الجزء 1 · صفحة 7
شرح مجمع البحرين وملتقى النيرين
للإمام مظفر الدين أبي العباس أحمد بن علي البغدادي
المغروف بابن الساعاتي
(651 - 694هـ)
المجلد الأول
المؤلف: مظفر الدين أبو العباس أحمد بن علي البغدادي، المغروف بابن الساعاتي، (ت694هـ)
اعتنى به: لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد الله وسلام على عباده الذين أصطفى، أما بعد:
فإنه لما كان علم الفقه من أشرف ما نيطت به عزائم ذوي الهمم، وأحق ما رصعت أحكامه بجواهر الحكم، وأجدر ما أعتني بتمهيد أصوله وفروعه، لرفعة واضعه وشرف، موضعه جمعت فيه كتابا، وسميته بـ «مجمع البحرين وملتقى النيرين نادت في حسنه مطالعه ومقاطعه، وحوت سحر البيان جوامعه وبدائعه وكان السيد الأمير المعظم العالم الكامل جامع الفضائل، ذو النفس الزكية والأخلاق النبوية شرف آل العباس أبو القاسم عبد الله بن الأمير أبي هاشم يوسف بن الأم أمير أبي القاسم عبد العزيز بن الإمام أبي جعفر المستنصر بالله أمير المؤمنين، أمتع الله بطول بقائه، ورضي عن أسلافه الطاهرين وآبائه، ممن أعتنى بتحصيله وحفظه لغزارة فوائده وعذوبة لفظه.
أشار - وإشارته غنم وطاعة أمره -حتم واستدعى بأن أملي له شرحا مختصرا يهدي إلى غوامضه وأسراره ويكشف عن دقائقه وأغواره، مقتصرًا فيه على حلّ ألفاظ الكتاب ورموزه، مشيرًا بالأدلة المختصرة إلى دفائن الفقه وكنوزه، فبادرت إلى طاعته وتحقيق إشارته معتمدًا على الله، وسائلًا من كرمه أن ينفع به، فإنه خير موفق ومعين.
قال: الحمد لله جاعل العلماء أنجما للاهتداء زاهرة.
ابتدأ الكتاب بتحميد الله سبحانه؛ اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح بالتحميد - فإن في كون التسمية آية من الفاتحة خلافًا - تبركا بذلك وتيمنا به، واللام فيه للجنس، وفي كونه جملة اسمية دلالة على ثبوت الحمد واستقراره؛ لخلو الاسم عن الدلالة على الزمان، بخلاف الجملة الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد وفي الحمد أبحاث طويلة ليس هذا الكتاب موضعها فالمراد هاهنا الإشارة إلى بعض مقاصد هذه الخطبة، وفي وصفه تعالى بجعل العلماء أنجمًا للاهتداء براعة الأستهلال؛ لكون هذا
الجزء 1 · صفحة 9
الوصف منبئًا عن مقصود الكتاب وما وضع له، وإنما عدل عن جمع الكثرة إلى جمع القلة فقال: أنجمًا للدلالة على عظم حال العالم الذي هو مقتدى للأمة، فإنه يجب أن يتخلق بالأخلاق النبوية، ويستغزر من أصول الشرع وفروعه ويعلم كيفية استنباط حكم الله تعالى في الواقعات، ويقبل على الله ولا يغتر بزخرف الدينا ومتاعها، والجامع لهذه الخلال قليل فناسب أن يجمع جمع القلة، وإنما وصف الأنجم بكونها زاهرة توشيحا لهذه الأستعارة، فإنه لما أستعار الأنجم للعلماء أتبع ذلك بما يكمل تلك الاستعارة ويوضحها، والنظر في توشيح الاستعارة إلى جانب المستعار ليوفّي حقه ويضم إليه ما يقتضيه، ويقرن به ما يستدعيه، كقول كثير: رمتني بسهم ريشه الكحل لم يُصِبْ
وكقول النابغة:
وصدر أزاح الليل عازب همه
فإن المستعار في كل منهما وهو الرمي والإزاحة- منظور إليه في لفظتي السهم والعازب، وهذا بخلاف تجريد الأستعارة؛ فإن المنظور إليه فيها هو جانب المستعار له، كقوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ}، ولو نظر إلى المستعار هاهنا ورشحت الأستعارة لقيل: فكساهم الله لباس الجوع.
قال: وأعلامًا للاقتداء ظاهرة.
الأعلام الجبال، ووجه الاستعارة: أن الجبال أوتاد الأرض: التي تمنعها من الميد، صورة أو معنى بما تشتمل عليه الجبال من منافع أهل الأرض، التي لولا الجبال لاختل نظامهم، ولما استقامت أحوالهم، من كونها منشأ المعادن وخزائن المياه والعيون التي بها حياة سكان البسيطة إلى غير ذلك من منافعها المنوطة بوجودها، فكذلك أهل العلم بين ظهراني الأمة، ينزلون منهم منزلة الأوتاد التي بها قيام أمورهم وانتظام أحوالهم على منهاج العدل والشرع، ولأنهم قدوة لهم في أفعالهم وأقوالهم، فكانوا أئمة لهم يأتمون بهم، كقول الخنساء:
وَإِنَّ صَخرًا لَتَأْتَمُ الهُداةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نارُه
ووصف الأعلام بالظهور من باب ترشيح الأستعارة أيضًا.
قال: وحجة على الحق قاطعة.
أطلق الحجة نفسها وهي البرهان على من قامت به الحجة مبالغة، كما يوصف الرجل بأنه عدل
الجزء 1 · صفحة 10
لشدة تمسكه به ولما كانت الحجة الإلهية على عباده معنى لا يقوم بنفسه، وإنما ظهوره بمن يقوم به من العلماء أطلق الحجة عليهم، كأنهم الذين جعلهم الله على عباده حجة وإنما لم يقل حججًا قاطعة لأن الحجة تراد لتصحيح الدعوى وإظهارها، والدعوى هاهنا ليست إلَّا شيئًا واحدا، وهو الدعوة إلى الله بما دعا به رسول الله، والواحد في نفسه لا يجمع إلا باعتبار أختلاف أنواعه، فيكون الجمع دلالة على التعدد، فلو جمع لأوهم أن لكل عالم من علماء الشرع دعوى هو حجتها، فرفع هذا الإيهام بأن جعلهم حجة واحدة على دعوى واحدة وهي الحق؛ لأن كلا منهم قائم بعين ما يقوم به الآخر من الحجة، ووصف الحجة بأنها قاطعة من باب ترشيح الاستعارة أيضًا.
قال: ومحجة إلى الصدق شارعة.
المججة: جادة الطريق، والشارع: الطريق الأعظم، والشرع:
السواء، يقال: الناس في هذا الأمر، شرع، أي: سواء، يحرك ويسكن والكلام في إفراد المحجة كالكلام في إفراد الحجة، والصدق كما يقع في الأقوال يقع في الأفعال، فالمرائي بعبادته مثلا كاذب؛ لأن فعله لم يطابق ما وضعت العبادة له من القربة إلى الله تعالى وإخلاص العبودية له، ووجه هذه الاستعارة: أن الطريق الشارع إذا سلكه السالك أفضى به إلى مقصوده، وأوقفه على مبتغاه، وكذلك العلماء إذا أتبع هديهم وما يأمرون به فإن التابع لهديهم جدير بلحاق مطلوبه، وطريق الهداية إلى الله قائم بأفعالهم وأقوالهم فكأنهم نفس الطريق مبالغة، ورشح الاستعارة بأنهم شرع.
قال: وصدورًا للفضائل جامعة.
في الصدور إيهام العضو المشتمل على القلب والصدر الذي هو الرتبة العليا.
فعلى المعنى الأول: جعلهم صدورًا لجمع الفضائل من باب المبالغة، كأن المقصود من وجودهم أن يكونوا صدورًا حاوية للفضائل لا غير، كقول القائل:
إذا ما تجلى لي فكلي نواظر ... وإن هو ناجاني فكلي مسامع.
وأما على المعنى الثاني فهم صدور الشريعة وأرباب مناصبها.
ولما كان أهل العلم الجامعون للفضائل على طبقتين: طبقة تصلح القلة للقدوة والإمامة جـ ب، وطبقة لا تصلح لذلك، جمعهم جمع حيث جعلهم قدوة، وجمعهم ها هنا جمع كثرة حيث وصفهم بجمع
الجزء 1 · صفحة 11
الفضائل لكثرة من يقوم بها، على أن أحد الجمعين قد أست عمل في مقام الآخر كثيرًا، وقد ورد في القرآن المجيد والكلام الفصيح ووصفهم بجمع الفضائل تنبيه على أن من تصدى للتصدر وهو لا يستحقه ليس من العلماء معنى، وإن جُعل في عدادهم صورة، وتقديم الجار والمجرور على الفعل من باب: إياك نعبد في الدلالة على التخصيص من جهة الأهم، كأنهم يجمعون الفضائل لا غيرها.
قال: وبدورًا في سماء الشريعة طالعة.
هذه أستعارة أخرى مرشحة بترشيحين؛ لأنه لما جعلهم بدورًا للشريعة رشح البدر بالسماء والطلوع؛ توفية لحق الأستعارة وإنما أستعار لهم البدور دون الشموس لأنهم في درجة النيابة عن صاحب الشريعة، وهي درجة القمر من الشمس.
ووجه آخر أن الشمس لا تجامع الليل والبدر حسنه في الليل والناس كلهم في ظلمة ليل الجهل والعلماء بينهم بدور ونجوم يهتدون بأنوارهم، فكانت أستعارة البدور لهم أليق بهذه الحال.
قال: حمدًا يدوم دوام جوده الفياض، ويبقى بقاء الجواهر لا الأعراض.
فاض الخبر يفيض: شاع ونهر فياض: كثير الماء، ورجل فياض: وهاب جواد، وحمد الله لما كان من أشرف ما يتقرب به إليه - لأنه الوصف بالجميل وهو تقدس وتعالى مصدر الكمالات
ومفيض الخيرات ب كان جديرا بأن يدوم ولا ينقطع، وكان ما يدل على ذلك من الكلام حقيقا بأن يبسط ويؤكد بما يدل على ثبوته ودوامه، فشبه دوامه بدوام جوده تعالى، وهو مما لا ينقطع، ثم وصف جوده بأنه فياض على وزن المبالغة تأكيدًا ثانيًا مظهرًا به کمال جوده تعالي، ولما كان بقاء الجوهر لا يتعلق بما يكون وجوده قائمًا به وبقاء العرض بما يكون العرض حالا فيه، شبه بقاء هذا الحمد، شبه بقاء هذا الحمد الذي هو عرض نفسه ببقاء الجوهر؛ تنزيلا للعرض منزلة الجوهر مبالغة أيضًا، وتأكيدًا بعد تأكيد وهذه التأكيدات وإن تعددت ففيها من البلاغة في ما يقصد مثله فليست البلاغة في تقصير الكلام ولا في إطالته وبسطه من حيث هو تقصير وإطالة، بل هو في كل منهما بلاغة بحسب اقتضاء الحال وسياق النظم، فإذا اقتضت الحال ترغيبا أو ترهيبا أو وصفا بجميل أو دعاء إلى أمر عظيم كانت البلاغة في بسط الكلام وشرحه وتفريق شعبه وتأكيد المقاصد فيه؛ لأن ذلك أدعى إلى حصول المقصود منه، وإن كان الغرض ليس إلا الإخبار عن المعاني، فتحصيلها بالألفاظ المختصرة الجامعة لتلك المعاني أبلغ وأحسن.
الجزء 1 · صفحة 12
قال: والصلاة على صاحب الملة الطاهرة.
الصلاة من الله الرحمة، ووصف الملة بأنها طاهرة لخلوصها عن وقوع الشرك من أهلها والشرك، بخس ولاشتمالها على الأمر بالطهارة الظاهرة والباطنة:
أما الظاهرة فكالوضوء والغسل من الجنابة وطهارة البدن والثوب والمكان في الصلاة، وهذه مختصة بهذه الملة فكان هذا من باب إطلاق ما يوصف به المسبب على سببه، وأما الباطنة فكالتوبة عن نجاسة الآثام وتطهير القلب عن الأخلاق الذميمة وتطهير الأعضاء كلها عن الأنهماك في شهواتها التي تعود على الإنسان بالوبال.
قال: المؤيد من عند الله بالمعجزة الظاهرة.
لما كانت النبوة أمرًا إلهيًا ومنحة ربانية، لا أطلاع للبشر على حقيقتها؛ لكونها من الأمور الوجدانية لمن هي موجودة فيه، وإنما تعرف بأمارات وعلامات، فنزل وجودها عند تحدي النبي ودعوته النبوة لكونها خارقة لعادات البشر - بمنزلة تصديق الله تعالى إياه بالقول، فلهذا قال: المؤيد من عند الله لأن ثبوت النبوة يتوقف على كون تلك الأفعال الخارقة للعادة صادرة من الله معجزة، له ووحد المعجزة اكتفاء بدلالة الجنس على الجمع، فإنها وإن تعددت واختلفت أنواعها واحدة من حيث الدلالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وقصدنا بالمعجزة الظاهرة القرآن المجيد؛ لأنه المعجزة الباقية الظاهرة للأمم المنتشرة في الآفاق، ولم يكن لنبي من الأنبياء من المعجزات ما بلغ في البقاء والعظمة والانتشار هذا المبلغ؛ تشريفًا لنبينا عليه الصلاة والسلام، وإظهارا لعظم منزلته في النبوة، وتنبيها على أن هذه الشريعة قائمة على التأبيد لقيام برهانها القاطع وانتشار هذا النور الساطع.
قال: محمد خاتم الرسل وناسخ الملل.
وفي هذين الوصفين من براعة الأستهلال أيضا ما يؤيد ما سبق من حيث أن هذا الكتاب مشتمل على أحكام شريعته، وهي الناسخة للشرائع المتقدمة ونبه بكونه خاتم الرسل على أن شرعية لا يلحقها النسخ؛ لانقطاع النبوة وانسداد باب الرسالة بعده.
قال: والرضوان على آله أئمة الهدى وصحبه مصابيح الدجى والرحمة على من تبعهم بإحسان وعلى علماء الأمة في كل زمان.
الجزء 1 · صفحة 13
آل الرجل: أهله، وعياله وآله أيضا: أتباعه، قال الأعشى:
فكذبوها بما قالت فصبحه ... ذو آل حسان الموت والشَّرعا
يعني جيش تبع الحميري فالمعنى الأول خاص، والمعنى
الثاني عام وعلى كل من التقديرين فهم المختصون بالقرب من رسول الله قرابة وصحابة، فإنهم مع اشتمالهم على شرف النسبة إليه قائمون بحدود الشرع وعلومه وأصوله وفروعه، مكرمون من عند الله بالعلوم الحقيقية والمعارف الإلهية وأصحاب رسول الله لهم القدوة لمن بعدهم وهم الواسطة في حمل آثار النبوة وأحكام الشريعة إلى الأمة والتابعون للصحابة بعد عصرهم تابعون لهم في شرف الرتبة؛ لمشاهدتهم من شاهد آثار الوحي، وصحب رسول الله، وجاهد معه بنفسه وماله والعلماء بعدهم هم المؤيدون بتوفيق الله تعالى، والحافظون لقوانين الشريعة والضابطون لقواعدهم، وفي هذا الترتيب والتقسيم من رعاية حسن الأدب ما هو ظاهر.
قال: أما بعد: فهذا كتاب يصغر للحافظ حجمه ويغزر للضابط علمه.
بعد: نقيض قبل، وهما آسمان يكونان جـ ب ظرفين إذا أضيفا، وأصلهما الإضافة، فإذا حذفت المضاف إليه لعلم المخاطب به بنيتهما على الضم ليعلم أنه مبني؛ إذ كان الضم لا يدخلهما إعرابا؛ لأنهما لا يصلح وقوعهما موقع الفاعل ولا المبتدأ ولا الخبر ... وقولهم: أما بعد فهو فصل الخطاب قاله الجوهري والحفظ الحراسة، وحفظته أيضا أستظهرته، والضَّبط الحفظ: بالحزم، ورجل ضابط حازم والأضبط الذي يعمل بكلتا يديه ضبط - بالكسر - يَضْبَط.
والغزارة: الكثرة، وقد غزر الشيء بالضم- يغزر فهو غزير. ولما كان الغرض من هذا الكتاب استظهار الأحكام المودعة فيه وحفظها وبعد ذلك التأمل فيها والتفكر في أسرارها وأدلتها حسن اختصار الألفاظ؛ تسهيلًا في تقصير مدة الحفظ، ولذلك قرن صغر الحجم بالحفظ؛ وقرن غزارة العلم بالضبط؛ لأنه أبلغ في معنى الحفظ لأنه فكر وتأمل مع جد وحزم.
قال: وينكشف لو قاد القريحة رموزه.
يقال: وقَدَتْ النار تقد وُقودًا بالضم - توقدت، والوقود بالفتح الحطب.
والقريحة: أول ما يستنبط من البئر ومنه لفلان قريحة جيدة، يراد استنباط العلم بجودة الطبع.
الجزء 1 · صفحة 14
والرمز: الإشارة والإيماء بالشفتين والحاجب وقد رمز يرمز وىرمز
وقد أستعار للقريحة الاتقاد، أي من له طبع حسن يتوقد ذكاؤه، ذلك وقاد، وإضافته إلى القريحة إضافة اسم الفاعل إلى معمول، فإنه ينكشف له رموز هذا الكتاب وإنما سماها رموزا لأن دلالة ألفاظها على معانيها ليست بالحقيقة الوضعية، إنما تدل عليها بالحقيقة العرفية الخاصة، وهي الأصطلاح الذي نقرره في صدر هذا الكتاب، فكأنها تشير على ما وضعت له دلالة خفية بالنسبة إلى وضع اللغة، فلا يطلع عليها إلا من له ذهن متوقد بالذكاء.
قال: وتتضح لنقاد البصيرة كنوزه.
نقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف وناقدت فلانا ناقشته
والبصيرة الحجة والاستبصار في الشيء.
جعله
ومنه قوله تعالى: {بَلِ الإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَهُ، قال الأخفش: هو البصيرة كما تقول للرجل: أنت حجة على نفسك.
والكنز: المال المدفون، وقد كنزته أكنزه واكتنز الشيء: أجتمع وامتلأ وهذه أستعارة أخرى لمعاني الكتاب ودقائقه، سماها كنوزا لأنها مكنوزة مدفونة مجموعة لا تتضح إلا لمن له بصيرة نفاذة قادرة
على معرفة صحيح المعاني من سقيمها، وكيفية ترتيب الفروع على أصولها واستنباط ما ليس مذكورًا من الأحكام مما هو مذكور، وهذه أيضا من إضافة اسم الفاعل إلى معموله، وهاتان الاستعارتان مرشحتان بالانكشاف والإيضاح
قال: ويشوق لرائق اللفظ وجيزه.
راقني الشيء يروقني: أعجبني فهو رائق، ومنه: غلمان روقة وجوارٍ رُوقة أي حسان وراق الشراب يروق إذا صفا والشوق نزاع النفس إلى الشيء.
وأوجزت الكلام قصرته فهو موجز وَوَجْزُ ووجيز، ولما كان الكلام القصير منه ما يروق
الجزء 1 · صفحة 15
ويعجب العذوبته بب وحسنه، ومنه ما ليس كذلك جعل هذا الكتاب الموجز ج مشوقا عند حافظه ومحصله بسبب أن ألفاظه رائقة معجبة غير مبترة ولا ناقصة الدلالة على المعاني وإضافة الرائق إلى اللفظ من باب إضافة اسم الفاعل إلى معموله. واللام للتعليل.
قال: ويفوق على النظائر تعجيزه.
فاق الرجل أصحابه إذا علاهم بالشرف، وعدَّاه بعلى لما تضمن معنى العلو والشرف والعجز الضعف وعجزه تعجيزا: إذا أظهر عجزه عن مقاومته، يريد أن هذا الكتاب مظهر لعجز غيره من نظائره من المختصرات عن نيل رتبته؛ بسبب اشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره من المصطلح الغريب الذي تفرد هو، به فلا يلحقه غيره في الدلالة على ما دل هو عليه مع حسن نظمه البديع واختصاره الفائق، فتعجيزه يفوق على نظائره وإنما أسند الفعل إلى التعجيز الذي هو وصف الكتاب دون الكتاب نفسه تنبيها على العلة.
قال: يحوي مختصر الشيخ أبي الحسين القدوري ومنظومة الشيخ أبي حفص النسفي رحمهما الله فإنهما بحران زاخران وهذا مجمع البحرين وهما النيران المشرقان وهذا ملتقى النيرين.
حوى الشيء يحويه حيًّا: جمعه وهذا الكتاب جامع لمسائل الكتابين وقد حذفت مسائل يغلب عليها الشذوذ وليست من مشاهير مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله، وبسبب ذلك ربما أنكرت، إما لأنها أقوال مرجوع عنها أو مروية بروايات بعيدة شاذة، فلم أرَ في نصب الخلاف فيها فائدة، فلا يقدح إسقاطي لمثل ذلك في كون الكتاب حاويًا لمسائلهما، على أني نبهت على ذلك في خاتمة الكتاب. ثم مدح هذين الكتابين لشهرتهما في هذا المذهب واستحسان السلف والخلف لهما، وتوفر الدواعي على حفظهما وتحصيلهما؛ لاشتمالهما على القواعد الجليلة في المذهب فكانا لذلك بحرين، وزخر البحر والوادي: إذا أمتلأ وارتفع ماؤه وكانا أيضا بين الكتب المختصرة في المذهب كالنيرين المشرقين اللذين هما الشمس والقمر بين الكواكب؛ لظهور الفائدة بهما وتوفر الدواعي على الاستفادة منهما، ولما لم يكن في البحار بحران معروفان نكرهما، ولما كان في النجوم نيران ظاهران ذكرهما معرفين، كأنهما معهودان في ذهن السامع، وقال علماء البديع: إن المبتدأ إذا كان مذكورًا والخبر معرفا باللام دل على الحصر والتخصيص والمبالغة في الثناء، فإنك تجد تفرقة بين قولك: زيد هو الفاضل وبين قولك زيد فاضل؛ لاشتمال الأول على ثناء ومدح عربي عنه الثاني فلذلك أعاد الضمير هنا وعرف الخبر فقال: وهما النيران ولما كان هذا
الجزء 1 · صفحة 16
وصف الكتاب مع الإشارة إليه به أغنى ذلك عن الإخبار بأنه أسم الكتاب وأحسن ما سمي الشيء بما
يدل عليه وصفه.
قال: أحدهما يهدي إلى فقه المذهب الذي هو من أشرف المطالب، والآخر يعرف الخلاف بين المذاهب.
هديته الطريق هداية، عرفته، وهذه لغة أهل الحجاز، وغَيْرُهم يقول: هديته إلى الطريق وإلى الدار حكاها الأخفش وقد وردتا في الكتاب العزيز.
والفقيه الفاضل هو الذي تسمو همته إلى الأطلاع على مذاهب العلماء، واختلاف أقوال جـ ب المجتهدين، ليزداد بصيرة في الفقه بالوقوف على مسالك الاجتهاد والنظر في مأخذ الأحكام الشرعية، ولا يجمد على مذهب نفسه وهذا هو الباعث على جمعي بين هذين الكتابين؛ ليكون حافظه جامعًا بين معرفة مذهب نفسه ومذاهب المجتهدين.
قال: فجمعت بينهما جمعًا لم أسبق إليه، ولا عثر أحد غيري عليه مع زيادات شريفة وقيود ومسائل منظمة كالعقود وإشارة إلى الأصح والأقوى وتنبيه على المختار للفتوى.
عثر علي الشيء: أطلع عليه ب وأعثره عليه غيره: أطلعه عليه؛ قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْتَرْنَا عَلَيْهِمْ} وقد زدت في هذا الكتاب مسائل كثيرة يحتاج المفتي إليها، وزدت أيضا قيودا في المسائل واجبة أهملت من الكتابين، وأشرت في بعض المواضع إلى الأصح من الروايتين؛ طلبًا للاعتماد عليه ونبهت في بعضها على ما هو المختار للفتوى؛ ليرجع المفتي إليه.
وهذه الدعوى معدلة الشهود وافية بما هو المقصود كما ستقف عليه في صدر الكتاب وتراه مسرودًا في جميع الأبواب.
قال: وها أنا قد صدرته بتمهيد قاعدة اخترعتها، وأوضاع شريفة ابتدعتها؛ لتكون أقرب الوسائل إلى إيضاح هاتيك المسائل، والله ولي إعانتي على هذا التهذيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وعليه أنيب.
يقال: مهدت الفراش تمهيدًا ومهدًا: بسطته ووطأته، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها.
الجزء 1 · صفحة 17
والقاعدة واحدة، القواعد وهي أساس البيت وقواعده.
والاختراع الإنشاء والابتداع، والوسائل: جمع وسيلة، وهي ما يتقرب به إلى الغير والتهذيب: التنقية، ورجل مهذب: مطهر الأخلاق. يشير بذلك إلى ما أورده في صدر هذا الكتاب من المصطلح الذي يتضح به ما بني هذا الكتاب عليه. وها هو صدر الكتاب.
صدر الكتاب
قال: وضعت هذا الكتاب وضعًا يستفيد منه قارئ كل خلافية أو غير خلافية؟ وإذا كانت خلافية يعلم هل هي ما فيها من المذاهب على التفصيل بأتم وجوه التحصيل، وذلك بمجرد قراءتها من دون تلويح برقم أو تصريح باسم.
هذا هو المصطلح الذي أعتمدت عليه في بيان المسائل الخلافية وغيرها، فإنني لما قصدت إيضاح الخلاف ونسبة الأقوال إلى الأئمة، ورأيت الإيضاح بأسمائهم مما يطول به المختصر لكثرة ترددها عدلت
إلى طريقة أخرى جامعة للاختصار وتعريف الخلاف على التفصيل.
وقد نبه بقوله: من غير تلويح برقم أو تصريح باسم على قواعد من
تقدمنا في تفهيم الخلاف؛ فإنهم رقموا على عيون المسائل رقوما تفهم بها أسماء المخالفين لتلك المسائل، ولكنها لو طرحت من الكتاب بطلت تلك الفائدة المقصودة منها، وأما هذه الطريقة فيعرف منها الخلاف من نص الكتاب، وضعت الرقوم عليها أو لم توضع.
وأشار بقوله: بأتم وجوه التحصيل إلى ما قصده بعض أصحابنا من وضع الرقوم مع بيان مذهب المخالفين على حاشية الكتاب، فإنه وإن كان الخلاف يعلم من ذلك على التفصيل لكنه ليس بأتم وجوه التحصيل؛ لعدم استفادة ذلك من نص الكتاب.
وقوله: غير خلافية أي غير دالة على الخلاف، وهذا أعم من أن تكون وفاقية to أو فيها خلاف غير مقصود بالتنبيه عليه، ومراده هاهنا ما هو أعم من ذلك؛ فإنه لم يلتزم في المسالة التي هي عارية عن أوضاع الخلاف أن تكون مجمعًا عليها في نفس الأمر، فقد تكون كذلك، وقد يكون فيها خلاف إلا أنه لم
الجزء 1 · صفحة 18
يقصد ذكره، فلذلك قال: غير خلافية ولم يقل: وفاقية، فالمقصود بها إذا تعريف المذهب لا غير.
قال: وإن كنا قد وضعنا رقوما لفوائد نذكرها فإنما هي كحاشية ينفع وجودها ولا يضر عدمها.
هذا جواب عن اعتراض مقدر، وهو أن الخلاف إذا كان معلومًا من نص الكتاب فأي حاجة إلى هذه الرقوم؟! فقال: الحاجة إليها لتحصيل آخر فوائد تتعلق بها غير تحصيل الخلاف، وسنذكر تلك الفوائد في الفصل، وتنزل هي من هذا المقصود بمنزلة حاشية في الكتاب ينفع وجودها في تحصيل تلك الفوائد المنوطة بها، ولا يضر عدمها في تعريف الخلاف الذي يعرف من النص، ولا يقال: بأن كل ما ينفع وجوده يضر عدمه، فقولكم: ينفع وجودها ولا يضر عدمها تناقض لأنا نقول: النسبة مختلفة فاندفع التناقض؛ إذ ما ينفع وجودها فيه غير ما يضرّ عدمها فيه وإن كان يضر عدمها فيما جعل وجودها فيه نافعا بالضرورة، إلا أن كل تلك الفوائد ب ب المنوطة بها حاشية بالنسبة إلى الغرض المقصود، ولأجل ذلك آثرنا المحافظة على تلك الرقوم؛ قال: فنقول: قد دللنا على قول أبي حنيفة الله إذا خالفه صاحباه بالجملة الأسمية، سواء كان الخبر مقدمًا أو جملة أو مفردًا، إلا أن تقع هذه الجملة حالا معترضة فلا تدل على خلاف أو تتضمن نسبة رواية لئلا يفوت بفواتها ما علق بها من تلك الفوائد.
إلى أبي حنيفة الله الله فلا تدل على خلاف صاحبيه. أنواع الخلاف المذكور في كتاب المنظومة عشرة، وقد وضعت لكل منها وضعا تستفاد به مسائله: فأول الأبواب قول أبي حنيفة الهلهلهلهله خلافا لأبي يوسف و محمد رحمهما الله، وقد دللنا على هذا النوع بالجملة الأسمية، وهي القضية المشتملة على إسناد أمر إلى آخر نفيا - يعني للحكم - أو إثباتا وصدرها في الصورة أو المعنى أسم سواء كان الخبر جملة أخرى أسمية أو فعلية أو شرطية أو ظرفية، كان مفردًا.
ومعنى قولنا: صدرها في الصورة أو المعنى أسم: أن صدر الجملة الذي يسند إليه الخبر، سواء كان مقدمًا أو مؤخرًا، فقولنا: في الدار رجل صدرها أسم في المعنى، وقولنا: زيد قائم صدرها أسم في الصورة أيضًا.
وقولنا وصدرها أسم: أحتراز عن الجملة الفعلية؛ فإنها القضية: المشتملة على إسناد أمر إلى آخر وصدرها، فعل، ويدخل مثل قولنا: زيد قام في أن الخبر جملة؛ فإن قام مسند إلى ضميره، والجملة خبر عن زيد، وهذا هو مذهب البصريين، وقد استعملنا هذه الأنواع في الكتاب: فمثال ما إذا تقدم الخبر
الجزء 1 · صفحة 19
بأن كان ظرفًا أو حرفًا قولنا: وللعجوز حضور الجماعة.
ومثال وقوع الخبر جملة قولنا: والمحصور فاقد الطهورين يؤخرها فإن قولنا يؤخرها جملة في موضع الخبر.
ومثال وقوعه مفردًا قوله: وإنفحة الميتة ولبنها طاهر، وإنما استثنى الجملة الحالية لأنه لا يقصد بها نسبة الحكم الشرعي إليها. إنما هي في المعنى وصف هيئة الفاعل أو المفعول، فهي تابعة لغيرها مقدرة بمفرد، فهي وإن كانت جملة في الصورة ج هب إلا أنها مفرد في المعنى، وإنما استثنى الجملة التي يقصد فيها نسبة الرواية إلى أبي حنيفة الله لأنه لولا أستثناؤها لكانت مع الدلالة على قوله تدل على خلافهما، وليس الأمر كذلك؛ لأن قوله يوافقهما أو يوافق أحدهما في الأكثر، فلولا أستثناء ذلك والإشارة إليه لانتقضت بها القاعدة الأولى، فهذه الجملة حالية إِذًا يقصد بها نسبة الرواية إليه لا غير، ولا يلحظ فيها مخالفة صاحبيه له ولا موافقتهما، ومثال وقوعها حالا قولنا وطهرها والدلو الأخير تقطر فهذه الجملة حالية لا يقصد فيها إثبات خلاف.
ومثال نسبة الرواية بها قولنا والفرض آية، وقالا: طويلة، أو ثلاث، وهي رواية أي: وقولهما رواية عنه.
قال: فإن اقتسم القولان طرفي النفي والإثبات أقتصرنا يريد عليها، وإلا أردفناها بضمير التثنية لإثبات مذهبهما بأي الجمل شئنا لأمن اللبس.
أن قول أبي حنيفة الا الله إذا كان مثبتا وقولهما نافيا أو بالعكس يقتصر على إيراد الجملة الأسمية، ويجعل ما فيها من الحكم دالا على ضده، وأما إذا كان قولهما لا يعرف من قول أبي حنيفة له عند إطلاقه إما لتفصيل أو غيره فلابد من بيانه فيتبع الجملة الأسمية بتعريف مذهبهما بضمير التثنية مثل قولنا: والفصل في المغرب بسكتة، وقالا: بجلسة فإن الفصل بالجلسة لا يفهم من السكتة لكونه أعمّ، وأما للأمن من اللبس فلأن ضمير التثنية راجع إلى أبي يوسف ومحمد رحمهما الله بحكم الأصطلاح؛ لأن الجملة السابقة على الضمير أسمية تدل على قوله مع خلافهما، وكذلك إذا ورد ضمير التثنية بعد الجملة الفعلية المضارعة أو الماضية كان دالا على من جعل كناية عنه ب5 وتقدم الجمل واختلافها هو المانع من وقوع اللبس ونحن لم نضع إلَّا جملة مفردة الفاعل أو مجموعة الفاعل، ولم نضع المثنى، فلذلك لا يقع
اللبس
الجزء 1 · صفحة 20
قال: وعلى قول أبي يوسف الله إذا خالفه صاحباه بالجملة الفعلية المضارعة الفعل المستتر فاعلها.
هذا هو ثاني أبواب المنظومة، وهو قول أبي يوسف إذا خالفه أبو حنيفة ومحمد وقد دللنا على هذا 101 النوع من الخلاف بالجملة الفعلية إذا كان فعلها مضارعا وفاعله مستترًا كناية عن أبي يوسف الله، مثل قولنا: ويسقطه عما وراء العذار أي ويسقط أبو يوسف الغسل عما وراء العذار من البياض المعترض بينه وبين الأذن، وإنما أشترط استتار الفاعل لأنه جعل ظهوره دليلا على المسألة التي لا يقصد الخلاف فيها كما ستقف عليه.
قال: وعلى قول محمد الله إذا خالفه صاحباه بالجملة الماضية المستتر فاعلها.
هذا هو الباب الثالث من الأبواب، وهو قول محمد لله على خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد دللنا على هذا النوع من الخلاف بالجملة الفعلية إذا كان الفعل ماضيًا والفاعل مستترًا، مثل قولنا: ومنعه بفحش المباشرة فالضمير المستكن في الفعل كناية عن محمد، وهذه الجمل الثلاث مرتبة ترتيب هؤلاء الأئمة: فالجملة الأسمية أشرفها؛ لاستغنائها عن الفعل، فكانت بقول الإمام الأعظم أليق والفعلية المضارعة ج الفعل أشرف من الماضي؛ لمشابهة الفعل المضارع بالاسم في كونه معربا بالإمام الثاني أليق وتعينت الفعلية الماضية لمحمد رحمهم الله
قال: والكلام في الاقتصار عليهما أو إردافهما بضمير التثنية ما سبق.
يريد أنه إذا فهم قول أبي حنيفة ومحمد من إطلاق الجملة الفعلية المضارعة الفعل لكون القولين في طرفي إثبات ونفي لم يحتج إلى إرداف الجملة بضمير التثنية، وكذلك إذا فهم قول أبي حنيفة وأبي يوسف من إطلاق الجملة الفعلية الماضية أما إذا لم يفهم قولهما بسبب تفصيل أو غيره وجب إرداف تلك الجملة بضمير التثنية دلالة على قولهما كما سبق في قول أبي حنيفة الله.
قال: وعلى قول أبي حنيفة إذا خالفه أبو يوسف ولا قول لمحمد رحمهما الله بالاسمية وإردافها بالمضارعة.
هذا هو الرابع من الأبواب، وهو المشتمل على قول أبي حنيفة والمخالف له قول أبي يوسف وحده، وقد دللنا على ذلك بإيراد الجملة الأسمية لندلَّ بها على قول أبي حنيفة الله، وإردافها بالفعلية المضارعة لندلَّ بذلك على اختصاص الخلاف بهما؛ لأن الجملة الأسمية فيما سبق إما مطلقة أو مردفة
الجزء 1 · صفحة 21
بضمير التثنية، وهذه الجملة مردفة بالجملة الفعلية المضارعة الفعل فكانت قرينة دالة على أنه لا قول لمحمد؛ فإنه لو كان له قول لكان هو الباب الأول، بعينه ومثال ذلك قولنا: ولو خافه فانصرف فهو واجب ويخالفه.
قال: وعلى قوله إذا خالفه، محمد، ولا قول لأبي يوسف بالاسمية وإردافها بالماضية أو بنفي قول محمد بحرف لا.
هذا هو خامس الأبواب، وهو قول أبي حنيفة إذا خالفه محمد ولا قول لأبي يوسف، وقد دللنا على هذا النوع من الخلاف بإيراد الجملة الأسمية لندل بها على قول أبي حنيفة الله، وإردافها بالجملة الماضية الفعل لندل بها على قول محمد، وأن الخلاف مختص بهما؛ لأنه لو كان لأبي يوسف قول مع محمد لكان هو الباب الأول بعينه، ومثاله قولنا: والالتصاق ملغى وشرطه وزدنا هاهنا وضعا آخر وهو إرداف الأسمية بنفي قول محمد بحرف لا؛ لأن التصنيف يلجئ إليه في بعض المواضع، ولا يشترط في المنفي أن يكون مفصلا وإلى نفيه داعية، بل المقصود نفيه مفصلا كان أو غيره؛ ليعرف أن ذلك مذهب لمحمد، وأنه يخالف فيه الإمام خلافا مختصا بهما.
قال: وعلى قول أبي يوسف إذا خالفه محمد ولا قول للإمام بالفعليتين، أو نفي قول محمد بعد المضارعة.
هذا هو سادس الأبواب. الأبواب، وقد دللنا ب هب على هذا النوع من الخلاف بذكر الجملة الفعلية المضارعة لندل بها على قول أبي يوسف وإردافها بالفعلية الماضية لندل بها على قول محمد وأن الخلاف مختص بهما؛ إذ لو كان لأبي حنيفة قول مع محمد لكان هو الباب الثاني بعينه، ومثال ذلك قولنا: ويقدم أوليي الظهر قاضيًا على ثانيتهما في الوقت وآخرها وزدنا هنا وضعا آخر وهو إرداف ج ب المضارعة بنفي قول محمد على حسب ما يقتضيه التأليف، كقولنا: ويجلعه سنة الصلاة لا القراءة وتقدم الجمل واختلافها هو الفاصل والرافع للالتباس، فلا يشتبه 1 هب هذا النفي بما قبله لحصول القرينة، وهي سبق الجملة الفعلية أو الأسمية.
قال: وعلى أقوال الثلاثة بثلاثة أوضاع: إما بالاسمية وإردافها بالفعليتين أو بالجملتين ونفي
الجزء 1 · صفحة 22
قول محمد، أو بأحكام ثلاثة مرتبة أولها للإمام، وثانيها لأبي يوسف، وثالثها لمحمد.
هذا هو سابع الأبواب، وهو المشتمل على أقوال الأئمة الثلاثة مفصلة، وقد دللنا على هذا النوع بإيراد الأسمية وإردافها بالجملتين الفعليتين الماضية والمضارعة؛ لتدل كل جملة على قول من هي علامة له، كقولنا: وكذا إخراج العقب، ويعتبر خروج الأغلب، وأجازه لبقاء الممكن. والثاني من الأوضاع إيراد الجملة الأسمية وإردافها بالمضارعة وتعقيب المضارعة بنفي قول محمد كقولنا: وشرب بول مأكول حرام، ويجيزه للتداوي لا مطلقا، والثالث: أن يرتب أقوالا ثلاثة أولها للإمام، وثانيها لأبي يوسف، وثالثها لمحمد، كقولنا: وأقل نفله يوم وليلة وأكثره ساعة وكون هذه الأحكام متغايرة مرتبة دليل أنها أقوالهم حيث وردت في الكتاب.
قال: وعلى خلاف الشافعي بفعلية مضارعة مصدرة بنون الجماعة نفيا أو إثباتا وعلى خلاف زفر بماضية ألحق بها نون الجماعة كذلك، وعلى خلاف مالك بفعلية ألحق بها واو الجمع إنما عين هاهنا الدلالة على الخلاف ولم يعين على الأقوال كما سبق في قول أبي حنيفة وصاحبيه، لأن تلك الجمل السابقة مشتملة على أحكام هي أقوال من نسبت إليهم.
وهذه الجملة مشتملة على أحكام هي مخالفة للشافعي وزفر ومالك، فدلالة تلك الجمل على أقوال أولئك الأئمة بالمطابقة نظرا إلى الأصطلاح، ودلالة هذه الجمل على أقوال هؤلاء الأئمة بالالتزام؛ من حيث أن أقوالهم أضداد الأقوال المذكورة فيها صريحا، فكانت دلالتها عليها دلالة الضد على الضد، فلهذا قال: وعلى خلاف الشافعي ولم يقل: على قوله.
وإنما قال: نفيا أو إثباتا لأن هذه الجملة لا ترد على نمط واحد بل إن كان قول الشافعي مثبتا أتينا بها نافية وإن كان قوله نافيا أتينا بها مثبتة، وكذلك قول، زفر والغرض إيراد ما يدل على ضده نفيا كان أو إثباتًا. ومثال الإثبات قولنا: ونمسح الأذنين بماء الرأس ومثال النفي: ولم نوجب النية وكقولنا في وضع زفر إثباتا: وفرضنا النية فيه ونفيا كقولنا: ولا أجزناه مع فساد الشرط المجهول ووقوعه في الكتاب قليل ومثال الفعلية التي تدل على خلاف مالك في الإثبات: ونجسوا القليل وإن لم يتغير بالنجاسة، وفي النفي قولنا: ولم يفرضوا مسح كل الرأس.
وبهذه الأوضاع الثلاثة تمت الأبواب العشرة، وتمت الأوضاع الخلافية.
قال: وإنما جعلناه مجموعًا ليفهم أن المذكور هو قول أصحابنا وأنهم يخالفونهم فيه.
الجزء 1 · صفحة 23
يشير إلى أن الفائدة في وضع هذه الجمل مجموعات الفاعلين للدلالة على أن ما أشتملت عليه من الأحكام الشرعية أقوال أصحابنا رحمهم الله، وأن الشافعي وزفر ومالكا يخالفونهم في تلك الأحكام.
قال: فنقتصر على هذه الجمل إن فهمت أقوالهم، وإلا أردفناها بنفيها على ما سبق.
يشير إلى أن القول المنسوب إلى أصحابنا الذي دلت الجملة المجموع فاعلها عليه إذا كان مثبتاً، وقول المخالف نافيًا نقتصر على تلك الجملة؛ لدلالة ذلك الحكم على ضده، وإن كان في مذهب المخالف تفصيل يحتاج إلى إيضاح أردفنا تلك الجملة بنفي قول المخالف، كما كنا أردفنا الجمل السابقة بالضمير الدال على قولهما.
وإنما أخترنا هاهنا إرداف النفي ب لأنه مطابق لمضمون تلك الجملة؛ فإن قولنا: فنقدره بالربع لا بالأقل مطابق للأول في التقدير؛ لأن المعنى ونقدر الفرض في مسح الرأس بالربع ولا نقدره بالأقل الذي هو مذهب الشافعي، وكذلك الكلام في المذهبين الآخرين فيكون النفي معرفًا لمذاهبهم المفصلة عند الحاجة إلى تعريفها.
قال: هذه أوضاع للمسائل الخلافية، ودللنا على غير الخلافية بالجملة الشرطية والنافية العاريتين عن الأوضاع السابقة، وبالفعل الظاهر الفاعل والمستتر للعلم، به والفعل اللازم ظاهرا كان فاعله أو مضمرًا، والذي لم يسم فاعله
لما فرغ من ترتيب الأوضاع الدالة على الأنواع العشرة من الخلاف أتبع ذلك بأوضاع أخر لا يدل وجودها على خلاف، فتكون المسألة مهملة عن الخلاف، وحينئذ يجوز أن تكون وفاقية في نفس الأمر وأن تكون خلافية إلَّا أنه لم يقصد إيراد الخلاف. وهذه الأوضاع ستة:
أولها الجملة الشرطية كقولنا: ولو غلبه إغماء أو جنون أو زالت مسكته بنوم انتقض وقد نصدرها بكلمة إذا وبكلمة من الشرطية، لاشتمالها على معنى الشرط.
وثانيها: الجملة النافية كقولنا: ولا يرفع بمستعمل وإنما شرط عراؤها أعني الشرطية والنافية عن الأوضاع السابقة لأنهما إذا اشتملتا على شيء من ذلك كانتا خلافيتين، مثال ذلك قولنا: ولو قضى مفلس مقر ما عليه بعد أعوام أفتى بعدم الوجوب عنها فإن هذه الجملة شرطية إلا أن جواب الشرط
الجزء 1 · صفحة 24
مشتمل على الجملة الفعلية الماضية الدالة على قول محمد خلاف صاحبيه، فكانت دالة على ذلك النوع من الخلاف، وكذلك الجملة النافية إذا وردت ساذجة عن تلك الأوضاع السابقة لم تكن دالة على خلاف، وأما إذا اشتملت عليها دلت على ذلك النوع كقولنا: ولا نسن جلسة الأستراحة فإن النفي هاهنا في الجملة الفعلية
مع المضارعة المصدرة بنون الجمع ليدل على خلاف الشافعي الله.
وثالثها: الفعل الظاهر الفاعل كقولنا: وتكتفي المرأة بتخليل شعرها وإنما شرط ظهور الفاعل أحترازًا عن الجملتين الفعليتين الدالتين على قول أبي يوسف ومحمد فإنه شرط فيهما استتار الفاعل ليكون الفاعل كناية عنهما.
ورابعها الفعل المستتر الفاعل للعلم، به مثل قولنا: ثم يركع مكبرا
فإنه يريد المصلي، لدلالة سياق الكلام على الفاعل فلا يقع اللبس للمستبصر، فالعلم به هو الذي سوغ إضماره، ولولا ذكر هذا لورد نقضا على ما سبق.
وخامسها الفعل اللازم الذي لا يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقولنا: ويحرم العيدان وأيام التشريق سواء كان فاعله ظاهرًا أو مضمرًا للعلم به، كقولنا: وقيل: يجب كلما ذكر وهذا مقابل الفعل الدال على
الخلاف فإنه ضروري التعدية، كقولنا: ونأمر، ونحكم، ونجيز، ونحو ذلك.
وسادسها: الفعل الذي لم يسم فاعله مثل قولنا: يفترض في الوضوء غسل الوجه.
قال: وإذ قد وفينا بالمقصود فقد رقمنا حرف الحاء والسين والميم على الأسمية والمضارعة والماضية، ونفي قول، محمد وعلى الأقوال الثلاثة على الترتيب تنبيها على أن تلك الأحكام أقوال أصحاب الرقوم، وحرف العين والزاي والكاف على الجمل التي أصحاب هذه الرقوم -وهم الشافعي وزفر ومالك رحمهم الله يخالفون الحكم المذكور فيها، وحرف الدال على القيود والمسائل الزائدة على ما في الكتابين.
لما فرغ من الأوضاع الدالة على الخلاف وغير الدالة عليه أتبع ذلك بذكر الرقوم الموضوعة في هذا الكتاب واصطلاحه فيها، وذكر فوائدها، والرقوم الموضوعة في هذا الكتاب سبعة أحرف: الحاء
الجزء 1 · صفحة 25
والسين والميم والعين والزاي والكاف والدال.
فالثلاثة الأول علامات على أصحاب الأقوال، بب والثلاثة الأخر علامات على أسماء المخالفين، وحرف الدال على المسألة أو القيد الذي زدته على ما في الكتابين.
أما الثلاثة الأول: فالحاء موضوعة على الحكم الشرعي من الجملة الأسمية - أعني الخبر - وذلك الحكم منسوب إلى أبي حنيفة الله، فمعنى رقم الحاء على الخبر أن هذا الحكم المذكور هو قول أبي حنيفة، وكذلك الجملتان الفعليتان وكذلك على الحكم المنفي بحرف لا فإنه مذهب، محمد أي برقم حرف الميم على ما هو قول محمد نفيا أو إثباتا.
وإنما خص هذا لأنا لا نرقم على الأقوال المنفية للشافعي وزفر ومالك، اكتفاء بالرقم على الجم التي تدل على خلافهم، وكذلك على الأحكام الثلاثة، فإن كل حكم منها لصاحب كل رقم.
وأما الثلاثة الأخر - وهي العين والزاي والكاف فإنها موضوعة على الجمل التي تدل على الحكم المنسوب إلى أصحابنا ب مع الدلالة على مخالفيهم، فمعنى الرقم عليها أي أن هذا الحكم المذكور في الجملة مثلا هو خلاف لصاحب هذا الرقم.
قال: وقد آثرنا أن لا يخل الكاتب بها لفائدة سرعة الوقوف على المسائل الخلافية وإعانة المبتدئ والقاصر في علم العربية، وليكون فارقًا بين ما يلتبس في الخط من الجمل الفعلية صونا للكتاب عن غلط الكتاب، وتنبيها على فوائد تلك الزوائد.
لما فرغ من ذكر الرقوم وكيفية وضعها ذكر فوائد وضعها، وهي خمس:
أولاها: أن هذه الرقوم لما كانت دلائل على أسماء الأئمة فإذا أحتيج إلى تعرف مسألة خلافية من باب قصد أسم المخالف أو صاحب من رقمه الخاص به فيوقف على تلك المسألة سريعا.
الفائدة الثانية: إعانة المبتدي فإنه ربما عُسر عليه الأطلاع على كيفية دلالات هذه الجمل على ما وضعت، له فتكون تلك الرقوم مما يوضح ذلك ويكشفه له.
هذا الفائدة الثالثة إعانة القاصر في علم العربية، فإن مرتبته من الكتاب مرتبة المبتدئ من العالم بها، فإنه إذا كان قاصر النظر في علم العربية لا يمكنه التمييز بين جملة وجملة إلا بعد اجتهاد، فلا يخفى
الجزء 1 · صفحة 26
إعانة الرقوم له على إيضاح ذلك وكشفه.
الفائدة الرابعة: وهي المهم من هذه الفوائد: أنه وقع في هذه الجمل أجناس في الخط مثل نحكم ويحكم بالنون والياء، ويُحكم وهو الفعل الذي لم يسم فاعله والفاصل بينهما النقط والإعراب، ومتى أهمل ذلك وقع الالتباس، وكان موجبًا لتبدل تلك الأحكام وتغير تلك النسب إلى الأئمة، فهذه الرقوم مما يصون عن ذلك؛ فإنه إذا رقم حرف السين على الفعلية المضارعة لا تشتبه بالفعلية الموضوعة لخلاف الشافعي؛ لأن تلك مرقومة بالعين ولا بالمثبتة للمفعول؛ لأنها عديمة الرقم، فبذلك يزول اللبس وتحفظ الأحكام والنسب، وهذه الفائدة هي التي حملتني على ذلك، وهي المراعاة بالحقيقة، وهي السبب في إيثاري أن لا يخل الكاتب بها. الفائدة الخامسة: مختصة بحرف الدال وهي الدلالة بها على تلك المسائل والقيود الزائدة؛ ليحاط بها وبفوائدها علمًا.
قال: وقد تشارك المسألة سابقتها في حكمها وخلافها للمشاركة في الإعراب، وهذا حين نشرع في مقصود الكتاب معتمدين على العزيز الوهاب.
الاختصار إلى عطف مسألة على المسألة السابقة عليها إذا يحوج وافقتها في حكمها وخلافها المختص بها مثل قولنا: ولم نوجب النية والترتيب فإن الحكم في الترتيب كالحكم في النية، وكذلك الخلاف كالخلاف، وهذا لأن العطف دليل المشاركة وها أنا أورد ألفاظ المتن، وأتبع كل مسألة بألفاظ ينحل بها مشكلها وتتضح بها ضمائرها، وأتبع ذلك بالدلائل الملخصة على كل قول، وأنبه عنده كل فصل على ما عقد له ذلك الفصل، سائلا من الله تعالى حسن المعونة وحسن التوفيق على إتمامه بجوده العميم وإنعامه الجسيم والله الموفق
كتاب الطهارة
فروض الوضوء
قال: يفترض في الوضوء غسل الوجه.
الغسل هو الإسالة، وعن أبي يوسف الله: أن الماء إذا سال على اعضاء الوضوء من غير أن يتقاطر عنها أجزأ؛ لأن الغسل بالإسالة وقد حصلت وإن لم يتقاطر. وقالا: لا يصح الغسل ألا أن
الجزء 1 · صفحة 27
يسيل إلى حد التقاطر؛ لأن الماء قبل التقاطر إما إصابة، أو متردد بين الإصابة والإسالة فلا يحصل اليقين بالغسل إلا بعد التقاطر.
والوجه ما تقع به المواجهة، وهو من قصاص شعر الرأس إلى أسفل الذقن، وإلى شحمتي الأذنين. وفرضية الغسل ثابتة بقوله تعالى: {فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}.
قال: ويسقطه عما وراء العذار.
الضمير المستكن في يسقط كناية عن أبي يوسف الله بحكم الأصطلاح الذي قدمناه. والضمير البارز للغسل، أي: ويسقط أبو يوسف الغسل عما وراء العذار يعني: البياض المعترض بين العذار والأذن.
ووجه قوله: أن المواجهة لا تقع به بعد نبات العذار فصار كالذقن إذا أستتر جب بالشعر، وكما يسقط عما تحت العذار للحائل وقال أبو حنيفة ومحمد: غسله فرض؛ لدخوله تحت الآية، ألا ترى أن غسله فرض قبل نبات العذار، وما تحت العذار يسقط غسله للحائل، وكذلك ما أستتر من الوجه بالشعر، فبقي في 9 الباقي على الأصل.
قال: واليدين والرجلين إلى المرفقين والكعبين.
هذا معطوف على الوجه والفعل مبني للمفعول مقدر هاهنا، والمعنى: ويفترض غسل اليدين إلى المرفقين، وغسل الرجلين إلى الكعبين. وإنما أقحم تلك المسألة الخلافية بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لأن الكلام فيها من فروع غسل الوجه فحسن ذلك، كما أتبع هذه المسالة بالخلاف في المرفق والكعب
وفرضية غسل اليدين والرجلين ثابتة بقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ} في قراءة النصب عطفا عليه، والموجب لتعيين جهة العطف - وإن أحتمل النصب العطف على موضع الجار والمجرور في قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} - أنه جعل الكعبين غاية وظيفة الرجلين ولو كانتا ممسوحتين لقيل وأرجلكم إلى الكعاب كما قيل: إلى المرافق فإن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الإفراد بالإفراد.
لكن الكعبان اللذان هما العظمان الناتئان لا يكونان غاية للمسح؛ لأن من جعل وظيفتهما المسح يجعل غاية المسح الكعب الذي هو على ظهر القدم عند معقد الشراك، ولو كان هو المراد لقيل: إلى الكعاب لما
الجزء 1 · صفحة 28
بينا.
هذا ما حمل عليه بعض المحققين من الفقهاء. على أن صاحب الصحاح» قال: الكعب العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعى - رضي الله عنهم - قول الناس: إنه في ظهر القدم. ففي الآية يذكر الغاية إشارة إلى أنهما مغسولتان.
ثم لما كان للقدم، حالتان ظهور واستتار بالخف حملت قراءة النصب على حالة الظهور، وقراءة الجر على المسح حالة الاستتار بالخف عملا بالدليلين. هذا ما حمل عليه بعض المحققين من الفقهاء. وأقول: فيه نظر؛ لأن الماسح على الخف لا يكون ماسحا على الرجل حقيقة ولا شرعا؛ أما حقيقة فظاهر، وأما شرعا فإن الخف جعل مانعا من سراية الحدث إلى القدم فتبقى القدم على طهارتها السابقة على اللبس وما حل بالخف يزيله المسح، فعلى هذا لا يكون المسح على الرجل لكونها طاهرة لم يحل بها حدث يرفعه
المسح.
والمشهور حمل قراءة الجر على المجاورة في الإعراب مع أختلاف الحكم.
وتعين الحمل على هذا المحمل لتواتر السنة بفرضية الغسل والوعيد على الترك، والإعراب على الجوار كثير لا يمتنع أن يقع في القرآن، فمنه قوله: وَحُور عين في قراءة الجر معطوفا على قوله: {بِأكوابوَأَبَارِيقَ والمعنى مختلف، إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور. وقال النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت ... و موثق في حبال القد مجنوب
والقوافي مجرورة والجوار مشهور عندهم في الإعراب والصفات وقلب الحروف والتأنيث وغير ذلك، فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف، ومن الصفات قوله: عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ و فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ
والمحيط هو العذاب، والعاصف هو الريح دون اليوم
ومن قلب الحروف قوله: «ارجعن مأزورات غير مأجورات. والأصل: موزورات فقلب للمجاورة قصدا للمؤاخاة.
ومن التأنيث حذف الهاء من عشر أمثالها المضافة إلى ج الأمثال وهي مذكرة لموضع مجاورة الأمثال
الجزء 1 · صفحة 29
لضمير التأنيث، ومنه قوله:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
ومما روعي فيه الجوار قلبهم الواو المجاورة للطرف همزة، كما أذا وقعت طرفًا في قولهم أوائل ألا ترى أنهم لم يقلبوها إذا بعدت كما في: طواويس.
وقد جعل النحاة للجوار بابا وأصلوه بقولهم: حجر ضب خرب، حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع، فأجاز جماعة من الحذاق إتباعهما قياسا على المفرد المسموع، ولو كان لا وجه له في القياس لاقتصروا على المسموع.
ويؤيد حمل قراءة الجر على ما ذكرنا أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على المغسول، إذ العطف على اللفظ أقوى من العطف على الموضع.
وعن الشعبي: نزل القرآن بالمسح، والغسل سنة.
وعن الحسن البصري تخلله أنه جمع بينهما.
وعنه، وعن محمد بن جرير الطبري التخيير بينهما
و عن داوود: وجوب الجمع
حكم غسل المرفقين والكعبين
قال: وأدخلناهما.
أي: أدخلنا المرفق والكعب في الغسل، خلافا لزفر.
له: أن كلمة إلى لانتهاء الغاية، فيكون المجرور بها غاية الانتهاء فلا يدخل تحت الحكم المذكور فيما قبلها، لأن الحكم المذكور بعد الغاية يخالف ما قبلها وإلا لا تكون غاية.
ولنا: أن الغاية تذكر لمد الحكم إليها، وتذكر لإسقاط ما وراء الغاية.
والضابط: أن اللفظ إن تناول محل الغاية لولا ذكرها؛ كانت الغاية غاية إسقاط لما وراءها، وإن
الجزء 1 · صفحة 30
لم يتناول محل الغاية كانت الغاية لمد الحكم المذكور قبلها.
فالليل في باب الصوم غاية مد الحكم؛ لأن الصوم يصدق على الإمساك ساعة. ألا ترى أنه لو حلف لا يصوم فأصبح ممسكًا حنث؟
والغاية المذكورة في الآية غاية إسقاط؛ لأن أسم اليد يصدق على اليد إلى الكتفين لغة فكان ذكر الغاية إسقاطا لما وراء المرفق فيدخل المرفق ويسقط ما وراءه ه.
والكلام في الكعب كالكلام في المرفق.
المقدار المفروض مسحه من الرأس
قال: ولم يفرضوا مسح كل الرأس فنقدره بالربع لا بالأقل.
أشار بالجملة الأولى إلى مخالفة مالك لله، وبالثانية إلى خلاف الشافعي الله، كما مر في صدر الكتاب، وعرف مذهب الشافعي بنفيه، والمسح هو الإصابة.
قال مالك لله: استيعاب الرأس بالمسح فرض؛ لقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ واسم الرأس يطلق على كله حقيقة فاقتضى أستيعابه كما اقتضاه في التيمم بقوله تعالى: {فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ. قال الشافعي له: الفرض في المسح ما ينطلق عليه الأسم؛ لأن مسح البعض لما كان هو الفرض؛ لاقتصار النبي على مسح الناصية،، وكان الأقل هو المتيقن وجب المصير إليه.
ولنا: أن الباء للإلصاق فاقتضي إلصاق المسح بالرأس، لكن الإلصاق يصدق مع البعض كما يصدق مع الكل، والبعض مجمل في مقدار الكمية، فكان ما رواه المغيرة بن شعبة من المسح على الناصية بيانا فعليا رافعا لهذا الإجمال.
والناصية ربع الرأس؛ لأن الرأس، قذال وفودان ومنبت الناصية.
وهذه رواية لوحظ فيها جهة الممسوح عليه.
وروي التقدير بثلاث أصابع؛ نظرا إلى الآلة؛ لأن الأمر بالمسح يقتضي آلة، فتقدير الآية: فامسحوا بأيديكم رؤوسكم، والثلاث أكثر أصابع اليد التي بها المسح وهي الأصل في اليد بدليل وجوب دية الكف بقطع الأصابع فالتقدير: وامسحوا بأكثر أصابع أيديكم رؤوسكم إقامة للأكثر مقام ج ب الكل تخفيفا.
الجزء 1 · صفحة 31
وأما استيعاب الوجه في التيمم فليس مستفادا من الإلصاق، بل لأنه خلف عن الغسل، فلزم الاستيعاب في الخلف حسب لزومه في الأصل.
قال: ومنعنا فيه مد الأصبع.
قال أصحابنا: إذا مد إصبعا واحدة على رأسه فاستوعب مقدار ثلاث 4 لا يجزيه عن مسح الرأس، ولو أعاد الأصبع إلى الماء أصابع أو الربع فأصاب بها موضعا آخر جاز، أو أصاب الرأس بجوانبها الأربعة أجزأه.
وقال زفر الله: يجزيه المد؛ لأن المعتبر إصابة البلة الممسوح دون الأصابع، ألا ترى أنه لو أصاب الرأس ماء المطر أجزأه عن المسح
ولنا: أن ما على الأصبع من البلة بعد وضعها مستعمل فلا يسقط الفرض بإمرارها. ولا يقال: إن حكم الأستعمال لا يحصل قبل المزايلة. ألا ترى أن السنة بالمسح تقام بإمرار الأصابع الثلاث بعد وضعها، وحكم السنة والفرض واحد في أنه لا يقام بالمستعمل
لأنا نقول: الممسوح لا يفارق المغسول من جهة السنة؛ فإن استيعابه بالمسح سنة، كما أن أستيعاب الوجه بالغسل فرض، ويفارقه في الفرضية من جهة أن الاقتصار على البعض هو الفرض في الممسوح دون المغسول، فجاز أن يفترق حكم الاستعمال فيهما، فيأخذ في الممسوح حكم الأستعمال قبل المزايلة في المفروض منه، بخلاف المغسول لمكان الافتراق في الاستيعاب، فلا يأخذ حكمه المزايلة في المسنون، كما لا يأخذه في المغسول قبل المزايلة؛ للاشتراك في الاستيعاب، أو لأن السنة تابعة للفرض، والتبع لا ينقطع أصله، فلا يظهر هذا الحكم في حقه. هذا ما قاله المحققون من أصحابنا رحمهم الله تعالى.
وأقول: إنهم قد نقضوا ما عللوا به ههنا - من أن الماء يأخذ حكم الأستعمال بمجرد الوضع قبل
الجزء 1 · صفحة 32
المزايلة في مسح المفروض -بما عللوا به لأبي يوسف في مسألة إدخال الرأس الإناء فإنه طهور عنده. فقالوا: المسح حصل بالإصابة، والماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الأنفصال، والمصاب لم يزايل العضو.
فلقائل أن يقول: لا فرق بين الماء الباقي في الإناء بعد مراقات الباقي على الأصبع بعد الملاقات، وقد حكمتم ههنا بالاستعمال بمجرد الوضع ولم تحكموا ثمة بالاستعمال أصلا لا بمجرد الوضع ولا غيره، وهذا تناقض ظاهر. وتعليلكم ههنا بأن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الأنفصال يناقض التعليل في مد الأصبع بأن الماء بمجرد الوضع صار مستعملا فلا يجوز مده
ولنا طريقة أخرى أقرب إلى التحقيق، وأبعد من هذا التناقض تنبني الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الأنفصال في الموضعين جميعا، فنقول: إن الماء الذي أصيب به العضو في مسألة إدخال الرأس الإناء لم يزايل العضو، ولم ينفصل عنه حقيقة ولا حكما، فلم يأخذ حكم الأستعمال؛ لعدم الانفصال مطلقا، ولا الباقي من الماء؛ لأنه ليس هو الذي أقيم به فرض المسح.
وأما في مسالة مد الأصبع فالبلة التي أصيب بها ما لاقته الأصبع من الرأس منتقلة عن ذلك المحل بواسطة المد حكما، فكانت منفصلة عن المحل الممسوح حكما، وإن لم تكن منفصلة عنه حقيقة.
والماء المنفصل عن المحل حكما يأخذ حكم الأستعمال من وجه، فلم يجز إقامة الفرض به؛ لأن كل جزء من أجزاء ما أفترض مسحه يجب أن يكون ممسوحا بماء غير مستعمل من جميع الوجوه في غالب0 ظن الماسح، فلم يخرج عن العهدة باستعمال الماء المستعمل من وجه.
وهذا بخلاف السنة؛ حيث يجوز مد الأصبع فيها لأنها لا يرفع بها حدث، ولا يتوقف جواز الصلاة عليها فكانت تابعة للفرض فاعتبرنا الأنفصال الحكمي مؤثرا في الفرض أخذا بالاحتياط واعتبرنا الأنفصال الحقيقي في السنة عملا بالأصل رعاية لمنازل المشروعات.
حكم اللحية في الوضوء
قال: وفرض اللحية مسح ربعها والأصح مسح ما يلاقي البشرة ويسقطه أو يستوعبها.
الجزء 1 · صفحة 33
قال أبو حنيفة له: يفترض مسح ربع اللحية في الوضوء. والأصح المختار من الرواية عاى ما نص عليه قاضي خان الله في «شرح الجامع ,الصغير" أن الفرض هو مسح ما يلاقي البشرة من الوجه. والتنبيه على هذه الرواية من الزوائد.
وعن أبي يوسف الله روايتان.
إحداهما: أنه يفترض
يفترض مسح كلها.
والأخرى: إسقاط المسح عنها مطلقا.
ولذلك أدخل في المتن حرف الشك بين الجملتين الفعليتين؛ ليدل به على الروايتين، وحسن لفظة الإسقاط وقوعها في مقابلة افتراض مسح الربع، كأنه قال: ويسقط أبو يوسف ?ب ما أفترضه أبو حنيفة من ذلك.: أن وظيفة هذا العضو هو الغسل وقد سقط للحائل فيسقط مطلقا، كاليد المقطوعة، والمجروح الذي يضره الغسل ويزداد ألمه بربط الجبيرة عليه
ووجه الأخرى أن الفرض لما سقط عن البشرة انتقل إلى خلفه وهو المسح فيعم بعموم الأصل، وصار كمسح الجبيرة. وهذا هو وجه الرواية المختارة عن أبي حنيفة.
ووجه الأخرى: أن الفرض لما أنتقل إلى خلف فالربع فيه قائم مقام الأصل؛ قياسا على الرأس.
قال: ويحكم بالإجزاء والطهورية في ملاقاة الممسوح الإناء ناويا للمسح لا بعدمهما.
قال أبو يوسف: إذا أدخل المتوضئ رأسه في الإناء، أو خفه، ينوي بذلك المسح أجزأه عن المسح، ولا يصير الماء بعد إخراج الرأس منه مستعملا، بل هو باق على طهوريته؛ لأن المسح هو الإصابة لا الإسالة. والمستعمل هو المسال دون المصاب، وقصد القربة حاصل بالإصابة.
وقال محمد لله: لا يجزئه والماء غير طهور؛ لأن الماء صار بنية القربة مستعملا، فلم يكن رافعا
الجزء 1 · صفحة 34
للحدث. ولو لم ينو المسح أجزأه عن المسح، ولم يكن الماء مستعملا على المذهبين.
أما على قول محمد: فلان قصد القربة لم يوجد، ووصف الأستعمال به، وقد ارتفع الحدث بماء غير مستعمل فصح. وأما على قول أبي يوسف الله، فلأن الفرض سقط بالإصابة والماء إنما يأخذ حكم الأستعمال بعد الأنفصال، والمصاب لا يزايل العضو فلا يأخذ حكم الأستعمال. وقد فرغ بهذه المسألة من الكلام في فروض الوضوء وفروعها التي تلحقها، وتبين أن فرائض الوضوء أربعة غسل الوجه وغسل اليدين، وغسل الرجلين، ومسح ربع الرأس ثم انتقل إلى سنن الوضوء وما فيها من الاختلاف والتفريع.
سنن الوضوء
قال: ويسن للمستيقظ غسل يديه ابتداء.
المستيقظ منامه قد نام غير مستنج أو كان على بدنه نجاسة من له أن يغسل يديه قبل وضعها في الإناء. الإناء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها؛ ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده.
واشتراط النوم غير مستنج، أو على نجاسة موجودة في البدن بإشارة النص، وهو قوله: فإنه لا يدري أين باتت يده فإنهم كانوا في العهد الأول ينامون غير مستنجين فربما تطوف اليد حالة النوم فتقع على نجاسة، إلا أنه لما كان هذا متوهما غير متيقن سن الغسل لكونهما آلة ج ?ب للتنظيف حتى لو نام وهو يتحقق أن لا نجاسة على بدنه لا يسن في حقه. وهذا الغسل إلى الرسغ؛ لوقوع الكفاية به
التسمية في الوضوء
قال: والتسمية
يعني في ابتداء الوضوء؛ لقوله كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر». ولقوله: لا وضوء لمن لم يسم الله. والمراد به نفي الفضيلة، كما في قوله: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان. فإنه لم يرد به خروجه عن حد المسكنة حتى تحرم عليه الصدقة، بل أراد أنه ليس
الجزء 1 · صفحة 35
بكامل في المسكنة. وكقوله: «ليس المؤمن الذي يبيت شبعان ب وجاره جائع» لم يرد به أنه خرج بذلك إلى الكفر، بل أراد أنه ليس في أعلى مراتب الإيمان. فلم يرد بالحديث أنه ليس بمتوضئ وضوءا خرج به من الحدث، ولكنه أراد أنه ليس بمتوضئ وضوءا كاملا، وهو الوضوء الذي يترتب عليه الثواب .. ووجب الحمل على هذا المحتمل؛ جمعا بينه وبين حديث المهاجر بن قنفذ 0 أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه قال: «إنه لم أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة». ففيه دليل على أنه توضأ قبل التسمية. هكذا ذكره الطحاو معاني الآثار».
وأقول: إن الاستدلال على ذلك هو أن نص الكتاب لا يوجب التسمية، وإنما ثبت، وإنما ثبت وجوبها عند القائل به بخبر الواحد، فلا يجوز أن يلحق بالكتاب إلحاق الفرض؛ لئلا يكون زيادة على
الكتاب بخبر الواحد تحرزا عن النسخ.
وهذه القاعدة ممهدة في أصول الفقه.
وإنما كان الاستدلال بهذا أولى؛ لأن ما قاله الطحاوي يستلزم أن لا تكون التسمية في ابتداء الوضوء أفضل استدلالا بحديث المهاجر فيكون وضوؤه خاليا عن التسمية ولا يجوز نسبة ترك الأفضل
والأولى إلى النبي
,
وأما دفع التعارض بين الحديثين الدال أحدهما على الأفضلية والآخر على الكراهة، فهو أن التسمية من لوازم إكمال الوضوء، فكان ذكرها من تمام الوضوء، فكان الذاكر لها قبل الوضوء مضطرا إلى ذكرها لإقامة هذه السنة المكملة للفرض فخصت من عموم الذكر، ومطلق الذكر ليس من ضرورات الوضوء، فكان المستحب أن لا يطلق اللسان به إلا على الطهارة.
ويدخل في التخصيص الأذكار المنقولة على أعضاء الوضوء؛ لأنها من مكملاته ومتمماته.
استغني عن قيد الأبتداء في التسمية من حيث إنها في نفسها 0
الجزء 1 · صفحة 36
تدل على ذلك؛ فإن الباء تتعلق بمحذوف، وهو الفعل الذي جعلت التسمية مبدءا له إما ليقع ذلك الفعل معتدا به في الشرع، واقعا على وجه السنة، أو ليكون ذلك الفعل ملتبسا باسم الله تعالى تبركا، ولن هذا الغرض إلَّا بتقديم التسمية؛ لئلا يخلو جزء من أجزاء يحصل الفعل عن بركة الأسم، أو الاعتداد به.
قال: والسواك.
لقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ولمواظبته عليه. وهو دليل السنية.
تخليل الأصابع واللحية في الوضوء
قال: والتخليل.
يعني تخليل الأصابع، لقوله: «خللوا أصابعكم قبل أن تتخللها نار جهنم. ولأن التخليل إكمال لفرض الغسل في محله.
قال: ويراه في اللحية سنة وهما فضيلة.
لما كان في لفظة التخليل إطلاق أتبعها بما يستفاد به أن المراد بها تخليل الأصابع.
وأبو يوسف أستدل على سنية التخليل في اللحية بأنه كان إذا توضأ شبك أصابعه في لحيته كأنها أسنان المشط واعتبارا بالأصابع.
ولهما: أن السنة لإكمال الفرض في محله وداخل اللحية ليس بمحل لإقامة فرض الغسل، فلا يكون التخليل إكمالا، فلا يكون سنة، بخلاف؛ لاشتمال تخليلها على الإكمال، فيحمل ما رواه على الفضيلة. وهذه المسألة من الزوائد.
حكم تثليث الغسل في الوضوء
قال: والتثليث.
يعني وتثليث 4 الغسل؛ لأنه يذكر سنة المسح بعد هذا، وهو الاستيعاب دون التكرار فقامت القرينة الصارفة عن الإطلاق إلى التقييد.
الجزء 1 · صفحة 37
ودليله: ما روي عن علي الله أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هذا طهور رسول الله.
وعن عثمان له أنه توضاً ثلاثا ثلاثا: وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا
وعن عمر قال: رأيت رسول الله توضأ مرة مرة.
وعن ابن عباس له: ألا أنبئكم بوضوء رسول الله؟ مرة مرة أو قال: توضأ مرة مرة.
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - مثله.
فثبت أن المرة فرض، والثلاث لإصابة الفضل.
حكم التكرار في مسح الرأس
قال: واستيعاب المسح بب ولا نثلثه.
السنة في مسح الرأس الأستيعاب مرة واحدة.
وقال الشافعي لله: التثليث، كالمغسول؛ لأن السنة إكمال الفرض في محله ومن ضرورته التكرار؛ لأن محل الفرض واحد وإكماله بالزيادة عليه، غسلا كان أو مسحا.
ولنا حكاية أنس الا الله وضوءه ل بتكرار المغسول واستيعاب عليه الممسوح مرة واحدة. ولأن الأصل في الإكمال هو الأستيعاب، إلا أن الغسل لما أستوعب محله تعين التكرار. وأما في المسح؛ فلأن الرأس كله محل إقامة هذا الفرض فكان الاستيعاب فيه ممكنا وإكمالا، مع تحصيل معنى المسح؛ فإنه بواسطة التثليث بالمياه المختلفة يبطل ويلتحق بالغسل.
حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل
قال: والمضمضة والاستنشاق.
وهما سنتان في الوضوء؛ لأنه يواظب على فعلهما
الجزء 1 · صفحة 38
قال: ونوفيه لكل ب منهما، لا لهما.
يريد أن السنة إيفاء التثليث لكل واحد من المضمضة والاستنشاق كمالا، بأن يتمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ويستنشق كذلك.
وقال الشافعي في رواية المزني عنه: يوفي التثليث لمجموعهما، يأخذ غرفة واحدة فيقسمها عليهما إلى الثلاث؛ نظرا إلى أتحاد , العضوين مع ما فيه من التوقي عن الإسراف المنهي عنه.
ولنا: ما روي عن النبي من المواظبة عليهما بالهيئة التي ذكرنا.
قال: ونفرضهما في الغسل.
يريد غسل الجنابة. وقال الشافعي هما سنتان فيه أيضا؛ لأنهما باطنان بأصل التخليق وحكم الطهارة يتعلق بالظاهر ولنا: قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَهَرُوا فيتاول غسل ما أمكن غسله من دون حرج، ولهما حكم الظاهر، بدليل أن المضمضة والاستنشاق لا يقدحان في الصوم.
وأما في الوضوء، فلأن فرض الغسل تعلق بما تقع به المواجهة فلم يتناولهما النص.
السنة في مسح الأذنين
قال: ونمسح الأذنين بماء الرأس.
السنة عندنا أن تمسح الأذنان بماء الراس لا بماء جديد خلافا له أيضا.
له ما روى الباهلي أنه أخذ لهما ماء جديدا.
ولنا: قوله: «الأذنان من الرأس "
والمراد بيان الحكم؛ فإنهما وقعتا بين مغسول وهو الوجه، وممسوح وهو الرأس، فبين أنهما تابعتان للرأس في حكمه.
وإنما لا ينوب مسحهما عن مسحه؛ لأن فرضية مسح الرأس ثابتة بالكتاب والسنة، فلا ينوب عنه المسح الثابت بخبر الواحد.
الجزء 1 · صفحة 39
النية والترتيب في الوضوء
قال: ولم نوجب النية والترتيب.
وقال الشافعي: هما من فروض الوضوء؛ لأنه محض تعبد فإنه ليس على أعضاء المحدث نجاسة وفيه معنى القربة؛ لقوله: الوضوء على الوضوء نور على نور والقرب لا تتأدى إلَّا بالنية والترتيب المشروع.
ولنا: أن وصف القربة زائد على أصل الطهارة؛ فإنه ليس بمقصود في نفسه، بل للصلاة، فينزل منها منزلة السعي إلى الجمعة من الجمعة، لقوله: «الطهور مفتاح الصلاة.
فلم تجب النية بهذا الأعتبار، بل باعتبار وقوعه قربة وهو مخصوص بالمنوي. والعمل في باب الطهارة للماء دون الفعل لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهَرَكُم. والفعل ليطهركم بها
لإيصاله إلى المحل، فإذا لم يكن الفعل لازما فالترتيب الذي هو وصف له أولى بعدم اللزوم.
حكم الموالاة في أفعال الوضوء
قال: ولم يشترطوا ولاء.
الموالاة ليست بشرط في الوضوء، خلافا لمالك فإنه يقول: التفريق ينافي الجمع المستفاد من حرف الواو.
ولنا: ما سبق في الترتيب، ولا تنافي بين الجمع والتفريق وأنه صادق مع التعاقب والفصل.
قال: ويستحب التيامن.
يعني: البداءة باليمين في غسل اليدين والرجلين؛ لأنه كان يحب التيامن في كل شيء.
فصل في نواقض الوضوء
الخارج من السبيلين
قال: وينقضه كل خارج من سبيل.
الجزء 1 · صفحة 40
لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائطِ " وقيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما الحدث؟ فقال: كل ما يخرج من السبيلين.
والمراد بقوله: من سبيل ما يكون سبيلا لخروج الحدث لغلبة الاستعمال فيه. ويحترز به عن الخارج لا من سبيل كالدمع والعرق واللبن ونحوها.
ولا يقال: إنها سبيل لما يخرج منها؛ نقول: إطلاق السبيل ههنا يفهم منه سبيل الحدث لا غيره بالحقيقة العرفية الخاصة، وإن تناول ذلك بعمومه اللغوي فقد أخرج غير سبيل الحدث بقوله بعد ذلك: ونلحق به الخارج النجس من غيره فتبين أن الخارج النجس من غير سبيل ملحق بالخارج النجس من سبيل والإلحاق يستلزم الأشتراك في العلة، فاستلزم كون الخارج من سبيل نجسا ضرورة فخرج خارج طاهر عنهما جميعا.
قال: ولم يشترطوا الأعتياد.
يعني: في الخارج. وشرطه مالك لله، وإنما قال: الاعتياد ولم يقل: المعتاد؛ لأن خروج المعتاد عنده إذا كان على وجه الأعتياد نقض وإن خرج لا على وجه الاعتياد 0 لا ينقض كسلس البول.
له: أن الله كنى بالغائط. عن قضاء الحاجة وهي المعتادة.
ولنا: عموم ما روينا، ولقوله: المستحاضة تتوضاً لوقت كل صلاة».
وقوله للمقداد وقد سأله عن المذي؛ «إذا وجدت ذلك فانضح فرجك بالماء وتوضأ.
والودي من توابع البول وآخذ حكمه.
ما يلحق بالخارج من السبيلين وشرطه
قال: ونلحق به الخارج النجس من غيره والقيء وشرطنا فيهما السيلان والامتلاء.
الخارج النجس من غير السبيل كالدم والقيح والصديد ملحق بالخارج من سبيل في كونه ناقضا للوضوء عندنا، وكذا القيء وقال الشافعي تخلله: لا ينقضان مطلقا.
وقال زفر الله: ينقضان مطلقا، سواء قل أو كثر، سال أو لم يسل. ونحن شرطنا السيلان إلى
الجزء 1 · صفحة 41
موضع يلحقه حكم التطهير في الخارج النجس حتى يكون ناقضا وشرطنا امتلاء الفم في القيء بحيث لا يمكنه
ضبطه. فما دونه ليس بناقض.
وقد نبه بالجملة الفعلية الأولى على مذهب الشافعي، وعطف عليه القيء، ونبه بالفعلية الثانية على خلاف زفر لله.
له: أن ما كان ناقضا يساوي قليله كثيرة كالحدث.
وللشافعي: ما روى أنه قاء ولم يتوضأ وغسل فمه وقال: هكذا الوضوء من القيء. ولأن وجوب الوضوء تعبدي فإنه لا نجاسة على الأعضاء حقيقة، وقد وجب غسلها، ولم يجب غسل ما لاقته النجاسة حقيقة فاقتصرنا في إيجابه على الخارج من المخرج المعتاد لتعذر التعدية.
ولنا: قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائطِ". فإنه كنى بذلك عن خروج النجاسة المعتادة، أو عما يلزم ذلك من خروج النجاسة من السبيلين، أو عما يلزمهما وهو أعم منهما في اللزوم، وهو خروج النجاسة من بدن الإنسان.
والإجماع منعقد على كون اللفظ مجازا أو كناية، وإذا ثبت أن المراد الكناية عن اللازم، فالحمل على أعم اللوازم أولى؛ أخذا بالاحتياط في باب العبادة، ويعضد ذلك قوله: «القلس حدث وقوله: الوضوء من كل دم سائل» وقوله: من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم» وما رواه نقل عدمي.
وقوله: «هكذا الوضوء من القيء» وإن كان وجوديا يحتمل أن يكون التعريف فيه للمعهود لا للجنس، والحمل عليه متعين بدليل أنه إذا حمل عليه ينتفي التناقض بين موجبي الحديثين، وإذا حمل على الجنس يقع التناقض، والأصل عدم التناقض في الأدلة الشرعية.
فيحمل ما رواه على القيء دون ملء الفم، وما رويناه على القيء ملء الفم دفعا للتعارض.
الجزء 1 · صفحة 42
وأما التعدية فإنما كانت في السبب وهو إلحاق الدم بالبول باعتبار النجاسة وكونها مؤثرة في التنجيس حكما، فإذا التحق به عمل عمله في محله.
أما إن غسل الأعضاء المخصوصة تعبدي فذلك نظر في المحل، ونحن لا نعدي فيه وهذه طريقة مشايخنا النجاسة الحكمية.
وكونها معقولة بالمعنى من انتقال النجاسة من الباطن إلى الظاهر تعسف وعلى ما سلكنا من الطريقة لا نحتاج إلى إثبات التعدي فإنا جعلنا الآية كناية عن نفس الخارج من بدن الإنسان من النجاسة؛ أخذا بالاحتياط كما بينا، لا أنا عدينا حكم المعتاد إلى غير المعتاد، فاستغنينا عن ذلك.
حكم قيء الدم
قال: وهو ملغى في قيء دم مائع واعتبره.
ج ب إذا قاء دما مائعا دون ملء الفم نقض الوضوء عند أبي حنيفة الله، وشرط امتلاء الفم ملغي فيه واعتبره محمد فلم ينقض به الوضوء حتى يملأ الفم.
وقيد المائع من الزوائد، واتباعه الجملة الأسمية بالفعلية الماضية دليل اختصاص الخلاف بهما.
وقد روي التفصيل عن أبي يوسف الله: إن كان عن قرحة ينقض مطلقا، وإن كان من الجوف لا ينقض حتى يملأ الفم، وروى أنه مع أبي حنيفة.
لمحمد الله: أنه قيء فيعتبر بسائر أنواعه، وكما لو كان علقا، بخلاف النازل من الرأس؛ لأنه بمنزلة الرعاف 0.
ولأبي حنيفة أنه دم سائل فينقض، فإن كان نازلا من الرأس فقد تناوله قوله: «الوضوء من كل دم سائل وإن كان صاعدا من الجوف فهو من قرحة؛ إذ المعدة ليست بموضع الدم، بخلاف العلق؛
لأنه سوداء محترقة تشبه الدم الجامد الدم الجامد 4 فالتحقت بسائر أنواع ما يتصاعد من المعدة.
الجزء 1 · صفحة 43
حكم قيء البلغم
قال: ويحكم بناقضية قيء البلغم.
إذا قاء بلغما لا ينقض وضوؤه عند أبي حنيفة ومحمد مطلقا.
وقال أبو يوسف الله: ينتقض إذا ملأ الفم
ولم يحتج إلى التقييد بامتلاء الفم؛ لأن الخلاف ههنا في نفس الناقضية، لكن من نقض به فقد علم به فقد علم أشتراط امتلاء الفم من مذهبه آنفا؛ لأن المخالف فيه لعلمائنا الثلاثة هو زفر له.
لأبي يوسف الله: أنه قيء تنجس بمجاورة أنجاس المعدة فكان كالطعام.
ولهما: أنه طاهر لزج لا يستصحب النجاسة فلا يكون حدثا، فصار كالنازل من الرأس.
قال: وبجمع المتفرق لاتحاد المجلس لا الباعث.
هذه المسألة معطوفة على التي قبلها، أي: ويحكم بجمع المتفرق.
وصورتها: إذا قاء مرات ما دون ملء الفم، ولو جمع كان ملء الفم أعتبر أبو يوسف أتحاد المجلس جامعا للمتفرقات؛ استدلالا بسجدة التلاوة. واعتبر محمد الله أتحاد الباعث يعني الغثيان؛ لأنه سبب فتتحد المسببات نظرا إلى اتحاد سببها، كما إذا صح العبد ظاهرا فباعه مولاه فمرض عند المشتري بالسبب الأول يثبت له خيار الرد؛ لكون المرض الثاني عين الأول حكما لاتحاد السبب.
القهقهة في الصلاة
قال: وننقضه بالقهقهة في صلاة كاملة.
القهقهة: أن يسمع لضحكه صوت سواء بدت أسنانه أو لم تبد تبد
ذكره الحسن عن أبي حنيفة الله، سواء قهقه عاقدا أو ناسيا، متوضئًا كان أو متيمما، ولا تبطل طهارة الغسل ذكره في الهاروني. وأجمعوا على أن الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء
الجزء 1 · صفحة 44
والضحك أن نفسه يسمع
والتبسم لا ينقض الوضوء ولا الصلاة، وهو أن لا يسمع نفسه ولا غيره ذكره في الينابيع».
وقال صاحب الهداية»: القهقهة ما يكون مسموعا له ولجيرانه. ثم القهقهة إذا حصلت في أثناء صلاة كاملة ذات ركوع وسجود نقضت الوضوء، فلا تكون ناقضة خارج الصلاة ولا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة.
وقال الشافعي لله: لا تنقض الطهارة مطلقا؛ لأنها ليست بخارج نجس، ولأنها لو كانت ناقضة لنقضت مطلقا.
ولنا: قوله: من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء ج والصلاة جميعا
وبمثله يترك القياس، ومورد النص القهقهة في الصلاة الكاملة فاقتصرنا عليه
الإغماء والجنون والنوم
قال: ولو غلبه إغماء أو جنون أو زالت مسكته بنوم انتقض. أما غلبة الإغماء والجنون فإنه في إزالة العقل ومسكة اليقظة فوق النوم.
وقوله: أو زالت مسكته بنوم.
إشارة إلى التعليل الذي تترتب عليه الأحكام، ودليل على أن مطلقه غير ناقض فالنوم مضطجعا أو متكئا أو مستندا إلى شيء لو أزيل موجب الانتقاض؛ لوجود هذه العلة. لسقط عنه وهو زوال المسكة في هذه الهيئات عادة والموجود عادة كالمتيقن به احتياطا في باب العبادة وحقيقة الحدث إنما هو خروج خارج من السبيلين لكنه خفي؛ فأدير الحكم على سببه، وهو النوم على الهيئة الموجبة لاسترخاء المفاصل الذي لا يتيقن ببقاء الطهاره معه. وفي فصل الأستناد والاسترخاء حاصل على الكمال والمانع من السقوط السند، لإبقاء شيء من مسكة اليقظة.
وقد روي عن أبي حنيفة الا الله أنه إذا نام متمكنا من الأرض لا ينتقض وإن أستند، ولو سقط القاعد فإن أنتبه مع السقوط لا ينتقض وضوؤه، وإن لم ينتبه مع السقوط انتقض لمصادفة النوم حالة الأضطجاع.
الجزء 1 · صفحة 45
نوم القاعد
قال: ولم يقيدوه في القاعد بالطول.
مذهب مالك الله أن نوم القاعد إذا طال نقض وإلا فلا، وأما الأضطجاع فمدار الأنتقاض فيه على كونه مستثقلا سواء طال أو قصر. واختلف أصحابه في الاستنادة فقيل: هو كالجلوس، وقيل: كالاضطجاع، واختلفوا في السجود في أعتبار الطول أو الاستثقال. وأجمعوا على أن نوم القائم غير ناقض، واختلفوا في الركوع، فقيل: هو كالقيام، وقيل: كالسجود، ذكره ابن رشد في المقدمات
وقال ابن شاس في جواهره»: واعتبر أبو محمد عبد الحميد هيئة النائم فقال: إن كان على هيئة يتهيأ معه الطول وخروج الحدث كالساجد كان حدثا ونقض وإن كان بالعكس فيهما: كالقائم والمحتبي لم يؤثر، وإن أنقسم الأمر. فكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث غالبا، كالجالس مستندا أو عكسه كالراكع ففي كل منهما قولان سببهما تعارض موجب ومسقط والخلاف ينتصب مع أحد هذين القولين في الطول مع الجلوس.
أما إذا كان النوم مع الجلوس مستقلا طويلا فإنه ناقض عنده بكل حال.
وإنما كان الطول موجبا للانتقاض في نوم القعود؛ لأنه مظنة أسترخاء المفاصل غالبا، فأدير الحكم عليه؛ لخفاء المسبب
ولنا أنه أمن من خروج ناقض في هذه الهيئة للتمكن وإن طال، فلم تكن المظنة موجودة.
نوم القائم والراكع والساجد
قال: (ولم ننقض به في قيام وركوع وسجود مطلقا).
قيد الإطلاق زائد ليفيد أنه غير ناقض في الصلاة، ولا خارج الصلاة. وقد روى ابن شجاع اختصاص ذلك بالصلاة.
والمذكور في المتن هو الأصح.
قال الشافعي الله: ينتقض الوضوء في هذه الهيئات؛ لأنه لا يؤمن معها الحدث، ففارقت هذه الهيئات هيئة العقود متمكنا.
ولنا: قوله: «لا وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا، إنما الوضوء على من نام
الجزء 1 · صفحة 46
مضطجعا.
ولأن هذه الهيئات لا يزول ج ب معها الاستمساك وإلا لسقط.
فالحاصل أن الأصل عندنا في ناقضية النوم أن يكون النوم كاملا دفعا للتعارض بين الحديثين، فإنه روى عطف النوم على البول في حديث، وهو يدل على أن مطلقه ناقض. ومما رويناه يدل على اختصاصه بحال دون حال فحملنا مطلقه على مقيده؛ لاتحاد الحكم والسبب.
وحملنا الناقض على النوم التام وغيره على غير الناقض بسبب بقاء الاستمساك في تلك الهيئات.
قال: ويحكم له لتعمده في الصلاة إذا تعمد النوم في الصلاة.
قال أبو يوسف الله: أنتقض وضوؤه؛ لأن الأصل جعله ناقضا؛ لكونه سببا لاسترخاء المفاصل الذي هو مظنة خروج ناقض، إلَّا أن غير العامد عذر تخفيفا، والعامد غير مستحق للتخفيف، وقالا: وضوؤه باق؛ لقوله: إذا نام العبد في السجود باهى الله به ملائكته فيقول: أنظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي وإنما يكون في طاعته أن لو بقيت طهارته لأن السجود مع الحدث إما كفر أو معصية كبيرة. وهذه المسألة من الزوائد.
لمس المرأة والفرج
قال: ولم ننقضه بلمس أمرأة ب ب ولا فرج بباطن الكف.
مذهب الشافعي لله أن لمس المرأة ينقض الوضوء، وله قولان في لمس ذات الرحم المحرم والصغيرة الأجنبية التي لا تشتهى، وينقض وضوء اللامس بلمس الكبيرة الهرمة قولا واحدا، وعندنا لا ينقض مطلقا ه.
وكذلك مس الفرج بباطن الكف ينقض الوضوء عنده، وعندنا لا ينقض وهذا القيد من الزوائد.
له في المسألة الأولى: قوله تعالى: أو لمستم النساء معطوفا على المجيء من الغائط، وهو حقيقة في اللمس باليد اللمس باليد، وقراءة:
الجزء 1 · صفحة 47
أو لامستم محمولة عليه، فإن المفاعلة تأتي من جانب واحد كطارقت النعل وعاقبت اللص. ولنا: قوله تعالى: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ أي: جامعتم؛ لأنه هو المتعارف بين أهل اللغة، وقراءة: أو لمستم محمولة عليه، فإنه حينئذ يتبين حكم الطهارة الصغرى والكبرى حال عدم الماء.
كما بين في صدر الآية حالهما عند وجوده، وبالعباد حاجة إلى تعرف هذا الحكم في الحالتين، والحمل على ما هو أشفى بيانا، وأعظم فائدة، وأعم نفعا أولى بخلاف ما لو لم يحمل عليه لأنه يكون بيانا للطهارة الصغرى مرتين وإهمالا للكبرى حال عدم الماء مع عدم اهتداء العقل إلى قياس الكبرى على الصغرى ما روي عن عائشة أنه كان يقبل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة.
وله في المسألة الثانية: قوله: من مس ذكره فليتوضأ ولأن سبب للحدث فيقام مقامه كالتقاء الختانين.
ولنا ما روى قيس بن طلق عن ابيه عن النبي أنه سأله عمن مس ذكره أفيه الوضوء؟ فقال: «هل هو إلَّا بضعة منك» أو: «مضغة منك ولأن السبب هو الخارج النجس، أو ما هو سبب له غالبا ولم
يوجد، والسبب إنما يقام مقام المسبب إذا كان خفيا يعسر الأطلاع عليه، فيدار الحكم على سببه أحتياطا، والاطلاع ههنا على حقيقة ما هو الحدث ممكن غير متعسر. وأما التقاء الختانين فسبب لخروج المني ظاهرا، وقد يخفي خروجه لقلته فأدير الحكم على سببه، بخلاف ما نحن فيه وأما رواه فقد طعن فيه ابن معين وعلى تقدير صحته فتأويله عندي - والله أعلم أنه أطلق مس الذكر كناية عما يخرج من الذكر، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها، يكنون عن ذكر شيء ويرمزون عليه بذكر ما هو من روادفه فينبهون بتلك الرمزة على مكانه فيقولون: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، فينبهون بالافتراس والاغتراف على الأسد والبحر؛ لكون الافتراس من لوازم الأسد، والاغتراف من توابع الوصف بالبحر، فلذلك لما كان مس الذكر يرادف خروج الحدث منه ويلازمه غالبا عبر به عنه.
وهذا هو اللائق لمنصب الرسالة من حسن التعبير عن مثل هذه المقاصد بالاستعارات والكنايات المستعذبة.
وهذا التأويل يصار إليه ليندفع به التناقض بين الحديثين، فإن الجمع بينهما عند الإمكان أولى من الطعن
الجزء 1 · صفحة 48
في أحدهما.
قال: ولم يشرطوا في لمسها شهوة.
مذهب مالك أن لمس المرأة ناقض إذا كان بشهوة. وفي هذا الخلاف دليل على أنه ناقض عند الشافعي لله مطلقا. واستغنى بقيد الشهوة ههنا عن قيد الإطلاق ثمة.
له أن اللمس بالشهوة مظنة خروج ناقض ربما خفي لقلته فأدير: الحكم عليه أحتياطا.
ولنا: ما تقدم والاطلاع على خروج الناقض ممكن، ولا يدار على السبب إلَّا عند خفاء المسبب
قال: ومنعه بفحش المباشرة.
أي: منع محمد الله انتقاض الطهارة مع فحش المباشرة، وهو أن تنتشر الآلة ويتماس الفرجان وليس بينهما حائل؛ لأن الحدث خروج الناقض ولم يوجد؛ لأن الأطلاع عليه ممكن.
ولهما -وهو الأستحسان: أنه يندر مع البلوغ إلى هذه الحالة عدم خروج بلة، وقد تخفى لقلتها فيدار الحكم على السبب أحتياطا.
فصل في الغسل وكيفيته وموجباته
قال: ويجب غسل البدن لإنزال المني.
لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَأَطَهَرُوا}.
وقوله: لإنزال المني شامل لحالتي النوم واليقظة.
قال: ولم يشرطوا الدلك.
وقال مالك لله تعالى: هو شرط؛ لأن ملاقاة الماء جميع فرض فلا يتم إلا بالدلك، فكان من ضروراته.
ولنا: أن ماهية الغسل إسالة الماء على البشرة، والدلك من المتممات فكان مستحبا.
الجزء 1 · صفحة 49
اشتراط الشهوة في وجوب الغسل ووقت اعتبارها
قال: ونشترط الشهوة.
وقال الشافعي: الشهوة ليست بشرط، بل خروج المني كيفما كان موجب للغسل
؛ لإطلاق قوله: «إنما الماء الماء».
ولنا: أن الشهوة من ضرورات ما علق على خروجه الغسل فكان شرطا فإن المني هو الذي علق الغسل على خروجه، ولن يتصور إلا ما كان منفصلا عن شهوة، وأي رطوبة أنفصلت لا على مني وجه الشهوة فهي رطوبة شبيهة بالمني وليست هو فلا يوجب خروجها الغسل.
ألا ترى إلى تفسير عائشة و المني بأنه أبيض ينكسر منه الذكر وانكساره لا يكون إلا من شهوة.
على أن وصف الجنابة في اللغة يقتضى اشتراط الشهوة، يقال: أجنب الرجل، إذا قضى شهوته من المرأة ووصف الجنابة منصوص عليه فيحمل الحديث على الخروج بشهوة جمعا بين الدليلين
قال: ويعتبر وجودها في الخروج.
قال أبو يوسف الله: وجود الشهوة عند أنفصاله وخروجه من العضو شرط لوجوب الغسل جب كما هو شرط عند أنفصاله من مقره.
وقالا: وجودها عند الأنفصال من المقر شرط دون الخروج.
وفائدة هذا الخلاف تظهر فيمن أمسك العضو حتى سكنت شهوته ثم خرج من غير شهوة، فعنده: لا غسل عليه، وعليه الغسل عندهما. وفيمن أغتسل ثم خرجت بقية من المني من غير شهوة لم يعد الغسل عنده، خلافا لهما.
له: أن وصف الجنابة متوقف على أنفصال المني، وعلى خروجه والشهوة شرط فيتعلق بالمجموع.
الجزء 1 · صفحة 50
ولهما: أن مطلق الشهوة هو الشرط لا كمالها فعلق به الحكم احتياطا.
قال: ولا يوجبه على مستيقظ وجد ماء رقيقا ولم يتذكر احتلاما.
قال أبو يوسف الله إذا أنتبه النائم فرأى ماء رقيقا يخرج من إحليله ولم احتلاما لا يجب عليه الغسل؛ لأنه مذي لا يوجب الغسل حالة اليقظة فبالأحرى أن لا يوجبه في المنام.
وقالا: يجب عليه الغسل لإمكان أنه كان منيا قد انفصل عن شهوة وطال مكثه، فرق والاحتياط لازم في باب العبادات، كما لو تذكر الاحتلام ورأى ماء رقيقا.
الإكسال الجماع دون إنزال
قال: ولالتقاء الختانين.
هذا معطوف على قوله ويجب الغسل لإنزال المني.
أي:: ويجب لالتقاء الختانين، وإنما فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بتلك المسائل؛ لأنها من فروع إنزال المني، وحيث قدم إنزال المني بفروعه لم يحتج ههنا إلى أن يقول: وللالتقاء الختانين من غير إنزال؛ لأنه إذا أنزل مع التقاء الختانين فالعلة هي الإنزال فقامت القرينة السابقة صارفة لهذا الوهم، فنفس التقاء الختانين موجب للغسل، ولهذا عطفه على الإنزال، والحجة فيه قوله: إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل.
أنزل أو لم ينزل. ولأنه لما كان سببا للإنزال، وقد يخفى». لقلته وغيبته عن البصر، فأدير الحكم عليه أحتياطا في باب العبادة. وكذا يجب الغسل بالإيلاج في الدبر لكمال السببية، بخلاف البهيمة وما دون الفرج لقصورهما. ويجب على المفعول به أيضا احتياطا.
الحيض والنفاس
قال: وانقطاع حيض ونفاس.
أما الحيض فلقوله تعالى: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ.
الجزء 1 · صفحة 51
بالقراءة المشددة أي: حتى يغتسلن من أنقطاع الحيض.
وأما النفاس فبالإجماع.
حكم المذي والودي
قال: لامذي ولا ودي.
هما معطوفان على أول الفصل بحرف النفي، أي: ولا يجب الغسل من المذي ولا من الودي.
أما المذي: فهو الماء الرقيق الأبيض الخارج عند ملاعبة الرجل أهله.
والودي ماء غليظ يتبع البول لقوله: «كل فحل يمذي» وفيه الوضوء.
قال: ويسن لجمعة وعيد وإحرام وفي عرفة.
أورده بالفعل المبني للمفعول قصدًا لطرح الخلاف المنقول فيه عن مالك وهو أن غسل الجمعة واجب فليس المراد بالوجوب ما يعاقب تاركه بل المراد به تأكيد السنية. ومشاهير كتب أصحاب مالك ناطقة بالسنية والأفضلية، فلم أنصب في ذلك خلافا. والأصل فيه قوله: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن أغتسل فالغسل أفضل.
وهذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف أبي يوسف، وعن الحسن بن زياد أنه لليوم. والأول هو الأصح؛ لأن الطهارة من خصائص الصلاة. ولزيادة فضيلتها على الوقت.
والعيد في معني الجمعة للاجتماع فاستحب الاغتسال دفعا للتأذي بالرائحة والغسل في عرفة والإحرام يذكر في المناسك إن شاء الله تعالى.
كيفية الغسل
قال: وأن يبتدئ بغسل يديه وفرجه وإزالة الخبث ثم يتوضأ إلا رجليه ويثلث الصب المستوعب ثم يغسلها.
أي:: ويسن للمغتسل أن يبدأ بغسل يديه؛ لأنهما آلة التطهير، وفرجه؛ لأن الفرج مظنة النجاسة فيقدم تطهيره؛ لئلا تشيع أجزاء النجاسة على البدن، وهذه هي العلة في إزالة الخبث إذا كان موجودا على بعض الأعضاء. وإنما يؤخر غسل القدمين عن الوضوء؛ لأنهما يكونان في مستنقع الماء المستعمل
الجزء 1 · صفحة 52
فلا يفيد غسلهما إلَّا إذا كان الماء المستعمل لا يقف فلا يستحب التأخير ويثلث الصب المستوعب لرأسه وبدنه
وهذه الصفة المسنونة حكاية ميمونة و غسل رسول الله.
ضفائر المرأة في غسل الجنابة
قال: وتكتفي المرأة بتخليل شعرها.
لقوله للأم سلمة ا يكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك ومعنى تكتفي بذلك: أي لا تتكلف نقض ضفائرها، وإنما اختصت المرأة بذلك لاختصاص المسح بها لأن الحرج في حقهن أغلب، ولا يجب عليها بل الذوائب، هو الصحيح، بخلاف اللحية، إذ لا حرج في ب إيصال الماء إلى أصولها.
ما يحرم بالحدث الأكبر والأصغر غير الصلاة
قال: ويحرم بالأكبر دخول المسجد والتلاوة.
أما المسجد فلقوله: إني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض.
وفي قوله: دخول المسجد إشارة إلى حرمة المرور به؛ لأنه دخول أيضا.
وعن الشافعي: جوازه؛ لأن الله تعالى استثنى عابري سبيل وهم المارون.
ولنا ما روينا والآية محمولة على حقيقتها أي: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوا الصلاة جنبا حتى تغتسلوا، إلا أن يكون الجنب عابر سبيل أي مسافرا فلهم الصلاة قبل الاغتسال بالتيمم،
ألا ترى كيف عقب أحكام التيمم بعده، ذكر الخلاف في ذلك في إشارات الأسرار». وأما التلاوة فلقوله: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن .. والآية وما دونها سواء في التحريم عند قصد التلاوة وقيد الطحاوي التحريم بالآية التامة.
قال: وبالأصغر مس المصحف إلَّا بغلافه.
الجزء 1 · صفحة 53
أي: ويحرم بالحدث الأصغر، أعني الموجب للوضوء؛ لقوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وإنما جعله في المتن من أحكام الحدث الأصغر وإن كان يعم الحدثين؛ لأن كل ما حرم بالأصغر حرم بالأكبر من غير عكس، وإنما أستثنى الغلاف لكونه منفصلا حقيقة فلم يكن مسه مسَّا لَهُ.
فصل في الماء
الذي يجوز به الوضوء والذي لا يجوز
قال: يرفع الحدث بالماء المطلق.
الماء المطلق هو الباقي على أوصاف خلقته، لم يخالطه نجاسة، ولم يغلب عليه شيء، كماء السماء والأودية والعيون والآبار وكماء البحار.
قال تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}، وقال «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه ب أو لونه أو ريحه».
وقال لي في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
الماء المختلط بشيء طاهر غالبا ومغلوبا
وما تعتبر به الغلبة
قال: لا بعصير نبات ومغلوب بطاهر.
هذان ضابطان لما لا تجوز الطهارة به.
فالأول: الماء المستخرج بعلاج، المعتصر من الشجر والثمر.
وقد نبه على العلاج بقوله: عصير فإنه فعيل بمعنى مفعول.
وهذا أحتراز عن الماء إذا قطر بنفسه من يجوز الوضوء به.
الجزء 1 · صفحة 54
كذا في جوامع أبي يوسف؛ لأنه ماء خرج بنفسه من غير علاج فأشبه ماء العين.
وإنما لا يجوز الوضوء بما ? استخرج من النبات لأنه ليس بماء مطلق، ورفع الحدث أمر تعبدي غير معقول المعنى فيقتصر فيه على ما ورد به النص، والنص نقل الحكم عند عدم الماء المطلق إلى التيمم فلم تصح التعدية.
والثاني: الماء المغلوب بشيء طاهر غلب على الماء فأخرجه عن طبعه وأصل خلقته كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلاء المتغير بالطبخ والمرق وقد أضاف القدوري إلى هذا القسم ماء الزردج الماء الذي نقع فيه العصفر الذي يطرح ولا يصبغ به والصحيح أنه ملحق بما إذا خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كماء الزعفران، وهو أختيار الناطفي والسرخسي رحمهما الله. وإنما لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ليس بماء مطلق فامتنع رفع الحدث به.
قال: ونجيزه بغالب على طاهر كزعفران تغير به بعض أوصافه.
قيد المغلوبية في المسألة السابقة وإن كان يفيد تصور هذه المسالة بالالتزام، لكن لما كان نصب الخلاف مطلوبا صرح به، فالماء إذا خالطه شيء طاهر من غير طاهر من غير أجزاء الأرض كزعفران وأشنان وصابون، فغير بعض أوصافه من طعم أو ريح أو لون، فإن الوضوء به جائز. وقال الشافعي الله: لا يجوز لأنه ليس بماء مطلق، ألا ترى أنه يضاف إلى ما خالطهن بخلاف ما إذا خالطه شيء من أجزاء الأرض؛ لأن الماء لا يخلو عن مخالطته عادة.
ولنا: أنه ماء مطلق، ألا ترى أنه لم يتحدد له أسم على حدة، وهذه الإضافة غير قاطعة للإطلاق كالإضافة إلى البئر والعين، ولأن اختلاط القليل لا أعتبار به لتعسر الاحتراز عنه فاعتبرنا الغلبة، لأنها حد فاصل إذ للغالب حكم الكل.
والمراد بالتغير التغير بغير الطبخ، حتى إذا تغير بالنار بعد المخالطة لا يجوز الوضوء به إلا أن يكون ذلك لزيادة التطهير، كما وردت السنة في غسل الموتى بالماء الذي أغلي فيه السدر، وهذا مقيد بما
الجزء 1 · صفحة 55
إذا كان رقيقا سائلا، فلو غلب المخالط لا يجوز؛ لزوال أسم الماء عنه.
قال: وتعتبر الغلبة بالأجزاء لا باللون في الأصح.
لأن الغلبة بالأجزاء غلبة حقيقية؛ إذ وجود الشيء المركب بأجزائه، فكان أعتباره أولى من أعتبار اللون.
وقوله: في الأصح إشارة إلى خلاف في ذلك، وقد ذكر عن محمد لله الأعتبار باللون، والمسألة من الزوائد.
الماء المستعمل: تفسيره وحكمه
قال: ولا يرفع بمستعمل، ويفسره بما أزيل به حدث أو تقرب به، وعين الثاني.
هذا الخلاف من الزوائد أثبته الشيخ أبو بكر الرازي استدلالا بمسألة الجنب المنغمس في البئر. وتأتي عقيب هذه المسألة مع وجه التخريج.
قال: فهو مغلظ النجاسة ومخففها، وطاهر غير طهور هو الصحيح ولم يحكموا بطهوريته مطلقا،
ولا حكمنا بها إن كان مستعمله طاهرا.
هذه خمسة أقوال: فالمنقول في المنظومة عن زفر لله أنه طهور إذا أستعمله المحدث، وهذا قول مالك، والصحيح عن زفر التفصيل - وهو المذكور في الهداية - إن كان المستعمل طاهرا فهو طهور، وإن
كان محدثا فهو طاهر غير طهور، وهو المذكور في المتن.
وللشافعي لله قولان: أحدهما كقول مالك لله، والآخر كقول محمد الله والأقوال الثلاثة روايات عن أبي حنيفة.
فالأولى رواية الحسن - أنه نجس نجاسة غليظة، وبها أخذ، والثانية -رواية أبي يوسف - أنه نجس نجاسة خفيفة، وبها أخذ. والثالثة - رواية محمد الله - أنه طاهر غير طهور، وبها أخذ، وهي
الصحيحة نص عليه القدوري في كتاب القدوري في كتاب تقريب المسائل وعليها الفتوى
الجزء 1 · صفحة 56
وإنما عبر عن الصحيح بالجملة الاسمية لتكون مع الدلالة على قول محمد الله - دالة على أنها رواية عن أبي حنيفة وهذه من الزوائد.
وجه قول مالك الله: أنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا فكان طهورا، كما لو غسل به ثوب طاهر. ووجه قول زفر: أن المستعمل إذا كان طاهرا لم يكن على أعضاء الوضوء نجاسة حقيقة ولا مانع شرعي فلم يتغير وصف الماء.
ولنا: قوله: «الوضوء على الوضوء نور على نور .. فإذا عمل في تحصيل النور كالمرة الأولى أوجب ذلك تغير وصفه، وإلا لكان وجوده جاريا مجرى عدمه.
ووجه رواية الحسن: أنه ماء أزيلت به نجاسة حكمية، لأن إمرار الماء تطهير لقوله تعالى: {لِيُطَهَرَكُم بِهِ ولا يتصور التطهير إلَّا لما هو نجس إما حقيقة وإما حكما والحكمية أقوى من الحقيقية؛ حيث لا يعفى عن يسيرها، فصار كما إذا أزيلت به الحقيقة، بل أولى.
ووجه رواية أبي يوسف أن دليل التنجيس قائم، إلا أنه خف حكمه لمكان اختلاف العلماء.
ووجه رواية محمد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ تبادر أصحابه إلى وضوئه فمسحوا به وجوههم، ولو كان نجسا لمنعهم عن ذلك، ولأن الماء الطاهر لا يتنجس إلا بمخالطة النجاسة ولم توجد، ولأن المنع الشرعي نفسه ليس بنجاسة، ولم ينتقل إلى الماء إلا ما أتصف المحل المغسول وأعضاء الوضوء طاهرة حقيقة، ألا ترى أنه لو حمل المصلي محدثًا جازت صلاته اتفاقًا، فإذا انتقل المنع إلى الماء كان الماء طاهرًا في نفسه، وثبت المنع عن أستعماله في إزالة الحدث.
مسألة البئر انغماس الجنب في الماء بلا نية
قال: والماء والجنب المنغمس لطلب السقاء نجسان، والرجل طاهر في الأصح وعلى حالهما، وطاهر وطهور.
هذه هي المسألة التي خرج أبو بكر الرازي أختلاف أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في علة كون الماء مستعملا عليها فقال: عند أبي يوسف الله: يثبت استعمال الماء بأحد أمرين، إما برفع الحدث، أو بالاستعمال على وجه القربه. وقال محمد الله: ما لم ينو القربة لا يصير مستعملا.
ووجه التخريج: أن عند محمد الله لما لم ينو القربة خرج هو من الماء طاهرًا لأنه قد ارتفع حدثه
الجزء 1 · صفحة 57
بملاقاة الماء، ولم يتصف الماء بالاستعمال. فكان الرجل طاهرا والماء طهور، وصار كما إذا أدخل يده للاغتراف ولا نية له في إزالة الحدث، زال حكم الحدث عن اليد ولم يتصف الماء بالاستعمال وهذا لأن الماء المستعمل عند محمد الله طاهر، وإنما زال وصف الطهورية عنه لإقامة القربة به؛ إذ الأصل فيما تقام به القربة أن يتغير وصفه كمال الزكاة.
أما أبو يوسف الله فإنه يحكم بنجاسة الماء المستعمل بنية القربة لانتقال نجاسة الآثام إليه، وبرفع الحدث أيضا لأنه مؤثر وإلا لما أرتفع الحدث، فيفسد الماء بالأمرين فإذا انغمس وحكمنا بطهارته أستلزم 4 ذلك ج الحكم بكون الماء مستعملا، ولو حكمنا باستعماله لكان نجسا بأول الملاقاة فلا تحصل له الطهارة باستعمال الماء المستعمل، فكان الحكم بطهارته مستلزمًا للحكم بنجاسته، فقلنا: الرجل بحاله والماء بحاله، وعلل بعضهم بأن الصب شرط لرفع الحدث عنده ولم يحصل فبقي على حاله وبقي الماء طاهرًا لعدم انتقال الحدث إليه، وعنه رواية أخرى أن الماء نجس لملاقاته بدنا نجسا، وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما: أن الرجل نجس والماء نجس. أما الرجل فلأنه لما أنتقل الحدث عنه إلى الماء طهر وتنجس الماء، لكنه بخروجه من الماء ينجس.
والرواية الأخرى وهي الصحيحة أن الرجل طاهر؛ لأن حكم الاستعمال بعد مزايلة الماء العضو.
قال صاحب «الهداية الله: لأن الماء ما دام مترددًا ب على الأعضاء فالضرورة داعية إلى الحكم بطهارته وبعد الانفصال لا ضرورة. وعن أبي حفص الله: أنه إنما يصير مستعملا إذا أستقر بعد الانفصال، والتنبيه على هذه الرواية من الزوائد.
الماء الراكد والجاري تقع فيهما النجاسة
قال: ويجوز من طرف غدير لا يتحرك بتحريك الآخ المتنجس ويقدر بعشرة أذرع في مثلها وعمقه بما لا ينحسر بالغرف.
هذا التقدير في الغدير بعشرة في عشرة منقول عن محمد الله، وعليه الفتوى؛ توسعة على الناس.
والصحيح عن أبي حنيفة الا الله أنه لم يقدر في ذلك شيئًا وإنما قال: هو موكول إلى غلبة الظن في
الجزء 1 · صفحة 58
خلوص النجاسة من طرف إلى طرف وهذا أقرب إلى التحقيق؛ لأن المعتبر هو عدم وصول النجاسة وغلبة الظن في ذلك جارية مجرى اليقين في وجوب العمل كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء وجب العمل بقوله، وذلك يختلف بحسب أجتهاد الرائي وظنه، وأما تقدير عمقه فنص عليه صاحب «الهداية.
وهذا من الزوائد، ووجهه أن المعتبر إنما هو بسط الماء دون كثرته في نفسه.
وقوله: بتحريك الآخر المتنجس.
إشارة إلى أن موضع النجاسة يتنجس وهو من الزوائد.
وقد روي عن أبي يوسف الله أن حكمه حكم الماء الجاري في لا يتنجس إلَّا إذا ظهر أثر النجاسة في تغير بعض أوصاف الماء.
وقوله: لا يتحرك بتحريك الآخر.
إشارة إلى التعليل، فإن سراية النجاسة بالتحريك فوق سرايتها بنفسها، فإذا لم تسر بالتحريك علم أن النجاسة لم تصل إلى الطرف الآخر، ثم هذا التحريك بالاغتسال عند أبي حنيفة وه ها له، وهو قول أبي يوسف الله، وروي عنه، باليد وعن محمد بالتوضؤ.
قال: وماء جار عدم أثرها فيه.
أي: ويجوز رفع الحدث من ماء جار عدم أثر النجاسة الواقعة فيه من لون أو طعم أو ريح، لأن النجاسة لا تستقر مع جريان الماء.
الماء يموت فيه الحيوان
قال: وماء مات فيه حيوانه.
أي: ويجوز رفع الحدث من ماء مات فيه ما يعيش ويتولد فيه كالسمك، لأنه مات في معدنه فلم يؤثر فيه نجاسة.
قال: ونجيزه بماء مات فيه غير دموي.
إذا مات في الماء ما ليس له نفس سائلة كالعقرب والضفدع والسرطان لم ينجس الماء، وجاز
الجزء 1 · صفحة 59
أستعماله.
وللشافعي له قولان أحدهما: كقولنا والآخر: أنه ينجس الماء لأنها ميتة فكانت نجاسة لكونها محرمة.
ولنا: أنه حيوان غير دموي والمنجس انتشار الرطوبات والدم، وقد ورد فيه قوله: «موت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه.
حكم الماء القليل
قال: ونجسوا القليل وإن لم يتغير بالنجاسة.
قال مالك الله: الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير بها الماء فهو باق على طهوريته وعن ابن وعن ابن القاسم أن القليل يتنجس بالنجاسة مع عدم التغير، وحد الفاصل في القليل بالماء الكافي للوضوءوالغسل.
وجه الأول: إطلاق قوله: «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
ولنا: قوله: إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده. نهى عن الغمس لتوهم وجود النجاسة، ولولا أن الماء يتنجس به لخلا النهي عن الفائدة.
حكم الماء الراكد
قال: وننجس القلتين وإن لم يتغير بها
قال الشافعي الله: إذا بلغ الماء قلتين وقدرهما خمسمائة رطل بالعراقي، وقيل ستمائة رطل لا يتنجس إلا بالتغير، لقوله: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» أي يدفعه عن نفسه وفي التنزيل: {فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ أي قبلها.
ولنا: حديث المستيقظ، وقوله: لا يبولن أحدكم في الماء «الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة.
ولولا تنجس الماء الدائم بالنجاسة لخلا النهي عن الفائدة، وتأويل الحديث لا يحمل الخبث أي: يضعف عن حمله، كما يقال: فلان لا يحمل الشرف أي يضعف عن حمل أعبائه. على أن في الحديث أضطرابا بب وفي سنده ضعفا، ويوقف مرة ويدفع أخرى فلا يصلح مثله ضابطا للقليل والكثير، والمسألة من الزوائد.
الجزء 1 · صفحة 60
عظم الحيوان الميت وشعره
قال: ولم ينجسوا عظم الميت دون شعره فنطهرهما وما لا تحله حياة.
قال مالك: عظم الميتة نجس وشعرها طاهر؛ لأن الشعر لا تحله الحياة فلا يحله الموت بخلاف العظم والشاهد الإحساس فيه دون الشعر.
وقال الشافعي لله: هما نجسان وكذلك ما في معناهما مما لا تحله الظلف والقرن والعصب والصوف والريش والحافر والمخلب والوبر والمنقار؛ لأنها أجزاء الميتة وجزء الشيء يتبع کله.
ولنا في طهارة الجميع أنها لا تحلها الحياة لعدم الحس الذي هو من خصائص الحياة وما يحس منها بإحساس ما يجوز دونها فانتفت علة التنجيس وهو حلول الموت.
حكم جلد الكلب والميتة إذا دبغ
قال: وجلد الكلب مدبوغا.
أي ونظهر جلد الكلب حال كونه مدبوغا، خلافا للشافعي. وإنما عين هذه المسألة في المتن لأن الصحيح من مذهبه أن كل ما كان في حياته طاهرا طهر جلده بالدبغ بعد الموت وما كان نجسا لا يطهر بالدبغ بعد الموت.
وظاهر الجلد يظهر عنده بالدبغ قولا واحدا، وفي باطنه قولان، أصحهما: أنه طاهر. فموضع الخلاف بالحقيقة هو ما يكون نجسًا في حياته ويطهر جلده بالدبغ بعد موته كالكلب، فإنه عنده نجس العين بدليل نجاسة سؤره.
وعندنا: أنه ليس بنجس العين لأنه ينتفع به حراسة واصطيادا، ونجاسة السؤر لا تدل على نجاسة العين كسائر السباع.
قال: وطهروا جلود الميتات مدبوغة.
هذا هو المنقول في باب الشافعي في المنومة وهو مذهب مالك، فأقمت الخلاف معه فيه.
له: قوله: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».
الجزء 1 · صفحة 61
ولنا: قوله: أيما إهاب دبغ فقد طهر والإهاب أسم الجلد غير مدبوغ، فنحن قائلون بموجب ما رواه جب ثم ما يحصل به الامتناع عن النتن والفساد فهو دباغ، وإن كان تتريبا وتشميس المقصود، فلا معنى لاشتراط غيره.
ما لا تطهره الدباغة من الجلود
قال: ولا يستعمل من محترم ونجس العين.
أي: لا يدبغ جلد الخنزير ويحرم أستعماله؛ لأنه نجس العين، والعين النجسة لا تقبل الطهارة أصلا، والدليل على نجاسة عينه قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسُ والضمير للعين.
وكذلك يحرم الانتفاع بأجزاء المحترم، أعني الآدمي: لكرامته في ذاته. وقد أشار بلفظي: المحترم، نجس العين إلى التعليل فيهما.
قال: وينجس شعره وطهره.
قال أبو يوسف شعر الخنزير نجس، حتى إذا وقع منه في البئر نجست، أو حمل منه المصلي أكثر من قدر الدرهم فسدت صلاته لأنه جزء ما هو نجس في عينه وللجزء حكم الكل0.
وقال محمد الله: هو طاهر بحكم الضرورة؛ لاحتياج الخرازين إليه في صناعاتهم، فكان في تنجيسه حرج.
قال: ونجس عين الفيل وألحقاه بالسباع.
قال محمد - رضي الله عنهم -: لا يجوز الانتفاع بشيء من أجزاء الفيل، ولا يجوز عظمه، ولا يطهر جلده بالدباغ ولا بالذكاة؛ لأنه نجس العين، لأنه حيوان حرام اللحم، وغير منتفع به حقيقة فصار كالخنزير.
وقالا: هو منتفع به حقيقة فكان منتفعا به شرعا، هذا هو الأصل، فكانت نجاسته كنجاسة السباع.
فصل في الآبار
مسائل الآبار مبنية على أتباع الآثار دون القياس.
الجزء 1 · صفحة 62
قال: تنزح البئر لموت آدمي ونحوه.
لأن ابن عباس وابن الزبير أفتيا بنزح ماء البئر كله مات زنجي في بئر زمزم ويريد بنحوه المقارب له
كالشاة مثلا.
قال: ولانتفاخ حيوان.
أي: وينزح ماء البئر كله لانتفاخ حيوان صغير أو كبير، ولذلك نكره، وهذا جار على قضية القياس؛ لأن انتشار البلة في أجزاء الماء موجب لتنجيسه ثم نزح البئر طهارة لها بالأثر، واقتنع بذكر الانتفاخ عن التفسخ لأن الانتفاخ دونه فما ثبت للأدنى ثبت للأعلى بالضرورة.
مقدار المنزوح من البئر لموت الحيوان الصغير
قال: وعشرون دلوًا وسطًا أو كبيرًا بحسابه لموت فأرة ونحوها إلى ثلاثين.
الدلو الوسط هو المستعمل في الآبار. وقيل: هو مايسع صاعًا، فلو نزح منها بدلو كبير عشرون صاعا مرةً واحدةً جاز لحصول المقصود، انفصال طائفة من الماء متعينة المقدار، وهذا القدر واجب، ويستحب الزيادة إلى ثلاثين لحديث أنس قال في الفأرة تموت في البئر وتخرج من ساعتها: ينزح منها عشرون دلوا. ويريد بنحوها ما يقاربها في الجثة كالعصفور وسام أبرص والصعوة والسودانية.
قال: وأربعون إلى خمسين أو ستين لحمامة ونحوها.:أي: وينزح أربعون دلوا لموت حمامة وما يقاربها في الجثة كالدجاجة والهرة.
لحديث أبي سعيد الخدري لله أنه قال في الدجاجة تموت في: ينزح منها أربعون دلوا، والزيادة إلى الخمسين مستحبة في رواية الجامع الصغير وهي الأظهر.
وفي رواية أخرى: ستون للاحتياط وقد ذكرها في المتن، ودل على الروايتين بإدخال حرف الشك.
تطهير الماء المعين
قال: ومن المعين بقدره وأمر بمائتين إلى ثلاثمائة.
أي: وينزح من المعين بقدر الماء الموجود في البئر، وعن أبي يوسف في معرفة ذلك طريقان:
الجزء 1 · صفحة 63
أحدهما: أن يحفر إلى جانب البئر حفرة بمقدار مستقر الماء من البئر طولا وعرضا وتملأ.
الثاني: أن يرسل في الماء قصبة ويجعل على موضع سطح الماء من القصبة علامة ثم ينزح عشر دلاء مثلا، وينظر ما نقص عن العلامة وينسب ذلك النقصان فيستقى بحسابه، وعن أبي حنيفة له: أنه ينزح حتى يغلبهم الماء، وهذا تنبيه على أن المعتبر غلبة الظن وقيل: يعتبر في ذلك قول رجلين لهما علم بأمر الماء .. وعن محمد - الله أنه قال- ينزح من مائتي دلو إلى ثلاثمائة دلو، فإن الغالب في الآبار نحو ذلك.
ظهور ميت في البئر لا يدرى متى وقوعه
قال: وإعادة صلاة ثلاثة أيام ولياليها لظهور منتفخ ويوم وليلة لميت واجبة وأوقفاها على العلم.
إذا ظهر في البئر فأرة ميتة لا يدرى متى وقعت فيها، ولم تنتفخ، ولم تتفسخ، أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها.
وكذلك يغسل جميع ما أصابه ماؤها.
وإنما لم يقيد في المتن هذا القيد لظهوره فإنه إذا لم يكن قد أستعمل ماؤها لم تجب الإعادة بالضرورة لحصول الصلاة بماء مقطوع بطهارته، وإن كانت قد انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وقالا: الإعادة موقوفة على العلم بالوقوع فإن تحقق زمان الوقوع وكميته أعادوا بقدره وإلا فلا إعادة عليهم لأن اليقين لا يرتفع بالشك فصار كالنجاسة المرئية في الثوب لا يدري متى أصابته وله: أن الوقوع سبب الموت، والانتفاخ دليل التقادم فقدر بالثلاث لحصول ذلك في مثله غالبا، وعدمه دليل على قرب عهده فقدر بيوم وليلة؛ لأن ما دون ذلك ساعات غير مضبوطة، وأمر العبادة يحتاط فيه.
ومسألة الثوب على الخلاف فيقدر في النجاسة البالية0 بالثلاث وفي الطرية بيوم وليلة، ذكره المعلى.
وبتقدير التسليم فالبئر غائبة عن نظره، والثوب بمرأى بصره فيفترقان.
الجزء 1 · صفحة 64
قال: وطهرها والدلو الأخير تقطر.
إذا نزح من البئر عشرون دلوا واجبة فقبل أنفصال الدلو الأخير من هواء البئر توضأ إنسان جاز عند محمد الله مع تقاطر الماء. وقالا: لابد من انفصاله عن رأس البئر.
له: أن الواجب أنفصال هذا القدر من الماء وقد حصل، ولا أعتبار بالتقاطر لأنه ضروري. وقالا: التقاطر دليل الاتصال من وجه فيشترط الأنفصال من كل وجه.
فصل في الأسار
قال: ويعتبر السؤر بالمسئر.
لأنه يتولد من لحمه فاعتبر به طهارة ونجاسة وهذا هو الأصل في هذا الفصل، فسؤر الآدمي وجميع ما يؤكل لحمه طاهر لطهارة اللحم.
ولم يذكر هذا الفرع في المتن اجتزاء بذكر الأصل، وعدد الباقي ليعرف ما فيه من خلاف.
حكم الإناء الذي ولغ فيه الكلب
قال: ونوجب غسل الإناء لولوغ الكلب ثلاثا، لا سبعًا إحداهن بالتراب.
للشافعي الله في وجوب الغسل سبعًا والتعفير في إحداهن بالتراب
قوله في رواية أبي هريرة له: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوا سبعًا إحداهن بالتراب والأمر مقتضاه الوجوب.
ولنا: قوله في روايته أيضا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه ثلاثا أو خمسا أو سبعا» خير فيما زاد على الثلاث، والتخيير ينافي الوجوب فتعين حمل الرواية الأولى على الندب أو مبالغ في التطهير جمعا بين الروايتين.
الأسار النجسة
قال: ونجسوه منه ومن الخنزير.
مذهب مالك لله أن الحيوان طاهرُ لكونه حيًا؛ لأن الحيوان ينجس بالموت فكانت الحياة علة
الجزء 1 · صفحة 65
للطهارة.
وقال وقد سئل عن الحياض التي تردها الكلاب والسباع: لها ما حملت في بطونها ولنا ما أبقت شراب وطهور.
ولنا في نجاسة سؤر الكلب: قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ولوغ الكلب: أهريقوه».
وما تقدم من الأمر بغسل الإناء من، ولوغه ودلالته على نجاسة الماء ظاهرة.
وفي نجاسة الخنزير قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ" واللعاب متولد من اللحم فوجب أن يكون نجسًا تبعا له.
قال: ونحكم به من سباع البهائم.
أي: ونحكم بنجاسة السؤر من سباع البهائم، وأعاد الضمير إلى ما دل عليه قوله: ونجسوه.
من التنجيس خلافا للشافعي الله فيما يجوز الانتفاع بجلده كالنمر والفهد والأسد.
له حديث الحياض ولأنها طاهرة العين بدليل طهارة جلدها،، وحرمة التناول من لحومها لصون طباع بني آدم عن تعدي طباعها إليهم بواسطة التغذي دون النجاسة.
ولنا: أنها نجسة ? اللحم بدلالة تحريمها لا للتكريم، فيكون التنجيس مبالغة في الزجر عن التناول كالخمر، ولا يقال: إن الحرمة يمكن إثباتها بدون النجاسة؛ إذ ليست من، لوازمها ولا ضرورة إلى المبالغة لأن في الطباع عنها نفرة بخلاف الخمر؛ لأنا نقول: الأصل بناء الأحكام على الأسباب الظاهرة دون الحكمية، وحيث كانت صالحة للغذاء وورد الشرع بالتحريم ثَمّ ألحقت بالخمر لتكون الحرمة مبنية على سبب ظاهر عملا بالأصل.
والحديث محمول على الحياض العظيمة التي لا يؤثر فيها هذا القدر.
الجزء 1 · صفحة 66
حكم سؤر الهرة
قال: ولا يكرهه من هرة.
مذهب أبي يوسف له أن سؤر الهرة طاهر لا كراهة فيه.
وقالا: هو مكروه.
له: أنه كان يصغي لها الإناء فتشرب منه ثم يتوضأ بباقيه.
ولنا: قوله «الهرة سبع.
والمراد الحكم دون الصورة؛ حملا للكلام على الفائدة الشرعية
وهو دليل التنجيس، لكنه سقط بعلة الطوف المذكورة في قوله الهرة ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
فالقول بالكراهة جمع بين الحديثين
الأسار المكروهة
قال: ويكره من دجاجة مخلاة وسباع الطير وسواكن البيوت.
أما الدجاجة المخلاة فلعدم تحاميها من النجاسة، حتى إذا كانت محبوسة في مكان طاهر بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت رجلها لا يكره، لوقوع الأمن عن النجاسة.
وأما سؤر سباع الطير فالقياس يقتضي تنجيسه اعتبارًا بلحمها كسباع البهائم.
وفي الأستحسان هو طاهر؛ لأنها تشرب بمنقارها، وهو عظم لا يحتمل النجاسة كالسيف، وإذا ثبتت طهارته كره لأنها لا تتحامى النجاسات.
وأما ساكن البيوت كالفأرة والحية فحرمة اللحم دليل النجاسة، وعلة الطوف دليل سقوطها فثبتت الكراهة كالهرة.
الجزء 1 · صفحة 67
سؤر البغل والحمار
قال: ويجمع بين التيمم والوضوء بسؤر بغل أو حمار.
لوقوع شك في طهارة لحمه ونجاسته والسؤر تبع له فوقع الشك فوجب الجمع ليخرج المكلف عن عهدة الواجب بيقين.
ثم قيل: الشك في طهارته وقيل: في طهوريته.
وقد روي عن محمد الله أنه نص على طهارته، لكن سبب الشك تعارض دليلي الإباحة والتحريم فإنه روي في حديث علي وعبد الله بن أبي أوفى تحريمه.
وروي في حديث غالب بن أبجر تحليله، وهو شبيه بالهرة من وجه لمخالطته وشبيه بالكلب من وجه لمجانبته فقلنا: لا يؤكل لحمه عند الشبهة، ولا ينجس الماء بالشبهة، ولا يزول الحدث به للشبهة.
وقد روي عن أبي حنيفة أنه نجس تغليبًا لجانب التحريم والنجاسة.
والبغل من نسل الحمار فكان تبعا له في الحكم.
قال: وأجزنا تقديم التيمم.
أي: إذا وجب الجمع بين الوضوء والتيمم فتقديم التيمم على الوضوء جائز وقال زفر لله تقديم الوضوء واجب، لأنه ماء واجب الاستعمال فيجب تقديمه ليتحقق شطر صحة التيمم
ولنا: أن المفيد للطهارة، أحدهما، فيجب الجمع دون الترتيب.
سؤر الفرس
قال: ولا بأس بسؤر الفرس.
هكذا ذكره في الأصل من غير خلاف.
وروي الحسن عن ابي حنيفة كراهية الوضوء بسؤر اذا كثر لعابه وفحش.
وروي بشر عن يعقوب عنه أنه لا بأس به وإن فحش وهو قولهما؛ لأن لحمه غير مكروه فصار كسور الشاة.
الجزء 1 · صفحة 68
وعنده على قول الحسن أن السؤر يعتبر باللحم، ولحمه مكروه عنده فكذلك سؤره.
وجه الرواية الأخرى أن التحريم ليس للنجاسة فكان اللحم طاهرا فكان السؤر طاهرًا. وهذه من الزوائد.
قال: ونحكم بالأغلب في اختلاط أوان أقلها طاهر لا بالتحري.
إذا اختلط إناء ان اختلاط مجاورة أحدهما نجس والآخر طاهر فإنه يخلط أحدهما بالآخر ثم يتيمم. والأفضل هو الإراقة. وإن كان الأغلب طاهرًا كما إذا كان إناءان طاهرين وإناء واحد نجسا فهنا
يتحرى اتفاقًا ويهريق ما غلب على ظنه نجاسته ويستعمل الإنائين. وإن كان الأقل طاهرًا والأغلب نجسًا على عكس هذه الصورة. مسألة الكتاب ففيها الخلاف فعند الشافعي يتحرى؛ لأنه
وهي لأنه واجد للماء الطاهر حقيقة، وغلبة الظن بالتحري دليل شرعي فصار كالثياب. وعندنا: الحكم للغالب فكان الكل نجسا حكما فيهريقه أو يمزج بعضه ببعض ويتيمم بخلاف الثياب لأنه لا خلف عنها في ستر العورة، والتراب خلف عن الماء فافترقا.
فصل في التيمم
قال: يتيمم مسافر فقد الماء حقيقة أو حكمًا.
والأصل فيه قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} وقوله: التراب طهور المسلم ولو إلى عشر ما لم يجد الماء.
والسفر مظنة فقدان الماء، فلذلك صدر به المسائل. وفقدانه حقيقة ظاهر، وأما حكما فكالعاجز عن أستعماله مع وجوده حقيقة، كما إذا حال بينه وبينه سبع أو عدو، أو فقد آلة يستقي بها الماء من بئر ونحوها، أو كان معه ماء وهو محتاج إليه للعطش، فهو مستحق للضرورة الأصلية فالتحق بالمعدوم في حكم الطهارة.
وهذان القيدان زائدان.
فهذه الصورة داخلة تحت قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء، إذ المراد ج ?ب بوجدان الماء القدرة
الجزء 1 · صفحة 69
على أستعماله.
وكذلك المراد من إطلاق الماء مقيده وهو ما يكفي للاستعمال، حتى إذا وجد كفا من ماء لا يعد بذلك، واجدا، ولا ينتقض برؤيته تيممه.
قال: ومفارق المصر ميلا.
هذا عطف على المسافر. أي: ويتيمم مفارق المصر ميلا، وهذا التعيين هو المختار في المقدار، فقد حد بعض المشايخ البعد عن المصر بحيث لا يسمع أصوات الناس، وحده آخرون بالفرسخ، وبعضهم بحيث لا يسمع صوت الأذان، وبعضهم بحيث لو نودي من أقصى المصر لا يسمعه.
والميل: ثلث الفرسخ وهو أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون أصبعا، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، كذا حده في الينابيع». ولما كان المعتبر إنما هو لخوف الضرر بالعود إلى المصر، وكان الغالب وجود الضرر في مقدار الميل حد البعد به، وهو عادم للماء حقيقة، فقد وجد شرط صحة التيمم.
حد المرض المبيح للتيمم
قال: ونجيزه لمريض خاف الزيادة ب ب كما لو خاف تلف نفس أو عضو.
المريض إذا خاف زيادة المرض باستعمال الماء، أو كان عاجزا عن الحركة لأجل الوضوء جاز له التيمم. ولأصحاب الشافعي في خوف. زيادة العلة وهو كثرة الألم وإن لم تزد المدة أو بطء البرء وهو طول المرض وإن لم يزد الألم أو شدة الضنا وهو المرض المدنف أو حصول شين قبيح كالسواد على عضو ظاهر كالوجه وغيره مما يبدو في حال المهنة ثلاث طرق أصحها في المسألة قولان: أظهرهما: جواز التيمم كمذهبنا والثاني: لا يجوز قطعا، والثالث: يجوز قطعا.
وأجمعوا على أنه لو خاف على نفسه الهلاك، أو على عضو من أعضائه، أو منفعة عضو يباح له التيمم. فلذلك نبه عليه بقوله: كما لو خاف تلف نفس أو عضو.
الجزء 1 · صفحة 70
وجه المنع: أنه وجد الماء حقيقة، وإنما يصير عادما له معنى أن لو خاف التلف صورة أو معنى فيتقيد الجواز به.
ولنا: أن صدر الآية وهو قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى يفيد الجواز، الا أن المرض لما تفاوت في لحوق الضرر باستعمال الماء وعدمه، وكان مساق الآية دليلا على أن شرعية التيمم لدفع الحرج بقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ} أعتبرنا فيه لحوق الحرج والضرر، وزيادة المرض قد تفضي إلى التلف فكان أعتبارها أولى.
كيفية التيمم
قال: فيضرب ضربة لوجهه وأخرى ليديه إلى مرفقيه مستوعبا وهو الصحيح.
هذا بيان لكيفية التيمم وصفته: أن يضرب بيديه الصعيد، ثم ينفضهما، ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى، فيمسح بأصابع كفه اليسرى باطن ذراعه الأيمن إلى المرفق، وبباطن كفه اليسرى باطن ذراعه الأيمن إلى الرسغ. وهكذا يصنع باليد اليسرى. وهذه الصورة حكاية ابن عمر تيمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكذا روي عن جابر أيضا.
وشرط الأستيعاب بقوله: مستوعبا، وأشار بقوله: هو الصحيح إلى أن عن أبي حنيفة روايتين: أصحهما أشتراطه، والرواية التي لم تشترطه رواية الحسن بن زياد، حتى قالوا: إذا4 مسح أكثر الوجه
واليدين جاز على هذه الرواية ووجهها: أن الأكثر يقوم مقام الكل؛ لأن في اشتراط الاستيعاب حرجا، وظاهر المذهب -وهو الصحيح- وجوب الاستيعاب حتى ج ? قالوا: لا بد من نزع الخاتم وتخليل الأصابع. وعليه الفتوى، لأن التيمم خلف عن الوضوء، والاستيعاب شرط في الوضوء فيشترط فيما هو خلفه؛ لأن الخلف لا يخالف الأصل فيما أمكن.
قال: ولم يقتصروا على الكوعين.
المنقول في المنظومة عن مالك أن المتيمم يمسح إلى نصف ذراعه، ومشاهير الكتب التي لمذهبه ناطقة بروايتين.
,
إحداهما ه: رواية محمد بن عبد الحكم وابن نافع كمذهبنا.
الجزء 1 · صفحة 71
والأخرى كالقول القديم للشافعي لها الله، وهو إلى الكوعين، فنصبت الخلاف فيه. وعن ابن لبابة أنه في الجنابة إلى الكوعين، وفي الحدث الأصغر إلى المنكبين.
وعن محمد بن مسلمة عن مالك أنه إلى المناكب مطلقا.
له: إطلاق قوله تعالى: {وَأَيْدِيكُمْ} كما أطلق في قوله تعالى: فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا والقطع من الرسغ في آية السرقة بيان للإطلاق، فكذا ههنا.
ولنا: أن التيمم خلف عن الوضوء، ووظيفة هذا العضو في الوضوء تستوعبه فكذا في الخلف، ولولا الخلفية لوجب المصير إلى وجوب المسح إلى المناكب عملا بالمقتضى للحقيقة والحقيقة ليست مرادة آية السرقة؛ لأن الله تعالى حرم السارق نعمة القوة الباطشة في مقابلة هذه الجناية، وهذه الفائدة تحصل بالقطع من الزند، فكان ذلك من باب إطلاق أسم الكل على بعضه مجازا، أما المسح في التيمم فلا يهتدي العقل إلى حكمته، فلا يعمل أن تلك الحكمة تحصل بالبعض، والخلفية مانعة عن العمل بالحقيقة كيلا يزيد الخلف على الأصل، فتعين الأقتصار على ما يجب غسله في الوضوء ب إعمالا للخلفية بقدر الإمكان.
ما يجوز به التيمم
قال: ويجوز من صعيد طاهر غير منطبع ولا مترمد.
الصعيد فعيل بمعنى صاعد على وجه الأرض، أو مصعود عليه، وقيده بالطهارة لأنه المعتبر بالإجماع، وفيه تفسير للطيب المذكور في الآية: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، وقيدوا الصعيد بما لا يكون منطبعا احترازا عن المعادن المتطرقة كالحديد والرصاص والذهب والفضة وبرادتها، وبما لا يكون مترمدا احترازا عن الخشب وما يحترق بالنار، ويترمد فتعين أن المراد بالصعيد ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والجص، والحجر والنورة 0، والكحل والزرنيخ، وما أشبه ذلك وهذان من الزوائد.
الجزء 1 · صفحة 72
ويجوز التيمم بالآجر المدقوق وغير المدقوق هذا هو المشهور من مذهبنا. وعن الكرخي: أنه إنما يجوز إذا كان مدقوقا عندهما، وعند أبي حنيفة يجوز مطلقا.
قال: ولم نعين التراب ويجيزه بالرمل أيضا.
مذهب الشافعي الله أن التيمم بغير التراب الطاهر الخالص المطلق لا يجوز، فالتراب عنده لا بد منه واسم التراب يعم الألوان والأنواع، حتى يجوز التيمم بالتراب الأعفر والأسود والأصفر والأحمر والأبيض والسبخ " والبطحاء، أعني: التراب اللين في مسيل الماء.
وقيد الطاهر يفيد أنه لا يجوز بالتراب النجس والذي أختلط به روث ونحوه. وقيد الخلوص يفيد إخراج المشوب بالدقيق والزعفران، كثيرا كان الخليط أو قليلا على أظهر الوجهين في القليل. وقيد الإطلاق يخرج التراب المستعمل، وسحاقة الخزف ج 0ب وإنما لم يتعرض في المتن لهذه القيود؛ لأنه لم يقع الخلاف إلا في خصوصية التراب لتفسير ابن عباس الا الله الصعيد الطيب بالتراب الطاهر. ولقوله: جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورا. ولولا اختصاص التطهير بالتراب لقال: وطهورا.
ومذهب أبي يوسف الله: أنه لا يجوز بغير التراب والرمل، أما التراب فلما قلنا، وأما الرمل فلما روي أن ناسا من البادية قالوا: يا رسول الله إنا نسكن الرمال ولا نجد الماء شهرا أو شهرين وفينا الجنب والحائض والنفساء؟ فقال: عليكم بأرضكم أي برمالكم بطريق إطلاق أسم الأرض على بعض أجزائها، أو بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه، مقامه أو لاشتمال الأرض عليها.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز بجميع ما هو من جنس الأرض عملا بنص الكتاب في إطلاق اسم الصعيد على وجه الأرض لغة.
وتفسير ابن عباس - رضي الله عنهم - الصعيد بالتراب الطاهر لا ينافي موضوعه اللغوي، بل فائدته إخراج ما صعد على وجه الأرض مما ليس من أجزائها كالأشجار المتصلة بالأرض ولما كان التراب معظم الأرض أطلقه عليه إطلاق أسم معظم الشيء وإرادة كله، على أنه روى: وطهورا من غير تفصيل.
قال: وللضرورة بالغبار.
هذا مذهب أبي يوسف وهو: أنه إذا لم يجد ماء ولا ترابا ولا رملا جاز له أن بغبار اللبد أو الثوب
الجزء 1 · صفحة 73
يتيمم بغبار البلد أو الثوب.
وذكر صاحب «الإيضاح» أن أبا يوسف لله رجع عن ذلك وقال:
ليس الغبار عندي من الصعيد وقال الأسبيجابي في «شرح الطحاوي»: أنه جائز في حالة العجز عن التراب والرمل.
له: أنه تراب مازج الهواء فكان ترابا من وجه دون وجه، فيقوم مقام التراب من كل وجه حالة العجز.
ولهما: أنه تراب رقيق فكان من الصعيد ضرورة.
وصورة التيمم بالغبار: أن ينفض ثوبه أو لبده، فإذا أرتفع الغبار رفع يديه قريبا منه فإذا وقع الغبار عليه تيمم به.
وكذلك إذا رفع الهواء التراب فوقع على وجهه ويديه فمسح وجهه ويديه بنية التيمم جاز مطلقا عندهما.
وعنده: إن كان عادما للتراب والرمل.
قال: والالتصاق ملغي وشرطه.
قال أبو حنيفة هل الله: التصاق الصعيد باليد ليس بشرط بب حتى إذا ضرب يده على صخرة صماء لا غبار عليها جاز عند أبي حنيفة. وقال محمد لله: هو شرط فلا يجوز لأنه مسح فيعتبر بمسح الرأس، وثمة لا بد من التصاق ما به تحصل الطهارة باليد، فكذا ههنا يشترط التصاق ما به تحصل الطهارة وهو الصعيد. ولأبي حنيفة: أن قاصد الصعيد إذا ضرب بيده عليه ومسح به وجهه ويديه ممتثل للنص، وهو التيمم من الصعيد الذي هو وجه الأرض فوجب أن لا يتوقف حصول الطهارة على شرط آخر؛ تكثيرا للمصلحة المتعلقة بالصلاة؛ لأن هذا الشرط زيادة على النص فيكون نسخا. والله أعلم.
حكم النية في التيمم
قال: وفرضنا النية فيه.
الجزء 1 · صفحة 74
، لأنه خلف عن
مذهب زفر الله أن النية ليست بفرض في التيمم الوضوء لا الصلاة فلا يخالف أصله وعندنا أنها فرض فيه لأن التراب ليس بمطهر في نفسه، وإنما جعل طهورا في حالة إرادة القربة فاعتبرت فيه النية لتثبت الحالة ج التي جعل التراب طهورا القصد فيها، ولأن التيمم في اللغة هو القصد.
وفي الشرع: قصد الصعيد بهذه الفعلة الخاصة فكانت النية من ضروراته، وليست إِلَّا قصد التطهير.
نواقض التيمم
قال: وينقضه ناقض الأصل والقدرة على الماء.
أما الأول فلأن كل ما نقض الأصل نقض الخلف. وأما الثاني فلأن عدمه حقيقة أو حكما هو شرط صحته.
قال: ومرور الناعس به كالمستيقظ.
أشار بالناعس إلى أنه غير مستغرق بالنوم على الوجه الناقض للوضوء، وبالمرور إلى أنه راكب أو مار بنفسه مع النعاس.
وصورتها: المتيمم الماشي أو الراكب على دابة إذا نعس فمرت به على الماء أنتقض تيممه عند أبي حنيفة الله الله كما إذا مر به مستيقظا.
وقالا: تيممه باق لأنه بهذا النعاس خرج عن قدرة الاستعمال. وله: أنه ينقض التيمم بيقين؛ فإن الشرع إن أعتبر هذا القدر من النوم يقظة كان كاليقظان وإن لم يعتبره يقظه كان هذا نوما لم يلتحق باليقظة، وكل نوم لم يلتحق باليقظة شرعا فهو حدث بالإجماع.
والمسألة من الزوائد.
فروع تتعلق بنواقض التيمم
قال: ونبطل صلاته لرؤيته مطلقا.
الجزء 1 · صفحة 75
المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته بطلت صلاته مطلقا، أي سواء كان مسافرا أو حاضرا تيمم لإعواز الماء .. فإن في بطلان صلاة من صلى بالتيمم لإعواز الماء في الحضر وجهين في مذهب الشافعي - رضي الله عنهم -
أحدهما: أنه لا تبطل صلاته والوجه الآخر البطلان؛ لأنه مأمور بالإعادة عند وجود الماء فلا معنى للاشتغال بها مع الوجدان، وإن كانت الصلاة مغنية عن القضاء فالمنصوص عليه أنه لا يبطل تيممه ولا صلاته.
ولو وجد الماء في النافلة فيه وجهان أيضا، أحدهما: البطلان، والآخر أنها كالفريضة فلا تبطل. فأشار بالإطلاق إلى أن الصلاة تبطل على كل وجه عندنا، وقيد الإطلاق من الزوائد.
له أنه تلبس بمقصود الطهارة ووجدان الأصل بعد التلبس بالمقصود لا يبطل حكم البدل كما لو شرع المكفر في الصيام ثم وجد الرقبة، ولأن حرمة الصلاة باقية ما لم يسلم؛ فكانت مانعة عن الإبطال، وكان عاجزا عن الأستعمال حكما.
ولنا: أنها صلاة بالتيمم مع قدرة استعمال الماء فلم يكن لها حرمة مانعة فبطلت.
قال: ويأمر بإعادتها لتذكره.
إذا نسي ماء وضعه في رحله بنفسه، أو وضع فيه بأمره فتيمم وصلى ثم تذكر قال أبو يوسف وهو قول الشافعي في الجديد يعيد الصلاة. وفي لفظة التذكر إشارة إلى أنه وضع الماء بنفسه، أو وضع بأمره فنسيه ثم تذكره؛ لأنه إذا وضع فيه بغير أمره ولم يضعه بنفسه فوجده يعد واجدًا لا متذكرا.
له: أنه واجد الماء حقيقة والتقصير من قبله في الطلب؛ فإن رحل المسافر مظنة وجود الماء، فلا يجعل تقصيره عذرا، كما لو نسي قربة ماء على ظهره، أو تيقن الماء وظن بعده، وكما إذا كفر المظاهر بالصوم وقد نسي عبدا في ملكه أو مات مورثه فورثه ولا يعلم به ثم علم، فإنه لا يجزئه الصوم، وكما لو نسي ستر العورة بثوب قد نسيه.
وقال أبو حنيفة ومحمد الله: لا إعادة عليه؛ لأنه عاجز عن الأستعمال لعدم القدرة، فإنها ب? تنبني على وجود العلم، وصار العجز بعذر النسيان كبعد الماء، وخوف السبع والعدو، وكما لو مر
الجزء 1 · صفحة 76
بمفازة ب لم يمر بها قط فصلى بالتيمم ثم رأى بقربه ماء فإنه لا يعيد إجماعا.
والرحل معدن الماء المحتاج إليه للشرب غالبا فلا يفضل عن الحاجة، فلم يجب الطلب ونسيان قربة الماء، نادر والأحكام تبتني على الغالب، فاعتبر عالما به تقديرا، وظن بعد الماء بعد التيقن به لا يقوم عذرا إذ الظن لا يترك به اليقين.
والتكفير بالصوم مع عبد هو في ملكه لا يعلم به قيل: هو على الخلاف، والصحيح أنه على الوفاق والفرق أن الوجدان في الكفارة عبارة عن الملك حقيقة وفي التيمم عبارة عن قدرة الأستعمال، فإنه لو ملك مياها لا يقدر على استعمالها جاز له التيمم، والجهل في الكفالة لا يعدم الملك، والجهل هنا يعدم القدرة على الاستعمال.
ومسألة الثوب على الاختلاف، ذكره في «النوادر» ولو كان على الوفاق فالفرق بينهما: أن فرض الستر يفوت لا إلى خلف، والطهارة إلى خلف وهو التيمم
قال: وأبطلناها لرؤية متوضئ أقتدى بمتيمم.
المتوضئ إذا أقتدى بمتيمم ثم رأى المقتدي الماء بطلت صلاته. وقال زفر: لا تبطل؛ لأن رؤية الماء في حقه لا تأثير لها لأنه متوضئ، ولا تأثير لوجود الماء في حق الإمام لأن الإمام لم يره، فصحت صلاتهما في نفسها وبناء الصلاة الصحيحة على الصحيحة صحيح.
ولنا: أن المقتدي عند رؤية الماء زاعم أن شرط صحة صلاة إمامه معدوم، فكان حاكما بفساد صلاة الإمام في ظنه، وإن كانت صحيحة في نفسها، فكان بانيا صلاته على صلاة هي في ظنه فاسدة
الجزء 1 · صفحة 77
ففسدت، فصار كالمقتدي بالتحري إلى جهة في الظلمة بإمام ثم علم أن تحريه أداه إلى جهة مخالفة لجهة الإمام، فإن أقتداءه لا يصح لاعتقاده فساد تحريه، وإن كانت صلاة الإمام صحيحة.
قال: والوضوء بنبيذ التمر متعين فرؤيته تبطلها والتيمم في الأصح كما يفتى به فيتممها وأوجب الجمع فيمضي فيها ويعيدها.
قال أبو حنيفة لله - فيما روي عنه إذا رأى المحدث نبيذ التمر توضأ به ولا يتيمم
ونبيذ التمر هو الماء الذي فيه تمرات مخدوشة حتى يأخذ الماء حلاوتها ولا يشتد ولا يشتد ولا يصير سكرا، فإنه إذا صار سكرا لا يجوز الوضوء به هو الصحيح ولا يكون، مطبوخا، فإن الوضوء بالمطبوخ منه لا يجوز مطلقا حلوا كان أو مشتدا لأن النار غيرته هكذا ذكره قاضي خان في شرح الجامع الصغير». والحجة فيه حديث ليلة الجن أنه قال لابن مسعود: «هل معك ماء؟» فقال: لا. إلا نبيذ تمر في
إداوة، فقال: تمرة طيبة وماء طهور» فأخذه فتوضأ به.
وروى نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهو قول أبي يوسف، والشافعي، وهو الأصح، وعليه الفتوى.
ولهذا قال في الكتاب: والتيمم أي: والتيمم متعين في الأصح عن أبي حنيفة. واستغنى بالتنصيص على الأصح في هذه الرواية عن حنيفة ذكر الرواية في الجملة السابقة لدلالتها عليها. ونبه على أن هذه الرواية الصحيحة هي مذهب أبي يوسف بقوله: كما يفتى به. والحجة ذلك: أن الحكم عند عدم الماء المطلق منقول إلى التيمم دون الوضوء بنبيذ التمر. قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيّبًا ... ومقتضى الفاء التعقيب مع الوصل ومن ضرورة ذلك أن لا يتخللهما، نبيذ التمر، إذ لو جاز الوضوء به لكان خلفا عن الماء. ألا ترى أنه يشترط في الوضوء النية ولو كان ماء مطلقا لما اشترطت. ومن ضرورة جعله خلفا أن لا يكون التيمم خلفا وأنه باطل بالنص، وحديث ليلة الجن - إن صح - فهو منسوخ بآية التيمم؛ لأن تلك القضية مكية والآية مدنية. وقال محمد: يجمع بين الوضوء به وبين التيمم احتياطا. وعلى قياس هذه الأقوال الثلاثة 0 إذا رآه المتيمم في الصلاة فعلى القول الأول تبطل الصلاة كما إذا رأى الماء المطلق، وعلى القول المختار لا تبطل صلاته فيتممها وعلى قول محمد الله يتمم
الجزء 1 · صفحة 78
صلاته بالتيمم ثم يتوضأ به ويعيد؛ عملا بالاحتياط. وقد رتب في الكتاب كل فرع على أصله.
حكم المحبوس فاقد الطهورين
قال: والمحصور فاقد الطهور يؤخرها، وقالا: يتشبه، ووافق في رواية.
المحبوس في المصر إذا لم يجد ماء طهورا ولا ترابا يتيمم به يؤخر الصلاة عند أبي حنيفة حتى يجد طهورا، وقالا: يتشبه بالمصلين. وروى أبو حفص عن محمد موافقة الإمام في التأخير، ولهذا صاغه في الكتاب بالجملة الفعلية الماضية، ولم يذكر المفعول للعلم به؛ لأن قوله: وقالا يدل على أنه مع أبي يوسف الله فالموافقة بعد ذلك لا تكون إلا مع الإمام بالضرورة.
لهما: أنه عاجز عن الأداء حقيقة وليس بعاجز عن التشبه؛ إقامة لحق الوقت كالحائض إذا طهرت في أثناء اليوم تتشبه.
وله: أن التشبه إنما يصح من أهل الأداء، ألا ترى أن الحائض في حالة الحيض لا تتشبه بالصائمين لعدم الأهلية. أما الصلاة بغير طهور فغير مشروعة أصلا.
قال: ولم يلزمه بالإعادة لأدائه فيه بالتيمم.
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا صلى المحبوس بالتيمم ثم نجا من الحبس يعيد بالوضوء ما كان صلى بالتيمم. وقال أبو يوسف الله: لا يجب عليه الإعادة لأنه صلى بالتيمم بإذن الشرع لعجزه عن أستعمال الماء فلا يعيد كما إذا خاف عدوا، أو سبعا أو خاف زيادة مرض.
ولهما: أن هذا العجز حصل لا يفعل من له الحق، فلا يعتبر في إسقاط حقه بخلاف ما قاس عليه؛ لغلبة تلك الأعذار في الأسفار وندرتها في الأمصار فيفرق بين السماوي وغيره في المصر، فلا يعيد في العذر السماوي ويعيد في غيره.
وروي عن أبي حنيفة و الله أنه لا يتيمم ولا يصلي؛ لأن الأمر بالأداء فائدته إسقاط الفرض ولا سقوط مع وجوب الإعادة. فعري عن الفائدة فلا يؤمر به.
مسائل تتعلق بالبحث عن الماء وطلبه وشرائه
الجزء 1 · صفحة 79
قال: ونلزمه بالطلب لغلبة ظن لا مطلقا.
إذا غلب على ظن المسافر أن الماء قريب منه وجب عليه طلبه.
وقال الشافعي - رضي الله عنهم - يجب عليه الطلب مطلقا غلب على غلب على ظنه أو لم يغلب؛ ليتحقق شرط جواز التيمم بيقين، وهو عدم الماء.
ولنا أن الظاهر عدم الماء في الفلوات، ولا دليل على الوجود، فلم يجب الطلب، بخلاف ما إذا غلب على ظنه، وجوده فإن غلبة الظن دليل يجب العمل به في الشرع.
ومقدار الطلب قدر الغلوة وهي أربعمائة ذراع لحصول المقصود به، ولا يبلغ ميلا لئلا ينقطع عن الرفقة.
قال: وهو قبل الطلب من رفيقه جائز حتى جاز للجنب المقيم للبرد. وقالا: بعد المنع.
روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة الله الله أن المسافر إذا لم يكن معه ماء، وكان مع رفيقه ماء، جاز له التيمم بدون الطلب منه وقالا: لا بد من الطلب فإذا منع جاز تيممه. وعلى هذا الخلاف
ذكر مسألة الجنب فإنها فرع عليه على قول بعض المشايخ، وقد أختاره في «الكتاب». وصورتها: الجنب المقيم في المصر إذا لم يجد ماء حارا فخاف إن أغتسل بالماء البارد أن يتلفه أو يمرضه: قال أبو حنيفة له: يجوز له التيمم، وقالا: لا يجوز إلا أن يطلب من جميع أهل المصر الماء الحار فإذا منع يتيمم.
وقال بعض المشايخ: إن الاختلاف في هذه المسألة أختلاف زمان لا برهان
قالا: لأن عدم الماء الحار في الأمصار نادر فلا يعتبر، وقال الإمام: هو عجز حقيقي فلا يجوز إهداره.
ووجه الاختلاف المذكور في المتن:
لهما: أن الماء مبذول عادة، فكان قادرا على استعمال الماء؛ نظرا إلى الظاهر، فلا بد من الطلب لتتحقق القدرة أو العجز.
وله: أن في الطلب من الرفيق ذلا، وفي الذل ضرر الذل ضرر لا يجب تحمله فينتفي بالنافي. وكان
الجزء 1 · صفحة 80
أبو بكر الجصاص يقول: لا خلاف في هذه المسألة؛ لأن أبا حنيفة الا الله أجاب فيما إذا لم يغلب على ظنه أن الرفيق لا يمنعه إياه، وهما أجابا فيما إذا غلب على ظنه أن لا يمنعه إياه.
وسئل نصر له عن ماء موضوع في المفازة في الله موضوع في المفازة في الحب ونحو ذلك
أيجوز للمسافر أن يتوضأ به؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ به؛ لأن ذلك لم إلَّا للشرب، إلَّا إذا كان الماء كثيرا بحيث يغلب على الظن أنه وضع للشرب والوضوء فحينئذ يتوضأ به ولا يتيمم.
قال: ولا يجب شراء الماء بأكثر من ثمن المثل.
لاشتماله على الضرر، وهو منتف، بخلاف ما إذا كان معه مثل وهو يباع به؛ لتحقق القدرة عليه من دون ضرر.
والمسألة من الزوائد.
وقت التيمم وما يستباح به
قال: ويندب تأخيره للرجاء إلى آخر الوقت.
أي: ويندب تأخير التيمم إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء آخر الوقت لتقع الصلاة بأكمل الطهارتين.
والمنقول في المنظومة عن مالك أن يتيمم وسط الوقت فهو المندوب إليه، وذكره صاحب المنظومة مطلقا. وفي ذلك تفصيل، فعنده أن الراجي للماء يؤخر كما هو مذهبنا، والآيس يتيمم أول الوقت؛ لعدم الفائدة في التأخير، والذي أستوى رجاؤه ويأسه يتيمم وسط الوقت أخذا بالشبهين
ففيما إذا كان راجيا لا خلاف في الحقيقة فتركته.
قال: ونجيزه قبله وأداء ما شاء به.
قال أصحابنا الله: يجوز التيمم قبل الوقت، ويجوز أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من الفرائض والنوافل.
الجزء 1 · صفحة 81
وقال الشافعي لله: لا يجوز قبل الوقت، ولا يجوز بتيمم واحد إلا أداء فرض واحد مع ما شاء من النوافل على وجه التبعية للفرض لأن التيمم طهارة ضرورية مبيحة للصلاة لا رافعة للحدث، ألا ترى أن التيمم لا يجوز إلا عند العجز عن استعمال الماء لأجل أداء الفرض؟ وما قصد في حالة خاصة للضرورة الداعية إليه لا يبقى بعد ارتفاع الضرورة كطهارة المستحاضة وإنما كان مبيحا لا رافعا لأنه لو كان رافعا للحدث لما بطل بدون حدوث حدث إذا وجد الماء.
ولنا: أن التيمم طهارة مطلقة رافعة للحدث حال العجز عن استعمال الماء؛ لأنه خلف عن الماء والخلف لا يخالف الأصل فيما أفاده من الحكم المختص به. ألا ترى أن الشرع جعل كلا من الماء والتراب طهورا. فقال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. وقال: التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء جعله طهورا كالماء، فيفيد ما أفاده الماء، وإنما ينتقض بالقدرة على أستعماله؛ لأن الخلف لا يبقى له حكم مع القدرة على الأصل، بخلاف المستحاضة لأنها طاهرة طهارة قارنها الحدث فقدرت طهارة ضرورة تمكن المكلف من أداء الصلاة فافترقا.
أثر الكفر الأصلي والردة على التيمم
قال: ويعتبره من كافر لإسلامه.
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إذا تيمم الكافر يريد به الإسلام ثم أسلم لا يصلي بذلك التيمم، وقال أبو يوسف يصلي به وهذا معنى الاعتبار المذكور في الكتاب وهو ترتيب حكمه عليه.
له: أن شرط صحة التيمم نية الصلاة أو نية عبادة لا صحة للصلاة إلا بها والإسلام عبادة لا صحة للصلاة بدونها.
ولهما: أن الشرط نية الصلاة، أو نية عبادة لا صحة لها بدون الطهارة أيضا، والإسلام عبادة غير متوقفة على الطهارة فلم تكن نيته معتبرة.
قال: ولو أرتد بعده وأسلم أجزنا صلاته به.
مسلم تيمم ثم أرتد -والعياذ بالله - ثم أسلم. قال علماؤنا رحمهم الله: يصلي بتيممه ذلك.
وقال زفر: لا يجوز، وهو الصحيح من مذهب الشافعي لله، لقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ والتيمم عمل لعدم صحته من الكافر، وإحباط العمل يمنع ترتيب حكمه عليه. ولنا:
الجزء 1 · صفحة 82
أن التيمم حصل حال الإسلام فأوجب اتصاف المحل بصفة الطهارة، والكفر لاقى هذا الوصف دون فعل، التيمم، ووصف الطهارة يبطله الحدث، والكفر ليس بحدث؛ ألا ترى أنه لو توضأ ثم أرتد ثم أسلم صلى بوضوئه ذلك.
التيمم لخوف
فوات صلاة الجنازة والعيد والوقتية والجمعة
قال: ونجيزه لخوف فوت صلاة جنازة وليها غيره، وعيد.
إذا حضرت جنازة في المصر ووليها غيره فخاف إن أشتغل بالوضوء أن تفوته الصلاة عليها جاز له التيمم.
وإنما قيد المسألة بما إذا كان وليها غيره لأن الولي ينتظر فلا يخشى الفوت بب وغير الولي يخشى الفوت لأنه لا ينتظر، وكذلك إذا صلاة العيد وهو محدث فخاف إن أشتغل بالوضوء أن تفوته حضر
الصلاة مع الإمام تيمم وصلى.
وقال الشافعي: لا يجوز لأنه متيمم مع القدرة على استعمال الماء فلم يصح.
ولنا: أنه مخاطب، بالصلاة ولا قدرة له على الوضوء فجاز تيممه؛ لأن الوضوء لم يشرع إلا للصلاة، وإذا فاتت هذه الصلاة لا إلى بدل وقضاء فاتت مطلقا لأنها لم تشرع إلا بجماعة وإمام وهو عاجز عن تحصيلها بعد الفراغ فسقط عنه الخطاب بالوضوء مع أنه مخاطب بالصلاة فجاز له التيمم تحصيلا للأداء.
قال: وحكم بإعادته لأخرى خاف فوتها.
هذه المسألة فرع على سابقتها.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف لها: إذا صلى على جنازة خاف فوتها: بالتيمم فحضرت أخرى وخاف
الجزء 1 · صفحة 83
فوتها جاز له أن يصلي عليها بالتيمم الأول.
وقال محمد: يعيد التيمم لهذه؛ لأن الضرورة التي لأجلها أبيح له التيمم للجنازة الأولى تمت بتمامها، وهذه ضرورة أخرى فيجدد لها التيمم.
ولهما: أن التيمم الأول وقع معتدا به حيث كان عاجزا عن استعمال الماء حكما، وهذه الصلاة مثلها فجاز أداؤها بما وقع معتدا به لمثلها.
قال: ولا يجوز في الوقتية والجمعة.
إذا حضر الجمعة وهو محدث فخاف إن أشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة مع الإمام أو صار آخر الوقت فخاف فوت الحاضرة بسبب ذلك لم يتيمم، وإنما يتوضأ ويصلي الظهر والحاضرة قضاء؛ لأن لهما خلفا وهو القضاء والظهر التي هي الأصل في فرض الوقت، فلم يتحقق الفوات مطلقا فكان مخاطبا بالوضوء وهو قادر عليه فلم يجز تيممه.
قال: والبناء فيه بالتيمم جائز.
قال أبو حنيفة له: إذا سبقه الحدث في صلاة العيد جاز له البناء بالتيمم.
وقالا: لا يجوز؛ لأنه أمن الفوات فكان مخاطبا بالوضوء، فلم يتحقق شرط جواز التيمم.
وله: أن خوف الفوات قائم؛ فإنه يوم أزدحام لا يؤمن معه عند الانصراف لتحصيل الطهارة من
عروض قاطع الصلاة فجاز له التيمم والبناية.
حكم واجد بعض كفايته من الماء
قال: ونكتفي لواجد ماء غير كاف بالتيمم.
قال أصحابنا: إذا وجد الجنب المسافر ماء لا يكفي لغسله
وقال الشافعي في أظهر قوليه: يغسل به ما تيسر من أعضائه ثم يتيمم لأن عدم الماء المقدور على
الجزء 1 · صفحة 84
أستعماله شرط جواز التيمم، وهذا متء مقدور على استعماله استعماله في القدر الممكن ثم يتيمم.
ولنا: أن في ذلك جمعا بين الأصل والخلف، وأنه ممتنع، وهذا ماء غير واجب الاستعمال؛ إذ الخطاب إنما يتوجه بالاستعمال إذا ترتب عليه مقصوده الشرعي وهو رفع الحدث والحدث باق وإلا لما وجب التيمم، فلم يتوجه الخطاب به لفوات مقصوده فتعين الخلف.
حكم جريح بعض البدن
قال: ونعتبر الأغلب من الجريح والصحيح، فيتيمم أو يغسل، ولا نوزع.
إذا كان أكثر بدنه جريحا فأجنب تيمم فقط، ولم يغسل الصحيح، ولو كان أكثر بدنه صحيحا وفيه جراحات فإنه يغسل الصحيح ولا يتيمم، يل يمسح على الجبائر المشدودة.
ومذهب الشافعي أن يغسل الصحيح من بدنه ويتيمم للجريح.
وهذا معنى قوله: ولا، نوزع أي ولا نوزع الغسل للأعضاء الصحيحة والتيمم للأعضاء الجريحة.
ولك في نوزع أن تجعله بالياء عطفا على ما قبله ويفهم الخلاف من قوله: ونعتبر بالنون وإن شئت أن تجعله بالنون أيضا، وتجعل الخلاف في التوزيع نصا.
له: أن سقوط الغسل عن العضو الجريح لضرورة الضرر في إصابة الماء، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها ولا ضرورة في الباقي فيجب غسله، وكل عضو خلا من وظيفة الغسل يجب التيمم له، وإلا تكون صلاته مجامعة للحدث.
ولنا أن الأكثر كل حكمي فكان جريح الأكثر عاجزا عن استعمال الماء حكما، فجاز تيممه، وصحيح الأكثر يغسل، وغسل الأكثر كغسل الكل حكما، إذ في التيمم مع الغسل إكمال للأصل
الجزء 1 · صفحة 85
بالخلف ولا وجه له كالجمع بينهما مطلقا، ألا ترى أن التكفير بالمال لا يكمل بالصوم وبالعكس، ولا عدة الحائض بالأشهر ولا ذات الشهر بالحيض، فكذلك إكمال التيمم بالغسل وبالعكس.
قال: ولو بقيت لمعة فتيمم للجنابة ثم أحدث فتيمم له ثم وجد ماء غير كاف لهما يوجب صرفه إلى اللمعة ويبقى تيمم حدثه وأبطلهما فيصرفه إليها ويتيمم له.
إذا اغتسل الجنب وبقيت على جسده لمعة لم يصبها الماء وقد فني ماؤه، فتيمم للجنابة، ثم أحدث فتيمم ثانيا للحدث، ثم وجد ماء لا يكفي للمعة مع الوضوء بل يكفي واحدا منهما أيهما كان.
قال أبو يوسف: يصرف هذا الماء إلى اللمعة، وتيممه للحدث باق لم ينتقض برؤية هذا الماء.
وقال محمد: أنتقض تيممه للحدث وتيممه للجنابة جميعا. ولا يقال: إن تيمم الجنابة أنتقض بالحدث؛ لأنا نقول: أنتقض في حق جواز الصلاة دون ارتفاع الجنابة إلى وقت القدرة على استعمال الماء، فإذا وجد الماء أرتفع حكم التيمم الأول والثاني جميعا، فإذا انتقضا صرف الماء إلى اللمعة وتيمم للحدث تيمما آخر؛ لأنه بالنسبة إلى كل واحد من التيممين موجود على السواء، فصار كقوم متيممين وجدوا ماء يكفي لواحد منهم بطل تيممهم جميعا، وما لم يصرف الماء إلى اللمعة لا يثبت عجزه عن صرفه إلى الوضوء فينتقض تيممه قبل الصرف.
ولأبي يوسف - رضي الله عنهم -: أن هذا الماء لما كان مستحق الصرف إلى اللمعة صار معدوما في حق تيمم الحدث فلم ينتقض كالماء المستحق بالعطش وإنما أنتقض تيمم الكل برؤيتهم ماء كافيا لأحدهم، لأنه غير مستحق الصرف إلى واحد منهم بعينه، فكان سواء في حق الكل بخلاف مسألتنا، وعجزه ثابت قبل الصرف إلى اللمعة؛ بسبب كونه مستحق الصرف إليها. وإنما قال: يوجب صرفه إلى اللمعه بالياء - وإن كان الصرف إليها واجبا بالإجماع لأن المراد هو المجموع المركب من الصرف إلهيا مع الحكم ببقاء تيمم الحدث ويدلك على هذا المراد قوله بعد ذلك: وأبطلهما فيصرفه إليها أي فيصرفه واجده إلى اللمعة ويتيمم.
ثانيا. فموضع الخلاف نصا هو بقاء تيمم الحدث مع وجود الماء وانتقاضه والصرف إلى اللمعة واجب مع ذلك مطلقا، فإذا أضيف إلى اللمعة والحكم ببقاء تيمم الحدث أو أنتقاضه كان الخلاف ثابتا في المجموع المركب.
الجزء 1 · صفحة 86
ووجه آخر: وهو أن صفة هذا الصرف مختلف فيها. فعند أبي يوسف الله: هو مستحق، وعند محمد الله: غير مستحق. فالتقدير على: ويوجب صرفه إلى اللمعة مستحقا، وعند محمد الله يجب صرفه إلى اللمعة غير مستحق فيفيد نصب الخلاف فيه باعتبار الوصف الذي ينبه عليه التعليل والحكم بإبقاء تيمم الحدث.
قال: ولو لم يتيمم للحدث يجيز تقديمه على الصرف إليها، ومنعه.
هذه فرع سابقتها. إذا بقيت لمعة لم يصبها الماء فتيمم للجنابة ثم أحدث ولم يتيمم للحدث ثم وجد ماء غير كاف لهما جميعا: قال أبو يوسف - رضي الله عنهم -: يجوز أن يتيمم للحدث قبل أن يصرف الماء إلى اللمعة؛ لأنه مستحق الصرف إليها، فكان كالمعدوم في حق الوضوء فجاز تقديم التيمم.
وقال محمد - رضي الله عنهم -: لا يجوز حتى يصرف الماء أولا ليتحقق أستعماله في الوضوء، وإلا يكون متيمما مع وجود الماء.
فصل في المسح على الخفين
قال: يمسح الخف لحدث أصغر بعد اللبس على طهارة، و نشترط إكمالها قبل الحدث لا قبل اللبس.
أحترز بالحدث الأصغر عن الحدث الأكبر الموجب للغسل على ما نقرره.
وشرط جواز المسح أن يكون الحدث طارئا بعد اللبس، وبعد كمال الطهارة. ولا يجب إكمال الطهارة قبل اللبس، كما هو مذهب الشافعي، لكن يجب أن تكون كاملة قبل الحدث، سواء كملت قبل اللبس أو بعده 4 فلو غسل رجليه ثم لبس خفيه ثم أكمل الطهارة ثم أحدث جاز له ه المسح وكذلك لو لبسهما ج ب قبل غسلهما ثم خاض ماء عظيما فوصل الماء إلى رجليه فغسلهما، ثم أكمل الطهارة ثم أحدث ولو أحدث بعد غسل رجليه ولُبس خفيه قبل إكمال الطهارة لم يعتبر لأن الوضوء لا يتجزأ حكما، فبعضه متوقف على تمامه شرعا.