل ماهو مستف، فهو كقولهم: كن كما أنت أي أنت كائن.
(وَأَكْلُ الشَّواءِ) بالكسر والضم (باللحم) المشوي أي المطبوخ إلا السمك – لأن السمك المشوي لا يدخل باللحم فإن اليمين على اللحم يُصرف إلى ما يعيش في البر - فلا يحنث بأكل الجزر، والباذنجان، والبيض المشوي،. وهذا – أي عدم الحنث - إذا لم ينوِ كل شواء، وإلا فعلى ما نوى كما في المحيط. وذكر في النظم أن: بريان كرده – كلمة فارسية - يشمل الخبز أيضاً. (والطَّبيخ) أي المطبوخ، ما طبخ ونضج حال كونه (منَ اللحْم) كما في الأصل. وذكر المطرزي أنه: مَالَهُ مرقٌ ولحم أو شحم، فلم يحنث بالقلية اليابسة - أي باللحم المشوي بلا ماء. وفيه رمز إلى أنه: لو أكل من مرق اللحم حنث، لما فيه من أجزاء اللحم، كما لو طبخ أرز أو عدس بودك.
وإلى أنه: لو طبخ بسمن أو زيت لم يحنث، ولو نوى ما طبخ حنث بأكل كما في المحيط. وهذا في عرفهم، وأما في عرفنا فيحنث بكل ما طبخ كما في الزاهدي. وإلى أنه: لو أكل لحم الآدمي أو الخنزير حنث، والصحيح أنه لا يحنث كما في الكفاية. (والرَّأْسُ بِرَأْسِ يُكْبَسُ) أي يدخل (في التَّنانِيرِ) جمع تنور الخبز بالتشديد، (وَيُباع) ويُشترى (في مِصْرِهِ) أي الحالف، فيحنث بأكل رأس الغنم والبقر عنده - عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله -وأما عندهما- عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله - فبأكل رأس الغنم خاصة، والمعمول في زماننا العادة كما في المضمرات. ولا يحنث بأكل رأس السمك، والجراد، والطير، والوحوش إلّا بالنية كما في النظم.
(وَ) أكل (الشَّحْم) الذائب بالنار (بشَحْمِ البَطْنِ) أي الكلية، فلا يحنث بأكل ما على الأمعاء، ولا بما اختلط بالعظم، ولا بما على الظهر، الذي يسمى بلحم سمين، وبَشْلَحه، وفَرقَى من الشحوم – كلام فارسي – على ما قال أبو حنيفة رحمه الله -، وقال: يحنث بالثلاث - أي ما على الأمعاء، وما اختلط بالعظم، وما اتصل بالظهر فلا خلاف في الأول كما في الكرماني. وهذا في عرفهم، وأما في عرفنا، فلا يقع اسم الشحم على شحم الظهر بحال - أي لا في حال اليمين ولا غيره - كما في الاختيار. ولا خلاف أنه لا يحنث بأكل شحم الظهر باسم بيه بالفارسية – لأنه لا يحنث بأكل اللحم السمين الذي على الظهر، ويحنث بأكل الشحم المتصل بالظهر – كما في الكافي.
وفيه - أي في إضافة الشحم إلى البطن - إشارة إلى أنه: لو عزل شحم الظهر ثم أكل لم يحنث، وهذا قياس قوله كما في المحيط. وإلى - أي فيه إشارة - أنه لا يحنث بأكل الإلية كما يأتي، ولا يخفى أن الشحم باللحم أنسب، فالأولى التقديم أو التأخير. - التقديم أي تقديم قوله: والشحم بشحم البطن على قوله: والطبخ بما طبخ (والخبز) بلا نية (بخبز البر والشَّعِير) ببلاد يعتاد، فلو كان في موضع لا يعتاد فيه خبز الشعير مثلاً لم يحنث بأكله لو جفف الخبر وَدَقَّهُ ثم شربه بماء كما في المحيط. (لا خَبْطُ الأَرز) والذرة (بِبَلَدٍ لا يُعْتادُ) فيه، فيحنث لو كان معتاداً. (والفاكهة) فهي صيغة نسبة معناها ذو تفكه وتنعم، (بالتفَّاح) أي بمثل التفاح (والمُشْمُشِ) رزد آلو - كلمة فارسية – والخوخ، والسفرجل، والتين، والعنب، والفستق، واللوز، والجوز، والتوت، (و البطيخ) وليس بفاكهة عند السرخسي. (لا العِنبِ والرُّمانِ والرُّطَب) فإنها مما قد يستغذى، فسقط عن كمال التفكه، فلا يتناول مطلق الفاكهة، وهذا عنده - أي الإمام أبو حنيفة رحمه الله – وأما عندهما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فهي فاكهة نظراً للأصل، وعليه الفتوى. ولا خلاف أن اليابس منها - أي العنب والرمان والرطب – كالزبيب، وحب الرمان، والتمر، ليس بفاكهة كما في الكرماني. (والقناء) بالكسر والضم، بالفارسية خيار دراز (والخيار) خيار بادرنك والباقلاء، والسمسم، والجوز.
(وَالشُّرْبُ) مثلث الشين، إيصال مالا يتأتى فيه المضغ إلى جوفه بفيه، فلو حلف لا يشرب هذا اللبن فشرد فيه الخبز فأكله لم يحنث. وقال السيدموني، أن الأكل والشرب عبارة عن عمل الشفة والحلق، فلو حلف لا يأكل وفي فمه شيء فابتلعه لم يحنث، كما لو حلف لا يشرب وفي فمه رُمانة - أي حبة واحدة - فمصها وابتلعها، لأنه لم يعمل الشفة فيهما كما في المحيط. (مِن نَهْرٍ) بالسكون والحركة - أي في الهاء - مجرى الماء الفائض – أي قوي الجريان -. (بالكرْع مِنْهُ) بالفتح والسكون - أي للراء - وهو: تناول الماء من موضعه بفيه لا بالكف والإناء كما في القاموس. فلو مد عنقه نحوه وشرب بفيه حنث وإن لم يُدخل رجليه فيه كما في الكشف وغيره. لكن في الأصل، إنه إنما يحنث إذا دخل الماء - كالسباحة – وتناول بفيه.
وفيه إشارة إلى أنه: إذا شرب من يغرف رأسه في الماء حنث كما في النظم. و إلى أنه: لو حلف على نهر بعينه فشرب من نهر - آخر - أَخَذَ منه كرعاً، أو اغترافاً لم يحنث، وذا بلا خلاف كما في المحيط. (فَلا يَحْنَثُ لَوْ شَرِبَ مِنْهُ بِإناءٍ) أو كف، فإذا نوى الاغتراف صُدِّق ديانةً، وهذا كله عنده – أي عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله – وأما عندهما - عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله - فبالاغتراف، وأما بالكرع فقد اختلف المشايخ فيه. وإن نوى الكرع صدق ديانة وقضاء، ومنهم من قال: إنه اختلاف زمان لا برهان كما في المحيط وغيره. (بِخِلافِ الحَلِفِ) على شرب (مِنْ مائِه) فإنه يحنث بالشرب منه كرعاً أو اغترافاً عندهم كما في المحيط. لكن في النظم، إنه لم يحنث 114 /أ بالشرب بالإناء والاغتراف /، وإنما لم يقل بخلاف الشرب، مع أنه أليق بالسابق ليكون تنصيصاً على المراد في الوضعين.
(وَتَحْلِيفُ الوَالي) أي مالك أمي بلد (رَجُلاً لِيُعْلِمَهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ) أي فاسق خبيث مفسد من الدعر بالتحريك كما في القاموس. (أتى) البلد (بحال ولايته) بالكسر - للواو - أي بزمان تسلط هذا على أهل هذا البلد، فلم يجب الإعلام بعد عوده إليه - أي بعد ما عُزل ثم عاد إلى الولاية - كما لم يجب على الفور، فإن لم يعلمه حتى مات - أي الحالف أو الوالي - أو عُزل - الوالي - فقد حنث كما في الزاد. (والضَّرْبُ، والكِسْوَةُ، والكَلامُ، والدُّخُولُ عَلَيْهِ) المقصود منها: الإيلام، والتمليك والإفهام، والزيارة (بالحياة) فلو قال: والله لأضربن زيداً، أو أكسونه، أو أكلمنه، أو أدخلن عليه، ثم يفعل حال حياة زيد لم يحنث، وإلا فيحنث، والمعذب في القبر يحيى بقدر ما يتألم به، وهو أقرب إلى الحق. فلو حلف لأضربن مائة سوط بر بضربة واحدة، إن وصل إليه كل سوط كما في الولوالجي. وقيل: بو شانيدن - كلمة فارسية تعني الستر - يُصرف إلى الإلباس دون التمليك، ولو نوى بها - في حلقه لأكسونه - الستر يحنث بالإلباس بعد الموت كما في الهداية. ولو دخل عليه في المسجد، حنث على المختار كما في المضمرات). (لا) يتقيد (الغُسْلُ) بالحياة، فلو غسله بعدها -أي الحياة-حنث.
(والقَرِيبُ) والسريع والعاجل - يعني هما كالقريب يتقيد – (بما دُون الشَّهر في) والله (لَيَقْضِيَّنَّ دَيْنَه إِلى قَريب) من الزمان، أو قريباً، أو سريعاً، أو عاجلاً. وعنه – أي الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى – أن السريع بلا نية أكثر منه، وكذا عن أبي يوسف رحمه الله في العاجل - أي إنه ليس كالقريب بل أكثر منه – كما في المحيط. وعن أبي حنيفة رحمه الله: أن العاجل أيام؛ وعنه أنه سَنة؛ وعنه أنه: مفوض إلى القاضي. وقيل: ستة أشهر، وقالوا: ثلاثة أيام كما في حدود / التمر تاشي. (وَمَا أصطبغَ بِه) على المجهول من الاصطباغ. (وَمَا أصطبغَ بِه) على المجهول من الاصطباغ، نان خورش كرفتن وبعدي – بالباء كما ذكره البيهقي - كلمة فارسية -. ولا يقال: أصْطُبعَ الخبز بالخل كما في نُسخ المغرب المصححة.
فمن الظن ما اصطبغ به الخبز، والمعنى ما يُغمَس فيه ويُلون به، يقال: اصطبغ بالخل، وفيه – أي وفي الخل عطف على الباء - كما ذكره المطرزي - أي ذكر أنه: مظنون أو ليس بمرض، أو ليس بقوي، ويحتمل أن يكون قوله: (وبه) أي وفيه نظر -. (فَأَدَامٌ) اسم لما يُوتدم به كما في القاموس وغيره. وهذا التفسير أولى – أي تفسير ما في القاموس أولى مما في المتن وهو: ما اصطبغ به كيف - ويدخل فيه عند الكل، الخل، والعسل، والسمن الذائب، والثريد، واللبن، والشيراز (وَكَذَا المِلْحُ) قال عليه السلام: ((نِعْمَ الإدام الملح)). ولأنه يذوب، (لا) يكون (الشواء) إداماً، كالجبن، والبصل، واللحم، والتمر، والقصب، والبيضة، والسمن الجامد عند الشيخين – أبي حنيفة و أبي يوسف رحمهما الله تعالى - خلافاً لمحمد كما في النظم. وذلك لأنه عندهما - عند الشيخين – ما احتاج في أكله إلى غيره، فما أمكن إفراده بالأكل ليس بإدام. وعنده - أي عند محمد رحمه الله تعالى - ما يُؤكل مع الخبز عادة وهو المختار كما في الاختيار. وعليه الفتوى كما في التهذيب.
(وَلا يَحْنَتُ في لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذا البُسْر) أوله طلع - أي أول ما خرج من النخل – فإذا انعقد فسيَّاب، وإذا اخضر واستدار فخِلالٌ، و إذا عظم فبسر.، بالفارسية غوره خرما (فَأَكَلَهُ رُطَبَاً) ما أُدرك غير يابس من ثمر النخل. أَوْ مِنْ هذا الرُّطَبِ أَوِ اللَّبَنِ فَأَكَلَهُ تَمْرَاً ما أُدرك يابساً من ثمر النخل، كالزبيب من العنب (أَوْ شيرازاً) هو اللبن [الرائب] إذا استخرج منه ماؤه. وفيه – أي في عطف شيراز على التمر، مع أن الشيراز من المشروبات - إشعار بأن الأكل يضاف إلى المشروب كما مرَّ. (أَوْ بُسْرَاً، فَأَكَلَهُ رُطَبَاً) و إنما نُكِّرَ المحلوف عليه بعد تعريفه إذ اليمين متى انعقد على شيء بوصف، فإن صلح - أي الوصف - داعياً - أي حاملاً ومانعاً - إلى اليمين يتقيد به – أي بهذا الوصف – سواء كان معرفاً – كما في من هذا البسر، أو من هذا الرطب – أو منكراً – كما في قوله: أو بُسراً فأكل رطباً - احترازاً عن الإلغاء – أي إلغاء الوصف - وإن لم يصلح، فإن كان المحلوف عليه منكراً، يتقيد به أيضاً، لأن الوصف صار مقصوداً باليمين، وإن كان معرفاً لا يتقيد به، كما إذا حلف لا يأكل هذا الحَمَل - ولد الغنم - فأكل كبشاً كما في الكشف.
(أَوْ لَحْمَاً) بلا نية (فَأَكَلَ سَمَكَاً) فإن اليمين على اللحم، فيُصرف إلى ما يعيش في البر، مُحرَّماً أو
غيره، فلا يحنث بما يعيش في البحر كما في المحيط. (أَوْ لَحمَاً أَوْ شَحْمَاً فَأَكَلَ إِلْيَةً) بالفارسية، دنبه كما في الكفاية. وهذا تصريح بما أشار إليه -
- بقوله: والشحم بشحم البطن-.ولا يخفى بأن الإلية أنسب بالشحم - لا باللحم فقوله: أو لحماً ثانياً لا يناسب -. والسمك باللحم (وَلا في لا يَشْتَرِي رُطَبَاً، فَاشْتَرى كِباسَةَ بُسْرٍ) بالكسر هي: عنقود النخل (فيها رُطَبٌ) إذ المتبادر من إضافة الكباسة إلى البسر وجعلها طرفاً للرطب: أنَّ البسر غالب، فلو كان الرطب غالباً، أو هو والبسر متساويين ينبغي أن يحنث.
(وَحَيْتَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبَاً، أَوْ بُسْراً، أَوْ لا بُسْراً، فَأَكَلَ مُذَنّباً) أي لا يأكل رطباً، فأكل رطباً مذنباً، أو بسراً فبسراً مُذَنّباً، أو رطباً فبسراً مُذَنّباً، أو بسراً فرطباً مذنباً، أو رطباً ولا بسراً فبسراً أو رطباً مذنباً ففي الأولين - وهما الأول والرابع بالنسبة إلى مجموع الستة - كالثالثين أي الثالث والسادس من المجموع - حنث عندهم – وفي الثانيين حنث عند الطرفين، خلافاً لأبي يوسف رحمه الله. وفيه إشعار – أي في جعل حكم الحلف بلا يأكل رطباً ولا بسراً، كحكم الحلف بأحدهما فقط، وهو الحنث بأكل أحدهما - بأن لا العاطفة كَأَو في الإثبات لا كالواو، فإنه لو قال: لا يأكل رطباً وبسراً فأكل أحدهما، لا يحنث على ما في الأصل - لأن معنى الحلف بالواو أنه لا يجمعهما في الأكل، بخلاف ما لو حلف لا يأكل رطباً أو بسراً، كان معناه لا يأكل شيئاً منهما كالحلف بكلمة لا، فيحنث بأكل أحدهما - وقال الصدر الشهيد، إن نوى أكلهما، أو أكل أحدهما فعلى ما نوى، وإن لم ينو، - فالمختار أن لا يحنث كما في المحيط. والمذنب بكسر النون والتشديد. وما قيل – القائل: نجم الأئمة البخاري رحمه الله تعالى – إنه بالفتح مذهب الفقهاء فمن حواش - أي أخذ من حواشي الكتب - لا أصل لها – أي لا مأخذ لتلك الحواشي-.
وهو - المذنب - الرطب أو البسر الذي بدا الإرطاب من جانب ذنبه الذي هو الحاد، دون جانب السفل الذي هو رأسه وفيه العلاقة كما أشار إليه المطرزي. ويدل عليه ما في خامس المرصاد، أن رأس الشجر وغيره ما يأخذ الغذاء منه، وما في الهداية، أنه ما في ذنبه أو رأسه قليل بسر أو رطب فمشكل. (أَوْ لَا يَأْكُلُ لَحْمَا فَأَكَلَ كَبِدَاً) بالفتح أو الكسر مع السكون، أو طحالاً أو فؤاداً، أو كلية، أو أمعاء، أو رأساً، أو أكارع، (أَوْ كَرِشاً) بفتح الكاف وكسر الراء أو سكونها، وهذا في بلادٍ يُباع هذه الأشياء مع اللحم، وإلا فلا يحنث كما في الإختيار. (أو) أكل (لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ إِنْسانٍ أو ميتة، أو متروك التسمية، أو ذبيحة المجوسي، أو صيد الحرم، فإن لحمها لحم نشأ من الدم، و عليه الفتوى كما في الكرماني.
(وَ الْغَدَاءُ) بالفتح (الأَكْلُ) أي المأكول الذي يُقصد به الشَّبعُ عادةً فلو أكل لقمة أو لقمتين لم يحنث حتى يزيد على نصف الشبع، ويعتبر في كل موضع عادتهم، فلو حلف لا يتغذى فشرب اللبن، فإن كان مصرياً لا يحنث وبدوياً يحنث، وقال الكرخي: لو أكل تمراً أو أرزاً أو غيره حتى يشبع لا يحنث، ولا يكون غداءً حتى يأكل الخبز كما في الاختيار، وغيره.
ومن الظن: تكلف التغليب بلا قرينة في الأكل، لما مرَّ أنه متناول للشرب.
(مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) أي الصبح الصادق إلى الظُّهْرِ وفي القاموس: أنه طعام الغدوة بالضم، وهي البكرة، أو مابين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.
(وَ العَشاءُ) بالفتح المأكول (مِنْهُ) أي الظهر (إلى نِصْفِ اللَّيلِ).
وفي القاموس: طعام العشي، وهو من الزوال إلى الصباح كما في المفردات، أو في المغرب كذا في المغرب. (و السُّحُورُ) بالفتح: المأكول (مِنْهُ) أي نصف الليل إلى طلوع (الفَجْرِ) وفي القاموس: هو ما يتسحر به، والسحر: قبيل الصبح. وفي المغرب: هو السدس الأخير من الليل.
وماذكره – أي في المتن - مروي عن أبي يوسف رحمه الله كما في التتمة.
وذكرها بفصل بعده أنسب – أي بعد المسألة أو الحكم أفضل -.
(وَفي إِنْ لَبِسْتُ أَوْ أَكَلْتُ أَوْ شَرِبْتُ) أو اغتسلت، أو نكحت، أو أعطيت، فعبدي حرّ (وَ نَوَى) ثوباً أو طعاماً أو شراباً أو غسلاً أو امرأة أو شخصاً (مُعَيَّناً لَمْ يُصَدَّقْ أَصْلاً) أي تصديقاً كلياً، لا ديانةً ولا قضاءً في ظاهر الرواية، لأن هذه الأمور – المذكورة – غير ملفوظة وغير مقتضاة، لأنها غير محتاج إليها عند اليمين ومنع النفس، بل عند المباشرة على أن التخصيص من صفات الألفاظ وعن أبي يوسف رحمه الله أنه: صُدِّق ديانةً وبه أخذ الخصاف.
وفيه – أي في قوله لم يصدق أصلاً - إشارة إلى أنه لا يصح التخصيص في مصدر الفعل، فلو قال: إن أكلت، ونوى أكلاً خاصاً من الأكلات لم يدين، فإن المصدر لا يدل إلا على الماهية كما ذكره في التوضيح. لكن في الجامع الكبير، ولو قال: إن خرجت، وأراد السَّفَر خاصةً دِينَ فإن مادل عليه الفعل نكرة منفية – أي عامة فيصح التخصيص بالنية -.
و إلى أنه يصح في الفاعل العام، فلو قال: إن اغتسل أحد ونوى زيداً فإنه دِينَ، و إلى أنه لا يصح تخصيص صفة له – أي للحالف – غير مذكورة فلو قال: إن لم أتزوج امرأة، ونوى كوفية لم يدين لأنه – أي وصف الكوفية – غير ملفوظة، لكن لو نوى العجمية أو الحبشية دين كما في المحيط وغيره.
(وَلَوْ ضَمَّ ثَوْبَاً أَوْ طَعَامَاً أَوْ شَرَابَاً) أو غسلاً من الجنابة أو غيرها (دين) – أي صُدِّق – ديانة، وهذا مخصوص بالعربية، فلو قال لامرأته: اکرکسي را از کندم من دهي - كلمة فارسية – ونوى أمها خاصة، لم يُصدق أصلاً وعلله الفقيه أبو الليث، وقال: لأن كَسَى لفظ خاص فلا يصح تخصيصها - و إلا يلزم تحصيل الحاصل، والتخصيص إنما يفيد لوْ وَرَدَ على العام - كما في المحيط.
لكنه - أي مافي المحيط - مشكل لأنه - أي لفظ كَسَى وقع من حيث حاصل الكلام - وقع في حيّز النفي المستفاد من الشرط كما تقرر - أي في علم الأصول -. (وَتَصَوُّرُ البِرِّ) ورجاء الصدق عند الطرفين (شَرْطُ صِحَةِ) أي انعقاد (الحَلِفِ) المطلق والمقيد، سواء كان - الحلف - الحلف - قسماً أو غيره، (خلافاً لأبي يُوسُفَ رَحِمَهُ الله تَعَالى) فإن اليمين عقد - مجهول - فلا بُدَّ له من محله، عنده - عند أبي يوسف رحمه الله تعالى - خبر استقبالي وإن لم يَقْدِر عليه - أي على ذلك الخبر - كمسألة السماء.
وعندهما. - عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى - خبرٌ فيه رجاء الصدق لأن محل الشيء مايكون قابلاً لحكمه وحكم اليمين؛ البرُّ، ولا يخفى أن أوائل الكتاب - كتاب الأيمان - أولى بهذا الأصل.
(فَمَنْ حَلَفَ بِالله لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هذا الكُوزِ اليَوْمَ) أو إن لم أشربه فعبدي حرٌ (وَلَا ماء فيه) سواء علم به أو لا (أو) قد (كانَ) فيه (فَصُبَّ) أو شرب غيره أو مات - الحالف - (في يَوْمِهِ لا يَحْنَتُ) في الصورتين في يومه بالإجماع.
و أما بعده فكذلك عندهما - أي الطرفين - لأنه لا ينعقد في الأولى - أي فيما لا ماء فيه - وينحل في الثانية - أي فيما كان الماء فيه - بهلاك المحلوف عليه - أي بالصب أو الشرب - أو الحالف.
وأما عنده عند أبي يوسف رحمه الله تعالى - فيحنث لأنه انعقد، لكنه يعجز في الأولى، ولم ينحل في الثانية بالهلاك لما ذكره من الأصلين كما في عامة المتداولات كالمحيط، والهداية، والكافي.
لكن في الحقائق، والعناية، وغيرهما في باب زفر أنه: في - أي الاختلاف المذكور - في المستحيل عادة كما يأتي من المسائل. وأما في المستحيل عقلاً كمسألة الكوز بلا ماء فلم ينعقد اليمين إجماعاً.
وفي النظم، الخلاف فيما إذا لم يعلم أنْ لا ماء فيه، فإن علم فقد حنث بالاتفاق.
(وَ إِنْ أَطْلَقَ) هذا الحلف بأن لم يذكر اليوم (فَكَذَا) لا يحنث مطلقاً عندهما – أي الطرفين – لعدم شرط الانعقاد، ويحنث عنده عند أبي يوسف رحمه الله تعالى - في الحال للعجز (في الأَوَّل) أي فيما لا ماء فيه، ولم يتصور البر بخلق الله تعالى لأن المخلوق غيرُ المحلوف عليه (دُونَ الثَّاني) أي فيما كان فصُبَّ، فإنه انعقد الحلف فحنث عندهم - عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى - فظاهر، و أما عندهما فلأنَّهُ لم ينحل الحلف المطلق بهلاكها فيلزم الجزاء.
(وَفي لَيَصْعَدَّنَّ) أو ليمسن (السَّماءَ) أو لأطيرن في الهواء (أوْ لَيَقْلِبَنَّ هذا الحَجَرَ) مثلاً (ذَهَبَاً، أَوْ لَيَقْتُلَنَّ فُلاناً أو ليعطينه ماله حال كون الحالف (عالِماً بِمَوْتِهِ) في هاتين -
التغليب والقتل وما عطف عليه - (انْعَقَدَ) كل من هذه الأيمان لتوهم وجودها، بخلاف ما إذا لم يتوهم كبيع الحر، فإنه لم يدخل تحت العقد متوهماً. وفيه - في قوله انعقد - إشعار بأن - يمين - مسألة الكوز لم تنعقد (لِتَصَوُرِ البِرِّ) أي لإمكان أن يخلق الله تعالى هذه الأفعال في حقه كما في حق بعض الأولياء.
(وَحَنِثَ) في الحال اتفاقاً إن لم يخلق هذه الأفعال في الحال لِلْعَجْزِ) العادي عنها، وفي النظم)، / عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يحنث في الأخيرين - أي القلب والقتل - (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) بموت فلان (فَلَا) يحنث في الأخيرين عندهما - عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى – ويحنث عنده – عند