الجزء 1 · صفحة 7
طوالع الأنوار شرح الدر المختار
للشيخ محمد عابد السندي الأنصاري
توفي سنة (1257) هـ
من بداية باب المياه إلى بداية باب الأنجاب
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
باب المياه
لما فرغ من بيان الطهارتين ونواقضهما شرع في بيان ما يحصلان به. ومعنى الباب في اللغة: النوع. وفي الاصطلاح عبارة عن مسائل فقهية تغيرت أحكامها بالنسبة لما قبلها وإلى ما بعدها غير مترجمة بكتاب ولا فصل.
والمياه (جمع ماء بالمد، ويقصر) وأشار بتغيير التعبير إلى قلته، ولذا قال في النهر: وعن بعضهم قصره، وهمزة الماء منقلبة عن هاء في موضع اللام وأصله موه قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها (و) قلبت (الهاء همزة) على غير قياس. قال في المنح: وهو أصل مرفوض فيما أبدل الهاء إبدلاً لازماً. من وأفاد في البحر: أن مياها جمع كثرة، ويجمع على أمواه جمع قلة. (وهو) أي الماء على ما عرفه في البحر: (جسم لطيف) لا يحجب البصر غالباً (سيَّال به)
أي مجموعه، حياة كل نام). سواء كان نباتاً، أو حيواناً، فبالعذب حياة ما في البر، وبالمالح حياة ما في البحر، إذ ما في البحر من أجناس الحيوانات حياتها به، فلو فارقته أفضى إلى هلاكها فمن قال بالعذب منه حياة كل نام فقد قصر، وكذلك ما فيه من نام غير حيوان كما قيل في المرجان أنه أشجار في قعر البحر، ونماؤه به، فلا يقال: أن كل نام يحيى بكل ماء، بل كل نوع يحيى بنوع يناسبه، على القدر المتوقفة عليه حياته. فإن الزيادة على القدر المعتاد، تضرُّ بالحيوان وبعض النبات، وربما تفسده.
وفر أبوقا. الكرماني الماء بأنه: جوهر سيال، به قوام الحيوان. وقال غيره: هو جوهر شفّاف لا لون له، ويقصد للري. ولا يقال: يخرج بالقيد الأخير الماء المالح، لأنا نقول عروض الملوحة لا يخرجه. وقال أبو علي بن سينا: هو جوهر بسيط طباعه أن يكون بارداً، رطباً، مشتقاً متحركاً إلى المكنان الذي تحت كرة الأرض.
واقتصر السيف الآمدي على تعريفه بأنه حرم بسيط بارد رطب (يرفع) على بناء المفعول (الحدث) وهو مانعية شرعية قائمة بالأعضاء إلى غاية استعمال المزيل كما تقدم. (مطلقاً) سواء كان حدثاً أصغر أو أكبر (بماء مطلق، هو ما يتبادر عند الإطلاق) أي ما يسبق إلى الفهم بمطلق قولنا ماء، فيصح إطلاق الماء
الجزء 1 · صفحة 9
عليه ولا يصح نفيه عنه، فخرجت المياه المستقطرات، وما يخرج من النبات، والثمار، لأن اسم الماء لا يتبادر إليها، ويصح نفي اسم الماء عنها، فيقال: هذا ليس بماء، بل ماء، كرم وهذا فرق بين إضافة التقييد وإضافة التعريف، فإضافة التقييد المغايرة للإطلاق فلا يكون الماء معها ماء مطلقاً، بل مقيداً .. وهي ما لا يتبادر معها اسم الماء، ولا يصح إطلاق اسم الماء معها، ويصح نفيه كماء الرمان، وماء الورد بخلاف إضافة التعريف كماء النهر، وماء الحوض فيتبادر اسم الماء إليه عند الإطلاق، ويصح إطلاقه عليه، ولا يصح نفيه عنه. وحينئذ فشمل الماء النجس، والماء المستعمل، ولذا شرط في جواز الطهارة بالماء المطلق عدم نجاسته واستعماله، كما تقدم في شروط الطهارة.
فقول صاحب البحر: ولم يقم به حَبَتْ ولا معنى يمنع جواز الصلاة لإخراج الماء النجس، والمستعمل بيان للماء المطلق الذي يجوز التطهير به كماء سماء) أي بماء نزل من هذه المظلة، أو السَّحاب، سواء كان في الهواء، أو ساكناً على وجه الأرض. (وأودية) جمع واد يطلق على الماء الذي في الصحاري. وعيون) جمع عين، وهو لفظ مشترك بين الشمس، والينبوع، والذهب، والدينار،،والمال والنقد والجاسوس والمطر، وولد بقر الوحش وخيار الشيء، ونفس الشيء والناس القليل وحرف من حروف المعجم وما عن يمين قبلة العراق، وعضو الباصرة، وغير ذلك. والمراد هنا الينبوع، بقرينة السياق، قاله في البحر. وتعقبه في النَّهر: بأن هذا مبني على أن العين الواقع في عبارة الكتر معطوف على الماء، وبعده لا يخفى، والأولى أن يعطف على السماء، وعليه فلا يكون مشتركاً بين ما ذكر إلا أنه مشترك بينه وبين ماء الباصرة. [و) ماء (آبار) بهمزة مفتوحة في أوله وباء ساكنة ثم همزة مفتوحة، ومن العرب من يخفف، فيمد أوله، جمع بير، وهي مؤنثة مهموزة، وقد تخفف. كما في شرح المنية لابن أمير الحاج. (و) ماء بحار، جمع بحر، سمي بذلك إما لملوحته لقولهم: ماء بحري مالح، فيختص بالملح، أو لسعة انبساطه، ومنه: أن فلاناً بحر، أي واسع المعروف، أو لكونه ماء كثيراً، فلا يختص به، وعلى الأول جاء التغليب في قوله تعالى: {مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان}. لا على الثاني، والأول أظهر، لقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنهُمَا الولُوُ وَالْمَرجَان}. ولاشك أنهما من المالح فقط كما في النهر. وفي ذكر ماء البحار إشارة إلى ردّ قول من قال: أن ماء البحر ليس بماء، حتى حكي عن ابن عمر -رضي الله عنهما - أنه قال في ماء البحر: التيمم أحب إلى منه. والدليل على كونه مطهراً ما أخرجه مالك وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته الطهور: إما بمعنى المطهر كما هو مذهب الشافعي، أو اسماً لما
الجزء 1 · صفحة 10
يتطهر به كالوضوء اسم لما يتوضأ به، فلا حاجة أن يجعل بمعنى المطهر حيث يلزم جعل اللازم متعدياً.
وثلج مذاب بحيث يتقاطر) قال في البحر: هو الصحيح خلافاً للثاني، قال البر جندي: فإن عنده يجوز التطهر به وإن لم يتقاطر اهـ. (وبَرَد) بفتح الراء هو حبّ الغمام. (وجَمَد) بفتح الجيم والميم الماء الجامد، قاموس. وحكمه كالثلج فلا تجوز الطهارة به إلا إذا تقاطر. (وندى) بفتح النون وهو الطَّل وهو ماء على الصحيح. وقيل: نفس دابة (وهذا) أي ما ذكره المصنف من تقسيم المياه (تقسيم باعتبار ما يشاهد وإلا فالكل) من المياه حاصلة (من) ماء (السَّماء لقوله تعالى: {أَلَم تَر أَنَّ الله أنزلَ مِنَ السَّماءِ ماء}. يعني كل ماء فلا ماء في الخارج إلا من السَّماء (الآية) أي اقرأ بقيتها وهي: {فَسَلَكَهُ ينابيع في الأرض} .. فماء البحر، والأبيار، والعيون من ينابيع الأرض، فإن قلت: النكرة إنما تعم إذا كانت في سياق النفي.:قلت يجاب عنه بما أشار إليه الشارح من قوله: (والنكرة) وهي لفظة ماء [ولو) وقعت (مثبتة) في هذا الموضع لكنها لما وقعت (في مقام الإمتنان تعم) بقرينة تدل عليه، كما في قوله تعالى: {عَلَمَت نَفْسٌ مَا أَحْضَرَت} أي كل نفس، وفيما نحن فيه لو لم تدل النكرة على العموم لفات الامتنان المطلوب، ولا يقال: إن التعميم إنما يظهر من قوله تعالى: بعد فَسَلَكَهُ يَنَابِيْعَ في الأرضِ. وأما النازل فماء واحد لا تعميم فيه لأنا نقول: المراد بقولنا كل ماء نازل السماء، تحقق أنواع المياه باعتبار وجودها في الخارج، وحصولها من الينابيع، فهي باعتبار أصلها ماء واحد وبالاعتبار الآخر مياه مختلفة فتأمل. إلا أن الشيخ الرحمي نازع فيما تقدم بأن النكرة هنا لو لم تدل على العموم لفات المطلوب، وقال: هذا ممنوع إذ أنزل الله ماء من السماء، وإخراجه من الأرض ينابيع، لنفع العباد منة عظيمة، وتفجير ينابيع من الأرض زيادة على ذلك، لا تبطل المنّة بل تزيدها، وإنما قصر الامتنان به لزيادة نفعه، ولكمال عناية الله تعالى بعباده، حيث أنزل لهم ما ينتفعون به من مكان لا يمكنهم الوصول إليه بوجه ما، ولا حيلة لهم فيه، لا باطناً، ولا ظاهراً، ويدل على وجود ماء من غيره قوله تعالى لله وإن من الحجارة لما يتفجَّرُ منه الأنهار. ولذا حكى في النهر التعميم عن الكشاف بصيغة قيل اهـ.
وماء زمزم) يرفع به الحدث (بلا كراهية) أطلقها فعم التحريمية، والتنزيهية، لثبوت الإزالة به فيما أخرجه عبد الله أحمد بن بن حنبل من زيادات مسند أبيه بإسناد حسن من حديث علي بن أبي طالب - رضي ا الله عنه- أن أسامة -رضي الله عنه وضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإفاضة من عرفة بعد ما نزل بالشعب يبول بماء زمزم قال الحافظ ابن حجر في أوائل طهارة الفتح: فيستفاد منه الرد على من منع استعمال ماء زمزم لغير الشرب اهـ. وخص الماتن بذكره مع دخوله في ماء الآبار لشرفه، ووقوع الخلاف فيه، وذلك أنه عند
الجزء 1 · صفحة 11
أحمد يكره إزالة الحدث به.
(و) يرفع الحدث مطلقاً أيضاً (بماء قصد) على بناء المفعول (تشميسه) فيد به لأنه لو لم يقصد لم يكره اتفاقاً أبو السعود. (بلا كراهة) عندنا (وكراهته عند الشافعية) لما أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة -ر الله رضي عنها قالت:
سخنت ماء في الشَّمس فأتيتُ به النبي الله فقال: لا تفعلي يا عائشة، فإنه يورث البياض وفي إسناده محمد بن مروان السُّدي. وقد أجمعوا على ضعفه، وقال: لا يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي: وقد رويناه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما-. قلت: وقد رواه العقيلي، والدار قطني عن أنس -رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: لا تغتسلوا في الماء الذي يسحن في الشمس فإنه يعدي من البَرَضِ. وفي لفظ الدار قطني: وفي إسناد العقيلي: سوادة وكان غالبا في الشيع يروي المناكير عن المشاهير، وفي إسناد الدار قطني زكريا بن حكيم، قال فيه أحمد ويحي ليس بشيء. ولذلك قال ابن الملقن بعد كلام طويل فتلخص أن الوارد في النهي عن استعمال الماء المشمس من جميع طرقه باطل لا يصح، ولا يحل لأحد الاحتجاج به.
(طبية) أي بكونه يورث البرص، وكرهه لذلك جماعة من الحنفية أيضاً، ولذا قال في المنح: وقيل يكره وبه قال الشافعي. قيل وإنما كره لأن الشمس بحدتها تفصل. زهومة تعلو الماء، فإذا لاقت البدن بسخونته خيف أن تقبض عليه فينحبس الدم فيحصل المرض، وشرط لكراهته أن يكون بقطر، حار، كالحجاز، وإناء منطبع كنحاس، وأن لا يبرد بعد ذلك.
قال الإمام العلّامة شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري اليمني: أنهى مسألة الماء المشمس إلى خمسة الآف ألف وجه ومائة ألف وأربعة وثمانين ألف وجه، فقال رضي الله عنه يكره ما قصده تشميسه دون غيره، ومنهم من لم ينظر إلى القصد، ومنهم من كرهه في الحجاز فقط، ومنهم من عممه في البلاد الحارة، ومنهم من خصها بالفصول الحارة، ومنهم من خصه الصيف للصايف، ومنهم من خصص بما إذا كان في إناء ضيق الرأس، ومنهم من خصص بما إذا انفردت الشمس بتسخينه لم تشاركها النهار، ومنهم من خصص بما إذا استعمل للطهارة فيما يعم البدن كالجنابة ومنهم من الحق ما لا يعم بما يعم، ومنهم من خصص من عمه البرص ومنهم من خصص الحي دون الميت، ومنهم من خصص أبدان النساء، ومنهم من خصص شديدة البياض منهن، ومنهم من خصص بالآدمي، ومنهم من الحق تطهير
الجزء 1 · صفحة 12
بدن غير الآدمي به، ومنهم من الحق تطهير غير البدن كالثوب ونحوه، به ومنهم من كرهه في البدن خاصة، وسوى بين الطهارة، وغيرها، ومنهم من خصص الكراهة بما عدا الغسلة الأولى، ومنهم من خصصها من يستعمله في غالب، أوقاته ومنهم من خصصها بما إذا علم أنه يضره، ومنهم من خصصها بما إذا نهى عنه عدلان طبيبان ومنهم من خصصها بالأواني المنطبعة، ومنهم من خصها بما سوى النقدين، ومنهم من خصها بالنحاس، والرصاص فقط، ومنهم من خص النحاس وحده، ومنهم من خص بما إذا انفصل من أجزاء الإناء شيء مشاهدة، ومنهم من خصص بما قبل تبريده.
هذا جملة ما قيل فإذا أردت جمع هذه فقل: المشمس بغير قصد أو بقصد في الحجاز وسائر البلاد الحارة، في الفصول الحارة في الفصول الباردة في الصيف الصايف، في إناء ضيق الرأس غير مغطا بغطاء، في بدن الميت، في بدن الأبرص، في أبدان النساء في بدن شديدة البياض في بدن غير الآدمي، في غير البدن، لفرط الحرارة غير مفرطها، انفردت الشَّمس بتسخينه، أو شاركتها النار، استعمله للطهارة لغير الطهارة فيما يعم البدن كالجنابة، فيما لا يعم كالوضوء، فيما عدا الغسلة الأولى، في غالب الأوقات في نادرها عالماً أنه يُضر، جاهلاً فهي عنه الأطباء، أو لم ينهوا عنه، ولم يبلغ قلتين، أو بلغهما، في إناء غير منطبع، منطبع من النقدين من النحاس والرصاص من النحاس خاصة ولم ينفصل من أجزاء الماء شيء، أو انفصل قبل تبريده، أو بعد تبريده، هل يكره؟
فيه وجهان: هذه مسألة واحدة ثم تبدل منها لفظة قبل تبريده فنقول: بعد تبريده فيكون ذلك مسألتين، هذا على قولنا ولم ينفصل وإن جعلت عوضه وانفصل كان فيه أيضاً مسألتين، فكان ذلك أربع مسائل، هذا كله إذا كان في إناء غير منطبع، وإذا جعلت مكان غير المنطبع المنطبع مما سوى النقدين، كان فيه أربع مسائل أخر، وفي المنطبع خاصة من الصفر أربع، وفي المنطبع من النقدين أربع، تكون الجملة عشرين مسألة. هذا ولم يبلغ قلتين وفيه إذا بلغها مثلها تكون الجملة، أربعين هذا وقد نهى عنه الأطباء، وفيه إذا لم ينهوا عنه مثلها تكون الجملة ثمانين، هذا إذا علم أنه يضر، وفي الجاهل مثلها يكون الجملة مائة وستين، هذا إذا استعمله في غالب الأوقات، وفي النَّادر مثلها تكون الجملة ثلاثمائة وعشرين، هذا فيما عدا الغسلة الأولى، وفي الأولى مثلها تكون الجملة ستمائة وأربعين، هذا فيما يعم البدن كالجنابة وفيما لا يعم مثلها تكون الجملة ستمائة وأربعين، وبدن شديدة البياض ستمائة وأربعون وبدن غير الآدمي ستمائة وأربعون، تكون الجملة خمسة آلاف ومائة وعشرين مسألة.
هذا كله إذا استعمل للطهارة وفيه إذا استعمل لغير الطهارة مثلها الجملة عشرة آلاف ومائتين
الجزء 1 · صفحة 13
وأربعين هذا إذا انفردت به الشمس، وفيه إذا شاركتها النَّار مثلها تكون الجملة عشرين الفاً وأربعمائة وثمانين هذا إذا كان في فرط الحرارة، وفي الغالب مثلها تكون الجملة أربعين ألفاً وتسعمائة وستين، هذا إذا كان غير مغطى، وفي المغطى مثلها، يكون الجملة إحدى وثمانين ألفاً وتسعمائة وعشرين، هذا إذا كان ضيق الرأس، وفي المفتوح مثلها تكون الجملة مائة ألف وثلاثة وستين ألفاً وثمانمائة وأربعين، هذا في الفصول الحارة.
وفي الفصول الباردة مثلها تكون الجملة أربعمائة ألف واحد وسبعين ألفا وخمسمائة وعشرين مسألة هذا كله في الحجاز، وفي البلاد الحارة مثلها، تكون الجملة ألف ألف وأربعمائة ألف مسألة وأربعة وتسعين ألفاً وخمسمائة وستين مسألة هذا كله بغير قصد، وفي المشمس بقصد مثلها، تكون الجملة ألفي ألف مسألة وتسعمائة ألف مسألة وتسع وأربعين ألف مسألة ومائة وعشرين مسألة وكل مسألة من هذه المسائل فيها وجهان، إلا ما يتفرع على مسألتين وهما:
- استعماله لغير الطهارة في بدن غير الآدمي.
- وبغير الطهارة في غير البدن، فإن استعمال هذا غير مكروه قطعاً. والذي لا خلاف فيه ثلاثمائة ألف وتسعة وخمسون ألفاً ومائة وعشرون مسألة، والمسائل التي فيها الخلاف ألفا ألف وخمسمائة ألف واثنان وتسعون ألفا، في كل مسألة وجهان، فجملة الوجوه خمسة آلاف ألف ومائة ألف وأربعة وثمانون ألف وجه اهـ كلام المقري. وكره مجاهد الطهارة بالماء المسحن بالنَّار وكره أحمد المسخن بالنجاسة ويرفع) الحدث مطلقاً (بماء) بالمد والتنوين أيضاً (ينعقد به ملح) أي مهياً لأن ينعقد ملحاً (لا بماء) بمد وتنوين على ظاهر عبارة الشارح وبقطع التنوين للإضافة على ظاهر كلام الماتن (حاصل بذوبان ملح) وهو الذي يجمد في الصيف ويذوب في الشتاء عكس الماء بحر وغيره.
و نقل الشيخ نوح أفندي عن بعض الفضلاء في حواشي صدر الشريعة: بأن قوله عكس الماء أفاد علة عدم الجواز بكون حقيقته مخالفة الحقيقة الماء لاختلاف خواصهما اهـ. قال: ومقتضى هذا أن الطهارة لا تجوز بماء الملح مطلقا، أي سواءً انعقد ملحاً، أو ذاب وصار ماء، أو لم ينعقد: أصلاً، لأن حقيقته مخالفة الحقيقة الماء، والمصنف قد فرَّق بين ما تهيأ للانعقاد وبين ما ذاب فجوز بالأول أخذا بكلام صاحب عيون المذهب ومنع في الثاني أخذا بكلام صاحب الخلاصة ففيها: ولو توضأ بماء الملح لا يجوز. ثم علل لكل من المسألتين بقوله: البقاء الأول على طبيعته الأصلية) المخلوق عليها (وانقلاب الثاني إلى طبيعة الملحية)
الجزء 1 · صفحة 14
يعني وهي غير ملائمة للمائية، فيكون ماؤه بعد الذوبان كماء الذهب، والفضة بخلاف الجمد والبخار إذا انقلبا ماء فإنهما يلائمان طبيعة الماء على ما لا يخفى، ثم نازع الشيخ نوح أفندي في تشبيه الذائب بماء الذهب فإن الأخير لا يذوب بنفسه بل بالنار و لا يستمر وهذا بنفسه مع أنه يستمر، ثم قال: والحق أن حال الملح يشبه حال الجمد والبخار فإنهما يذوبان بأنفسهما ويستمران على ذلك مدة كالملح، ولما كانت حقيقته مخالفة الحقيقة الماء كان الصواب عندي عدم جواز الطهارة بماء الملح قبل انعقاده أو بعده، لإطلاق عبارة الخلاصة والبزازية ولفظهما ماء الملح لا يجوز الوضوء به لأنه على خلاف طبع الماء، لأنه يجمد صيفاً ويذوب شتاء وكذا ماء النفط اهـ.
(ولا) يرفع الحدث مطلقاً أيضاً (بعصير نبات أي معتصر) أشار به إلى أن فعيلا هنا بمعنى مفعول (من شجر) كالريباس بالكسر قال العلامة العراقي: الريباس نبت له ساق ضخم، حامض جدا ينبت في الجبال يقشر ويؤكل اهـ. وهو ينفع من الحصبة والجدري والطاعون، وعصارته تحد البصر كحلا قاموس.
(أو ثمر) كالعنب، قال في شرح المنية: بأن دق مثل الرمان ناعماً، أو دق وطبخ ثم اسخرج ماؤه، والمراد بالشجر النبات ليعم ماله ساق أو لا كرباس وورق هندبا كما في الجندي، والثمر فرع النبات فيعم الورد، وسائر الأزهار، ويعم الحبوب، و البذور، والثمار التي لا تؤكل، إلا بعد الطبخ كالدباء. (لأنه) أي هذا الماء المستخرج (مقيد) وليس مطلق فلا يجوز الوضوء به، لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد الماء المطلق بلا واسطة بينهما. (بخلاف ما يقطر من ماء الكرم) أي شجر العنب، وورد في الأحاديث النهي عن تسميتها بذلك، فإن الكرم قلب الرجل المؤمن. لأنه من مادة تدل على التعظيم وإنما نهي عن ذلك لأن الخمر يخرج منها فربما يدعو هذا الاسم إلى شربها، أفاده علي زاده شارح الشرعة. (أو الفواكه من عطف المباين ويراد بها ماعدا العنب، أو من عطف العام على الخاص (بنفسه) أي بغير استخراج (فإنه يرفع الحدث) وبه صرح صاحب الهداية. (وقيل لا) يحوز به رفع الحدث وهو المصرح به في كثير من الكتب، واقتصر عليه قاضي خان في الفتاوى، وصاحب المحيط، وصدر به في الكافي (وهو الأظهر كما في الشرنبلالية عن البرهان) وفي شرح المنية: الأوجه عدم الجواز، فكان هو الأولى لما أنه كمل امتزاجه كما صرح به في الكافي، فما في التبيين من أنه لم يكمل امتزاجه فيه نظر بحر. (واعتمده القهستاني فقال) بعد أن جعله رواية عن أبي يوسف والاعتصار) الواقع في قول صاحب الكتر وغيره أو اعتصر من شجر ... الخ (يعم الحقيقي) الذي هو الإخراج (والحكمي) الذي هو الخروج (كماء الكرم) أي القاطر بنفسه فهو تمثيل للحكمي. قال الخير الرملي في حاشيتة على المنح بعد نقله لما تقدم: ومن راجع كتب المذهب وجد أكثرها
الجزء 1 · صفحة 15
على عدم الجواز فيكون المعول عليه اهـ.
(وكذا ماء الدابوغة) مثل ماء الكرم في أن الأظهر عدم جواز رفع الحدث به قال الحلبي ثم الشيخ الرحمي و لم نجد من فسرها ممن يعتمد عليه. وقال السيد أحمد واخبر بعض من سكن بلد الخليل، أنهم يخرجون عروق حطب من الأرض يضعونها في الماء فيحمر فيدبغون به الجلد، ويسمونه هذا الاسم ونحوه، ماء الدبغة الأحمر الذي يضعونه في القناديل بمصر للزينة. وقال الفتال: ولعلها الدبوغة، قال في القاموس الدبوغ كصور وهو المطر الذي يدبغ الأرض بمائه اهـ. قلت وهذا بعيد و الله اعلم.
وقال الشامي: ونقل بعض المحشيين عن كتب الطب أن البطيخ الأخضر يقال له الحبحب والدابوغة والدابوقة، قال: وعلى هذا يتعين حمل البطيخ في كلام الشارح على الأصفر المسمى بالخربز اهـ
(و) ماء (البطيخ) بكسر الباء وحكى ابن هشام عن ابن عمرو الشيباني فتحها، وحكى ابن خالويه و غيره لغة ثالثة وهي طبيخ بتقديم الطاء على الباء ذكره ابن ابن أمير الحاج. (بلا استخراج) قيد في الجميع (وكذا نبيذ التمر) جعله مما فيه الاعتصار حكماً، لكن سيجيء قريباً أنه من قسم المغلوب الذي زال اسمه فلا يتوضأ به، وإن لم يجد الماء، وعنه أنه يتوضأ به حينئذ، وعنه أنه يجمع بينه وبين التيمم وبه أخذ محمد، وعنه الرجوع إلى التيمم، وبه أخذ أبو يوسف كما في التمرتاشي. وهو الصحيح كما في حاشية الهداية وسيجيء أنه المفتى به. [ولا) يرفع الحدث مطلقا (بماء مغلوب بشيء طاهر) أطلق الغلبة ولم يقيدها بكونها بالأجزاء، أو بالوزن لكثرة الخلاف في عباراتهم وقيد بالمغلوب لأنه إذا لم يكن مغلوبا جاز رفعه به كما سيأتي، واختيار المتأخرين كصاحب البحر والنهر، والمنح ما اختاره الزيلعي من الضابط الذي ذكره الشارح بقوله: الغلبة) تكون (إما بكمال الامتزاج بتشرب نبات) كالخل، وماء الورد، فهو في الأصل ماء شربه النبات، فانقطع عنه اسم الماء، وانسلخ عن حقيقة المائية إلى حقيقة النباتية، حيث كان جزءاً من النبات، وحينئذ لم يبق مزيلا للحدث، فإذا انفصل منه بعد ذلك بعلاج كما في المثالين أو لا كما في المتقاطر من الكرم بغير عمل كان شيئاً، آخر غير الماء الذي يرفع الحدث، بل هو جزء من الشجر، واسم الماء وحكمه، زالا فلا يعودان كالماء الحاصل بذوبان الملح، وإن زال بلا علاج أو بطبخ هذا هو القسم الثاني (بما لا يقصد به) أي بذلك المخالطة [التنظيف) كماء المرق، والباقلا، سواء تغير شيء من أوصافه أو لا، والمراد من الطبخ غلبة المخالطة حتى يبلغ الاستواء والنضج، فهو حقيقة الطبخ، وقبل بلوغ النضج لم يصدق عليه أنه طبخ به شيء، وبالطبخ يزول عنه اسم الماء المطلق لعدم تبادره عند إطلاقه اسم الماء، ويخرج عن طبعه، وأصل خلقته التي هي الرّقة والسيلان، لأنه إذا برد يثخن، وأما خروجه عن طبعه
الجزء 1 · صفحة 16
الذي هو الإرواء فأمر محسوس، فإن الماء المطبوخ به شيء طاهر لا يحصل به الإرواء الذي يحصل من الماء رحمتي.
قلت: ولا اعتبار في عدم صحة رفع الحدث به، إلا لسلب اسم الماء المطلق عنه، لما في قاضي خان: ولو طبخ الحمص، والباقلا في الماء، وريح الباقلا توجد فيه، لا يجوز التوضوء به، وذكر الناطفي أنه إذا لم تذهب عنه. رقة الماء ولم يسلب عنه اسم الماء جاز الوضوء به اهـ. فلا اعتبار لما في التجنيس والينابيع: أن الباقلا، أو الحمص إذا طبخ ان كان إذا برد ثخن لا يجوز الوضوء به، وإن كان لا يثخن ورقة الماء باقية جاز. وهذا لم ينظر فيه إلى فوات اسم الماء عنه، ولذلك قال في البحر بأنه غير المختار. قلت: اللهم الا أن يقال بأن الباقلا والحمص مما يقصد به التنظيف، وذلك لأن الأطباء ذكروهما في الأدوية المزيلة للأوساخ من البدن، فيقومان مقام الأشنان وعند ذلك لا يضر سلب اسم الماء عنهما، بل يلتفت إلى الرقة، فإن بقيت جاز وإلا لا، لكن لقائل أن يقول: أن المراد مما يقصد به التنظيف غالباً كالأشنان، والصابون، لا ما يقصد نادراً. والله اعلم.
ثم ظهر مما ذكره الشارح، أنه لو طبخ بما قصد به المبالغة في التنظيف فلا يخرج عن الطهورية ما لم يخرج عن الرقة والسيلان، لأن المقصود من غسل الأعضاء تنظيفها بالماء، وهذا مؤيد له وتابع، والتابع لا يكون غالبا على المتبوع، وأما إذا ثخن ولم يسل، فلا يتأتى به الغسل الذي هو الركن في إزالة الحدث، لأن الغسل هو الإسالة وقد انتفت منه.
(وأما) تتحقق الغلبة (بغلبة المخالط) بكسر اللام (فلو) كان المخالط (جامداً فَثَخانة) يعني فغلبته على الماء تكون بثخانة الماء، وما دام الماء رقيقا فهو غالب (ما لم يزل الاسم) أي اسم الماء عنه (كنبيذ تمر) فإنه زال عنه اسم الماء مع أن التمر جامد طاهر خالط الماء فإذا صار بحيث يسمى نبيذاً لا يرفع به الحدث، وإن بقي رقيقاً سيالاً، لأن الله تعالى يقول: {فَلْم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا. وهذا ليس بماء، وكذلك الزعفران، إذا خالط الماء بحيث يصبغ به فليس بماء مطلق من غير نظر إلى الثخانة فإن اسم الماء قد زال عنه، ولو قال: فيشخانته أو بزوال الاسم لكان أخصر، وفي كلامه إشارة إلى أنه لا عبرة بتغير أوصاف الماء كلها، أو أكثرها مهما بقي الاسم والرقة، ولهذا قال في الينابيع: لو نقع الحمص والباقلا وتغير لونه وطعمه وريحه يجوز الوضوء به.
وقيده الناطفي بما إذا لم تذهب الرقة و لم يسلب اسم الماء. وهذه مسألة مختلف فيها هل تغير وصف
الجزء 1 · صفحة 17
واحد مخرج للماء عن كونه مطهراً، أو وصفين أو الثلاثة، أو لا يخرج ولو تغيرت أوصافه كلها ما بقيت الريحة والاسم وكان المخالط طاهراً جامداً؟
ففي تتمة الفتاوى: أن الماء المتغير أحد أوصافه لا يجوز به الوضوء. وفي عبارة الكتر، والمختار، والقدوري: وإن غير طاهر أحد أوصافه. إشارة إلى أنه لا بأس بتغير وصف، واحد ولو تغير وصفان لا يجوز الوضوء به، وفي عبارة المجمع وغيره: ونجيزه بغالب على طاهر كزعفران تغير به بعض أوصافه. إشعار بأنه لو تغير وصفان جاز لا إذا تغيرت كلها وما قدمناه عن الينابيع في نقيع، الحمص إذا تغيرت كلها يجوز الوضوء به إشعار بعدم اعتبار تغير الأوصاف مطلقا، ومما يؤيده ما سيأتي في الماء المتغير بكثرة الأوراق. ولذلك قال في النهاية: المنقول عن الأساتذة أن أوراق الأشجار وقت الخريف تقع في الحياض، فيتغير ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة ثم إنهم يتوضؤون منها من غير نكير. قلت: وذلك لصحة إطلاق اسم الماء عليه حتى لو مرّ به مسافران فيقول أحدهما للآخر هاهنا ماء يقال نشرب، أو نتوضأ فيطلقه مع تغير أوصافه. كما في البحر. وهذا هو المعتمد كما ستأتي إليه الإشارة من الشارح في ذلك، فكل رواية وردت في شيء من كتب أصحابنا مخالفة لهذا المعتمد، فمحمولة على قول من الأقوال المتقدمة، المختلفة من ذلك ما روي عن محمد بن إبراهيم الميداني: أن الماء المتغير بكثرة الأوراق إن ظهر لونها في الكف لا يتوضأ به، لكن يشرب. وفي الخانية: في نقيع نحو الباقلا لا يجوز. فهذا مبني على أول الأقوال، بان تغير وصف واحد مخرج له عن كونه مطهراً، وعلى هذا فقس، وإيَّاك أن تغفل عن المعتمد فتنبه حتى لا تحكم بالتعارض في عباراتهم. (ولو) كان المخالط من الطاهرات (مائعاً) فلا يخلو ذلك المائع إما أن يباين الماء في كل الأوصاف، أو في بعضها، أو لا يباين أصلا، (فلو) كان (مبايناً لأوصافه) الثلاثة كالخل يخالفه في الطعم واللون، والرائحة (فبتَغير) أي فتعتبر الغلبة بتغير (أكثرها) وهو، وصفان فأي وصفين منها ظهرا منها صحة التوضي، والواحد منها لا يضر لقلته (أو) كان المخالط [موافقاً) لبعض أوصاف الماء دون بعض، وكان الأولى أن يقول: أو مبايناً لأكثرها (كَلبَن) فإنه يوافق في عدم، الرائحة ويباين في الطعم واللون، فتعتبر الغلبة بتغير [أحدها) أي أحد أوصاف الماء، فبظهور البياض فقط من غير طعم، أو بظهور طعم اللبن بلا لون لا يجوز الوضوء به وفي نسخة فبأحدهما ولا مرجع للضمير إلا أن المعنى ظاهر، وهو أن الغلبة محققة بظهور أحد الوصفين اللذين تحققت بهما المباينة، ولم يذكر ما إذا خالف المخالط في وصف واحد.
قال في البحر: وماء البطيخ يخالفه في الطعم فتعتبر الغلبة فيه بالطعم. هذا باعتبار بعض أفراد
الجزء 1 · صفحة 18
البطيخ، وإلا فبعض البطيخ يظهر في مائه وصفان، اللون والطعم بدون رائحة، فحكمه كاللبن، وفي بعضه توجد الرائحة أيضاً فكالخل والله اعلم. (أو). كان المخالط (مماثلاً) للماء لا يخالفه في وصف من الأوصاف كمستعمل) على القول المعتمد بطهارته، وكالماء الذي يؤخذ بالتقطير من لسان الثور، وماء الورد الذي انقطعت رائحته فتعتبر الغلبة (بالأجزاء فإن) كان الماء المطلق أكثر من النصف) كأن يكون الماء المطلق خمسة أرطال، والماء المستعمل خمسة أرطال إلا ربعاً (جاز التطهير) وفي نسخة التطهر وهو أعم من الوضوء، أو الاغتسال (بالكل) أي بالعشرة الأرطال إلا ربع، باعتبار مجموع الماء المطلق والماء المستعمل [وإلا) بأن كان المستعمل أكثر كخمسة أرطال وافية، والمطلق أقل الخمسة ولو ربع رطل، أو كانا مساويين لا تفاضل من حيث الأجزاء لأحدهما على الآخر (لا) يجوز به الوضوء أصلاً. أما الأول: فغلبة المانع على المبيح وأما الثاني: فلم يذكر في ظاهر الرواية. وفي البدائع: قالوا حكمه حكم الماء المغلوب احتياطاً، وعليه الفتوى. قلت: وذلك لاجتماع المحرم و المبيح فيقدم المحرم حيث لا غلبة للمبيح.
(وهذا) أي الحكم المذكور في الماء المستعمل من اعتبار غلبة الأجزاء (يعم) الماء المستعمل (الملقى) أي بأن استعمل ثم ألقي في الماء الطهور (و) يعم الماء (الملاقي) للبدن عند الانغماس في الماء الطهور، كما إذا غمس عضوه أو كله الماء القليل الرَّاكد، فإن ما لاقى جسده مستعمل وما لم يلاقه مطلق، فما دام المطلق غالباً يجوز الوضوء به.
قال في البحر: لا فرق بينما، لأن الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهراً، باختلاط غير المطهر به، إذا كان غير المطهر غالباً كماء الورد واللبن، فأما إذا كان مغلوباً، فلا، وها هنا الماء المستعمل ما يلاقي، البدن، ولاشك أن ذلك أقل من غير المستعمل، فكيف يخرج به من أن يكون مطهراً اهـ ونقله عن البدائع.
(ففي الفساقي) جمع فسقية بكسر الفاء، حوض صغير يملأ ماء ويتوضأ الناس فيه، ويغمسون فيه أيديهم للوضوء، ومثله المغطس في الحمام ينزل فيه الجنب مع طهارة بدنه من النجاسة الحقيقية (فيجوز التوضي) يعني رفع الحدث به ثانياً [ما لم يعلم) أي ما لم يغلب على ظنه كما في البحر (تساوي المستعمل) يعني الماء الذي لاقى أعضاء المتوضئين والمغتسلين مساوٍ للماء المطلق، فعند رجحان عدم التساوي بل المطلق هو الغالب جاز التطهر به، إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان والماء في أصله طهور، فلا تزول طهوريته بالشَّك، بخلاف ما إذا تساويا، أو غلب المستعمل فيرجح المانع (على ما حققه في البحر والنهر، والمنح) ويؤيده ما في فتاوى قارئ الهداية: سئل عن فسقية صغيرة يتوضأ منها الناس، ويتزل فيها الماء المستعمل، وفي كل يوم يتزل فيها ماء جديد هل يجوز الوضوء فيها؟ أجاب: إذا لم يقع فيها غير الماء المذكور
الجزء 1 · صفحة 19
لا يضر اهـ. يعني: وأما إذا وقعت فيها نجاسة تنجست لصغرها إلا إذا فاضت من جوانبها ولو قليلاً، كما يأتي فتطهر، وقد ألف العلامة قاسم فيها رسالة سماها رفع الاشتباه في مسالة المياه وافقه على ذلك بعض أهل عصره وأفتى به وتعقبه ابن الشحنة وألف فيها رسالة سماها زهر الروض في مسألة الحوض ونبه عليها في شرح منظومة ابن وهبان وقال: لا تغتر بما ذكره شيخنا العلامة قاسم، وألف فيها صاحب البحر رسالة سماها الخير الباقي في صح جواز الوضوء من الفساقي وهي مشهورة.
(قلت لكن الشرنبلالي في شرح الوهبانية) وكذا في سائر كتبه (فرق بينهما) أي بين الملقى والملاقي فراجعه وعبارته وما ذكر من أن الاستعمال بالجزء الذي يلاقي جسده دون باقي الماء، فيصير ذلك الجزء مستهلكاً في كثير فمردود لسريان الاستعمال في الجميع حكماً، وليس كالغالب بصب القليل من الماء المستعمل فيه اهـ. قال الشيخ الرحمتي: ووجهه أن المستعمل ما أزيل به الحدث، وقد حصلت الإزالة بجملته فيصير كله مستعملاً، وسيأتي في هذا الشرح فروع مبنية عليه، والأول أوسع، والثاني أحوط اهـ.
قال في البحر وما قد يتوهم في الفرق من أنه في الوضوء يشيع في الوضوء يشيع الاستعمال في الجميع بخلافه في الصب ممنوع بأن الشيوع والاختلاط في الصورتين سواء، بل لقائل أن يقول: إلقاء الغسالة من خارج أقوى تأثيراً من غيره، لتعين المستعمل فيه بالمعاينة والتشخيص، وتشخص الانفصال، وبالجملة فلا يعقل فرق بين الصورتين من جهة الحكم، فالحاصل أنه يجوز الوضوء من الفساقي الصغار ما لم يغلب على ظنه أن الماء المستعمل أكثر، أو مساو، ولم يغلب على ظنه وقوع نجاسة.
ولعدم ظهور الفرق قال الشارح (فتأمل ويجوز رفع الحدث) قال السيد أحمد والجواز يطلق تارة بمعنى الصحة وتارة بمعنى الحل والصحة لازمة للحل من غير عكس، والغالب إرادة الحل في الأفعال، والصحة في العقود، والمراد هنا الحل، ومن قال بعموم المشترك استعمل الجواز هنا بالمعنيين. كما في البحر. بما ذُكرَ) أي من أقسام الماء المطلق (وإن) وصليه (مات فيه أي) في [الماء ولو قليلاً) حيوان (غير دموي) هو الذي لا دم فيه سائل لما أخرجه الدار قطني عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه - أنه قال: يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه وفي إسناده بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي، ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بسعيد هذا وقال: هو شيخ مجهول، وحديثه غير محفوظ اهـ. قال ابن الهمام: بقية هذا هو ابن الوليد روى عنه الأئمة مثل: الحمادين، وابن المبارك، ويزيد بن هارون، وابن عيينة، ووكيع والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وشعبة وناهيك بشعبة واحتياطه قال يحي: كان شعبة محلا لبقية حين قدم بغداد، وقد روى له الجماعة إلا البخاري، وأما
الجزء 1 · صفحة 20
سعيد بن أبي سعيد هذا فذكره الخطيب قال: واسم أبيه عبد الجبار وكان ثقة فانتفت الجهالة، والحديث مع مثل هذا لا ينزل عن درجة الحسن. ويؤيده ما رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم ليترعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء. ووجه الاستدلال أن الطعام قد يكون حاراً فيموت بالغمس فيه، فلو كان يفسده بغمسه لما أمر النبي الهلال لوله به ليكون شفاء لنا إذا أكلناه، وإذا ثبت الحكم في الذباب ثبت في غيره مما هو بمعناه.
(كزنبور) بضم الزاء، فَعلُول، وكلما كان على هذا الوزن فهو هذا الوزن فهو بضم الفاء إلا صعلوك فإنه جاء بالفتح، وأما صندوق فغير عربي حموي.
وفي النهر: الزنبور أنواع منها النحل. (وعقرب وبق: أي بعوض) في البحر وغيره: هو كبار البعوض والبعوض الناموس، وواحده بقة، وقد سمي به الفسفس في بعض الجهات وهو حيوان كالقراد شديد النتن كذا في منية المصلي. (وقيل بق الخشب) وهو السُّوس قاله السيد أحمد. قال الشيخ الرحمتي والبق يطلق على ثلاثة أنواع:
على بق الخشب: وهو دابة الأرض التي تأكل الخشب وهذا لا دم فيه. وعلى بق الخشب وهي الدابة الحمراء اللساعة المنتنة.
وعلى كبار البعوض. وهذان النوعان دمهما مستعار، وهو غير مسفوح، فلا يكون نجساً عند محمد خلافاً لأبي يوسف، وروي الخلاف على العكس، والصحيح عدم نجاسته كما مر فلا ينجس الماء اهـ.
ويلحق بالذباب الجراد والخنفس، والنمل، والصرصر، والجعلان، وبنات وردان، والبرغوث، والقمل كما في البحر. قال: (في المجتبى الأصح في علق مصُّ الدَّم أنه يفسد) موته الماء وينجسه، لأن ما يأخذه من الدم فيه قوة السيلان، فيكون دماً مسفوحاً نجساً فينجس به الماء، وينقض الوضوء كما تقدم، وقيد بما إذا مص الدم لأنه لو مات في الماء قبل أن يجتمع فيه دم سيال فلا يفسده والله اعلم.
ومنه) أي ومن حكم العلق إذا مصَّ الدَّم (يُعلم حكم بق) وهو الإفساد إذا مات في الماء وهو ممتلىء من دم لو أخرج منه لسال وإلا فلا (وقُراد) بضم القاف (وعلق) قال الشيخ الرحمني وقبله الفتال: كذا وجدناه في النسخ. ثم قال الفتال: ولا يخفى أنه مستدرك، والذي في نُسخ المجتبى وحلم وهو أظهر
الجزء 1 · صفحة 21
قلت: وكذلك وقع في النسخة التي حشى عليها السيد أحمد -رضي ا الله عنه بلفظ وحلم وقال الشيخ الرحمي وعبارة المجتبى وفي صلاة الجلابي تفصيل حسن، إن كان البق مص الدم لم ينجسه عند أبي يوسف، لأنه دم مستعار، وعند محمد ينجسه، والخلاف في جمع التفاريق على عكسه، والأصح في العلق أنه إذا مص الدم أنه يفسد الماء، قال مولانا ومن هنا يعلم حكم القُراد والحلم، وأراد والله اعلم أن ما كان منه مسفوحاً كدم العلق ينقض فينجس، وما لا كان كالذباب، ولا ينقض الوضوء، ولا ينجس الماء على الصحيح، فقوله: لأنه دم مستعار أي هو لا ينقض ما لم يكن مسفوحاً اهـ. وفي النهر: الحلمة ثلاثة أنواع قراد وحنانة وحلم، فالقراد أصغرها، والحنانة أوسطها، والحلمة أكبرها ولها دم سائل اهـ.
(وفي الوهبانية دود القز) أي الذي يتولد منه الحرير وأصله بزر صغار كبزر التين، أسود، يكمل في أوقات معلومة وفي تربيته صناعة، ثم ينفض ذلك البزر عن دود صغار، يقطع له ورق التوت صغاراً صغاراً، يقتات به، فإذا كبر وقوي يوضع له ورق التوت بلا تقطيع حتى تنتهي مدته، فيبني بناء على نفسه، فإذا تكامل وأرادوا أن يأخذوا منه الحرير، أدخلوه في خيط قلادة كبيرة، وألقوه في ماء مغلي فيموت الدود داخله ويخرج طاق الحرير، فيسحبوه على دولاب له، فيكون ذلك الحرير، فإن أرادوا إخراج بزر لم يفعلوا به ذلك حتى يقطع البيت بغمه، ويخرج منه طير صغير بخلقة عجيبة، يخرج من واحدة ذكر، ومن الآخر أنثى، فيقع عليها فيخرج ذلك البزر، ويموتان في الحال. وإلى ذلك أشار بعضهم في وصف الإنسان بقوله: كدود القز يجمع. دائماً ويهلكه فوراً إذا تم ما جمع.
فأفاد الشارح أن ذلك الدود طاهر لا يفسد الماء، لأنه ليس له نفس سائلة وكذلك (ماؤه) الذي يغلي به عند استخراج الحرير، لأنه قد غلي به طاهر (و) كذا، بزره وخرؤه، طاهر كدودة متولدة من نجاسة) فإنها طاهرة قال البرحندي: إلا الساقطة من السبيلين فإنها نجسة وقيل لا اهـ. واختار أبو السعود الطهارة مطلقاً وقال: النقض إنما هو بما عليها لا لذاتها.
ثم إن الماتن احترز بغير الدموي عن الدموي وفيه تفصيل:
- أما الدموي المائي ففيه خلاف وظاهر الرواية أنه لا ينجسه، وهو الذي يعيش في الماء ويكون توالده ومثواه فيه.
- وأما غير المائي من الدَّموي، فيفسد القليل من الماء، فإن قيل لو كان النجس هو الدم يلزم أن يكون الدموي من الحيوان نجساً، سواء كان قبل الحياة، أو بعدها، لأنه يشتمل على الدم في كلتا الحالتين.
الجزء 1 · صفحة 22
قلنا: الدم حالة الحياة في معدنه، والدم في معدنه لا يكون نجساً، بخلاف الدَّم الذي بعد الموت، فلا يبقى في معدنه لانصبابه في مجاريه أفاده في البحر.
ومائي مولد) تبع في هذا التفصيل صاحب الهداية حيث جعل مسألتين:
الأولى موت ما لا نفس له سائلة.
والثانية: مائي مولد، ولم يقل كالكتر وموت مالا دم ... الخ. مقتصراً عليه، لأنه وإن كان أخصر مما هنا، إلا أنه يرد عليه ما كان مائي المولد والمعاش وله دم سائل، فإنه لا ين ينجس في ظاهر الرواية، فلذا جمع بينهما، والحاصل أنه إذا مات في الماء القليل حيوان مائي المولد صار رفع الحدث مطلقاً به.
(ولو كلب الماء) قال في عجائب المخلوقات: وكلب الماء معروف وهو حيوان مشهور، يداه أطول من رجليه، يلطّخ بدنه الطين، ليحسبه التمساح طيناً، ثم يدخل جوفه فيقطع أمعاءه ويأكلها، ثم يمزق بطنه ويخرج، ومن خواصه أن من كان معه شحم كلب الماء يأمن من غايلة التمساح اهـ. وقال في البحر: وفي كلب المائي اختلاف المشائخ كذا في معراج الدراية من غير ترجيح، لكن قال في الخلاصة: الكلب المائي، والخترير المائي، إذا ماتا في الماء أجمعوا أنه لا يفسد الماء، فكأنه لم يعتبر القول الضعيف. (أو ختزيرة) وسئل مالك عنه فقال: أنتم تسمونه خزيراً، يعني أن العرب لا يسمونه بذلك، لأنها لا تعرف في البحر ختريراً، فأشار في حياة الحيوان: أنه الدلفين، وضبطه الجوهري بضم الدال، وهي دابة تنجي الغريق، تمكنه من ظهرها ليستعين على السامة ولا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، وهو كثير بأواخر نيل مصر، من جهة البحر المالح، لأنه يقذف به من البحر إلى النيل وصفته كصفة الذق المنفوخ، وله رأس صغير جداً، وليس في دواب البحر لها دية سواه، فلذلك يسمع منه النفخ، والتنفس، ولا يؤذي أحداً، ولا يأكل إلا السمك، وربما ظهر على وجه الأرض كأنه ميت وهو يلد ويرضع وأولاده تتبعه حيث ذهب ولا يلد إلا في الصيف، وفي طبعه الأنس بالناس وخاصة بالصبيان، وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال صائده وإذا لبث في العمق حيناً حبس نفسه وصعد بعد ذلك مسرعاً مثل السهم لطلب النَّفس، فإذا كانت بين يديه سفينة وثب وثبة ارتفع بها عن السفينة، ولا يرى ذكر منها إلا مع أنثى اهـ.
قال في النهر: أما الخترير فأجمعوا على عدم التنجس به، كذا في الخلاصة. وفي ذلك نوع إشارة إلى أن الإجماع في عبارة الخلاصة السابقة راجع إلى الخترير فقط.
(كَسَمَك) سائر أنواعه وإن كان طافياً، وكونه لا يؤكل شيء آخر، فما وقع للطحاوي من استثنائه
الجزء 1 · صفحة 23
غلط. نهر. والسَّمك مائي بالاتفاق، لأنه يصدق عليه ما قاله في الخلاصة: أن المائي هو ما إذا استخرج من الماء يموت من ساعته ه وما قاله البر جندي أيضاً: بأن المائي ما يكون مولده ومثواه في الماء.
وسَرَطان) هو من خلق الماء، ويعيش في البر أيضاً، وهو جيد المشي، سريع العدو، ذو فكين ومخالب وأظفار، حداد، كثير الأسنان صلب الظهر، من رآه رأى حيوان بلا رأس ولا ذنب، عيناه في كتفيه، وفمه في صدره، وفكاه مشقوقان من جانبين، وله ثمانية أرجل، وهو يمشي على جانب واحد، ويستنشق الهواء والماء معا ويسمى عقرب البحر، وكنيته أبو بحر، فهو مائي على قول البر جندي لا على ما في الخلاصة.
(وضفدع) بكسر الضاد المعجمة، والدال، وقد تفتح الدال والكسر أفصح. وفي النهر: بكسر الضاد في الأفصح، والفتح ضعيف، والأنثى ضفدعة وقال البطليوسي في شرح أدب الكاتب وحكي بضم الضاد وفتح الدال ويقال له: أبو المسيح، وأبو الهبير وأم سعيد وأم هبيرة، وهي أنواع كثيرة، تكون من سفاد وغير، سفاد ويتولد من المياه الدائمة الضعيفة الجري، من العفونات وعقيب الأمطار الغزيرة، حتى يظن أنه يقع من السحاب، لكثرة ما يُرى منه على الأسطحة عقيب المطر والريح، وليس ذلك من ذكر وأنثى، وإنما يخلقه الله تعالى في تلك الساعة من طباع تلك التربة وهي من الحيوان التي لا عظام لها، وفيها ما ينق وما لا ينق، والذي ينق يخرج صوته من قرب أذنه، وتوصف بحدة السمع، إذا تركت التنعيق وكانت خارج الماء وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الأسفل في الماء، ومتى دخل الماء في فيها لا تنق، وإذا رأت النار سكتت.
وفي الهداية: والضفدع البري والبحري سواء والبحري: هو ما يكون بين أصابعه ستره، وقيل: البري يفسد، ولذلك قال الشارح: (الاً برياً له دم سائل، وهو ما لا سترة له بين أصابعه فيفسد) الماء بموته فيه (في الأصح كَحَيَّة برية) ماتت في الماء (ان لها دم) سائل أفسدت (وإلا) بأن لم يكن لها دم أصلاً، أو كان لها دم وكان غير سائل (لا) تفسد الماء بموتها فيه. ويؤيده ما في الخانية: وإن كانت الحية أو الضفدع عظيمة لها دم سائل يفسد الماء، وكذا الوزغة الكبيرة، في رواية عن أبي يوسف، وفي السراج الوهاج الذي يعيش في الماء هو الذي يكون توالده ومثواه فيه، سواء كانت لها نفس سائلة، أو لم تكن في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه إذا كان لها دم سائل أوجب التنجس اهـ
وكذا ذكره الإسبيجابي فما في الفتاوى غير ظاهر الرواية. بحر. وكذا الحكم) من عدم إفساد الماء موت مالا دم له (لو مات ما ذكر) من مائي المولد الغير الدموي (خارجه) أي الماء (وألقي فيه في الأصح،
الجزء 1 · صفحة 24
فلو تفتت فيه أي الماء (نحو ضفدع) أي من حيوان لا يحل أكله، وكان مائي المولد والمعاش (جاز الوضوء به) لعدم إفساده الماء (لا) يجوز (شربه) قال في النهر: وعن محمد كراهة شرب الماء الذي تفتّت فيه الضفدع، لا لنجاسة بل (الحرمة لحمه وقد صارت أجزاؤه في الماء، وهذا يؤذن بأن الكراهة تحريمية، ولهذا عبر بالحرمة في التجنيس اهـ.
(وينجس الماء القليل) قيد به لأن الكثير لا ينجس، إلا بظهور أحد الأوصاف (بموت) حيوان (مائي معاش برّي مولد في الأصح) قال في شرح الجامع الصغير لقاضي خان هو الصحيح عن أبي حنيفة، ثم قال: وقيل إن كان يفرخ في الماء لا يفسده والا فيفسده اهـ. وفي المجتبى: الصحيح عن أبي حنيفة في موت طير الماء فيه أنه لا ينجسه اهـ.
قال في البحر فقد اختلف التصحيح في طير الماء كما ترى، والأوجه الإفساد. (كبط وإوز) بكسر الهمزة وفتح الواو، وتشديد الزاي، القصير الغليظ البط كما في القاموس. وحينئذ فلا فائدة في ذكره بعد البط، بقي أن يقال: أن الإوز لا يتعيش في الماء، وإنما يسبح فقط وليس هذا بمائي، أو يتعيش في الماء وغيره، وحينئذ فليس بمائي معاش فقط. قاله السيد أحمد - رضي الله عنه. وحكم سائر المائعات) من سمن ودهن وعسل، وخل، ومرق (كالماء في الأصح) فما أفسد الماء موته فيه أو إلقاؤه أفسد سائر المائعات وما لا فلا حتى لو وقع بول) وفي نسخة بوله (في عصير عشر في عشر) أي كائن في حوض مساحته كذلك (لم يفسد) لأنه في حكم الجاري (ولو سال دم رجله مع العصير) الجاري في حال جريانه (لا ينجس) ما لم يظهر أحد الأوصاف الثلاثة خلافاً لمحمد ذكره الشمني وغيره) وينجس (بتغير أحد أوصافه) الثلاثة (من لون، أو طعم أو ريح بنجس الكثير) من الماء، أفاد بذلك أن ينجس فعل مضارع والكثير فاعل وحينئذ فقوله: بتغير يتعلق بينجس وهذا غير صواب لما علمت من تعلقه بينجس الأول، ولذلك صرحنا به، وفيه أيضاً حذف الفاعل من غير ما يدل، وأيضاً لم يعلم المغير أطاهر هو أم نجس، فالأولى أن يقرأ قول المصنف بنجس بالباء الموحدة، ويكون الجار والمجرور متعلقاً بتغير، ويدل عليه ما قاله المصنف في حل مننه، أي وإن كان كثيراً أو جارياً ينجس بتغير أحد أوصافه من طعم، أو لون أو ريح بنجس فقد أفاد تعليق بنجس بقوله: تغير فلو صرح الشارح بالمتعلق الأول فقال: وينجس الكثير بتغير أحد أوصافه بنجس لسلم من هذا كله، لكن يكون حكم الماء القليل مسكوتاً عنه حلبي (ولو) وصليه كان الماء المتغير بنجس (جارياً إجماعاً) اعلم أن العلماء اجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلاً كان الماء أو كثيراً، جارياً كان أو لا، هكذا نقل الإجماع في كتبنا، ونقله النووي أيضاً وإن لم يتغير بها،
الجزء 1 · صفحة 25
فاتفق عامة العلماء على أن الكثير المتبحر لا ينجس، و (أما القليل فينجس) بمجرد وقوع ولو قطرة من بول [وإن لم يتغير) لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير. بحر. (خلافاً لمالك) فإنه يشترط التغير في القليل كما في المشكلات ومختصر خليل.
قال في البحر: واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير، فقال مالك: إن تغير أحد أوصافه بما فهو قليل، لا يجوز الوضوء به، وإلا فهو كثير، وحينئذ فيختلف الحال بحسب اختلاف النجاسة في الكم.
وقال الشافعي: إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير، ويجوز الوضوء به مالم يتغير بالنجس، وإن قلّ عن القلتين فهو قليل، لا يجوز الوضوء به، ولو لم يتغير.
وقال أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى، إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر، لا يجوز الوضوء وإلا جاز. وسيأتي كذلك كلام الماتن والشارح قريباً.
(لا) ينجس الماء (لو تغير بطول مُكث) والمراد بالتغير الإنتان، وعبر في الكتر مانين والمكث الإقامة والدوام، وهو تثليث الميم مصدر مكث بضم الكاف وفتحها، وأما في المضارع فمضمومة على كل حال، وفي المصدر لغة رابعة وهي: فتح الكاف والميم، وقد قرئ بما في قوله لتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مكث (فلو علم) يعني إنما قيد بقوله بالمكث لأنه لو علم أن (نتنه) إنما حصل بسبب (نجاسة) خالطته (لم يجز) الوضوء به (ولو شك) في المغير هل هو المكث أو النجس (فالأصل الطهارة) يعني فيحمل على أصله ولا يلزمه السؤال. كما في البحر وفيه وبرؤية آثار أقدام الوحوش عند الماء القليل لا يتوضأ به، ولو مر سبع بالركية وغلب على ظنه شربه منها تنجس وإلا فلا اهـ وينبغي حمل الأول على ما إذا غلب على ظنه أن الوحوش شربت منه، بدليل الفرع الثاني، وإلا فمجرد الشك لا يمنع لما في الأصل، أنه يتوضأ من الحوض الذي يخاف قذراً ولا يتيقنه، وينبغي حمل التيقن المذكور على غلبة الظن، والخوف على الشك والوهم كما لا يخفى ... اهـ.
والتوضي من الحوض أفضل) أي أكثر ثواباً (من النهر رغماً للمعتزلة) أي إرغاماً وإذلالاً لهم، فإنهم لا يرون الجواز فيه. قال المحشي الحموي: لأن المعتزلة من الحنفية خالفوا سائر الحنفية في أن الجوار منجس فلو وقع في الحوض جزء لا يتجزء من النجس يصير الكل نجساً، فصار محاور هذا المحاور نجساً إلى آخر الحوض على رأيهم اهـ. وأشار الكفوي في طبقاته إلى أنهم أبطلوا الجزء الذي لا يتجزأ، فلما رأوا عدم تناهيه قالوا: أجزاء النجاسة الواقعة في الحوض الكبير غير متناهية كأجزاء الماء، فانقسم كل النجاسة
الجزء 1 · صفحة 26
إلى أجزاء الماء فيتنجس الكل، لأنه كان في كل قطرات الماء نجاسة، فيلزمهم أن الخردلة كالجبل إذ أجزاء كل منهما لا تتناهى على زعمهم وعلماؤنا لما ثبت عندهم الجزء الذي لا يتجزأ، لزم على ذلك بقاء بعض أجزاء الحوض طاهراً، لكن لا يعرف الطاهر من النجس، ولما كانت أجزاء الماء تزيد على أجزاء النجاسة، وطهارته في الأصل متيقنة ووقع الشك في تنجس شيء منه بلا تعيين، فيؤخذ بالمتيقن أو لضرورة أن الماء لا يحرز في البيوت، حكموا بطهارة الكل بخلاف العصير والخل، فإنه يحرز في الأواني، ألا يرى أن الأسواق لما تخل عن الحرام، اعتبر الغلبة كذلك بحكم، الضرورة، اعتبر عدم النجاسة على أن الجواز ليس منجس، بل المنجس هو السريان، ففي الفرع المذكور لا يصير محاور محاوره نجساً، إذ لا يمكن سراية الجزء إلى سائر الأجزاء، لأنه غير قابل للتجزئة أصلاً، فلا يكون ذلك الحوض نجساً. فهذه ثلاثة أوجه تقرر ما ذهب إليه أصحابنا، وكتب الكلام مشتملة على الأدلة المبطلة لإبطال الجزء الذي لا يتجزأ. قال الحموي: لما لم يخل الحوض عن جزء من النجس أصلاً، بخلاف الماء الجاري لجريانه، فينبغي أن يكون التوضي بالماء الجاري أفضل اتفاقاً، إلا أنه قصد إيقاع المخالفة فكان التوضي من الحوض أفضل من التوضي بالجاري، لأجل إرغام المعتزلة في قولهم بتنجس الماء بالجوار، وللتنبيه على أن زعمهم باطل قطعاً، كيف ولو كان حقاً، للزم أن لا يجوز التوضي من الحوض أصلاً، وليس كذلك بالإجماع اهـ. ولذلك قال في البحر: أن التوضي من الحوض إنما يكون أفضل، إذا تحقق الإرغام، ففي مكان لا يتحقق ذلك، فالتوضي من النهر أفضل. وعزاه إلى الفتح. (وكذا يجوز) التطهر (بماء) بالمد والتنوين (خالطه طاهر جامد مطلقاً) سواء كان المخالط من جنس الأرض، كالتراب أو مقصد يخلطه التنظيف كأشنان) بضم الهمزه وكسرها معروف نافع للجرب، والحكمة فيه جلا، منق، مدر للطمث، مسقط للأجنة موسع للجراحات، أو يكون شيئاً آخر، ولذلك قال: (وزعفران) قال في شرح المنية والماء الذي يختلط به الأشنان، أو الصابون أو الزعفران بشرط أن تكون الغلبة للماء من حيث الأجزاء، بأن تكون أجزاء الماء أكثر من أجزاء المخالط و لم يزل عنه اسم الماء، بحيث لو رآه الرائي يقول هو ماء، وبشرط أن يكون رقيقاً سيالاً، فحكمه حكم الماء المطلق، فيجوز الوضوء به ولا عبرة باللون والطعم والريح فإن القليل من الزعفران يغير هذه الأوصاف الثلاثة، مع کونه رقيقاً فيجوز الوضوء والغسل به. وذكر في أجناس الناطفي: التوضي بماء السيل إذا لم يكن رقة الماء غالبة لا يجوز، وذكر في الملتقط: إذا ألقي الزاج في الماء حتى اسود الماء يجوز، ولكن لم تذهب رقته جاز الوضوء به، مع تغير أوصافه، وكذا العفص، إذا طرح في الماء فاسود يجوز ما دامت رفته باقية اهـ ملخصاً.
الجزء 1 · صفحة 27
لكن في البحر عن القنية إن أمكن الصبغ به) أي بالماء المخلوط بما تقدم (لم يجز) لما تقدم أن اسم الماء زال منه، وحدث له اسم آخر، حيث يسمى صبغاً، لأنه أمكن الصبغ به (كنبيذ تمر) فإنه يسمى نبيذاً لا ماء، وقد قال الله تعالى: {فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وواجد الصبغ والنبيذ غير واجد للماء، فإن لم يجد غير ذلك يتيمم (وفاكهة وورق شجر فإن غير) ذلك المخالط (كلّ أوصافه) أي الماء (في الأصح إن بقيت رقته أي) وبقي (اسمه لما هو) في حل قوله: ولا مغلوب بطاهر حيث قال الشارح: ولو جامداً فبثخانة ما لم يزل الاسم كنبيذ التمر.
وفي شرح المنية: وكذا لو بُلّ الخُبز في الماء، إن بقيت رقته كما كانت جاز الوضوء به، وإن صار ثخينا بالخبز لا.
(ويجوز) التطهر (بجار) أي بماء جار متصف بصفة الجريان، و وقعت فيه نجاسة) ولا يتنجس موضع الوقوع، كراكد كثير فيتوضأ من موضع الوقوع منه، ولا فرق بين المرئية، وغيرها وهو المروي عن أبي يوسف، وبه أخذ مشائخ، بخارى وهو المختار عندهم وهو الذي ينبغي تصحيحه كما في الفتح، وفي النصاب وعليه الفتوى كما في البحر.
(والجاري هو ما يعد جارياً عرفاً) منصوب على التمييز، أي يقال له في العرف جاري، فبركة الماء إذا دخلها ماء ولو ضعيفاً، وخرج من جانب آخر يعد جارياً عرفا، حتى لو تنجس ماؤها قبل جريانها، ثم جرى وخرج من الجانب الآخر حكم بطهارتها، وإن كانت لا تذهب بتبنة، فعلى هذا يسمى ماء جارياً. (و) على ما (قيل) أن الجاري (ما يذهب بتبنة) لا تعد البركة جارية، والتاء من قوله بتبنة للوحدة ومعنى يذهب: يجري.
وقال العلامة القهستاني وقيل ما يحمل شيئاً وإن قل، وقيل ما لم ينقطع جريه بوضع يده أو رجله بالعرض، وقيل ما لا ينقطع جريه بغرف يده، وهي رواية عن أبي يوسف اهـ. وفي العناية وقيل هو ما لا يتكرر استعماله. وذلك بان غسل يده وسال الماء منها إلى النهر، فإذا أخذ ثانياً لا يكون فيه شيء من الماء الأول. (والأول) وهو ما يعد في العرف جارياً (أظهر) وأصح كما في النهاية لتعويله على العرف، ولجريانه على قاعدة الإمام من النظر إلى المبتلين [والثاني) وهو ما يذهب بتبنة (أشهر) تنيه: قال في البحر: قد توهم بعض المشتغلين أن الحد بقولهم ما يذهب بتبنة يصدق على الجمل والسفينة، ومنشأ التوهم أن ما موصولة ووقع مثلها في عبارة ابن الحاجب الكلام ما تمضن كلمتين بالإسناد، فقد يرد عليه أن الورقة، والحجر
الجزء 1 · صفحة 28
المكتوب عليه كلمتان فأكثر تسمى كلاماً لأن ما موصولة بمعنى الذي، وهو خلاف الواقع، والجواب عنهما أن ما ليست موصولة، وإنما هي نكرة موصولة والمعنى الجاري ما يذهب بتبنة والكلام لفظ تضمن كلمتين اهـ.
وقال في النهر: ويصح أن تكون ما موصولة، ولا تدخل الدابة، والسفينة، لأنها واقعة على الماء الجاري لتقدم ذكره، ويذهب صلتها اهـ.
وإن وصليه لم يكن جريانه بمدد) أي بما يمده ويزيده (في الأصح فلو سَدَّ النهر من فوق) بحيث لم ينفذ من مائه شيء، وصار ما بقي من الماء فيه يجري بلا مدد (فتوضأ رجل بماء) أي الماء الذي (يجري بلا مدد جاز) الوضوء منه، وإن كان فيه نجاسة ما لم يظهر أحد أوصافها، ولا يصير الماء مستعملاً (لأنه جار) حيث لا يشترط المدد في مسماه كما ذكره الناطفي، وصاحب التجنيس وغيرهما، وصححه صاحب السراج، والهداية وفي الخزانة: إناءان ماء أحدهما طاهر والآخر نجس فصبا من مكان عال فاختلطا في الهواء ثم نزلا طهر كله، ولو أجري ماء الإنائين في الأرض صار بمنزلة ماء جار اهـ. ونحوه في الخلاصة. وفي الذخيرة: ولو أصابت الأرض نجاسة فصب عليها الماء الجاري فجري قدر ذراع طهرت الأرض، والماء طاهر بمنزلة الماء الجاري، ولو أصابها المطر وجري عليها طهرت، ولو كان قليلاً لم يجر فلا اهـ
وهذا يفيد أنه لو كان راكداً لصار الماء مستعملاً، لأنه قد حصل به إسقاط الفرض أو تحصيل القربة بجملته، وهذا موافق لما قدمه عن الشرنبلالي، حيث فرق بين الملقى والملاقي. وفي الفتح: أنه لا بد بجريانه من مدد كما في العين، والبئر، وهو المختار. ومنهما قولان مصححان.
(وكذا لو حفر نهراً من حوض صغير) فأجري الماء في النهر وتوضأ بذلك الماء في حال جريانه، فاجتمع ذلك الماء في مكان واستقر فيه، فحفر رجل آخر نهراً من ذلك المكان الذي اجتمع فيه ماء الوضوء، وأجري الماء المستعمل فيه، وتوضأ به الثاني في حال جريانه فاجتمع ذلك الماء المستعمل مرتين في مكان آخر أيضاً، ففعل رجل ثالث كذلك فتوضأ في حال جريانه جاز الوضوء للكل.
(أو صب رفيقه الماء في طرف ميزاب وتوضأ فيه) أي في الميزاب حال جريان الماء (وعند طرفه الآخر) من الميزاب (إناء يجمع الماء فيه) ثم جاء محدث آخر وصب له ذلك الماء المستعمل في الميزاب وتوضأ في حال جريانه | جاز توضيه به ثانياً) لأن كل واحد منهم إنما توضأ بالماء حال جريانه، والماء لا يحتمل النجاسة ما لم يتغير والماء المجتمع طاهر وطهور لأن استعماله حصل في حال جريانه، والماء الجاري لا
الجزء 1 · صفحة 29
يصير مستعملاً باستعماله، ولا يحتمل النجاسة، فإن كانت المسألة مفرعة على نجاسة الماء المستعمل فظاهر، وكذا على القول الصحيح بطهارته، لأنه إذا لم يحتمل النجاسة فلا يحتمل التغير بالاستعمال بالطريق الأولى. كذا حكيت هذه المسألة عن الشيخ الزاهد أبي الحسن الرستغفني.
(وثم) الواو داخلة على محذوف معطوف عليه بثم، فلم يدخل حرف العطف على مثله أي وجاز توضيه رابعاً، وثم يعني ثم خامساً، ثم سادساً (وتمامه في البحر) ونقل فيه عن أبي الحسن بن زياد ما يدل على عدم جواز وضوء الثاني، والثالث فإنه قال في حفيرتين يخرج الماء من أحدهما ويدخل في الآخر، فتوضأ فيما بينهما جاز والحفيرة التي يدخل فيها الماء تفسد اهـ
(إن لم ير أي: إن لم يعلم) فسَّر الشارح الرؤية بالعلم كالمصنف دفعاً لما يرد على تفسيرها بالبصر، كما ذهب إليه الأكمل فإن الأعمى يخبر بتغير اللون بالنجاسة فينجس في حقه، ولم ير بالبصر لكنه علم، ولأن الطعم والرائحة لا تعلق بالبصر بهما، فالطعم بالذوق، والرائحة بالشم بحر. اللهم الا أن يقال: أراد الإبصار بالبصيرة، كما جوزه العلامة في قوله تعالى: {أتَأتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنتُم تبصرون}.
(أثره) أي أثر النجس فيه (فلو) كانت (فيه) أي الماء الجاري (جيفة، أو بال فيه رجل) التقييد به اتفاقي والمراد منه الشخص مطلقاً، سواء كان رجلاً، أو امرأة، أو كلباً ونحوه، وأشار بأو المفيدة للترديد إلى أنه لا فرق بين المرئية وغيرها. (فتوضأ) شخص (آخر من أسفله) أي أسفل المكان الذي وقعت فيه الجيفة، أو البول (جاز) وضوءه (ما لم ير) المتوضيء (في الجرية) بكسر الجيم كما في القاموس. وفي نسخة ما لم ير في أجزائه (أثره) أي أثر النجس من الجيفة أو البول [وهو) أي الأثر (إما طعم أو لون أو ريح ظاهره) أي قول الماتن يعم الجيفة وغيرها) لأنه جعل نجاسة الماء الجاري منوطة بظهور الأثر فقط، فيشمل الجيفة وغيرها كعذرة وبول ويعم المريئة، وغيرها، ويعم الجيفة الشاغلة الجميع النهر، أو بعضه، كما في المضمرات، أيضاً ويعم موضع الوقوع وغيره، كما في الدرر.
وهو ما رجحه الكمال، وقال تلميذه القاسم: أنه المختار، وقواه في النهر حيث قال: أقول قد تقرر أن الجاري وما في حكمه لا يتأثر بوقوع النجاسة فيه، ما لم يغلب عليه، بأنه يظهر أثرها فيه، فمجرد التيقن بوجود النجاسة لا أثر له، والا لاستوى الحال بين جريته على الأكثر والأقل، فما في الفتح أوجه. ولذلك يروى عن أبي يوسف ساقية صغيرة فيها كلب ميت سد عرضها، والماء يجري فوقه وتحته لا بأس بالوضوء أسفل منه، ما لم ير الأثر،
الجزء 1 · صفحة 30
(وأقره المصنف) قال في الينابيع: هذا قول أبي يوسف خاصة، أما عند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز الوضوء أسفل من الكلب قال الشيخ قاسم في رسالته المختار ما عن أبي يوسف (وفي القهستاني عن المضمرات عن النصاب وعليه الفتوى) وقال محمد في كتاب الأشربة: لو كسرت خابية حمر في الفرات، ورجل يتوضأ أسفل. منه، فإن لم يجد في الماء طعم الخمر، أو ريحه، أو لونه، يجوز الوضوء به. وقيل إن جرى عليها) أي على الجيفة (نصفه) أي نصف الماء فأكثر لم يجز) قال في البحر بعد ما ذكر ما يستدل من ظواهر عبارة المتون، وهو التعميم الذي أفاده الشارح لكن المذكور في الفتاوى، كالخانية، والولوالجية، والتجنيس، والخلاصة، والبدائع، وكثير من كتب أئمتنا، أن الأثر إنما يعتبر في غير الجيفة، وأما في الجيفة فإنه ينظر إن كان كله أو أكثره يجري عليها، لا يجوز الوضوء به، وإن كان الأقل يجوز الوضوء به، وإن كان النصف فالقياس الجواز، والاستحسان أنه لا يجوز، ونظير هذا ماء المطر إذا جرى في ميزاب من السطح، وكان على السطح عذرة، فالماء طاهر، لأن الذي يجري على غير العذرة أكثر، وإن كانت العذرة عند الميزاب، فإن كان الماء كله أو أكثره، أو نصفه يلاقي العذرة، فهو نجس، وإن كان أكثره لا يلاقي العذرة فهو طاهر، وكذا أيضاً ماء المطر إذا جرى على عذرات واستنقع في موضع كان الجواب كذلك، والأوجه ما في أكثر الكتب، وقد صححه في التجنيس، لأن العلماء إنما قالوا بأن الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء به إذا لم ير أثرها لأن النجاسة لا تستقر مع جريان الماء، فلما لم يظهر أثرها علم أن الماء ذهب بعينها، ولم تبق عينها موجودة فجاز استعمال الماء، أما إذا كانت النجاسة جيفة وكان الماء يجري على أكثرها، أو نصفها تيقنا بوجود النجاسة فيه، وقد تقدم أن كل ما تيقن وجود النجاسة فيه، أو غلب على ظننا وجودها فيه لا يجوز استعماله فكان هذا مأخوذا من دلالة الإجماع، وهنا قد تيقنا بوجود الجيفة، فلا يجوز استعمال الماء الذي هي فيه، أو أكثرها، أو نصفها من غير اعتبار التغير، لأن التغير لما كان علامة على وجود النجاسة فلا يلزم من انتفائه انتفاؤها اهـ ملخصا. (وهو أحوط) ثم هذا الكلام لا يقتضي جواز البول في الماء الجاري، فإنه قد ثبت النهي عنه من النبي الله فيما أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد رجاله ثقات. وفي الخانية: واختلفوا في كراهة البول في الماء الجاري، والأصح هو الكراهة. وأما البول في الماء الراكد فقد ورد النهي عنه عند الشيخين، ونقل الشيخ جلال الدين الخبازي في حاشية الهداية عن أبي الليث: أنه ليس بحرام إجماعا بل مكروه، ونقل غيره أنه حرام.
قال في البحر ويحمل على كراهة التحريم لأن غاية ما يفيده الحديث كراهة التحريم، فعلى هذا ينبغي أن يكون البول في الماء الجاري مكروها كراهة تتريه، فرقاً بينه وبين الراكد.
الجزء 1 · صفحة 31
(وألحقوا بالجاري حوض الحمام) الصغير جداً ولو ذراعاً في ذراع، في كونه لا ينجس بوقوع نجاسة فيه إلا بظهور الأثر، حتى لو أدخلت القصعة النجسة، أو اليد المتنجسة لم ينجس، لكن هذا بشرط أن (لو كان الماء نازلاً) فيه من أعلاه (و) كان الغرق منه (متداركاً) أي متتابعاً، وتفسيره أن لا يسكن وجه الماء بين الغرفتين (كحوض صغير يدخله الماء من جانب، ويخرج من آخر) لو وقعت فيه نجاسة ولم تغير لمائه أثراً، ثم خروجه إما أن يكون بنفسه أو بغيره. لما في التترخانية: لو كان يدخله الماء ولا يخرج منه، لكن فيه إنسان يغتسل ويخرج الماء باغتساله من الجانب الآخر متداركاً لا ينجس.
قال الشامي: ثم إن كلامهم ظاهره أن الخروج من أعلاه، فلو كان يخرج من ثقب في أسفل الحوض لا يعد جارياً، لأن العبرة لوجه الماء، بدليل اعتبارهم في الحوض الطول والعرض لا العمق واعتبارهم الكثرة والقلة في أعلاه فقط، كما سيذكره الشارح، وفي المنية إذا كان الماء يجري ضعيفاً ينبغي أن يتوضأ على الوقار، حتى يمر عنه الماء المستعمل، ولم أر المسألة صريحاً، نعم رأيت في شرح سيدي عبد الغني في مسألة خزانة الحمام التي أخبر أبو يوسف برؤية فأرة فيها، قال: فيه إشارة إلى أن ماء الخزانة إذا كان يدخل من أعلاها، ويخرج من أنبوب في أسفلها فليس بجار اهـ.
وفي شرح المنية: يطهر الحوض بمجرد ما يدخل الماء من الأنوب ويفيض من الحوض، هو المختار لعدم تيقن بقاء النجاسة فيه وصيرورته جارياً اهـ. وظاهر التعليل الاكتفاء بالخروج من الأسفل، لكنه خلاف قوله: ويفيض فتأمل وراجع اهـ.
يجوز التوضي من كل الجوانب) وفي نسخة من كل جوانبه (مطلقاً) سواء كان أربعاً في أربع أو أقل، أو أكثر من ذلك (به يفتى) مقابله ما قيل إن كان أكثر من أربع في أربع ينجس، والخلاف مبني على أنه هل يخرج المستعمل قبل تكرار الاستعمال، وكذلك النجاسة إذا كان بهذه المساحة أو لا؟ كما في الفتح. واختار السغدي جواز الوضوء منه مطلقاً، وكذا صرح بالفتوى عليه في الفتاوى الصغرى، ومن هنا جاز أن يلغز، أي حوض صغير لا ينجس بوقوع النجاسة فيه؟ فقل: حوض الحمام الموصوف وهذا التالي له.
(وكعين هي خمس في خمس، يبنع الماء منه) فإن كان توضأ منه في موضع خروجه جاز، وإن كان في غيره فكذلك إن كان قدر أربع في أربع فأقل، وإن كان خمساً في خمس اختلف فيه، واختار السغدي جوازه، فتقييد الشارح بالخمس لأنها محل التراع، وذلك لأن القليل يتحقق في جميعه النبع والخمس الحقه البعض بالقليل. (به يفتي قهستاني معزياً للتتمة) بخلاف ما لو كان ستاً في ست، فإنه كالحوض الصغير ينجس
الجزء 1 · صفحة 32
لا ثروا بعض النجاسة فيه.
وفي منية المصلي مع شرحها للحلبي: عين الماء إذا كان وسعها حمساً في خمس، وكان الماء يخرج منها أي من ينبوعها، إن كان الماء يتحرك حركة ظاهرة من جانب العين، وهو أي الماء يستعين بالحركة على الخروج من منفذ العين، يجوز الوضوء فيها، لأن الظاهر أن الماء المستعمل لا يستقر لشدة اندفاع الماء في حال خروجه من الينبوع وإن لم يكن الماء بهذه الصفة لا يجوز الوضوء فيها. وقال الإمام قاضي خان فخر الدين: إن في هذه الصورة والتي قبلها الأصح أن هذا التقدير غير لازم، وإنما الاعتماد على المعنى، فينظر فيه إن خرج الماء المستعمل، أي إن علم خروجه من ساعته لكثرته وقوته يجوز الوضوء في الحوض والعين والاً لا ذكره في المحيط اهـ. وهذه المسائل مبنية على القول بنجاسة الماء المستعمل، وأما على الأصح المختار فيجوز الوضوء مالم يغلب على ظنه أن ما يغترفه أو نصفه فصاعداً ماء مستعمل. اهـ. ولو وقعت فيه نجاسة محققة كان التفريع على حاله فتنبه
(وكذا يجوز) التطهر مطلقاً (براكد كثير كذلك) أي كالجاري وزيادة الشارح لفظة كثير للإيضاح (أي وقع فيه نجس لم ير أثره) أي لم يعلم جاز الوضوء منه (ولو في موضع وقوع) النجاسة (المرئية به يفتى بحر قال في الخلاصة: الماء النجس إذا دخل الحوض الكبير لا ينجس الحوض، وإن كان الماء النجس غالباً على ماء الحوض، لأنه كلما اتصل الماء بالحوض صار ماء الحوض غالباً عليه اهـ.
وهو مبني على ظاهر الرواية عن أبي يوسف حيث جعله كالجاري، وهو ظاهر المتون، وقال في الكتر، والملتقى، وهو كالجاري. وظاهره اختيارهما هذه الرواية، ولذا اختارها في الفتح. واستحسنها في الحلية، ويشهد له ما في سنن ابن ماجة عن جابر – رضي الله عنه – قال: انتهيت إلى غدير فإذا فيه حمار ميت فكففنا عنه حتى انتهى إلينا رسول الله الله الله فقال: إن الماء لا ينجسه شيء فاستقينا وأروينا وحملنا اهـ.
واختار بعضهم أنه يتحرى، فإن وقع تحريه أن النجاسة لم تخلص توضأ، والا لا. قال ابن أمير الحاج وهو الأصح. ورجح الكرخي وغيره تنجس موضع الوقوع، وفي البدائع أنه ظاهر الرواية، ومعناه أنه يترك في موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ. وقدره في بعض شروح شروح الهداية بأربعة أذرع في مثلها، وذكر الكرخي أن ما خالط النجس لا يجوز الوضوء به ولو جارياً، هو الصحيح، ومشائخ بخارى وما وراء النهر قالوا: في غير المرئية يتوضأ من جانب الوقوع، كما قالوا جميعاً في الماء الجاري وهو
الجزء 1 · صفحة 33
الأصح، وعن الثاني أنه لا ينجس الأ بالتغير. قال في الفتح وهو الذي ينبغي تصحيحه، فلا فرق بين المرئية وغيرها. ويوافقه ما في المبتغى: قوم يتوضؤون صفاً على شط نهر جار جاز، يعني على القول بنجاسة المستعمل وإلا فبالأولى جوازه قال: وكذا في الحوض لأن ماء الحوض في حكم ماء جار اهـ.
قال في النهر: وإنما المراد بالحوض الكبير بالضرورة قال في النصاب وغيره وعليه الفتوى.
قال السيد أحمد: وقد علمت أن الأقوال جميعاً مصححة غير أن المفتى به ما
ذكره الشارح، من أنه لا فرق بين المرئية وغيرها، ولا بين موضع الوقوع وغيره. (والمعتبر في مقدار الراكد) أي الماء الذي لا ينجس بوقوع النجس فيه إلا بظهور أثره (أكبر رأي المبتلى به فيه) يعني به غلبة الظن لأنها في حكم اليقين، والأولى حذف أكبر ليظهر ما فصله بقوله: فإن (غلب على ظنه عدم خلوصه أي وصول النجاسة إلى الجانب الآخر جاز) التطهر به (وإلا) بأن لم يغلب على ظنه ذلك بل غلب الخلوص، أو كان الأمران على حد سواء (لا) يجوز التطهر به ولا يخفى أن هذا يخالف ما قدمه الشارح بقوله: ولو في موضع وقوع المرئية لأن موضع وقوعها متحقق وجودها فيه، فعلى التفصيل لا يتوضأ منه، وإنما يجوز له من الطرف الآخر، لأنه قد غلب على ظنه عدم خلوص النجاسة إلى الموضع الآخر، لكن لا يخفى ما مر من أن النجاسة لا تستقر في الماء، بل تسري فيه لكنها تتجرى إلى أن تصل أجزاء ها إلى جزء لا يقبل الانقسام كما مر، فإذا كان الماء كثيراً بحيث غلب على الظن أن النجاسة لم تجاوز سائر أجزائه، فكان بعضها محاوراً لها متنجساً بها، وبعضه طاهر لعدم محاورته لأجزاء النجاسة، فأي موضع توضأ منه لم تتحقق نجاسته، والأصل في الماء الطهارة، فتصح الطهارة منه من كل جانب منه، تمسكا بالأصل واليقين لا يزول بالشك، ويقوي جانب الطهارة عدم وجود الأثر، ولا فرق بين كونها مرئية أو لا، ولذلك كان الأولى أن يقال فيه: إن غلب على ظنه عدم خلوص النجاسة إلى سائر أجزائه لم يجز، والاً جاز. هكذا قاله الشيخ الرحمي. قلت: ولا يخفى أن النجاسة إذا كانت مرئية وهي باقية ترى في الحوض، لكن الماء المجاوز لها لم يوجد فيه أثرها بوجه ما فأي حاجة هناك إلى اعتبار غلبه الظن مع تيقن بقائها فتأمل وهذا المحل عندي مشكل باعتبار ما أفتوا من جواز الوضوء من محل الوقوع ولو مرئية.
(هذا) إي كون المعتبر في حد الكثرة أكبر رأي المبتلى به (ظاهر الرواية عن الإمام، وإليه رجع محمد) فإنه سئل أولاً عن حد الحوض فقال: مقدار مسجدي، فذرعوه فوجدوه ثمانية في ثمانية وقيل مسحوا مسجده فكان داخله ثمان في ثمان وخارجه عشر في عشر، وقال الحاكم الشهيد في الكافي: وهو الذي جمع
الجزء 1 · صفحة 34
كلام محمد، قال أبو عصمة: كان محمد يوقت عشرة ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال لا أوقت فيه شيئاً.
(وهو الأصح كما في الغاية وغيرها) قال في البحر وممن نص على أنه ظاهر المذهب شمس الأئمة السرخسي في المبسوط وقال أنه الأصح، وفي معراج الدراية وهذا أقرب إلى التحقيق، لأن المعتبر عدم وصول النجاسة وغلبة الظن في ذلك تجري مجرى اليقين في وجوب العمل، كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء وجب العمل بقوله، وذلك يختلف بحسب اجتهاد الرائي وظنه اهـ وكذا في شرح المجمع والمجتبى.
وحقق في البحر أنه المذهب وبه يعمل) وذكر في الهداية وغيرها: أن الغدير العظيم ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر. وفي المعراج:
أنه ظاهر المذهب. وفي الزيلعي: قيل أنه يعتبر بالتحريك، وقيل بالمساحة. وظاهر المذهب الأول، وهو قول المتقدمين، حتى قال في البدائع والمحيط: اتفقت الرواية عن الرواية عن أصحابنا المتقدمين أنه يعتبر بالتحريك. وهو أن يرتفع وينخفض من ساعته، لا بعد المكث، ولا يعتبر أصل الحركة، وفي التترخانية: أنه المروي عن أئمتنا الثلاثة في الكتب المشهورة اهـ.
- وهل المعتبر حركة الغسل، أو الوضوء، أو اليد؟
روايات ثانيها أصح لأنه الوسط كما في المحيط. والحاوي القدسي وتمامه في الحلية، وغيرها ولا يخفى عليك أن اعتبار الخلوص بغلبة الظن بلا تقدير بشيء مخالف في الظاهر لاعتباره بالتحريك، لأن غلبة الظن أمر باطني يختلف باختلاف الظانين، وتحرك الطرف الآخر أمر حسّي، مشاهد لا يختلف فيه مع أن كلا منهما منقول عن أئمتنا الثلاثة في ظاهر الرواية، لكن نقل عن الينابيع: قال أبو حنيفة الغدير العظيم وهو الذي لا يخلص بعضه إلى بعض، ولم يفسره في ظاهر الرواية، وفوضه إلى رأي المبتلى به وهو الصحيح، وبه أخذ الكرخي اهـ.
قال وهكذا في أكثر كتب أئمتنا، فثبت بهذه النقول المعتبرة عن مشائخنا المتقدمين مذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد-رضي الله تعالى عنهم- فتعين المصير إليه، لأنه اعتبار العشر في العشر ليس مذهب أصحابنا، ومحمد وإن قال به لكنه رجع عنه، وعلى تقدير عدم رجوع محمد عن هذا التقدير فما قدر به لا يستلزم تقديره به إلا في نظره، وهو لا يلزم غيره، وهذا لأنه إنما وجب كونه ما استكثره المبتلى، فاستكثار واحد لا يلزم غيره، بل يختلف باختلاف ما يقع في قلب كل، وليس هذا من قبيل الأمور التي يجب فيها على العامي تقليد المجتهد، أشار إليه في الفتح.
الجزء 1 · صفحة 35
قال (و) علم بهذا (أن التقدير بعشر في عشر لا يرجع إلى أصل) شرعي يعتمد عليه ورد ما أجاب به صدر الشريعة) لأنه قال في شرح الوقاية وإنما قدر به بناء على قوله: من حفر بئراً فله حولها أربعون ذراعا فيكون له حريهما من كل جانب عشرة، ففهم من هذا أنه إذا أراد آخر أن يحفر في حريمها بئراً يمنع، لأنه ينجذب الماء إليها وينقص الماء في البئر الأولى، وإذا أراد أن يحفر بالوعة يمنع أيضاً لسراية النجاسة إلى البئر وينجس ماؤها، ولا يمنع فيما وراء الحريم، وهو عشر في عشر، فعلم أن الشرع اعتبر العشر في العشر في عدم سراية النجاسة، حتى لو كانت النجاسة تسري حكم بالمنع وحاصل الرد من ثلاثة أوجه: الأول: أن كون حريم البئر عشرة أذرع من كل جانب، قول البعض، والصحيح أنه أربعون من كل جانب.
الثاني: أن قوام الأرض أضعاف قوام الماء، فقياسه عليها في مقدار عدم السراية غير مستقيم.
الثالث: أن المختار المعتمد في البعد بين البالوعة والبئر، نفوذ الرائحة إن تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه تنجس وإلا فلا هكذا في الخلاصة، والخانية وغيرهما، وصرح في التترخانية: أن اعتبار العشر في العشر على اعتبار على حال أراضيهم، والجواب يختلف باختلاف صلابة الأرض ورخاوتها.
لكن في النهر وأنت خبير بأن اعتبار العشر في العشر أضبط، لا سيما في حق من لا رأي له من العوام، فلذا أفتى به المتأخرون الأعلام) قال في البحر فإن قلت: أن في الهداية وكثير من الكتب، أن الفتوى على اعتبار العشر في العشر، و اختاره أصحاب المتون، فكيف ساغ لهم ترجيح غير المذهب، قلت: لما كان مذهب أبي حنيفة التفويض إلى رأي المبتلى به وكان الرأي يختلف، بل من الناس من لا رأي له، اعتبر المشائخ العشر في العشر توسعة وتيسيراً على الناس، فإن قلت: هل يعمل بما صح من المذهب، أو بفتوى المشائخ؟
قلت: يعمل بما صح من المذهب، فقد قال الإمام أبو الليث في نوازله: سئل أبو مسألة النصر عن وردت عليه ما تقول رحمك الله تعالى- وقعت عندك كتب أربعة، كتاب إبراهيم بن رستم وأدب القاضي عن الخصاف وكتاب المجرد، وكتاب النوادر من جهة هشام، هل يجوز لنا أن نفتي منها أو لا، وهذه الكتب محمودة عندك؟
فقال: ما صح عن أصحابنا فذلك علم محبوب مرغوب فيه، مرضي به، وأما الفتيا فإني لا أرى لأحد أن يفتي بشيء لا يفهمه، ولا يحتمل أثقال الناس، فإن كانت مسائل قد اشتهرت وظهرت وانحلت
الجزء 1 · صفحة 36
عن أصحابنا رجوت أن يسغ الإعتماد عليها في النوازل اهـ.
لكن ذكر بعض المحشيين عن شيخ الإسلام العلامة سعد الدين الديري في رسالته - القول الوافي في حكم ماء الفساقي - أنه حققه فيها ما اختاره أصحاب المتون، من اعتبار العشر، وردَّ فيها على من قال بخلافه رداً بليغاً، وأورد نحو مائة نقا ناطقة بالصواب، ولا يخفى أن المتأخرين الذين افتوا بالعشر كصاحب الهداية، خان، وغيرهما من أهل الترجيح هم اعلم بالمذهب منا، فعلينا اتباعهم، ويؤيده ما قدمه الشارح في - رسم المفتي - وأما نحن فعلينا اتباعهم فيما رجحوه، وما صححوه كما لو افتونا في حياتهم فتنبه.
(أي في المربع بأربعين) وفي الخلاصة: وصورة الحوض الكبير المقدر بعشرة في عشرة، أن يكون من كل جانب من جوانب الحوض عشرة، وحول الماء أربعون ذراعاً، ووجه الماء مائة ذراع، هذا مقدار الطول والعرض اهـ.
(وفي) الحوض (المدوّر بستة وثلاثين) ذراعاً وفي الظهرية: هو الصحيح، وهو مبرهن عند الحساب. وفي غير الظهرية المختار المفتى به ستة وأربعون كيلاً يتعسر رعاية الكسر. وفي المحيط الأحوط اعتبار ثمانية وأربعين. وأشار في الفتح: إلى أنه قدر أيضا بأربعة وأربعين، ثم قال: والمختار ستة وأربعون. وقال الشرنبلالي: المختار ما في الظهيرية ولا يعدل عنه إلى غيره فإن ستة وثلاثين في المدور تبلغ مائة ذراع كالعشر في عشر للمربع بزيادة كسر، فإلزام قدر يزيد على السنة والثلاثين لا وجه له عند جميع الحساب، قال: وطريق مساحته أن تضرب نصف قطر المستدير في نصف دوره، يكون مائة ذراع وأربعة أخماس ذراع، وقطر ست وثلاثين أحد عشر ذراعاً وحمس ذراع، ونصف القطر خمسة ونصف وعشر، فتضرب نصف القطر في نصف السنة والثلاثين، وهو ثمانية عشر يبلغ مائة ذراع وأربعة أخماس ذراع، وبيانه أن بسط الخمسة والنصف والعشر ستة وخمسون، لدخول النصف في العشر وزيادة واحد هو بسط الكسر، ثم تضرب ستة وخمسين في ثمانية عشر التي هي نصف الدور فيخرج ألف وثمانية فتقسمها على مخرج الكسر، وهو عشرة وبقسمة ألف على عشرة يخرج مائة، وبقسمه ثمانية على عشرة يخرج أربعة أحماس، كما في السراج الوهاج.
وأما البرهان على كون قطره أحد عشر وخمس فلأنا قد علمنا الدور والمساحة، وقسمنا المساحة التي هي تكسير الدائرة على ربع الدور فخرج كما ذكر، وإن شئت اقسم المساحة التي. هي مائة وأربعة
الجزء 1 · صفحة 37
أحماس على نصف الدور وهو ثمانية عشر يكون الخارج خمسة ونصف وعشر وهو نصف القطر فأضعفها تكون أحد عشر وخمس، وهو القطر وتسهيل القسمة بتفصيل المقسوم على المقسوم عليه، فمن ثمانية عشر يخرج خمسة، تسعة ومن يخرج نصف، ومن ذراع وأربعة أحماس يخرج عشر ذراع، فالجملة خمسة ونصف وعشر.
وأما برهان دوره فبقسمة المساحة التي هي مائة وأربعة أحماس على نصف القطر خمسة ونصف وعشر بعد بسط المقسوم والمقسوم عليه من جنس الكسر، وهو العشر في هذه الصورة، لأن الخمسة والنصف والعشر مخرجها عشرة وبسطها ستة وخمسون وبسط الدور ألف وثمانية، لأن المائة وأربعة أخماس تبسط أعشارا، أو تحل الستة والخمسين إلى ضلعها سبعة وثمانية ويقسم ألف وثمانية على ثمانية يخرج مائة وست وعشرون فاقسمها على الضلع الثاني وهو السبعة، يخرج ثمانية عشر. وهذا ملخص ما في الزهر النضير في الحوض المستدير - للشرنبلالي.
(وفي) الحوض (المثلث من كل جانب خمسة عشر) ذراعاً (وربعاً وخمساً) قال السيد أحمد: لا حاجة إلى زيادة الخمس، وفي نسخة بأو ولا وجه له لأن علوم الحساب والهندسة يقينية لاشك فيها، أفاده شيخنا الجبرتي في رسالته المتعلتة بالحياض اهـ.
وإنما احتيج إلى هذا القدر في المثلث من كل جانب لتبلغ مساحته مائة ذراع وبيانه في هذه الصورة: أن تضرب أحد جوانبه في نفسه، فما صح أخذت ثلثه وعشره فهو مساحته، وتجده في هذه الصورة مائة ذراع وثلاثة أرباع ذراع وشيئاً له قليلاً لا يبلغ ربع ذراع، وهذا القريب له ووجه ذلك أن تضرب خمسة عشر وربعاً في مثله يكون مائتين واثنين وثلاثين وتسعة أجزاء من ستة عشر جزء من ذراع، ثلثه سبعة وسبعين ذراعاً وخمسة وعشرون جزء من وعشرون جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من ذراع، وذلك نصف ذراع وسدس عن ذراع، وعشره ثلثه وعشرون ذراعا، واحد وأربعون جزء من مائة وستين جزءا من ذراع، وذلك ربع ذراع ونصف ثمن عشر ذراع، فإذا جمعت الثلث والعشر وجدته مائة ذراع وثلاثة أرباع ذراع وشيئاً قليلاً لا يبلغ ربع ذراع. كما في السراج.
(بذراع الكرباس) وسيأتي الكلام عليه للشارح وفي فتح التقدير:
والكل تحكمان غير لازمة وإنما الصحيح ما قدمناه من عدم التحكم بتقدير معين. (ولو) كان [له) أي للحوض (طول لا عرض لكنه يبلغ) بطريق الكسر عشراً في عشر) وصورته كما في الخلاصة لو كان
الجزء 1 · صفحة 38
عرضه ذراعين فطوله خمسون أو عرضه ذراعاً فطوله مائة كعشر في عشر اهـ. قال في السراج:
وكذا إذا كان طولاه عشرين وعرضاه خمسة فمساحته مائة اهـ.
(جاز) التطهر منه، وإن وقعت فيه النجاسة ما لم تغير أثره (تيسيراً) على الناس، وهو قول أبي سليمان الجوزجاني، ومحمد بن إبراهيم الميداني، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وعليه اعتماد الصدر الشهيد وقال الإمام أبو بكر بن طرخان: لا يجوز وإن كان طوله من هنا إلى سمرقند، فقيل له وكيف الحيلة؟ قال: يحفر حفيرة ثم يحفر حفيرة ويسيل الماء من حفيرة إلى حفيرة، ثم يتوضأ فيما بين ذلك، ونقل في الدرر عن أبي سليمان الجوزجاني: عدم الجواز، ولعل عنه قولين، وإنما منع من منع لأن النجاسة تصل إلى العرض وأجاب عنه أبو نصر: بأن اعتبار العرض وإن أوجب التنجس لكن باعتبار الطول لا يوجبه فلا يتنجس، وهو الذي اختاره صاحب الهداية في التجنيس.
(ولو كان أعلاه) أي الحوض (عشراً في عشر وأسفله أقل) من العشر (جاز) التطهر منه إذا كان ملآن (حتى يبلغ الأقل) فلا يتوضأ فيه فيه ولكن يغترف منه ويتوضأ، وهذا الفرع ونحوه بناء على نجاسة الماء المستعمل، وأما على طهارته فلا كلام فيه، وإذا وقعت فيه نجاسة في تلك الحالة فالأعلى طاهر إلى أن يبلغ الأقل فينجس، وإذا وقعت النجاسة فيه وهو ناقص ينجس قطعاً، فإذا امتلأ لا يطهر أصلاً.
قال في منية المصلي وشرحها ولو أن ماء الحوض إذا كان عشراً في عشر، فتسفل. فصار سبعاً في سبع، فوقعت النجاسة فيه تنجس، وإن امتلأ صار نجساً، لأن العبرة بوقت وقوع النجاسة، وهو الأصح، وقيل لا يصير نجساً، ووجـ ووجهه غير ظاهر اهـ. قال الشيخ الرحمي ومصبو نجساً على الأصح، محمول على ما إذا امتلأ قليلاً قليلاً، أما لو دخله الماء الكثير جملة، قال في البحر غدير كبير لا يكون الماء فيه في الصيف وتروث فيه الدواب والناس، ثم يملأ في الشتاء، ويرفع منه الجمد، إن كان الماء الذي يدخله يدخل على مكان، نجس، فالماء والجمد نجس وإن كثر بعد ذلك، أي لأنه كلما مر قليلاً تنجس بمروره لمجاورة النجاسة، وضم النجس إلى النجس لا يطهره، وإن كان دخل في مكان طاهر واستقر فيه حتى كان عشراً في عشر، ثم انتهى إلى النجاسة، فالماء والجمد طاهران اهـ وهذا بناء على ما ذكروا من أن الماء النجس إذا دخل على ماء الحوض الكبير لا ينجسه، وإن كان الماء النجس غالباً على الحوض، لأن كل ما يتصل بالحوض الكبير يصير منه، فيحكم بطهارته اهـ.
فلعل مراد من قال بنجاسته، أنه نزل على ماء راكد نجس، قليلاً قليلاً فينجس بالملاقات ولا يظهر
الجزء 1 · صفحة 39
بالكثرة، وإذا علمت أنه يظهر بمجرد الجريان، فينبغي كذلك أن يطهر بمجرد الكثرة، أما لو اجتمع غدير عظيم في محل طاهر، ثم وقع دفعة على الماء النجس، فإنه يطهر لعدم مخالطة النجاسة لسائر أجزائه، لكونه غديراً عظيماً، وهذا كله إذا لم يكن للراكد النجس منفذ، ومتى جاء الماء من جانب، وخرج من آخر صار جارياً فيظهر على الصحيح اهـ.
(ولو) كان الحوض (بعكسه) بأن كان أعلاه أقل، وأسفله عشرة في عشرة (فوقع فيه نجس لم يجز) التطهر منه، لأنه تنجس ما هو أقل من عشر في عشر (حتى يبلغ العشر) فمتى بلغها جاز التطهر منه، لأنه صار غديراً عظيماً لا ينجس بوقوع النجاسة ما لم تغير، قال السراج الهندي: وهو الأشبه، وإذا وقعت فيه نجاسة حينئذ جاز التطهر به، فإذا امتلأ حتى بلغ المكان الضيق، قال الحلبي لم أجد حكمه، والظاهر التنجس، لأن النجاسة تحقق وقوعها، وإنما جوزنا التطهير به لسعته، وقد ذهبت، وهذا بناء على اعتبار العشر في العشر، وأما على أصل المذهب فيعتبر أكبر رأي المبتلى به.
(ولو جمد ماؤه) أي الحوض (فثقب) في موضع منه فينظر (إن) كان [الماء منفصلاً عن الجمد) أي مُسْفلاً عنه (جاز) التطهر منه بلا خلاف (لأنه) أي الماء الْمُتَسفّل عن الجمد (كالمسقف) أي كالواقع تحت سقف، والعبرة للماء لا لسقفه (وإن) كان الماء (متصلاً) بالجمد بحيث (لا) تكون بينهما فاصلة أصلاً، فينظر إن كان الثقب واسعاً بحيث لا يخلص بعضه إلى بعض فكذلك، لأنه بمنزلة الحوض الكبير، وإن كان الثقب صغيراً اختلف المشائخ فيه، قال نصير بن يحي وأبو بكر الإسكافي، لا خبر فيه، فلا يجوز التوضي به.
(لأنه كالقصعة) يعني فالماء إذا كان فيها ينجس بقليل النجاسة فكذلك هذا، ويقال أيضاً أنه كماء أعلاه قليل وأسفله كثير، وسئل ابن المبارك عنه فقال: لا بأس به، وقال أليس الماء يضطرب من تحته، وهو قول أبي حفص الكبير، وهذا أوسع، والأول أحوط، وبناء عليه قال:
حتى لو ولغ فيه) أي في موضع الثقب الصغير، الذي هو أقل من عشر في عشر (كلب تنجس) وكذا لو وقع فيه عين نجاسة أخرى.
قال في التترخانية: حوض منجمد قور ووقع فيه نجس ينجس، فلو قُور من موضع آخر وتوضأ منه جاز، وفيه إشعار بأن الماء الذي هو من أسفل الجمد طاهر، والنجس ما أحاط به الثقب اهـ.
قلت: ومن هنا قيل إذا حرك موضع الثقب بعد وقوع النجاسة فيه، تحريكا بليغاً، بحيث غلب على
الجزء 1 · صفحة 40
ظنه أن ما كان راكداً ذهب عن هذا المكان، وهذا ماء جديد، يجوز بلا خلاف، كما ذكره ابن أمير الحاج.
وفي الظهيرية: والصحيح أنه يطهر وإن لم يخرج مثل ما فيه، وإن دفع إنسان من ذلك الذي خرج وتوضأ به جاز اهـ وفيها أيضا حوض نجس، امتلأ ماء وفار ماؤه على جوانبه وجف جوانبه لا يطهر
وقيل يطهر اهـ وفيها لو امتلأ فتشَرَّبَ الماء في جوانبه لا يطهر ما لم يخرج الماء من جانب آخر اهـ، وفي الخلاصة: المختار أنه يطهر وإن لم يخرج مثل ما فيه، فلو امتلأ الحوض وخرج من جانب الشط على وجه الجريان حتى بلغ المشجرة يطهر، أما قدر ذراع أو ذراعين فلا اهـ. ولا يخفى ما قدمناه بأن الخروج من أسفل الحوض غير معتبر، بل المعتبر خروجه من أعلاه.
وفي الخلاصة: فلو تنجس موضع الثقب ثم ذاب الجمد بتدريج، فالماء نجس، وقال الحلواني: الماء طاهر سواء ذاب بتدريج أو بدفعة واحدة اهـ.
قال ابن أمير الحاج وهذا هو المتجه بعد أن كان الحوض كبير، أو لم يظهر للنجاسة فيه أثر كما هو فرض المسألة، وقد مشى على هذا في الخلاصة أيضا من غير حكاية خلاف مع بيان الوجه فيه، من بيان الوجه فيه من أن الماء النجس إذا دخل في الحوض الكبير.
(لا) يتنجس الماء (لو وقع فيه) أي في ذلك الثقب من الحوض الجامد ماؤه كلب حي فمات لتسفله) أي لموته في الأسفل، والأسفل غدير عظيم، ووصول لعابه في الثقب الصغير غير متحقق، فلا ينجس بالشك، إلا إذا ظهر أحد الأوصاف، وهو يصلح لغزاً فيقال: أي ماء لو ولغ فيه الكلب نجسه، ولو وقع فيه فمات لا ينجسه؟ (ثم المختار طهارة المتنجس بمجرد جريانه حتى لو تنجس الحوض الصغير، ثم دخل فيه ماء آخر، وخرج حال دخوله طهر وإن قل، وقيل لا، حتى يخرج قدر ما فيه وقيل حتى يخرج ثلاثة أمثاله، الأول في المحيط وصحح وغيره. قال في البحر: واعلم أن عبارة كثير منهم في هذه المسألة، تفيد أن الحكم بطهارة الحوض إنما هو إذا كان الخروج حالة الدخول، وهو كذلك فيما يظهر، لأنه حينئذ يكون في المعنى جارياً وكذلك إذا كان ناقصاً ودخل الماء عليه واستمر جارياً عليه حتى خرج بعضه، ثم كلامهم يشير إلى أن الخارج منه نجس قبل الحكم على الحوض بالطهارة، وهو كذلك كما هو ظاهر كذا في شرح منية المصلي.
(وكذا البئر) إذا وقعت فيه نجاسة فجري طهر وإلا لا (وحوض الحمام) إذا وقعت فيه نجاسة ثم أجري ماؤه حتى امتلأ، فمتى فاض من الجانب الثاني حكم بطهارته، وقد تقدم للشارح قوله: والحقوا
الجزء 1 · صفحة 41
بالجاري حوض الحمام إذا كان الماء نازلاً، والغرف متداركاً، وهل القصعة كذلك؟
قال في خزانة الفتاوى: إذا فسد ماء الحوض فأخذ منه بالقصعة، وأمسكها تحت الأنبوب، فدخل الماء وسال ماء القصعة فتوضأ به لا يجوز اهـ.
لكن في الظهيرية في مسألة الحوض لو خرج من جانب آخر لا يطهر، مالم يخرج مثل ما فيه ثلاث مرات كالقصعة عند بعضهم، والصحيح أنه يطهر وإن لم يخرج مثل ما فيه اهـ.
فالظاهر أن ما في الخزانة مبني على خلاف الصحيح، ويؤيده ما في البدائع بعد حكاية الأقوال الثلاثة في جريان الحوض حيث قال ما نصه: وعلى هذا حوض الحمام أو الأواني إذا تنجس اهـ.
ومقتضاه أنه على القول الصحيح تطهر الأواني أيضاً بمجرد الجريان، وقد علل في البدائع هذا القول بأن صار ماء جارياً، ولم نستيقن ببقاء النجاسة فيه. وفي حاشية الأشباه والنظائر - للعلامة ...... التي تلقاها عن شيخه الشيخ إسماعيل الحائك مفتي دمشق ما نصه مسألة إذا كان في الكوز ماء فتنجس فصب فيه ماء طاهر حتى جرى الماء من الأنبوب، بحيث يعد جرياناً، ولم يتغير الماء فإنه يحكم بطهارته اهـ.
وكذا لو تنجس دلو فأفرغ رجل فيه ماء حتى امتلأ وسال من جوانبه، أو كان زيت نجس في إناء وأفرغ عليه زيتاً آخر طاهر عليه حتى سال من جوانبه، فإنه يطهر لما مر أن حكم سائر المائعات كالماء في الأصح. وفي أول فصل نجاسات القهستاني ما يدل عليه حيث ذكر أن المائع كالدبس والماء وغيرهما طهارته إما بإجرائه مع جنسه مختلطا به كما روي عن محمد كما في التمرتاشي، وإما بالخلط بالماء حتى يعلو نحو الدهن ويخرج الماء من ثقب في أسفل الماعون كما سيأتي في تطهير السمن، والدهن.
وفي الخزانة وغيرها: أنه لو أجري ماء إنائين، أحدهما نحس في الأرض، أو صبهما من علو فاختلطا طهرا بمنزلة ماء جار فتنبه.
(هذا) يعني استفد ما ذكرناه (و) استفد زيادة على ذلك ما (في القهستاني والمختار) في مساحة الماء (ذراع الكر باس) بالكسر ثوب من القطن الأبيض، معرب فارسيتة كرباس بالفتح قاموس.
قال في البحر: اختلف المشائخ في الذراع على ثلاثة أقوال، ففي التجنيس المختار ذراع الكرباس. وفي المحيط والكافي: الأصح أنه يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم من غير تعرض للمساحة والكرباس. وفي الخانية وغيرها: الأصح ذراع المساحة، وهو سبع قبضات فوق كل قبضة اصبع قائم ومثله في النهاية.
الجزء 1 · صفحة 42
وقيل: سبع قبضات بإصبع قائمة في المرة السابعة، والمراد بالإصبع القائمة ارتفاع الإبهام كما في غاية البيان. فقول الشارح (وهو) أي ذراع الكرباس سبع قبضات فقط) يعني ليس فوق كل قبضة إصبع قائمة، ولا في المرة السابعة، مبني على ما جزم به الولوالجي.
وفي البحر: وفي كثير من الكتب أنه ست، قبضات، ليس فوق كل قبضة إصبع قائمة، فهو أربعة وعشرون إصبعاً، بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله. فيكون ثمانياً في ثمان بذراع زماننا) وهو مقدر (بثمان قبضات وثلاث أصابع) وذلك لأن العشرة في سبعة بسبعين، والثمانية في مثلها بأربعة وستين قبضة، والثمانية في ثلاثة أصابع بأربعة وعشرين إصبعاً، وهي ست قبضات فتمت سبعين قبضة، وأراد القهستاني ذراع زماننا وليس هو متعارف في أعصارنا كذا قاله السيد أحمد. وفي حاشية الشامي قوله فيكون ثمانياً في ثمان، كأنه نقل ذلك عن القهستاني و لم يمتحنه، وصوابه يكون عشراً في عمان، قال: وبيان ذلك أن القبضة أربع أصابع، وإذا كان ذراع زمانهم ثمان قبضات وثلاث أصابع يكون خمساً وثلاثين إصبعاً، وإذا ضربت العشر في ثمان بذلك الذراع يبلغ ثمانين، فاضربها في خمس وثلاثين، يبلغ ألفين وثمانمائة إصبع وهي مقدار عشر في عشر بذراع الكرباس المقدر بسبع قبضات، لأن الذراع حينئذ ثمانية وعشرون إصبعاً، والعشر في عشر بمائة، فإذا ضربت ثمانية وعشرين في مائة يبلغ ذلك المقدار، وأما على ما قاله الشارح فلا يبلغ ذلك، لأنك إذا ضربت ثمانياً في ثمان يبلغ أربعاً وستين، فإذا ضربتها في خمس وثلاثين يبلغ ألفين ومائتين وأربعين إصبعاً، وذلك ثمانون ذراعاً بذراع الكرباس، والمطلوب مائة، والصواب ماقلناه فافهم م. (على القول المفتى به بالعشر) أي الذي أفتى به المتأخرون، وقد علمت أصل المذهب (أي لو) كان العشر (حكماً ليعم ماله طول بلا عرض في الأصح) وهذا مع ما تقدم من قوله:
ولو له طول لا عرض لكنه يبلغ عشراً ... الخ تكرار في الأصح، ورجحه قوام الدين الكاكي في عيون المذاهب، وصححه صاحب المحيط، والاختيار، وغيرها لأن اعتبار الطول لا ينجسه، واعتبار العرض ينجسه، فوقع الشك في تنجيسه، والأصل الطهارة ولا ترتفع إلا بيقين ومقابل الأصح أنه ينجس، ونسب قاضي خان هذا القول إلى عامة المشائخ. واختاره الكمال وقال تلميذه العلامة قاسم: الأصح أنه ينجس، فهما قولان مصححان (وكذا) يدخل في الحكمي (بئر عمقها) أي عمق مائها، بفتح المهملة وضمها وبضمتين قعر البئر. كما ذكره ابن الشحنة. (عشرة) أذرع (في الأصح) وعبارة القهستاني: وروي أن الماء في البئر إذا كان بقدر ماء الحوض الكبير لم ينجس اهـ.
لكن في البحر ولو له عمق بلا سعة، ولو بسط بلغ عشراً في عشر، اختلف فيه، فمنهم من صحح
الجزء 1 · صفحة 43
جعله كثيراً والأوجه خلافه، لأن مدار الكثرة عند أبي حنيفة على تحكيم الرأي، في عدم خلوص النجاسة إلى الجانب الآخر، وعند تقارب الجوانب لا شك في غلبة الخلوص إليه، والاستعمال إنما هو من السطح لا من العمق (وحينئذ) أي حين إذا كان البئر العميق مثل الحوض الكبير [فلو) كان (ماؤها بقدر العشر) من الأذرع (لم ينجس كما في المنية، وحينئذ) أي حين اعتبار كثرة الماء بدون مساحة الطول والعرض (فعمق خمس أصابع تقريباً) لا تحقيقاً (ثلاثة آلاف وثلاثمائة واثنا عشر مناً) المن ويقال منا كعصا كما في تثنية المقصور والممدود من الأشموني رطلان والرطل بالفتح وبكسر اثنا عشر أوقية والأوقية أربعون درهماً، فيكون بالأرطال ستة آلاف وستمائة وأربعة وعشرين رطلاً (من الماء الصافي وسعة) أي هذا الماء المقدر غدير) أي حوض أي جانب (كل ضلع منه طولاً، وعرضاً، وعمقاً، ذراعان وثلاثة أرباع ذراع ونصف إصبع تقريباً، كل ذراع أربع وعشرون اصبعا اهـ) أي كلام القهستاني.
(قلت: وفيه) أي فيما قاله القهستاني | كلام إذ المعتمد عدم اعتبار العمق وحده قلت لكن اعتمده الزاهدي وغيره، ونظمه في الوهبانية، وصححه في التفاريق كما ستقف عليه، ولهذا قال الشارح (فتبصر) واختار الهندواني أن المعتبر في العمق مالا تنكشف الأرض بالغرف، وهو الصحيح، حتى لو انكشف ثم اتصل بعد ذلك لا يتوضأ منه وعليه الفتوى. كذا في معراج الدراية، وبه جزم في الملتقى، والوقاية، وصححه في الدرر، وشرح المجمع، وصحح كون الغرف للوضوء كما عن محمد - لا للغسل كما- عن أبي يوسف، وقيل: يعتبر العمق بأربع أصابع مفتوحة، وقيل: مقدار ذراع، وقيل: ذراعان، وقيل: مقدار شبر، وقيل: ما بلغ الكعب وقيل مفوض إلى الناظر، كما في حاشية الهداية نقله القهستاني وغيره. وفي البدائع: إذا أخذ الماء وجه الأرض يكفي، ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية، وهو الصحيح اهـ. وهو الأوجه لما عرف من أصول الإمام بحر.
وتقدير الشارح العمق بخمس أصابع توسط بين الأقوال، لأنه قدمنا أنه قيل بأربع أصابع، وهي أقل من الخمس، أو مبني على استكثار الناظر، والله اعلم.
(ولا يجوز) التطهير مطلقاً (بماء بالمد) قيد به احترازاً عن ما الموصولة، وإلا فلفظ الماء يجوز فيه القصر والمد كما مر (زال طبعه) أي وصفه الذي خلقه الله تعالى عليه (وهو السيلان) وذلك إنما يحصل بالرقة، فإذا زالت وغلظ بحيث فقد السيلان (و) فقد منه الأرواء) لأنه قال في الخزانة في حد الماء: كونه سيالاً مرطباً مسكناً للعطش. [و) فات منه (الإنبات) أيضاً فقد خرج عن صفته الأصلية، واقتصر الواني على الإنبات لاستلزامه الإرواء دون العكس، فإن الأشربة تروي ولا تنبت، والماء المالح طبعه الإنبات
الجزء 1 · صفحة 44
لما هو مخلوق فيه من الأشجار كالمرجان وغيره من النباتات البحرية وعدم منه الإنبات للنباتات البرية لعارض، وقد قدمنا ذلك في أول باب المياه.
وقال البرجندي: ولا يخفى أن ماء بعض الفواكه كذلك يعني اشتملت على السيلان والإرواء والإنبات فلو اختلط بالماء وغلبه ينبغي جواز الوضوء منه، وليس كذلك اهـ.
(بسبب طبخ) ولا يقال يدخل في ذلك الماء المسخن، لأنا نقول أن الطبخ يشعر بالخلط، ومجرد تسخين الماء بدون خلط لا يسمى طبخاً أبو السعود.
كمرق وماء باقلا) بالتشديد مع القصر، والتخفيف مع المد وهو الفول وإذا وجد مكتوباً بالألف تعين المد والتخفيف كما قرره عزمي زاده، والمراد به المطبوخ كما يفيده العطف والسياق، وأما غيره فهو داخل في قوله: وبماء خالطه جامد كما في الجوهرة.
(إلا بما قصد به التنظيف كأشنان وصابون) طبخا، أو أحدهما في الماء وأدخل الكاف نحو السِّدر، وقد ذكره في البحر.
(فيجوز) التطهر به (إن بقي رقته أو بماء استعمل لأجل قربة: أي ثواب) أي يفعل ما يثاب عليه بعد معرفة من يتقرب إليه به، وقال البيري في حاشية الأشباه: قال علماؤنا ثواب العمل في الأخرى عبارة عن ما أوجبه الله للعبد خبراً لعمله، فتفسير القربة بالثواب من تفسير الشيء بحكمه، وهو شائع في كلامهم وإنما قلنا بذلك لأن العبد يتقرب به إلى، مولاه وفي الحديث القدسي ما تقرب إلي عبد بمثل أداء ما افترضته عليه الحديث. وفي شرح النقاية: القربة ما تعلق به حكم شرعي وهو استحقاق الثواب وهذا أحد وجوه الكلام التي ينبغي تحقيقها في الماء المستعمل وهي أربعة:
الأول في سببه، وقد أشار إليه بقوله: لقربة أو رفع حدث.
الثاني: في وقت، ثبوته وقد أشار إليه بقوله: إذا انفصل.
الثالث في صفته وبينها بقوله: طاهر.
الرابع: في حكمه، وقد بينه بقوله: لا، مطهر ثم ما استعمل لقربة مستعمل باتفاق الجميع.
(ولو) كانت إرادة القربة منضمة [مع) نية (رفع حدث) أفاد به أن القربة ورفع الحدث قد يجتمعان وقد ينفرد كل منهما عن الآخر، فبينهما عموم وخصوص من وجه.
الجزء 1 · صفحة 45
قال في السراج: إذا توضأ المحدث ونوى القربة صار مستعملا إجماعاً، وإن لم ينو القربة فعند أبي يوسف يصير مستعملاً، وعند محمد لا إلا بنية القربة، وإذا توضأ الطاهر ولم ينوها لم يصر مستعملا إجماعاً، وإن نواها صار مستعملاً إجماعاً، ولو أن الطاهر غسل شيئا من بدنه غير أعضاء الوضوء قاصداً للقربة لم يصر مستعملاً عند عامة المشائخ.
(أو) صدر ذلك الاستعمال (من) صغير (مميز) أي عاقل على المختار لما في الخلاصة: أما إذا توضأ الصبي في طشت المختار أنه. يصير مستعملا، إذا كان عاقلاً، وكذا في الفيض، والبزازية، والمحيط. وقال في الجوهرة نقلاً عن القنية: لا أحفظ رواية في ماء وضوء الصبي، ولعله مبني على اختلافهم في صلاته، فمن جعلها صلاة حقيقة جعله مستعملا، ومن جعلها تخلقاً واعتيادا، لا يجعله مستعملا. وقد قدمنا أن المختار كونه مستعملاً.
قال الحموي: بقي الكلام في أنه هل لابد في صلواته من الطهارة، والظاهر أنه لا بد فيها منها، وإن كانت لا توصف بالوجوب في حقه، وفي جامع أحكام الصغار: وإن صلت المراهقة بلا وضوء تؤمر بالإعادة بطهارة على سبيل الاعتياد، وكذا لو صلت عريانة وافهم التقييد بالمراهقة، أن غيرها لا تؤمر بالإعادة وإن لم تصح صلاتها لعدم الطهارة والستر.
(أو) صدر الاستعمال من (حائض) لأجل (عادة عبادة) قال في النهر: وقالوا بوضوء الحائض يصير مستعملاً، لأنه يستحب لها الوضوء لكل فريضة، وأن تجلس في مصلاها، قدرها كيلا تنسى، عادتها ومقتضى كلامهم اختصاص ذلك بالفريضة، وينبغي أنها لو توضأت لتهجد عادي لها، أو لصلاة ضحى، وجلست في مصلاها، أن يصير مستعملاً، ولم أره منقولاً لهم اهـ. قال السيد أحمد: والشارح أطلق في العبارة وساقها مساق المنصوص، وما كان ينبغي اهـ.
(أو) صدر الاستعمال لأجل (غسل ميت) وفي الفتاوى الظهيرية وغسالة الميت نجسة كذا أطلق محمد في الأصل والأصح أنه إذا لم تكن على بدنه نجاسة يصير الماء مستعملاً، ولا يكون نجساً، لأن محمد -رضي الله عنه- إنما أطلق لأن غسالته لا تخلو عن النجاسة غالبا بحر.
(أو) صدر استعماله في غسل (يد لأكل) الطعام يعني قبل الأكل [أو) صدر استعماله في غسل يد بعد ما فرغ (منه) أي الطعام (بنية السنة) فيصير مستعملاً، لأنه أقام به قربة، لأنه سنة، لقوله: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم. يعني الجنون، وقيل: أن الطعام يصير مستعملا ومنه لا كما في
الجزء 1 · صفحة 46
السراج. وقيد بقوله بنية السنة لأنه لو لم ينو إقامة القربة لا يصير مستعملاً قال في النهر: وعليه فينبغي اشتراطه في كل سنة، كغسل الفم والأنف، ونحوهما، وفي ذلك ترددا اهـ.
قال الخير الرملي: أقول لا ترد إذ لا مانع من اشتراطه حتى لو لم يكن جنباً، وقصد بغسل الأنف والفم ونحوهما مجرد التنظيف وإزالة الوسخ، والدرن، لا إقامة القربة، لا يصير مستعملاً تأمل اهـ.
وفي البحر: ولو غسل يده من الوسخ لا يصير مستعملا، لعدم إزالة الحدث، وإقامة القربة كذا في المحيط، وهذا التعليل يفيد أنه كان متوضئا، ولا بد منه كما لا يخفى.
(أو) كان استعماله (لأجل رفع حدث ولو) كان ذلك (مع) إرادة قربة كوضوء محدث) فإنه بنية القربة يجتمع فيه الأمران، فيصير مستعملاً اتفاقاً، وذكر أبو بكر الرازي أنه يصير مستعملاً بإقامة القربة، أو رفع الحدث عندهما، وعند محمد بإقامة القربة لا غير.
(ولو) وصليه كان الوضوء من المحدث (للتبرد) صار الماء مستعملا عندهما خلافا لمحمد، ونفى الخلاف أبو عبد الله الجرجاني وقال: يصير مستعملا بلا خلاف بين أصحابنا الثلاثة، قال شمس الأئمة السرخسي: التعليل لمحمد بعدم إقامة القربة ليس بقوي، لأنه غير مروي عنه و الصحيح عنده أن إزالة الحدث بالماء مفسدة له إلا عند الضرورة، كالجنب يدخل البئر لطلب الدلو، ومن شرط نية القربة عند محمد استدل بمسألة البئر وجوابه أنه إنما لم يصر مستعملا للضرورة، لا لأن الماء لا يصير مستعملاً بإزالة الحدث، فصار كما لو أدخل الجنب، أو الحائض، أو المحدث يده في الماء لا يصير مستعملاً للضرورة، والقياس أنه يصير مستعملا عندهم لإزالة الحدث، لكن سقط للحاجة اهـ.
وأقره عليه ابن الهمام، والزيلعي وصرح في البدائع أن الخلاف لم ينقل عنهم نصا، وإنما مسائلهم تدل عليه وكذا في المحيط، لكن قال: هذا الخلاف صحيح عند محمد، لأن تغير الماء عند محمد باعتبار إقامة القربة لا باعتبار تحول النجاسة الحكمية إلى الماء، وعندهما تغيره باعتبار تحولها إلى الماء، ومما يؤيد الخلاف ما في المحيط، والخلاصة أنه لو أخذ الماء بفمه وهو جنب ولا يريد المضمضة، فغسل يده أجزأه عن غسل اليد، ولا يصير مستعملا عند محمد لعدم قصد القربة، وإن زال الحدث من الفم، لكن يقال من جهة شمس الأئمة السرخسي أن محمداً لا يقول باستعماله للضرورة، لا لأن إزالة الحدث لا توجب الاستعمال بحر.
(فلو توضاً متوضيء) أي من مكان على طهارة (لتبرد) لا يصير مستعملا اتفاقاً لعدم تحقق القربة،
الجزء 1 · صفحة 47
وهي ما يستحق بها الثواب لعدم النية، إذ لا ثواب إلا بها، ولعدم رفع الحدث (أو) توضأ المتوضيء (لتعليم) الناس كيفية الوضوء، لا يصير مستعملا، إذ لم يُرد به الصلاة، بل أراد تعليم والتعليم وإن كان قربة باعتبار استحقاقه الثواب، إلا أن هذا الماء لم يستعمل لقربة، لأن القربة فيه ليست بسبب استعماله، وإنما هي بسبب تعليمه، ولذا لو علمه بالقول لا ستغنى عن هذا الفعل، وهذا إذا لم يرد سوى مجرد التعليم.
[أو) استعمل المتوضيء لأجل إزالة (طين بيده) ولم يقصد به تجديد الوضوء، والعجين، والدرن كالطين (لم يصر مستعملا اتفاقاً) حيث لم يرتفع به حدث ولا نوى به قربة وأفاد الشيخ عبد الغني النابلسي بأن الظاهر أن المحدث تكفيه غسلة واحدة عن الطين ونحوه، وعن الحدث بخلاف النجاسة. وفي المحيط ولو وصلت شعر آدمي إلى ذوائبها، فغسلت ذلك الشعر الواصل، لم يصر مستعملا، ولو غسل رأس إنسان مقتول قد بان منه صار الماء مستعملاً، لأن الرأس إذا وجد مع البدن ضم إلى البدن وصلي عليه، فيكون بمترلة البدن والشعر لا يضم مع البدن فبالانفصال لم يبق له حكم البدن، فلا تكون غسالته مستعملة. وفي الولوالجية: هذا الخلاف يأتي على الرواية المختارة، أن شعر الآدمي أما ليس بنجس على الرواية الأخرى لا يتأتى فإنه نجس ينجس الماء اهـ. كزيادة على الثلاثة) في غسل أعضاء الوضوء (بلا نية قربة) لأنه من باب التعدي بالنص كما تقدم وقيل يصير مستعملا، لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء، كما في المنح.
وللخلاف فيه أخره الشارح عن قوله اتفاقاً، وأشعر بأنه لو نوى القربة كالوضوء على الوضوء، فإن كان في مجلسه الأول، ولم يكن بين الوضوئين فاصلة أو غسل يده اليمنى إلى المرفق أربعاً، أو خمساً قبل تمام الوضوء، وأراد بالغسلة الرابعة والخامسة الوضوء على الوضوء، فنية القربة باطلة لما قدمنا ذلك في أحكام الوضوء، بل يكون مكروها تحريماً، أو تتريهاً، والظاهر الأول لما تقدم في كراهة إسراف الماء، وهذا منه مع ما فيه من منابذة السنة، ووصفه في الحديث بالتعدي، وزيادته في أمرنا ما ليس منه، وهذا وإن نوى القربة لكنه لم يوافق السنة، فلم تكن قربة فلم يصر الماء مستعملاً، لأن الحدث قد ارتفع بالغسلة الأولى، والقربة منتفية، وإن أكمل الوضوء الأول، واختلف المجلس ونوى القربة يصير مستعملا بالاتفاق. وفي المعراج: فإن قيل المتوضيء ليس على أعضائه نجاسة، لا حقيقية ولا حكمية، فكيف الماء مستعملاً ? بنية القربة؟ قلنا: لما نوى القربة فقد يصير ازداد طهارة على طهارة ولكن لا تكون طهارة جديدة إلا بإزالة النجاسة الحكمية حكما، فصارت الطهارة على الطهارة، وعلى الحدث سواء اهـ.
الجزء 1 · صفحة 48
(وكغسل) أي وكذا لا يصير مستعملاً بغسل (نحو فخذ) يعني غير أعضاء الوضوء، كسرة، وجنب وهو محدث حدثاً أصغر، لا أكبر، وهو الأصح. كما في البحر ه.
وعلى مقابله يصير مستعملاً، فإن قلت كيف صار مستعملاً، ولم يوجد رفع الحدث ولا القربة ولا إسقاط فرض؟
قلت: الظاهر أن هذا له التفات إلى خلاف آخر وهو أن الحدث الأصغر إذا وجد هل يحل بكل البدن وجعل غسل أعضاء الوضوء رافعا عن الكل تخفيفا، أو بأعضاء الوضوء فقط قولان وكان الراجح هو الثاني، ولذا لم يصر الماء مستعملاً بخلافه على الأول نهر.
(أو) استعمل في غسل (ثوب طاهر) ومثله الإناء الطاهر. كما في مستعملاً. قال كما في المنح (أو) غسل (دابة توكل) هذا باتفاق أنه لا يصير الشيخ الرحمي والظاهر أن غير المأكولة كذلك، لطهارتها حية في غير الخنزير، وما قيل بنجاسة عينه ينبغي أن تكون غسالته مكروهة تتريها اهـ.
(أو) استعمل (لأجل إسقاط فرض هو الأصل في الإستعمال) وهو موجود في رفع الحدث حقيقة، وفي القربة حكماً، لكونها بمنزلة الإسقاط ثانياً، وقد مر. قال في البحر ما حاصله: أن الماء ثلاثة أشياء، إما مستعملا بواحد من يصير بإزالة الحدث كانت معه قربة أو لا، وإقامة القربة كان معها رفع الحدث أو لا، أو إسقاط فرض، لقولهم من أدخل يده إلى المرفق في إجانة يصير مستعملاً، وفي هذا لم يزل الحدث، ولم توجد نية القربة، وإنما سقط الفرض عن العضو المغسول. قال في النهر: وإنما تتم زيادته بتقدير أن إسقاط الفرض لا ثواب فيه، وإلا كانت قربة اهـ. قال السيد أحمد: وفيه أن الفرض قد يسقط بفعل المكلف ولو من غير نية، وعند عدم النية لا ثواب فيه، فكيف يكون قربة اهـ.
(كما نبه عليه الكمال) فانه ذكر أن الأصل في ذلك المال، إذا نوى به الزكاة فانه يحصل به إسقاط الفرض، والقربة، ورأيناه قد تغير عن. حكمه الأصلي، حتى حرم على النبي صلى الله عليه وسلم لا ستعذاره، والذي يعقله أن كلاً من التقرب الماحي للسيئات، وإسقاط الفرض مؤثر في التغير، ألا ترى أنه انفرد وصف التقرب في صدقة التطوع، وأثر التغير حتى حرم على النبي، ثم رأينا الأثر عند ثبوت وصف الإسقاط، ومعه غير ذلك وهو أشد فحرم على قرابته الناصرة له، فعرفنا أنه كلا أثر تغيرا شرعيا اهـ.
بان يغسل بعض أعضائه) سواء كان في الحدث الأصغر، أو الأكبر، عضو تام الصيرورة الماء مستعملا في الرواية المعروفة عن أبي يوسف، كذا في المحيط وبإدخال إصبع أو إصبعين لا يصير مستعملا،
الجزء 1 · صفحة 49
ولو سقط الفرض كما ذكروا بإدخال الكف يستعمل هندية، أي يستعمل ما لاقى الكف لا كل الماء، كما سيأتي التنبيه. أو يدخل يده أو رجله) يعني وهو محدث (في حُب) بحاء مهملة مضمومة، أي خابية فارس، معرب جمعه حباب، وحبب، كعنب ومصباح، وقال في القاموس: هي الجرة، أو الضخمة منها، أو الخشبات الأربعة توضع عليها الجرة ذات العروتين، والكرامة غطاء الجرة، ومنه حباء وكرامة اهـ.
(لغير اغتراف) بل لقصد غسل يده من طين أو عجين، وافهم تقييده أنه إذا كان بقصد الاغتراف لا يستعمل شيء للضرورة (ونحوه) كمد يد لإخراج كوز، أو نزول في بئر لإخراج دلو، فانه لا يستعمل قاله السيد أحمد.
قلت: ولا يخفى أنه مر لنا سابقاً أن غسل اليدين من الطين، والعجين، لا يصيره مستعملا کالاغتراف، ونحوه، فالأولى أن يراد من قوله لغير اغتراف أحد الأشياء الثلاثة وهي القربة أو رفع الحدث، أو إسقاط الفرض. (فانه يصير مستعملاً لسقوط الفرض اتفاقاً) لأنه لا يحتاج إلى نية الطهارة [وإن) وصليه (لم يزل حدث عضوه، أو جنابته ما لم يتم) غسل أعضائه الباقية (لعدم تجرئهما) أي الحدث والجنابة (زوالاً وثبوتاً على المعتمد) يعني فإذا زالا زالا جميعاً، وإذا ثبتاً ثبتا جميعاً، ومقابله المعتمد القول بالتجزء.
قال في البحر فان في هذه المسائل لم يزل الحدث ولا الجنابة عن العضو المغسول، لما عرف أن الحدث والجنابة لا يتجزءان زوالا، كما لا يتجزءان ثبوتاً، قالوا وهذا هو الصحيح وكذا لم توجد نية القربة، وإنما سقط الفرض عن العضو المغسول، ولا تلازم بين رفع الحدث وسقوط الفرض، فسقوط الفرض عن اليد مثلاً أنه لا تجب إعادة غسله مع بقية الأعضاء، ويكون ارتفاع الحدث موقوفاً يقتضي على غسل البافي، وسقوط الفرض هو الأصل في الاستعمال، إلا أن يقال أن الحدث قد زال عن العضو زوالا موقوفا، لكن المعلل به في كتاب الحيض عن أبي حنيفة كما. نقله في الفتح، إسقاط الفرض في مسألة إدخال اليد الإناء لغير ضرورة، لا إزالة الحدث اهـ.
وفي كتاب الحسن عن أبي حنيفة غمس جنب، أو غير متوضيء يده إلى المرفق، أو إحدى الرجلين في إجانة، لم يجز الوضوء منه، لأنه يسقط فرضه عنه، وذلك لأن الضرورة لم تتحقق في الإدخال إلى المرفق، حتى لو تحققت بأن وقع الكوز في الحب، فأدخل يده إلى المرفق لإخراجه لا يصير مستعملاً، نص عليه في الخلاصة، بخلاف ما لو أدخل يده للتبرد، لأنه يصير مستعملاً لعدم الضرورة. ثم إدخال مجرد الكف
الجزء 1 · صفحة 50
لا يصيره مستعملاً، إذا لم يُرد الغسل فيه، بل أراد رفع الماء، فإن أراد الغسل إن كان إصبعاً، أو أكثر دون الكف لا يضر، ومع الكف بخلافه. ذكره في الخلاصة.
وقال الشيخ قاسم في حواشي المجمع الحدث يقال بمعنيين:
-بمعنى المانعية الشرعية لما لا يحل بدون الطهارة وهذا لا يتجزء بلا خلاف بين الإمام وصاحبيه.
-معنى النجاسة الحكمية، وهذا يتجزء ثبوتاً وارتفاعاً بلا خلاف كذلك، وصيرورة الماء مستعملا بإزالة الثانية ثم قال: هذا هو التحقيق خذه فإنه بالأخذ حقيق اهـ
قلت ونفيه للخلاف في عدم تجزء الطهارة ينافي ما تقدم للشارح في مسائل الغسل، تحت قوله إلا بخلاف متجاف، واختلفوا في مسه بغير أعضاء الطهارة، وبما غسل منها، وفي القراءة بعد المضمضة، والمنع أصح اهـ.
(قلت وينبغي أن يزاد) على قول الماتن أو إسقاط فرض (أو سنة) في الوضوء لا الغسل كما لا يخفى (ليعم المضمضة والاستنشاق) يعني فيصير مستعملاً لو فعلهما بلا نية لسقوط السنة بذلك.
قال الفتال: وعليه فلا يخص المضمضة والاستنشاق، بل يشمل غسل اليد للأكل بدون نية لأنه سنةوقد مرَّ اشتراط النية فيه، فينبغي اشتراطها فيهما أيضاً، أو عدم الاشتراط في الكل، إذ الفرق تحكم، ولذا قال في النهر بعد ما نقل كلام الفتح من اشتراط النية في الغسل للأكل وعليه فينبغي اشتراطها في كل سنة كغسل الفم والأنف، وفي ذلك تردد اهـ وقد مر ما فيه.
(فتأمل) قال الشيخ الرحمتي ولا يخلو إما أن ينوي بهما السنة، فقد حصل بذلك القربة فيغني عنه اشتراطها، وإلا فلام نسلّم سقوط السنة به، ولذا أمر بالتأمل. إذا انفصل عن عضو) وأما ما كان باقياً على العضو، ولم يتجاوزه فليس بمستعمل، فلا يرد ما استشكله سفيان الثوري بأنه لو توضأ واغتسل وبقي على يده لمعة، فأخذ البلل منها في الوضوء، أو من أي عضو كان في الغسل، وغسل اللمعة يجوز، وكذا لو نقل البلّة من مغسول إلى ممسوح فذلك الجواز في كل من المسألتين مقيد بأمرين:
أحدهما: أن البلل المأخوذ من العضو لو غسلت به اللمعة سال عليها وتقاطر، وإلا لا.
ثانيهما: أنه أخذ ذلك قبل الانفصال، وإلا لا.
(وإن) وصليه (لم يستقر) ذلك الماء المنحدر (في شيء) من إناء، أو أرض، أو غيرهما (على المذهب)
الجزء 1 · صفحة 51
وصححه في الهداية وكثير من الكتب، وصدر به في الكافي وفي القهستاني وعليه أكثر المتأخرين.
وقيل) والقائل بذلك سفيان الثوري، وإبراهيم النخعي، وبعض مشائخ بلخ، وأبي حفص الكبير، وظهير الدين المرغيناني، لا يصير مستعملاً إلا إذا استقر) في مكان من أرض أو كف أو ثوب وسكن عن التحرك (ورجح) قال في الخلاصة: وهو المختار.
(للحرج) وفي غاية البيان أن مختار فخر الإسلام البزدوي وغيره في شرح الجامع الصغير، اجتماعه في مكان بعد المزايلة قال وفيما اختاره صاحب الهداية حرج عظيم على المسلمين. لأن الماء الذي يقطر من الأعضاء يصيب ثياب المتوضيء، فلو قلنا باستعماله بالانفصال، فقط لتنجس ثوبه على القول بنجاسة الماء المستعمل حتى احتاج بعضهم إلى حمله على ثياب غير المتوضيء، وبعضهم إلى حمله على الغسل كما أشار إليه في المعراج عن شيخه و به جزم في الكتر، واختاره الطحاوي، وبه أفتى المرغيناني كما في النهاية وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا انفصل و لم يستقر، بل هو في الهواء، فسقط على عضو إنسان وجرى فيه من غير أن يأخذه بكفه، فعلى قول العامة لا يصح وضوؤه، وعلى قول البعض يصح، كما في البحر. (وردّ) دعوى الحرج) بأن ما يصيب منديل المتوضيء) أي الحرقة التي بها، أو التي أصابها القطرات قبل نزولها إلى الأرض (و) كذلك (ثيابه عفو يمسح اتفاقاً) بين الإمام، وصاحبيه أما عند محمد فالماء المستعمل طاهر عنده، وهو المختار، والتعبير بالعفو بالنظر إلى قوله غير مناسب، وعندهما وإن كان نجساً على بعض الروايات، فسقوط اعتبار بنجاسته هاهنا لمكان الضرورة.
(وإن) وصليه كثر) أي وإن كان ما أصابها من البلل كثيراً فاحشاً. كما في البدائع وغيره. (وهو) أي الماء المستعمل (طاهر) كما قاله مشائخ العراق، ولم يثبتوا خلافاً فيه، وأما غيرهم اثبت الخلاف فقالوا عن أبي حنيفة روايتان، في رواية محمد عنه أنه طاهر غير طهور، وبها أخذ وكذا رواها، زفر وعامر عن أبي حنيفة، كما ذكره قاضي خان في شرحه وفي رواية عن أبي يوسف، والحسن بن زياد أنه نجس، غير أن الحسن روى عنه التغليظ، وأبا يوسف روى التخفيف، وكل أخذ بما روى، وروي عن أبي يوسف أن المستعمل إن كان محدثا، أو جنباً فالماء نجس، وإن كان طاهراً فالماء طاهر، وعند زفر إن كان المستعمل محدثاً، أو جنباً، فهو طاهر غير طهور، وإن كان متوضئاً فهو طاهر طهور، وقد صحح المشائخ رواية محمد حتى قال في المجتبى وقد صحت الروايات عن الكل، أنه طاهر غير طهور إلا الحسن، وقال فخر الإسلام في شرح الجامع الصغير: وهو المختار عندنا، وهو المذكور في عامة كتب محمد، واختاره المحققون من مشائخ ما وراء النهر، وفي المحيط أنها المشهورة عن أبي حنيفة، وفي كثير من الكتب، وعليها الفتوى. من
الجزء 1 · صفحة 52
غير تفصيل بين المحدث والجنب، ولذا قال الشارح:
(ولو) وصليه (من جنب على الظاهر) أي ظاهر الرواية، وممن صرح بأن رواية الطهارة ظاهر الرواية وعليها الفتوى في الكافي والمصفى. لكن المذكور في الولوالجية والتجنيس في مواضع أن الفتوى على رواية محمد العموم البلوى، إلا في الجنب، فلم يوجد فيه عموم البلوى، فكان ما ذكره على المختار من النجاسة. وفي فتاوى قاضي خان المشهور عن أبي حنيفة، وأبي يوسف نجاسة الماء المستعمل.
لكن قال في الذخيرة والظاهر أن الماء المستعمل طاهر للجنب والمحدث.
وقد ذكر النووي أن الصحيح من مذهب الشافعي، أنه طاهر غير طهور، و به قال أحمد، وهو رواية عن مالك، ولم يذكر ابن المنذر عنه غيرها، وهو قول جمهور السلف والخلف.
ووجه من قال بنجاسته:
- ما أخرجه مسلم من قوله الله لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة فمنعه الهلال اليها من اغتسال الجنب فيه، ليس إلا لأن القليل من الماء ينجس بالإغتسال بنجاسة الغسالة، فإن القاء الطاهر في الطاهر غير ممنوع والأصل في مطلق النهي التحريم خصوصاً إذا كان مؤكداً بنون التأكيد ومما استدل على نجاسته:
- قوله تعالى ولكن يُرِيدُ ? لِيُطَهِّرَكُم لأنه دل إطلاق
التطهير على ثبوت النجاسة في أعضاء الوضوء، ولذا قال أصحابنا الحدث نجاسة حكمية، ودلّ الحكم بزوالها بعد التوضيء على انتقالها إلى الماء، فيجب الحكم بالنجاسة.
ووجه من قال بطهارته:
- ما رواه الشيخان عن جابر رضي الله عنه- قال مرضت فأتاني النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر - رضي الله عنه - يعوداني، فوجداني قد أغمي على فتوضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم صب علي ثم وضوءه فأفقت. وفي البخاري أيضاً: أن الناس كانوا يتمسحون بوضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه: أنه كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، والأصل التبرك بما انفصل عن أعضائه الشريفة فلا يقال أن التمسح كان بما فضل لا بما انفصل، لأنا نقول: لو كان كذلك لما احتيج إلى الوضوء كله بل تحريك اليد الشريفة في الماء كان كافياً، إلا أن لقائل أن يقول: إنما يتم الاستدلال بهذا على طهارته، لو لم يرو عن الإمام طهارة فضلاته الله من البول والغائط، فإذا حكم بطهارة
الجزء 1 · صفحة 53
النجس الحقيقي بالنظر إلى غيره له فما ظنك بما كانت فيه نجاسة حكمية، بالنظر إلى ما عداه ثم الماء المستعمل عند من يقول بنجاسته نجاسة عينية عند البعض، حتى لا يجوز الانتفاع به بوجه ما، وعند البعض نجاسته بالمجاورة، حتى يجوز الانتفاع به بسائر الوجوه، سوى الشرب، لأن هذا ماء أزيلت به النجاسة الحكمية، فصار كماء أزيلت به النجاسة الحقيقية.
(لكن) في الخلاصة (يكره شربه) أي الماء المستعمل (والعجن به تتريهاً للاستقذار) يعني على رواية طهارته لأن الطهارة لا تستلزم جواز الشرب، كما أنها لا تستلزم جواز الأكل، وإنما كره لكونه مستقذراً طبعاً، ... وكذا هو العلة في كراهة التوضي في المسجد في غير ما أعد له، فإنه مستقذر طبعاً، فيجب تتريه المسجد عنه، كما يجب تتريهه عن المخاط، والبزاق. وفي الخانية: فإن توضأ في إناء في المسجد جاز عندهم اهـ.
(و) أما (على رواية نجاسته) أي الماء المستعمل، فيكره شربه (تحريماً) لقوله الله تعالى: {َويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث والنجس منها.
فائدة قال في الخلاصة: الماء المتنجس إن تغير وصفه لم يجز الانتفاع به بحال، وإن لم يتغير جاز الانتفاع به، كَبَل طين وسقي دواب اهـ.
(وحكمه) وهو البحث الرابع في الماء المستعمل (أنه ليس بطهور) على ما اتفق عليه أصحابنا في الروايات الظاهرة كما في الخانية، لكن انتفت طهوريته لحدث) مطلقاً، أصغر، أو أكبر (بل) يكون طهور (لخبث) فإن إزالة النجاسة الحقيقية تجوز بالمائعات عند أبي حنيفة، صرح به القوام الاتقاني، والكاكي في المعراج، وصاحب النهاية وغيرهم وأما عند محمد فإنه وإن قال بطهارة الماء المستعمل، لكنه لا يجيز إزالة النجاسات الحقيقية إلا بماء مطلق، والماء المستعمل ليس بمطلق، فالحاصل أن المستعمل يزيل الأخباث عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، خلافاً لمحمد (على الراجح المعتمد) وكونه ليس بطهور هو مذهب الشافعي، ورواية عن مالك، وذهب الزهري، ومالك، والأوزاعي، في أشهر الروايتين عنهما، وأبو ثور، إلى أنه مطهر للأحداث والأخباث جميعاً، واختاره ابن المنذر، واحتجوا بقوله تعالى: {وأنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً والطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى. ويُحتج لأصحابنا ومن تبعهم أن النبي الله وأصحابه رضي الله عنهم احتاجوا في مواطن كثيرة في أسفارهم إلى الماء ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، وتمامه في البحر.
الجزء 1 · صفحة 54
(فرع: اختلف في محدث) أطلقه فشمل ما لو أحدث بأصغر، أو أكبر، وكذا حكم الحائض والنفساء، إذا نزلا بعد الانقطاع، وأما قبل الانقطاع وليس على أعضائهما نجاسة فإنهما كالرجل الطاهر إذا انغمس للتبرد، لأنها لا تخرج من الحيض بهذا الوقوع، فلا يصير الماء مستعملاً، كما في الخلاصة.
(انغمس) المحدث قيدنا به، لأن الطاهر إذا انغمس في بئر لذلك لا يصير الماء مستعملاً اتفاقاً لعدم إزالة الحدث، وإقامة القربة (في بئر) دون عشر في عشر وليست جارية (لدلو) أي لإخراجه منها (أو تبرد) قيد به لأنه لو انغمس بقصد الاغتسال للصلاة صار الماء مستعملاً اتفاقاً، لوجود إزالة الحدث، ونية إقامة القربة، لكن ينبغي أن لا يزول حدثه عند الثاني، لاشتراطه الصب في غير الجاري وما في حكمه لإسقاط الفرض، ولم أر من صرح به بحر.
قلت: وقد روي عن أبي يوسف اشتراط الصب في غسل البدن، والثوب جميعاً لحصول الطهارة، والمشهور عنه اشتراطه في البدن دون الثوب، لأن الثياب تغسلها النساء في العادة، وكل امرأة لا تجد خادماً يصب الماء عليها، ولا ماء جارياً، وأما غسل البدن فيتحقق بطريق الصب من غير كلفة، كذا في النهاية.
وقال القاضي الاسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي جنب اغتسل في بئر، ثم في بئر إلى العشرة، قال أبو يوسف تنجس الآبار كلها، وقال محمد يخرج من الثالثة طاهراً، ثم ينظر إن كان على بدنه عين نجاسة تنجس المياه كلها، وإن لم يكن عين نجاسة صارت المياه كلها مستعملة ثم بعد الثالثة إن وجدت منه النية يصير مستعملاً، وإن لم توجد منه النية لا: يصير مستعملاً عنده، ولا يخفى أن مقتضى مذهب أبي يوسف من اشتراط الصب، أن لا تنجس المياه كلها عنده، كما أن الحدث لم يزل، ونية الاغتسال وإن وجدت لكن لا اعتبار لها إذا لم يصح الغسل بحر.
(مستنجياً بالماء) قيد به لأنه لو كان مستنجيا بالأحجار تنجس الماء اتفاقاً، لكن هذا ينبني على أن الحجر في الاستنجاء مخفف لا مطهر، وفيه خلاف ذكره في التجنيس وذكر أن المختار أنه مخفف لا مطهر.
وأما على قول أنه مطهر فلا حاجة إلى تقييد الاستنجاء بالماء، ما لم يتجاوز عن المخرج، وأما فيما جاوزه وانغمس قبل أن يغسله تنجس الماء اتفاقاً، والله اعلم. قال في تنوير البصائر: قلت وفي التترخانية ما يدل على أن الاستنجاء بالحجر مطهر في الأصح، حيث قال: وإذا استنجى بالأحجار ثم نزل في ماء قليل، أو جلس في طشت ماء، ذكر الفقيه أبو جعفر في غريب الرواية إن قيل لا ينجس فله وجه، قال وهو الأصح كما في جامع الجوامع، وإن قيل ينجس فله وجه، قال وهو الأصح اهـ.
الجزء 1 · صفحة 55
قلت: فتحرر أن في كون الحجر مخففاً، أو مطهراً، اختلافاً واختلاف تصحيح لكن ينبغي اعتماد كونه مخففاً، لتأبيده على مقابله بأنه المختار، ولأن الأكثر نقلوا أن الماء ينجس في الصحيح، كما في المضمرات.
(و) الحال أنه (لا نجس عليه) احترز به عما لو كانت على بدنه نجاسة، فإنه ينجس الماء اتفاقاً، وإنما قيده به مع ما مضى من اشتراط الاستنجاء بالماء، لأن اشتراط زوال النجاسة من غير موضع الاستنجاء متفق عليه، ومن محل الاستنجاء مختلف فيه. (ولم ينو) عند انغماسه إزالة الجنابة، ولو نواها فيصير مستعملاً عند أبي حنيفة، ومحمد كما تقدم (ولم يتدلك) قيد به في المحيط ولم يبين مفهومه، وكذا في الخلاصة، والظاهر منه أنه إذا نزل للدلو وتدلك في الماء صار مستعملاً إتفافاً، لأن الدلك فعل منه قائم مقام نية الاغتسال، فصار كما لو نزل للاغتسال بحر.
والأصح) من الأقوال الأربعة في مسألة انغماس الجنب الموصوف في البئر لطلب الدلو، أو التبرد (أنه) أي المحدث المنغمس (طاهر) لأن الفرض قد سقط عن بعض الأعضاء بأول الملاقات، لأن النية ليست بشرط لسقوط الفرض، وكذلك الصب غير مشترط، خلافاً لما ذهب إليه أبو يوسف، وإذا كان كذلك (والماء مستعمل | لأنه قد ارتفع به الحدث، وسقط الفرض (لاشتراط الانفصال للاستعمال) وهذا ظاهره يشعر بأن الماء لا يوصف بالاستعمال إلا بعد انتزاع المنغمس منه (والمراد أن ما اتصل بأعضائه) من ماء البئر (وانفصل منها مستعمل لا كل الماء) أي ماء البئر من الذي لم يلاق جسمه يصير. مستعملاً (على ما مر) في أول باب المياه من أن العبرة للأكثر في مسألة الفساقي، قال في مستعملاً مطلقاً، لأن مذهب محمد أن ماء البئر لا يصير البحر: والصحيح من المستعمل هو ما تساقط الأعضاء، وهو مغلوب بالنسبة إلى الماء الذي لم يستعمل، فاحفظ هذا وكن على ذكر منه ينفعك إن شاء الله تعالى.
ثم لا يخفى أن ما قدمناه محقق بصيرورته مستعملاً، لكن باعتبار مغلوبيته ارتفع عنه حكم الاستعمال، ولقائل أن يقول: لا يصير الماء الملاقي للجنب المنغمس مستعملاً أصلا، لأن انغماسه إنما كان للضرورة، إذ الحاجة إلى الانغماس في البئر لطلب الدلو مما تتكرر، فلو احتاجوا إلى الغسل عند نزح ماء البئر كل مرة الحرجوا حرجاً عظيماً، فصار كالمحدث إذا اغترف الماء بكفه، ولم ينو سوا الاغتراف، فإنه لا يصير مستعملاً بلا خلاف. كما في البحر.
الثاني من الأقوال في المسألة المذكورة ما ذهب إليه أبو حنيفة، أن المنغمس المذكور لما سقط عنه
الجزء 1 · صفحة 56
الفرض صار الماء مستعملاً فيتنجس الماء، فإن لاقى جميع جسمه الماء ارتفعت عنه الجنابة، لكن تنجس بالماء النجس، فكلاهما نجسان، إلا أنه جاز له أن يقرأ القرآن ويدخل المسجد إذا تمضمض واستنشق، وأما لو بقي موضع من بدنه لم يصبه الماء، بقي جنباً فلا تجوز له التلاوة، ودخول المسجد، وأما الماء فينجس لسقوط الفرض عن بعض أعضائه.
الثالث: أن كليهما على حالهما عند أبي يوسف لأن الصب شرط لإسقاط الفرض عنده في غير الماء الجاري، وما هو في حكمه، ولم يوجد فكان الرجل جنباً بحاله، فإذا لم يسقط الفرض، ولم يوجد رفع الحدث، ولا نية القربة، لا يصير الماء مستعملاً فكان بحاله.
الرابع: أن كليهما طاهران، أما الماء فإنه وإن أزيل به حدث، لكن مع الضرورة لا يصير مستعملاً، وأما على ما قد مناه عن أبي بكر الرازي، فلا يصير مستعملاً عنده لفقد نية القربة، وهي شرط عنده في صيرورته مستعملاً، وما ذكره الشارح هو أوفق الروايات للقياس، وفي الفتح وشرح المجمع: أنها الرواية المصححة.
ولما كانت مسألة دباغ الإهاب تتعلق بالمياه من حيث أنه يتخذ من المدبوغ قربة فيتوضأ منها تعرض لها بقوله:
(وكل إهاب) وإلا فإنها من حيث طهارتها تعلق بكتاب الصيد، ومن حيث جواز الصلاة لها تعلق بكتاب الصلاة أيضاً، والإهاب الجلد المغير المدبوغ، جمعه: أهب بضمتين، ككتاب وكتب، وهو القياس، وبفتحتين على غير قياس، قال بعضهم وليس في كلام العرب يقال الجمع على فعل بفتحتين، إلا إهاب، واهب، وعماد، وعمد ذكره السيوطي.
قلت: والأديم هو الجلد المدبوغ وجمعه أدم بفتحتينكذا في المغرب قال ابن أمير الحاج وإنما سُمِّي اهاباً لأنه أهبه الحي، وبناء للحماية له على جسده، فإذا دبغ يسمى أديماً، أو صُرَّ ماء، أو جراباً اهـ. وأفاد عصام في حواشيه: أن وجه إدراج مسألة الإهاب في هذا الموضع، وإن كان الأليق له باب الأنجاس أما صلاحه بعد الدباغ وعاء للماء، أو لانّ الدبغ مطهر في الجملة اهـ.
ومثله المثانة والكرش في كونهما يطهران بالدباغ وفي التجنيس: إذا أصلح أمعاء شاة ميتة فصلى وهي معه جازت صلاته، لأنه يتخذ منها الأوتار، وهو كالدباغ، وكذلك العقب، والعصب، وكذا لو دبغ المثانة فجعل فيها لبن جاز ولا يفسد اللبن، وكذا الكرش إن كان يقدر على إصلاحه، وقال أبو يوسف
الجزء 1 · صفحة 57
في الإملاء، الكرش لا يطهر لأنه كاللحم اهـ.
والمثانة كما في القاموس: موضع الولد أو البول. والكرش بالكسر ككتف لكل مجتز بمنزلة المعدة للإنسان قاموس .. تم أطلق في هذه الأشياء فشملت ما إذ كانت من مذكاة أو ميتة مأكول اللحم، أو لا.
(قال القهستاني: فالأولى وما دبغ) حيث لم يكن الحكم مقتصراً على الإهاب وما تدل على العموم وقوله (ولو بشمس) يشعر بأنه حقيقة الدباغ ما يمنع عود الفساد إلى الجلد عند حصول الماء فيه، وذلك لا يخلو عن ضربين: - إما حقيقي - أو حكمي
فالحقيقي: هو أن يدبغ بشيء له قيمة كالشب، والقرظ، والعفص، وقشور الرمان، ولحاء الشجر، والملح، وما أشبه ذلك، وضبط بعضهم الشب بالموحدة، وذكر الأزهري أن غيره، تصحيف وضبطه بعضهم بالمثلثة بدلا عن الموحدة، وهو نبت طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به ذكره الجوهري وبأيهما كان الدباغ فهو جائز. وأما القرظ: فهو بظاء مشاله، ورق شجر السَّلم، بفتح السين واللام، ومنه أديم مقروظ، أي مدبوغ بالقرظ.
والحكمي: أنه يدبغ بالتشميس، والتريب والإلقاء في الريح، لا بمجرد التجفيف، والنوعان مستويان في سائر الأحكام، إلا في حكم واحد وهو: أنه لو أصابه الماء بعد الدباغ الحقيقي فلا يعود نجساً باتفاق الروايات، وبعد الحكمي فيه روايتان وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى، وأطلق في الدباغة فتشمل ما لو كان الدابغُ مسلماً، أو كافر، أو صبياً، أو مجنوناً، أو امرأة، إلا أن الكافر إذا دبغه بدهن نجس، فإنه يُغسل كما في السراج.
(وهو يحتملها) أي الدباغة المأخوذة من دبغ والمراد بالدباغة الحقيقية، ولا حاجة إلى هذا التقييد، لأن الإهاب يتناول كل جلد يحتمل الدباغة لا ما لا يحتملها كما في البحر، اللهم إلا أن يقال: إنما أتى به ليرتب عليه ما بعده.
(طهر) بضم الهاء والفتح أفصح الحموي، وذلك لحديث الشيخين عن ابن عباس رضي الله عنهما - أنه لا الله قال: أيما إهاب دبغ فقد طهر وأي نكرة، وصفت بصفات عامة، فتعم ما يؤكل وما لا يؤكل، وطهارته ظاهراً وباطناً، عندنا خلافا لمالك. (فيصلى به ويتوضأ) منه كان الأولى الاقتصار على الوضوء، لأن المقام له،
وجواز الصلاة فيه لازمة الجواز الوضوء، ويشرب منه ماء كان، أو لبناً، أو نحوهما. (وما لا
الجزء 1 · صفحة 58
يحتملها) أي الدباغة الحقيقية (فلا) يطهر، لأنه باق على الأصل في نجاسة الميتة، وإنما يطهر إهابها بالدبغ، وهذا ليس بإهاب، ولا يدبغ على أنه لا معنى لقوله فلا يطهر ... الخ، لأنه إذا كان غير صالح للدبغ فكيف يدبغ، حتى يقال أنه لم يطهر به (وعليه) الفتوى هكذا وقع في نسخ، وهذا يشعر بوقوع قول بطهارة جلد ما لا يحتمل الدباغة، والأمر بخلاف ذلك، والصحيح ما وقع في بعض النسخ، وعليه أي على ما ذكر من أن ما لا يحتمل الدباغة لا يطهر.
(فلا يطهر جلد حية صغيرة) لها دم أما ما لا دم لها فهي طاهرة، العدم حلول الحياة فيها، وبقيد الصغيرة أفاد أنها لو كانت عظيمة، ويقبل جلدها ذلك تظهر به (ذكره الزيلعي أما قميصها) أي الحية ولو كبيرة (فطاهر) لأنه لا تحله الحياة، فهو كالشعر والعظم (وفأرة كما أنه لا يطهر) ما ذكر من جلد الحية الصغيرة، والفأرة (بذكاة) بذال معجمة وهو الذبح. (لتقييدهما) أي الطهارة بالذكاة، والطهارة بالدباغة. (بما يحتمله) أي الدبغ، فلا يطهران إلا ما يحتمل الدبغ وما لا فلا ونقل أبو السعود عن شيخه عن خط الشرنبلالي يظهر لي الفرق بين الذكاة والدباغة، لخروج الدم المسفوح بالذكاة، وإن كان الجلد لا يحتمل الدباغة.
تنبيه: طهارة الجلد المدبوغ لا يستلزم جواز أكله بعد الدباغة، إذا كان من ميتة، ولو كان مأكول اللحم على الصحيح لقوله تعالى: الله حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الميتة وهذا جزء منها، وقال له في شاة ميمونة –رضي الله عنها -: إنما حرم أكلها. مع أمره لهم بالدباغ والانتفاع وقال بعضهم: يجوز أكل جلد الميتة من مأكول اللحم بعد الدباغ، لأنه طاهر كجلد المذكاة، والصحيح ما تقدم، وجلد غير مأكول اللحم كالحمار لا يجوز أكله إجماعاً، لأن الدباغ فيه ليس بأقوى من الذكاة، وذكاته لا تبيحه، فكذا دباغه بحر.
ويجوز بيعه بعد الدبغ والانتفاع به، وهو قول الشافعي في الجديد، وجمهور العلماء، وأما بيعه قبل الدبغ فلا يجوز عندنا كما في المحيط، وشرح الطحاوي، وفي بعض الكتب ذكر خلافاً، قال بعضهم أنه ملحق بالميتة، وبعضهم الحقه بالخمر، فالظاهر منه الاتفاق على عدم الجواز بحر (خلا) هو استثناء منقطع، أي لكن (جلد خترير) لو دبغ (فلا يطهر) لنجاسة عينه ولا يجوز مخالتطه، ولا فائدة فيه لعدم حل استعماله، وروي عن الإمام طهارة عينه كذا في كتاب الصيد هذا الكتاب نقلاً. من عن القهستاني وقيل: جلد الخنزير كالآدمي لا يقبلان الدبغ، لأن لهما جلوداً مترادفة، بعضها فوق بعض، ولأن شعر الخترير ينبت من لحمه، ولو تصور دبغه لطهر، والراجح ما تقدم لأنه محرم، وفي المبسوط: روي عن أبي يوسف أنه يطهر بالدباغ، وفي ظاهر الرواية لا يطهر، إما لأنه لا يحتمل الدباغ، أو لأن عينه نجس اهـ.
الجزء 1 · صفحة 59
(وقدم) أي الخترير في الاستثناء على الآدمي (لأن المقام للإهانة) لكونه في بيان النجاسة وتأخير الآدمي في ذلك أكمل كما في قوله تعالى: و لهدمت صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِد وجلد (آدمي فلا يدبغ لكرامته) يعني لا يجوز دبغه احتراماً، له وعليه إجماع المسلمين. كما نقله ابن حزم.
وقال بعضهم أن جلده لا يظهر بالدباغة أصلاً، احتراماً له، فالقول بعدم طهارة جلده تعظيم له، حتى لا يتجرء أحد على سلخه، ودبغه، واستعماله، وذكر في الغاية: أنه (لو دبغ) جلد الآدمي (طهر) حتى لو حمله إنسان مدبوغاً وصلي به جازت صلاته رحمي.
(وإن) وصليه (حرم استعماله) كسائر أجزائه (حتى لو طحن عظمه) أي الإنسان (في دقيق لم يؤكل في) القول (الأصح احتراماً) تعليل لعدم الأكل، يعني فليست العلة النجاسة، لأن عظمه طاهر (وأفاد كلامه) أي الماتن حيث أطلق الإهاب (طهارة جلد كلب) بعد دباغته بناء على أنه ليس بنجس العين، وفي مسبوط شيخ الإسلام أما جلد الكلب فعن أصحابنا فيه روايتان، في رواية يطهر بالدباغ، وفي رواية لا، وهو الظاهر من المذهب، وذكر الناطفي عن محمد إذا صلى على جلد كلب أو ذئب قد دبغ جازت صلاته، وقال القاضي | الأسبيجابي: وأما الكلب يحتمل الذكاة، والدباغة في ظاهر الرواية، خلافاً لما روي عن الحسن. [و) طهارة جلد (فيل) بعد دبغه (وهو المعتمد) خلافاً لمحمد: الله. عنه - رضي في قوله: أن الفيل نجس العين، وعندهما هو كسائر السباع، قال في المبسوط: باب الحدث من وهو الأصح، فقد جاء في حديث ثوبان - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم: اشترى لفاطمة – رضي الله عنها - سوادين من عاج فظهر استعمال الناس العاج من غير نكير، فدل على طهارته اهـ. وأخرج البيهقي أنه كان ينشط بمشط من عاج قال الجوهري: العاج عظم الفيل. قال ابن الهمام: هذا الحديث يبطل قول محمد بنجاسة عين الفيل.
(وما أي) كل إهاب ظهر به أي (بدباغ طهر بذكاة على المذهب) سواء كان مأكولاً أو لا، وسؤره نجساً أو لا، وطهارة جلد المذكى هو ظاهر المذهب كذا في البدائع. وفي النهاية أنه اختيار بعض المشائخ، وعند بعضهم إنما يظهر جلده بالذكاة إذا لم يكن سؤره نجساً اهـ ونقل في الدرر عن الخلاصة: أن الخترير إذا ذبح طهر جلده بالدباغ اهـ وليس هذا بمعتمد.
(لا يطهر لحمه على قول الأكثر إن كان) المذكى (غير مأكول) اللحم، وقال في البحر وأما طهارة لحمه إذا كان غير مأكول اللحم فقد اختلف فيه، وصحح في البدائع والهداية والتجنيس طهارته وصحح
الجزء 1 · صفحة 60
في الأسرار، والكفاية والتبيين، نجاسته، وفي المعراج أنه قول المحققين من أصحابنا، وفي الخلاصة وهو المختار، واختاره قاضي خان وفي التبيين أنه قول أكثر المشائخ. ولذلك قال الشارح: (هذا) أي عدم طهارة لحمه بالذكاة (أصح ما يفتى به) فكانت الذكاة مطهرة لجلده للاحتياج إليه للصلاة فيه، وعليه، ولدفع الحر والبرد، وستر العورة بلبسه دون لحمه لعدم حل أكله المقصود من طهارته (وإن قال) الشيخ إبراهيم الكرخي (في الفيض الفتوى على طهارته) والحاصل أن الذكاة مطهرة لجلده ولحمه إن كان مأكولاً، وإلا فإن كان الحيوان نجس العين فلا يطهر شيء منه، وإلا فإن كان جلده يحتمل الدباغة فيظهر جلده فقط، وإن لم يحتملها فلا يطهر جلده كلحمه فتنبه. (وهل يشترط لطهارة جلده) أي غير مأكول اللحم، يعني ولحمه أيضاً على القول بطهارته بالذكاة (كون الذكاة شرعية بأن تكون من الأهل) وهو من تحل ذبيحته (في المحل) وهو ما بين اللبة واللحيين، وقد سَمَّى، بحيث لو كان مأكولاً حل أكله بتلك الذكاة بحر.
ومثلها الذكاة الضرورية، في أي موضع اتفق كما في الحلية، وإليه يشير كلام القنية.
(بالتسمية) وهي شرط في الأهل؟ (قيل نعم) وهذا في كثير من الكتب وقيل: لا) يشترط ذلك، فيطهر الجلد واللحم من غير مأكول اللحم، بأي ذكاة كانت (والأول أظهر لأن ذبح المجوسي) هذا مفهوم الأهل، وقوله: (وتارك التسمية عمداً) والوثني، والمرتد، والمحرم مفهوم التسمية، وترك محترز المحل، وهو أن يكون الذبح في غير محل الذبح، ولو ذكره لاستتم المحترزات (كلا ذبح وإن) وصليه (صحح الثاني) وهو عدم الشرط (صححه الزاهدي) المشهور علمه وفقهه بحر. (في القنية والمجتبى) نقل عنه في معراج الدراية: أن ذبيحة المجوسي، وتارك التسمية عمداً، توجب الطهارة على الأصح، إن لم يكن مأكولاً، وكذا نقله في المعراج عن القنية أيضاً (وأقره في البحر) قال: ويدل على أن هذا هو الأصح أن صاحب النهاية ذكر هذا الشرط الذي قدمناه بصيغة قيل، معزياً إلى فتاوي قاضي خان اهـ. والعلامة المقدسي قال: الزاهدي وإن كان معلوماً فقهه وعلمه، ففروع القنية معلومة.
(فرع ما يخرج من دار الحرب كسنجَاب) اسم لدابة، والمراد جلدها (إن علم دبغة بطاهر فطاهر) تجوز الصلاة فيه وإن لم يغسل (أو) إن تيقن دبغه بنجس) كَوَدَك الميتة (فنجس) لا تجوز الصلاة فيه ما لم يغسل، فإن غسل طهر، ولا يضر بقاء الأثر نهر عن المعراج (وإن شك) في دبغه هل هو بطاهر أو بنجس، ولم يترجح أحد الطرفين (فغسله أفضل) لترجح جانب النجاسة، لخروجه من دار قوم لا يرون الطهارة ولا يعتبرونها، فإن لم يغسل جاز بناء على أن الأصل الطهارة كما في شرح المنية.
الجزء 1 · صفحة 61
ومن هنا قالوا: لا بأس بلبس ثياب أهل الذمة و الصلاة فيها إلا الإزار، والسراويل فإنه تكره الصلاة فيها، لقربها من موضع الحدث، وتجوز لأن الأصل الطهارة وللتوارث بين المسلمين في الصلاة بثياب الغنائم قبل الغسل، وتمامه في الحلية، ونقل في القنية أن الجلود التي تدبغ في بلادنا، ولا يغسل مذبحها، ولا تتوقى النجاسات في دبغها ويلقونها على الأرض النجسة، ولا يغسلونها بعد تمام الدبغ، فهي طاهرة يجوز اتخاذ الخفاف والمكاعب، وغلاف الكتب، والمشط، والقراب، والدلاء رطباً، ويابساً عند عدم التيقن بنجاستها اهـ. (وشعر الميتة) إنما ذكره في المياه لإفادة أنه إذا وقع في الماء لا ينجسه لطهارته، وخص الميتة لأنه يفهم منها حكم شعر الحي بالأولى.
(غير الخنزير) أما هو فشعره وعظمه وجميع أجزائه نجسة، سواء كان مذكى أو لا، ورخص في شعره للخرازين للضرورة، لأن غيره لا يقوم مقامه عندهم، وعن أبي يوسف أنه كره لهم ذلك أيضاً، ولا يجوز بيعه في الروايات كلها بحر. (على المذهب) فلو وقع شعره في الماء نجسه عند أبي يوسف، وعند محمد لا ينجس، وإن صلى معه جاز عند محمد، وعند أبي يوسف لا يجوز إذا كان أكثر من الدرهم واختلفوا في قدر الدرهم، قيل وزناً، وقيل بسطاً كذا في السراج. وذكر السراج الهندي: أن قول أبي يوسف بنجاسته هو ظاهرالرواية، وصححه في البدائع ورجحه في الاختيار.
(وعظمها) ولذا قال في التجنيس: لا بأس ببيع عظام الميتة، لأنه لا يحل العظام الموت، وليس في العظام دم، فلا تتنجس فيجوز بيعها إلا بيع عظام الآدمي والخترير اهـ.
وفي الميحط: أن عظم الميتة إذا كانت عليه دسومة، ووقع في الماء نجسه وعند مالك والشافعي عظم الميتة نجس مطلقاً، عليه دسومة أو لا، بدليل قوله تعالى: هو مَن يُحْيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيم قُل يُحييها الذي أنشأها أَوَّلَ مَرَّة. قالوا وهذا دليل على سبق الحياة في العظم، قلنا: لا دليل فيها على سبق الحياة في العظم كقوله: {أَنَّ الله يُحْيِ الأرضَ بَعدَ مَوْتِهَا، ولا حياة فيها على أنا نقول لا يتم مدَّعاهم إلا لو كانت الآية: قل يحيبها الذي أحياها أول مرة والإنشاء أعم من الحياة، وليست الحياة إلا للنفوس والعظم وحده لا حياة فيه، ولا روح له، فلا يتحقق الموت في العظم.
(وعصبها على المشهور) ذكر الكمال أن العصب مما اتفق أصحابنا على طهارته بعد الموت. وقال في البحر بعد كلام الكمال وفي إدخال العصب في المسائل التي لا خلاف فيها نظر، فقد صرحوا أن في العصب روايتين، وصرح في السراج: أن الصحيح نجاسته، إلا أن صاحب الفتح تبع صاحب البدائع اهـ. وما
الجزء 1 · صفحة 62
قرره الماتن هو في الوقاية، والدرر وغيرهما، لأنه عظم غير متصلب كسائر العظام.
ومن قال بنجاسته يقول: إن فيه حياة بدليل أنه يتألم الحيوان بقطعه، بخلاف العظم فلا يتألم الإنسان بقطعه، وإنما يألم اللحم المتصل به كما في السراج. فهما قولان مصححان. (وحافرها) وكذا أظلافها (وقرنها الخالية عن الدسومة) ولو لم تكن خالية فهي متنجسة بها، وتطهر بالجفاف كما في الخانية.
ومثلهما: الشعر المنتوف وعبارة الخانية في فصل البئر: وعظم الميتة، وصوفها وشعرها، وقرنها وظلفها وحافرها، إذا يبس ولم تبق عليه دسومة لا يفسد الماء اهـ. فليتنبه له لغرابته رحمتي.
وكذا كل ما لا تحله الحياة) كالشعر والريش والمنقار، والبيض الضعيف القشرة فإنه محكوم بطهارته بعد الموت ما هي جزؤه (حتى الإنفحة) بكسر الهمزة وفتح الفاء، وقد تكسر، وهي ما يكون في معدة الرضيع من أجزاء اللبن، طاهرة عند الإمام إذا خرجت من شاة ميتة سواء كانت جامدة، أو مائعة، وعندهما المائعة نجسة والجامدة متنجسة تطهر بالغسل، أما لو خرجت من مذكاة فلا خلاف في طهارتها كما في شرح المنية.
وفي المجتبى الإنفحة بكسر الهمزة وقد تشدد الهاء، وقد تكسر الفاء، والمنفحة والبنفحة شيء واحد، يستخرج من بطن الجدي الراضع، أصفر فيوضع في صوفة ويعصر، فيغلظ به الجبن، فإذا أكل الجدي فهو كرش ثم قال: وجلدتها طاهرة، وما يفعله الناس الآن من تخثير اللبن بوضع الفرث فيه ينجسه عندهما خلافاً لمحمد.
وقال أبو السعود: وما يفعلونه من التخثير بالكرش الذي فيه الفرث بعد غسله، يملحونه ويجففونه ثم يجبنون به فإنه طيب لما علمت من الطهارة إذا خلا عن فرثه، حتى أن من له خبرة أخبرني أنهم يظهرونه مرات بالماء الجاري، وأنه لا دخل لما في الكرش الذي كان أنفحة حال شرب اللبن، قبل أكل المرعى في التجبين، وألهم يتشاءمون ببقاء الفرث، فإذا ماتت بهيمة من يبقيه أضافوا النكبة بموتها إلى تقصيره، ومن النساء من تأخذ قطعة جلدة فتدعكها في اللبن، وتخرجها، ولا تبقيها فيه، بل تحفظها لتجبن به مرة بعد أخرى.
وإذا تحقق وضع ذلك، فالمخلص تقليد مذهب الإمام مالك، فإنه يجعله طاهراً، لأن ما أكل لحمه فبوله وروثه طاهر عنده، أو الأخذ بقول محمد فإنه يوافقه أفاده السيد أحمد. رضي الله عنه.
والجبن: بضم الجيم والباء، وقد يشدد النون، وقد تسكن الباء أيضاً، ومن الأجزاء الطاهرة أيضاً
الجزء 1 · صفحة 63
الريش، والمنقار، والبيض الضعيف القشر. فائدة: قال في القاموس الأنافح لا سيما الأرنب على إبهام المحموم يشفى.
(واللبن على الراجح) فليس بمُتنجس، لأنه في معدنه، والنجاسة في معدنها لا يظهر حكمها حتى لو صلى وهو حامل بيضة قد استحال مخها دماً، لا تفسد صلاته لأنها في المعدن وقالوا: في السخلة إذا سقطت من أمها وهي رطبة فيبست، ثم وقعت في الماء لا يتنجس، لأنها كانت في معدنها كما في الفتح.
قال الشيخ الرحمتي والحاصل أن الخلاف إنما هو في تنجسهما يعني اللبن، والإنفحة بالغشاء، وعدمه وجعل الشارح الراجح عدم التنجس، أما ذات اللبن، والإنفحة، والبيض فطاهر اتفاقاًاهـ.
وشعر الإنسان) ولو ميتاً، لأنه لا يحله الحياة، وعدم جواز بيعه لكرامته، والدليل على طهارته أنه له و ناول أبا طلحة شعره يفرق بين الناس فلو كان نجساً لما فعل زيلعي.
غير المنتوف) أما المنتوف فنجس لنجاسة ما اتصل به من قليل البشرة. وعن محمد في نجاسة شعر الآدمي وظفره (وعظمه)،روايتان، والصحيح منهما الطهارة.
(وسنه مطلقاً) سواء كان من نفسه أو سن غيره، وسواء كان من حي، أو ميت وسواء كان قدر الدرهم أو أكثر، وسواء أثبته مكانه، أو حمله معه، وسواء أنه عظم، أو طرف عظم يابس، لأن العظم لا يحدث في الإنسان بعد الولادة، وهذا يحدث بعدها، وما وقع في الذخيرة من أن أسنان الكلب إذا كانت يابسة طاهرة وأسنان الآدمي نجسة فإنما قاله بناء على أن الكلب يطهر بالذكاة، وما يظهر بما فعظمه طاهر بخلاف الآدمي فضعيف، فإن المصرح به في البدائع وغيرها، بأن سن الآدمي طاهرة (على المذهب) وهو الصحيح، وعلل له في البدائع: بأنه لا دم فيها، والمنجس هو الدم، ولأنه يستحيل أن تكون طاهرة من الكلب نجسة من الآدمي المكرم، إلا أنه لا يجوز بيعها ويحرم الانتفاع بما احتراماً للآدمي، كما إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة، أو عظمه لا يباح تناول الخبز المتخذ من دقيقها، لا لكونها نجساً، بل تعظيماً له، وكذا في المبسوط، والنهاية، والمعراج بحر.
وقال العلامة ابن أمير الحاج معزياً للذخيرة: عن أبي يوسف أن سن نفسه إذا استحكمت في مكانها فكأنها لم تبن فتجوز الصلاة معه، وإن أثبت سن غيره فلا، لأنها أبينت من حي، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبين من الحي فهو ميت». لكن هذا الخلاف مبني على رواية شاذة، وظاهر المذهب الطهارة مطلقاً اهـ ملخصاً. وفي التجنيس: صحة الصلاة إذا أعاد سنه الساقطة إلى مكانها فصلى أو سنة في كمه وكذلك في
الجزء 1 · صفحة 64
الخانية، والخلاصة.
قال في البحر بعد نقله لما في التجنيس والخانية: وبما ذكرنا في الفتاوى يندفع ما ذكر في بعض الحواشي، أنه لو صلى وهو حامل سن غيره، أو حامل من نفسه، ولم يضعها في مكانها، تفسد صلاته اتفاقاً كما لا يخفى، وكذا ذكر في المعرج: أنه لو صلى وهو حامل سن غيره لا يجوز بالاتفاق، وفيه من النظر ما علمته اهـ.
(واختلف) العلماء (في أذنه) أي الآدمي (ففي البدائع نجسه) ولفظ البدائع: ما أبين من الحي من الأجزاء إن كان المبان جزء فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها، فهو نجس بالإجماع. (وفي الخانية: لا) وعبارتها: والخلاصة ولو قلع إنسان سنه، أو قطع أذنه ثم أعادهما إلى مكانهما، أو صلى وسنه، أو أذنه في كمه، تجوز صلاته في ظاهر الرواية اهـ.
وفي السراج: فإن قطعت أذنه قال أبو يوسف: لا بأس أن يعيدها إلى مكانها، وعندهما لا يجوز.
(وفي الأشباه المنفصل من الحي) أي الحيوان المتصف بالحياة، وقال السيد أحمد: أي مما تحله الحياة .. (كميتته) ومن هنا وقع في البحر في باب شروط الصلاة: كل عضو من المرأة إذا انفصل عنها هل يجوز النظر إليه؟
فيه روايتان أحدهما يجوز كما يجوز النظر إلى ريقها ودمعها.
والثانية: لا يجوز وهو الأصح، وكذا الذكر المقطوع من الرجل، وشعر عانته إذا حلق على هذا، والأصح أنه لا يجوز نقله الفتال عن الحموي.
قلت: وهذه المسائل لا مناسبة لها فيما نحن فيه، وذلك لأن كلامنا أن ما انفصل عن الحي، هل يعطى له حكم ما قبل الانفصال من صحة الصلاة به، أم يعطى لذلك المنفصل حكم الميتة بعد انفصاله، فقال بالثاني. (إلا في حق صاحبه فطاهر وإن كثر) وهذا إنما هو بالنظر إلى خصوص حمله في الصلاة، لا بالنظر إلى نحو الماء، ولذا قال الشارح: (ويفسد الماء بوقوع قدر الظفر من جلده) أي قشره، ويعد كثيراً، لأن الجلد والقشر من جملة لحم الآدمي كذا في البحر الجلد ويفهم منه أن الذي خرج من مع الشعر المنتوف منه، إن لم يبلغ مقدار الظفر لا يفسد الماء (لا بالظفر) أي لا يفسد الماء بوقوع نفس الظفر، لأنه عصب بحر.
و لم يحترز من رطوبة في الظفر، لأنها إذا لم تبلغ حد السيلان فليست بنجسة على الصحيح رحمتي.
الجزء 1 · صفحة 65
ومن هنا حمل أبو السعود ما في البدائع من نجاسة الأذن، على ما إذا حملها غير المقطوع منه، وأما لو حملها من قطعت منه فهي طاهرة فلا تفسد صلاته، كما لو حمل يده المقطوعة، أو رجله، أو فخذه وصلى فيها صحت صلاته. وإلى هذا جنح الشيخ الرحمتي.
ودم سمك طاهر) لأنه ليس بدم حقيقة، بدليل أنه يبيض إذا جف منح. (واعلم أنه ليس الكلب بنجس العين عند الإمام، وعليه الفتوى) وفي مبسوط شيخ الإسلام أما جلد الكلب فعن أصحابنا فيه روايتان، في رواية يطهر بالدباغ، وفي رواية لا يطهر وهو الظاهر من المذهب.
وذكر في البدائع: إن فيه اختلاف المشائخ، فمن قال أنه نجس العين جعله كالخترير، ومن جعله طاهر العين جعله مثل سائر الحيوانات، سوى الخترير والصحيح أنه ليس بنجس العين. وكذا صححه في موضع آخر، وقال: أنه أقرب القولين إلى الصواب. وكذا صحح في الهداية طهارة عينه، وتبعه شارحوها، كالاتقاني والكاكي وهو عموم ما في المتون، كالقدوري، والمختار والكتر، ولم يعارضه ما يوجب نجاستها، فوجب أحقية تصحيح عدم نجاستها ألا ترى أنه ينتفع به حراسة واصطياداً، وأما ما استدل به في المبسوط من قول محمد وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير.
فقد قال في غاية البيان: لا نُسَلّم أن نجاسة العين تثبت في الكلب بهذا القدر من الكلام، فمن ادعى ذلك فعليه البيان ولم يرد نص عن محمد -رضي الله عنه- في نجاسة العين.
وما أورد من أنه لا يلزم من الانتفاع به طهارة عينه، فإن السرقين ينتفع به إيقاداً وتقوية للزراعة مع نجاسة عينه أجاب عنه في النهاية وغيرها: بأن هذا الإنتفاع بالاستهلاك، وهو جائز في العين كالاقتراب من الخمر للإراقة. قال القاضي الاسبيجابي: أما الكلب يحتمل الذكاة، والدباغة في ظاهر الرواية، خلافاً لما. روى الحسن اهـ ه.
ثم المراد من طهارة عينه طهارة عظمه وشعره وعصبه، وما لا يؤكل منه لا بمعنى طهارة لحمه كما سيذكره الشارح وفي التجنيس امرأة صلت وفي عنقها قلادة فيها من كلب أو أسد، أو ثعلب، فصلاتها تامة، لأنه يقع عليها الذكاة، وكل ما تقع عليه الذكاة فعظمه لا يكون نجساً، بخلاف الآدمي والخنزير اهـ.
وكذا ذكر الولوالجي وذكر في السراج أسنان الكلب طاهرة، وأسنان الأدمي نجسة، لأن الكلب تقع عليه الذكاة بخلاف الآدمي والخترير اهـ. فالحاصل أن طهارة عين الكلب اختاره جماعة من أئمتنا،
الجزء 1 · صفحة 66
ومنهم الصدر الشهيد، وفي التجنيس والمزيد: أنه الأصح.
وإن رجح بعضهم النجاسة) كما قد منا عن المبسوط، أنه الظاهر من المذهب، قال في القنية رامزاً لمجد الأئمة وقد اختلف في نجاسة الكلب، والذي صح عندي من الروايات في النوادر والأمالي أنه نجس العين عندهما لا عند أبي حنيفة. وفي منظومة ابن وهبان:
وعندهما عين الكلاب نجاسة وطاهرة قال الإمام المطهر.
لكن ذكر الناطفي عن محمد، إذا صلى على جلد كلب، أو ذئب، قد ذبح جازت صلاته ولا يخفى أن هذه الرواية تفيد طهارة عينه عند محمد، فيجوز أن يكون عن محمد روايتان (كما بسطه ابن الشحنه) واختار قاضي خان: نجاسة عينه، وفرع عليها فروعا.
وفي معراج الدراية: والصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس، أشار إليه محمد في الكتاب اهـ، ورجح الفقيه أبو الليث نجاسة عينه أيضاً، قال المصنف: وإذا حققت التأمل في الفروع تيقنتها متعارضة، والجمع بينهما بالتخريج على قولهما وقوله اهـ. قلت: ولا يخفاك ما هو الراجح في المذهب، ولذا قال الشارح: (فيباع) قال في البحر أما بيعه وتمليكه فهو جائز، هكذا نقلوا وأطلقوا، لكن ينبغي أن يكون هذا على القول بطهارة عينه، أما على القول بنجاسته فهو كالخنزير، فبيعه باطل في حق المسلمين كالخنزير لكن المنقول في الخانية من البيوع، أن بيع الكلب المعلم جائز، فمفهومه أن غير المعلم لا يجوز بيعه، وفي التجنيس من باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز رجل ذبح كلبه ثم باع لحمه جاز، لأن اللحم طاهر بخلاف ما لو ذبح ختريره ثم باعه اهـ. والظاهر منهما أن هذا الحكم على القول بطهارة عينه، وذكر السراج الهندي في شرح الهداية معزيا إلى التجريد: أن الكلب لو أتلفه إنسان ضمنه، ويجوز بيعه وتمليكه.
ويؤجر) لما في عمدة المفتي: لو استأجر الكلب يجوز، والستور لا يجوز، لأن السنور لا يعلم، ونقل في التجريد لو استأجر كلباً معلماً، أو بازياً، ليصيد بهما فلا أجر له قال لعله لفقد العرف والحاجة إليه اهـ.
و (يضمن) من أتلفه كما تقدم عن التجريد (ويتخذ جلده مصلى) وقد قدمنا ذلك عن الناطفي في المذبوح، ولذا قال في البحر: والجلد لا يطهر بالدباغ على القول بنجاسته، ويطهر به على القول بطهارته. (و) يتخذ جلده (دلوا) لأن الدباغة عندنا تُطهر الباطن و الظاهر، فتستعمل في اليابس، والرطب، خلافاً لمالك رضي الله عنه - (ولو) وقع الكلب في البئر، ونحوه كالحوض (وأخرج حياً ولم يصب فمه الماء لا يفسد ماء البئر) على القول بطهارة عينه، وأما على القول بنجاسته، فيفسد الماء مطلقاً، مات أو لم يمت
الجزء 1 · صفحة 67
أصاب فمه الماء أو لم يصب، كالخنزير، كما في البحر في أحكام الآبار وفيه هنا فلو أصاب فمه أي الماء، أي على القول بطهارته فسد لأن سؤره نجس، فإن طهارة عينه لا تستلزم طهارة كل جزء منه، فلما كان سؤره مختلطاً بلعابه، ولعابه متولد من لحمه وهو نجس، ولهذا قال في التجنيس: فنحاسة السؤر دليل نجاسة اللحم، ولذا قال ابن الهمام نجاسة سؤره لا تستلزم نجاسة عينه، بل تستلزم نجاسة لحمه المتولد منه اللعاب اهـ.
قال في المحيط: وإن كان فمه مشدوداً بحيث لا يصل لعابه جاز، لأن ظاهر كل حيوان طاهر، ولا ينجس إلا بالموت، ونجاسة باطنه في معدنه، فلا يظهر حكمها، كنجاسة باطن المصلي اهـ. (ولا) يفسد (الثوب بانتفاضه) يعني لو دخل الماء فانتفض فأصاب ثوب إنسان لا ينجسه مطلقاً، سواء أصاب الماء شعره، أو جلده، لما مر من طهارة عينه، لكن فَرَّقَ في الولوالجية: بأنه لو دخل الماء أفسده، ولو أصابه مطر لا يفسده، لأن في الأول أصاب الماء جلده وهو نجس، وفي الثاني أصاب شعره وهو طاهر. قال في البحر ولا يخفى أن هذا القول بنجاسة عينه، ويستفاد منه أن شعره طاهر على القول بطهارة عينه.
ويخالف في هذا الخترير، فإنه لو انتفض الخترير فأصاب ثوباً نجسه مطلقاً، أصاب الماء جلده أو شعره، ويؤيده ما في السراج أن جلد الكلب نجس، وشعره طاهر، هو المختار. بخلاف القول بطهارته، فانتفاضه لا پنجس مطلقاً، سواء أصاب شعره أو جلده، وممن حمل هذه المسألة والتفصيل الذي أشار إليه في الولوالجية على نجاسة العين صاحب، البدائع، والتجنيس قال في البدائع: من جعله نجس العين استدل بما ذكره في العيون، عن أبي يوسف أن الكلب إذا وقع في الماء، ثم خرج منه إلى آخر ما مر من التفصيل قال: وعلل للنجاسة في مسألة ما إذا أصاب الماء جلده بتعليل آخر هو أن مأواه النجاسات فاستفيد منه أن الماء إذا أصاب جلده فانتقض فأصاب الثوب نجسه أيضاً، على القول بطهارة عينه، لأنه لما كان مأواه النجاسات صار جلده متنجساً اهـ.
قلت: فإن نظرنا إلى هذه العلة علمنا بأن لا فارق في شعره وجلده، بل النجاسات التي يأوي فيها أول ما تلاقي شعره، فليس العلة في التفصيل إلا الحمل على نجاسة عينه والله اعلم. ولا يفسد الثوب (ولا) يتنجس العضو (بعضه ما لم يُر ريقه) قال الولوالجي: الكلب إذا أخذ عضو إنسان أو ثوبه إن أخذه في حالة الغضب لا ينجس، لأنه يأخذه بالأسنان ولا رطوبة فيها وإن أخذه في حالة المزاح يتنجس، لأنه يأخذه بالأسنان والشفتين، وشفتاه رطبة فينجس اهـ. وكذا ذكر غيره قال في الوهبانية:
الجزء 1 · صفحة 68
ولو عض كلبٌ عُضو شخص مُلاعِباً .... تَنَجَّس والغضبانُ ليس يُؤَثّر.
وفي القنية فامر اللوبري: عضه الكلب ولا يرى بللاً لا بأس به. يعني لا يجب غسله ولا يخفى أن ما في القنية إنما ينظر إلى وجود المقتضى للنجاسة وهو الريق، سواء كان ملاعباً، أو غضباناً، وهو الفقه، وقد صرح في الملتقط: بأنه لا يتنجس ما لم ير البلل، سواء كان راضياً، أو غضبان. وفي الصيرفية هو المختار، وكذا في التترخانية وواقعات الناطفي، وغيرهما وفي خزانة الفتاوى: وعلامة الابتلال أن لو أخذ بيده تبتل يده.
ولا يخفى أن هذه المسألة على القولين أما على القول بالنجاسة فظاهر، وعلى القول بطهارة عينه لأن لعابه نجس لتولده من لحم نجس كما قدمناه وسيأتي.
(ولا) يفسد (صلاة حامله) يعني من حمل كلباً (ولو كبيراً) وصلى لم تفسد صلاته ما لم يكن جسده متلوثاً بالنجاسة (و) لذا (شرط الحلواني) والفقيه أبو جعفر الهندواني (شدَّ فَمه) حتى لا يصيب المصلي، أو ثوبه من لعابه شيء، ومن هنا قال مشائخنا أن من صلى وفي كمه جرو أنة تجوز صلاته، لأن ظاهر كل حيوان طاهر ونجاسة باطنه في معدنه وهي لا تضر ولا يخفى أن هذا على القول بطهارة عينه، وإلا فلا تصح صلاة حامله أصلاً، شد فمه أو لا، كحامل كما في شرح المنية.
وأشار الشارح إلى أنه لا فرق في مسألة حمل الكلب بين الصغير والكبير، نظراً إلى طهارة ظاهره مالم يتلوث بالنجاسة الحسية، خلافا لما في البحر، و تصويرهم بالجرو للتصوير بكونه في كمه لا للتقييد كما نبه عليه في النهر ولا خلاف في نجاسة لحمه) لاختلاط الدم المسفوح بأجزائه حال الحياة، مع حرمة أكله، وهذا مسلّم في غير المذكى، أما المذكى ففي طهارة لحمه اختلاف المشائخ والأكثر على عدم طهارته وقد مر الكلام فيه متناً وشرحاً، وقد قدمنا جواز بيع لحم المذبوح منه عن التجنيس، وذلك مبني على طهارة لحم المذكى فتنبه. وطهارة شعره) فلا خلاف فيه بين من قال بطهارته، ومن قال بنجاسته لكن قولهم أنه لو انتفض الكلب من الماء، فأصاب ثوب إنسان أفسده، سواء كان البلل وصل إلى جلده أو لا، وهذا يقتضي نجاسة شعره، ويفهم من عبارة السراج أن القائلين بنجاسة عينه اختلفوا في طهارة شعره، والمختار الطهارة، فهذا يشعر بالخلاف في طهارة شعر الكلب الحي، أو الميت فتنبه.
والمسك طاهر حلال) زاد لفظة حلال لأنه لا يلزم من الطاهرة الحل، فإن التراب طاهر غير حلال الأكل للإيذاء (يؤكل بكل حال) أي يجعل في الأطعمة والأدوية، وسواء كان للضرورة أو لا، وهو حار
الجزء 1 · صفحة 69
يابس في الثالثة، وكلما عتق غلبت يبسوسته، وتبقى قوة الذي في النافجة إلى ثلاث سنين، والمخرج إلى سنة واحدة ومن علامة جودته أن تدس إبرة فيها خيط منظوم من ظهر النافجة في وسطها إلى أن تظهر من الجانب الآخر، والخيط الذي فيها يمر معها، فإذا خرج الخيط منها، يدس في نفس ثوم إلى أن تمر ويمر الخيط الذي فيها أيضاً، ثم يشم الخيط، فإن لم يأخذ رائحة الثوم فهو خالص، وإلا فلا، والذي لم يكن في نافجته، يؤخذ منه قليل في كف ويوضع عليه من الريق ما يحله مثلا، ويمرس به فان انحل فهو خالص، وإن تقتل فهو مغشوش، وأكله يحلل الأخلاط الباردة، ويقوي الأعضاء الرئيسة ويفرح ويقوى الباه، ويرفع ضعف القلب من السوداء، والغشي، وهو مع دهن الخيري إذا دهن على رأس الاحليل حرك الباه، والاكتحال به يرفع. ظلمة البصر.
(وكذا أنا فجته طاهرة) وهي الجلدة تكون عند السرة مثلا من بعض الغزلان في بعض الأماكن، يجتمع فيها الدم، ثم يستحيل طيبا، وهي بفتح الفاء و کسرها، وجيم وحاء مهملة ففيها أربع لغات فتال.
) مطلقاً. على الأصح فتح) مقابله التفصيل الذي ذكره الزيلعي حيث قال: ونافجة المسك إن كانت بحال، لو أصابها الماء لم تفسد فهي طاهرة، والخلاف في المأخوذ من الميتة، أما المذكاة أو الحية فهي طاهرة رطبة كانت أو يابسة بالاتفاق أبو السعود. ويفهم من كلامه طهارتها أيضاً فيما لو أخذت من حية، ويرد عليه أن المنفصل من الحية كميتة، فمقتضاه جريان الخلاف في المأخوذة من الحية. (وكذا الزباد) بوزن سحاب، نوع من الأعطار، أسود يميل إلى الحمرة سيال وأهل الحبشة وأقاصي الهند يأخذونه من حيوان مشهور بالزباد، ويسمى بالفارسية كربة زباد، يعني سنور الزباد، ورأيته عند إمام صنعاء، حيواناً قريباً في الجثة من الكلب، مخططا بالأسود، إذا أغضب وتحرك كثيراً يعرق الموضع المتوسط بين دبره وفرجه وهو موضع كامن كالفرج فيرفع ذنبه ويفتح ذلك الموضع ويوجد ذلك العرق، وهو جيد الرائحة غاية وفي أول جمعة يكون أبيض، وكلما قدم يحمر إلى أن يسود، وهو الزيادة.
و غلط صاحب القاموس من فسَّر الزباد بالدابة، وهو حار في الثالثة ومعتدل في اليبوسة، وهو يقوي القلب، وغاية في التفريح، ويقوي الحواس، وإذا أخذ نصف درهم منه مع قليل، زعفران وأذيب في مرقة الدجاج السمين، وشربته المعسرة يسهل ولادتها بسرعة مجرب وإذا اشمته المزكوم رفعه عنه، والمداومة على التطيب به يورث سوء الخلق.
(أشباه) قال العلامة ابن أمير الحاج في شرح المنية: لم أقف فيما وصل إلى نظري القاصر من كتب
الجزء 1 · صفحة 70
المذهب على ذكر الزباد بطهارة ولا نجاسة، والظاهر طهارته كما ذكره غير واحد من متأخري الشافعية قال شيخنا وذكر بعض الأخوان من المغاربة فقلت:: يقال أنه عرف حيوان محرم الأكل، فقال ما يحيله إلى الطبع إلى صلاح كالطبية، يخرج عن النجاسة كالمسك فالمسموع من أهل الخبرة أنه عرق سنويري وهو غير مأكول، قال الكافي روني هو نوع من الطيب يجمع بين أفخاذ هر، يكون في صحراء الحبشة أكبر من الهر الأهلي، يصاد ويطعم قطع لحم فيعرق، ويحصل بين فخذيه هذا الطيب اهـ ..
وقوله (لاستحالته) في الطيبية تعليل للمسك، والزباد جميعاً، وذلك لأن الزباد في الأصل كما ذكرنا، عرق حيوان غير مأكول اللحم، ويقتضي أن يكون نجساً، والمسك هو في الأصل دم مجتمع، ولكن لما كان كل منهما قد أحالته الطبيعة بإذن خالقها (إلى الطيبية) صار طاهراً كرماد العذرة، والحمار إذا وقع في المملحة، وصار ملحاً، ولنعم ما قال أبو الطيب المتنبىء في مدح سيف الدولة
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال.
والله در من قال:
من عظم النَّاسِ عظموه وزاد في العز والرياسة
ومزدريهم لو كان مسكاً .... لقيل في أصله نجاسة.
(وبول مأكول اللحم نجس نجاسة مخففة) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وطهره محمد) قال في الإمداد والفتوى على قولهما. وثمرة الخلاف تظهر في ثلاث مسائل:
أحدها: ما إذا وقع في الماء القليل نجسه عندهما، ويبقى طاهراً مطهراً عند محمد.
ثانيها: ما لو أصاب الثوب الطاهر، يمنع عندهما إذا فحش، ولا يمنع عند محمد. وثالثها: أنه (ولا يشرب بوله) أي مأكول اللحم (أصلاً لا للتداوي، ولا لغيره عند أبي حنيفة) لأن التداوي بالطاهر الحرام كلبن الأتان لا يجوز، فما ظنك بالنجس، ولأن الحرمة ثابتة فلا يعرض عنها إلا بتيقن الشفاء، وأما أبو يوسف فمنع عن شربه لنجاستة عملاً بحديث: استترهوا من البول. لكن قال بجواز شربه للتدوي عملاً بحديث العرنيين ومحمد -رضي الله عنه أجاز شربه مطلقا للتداوي أو غيره لطهارته عنده وأجيب من جهة أبي حنيفة رضي الله عنه بأنه - صلى الله عليه وسلم -: قد علم بعافيتهم وحياً لو شربوه، ولم يوجد تيقن شفاء غيرهم، لأن المرجع فيه إلى الأطباء، وقولهم ليس بحجة قطعية وجاز أن يكون شفاء قوم دون قوم، لاختلاف الأمزجة، ولو لأنه - صلى الله عليه وسلم - علم بموتهم مرتدين من الوحي، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافرين في نجس دون المؤمنين،
الجزء 1 · صفحة 71
بدليل قوله تعالى: {الخبيثات للخبيثينَ} وبدليل ما روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه- أنه قال: أنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم فاستفيد من كاف الخطاب أن الحكم مختص بالمؤمنين، قال الزيلعي: وقول محمد مشكل، لأن كثيراً من الطاهرات لا يجوز التداوي بها.
قال في النهر: وهو مدفوع، إذ الكلام في طاهر لا إيذاء فيه، بل كان دواء وما تقدم من منع التداوي بلبن الأتان ممنوع، ففي البزازية لا بأس بالتداوي به، قال الصدر وفيه نظر اهـ.
(فرع: اختلف في التداوي بالمحرم، وظاهر المذهب المنع) لما تقدم من دليل الإمام، وجوابه على من خالفه ولذلك لم يرتض الصدر الشهيد بما في البزازية من جواز التداوي بلبن الأتان، قال في التترخانية من كتاب الإستحسان نقلاً عن التتمة: سئل أبو يوسف بن محمد والحسن بن على المرغيناني، عن المريض إذا قال له الطبيب، لا بد لك أن تأكل لحم الخنزير حتى تندفع علتك هل له أن يأكل؟ فقال: لا يحل.
فقيل: هل يفترق الحال بين ما إذا أمره بأكله منفرداً، وبين ما إذا أمره بأن
يجعله في دواء؟
فقالا: لا فرق.
فقيل لهما ولو كان الحلال كثيراً؟
فقالا: لا فرق اهـ.
(كما في رضاع البحر) في مسألة عدم إباحة الإرضاع بعد مدته، لأنه جزء آدمي، ولا يجوز التداوي بالمحرم في ظاهر المذهب.
(لكن) نقل الشارح عن ابن وهبان أن الانتفاع بلبن الآدمي لغير ضرورة حرام. ومفهومه جواز الانتفاع للضرورة و (نقل المصنف ثمة) أي في الرضاع وهنا عن الحاوي) القدسي ما لفظه: إذا سال الدم من أنف إنسان ولا ينقطع حتى يخشى عليه الموت، وقد علم بالتجربة أنه لو كتب فاتحة الكتاب، أو الإخلاص بذلك الدم على جبهته فيقطع، فلا يرخص له فيه، وزاد في التجنيس ولو كتب ببول إن علم فيه الشفاء لا بأس، لكن لم ينقل اهـ، ونحوه في الخانية ولذلك قال:
(وقيل يرخص) وعليه الفتوى حاوي، لكن لا يخفاك أنه مقيد بما (إذا علم) أي بالتجربة أو بقول طبيب مسلم حاذق صاحب ديانة وتورع (فيه) أي في استعماله داخلاً، أو خارجاً (الشفاء ولم يعلم دواء
الجزء 1 · صفحة 72
آخر) يقوم مقامه، أو علم ولكن لا يقدر على تحصيله، أو استعماله أو الصبر على حميته، وإنما قيد بذلك لما في الخانية معزياً إلى أبي نصر بن سلام معنى قوله: أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. إنما قال ذلك في الأشياء التي لا يكون فيها شفاء، فأما إذا كان فيها شفاء فلا بأس به. وفي الذخيرة: الاستشفاء بالحرام يجوز إذا علم أن فيه شفاء، و لم يعلم دواء آخر. (كما رخص الخمر للعطشان) وإساغة اللقمة بالخمر عند تحقق الهلاك، وعدم ما يقوم مقامهما، لأن ذلك محقق حتى لو ترك شربه وصبر على العطش يكون آئماً قاتلاً لنفسه، مع أنه لا حرمة عند الاضطرار، ومثل هذا يراعى في التداوي فعند الضرورة التامة، وانحصار الشفاء فيه تنتفي حرمته بالكلية، فلا يكون التداوي حينئذ إلا بالحلال، ولو كان في صورته حراماً كالخمر لغير المضطر حرام، وللمضطر حلال، بل يجب عند خوف هلاكه بالجوع ولم تجد اللقمة مساغاً إلا ببلها، ولم يوجد غيره من ماء، وخل، ولبن ونحو ذلك، لكن لا يتعدى مقدار الحاجة لأن الإباحة للاضطرار، والضرورة تقدر بقدرها نوح أفندي. [وعليه الفتوى) ولذا أفصح شارح الوهبانية بكراهة استعمال الترياق تحريماً ونظمه فقال:
وما حل ترياق به لحم حية ... ويكرهه النعمان والبيع يعقد
ولا حلت الحياة مع لحم قنفذ ... يقول الأطباء الشفاء فيه يحصر.
فصل في البئر
الفصل في اللغة: الحاجز بين الشيئين. وفي اصطلاح الفقهاء طائفة من المسائل الفقهية تغيرت أحكامها بالنسبة إلى ما قبلها غير مترجمة بالكتاب والباب فإن وصل إلى ما بعده نون، وإلا فلا كذا في العناية. وقال غيره: هو مصدر يحتمل أن يكون بمعنى الفاصل كرجل، عدل أي فاصل بين ما ذكر قبله وبعده، ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول، أي هذا مفصول عما قبله، فإن ذكر بعده لفظ في يرفع ويُنون على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا فصل، أو مبتدأ على أنه علم جنس، وخبره محذوف، وإن لم يذكر بعده لفظ في يجوز أن يكون مرفوعاً على أحد الوجهين السابقين، ويجوز أن يكون مبنياً على السكون، لعدم التركيب، كما هو مختار الشيخ ابن الحاجب.
ثم البئر: مؤنثة مهموزة، ويجوز تخفيف همزها، وهي مشتق من بأرت أي حفرت وجمعها في القلة أبؤر كأفلس وأبار بهمزة بعد الباء فيهما، ومن العرب من يقلب الهمزة في آباار ونقل ويقدمها على الباء، ويقول أأبار، فتجتمع همزتان، فتقلب الثانية ألفاً، وينقل فيقول آبار، وجمعها في الكثرة بثار، بكسر الموحدة
الجزء 1 · صفحة 73
بعدها همزة. ذكره النووي في شرح مسلم.
ثم اعلم أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس، كما سيجيء للشارح تحت قول الماتن وإن كعصفور فعشرون، وسيجيء تحقيق ذلك ثم اعلم أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس، كما سيجيء للشارح تحت قول الماتن وإن كعصفور فعشرون، وسيجيء تحقيق ذلك ثمة (إذا وقعت نجاسة ليست بحيوان) وأما أحكام الحيوان الواقع فيها فستأتي مفصلة (ولو) وصليه كانت النجاسة (مخففة) فينجس بها، وتكون نجاسة مخففة كما لا يخفى، فلو أصاب الثوب، أو البدن لا يمنع حتى يبلغ ربعه رحمتي.
(أو قطرة بول) من حيوان ولو مأكولاً على المعتمد، خلافاً لمحمد، فإنه لا ينجس الماء القليل لطهارته عنده كما قدمناه وفي بول الفأرة خلاف سيأتي.
(أو) قطرة من (دم) سائل أما الدم الطاهر كما سيبينه الشارح في باب الأنجاس فلا ينجسه (أو ذَنَبَ فأرة لم يشمع) لأنه حينئذ مترطب بنجاسة غير حيوان فينجس البئر، وكذا إن جف، لأنه لا يطهر بالجفاف (فلو شمع) الذنب موضع القطع منه ووقع في البئر (ففيه) يجب (ما في الفأرة) لأنه حينئذ لا يصل إلى ما تحت الشمع إلى الماء، فلم يبق إلا ذنب فأرة، والفأرة فيها عشرون دلواً إن لم تنتفخ، أو يتفسخ، أو يتمعط، وكذا في بعضها إذا لم يخالطها نجس آخر.
في بئر دون القدر الكثير على ما مر) من أن المعتبر فيها أكبر رأي المبتلى به، قال في الخانية: البئر عندنا بمنزلة الحوض الصغير، تفسد بما يفسد به الحوض الصغير، إلا أن يكون عشراً في عشر اهـ
يعني فما لم تكن عشراً في عشر، فالقليل من النجاسة يفسدها، إلا إذا كانت عشراً في في عشر، وذلك بأن يكون دورتها قدر ست وثلاثين ذراعاً، كما تقدم فلا تنجس بوقوع نجس فيها إلا بالتغير.
ولا عبرة للعمق على المعتمد) أشار بهذا إلى عدم اختيار ما نقله في القنية عن شرح صدر القضاة: إذا كان عمق ماء البئر عشرة أذرع فصاعداً، لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه، في أصح الأقوال، ثم قال رامزاً لجمع التفاريق: روي أن الماء في البئر إذا كان بقدر الحوض الكبير لا ينجس بوقوع النجاسة فيه اهـ. وقال في المبتغى: إذا كان عمق البئر عشراً في عشر لا ينجس، إلا بالتغير، وعزاه التمرتاشي في شرحه إلى الإيضاح، وردَّه ابن وهبان بأنه مخالف لما أطلقه جمهور الأصحاب، وخرجه ابن الشحنة على قول من اعتبر جملة الماء من غير اعتبار الطول والعرض. قال في البحر: ولا يخفى أن هذا التصحيح لو ثبت
الجزء 1 · صفحة 74
لانهدمت مسائل أصحابنا المذكورة في كتبهم.
ولا يقال بل هذا يوافق ما رجح عن أبي حنيفة، من أنه يفوض إلى رأي المبتلى فماء البئر إذا استكثر الناظر سواء باعتبار طوله، أو عرضه، أو باعتبار عمقه، لا تؤثر فيه النجاسة، ما لم تغيره، لأنا نقول العلة في تنجيس الماء هو سراية النجاسة، ومع قصرها في الطول والعرض، ولاشك في انتشارها إلى جوانبها في الأجزاء الفوقية، ولو لم تنفذ إلى داخل والمتوضيء إنما يستعمل الماء من سطح الماء، وهو قد عمته النجاسة، فلا التطهر منها، بل لو أصاب ماؤها شيئاً من البدن، يصح أو الثياب نجسه، وكذا اعتبروا في عدم سراية النجاسة إلى جميع أجزاء الماء، الطول والعرض، لا العمق وحده، على أنه لو كان العمق وحده معتبراً، لما احتاجوا إلى إفراد مسألة البئر بالذكر، ألا ترى إلى ما ذكر أن حبشياً وقع في بئر زمزم فمات، فأمر ابن عباس، وابن الزبير بترحها، ولا شك أن فيها أضعاف ما يملأ العشر في العشر، فلا يلتفت إلى كثرة الماء اعتباراً بالعمق وحده فتنبه.
(أو مات فيها أو) مات (خارجها، وألقي فيها ولو) وصليه كان الملقى في البئر (فأرة يابسة على المعتمد) احترز به عما في خزانة الفتاوى: أن الفأرة اليابسة لا تنجس الماء، لأن اليبس دباغه اهـ.
وفيه نظر لأن اليبس ليس بدباغة، لأن الدباغة الحكمية إنما تنوب مناب الحقيقية، إذا كانت الدباغة الحقيقة متأتية فيه، وقد قدمنا أن جلد الفأرة لا يحتملها، فلا يتأتى فيها الدباغة الحكمية على أنا لو سلمنا احتمال جلدها الدباغة الحكمية مع عدم احتماله للحقيقية، فمجرد اليبس والجفاف بدون استحالة ليس بدباغ، على أنا لو سلمنا أن اليبس المذكور كاف لزوال الرطوبات النجسة حينئذ، كما روي عن محمد رضي الله عنه في جلد الميتة إذا يبس طهر، فهذا إذا لم يبتل. وسئل نجم الدين: عن فأرة ميتة كانت بيست وهي في الخابية، جعل في الخابية الرُّبُّ فظهرت على رأس الخابية، فأجاب أن الرب نجس، لأن لفأرة الميتة إذا يبست وإن قالوا أنها تظهر حتى لو صلى وفي جيبه فأرة ميتة يابسة تجوز صلاته لكن إذا أصابها بلل حتى ابتلت تعود نجسة في أصح الروايتين عن أبي حنيفة -رضي بمنزلة الأرض النجسة إذا يبست وذهب أثرها، ثم أصابها الماء، هكذا حققه ابن أمير الحاج في شرح المنية.
لكن قال القتال الأوجه أنها نجسة مطلقاً، يعني أصابها بلل أو لا، فإنها مشتملة على اللحم النجس، والقول بأن لحم الميتة إذا يبس طهر بعيد اهـ.
(إلا الشهيد النَّظيف) إذا مات وألقي فيها، ولم يكن به شيء من النجاسة، ولا سال منه دم أو غيره
الجزء 1 · صفحة 75
فيها لا يفسده، كما في شرح المنية. بخلاف ما لو كانت على بدنه نجاسة أو متلطخاً، بدمه، فإن الماء ينجس، لأنهم قالوا بطهارة دمه في حق نفسه، ولو أصاب غيره نجسه ولذا قيده الشارح بالنظيف، أو القي فيها المسلم) الميت (المغسول) أما قبل غسله فيفسد بحر. ولعله محمول على أن نجاسته نجاسة خبث، أو أنه إنما حكم بذلك بناء على أن الغالب في بدنه وقتئذ التنجس، وإلا فقد تقدم قريباً أن غسالة الميت مستعملة. (أما الكافر) لو خرج منها حيّاً، فروي عن أبي حنيفة أنه يترح ماؤها، لأنه لا يخلو عن نجاسة، حقيقية، أو حكمية، وإن أخرج ميتاً وألقي بعد موته (فينجسها) أي البئر (مطلقاً) غسل أو لا، لأن الحيوان ينجس بالموت، والمسلم يطهر ضرورة صحة الصلاة عليه بالغسل، والشهيد حي عند ربه كما أخبر سبحانه وتعالى، والكافر لا يصلى عليه فلا يطهر بالغسل.
(كسقط) بكسر السين المهملة، فإنه ينجسها أيضاً، سواء وقع قبل الغسل، أو بعده، وهذا إذا لم يستهل، فإن استهل فحكمه حكم الكبير إذا وقع في الماء بعد ما غسل لا يفسده وإن كان قبله يفسده. كما في الخانية وفيها امرأة معها صبي ميت وهي في الصلاة إن لم يكن استهل فصلاتها فاسدة غسل أو لم يغسل، وإن كان قد استهل ولم يغسل فكذلك، وإن كان قد غسل جازت صلاتها، والمستحب أن لا تصلي على هذه الحالة. اهـ. وفيها السخلة إذا وقعت من أمها في الماء مبتلة لا تفسد، والأنفحة إذا خرجت من الشاة بعد موتها كذلك اهـ.
(حيوانٌ دَمَوي) قيد به لأن غير الدموي لا ينجسها، وإن انتفخ، أو تمعط في الماء، أو العصير منح. (غير مائي) قيد به لأن المائي ولو دموياً لا ينجسها (لما مر) في قول المصنف، ويجوز بما ذكر، وإن مات فيه غير دموي كزنبور، ومائي، مولد، وكذا لو مات خارجه وألقي فيه (وانتفخ) سواء صغر الحيوان، أو كبر، لانتشار البلة في أجزاء الماء، لأنه عند انتفاخه تنفصل بلته، نجاسة وهي مانعة، والإنتفاخ هو التّورُّم. (أو تمعط) أي تساقط شعره (أو تفسخ) أي تفرقت أعضاؤه عضواً عضواً، قال المولي عصام: ولو مات فيها وتقطع من غير انتفاخ، وبفسخ هل يترح جميعه؟ الظاهر نعم اهـ.
ولا بد من ذكر الانتفاخ والتفسخ، ولا يغني أحدهما عن الآخر، لأنه لو اكتفى بالتفسخ يتوهم أن المدة في الانتفاخ أقل، لأنه دونه، فلا يحتاج نزح كله، ولو اكتفي بالانتفاخ توهم أن مدة التفسخ أكثر، لأنه فوقه، فلا يكفي فيه نزح الكل.
قال في الإصلاح وذكرهما معاً، لأن كلاً منهما قد ينفك من الآخر.
الجزء 1 · صفحة 76
ولو تفسخه خارجها) أي البئر [ثم وقع فيها) يعني. فكذلك يترح كل مائها (ذكره الواني) بالنون في حاشية الدرر. (يترح كل مائها) ولا يجب نزح الطين في شيء من الصور، لأن الآثار إنما وردت بترح الماء، ولا يُطين المسجد بطينها احتياطاً (الذي كان فيها وقت الوقوع) الصواب أن يقال: وقت إخراجه، لأن ما زاد بعد وقوعه إلى حين إخراجه نجس، لمحاورة النجاسة، وكأنه أراد بالوقوع مدة دوام النجاسة في البئر، فيعتبر آخر أوقاته، وسيصرح بعد بأن العبرة لوقت ابتداء الترح، وإنما يعتبر الترح بعد إخراج الواقع، فالحاصل أنه لو زاد الماء بعد إخراج النجاسة بالكلية منها فلا يترح إلا ما كان وقت إخراج النجاسة. (ذكره ابن الكمال) لكن في القهستاني ولو زاد قبل الترح قيل: يترح كله، وقيل: مقدار وقت الوقوع اهـ. فالراجح ما أشار إليه الشارح وهذا يفيد عدم الفرق بين المعين وغيره. (بعد إخراجه) أي الشيء النجس الواقع في البئر الموجب لتنجسها، أما قبل الإخراج فلا يفيد الترح شيئاً، لأن الواقع فيها سبب نجاستها، ومع بقائه لا يمكن الحكم بالطهارة وفي القهستاني عن الجواهر: لو وقع عصفور فيها فعجزو عن إخراجه، فما دام فيها فنجسة، فتترك مدة يعلم أنه استحال وصار حماة، وقيل مدة ستة أشهر اهـ.
إلا إذا تعذر كخشبة أو خرقة متنجسة) قال في السراج لو وقعت في البئر خشبة نجسة، أو قطعة من ثوب نجس وتعذر اخراجهما، وتغيبت فيها طهرت الخشبة، والقطعة من الثوب تبعاً لطهارة البئر. (فبنزح) بالباء الموحدة، وهو متعلق بيطهر بعده (الماء) كله بالأسباب التي مرَّ ذكرها (إلى حد لا يملأ نصف الدلو) وفي المجتبى، ومعراج الدراية: ونزحها أن يقل ماؤها حتى لا يمتلئ الدلو منه، أو أكثره، ثم قال في البحر: لكن هذا إنما يستقيم فيما إذا كانت البئر معيناً لا تترح واخرج منها المعتاد المعروف، أما إذا كانت غير معين، فإنه لا بد من إخراجها لوجوب نزح جميع الماء اهـ. (يطهر الكل) من الدلو، والرشاء، والبكرة، ونواحي البئر، ويد المستقي، لأن نجاسة هذه الأشياء بنجاسة البئر، فتطهر بطهارتها للحرج كدن الخمر يطهر (تبعاً) إذا صار خلا، وكيد المستنجي تطهر بطهارة المحل وكعورة، الإبريق، إذا كانت في يده نجاسة رطبة فجعل يده عليها، كلما صب على اليد فإذا غسل اليد ثلاثاً طهرت العورة بطهارة اليد، ولو سال النجس على الآجر، ثم وصل إلى الماء فترحها طهارة للكل كما في البحر. واختلف في توالي الترح، هل يشترط أم لا؟
فقيل: يشترط والمختار عدم اشتراطه.
حتى أنه (لو نزح بعضه، ثم زاد في الغد تترح قدر الباقي في الصحيح، خلاصة وقيد بالموت لأنه
الجزء 1 · صفحة 77
لو أخرج) الحيوان الدموي من البئر (حياً وليس بنجس العين) احترز به عمَّا لو كان نجس العين كالخترير، والكلب على القول بأنه نجس العين فينجس البئر مات أو لم يمت أصاب فمه الماء أو لم يصب، وعلى القول بأن الكلب ليس بنجس العين، لا ينجسه إذا لم يصل فمه الماء، ولم تكن على بدنه نجاسة أصلاً، وكان دبره منقلباً إلى الخارج، وأما لو أصاب فمه الماء، أو كانت على بدنه نجاسة، أو أصاب الماء دبره فيترح الماء كله لتنجسه.
وسائر الحيوانات إن علم ببدنه نجاسة تنجس الماء، وإن لم يصل فمه الماء، وقيدنا بالعلم لأنهم قالوا في البقر ونحوه يخرج حياً لا يجب نزح شيء، وإن كان الظاهر اشتمال بولها على أفخاذها لكن يحتمل طهارتها بأن سقطت عقيب بولها في ماء كثير، أزال نجاستها مع أن الأصل الطهارة، فإن لم يعلم، و لم يصل فمه إلى الماء، فإن كان مما يؤكل لحمه فلا يوجب التنجس أصلاً، وإن كان مما لا يؤكل لحمه من السباع والطيور، ففيه اختلاف المشائخ والأصح عدم التنجيس كذا في البحر.
ولا به حَدَث) يعني فلو سقط رجل في البئر، وبه حدث أصغر، أو أكبر، فإنه ينجس البئر ولو أخرج حياً، لأن حدثه قد ارتفع بملاقاته المطهر، وهذا مبني على القول بنجاسة الماء المستعمل (أو خبث) فلو سقط فيها إنسان بعد ما تغوط واستنجى بأحجار، وأصاب الماء دبره تنجس البئر، ووجب نزح جميعه (لم يترح شيء إلا أن يدخل) ذلك الحيوان الواقع في البئر المخرج حياً (فمه الماء فيعتبر بسؤره فإن) كان سؤره (نجساً) ككلب وسباع بهائم (نزح الكل) أي أو ماتا ولو إن لم يمكن نزح كله (وإلا) بأن كان سؤره طاهراً كالإبل، والبقر، والغنم، أو مكروهاً كالدجاجة المخلاة والهرة والفرس والبازي والصقر، والحية، والفأرة، أو مشكوكاً كالحمار، والبغل (لا) يترح شيء وجوباً (هو الأصح) قال في البحر: والصحيح أنه لا يصير الماء مشكوكاً فيه، وقيل يترح ماء البئر كله، وإن وصل لعابه فحكم الماء كحكمه، فيجب نزح الجميع، إذا وصل لعاب البغل، أو الحمار إلى الماء. كذا في الخانية، وغيرها لكن في المحيط ولو وقع سؤر الحمار في الماء يجوز التوضيء به مالم يغلب عليه لأنه طاهر غير طهور، كالماء المستعمل عند محمد اهـ.
وفي المبتغى، والظهيرية: يترح كله بنحو شاة وإن أخرجت قبل الموت، وعن أبي يوسف أنه لا يترح شيء إذا لم يكن عليها، بول، وعن أبي حنيفة أنه يترح عشرون دلواً، وذكر في الكتاب الأحسن: أنه يترع منها دلاء ولم يقدر، وعن محمد في كل موضع يترح لا يترح أقل من عشرين وأما المستحب فيكون أقل من عشرين ولا أقل من عشرة ومشى في الحاوي على نزح عشرة في الشاة ونحوها كذا في شرح المنية لابن أمير الحاج. (نعم يندب) نزح (عشرة في المشكوك) سؤره لو وقع في البئر وأخرج حياً لأجل الطهورية كما في
الجزء 1 · صفحة 78
الخانية) تبع الشارح في هذا صاحب النهر، وإلا فقد قدمنا ما نقله في البحر عن الخانية: أنه يجب نزح الكل في المشكوك، والذي رأيناه في الخانية كذلك، ولفظها الآدمي الطاهر إذا وقع في البئر لطلب الدلو، وليس على أعضائه نجاسة، وخرج حياً فإنه لا يفسد الماء، والماء طاهر وطهور لا يترح منه شيء، وكذا لو وقعت الشاة وخرجت حية، إلا أنها ها هنا يترح عشرون دلوا تسكيناً للقلب، وإن كان مشكوكاً نزح كله. وفي التبيين: وإن كان مشكوكاً فالماء مشكوكاً فيترح جميعه.
وفي الفتح: وإن كان نجس السؤر وأدخل فمه الماء، نزح الكل في النجس، وكذا تظافر كلامهم في المشكوك، وهو يناسب ما تقدم في أول الفصل من قول المصنف، إلا إذا غلب على الماء فيخرج من أن يكون طهوراً، والمشكوك غير محكوم بطهوريته، فيترح كله، بخلاف المكروه، فلذا استحبوا فيه أن يترح عشر دلاء، وقيل عشرون احتيطاً، والمصنف في التجنيس قال في المشكوك وجب نزح الكل، لأنه حكم بنجاسته احتياطاً، ثم ذكر بعد قريب ورقتين أن لعابهما يفسد الماء، قال ومعنى الفساد أنه لا يبقى طهوراً اهـ. مع تغيير في اللفظ وفي القهستاني: وفي المشكوك يترح الكل كما في الزاهدي اهـ. وفي النهر لكن في الخانية الصحيح أنه في البغل، والحمار لا. يصير مشكوكاً، أي فلا يجب نزح شيء.
قال الشيخ الرحمي هذا ذكره في الخانية عند عدم وصول لعابه في الماء، فكأنه سبق قلم صاحب النهر هنا، وتبعه الشارح واقتصر على العشرة فتنبه له اهـ. (زاد في التترخانية) ويندب نزح (عشرين) دلواً (في الفأرة) إذا خرجت حية، لأن سؤرها طاهر طهور، لكنه يكره تتريهاً، والمكروه تنزيهاً في المنهي في رتبة المندوب في المأمور به فيندب فيه ما يجب في حيوان لو مات في البئر. (و) يندب نزح (أربعين) دلواً (في سنور ودجاجة مخلاة) قال وخرج غير المخلاة فلا يندب وبه صرح في النهر. قال في السراج وقيل في السنور يترح عشر دلاء، أو عشرون اهـ.
ونقل ابن أمير الحاج عن الخانية: إذا كانت الدجاجة مخلاة فوقعت في البئر، وخرجت حية لا يتوضأ من تلك البئر، استحباباً احتياطاً، وإن توضأ جاز كما لو شربت من إناء، وكذلك سكان البيت كالفأرة، والهرة إذا وقعت وخرجت حية عند أبي حنيفة يترح منها دلاء عشرة، أو أكثر، لكراهة السؤر، فإن لم يترح وتوضاً جاز اهـ.
ومثله في السراج عن الخجندي وفي الزاهدي وفي المكروه عن أبي حنيفة يترحست أو خمس، وقيل في الوزغة إذا خرجت حية يستحب دلاء إلى خمس، أو ست، ثم نقل عن محمد أن في كل موضع لا يترح
الجزء 1 · صفحة 79
أقل من عشرين دلوا، لأن الشرع لم يرد بترح ما دون العشرين وقال أبو يوسف الترح الواجب لا يكون أقل من عشرين وأما المستحب فيكون أقل من عشرين، ولا أقل من عشرة كما في الذخيرة اهـ.
(كآدمي محدث) إنما قيد لأنه روي عن الحسن أن أبي حنيفة في المتطهر من الحدثين يترح منها عشرون، لأن الماء جرى على أعضاء الطهارة، وذلك يوجب الاستعمال، كذا في الكرخي، والمختار أن لا يجب شيء، ولا يصير مستعملاً، وأما المحدث إذا وقع في الماء وأخرج حياً، وكان مستنجيا بالماء فإنه يترح منه أربعون كما في السراج، وعلل له بأن الحدث زال بالماء فصار حكمه أكد كالمتطهر، وهذا إنما يستقيم على رواية أبي حنيفة. لكن عنده يصير الماء نجساً على القول بنجاسة الماء حنيفة. المستعمل، فيترح كله وجوباً، وعلى قول أبي يوسف يبقى على حاله لعدم زوال حدثه لاشتراطه الصَّب، وعلى قول محمد كذلك ولا يصير مستعملاً ما لم ينو الوضوء، أو الغسل.
وقال ابن أمير الحاج وإن كان الآدمي محدثا، أو جنباً، أو حائضاً، أو نفساء، فعلى قول من لا يجعل هذا الماء مستعملاً لا يترح شيء، لأنه طهور، وكذا على قول من جعله مستعملاً، وجعل المستعمل طاهراً، لأن غير المستعمل أكثر، فلا يخرجه عن كونه طهوراً ما لم يكن المستعمل غالباً عليه، وأما من يرى المستعمل نجساً، يترح ماء البئر كله كذا في البدائع، فما روي عن الحسن عن أبي حنيفة أنه إن كان محدثا يترح أربعون دلواً، وإن كان جنباً نزح كله، مشكل لأنه إن لم يصر مستعملاً فلا يجب نزح شيء، وإن صار مستعملاً، وهو عند الحسن نجس نجاسة مغلظة، فينبغي أن يترح في البئر، وفي الخلاصة ولو وقعت الحائض في البئر إن كان بعد انقطاع الدم وليست على أعضائها نجاسة فهي كالجنب، وإن كان قب الانقطاع فهي كالرجل الطاهر، لأنها لا تخرج من الحيض بهذا، وهكذا في الخانية.
(ثم هذا) أي عدم وجوب نزح شيء فيما لو خرج غير نجس العين حياً (إذا لم تكن الفأرة هاربة من هر ولا الهر هارباً من كلب، ولا الشاة من سبع، فإن كان) هارباً أحد هذه الحيوانات مما ذكر، ووقعت في البئر في حال هروبها (نزح كله) أي كل ماء البئر (مطلقاً) سواء أصاب الماء أفواههنَّ أو لا، وسواء أخرجن حياً أو لا (كما في الجوهرة) لأنهنَّ يبلن في هذه الحالة، زاد في المشكلات وكذا لو وقعت في مائع فينجس اهـ (لكن قال في النهر) وهذا مبني على رأي ضعيف. ونقل (عن المجتبى الفتوى على خلافه) وهو عدم نزح شيء (لأن في بولها شكاً) يعني والحكم لا ينبني على الشك، فلا يجب نزح شيء، قال بعض الفضلاء: أقول ما في الجوهرة مبني على تنزيل الظن منزلة اليقين، وما في النهر مبني على إيقاعه على حقيقته، ولا تنجيس بالشك وهذا يقتض أنه لو تحقق البول من الفأرة، وما عطف عليها نزح كله اتفاقاً وهذا يوافق
الجزء 1 · صفحة 80
ما صرح في إمداد الفتاح بنجاسة بول الفأرة في أظهر الروايات، وأنه يفسد الماء، ونقل عن الشارح المختار بأن بولها وخرئها من المغلظ، لإطلاق قوله: استترهوا من البول غير أن التحرز عنه في الطعام والثياب غير ممكن فيعفى عنه فيهما، لكن سيأتي للشارح معزياً للفيض ولا نزح في بول فأرة في الأصح.
والسيد أحمد رضي ا الله عنه: حمل ما في المجتبى من قوله لأن في بولها شكاً، يعني في بول الفأرة فقط، شك لتعارض الروايات فيه، قال: فاللائق بكلام المجتبى التعليل فيها بأن البئر لا تنجس ببول الفأرة على الراجح، صرح بذلك في الفيض، وفي الشرنبلالية عن الفيض و في بول الفأرة لو وقع في البئر قولان، أصحهما عدم التنجيس، ففي المسألة قولان بن الشارح تعليله على أحدهما اهـ. فرع في المحيط عن النوادر: هرة أخذت فأرة فوقعت في البئر، فإن أخرجتها يترح ماء البئر كله، وإن لم تخرجها وماتت الفأرة، وخرجت الهرة حية، يترح عشرون دلواً، وإن ماتت الهرة وخرجت الفأرة حية يترح أربعون، وإن خرجتا حيتين لا يترح منه شيء اهـ. وسيأتي للشارح حكم ما لو خرجتا ميتتين (وإن تعذر نزح كلها) بحيث لا يمكن إلا بحرج عظيم. كما في شرح المنية.
(لكونها معيناً) أي كلما نزحوا نبع الماء من أسفله، مثل ما نزحوا، أو أكثر، من قولهم معن الماء جري راغب، قال الشيخ الرحمي والذي فهمته من النهر أن المعين ذات العين ولكن منها ما يمكن نزحها ومنها ما لا يمكن فقدر أي (فـ) بترح (قدر ما فيها) من الماء (وقت ابتداء الترح قاله الحلبي) والزائد لا يلزم نزحه كما، مر، وابتداء الترح إنما يعتبر بعد إخراج النجس من البئر كما تقدم، وطريق معرفته كما روي عن أبي يوسف أي بحفر حفيرة مثل موضع الماء من البئر، وتخصص على قول، ويصب فيها ما يترح منها إلى أن تمتلىء، أو يرسل فيها قصبة وتجعل علامة المبلغ الماء، ثم يترح منها عشر دلاء مثلا، ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص، فيترح لكل قدر منها عشرة دلاء مثلا مسكين.
لكن قالوا هذا لا يستقيم إلا إذا كان دور البئر من أول حد الماء إلى قعر البئر متساوياً، وإلا لا يلزم إذا نقص شبر بترح عشرة من أعلى الماء بحر.
وعن أبي حنيفة يمسح عمق البئر وعرضها بالأشبار، ثم يضرب العمق في العرض، ثم يترح لكل شبر دلوان كما في الزبدة ذكره القهستاني وعنه يترح حتى يغلبهم الماء، ولم يقدر الغلبة بشيء هو دأبة في مثله. وصحح حسام الدين في شرح الجامع اعتبار الغلبة وهي بأن ينظر إلى أن يظهر العجز، وذكر أن الفتوى على أنه يفوض إلى رأي المبتلى به كما في البحر.
الجزء 1 · صفحة 81
يؤخذ في ذلك) في معرفة قدر ما فيها (بقول رجلين عدلين لهما بصارة) أي شعور ومعرفة منح. (بالماء) فأي مقدار قالا أنه في البئر نزح ذلك المقدار، وهو الأصح الأشبه بالفقه، لكونهما نصاب الشهادة الملزمة، ولأن الأصل الرجوع إلى أهل العلم عند الإبتلاء، قال الله تعالى: {فاسئلوا أهلَ الذِّكرِ إِنْ كُنتُم لَا تَعْلَمُون} وظاهر كلامه أن المرأتين لا تقوم مقام الرجل، وقدر اشتراط عدلين لقوله تعالى في آية الصيد و يَحْكُمُ بِه ذَوَا عَدل منْكُم واشترط فيهما البصارة بالماء، لأن الأحكام إنما تستفاد ممن له علم بها واكتفى الزاهدي: بقول رجل واحد، وهو ظاهر ما في النقاية لأنه أمر ديني فيكتفى بالواحد، لكن أكثر الكتب على الاثنين، وقد صحح هذا القول جماعة واختاروه كما في البحر. وقال ابن أمير الحاج وهو مروي عن أبي نصر محمد بن سلام، ونص في التحفة، والينابيع على أنه الأرفق في الباب، لأن ما يعرف بالاجتهاد يرجع فيه إلى أهل الاجتهاد في ذلك الباب ونص صدر الشريعة على أنه الأصح، ومثله في المبسوط، والدرر، والزيلعي، وفي الإيضاح وهو الصحيح وعليه الفتوى. ولذا قال الشارح: (وبه يفتى وقيل يفتى بمائتين) وجوباً (إلى ثلاثمائة) استحباباً، وبه جزم في الملتقى، وهو المروي عن محمد وعنه أنه يترح مائتان، أو ثلاثمائة، وفي رواية مائتان وخمسون لأن ماء الآبار غالباً لا يتجاوز هذا القدر، وعنه ثلاثمائة، وبه يفتى كما في النصاب ب. قال في البحر: قالوا وإنما أفتى به بناءً على ما شاهد في بغداد، لأن غالب ماء آبارها كان لا يزيد على ثلاثمائة وروي عن أبي حنيفة التقدير بمائة دلو، قالوا أفتى بذلك بناءً على قلة المياه بالكوفةاهـ. قال في النهر وفي الخلاصة الفتوى على أنه يترح إلى ثلاثمائة، وجعله في العناية رواية عن الإمام، وهو المختار والأيسر كما في الاختيار. ولهذا قال الشارح: (وهذا أيسر) قال في البحر: ولا يخفى ضعفه فإنه إذا كان الحكم الشرعي نزح جميع الماء للحكم بنجاسته، فالقول بطهارة البئر بالاقتصار على نزح عدد مخصوص من الدلاء لا يتوقف على سمعي يفيده، وأين ذلك بل المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما- وابن الزبير به خلافه. ثم قال: والأظهر كما قال بعض المتأخرين من أنه إن أمكن سد منابع الماء من غير عسر سدت وأخرج ما فيها من الماء، وإن عسر ذلك فإن علم أن كون محل الماء منها على منوال واحد طولاً وعرضا في سائر أجزائه، أرسل في الماء قصبة وعمل في ذلك بما قدمناه، وإن لم يقع العلم بذلك فإن أمكن العلم بمقداره من عدلين لهما بصارة أخذ بقولهما، وإن تعذر العلم نزحوا حتى يظهر لهم العجز عن الترح بحسب غلبة ظنهم اهـ وهذا التفصيل حسن فليكن العمل عليه اهـ. (وذلك) أي الاعتماد بما قاله العدلان (أحوط) لكونه موافقا للمأثور، وزاد في بعض النسخ قوله: ولو جرت طهرت كما مر، وسيجيء (فإذا أخرج الحيوان من البئر) ميتاً حال كونه (غير منتفخ ولا متفسخ، ولا متمعط، فإن كان كآدمي) أي مثله
الجزء 1 · صفحة 82
في الجثة نزح كله، لأن ابن عباس رضي ا الله عنهما- وابن الزبير - - أفتيا بترح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم، عما رواه ابن سيرين وعطاء وعمرو بن دينار وقتادة وأبو الطفيل.
أما رواية ابن سيرين فأخرجها الدار قطني في سننه بإسناده عن محمد بن سيرين أن زنجياً مات في زمزم فأمر به ابن عباس فأخرج، وأمر بها أن تترح، قال فغلبتهم عين جاء تهم من الركن فأمر بما فسدت بالقباطي، والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت عليهم والقباطي جمع قبطية وهو ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء. والمطارف أردية من خز مربعة لها، أعلام مفردها مطرف بكسر الميم وضمها ه.
وأما رواية عطاء فرواها ابن أبي شيبة في مصنفه: أن حبشياً وقع في زمزم فمات فأمر ابن الزبير فترح ماؤها، فجعل الماء لا ينقطع، فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير حسبكم. وأما رواية عمرو بن دينار فرواها البيهقي، والآمر فيها ابن عباس -رضي الله عنهما- وأما رواية قتادة فرواها ابن أبي شيبة في مصنفه والأمر ابن عباس.
وأما رواية أبي الطفيل فرواها البيهقي وجابر الجعفي في إسناده وثقه النووي، وشعبة وابن سيرين، وإن لم يلق ابن عباس -رضي الله عنهما-لكن المخبر له عكرمة، وقد احتج به البخاري، وفي التمهيد لابن عبد البر: مراسيل ابن سيرين عندهم حجة صحاح كمراسيل سعيد ابن المسيب وابن لهيعة وإن كان في رواية ابن دينار قال ابن عدي هو حسن الحديث يكتب حديثه، وقد حدث عن الثقات كالثوري وشعبة والليث بن سعد، وقول ابن عيينة أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أر صغيراً ولا كبيراً يعرف حديث الزنجي، ولا سمعت أحداً يقول نزحت زمزم، وكذا قول الشافعي لا يعرف هذا عن ابن عباس وكيف يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: الماء لا ينجسه شيء ويتركه، وإن كان قد فعل فلنجاسة ظهرت على وجه الماء، أو نزحها للتنظيف لا للنجاسة، فإن زمزم للشرب.
فيجاب عن جميع ذلك بأن عدم علم سفيان، والشافعي، لا يصلح دليلاً في دين الله تعالى، والإثبات مقدم على النفي، فإن لم يعرفا، فقد عرف غيرهمها ممن ذكرناه من الأعلام، وإثباتهم مقدم على نفي غيرهم، مع أن بينهما وبين ذلك الوقت قريباً من مائة وخمسين سنة.
وأما رواية ابن عباس - رضي الله عنه - الماء لا ينجسه شيء فيجوز أن يكون وقع عنده دليل أوجب تخصيصه، فإن روايته كعلم المخالف به، فكما قال يتنجس مادون القلتين بدون تغير، لدليل آخر وقع عنده أوجب تخصيص هذا الحديث، لا يستبعد مثله لابن عباس، وأما تجويز كون الترح لنجاسة ظهرت، أو للتنظيف
الجزء 1 · صفحة 83
فمخالف لظاهر الكلام، لأن الظاهر من قول القائل مات فأمر بترحها، أنه للموت لا لنجاسة أخرى، كقولهم زنى، فرجم وسهى، مسجد، وسرق فقطع، على أن عندهم لا تترح أيضاً للنجاسة، ولو كان للتنظيف لم يأمر بترحها، ولم يبالغوا هذه المبالغة العظيمة. من سد العين فتنبه والله اعلم.
(وكذا) لو وقع في البئر (سقط) مثلث السين هو ما سقط من بطن الحاملة ظهر بعض خلقه أو لا والأولى حذف كذا، وأن يقول من نحو سقط، ويكون بياناً للكاف التي بمعنى مثل.
(وسخلة) وهو ولد الشاة، ما كان جمعها سخل، وسخال قاموس. (وجدي وإوز كبير) قال الشيخ الرحمي الأول يطلق على نوعين: صغار كالدجاج، وكبار قريب من الغنم ومراده الثاني، والظاهر أنه لا فرق بين كبير وصغير، كما قاله في الإنسان حتى جعل السقط كالكبير، والسخلة كالشاة، وإنما احترز بالاوز الكبير مريداً به هذا النوع عن النوع الثاني الصغير، الذي غلب عليه في بلادنا اسم البط، وهو قدر الدجاج ففيه ما فيهاهـ. وقال الفتال: وقيد الإوز بالكبير لأن الصغير منه كحَمام. كما في الخلاصة. ونقل القهستاني عن الزاهدي أنه روي عن الإمام أن الجدي والسخلة كالدجاجة. فأشعر أن ثُمَّ روايات عن الإمام مختلفة.
(نزح كله) إن أمكن وإلا فعلى ما مر (وإن كان) الحيوان الذي مات في البئر غير منتفخ، ولا متفسخ ولا متمعط (كحمامة وهرة نزح أربعون من الدلاء، وجوباً إلى ستين ندباً) والدجاجة في حكم الهرة والحمامة.
قال في البحر واعلم أن القدر المستحب المذكور لم يصرح به في ظاهر الرواية، وإنما فهم بعض المشائخ من عبارة محمد حيث قال: يترح في الفأرة عشرون، أو ثلاثون وفي الهرة أربعون أو خمسون فلم يُرد به التخيير، بل أراد به بيان الواجب والمستحب، وليس هذا الفهم بلازم، بل يحتمل أنه إنما قال ذلك لاختلاف الحيوانات في الصغر، والكبر، ففي الصغير يترح الأقل، وفي الكبير يترح الأكثر، وقد اختار هذا بعضهم كما نقله في البدائع، ولعل هذا هو سبب ترك التعرض للمستحب في الكتاب.
قال في النهر: هذا الاحتمال ساقط لما مر من أن مسائل الآبار بنيت على الآثار، ولو أراد فيما استدل به محمد إنما هو إيجاب العشرين في نحو الفأرة، والأربعين في نحو الحمامة مطلقاً، ولو صح هذا الاحتمال لبطل ذلك الاستدلال، ولهذا تعين حمل كلام محمد على ما فهمه المشائخ (وإن كان) الحيوان الذي مات في البئر (كعصفور وفأرة) جمع فأر كذا في الصحاح. وقيل: اسم جمع، وقيل: اسم جنس جمعي وهو
الجزء 1 · صفحة 84
المختار، وهذا الخلاف يجري في كل ما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء أبو السعود.
ثم قيدت الفأرة بما إذا لم تكن مجروحة وإلا فهي كمتفسخة فيترح جميع ماء البئر، والوزغ الكبير كفارة (فعشرون) وجوباً (إلى ثلاثين) استحباباً (كما مر) فهذه ثلاث مراتب إما نزح الجميع في الشاة وما فوقها، أو أربعين، أو خمسين، أو ستين في الدجاجة ونحوها أو عشرين أو ثلاثين في الفأرة ونحوها.
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة جعله على خمس مراتب، ففي الحلمة واحد الحلم، وهي القراد الفخم، والفأرة الصغيرة عشر دلاء، وفي الفأرة الكبيرة عشرون، وفي الحمامة، ثلاثون وفي الدجاجة أربعون وفي نحو الشاة ماء البئر كله. قال السيد أحمد: وقدم الشارح أن في ذنب الفأرة المشمع نزح عشرين، فترحها في الحلمة والفأرة الصغيرة أولى اهـ.
(وهذا) أي الحكم المذكور في الحيوانات الواقعة في البئر (يعم المعين) يجوز أن تكون الميم زائدة من عنت، أي بلغت العيون، ويجوز أن تكون أصلية من أمعنت الأرض، أي، روت وماء معين أي جار أبو السعود.
وغيرها) قال السيد أحمد: أدخل في الغير بعض أهل العصر الصهريج، فأفتى في فأرة وقعت في فيه بترح عشرين منه، كذا في النهر، وهذا بناء على أن اسم البئر يعمه اهـ.
قلت: وصحة إفتائه بما ذكر مبني على ما سيأتي من إلحاق الصهريج بالبئر، وإلا فالشارح لم يرد ذلك بل نفاه بقوله: (بخلاف نحو صهريج) بوزن قنديل، ويجمع على وزن صهاريج، كقناديل، أو صهارج، كمساجد، حوض كبير يجتمع فيه الماء.
(وحُبِّ) قد تقدم أنه بحاء مهملة مضمومة، وموحدة مشددة، وهي الخابية الكبيرة، وقد نقل في البحر عن الكافي، والمستصفى، والبدائع: أن الفأرة إذا وقعت في الحب حيث ... (يهراق الماء كله) وهل يطهر بمجرد ذلك، أم لا بد من غسله بعده ثلاثاً؟
والظاهر الثاني، ويؤيده ما في التترخانية قال: وفي فتاوى الحجة وسئل عبد الله بن المبارك عن الحب المركب في الأرض تنجس؟ قال يغسل ثلاثاً، ويخرج الماء منه كل مرة فيطهر، ولا يقلع الحب اهـ.
قال: ولم يعلل له، ووجهه ما أشار إليه الشارح بقوله: (لتخصيص الآبار بالآثار، بحر، ونهر) يعني أن الاكتفاء بترح البعض مخصوص بالآبار ثبت بالآثار، على خلاف القياس، فلا يلحق به غيره، قال: فعلى هذا إذا وقعت الفأرة في الصهريج، أو الفسقية، ولم يكونا عشراً في عشر، فإن الماء كله يهراق كما لا يخفى.
الجزء 1 · صفحة 85
قال في النهر: وهذا إنما يتم بناء على أن الصهريج ليس من مسمى البئر في شيء اهـ.
وقال في النهر في موضع آخر: واعلم أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس، فإن القياس فيها أن لا تطهر أصلاً، كما قال بشر، لعدم الإمكان لاختلاط النجاسة بالأوحال، والجدران، والماء ينبع شيئاً فشيئًا، وأما أن لا تنجس إسقاطاً لحكم النجاسة، حيث تعذر الاحتراز والتطهير، كما نقل عن محمد أنه قال: اجتمع رأي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الجاري، لأنه ينبع من أسفله، وتؤخذ من أعلاه فلا تتنجس كحوض الحمام.
قلنا: وما علينا أن يترح منها دلاء أخذاً بالآثار، ومن الطريق أن يكون الإنسان في يد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي عنهم، كالأعمى في يد القائد كذا في الفتح وغيره من الشروح، والآثار المشار إليها منها:
- ما روى أبو جعفر الاستروشني بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: في الفأرة تموت في البئر يترح منها عشرون وفي رواية: ثلاثون وعن أبي سعيد عنه أنه قال: ... في دجاجة ماتت في البئر يترح منها الخدري رضي الله عنه أربعون دلواً.
ولقائل أن يقول: النص إنما ورد في الفأرة والدجاجة، والآدمي في قصة زمزم وقد قيس ما عادلها بها.
ويجاب عنه بأنه بعد ما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وفق القياس في حق التفريع عليه كما في الإجارة، وسائر العقود التي يأبى القياس جوازها، كما في المستصفى ولا يخفى ما فيه فإنه ظاهر في أن للرأي مدخلا في بعض مسائل الآبار وليس كذالك فالأولى أن يقال أن هذا إلحاق بطريق الدلالة لا بالقياس، كما اختاره في معراج الدراية وذكر قبل ذلك، ولا يكون من قبيل الرأي إلا القياس الجلي، وأما القياس الخفي فهو المسمى بالاستحسان، قال في التوضيح: القياس جلي، وخفي، فالخفي: يسمى بالاستحسان، لكن أعم من القياس الخفي، فإن كل قياس خفي استحسان وليس كل استحسان قياساً خفياً، لأن الاستحسان قد يطلق على غير القياس الخفي أيضاً، لكن الغالب في كتب أصحابنا، أنه إذا ذكر الاستحسان أريد به القياس الخفي، وهو دليل يقابل القياس الجلي، الذي تسبق إليه الأفهام، وهو حجة عندنا لأن ثبوته بالدلائل التي هي حجة إجماعاً، لأنه اما بالأثر كالسلم والإجارة، وبقاء الصوم في النسيان، وإما بالإجماع کالاستصناع، وإما بالضرورة كطهارة الحياض، والآبار، وإما بالقياس الخفي إلى آخر ما ذكر في أصول الفقه، وكذا في كثير من كتب الأصول، فظهر بهذا أن طهارة الآبار بالترح إنما ثبت
الجزء 1 · صفحة 86
بالقياس الخفي، الذي ثبت بالضرورة اهـ.
قال المصنف في حواشيه على الكتز ونحوه) أي نحو ما في البحر، والنهر (في النتف) وفي نسخة في المنتقى (ونقل) المصنف (عن القنية أن حكم الركية) بوزن عطية، وجمعه، ركايا كعطايا، وهي من أسماء البئر، وعليه فلا يظهر التشبيه في قوله: (كالبئر) اللهم إلا أن يراد به الحفرة، يقال: ركي بمعنى حفر، كما في القاموس. ومن أسماء البئر: - عادية وهي التي حفرت على عهد عاد، - وطوى:
وهي التي طويت أي بنيت بالحجارة، والآجر، وأما المطوية بالخشب فلا تعد طوياً، وتسمى زولا، وهي التي وقع فيها عوج أفاده سيدي أحمد السجاعي.
(وعن الفوائد أن الْحُبّ المطمور أكثره في الأرض كالبئر وعليه) يبني ويفرع كما أفاده بقوله: (فالصهريج والزير الكبير يترح منه كالبئر) يعني فيكتفى فيه بعشرين في نحو فأرة، ولا يراق الماء كله.
(فاغتنم هذا التحرير) قال الفتال: وليس الصهريج، والزير من مسمى البئر. ولا مقيساً عليه حتى يستويا حكماً، وكلام البحر، والنهر، مبني على ذلك كما علمته وأما ما نقله عن الفوائد فقد ضعفه في تحفة الأقران، والمبني عليه مبني على ضعيف، فلم يكن مغتنماً رحمتي.
ثم الزير فسره في القاموس بالدَّن، قال: فهو الراقود العظيم، أو هو أطول من الحب لا يقعد إلا أن يحفر له.
(اهـ) ما أفاده المصنف في حواشيه على الكتر (بدلو وسط، وهو دلو تلك البئر) قال في البحر: واختلف في تفسير الدلو الوسط، فقيل: هي الدلو المستعمل في كل بلد، وقيل: المعتبر في كل بئر دلوها، لأن السلف لما أطلقوا انصرف إلى المعتاد، ولذلك اقتصر الشارح عليه واختاره في المحيط، والاختيار، والهداية وغيرها، وهو ظاهر الرواية، لأنه مذكور في الكافي للحاكم.
قال العلامة الخير الرملي فلو كان الدلو المعتاد كبيراً جداً، هل يجب العدد المذكور أم يقتصر عليه؟ ظاهره الثاني، فيكون مقيداً لقولهم المعتبر في كل بئر دلوها، وهو الذي يقتضيه نظر الفقيه وبه يعلم أن الدلاء المستعملة في آبار قرى بلادنا على نحو البقر، والحمير، والإبل من هذا القبيل، وتسمى في عرفنا المحص تأمل اهـ. قال الفتال أقول: وفسّر الشمني، والبهنسي الوسط بما كثر استعماله في تلك البئر، ولا يخفى أنه أظهر اهـ.
يعني فإذا كان الكبير جداً هو المعتاد في تلك البئر، فلا بد من وجوب العدد المذكور، وهذا الذي