الجزء 1 · صفحة 7
المجتبى شرح مختصر القدوري
للإمام أبي الرجا نجم الدين مختار بن محمود بن محمد الزاهدي الغزميني
توفي سنة (658هـ)
الجزء الأول
اعتنى به: لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحم الرحيم
قال الإمام الأجل الأستاذ قدوة الإسلام صفوة الأنام مفتي البشر منشئ الفقه والنظر مجتهد الزمان صاحب علمي المعاني والبيان مولانا نجم الحق والدين حجة الإسلام والمسلمين مختار بن محمود الزاهدي. تغمده الله بالغفران. وأسكنه في على الجنان.
الحمد لله رب العالمين والصلاة على خاتم النبيين محمد وآله الطيبين.
أما بعد فقد قال العبد الراجي عفو ربه المعبود أبو الرجا مختار بن محمود.
لما عمت الفتنة العامة ديار الإسلام وطمّت هذه الطامة مشارع الشرائع والأحكام. واستولت يد التدمير على طلبة العلم والعلماء وأنشبت المنية أظفارها في نوافيخ الفضلاء. لم يبق في عالم الفضل منهم إلا شيخ تحرير قد بلغ ساحل الحياة أو شاب في غرير شعلته شواغل العيش واللذات فبقيت مباني الفقه سدى هملاً وأهملت معانيه علماً وعملاً.
فهزت بعض إخواني همة الارتقاء مراقي الفقهاء وبعضهم هيئة اللقاء مواطن اللقاء ليحصل الفقه بعد الأدب والإحاطة لمسالك العجم فيه والعرب. فطلبوا إلى شرح المختصر المنسوب إلى إمام الأئمة وفقيه آخرا هذه الأمة أبي الحسين القدوري. طيب الله ثراه وجعل خظيرة القدس مأواه فإنه أعظم دواوين الفقه بركة وخطراً وأرفعها شأناً وقدراً وأدورها في أيدية الفضلاء والمدارس وأعنها للمدرّس والدارس. وقد ترك أعم المشرحين له لغاية وضوحه عندهم تفصيل مجملاته وتفسير مبهماته وكشف مسلكاته.
فأجيبهم إلى ذلك مستعيناً بتوفيق الله تعالى وعصمته وفضله ملتزماً فيه عشر خصال بعونه ولطفه وطوله تفصيل مجملاته وتحصيل زواياه ومهملاته وحلّ مشكلاته وكشف معضلاته وتفسير الغويضة من ألفاظه ومباينه وتبيين الغوامض من إشاراته ومعانيه وتقسيم الأحكام والمسائل وذكر أصولها وفصولها مبرهة بالدلائل والتنبيه على مواضع الذلل والإتقاء عن المجازفة في نقل الأحكام
الجزء 1 · صفحة 9
والعلل مع إيجاز لا يخل بفهم الذكي وتطويل لايمل خاطر الالمعي راجياً من ربي الكريم العفو عن الخطأ والخطل في القول والعمل. ومؤملاً من الناظر فيه الدعاء لي والإستغفار وإصلاح ما زلّ القلم به والخاطر فيه والإستنكار فمن أنا مع قلة علومي وكثرة إشغالي وهمومي حتى تصدبت لشرح مثل هذا الكتاب وتعرّضت له في معرض الإبانة.
وفصل الخطاب لكن حملني عليه حرصي على التحصل ومخافة النسيان وإلحاح عانة الشركاء والإخوان.
والله المستعان وعليه التكلان.
بسم الله الرحم الرحيم
قال الشيخ الإمام أبو الحسين القدوري الحمد لله الواحد العدل. والصلاة على خير خلقه.
كتاب الطهارات
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}
باب الوضوء
فصل في فرائض الوضوء
قال: ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس. ويدخل المرافق والكعبان في الغسل. والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه.
اعلم أن العاقل خلق لاكتساب السعادة الأبدية والسيادة السرمدية. واكتسابهما بالعلم والعمل مع الاتقاء عن العصيان والزلل والعلم أهم الأمرين وأشرفهما وأرفعهما شأناً وأنفعهما لتقدمه على جميع العبادات والأعمال واستقلاله في إفادة السعادة في بعض الأحوال.
ثم العلوم قسمان قسم يتعلّق بالإلهيان. وقسم يتعلّق بالشرعيات والإلهيات مدركة بالعقول غنية عن التعليم. والشرعيات معلومة بلسان صاحب الشرع محتاجة إلى التدريس والتفهيم.
ثم الشرعيات نوعان نوع يتعلق بالعبادات. ونوع يتعلّق بغيرها كالمعاملات والجنايات. وعلوم
الجزء 1 · صفحة 10
العبادات أهمها وفي التذرّع إلى نيل السعادات أتمها. لأنها معظم المقصود من بعثة الرسل والأنبياء. والوسيلة إلى الغرض من فطرة الثقلين وقطان السماء قال الله تعالى} وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون {.
ثم هذه العبادات أنواع منها ما يجب في العمر مرّة كالحج. ومنها ما يجب في السنة مرة كزكاة المال والرأس والأضحية. ومنها ما يجب في السنة شهراً كصيام شهر رمضان. ومنها ما يجب في كلّ يوم وليلة خمس مرات كالصلوات المكتوبات. فكانت الصلاة أهم كافة الشرعيات وأفضل الأمور الدينيات. ثم للصلاة أركان تقوم بها وشروط يتقدمها.
وألزم تلك الشروط الطهارة. فلهذا صرف جمهور العلماء من الأوائل والأواخر عنايتهم إلى تدوين الفقه في الصحف والدفاتر. وتقديم العبادات على المعاملات وتقديم الصلاة على سائر العبادات وتقديم الطهارة على غيرها من الشروط.
فلهذا ابتدأ المصنف فيه بكتاب الطهارة وعنونه بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية. وفي بدايته بقوله تعالى تبرك بكلامه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وإيذان بأن الوضوء من الأحكام المنقولة دون المعقولة لما فيه من غسل الطاهر حقيقة دون المخرج النجس.
وقد ثبت فرضيته بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب فيما تلا من الآية. وأما السنة فقوله «لا يقبل الله تعالى صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يغسل ذراعيه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه
وأما الإجماع فظاهر. والاستدلال بالآية أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس عند إرادة القيام إلى الصلاة محدثاً لأنّ إرادة الفعل سبب له. فعبر بالمسبب عن السبب كقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وقيل إذا قمتم إلى الصلاة أي قصدتموها. يقال "قام إلى كذا" إذا قصده. هكذا ذكرهما صاحب الكشاف. وإنه خطاب للمحدثين. رواه أبو بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم و روي مثله عن ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وعبيدة وأبي موسى وجابر وأبي العالية وسعيد بن المسيب وإبراهيم والحسن والضحاك والسدي. وعليه إجماع التابعين والفقهاء. وما تعلّق به داود
الجزء 1 · صفحة 11
الاصفهاني من وضوء النبي والخلفاء الرشدين عند كل صلاة لبيان عموم الخطاب محمول على الندب والاستحباب.
ولهذا صلّى الخمس يوم الفتح بوضوء واحدٍ ويوم الخندق أربع صلوات. وقال أيضاً «لا وضوء إلا عن حدث «فعلم بأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس عند إرادة القيام إلى الصلاة محدثاً. والأمر يقتضي الوجوب. فإن قيل عطف الرجلين على المسح بالرأس. فكيف يفيد غسلهما؟ قيل له أما على قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحفص وأبي بكر والمفضّل والأعشي بالنصب فظاهر.
لأنه عطف على وجه والأيدي دون الرأس لما في العطف عليهما من المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه محلاً ولفظاً. وأما على قراءة الباقين بالجرّ فلتضمّن العطف ما يليق بالمعطوف من فعل الغسل كقولهم "علفتُها تبناً وماء بارداً أي وسقيتها ماءً أو لإرادة الغسل بلفظ المسح. وعن أبي زيد المسح خفيف الغسل. يقال "يمسح للصلاة" إذا توضأ أو لجعل الأمر بالمسح مجازاً عن النهي عن الإسراف في صب الماء لكون غسلهما مظنة الإسراف.
وذهب إلى الأوّل جماعة من المفسرين وإلى الثاني الزجاج وابن الأنباري وإلى الثالث جار الله العلامة. والدليل على إرادة الغسل منه دون المسح أنه غيا الواجب في الأرجل إلى الكعبين والمسح غير مغيا بالإجماع وبدليل أنه لم يذكر الله تعالى للمسح في الوضوء والتيمم غاية بخلاف الغسل. والجواب الثاني وقد ذهب إليه صاحب الكشاف أن للرجل حالتين مكشوفة ومستورة بالخف. " فيغسل المكشوفة ويمسح المستورة.
فإن قيل لم ذكر المرافق بلفظ الجمع والكعبان بالتثنية؟ قيل له لأنّ المرفق طرف العظم الذي يرتفق به أي يتكأ عليه. وإنها في كلّ يد ثلاثة طرف أحد عظم الساعد وطرفا عظم العضد بخلاف الكعبين. فإنهما العظمان الناشزان من جانبي القدم. قاله الأصمعي وعليه عامة الفقهاء. وذكر قاضي صدر وعند محمد هما العظمان المربعان أسفل من الناتيين حتى لا يجب غسل الناتيين عنده. وفي شرح أبي بكر الكعب عظم مربّع في مقدّم الرجل عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف العظمان الناتيان حتى لو ترك غسلهما جاز عندهما خلافاً لأبي يوسف.
ثم قال المصنف ويدخل المرافق والكعبان في الغسل. وهذا مذهبنا. وقال زفرا لا يدخل لأنّ الله
الجزء 1 · صفحة 12
تعالى جعلها غاية. والغاية لا تدخل تحت المغيا كقوله تعالى} ثم أتموا الصيام إلى الليل {والصحيح مذهبنا لوجهين.
أحدهما أنها جعلت حد الإسقاط لتناول اسم اليد والرجل هذه الجوارح إلى الإبط ونهاية الفخذ. فلا تدخل تحت السقوط.
والثاني ما ذكره في الكشاف أن حكم الغاية في الخروج والدخول يدور مع الدليل. لأنها تستعمل فيهما. قال الله تعالى} ثم أتموا الصيام إلى الليل {وقال} فنظرة إلى ميسرة {و لم يدخل الليل والميسرة في الصيام والنظرة. وقال} من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى {وقد دخل المسجدان في الإسراء. ويقال "حفظتُ القرآن من أوله إلى آخره " وقد دلّ على دخول الغاية في هذه الآية فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله. أما فعله فإنه كان يدير الماء على مرفقيه في الوضوء. وأما قوله فما روي عنه أنه قال «ويل للأعقاب من النار «وفي المغرب السباطة الكناسة. والمراد في الحديث؛ ملقي الكناسات تسمية للمحل باسم الحال.
ثم اعلم أن الوضوء يشتمل على فروض وشروط وسنن وآداب.
والفرض في لسان الفقهاء ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به ككتاب الله تعالى والتواتر وإجماع الأمة نحو الصوم والزكاة والصلاة وأركانها وشرائطها وأركان الوضوء.
والواجب هو ما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة العدم للإخلال به مدخل في استحقاق الذم والعقاب كصدقة الفطر والأضحية وواجبات الصلاة.
والسنة ما واظب عليها النبي. ولم يتركها قط إلا مرة أو مرتين تعليماً أو تسهيلاً. ولم يعرف اختصاصه به كسنن الصلاة والوضوء والأدب ما فعله مرة أو مرتين. هكذا ذكرها ركن الدين الأصولي في الحدود.
أما فروضه فأربعة على ما عدّه المصنف. ولكن لا بد من معرفة حدودها وما يتعلق بها من المسائل الشريفة والتعريفات المهمة اللطيفة.
فصل في غسل الوجه
أما حد الوجه فمن قصاص شعر الرأس إلى أسفل الذقن. وقيل حدته وإلى شحمتي الأذن.
الجزء 1 · صفحة 13
وهو ما لان من أسفلها. وفي زاد الفقهاء فإن كان قبل نبات اللحية يفترض غسل كله. وإذا نبتت سقط غسل ما تحتها. وعند الشافعي إن كثفت فكذلك. وإن خفت لا يسقط.
قال مولانا وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح الأصل ما يدلّ على الاتفاق. فقال إذا كانت اللحية خفيفة ترى البشرة تحت الشعر. فإيصال الماء إلى البشرة غير ساقط. وإلا سقط. وهكذا ذكره في السهلي. ثم قال ولا خلاف فيه بين المذهبين. ثم قال الحلواني وإمرار الماء على جميع ظاهر اللحية شرط حتى لو مسح لا يجزيهما ما لم يتقاطر الماء من لحيته. فإن محمداً قال وإنما مواضع الوضوء من اللحية ما ظهر منها. وفي الإيضاح بخلافه. فإنه قال ومسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية واجب خلافاً لأبي يوسف لأن فرض الغسل سقط من الشعر. وفي المجرد عن أبي حنيفة ليس مسحها ولا يجب. وقيل وإجراء الماء على ظاهر الشارب على الروايتين. وفي جمع التفاريق، ويجوز عند أبي يوسف وإن لم يصب الماء اللحية. وعنه يمسحها. وكذا عن محمد. وكذا عن أبي حنيفة يمس عليها يده. وعنه يمسح ربعها.
والصحيح أنه يمس الماء على ظاهرها وفي البحر المحيط عن أبي حنيفة لا يغسل العين بالماء. ولا بأس بغسل الوجه مغمضاً عينيه. وقال الفقيه أحمد بن إبراهيم إن غمض شديداً لا يجوز. ولو رمدت عينه ورمصت يجب إيصال الماء تحت الرمص إن بقى خارجاً بتغميض العين. وإلا فلا. وفي المغرب الغمض ما سال من الوَسَخ في الْمُوقِ والرَمَص ما جمد. ويجب إيصال الماء إلى الْمَآقي وتكلّموا في الشفه." فقيل تبع للفم. وقال الفقيه أبو جعفر ما انكتم عند إنضمام الفم فتبع للفم. وما ظهر فللوجه. يجب إيصال الماء إليه. وفي رواية المحيط وكذلك لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين والشارب باتفاق الروايات. قال الحلواني واتفقوا أن عليه أن يمس الماء شعر حاجبيه. وفي صلاة البقالي إذا قطر الشارب لا يجب تحليله. وإن طال يجب تحليله وإيصال الماء إلى الشفتين. وفي النوازل لا يجب وإن طال ثم قال البقالي، وما نزل من شعر اللحية من الذقن ليس من الوجه عندنا خلافاً للشافعي. ولا رواية في وجوب غسل الدوابتين جاوزتاه القدمين في الجنابة. وكذا السلعة إذا تدلت عن الوجه. والصحيح أنه يجب غسلها في الجنابة وغسل السلعة في الوضوء أيضاً. قال مولانا وسيد السعداء والشهداء صاحب البحر المحيط فخر الدين العربي جزاه الله عنا وعن كافة المسلمين خيراً في بحره ومن جنس هاتين المسئلتين ما ذكره مظهر الدين الشافعي في شرحه أنه لو كان لرجل رجلان ويدان من جانب واحدٍ يمشي ويبطش بهما يجب غسلهما. وإن كان يمشي ويبطش بإحديهما فهي الأصلية فيجب غسلها. وكذا الزائدة إن ثبتت من محل الفرض كالأصبع الزائدة والتأليل. وإلا فلا. وفي فتاوى العصر ذكر الحلواني واختلفوا فيما
الجزء 1 · صفحة 14
حسر من شعر مقدّم الرأس. فقيل إن قل فمن الوجه. وإن كثر فمن الرأس." والصحيح أنه من الرأس حتى جاز المسح عليه. وفي تفسير البقالي وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أصل الذقن. كذا حدّه أهل اللغة وعلى هذا لا يدخل فيه النزعتان وهو ما انحسر من الشعر من جانبي الجبهة إلى الرأس لأنه من الرأس. وفي المحيط وأما البياض بين العذار وشحمة الأذن. فذكر الحلواني أن ظاهر المذهب أن عليه أن يبله. وقال الطحاوي عليه غسل ذلك الموضع بعيني البياض. وهو الصحيح. وعليه أكثر مشايخنا. وفي القدوري يجب غسله عند أبي حنيفة ومحمد وفي شرح السرخسي الصحيح من المذهب أنه يجب إيصال الماء إليه بصفة الغسل إلا في رواية عن أبي يوسف أنه لا يجب إيصال الماء إليه. وروي عن أبي يوسف إذا بله بالماء سقط عنه الفرض. وهذا فاسد. وعن أبي إسحاق الحافظ روي عن أبي يوسف ومحمد وزفر أنه يفترض غسله. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة أن غسله فحسن. وإن لم يغسل أجزأه.
فصل في غسل اليدين
وأما فرض اليد فمن رؤوس الأصابع إلى المرفقين. ويدخل المرافق" فيه لما بينا في البحر المحيط. قال أبو بكر الإسكاف ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الطين والعجين في أظفار الطيان والخباز دون الدرن لتولده منه. وذكر الصفّار في شرحه أنه إن طال يجب إيصال الماء إلى ما تحته. وإلا فلا. وفي النوادر؛ يجب إيصاله في حق الحضري دون القروي. لأنّ في أظفار الحضري دسومة. فتمنع وصول الماء إليه. وفي أظفار القروي طين فلا يمنع ولو كان عليها جلد سمك أو خبز ممضوغ جاف منع وصول الماء تحته لم يجز. وفي خُرء الذباب والبرغوث جاز. وفي الجامع الأصغر الطيّان أو الخباز أو المراة التي تضع الحناء إذا كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين أو حنّاء "جاز صلاتهم. إذ لا يستطاع الامتناع منه إلا بحرج. قال أبو نصر الدبوسي وهذا صحيح. وفي فتاوى ما وراء النهر إن بقي من مواضع الوضوء قدر رأس إبرة أو لصق بأصل ظُفره طين يابس أو رطب لم يجزه. وإن تلطخ يده بخمير أو حنّاء جاز. وسئل الدبوسي عمن عجن فأصاب يده عجين فيبس وتوضأ. قال يجزيه إذا كان قليلاً. ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه في الوضوء إذا كان واسعاً. وفي الضيق اختلاف المشايخ. وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبو سليمان عنهما عدم اشتراط الترع والتحريك.
فصل في مسح الرأس
وأما مسح الرأس فعند مالك مقدّر بالكل. وعند الشافعي بما يستحق اسم المسح. وعند
الجزء 1 · صفحة 15
أصحابنا بقدر الناصية. وهو ربع الرأس. وفي صلاة الأصل وصلاة الأثر قدره بثلاث أصابع اليد. وفي زاد الفقهاء وتحفة الفقهاء في ظاهر المذهب مقدّر بثلاث أصابع وروي بربع الرأس. وفي النتف في قول أبي يوسف بقدر أصبع واحدة عرضاً. وفي قول أبي حنيفة ومحمد بثلاث أصابع فمالك اعتبر ظاهر الآية. والشافعي حمل الباء على التبعيض وأصحابنا قالوا الآية مجملة. فوقع حديث المغيرة بيانا وتفسيراً لها ومن قدره بثلاث أصابع. قال الله تعالى أمر بالمسح بالرأس والمسح بأكثر آلته يكون؛ وهو أصابع اليد. فكأنه قال امسحوا بثلاث أصابع أيديكم برؤسكم. ولهذا اعتبر ثلاث أصابع في المعطوف. وهو مسح الخف بالإجماع. وكذلك لو وضع على الرأس ثلاث أصابع ومدّها إلى قدر الربع جاز عندهم.
ولو كان مقدراً بالربع لما جاز كما إذا مد الأصبع أو الأصبعين إليه. وقال زفر يجوز كما في الوضوء. ولو مسح بالإبهام والسبابة مفتوحتين جاز. لأنّ ما بينهما قدر أصبع واحدة. فتصير قدر ثلاث أصابع. في المحيط مسح شعر رأسه فوقع على شعر تحته رأس جاز. وإن كان تحته عتق أو جبهه. لم يجز. ولو زاد ذوابته على رأسه فمسح عليها لم يجزعلى الأصح أرسلها أم لا. وفي هداية الناطفي مسحت على الخضاب أو الوقاية لم يجز وإن وصل إلى الشعر. وقيل هذا قبل غسل الخمار. وقيل هذا إذا الماء عن كونه ماءً مطلقاً. وفي النظم قال عامة العلماء إذا وصل الماء إلى الشعر جاز. وإلا فلا. ولو رأسه فأصابه المطر قدر ثلاث أصابع جاز مسحه باليد أم لا. قال صاحب البحر المحيط وهذا نص على عدم اشتراط النية في مسح الرأس بخلاف المسح على الخفين في بعض الروايات. لأنه بدل كالتيمم محيط. مسح رأسه ببلل بقيت في كفه جاز. وإن أخذها من لحيته لم يجز. قال الحاكم الشهيد إنما يجوز ببلل كفه ما لم يستعمل في العضو. وخطأه عامة المشايخ لما ذكره محمد عليه في مسح الخف أنه إذا توضأ ثم مسح على الخف ببلة بقيت على كفّه بعد الغسل جاز. ولو مسح برأسه ثم على خفه ببلة بقيت في يده لم يجز.
قال أستاذنا والصحيح ما قاله الحاكم فقد نص الكرخي في جامعه الكبير على الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف مفسّراً معلّلاً أنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعيه لم يجز إلا بماء جديد. لأنه ماء قد تطهر به مرّة. قال ولو مسح على رأسه ولحيته ثم حلقهما لا يعيد المسح. وكذا في قلم الظفر لأنها مع الجلد شيئ واحد بخلاف مسح الخف.
فصل في غسل الرجلين
وأما فرض غسل الرجلين فمن رؤوس الأصابع إلى الكعبين كما مرّ. وعن بعض الشيعة الفرض
الجزء 1 · صفحة 16
هو المسح. وعن الحسن البصري، يخير بينهما. وعنه يجمع. ومدّ فرض الرجلين إلى الكعبين ينفي ذلك. لأنّ المسح غير مغيًا إلى الكعب بالإجماع. وقالت عائشة] لأن يقطعا أحب إلي من أن أمسح على القدمين بغير خفين [وعن عطاء والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين. ولو قطعت فبقي نصف الكعب يجب غسل البقية وموضع القطع ولو قطع فوقهما لم يجب. وكذا في المرفق ولو جعل الشحم في شقاق رجله فلم يصل الماء تحته إن كان يضره ذلك جاز. وإلا فلا.
وأما شروطه فاستعمال الماء المطلق على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وإجراء الماء على أعضاء الوضوء عند أبي حنيفة ومحمد شرط. وقال أبو يوسف إن مسحه بالماء كالدهن جاز. لأنّ الله تعالى أمر بالغسل. هو التسييل. ولهذا جعل الأعضاء في الوضوء جنسين مغسولة وممسوحة. ولو كان المسح بالماء غسلاً لكانت جنساً واحداً. وعلى هذا يجب صب الماء على الوجه من فوق. وتسييله على البياض بين العذارا والأذن وما تحت الحاجبين وطرر النساء. وإلا لم يجز.
فصل في سنن الوضوء
وأما سنن الوضوء فقد قال المصنف.
قال: وسنن الطهارة غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه. لقوله صلى الله عليه وسلم] إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده، وإشارة صاحب الشرع إلى توهم النجاسة تدلّ على التورّع دون الوجوب. قال مولانا وتخصيص المصنّف غسل اليدين في ابتداء الوضوء بالمستيقظ من نومه أنه خصه تبركاً بالحديث أو لأنه إنما يكون سنة في حق المستيقظ دون غيره. فلما ظفرت بالرواية في المحيط وتحفة الفقهاء وجمع نجم الأئمة البخاري إن غسل اليدين إلى الرسغ في ابتداء الوضوء سنّة على الإطلاق. زال الاشتباه بحمد الله على أن توهم النجاسة في آلة التطهير شامل للكلِّ فيكون الاستنان شاملاً.
وكيفية الغسل أن يأخذ الماء الإناء بيساره ويصبه على يمينه ثم بعكسه. وإن تعذر عليه الصبّ لعظم الأناء يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة دون الكف حتى يغسل يمينه ثم يدخل بالغةً ما بلغت.
قال وتسميته في ابتداء الوضوء.
وقال أصحاب الشافعي التسمية فرض لقوله «لا وضوء لمن لم يسم» ولنا قوله» من توضاً وذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لما أصابه الماء
الجزء 1 · صفحة 17
» وبهذا تبين أن الحديث الأول محمول على نفي الكمال. واختلف في لفظ التسمية. قال الطحاوي يقول بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام. وعن الوبري يتعوّذ في ابتداء الوضوء ويُسمل للتبرك. والأفضل فيه أن يقول} بسم الله الرحمن الرحيم. {
قال مولانا إن جمع بينهما فقال بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام. فحسن لورود الآثار فيهما. واختلف المشايخ في سنة غسل اليدين والتسمية أنهما قبل الإستنجاء أم بعده. والأكثر على أنهما" سنتان قبله وبعده.
قال: والسواك
لحديث عائشة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم] صلاة بسواك أفضل م نسبعين صلاة بغير سواك [ثم لا بد من معرفة كيفيته ووقته. أما الكيفية فيتخذ من أشجار رطبة مرّة في غلظ الخنصر وطول الشبر. ويستاك عرضاً لا طولاً. فإن لم يجد فليتمسك بحديث علي كرم الله وجهه] التشويص بالمسبحة والإبهام سوال [وأما وقته فذكر في كفاية والوسيلة والشفاء أن السواك قبل الوضوء وفي تحفة الفقهاء وزاد الفقهاء أنه سنّة حالة المضمضة تكميلاً للإنقاء.
قال والمضمضة والاستنشاق.
وهما فرضان في الغسل لحديث ابن عباس رضي الله عنه موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم» هما سنتان في الوضوء واجبان في الغسل» وقال الشافعي هما سنتان فيهما. لأنهما داخلان حكماً بدليل أن الصائم إذا ابتلعه المخاط أو البزاق لا يفسد صومه. وقال مالك وزفر فرضان فيهما. لأنهما خارجان حكماً بدليل أن الصائم إذا أدخل فمه الطعام أو أنفه لا يفسد صومه ولنا أنهما داخلان من وجه. فلا يجب غسلهما في الوضوء. وخارجان من وجه فيجبان في الغسل امتثالاً للأمر بالمبالغة في التطهير وتوفيراً على الشبهين حظهما. ويأخذ لكل واحد منهما ماءً جديداً. وقال الشافعي لجمعهما بماء واحد. ولو رفع الماء ثلاثاً كف واحدة للمضمضة جاز وللاستنشاق لا يجوز لصيرورة الماء مستعملاً. من المضمضة والاستنشاق سنة مؤكدة من تركها يأثم وفي شرح خواهر زاده لا يكره ترك التكرار مع الإمكان.
قال أستاذنا وبهذا تبين أن من عنده ماء يكفي للوضوء مرة مع المضمضة والاستنشاق أو ثلاثاً
الجزء 1 · صفحة 18
بدونهما. فإنه يتوضأ مرّة مع المضمضة والاستنشاق.
قال: ومسح الأذنين
لقوله صلى الله عليه وسلم» الأذنان من الرأس» أي حكماً ويمسحهما بماء الرأس مرة خلافاً للشافعي فيهما لحديث ابن عباس رضي الله عنه» أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه مرة بماء واحد. ثم يمسح بالسبابتين داخلهما وبالإبهامين خارجهما» وفي الأصل يمسح داخلهما مع الوجه وفوقهما مع الرأس والمختار هو الأول. وعن الحلواني وخواهرزاده أنه يدخل الخنصر في صماخ أذنيه ويحركها كذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة رضي الله عنه.
قال: وتخليل اللحية والأصابع.
أما تخليل اللحية ذكر قاضي خان في شرح الجامع الصغير تخليل اللحية بعد التثليث سنة في قول أبي يوسف وبه اخذ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم» كان يشبك أصابعه في لحيته من أسفل» التخليل ليس بسنة عندنا خلافاً لأبي يوسف وكذا في فتاوى البديعية. ثم قال والتخليل إنما يكون بعد التثليث. وأما تخليل الأصابع فذكر في المحيط أنها إذا كانت مضمومة وتوضاً من الإناء. فتخليلها فرض. وإن كانت مفتوحة أو مضمومة لكن أدخل رجليه في الماء الجاري أو الحوض وترك التخليل جاز. وفي شرح بكر وركن الأئمة الصباغي أن التخليل قبل وصول الماء إليها فرض وبعده سنة. وقيل تخليل أصابع القدم فرض. وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يخلل أصابع رجليه بخنصر يده اليسرى من أسفل فكان مستحباً.
قال: وتكرار الغسل إلى الثلاث
لما روي في الحديث المشهور «أنه توضاً مرّة مرّة. وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. وتوضاً مرتين مرتين. وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين. وتوضأ ثلاثا ثلاثاً. وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم ال .. فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم» قيل زاد أو نقص لم يرا السنة في الثلاث. وقيل زاد على حدود الأعضاء أو نقص. وفي صلاة قاضي عماد المرّة الأولى فرض. والثانية والثالثة سنة. وذكر الحلواني أن الأولى فرض. والثانية فضل. والثالثة سنة. ولو توضأ مرّة مرّة لقلة الماء أو البرد أو الحاجة لا يكره ولا يأثم. وإلا فيأثم. وقيل إن اعتاده يكره. وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 19
لقوله صلى الله عليه وسلم» الأعمال بالنيات» أي شرفها وفضلها الوجود حقيقتها بدون النية. ولأن الماء مطهر في نفسه بالنص. فاستغني عن النية كالحقيقة. ولأنّ الذمي إذا اغتسلت فيما دون العشرة يحلّ وطئها بالإجماع. ولو شرطت النية لما جاز غسلها. لأنها ليست من أهل الية. وقال الشافعي النية شرط اعتباراً بالتيمم. وقال هما طهارتان فكيف يفترقان؟ ونحن نقول إزالة الحدث وإزالة الخبث طهارتان. فكيف يفترقان؟
قال: ويستوعب رأسه بالمسح
لحديث عائشة رضي الله عنها» أنه كان يستوعب رأسه بالمسح «
قال: ويرتب الوضوء
للنقل المتواتر أنه كان لا يترتب الوضوء. ولأن من علّم وضوء رسول الله كعثمان وعلي والبراء وغيرهم. علمه مرتباً ولهذا قال الشافعي أنه فرض ولنا حديث ابن عباس «أنه الان توضاً فغسل رجليه ثم مسح برأسه وفي حديث ميمونة» أنه صلى الله عليه وسلم نسي المسح وغسل رجليه ثم علم فمسح برأسه ولم يغسل رجليه «
قال: وبالميامن
لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كلّ شيئ حتى في تنعله وترجله
قال مولانا قد عدّ المصنّف هذه الثلاثة من المستحبّات وهي النية والترتيب واستيعاب الرأس بالمسح. وعدّها في المحيط وتحفة الفقهاء من جملة السنن. وهو الأصح لمواظبة النبي عليها. و لم يتركها إلا نادراً. وينبغي ينوي إسقاط الحدث أو استباحة الصلاة. وفي السهلي أو فعلاً لا صحة له بدون الطهارة. وكيفية الاستيعاب أن يضع أصابعه سوى إلماميه وسبابته محافياً كفيه. ويمدها إلى قفاه. ثم يمسح فوديه. وهما جانبا الرأس بكفيه. ويمسح ظاهر أذنيه بباطن إلهاميه وباطنهما بباطن مسبحتيه حتى ما سحاً يصير جميعه ببلل غير مستعمل. ويمسح رقبته وعنقه بظاهر كفيه. هكذا روت عائشة رضي الله عنها» مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم «وعن أبي حنيفة ومحمد أنه يبدأ من أعلى رأسه إلى جبهته. ثم إلى قفاه. وعن الصفار عكسه. ولا بأس بتكرار المسح للاستيعاب بماء واحد وبمياه مختلفة بدعة. وعند الشافعي سنة. لنا حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال «رأيت رسول الله توضاً مرّة مرّة. ورأيته توضاً مرتين مرتين. ورأيته توضاً ثلاثا ثلاثا وما رأيته مسح برأسه إلا مرة «
الجزء 1 · صفحة 20
قال مولانا قد عدّ المصنّف سنن الطهارة تسعاً والمستحبّات أربعاً. وعد السنن في صلاة الجلابي خمس عشرة وفي تحفة الفقهاء أحداً وعشرين بهذه الثلاث عشرة وثمانياً غيرها. وهي الاستنجاء
بالأحجار والاستنجاء بالماء وهو من سنن الصحابة كالتراويح والترتيب في المضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما وهي الغرغرة والجذب بخياشيمه. وقيل تحريك الماء ليصل إلى جوانبه. وقيل إكثاره ليصل إليها إلا حالة الصوم. والموالاة في الوضوء بأن لا يمكث قدر ما يجف فيه العضو المغسول. وهي فرض عند مالك والشافعي في القديم.
قال مولانا وفي الشفاء ذكر الحلواني أنه قال مشايخنا من جفف أعضاءه بالمنديل قبل غسل القدمين فلا يفعل ذلك. لأن فيه ترك الولا. ولا بأس بمسح بالمنديل. قالت عائشة رضي الله عنها» كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها إذا توضاً «وقيل مسح الأعضاء ينقض الوضوء. وبه بشر بن غياث المريسي. قال والبداية من رؤوس الأصابع على غسل اليدين والرجلين ومن مقدّم الرأس في المسح والمسح مرّة.
فصل في آداب الوضوء
وأما آدابه فذكرها في المحيط سبعة عشر:
1 - ترك الإسراف. - والتقتير. - - وكلام الناس. 4 - وذكر الشهادتين عند كل عضو إلا في المستراح 5 - واستقاء ماء الوضوء بنفسه. 6- والتوضئ بنفسه. وعن الوبري لا بأس بصب الخادم الماء على مولاه في الوضوء. وكان يصب الماء على النبي صلى الله عليه وسلم - والتبادر إلى ستر العورة بعد الاستنجاء. - والتأهب للصلاة قبل الوقت. ? ويقول بعد الفراغ سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله 10- ولا يمسح أعضاءه بخرقة مسح بها موضع الاستنجاء - ويستقبل القبلة في الوضوء بعد الاستنجاء. 12- ويقول - بعد فراغه أو في أثنائه اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين - وأن يشرب من فضل وضوءه مستقبل القبلة قائمًا. وخيره الحلواني بين الشرب قائماً وقاعداً. 14- ويصلي ركعتين" بعده. 15- ويملأ آنيته. 16- ويتوضأ بآنية الخزف. 17- ويتوقى التقاطر على الثياب.
فصل في نواقض الوضوء
الجزء 1 · صفحة 21
قال: والمعاني الناقضة للوضوء كلّ ما خرج من السبيلين والدم والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
الشرح: اعلم أن الخارج من بدن الآدمي الحي نوعان. " طاهر كالدمع والعرق والريق والمخاط. وإنه ليس بحدث بالإجماع. ونجس وإنه أربعة أنواع خارج من السبيلين معتاد كالبول والغائط وخارج منهما غير معتاد كدم الاستحاضة وخارج من غير السبيلين كثير وخارج منه قليل.
فالأوّل حدث بالإجماع. لقوله تعالى} أو جاء أحد منكم من الغائط {الآية. الله تعالى أمر بالتيمم إذا لم يجد الماء عند المس الذي هو كناية عن الجماع والمجيئ من الغائط الذي هو كناية عن" قضاء الحاجة المعتاد" بالنقل عن أئمة التفسير والأمر بالتيمم عنده آية كونه عنده آية كونه حدثاً. وقوله صلى الله عليه وسلم» لا وضوء إلا من حدث. فقيل له وما الحدث يا رسول الله؟ فقال: الخارج من السبيلين «
وأما الثاني فهو حدث عند الكل إلا عند مالك فدم الاستحاضة عنده ليس بحدث لما تلونا من الآية. وحجة الباقين ما روينا من الحديث وحديث ابن عمر «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وفي رواية ابن مسعود تتوضأ لوقت كل صلاة «.
وأما الثالث فهو حدث عندنا خلافاً للشافعي لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم» من قاء أو رغف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليين على صلاته ما لم يتكلم». وقوله «الوضوء من كلّ دم سائل» ومذهبنا العبادلة والعشرة المبشرة بالجنة.
وأما الرابع فهو حدث عند زفر كالحكمي والخارج من السبيلين خلافاً للباقين. لأن الواقف والظاهر في السبيلين منتقل من معدته وهو المعدة والأمعاء وفي القروح والفصد والحجامة كائن في معدته. لأنّ تحت كلّ جلدة انشفت دماً رطوبة. والنجاسة متى كانت في معدتها لا تظهر" حكمها كالحيوانات والبيضة المذرة وإسقاط اعتبار القيئ القليل والجشاء المنتن دفعاً للحرج الغالب. فالحاصل أن الخارج من الدبر ناقص عندنا" معتاداً؛ أو غير معتاد عيناً أو ريحاً حيوانا أو جمادا.
وأما الخارج المعتاد من قبل المرأة أو ذكر الرجل فحدث بالإجماع.
وأما غير المعتاد كالريح فذكر في البحر المحيط عن محمد أنها حدث وبه البعض. وقال عامة
الجزء 1 · صفحة 22
المشايخ ليس بحدث. وفي المفضلة قال الكرخي يستحب الوضوء. وقال أبو حفص الكبير يجب. وهو رواية هشام عن محمد. وقيل يجب في المنتنة دون غيرها. وفي النظم والدودة الخارجة من القبل على هذه الأقاويل. وفي القدوري هي حدث. ثم عين الريح التي هي حدث طاهر عند عامة المشايخ حتى لو أصابت السراويل المبتلة لا يتنجس. وقيل يتنجس.
قال مولانا وفائدة قول المصنف في الدم والقيح فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير يعني في الوضوء أو الغسل تطهير في ثلاث مسائل. إحديها ما ذكر ركن الأئمة الصباغي في شرحه لهذا الكتاب إذا غرز جانب العين فسال منه الدم إلى الجانب الآخر لا ينقض وثانيتها في بط نزول الدم من الرأس إلى الأنف فسد الأنف لا ينقض ما لم يبلغ مارن الأنف. وثالثتها في شرح خواهرزاده إذا تورم رأس الجرح فظهر به قيح أو نحوه لا ينقض ما لم يجاوز الوَرَمَ لأَنه لا يجب غسل موضع الورم.
قال مولانا والدم والقيح والصديد وماء الجرح والنفطة وماء السرّة والعين والثدي والأذن لعلة سواء على الأصح. وقولهم والعين والأذن لعلة دليل على أن من رمدت عينه فسال منها ماء بسبب الرمد ينتقض وضوءه. وهذه مسئلة مهمّة والناس عنها غافلون. وعن الحسن أن ماء النفطة لا ينقض. قال الحلواني وفيه توسعة لمن به جَرَبِّ أو جُدَرِيّ أو مَجَلَتْ يده. والدم إذا أخذ من غَرز الابرة أو قطع السكين أكثر من النقبة حدث على الأصح. وذكر الحسن فيه عن محمد أنه ينقض. وعن أبي يوسف أنه لا ينقض. وبه السرخسي. وفي شرح الجامع الصغير للهندواني وإن سيّل الخارج من غير السبيلين لا ينقض. لأنه ليس بسائل. وفي الدم المختلط بالبزاق يعتبر الغالب. وعند الاستواء حدث استحساناً. وإن مسح الواقف على الجرح إن أتحد المجلس وهو بحال لو ترك لسال نقض. وإلا فلا. ثم ما ليس بحدث لقلته فهو نجس عند محمد طاهر عند أبي يوسف.
قال: والقيئ إذا ملأ
لحديث عائشة رضي الله عنها. وملأ الفم ما يعجزه عن الإمساك. وقيل عن الكلام. وقيل عن تغطية الفم. وقيل نصف الفم. وقيل ما جاوزه. والأصح هو ما لا يمكنه الإمساك إلا بكلفة. ثم ذلك اللقيء إن كان بلغماً نزل من الرأس أو صعد من الجوف لا ينقض. وقال أبو يوسف الصاعد حدث. وإن كان صفراً أو سوداً أو طعاماً أو ماءً ملأ الفم نقض. وعن الحسن أن يتناول طعاماً أو ماء ثم قاء من
الجزء 1 · صفحة 23
ساعته لا ينقض. لأنه طاهر. وكذا الصبي إذا ارتضع ثم قاء من ساعته. قال ركن الأئمة الصباغي هو المختار. وإن قاء دماً سائلا نازلا أو صاعداً نقض. وقال محمد الصاعد لا ينقض ما لم يملأ الفم. وعن أبي حنيفة يعتبر في المنعقد ملأ الفم. لأنه صفراً أو سوداً محمد. وفي صلاة المحسن وإن قاء شيئين مختلفين دماً وطعاماً أو دماً وبلغماً ملأ الفم فالعبرة للغالب. وإن استويا يعتبر كلّ واحد على حدة. وقال بكر إن غلب الطعام وهوا لو انفرد كان ملأ الفم نقض. وإلا فلا. وعن أبي نصر ماء فم النائم نزل من الرأس أو تجلب من اللهوات طاهر وإن صعد من الجوف بأن كان أصفر أو مُنتِنا فكالقيء وعن أبي الليث هو كالبلغم لأنه متجلب منه وعن أبي حنيفة من قاء طعاماً أو ماءً فأصاب إنساناً شبر في شبر لا يمنع قال المحسن الأصح أنه لا يمنع ما لم يفحش.
قال: والنوم مضطجعاً أو متكناً أو مستنداً إلى شيئ لو أزيل عنه لسقط.
لحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم» لا وصوء على من نام قائما أو قاعدا إنما الوضوء على من نام مضطجعا «فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله نص النبي: اليلي يا علي الحكم أشار إلى العلة وهو استرخاء وكالحدث. وإنه سبب لخروج الريح الريح غالبا. والغالب كالواقع. واعلم أن النوم أربعة أنواع. نوم المضطجع. وهو حدث بالإجماع إلا نوم المصلّي المضطجع عند البعض. ونوم المصلّي قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو ساجداً وأن ليس بحدث. ط وفي سجود المرأة أو الرجل إذا لصق بطنه بفخذيه اختلاف المشايخ. وفي زاد الفقهاء والأصح أن حالة الصلاة وغيرها فيها سواء. ونوم الجالس المستند إلى شيئ لو أزيل لسقط. ففي صلاة الجلابي أنه لا ينقض في الصحيح من الروايتين عن أبي حنيفة. ونوم الجالس إذا سقط على الأرض أو عضو منه فانتبه ذكر في بحر " المحيط ظاهر الجواب عند أبي حنيفة أنه إن انتبه قبل أن تزايل مقعده الأرض لا ينقض. وروى الحسن عنه إن انتبه حين يضع جنبه على الأرض لا ينقض. وعند أبي يوسف لا ينتقض حتى يستقر نائماً على الأرض بعد السقوط. قال أستاذنا وذكر السرخسي خلافه. فقال فإن نام قاعداً فسقط. فعند أبي حنيفة إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض. وعن أبي يوسف تنقضه حين سقط. وعن محمد إن زايل مقعده الأرض. وفي أمالي قاضي خان نام جالسا وهو يتمايل فيزول مقعده عن الأرض. قال الحلواني ظاهر المذهب أنه ليس بحدث والنوم متوركاً كالنوم جالساً يتمايل. قال مولانا ولم يفصل بين النوم القليل والكثير. وذكر الحلواني ولا ذكر للنعاس مضطجعاً. والظاهر أنه ليس بحدث لأنه نوم قليل. وأبو علي الدقاق وأبو علي الرازي قالا إن كان لا يفهم عامة ما يقال حوله كان حدثاً. وإن كان بسهو عن حرف أو حرفين فلا. وسجدة التلاوة
الجزء 1 · صفحة 24
كالصلبية. وكذا سجدة الشكر عند محمد خلافاً لأبي حنيفة. وفي النوم في سجود السهو اختلاف" المشايخ. وعند الشافعي جميع أنواع النوم حدث إلا جالساً مستوياً.
الشرح في المغرب الإغماء ضعف القوي لغلبة الداء. وعند الأطباء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ. وعند المتكلمين الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء والجنون زوال العقل وفساده. بط وعن بدر الأئمة القلانسي المتطيب أن الإغماء ذهاب الحركة والحس وبطلان الأفعال بسبب امتلاء بطون الدماغ من البلغم الغليظ البارد والغشي مثله بسبب انحلال القوي التي في القلب. ولا تعلّق له بالدماغ. قال مولانا فالحاصل أن العقل يزول بالجنون دون الإغماء. ولهذا جاز الإغماء بالأنبياء دون الجنون. فلهذا قال القدوري والغلبة على العقل بالإغماء والجنون بالرفع والجر خطأ. لأنّ العقل في الإغماء يكون مغلوباً. وفي الجنون مسلوباً. قال في الكفاية وغيره وإنما كان الإغماء والغشي والجنون حدثاً لزوال التحفظ والمسكة. وفيه قليل الإغماء والجنون ناقض. لأنه فوق النوم مضطجعاً. وأما القهقهة فحدث عندنا خلافاً للشافعي كالتبسم وسائر المعاصي. ولنا حديث خالد الجهني «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فدخل في المسجد أعمى فتردى في بئر فضحك بعض من خلفه فقال ل من ضحك منكم فليعد الوضوء والصلاة «وروي ضحك قهقهة. وروي قرقرة. وقول القدوري في كل صلاة ذات ركوع وسجود احتراز عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة فإن القهقهة تبطلهما ولا ينقض الوضوء. لأنّ الخبر ورد في صلاة كاملة فلا يلحق بها ما دونها. ثم اعلم أن هذا الجنس ثلاثة أنواع: تبسم وهو ما يبدو به أسنانه من غير صوت وإنه لا ينقض الصلاة والوضوء. وضحك وهو ما يكون مسموعاً له فحسب وإنه يبطل الصلاة دون الوضوء. وقهقهة وهو ما يكون مسموعاً له ولجيرانه وإنها ثلاثة أنواع. قهقهة تبطل الصلاة دون الوضوء كقهقهة النائم في صلاته والساهي عنها أيضاً في إحدى الروايتين. وقهقهة تبطل الوضوء دون الصلاة كالقهقهة بعد التشهد الأخير قبل السلام. وفي سائرهما تبطلهما جميعاً. وفي جمع نجم الأئمة البخاري وقهقهة الصبي في الصلاة لا ينقض الوضوء. وعن سلمة وشداد تبطل الوضوء دون الصلاة. وعن أبي القاسم تبطلهما. طا المغتسل من جنابة قهقه في صلاته بطلت صلاته دون طهارته. فله أن يصلي من غير وضوء. وقيل تبطل طهارة الأعضاء. وفي قهقهة الساهي عن الصلاة والباني في الطريق بعد الوضوء روايتان. ولو نسي الباني المسح ثم قهقه قبل القيام إلى الصلاة نقض الوضوء وبعده لا ينقض لبطلان الصلاة بالقيام وإنه من مسائل الامتحان قال مولانا وقد
الجزء 1 · صفحة 25
ترك من النواقض السكر. وإنه حدث إذا دخل في مشيه تمايل. وهو الأصح. والملامسة الفاحشة وهو أن يمس فرجه فرج امرأته منتشراً بلا حائل. وإنه حدث استحساناً عندهما خلافاً لمحمد. وعند الشافعي المرأة ومس الذكر حدث. وقوله لا وضوء إلا من حدث أو ريح وحديث عائشة رضي الله عنها ينفي ذلك.
باب الغسل
فصل في فرائض الغسل.
قال: وفرض الغسل المضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن.
لقوله تعالى} وإن كنتم جنبا فاطهروا {أمر بالتطهير على وجه المبالغة. وقد أمكن بالمضمضة والاستنشاق فيجب وقد مر الخلاف فيهما.
فصل في سنن الغسل
قال: وسنة الغسل أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً. ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه
هكذا حكت ميمونة غسل النبي: اعلم أن ههنا خمس مسائل مبهمة. لا بد من تفصيلها. وهي كيفية غسل اليدين والمسح بالرأس وغسل الرجلين وكيفية إفاضتها الماء على الرأس وسائر البدن. فالسنة في غسل اليدين إلى الرسغ. ولا يمسح برأسه في رواية الحسن والصحيح أنه يمسح وقدم النبي صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في الغسل في رواية عائشة رضي الله عنها. وأخرهما في رواية ميمونة رضي الله عنها. وأكثر المشايخ أخذوا برواية ميمونة والأصح أنه إن لم يكن في مستنقع الماء يقدم. وهو التوفيق بين الروايتين.
وأما كيفية الإفاضة قال الحلواني في النوادر يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً
الجزء 1 · صفحة 26
ثم على رأسه وسائر جسده ثلاثاً. وفي بعضها يبدأ بالأيمن ثلاثاً ثم بالرأس ثم بالأيسر. وقيل يبدأ بالرأس كما أشار إليه في المتن. والأوّل أصح. ولذلك في الغسل ليس بشرط وشرط مالك وأبو يوسف في الأمالي. وتحريك القرط الضيق والخاتم الضيق ليصل الماء إليه. وإن لم يكن فيه قرط لا يتكلف إيصال لماء إليه إلا إذا دخل الماء النقبة عند المرور. ويدخل أصبعيه في سُرِّته والماء في قلفته. وإن ترك جاز. وفي النوازل لا يجزيه. ويجب غسل الفرج الخارج كالقلفة والفم عند أبي يوسف وإحدى الروايتين عن محمد. وعنه لا يجب كالقصبة أي كقصبة الذكر. وعن أبي القاسم الصفار لا يجب عليها إدخال الأصبع في قبلها. وبه يفتي. وفي شرح الصلاة لأبي ذرّ إذا انغمس الماء الجاري جاز وترك السنة. وإن مكث فيه ساعة يسع الوضوء والغسل. فقد أكمل السنة. وشرب الماء عبا يغني المضمضة ومصاً لا. وقيل شرب الجاهل أو القروي يغني. لأنه يعبه بخلاف العالم والمصري. وعن أبي يوسف لا يجزيه ما لم يمجه. ولو كان سنه محوفاً فبقي فيه أو بين أسنانه طعام أو دَرَةٌ رَطْب في أنفه ثمّ غسله على الأصح لم يصح." والدرن اليابس في الأنف والخبز الممضوغ والعجين وجلد السمك يمنع تمام الغسل. ودون الأظفار لا يمنع.
قال: وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر. لحديث أم سلمة لا أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم» إنِّي امرأة أشُدُّ ضَفْرَ رأسي أفأنْقُضها إذا اغتسلت؟ فقال يكفيك أن تحثى الماء على رأسكِ وعلى سائر جسدكِ ثلاث حَشَيات» وفي وجوب إيصال الماء إلى شُعَب عِقاصها اختلاف المشايخ. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها ذوائبها ثلاثا مع كل بلةٍ عَصرةٌ ليبلغ الماء شُعَبَ قُرونها. كذا ورد في حديث أم سليم. وعنه أنه لا يجب دفعاً للحرج بخلاف اللحية وشعر الرجال. وعن الفقيه أبي جعفر إذا كانت ذوائبها منقوضة يجب إيصال الماء إليه. وفي وجوب نقض ضفائر الرجال اختلاف الروايات والمشايخ. وذكر البزدوي والصدر الشهيد إن غسل ظاهر المرسل من ذوائبها موضوع. وفي صلاة البقالي الصحيح أنه يجب غسل الذوائب وإن جاوزت القدمين.
فصل في موجبات الغسل
قال: والمعاني الموجبة للغسل إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة والتقاء الختانين من غير إنزال والحيض والنفاس.
الشرح؛ في المغرب دفق الماء صبّه صباً فيه دفع وشدة. وعن الليث أنه لازم. والمني خائر أبيض
الجزء 1 · صفحة 27
يفتر بخروجه الذكر. اعلم أن الأسباب الموجبة للغسل خمسة: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة سواء كان بجماع أو لمس أو تقبيل أو نظر أو فكر لقوله ل «الماء من الماء» أي الغسل من المني. ولو انفصل عند الضربة أو السقطة أو حمل الثقيل أو سلس المني من غير شهوة لا غسل عليه عندنا خلافاً للشافعي. وفي النظم وهو قول محمد وزفر للحديث الذي مرّ. ولنا ما روى «أن أمّ سُلَيم قالت يا رسول الله المرأة يجامعها زوجها في المنام هل تغتسل قال هل تجد لذة؟ قالت نعم. قال عليها الاغتسال إذا وجدت الماء بين أن اللذة والماء شرط. ثم العبرة للشهوة عند انفصال المني عن عندهما. وعند أبي يوسف عند الخروج. وثمرة الخلاف تظهر في خمس مسائل: استمنى بكفه أو جامع امرأته فيما دون الفرج أو احتلم. فلما انفصل المني عن مكانه أخذ بإحليله حتى سكنت شهوته. ثم خرج المني فعليه الغسل عندهما خلافاً له. والرابعة إذا اغتسل بعد الجماع قبل البول أو النوم ثم أمنى يغتسل عندهما خلافاً له. تح شم ولو أمنى بعد البول أو النوم لا غسل عليه إلا بالإجماع. والخامسة رأى المستيقظ بفخذه أو ثوبه بللاً ولا يذكر الاحتلام وإن تيقن أنه مذي أو وديّ لا غسل عليه. فإن تيقن أنه مني يجب. وإن شك أنه مني أو مذي يغتسل عندهما خلافاً له لاحتمال أن يخرج لا عن شهوة. وفي نوادر هشام عن محمد إن كان ذكره منتشراً قبل النوم لا يجب. وإلا فيجب قال الحلواني هذه مسئلة تكثر وقوعها والناس عنها غافلون. فإن تذكر الاحتلام ولذة الإنزال ولم ير بللاً لا يجب الغسل. وعن محمد في المرأة يجب. وفي ظاهر الرواية لا يجب. لأن خروج منيها إلى فرجها الخارج شرط لوجود الغسل عليها. وعليه الفتوى. وإذا وجد الزوجان شيئاً بينهما ولا يذكران الاحتلام. قال محمد بن الفضل تجب عليهما الغسل. وقيل إن كان غليظاً أبيض فمن الرجل. وإن كان رقيقاً أصفر فمنها. وقيل إن وقع طولاً فمن الرجل. وإلا فمنها.
وأما التقاء الختانين من غير إنزال فتوارى الحشفة في إحدى سبيلي الآدمي الحي هو السبب. والتقاء الختانين ليس بشرط ولا سبب حتى لو التقيا ولم يتوار الحشفة لا يجب لو توارت بدون التقائهما
كما لو أولج في الدبر فعليهما الغسل إنزلا أو لم يُترلا لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فعليهما الغسل أنزلا أو لم ينزلا. «ولو أولج في امرأة ميتة أو بهيمة أو صغيرة لا تجامع لم يجب. والثالث الاحتلام. وقد مرّ. وأما الحيض والنفاس فسيأتيان في بابهما إن شاء الله تعالى.
فصل في الأغسال المسنونة
الجزء 1 · صفحة 28
قال: وسنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين والإحرام.
اعلم أن الغسل أحد عشر نوعاً: خمسة فرض. من الإنزال عن دفق وشهوة وتوارى الحشفة والاحتلام والحيض والنفاس وأربعة سنة. وهو ما ذكر في المتن وغسل يوم الجمعة للصلاة عند أبي يوسف. وعند الحسن لليوم حتى لو اغتسل بعد الفجر. ثمّ أحدث وصلى الجمعة بالوضوء أو اغتسل بعد الجمعة يكون مستنا عنده خلافاً لأبي يوسف. وفي صلاة الجلابي أي وقت اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة جاز. أي استنّ بالسنة الحصول المقصود وهو قطع الرائحة. جن ولو أتفق يوم الجمعة العيد وجامع ثمّ يوم اغتسل ينوب عن الكل. وواحد واجب. وهو غسل الميت. وواحد مستحب. وهو غسل الكافر إذا أسلم. هذا إذا لم يكن جنباً. وفي الجنب يجب في ظاهر الرواية.
قال أستاذنا فخر الأئمة البديع وقول من قال لا يجب. لأنّ الكفار لا يخاطبون بالشرائع غير شديد. فإن سبب الغسل إرادة الصلاة وزمان إرادتها مسلم. ولأن صفة الجنابة مستدامة بعد الإسلام. فيعطى لها حكم الإنشاء حتى لو انقطع دم الكافرة ثم أسلمت لا غسل عليها لتعذر استدامة الانقطاع. وفي تحفة الفقهاء ويستحب غسل الصبي والمجنون عند البلوغ والإفاقة. ويسنّ غسل يوم عرفة. وفي أمالي قاضي خان الصبية إذا بلغت بالحيض فعليها الغسل أي بعد الانقطاع. وفي الصبي إذا بلغ بالاحتلام اختلاف المشايخ. والأصح هو الوجوب.
قال: وليس في المذي والوديّ غسل وفيهما الوضوء.
والمذي ماء رقيق يخرج عند الشهوة والودي ماء أبيض يخرج بعد البول. أما المذي فلحديث المقداد بن الأسود «إن النبي الله أوجب الوضوء في المذي، وأما الودي فلأنه من توابع البول. فإن قيل لما وجب الوضوء بالبول؟ فما فائدة وجوبه بالودي؟ قلنا الجواب عنه من وجوه.
أحدها: ما ذكره الحلواني أن المراد به نفي الاغتسال.
وثانيها: أن وجوب الوضوء بالبول لا ينافي وجوبه بالودي. فقد ذكر الحلواني أن من بال ثم بال ثم بال يجب الوضوء لكل مرّة. ويقع الوضوء الواحد للكل بدليل أن من حلف لا يتوضأ من الرعاف قبال ثم رعف وتوضاً حنث. وكذا لو حلف لا يغتسل من فلانة فجامع غيرها ثم جامعها ثم اغتسل يحنث.
وثالثها: إن فائدته تظهر فيمن به سلس البول إذا أودي في الوقت يتوضأ.
الجزء 1 · صفحة 29
ورابعها: أن الإشكال أنما يرد على هذا التفسير. فأما على ما فسره في خزانة الفقه وكتاب الحصال ونظم الزَنْدَوستي أن الودي أن يجامع ثم يبول ويغتسل ثم خرج منه شيئ لزج فهو الودي. فلا يرد الإشكال أصلاً. وهذا كلام حسن يجب حفظه. فإن قلت لما علم وجوب الوضوء بقوله" والمعاني الناقضة للوضوء كلّ ما خرج من السبيلين والمذي والودي قد خرجا منه. فما فائدة قوله وفيهما الوضوء؟ قال مولانا فيه احتراز عن مذهب مالك. فإنه لا يجب الوضوء عنده فيهما.
باب المياه
فصل في الماء الذي يُتطهر به
قال: والطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار. لقوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا والطهور وهو الذي تطهر غيره وقال «الماء طهور. لا ينجسه شيئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه «
فصل في ما لا يتطهر به
قال: ولا يجوز بماء اعتصر من الشجر والثمر ولا بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن؛ طبع الماء كالأشربة والخلّ وماء الباقلاء والمرق وماء الزردج.
في المغرب ماء الزردج ما يخرج من العصفُر المنقوع فتُطرح ولا يصبغ به. والدليل عليه أن الله تعالى أمر بالتيمم عند عدم ماء مطلق فقال فلم تجدوا ماء فتيمموا ولو جاز الوضوء بغيره لما أمر بالتيمم. وهذه المياه ليست مطلقة. لأنّ مطلق الشيئ ما يتبادر إليه الأفهام عند ذكره. والأفهام لا يتبادر إلى هذه المياه عند ذكر الماء. والمراد بماء الباقلى ما طبخ فيه حتى حثرا وغلظ.
قال: وتجوز الطهارة بماء خالطه شيئ طاهر فغيّر أحد أوصافه كماء المد والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران.
أما ماء المد والزعفران فلأن الكدورة والزعفران القليل لا يسلبان اسم الماء ومعناه. وأما الأشنان والصابون فلأنهما يزيدان في التطهير. فلا يمنعانه إلا إذا غلظ الماء بهذه الأشياء بحيث لا يمكن تسييله على العضو. فحينئذ لايجوز. وقول المصنّف فغيّر أحد أوصافه لا يفيد التقييد به حتى لو غير الأوصاف الثلاثة بالأشنان أو الصابون أو الزعفران أو الأوراق أو المكث ولم يسلب اسم الماء عنه ولامعناه فإنه يجوز التوضئ بها. وفي زاد الفقهاء الماء المغلوب بالخلط الطاهر ملحق بالماء المقيّد غير أنه
الجزء 1 · صفحة 30
يعتبر الغلبة أولا من حيث اللون ثم من حيث الطعم ثم من حيث الأجزاء. فإن كان لونه يخالف لون الماء كاللبن والعصير والخل وماء الزعفران فالعبرة للون. فإن غلب لون الماء يجوز. وإلا فلا. وإن توافقا لوناً لكن تخالفا طعماً كماء البطيخ والأشجار والثمار والأنبذة فالعبرة للطعم. إن غلب طعم الماء يجوز. وإلا فلا. وإن توافقا لوناً وطعماً كماء الكرم فالعبرة للأجزاء. ويجوز التوضئ بماء الكرم أي بما يتقاطر عند قطعه.
فصل في حكم الماء الذي وقعت فيه نجاسة
قال: وكل ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به قليلاً كان أو كثيراً. لأن النبي الأمر بحفظ الماء عن النجاسة فقال «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة. إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً. فإنه لا يدري أين باتت يده؟ «
الحديث أفاد حرمة البول والاغتسال في الماء الدائم. والظاهر أنه أراد به الماء القليل. فإن الاغتسال في الغدران والحياض الكبار والبحار يجوز بالإجماع. وأما البول فيه فمكروه قليلاً كان أو كثيراً دائماً أو جارياً. وفي الحسن البول في الماء الجاري مكروه. لأن أبا حنيفة سماه جاهلاً. فإن قيل قول المصنف قليلا كان أو كثيراً. إن كان وصفاً للماء فالكثير من الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه كالغدران والحياض الكبار والبحار. وإن كان وصفاً للنجاسة فلا بدّ من تاء التأنيث في القليل أو الكثير. لأنه فعيل بمعنى فاعل. قلنا هو صفة للماء. لكن نفى جواز الوضوء بالمحل والجانب الذي وقعت فيه النجاسة. ولمشايخنا في هذه المسئلة قولان إن الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة هل يجوز التوضئ من جانب الوقوع؟ ففي أكثر روايات الحسن عن أبي حنيفة وروايات بشر عن أبي يوسف أنه يجوز. وفي ظاهر الأصول لا يجوز. وهو اختيار المصنّف على ما أشار إليه في مسئلة الغدير. والثاني أن مراده بهذا الماء الماء الذي ليس بحكمي كماء الابار ونحوها. ولهذا ذكر بعده الماء الجاري. ثم الغدير العظيم.
قال: وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر لأنها لا تستقر مع جريان الماء.
والجاري ما بعده الناس جارياً. هو ما يطيق حمل شيئ وإن قل. وقيل ما يذهب بتبنَةٍ. وقيل ما لا يمتنع جريه بعض يده. ولو شد فم النهر فتوضأ فيما بقي جريه تحته جاز. ولو اعترض النهر جيفة فإن لاقاها أكثر الماء أو نصفه فهو نجس وإلا فطاهر. وعلى هذا ماء المطر إذا كانت العذرات عند الميزاب أو
الجزء 1 · صفحة 31
في السطح أو في الطرقات والأفنية. وفي الصغرى كلب ميت سدّ عرض الساقية فجرى الماء عليه لا بأس بالتوضئ تحته. وفي الطحاوي خلافه الكبرى ماء الثلج جرى على طريق فيها نجاسات. إن لم ير أثرها فيه يتوضأ منه. لأنه في معني الماء الجاري. وإذا توضاً في الماء الضعيف جريه ووجهه إلى مورد الماء يجوز. وإلا فلا حتى يمكث بين كل غرفتين قدرما يذهب الغسالة.
قال: والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر. إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر. لأنّ الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه.
قال مولانا واختلف في حدّ الحوض الكبير فعن محمد عشر في عشر. وعن أبي يوسف ثمانية في ثمانية. وعن أحمد بن حرب سبعة في سبعة والمعتبر ذراع الكرباس. هو المختار. وهو سبع قبضات ليس فوق كلّ قبضة أصبع قائمة وقيل اثني عشر في اثنى عشر. وعن أبي حنيفة ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر. قيل يعتبر التحريك بالاغتسال. وقيل بغرف المتوضئ. وقيل بغمس المغتسل. قالا حلواني والتحريك أن ينخفض ويرتفع من غير مدة ويتكدر الماء. أما إذا تراكمت الحباب وطال حتى تحرك الجانب الآخر فليس بشيئ. ومن قدر المربع بالدرعان قدر دور المدوّر بثمانية وأربعين ذراعاً. وقيل بأربعة وأربعين. وعند الحساب إذا كان دوره ستة وثلاثون ذراعاً يكون مساحته مائة ذراع.
قال أستاذنا والأوّل أحوط وأليق بالفقه ويعتبر العمق. فإن انحسر أسفله برفع الماء ثم اتصل فليس بحكمي. وعن البزدوي ما يبلغ الكعب حكمي. وقيل شبر. وقيل ذراع. واختلفت الروايات والمشايخ في الوضوء من جانب الوقوع والفتوى على الجواز من جميع الجوانب. وأصح حده ما لا يخلص بعض الماء إلى البعض بظن المبتلى واجتهاده. ولا يناظر المجتهد فيه جمع العلوم له طولة وغرضه ذراعان ينجس من أعلاه عشر عند الكرخي. ومن أسفله عشر ونحوه عن أبي يوسف وبخلافه عن أبي سليمان وأبي بكر. ويتوضأ في أحد طرفيه. وفي شرح صدر القضاة البئر إذا لم يكن عريضاً وعمق مائها عشرة لا يحكم بنجاستها في الأصح من الأقوال. ينجس ماء الحوض الكبير فدخل فيه ماء طاهر حتى كثر فهو نجس. وقيل يطهر إذا خرج منه شيئ وإن قلّ. وقيل إذا خرج مثله. وقيل ثلثه أمثاله. وقيل طاهر وإن لم يخرج. قال أبو يوسف الترجماني وبه يفتي. ولو انبسط حتى صار حكمياً ثم اتصل بالنجس فهو طاهر. والمعتبر حال وقوع النجاسة في الماء. ولا يتغير حكمه بالانبساط والاجتماع جمع العلوم
الجزء 1 · صفحة 32
اغترف الماء من النهر بالكوز فدخل فيه بعرة أو بعرتان ينجس عند البعض حوض الحمام بمنزلة الماء الجاري عند أبي يوسف. قيل على الإطلاق. والأصح أنه إن كان يدخل الماء من الأنبوب والغُرف الغرف متدارك.؛ فهو كالجاري.
وأن تنجس حوض الحمام فدخل فيه ماء حتى خرج مثله طهر. وقيل ثلاثة أمثاله.
وإن خاص ماء الحمام يجب غسل قدميه. وقيل لا يجب والأصح إن علم في الحمام جنباً وإلا فلا. والأول أحوط جمع التفاريق. والمروي عن أبي يوسف في المياه أنه لا يتنجس شيئ إلا بظهور أثر النجاسة فيه طعم أو ريح. وعن محمد أنه قال أجمع رأيي ورأي أبي يوسف على أن البئر لا ينجس كالماء الجاري. حوض صغير يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من آخر يجوز التوضئ فيه إن كان أربعاً في أربع. وإن زاد لم يجز. وفي الصغرى يفتي بالجواز مطلقاً. لأنه جار توضأ في أرض فيها زرع متصل أو حوض فيه طحلب متصل أو قطع جمد أو خشب. إن كان يتحرك بتحرك الماء بتحريكه يجوز. وإلا فلا.
قال: وموت ما ليس له دم سائل في الماء لا ينجسه كالبق والذباب والزنابير والعقارب
خلافا للشافعي لقوله تعالى} حرمت عليكم الميتة {ولنا حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «أيما طعام أو شراب مات فيه ما ليس له نفس سائلة فهو الحلال أكله وشربه والتوضئ منه» ولأن الحيوان أنما ينجس بالموت لما فيه من الدماء بدليل أن الأنعام إذا ذبحها المجوسي أو الوثني أو ترك المسلم التسمية عمداً يطهر في الأصح وإن لم يؤكل. فلما لم يكن لها دم لا يتنجس بالموت كالزروع والأشجار بالقطع.
قال مولانا قال وفي البق في صلاة البقالي تفصيل حسن أنه إن كان مص الدم لم ينجسه عند يوسف. لأنه دم مستعار وعند محمد ينجسه والخلاف في جمع التفاريق على عكسه. والأصح في العلق إذا مص الدم أنه يفسد الماء. قال مولانا زاد سمه ومن هذا يُعرف حكمُ القُراد والحلم.
قال: وموت ما يعيش في الماء لا يفسده كالسمك والصِّفَدَع والسرطان.
وعن أبي يوسف إن مات حية عظيمة مائية أو سمك في الماء أفسده. لأن لها دماً سائلاً. ولنا أن لأن السمك يؤكل كما هو. ولو كان دماً يحرم أكله قبل إراقته بالنص. ولأنه يبيض ذلك ليس بدم. ولأنه
الجزء 1 · صفحة 33
يبيض بالتشميس والدم يسود والثاني أن الماء معدنهما فلا يطهر فيه حكم النجاسة وفي التمرتاشي ولو ماتت في الخل والعصير والمرق ونحوها. فمن اعتبر الدم لم يفسده. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة وهشام عن محمد. ومن اعتبر المعدن ينجسه. وهو رواية عن أبي يوسف وفي البقالي إشارة إلى أن أبا حنيفة اعتبر المعدن. وهما اعتبر الدم السائل وعن الحسن وأما الضفدع والسمك والسرطان والسلحفاة ونحوها مما يعيش في الماء فموته فيه لا يفسده. وإن سال من دمه لم ينجسه. وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف أيضاً إلا في دمه والضفدع البري كالبحري. والصحيح عن أبي حنيفة في موت طير الماء فيه أنه لا ينجسه." وقيل إن كان يفرّح في الماء لا يفسده وإلا فيفسده ويفسد غير الماء باتفاق الروايات. وفي الكلب المائي اختلاف المشايخ جع والعائش في الماء هو الذي لا يعيش إلا في الماء.
فصل في حكم الماء المستعمل
قال: والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث والمستعمل كلّ ماء أزيل به حدث أو استعمل على وجه القربة.
وهنا ثلاثة فصول. لا بد من معرفتها. فصل في الماء المستعمل. وفصل في وقته. وفصل في حكمه. فأما الماء المستعمل. بف قال أبو بكر الرازي الماء عند أبي يوسف يصير مستعملاً بإقامة القربة أو برفع الحدث به. وعند محمد باستعماله قربة لا غير استدلالاً بمسئلة الجنب نزل بئراً لطلب الدلو. قال أبو يوسف الماء بحاله والرجل بحاله. وقال محمد هما طاهران لأبي يوسف لو حكمت بطهارة النازل لحكمت باستعمال الماء والصار مغتسلا والماء أفاد الطهارة.
قال مولانا وهو الدور. لأنّ الحكم بالطهارة حكم بعدم الطهارة. وقال محمد ما لم ينو التقرب لا مستعملاً. والنيّة ليست بشرط لزوال الحدث فيزول ولهذا الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وتطهر يده. قال أبو عبد الله الجرجاني لا خلاف أن إزالة الحدث توجب استعمال الماء.
ومسئلة يد الجنب للضرورة لا لعدم القربة. ولهذا لو أدخل رجله في الإناء يصير مستعملاً. قال شمس الأئمة البيهقي والصحيح ما ذكره أبو بكر. فإنه روي عن محمد في الجنب إذا أخذ الماء بفمه و لم يرد به المضمضة أن الوضوء به جائز خلافاً لأبي يوسف. والأصح أن قول أبي حنيفة مع أبي يوسف دون محمد. وجه أبي يوسف أن الله تعالى أمر المحدث والجنب بالتطهير والتطهير أنما يكون عن نجاسة. فإذا حصلت الطهارة انتقلت النجاسة إليه. فصار مستعملاً. وجه قول محمد أن الماء والأعضاء طاهرة. فلا
الجزء 1 · صفحة 34
يتغير وصف الطهارة إلا بالمغير. والقربة تغير وصف ما أقيم به القربة لتدنسه بذنوب المتقرب لهذا المعنى. سم رسول الله صلى الله عليه وسلم «الزكاة غسالة الناس» فيتوقف التغير على قصد القربة ضرورة. وعن أبي يوسف أنهما نحسان وهو قول أبي حنيفة والأصح أن الرجل نجس للجنابة لصيرورة الماء مستعملاً بأول الملاقاة. وفي الشفا جنب أدخل يده في جب ماء للتبرد أفسده وإن أدخلها ليعرف حرارته أو برودته لم يفسده. ولو أدخلها للغرف لم يفسده اتفاقاً للضرورة. ولو أدخل رجله أو عضواً آخر غير اليد صار مستعملاً. وفيما دون العضو لا وإن أراد غسله.
ولو غسل عضواً سوى أعضاء الوضوء متقربا صار مستعملاً. وقيل لا. ولو غسل يده للطعام أو عنه فهو قربة. وفي غسل الصبي ذلك اختلاف المتأخرين. وغسل الحائض للطعام سنة. وفي الطحاوي المستعمل غسالة بني آدم تقرّباً وغسالة الجمادات كغاسلة القدور والقصاع والثمار والأحجار ونحوها فليس بمستعمل. وفي النظم غسل رأسه للحلق أو بدنه أو رجليه لإزالة الطين وأثر العجين لا يصير مستعملاً. ولو أدخل المحدث رأسه أو خفه في الإناء للمسح أو ذراعيه وبهما جبائر يفسد الماء عند محمد. وعن أبي يوسف لا. ولو كانت بالكف لا يفسد.
غسالة الميت من الماء الأول والثاني نجس والثالث طاهرة. وفي المنتقى الثالث والرابع سواء. وهو نجس. وما ترشش في ثياب الغاسل حال الغسل عفو كرشاش المتوضئ. وفي الأصل غسالة الميت كالجنب وغسل الميت لنجاسة الحدث. وقيل لنجاسة الموت كالأشياء النجسة والمسلم الميت إذا وقع في الماء قبل الغسل ينجسه وبعده لا. والكافر" ينجس في الحالين. وكذا في السقط ما لم يستهل. وفي الشهيد؛ لا ينجس في الحالين إلا إذا كان عليه. دم.
الفصل الثاني في وقت صيرورته مستعملاً. الماء متى زائل العضو صار مستعملاً وإن لم يجتمع في مكان. وما شرطه الطحاوي من اجتماعه في مكان قول النخعي والثوري و بعض مشايخ بلخ. واختياره حتى لو مسح برأسه من ماء لحيته لا يجوز. وفي بكر مثله. وفي النظم عند مشايخ بخارى يصير مستعملاً. وإن كان في الهواء حتى لو أصاب ثوبه أو منديله متقاطراً يتنجس. وفيه المتوضئ أو المستعمل نفسه بمنديل حال جرى الماء على العضو أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة معه عند مسح أبي حنيفة وعند أبي يوسف إذا فحش ولو نشف به البلل لم ينجس بالاتفاق. ولو وضع اليد المستعملة في الوضوء
والغسل على ثوب لم ينجسه. ولو أدخلها في الماء القليل نجسته. ولو صرف بله أحد العضوين
الجزء 1 · صفحة 35
إلى الآخر لم يجز إلا في الجنابة. لأنّ البدن فيها عضو واحد وعن أبي الليث ما تقاطر منه على الثوب لم يفسده. وفي البقالي في الثوب والمنديل مثله.
الفصل الثالث في حكمه، الماء المستعمل غير طهور بالاتفاق. لا يجوز إزالة الحدث والخبث به. قال أستاذنا وفيه نظر لأنه ذكر في مختصر القدوري وشرح الإرشاد وصلاة الجلابي أنه يجوز إزالة النجاسة به على رواية الطهارة. قال مولانا وفي قول المصنّف هنا لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث بماء إلى أنه يجوز في طهارة الأنجاس. وعند الحسن وهو رواية عن أبي حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة كالبول. وبل أولى. لأنّ القليل من الحقيقي عفو بخلاف الحكمي. وعند أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة نجس نجاسة خفيفة. لأنّ الاختلاف فيه أورث خفه. وعنه طاهر. وهو قول محمد. وروايته عن أبي حنيفة سواء كان من حدث أو جنابة. لأن الصحابة كانوا يتبادرون إلى شرب غسالة رسول الله. ولأنّ العضو طاهر فيه منع من الصلاة فينتقل إلى الغسالة حكم المغسول. وعند زفر طاهر، طهور. وكذا عند الشافعي إذا توضأ به الطاهر. وإن توضأ به المحدث طاهر غير طهور.
قال مولانا فقد صحت الروايات عن الكل أنه طاهر غير طهور سوى الحسن أن الماء المستعمل
طاهر. وعليه الفتوى. وقال محمد يكره شربه ولا يحرم ويعجز به.
باب الطهارة بالدباغ
فصل في أثر الدباغة في طهارة الجلد
قال: وكل إهاب دبغ فقد طهر. وجازت الصلاة فيه والوضوء منه إلا جلد الخنزير والآدمي.
لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ميمونة «أيما إهاب دبغ فقد طهر» وكالذكاة. وبل أولى. لأنّ الذكاة يمنع حلول النجاسة والدبغ يرفعها. فكان أقوى والدبغ حقيقي كالدبغ بما له قيمة كالقرط والعفص وحكمي كالتتريب والتشميس والإلقاء في الريح وفي عود النجاسة بإصابة الماء في الحكمي روايتان.
وأما جلد الخنزير فعن أبي يوسف أنه يطهر بالدبغ. ولنا أنه نجس العين لقوله تعالى أو لحم خترير فإنه رجس وفي شرح السرخسي مختصر القدوري وغيره وجلد الآدمي لا يحتمل الدباغ. ولو احتمله لطهر. لكن يحرم الانتفاع به لكرامته لا لنجاسته. وعند الشافعي جلد الميتة والكلب لا يطهر بالدباغ كالخترير. وفي التجريد والكلب نجس العين عندهما خلافاً لأبي حنيفة. وذكر الصدر الشهيد في
الجزء 1 · صفحة 36
الذبائح أنه يطهر بالذكاة. ويجوز بيعه. وفي شرح أحمد الكلب ليس بنجس العين.
قال مولانا فعلى هذا يطهر بالدباغ. وعن محمد فيمن أصلح مصارين ميتة جازت الصلاة معه. الأصل أن كل ما يمنعه عن الفساد ويخرجه عن حدّ الأكل فهو دباغ وعند الشافعي لا يكون إلا بالعقاقير وكل ما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة. وما لا فلا خلافاً للشافعي فيما لا يأكل لحمه.
قال: وشعر الميتة وعظمها وعصبها وقرنها طاهر.
لقوله صلى الله عليه وسلم» لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وشعرها وصوفها وقرنها إذا غسل بالماء «وقيده بالغسل إزالة النجاسة المجاورة للميتة غالباً. ولأنه لا حياة فيها. وإلا يحرم الانتفاع بما إذا أبنيت حياً لقوله «ما أبين من الحي وهو حي فهو ميت «وشعر الكلب وعظمه طاهر في الظاهر. وعند الحسن نجس. وعظم الفيل نجس عند محمد خلافا لهما. وصلّى ومعه شعر الآدمي أكثر من قدر الدرهم جاز لطهارته لقسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - شعره بين أصحابه. وعليه الفتوى. وفي الجامع الأصغر ابن رستم عن محمد لا تجوز الصلاة مع شعر الآدمي إن كان أكثر من قدر الدرهم لو بسط. وعند الشافعي وإن قل. لا ينجس من غير الإنسان والخنزير حياً وميتاً الشعر والصوف والوبر والريش والقرن والعظم والعصب والحف والظلف خلافاً للشافعي. لأنها ميتة. لأن نموّها دليل حياتها. لكنا نقول فيها قوة نامية كالزرع والأشجار لا حياة حساسة حتى أن من قال في العصب حس. قال بنجاسته.
وعظم الإنسان طاهر يحرم احتراماً حتى لو انطحن في دقيق لا يأكل كالبعرة. وعن ابن مقاتله يؤكل توسعة للناس. وقيل لو أعاد سنّه أو أذنه بعد الإبانة لم تجز الصلاة معه إن زاد على قدر الدرهم. وشعر الخنزير نجس عند أبي حنيفة. لكنّه رخص للخرازين للحاجة. وعن أبي يوسف إذا وقع في الماء نجسه. وعند محمد لا ينجسه إذا لم يغلب عليه. وروي عنهم أنه طاهر كسائر الشعور. ولا يجوز بيعه اتفاقا. غير الأصول عرق الجلالة نجس.
قال مولانا فعلى هذا يكون عرق مُدمن الخمر نجسا وبل أولى. لأنّ تأثير المائع في التعرق فوق تأثير غيره. وما أسمج حال من كان عرقه كعرق الكلب والخنزير.
باب الآبار
فصل في أحكام طهارة الآبار
الجزء 1 · صفحة 37
قال: وإذا وقعت في البئرا نجاسة نزحت لشيوعها في الجميع غالباً. وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها.
لإجماع الصحابة والضرورة ونزحه أن يقل حتى لا يمتلأ الدلو منه أو أكثره. وعند الشافعي «إذا بلغ الماء قلتين مأتي وخمسين منا لم يحمل خبثاً» أي لا ينجس بالحديث إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا. وعند مالك لا ينجس ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه للحديث الذي مرّ. وقع عظم الميتة في البئر وعليه لحم أو دسم ينجس. وإلا فلا. ولو تلطخ العظم بنجاسة ويعذرا إخراجه يطهر بالترح وكان غسلاً للعظم. ولو سال النجس على الآجر ثم وصل إلى الماء فترحها طهارة للكل. وأدنى البعد المانع بين البالوعة والبئر من وصول النجاسة في رواية أبي سليمان خمسة أذرع. وفي رواية أبي حفص سبعة. قال الحلواني أي؛ المعتبر الطعم والريح. فإن لم يوجد فيه طعم ماء البالوعة ولا ريحة فهو طاهر وإن كان بينهما ذراع وإلا فنجس. وإن كان بينهما عشرة أذرع ومثله في العصامي وإن حفروا من البالوعة مقدار ما وصلت إليه النجاسة فنبع الماء فهو طاهر. وإلا فلا. وفي التمرتاشي وبعر الإبل والغنم لا يفسد الماء ما لم يكثر استحساناً لملاستها المانعة من وصول الماء. والثلاث كثير. وقيل ما يأخذ ربع وجه الماء. وقيل أكثره. وقيل كله. وقيل ما لم يسلم كلّ دلو من بعرة أو بعرتين وقيل ما يستفحشه الناظر. وقيل ما يغير طعم الماء أو لونه أو ريحه. وقيل مفوض إلى رأي المجتهد. وهذا في الصحيح اليابس وعن أبي يوسف رطبه البعر" كيابسة. وقيل الروث والإخثاء والسرقين" يفسد رطبه ويابسه واستحسن أبو يوسف في اليابس أن لا يفسد. وذكر الصدر الشهيد أن الكل سواء للضرورة والبلوى. قيل هو الأصح. والأصح أن آبار البيوت والأمصار والفلوات فيها سواء. وعن أبي حنيفة وقعت بعرة أو بعرتان في المحلب عند الحلب لا بأس إن أخرجت قبل التفتت واللون للضرورة كالأرواث والأخثاء في الكدس فإنها معفوة. ولو صبّ كله. ماء الوضوء في بئر يترح عند أبي يوسف وعند محمد عشرون دلواً.
قال: فإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص نزح منها عشرين دلوا إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها.
وقيل بحسب كبر الفأرة وصغرها. وقيل بحسب البئر. وقيل الواجب عشرون. والزيادة استحباب.
قال: وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سنور نزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين. وإن مات
الجزء 1 · صفحة 38
فيها كلب أو شاة أو آدمي نزح جميع ما فيها. وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها صغر الحيوان أو كبر.
اعلم أن الحيوان الواقع في البئر ضربان. أخرج حياً فإن كان آدمياً طاهراً قد استنجى لم يجب نزح شيء. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يترح منه عشرون دلواً. وإن كان محدثاً فأربعون. وإن كان جنباً فجميع الماء. وإن كان لم يستنج يترح جميع الماء. ثم غير الآدمي إن كان طاهر السؤر وما ينفضل منه كالحمام لا يترح شيء. وإن كان المنفصل نجساً كشاة تلطخ فخذها ببولها يترح عشرون دلواً عند أبي حنيفة لحقه نجاستها. وعند أبي يوسف جميعها كما لو وقع فيها قطرة من بولها. وإن كان مكروه السؤر كسكان البيوت والسنّور والدجاجة المخلاة تتزح منها دلاء عند أبي حنيفة لكراهته. وإن لم يترح فلا بأس. وكذا الفرس عنده. وإن كان نجساً كالكلب والحمار والسباع يترح كله. والضرب الثاني ما أخرج ميتاً. وهو نوعان. متغير وغير متغير. فإن كان قبل التغير ففي الفأرة ونحوها يترح عشرون دلوا أو ثلاثون. كذا بذلك في رواية أنس. وعن علي مثله. وفي الفأرة والحمام والسنور أربعون أو خمسون.
وفي رواية الحسن ستون. لأنّ جرمها غالباً ضعف جرم الفأرة. وأمر أبو سعيد الخدري له فيها يترح أربعون دلواً. وفي الجدي فصاعداً يترح كله. لأنه تقبل يصل إلى جميع الماء باضطرابه. ولأن ابن عباس وابن الزبير أمر بترح ماء زمزم حين مات فيها زنجي. وكذا إن انتفخ أو تفسخ لسيلان نجاسته إليه وانتشاره كذنب الفأرة. وعن أبي حنيفة الأون كالجدي. وعنه كالسنور. وفي التمرتاشي في ولد الفأرة والحلمة عشر دلاء وفي الفأرة الهاربة عن الهرّة إذا لم تخرج والهرة الهاربة عن الكلب خرجت حية لأنها تبول غالباً. وقيل بخلافه. وعليه الفتوى. وعن أبي يوسف في الفأرة عشرون إلى الأربع أي أربع فأرة. وفي الخمس أربعون. وفي العشر كلّه. وعن محمد في لثلاث أربعون. وقيل ثلاثون. وعنه إن كانت الفأرتان كالدجاجة فأربعون. وعن أبي حنيفة في الصغير من الفأرة عشرون. وفي الكبير أربعون. وبه قال زفر والحسن. وفي أجزائها كلها. وعن أبي يوسف نصف الفأرة كالفأرة. وقيل في الحمام والورشان ثلاثون. وفي الدجاج أربعون. وعن أبي حنيفة السنّور إن كان الواحدة كالدجاجة والثلاث كالشاة. وعن أبي يوسف في السنّور الكل. وعن أبي حنيفة الأوز أو السحلة أو الجدي كالدجاج. وعنه كالشاة. وحكم ما أخرج حياً حكم سؤره إن أصاب فمه وإلا فظاهر وفي المكروه عن أبي حنيفة يترح ست أو خمس. وقيل عشرون وعن محمد لا يكون الترح في شيء أقل من عشرين. وفي المشكوك يترح الكل. وفي الظاهر الذي لم يستنج والحائض والكافر والذمي كلّه. وعن أبي حنيفة أجمع رأيي ورأي أبي يوسف على
الجزء 1 · صفحة 39
أن البئر لا ينجس. لأنّ الماء ينبع من أسفله وكذا ماء الحمام إذا كان يسيل والغرف متدارك. وعن محمد الماء الطاهر والنجس إذا اختلطا في الهواء طهر. وقيل كذا المائع الطاهر والنجس. وجب نزح ماء البئر ثم ازداد قبل نزح كلّه. وقيل مقدار ما فيه وقت الوقوع. واختلفوا في التوالي.
فمن لم يشترطه إذا نزح بعضها ثم جاء في الغد وقد ازداد. قيل يترح كله. وقيل مقدار البقية. وإن كان الدلو منخرفاً يطهر إذا بقى فيه أكثر مائه. وإذا طهر البئر طهر الدلو والرشاء واليد تبعاً كحب الخمر إذا خارا وعروة القمقمة عند غسل اليد. وكلما نزح منه شيء طهر من الدلو بقدره. ولو وجب عشرون فصب الدلو الأوّل في بئر أخرى يترح عشرون وفي الثاني تسعة عشر. وفي العاشر أحد عشر. فحكم المصبوب فيه حكم ما قبل الإخراج. ولو وجب نزح مائها فعاد ثم عاد نجس. وفي الجامع الأصغر قال شداد هو طاهر. وقال نصير وكذا لو غار من الماء بقدر عشرين طهر الباقي. وعن محمد غار ثم عاد يترح عشرون. ولو نحى الدلو الأخير عن وجه الماء دون رأس البئر يجوز التوضئ من البئر عند محمد خلافاً لأبي يوسف بشر عن أبي يوسف عشر أبار وقعت في كلّ واحدة منها فأرة فصب من الأوّل دلو في الثانية ثم من الثانية إلى الثالثة. هكذا إلى العاشرة بصب من الأربع الأوّل عشرون. ثم إلى التاسعة تسعة وثلاثون. ويترح كل العاشر.
قال: وعدد الدّلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان.
لأنه أعدل. وقيل بدلو تلك البئر. وقيل دلو يسعه خمسة أمناء. وقيل أربعة. وقيل منوان.
قال: فإن نُزح منها بدلو عظيم قدر ما يسع من الدلاء الوسط احتسب به.
حتى لو وسع فيه عشرون دلواً طهر به. قال القدوري وهذا أحب إلي. وقال زفر والحسن لا يجوز.
قال: وإن كانت البئر معيناً لا يترح ووجب نزح ما فيها أخرجوا مقدار ما كان فيها للضرورة والبلوى. وعن محمد يترح منها مائتا دلوا إلى ثلاثمائة.
وعن أبي حنيفة مائة دلو. وعنه مائتا دلو وعنه يفوض إلى رأي المبتلى به. وعن أبي يوسف يتخذ حفيرة بقدرها فتملأ منها. وعنه يرسل قصبه فيها ويُعلم مبلغ الماء. ثم يترح عشر دلاء. ويعاد القصبة فيها. فينظر كم انتقص بالعشر فيترح على اعتبار ذلك. وعن أبي نصر يقدره رجلان لهما بصارة بمقادير المياه.
الجزء 1 · صفحة 40
قال: وإذا وجدوا في البئر فأرة أو غيرها لا يدرى متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها وغسلوا كلّ شيء أصابه ماؤها. وإن كانت انتفخت أو تفسخت، أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة. وقالا ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحققوا متى وقعت.
لأن طهارة الماء كانت ثابتة باليقين. فلا يزول إلا بمثله ولأنه حادث فيحال إلى أقرب الأوقات كما إذا رأى على ثوبه نجاسة لا يدري متى أصابته أو وجد المصلّي حمامة في كمه ميتة بعد السلام لا يدري متى ماتت أو في كُرسُف المرأة دم لا يدري متى نزلت وله أن الوقوع سبب للموت طاهراً. فيحال بموته إليه كالموت عقيب الجرح أو الضرب والعادة جرت بتغطية رؤوس الآبار ليلاً. فالظاهر أنها وقعت وماتت فيها أمس فقدرناه باليوم والليلة في غير المتغير احتياطاً وبالثلاثة في المتغير إبلاغا للعذر بخلاف الثوب. فإنه طاهر يراه. وفي رواية المعلّي يعيد في الثوب صلاة يوم وليلة. وقيل هذا في اليابس دون الرطب. وقيل هذا في الشتاء دون الصيف. وعن أبي يوسف كان قولي كقول أبي حنيفة. فرأيت في بستاني حِدَأَةً في منقارها فأرة ميتة طرحتها في البئر. فرجعت عنه. وحكم ما عُجن حكم الوضوء والغسل. وكان ركن الأئمة الصباغي به يفتي بقول أبي حنيفة فيما يتعلّق بالصلاة. وبقولهما فيما سواها.
وفي المنتقى علم أنه وقع طيرا في البئر منذ ثلاث ولا يدري متى مات فإن كان منتفخاً يعيد صلاة ثلاثة أيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وإلا فيوم وليلة عنده وعند أبي يوسف لا يعيد شيئاً.
باب الأسآر
فصل في أحكام الأسآر
قال: وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر. وسؤر الكلب والخترير وسباع البهائم نجس. وسؤر الهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وما يسكن في البيوت مثل الحية والفأرة مكروه. وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما. فإن لم يجد الإنسان غيرهما" توضأ بهما وتيمم.
أعلم أن الآسار أربعة طاهر و نجس ومكروه ومشكوك.
أما الطاهر فسؤر الآدمى مسلماً كان أو كافراً طاهراً أو جنباً لقوله صلى الله عليه وسلم» المؤمن لا ينجس «
ولأنه ضرب لوفد ثقيف خيمة في المسجد وكانوا كفاراً. وسؤر ما يؤكل لحمه لما روي البراء
الجزء 1 · صفحة 41
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم» ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره «ولأنّ لعابهما طاهر. فكذا سؤرهما حتى قالوا بنجاسة سؤر الآدمي في حال شرب الخمر. وكراهة سؤر الدجاجة المخلاة والبقر الجلالة لتوهمها. وسؤر الفرس طاهر بالإجماع في الأصح. لأن كراهة لحمه عنده احتراماً له. لا يجوز سؤر المرأة للرجل ولا سؤره لها.
وأما النجس فسؤر ما لا يؤكل لحمه كالكلب والخنزير وسباع الوحش خلافاً للشافعي في السباع ومالك في الكلب لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعاً «ولأن سؤرها يتصل بلعابها. ولعابها رشح لحمها ولحمها نجس. فكذا سؤرها.
وأما المكروه فسؤر الحيات وسكان البيوت. فإنه طاهر لتعذر الاحتراز عنه ومكروه. لأن لحمها نجس. ولأنّ الطوافية ترفع النجاسة لقوله صلى الله عليه وسلم» الهرة ليست بنجسة. فإنها من الطوافين عليكم والطوافات «ونجاسة لحمها يوجب النجاسة فلا أقل من أن تثب الكراهة وكذا سؤر السنور عندهما في هداية شرف الأئمة. الأصح أن كراهة سؤرها عندهما كراهة تتريه. وقال أبو يوسف لا يكره. وعن محمد مثله ل «أن النبي الله كان يصغي الإناء لها فتشرب منه ويتوضأ بالفضل «ولهما قوله صلى الله عليه وسلم» لا يغسل الإناء من ولوغ الهرّة مرّة «ولو أكلت فأرة ثم شربت من إناء على فورها ينجس بالإجماع. وإن مكثت ثم شربت فلا عند أبي حنيفة. لأن فمها يطهر بلعابها. لأن اللعاب مطهر النجس. وعند محمد وزفر لا يطهر حتى تشرب من الماء. فالظاهرا أراد الماء الجاري أو الحكمي وعلى هذا شارب
شارب الخمر إذا ردد البزاق في فمه والصبي إذا قاء ثدي أمه ثم مصه مراراً. وأصاب ثوبه أو بعض أعضائه نجاسة فلحسها بلسانه حتى زال أثرها يطهر عند أبي حنيفة. ويكره أن تدع الهرة تلحسه أو يأكل بقية طعامها أو لحمها في الصلاة.
وسؤر الدجاجة المخلاة وهي التي لا تعلف في البيت. وقيل ما يصل منقارها إلى ما تحت قدميها والبقر والإبل الجلالة. وهي التي تأكل العذرات وسؤر سباع الطير كالصقر والبازي مكروه لتوهم نجاسة فمها ومنقارها حتى لا تكره سؤر ما في أيدي الصيادين منها. عن ابن المبارك عن أبي حنيفة في كلب وقع في الماء فأخرج حياً لا بأس به. وعن أبي عصمة إذا أصاب الماء فمه فلا خير فيه. وعن محمد الكلب يفسده. لأن دبره منقلب. قيل رواه ابن المبارك وتعليل محمد دليل على طهارته بخلاف ما قالوا أنه لو ابتل فانتقض فأصاب الثوب أكثر من الدرهم لم تجز الصلاة فيه.
الجزء 1 · صفحة 42
وأما سؤر الحمار والبغل فمشكوك فيه طهارة ونجاسة لتعارض دليل الطهارة والنجاسة. فدليل الطهارة ما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أنتوضأ بماء أفضلت الحمر؟ قال نعم وبماء أفضلت السباع «ودليل النجاسة ما روي أنس رضي الله عنه» أن النبي الله فهى عن لحوم الحمر فإنها رجس «فلهذا قيل بالشك. وقيل لتعارض الشبهتين. لأنه مرّة يمسك في البيوت كالهرة. وأخرى خارج البيوت كالكلب. وقيل الأصح أنه طاهر. إنما الشك في الطهورية. وروي أن لبنه طاهر. واتفقوا على طهارة عرقه. وذكر القدوري أن لبنه نجس. وروي أن سؤر الحمار غير معفو عنه في الماء دون الثوب والبدن. وقيل سؤر الفحل نجس. وسؤر الأتان مشكل وعن أبي حنيفة وزفر والحسن نجس. ثم الطاهر غير المكروه. والماء المطلق سواء. ولو استعمل المكروه مع وجود المطلق جاز ويكره. وفي المشكوك يجمع بينه وبين التيمم ليخرج عن العهدة بيقين إن لم يجد المطلق. وإن وجد لم تجز. ولو توضاً به وصلى فأحدث ثم تيمم وأعاد الصلاة خرج عن العهدة بيقين.
باب التيمم
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل في شرائط التيمم
الأصل في جواز التيمم قوله تعالى} فتيمموا صعيداً طيباً أي أرضاً طاهراً. {وقوله صلى الله عليه وسلم» التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء «
قال: ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر وبينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر أو كان يجد الماء إلا أنه مريض أو خاف إن استعمل بالماء اشتدّ مرضه أو خاف إن اغتسل بالماء يقتله البرد أو يمرضه فإنه يتيمم بالصعيد.
لأن من بعد من الماء عادم للماء حقيقة. ومن عجز عن استعماله لضرر يلحقه عادم له معنى. فجاز له التيمم. بط الغَلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة والميل ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف. وقيل الغيبة فرسخ. وقيل بحيث لا يسمع أذان البلد. وقيل صوت المنادي من أقصى البلد. وقيل حس الناس وأصواتهم. وقيل قدر غلوة. وقيل لا يتيمم إلا إذا قصد سفراً وغيبة الماء في السفر قدر ميل. وعن الحسن إن كان قدامه فميلين. وعن أبي يوسف ما يغيب رفيقه عن بصره وعنه العبرة للحرج. وعن قال مولانا وإنما وضع المسألة في المسافر أو الخارج من المصر. لأنّ من في المصر يجد الماء جزماً أو غالباً حتى
الجزء 1 · صفحة 43
لا يجوز له التيمم قبل الطلب بالإجماع بخلاف المسافر والخارج.
والثاني أنه ذكر فيه جواز التيمم لخوف البرد. وذلك لا يجوز في المصر عند أبي يوسف ومحمد. وقيل لا تجوز بالاتفاق في بلادنا. ويجوز التيمم للمريض حضراً أو سفراً إذا خاف زيادة أو بطأ البرء باستعمال الماء. وعند الشافعي إذا خاف التلف. لنا قوله تعالى وإن كنتم مرضى ولأن ضرر زيادة المرض فوق ضرر زيادة ثمن الماء. وذاك مبيح فهذا أولى وكالإقطار عن محمد مريض يجد من توضئه ولا يستضر به يتوضأ ما بإعانته وقيل بغير بدل. وقيل ببدل يسير. ولو حرك للوضوء يستضر به يتيمم. مريض له عبد يوضئه لا يتيمم عندهما. واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة. فمن سوى بين الحروالعبد قال ألا يرى أن العاجز عن القيام في الصلاة إذا كان له عبد بقيمة يجزيه الصلاة قاعداً قال أستاذنا تلك المسألة أيضاً على الخلاف فإنه ذكر في صلاة المريض إذا كان له خادم يتكئ صلى عليه قدر القيام يقوم ويتكئ عليه خصوصاً على قولهما. في النظم إذا لم يقدر على الوضوء لمرض أو ضعف فإن لم يجد معيناً تيمّم بالاتفاق. وإن وجد من يوضئه مجاناً لا يتيمم بالاتفاق. وإن لم يوضئه إلا ببدل تيمم عند أبي حنيفة قلّ الأجر أو كثر. وقال إن كان أكثر من ربع درهم تيمم. وإلا فلا. وقيل يده ولا يجد أحداً ثلث درهم. وقيل من يمسح يده على الأرض ووجهه على الحائط. لأنه قادر عليه. ويتيمم إذا كان يؤذيه الماء إيذاءاً شديداً.
إذا كان عامة بدن الجنب أو عامة أعضاء المحدث جريحاً يتيمم. وعلى عكسه يغسل الصحيح. ويمسح الجريح أو الخرقة إن لم يضره المسح. وفي النصف اختلاف المشايخ. وكذا في اعتبار الكثرة. فقيل يعتبر الكثرة في نفس كلّ عضو. وقيل في عدد أعضاء الوضوء حتى لو كان بيديه ووجهه جراحة والرجل صحيحة تيمم. سواء كان الأكثر منهما جريحاً أو الأقل. وعند الشافعي يغسل ما صح قل أو كثر. في الهاروني إذا كان جريحاً فخاف الماء والتيمم لا يصلّي عند أبي حنيفة. وكذا الجنب. وقال أبو يوسف يغسل ما قدر ويصلي ثم يعيد الجنب أو المحدث خاف إن اغتسل بالماء الهلاك أو تلف عضواً أو زيادة مرض تيمم في السفر والإقامة. وقالا لا يتيمم. المقيم. وعن الحلواني لا يتيمّم المحدث المقيم بالإجماع. قيل هذا الاختلاف في ديارهم. أما في ديارنا لا يباح له التيمم بالإجماع. المحبوس في السجن خارج المصر تصلي" بالتيمم إذا لم يجد الماء ولا يعيد. في المصر لم يصل عند أبي حنيفة. وعن أبي يوسف أنه يومئ بغير طهارة تشبيهاً بالمصلين احتراماً للوقت. وعنه تيمّم بالتراب النجس. وعنه يصلّي بركوع وسجود ثم يعيد. وعنه لا يصلي. وقول محمد مضطرب. وكذا الأسير إذا منعه الكفار عن الوضوء
الجزء 1 · صفحة 44
والصلاة تيمم ويومئ ثم يعيد. وكذا المقيد.
قال مولانا بخلاف الخائف منهم. لأن الخوف من الله تعالى. جع له التيمم في كلّه لبق أو مطر أو حر شديد. وفي النتف ويتيمم لخوف ضياع الوديعة أو قصد غريم لا وفاء له بدينه. ولو خاف العطش على نفسه أو دابته يتيم.
فصل في كيفية التيمم
قال: والتيمم ضربتان يمسح باحديهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين.
لحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال» التيمّم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين «وفي رواية الأسلع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم» يضرب يديه على الصعيد ثم ينفضهما ويمسح بهما ظاهر ذراعيه إلى مرافقه ثم يمسح باطن ذراعيه إلى الرسغ «
وفي زاد الفقهاء الأحوط أن يضرب يديه على الأرض. ثم ينفضهما حتى يتناثر التراب فيمسح بهما وجهه. ثم يضرب أخرى فينفضهما ويمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرافق. ثم يمسح بباطن كفه اليسرى باطن ذراعه اليمنى إلى الرسغ وغيره إلهام يده اليسرى على ظاهر إلهام يده اليمنى. ثم يفعل بيده اليسرى كذلك واستعاب العضوين شرط في رواية الأصل. فينبغي أن يخلل أصابعه في التيمم ويحرك الخاتم والسوار. وكذا روي عن محمد. وروي الحسن عن أبي حنيفة أن الأكثر يكفي في النظم قدر الدرهم. فما دونه عفو. وإن زاد لم يجز. ومسح العذار شرط على ما حكى عن أصحابنا. والناس عنه غافلون. ضرب بيديه الأرض ثم أحدث ثم مسح بهما وجهه يجوز كمن ملاً كفّيه للوضوء ثم أحدث. وقال أبو شجاع والحلواني لا يجوز لأنّ الضربة ههنا من التيمم. ومذهب علي كرم الله وجهه وابن عباس التيمم إلى الرسغ. وعن بعض الناس إلى الآباط.
قال: والتيمم من الجنابة والحدث سواء
لما روي» أن عماراً أجنب فتمعك في التراب فقال الالنبي صلى الله عليه وسلم يكفيك للوجه والذراعان» والكف قال القاضي الصدر وفيه دليل أنه يمسح كيف يتفق؟ ولا يتكلف لأنّ ترك التكلف سنة رسول الله. قال الله تعالى ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين فإن تيمم بأصبع لا يجوز. ومسح الرأس والخف أو التيمم لا يجوز أقل من ثلاث أصابع. وفي مسح باطن الكف اختلاف المشايخ.
الجزء 1 · صفحة 45
فصل في ما يجوز التيمم به
قال: ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ. وقال أبو يوسف لا يجوز خاصة إلا بالتراب والرمل.
وعنه إلا بالتراب وهو قول الشافعي. وعنه إلا بالتراب المنبت لحديث ابن عباس رضي الله عنه» الصعيد تراب الحرث» ولنا أن الصعيد وجه الأرض. قال الأصمعي وفي المغرب الصعيد وجه الأرض ترابا أو غيره. قال الزجاج لا أعلم فيه اختلافاً بين أهل اللغة والطيب الظاهر ولقوله «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» واسم الأرض يقع على الكل. وذكر الجلابي في الفرق بين جنس الأرض وغيره أن جنس الأرض كلّ جزء لا ينطبع كالجص والزرنيخ والمغرة والحجارة والرمل ونحوها. ولا يجوز بما ينطبع كالذهب والفضة والحديد. وفي زاد الفقهاء في كلّ ما يحترق بالنار فيصير رماداً كالنبات والأشجار أو ينطبع ويلين كالحديد والذهب فليس من جنس الأرض وما عداها من جنس الأرض. استعمال جزء من الأرض شرط عند محمد. وعند أبي حنيفة ليس بشرط. وهو رواية عن محمد حتى لو تيمم بأرض ندية في المعرب ندية على وزن فعلة بالتحفيف لا غير أو صخرة لا غبار عليها جاز عند أبي حنيفة خلافاً لأبي يوسف ومحمد والشافعي.
ولو دق الحجر أو الآجر جاز أيضاً عند محمد خلافاً لأبي يوسف والشافعي. والصحيح عند أبي يوسف أنه لا يجوز بالحيطان لعدم التراب. ويجوز باللبن ولو ضربت يده على حنطة أو ثوب أو لبد أو نحوه فلصق بيده غباره جاز التيمم. وعند أبي يوسف الغبار ليس من الصعيد لطخ المسافر في رَدْغَةِ ثوبه بطين فجف ففركه وتيمم به جاز عندهما. وعند أبي يوسف لا يجوز حتى يكثر. وعند أبي حنيفة في التيمم بالطين روايتان. بطأ وفي شرح قاضي صدر قال أصحابنا يجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بالحديد والفضة والذهب والفيروزج والرصاص والنحاس والمَغْرة. لأنها من أجزاء الأرض. وفي النظم والحديد والذهب والفضة جاز التيمم به ما لم يسبك. فإذا سبك فإن كان عليها غبار جاز عندهما خلاف أبي يوسف.
ولا يجوز التيمم بالورق والرماد والملح. وقيل بالحلي يجوز. في المنتقى قال أبو يوسف يجوز التيمم على ظهر الفرس وظهر كلّ شيء يؤكل لحمه. ولا يجوز على ظهر الحمار. وكذا السجدة. قام في هدم فأصاب التراب وجهه ويديه لم يجز حتى يمسح. وكذا لو رد التراب عليهما غيره. ولو أصابها غبار
الجزء 1 · صفحة 46
فمسح بنية التيمم جاز. وفي النتف ولو حرك رأسه بنية التيمّم جاز. والشرط وجود الفعل منه. ولو جعل التراب في كمه فأصاب ذراعيه جاز.
قال: والنيّة فرض في التيمم مستحبة في الوضوء.
وعند زفر ليست بشرط كالوضوء. لنا الصعيد لا تأثير له في التطهير حساً. وإنما صار مطهراً شرعاً لأجل العادة. فلا بد من قصد العبارة بخلاف الماء. لأنه طهور خلقاً وحساً على أن لفظة التيمم تنبئ عن القصد. لأنه موضوع له لغة والقصد هو النية. وعند أبي بكر الرازي لا بد من نية التميز بين الحدث والجنابة. وعندنا ينوي الطهارة أو إباحة الصلاة وحينئذ يجوز له كل فعل لا صحة له بدون الطهارة. ولو تيمّم لدخول المسجد أو لتلاوة القرآن لا يصلي. وإن كان جنباً يصلّي ولم يتيمم لدخول المسجد لأجل الماء أو لخروجه لاحتلامه فيه صلّى به خلاف أبي الليث. وفي الجلابي شرائط التيمم أربعة النية والإسلام حتى لا يجوز تيمّم الكافر بنية الإسلام والارتداد لا ينفيه وصفه ما يتيمم به والعجز عن استعمال الماء حقيقة أو حكماً وسننه أربعة التسمية في ابتدائه وإن يقبل بيديه ويدبر حال الضرب وينفضهما بعده والبداية بالوجه ثم باليد اليمنى ثم باليسرى.
فصل في نواقض التيمم
قال: وينقض التيمم كلّ شيء ينقض الوضوء. وينقضه أيضاً رؤية الماء إذا قدر على استعماله لقوله صلى الله عليه وسلم ً «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء ً» ولو رآه في صلاة الجنازة أو العيد لا يبطل. وإن رأى في الصلاة سؤر الحمار لا يبطل. فيتيمّم الصلاة ثم يتوضأ به ويعيد. ولو رأى شراباً في صلاته فظنه ماء فمشى إليه بطلت جاز مكان الصلاة أو لم يجز. ولو رأى ماء فظنه شراباً فصلى ثم علم يعيد. رأى المتيمم في صلاته رجلاً في يده ماء فأتم صلاته ثم سأله فأعطاه لا يعيدها. وفي جامع أبي الحسن رأى المتيمم في صلاته رجلاً معه ماء كثير لا يدري أيعطيه أم لا؟ يتم صلاته ثم يسأل. فإن أعطاه أعاد وإلا فلا. وإن أبى ثم أعطى لا يعيد. وكذا العاري إذا رأى في صلاته ثوباً.
قال: ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر.
لقوله تعالى} صعيداً طيباً {أي طاهراً. ولو أصاب الأرض نجاسة فجفت وذهب أثرها لم يجزالتيمم بها، وروى ابن كاس عن أصحابنا أنه يجوز لاستحالتها أرضاً. ولو تيمم جماعة بحجر واحداً ولبنة وأرض جاز كبقية الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 47
فصل في حكم تأخير الصلاة مع التيمم
قال: ويستحب لمن لم يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت. فإن وجد الماء توضأ وإلا تيمم.
ليؤدي الصلاة بأكمل الطهارتين عس، وإن لم يرج لا يؤخر. كذا روي عن علي رضي الله عنه. وفي الأصل أحب إلي أن يؤخر. ولم يفصل ولا يؤخر العصر إلى تغير الشمس والمغرب عن أوّل وقته. وقيل يؤخره إلى ما قبل غيبوبة الشفق والتأخير على الطمع استحباب وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه حتم. لأن الظن كالحقيقة وجه الأصل أن العجز ثابت بيقين. فلا يزول إلا بمثله. وعن حماد والشافعي لا يؤخر. روي أن هذا أوّل واقعة خالف أبو حنيفة أستاذه حماداً فصلى أستاذه بالتيمم في أوّل الوقت. ووجد أبو حنيفة الماء وصلاها بالوضوء في آخر الوقت. وكان ذلك غرة اجتهاده فقبلها الله تعالى وصوبه فيه. ويجوز التيمم قبل الوقت ليتمكن من أداء الفرض في أول الوقت خلافا للشافعي.
قال مولانا ويتخالج في قلبي فيما إذا كان يعلم أنه إن أخر الصلاة إلى أخر الوقت بقرب من الماء بمسافة أقل من ميل لكن لا يتمكن من الصلاة بالوضوء في الوقت. إن الأولى أن يصلّي في أول الوقت مراعاة بحق الوقت وتجنباً عن محل الخلاف.
قال: ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل.
ما لم يحدث لأنه بدل مطلق. فيعمل عمل الأصل عند عدمه ولقوله صلى الله عليه وسلم» التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج» وعند الشافعي لا يجوز له أن يصلّي فرضين بتيمم واحد بخلاف النوافل. فإنها تبع الفرائض.
قال: ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازة والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة. فإنه يتيمم ويصلي. وكذلك من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة العيد تيمم وصلى. وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الجمعة توضاً. فإن أدرك الجمعة صلاها. وإلا صلّى الظهر أربعاً. وكذلك إذا ضاق الوقت فخشى إن توضأ فاته الوقت لم
يتيمم. ولكنه يتوضأ ويصلي فائتة.
اعلم أن الصلوات ثلاثة أنواع نوع لا يخشى فواتها أصلاً لعدم توقتها كالنوافل. ونوع يخشى فواتها أصلاً كصلاة الجنازة والعيد. ونوع يخشى فوات وقتها ويقضي بعده أصلها أو بدلها كالجمعة
الجزء 1 · صفحة 48
والمكتوبات.
أما الأوّل فلا يتيمم لها عند وجود الماء لعدم العذر.
وأما الثاني فإنه يتيمم لهما في المصر مع وجود الماء خلافاً للشافعي لجواز قضائهما عنده. ولنا حديث ابن عباس وابن عمر «إذا فاجَأَتْك جنازةً وأنت على غير وضوء تيمّم لها وصل» وصلاة العيد في معناها لأنهما تفوتان لا إلى بدل لاشتراط الجماعة والولي فيهما فكان عاد ما للماء في حقهما حكماً. لأنه لا يتمكن كلّ واحد من أدائهما بالوضوء بعده حتى لم يجز للإمام فيهما. والوالي والولي التيمم. لأنه ينتظر لهما. وقيل للولي التيمم أيضاً. ولو أحدث الإمام أو المقتدي في صلاة العيد وقد شرع فيها بالتيمم أو الوضوء لكنه يخاف فوت وقتها تيمّم وبنى. وكذا إذا شرع بالوضوء عند أبي حنيفة لخشية تعذر البناء بالوضوء للزحام خلافهما. ولو شرع فيه بالتيمم ثم أحدث تيمم بالإجماع لبطلانها بالوضوء من الأصل. ولو صلّى للجنازة بالتيمم ثم أتى بأخرى فإن كان بينهما مدة يمكنه الوضوء فيها يعيد التيمم. وإلا فلا. ولو حضرت جنائز فتيمم وصلى عليها واحدة واحدة جاز. وقال محمد وزفر يعيد التيمم على كل حال لبطلانه بالفراغ عن الأولى.
وأما الثالث أما الجمعة فلأنها تفوت إلى الفرض الأصلي عندنا وهو الظهر. وأما المكتوبات فلأنها تفوت إلى خلف. وهو القضاء. فلم يكن عادمًا للماء في حقهما. فلا يجوز التيمم. أطلق في خزانة الفقه أنه إذا لم يمكن قطع مسافة الماء في الوقت تيمّم. وفي شرح الإرشاد لا يتيمم في أقل من ميل وإن خرج الوقت وفي أحد قولي الشافعي تيمّم لحق الوقت. وهو قول مالك. وقال الليث بن سعد" تيمم للوقت وصلى ثم قضى. وهو قوله الأخير. وفي الحلواني المسافر إذا لم يجد مكاناً طاهراً بأن كان على الأرض نجاسات وابتلت بالمطر واختلطت فإن قدر على أن يسرع المشي حتى يجد مكاناً طاهراً للصلاة قبل خروج الوقت فعل. وإلا يصلّي بالإيماء ولا يعيد. ثم قال الحلواني اعتبر هنا خروج الوقت بجواز الإيماء. و لم يعتبره الجواز التيمم. وزفر سوى بينهما وجوزهما فيهما. وقد قال مشايخنا في التيمم أنه يعتبر الوقت أيضاً. والرواية في هذا رواية ثمة إذ لا فرق بينهما. والرواية في فصل التيمّم رواية ههنا أيضاً. قال الحلواني فإذا في المسألتين جميعاً روايتان.
قال: والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء في الوقت لم يعد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يعيد.
الجزء 1 · صفحة 49
وبه قال الشافعي والذكر في الوقت وبعده سواء. وإنما خصه بالنسيان لأنه إذا لم يعلم به لا يعيد عند أبي يوسف أيضاً على الأصح. وكذا لو صلّى عرياناً وفي رحله ثوب قد نسيه على الأصح له أن الماء أعز الأشياء في السفر فيندر نسيانه كما لو كان على ظهر أو ظن أنه فنى وكالمظاهر كفّر بالصوم وله عبد نسيه أو ورثه ولم يعلم به. ولنا عجز عن استعماله لأنّ من شرط القدرة العلم. وهو فائت. وأما نسيان ما به على ظهره فهو من أندر النوادر وأما مسألة الظن فالقدرة ثمة باقية بالأصل. وأما مسألة التكفير فلأن الشرط ثمة عدم الملك حتى لو وهب له عبد فلم يقبل وكفر بالصوم جاز. والشرط ههنا العجز حتى لو وهب له ماء فلم يقبل وتيمّم لم يجز على أن الكرخي روى عن أبي حنيفة أن فصل التيمم والتكفير سواء. وقيل إن كان الماء في مقدّم الرجل وهو راكب أعاد بالإجماع. وإن كان سابقاً فعلى العكس. وإن كان قائداً جاز. كيف كان وعلى هذا الخلاف إذا ضرب خيمة على رأس البئر وقريب منه و لم يعلم به فتيمم وصلى ثم علم.
قال: وليس على المتيمم إذا لم يغلب في ظنه أن بقربه ماءً أن يطلب الماء.
وعند الشافعي يطلبه قدر غلوة لتحقق اليأس ولنا الغالب في المفازة والبراري عدم الماء. والغالب كالحقيقة. بط لو تيمّم في العمرانات قبل الطلب لا يجزيه التيمم بلا خلاف وإنما الخلاف في الفلوات
قال: وإن غلب على ظنه أن هناك ماء لم يجز أن يتيمم حتى يطلبه.
لأن غالب الرأي كاليقين في أكثر الأحكام وكذا إذا أخبر عنه طلبه الفلوة ونحوها ولا يبلغ ميلاً. وقيل يطلبه دون الميل وإن طلعت الشمس.
قال: وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يتيمم. فإن منعه منه تيمم.
لأن الغالب عدم الظنة بالماء حتى لو كان في موضع يجري عليه الظنة لا يجب الطلب. إن غلب على ظنه الإعطاء وجب السؤال. وإلا فلا. وقال الحسن لا يسأل في الحالتين. وفي التجريد لا يسأل عند أبي حنيفة خلاف أبي يوسف. وإن رأى في صلاته ماء في يد غيره ثم ذهب منه قبل الفراغ فسأله فقال لو سألتني لأعطيتك فلا إعادة عليه. وإن كان الرؤية قبل الشروع يعيد لوقوع الشك في صحة الشروع. أنه لا يعيد. لأن العدة بعد الذهاب لا تدل على الإعطاء قبله وإن أبى أن يعطيه إلا بالثمن. ولا وإلا صح ثمن معه تيمم بالإجماع. وإن كان معه ثمنه فباعه بمثل القيمة أو بغبن يسير يشتري ويتوضأ. وقيل إنما
الجزء 1 · صفحة 50
يشتري إذا كان معه زيادة على قدر الزاد وإن كان بغبن فاحش والفاحش ما لا يتغابن فيه. وفي النوادر الغبن الفاحش ههنا أضعف. وعن أبي نصر الصفار إنما يجب السؤال في غير موضع غرة الماء ثم لو لم يسأله حتى صلّى فأعطاه يعيد. وإن أبى فصلى ثم أعطاه لا يعيد. وما يحمله الحجاج من ماء زمزم للعطية منع جواز التيمم. وما يذكر من الحيلة أنه يهبه لرفيقه ثم يستودعه إياه فليس بشيء. لأنه قادر على استعماله بالرجوع عن الهبة. وإن كان مع رفيقه دلو لا يجب أن يسأله بخلاف الماء. وإن سأله الدلو فقال انتظر حتى استقي فالمستحب عند أبي حنيفة أن ينتظر بقدر ما لا يفوت الوقت. فإن خاف ذلك تيمم خلافهما. وعلى هذا الخلاف العاري إذا وعد له رفيقه الثوب الماء الموضوع في الفلوات ونحوها لا يمنع التيمم. لأنه للشرب. جن خمسة من المتيمّمين وجدوا ماء يكفي لأحدهم انتقض تيممهم. وكذا لو قال رجل هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء. ولو قال هذا الماء لكم لا ينتقض عند أبي حنيفة لفساد الهبة. وعندهما لقلة النصيب حتى لو أذنوا لواحد منهم في الوضوء انتقض تيمّمه عندهما. ولو كانوا في الصلاة فقال "من يريد منكم الماء" فسدت صلاتهم. ولو كان بعضهم متيمماً من جنابة وبعضهم من حدث. فإن كفى للغسل انتقض تيمّمهم وإلا فالمحدث ويعتبر الكفاية لفرض الوضوء. وقيل على وجه السنة. ولو مر بماء وهو نائم فالأصح لا ينتقض عند الكل، جنب وميت ووجد ما يكفي لأحدهما فالجنب أولى لثبوته بنص الكتاب والجنب أولى من المحدث والحائض والجنب سواء. وقيل الجنب أولى لصلاحيته لإمامتها. ولو كان بين الأب والابن فالأب أولى. لأنه يتملك مال ابنه.
باب المسح على الخفين
فصل في حكمه
قال: المسح على الخفين جائز بالسُنة من كل حدث موجبه للوضوء إذا لبس الخفين على الطهارة ثم أحدث.
أعلم أن لها أربعة أحكام.
أحدها جواز المسح على الخفين.
والثاني ثبوته بالسنة.
والثالث جوازه من كل حدث موجب للوضوء دون الجنابة.
الجزء 1 · صفحة 51
والرابع أن شرط لبس الخفين على الطهارة.
أما الأول فقد اجتمعت الصحابة عليه وإجماع الصحابة حجة قاطعة وأما ثبوته بالسنة فقد ثبت ذلك فعلاً وقولاً. أما الفعل فحديث المغيرة رضي الله عنه وحديث سليمان بن يزيد رضي الله عنه أنه» صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه «وحديث عائشة رضي الله عنها» ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين بعد نزول المائدة حتى قبضه الله تعالى «
وأما القول ما روى علي رضي الله عنه وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال» يمسح المسافرثلاثة أيام ولياليهن والمقيم يوماً وليلة «والأخبار فيه قريب من التواتر.
ثبت جواز المسح بآثار مشهورة قريبة من التواتر. وعن الحسن البصري أدركت سبعين نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرون المسح على الخفين. وقال أبو حنيفة "ما قلت بالمسح على الخفين حتى جاءني مثل ضوء النهار." وعنه: حتى رأيت له شعاعاً كشعاع الشمس. قال الكرخي من أنكر المسح على الخفين يخشى عليه الكفر. قالوا وعلى قياس قول أبي يوسف منكره كافر. لأن حديث المسح بمنزلة التواتر عنده ومنكر التواتر كافر. وقول المصنّف جائز بالسنة إشارة إلى أنه لم يثبت جوازه بالآية. لأنّ المراد بما غسل الرجلين على القراءتين على ما قررناه وأما جوازه من كل حدث موجب للوضوء دون الجنابة لحديث صفوان رضي الله عنه» أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على خفافنا لا من جنابة ولكن من بول أو غائط أو نوم» وأما لبس الخفين على الطهارة فلقوله صلى الله عليه وسلم لمغيرة بن شعبة «إذ أدخلت القدمين في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما «
فروع: وطهارة القدمين شرط جواز المسح مع إكمال الوضوء مع اللبس أو بعده حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ثم مشى فرسخاً أو فرسخين ثم أكمل الوضوء قبل الحدث جاز المسح عليهما. وقال الشافعي لا يجوز لفوت الترتيب. ولأن لبسهما على وضوء كامل شرط عنده حتى لو توضأ وغسل إحدى رجليه ولبس الخف ثمّ غسل الأخرى ولبس لا يمسح حتى يترع الأوّل ثم يلبسه. قال القدوري جعل في الأصل لبس الخفين على طهارة القدمين شرطاً. وليس بشرط حتى لو لبس المحدث خفيه ثم خاض الماء فابتلت قدماه مع الكعبين وأكمل الوضوء جاز المسح. عن الترجماني أن المسح أفضل من
الجزء 1 · صفحة 52
الغسل باليسير.
والصحيح ما في إحساس الناطفي أن الغسل أفضل حتى أن الباني إذا نزع خفيه وغسل رجليه قبل تمام مدة المسح يمضي عند محمد. وروايته عن أبي حنيفة. ولو لم يكن الغسل أفضل لبطل البناء. وقول المصنّف على الطهارة أي على طهارة كاملة حتى لو لبسهما المتيمّم أو المتوضئ بنبيذ التمر أو صاحب العذر مع العذر لا يمسح على الإطلاق. ولو توضاً بسؤر الحمار ولبس خفيه يمسح بسؤر الحمار. وفي نبيذ التمرا اختلاف المشايخ على قول أبي حنيفة. ولو غسل رجليه ولبس خفيه ثم استنجى وأكمل الوضوء لا يمسح إن كان استنجاؤه على وجه السنة.
قال مولانا وبهذا تبين أن الاستنجاء السني ينقض الوضوء. ويشترط النيّة في المسح على الخفين في بعض الروايات بخلاف مسح الرأس ومسح الجبائر. فإنها لا يشترط فيها باتفاق الروايات.
فصل في مدة المسح
قال: فإن كان مقيماً مسح يوماً وليلة. وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيام ولياليها.
لما روينا من حديث علي رضي الله عنه.
قال وابتداؤها عقيب الحدث.
وقيل من وقت اللبس. وقيل من وقت المسح. والصحيح مذهبنا لأنّ وقت اللبس ووقت الغنية عنه ووقت الحدث وقت الحاجة إليه. فاعتباره منه أولى.
قال مولانا والمقيم في مدة مسحه قد لا يتمكن إلا من أربع صلوات وقتية بالمسح كمن توضأ ولبس خفيه قبل الفجر. فلما طلع صلى الفجر وقعد قدر التشهد فأحدث له يمكنه أن يصلي الفجر من الغد على هيئته الأولى لاعتراض ظهور الحدث في آخر صلاته. هكذا أوردوه مطلقاً. وقد يصلّي خمساً وقد يصلّي بالمسح ستاً كمن أخر الظهر إلى آخر الوقت ثم أحدث وتوضأ ومسح وصلى الظهر في آخر وقته ثم صلّى الظهر من الغد في أوله. وقد يصليه على هذا الوجه سبعاً على الاختلاف.
فصل في كيفية المسح على الخفين.
قال: والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع. يبتدئ من الأصابع إلى الساق.
الجزء 1 · صفحة 53
لحديث علي رضي الله عنه» لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره. لكني رأيت رسول الله ال مسح على ظاهر خفيه خطوطاً بالأصابع» إظهار الخطوط في المسح ليس بشرط في ظاهر الرواية. وقال الطحاوي المسح على الخفين خطوطا بالأصابع. والسنة في المسح أن يبتدئ من رؤوس الأصابع إلى الساق. ولو ابتدأ من الساق أو عرضاً جاز. وعن الحسن عن أبي حنيفة أنه يمسح ما بين أطراف الأصابع إلى الساق. وفي قول المصنف من الأصابع إيماء إليه. لأنّ الغاية لا تدخل تحت المغيا. وسئل محمد عن المسح فقال يضع أصابع يديه على مقدّم خفيه ويمدهما إلى الساق أو يضع كفيه مع الأصابع ويمدهما جملة. شح والأحسن أن يضع كفيه مع الأصابع ثم يمدهما إلى ما فوق الكعبين كالغسل. وقال الشافعي المسح على ظاهره فرض والسنة أن يضع يده اليسرى على عقبه اليمنى وكفيه اليمنى على أطراف أصابعه. ويمد اليسرى إلى الأصابع واليمنى إلى الساق وحديث علي رضي الله عنه يبطله. وفي شرح الطحاوي ولو مسح من قبل العقب أو من جوانبها لا يجوز ولو مسح على ما يلي الساق أو مقدم ظاهره جاز. ولو مسح موضع الأصابع لم يجز.
فصل في مقدار المسح
قال: وفرض ذلك ثلاث أصابع من أصابع اليد.
لأنه أكثر آلة المسح. وللأكثر حكم الكل. وقال الكرخي ثلاث أصابع الرجل. وعن الحسن أكثر أقله لم يجز. ومثله عن أبي يوسف. وعنه ربع ظاهر الخف. والأوّل أصح. ولو مسح بظاهر الكف أو بجوانب أصبع واحدة أو إصابة ماء أو مطر جاز. والأصح في الثادق أنه يجزيه. ويجوز ببلة بقيت في كفه من غسل الوجه أو الذراعين دون بله المسح. ولو مدّ أصبعاً أو أصبعين لم يجز إلا عند زفر وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ولو مسح برؤوس الأصابع محافياً أصولها وكفه لم يجز إلا أن يبلغ ما ابتل عند الوضع قدر الواجب. قال مولانا أو كانت تنزل البلة إليها عند المد.
قال: ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير تبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل.
لأنه يجب غسله. والجمع بين الغسل والمسح متعذر.
قال: وإن كان أقل من ذلك جاز.
خلافاً للشافعي. لنا أن الاحتراز عن القليل متعذر خصوصاً في الأسفار والخف ما يستر الكعب في الزيادات لبس الخفين لا ساق لهما جاز المسح إذا ستر الكعب. وكذا إن ظهر منه قدر أصبع أو
الجزء 1 · صفحة 54
أصبعين. وإن كان قدر ثلاث من أصغر أصابع الرجل لم يجز قال مشايخنا وحكم المكعب المرتفع كالخف الذي لا ساق له. وفي رواية الحسن اعتبر أصابع اليد. وفي الأجناس وفي اعتبار الأصابع مضمومة أم مفتوحة اختلاف المشايخ.
قال مولانا وفي قول المصنّف يتبين منه قدر ثلاث أصابع إشارة إلى أنه إذا ظهر من الخرق الأنامل أو دخلت فيه جاز المسح. وهو اختيار الحلواني. والأصح خلافاً للسرخسي وإن بدأ حالة المشي دون الوضع لم يجز. وإن بدأ ذلك من بطانة الخف دون الرجل. قال الفقيه أبو جعفر الأصح أنه يجوز المسح عند الكل. لأنه كالجورب المنعل.
إنما يعتبر الأصابع إذا كان الخرق بمقابلتها. وفي القدم يعتبر أكثرها. وكذا في العقب. ظهر الإمام جازتها بمسح وإن كان ذلك قدر ثلاث أصابع. لأن الأصابع لا يقدر بالأصابع. والأصح أن الخروق يجمع في خف لا في خفين.
قال: ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل.
لما مر من حديث صفوان رضي الله عنه» أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نمسح على خفافنا لا من جنابه ولكن من بول أو غائط.
قال مولانا وقد سألت أستاذي شيخ الإسلام نجم الأئمة البخاري عن صورته. فقال "توضاً ولبس خفيه ثم أجنب ليس له أن يشد خفيه فوق الكعبين ثم يغتسل ويمسح. وقد يذكر لهذا ما ذكر محمد في الأصل أن المسافر توضأ وليس خفيه ثم أجنب وعنده ما يكفيه للوضوء تيمّم وصلى. فإن أحدث وعنده ذلك الماء لزمه غسل رجليه. ولا يجوز المسح. لأنّ الجنابة حلت القدم وما يذكر بعده من مروره على الماء الكثير نائماً ليس. ليس بصحيح. لأن الجنابة لا يعودا على الأصح كمن تيمم وبقربه ماء لا يعلم به.
فصل في نواقض المسح على الخفين
قال: وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء.
لأنه بعض الوضوء وخلف عن الغسل.
قال: وينقضه أيضاً نزع الخف ومضي المدة.
الجزء 1 · صفحة 55
لسراية الحدث السابق إلى القدم لزوال المانع.
قال: فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى وليس عليه إعادة بقية الوضوء.
لعدم الناقض لها. وعن النخعي والأوزاعي والزهري أنه يعيد الوضوء وعن النخعي أيضاً. والحسن البصري وعطاء أنه لا يجب غسل الرجلين.
قال مولانا ينقض المسح على الخصوص أمور ثلاثة.
نزع أحد الخفين. وذلك بوصول القدم إلى الساق بط فإن نزع بعض القدم عن مكانه. فعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا زال العقب عن مكانها أو أكثرها نقض المسح. وعن أبي يوسف إذا نزع من ظهر القدم قدر ثلاث أصابع نقض وعن محمد إذا بقى منه في موضع المسح قدر ثلاث أصابع لم ينتقض. في بعض الروايات تعتبر مكنه المشي بعدما يحرك القدم عن موضعه. وفي البعض يعتبر خروج أكثر ما يفترض غسله. وفي الكافي وأكثر العلماء على أنه إن بقي في مقر القدم قدر ثلاث أصابع لا ينقض. وهو مروي عن محمد. وفي صلاة الزعفراني أعرج يمشي على صدور قدميه. وقد ارتفع عقباه عن عقب الخف. وصدر القدم في مقره أو صحيح أخرج عقبه من الخفّ وصدر القدم في مقره ما لم يخرج صدر القدم إلى الساق يمسح. وفي بعض المواضع صدر القدم في مكانه والعقب يخرج وتدخل في المشي لسعة الخف لم ينتقض. وعن أبي علي الدقاق ولبس جرموقين واسعين ففضل من الخف قدر المسح فمسح على الفضله لم يجز وإن قدم رجله ومسح عليها جاز. وإن تأخر أعاد المسح.
والثاني مضي المدة. فإن مضت في صلاته ولا ماء عنده قيل تفسد والأصح أنه يمضي فيها بلا تيمم. وعن الزيد ونسي إن شرع في صلاته بالتيمم ومضت تيمم وبنى. وإلا فتفسد. ولو شرع متوضئاً فأحدث وذهب ليبني فلم يجد ماء ومضت تيمّم وبني. ويبنى الماسح وإن مضى الوقت قبل الفراغ من الوضوء أو نزع خفيه. وإن مضت وهو يخاف البرد على رجليه بالترع يستوعب بالمسح كالجبائر ويصلي.
والثالث وصول الماء إلى رجله دخل الماء خفه فصار كلّ الرجل مغسولة انتقض مسحه. وإلا فلا. وهكذا في فتاوي الفضلى عن الفقيه أبي جعفر إن ابتل أكثره انتقض. وإلا فلا. وعن أبي بكر العياض لا ينتقض وإن بلغ الماء الركبة.
قال: ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح تمام ثلاثة أيام ولياليها.
لأنه مسافر. ومسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها.
الجزء 1 · صفحة 56
قال: ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام فإن كان يوماً وليلة أو أكثر لزمه نزع خفيه.
لأنه مقيم.
قال: وإن كان أقل منه تمم مسح يوم وليلة.
لأن مسح المقيم لا يزيد على يوم وليلة. وقال الشافعي إذا ابتدأ المسح وهو مقيم لا يزيد على يوم وليلة. وإن سافر قبل المسح يتمم ثلاثة أيام.
قال: ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجرموقين، وهذا إذا لبسهما على الطهارة ولم يمسح بعد على الخف. فإن كان واسعاً فأدخل يده فيه فمسح على الخفّ لم يجز كالمسح على باطن الخف. وإن نزعهما بعد المسح يعيد المسح على الخفّ. وإن نزع أحدهما يعيد على الخفّ والجرموق الباقي. وقال زفر يمسح على الخف فحسب.
فصل في بيان المسح على الجوربين
قال: ولا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلّدين أو منعلين. وقالا يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء.
قال مولانا وفي بعض النسخ لا ينشفان الماء. وقولهم لا يشفان الماء خطاً. قال في المغرب شف الثوب رق حتى رأيت ما وراه. ومنه إذا كانا ثخينين لا يشفان. ونفي الشفوف تأكيد للثخانة. وأما ينشفان فخطأ. قال والجورب المجلد ما وضع الجلد على أعلاه وأسفله والمنعل بالتخفيف وسكون النون ما وضع على أسفله جلدة كالنعل للقدم.
والثخين ما يستمسك على الساق من غير شد. واختلف في المنعل أنه إلى الساق أم إلى أسفل القدم. وفي أمالي قاضي خان على رواية الحسن إلى أسفل الكعبين. وفي ظاهر المذهب إلى أسفل القدم لهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين, ولأبي حنيفة أن الجوارب لا يعتاد المشي فيها خصوصا في السفر. فشابه اللفافة والرقيق. وروي أنه رجع عنه في مرضه. لا يمسح على الجورب من مرعزي والرقيق من غزل أو شعر بلا خلاف. فإن كان ثخيناً يمشي معه فرسخاً فصاعداً كجوارب أهل مرو فعلى الخلاف وكذا الجورب من جلد رقيق على الخلاف وعنه أنه يجوز. ويجوز على الجوارب اللبدية.
الجزء 1 · صفحة 57
وعن أبي حنيفة لا يجوز قالوا ولو شاهد أبو حنيفة صلابتها لأفتى بالجواز. ويجوز على الجاروق الكعب والخف المشقوق أو الجورب أو الجاروق المشقوق على ظهر القدم وله أزرار وسيورإذا كان يستر شده عليه فيستره فهو كغير المشقوق وإن ظهر من ظهر القدم شيء فهو كخروق الخف.
قال مولانا وأما الخف الدوراني الذي يعتاده سفيهات زماننا. فإن كان مجلداً. يستر جلده الكعب جاز المسح عليه. وإلا فلا. وإليه أشار في ذكر شمس الأئمة الحلواني أن الجوارب خمسة أنواع من المرعزي والغزل والشعر والجلد الرقيق والكرباس. وذكر التفاصيل في الأربع من الثخين والرقيق والمنعل وغير المنعل والمبطن وغير المبطن. وأما الخامس فلا يجوز المسح عليه كيف ما كان.
قال: ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفازين.
لأن غسل هذه الأعضاء فرض بنص الكتاب. ولا حرج في نزعها فيفترض الغسل.
فصل في المسح على الجبائر والعمامة
قال: ويجوز المسح على الجبائر وإن شدّها على غير وضوء.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه بالمسح على الجبائر حين كسر زنده يوم أحد.
قال: فإن سقطت من غير برؤ لا يبطل المسح.
لقيام العذر. وهو كالغسل لما تحته.
قال: وإن سقطت عن برؤ بطل.
لزوال العذر.
اعلم أن المسح على الجبائر كالغسل لما تحته بخلاف المسح على الخف. وفائدته تظهر في عشرمسائل.
إحديها: إذا شد الجبائر محدثاً يمسح عليها.
وثانيتها: أنه لا يتوقت بوقت كاليوم والليلة.
وثالثتها: إذا نزعها قبل البرؤ لا يبطل.
الجزء 1 · صفحة 58
ورابعتها: إذ مسح عليها ثم شد عليها أخرى أو عصابة جاز المسح على الفوقاني
وخامستها: مسح الجبائر في الرجلين ثم لبس الخفين مسح عليهما.
و سادستها: أن الاستيعاب أو أكثرها في المسح عليها شرط على اختلاف الروايتين.
وسابعتها: إذا دخل الماء تحت الجبائر أو العصابة لا يبطل المسح.
وثامنتها: أنه لا يشترط النية فيه في جميع الروايات. ويسن التثليث عند البعض إذا لم يكن على الرأس.
وتاسعتها: إذا زالت العصابة الفوقانية التي مسح عليها واستغنى عنها لا يعيد المسح على التحتانية خلاف أبي يوسف.
وعاشرتها: ذا كان الباقي من العضو والمعصوب أقل من ثلاث أصابع كاليد المقطوعة أو الرجل جاز المسح عليهما بخلاف المسح على الخف في هذه الأحكام.
في شرح الطحاوي وتجريد القدوري المسح على الجبائر ليس بفرض عند أبي حنيفة وإن لم يضره. وقيل فرض. وعن أبي علي النسفي إنما يجوز المسح إذا لم يضره المسح على القرحة. قال "ويجب حفظ هذا لفضلة الناس عنه".وإن زادت الجبائر أو عصابة المفتصد على الجرح يجزيه المسح. وعن النسفي إنما يجزيه على خرقة المفتصد دون عصابته. وقيل إن أمكنه شد العصابة بنفسه لم يجز. إذا ضره غسل ما تحت العصابة مسح عليها. وإلا فلا. وكذا في كل خرقة جاوزت القرحة. وفي الفرجة التي بين عقدي عصابة المفتصد اختلاف المشايخ انكسر ظفره فوضع عليها العلك أو الدواء على الشقاق أو موضع القلفة لا يكلف إيصال الماء تحته. ويمر الماء عليه فإن عجز مسح، وإن عجز سقط.
قال مولانا ولم يذكر في عامة كتب الفقه أنه إذا أبرأ موضع الجبائر ولم يسقط. وذكر في الصلاة للمتقي. أنه بطل المسح. والله أعلم. عن أبي حفص إذا أخذت العصابة الرجل أو اليد أو الوجه مسح على الكل. وإلا فيغسل ما بدأ.
باب الحيض
فصل في تقسيم الدماء
اعلم أن الدماء المختصة بالنساء ثلاثة حيض ونفاس واستحاضة.
الجزء 1 · صفحة 59
فالحيض دم الحائل في وقته وقدره والنفاس ما يعقب الولادة والاستحاضة ما سواهما. وقد جعلها بعض المتأخرين أربعة أقسام هذه الثلاثة والدم الضائع. قالوا والدم الضائع ما تراه قبل البلوغ. وإنما سموه ضائعاً لمعنيين. أحدهما أنه لا يثبت عليها أحكام الاستحاضة من الوضوء والصلاة والصوم وغيرها. والثاني دم الاستحاضة يفسد دم الحيض بالتشوّت. وهذا الدم لا يفسده حتى أن المراهقة إذا رأت قبل تمام تسع سنين خمسة أيام وعقيبها بعد تمام التسع ثمانية أيام وطهرت طهراً صحيحاً كانت الثمانية عادة لها بالإجماع. ولو كان دم الاستحاضة لفسد بها الثمانية.
قال مولانا ولا فقه في هذا الخلاف فإن المتقدمين جعلوا الاستحاضة قسمين. قسم يفسد دم الحيض ويفيد أحكامها إذا صادفت الأهل في وقتها وقسم لا يفسده ولا يفيد أحكامها كدم الصغيرة ودم المعتوهة والمجنونة في غير وقته. أما دم الحيض فإن الدم لا يكون حيضاً إلا في وقت مخصوص بلون مخصوص وقدر مخصوص وله أحكام مخصوصة.
أما الوقت فمن تسع سنين على الأصح إلى الإياس والإياس يحصل بعد انقطاع الدم مدة لا يصلح لنصب العادة عند ستين سنة. وعند أكثرهم عند خمس وخمسين سنة. والفتوى في زماننا عند الخمسين. وهو قول عائشة وسفيان الثوري وابن المبارك ومحمد بن مقاتل الرازي وبه أخذ نصير بن يحيى وأبو الليث وعز الدين الكندي السمرقندي. والمصنّف لم يذكر الوقت وابتدأ الباب بالمقدار ثم باللون ثم بالأحكام ثم بالاستحاضة ثم بالنفاس.
فصل في مدة الحيض
فقال: أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها فما نقص من ذلك فليس بحيض وهو استحاضة. وأكثره عشرة أيام ولياليها فما زاد على ذلك فهو استحاضة.
وعند مالك أقله ساعة. وعند الشافعي يوم وليلة. وعند أبي يوسف يومان وأكثر اليوم الثالث. وقيل وليلته والكثرة بالثلثين. وقيل بثلاثة الأرباع. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة ثلاثة أيام مع يتخللها من الليالي. وأما أكثره فعشرة عندنا. وقال الشافعي خمسة عشر يوماً. وهو قول أبي حنيفة الأول. والصحيح ما ذكر في الكتاب لحديث النبي صلى الله عليه وسلم «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام وما زاد
فهو استحاضة «. وعن عائشة رضي الله عنها وواثلة وابن عمر و أنس رضي الله عنهم عن النبي
الجزء 1 · صفحة 60
صلى الله عليه وسلم مثله. وذكر الأيام تستتبع الليالي كمن استأجر داراً ثلاثة أيام أو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو حلف بعد الغروب لا يكلمه ثلاثة أيام يدخل فيها الليالي ويقرره قصة زكريا صلوات الله عليه.
ثم هذه الأيام والليالي معتبرة بالساعات حتى لو رأت قد طلع نصف قرص الشمس وانقطع في الرابع وقد طلع دون نصفه فليس بحيض. فتتوضأ وتقضي الصلوات وإن طلع نصفه يغتسل ولا تقضي. وكذا المعتادة بخمسة رأت وقد طلع نصفه وانقطع في الحادي عشرة وقد طلع أكثره اغتسلت وقضت صلوات خمسة أيام. لأنها مستحاضة وإلا فلا وكان أبو إسحاق الحافظ يقول هذا في أقل الحيض وأقل الطهر وفيما سواهما إذا كانت أخبرته المرأة بأنها طهرت في الحادي عشر أخذ لها بعشرة. وفي العاشرة بتسعة. وفي الطهر مثله. وما كان يتعرض للساعات وعليه الفتوى. وأما الألوان فقال: وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيض حتى ترى البياض خالصا.
لأن الله تعالى وصف الحيض بكونه أذى وهذه الألوان تشترك في هذا المعنى. ولأن عائشة رضي الله عنها كانت تنهي عن الصلاة الحيض حتى ترى القَصَّة البيضاء أي البياض الخالص. واعلم أن ألوان الدماء ستة السواد والحمرة والصفرة يعنى المشبعة وإنها حيض بالاتفاق عند شروطها. وعن الصحابة أنهم قالوا السواد والحمرة والصفرة حيض بطا عن أبي منصور الماتريدي أنها إذا اعتادت أن ترى أيام الطهر صفرة وأيام الحيض حمرة. فحكم صفرتها حكم الطهر لدلالة الحال. وقيل إنما اعتبر ذلك في صفرة غلبها البياض. ولها حكم الطهر على قول أكثر المشايخ وعن أبي بكر الإسكاف إن كانت الصفرة على لون البقم أي العندم فهي حيض. وإلا فلا في صحاح اللغة البقم هو العندم والكدرة. وهي كالماء الكدر والتربية وهي كالتراب وقيل التربية كلوني الرئة والخضرة عند الأكثر وإنها حيض عندنا إلا إذا تقدمت الدم عند أبي يوسف، والمتأخرة دم عنده ما لم يكن بينها وبين الحمرة خمسة عشر يوماً بياض خالص.
وأما الصفرة الضعيفة كالكدرة. وهي كصفرة التين. وقيل كصفرة العين. وقيل كصفرة السن. وقيل ما ينطلق عليه اسم الصفرة. وقيل كالعندم. قال أستاذنا فخر الأئمة البديع ولو أفتى المفتي بشيء من هذه الأقوال في مواضع الضرورة طلباً للتيسير كان حسناً. وأما أحكام الحيض فإثنا عشر. أربعة يختص بالحيض. وهي انقضاء العدة والاستبراء والحكم ببلوغها والفضل بين طلاقي السنة. وقد ذكرها المصنّف في مواضعها. وثمانية يشترك فيها الحيض والنفاس. وهي التي ذكرها سوى الغسل.
الجزء 1 · صفحة 61
فصل في ما سقط بالحيض وحرم على الحائض
فقال: والحيض يسقط عن الحائض الصلاة ويحرم عليها الصوم. وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.
يعني في زمان الحيض والنفاس وأما القضاء فلحديث عائشة للسائلة "كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقضي الصيام ولا نقضي الصلاة "ولأنها تحرج في قضاء الصلوات لتكررها في كل يوم وليلة. وشغلها عن القيام بأمور المعاش. ولا حرج في الصوم. لأنّ قضاء عشرة أيام في السنة سهل. وأكثر المشايخ الأصح أن قضاء الصوم يجب على التراخي. وعند أبي بكر الرازي على الفور. والمبتدئة إذا رأت ترك الصلاة والصوم عند أكثر أئمّة بخارا. وعن أبي حنيفة أنها لا تترك حتى يستمر ثلاثة أيام. وبه بشر. وكذا إذا جاوزت الدم عادتها في العشرة. وإن رأت قبل عادتها تصلي في الزيادة بيقين. إذا كان بعد طهرها نص وبعد التمام تصلّي بالشك عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف تركت إذا كان التام صحيحاً. وكذا في الفاسد إذا كانت الزيادة بحال. لو ضم إلى أيامها لا يجاوز العشرة. فإن جاوز" صلت فيها بالشك. وهكذا عند محمد في الصحيح والفاسد. وإن حاضت وقد بقى من الوقت قدر التحرمة سقط عنها الصلاة. وإن طهرت بعد العشرة وقد بقى منه هذا القدر فعليها قضاء صلاة ذلك الوقت. وإن طهرت قبلها يعتبر ما يغتسل فيه فتحرم. والصحيح أنه يعتبر مع الغسل لبس الثياب. وهكذا جواز صومها إذا طهرت قبل الفجر. لكن الأصح أنه لا تعتبر التحرمة في حق الصوم.
قال: ولا تدخل المسجد.
لأنه مكان الصلاة فيمنع منه ما ليس من أهلها كالجنب وبل أولى. لأنّ الحيض أغلظ. وسطح
المسجد وظلة بابه في حكمه.
قال: ولا تطوف بالبيت
لأن عائشة حاضت بسرف فقال صلى الله عليه وسلم «اصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت.
قال مولانا وما علل به بعض المشرحين أنها إنما تمنع للحاجة إلى الدخول في المسجد فضعيف. فإنها وإن طافت خارج المسجد لا يجوز مع جوازه للطاهر لما أن الطواف بالبيت كالصلاة. قال صلى الله عليه وسلم «الطواف بالبيت صلاة «
الجزء 1 · صفحة 62
قال: ولا يأتيها زوجها.
لقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن فالأمر بالاعتزال والنهي عن القربان دليلان على الحرمة، ولو قالت حضت وكذبَها الزوج حرم وطها. وإن وطئها لا شيء عليه سوى التوبة. وقيل إن كان في أوّل الحيض يستحب أن يتصدق بدينار. وفي آخره بنصفه. وقال بعض الناس يجب. وإن استباحا ذلك يكفران بالإجماع. وله أن يستمتع بما فوق الإزار قيل أراد فوق السرة. وقيل بمواضع الإزار لكنه فوقه. وقال محمد والثوري والشافعي في قول يبقى شعار الدم فحسب. والأول أحوط.
قال: ولا يجوز لحائض ولا لجنب قراءة القرآن.
لحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهي الجنب والحائض عن تلاوة القرآن. وأطلق الطحاوي ما دون
الآية للحائض والنفساء. وفي صلاة الجلابي قال أبو الليث لا بأس أن يقول الجنب} الحمد الله رب العالمين {شكراً أو} بسم الله الرحمن الرحيم {عند ابتداء أمر تبركاً. وفي العيون الجنب إذا قرأ الفاتحة على سبيل الدعاء لا بأس به.
قال: ولا يجوز لمحدث مس المصحف إلا أن يأخذه بغلافه.
لقوله تعالى} لا يمسه إلا المطهرون {وقال صلى الله عليه وسلم» لا يمس القرآن إلا طاهر» وكذا الحائض والجنب. وقال الشافعي لا يمسه بغلافه أيضاً كالجلد والكم ولنا أن الجلد تبع للمصحف. والكم تبع للماس بخلاف الغلاف لانفصاله على أن عامة مشايخنا قالوا لا بأس بمس الحائض المصحف بكمها أو ذيولها. والغلاف هو الجلد الذي عليه في أصح القولين. وقيل هو المنفصل كالخريطة. ولا بأس بكتابة القرآن إذا كانت الصحيفة أو اللوح على الأرض أو الوسادة عندهما ولو تمضمض الجنب أو غسل يديه. روى عن أبي حنيفة أنه لا بأس أن يقرأ القرآن أو يمسه.
قال مولانا ورأيت جواب أستاذي نجم الأئمة البخاري في الفتوى فيه أنه لا بأس به. جت واختلفوا في مس المصحف بما عدا أعضاء الطهارة قبل الوضوء بما غسل من الأعضاء قبل إكمال الوضوء. والمنع أصح.
قال: فإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يجز وطئ الحائض حتى تغتسل أو يمضي
الجزء 1 · صفحة 63
عليها وقت صلاة.
وفي بعض النسخ كامل.
قال: وإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطئها قبل الغسل.
وذلك من حيث النص والمعقول. أما النص فقوله تعالى} ولا تقربو هن حتى يطهرن {بالتشديد على قراءة حمزة والكسائي وخلف وحماد والمفضل أي حتّى يغتسلن. يقتضي حرمة القرآن إلى غاية الاغتسال. فلا يجوز قبله. وقوله تعالى حتى يطهرنا بالتخفيف على قراءة الباقين يقتضي جوازه بعد الظهر قبل الغسل. فيحمل القراءة الأولى على ما دون العشرة والثانية على العشرة عملاً بالقراءتين وتوفيراً على الحجتين حظهما.
فإن قيل لم جعلتم التوفيق على هذا الوجه أولى من عكسه؟ قلنا لما تبين في المعقول. وأما المعقول فلأنها لما طهرت عند تمام العشرة أو لم تطهر. فقد تيقنا بخروجها من الحيض. وهي كالجنب. والجنابة لا تمنع القربان بخلاف ما إذا طهرت قبلها. لأنا لم نتيقن بخروجها من الحيض لاحتمال معاودة الدم. وحرمة القربان ثابت بيقين. فلا يزول حتى يتأكد الانقطاع بحكم من أحكام الطهارات كالاغتسال أو وجوب الصلاة في ذمتها بمضي أخر الوقت الذي يسع للاغتسال والتحريمة. وقوله "أو يمضي عليها وقت صلاة" مبهم. لا بد من تفسيره. وقولهم "كامل" زيادة موهومة غير مفيدة.
والمراد لوقت الصلاة أخر الوقت الذي يسع للاغتسال والتحريمة. لأن الصلاة إنما تجب عليها إذا وجدت من آخر الوقت هذا القدر. ولو لم تجد ماء فتيممت لم يحل وطئها عند أبي حنيفة. وأبي يوسف حتى تصلي. والأصح من قول محمد أنه يحل. وبه. زفر. بط فإن وجد الماء بعده حرم قربانها عند ابن المبارك. وعندنا يحرم القراءة لا الوطئ. هذا في المبتدئة أو المعتادة إن انقطع دمها لتمام عادتها. وإن انقطع قبله يكره قربانها والتزوج بزوج آخر حتى تتم عادتها وتغتسل. قال القاضي حكيم ذكر محمد في الأصل أحب إلى أن يكف عنها زوجها حتّى يمضي أيامها. وقال كثير من مشايخنا يكره. وقال الشافعي يحل. ومتى طهرت المبتدئة دون العشرة أو المعتادة دون عادتها أخرت الوضوء والاغتسال إلى آخر الوقت بحيث لا يدخل الصلاة في الوقت المكروه. ثم يتوضأ قبل ثلاثة ويغتسل بعدها. ولا يؤخر الصلاة وقتاً واحداً. فكيف أوقاتاً وأياماً لرجاء معاودة الدم؟ وهذا مما تغفل عنه النسوان جداً.
قال مولانا ولما تقرر من الفقه في أصل المسألة. قال مشايخنا زمان الغسل من الطهر في حق
الجزء 1 · صفحة 64
صاحب العشرة ومن الحيض فيما دونها ولكن ما قالوه في حق القربان وانقطاع الرجعة وجواز التزوج بزوج آخر لا في حق جميع الأحكام. ألا ترى أنها إذا طهرت عقيب غيبوبة الشفق ثم اغتسلت عند الفجر الكاذب ثم رأت الدم في الليلة السادسة عشر بعد زوال الشفق فهو طهر تام بالإجماع وإن لم يتم خمسة عشر من وقت الاغتسال وحكى أن خلف ابن أيوب أرسل ابنه من بلخ إلى بغداد للتعليم. وأنفق عليه خمسين ألف فلما درهم. رجع. قال له "ما تعلمت؟ قال تعلمت هذه المسألة. وهو إن زمان الغسل من الطهر في حق صاحبة العشرة ومن الحيض فيما دونها. فقال والله ما ضيعت سفرك.
قال مولانا وإنما تثبت هذه الأحكام السبعة التي عدها المصنّف ببروز الدم. وذلك لمجاوزته موضع البكارة كنواقض الطهارة. وقال محمد إذا أحسب ببروز الدم قبل البروز تثبت هذه الأحكام.
قال: والطهر إذا تخلّل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري.
لأن الأصل في الدم المرئي في مدة الحيض أن يكون حيضاً ولا ذلك أن لا يجعل الطهر المتخلل حكماً فجعلناه دما لهذا المعنى كمن رأت يوماً دماً وثمانية طهراً أو يوماً دماً.
قال مولانا وكثير من المشرحين لهذا الكتاب كصاحب زاد الفقهاء وأبي نصر السرخسي وغيرهما زعموا أن هذا قول أبي يوسف وأبي حنيفة أخذاً إن طهر ما دون خمسة عشر يوماً لا يكون فاصلاً. وقول
المصنف الطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض يأبى ذلك. لأنه لا يسع في مدة الحيض إلا ما دون عشرة أيام. لكن المراد به رواية محمد عن أبي حنيفة.
ثم اعلم أن الروايات قد اختلفت في الطهر الذي لا يفصل بين الدمين. فعند أبي يوسف وروايته عن أبي حنيفة أخذا ما قصر عن خمسة عشر يوماً اعتباراً بالدم القاصر. وعليه كثير من المتأخرين. وإنما يجوز بداية الحيض بالطهر وختمه به على هذه الرواية. وفي رواية محمد ما ذكره في المتن. وكذا في رواية ابن المبارك عنه بشرط أن يكون المرئي في العشرة نصاباً. وعند محمد إذا كان مثل الدمين في العشرة أو دونه. وعند الحسن ما قصر عن ثلاثة أيام حتى لو رأت المبتدئة يوماً دماً ويومين طهراً ويوماً دماً فالكل حيض بالاتفاق. ولو كان الطهر ثلاثة لم يكن حيضاً عند الحسن ومحمد دون الباقين. ولو كان ثمانية لم يكن حيضاً عند ابن المبارك أيضاً. ولو كان تسعة لم يكن حيضاً في رواية محمد عنه. ولو كان خمسة عشر لم يكن حيضاً بالاتفاق. ثم إذا كان الطهر فاصلاً عندهم فإن لم يكن شيء منهما نصاباً فالكل استحاضة. وإن كان أحدهما فذلك حيض. وإن كان كلّ واحد منهما نصاباً فأولهما حيض. والباقي استحاضة.
الجزء 1 · صفحة 65
وأكثر المتقدمين والمتأخرين أفتوا على قول محمد. لأنه أقرب إلى التحقيق.
قال: وأقل الطهر خمسة عشر يوما.
لأن للظهر أثراً في إيجاب الفرض كالإقامة لها أثر في تكميل الفرض. ثم ثبت الأخبار أن أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوماً. فكذا أقل مدة الطهر.
قال: ولا غاية لأكثره.
إلا إذا ابتلت بالاستمرار ووقعت الحاجة إلى نصب العادة لها. ففي الصالح لنصب العادة اففي الصالح لنصب العادة اختلاف المشايخ. فعند محمد بن شجاع تسعة عشر يوما. وعند محمد بن سلمة وابن سلام سبعة وعشرون يوما.
فما دونها. وعند أبي علي الدقاق سبعة وخمسون فما دونها. وعند الحاكم شهران فما دونه. وعند الميداني ما دون ستة أشهر. وعليه الأكثر.
قال مولانا لكن الأظهر عند ما قاله أبو علي الدقاق. لأن بعد الرؤية مرتين يتغير الحكم. وينتقل العادة مكاناً. وذلك بالزيادة على سبعة وخمسين. وكان أستاذي يميل إلى قول محمد بن سلمة. وهذا حسن أيضاً، لأنه الغالب في النساء.
فصل في أحكام المستحاضة
قال: ودم الاستحاضة هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام. فحكمه حكم الرعاف لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا الوطئ.
لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت حبيش رضي الله عنهما قالت إني استحاض فلا أطهر «ليس ذلك دم حيض. إنما هو دم عرق» عند داود اعترض» توضئي لكل صلاة» وروي «لوقت كل صلاة» ودم العرق لا يمنع هذه الأحكام كالرعاف.
قال: وإذا زاد الدم على العشرة وللمرأة عادة معروفة ردّت إلى أيّام عادتها. وما زاد على ذلك فهو استحاضة.
لقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة» دعي الصلاة أيام أقرائك» وروي المستحاضة ترد إلى أيامها المعروفة. فالحاصل أنها متى رأت الزيادة على عادتها في العشرة تركت الصلاة والصوم على
الجزء 1 · صفحة 66
الأصح. ثم إن زاد على العشرة أو قصر الطهر بعده عن خمسة عشر قضت الزيادة.
قال: وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة أيام من كل شهر والباقي استحاضة.
أخذاً بالإمكان. وقال الشافعي يوم وليلة أخذاً باليقين.
قال: والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضئون لوقت كلّ صلاة. ويصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل. فإذا خرج الوقت بطل وضوئهم. وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى.
وقال الشافعي تتوضأ لكل صلاة مكتوبة لقولهصلى الله عليه وسلم» المستحاضة تتوضاً لكل صلاة «ولنا قوله «المستحاضة تتوضاً لوقت كلّ صلاة «وهو المراد بالأول. لأن الصلاة تذكر ويراد وقتها.
قال صلى الله عليه ولم» أينما أدركتني الصلاة تيمّمت» أي وقت الصلاة. وإنما يبطل وضوءها بخروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد لزوال الحاجة. وعند زفر بالدخول لعدم الضرورة قبله وعند أبي يوسف بهما.
رعف أو سال عن جرحه دم انتظر آخر الوقت. ثم يتوضأ ويصلي قبل خروجه. فإن دخل وقت آخر ثم انقطع يتوضأ ويعيد. وإن لم ينقطع حتى خرج الوقت لا يعيد اعتباراً للثبوت بالسقوط حتى لو انقطع دمها في خلال صلاة الظهر ودام الانقطاع إلى غروب الشمس أعاد الظهر. وإلا فلا.
قال أبو القاسم به خرج سائل. فإن كان يسيل في كل وقت مرتين أو ثلاثاً توضأ لوقت كلّ صلاة. وإن كان يسيل مرّة أو في وقتين مرّة توضاً لكل مرّة. وفي الأربعين ومتى قدر على رد السيلان برباط أو حشو أو جلوس في الصلاة أو إيماء لم يعالج صلّى مع السيلان لم يجزه. وفي البزدوي ويجب رد السيلان بعلاج إن قدر. قاضي صدر إذا غسلت ثوبها وهوا بحال يبقى طاهراً إلى أن يفرغ من الصلاة. ولا يبقى إلى أن يخرج الوقت. فعندنا يصلّي بدون غسل الثوب. وعند الشافعي لا. لأن الرخصة عندنا مقدرة بخروج الوقت وعنده بالفراغ من الصلاة.
ثوب يفسده الجرح إذا لبسه صلّى فيه. وكذا الخرقة إذا غسلها عادت مثلها. وفي صلاة البقالي تعلم أنها لو غسلت يبقى طاهراً إلى أن تصلّي يجب ذلك بالإجماع. وإن علمت أنه أبي يوسف دون محمد
الجزء 1 · صفحة 67
في عينه رمد يسيل دمعاً آمره بالوضوء لاحتمال كونه صديداً أو قيحاً. وعن هشام في جامعه إن كان قيحاً فكالمستحاضة. وإلا فكالصحيح. ومن به استطلاق البطن أو سلس البول فكالمستحاضة.
قال مولانا ولم يذكر المصنّف مسائل الانتقال والعادة تنتقل. عند أبي يوسف بأحد أمور ثلاثة بعدم رؤية مكانها مرّة أو بطهر صحيح صالح لنصب العادة مخالف للأول مرّة أو دم صحيح مخالف للأول مرة واحدة. وعندهما بتكرر هذه الأمور مرتين على الولاء.
باب النفاس
فصل في أحكام النفاس
قال: والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة.
فإن لم تر دما صارت نفساء أيضاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتّى لزمها الغسل. لأن النفاس مشتق من تنفس الرحم أو النفس أو الولادة على ما قال شاعرهم: إذا نفس المولود من آل خالد بدَا كَرَم للناظرين قريب. وقد وجد ذلك كله. وابتداؤه من حين خرج بعض الولد في رواية المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وفي رواية خلف عنهما إذا خرج أكثره. وعن محمد مثله. وعنه كله. واختار المصنّف أكثره حتى قال: وما تراه المرأة في حال ولادتها قبل خروج أكثر الولد استحاضة. لانسداد فم الرحم قبله. فتكون دم عرق غالباً. فتتوضاً إن قدرت في هذه الحالة أو تتيمم وتومئ الصلاة ولا تؤخر. فما عذر الصحيح القادر؟
قال: وأقل النفاس لا حد له.
للتيقن أنها من الرحم لانفتاح بحراها بخلاف دم الحيض.
قال: وأكثره أربعون يوماً.
وقال الشافعي ستون. وقال مالك سبعون بحديث أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم» تنتظر النفساء ما بينها وبين أربعين صباحا إلا أن ترى طهرا قبل ذلك «وروى تقعد. وطهر ما دون خمسة عشر في مدة النفاس. ليس بفاصل إجماعاً. وكذا خمسة عشر عند أبي حنيفة خلافهما.
قال: وإذا تجاوزت الدم أربعين وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردّت إلى أيام عادتها. كما في الحيض.
الجزء 1 · صفحة 68
قال: وإن لم يكن لها عادة فابتداء نفاسها أربعون.
كما مر.
قال: ومن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأوّل عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
لوجود حده على ما مر.
قال: وقال محمد وزفر من الولد الأخير.
لأن الولدين حمل واحد. ألا يرى أنه لا تنقضي العدة بأحدهما ولهما أن انقضاء العدة تعلق بوضع الحمل لتضرع من زرع الأول. والنفاس تعلّق بخروج النفس وقد خرج. والبطن الواحد يكون بينهما أقلّ ستة أشهر. ولو أسقطت سقطاً استبان بعض خلقه فالدم بعدة نفاس وقبله استحاضة. وإلا فحيض في موضوعه وسائر أصول الحيض وفروعه قررناها في المحيض الجامع والله أعلم.
باب الأنجاس
فصل في حكم تطهير النجاسة
قال: تطهير النجاسة واجب من بدن المصلّي وثوبه والمكان الذي يصلى عليه.
وذلك من حيث الكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى} وثيابك فطهر والرجز فاهجر {وأما السُنة فحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم» كان ينهي عن الصلاة في سبع المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وظهر الكعبة» ولأن الصلاة مناجاة الله تعالى فوجب أن تكون على أحسن هيئاته وأحواله وذلك بطهارة ما ذكرنا.
افتتح الصلاة على النجاسة لم ينعقد. ولو انتقل إليها بعد الافتتاح ثم أعاد ذلك الركن في مكان طاهر جاز إلا أن يتطاول فيصير في حكم مفسد والنجاسة في موضع ركبتيه ويديه لا يمنع. وكذا في موضع وجهه في رواية أبي يوسف عنه. لأنّ السجود يتأدى بالأنف عنده. وإنه أقل من الدرهم. وفي رواية محمد لم يجزه. وإن أعاده في مكان طاهر يجزيه بخلاف حمل النجاسة. لأنّ الوضع أهون من الحمل.
والسجود على فراش ظاهره طاهر وباطنه نجس يجوز. وكذا الثوب المثنى أو الحبة المحشوة. وعن أبي يوسف لا يجوز. ولو صلّى في جانب بساط والآخر نجس جاز. وفي الثوب إن تحرك بحركته لم
الجزء 1 · صفحة 69
يجز. وفي الزيادات جاز تحرك أو لا.
فصل في ما يجوز به تطهير النجاسة
قال: ويجوز إزالة النجاسة بالماء وبكل مائع يعمل عمل الماء يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد والماء المستعمل ونحوها.
وقال محمد وزفر ومالك والشافعي لم يجز إلا بالماء. وكذا في البدن عندهما في رواية. لأنّ الزوال بالماء على خلاف القياس لتنجس البلة بالمجاورة. فيقتصر على مورد النص. ولأنها لا تزيل الحدث. فالخبث أولى. ولهما أنها تشارك الماء في قلع العين وإزالة الأثر اللازم للنجاسة فتشاركها في الإزالة. وتوقف زوال الحدث على الماء لاحتمال تضرر الأعضاء بتلك المائعات وتلوثها لمناسبتها ولهذا لم يجز في البدن عندهما أيضاً على أن وجوب غسل تلك الأعضاء الظاهرة حقيقة على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص. شده ثم من جملة المائعات الماء المستعمل. وهذا قول محمد. وروايته عن أبي حنيفة. وعليه الفتوى. وفي بعض الشروح وأما عند أبي يوسف فنجس نجاسة خفيفة. فلا تفيد الطهارة إلا أنه إن زال به نجاسة غليظة زالت وتبقى نجاسة الماء. قيل غسل نجاسة غليظة ببول ما يؤكل لحمه زالت. وبقي نجاسة البول. والأصح أن التطهير بالنجس لا يكون.
والماء المقيد ما استخرج بعلاج كماء الصابون والحرض والزعفران والأشجار والثمار والبطيخ والباقلاء. فهو طاهر غير طهور يزيل النجاسة الحقيقية من الثوب والبدن جميعاً. كذا قاله الكرخي والطحاوي. وفي العيون لا يزيل عن البدن في قولهم جميعاً. والصحيح ما ذكراه. وعن الوبري إن كان الدهن على اللبن غالباً لا يزيل النجاسة. وإلا فيزيل. وعن أبي يوسف غسل الدم من الثوب بدهن أو سمنٍ أو زيت حتى ذهب أثره جاز. ولا يجزي في البدن إلا الماء.
قال: وإذا أصابت الخف نجاسة لها جرم فجفت فدلكه بالأرض جاز.
وقال محمد والشافعي لا يطهر إلا بالغسل إلا في المني اليابس عند محمد لتشرب بلة النجاسة فيه كما
إذا أصابته تلك البلة بانفرادها وكالثوب والرطب. ولهما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه» أن النبي كان يصلي فخلع نعليه فخلع القوم نعالهم فقال لهم بعد الصلاة: ما لكم خلعتكم نعالكم؟ فقالوا رأيناك خلعت نعليك فخلعنا. فقال: أخبرني جبريل لله أن فيهما قذراً إذا أتى أحدكم باب المسجد
الجزء 1 · صفحة 70
فليقلب نعليه. فإن كان فيهما قذر فليمسحهما بالأرض وليصل فيهما. فإن ذلك لهما طهور «
قال مولانا أفاد الحديث سبع فوائد جواز الصلاة مع النعل وأن قليل النجاسة لا يمنع الجواز ووجوب إزالتها مع قلتها وأن قليل العمل لا يفسد الصلاة. وإن أفعاله حجة وجواز إخبار المصلي بنجاسة فيه والاحتياط عند احتمال النجاسة وأن المسح بالتراب مطهر والفقه فيه أن صلابة الجلد وكثافة النجاسة يمنعان تشربها فيه. ورخاوتها بعد اليبس بجذب الرطوبة إليها فلا تبقى فيه إلا قليل وهو معفو عنه بخلاف الثوب والرطب والرقيق كالخمر والبول لفوت المانع وعدم الجاذب.
أصاب نعله بول أو خمر فمشى على التراب والزق به جف فمسحه على الأرض طهر عند أبي حنيفة. وعن أبي يوسف مثله. لكنه لم يشترط الجفاف. وذكر البزدوي وفي شرحيهما للجامع الصغير هذه الرواية مع شرط الجفاف. وفي المجرد قال أبو حنيفة أصاب أسفل خفه أو نعله روث أو عذره أو بول ثمّ مسح جازت الصلاة فيه. زاد على قدر الدرهم أو نقص طأ عن أبي يوسف إذا مسحه بالتراب أو الرمل على سبيل المبالغة طهر. وعليه فتوى مشايخنا للبلوى. وعن محمد أنه لما رأى أكثره السرقين في طرف الري أفتى أن الكثير الفاحش لا يمنع الجواز. قال الصدر الشهيد حسام الدين وعلى هذا. قال مشايخنا طين بخارا لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش.
قال مولانا والبلوى في طين خوارزم أغلب لأن أرضها أصلب. فالفتوى بالخوارزمي أولى. وهذا يترع إلى مسألة معروفة. إن الماء والتراب إذا اختلطا وعادا طيناً واحدهما نجس. فقيل العبرة فيه للماء. وقيل للتراب. وقيل للغالب. وقيل أيهما كان طاهراً فالطين طاهر وبه الأكثر. وقيل وإن كانا نجسين فالطين طاهر. لأنه صار شيئاً آخر كالخمر إذا تحللت والكلب والخترير وقعا في الملاحة فصارا ملحاً.
قال: والمني نجس يجب غسل رطبه. فإذا جفّ على الثوب أجزأ فيه الفرك.
وقال الشافعي هو طاهر. لأنه لو كان نجساً لما طهر بالفرك كالعذرة. ولنا حديث عائشة «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله وهو يصلّي فيه»، وقوله الله لها في المني «إن كان رطباً فاغسليه. وإن كان يابساً فاقْرُكيه * ولأن خروج المني يوجب الطهارة الكبرى. فيكون كالخارج الذي يوجب الطهارة الصغرى وبل أولى وكدم الحيض والنفاس. بطأ وفي المسعودي مني الإنسان نجس. وكذا كل حيوان. وفي النتف النطفة نجسة عندنا رطبة ويابسة ظاهرة عند مالك والشافعي. بط عن أبي بكر محمد بن
الجزء 1 · صفحة 71
الفضل مني المرأة رقيق أصفر كالبول. فلا يطهر إلا بالغسل والصحيح أنه لا فرق بينهما. وبقاء أثر المني بعد الفرك لا يضر كبقائه بعد الغسل وعن أبي إسحاق الحافظ إنما يجزي إذا كان رأس الذكر طاهراً بالاستنجاء بعد البول. وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة. شح نزع بعد الإيلاج فأنزل لم يطهر إلا بالغسل لتلوثه بالنجس. وقيل إنما يطهر إذا خرج المني قبل المذي وإلا فلا. وقال زفر وبه عامة مشايخ بلخ. وإنما لا يطهر بالفرك. لأنّ المنى يسبقه مذي والفرك لا يطهر المذي. قال الفقيه أبو جعفر هذا شيء لا يعتبره مشايخنا. فإن المذي لما اختلط بالمني صار تبعاً. فإذا زال المتبوع زال التبع. قال وإذا سبق المذي ثم خالطه المني. فقيل لا يطهر بالفرك. ثم ظاهر الجواب أن الحت يزيله رقاً وكثف. وعن محمد أن الرقيق لا يطهر كالمذي. ولو نفذت البلة إلى ثوب آخر لا يطهر بالفرك. الصحيح أن الطاق الأسفل من الثوب يفرك كالأعلى بخلاف لفافة الخفّ. وإن أصابه الماء بعد الفرك عاد نجساً في إحدى الروايتين. وفي القدوري الحت لا يجزئ في البدن وهو رواية الحسن والكرخي لم يفضل بين العضو وغيره.، أصاب الثوب دم عبيط فيبس فحته طهر الثوب كالمني.
قال: والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفى بمسحهما.
وقال زفر لا يطهر إلا بالغسل كالثوب ولنا أنه شيء صقيل لا يتداخله النجاسة. وبالمسح يزول ما عليه فيطهر بطل سيف أو سكين أصابه بول أو دم ذكر في الأصل أنه لا يطهر إلا بالغسل. وكذا العذرة الرطبة واليابسة تطهر بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل. وفي الكرخي السيف يطهر بالمسح من غير فضل بين الرطب واليابس والبول والعذرة. وعن أبي القاسم الشاة ومسح السكين على صوفها أو بما يزيل الأثر طهر.
قال: وإذا أصابت الأرض نجاسة فجفّت بالشمس وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها.
وقال زفر والشافعي لا يطهر إلا بالغسل كالثوب. ولهذا قال: لم يجز التيمم بها
ولنا قوله «زكاة الأرض يُبْسُهَا «ولأنّ من طبع الأرض إحالة الأشياء إلى طبعها. قال الله تعالى} وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً {وللإحالة أثر في التطهير كالخمر إذا تخللت.
الصحيح أنه لا فرق في الجواز بين أن يقع عليه الشمس أو لا تقع وبين أن يكون فيه حشيش ثابت أو لا. أصابتها نجاسة وفيها أثر فجفت. قال أبو بكر محمد بن الفضل لا يجوز الصلاة عليها كاللبد. وقال أبو بكر بن حامد يجوز. لأنه تابع للأرض. وهكذا حكم السطح. التلة والحشيش وما
الجزء 1 · صفحة 72
ينبت في الأرض أصابتها نجاسة فجفت طهرت وعن أبي جعفر في طهارة النبات القائمة على الأرض بالجفاف اختلاف المشايخ. وعن محمد بن الفضل بال الحمار على المثيلة فوقع عليه الظل ثم الشمس ثلاث مرات طهور. في عود نجاسة الأرض بإصابة الماء روايتان. والأصح أنه لا يعود.
وأما التيمم فالأصح أنه لا يجوز لبقاء شيء من النجاسة وقليلها لا يمنع الصلاة. لكن يمنع التطهير. وقيل يجوز فسقط إلزام زفر وحكم الحصى والحجر في الأرض حكم الأرض. قيل هذا في الرخوة. وحكم الآجر واللبن المفروشة حكم الأرض. وإن قلعت عادت نجسة في رواية. وعن محمد مدرة أصابها نجاسة أكثر من قدر الدرهم لا تعجبني أن يصلّي معها. قال أبو جعفر ولو صلّى معها ينبغي أن يجوز لأنها من الأرض.
فصل في القدر المعفو عنه من النجاسة المغلظة والمخففة
قال: ومن أصابته من النجاسة المغلّظة كالدم والغائط والبول والخمر مقدار الدرهم فما دونه جازت صلاته معه. فإن زاد لم يجز. وإن أصابته نجاسة مخفّفة كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه ما لم يبلغ ربع الثوب.
وقال الشافعي إذا كان بحيث يقع بصره عليه منع الصلاة كالحكمي. ولنا ما روينا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه أتم صلاته بعد العلم بالنجاسة. وروي أنه صلّى الغداة في كسافيه لمعه من دم. ولم يعدو عن ابن مسعود رضي الله عنه وأبي موسى رضي الله عنه مثله. ولأن القليل في المخرج عفو. فكذا في غيره. ثم اعلم أن النجاسة مغلظة كالدم والغائط والبول والخمر ومخففة كبول ما يؤكل لحمه. والمغلظة عند أبي حنيفة ما ورد بنجاسته نص دون طهارته. اختلف فيه أم لا. ولهذا قال بتغليظ نجاسة الأرواث لقوله صلى الله عليه وسلم» أنه رجس» وإن ورد نص في نجاسته ونص في طهارته فمخفف كبول ما يؤكل لحمه وعندهما ما ساغ الاجتهاد فيه فمخفف حتى قالا تخفف نجاسة الأرواث. ثم المغلظة يعفى منها قدر الدرهم الكبير لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم الله قال «إذا كان الدم في الثوب أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة» وعن النخعي أرادوا أن يقولوا قدر المقعد فاستقبحوا وقالوا قدر الدرهم. فقيل هو الشهليلي. وقيل الزبرقاني وإنه مثل قدر الكف. وقيل الأكثر في كلّ زمان واختلف ألفاظ محمد في اعتباره مساحة أو وزناً. وعن أبي جعفر الهندواني إن رقت النجاسة كالدم والبول والخمر تعتبر المساحة مثل عرض الكف. وإن كثفت كالعذرة والروث يعتبر وزنها. فإن
الجزء 1 · صفحة 73
زاد على مثقال ذهب وزناً منع. وإلا فلا. قيل هو الأصح.
وأما المخففة فيعفى ما لم يفحش. كره أبو حنيفة أن يحده. وقال الفاحش ما يستقبحه الناس. وروي الحسن عنه شبر في شبر. وقال أبو علي الدقاق عند أبي حنيفة ومحمد ربع الثوب. وعن محمد قدر القدمين. وعنه في الخفّ أكثر الخف. وعنه ربع ما تحت الساق. وقيل ما بين القدمين إلى الساق. وعن أبي يوسف ذراع في ذراع. وقيل قياس قوله أكثر من النصف. والأصح هو الربع كما في مسح الرأس. وحلقه للمحرم. واختلف فيه. فقيل ربع جميع الثوب المصاب. وعن أبي بكر الرازي ربع السراويل. وفي تحفة الفقهاء قيل ربع جميع الثوب والبدن. وقيل ربع كلّ عضو وطرف كاليد والرجل والكم. وهو الأصح. نجاسة الأرواث والاحثاء وبعر الإبل والغنم غليظة. وعندهما خفيف لاختلاف السلف. وقال مالك الأرواث كلها طهارة وبول ما لا يؤكل لحمه والعذرة وخرء الدجاج والبط غليظ بالإجماع. وفي نجاسة القيء وماء البئر التي وقعت فيها فأرة وماتت روايتان وسؤر سباع الطير غليظ. ومن غسالة البهائم النجاسة في المرة الأولى يغسل مرتين ومن الثانية مرّة ومن الثالثة يعصر. قال البزدوي والأصح أن الأولى بالثلاث والثانية بالمثنى والثالثة بالمرة لكن الكل غليظة. وما يخرج من أبدان جميع الحيوانات من الدم والقيح غليظة إلا السمك. وقيل خرء الحمام نجس. إن كانت سلطاً لكثرة علفها. وقال الثوري خرء الدجاج طاهر للبلوي. وخرء دود القز وخرء الفأر وبولها نجس وعن محمد لا بأس ببولها وبول السنّور الذي يعتاد في البول على الثياب للبلوي. وعنه بوله طاهر وبه أبو نصر. وقيل خفيفة. ولو علم قليل النجاسة عليه في الصلاة يرفضها إذا لم يخف فوت الوقت أو الجماعة.
فصل في تطهير محلّ النجاسة
قال: وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين ما كان له عين مرئية فطهارتها زوال عينها إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالتها لقوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت حبيش في دم الاستحاضة «حتيه ثم اقْرُصِيه ثم اغسليه بالماء «وفي شرح ركن الأئمة الصباغي المشقة أن يحتاج إلى شيء يقلعه كالحرض ونحوه وعن أبي إسحق الحافظ غسل الثوب المصبوغ والمنقوش أو اليد المخضوبة بحناء نجس إلى أن صفاء الماء وسال بلونه يغسل بعده ثلاثاً ويطهر. وفي الجامع العتابي يطهر بالثلاث وعن محمد لا يطهر أصلاً. غسل يده من دهن نجس طهرت. ولا يضره أثر الدهن على الأصح. تنجس الغسل يلقي في طنجير. ويصب عليه الماء ويغلى حتى يعود إلى مقداره الأول. هكذا ثلاثاً طهر. قالوا وعلى هذا الدبس وفي الطهارة عند زوال العين في المرة الأولى اختلاف المشايخ.
الجزء 1 · صفحة 74
قال: وما ليس له عين مرئيّة فطهارتها أن يغسل حتّى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر.
لأن ما تعذر الوقوف عليه يفوض إلى رأي المبتلى به كالقبلة. وفي الأصل غسلها ثلاثاً وعصرها في كلّ مرّة. وعن محمد العصر في الثالثة يكفي. وعن أبي يوسف إذا غسله مرة بالغة أي سابعة طهر. وبه الشافعي. وروي الكرخي عن أصحابنا أنه يطهر بالمرة السابعة. وعن أبي يوسف لا يشترط فيه العصر. وعنه اغتسل الجنب وصب الماء على الإزار وأمر الماء عليه يكفيه. وهو أحوط. وإن لم يفعل أجزأه. ثم من شرط العصر يعتبر فيه قوة كل غاسل حتى لو عصره بعد الثلاث ثم عصر فتقاطر منه الماء. فإن كان بحال لو عصره غاسله لا يسيل طهر الثوب واليد والبلة وإلا فالكل نجس. ولو ورد النجس على الماء كغسل الثوب أو العضو في ثلاث إجانات طهرا عندهما خلافاً لأبي يوسف. وقيل طهر الثوب عنده دون العضو. ويطهر الإجانة الثالثة تبعاً للمغسول كالدلو والرشاء وعروة القمقمة وجب الخمر التي تخللت فيه. وما لا يتأتى فيه العصر. فإجراء الماء فيه كالعصر وغسل الأرض بصب الماء عليها ونشفها وانتقالها إلى موضع آخر وفيه الحصير يغسل ثلاثاً. وفي صلاة البقالي يطهر بالمسح كالمرأة أو الحجر. وفي صلاة الجلابي تطهر النجاسات بعشرة معاني.
أحدها: الغسل
وثانيها: المسح في الأشياء الصقيلة
وثالثها: الفرك في المني
ورابعها: الحت والدلك في الخف
وخامسها: الإحراق. فإن الأرواث إذا احترقت وصارت رماداً طهرت خلاف أبي يوسف والشافعي. وإذا أحرق موضع الدم من رأس الشاة طهر والسؤر إذا رش بماء نجس لا بأس بالخبز به.
وسادسها: الاستحالة كالخمر إذا تخللت بعلاج أو غير علاج واختلف في خمر صب فيها ماء ثم تخللت.
وسابعها: الجفاف وزوال الأثر كالأرض
وثامنها: الدباغ وقد مر
وتاسعها: الذكاة فكل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة
الجزء 1 · صفحة 75
وعاشرها: الترح. وقد مرّ.
مسائل مختلفة بين أبي يوسف ومحمد كوز جديد أو أجره جديدة أو خشب جديد أو حصير من بردي، أصابته نجاسة أو جلد دبغ بسمن نجس أو حنطة انتفخت من النجاسة. فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يغسل ثلاثاً. ويخفف في كلّ مرّة فيما لا يعصر. والتخفيف انقطاع التقاطر وذهاب الندوة لا اليبس. وقيل يخفف في المرة الأخيرة. وكذا السكين إذا مُوّه بماء نجس يموه بماء طاهر ثلاثاً. وكذا مرقه وقعت فيها نجاسة حال غليانها يغسل اللحم ثلاثاً. وقال محمد لا يطهر أبداً. ولو ألقيت دجاجة حال الغليان في الماء قبل أن يشق بطنها لينتف أو كرش قبل الغسل لا يطهران أبداً. ويجب أن يحتاط فيهما جداً. قال شرف الأئمة وعلى ما ذكر البزدوي في المرقة أنه يغسل اللحم ثلاثاً بثلاث مياه فيطهر عند أبي يوسف يجب أن يكون في الدجاجة والكرش كذلك. وإن لم يعرف موضع النجاسة من الثوب فيغسل طرفاً منه بطهارتها لوقوع الشك في البقاء. وكذا الحمر بالت في الكدس يغسل بعضها. وإذا أكل الكلب بعض العنقود يغسل الباقي ثلاثاً.
ولو عصر عنباً فأدمى رجليه وسال إلى العصير ولا يظهر أثر الدم لا يتنجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالماء الجاري والدهن النجس يغسل ثلاثاً بأن يلقى في الخابية. ثم يصب فيه مثله من الماء ويحرك. ثمّ يتحرك حتى يعلو الدهن فيؤخذ أو ينقب أسفل الخابية حتى يخرج الماء. هكذا ثلاثاً فيطهر. جعل الدهن النجس في الصابون يفتى بطهارته لأنه تغير والتغير مطهر عند محمد. فيفتى به للبلوي.
فصل في أحكام الاستنجاء
قال: والاستنجاء سُنّة يجزئ فيه الحجر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه. وليس فيه عدد مسنون.
وقال الشافعي هو فرض والعدد شرط لقوله - صلى الله عليه وسلم -» وليستنج بثلاثة أحجار» ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم -» من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن. ومن لا فلا حرج» ولأن المقصود هو الإنقاء حتى لو لم يحصل بالثلاث لا يجوز الاكتفاء بها.
قال: وغسله بالماء أفضل.
لأن أهل قباء كانوا يتبعون الحجارة الماء. فتزلت فيهم قوله تعالى رجال يحبون أن يتطهروا ولأن الماء أبلغ في الإنقاء.
الجزء 1 · صفحة 76
قال: فإذا تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيها إلا المائع.
قال مولانا هذا مبهم لا بد من بيانه وذلك إذا جاوز المخرج أكثر من قدر الدرهم وراء المخرج لم يجز إلا المائع. لأن الحجر لا يقلع الخبث. ولا ضرورة في الكثير ولا بلوى. فيجب قلعها بالمائع. وإن جاوزت الدرهم مع المخرج فكذلك عند محمد وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجب. لأن المخرج عضو ساقط الاعتبار. ولهذا لو تركه لا يضر. قالوا وأرادوا بالمخرج نفس المخرج وما حوله من موضع الشرح. فإنما يجب الغسل بالماء عندهما إذا تجاوزوا موضع الشرح أكثر من قدر الدرهم.
ثم اعلم أنه لا بد من معرفة أنواع الاستنجاء وسببها وكيفيتها وحكمها.
أما الأوّل فنوعان بالحجر وما يقوم مقامه كالمدر والتراب والخشب والخرقة والرماد ونحوها. وفي النظم يستنجى بثلاثة أمدار. فإن لم يجد فبالأحجار. فإن لم يجد فبثلاثة أكف من تراب. ولا يستنجي بماء سواها من الخرقة والقطن ونحوهما. لأنه روي في الحديث أنه يورث الفقر والثاني بالماء. وأما سببها والاستنجاء من البول والغائط والمذي والودي والمني والدم الخارج من أحد السبيلين دون سائر الأحداث. وأما كيفيته. أما الأول فيأخذ الذكر شماله ويمر على جدار أو حجر أو مدر ناتي من الأرض ولا يأخذ الحجر بيمينه. لأنه - صلى الله عليه وسلم -» نهى عن الاستنجاء باليمين «ولا يأخذ الذكر بيمينه والحجر بشماله. لأنه - صلى الله عليه وسلم -» نهى عن مس الذكر باليمين» وإن اضطر يمسك مدرين بين عقبيه. ويمر الذكر بشماله. فإن تعذر ذلك أمسك الحجر بيمينه ولا يحركه لأنه أهون من العكس. وفي النظم يدبر الرجل في زمان الصيف بالحجر الأول. ويقبل بالثاني. ويدبر بالثالث. وفي الشتاء يقبل بالأول. ويدبر بالثاني. ويدبر بالثالث. وكذا المرأة صيفاً وشتاءً. قلنا المقصود هو الانقاء فيختار ما هو الأبلغ في الإنقاء.
والأسلم عن زيادة التلويث عنده. وإنه سُنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة وقيل كان أدباً في عصر النبوة. ثمّ صار سنة حتى قيل للحسن البصري كيف يكون سنة؟ وقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة. وتركه مرة. وكذا إخباره الصحابة. فقال إنهم كانوا يبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطاً. ولا خلاف في الأفضلية. واتباع الأحجار الماء أفضل بالإجماع.
وأما كيفية الاستنجاء بالماء فيرخى جالساً كلّ الإرخاء ليظهر ما تداخله من النجاسة إلا الصائم مخافة فساد صومه بوصول الماء إلى باطنه حتى قالوا لا يتنفس حالة الاستنجاء. ولا يقوم حتى ينشفه بخرقة. وفي النظم يستنجى بيساره فيصعد أصبعه الوسطى على غيرها قليلاً. ويغسل موضعه. ثم
الجزء 1 · صفحة 77
بنصره ثم خنصره ثم سبابته. ويغسل حتى يطمئن قلبه أنه قد طهر. وقيل حتى يخشن. ولا يبتدئ بأصابعه كلها. والمرأة يصعد بنصرها ووسطاها أولاً معاً دون الواحدة كيلا تقع في قلبها فتتزل فيجب الغسل. وفي الجامع الأصغر المرتب ويكفيها أن تغسل ما وقع من فرجها على راحتها قاله أبو مطيع. وقيل تدبر أصبعها في فرجها. قال محمد بن سلمة قول أبي مطيع أحب إلي. ثم قال بعد صفحة تدلك ما هنالك براحتها. ولا يلزمها أكثر من ذلك به أفتى أبو مطيع وعصام قيل عدد الصبات مفوض إلى رأي المبتلي. وقيل مقدّر بثلاث. وقيل بتسع. وقيل بعشر. وقيل الإحليل بثلاث والمقعد بخمس. وذلك بعدما خطا خطوات. ولو جرى ما الاستنجاء على خفه يحكم بطهارة الخفّ تبعاً له. وكذا إذا دخل من جانب وخرج من آخر. جرى ما الاستنجاء على الخفّ فالأخير مستعمل. وهو طهارة للمياه الأول. وإن احتاج إلى كشف العورة يستنجي بالحجر دون الماء. قالوا ومن كشف العورة للاستنجاء صار فاسقاً. ومقطوع اليسرى يستنجي باليمين إن قدر ومقطوع اليدين يمسح ذراعيه مع المرفقين. ولا يدع الصلاة ولا يمس فرجه في الاستنجاء
إلا من تحل له وطئها. وأما حكمه فقيل الاستنجاء بالماء على سبعة أوجه في وجهين فرض في الغسل عن الجنابة وفيما زاد على قدر الدرهم وفي قدر الدرهم واجب وفيما دونه سُنة وفيما لم يجاوز المخرج والإحليل مستحب وفي البعر أدب؛ وفي الريح بدعة.
قال: ولا يستنجي بعظم ولا بروث ولا بطعام ولا بيمنه
لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهي عن الاستنجاء بها. فقال «أما العظم فطعام إخوانكم من الجن. وأما الروث فعلف دوابهم» يكره الاستنجاء بالأجر والخزف والفحم وبشيء له قيمة أو حرمة كحزقة الديباج أو القرطاس. والله أعلم.
كتاب الصلاة
باب أوقات الصلاة
اعلم أن الصلاة أهم أركان الإيمان وأقوى الذرائع إلى نيل الجنان. وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى} إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا {أي فرضاً موقتاً. وأما فرضية الخمس فلقوله تعالى} حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى {،وهذه الآية قاطعة الدلالة على فرضية الخمس. لأنه تعالى فرض جميعاً من} الصلوات والصلاة الوسطى وسطى {معها. وأقل
الجزء 1 · صفحة 78
جمع صحيح معه وسطى الأربع دون الثلاث. فكان أمراً بالخمس ضرورة. وقال الله تعالى} فسبحان الله حين تمسون {وأراد به المغرب والعشاء} وحين تصبحون {الصبح} وعشياً {صلاة العصر} وحين تظهرون {الظهر.
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله تعالى فرض على كل مسلم ومسلمة في كل يوم وليلة خمس صلوات «وإنه من جملة الأحاديث المتواترة أو المشهورة.
وأما الإجماع فالأمة أجمعت على فرضية الصلوات الخمس وأوقاتها وأعداد ركعاتها. عرف ذلك بالتواتر. ثم الصلوات قسمان لازمة كالخمس والجمعة والعيدين وعارضة كصلاة الجنازة والكسوف والاستسقاء ونحوها. واللازمة يلزم" بأوقاتها عند شروطها. ووقت بعضها يتكرر في كل سنة مرتين.
وبعضها في الجمعة مرّة. وبعضها في كلّ يوم وليلة خمساً. فكان معرفة الأوقات أهم معالم الصلوات. فلهذا بدأ المصنف ببيان أوقاتها.
فصل في وقت صلاة الفجر
فقال: أوّل وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني. وهو البياض المعترض في الأفق. وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس.
لحديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن للصلاة أولاً وآخراً. وأول وقت الفجر حين تطلع الفجر الثاني. وآخر وقتها حين تطلع الشمس. «وقوله الفجر الثاني المعترض احترازا عن الفجر الأوّل المستطيل الذي كذنب السرحان. فإنه لا يحرم شيئاً ولا يحل. قال - صلى الله عليه وسلم -» لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل. إنما الفجر المستطير «واختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوعه أو لاستطارته وانتشاره.
فصل في وقت صلاة الظهر
قال: وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس.
وهو أن ينحط عن كبد السماء يسيراً عن أبي حنيفة. وقيل أن يأخذ الظل في الزيادة والظل بين القصر والطول. هو الظل الأصل المسمى بفيء الزوال لقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس قال: وآخر وقتها إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه سوى فَيْء الزوال.
الجزء 1 · صفحة 79
في رواية عن محمد عن أبي حنيفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -» أبردوا بالظهر» وأشد ما يكون الحرّ إذا صار الظل مثله. وروي في إمامة جبريل - صلى الله عليه وسلم -» أنه صلّى به الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثليه» وروي مثله ووقت الظهر كان ثابتا بيقين فلا يزول بالشك. وفي رواية الحسن عنه إذا صار الظل مثله. وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي. وفي رواية الحسن عنه وأبي يوسف عنه أيضاً أنه ما بين المثل والمثلين وقت مهمل وقال مالك أوّل وقت الظهر إذا زالت الشمس. وإذا مضى قدر ما يصلّي فيه أربع ركعات دخل وقت العصر. وكان هذا الوقت مشتركا بينهما إلى أن يصير الظل قامتين. وإنما يعتبر المثل والقامة والقامتان بعد فَيْء الزوال. فإن لم يجد ما يغرره لمعرفة الفيء والأمثال فليعتبره. وقامة كلّ إنسان ستة أقدام ونصف بقدمه وقال الطحاوي وعامة المشايخ سبعة أقدام.
قال مولانا ويمكن الجمع بينهما بأن يعتبر سبعة أقدام من طرف سمت الساق وستة ونصف من طرف الإمام. وإليه أشار البقالي في شرح الأربعين. واعلم أن لكل شيء ظلاً وقت الزوال إلا بمكة ومدينة" في أطول أيام السنة. لأنّ الشمس فيها تأخذ الحيطان الأربعة.
فصل في وقت صلاة العصر
قال: وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولين.
قيل على حسب اختلاف الأقوال في آخر الظهر. وقيل إذا خرج وقت الظهر باتفاق القولين دخل وقت العصر. وهو إشارة إلى رواية الحسن وأبي يوسف.
قال: وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -» من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها» وروي ركعتين وروي» من أدرك من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها» وعن الحسن إذا أصفر الشمس. وهو قول الشافعي.
فصل في وقت صلاة المغرب
قال: وأوّل وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخر وقتها ما لم يغب الشفق.
لقوله تعالى} أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل {ولقوله - صلى الله عليه وسلم -» وقت المغرب ما لم يغب الشفق» وقال الشافعي وقته مقدّر بثلاث ركعات وعنه بقدر الوضوء والثلاث.
الجزء 1 · صفحة 80
قال: والشفق هو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة.
لأن البياض من آثار الشمس فيكون في حكم الحمرة كما في الفجر. وروى أسد بن عمروا عنه أنه الحمرة. وهو قول أبي يوسف والشافعي. عن أبي حنيفة آخر الشفق الحمرة. قال أستاذنا فخر الأئمة البديع وإنما كتبت هذا ليتبين جواز ما ابتلى به العامة من أداء العشاء قبل غيبوبة البياض في فخر الصحيح من مذهب جميع أصحابنا.
فصل في وقت صلاة العشاء
قال: وأوّل وقت العشاء إذا غاب الشفق وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -» لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى» وإنما يدخل بطلوع الفجر.
قال: وأوّل وقت الوتر بعد العشاء. وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -» إن الله تعالى زادكم صلاةً. ألا وهي الوتر. فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» وفي التجريد وأما الوتر فوقته إذا غاب الشفق إلا أنه مأمور بتقديم العشاء عليه. حتى لو صلى قبل العشاء لم يجزه إلا إذا كان ناسياً في قول أبي حنيفة. وقالا وقته إذا فرغ من صلاة العشاء بناء على اختلافهم في وجوبه ورد فتوى في زمن الصدر برهان الأئمة إنا لا نجد وقت العشاء في بلدتنا. هل علينا صلوته؟ فكتب ليس عليكم صلاة العشاء وبه أفتى ظهير الدين المرغيناني.
قال مولانا وبلغنا أنه ورد هذه الفتوى من بلاد بلغار. فإن الفجر يطلع فيها قبل غيبوبة الشفق في أقصر ليالي السنة على شمس الأئمة الحلواني. فأفتى بقضاء العشاء ثم وردت نحو أرزم على الشيخ الكبير صيف سنة. البقالي فأفتى بعدم الوجوب. فبلغ جوابه الحلواني فأرسل من يسأله في عامته بجامع خوارزم ما يقول فيمن أسقط من الصلوات الخمس واحدة. هل يكفر؟ فسأل وأحسن به الشيخ. فقال ما يقول فيمن قطع يداه مع المرافق أو رجلاه مع الكعبين؟ كم فرائض وضوءه؟ فقال ثلاث لفوات محل الرابع. قال فكذلك الصلاة الخامسة. فبلغ الحلواني جوابه فاستحسنه ووافقه فيه.
فصل في الأوقات المستحبّة لاداء الصلوات الخمس
قال: ويستحب الإسفار بالفجر
وقال الشافعي التغليس أفضل لحديث عائشة رضي الله عنها» إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف عن
الجزء 1 · صفحة 81
صلاة الصبح والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» ولنا حديث إبراهيم النخعي «ما أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كإجماعهم على التنوير بالفجر» ولحديث رافع بن خديج «أسفروا بالفجر. فإنه أعظم للأجر» وقال يبدأ بالتغليس. ويختم بالتنوير إن أراد أن يطول القراءة. وإلا فالتنوير. وحد التنوير ما قاله الحلواني وأبو علي النسفي أنه يشرع بعد انتشار البياض في وقت لو صلا بقراءة مسنونة مع ترسل" ثم ظهر له سهو يمكنه إعادة الوضوء والصلاة قبل طلوع الشمس. وفي الغنية لو ظهر بعده أنه صلّى جنباً أو محدثاً أمكنه أن يتطهر ويصلى بقراءة مسنونة. وقيل أن يرى بعضهم بعضاً.
قال والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمها في الشتاء.
وقال الشافعي إن صلى في بيته قدمها وفي المسجد تبرد. لقوله - صلى الله عليه وسلم -» أبردوا بالظهر. فإن شدة الحر من فيح جهنم وما يروي عنه «أنه كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس» محمول على الشتاء. وعن أنس «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر في الشتاء وما نرى ما ذهب من النهار أكثر وما بقى «ولأنه وقت قيلولة فكان في الإبراد تكثير الجماعة.
قال: وتأخير العصر ما لم تتغيّر الشمس.
وقال الشافعي تعجيله أفضل لحديث أنس رضي الله عنه» كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعة ثم يذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة «وهي على أربعة أميال من المدينة. وقيل ستة. ولنا قوله تعالى} أقم الصلاة طرفي النهار {وحديث رافع انه «أنه كان يأمرنا بتأخير العصر «وعن أبي قلابة وطاوس إنما سمي عصراً لتعصره. ولأنّ في تأخيره توسع أوقات النوافل. فكان أفضل كتعجيل المغرب. وعن أصحابنا أنه إنما يكره التأخير لا الفعل. وقول المصنّف ما لم تتغير الشمس مبهم. لا بد من بيانه وعن سفيان الثوري وإبراهيم النخعي والحاكم الشهيد يعتبر التغيير في الوضوء. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في النوادر أنه يعتبر التغير في القُرص. وقيل أن تقرب الغروب أقل من رمح. وقيل أن يمكنه إحاطة النظر إلى القرص ولا تحار عينه. وقيل أن لا يبدو القُرص للناظر في طَسْت ماء.
قال: وتعجيل المغرب.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -» لا يزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم» وروي طلوعها. قال: وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل.
لقوله لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل» وفي القدوري إلى
الجزء 1 · صفحة 82
نصف الليل. وعن الطحاوي التأخير إلى الثلث مستحب وإلى النصف مباح وإلى ما بعده يكره. قال: ويستحب في الوتر لمن [?/ب] يألف صلاة الليل أن يؤخر الوترا آخر الليل. فإن لم يثق
بالانتباه أوتر قبل النوم.
لحديث جبريل - عليه السلام - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال «من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله. ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخره " بط" وفي يوم غيم يؤخر " الفجر والظهر والمغرب مخافة الأداء قبل وقتها وتعجيل العصر والعشاء تكثيراً للجماعة شذ"
الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فعلاً تكثيراً للجماعة' حسن. وعن الحسن عن أبي
حنيفة التأخير في جميع الصلوات يوم الغيم أفضل الجوازها بعد الوقت لا قبله.
باب الأذان
قال: الأذان سُنّة للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها.
والأصل فيه ما روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - استشار أصحابه فيما يجمعهم على الصلاة. فذكروا أن نوروا ناراً أو ينفخوا في قرن كاليهود ويضربوا ناقوراً كالنصارى. فكرهه النبي فطرقه عبد الله بن زيد بن عبد ربه ليلاً. فقال كنت بين النائم واليقظان. فرأيت كأن رجلاً نزل من السماء فقام على الحائط واستقبل القبلة وقال "الله أكبر الله أكبر" إلى آخره ثم قعد هنيهةً ثم قام وقال مثل ذلك إلا أنه زاد فيه قد قامت الصلاة مرتين» فقال - صلى الله عليه وسلم - علمه بلالاً. فإنه أندى صوتاً منك فجاء عُمر وقال لقد طاف بي مثل ما طاف به غير أنه سبقني إليه» ومحمد بن الحنفية أنكر ذلك. وقال إن الله تعالى بعث إليه ملكاً ليلة المعراج فعلمه الأذان وإنما أنكره لأنه من معالم الدين. فيكون طريقه الوحي والعلم دون النوم والظن. قال مولانا لكن لا تنافي بينهما لجواز أن يوحى إليه. ثم يُريه بعض أصحابه تعظيماً للرأي ونفياً لتهمة المنافقين وضعفة المؤمنين.
قال: وصفة الأذان أن يقول "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي
الجزء 1 · صفحة 83
على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله"
لحديث الملك. وهي خمس عشرة كلمة. وعند أبي يوسف ورواية الحسن ثلاث عشرة لتركهما تكبيرتين من أوله. وعند الشافعي تسع عشرة مع الترجيع. وعند مالك سبع عشرة معه لتركه تكبيرتين من أوله؛ وهو سُنة عندنا وقيل واجب. وعن عطاء إن نسى الإقامة يعيد الصلاة. وعن الأوزاعي يعيدها ما بقي الوقت. وعن محمد إذا اجتمع أهل بلدة على ترك الأذان قاتلناهم. ولو ترك واحد ضربته وحبسته. وكذا سائر السنن. وكذا في الفرائض عند أبي يوسف كالجمعة والزكاة ونحوهما. وفي السنن يضرب. وعن مكحول إن كان سُنة أخذها هدي وتركها ضلالة كالأذان والإقامة وصلاة العيد والجماعة يقاتلون على الضلالة وإن تركها واحد يحبس ويضرب.
قال: ولا ترجيع فيه.
عند مالك والشافعي الترجيع سُنة. وهو أن يبتدئ بالشهادتين يخفض بهما صوته. ثم يرجع إليهما فيرفع بهما صوته لحديث أبي محذورة رضي الله عنه، ولنا حديث الملك. ولأنّ بلالاً رضي الله عنه ما كان يرجع. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي محذورة رضي الله عنه «ارجع فمُدَّ بهما صوتك» كان تلقيناً له. وقيل خفض بالشهادتين صوته وقت إسلامه مخافة قومه فقال له - صلى الله عليه وسلم - «ارجع فارفع بهما صوتك»
فصل في التثويب
قال: ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح "الصلاة خير من النوم" مرتين.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي محذورة رضي الله عنه انه حين علمه الأذان «إذا أذنت للصبح فقل "الصلاة خير من النوم" مرتين» وقال لبلال رضي الله عنه حين وجده راقداً. وقال له «"الصلاة خير من النوم * الصلاة خير من النوم" ما أحسن هذا يا بلال اجعلها في أذانك» وهذا حجة على الشافعي في ترك التثويب أبي يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن التثويب الأوّل كان الصلاة خير من النوم. فأحدث الناس حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف. وقال أبو يوسف لا بأس بذلك في سائر الصلوات واختلف المشايخ في التثويب بين الأذان والإقامة. فقيل أنه محدث. وقيل محدث إلا في الصبح. وقيل لا بأس به في سائر الصلوات خصوصاً في زماننا لتمكن غفلتهم. وقد استحسنه التابعون في الكوفة. وقال أبو يوسف لا أرى بأساً أن يقول المؤذن للأمير "السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. الصلاة يرحمك الله." وكذا لكل من اشتغل
الجزء 1 · صفحة 84
بمصالح المسلمين كالمفتي والقاضي. وقال إمام أئمة الأصول والفروع حسام الأئمة المؤذني في شرحه فعلى هذا. إذا أحدث الناس إعلاماً في بلدهم مخالفةً لها جاز. واختلاف الإعلام لا يضر مع اتحاد الغرض. وأهل سمرقند يقولون "الصلاة الصلاة" أو "قامت "قامت" وإنه أبلغ في الإعلام وهو اختيار السرخسي وصدر القضاة السمرقندي.
فصل في الإقامة
قال والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح "قد قامت الصلاة" مرتين.
وقال الشافعي تفرد الإقامة لما روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» ولنا حديث الملك وحديث أبي محذورة رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال «الإقامة مثنى مثنى» وبلال له كان يقيم مثنى مثنى وقياساً على الأذان وعلى "قد قامت الصلاة" فيها. وقوله - صلى الله عليه وسلم - «يشفع في الأذان ويوتر في الإقامة» أي في صوته.
قال: ويترسل في الأذان ويحدر في الإقامة.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أذنت فترسل. وإذا أقمت فأحدر» والترسل الإبطاء. والحدر الإسراع الفصل والوصل. فإن ترسل فيهما أو حدر عكس جاز لحصول المقصود. وهو الإعلام. وقيل يكره. والمد في أوّل التكبير كفر. وفي آخره خطأ فاحش ولا بأس بالتطريب في الأذان وهو تحسين الصوت من غير تغيير. فإن تغير بلحن أو مد كره. وعن الحلواني إنما يكره التلحين في الثناء دون الصلاة والفلاح. ويكره التلحين في الأذان. وبه مالك والشافعي على خلافه لقول ابن عمر رضي الله عنه لمؤذن "والله لأبغضك في الله. لأنك تغني في أذانك حين قال له والله إني لأحبك في الله".وإذا كره التلحين في الأذان ففي قراءة القرآن أولى.
قال: ويستقبل بهما القبلة. فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يميناً وشمالاً.
كذا روي في أذان الملك. ولأنّ التكبير والشهادتين ثناء على الله تعالى. فكان الاستقبال فيهما أولى. والصلاة والفلاح خطاب للناس. فالتوجه إليهم أولى حتى قيل لو صلّى وحده لا يحول فيهما أيضاً.
ولا يحول قدميه إلا إذا تعذر لاتساع المئذنة. وإن أذن المسافر راكباً حيث توجه جاز. ويترل
الجزء 1 · صفحة 85
للإقامة. ويكره للمقيم.
قال: ويؤذن للفائتة ويقيم.
لما روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - فاتته أربع صلوات يوم الخندق فأمر بلالاً فأذن ثم أقام وصلى الظهر. أذن وأقام وصلى العصر. ثم أذن وأقام وصلى المغرب. ثم أذن وأقام وصلى العشاء» ولأنه سُنة الأداء فيكون سنة القضاء. وقال الحلواني أنه سُنة في القضاء في البيوت دون المساجد. فإن فيه تشويشاً وتغليظاً.
قال: فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام وكان مخيراً في الثانية. إن شاء أذن وأقام. وإن شاء اقتصر على الإقامة.
للغنية عن إعلام الغائبين ظاهراً. وهكذا روي حديث الخندق في بعض الروايات. قوم ذكروا فساد صلاة صلوها في المسجد في الوقت قضوها بجماعة فيه ولا يعدون الأذان والإقامة. وإن قضوها بعد الوقت قضوها في غير ذلك المسجد بأذان وإقامة المصلّي في بيته اكتفى بأذان الحي وإقامتهم جاز. ولو لم يؤذن في الحي يكره له تركهما وكذا المسافر. ولو تركا الأذان لا بأس. وعن أبي حنيفة إذا صلوا في منزل جماعة بلا أذان وإقامة فقد أساؤوا ولا يكره للواحد وفي المجرد قوم مجتمعون في بيت أو كرم أو مفازة صلوا جماعة بلا أذان ولا إقامة جاز بلا إثم. لأنّ الأذان لاجتماع الناس والإقامة لإعلام من ينتظر الشروع. وههنا كلهم مجتمعون عالمون بالشروع فيها.
قال: وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر
لأنه ثناء على الله تعالى.
قال: فإن أذن على غير وضوء جاز.
ولا يكره في ظاهر الرواية كالقراءة. وعن أبي حنيفة أنه يكره.
قال: ويكره أن يقيم على غير وضوء.
لعجزه عن امتثال ما أمر به. وندب إليه.
قال: أو يؤذن وهو جُنب.
لأنهما وحيان متزلان. فيكرهان مع الجنابة كالقرآن والأصح أن يعاد أذان الجنب دون إقامته.
الجزء 1 · صفحة 86
فصل في وقت الأذان والإقامة
قال: ولا يؤذن لصلوة قبل دخول وقتها.
وقال أبو يوسف والشافعي لا بأس بأذان الفجر قبله لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل. فإنه يؤذن ليوقظ نائمكم ويتسحر صائمكم ويرجع قائمكم. فكلوا وأشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» ولنا «إن بلالاً أذن قبل الفجر. فأمره النبي بالإعادة» وروي أنه عرك أذنه فأدماه. وقال يا عدي نفسك لئن عدت إلى هذا لأوجعنّك ضرباً. في المجرد قال أبو حنيفة يؤذن للفجر بعد طلوعه وللظهر في الشتاء حين يزول الشمس. وفي الصيف يبرد وفي العصر يؤخر ما لم يخف تغير الشمس. وفي المغرب حين يغيب الشمس وفي العشاء يؤخر قليلاً بعد ذهاب البياض. ويفصل بين الأذان والإقامة مقدار ركعتين أو أربع. يقرأ في كلّ ركعة نحو اثني عشر آيات. وفي المغرب يمكث بينهما بقدر ثلاث آيات وقيل سورة الإخلاص. وينتظر المؤذن الناس ويقيم للضعيف المستعجل. ولا ينتظر رئيس المحلة وكثيرها. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «صل بالقوم صلاة أضعفهم ولا يؤذن إلا في فناء المسجد أو مئذنته» ويتم الإقامة في مكانها إن كان المؤذن غير الإمام. وإن شاء الإمام أتمها ماشياً بعد قوله "قد قامت الصلاة." وقيل يسكت بخبر في الإتمام ماشياً إماماً كان أو غيره. وإن قدم بعض الكلمات يراعى الترتيب. وإذا أذن مكان الإقامة أعاد وإن علم في وسطه يتم الأذان ويقيم. وعلى عكسه يتمه أذاناً. وإن علم بعد قوله "قد قامت الصلاة" يعود فيقول "حي على الصلاة" مرتين "حي على الفلاح" مرتين "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله".
فصل في ما يجب على السامعين عند الأذان
ثم اعلم أنه يجب إجابة الأذان على من سمع. قال - صلى الله عليه وسلم - «من لم يجب الأذان فلا صلاة له» قيل هو الإجابة باللسان. وفي شرح الجامع الصغير لقاضي صدر ويستحب لمن سمع الأذان والإقامة أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الصلاة والفلاح. فإنه يقول «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» وفي قوله "الصلاة خير من النوم" «صدقت وبررت» وقيل هو الإجابة بالقدم حتى لو قال مثل قوله ولم يمش فلم يجب. وإن مشى و لم يتكلم فقد أجاب. ولو كان في المسجد لا يجب إجابته.
في النظم في ثمانية مواضع:
إذا سمع النداء لا يثني في الصلاة واستماع خُطبة الجمعة وثلاث خُطب الموسم والجنازة وفي