الجزء 1 · صفحة 7
الفتاوى الخيرية لنفع البرية
للعلامة الفقيه خير الدين بن أحمد بن علي الأيوبي
العُلَيْمِي الفاروقي الرَّمْلِي الحَنَفي
ولد سنة (993) وتوفي سنة (1081هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ مَنْ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ لِلتَّفَقُهِ فِي الدِّينِ، وَهَدَى مَنْ شَاءَ إِلَى سَبِيلِ الْمُهْتَدِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيْد الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ: مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِينَ.
? = وَبَعْدُ فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قَدْ وَجَدْتُ شَيْخنَا الْعَلَامَةَ الرَّحْلَةُ الْفَهَّامَةَ الشَّيْخَ مُحْيِي الدِّينِ - طَابَ ثَرَاهُ، وَكَانَتْ فَرَادِيسُ الْجِنَانِ مَأَوَاهُ - قَدْ شَرَعَ فِي جَمْعِ فَتَاوِي وَالِدِهِ شَيْخِنَا وَأُسْتَاذِنَا، وَكَتَبَ لَهَا دِيبَاجَةٌ، صُورَتُهَا:
وَبَعْدُ فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ مُحْيِي الدِّينِ:
هَذَا نَزْرُ يَسِيرٌ مِنْ جَمَّ غَفِيرٍ، مِنْ أَجْوِبَةٍ عَنْ أَسْئِلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، خَاتِمَةُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقّقِينَ، أَوْحَدُ الزَّمَانِ فِي فِقَهُ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ، وَحِيدُ الدَّهْرِ، وَفَرِيدُ الْعَصْرِ: سَيِّدِي وَوَالِدِي الْخَيْرُ الدِّينَ (الْمَتِينُ)، وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مَحْضُ كَاسْمِهِ الشَّرِيفِ، أَلَا وَهُوَ خَيْرُ الدِّينِ مَتَّعَ اللهُ بِطُولٍ حَيَاتِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَجَابَ عَنْهَا بِمَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ مَذْهَبِ الإمام أبي حَنِيفَةَ، أَوْ بِمَا صَحَّحَهُ كِبَارُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لِاخْتِلَافِ الْعَصْرِ، أَوْ لِتَغَيرِ أَحْوَالِ النَّاسِ؛ رِفقًا بِعِبَادِ اللهِ؛ طَالِبًا بِهِ رِضًا اللهِ تَعَالَى عَنْهُ يَوْمَ الْمَخِيفَةِ، فَجَمَعْتُهَا وَكَتَبْتُهَا، وَعَلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ رَبَّبْتُهَا، لِيَحْصُلَ التَّسْهِيلُ وَالتَّقْرِيبُ لِلسَّائِلِ وَالْمُجِيبِ، وَلَمْ أَرْسُمْ غَالِبًا إِلَّا مَا قَلَّ وُجُودُهُ فِي الْأَسْفَارِ، وَكَثُرَ وُقُوعُهُ فِي غَالِبِ الدِّيَارِ، أَو لَمْ يُصَرِّحُ بِهِ فِي الْأَبْوَابِ وَإِنْ فُهِمَ مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ، وَسَمَّيْتُهَا بِـ (الفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ لِنَفْعِ الْبَرِيَّةِ) وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُكلَانُ.
هَذَا وَقَدْ أَخْبَرَنِي وَالِدِي الْمُشَارُ إِلَيْهِ، مَتَّعَنِّي اللَّهُ بِطُولِ حَيَاتِهِ، وَأَسْبَغَ نِعَمَهُ عَلِيَّ وَعَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَعِي نَفْسَهُ إِلَّا فِي تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَحِفْظِهِ، وَالْأَخْذِ فِي تَجْرِيدِهِ، ثُمَّ الِاعْتِنَاءِ بِالْفِقْهِ وَتَحْشِيدِهِ وَتَمْهِيدِهِ، وَأَنَّهُ رَحَلَ مِنْ بَلَدِهِ الَّتِي هِيَ الرَّمْلَةُ الْبَيْضَاءُ سَنَةَ سَبْعٍ بَعْدَ الْأَلْفِ إِلَى مِصْرَ، وَلَازَمَ الْعُلَمَاءَ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَأَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ:
كَالشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ النَّحْرِيرِيِّ، وَالسَّرَاجِ الْحَانُوتِيُّ، وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ ابْنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ أمِينِ الدِّينِ مِنْ عَبْدِ الْعَالِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَرَأَ الْأُصُولَ عَلَى الْمُحِبِي وَجَمَاعَةٍ.
الجزء 1 · صفحة 9
وَالنَّحْوَ عَلَى الْعَلامَةِ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ الشَّنَوَانِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَرَأَ الْفَرَائِضَ وَأَكْثَرَ التَّرَدُّدَ عَلَى الشَّيْخِ فَائِدِ الْوَلِيِّ الْمَشْهُورِ.
وَرَجَعَ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَلَدِهِ أَوَاسِطَ ذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ وَأَلْفٍ. انْتَهى ما كتبه.
فَجَمَعَ مِنْهَا إِلَى بَابِ الْمَهْرِ وَاخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ إِنِّي اسْتَجَزْتُ سَيِّدَنَا الْعَلامَةَ وَالِدَهُ الْمَذْكُورَ فِي إِكْمَالِهَا عَلَى حَسَبٍ تَرْتِيبِهَا، فَأَجَازَنِي، فَاسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَأَكْمَلْتُهَا، وَاللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَسْأَلُ، وَبِنَبِيِّهِ أَتَوَسلُ أنْ يَجْعَلَ سَعْيَنَا فِيهَا مَشْكُورًا، وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا مُخْلَصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ موصلا، إِلَى الْفَوْزِ بِدَارِ النَّعِيمِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. آمِينَ آمِينَ آمِينَ يَا رَبِّ الْعَالَمِينَ.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
الْمَاءُ النَّجسُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَرِيحُهُ
(4) = سُئِلَ: هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ النَّجس الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَرِيحُهُ فِي غَيْرِ الشُّرْبِ وَالتَّطْهِيرِ، كَبَلِّ الطِّينِ وَسَقي الدَّوَابِّ؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ، لِذَلِكَ:
(1) قَالَ فِي (جامِع الْفَتَاوِي): وَغُسَالَةُ الثَّوْبِ النَّجِس إِنْ تَغَيَّر طَعْمُهَا وَرِيحُهَا يَحْرُمُ الاسْتِعْمَالُ، كَالْبَوْلِ، وَإِلَّا يَجُوزُ الاِسْتِعْمَالُ فِي غَيْرِ الشُّرْبِ وَالتَّطْهِيرِ كَبْل الطِّينِ وَسَقي الدَّوَابُ. انتهى.
(ب) وَقَالَ فِي (البَزَّازِية): وَالنَّجِسُ يُنتَفَعُ بِهِ فِي سقي الدَّوَابِّ وَبَلِّ الطِّينِ وَنَحْوِهِ. انتهى.
(ج) وَفِي (الْبَحْرِ) نقلا عن (التَّجنيس): إِذَا نُزِحَ الْمَاءُ النَّجِسُ مِنَ الْبِئرِ؛ يُكْرَهُ أَنْ يُبل به الطينُ، وَيُطَيّنَ الْمَسْجِدُ أَوْ أَرْضُهُ لِنَجَاسَتهِ، بِخِلَافِ السِّرْقِينِ إِذَا جُعِلَ فِي الطِّينِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ إِلَّا بِذَلِكَ انْتَهَى.
(د) وَفِيهِ نَفْلًا عَنِ (الذخيرة): وَلَا بَأْسَ برشّ الْمَاءِ النَّجِسِ فِي الطَّرِيقِ، وَلَا يُسْقَى لِلْبَهَائِمِ،
(هـ) وفي (خَزَانَةِ الْفَتَاوِي): لَا بَأْسَ بِأنْ يُسْقَى الْمَاءُ النَّجِسُ للْبَقَرِ وَالإِبل والغنم. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 10
(و) وَفِي (النَّهْرِ): وَهَلْ يُسْقَى لِلدَّوَابُ؟ قَالَ فِي (الذخيرة): لا.
(ز) وَفِي (الْخَزَانَةِ): لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَأَقُولُ:
مَا فِي (الذخيرة) يُوَافِقُ مَا فِي (الْبَدَائِعِ).
وَمَا فِي (الْخَزَانَةِ) يُوَافِقُ مَا فِي (الْإِسْبيجَابِي).
فَهُمَا قَوْلَانِ مُتَقَابِلان، لا نقلانِ مُتَنَافِيَانِ. انتهى، والله أَعْلَمُ.
[تَخْلِيلُ الشَّارِبِ وَالْحَاجِبِ]
ه= سُئِلَ فِي الشَّارِبِ إِذَا طَالَ، هَلْ يَجِبُّ تَخْلِيلُهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَجِبُ تَخْلِيلُهُ وَإِنْ طَالَ.
(أ) قَالَ فِي إ (ِعْلَامِ الْأَخْيَارِ): وَفِي (شَرْحِ الْقُدُورِيَّ) قَالَ عَزْوًا إِلَى رِوَايَةِ (الْمُحِيطِ): لَا يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ بِاتِّفَاقِ الرَّوَايَاتِ.
(ب) قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يُمِسَّ الْمَاءَ شَعْرَ حَاجِبَيْهِ.
(جـ) وفي (صَلَاةِ النِّصَابِ): إِذَا قَصَّ الشَّارِبَ لَا يَجِبُ تَخْلِيلُهُ وَإِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى الشَّفَتَيْنِ.
(د) وَفِي (النَّوَازِلِ): لا يَجِبُ وَإِنْ طَالَ. انتهى.
(هـ) وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِيُّ الْمَقْدِسِيُّ فِي (شَرْحِ الْكَنْزِ الْمَنْظُومِ): وَالشَّارِبُ إِذَا طَالَ يَجِبُ تَخْلِيلُهُ. انْتَهَى.
(و) وَصَرَّحَ فِي (الْبَحْرِ) بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَجِبُّ إيصالُ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَ شَعْرِ الشَّارِبِ، عَلَى مَا إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَبْدُو مَنَابِتُ الشَّعْرِ.
(ز) وَقَدْ جَعَلَهُ فِي (التجنيس) مِنَ الْآدَابِ.
الجزء 1 · صفحة 11
(ح) وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي بَابِ (الْكَرَاهِيَةِ) بِأَنَّ الْمُفْتَى بِهِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُّ إيصال المَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ كَالحَاجِبَيْنِ. انتهى. والله أعلم.
[إِذَا وَقَعَتْ فَأْرَةٌ فِي عَسَلٍ]
سئل العَلامَةُ شَيْخُ الإِسلام الشَّيْخُ أَمِينُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْعَالِ الْحَنَفِيُّ مُفْتِي الدَّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: فِي الْعَسَلِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ فَأَرَةٌ، فَمَا صِفَةُ طَهَارَتِهِ؟
أجَابَ: الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ أَنْ يُوضَعَ الْمَاءُ عَلَى الْعَسَلِ إِلَى أَنْ يَغْمُرَهُ، ثُمَّ يُغْلَى عَلَى النَّارِ حَتَّى يَذْهَبَ الْمَاءُ، ثُمَّ يُفْعَلَ بِهِ كَذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةٌ، وَقَدْ طَهُرَ. انْتَهَى، كَذَا فِي (فَتْوَاهُ).
[إِذَا وَقَعَتْ فَأْرَةٌ فِي زَيْتٍ]
= سُئل: فِي فَأَرَةٍ وَقَعَتْ فِي زَيْتٍ، فَهَلْ إِذَا وُضِعَ فِي إِنَاءٍ مَخْرُوقِ السُّفْلُ، وَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، ثُمَّ أُخِذَ الْمَاء مِنْ أَسْفَلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَطْهُرُ، كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ نَاصِرُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِم فِي الْمُلْتَقَطِ، عَنْ أَبِي يُوسَفَ، أَمْ لَا يَظْهرُ؟
- (8) وَهَلْ إِذَا طبخ صابونا وَصَارٌ مُسْتَحِيلًا يَطْهُرُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَطْهُرُ الزَّيْتُ بِهَذَا الصُّنْعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَطَفَا فَرُفِعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كَمَا وَرَدَ عَنِ الثَّانِي.
(أ) وَقَطَعَ بِهِ فِي (الظَّهِيرِيَّةِ).
(ب) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي (الْمَجْمَعِ) وَغَيْرِهِ.
(جـ) وَظَاهِرُ كَلَامِ (الْخلَاصَةِ) عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّثْلِيثِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مُجْزِئَةٌ عَنِ التَّثلِيثِ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ تَصْحِيحٍ وَفَتْوَى، وَهِيَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ:
قِيلَ: غَلَبَةُ الظَّنِّ تَكْفِي. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنَ التَّثلِيثِ.
وَصُحْحَ كُلٌّ، فَلَعَلَّ صَاحِبَ الْخُلَاصَةِ جَنَّحَ إِلَى الْأَوَّلِ.
الجزء 1 · صفحة 12
وَبِهِ صَرَّحَ فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَوَقْتُهُ سُكُونُ قَلْبِهِ إِلَيْهِ.
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَيُغْلَى فَيَعْلُو الدُّهْنُ الْمَاءَ فَيُرْفَعُ بِشَيْءٍ، هَكَذَا يُفْعَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ (فَيُغلَى) مِنْ زِيَادَةِ النسَاخِ؛ فَإِنَّا لَمْ نَرَ مَنْ شَرَطَ لِلتَّطْهِيرِ الْغلَيَانَ مَعَ كَثرَةِ النَّقْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالتَّتَّبِعِ لَهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْغَلْي: التَّحْرِيكُ مَجَازًا فَقَدْ صَرَّحَ فِي مَجْمَعِ (الرَّوَايَةِ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ): أَنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مَاءً وَيُحَرَّكُ. فَتَأَمَّلُ.
ج = وَمَسْأَلَةُ طَهَارَةِ الزَّيْتِ النَّجِسِ بِاتِّخَاذِهِ صَابُونًا:
(أ) صَرَّحَ بِهَا فِي (الْمُجْتَبَى وَالبَزَّازِية):
قَالَ فِي (الْمُجْتَبى): جَعَلُ الدُّهْنِ النَّجِسِ فِي صَابُونٍ يُفْتَى بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرُ، وَالتَّغَير مُطَهر عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَيُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى انْتَهَى.
(ب) وَصَرَّحَ بِهِ فِي (فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَجَوَاهِرِ الْفَتَاوِي، وَجَامِعِ الْفَتَاوَى).
(جـ) وَأَثْبَتَهُ صَاحِبُ مِنَحِ الْغَفَّارِ فِي مَتْنِهِ (تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ).
(د) وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ (أَجْنَاسِ النَّاطِفِي) وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سُؤْرُ مَأْكُولِ اللَّحْم]
(9) = سُئِلَ: فِيمَا لَوْ نَزَلَ لِفَحْلِ الْغَنَمِ لَبَنٌ، هَلْ هُوَ طَاهِرٌ يَحِلُّ شُرْبُهُ أَمْ لَا؟ أَجَابَ: لَا شَكٍّ فِي طَهَارَتِهِ؛ لِمَا فِي الْجَوْهَرَةِ مِنْ أَنَّ سُؤْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ طَاهِرٌ كَلَبَنهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ حِلُّ شُرْبِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[صَاحِبُ الْعُذْرِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ]
(10) = سُئِلَ: فِي صَاحِبِ سَلَسِ الْبَوْلِ إِذَا كَانَ يَنْقَطِعُ سَاعَةً وَيَقْطُرُ سَاعَةً، كَيْفَ يَكُونُ وُضُوؤُهُ؟
(11) = وَهَلْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟
الجزء 1 · صفحة 13
(12) = وَهَلْ يُقَدِّمُ الْفَائتَةَ عَلَى الْوَقْتِيَّةِ كَالصَّحِيحِ؟
?? ج = أَجَابَ: صَاحِبُ السَّلَسِ وَنَحْوُهُ يَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ فَرْضِ، وَيُصَلِّي بِوُضُوئِهِ فَرْضًا وَنَفَلا مَا شَاءَ، وَيَبْطِلُ وُضُوؤُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَطْ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ وَقْتُ إِلَّا وَذَلِكَ الْحَدَثُ يُوجَدُ فِيهِ.
?? ج = وَأَمَّا مَسْحُهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ: فَتَحْرِيرُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الاخْتِصَارِ أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ إِذَا تَوَضَؤوا لِعُذْرِ غَيْرِ مَوْجُودٍ وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ؛ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْأَصِحَاءِ يَمْسَحُونَ فِي الْإِقَامَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَفِي السَّفَرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ الْعَارِضِ لَهُ بَعْدَ اللُّبْسِ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَبِسَ بِطَهَارَةِ الْعُذْرِ؛ بِأَنْ وُجِدَ الْعُذْرُ مُقَارِنَا لِلْوُضُوءِ أَوِ اللُّبْسِ أَوْ كِلَيْهِمَا أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَاسْتَمَرَّ حَتَّى لَبِسَ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَمْسَحُ فِي الْوَقْتِ كُلَّمَا تَوَضَأَ لِحَدَثٍ غَيْرِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ، وَلَا يَمْسَحُ خَارِجَ الْوَقْتِ؛ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ اللُّبْسِ.
??ج= وَحُكْمُهُ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَعَدَمِهِ: حُكْمُ الصَّحِيحِ، فَيُقَدِّمُ الْفَائِتَةَ عَلَى الْوَقْتِيَّةِ حَتمًا، بِحَيْثُ لَوْ عَكَسَ لَا يَصِحُ؛ إِذَا كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ، وَيُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْإِيلَاجُ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ هَلْ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؟]
?? = سُئِلَ: هَلِ الْإِيلَاجُ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ؟
أَجَابَ: مُجَرَّدُ الْإِيلَاجِ فِي الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ.
(أ) صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَلَكَ فِي (شَرْحِ الْمَجْمَعِ) فِي كِتَابِ الصَّوْمِ فِي فَصلِ فِيمَا يَجِبُ وَمَا لَا يَجِبُّ.
(ب) وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي (تَوْفِيقِ الْعِنَايَةِ) فِي الصَّوْمِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَلْ يَحْتَلِمُ الْأَنْبِيَاءُ؟]
(14) = سُئل: هَلِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَحْتَلِمُونَ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: قَالَ ابْنُ حَجَرِ الْهَيْتَمِيُّ فِي كِتَابِ لَهُ سَمَّاهُ (الْقَوْلَ الْمُخْتَصَرَ فِي عَلَامَاتِ الْمَهْدِيُّ الْمُنْتَظَرِ) قِيلَ: نَامَ آدَمُ فَاحْتَلَمَ فَامْتَزَجَتْ نُطْفَتُهُ بِالتُّرَابِ، فَخَلَقَ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْهَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَا يَحْتَلِمُ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ احْتِلَامُ عَنْ رُؤْيَةِ جِمَاعِهِ، لَا مُجَرَّدُ دَفْقِ الْمَاءِ انْتَهَى. ذَكَرَهُ عِنْدَ ذِكْرِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ،
الجزء 1 · صفحة 14
قَالَ: وَإِنَّهُمَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ مِنْ حَوَاءَ؛ لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: أَنَّهُمَا مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا قَطْعًا، وَبِهِ أَقُولُ؛ لِعَدَمِ رُؤْيَةِ نَقْلِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ مَا عَدَا كَعْبًا بِخِلَافِهِ، وَبِهِ اعْتَرِضَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي (فَتَاوِيهِ) أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِهِ، لَا مِنْ حَوَّاءَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْحِمَّصَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْكَيِّ]
(15) = سُئِلَ: فِي الْحِمَّصَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْكَيِّ ثُمَّ تُرْبَطُ بِمَا يَمْنَعُ السَّيِّلَانَ، هَلْ يَكُونُ صَاحِبُهَا صَاحِبَ عُذْرِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ لَا يَكُونُ صَاحِبَ عُذْرٍ كَمَا هُوَ صَرِيحٍ كَلَامِ (الْخُلَاصَةِ) وَغَيْرِهِ، وَصَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ لَوْ مَنَعَ الْجُرْحَ مِنَ السَّيلَانِ؛ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْجُرْحِ السَّائِلِ، فَأَفَادَ أَنْ كُلَّ صَاحِبِ عُذْرٍ إِذَا مَنَعَ نُزُولَهُ بِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ صَاحِبَ عُذر، بِخِلَافِ الْحَائِضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[كَرَاهَةُ الاشْتِرَاكِ فِي السِّوَاكِ وَالْمُشْطِ وَالْمِيلِ]
(16) = سُئِلَ: هَلْ يُكْرَهُ الاشْتِرَاكُ فِي الْمُشْطِ وَالْمِيلِ وَالْمِسْوَاكِ، كَمَا هُوَ شَائِعٌ بَيْنَ الْعَوَامُ يَقُولُونَ: ثلاثَةٌ لَيْسَ بِهَا اشْتِرَاكُ المُشْطُ وَالْمِرْوَدُ وَالْمِسْوَاكُ أَجَابَ: أَمَّا السَّوَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ:
(أ) فَقَدْ صَرَّحَ فِي (الضّياءِ الْمَعْنَوِيٌّ شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيَّ) أَنَّهُ لا بأسَ بِهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، وَمِثْلُهُ المُشْطُ وَالْمِيلُ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّاسِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِكَرَاهَةِ نُفُوسِهِمُ الاشْتِرَاكَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِئَلَّا تَحْصُلُ النَّفْرَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ يُعافَوْنَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا وَقَعَتِ الْكَرَاهَةُ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ، لَا أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ نَصٌ خَاصٌ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ يُوجِبُ مَحْظورِيَّتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(ب) وَرَأَيْتُ فِي (شَرْحِ الرَّوْضِ) لِشَيْخ الإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الشَّافِعِيُّ: وَبِسِوَاكِ غَيْرِ بإذن كرة الإستياكُ، وَهَذَا مِنْ تَصَرُّفه.
(جـ) وَعِبَارَةُ (الرَّوْضَةِ) وَغَيْرِهَا: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ.
(د) بَلْ زَادَ فِي (الْمَجْمُوع): وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَالْكَرَاهَة لا أصل لها. والله أعلم
[هَلْ يَمَس الْمُحْدِثُ الْمَنْسُوخَ أَوْ يَتْلُوهُ الْجُنُبُ]
(17) = سُئِلَ هَلْ يَجُوزُ في المنسوخ أن يَمَسهُ المُحْدِثُ، أو يتلوه الجنب أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 15
أَجَابَ: فِيهِ تَرَدُّدْ، وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَأُقِرَّ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ إِجْمَاعًا، كَذَا فِي (شَرْحُ مُخْتَصَرِ أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلْعَضُدِ) وَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَا أُقِرَّ حُكْمُهُ؛ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْجَوَازُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
[كَيْفِيَّةُ الاسْتِنْجَاءِ وَالتَّجْمِير]
??= سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مَا صُورَتُهَا؟
أجَابَ أَمَّا الاسْتِنْجَاء بِالْمَاء:
(أ) فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ مِنْ عُلَمَائنَا بِكَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ وَصَبِّهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُسَنُ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِيَمِينِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الاسْتِنْجَاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَيَأْخُذَ الْحَجَرَ بِيَسَارِهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَصُبُّهُ بِيَمِينِهِ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ عِنْدَنَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبْنَا كَذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ لِلنَّاسِ، فَلَعَلَّهُمْ إِنَّمَا تَرَكُوهُ لِظْهُورِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(ب) ثُمَّ رِأَيْتُ فِي (الضّيَاءِ الْمَعْنَوِيٌّ شَرْح مُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيُّ): وَيُفِيضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَرْجِهِ وَيُعْلِي الْإِناءَ، وَيُغَسِلُ فَرْجَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا؛ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيُمْنَى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَهُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا بَحَثْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ التَّيَمُّم
[التَّيَمُّمُ لِمَسُ الْمُصْحَفِ] ٍ
(19) = سُئل في التيمم لِمَسُ المُصْحَفِ أو لتلَاوَةِ الْقُرْآنِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَالْقُدْرَةِ على استعمالِهِ، هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ مُفَصَّلا، ولكُمُ الثَّوَاب مِنَ الله جَلَّ وَعَلَا.
أَجَابَ الْمُصَرِّحُ بِهِ عِنْدَنَا أَنَّ:
* مَا لَيْسَتِ الطَّهَارَةُ شَرَطًا فِي فِعْلِهِ وَحِله يَجُوزُ التيمم لَهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ:
كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْمُحْدِث.
* وَأَمَّا مَا الطَّهَارَةُ شَرْطُ فِي فِعْلِهِ وَحِلْهِ: فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إِلَّا فِي مَوْضِعِ يُخْشَى الْفَوَاتُ لَا إِلَى خُلْفٍ: كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ، فَالتَّيَمُّمُ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، فَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ
الجزء 1 · صفحة 16
الْمَاءِ.
* وَأَمَّا التَّيْممْ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْعَظيم: يُنظَرُ إِن كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مِنْ قَبِيلَ الْأَوَّلِ لِجَوَازِهَا بِدُونِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جُنْبا فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، فَلَا يَجُوزُ التَّيَتُمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
* وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ لِلْقِرَاءَةِ وَلَوْ مِنَ الْمُصْحَفِ أَوْ مَسْهِ أَوْ كِتَابَتِهِ أَوْ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ لِعِيادَةِ الْمَرِيضِ أَوْ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَلَا يُرِيدُ بِهِ الصَّلَاةَ، أَوْ تَيَمَّمَ لِدَفْنِ الْمَيِّتِ أَوْ الْأَذَانِ أَوِ الْإِقَامَةِ أَوِ السَّلَامِ أَوْ رَدَّه أَوِ الْإِسْلَامِ لَا تُجُوزُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايخ.
* وَلَوْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ سَجَدَةِ التَّلَاوَةِ، جَازَ لَهُ أَنْ يُصْلِيَ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، وَتَمَامُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
[هَلْ بِتَيَمَّمُ مُسَافِرٌ بِمَفَازَةٍ بِأَرْضِ وَحْلٍ أَوْ يُلَطِّخُ؟]
(20) = سُئِلَ فِي رَجُلٍ مُسَافِرِ بِمَفَازَةٍ بِأَرْضِ وَحْلٍ لَيْسَ بِهَا مَاءً وَلَا حَجَرٌ، وَتَضَايَقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَلَى الطِّينِ وَيُصَلِّي؟ أَوْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا إِلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ، أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
أَجَابَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ بِالطِّينِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ. وَصَرَّحَتِ الْمُتُونُ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِكُلِّ طَاهِرٍ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ حَتَّى عَلَى الْحَجَرِ الصَّلْدِ، الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غُبَارٌ.
قالَ فِي (الْبَحْرِ الرَّائِقِ): وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِلَّا الطَّينَ يُلَطِّخُهُ بِثَوْبِهِ أَوْ عَضُدِهِ، فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ. وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَيَمَّمُ بِالطِّينِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ لَا اسْتِعْمَالُ جُزءٍ مِنْهُ وَالطَّينُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ إِلَّا إِذَا صَارَ مَغْلُوبًا بِالْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ كَذَا فِي (الْمُحِيطِ). انْتَهَى. لَكِنْهم قَالُوا: الْأَوْلَى إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ أَنْ يُلَطَّخَ ثَوْبَهُ بِالطِّينِ وَيَتَيَمَّمَ إِذَا جَفٌ؛ كَيْ لَا يَصِيرٌ بِمَعْنَى الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَنِ اغْتَسَلَ وَمَسَحَ]
?? = سُئِلَ: مِنْ دِمَشْقَ عَنْ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْأَشْبَاه حَيْثُ قَالَ فِيمَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ: لا تَنْقُضُهُ الْجَنَابَةُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ؟
أَجَابَ: قَوْلُهُ: (لَا تَنقُضُهُ الْجَنابَةُ بِخِلَافِ الْمُسْح) أي لا تَنقُضُ الْجَنَابَةُ الغَسْل، وتنقُضُ المَسْحَ، وقد
الجزء 1 · صفحة 17
تقرر أن الجنب لا يمسح.
(أ) قَالَ فِي (الْكَنْزِ): (لَا جُنَّبًا) أَيْ: لَا يَجُوزُ لِلجُنُبِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفْيْنِ. (ب) قَالَ فِي (الْبَحْرِ): وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ النَّفْيِ، فَلَا حَاجَةً إِلَى التَّصْوِيرِ، وَقَدْ تَكَلَّفَ عُلَمَاؤُنَا إِلَى التَّصْوِيرِ بِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي (الأَشْبَاه): (لَا تَنقُضُ الْجَنَابَةُ الغَسْل وَتَنقُضُ الْمَسْحَ) يَعْنِي السَّابق عَلَيْهَا، فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِرَفْعِهَا عَنْهُ، وَبِنَزْعِهِ يَسْرِي الْحَدَثُ إِلَى الرّجل، وَمَعْنَاهُ لَا تَنْقُض الْجَنابَةُ غَسَلَ الرَّجُلِ السَّابِقَ عَلَى الْجَنابةِ الْكَائنةِ بَعْدَ اللبس، لأن الخف جعل مانعا عن سِرَايَةِ الْحَدَثِ إِلَى الرَّجُلِ، وَالْمَسْحُ إِنَّمَا هُوَ عَلى ظَاهرهما فَتَنْقُضُ الْجَنَابَةُ، وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمَسْح، فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ مَعَهَا، فَاضْطَرَّ إِلَى نَزْعِ خُفَّيْهِ لِلْغَسْلِ، وَبِنَزْعِهِمَا يَسْرِي الْحَدَثُ، فَيَجِبُ الْغَسْلُ بِذَلِكَ، لَا بِسَبَبٍ أَنَّ الْجَنَابَةَ نقضَتُهُ فَتَأمل، والله أعلم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
[الصَّلَاةُ عَلَى الْقِبْلَةِ الْقَدِيمَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ بِوَضْعِهِمْ] ٍ
?? = سُئِلَ مِنْ نَابْلُسَ فِي أَهْلِ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ مِنْ مُدُنِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ بَلَغَ إِجْمَاعُهُمْ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ يُصَلُّونَ عَلَى الْقِبْلَةِ إِلَى الْجِهَةِ مُسْتَدِلِّينَ عَلَيْهَا بِمَحَارِيبٍ الْمُسْلِمِينَ بِمَسَاجِدِهِمُ الَّتِي بَلَغَ تَوَاتُرُهُمْ وَإِجْمَاعُهُمْ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ وَإِلَى الْآنَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَحَارِيبَ الْكَائِنَةَ بِالْمَسَاجِدِ مِنْ زَمَنِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ عُمَرَ بِنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَنَّ الْمَلِكَ صَلَاحَ الدِّينِ قَدْ فَتَحَ بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَةِ مَسْجِدًا، وَوَافَقَ مِحْرَابُهُ الْمَحَارِيبَ الْمَذْكُورَةَ، وَالْآنَ جَاءَ شَخْصٌ فَلَكِيٌّ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ الَّتِي بِهَا الْمَحَارِيبُ لَيْسَتْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّهَا مُنْحَرِفَةٌ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمَحَارِيبَ مَطْعُونٌ فِيهَا مُسْتَدِلًا بِالْقَوَاعِدِ الْفَلَكِيَّةِ وَأَدِلَّتِهَا، وَالْحَالُ أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ بَلَغَتْ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ فَظَهَرَ عِنْدَهُ وَتَبَيَّنَ وَتَحَقَّقَ أَنَّ الْجِهَةَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي بِهَا الْمَحَارِيبُ الْمَرْقُومَةُ جِهَةُ الْقِبْلَةِ عَمَلًا بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ؛ حَيْثُ اعْتَمَدُّوا مَحَارِيبَ الْمُسْلِمِينَ وَعَوَّلُوا عَلَيْهَا، وَحَكَمَ بِأَنَّ الْقِبْلَةَ وَالْمَحَارِيبَ الْقَدِيمَةَ الْمَوْضُوعَةَ بِاجْتِهَادٍ لَا تُبَدَّلُ وَلَا تُغَيَّرُ عَنْ صِفَتِهَا الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخُرُونَ، وَبِإِبْقَاءِ الْقَدِيمِ عَلَى قِدَمِهِ، وَبِالِاكْتِفَاءِ بِالْجِهَةِ حَيْثُ إِنَّ التَّوَجُهَ إِلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ أَمْرٌ عَسِيرٌ، وَغَيْبٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، وَالْفَلَكِيُّ الْمَذْكُورُ يَقُولُ: حَيْثُ طُعِنَتْ فِي الْمَحَارِيبِ الَّتِي بِالْجِهَةِ الْمَذْكُورَة؛ فَلَا تَكُونُ الْقِبْلَةُ، وَيَجِبُ الْعُدُولُ عَنْهَا، وَلَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا تُقَلَّدُ، وَلَا
الجزء 1 · صفحة 18
يُعْمَلُ بِالتَّوَاتُرِ، وَلَا بِقَوْلِ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَهَلْ وَالْحَالُ هَذِهِ يُعْمَلُ بِمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَحَكَمَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَزْبُورِ أَمْ لَا أَوْ يُعْمَلُ بِمَا قَالَهُ هَذَا الْفَلَكِيُّ الْمَزْبُورُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: اعْلَمُ أَوَّلَا أَنَّ فَرَضَ غَيْرِ الْمَكِي إِصَابَةُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ عِنْدَنَا كَمَا مَشَتْ عَلَيْهِ الْمَتونُ وَصَحْحَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوِى وَالشُّرُوحِ مُسْتَدِلَّينَ بِقَوْلِه?: ((مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ)) وَلَأنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِمَنْ يُصَلِّي فِي مَكَةَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْبَطْحَاءِ، وَمَكَةُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَة الآفاقي.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْرِقُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، وَالْمَغْرِبُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ. وَالْجَنُوبُ قِبْلَةُ أَهْلِ الشَّمَالِ، وَالشَّمَالُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْجَنُوبِ.
وَعَلَيْهِ: وَالانْحِرَافُ قَلِيلًا لَا يَضُرُّ، وَجِهَتُهَا هُوَ الْجَانِبُ الَّذِي إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الشَّخصُ يَكُونُ مُسَامتا لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا: - إِمَّا تَحْقِيقا: بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ خَط مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ عَلَى زَاوِيَةٍ قَائِمَةٍ إِلَى الْأُفُقِ يَكُونُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ وَهَوَائِهَا. - وَإِمَّا تَقْرِيبًا: بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْحَرِفًا عَنِ الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا انْحِرَافًا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بالكلية؛ بِأَنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ لَا تَزُولُ بِمَا تَزُولُ بِهِ مِنْ الإِنْحِرَافِ لَوْ كَانَتْ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وَيَتَفَاوَتُ ذَلِكَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْبُعْدِ، وَتَبْقَى الْمُسَامَتَهُ مَعَ انْتِقَالٍ مُنَاسِبٍ لِذَلِكَ الْبُعْدِ، فَلَوْ فُرِضَ مَثَلًا خَطْ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ الْمُسْتَقْبِل لِلْكَعْبَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَخَط آخَرُ يَقْطَعُهُ عَلَى زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِل أَوْ شِمَالِهِ لَا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابلَةُ وَالتَّوَجُهُ بِالاِنْتِقَالِ إِلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ عَلَى ذَلِكَ الْخَطَّ بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ وَلِهَذَا وَضَعَ الْعُلَمَاءُ قِبْلَةَ بَلَدٍ وَبَلَدَيْنِ وَبِلادٍ عَلَى سَمْتِ وَاحِدٍ، قَالَ فِي (الْفَتَاوِي): الانْحِرَافُ الْمُفْسِدُ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَشَارِقَ إِلَى الْمَغَارِبَ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فَنِهَايَةُ الْفَلِكَيْ الْمَذْكُورِ أَنْ يَطْعَنَ بِالِانْحِرَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يُجَاوِزُ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، وَلِهَذَا:
(أ) قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَ الْمَحَارِيبِ.
(ب) وَقَالَ فِي فَتَاوِي قَاضِي خَانُ: وَجِهَةُ الْكَعْبَةِ تُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى: الْمَحَارِيبُ الَّتِي نَصَبَهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، فَعَلَيْنَا اتَّبَاعُهُمْ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَالسُّؤَالُ مِنَ الْأَهْلِ انْتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 19
فَجَعَلَ السُّؤَالَ مِنَ الْأَهْلِ مُؤَخَّرًا عَنِ الْمَحَارِيبِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ الْقُطْبُ، فَيَجْعَلُهُ مَنْ بِالشَّامِ وَرَاءَهُ، وَالرَّمَلَةُ وَنَابلُسُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ (جُمْلَةِ) الشَّامِ كَدِمَشْقَ وَحَلَبَ. وَجُوزَ لِلكُل الاعْتِمَادُ عَلَى الْقُطْبِ، وَجَعْلُهُ خَلْفَهُ. وَلَابُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ انْحِرَافِ لِأَهْلِ نَاحِيَةٍ مِنْهَا، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّ كَمَا قرَّرْنَاهُ.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ الْجِهَةَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
أَمَّا مَنْ شَرَطَ إِصَابَةَ الْعَيْنِ؛ فَجَعَلَ الإِنْحِرَافَ الْقَلِيلَ مُفْسِدًا، لَكِنْ لَا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ بِالإنْحِرَافِ يَمْنَةٌ وَيَسْرَةً مَعَ الْبُعْدِ عَنْ مَكَّةَ وَإِنَّمَا يُظَنُّ، وَبِنَاءٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الشَّافِعِيَّةِ ذَلِكَ؛ جَوَّزُوا الاجْتِهَادَ فِي الْمَحَارِيبِ يَمْنَةٌ وَيَسْرَةً مَاعَدًا مِحْرَابَهُ وَمَسَاجِدَهُ ?، وَأَمَّا الاجْتِهَادُ فِيهَا - أَيْ: فِي مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجِهَةِ فَلَا يَجُوزُ حَيْثُ سَلِمَتْ مِنَ الطَّعْنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْصَبْ إِلَّا بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ مَعْرِفَةٍ بِسَمْتِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَدِلَّةِ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ، فَتُقَلَّدُ تِلْكَ الْمَحَارِيبْ، وَفِي (الْخَادِمِ) لَهُمْ كَمَا نَقَلَهُ فِي (حَاشِيَةِ ابْنِ قَاسِمِ): وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَجْتَهِدُ، وَأَمَّا إِذَا اجْتَهَدَ فَظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ ظَنَّا أَوْ قَطعًا، فَلَا يَسْوغُ لَهُ التَّقْلِيدُ قَطعًا، أي: تَقْلِيدُ تِلْكَ الْمَحَارِيبِ. انتهى.
وَالْحَاصِلُ الْمَفهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ يَجُوزُ الاجْتِهَادُ فِي الْمَحَارِيبِ يَمْنَةٌ وَيَسْرَةً، (وَلا يَجِبُ)، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُهَا قَبْلَ الإِجْتِهَادِ، وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إِذَا ظَهَرَ خَطَؤُهَا، وَأَمَّا الاجْتِهَادُ فِي الْجِهَةِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الطَّعْنِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَيَجُوزُ، وَعِنْدَهُمُ الْمِحْرَابُ بِمَنْزِلةِ الْخَبَرِ، فَلَوْ أَخْبَرَ عَالِمٌ بِخِلَافِهِ هَلْ يَتَعَارَضَانِ؟ أَوْ يُقَدِّمُ الْخَبَرُ أَوِ الْمِحْرَابُ؟ قالَ فِي (حَاشِيَةِ ابْنِ قَاسِمٍ): وَيَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِهِ – أَيْ: تَقْدِيمِ الْخَبَرِ، أَنَّهُمْ جَوَّزُوا فِيهَا - يَعْنِي: الْمَحَارِيبَ - الاجْتِهَادَ يَمْنَةٌ وَيَسْرَةٌ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا مَعَهُ - يَعْنِي: الْخَبَرَ - أَخْذَا مِنْ قَوْلِ السُّبُكِيُّ: يَجِبُ الِاجْتِهَادُ يَمْنَةٌ أَوْ يَسْرَةٌ فِي الْمِحْرَابِ الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الْمِحْرَابَ فِي الْجِهَةِ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ بِدَلِيل أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ الِاجْتِهَادَ فِيهَا بِخِلَافِهِ فِيهَا، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا. انْتَهَى.
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: (بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ إِلَخْ) فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي امْتِنَاعِ الِاجْتِهَادِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً مَعَ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَى مِنَ الْمِحْرَابِ، نِعَمُ نُوَزِّعُ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي وُجُوبِ الاِجْتِهَادِ يَمْنَةٌ أَوْ يَسْرَةً، وَفِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَقَطْ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلْيُتَأَمَّلُ انْتَهَى.
فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُقَدِّمُونَ خَبَرَ الْعَالِمِ عَلَى الْمِحْرَابِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَحَارِيبَ الَّتِي وَضَعَتْهَا الصَّحَابَةُ يَجُوزُ فِيهَا الاجْتِهَادُ يَمْنَةٌ وَيَسْرَةً، فَيَجُوزُ الِاجْتِهَادُ عِنْدَهُمْ فِي الْمِحْرَابِ الَّذِي وَضَعَهُ
الجزء 1 · صفحة 20
الْمَلِكُ صَلاحُ الدِّينِ عَلَى مُوَافَقَةِ الْمَحَارِيبِ الْقَدِيمَةِ، الَّتِي وَضَعَتْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ بِالْأَوْلَى.
وَأَمَّا عِنْدَنَا: فَعَلَيْنَا اتْبَاعُهُمْ فِي اسْتِقْبَالِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ فِي (الْخَانِيَّةِ) وَغَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْفَلَكِيِّ الْمَذْكُورِ لِمَا عَلِمْتَهُ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدُ مَا ذُكِرَ مِنْ عِلْمٍ الْقَاضِي وَحُكْمِهِ، بَلْ وُجُودُ حُكْمِهِ وَعَدَمُهُ سِيَّانِ؛ لِعَدَمِ دُخُولِ الْمَسْأَلَةِ تَحْتَ الْحُكْمِ؛ لأَنَّهَا مِنَ الْحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ المَحْضَةِ، وَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ حَتَّى تَدْخُلَ تَحْتَ الْحُكْمِ، فَلِمَنْ حَكَمَ، وَعَلَى مَنْ حَكَمَ، وَهَذَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي هِلَالٍ رَمَضَانَ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ، فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةُ يُعْمَلُ بِالْمَحَارِيبِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِلطَّعْنِ الْمَذْكُورِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَيُعْمَلُ بِهِ إِذَا كَانَ مِنْ عَالِم بَصِيرٍ ثِقَةٍ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مَذْهَبَنَا سَمْحٌ حَنِيفِيٌّ سَهْلٌ، مُيَسْرٌ غَيْرُ مُعَسرٍ، فَإِنَّ الطَّاعَة بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَفِي تَعْيِينِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ حَرَجٌ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ عَنَّا بِالنَّصْ الشَّرِيفِ، وَهَذَا مَا ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَلْدَةُ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا مَحَارِيبُ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ]
?? = وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِصُورَةٍ أُخْرَى: هِيَ مَا قَوْلُكُمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ فِيمَا إِذَا وُجِدَ فِي بَلْدَةٍ مَحَارِيبُ مُتَخَالِفَةٌ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبَعْضُهَا مُوَافِقُ مُنْطَبِقٌ عَلَى طِبْقِ الْأَدِلَّةِ الْفَلَكِيَّةِ الْهَنْدَسِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ أَهْلِهَا يَقِينِيَّةٌ، وَعِنْدَ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهَمْ وُجُوبُ اتَّبَاعِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مِنْ غَيْرُ شُبْهَةٍ، وَبَعْضُهَا مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْحَنَفِيَّ إِذَا صَلَّى وَرَاءَهُ شَافِعِيُّونَ: أَنْ يَنْحَرِفَ فِي الْمِحْرَابِ الْمُخَالِفِ إِلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْأَدِلَّةِ؛ لأَجْلِ صِحَّةِ صَلَاةِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَاءَهُ، وَلِخُرُوجِ خِلَافٍ مَنْ أَوْجَبَ إِصَابَةَ الْعَيْنِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَكُونُ قَدْ زَادَ خَيْرًا بِإِصَابَتِهِ عَيْنَ الْكَعْبَةِ أَمْ لَا؟
(24) = وَإِذَا قُلْتُمْ لَا يَجِبُ: فَهَلِ الْأَفْضَلُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أم لا؟
(25) = وَإِذَا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ اتَّبَاعِ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا: فَيَلْزَمْ حِينَئِذٍ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مِحْرَابٌ مُخَالِفٌ لِلْجِهَةِ أَنْ يُتَّبَعَ وَيُصَلَّى فِيهِ، فَهَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ فِي بَعْضِ سِكَكِ مِصْرَ، وَنُقِلَ الْمِحْرَابُ إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى كَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ ثِقَاتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(26) = وَهَلْ إِذَا كَانَ حَنَفِيٌّ بِمَفَازَةٍ وَتَحَيَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَعِنْدَهُ مَنْ يَعْرِفُ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ، فَهَلْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ أَوْ يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 21
(27) = وَهَلْ إِذَا حَلَفَ حَنَفِيٌّ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِصَدْرِهِ عَيْنَ الْكَعْبَةِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، فَصَلَّى فِي مِحْرَابٍ مُخَالِفٍ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، وَإِذَا صَلَّى فِي مِحْرَابٍ مُوَافِقٍ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟
?? = وَمَا تَعْرِيفُ الْجِهَةِ الَّتِي إِذَا اسْتَقْبَلَهَا الشَّخْصُ صَحتْ صَلَاتُهُ وَإِذَا انْحَرَفَ عَنْهَا لَمْ تَصِحٌ صَلَاتُهُ؟
(29) = وَإِذَا انْحَرفَ شَافِعِيُّ أَوْ حَنَفِيٌّ أَوْ حَنْبَلِي إِلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بَعْدَ إِثْبَاتِهَا بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ، فَهَلْ يَسُوعُ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَأَنْ يَقُولَ لَهُ: جَدِّدْ إِسْلَامَكَ، ثُمَّ تُبْ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْفِعْلِ وَارْجِعْ إِلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ سَابِقًا أَمْ لَا؟ وَإِذَا فَعَل هَذَا الْقَاضِي ذَلِكَ يَكُونُ مُخْطِئًا أَمْ لَا وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ؟
??ج= فَأَجَابَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمِحْرَابُ مِنْ وَضْعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا مِنْ وَضْعِ ذَوِي الْعِلْمِ الْمَوْثوقِ بِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا عَلَى سَمْتِ وَضْعِهِمْ؛ فَلَا عِبْرَةً بِهِ إِجْمَاعًا، وَأَمَّا مُوَافَقَةُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ الشَّارِطِينَ إِصْابَةَ التَّوَجُهِ لِعَيْنِ الْقِبْلَةِ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ بِلَا رَيْبٍ وَلَا مَيْنِ؛ لِتَصِحَ الصَّلَاةُ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي تَحَقِّقِ ذَلِكَ وَلَا يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ مَعَ الْبُعْدِ بِإِخْبَارِ الْمِيقَاتِي، كَمَا لَا يَخْفَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ خَبَرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِهِ بِلَا شُبْهَةٍ إِذَا خَلَا عَنِ الْمُعَارَضَةِ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ، لِأَنَّهُ مُلْزِمٌ. وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْجَوَابِ سَابِقا: أَنَّ مَحَارِيبَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَعْلَى مِنْ خَبَرِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالسُّؤَالُ مِنَ الْأَهْلِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمُ الْعَكْسُ، وَهَذَا الْمِحْرَابُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ حَيْثُ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْجِهَةِ بِالْكُلَّيَّةِ: بِأَنْ تَجَاوَزَ الْمَشَارِقَ إِلَى الْمَغَارِبِ كَمَا نَقَلَهُ فِي (فَتْحِ الْقَدِيرِ) لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَلَّدُ لِمُخَالَفَتِهِ لِجَمِيعِ الْمَذَاهِبِ حِينَئِذٍ؛ إِذِ الْمِحْرَابُ الْمُخَالِفُ لِلْجِهَةِ لَا عِبْرَةً بِهِ، وَإِذَا اشْتَبِهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَعِنْدَهُ عَالِمٌ بِالْقِبْلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَتَحَرَّى.
??ج = وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ عَلَى الْحَالِفِ الْمَذْكُورِ؛ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّيَقُنِ.
?? ج = وَجِهَتُهَا: أَنْ يَصِلَ الْخَطُ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي إِلَى الْخَطِّ الْمَارُ بِالْكَعْبَةِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ قَائِمَتَانِ، أَوْ نَقُولُ: هُوَ أَنْ تَقَعَ الْكَعْبَةُ فِيمَا بَيْنَ خَطَّيْنِ يَلْتَقِيَانِ فِي الدَّمَاغِ فَيَخْرُجَانِ إِلَى الْعَيْنَيْنِ كَسَاقَيْ مُثَلَّثٍ، كَذَا قَالَ النَّحْرِيرُ التَّفْتَازِانِيُّ فِي (شَرْحِ الْكَشَّافِ).
?? ج = فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوِ انْخَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ انْحِرَافًا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلْيَةِ جَازَ، يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ
الجزء 1 · صفحة 22
فِي (الظَّهِيرِيَّةِ) إِذَا تَيَامَنَ أَوْ تَيَاسَرَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الْإِنْسَانِ مُقَوَّسٌ، فَعِندَ التَّيَامُنِ أَوِ التَّيَاسُرِ يَكُونُ أَحَدٌ جَوَانِبِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، كَذَا قَالَ منلَا خِسْرُو فِي (دُرَرٍ الْأَحْكَامِ)، وَقَدْ كَتَبْنَا مَا فِي مَعْنَاهُ فِي الْجَوَابِ سَابِقا.
وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الْبَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ الْقِبْلَةِ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ مُعْتَقِدًا زَوَالَ إِسْلَامِهِ وَإِثْبَات مَعْصِيَتِهِ، وَلَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ بِمَكْرُوه؛ لِأَنْ الْمَقْصُودَ إِصَابَةُ الصَّوَابِ وَإِظْهَارُ الْحَقِّ.
وَتَحْرُمُ الْمُنَاظَرَةُ لِأَجْلِ أَنْ تَزِلَّ قَدَمُ مَنْ نَاظَرَكَ، وَأَنْ يَظْهَرَ جَهْلُ مَنْ مَاتَنَكَ أَوْ نَاظَرَكَ، وَيَجِبْ أَنْ يُقْصَدَ بِذَلِكَ وَجْهُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ إِذِ الْعِلْمُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَإِذَا كُنتَ مُتَّصِفا بِهِ فَلَا تَعْدُ مَا أَبَاحَهُ لَكَ، كَيْفَ وَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَّمَنَا كَيْفَ نُخَاطبُ الْجَاهِلُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِل: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: (63)) فَعَلَيْنَا اتَّبَاعُ الْحَقِّ وَالتَّكَلمْ بِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا هُدَى الْعَالِمِ، وَالْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةٌ، وَحَاصِلُهَا إِذَا تَحقَّقَ خُرُوجَهُ عَنِ الْجِهَةِ بِالْكُليّة لَا يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ إِجْمَاعًا، وَإِذَا لَمْ يَخْرُجُ عَنْهُ؛ جَازَ اعْتِمَادُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ انْحِرَافٌ قَلِيلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَعْرِفَةٌ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَنَحْنُ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمُ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ وَضَعُوا مِحْرَابًا لَا يُعَارِضُهُمْ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ، وَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ مِحْرَابًا وُضِعَ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا نَعْتَمِدُهُ، وَإِذَا لَمْ نَعْرِفْ شَيْئًا وَ عَلِمْنَا كَثْرَةَ الْمَارِّينَ وَتَوَالِي الْمُصَلِّينَ عَلَى مُرُورِ السِّنِينَ؛ عَمِلْنَا بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ الصَّحَّةُ وَعِنْدَ تَحَقُّقِنَا بِالْخَطَا زَالَ الْغِطَاءُ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْجِهَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَجَاوِزًا الْمَشَارِقَ إِلَى الْمَغَارِبِ، وَقَدْ عَلِمْتَ الْأَجْوِبَةَ كُلَّهَا عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا وُجِدَ فِي بَلْدَةٍ مَحَارِيبُ مُتَخَالِفَةٌ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ الصَّحَابَةِ وَلَا عَلَى سَمْتِ وَضْعِهِمْ]
?? = وَسُئِلَ أَيْضًا بِمَا صُورَتُهُ فِيمَا إِذَا وُجِدَ فِي بَلْدَةٍ مَحارِيبُ مُتَخَالِفَةٌ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا عَلَى سَمْتِ وَضْعِهِمْ وَلَا عَلَى سَمْتِ وَضْعِ ذَوِي الْعِلْمِ الْمَوْثوقِ بِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ طُعِنَ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ بَعْضَهَا مُنْحَرِفُ يَمْنَةٌ عَنْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ خَمْسًا وَسِتِّينَ دَرَجَةً، وَبَعْضَهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعِينَ دَرَجَةً، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفَلَكِيَّةِ إِذَا كَانَ الانْحِرَافُ عَنْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ دَرَجَةٌ يَمْنَةٌ أَوْ يَسْرَةً يَكُونُ ذَلِكَ الْإِنْحِرَافُ خَارِجًا عَنْ جِهَةِ الرُّبْعِ الَّذِي فِيهِ مَكَّةُ الْمُشَرَّفَهُ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالِ عَلَى أَنَّ الْجِهَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُصَلِّي أَرْبَعَةٌ فَهَلْ هَذِهِ الْمَحَارِيبُ الْمَزْبُورَةُ انْحِرَافُهَا كَثِيرٌ فَاحِش يَجِبُ الاِنْحِرَافُ فِيهَا يَسْرَةً إِلَى جِهَةِ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ أَمْ لَا؟
?? = وَإِذَا قُلْتُمْ: يَجِبُ، فَهَلْ إِذَا عَانَدَ شَخْصٌ وَصَلَّى فِي هَذِهِ الْمَحَارِيبِ بَعْدَ إِثْبَاتِ مَا ذُكِرَ تَكُونُ
الجزء 1 · صفحة 23
صَلَاتُهُ فَاسِدَةً وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاء أَمْ لَا؟
?? = وَهَلْ إِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَدِلَّةٌ خَاصَّةٌ وَأَدِلَّةٌ عَامَّةٌ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ وَتُحْمَلُ العَامَّةُ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
?? ج = أَجَابَ: حَيْثُ زَالَتْ بِالِانْحِرَافِ الْمَذْكُورِ الْمَقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتا لِلْكَعْبَةِ؛ عُدِمَ الاِسْتِقْبَالُ الْمَشْرُوطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ عُدِمَ الْمَشْرُوطُ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا كَلَامَ فِي عَدَمٍ صِحَّةِ الصَّلَاةِ إِلَى هَذِهِ الْمَحَارِيبِ الْمَوْصُوفَةِ بِمَا ذُكِرَ قَطْعًا، وَوُجُوبِ قَضَاءِ الْمُؤَدَّى بَعْدَ الْعِلْمَ وَالثبُوتِ.
?? ج = وَلَا يَجُوزُ الْعِنَادُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ يَحْرُمُ وَيَفْسُقُ مُرْتَكِبُهُ وَيُعَزرُ لِارْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ؛ خُصُوصًا فِي مِثْلَ هَذَا الشَّأْنِ الْعَظِيمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ، وَلَا شَكٍّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَاعِلِهِ بَعْدَ ظُهُورٍ دَلَائِلِهِ مُجَرَّدُ جَهْلٍ وَعِنَادٍ وَفِسْقٍ وَفَسَادٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ، وَإِلَّا يُعَامَلُ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ الْمُوجِعِ = وَأَمَّا بَحْث الْخَاصِّ وَالْعَامِّ: فَمِنْ مَشْهُورٍ مَسَائِلِ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، وَالْأَنْسَبُ ذِكْرُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ عَلِمَ اصْطِلَاحَ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَحَيْثُ عُلِمَ ذَلِكَ؛ فَلْيُعْلَمْ أَنَّ المُطلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ حَيْثُ اتَّحَدَتِ الْحَادِثَةُ وَالْحُكْمُ عِنْدَنَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، فَإِذَا وُجِدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِطْلَاقُ وَتَقْيِيدُ فِي عِبَارَاتِهِمْ؛ فَلَيْكُنِ الْمُطلَقُ مَحْمُولًا عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاِتِّحَادِ الْحُكْمِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيٌّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدِ الْحُكْمُ، فَالْحَمْلُ فِي مِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا كَانَ الْإِمَامُ أَلْثغَ]
?? = سُئِلَ: فِي الْإِمَامِ إِذَا كَانَ أَلْثغَ يُبَدِّلُ الرَّاءَ الْمُهْمَلَةَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنطِق بـ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يَقُولُ: (الغَحْمَنِ الغحِيمِ) وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْطِقَ بـ (رَبِّ) يَقُولُ: (غَبٌ) فَهَلْ يَكُونُ اقْتِدَاءُ الْفَصِيحِ الَّذِي يُخْرِجُ الْحُرُوفَ مِنْ مَخَارِجِهَا بِهِ بَاطِلًا، فَلَا يَجُوزُ إِمَامَتُهُ لِلْفَصِيحِ؟ وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَؤُمَّ فَصِيحًا؟ وَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ:
مَسْأَلَةُ الْألثغِ قَدْ تَكَرَّرَتْ .... سُؤَالُهَاعَنْ حُكْمِهَا وَاسْتُخْبِرَتْ
وَنَظَمَ النَّاسُ بِهَا كَلَامَا .... يَقْضِي لِكُلِّ سَائِلٍ مَرَامَا
الجزء 1 · صفحة 24
وَمِنْهُمُ الْغَزّيُّ فِي تُحْفَتِهِ .... نَظْمًا يَزِينُ الْقَوْلَ مِنْ بَهْجَتِهِ
إمَامَةُ الْأَلثعْ لِلْمُغَايرِ .... تَجُوزُ عِنْدَ الْبَعْضِ مِنْ أَكَابِرِ
وَقَدْ أَبَاهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ .... لِمَا لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّوَابِ
وَقُلْتُ نَظْمًا غَابِرَ الزَّمَانِ .... يَزْرِي بِنَظْمِ الدُّرُ وَالْجُمَانِ
إِمَامَةُ الْأَلثغِ بِالْفَصِيحِ .... فَاسِدَةٌ فِي الرَّاجِحِ الصَّحِيحِ
قَالَ فِي (الْبَحْرِ) بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ إِمَامَةَ الْإِنْسَانِ (لِمُمَاثِلِهِ) صَحِيحَةُ، إِلَّا إِمَامَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَالضَّالَّةِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكَلِ لِمِثْلِهِ، وَلِمَنْ دُونَهُ صَحِيحَةٌ، وَلِمَنْ فَوْقَهُ لَا تَصِحُ مُطْلَقًا. انْتَهَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[اقْتِدَاءُ غَيْرِ الْأَلثغ بِالْأَلْثغِ]
(34) = سُئِلَ فِيمَا إِذَا اقْتَدَى غَيْرُ الْأَلْثغ بِالْأَلْثغ، هَلْ تَصِحُ عَلَى الْأَصَحُ الْمُفْتَى بِهِ، أَمْ تَصِحُ عِنْدَ الْبَعْضِ؟ وَهَلْ فَاحِشُ اللُّثغَةِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ؛ لِكَوْنِ النُّطْقِ بِالْحُرُوفِ غَيْرَ خَالِصٍ فِي الْجُمْلَةِ، لَيْسَ مِنْهَا لَا لُغَةٌ وَلَا عُرْفًا كَمَا هُوَ التَّحْقِيقُ؟
(35) = وَإِذَا دَارَتِ الصَّلَاةُ بَيْنَ الصَّحَّةِ وَالْفَسَادِ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْفَسَادِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْعِبَادَةِ أَمْ عَلَى الصَّحَّةِ؟
(34) ج = أَجَابَ الرَّاجِحُ الْمُفْتَى بِهِ: عَدَمُ صِحَّةِ إِمَامَةِ الْأَلْثغِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِهِ لثغة.
(أ) وَصَرَّحَ قَاضِي خَانْ فِي (فَتَاوَاهُ) نَقلًا عَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ مِنْ الْفَضْلِ: أَنَّ إِمَامَةَ الْأَلْثَغِ لِغَيْرِ الْأَلْثغِ تَصِحُ؛ لِأَنَّ مَا يَقُولُهُ صَارَ لُغَةٌ لَهُ.
(ب) وَمِثْلُهُ فِي (الظَّهِيرِيَّةِ) وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا اللُّثغَةُ الْيَسِيرَةُ، فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَا مِنْ عُلَمَائِنَا، وَرَأَيْتُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ لِشَيْخِ الإِسْلَامِ زَكَرِيَّا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي (شَرْحِ الرَّوْضِ) مَا نَصُّهُ: لَوْ كَانَتْ لثْغتُهُ يَسِيرَةً بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْحَرْفِ غَيْرَ صَافٍ؛ لَمْ تُؤَثرْ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حَجَرٍ وَالرَّمْلِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فِي شَرْحَيْهِمَا عَلَى (الْمِنْهَاجِ)، وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ.
الجزء 1 · صفحة 25
(35) ج = وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الصَّحَّةِ وَالْفَسَادِ؛ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ بِلَا شُبْهَةٍ، قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرج} [الخ: ??] وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ (الدِّينُ يُسْرُ وَلَنْ يُغَالِبَ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ).
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِينَ]
(36) = سُئِلَ: فِي الصَّبِيِّ هَلْ يَصِحُأَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِلْبَالِغِينَ أَمْ لَا؟ أَجَابَ: اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَفْلٌ، وَصَلَاةَ الْبَالِغِ فَرْضٌ، فَلَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى، وَقَدْ أَطْلَقُوا فِي ذَلِكَ، فَشَمِلَ اقْتِدَاءَهُ بِهِ فِي الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ:
(أ) كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ، كَمَا فِي (الْهِدَايَةِ).
(ب) وَقَوْلُ الْعَامَّةِ، كَمَا فِي (الْمُحِيطِ).
(جـ) وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ؛ لِأَنَّ نَفْلَ الْبَالِغِ مَضْمُونٌ دُونَ نَفْلِ
الصَّبِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِمَامَةُ الْأَعْمَى إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ]
(37) = سُئِل: فِي إِمَامَةِ الْأَعْمَى إِذَا لَمْ يَكُنْ ثمَّ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، هَلْ تُكْرَهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ كَانَ يَؤُمُّهُ لَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ:
(أ) فَإِنَّ إِمَامَةَ عِتْبَانَ بِنِ مَالِكِ الْأَعْمَى بِقَوْمِهِ مَشْهُورَةٌ فِي (الصَّحِيحَيْنِ).
(ب) وَاسْتِخْلَافَ ابْنِ أُمَّ مَكْتُومِ الْأَعْمَى عَلَى الْمَدِينَةِ كَذَلِكَ فِي (صَحَيحِ ابْنِ حِبَّانَ) كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنِ (الْمُحِيطِ) هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ فِي (الْمِنْهَاجِ): وَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى النَّص، قَالَ شَارِحُهُ الشَّيْخُ جَلالُ الدِّينِ: وَقِيلَ: وَالْأَعْمَى أَوْلَى؛ لَأَنَّهُ أَخْشَعُ. وَقِيلَ: الْبَصِيرُ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ عَنِ النَّجَاسَةِ أَحْفَظُ، وَلِتَعَارُضِ الْمَعْنَيَيْنِ سَوَّى الْأَوَّلُ بَيْنَهُمَا. انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 26
[إِذَا كَانَ رَجُلٌ عَلَى يَدِهِ وَشْمٌ، هَلْ تَصِحُ صَلَاتُهُ؟]
?? سُئِلَ: فِي رَجُلٍ عَلَى يَدِهِ وَشْمٌ، هَلْ تَصِحُ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ مَعَهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ تَصِحُ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ مَعَهُ بِلَا شُبْهَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ فَضْلَةِ الْأَكْلِ]
(39) = سُئِلَ: فِي الرَّجُلِ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ فَضْلَةِ الْأَكْلِ، هَلْ يُلْقِيهِ أَمْ يَبْتَلِعُهُ؟
(40) = وَهَلْ يُؤَذِّنُ الْمُصَلِّي وَيُقِيمُ لِلْفَوَائِتِ أَمْ لَا؟
(41) = وَهَلِ الْأَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ أَمِ الْإِتمَامُ؟
وَهَلْ بِالْإِتمَامِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا حُرْمَةٌ أَمْ لَا؟
(42) = وَمَا حُكْمُ صَلَاةِ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؟
?? ج = أَجَابَ: يُكْرَهُ أَنْ يَبْتَلِعَ الْمُصَلِّي مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ إِنْ كَانَ قَلِيلًا دُونَ قَدْرِ الْحِمَّصَةِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْحِمَّصَةِ تَفْسَدْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فِي الصَّحِيحِ، وَالْقَاؤُهُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهُ كَالْبُصَاقِ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ: عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ فَيُلْقِيهِ فِي مَحَلِّ يُبَاحُ وَلَا يَأْكُلُهُ، وَقَدْ وَرَدَ (كُلُوا الوَغْمَ واطْرَحُوا الفَغْمَ) وَهُوَ مَا يَعْلَقُ بَيْنَ الْأَسْنَانِ مِنْهُ أَي: ارْمُوا مَا يُخْرِجُهُ الْخِلَالُ وَكَذَلِكَ مَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَ الْأَسْنَانِ وَيَخْرُجُ بِنَفْسِهِ، خُصُوصًا إِنْ مَكَثَ كَثِيرًا لِتَغَيرِهِ، وَإِنْ أَكَلَهُ مَعَ ذَلِكَ خَارِجَهَا؛ كُرِهَ أَيْضًا. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخْرِينَ مِنْ شُرَّاحِ (الْكَنْزِ) فِي قَوْلِهِ: (وَلَوْ نَظَرَ إِلَى مَكْتُوبِ وَفَهِمَهُ أَوْ أَكَلَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ أَوْ مَرَّ مَارٌ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ لَا تَفْسَدُ وَإِنْ أَثمَ) أَيْ: فَاعِلُ ذَلِكَ، أَعْنِي: النَّاظِرَ وَالْآكِلَ وَالْمَارَّ، وَأَنْتَ عَلِمْتَ الْكَرَاهَةَ فِي النَّاظِرِ وَالْآكِلِ، بَلْ قَدْ مَرَّ عَنِ الْحَلَبِيُّ أَنَّهَا فِيهِ تَحْرِيمِيَّة.
(40) ج = وَيُؤَذِّنُ الْمُصَلِّي لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ، وَكَذَا لِأُولَى الْفَوَائِتَ وَيُخَيَّرُ فِي الْأَذَانِ لِلْبَاقِي، فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ لِكُلِّ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ، هَذَا إِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَقَضَاهَا فِي مَجْلِسٍ، وَإِنْ قَضَاهَا فِي مَجَالِسَ يُؤَذِّنُ لِكُلِّ وَيُقِيمُ لِكُلِّ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَلَكٍ نَفْلًا عَنِ (الْكِفَايَةِ).
الجزء 1 · صفحة 27
(41) ج = وَالْقَصْرُ لِلْمُسَافِرِ وَاجِبٌ، حَتَّى لَوْ أَتَمَّ يَكُونُ أَيْمًا عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، قَالَ يَعْلَى بِنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: إِنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء:: (101)] وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صل الله فَقَالَ: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْهُ صَدَقَتَهُ) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ ((2)).
(42) ج = وَأَمَّا صَلَاةُ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِلِاحْتِيَاطِ فَقَطْ؛ مَنَعَ مِنْهَا أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي تَرْكِهَا، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ التَّعَدُّدِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ، لَكِنْ:
(أ) ذَكَرَ فِي (التَّتَارُخَانِيَّةِ): اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْقُرَى الْكَبِيرَةِ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِالْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ فِيهَا:
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلِّي الْفَرْضَ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَهَا احْتِيَاطًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلِّي الْأَرْبَعَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ أَوَّلا، ثُمَّ يَسْعَى وَيَشْرَعُ فِي الْجُمُعَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجُمُعَةُ جَائِزَةٌ صَارَتِ الظُّهْرُ تَطَوُّعًا وَالْجُمُعَةُ صَحِيحَة.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَوَّلا، ثُمَّ يُصَلِّي السُّنَّةَ أَرْبَعًا وَرَكَعْتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْجُمُعَةُ جَائِزَةٌ فَهَذَا كُلُّهُ يَكُونُ نَفْلًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْجُمُعَةُ جَائِزَةٌ فَهَذَا فَرْضُهُ.
(ب) وَقَالَ فِي (الْحُجَّةِ) هَذَا فِي الْقُرَى الْكَبِيرَةِ، وَأَمَّا فِي الْبِلَادِ فَلَا شَكٌّ فِي الْجَوَازِ، وَلَا تُعَادُ الْفَرِيضَةُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْقُرَى أَنْ يُصَلِّيَ السُّنَّةَ أَرْبَعًا ثُمَّ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ يَنْوِيَ أَرْبَعًا سُنَّةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الظُّهَرَ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الْوَقْتِ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، فَلَوْ كَانَ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ صَحِيحًا؛ فَقَدْ أَدَّاهَا وَسُنَّتَهَا، وَإِنْ لَمْ تُكُنِ الْجُمُعَةُ صَحِيحَةٌ فَقَدْ (صَلَّى) الظُّهْرَ وَالْأَرْبَعَ سُنَّةٌ وَالْأَرْبَعَ فَرِيضَةً وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ هَذَا سُنَّةٌ، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرِ النَّسَفِيُّ: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَبَا جَعْفَرٍ الْهِنْدَوَانِيَّ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِبُرْدَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعًا، فَقُلْتُ: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ وَالْأَرْبَعُ؟ أَعَدْتَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَلَمْ تَرَ الْجُمُعَةَ بِبُرْدَةَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنِّي صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَرْبَعًا عَلَى مَذْهَبِ عَلِيٌّ، وَقَوْلُ النَّاسِ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ أَوْ بِنِيَّةِ أَقْرَبِ صَلَاةٍ عَلِيٌّ؛ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الرِّوَايَاتِ، وَلَا شَكٍّ فِي جَوَازِ الْجُمُعَةِ فِي الْبِلَادِ وَالْقَصَبَاتِ.
(جـ) وَفِي شَرْحِ (الْمَجْمَعِ) فِي قَوْلِهِ: (وَيَجْعَلُهَا - أَيْ: أَبُو يُوسُفَ - السُّنَّةَ بَعْدَهَا سِتًّا إِلَخْ) ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نِيَّةِ تِلْكَ الْأَرْبَعِ:
الجزء 1 · صفحة 28
قيل: يَنْوِي السُّنَّةَ، وَالْأَحْسَنُ الْأَحْوَطُ فِي مَوْضِعِ الشَّكُ فِي جَوَازِ الْجُمُعَةِ وَثُبُوتِ شَرْطِهَا: أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ أَنْ أُصَلِّيَ آخَرَ ظُهْرِ أَدْرَكْتُ وَقْتَهُ وَلَمْ أُصَلِّهِ بَعْدُ. وَقِيلَ الْمُخْتَارُ: أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ السُّنَّةِ، كَذَا فِي (الْقِنْيَةِ). انْتَهَى والمسألة أُفْرِدَتْ بِالتَّصَانِيفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْإِخْفَاءُ وَالْجَهْرُ فِي الصَّلَاةِ]
(43) = سُئِلَ: عَنْ مَسْأَلَةِ الْإِخَفَاءِ وَالْجَهْرِ بِالْقَرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ فِيهَا، وَمَا هُوَ الْأَرْجَح مَعَ عَزْوِ كُلِّ إِلَى مَوْضِعِهِ؟
أَجَابَ:
(أ) قَالَ فِي (التَّبْبِينِ) اخْتَلَفُوا فِي حَدَّ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ:
فَقَالَ الْهِنْدَوَانِيُّ: الْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَالْمُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: الْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَالْمُخَافَتَةُ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللسَانِ دُونَ الصَّمَاخِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللَّسَانِ لَا تُسْمَّى قَراءَةٌ بِدُونِ الصَّوْتِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ: كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَوُجُوبِ السَّجْدَةِ بِالتَّلَاوَةِ، وَالْعِتَاقِ، وَالطَّلَاقِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ انْتَهَى.
(ب) وَفِي (الْجَوْهَرَةِ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيَّ): وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ؛ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ. قَالَ: قَوْلُهُ: (وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّ الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَيَكُونُ حَدُّ الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، فَإِنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ عِنْدَهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَأَقْصَاهُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَحَدُّ الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللَّسَانِ دُونَ الصِّمَاخ. وَقَالَ الْهِنْدَوَانِيُّ: الْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَالْمُخَافَتَهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةَ اللَّسَانِ لَا تُسَمَّى قِرَاءَةٌ دُونَ الصَّوْتِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ انْتَهَى.
(جـ) وَفِي (الْبَحْرِ): وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُصَنِّفُ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاءَ لِلاخْتِلَافِ مَعَ اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ، فَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إِلَى أَنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَأَنَّ الْمُخَافَتَةَ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَفِي (الْبَدَائِعِ): مَا قَالَ الْكَرْخِيُّ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، وَفِي (كِتَابِ الصَّلَاةِ لِمُحَمَّدٍ) إِشَارَةٌ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ. انْتَهَى. وَأَكْثَرُ الْمَشَايِحَ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّ الْجَهْرَ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَالْمُخَافَتَةَ أَنْ
الجزء 1 · صفحة 29
يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْهِنْدَوَانِي، وَكَذَا كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الذبِيحَةِ، وَوُجُوبِ السَّجْدَةِ، وَالتَّلَاوَةِ، وَالْعِنَاقِ، وَالطَّلَاقِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ، حَتَّى لَوْ طَلَّقَ وَلَمْ يُسْمِعُ نَفْسَهُ لَا يَقَعُ، وَإِنْ صَحَّحَ الْحُرُوفَ.
(د) وفي (الْخُلَاصَةِ): الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ بِحَيْثُ سَمِعَ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ؛ لَا يَكُونُ جَهْرًا، وَالْجَهْرُ أَنْ يَسْمَعَ الْكُلُّ انْتَهَى.
(هـ) وَفِي (فَتْحُ الْقَدِيرِ): وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِعْلَ اللسَانِ، لَكِنَّ فِعْلَهُ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ، وَالْكَلَامُ بِالْحُرُوفِ وَالْحُرُوفُ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِلصَّوْتِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ النَّفْسِ، فَإِنَّ النَّفْسَ الْمَعْرُوضَ بِالْقَرْعِ، فَالْحَرْفُ عَارِضُ لِلصَّوْتِ لَا لِلنَّفَسِ، فَمُجَرَّدُ تَصْحِيحِهَا بِلَا صَوْتٍ إِيمَاءُ إِلَى الْحُرُوفِ بِعَضَلَاتِ الْمَخَارِجِ لَا حُرُوفٌ، فَلَا كَلَامَ، بَقِيَ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَلْزَمَ فِي مَفْهُومِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَصِلَ إِلَى السَّمْعِ، بَلْ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ، وَهُوَ قَوْلُ بِشْرِ الْمَرِيسِي، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْهِنْدَوَانِيِّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ سَمَاعُهُ بَعْدَ وُجُودِ الصَّوْتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعُ انْتَهَى.
فَأَخْتَارُ (أَنَّ) قَوْلَ بِشْرٍ: قَوْلُ الْهِنْدَوَانِيِّ، وَهُوَ خِلافُ الظَّاهِرِ، بَلِ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
قَالَ الْكَرْخِيُّ: إِنَّ الْقِرَاءَةَ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْتُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ.
وَقَالَ بِشْرٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ.
وَقَالَ الْهِنْدَوَانِيُّ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لَهُ. زَادَ فِي (الْمُجْتَبَى) فِي النَّقْلِ عَنِ الْهِنْدَوَانِيَّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئهُ مَا لَمْ تَسْمَعْ أُذْنَاهُ وَمَنْ بِقُرْبِهِ. انْتَهَى.
وَنَقَلَ فِي (الذَّخِيرَةِ): أَنَّ الْأَصَحَ هَذَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ قَوْلًا رَابِعًا، بَلْ هُوَ قَوْلُ الْهِنْدَوَانِيُّ الْأَوَّلُ، وَفِي الْعَادَةِ أَنَّ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ يَكُونُ مَسْمُوعًا لِمَنْ هُوَ بِقُرْبِهِ أيْضًا. إِلَى هُنَا كَلَامُ (الْبَحْرِ).
وَأَقُولُ: لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُ الْهِنْدَوَانِيِّ؛ عَوَّلَ عَلَيْهِ فِي مَتْنِ (تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ) بِقَوْلِهِ: وَالْجَهْرُ إِسْمَاعُ غَيْرِهِ، وَالْمُخَافَتَةُ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقُدُورِيُّ اخْتِيَارُ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّ مَا قَالَهُ الْهِنْدَوَانِيُّ أَصَحُ وَأَرْجَحُ لِاعْتِمَادِ أَكْثَرِ عُلَمَائِنَا عَلَيْهِ. هَذَا وَدَعْوَى خِلَافُ الظَّاهِرِ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ بَعِيدٌ؛ إِذْ أَغْلَبُ الشُّرَّاحِ لَمْ يَنْقُلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا ثَالثا، بَلِ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ قَوْلِ الْكَرْخِيَّ وَالْهِنْدَوَانِيَّ مَعَ ظُهُورِ (وَجْهِ) مَا قَالَهُ الْكَمَالَ وَكَوْنِهِ وَسَطًا، إِذْ يَبْعُدُ اشْتِرَاطُ حَقِيقَةِ
الجزء 1 · صفحة 30
السَّمَاعِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ آلَتِهِ، وَرُبَّمَا تَخْتَلِفُ مَعَ حَقِيقَةِ الْجَهْرِ، وَلَا (بُعْدَ) فِي إِرَادَتِهِ تَقْلِيلًا لِلْأَقْوَالِ؛ بَأَنِ ادَّعَى وُجُوبَ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، فَهُوَ مُتَّجِهُ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ بِهِ صَمَمٌ لَا يَسْمَعُ نَفْسَهُ إِلَّا بِاسْتِعْمَالِ مَا هُوَ جَهْرٌ فِي حَقٌّ غَيْرِهِ، وَقَدْ لَا يَتَهَيَّأُ مَعَهُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ وَعَدَمِ الْحَرَجِ، فَإِنَّهُ مَعَ التَّعْوِيلِ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدَوَانِيِّ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ لَوْ أُخِذَ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ لَزِمَ عَدَمُ صِحَّةِ أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ كُلِّ خَاصٌ وَعَامٌ، فَتَبَيَّنَ صِحَّةُ مَا اسْتَظْهَرَهُ الْكَمَالُ بِنُ الْهُمَامِ، وَالْمَحَلَّ مُحْتَمِلٌ لِزِيَادَةِ الْبَحْثِ، وَلَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَسْمَاعَ تَضْرِبُ عَمَّا فِيهِ إِطَالَةٌ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِمَبْحَثِ السَّمَاعِ، وَالْحَاصِلُ أَنْ يُقَالَ: فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَانِ: قَوْلُ الْكَرْخِيُّ، وَقَوْلُ الْهِنْدَوَانِيِّ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدَوَانِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا تَلَا مُصَلِّ السَّجْدَةَ هَلْ يَأْتِي بِتَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ بِوَاحِدَةٍ؟]
(44) = سُئِلَ: فِي مُصَلِّ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ، هَلْ يَأْتِي بِتَكْبِيرَتَيْنِ وَاحِدَةٍ لِلْوَضْعِ وأخرى للرفع أم لا؟
(45) = وَهَلْ إِذَا اجْتَمَعَ سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ وَقُنُوتُ بِأَيْهِمَا يَبْدَأُ؟
(44) ج = أَجَابَ: يُكَبِّرُ تَكْبِيرَتَيْنِ وَاحِدَةٍ لِلْوَضْعِ وَأُخْرَى لِلرَّفْعِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ الْوَضْعِ وَيُكَبِّرُ عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُ، كَمَا فِي (الْبَحْرِ).
(45) ج = وَأَمَّا مَسْأَلَةُ اجْتِمَاعِ سَجْدَةِ التَّلَاوَةِ وَالْقُنُوتِ؛ فَلَا شُبُهَةٌ فِي تَقْدِيمِ سَجْدَةِ التَّلَاوَةِ؛ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاتِيَّةِ عَلَى الْفَوْرِ، وَمِنْ أَنَّ الثَّلَاثَ آيَاتٍ تَقْطَعُ الْفَوْرَ، وَالْقُنُوتُ يَعْدِلُهَا أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَوْ قَدَّمَهُ فَوَّتَ الْفَوْرَ وَلَزِمَهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ تِلْوَهُ؛ إِذْ هُوَ الْوَارِدُ، فَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءُ، فَيَرْتَكِبُ الْإِثْمَ، وَإِذَا بَدَأَ بِهِ؛ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا مَا يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَإِنْ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا. فَتَأَمَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْجَنَائِزِ
[إِذَا تَوَلَّى مُسْلِمٌ غُسْلَ مَيِّتٍ نَصْرَانِيِّ وَتَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ]
(46) = سُئِلَ: فِي مُسْلِمٍ تَوَلَّى غُسْلَ مَيِّتٍ نَصْرَانِيَّ وَتَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ إِثْمٌ أَوْ تَعْزِيرٌ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: حَيْثُ لَمْ يُرَاعِي فِي ذَلِكَ مَا يُرَاعَى فِي غُسْلِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ؛ لَا يَلْزَمُهُ فِيهِ إِثْمٌ وَلَا
الجزء 1 · صفحة 31
تَعْزِيرٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ مِنَ النَّصَارَى فَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُمْ، وَمَعَ هَذَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ؛ فَقَدْ بَاشَرَ خِلَافَ الْأَوْلَى وَلَمْ يَرْتَكِبْ مَحْظُورًا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَمِنَ الْمُصَرَّحِ بِهِ أَنَّ الْمَيِّتَ الْكَافِرَ يُغَسِّلُهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ، لَكِنْ غُسْلُ الثوْبِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَامُنِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بَأْسَ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَهُ وَيُكَفِّنُهُ فِي ثَوْبٍ غَيْرَ مُرَاعٍ سُنَّةٌ فِي كَفَنهِ، وَيَدْفِنُهُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ غَيْرِ لَحْدٍ وَلَا تَوْسِعَةٍ، فَإِنْ رَاعَى مَا نَصَّتِ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ فِي غُسْلِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ؛ فَقَدِ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ شَرْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَنْ مَاتَ جُنُبًا، هَلْ يُوَضَّأُ بِلَا مَضْمَضَةٍ وَلَا اسْتِنْشَاقٍ؟]
(47) = سُئِلَ: عَمَّنْ مَاتَ جُنُبا هَلْ يُوَضِّأُ بِلَا مَضْمَضَةٍ وَلَا اسْتِنْشَاقٍ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يُوَضَّأُ بِلَا مَضْمَضَةٍ وَلَا اسْتِنْشَاقِ؛ لِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ، وَالْعِلَّةُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ تَقْتَضِيهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ يَدْخُلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَاذَا يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ]
(48) = سُئِلَ: مَاذَا يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ؟
أَجَابَ: يَنْوِي بِهِمَا الْحَفَظَةَ وَالْإِمَامَ وَالْمَيِّتَ إِذَا كَانَا مُحَاذِيَيْنِ لِلْمُسَلَّمِ، وَعَنِ الْيَمِينِ فَقَطْ إِنْ كَانَا يَمْنَةٌ عَنْهُ، وَعَنِ الْيَسَارِ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[كَفَنُ الْمَرْأَةِ هَلْ فِيمَا تَرَكَتْ أَمْ عَلَى زَوْجِهَا]
(49) = سُئِلَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا مَاتَتْ، هَلْ كَفَنُهَا فِيمَا تَرَكَتْ، أَمْ عَلَى الزَّوْجِ كَفَنُهَا وَتَجْهِيزُهَا؟
أَجَابَ: كَفَنُهَا وَتَجْهِيزُهَا عَلَى الزَّوْجِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَمَا كَانْ كِسْوَتُهَا وَسُكْنَاهَا حَالَ حَيَاتِهَا عَلَيْهِ.
(أ) وَوُجِدَ بِخَطَّ الْعَلامَةِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الشَّهَابِ الْحَلَبِيِّ مَا صُورَتُهُ: قَالَ فِي (السَّرَاحِ الْوَهَّاجِ): وَالْمَرْأَةُ إِذَا مَاتَتْ وَلَا مَالَ لَهَا فَعِنْدَ أَبِي يُوسَفَ يَجِبُّ كَفَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا كَمَا تَجِبُ كِسْوَتُهَا عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ بِالْمَوْتِ، فَصَارَ الزَّوْجُ كَالْأَجْنَبِي، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهَا مَالٌ؛ فَكَفَنُهَا فِي مَالِهَا بِالإجْمَاعِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ. انْتَهَى.
(ب) قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي (حَوَاشِيهِ عَلَى الْمَجْمَعِ) مَا نَصُّهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الْخِلَافِ فِي الْكَفَنِ، قَالَ
الجزء 1 · صفحة 32
الْكَرْخِيُّ: وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ؛ فَكَفَتُهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، إِلَّا الْمَرْأَةَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ كَفَنَهَا لَا يَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا عِنْدَهُ، لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا انْقَطَعَ.
(جـ) قَالَ فِي (الإيضاح): وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
(د) وَقَالَ فِي (الْكُبْرَى): فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ؛ فَكَفَنُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا عَلَى زَوْجِهَا، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ عُلَمَائِنَا. يَعْنِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرَوَى خَلَفٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْفِينُهَا، وَبِهِ يُفْتِي.
(هـ) وَفِي (التَّقْرِيبِ) قَالَ يَعْقُوبُ: يَلْزَمُ الزَّوْجَ كَفَنُ الزَّوْجَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَلْزَمُهُ.
(و) وَقَالَ فِي (التَّجْنِيسُ): وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُّ الْكَفَنُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لَوَجَبَ عَلَى الْأَجَانِبِ، وَهُوَ كَانَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْكِسْوَةِ عَلَيْهِ حَالَ حَيَاتِهَا فَيَتَرَبَّحُ عَلَى سَائِرِ الْأَجَانِبِ.
(ز) وفي (مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ): كَفَنُ الْمَرْأَةِ وَتَجْهِيزُهَا عَلَى زَوْجِهَا هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ؛ لَوَجَبَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ.
(ح) وَفِي (الْكَافِي): وَكَفَنُهَا عَلَيْهِ وَلَوْ تَرَكَتْ مَالًا، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
فَتَلَخَّصَ أَنَّ أَصْلَ الْخِلَافِ فِي الْكَفَنِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّجْهِيزِ كَانَ يُفْعَلُ حِسْبَةٌ، فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ الْخِلَافُ، وَأَنَّ التَّجْهِيز أُلْحِقَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا صَارَ لَا يُحْتَسَبُ بِهِ. انْتَهَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ.
(ط) وَفِي (الْخُلاصَةِ) فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالدَّفْنِ وَالْكَفَنِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا امْرَأَةٌ أَوْصَتْ إِلَى زَوْجِهَا أَنْ يُكَفِّنَهَا مِنْ مَهْرِهَا الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ. قَالَ: وَصِيَّتُهَا في تكفينهَا بِاطْلَةٌ، وَلَكِنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ، كَذَا أَجَابَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الْكَفَنَ عَلَى الزَّوْجِ كَالْكِسْوَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْكَفَنَ لَا يَجِبُ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 33
الزَّوْجِ.
قَالَ فِي (الْعُيُونِ) وَبِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نَأْخُذُ انْتَهَى.
(ي) قَالَ فِي (الْمَجْمَعِ): وَيَأْمُرُهُ بِتَجْهِيزِهَا مُعْسِرَةً، وَخَالَفَهُ مُحَمَّدٌ.
وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي (مَنْظُومَتِهِ) فِي بَابِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَلَا قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ مُعْسِرَةٌ، كَانَ عَلَى الزَّوْجِ جِهَازُ الْمَقْبَرَةِ. قَالَ فِي (شَرْحِهَا الْمُسْتَصْفَى) أَيِ الْكَفَنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَيِّتُ. انْتَهَى. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا عَدَا الْكَفَنَ مِنْ حَنُوطٍ وَأُجْرَةِ غُسْلِ وَحَمْلٍ وَدَفْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْرَةِ حَفْرِ قَبْرٍ وَسَدِّهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ، فَكُلُّهُ عَلَى الزَّوْجِ؛ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقِّ بِالتَّجْهِيز؛ لِكَوْنِهِ لَا يُفْعَلُ حِسْبَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ مَاتَتْ تَحْتَ مُسْلِم وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ هَلْ تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ؟]
(50) = سُئِلَ: فِي امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّة تَحْتَ مُسْلِمٍ مَاتَتْ حَامِلًا فَهَلْ تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ؟
أَجَابَ:
(أ) صَرَّحَ الْعَلَامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي (شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي) بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهَا:
قَالَ بَعْضُهُمْ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقِيلَ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَوَائِلَةُ بْنُ الْأَسْقَع: يُتَّخَذُ لَهَا قَبْرٌ عَلَى حِدَةٍ. وَهُوَ أَحْوَطُ، وَفِي بَعْضٍ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ يُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ؛ لَأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إِلَى ظَهْرِهَا، قَالَ السُّرُوجِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ.
(ب) وَقَالَ فِي (التَّتارُخَانِيَّةِ): وَفِي (فَتَاوَى الْحُجَّةِ): الْكَافِرَةُ إِذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ قَدْ مَاتَ فِي بَطْنِهَا؛ لَا يُصْلَّى عَلَيْهَا بِالإجماع، وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّفْنِ.
(جـ) وَفِي (الْيَنَابِيع): قَالَ بَعْضُهُمْ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْكُفَّارِ.
الجزء 1 · صفحة 34
وَقِيلَ: تُدْفَنُ وَحْدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ]
(5) = سُئِلَ: (هَل) الأَفْضَلُ الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَمْ أَمَامَهَا؟
أَجَابَ: قَالَ فِي (الِاخْتِيَارِ) وَالْأَحْسَنُ فِي زَمَانِنَا الْمَشْيُّ أَمَامَهَا؛ لِمَا يَتَّبِعُهَا مِنَ النِّسَاءِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
[إذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ، مَنْ يَلِي دَفْنَهَا؟]
(52) سُئِلَ: فِي الْمَرْأَةِ إِذَا مَاتَتْ وَلَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ مَنْ يَلِي دَفْنَهَا؟
أَجَابَ: يَلِي دَفْنَهَا جِيرَانُهَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاح وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ الْقَبْرَ؛ لأَنَّ مَسَّ الْأَجْنَبِيِّ إِيَّاهَا مِنْ فَوْقِ التَّوْبِ يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْوَفَاةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) وَاللهُ أَعْلَمُ.
[قَبْرُ رَجُلٍ غَلِطَ فِيهِ أَهْلُ مَيِّتَةٍ فَدَفَنُوهَا بِهِ ظَنَّا أَنَّهُ لَهُمْ]
(53) = سُئِلَ: فِي قَبْرِ رَجُلٍ غَلِطَ فِيهِ أَهْلُ مَيِّتةٍ، فَدَفَنُوهَا بِهِ ظَنَّا أَنَّهُ لَهُمْ، فَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ: لِأَهْلِهِ أَنْ يُكَلِّفُوا أَهْلَهَا بِنَبشِ الْقَبْرِ وَإِخْرَاجِهَا مِنْهُ، بَعُدَتِ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ، وَلَهُمُ التَّرْكُ إِنْ رَأَوْا ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ النَّبْشِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَهُنَا الضَّرُورَةُ حَقُّ الْغَيْرِ، فَإِذَا أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ؛ جَازَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَاطُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ لِمُعَارَضَتِهِ بِحُرْمَةِ النَّبْشِ بَعْدَ إِسْقَاطِ حَقَّهِمْ، وَهَذَا مُسْتَنْبَطُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ لِجَوَازِ النَّبْشِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ بِحَقِّ الْغَيْرِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَبْرُ مِلْكًا، أَمَّا إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ وَقْفٍ، فَلَا نَبْشَ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِآخَرَ فَصَرَفَتْ وَرَثَتُهُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ فِي كَفَنِهِ]
(4) (5) = سُئِلَ: فِي رَجُل مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنُ لِآخَرَ، فَصَرَفَتْ وَرَثَتُهُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ فِي كَفَيْنه، وَكَفَنُ مِثْلِهِ يَتَأَنَّى بِسُدُسِهَا أَوْ رُبُعِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ شَيْئًا قَلِيلًا، هَلْ يَضْمَنُ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ عَلَى كَفَنِ الْمِثْلِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَضَمَنُ الْوَرَثَةُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَالَ فِي (ضَوْءِ السَّرَاجِ): فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَأَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُكَفِّنُوهُ كَفَنَ الْمِثْلِ؛ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، بَلْ يُكَفِّنُ بِكَفَنِ الْكِفَايَةِ، وَيُقْضَى
الجزء 1 · صفحة 35
بِالْبَاقِي الدَّيْنُ، وَكَفَنُ الْكِفَايَةِ لِلرَّجُلِ ثَوْبَانِ جَدِيدَيْنِ كَانَا أَوْ غَسِيلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَمْنَعُوا عَنْ كَفَنِ الْمِثْلِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ ضَمَانُ مَا زَادَ عَلَى كَفَنِ الْمِثْلِ إِجْمَاعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَقْبَرَةٌ مَوْقُوفَةٌ لِدَفْنِ الْمُسْلِمِينَ بَنَى بِهَا رَجُلٌ قَبْرًا وَدَفَنَ بِهِ وَلَدَهُ]
??
(55) = سُئِلَ: فِي مَقْبَرَةٍ مَوْقُوفَةٍ لِدَفْنِ الْمُسْلِمِينَ، بَنَى بِهَا رَجُلٌ قَبْرًا وَدَفَنَ بِهَا وَلَدَهُ فِي تَابُوتٍ، فَقَبْلَ أَنْ يَبْلَى جَسَدُهُ؛ حَفَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْقَبْرَ، وَأَخْرَجُوهُ مِنَ التَّابُوتِ وَكَسَرُوا التَّابُوتَ وَأَتْلَفُوهُ، وَدَفَنُوا فِيهِ مَيِّتا لَهُمْ، فَمَاذَا يَلْزَمُهُمْ شَرْعًا؟
أَجَابَ: يَلْزَمُهُمْ ضَمَانُ مَا أَنْفَقَ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَا يُحَوِّلُ مَيْتُهُمْ، قَالَ فِي (التَّتَارُ خَانِيَّةِ) نَفْلًا عَنِ (الْفَتَاوَى): أَنْفَقَ مَالًا فِي إِصْلَاحِ قَبْرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ وَدَفَنَ فِيهِ مَيِّتُهُ: إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ مَوْقُوفَةٌ يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحَوَّلُ مَيِّتُهُ مِنْ مَكَانِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْفٍ. انتهى.
وَلَا شَكٍّ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ قِيمَةَ التَّابُوتِ الَّذِي أَتْلَفُوهُ، وَلَا شَكٍّ أَيْضًا أَنَّهُمْ حَيْثُ عَلِمُوا بِالْمَيِّتِ السَّابِقِ، وَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي يُعَزِّرُونَ؛ لِارْتِكَابِهِمْ مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ، وَالتَّعْزِيرُ وَاجِبٌ بِمِثْلِهِ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً هَلْ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ]
(56) = سُئِلَ: عَمَّن قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَاً، هَلْ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأَ بِأَنْ أَرَادَ ضَرْبَ الْعَدُوِّ فَأَصَابَ نَفْسَهُ، يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(أ) وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الْأَصَحُ عِنْدِي أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
(ب) وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيَّ السُّغْدِيُّ: الْأَصَحُ أَنَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَاغِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْبَاغِي لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(جـ) وَفِي (فَتَاوِي الْعَلَّامَةِ قَاضِي خَانْ): يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا؛ لأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَلَمْ
الجزء 1 · صفحة 36
يُحَارِبِ الْمُسْلِمِينَ.
(د) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُصَلُّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهُوَ مُحْمُولٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي (الْجَوْهَرَةِ). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا فَعَلَ الشَّهِيدُ مَا يَقَعُ بِهِ الِارْتِثَاثُ وَالْحَرَبُ قَائِمَةٌ]
(57) = سُئِلَ: عَنِ الشَّهِيدِ إِذَا فَعَلَ مَا يَقَعُ بِهِ الارْتِثَاثُ وَالْحَرَبُ قَائِمَةٌ، هَلْ يَكُونُ مُرْتَثا أَمْ لَا يَكُونُ مُرْتثا إِلَّا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا؟
أَجَابَ: لَا يَكُونُ مُرْتَنا إِلَّا إِذَا فَعَلَ أَفْعَالَ الْمُرْتَثينَ بَعْدَ انِقْضَاءِ الْحَرْبِ، وَأَمَّا قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا يَكُونُ مُرْتَثا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، كَمَا فِي (التَّبِينِ). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[شَارِبُ خَمْرِ قُتِلَ ظُلْمًا بِجَارِحَةٍ وَلَمْ يَجِبْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ مَالٌ]
(58) = سُئِلَ: مِنْ دِمَشْقَ فِي شَارِبِ خَمْرٍ قُتِلَ ظُلْمًا بِجَارِحَةٍ، وَلَمْ يَجِبْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ مَالٌ، هَلْ يَكُونُ شَهِيدًا وَلَوْ قُتِلَ حَالَ سُكْرِهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَكُونُ شَهِيدٌ؛ لأنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ مَعْصِيَةٌ، وَهِيَ قَطْعًا لَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْمُتُونِ، حَيْثُ إِنَّهُمْ عَرَّفُوا الشَّهِيدَ بِأَنَّهُ: مُكَلَّفٌ مُسْلِمٌ طَاهِرٌ قُتِلَ ظُلْمًا بِجَارِحَةٍ، وَلَمْ يَجِبْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ مَالٌ، وَلَمْ يَرْتَث، وَصَرَّحَ فِي (الْبَحْرِ) نَقْلًا عَنِ الْمُجْتَبَى وَالْبَدَائِعِ: أَنَّ شَرَائِطَ الشَّهَادَةِ ستُ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغ، وَالْقَتْلُ ظُلْمًا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ عِوَضٌ مَالِيُّ، وَالطَّهَارَةُ عَنِ الْجَنَابَةِ، وَعَدَمُ الِارْتِثَاثِ. انْتَهَى.
فَأَفَادَ هَذَا بِظَاهِرِهِ أَنَّ السُّكْرَ لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، إِذْ لَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ أنْ لا يَكُونَ سَكْرَانَ أَوْ مُتَلَبِّسًا بِمَعْصِيَةِ انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ (شرح الرَّوْضِ) وَغَيْرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
كِتَابُ الزَّكَاةِ
[إِذَا وَهَبَ الدَّائِنُ الدَّيْنَ لِمَدْيُونِهِ الْفَقِيرِ]
(59) = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا وَهَبَ الدَّائِنُ الدَّيْنَ لِمَدْيُونِهِ الْفَقِيرِ، وَنَوَى زَكَاةَ دَيْنٍ آخَرَ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، أَوْ نَوَى زَكَاةً عَيْنٍ لَهُ، هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 37
أَجَابَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ خَيْرٌ مِنَ الدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ عَيْنًا، فَيَصِيرُ مُؤَدِّيَا نَاقِصًا عَنْ كَامِلِ، فَإِنْ أَدَّى الْعَيْنَ عَنِ الدَّيْنِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى كَامِلا عَنْ نَاقِصِ، والمسألة بِتَفَاصِيلِهَا فِي (الْخُلاصَةِ) وَ (الْخَانِيَّةِ) وَغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[نَقْلُ الزَّكَاةِ إِلَى بَلَدٍ أُخْرَى قَبْلَ حِينِهَا]
(60) = سُئِلَ: فِي نَقْلِ الزَّكَاةِ إِلَى بَلَدٍ أُخْرَى قَبْلَ حِينِهَا، هَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ إِنَّمَا يُكْرَهُ نَقْلُهَا إِذَا كَانَ فِي حِينِهَا؛ بِأَنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ حِينِهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِالنَّقْلِ، كَمَا فِي (الْجَوْهَرَةِ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
[إِذَا زُوِّجَتْ الصَّغِيرَةُ وَسُلِّمَتْ إِلَى الزَّوْجِ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمُ الْفِطْرِ]
(61) = سُئِلَ: فِي الصَّغِيرَةِ إِذَا زُوِّجَتْ وَسُلَّمَتْ إِلَى الزَّوْجِ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمُ الْفِطْرِ، هَلْ تَجِبُ عَلَى أَبِيهَا صَدَقَةٌ فِطْرِهَا أَمْ لَا؟
أَجَابَ:
(أ) صَرَّحَ فِي (الْخُلَاصَةِ) بِأَنَّهَا: لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ لِعَدَمِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ لَهَا.
(ب) وَفِي (التَّتَارُ خَانِيَّةِ) لَا تَسْقُطُ عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ.
(جـ) وَفِي (النَّهْرِ وَالْقِنْيَةِ): تَزَوَّجَ صَغِيرَةً مُعْسِرَةٌ: فَإِنْ كَانَتْ تَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الزَّوْجِ: فَلَا صَدَقَةً عَلَى الْآبِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ فِطْرِهَا انْتَهَى وَاللهُ أَعْلَمُ.
[زِيَادَةُ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ]
(62) = سُئِلَ: مِنْ دِمَشْقَ عَنْ إِخْرَاجِ زِيَادَةٍ عَلَى الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، هَلْ قَالَ أَحَدٌ بِأَنَّ فَاعِلَهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، كَمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ؟
أَجَابَ لَا يَكْفُرُ بِإِجْمَاعِ الْأَنامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
كِتَابُ الصَّوْمِ
الجزء 1 · صفحة 38
[صَوْمُ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إِذَا نَوَى فِيهِ وَاجِبًا آخَرَ]
(63) = سُئِلَ: عَنِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إِذَا نَوَى فِيهِ وَاجِبًا آخَرَ، هَلْ يَكُونُ عَمَّا نَوَى وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْمَنْذُورِ الْمُعَيَّنِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ يَقَعُ عَمَّا نَوَى، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْمَنذُورِ الْمُعَيَّنِ فِي الْأَصَحُ، كَمَا فِي (الظَّهِيرِيَّةِ)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[خَبَرُ الْعَدْلِ بِالْعِلَّةِ لِرَمَضَانَ]
(64) = سُئِلَ: عَنْ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ بِالْعِلَّةِ لِرَمَضَانَ هَلْ يَسْتَفْسِرُهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ يُقْبَلُ بِدُونِ الاسْتِفْسَارِ فِي ظَاهِرِ الرَّوَايَةِ، كَمَا فِي (الْجَوْهَرَةِ)، والله أعلم.
[صَوْمُ يَوْمِ الشَّك عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ]
(65) سُئِلَ: هَلْ يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ أَمْ لَا؟
أَجَابَ:
(أ) ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ.
(ب) وَصَحْحَ القلَانَسِيُّ فِي (تَهْذِيبِهِ) أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، نَقَلَهُ حَفِيدا الْحَلَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي النَّدْرِ
[نَذَرَ رَجُلٌ إِنْ فَعَلَ هَذَا الْأَمْرَ فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةُ قِرْشٍ]
(66) = سُئِلَ: فِي رَجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ عَلَى وَظِيفَةِ الدَّرْدَارِيَّةِ بِقَلْعَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْمَحْمِيَّةِ، ضَجِرَ أَحَدُهُمَا مِنْ مَشَقَتِهَا، فَنَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ نَذرًا صُورَتُهُ: إِنْ تَعَرَّضْتُ لِهَذِهِ الْوَظِيفَةِ بِالْأَخْذِ لَهَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مَا دُمْتُ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ، فَلِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ، هَلْ إِذَا تَعَرَّضَ بِالْأَخْذِ، وَوَجَدَ مَا هُوَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ إِلَّا بِذَلِكَ، أَمْ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، أَمْ يَفْعَلُ أَحَدَهُمَا أَيُّهُمَا شَاءَ؟
(67) = وَهَلْ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَرُفِعَ إِلَى قَاضِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِهِ وَيَحْبِسُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 39
(66) ج = أَجَابَ: فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لُزُومُ التَّصَدُّقِ بِالْقَدْرِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَيَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنْ أُرِيدَ كَوْنُ الشَّرْطِ يَتَعَيَّنُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ التَّصَدُّقِ بِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةِ (النَّوَادِرِ): هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا مُطْلَقًا. قَالَ فِي (الْخُلَاصَةِ) بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْقَوْلِ، وَبِهِ يُفْتَى، وَصَحَّحَ أَيْضًا كُلًّا مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
(67) ج = وَأَمَّا إِذَا رُفِعَ إِلَى الْقَاضِي بَعْدَ امْتِنَاعِهِ، هَلْ يُحْكُمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَدْ صَرَّحَ فِي (الْخُلَاصَةِ) وَكَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ: أَنَّهُ لَا يَجْبُرُهُ. قَالَ فِيهَا: وَلَوْ لَمْ يَفِ يَأْثَمُ، وَلَكِنْ لَا يَجْبُرُهُ الْقَاضِي وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفُقَرَاءَ مَصْرِفٌ لَهُ لَا أَصْحَابُ حَقٌّ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ادَّعَى مُتَوَلِّي وَقْفٍ عَلَى مُزَارِعِ الْوَقْفِ أَنَّهُ نَذَرَ لِلْوَقْفِ]
(68) = سُئِلَ: فِي مُتَوَلَّ ادَّعَى عَلَى مُزَارِعِ الْوَقْفِ: أَنَّهُ نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنْ رَحَلَ يَكُنْ عِنْدَهُ لِلْوَقْفِ مِائَنَا دِينَارٍ، وَأَنَّهُ رَحَلَ وَلَزِمَتْهُ لِلْوَقْفِ، هَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا تُسْمَعُ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالنَّذْرِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُسْتَوْفِيًا لِلشَّرَائِطِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَيْضًا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْمُعَلَّقَ يُخَيَّرُ النَّاذِرُ فِيهِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِعَيْنِ الْمَنْذُورٍ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[النُّذُورُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ]
(69) = سُئِلَ: فِي النُّذُورِ الْمُتَعَلَّقَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، يَقْبِضُهَا قَوْمٌ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَا يَتَنَاوَلُونَهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ بِسَبَبٍ نِظَارَتِهِمْ، أَوْ نِسْبَةِ قَرَابَةِ لِلْأَوْلِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَرُبَّمَا وَقَعَتِ الْخُصُومَاتُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ جَدُّهُ أَوْ جَدُّ أَبِيهِ الْأَعْلَى، وَرُبَّمَا كُتِبَ فِي ذَلِكَ حُجَج، يَزْعُمُ فِيهَا جَهَلَةُ الْقُضَاةِ أَنَّهَا دَعْوَى صَحِيحَةٌ، وَرُبَّمَا حَكَمُوا بِهَا لِمَنْ أَثْبَتَ نَسَبَهُ، وَرُبَّمَا وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِقِسْمَةِ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟
أَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَهُ جَعَلَ فِيهَا شَيْخُ الإِسْلَامِ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيُّ رِسَالَةٌ حَاصِلُهَا: أَنَّ النَّدْرَ لَا يَصِحُ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ مَقْصُودٌ؛ إِذْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُنصبَ الْأَسْبَابَ وَيُشَرِّعَ الأَحْكَامَ، وَلَهُ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: اعْلَمْ بِأَنَّ شَرْطَ لُزُومِ النَّذْرِ:
(أ) أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
الجزء 1 · صفحة 40
(ب) وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ.
(جـ) وَأَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ.
(أ) فَخَرَجَ بِالْأَوَّلِ: النَّذْرُ بِالْمَعْصِيَةِ.
(ب=) وَبِالثَّانِي: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ.
(ج) وَبِالثَّالِثِ مَا كَانَ مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ، حَتَّى لَوْ نَذَرَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَا يَلْزَمُ، وَكَذَا سَجْدَةُ التلَاوَةِ، وَكَذَا النَّذَرُ بِتَكْفِينِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْبَةً مَقْصُودَةٌ. قَالُوا: لَوْ أَضَافَ النَّذْرَ إِلَى سَائِرِ الْمَعَاصِي؛ كَانَ يَمِينًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ، وَلَوْ فَعَلَ الْمَنْذُورَ؛ عَصَى وَانْحَلَّ النَّذْرُ، كَالْحَلِفِ بِالْمَعْصِيَةِ يَنْعَقِدُ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَوْ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا؛ سَقَطَتْ وَأَثِمَ.
وَصَرَّحَ فِي (النَّهَايَةِ) أَنَّ النَّذْرَ لَا يَصِحُ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: (أ) أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ.
(ب) وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا. (ج) وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، أَوْ فِي ثَانِي الْحَالِ، كَالنَّذْرِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَفْرُوضَاتِ. فَعَلَى هَذَا الشَّرَائِطُ أَرْبَعَةٌ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: النَّذْرُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهَا خَرَجَ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ؛ إِذْ قَوْلُهُمْ: (مِنْ جِنْسِهِ) وَاجِبٌ يُفيدُ أَنَّ الْمَنْذُورَ غَيْرُ الْوَاجِبِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ رَابِعٍ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَحِيلَ الْكَوْنِ، فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَمْسِ، أَوِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ مَضَى؛ لَمْ يَصِحٌ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي (شَرْحِ الدُّرَرِ) لِلْعَلَامَةِ قاسم: وَأَمَّا النَّذَرُ الَّذِي يَنْذرُهُ أَكْثَرُ الْعَوَامَ كَأَنْ يَقُولُ: يَا سَيِّدِي فُلَانًا - يَعْنِي بِهِ وَلِيًّا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - إِنْ رُدَّ غَائِبِي، أَوْ عُوفِيَ مَرِيضِي، أَوْ قُضِيَتْ حَاجَتِي فَلَكَ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ أَوِ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ أَوِ الزَّيْتِ كَذَا؛ فَهَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ نَذَرُ لِمَخْلُوقٍ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ - أَي: النَّذْرَ - عِبَادَةٌ، فَلَا تَكُونُ لِمَخْلُوقِ، وَالْمَنْذُورُ لَهُ مَيِّتُ، وَالْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ، وَأَنَّهُ إِنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَيْتَ يَتَصَرِّفُ فِي الْأُمُورِ؛ كَفَرَ، إِلَّا إِنْ قَالَ: يَا اللهُ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ إِنْ فَعَلْتَ مَعِيَ كَذَا أَنْ أُطْعِمَ الْفُقَرَاءَ بِبَابِ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ أَوِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوِهِمَا، فَيَجُوزُ حَيْثُ يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ لِلْفُقَرَاءِ؛ إِذِ النَّذْرُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذِكْرُ الشَّيْخِ لِمَحَلَّ الصَّرْفِ لِمُسْتَحِقِّيهِ الْقَاطِنِينَ بربَاطِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، فَيَجُوزُ بِهَذَا الاعْتِبَارِ؛ إِذْ مَصْرِفُ النَّذْرِ الْفُقَرَاءُ وَقَدْ وُجِدَ، وَالْغَنِيُّ غَيْرُ مُحْتَاجِ فَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ ذَا نَسَبٍ بِذَلِكَ الْوَلِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ جَوَازُ الصَّرْفِ لِلْأَغْنِيَاءِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّذْرِ
الجزء 1 · صفحة 41
لِلْمَخْلُوقِ، وَلَا لِخَادِمِ الشَّيْخِ إِنْ كَانَ غَنِيًّا، فَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا: فَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالشَّمْعِ وَالزَّيْتِ وَغَيْرِهَا فَيُنْقَلُ إِلَى ضَرَائِحِ الْأَوْلِيَاء تَقَرُّبًا إِلَيْهِمْ، لَا إِلَى اللَّهِ؛ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَقْصُدُوا الْفُقَرَاءَ الْأَحْيَاءَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا نَقَلْنَاهُ أَنَّ مَا يَنْذُرُهُ الْعَوَامُ لِلشَّيْخِ مَرَوَانَ وَعَلِيِّ بْنِ عُلَيْلٍ وَرُوبِيلَ لَا يَصِحُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَيْسَ لِلْخَادِمِ أَخْذُهُ عَلَى أَنَّهُ نَذْرٌ صَحِيحٌ، إِلَّا إِذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ الْمُبْتَدَأَةِ وَكَانَ فَقِيرًا، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ غَيْرَ الْخَادِمِ لَوْ أَخَذَهُ عَلَى أَنَّهُ صَدَقَةٌ؛ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْخَادِمِ نَزْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّاذِرُ عَيَّنَهُ فِي نَذْرِهِ وَكَانَ فَقِيرًا. انْتَهَى خُلَاصَةُ كَلَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزِّيِّ التَّمَرْتاشِيِّ الْحَنَفَيَّ بِتَارِيخِ ذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ مِنْ شُهُورِ سَنَةٍ ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ.
أَقُولُ: قَدِ اسْتَبَاحَ هَذَا الْمُحَرَّمَ الْمُجْمَعَ عَلَى حُرْمَتِهِ جَمَاعَةٌ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُتَصَوِّفَةٌ، يُقَالُ فِي حَقهِمْ قُدْوَةُ الْمُسَلَّكِينَ، وَمُرَّبِي الْمُرِيدِينَ، وَيُبَالِغُونَ فِي أَخْذِهِ، وَيُطَالِبُونَ النَّاذِرَ بِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ قَدَّمُوهُ لِقُضَاةِ هَذَا الزَّمَنِ فَيَحْكُمُونَ بِهِ، وَرُبَّمَا اسْتَعَانُوا بِالشُّرْطَةِ وَحُكّامِ السَّيَاسَةِ، بَلْ يَفْعَلُونَ أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَسُومُ مِنْهُمُ الْمُتَصَدُّونَ لِجَمْعِ النَّوَاحِي الَّتِي تَقَعُ فِيهَا هَذِهِ النُّذُورُ، فَيُقَاطِعُونَهُمْ وَيَضْرِبُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نَاحِيَةٌ بِمَبْلَغ مِنَ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إِذَا انْتَهَى الْأَجَلُ الْمَضْرُوبُ، فَيَدْفَعُ مَا هُوَ مَضْرُوبٌ عَلَيْهِ، وَيَأْكُلُ مَا بَقِيَ، وَيُعَدُّ الْفَاضِلُ رِبْحًا حَصَلَ لَهُ بِبَرَكَةِ الشَّيْخِ، وَيَرَى أَنَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ هَلَكَ، وَأَنَّ سَبَبَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ هَذَا النَّذْرُ، وَأَنَّ الشَّيْخَ رَدَّ غَائِبَهُ أَوْ عَافَى مَرِيضَهُ أَوْ قَضَى حَاجَتَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ لِغَيْرِهِمْ قَائِلِينَ: هُوَ نَذْرُ جَدْنَا فَلَانٍ. وَهُمْ أَغْنِيَاءُ مُتَمَوِّلُونَ، وَمَنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْهُ عَاقَبُوهُ، وَأَدْلُوا بِهِ إِلَى الْحُكَّامِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةٌ فِي الدِّينِ، وَبَاشَرَ شَنِيعَةٌ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، وَرُبَّمَا حَكَمَ لَهُمْ بِهِ قُضَاةُ الْعَهْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي (الْبَحْرِ) أَنَّهُ لَوْ رُفِعَ إِلَى الْقَاضِي لَا يَجْبُرُهُ الْقَاضِي عَلَى وَفَائِهِ. وَلَنَا تَتمَّةٌ عَلَى رِسَالَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ فِيهَا مَا يَشْفِي الْغَلِيلَ، وَالْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْعَلِيُّ الْجَلِيلِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
[إِذَا قَاطَعَ نَاظِرُ وَقْفٍ رَجُلًا عَلَى أَقْلَامِ النُّذُورِ]
(70) = وَسُئِلَ: أَيْضًا عَنْ نَاظِرِ وَقْفِ الْخَلِيلِ وَنَحْوِهِ: إِذَا قَاطَعَ رَجُلًا عَلَى أَقْلَامٍ النُّذُورِ بِقُرَى وَأَمَاكِنَ مَعْلُومَةٍ بِمَالٍ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، هَلْ تَصِحُ الْمُقَاطَعَةُ وَيَلْزَمُ الْمَبْلَغ الَّذِي قَاطَعَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ لَا تَصِحُ الْمُقَاطَعَةُ عَلَى ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْمَبْلَعُ الَّذِي قَاطَعَ عَلَيْهِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كَلَامُ يَطُولُ ذِكْرُهُ فَتَقْتَصِرُ عَلَى نَزْرٍ مِنْهُ، قَالَ الشَّيْخُ قَاسِم فِي (شَرْحِ الدُّرَرِ): النَّذْرُ الَّذِي يَنْذُرُهُ أَكْثَرُ
الجزء 1 · صفحة 42
الْعَوَامُ بِنَحْوِ: إِنْ شَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضي، أَوْ رَدَّ ضَالَّتِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَكَ كَذَا، فَهَذَا النَّذْرُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ انتهى.
فَكَيْفَ يَصِحُ الْتِزَامُ مَا هُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَيْفَ يَلْزَمُ الْمُقَاطِعَ عَلَيْهِ الْمَبْلَغُ الَّذِي قَاطَعَ عَلَيْهِ؟ هَذَا لَا قَائِلَ بِهِ، وَلِلْعُلَمَاءِ رَسَائِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
كِتَابُ الْحَجِّ
[هَلْ يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبَغْلِ أَوِ الْحِمَارِ؟]
?? = سُئِلَ: عَمَّنْ لَمْ يَجِدِ الرَّاحِلَةَ - وَهِيَ الْمَرْكَبُ مِنَ الْإِبِلِ - وَوَجَدَ الْبَغْلَ أَوِ الْحِمَارَ أَوِ الْفَرَسَ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: قَالَ فِي (الْبَحْرِ): لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِ الرَّاحِلَةِ مِنْ بَغْل أَوْ حِمَارٍ؛ فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا لِأَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْكَرَاهَةِ. انْتَهَى.
أَقُولُ: الْفِقْهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْفَرَسِ؛ إِذْ هُوَ مَنُوطٌ بِالاسْتِطَاعَةِ، وَهِيَ أَعَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَنْ قَتَلَ صَيْدًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ أَمْ لَا؟]
(72) سُئِلَ: عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ (لابْنِ الْوَرْدِيَّ)
عِنْدِي سُؤَالٌ حَسَنٌ مُسْتَظْرَفٌ .... فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ قَدْ تَفَرَّعًا
قَاتِلُ شَيْءٍ بِرِضًا مَالِكِهِ .... وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعَا
أَجَابَ:
هَذَا حَلَالٌ بَاعَ صَيْدًا مُحَرَّمًا .... فَمَا حَمَى إِحْرَامَهُ وَمَا رَعَى
وَأَتْلَفَ الصَّيْدَ الْمَبِيعَ جَانِيًا .... فَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعَا
الجزء 1 · صفحة 43
[مَنْ لَمْ يَأْتِ بِالرَّمَلِ وَالسَّعْيِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالرُّكْنِ]
?? = سُئِلَ: عَمَّنْ لَمْ يَأْتِ بِالرَّمَلِ وَالسَّعْيِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالرُّكْنِ، هَلْ يَأْتِي بِهِمَا فِي طَوافِ الصَّدْرِ؟
أَجَابَ: نَعَمْ، إِذَا لَمْ يَفْعَلْهُمَا فِي هَذَيْنِ الطَّوَافَيْنِ فَعَلَهُمَا فِي طَوَافِ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ مُؤَقتٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي (الْبَحْرِ) وَغَيْرِهِ.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الرَّمَلَ بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيِ، فَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِمَا فِي الصَّدْرِ لَوْ لَمْ يُقَدِّمُهُمَا، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا، وَإِنْ عُلِمَ مِنْ إِطْلَاقِهِمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[الرَّمْيُ بِالْحَصَى الْمُتَنَجِّسِ]
(74) = سُئِلَ: هَلْ يَجُوزُ الرَّمْيُ بِالْحَصَى الْمُتَنَجِّسِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: يَجُوزُ، وَالْأَفْضَلُ غَسْلُهَا، وَفِي مَنَاسِكِ الشَّهَابِ الْحَلَبِيِّ: وَالسُّنَّةُ غَسْلُهَا لتَكُونَ طَاهِرَةً بِيَقِينِ؛ فَإِنَّ الْمَقْبُولَ مِنْهَا يَقَعُ فِي يَدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
كِتَابِ النِّكَاحِ
[مَنْ قَدَّمَ الْجيمَ قَبْلَ الزَّايِ فِي النِّكَاحِ]
(75) = سُئِلَ: فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ جَوَّزْتُكَ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّايِ، هَلْ يَنْعَقِدُ به النِّكَاحُ عِنْدَ قَوْمٍ تَوَارَدُوا عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَهُ اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُتَأَخَّرُونَ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الانْعِقَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالِانْعِقَادِ، وَقَدْ أَفْتَى شَيْخُ الإِسْلَامِ أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِانعِقَادِهِ بَيْنَ قَوْمِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ.
الجزء 1 · صفحة 44
أَقُولُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا أَفْتَى بِهِ أَبُو السُّعُودِ مَا فِي (الظَّهِيرِيَّةِ) وَغَيْرِهَا: رَجَلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِلَفْظِ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ، أَوْ زَوْجَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِذَلِكَ: إِنْ عَلِمًا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُعْقَدُ بِهِ النِّكَاحُ، يَكُونُ نِكَاحًا عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَعْنَى اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُعْقَدُ بِهِ النِّكَاحُ، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْإِبْرَاءِ عَنِ الْحُقُوقِ وَالْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ، فَالطَّلَاقُ وَالْعِنَاقُ وَالتَّدْبِيرُ وَاقِعٌ فِي الْحُكْمِ ذَكَرَهُ فِي عِتَاقِ الْأَصْلِ، فَإِذَا عُرِفَ الْجَوَابُ فِي الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ؛ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ اللَّفْظِ إِنَّمَا يُعتبرُ لِأَجْلِ الْقَصْدِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْجِدُّ وَالْهَزْلُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. انتهى.
فَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا عُرِفَ الْجَوَابُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ؛ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ وَقَدْ عَرَفْنَا الْجَوَابَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ وَاقِعٌ مَعَ التَّصْحِيفِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ نَافِذَا مَعَ التَّصْحِيفِ، وَلَا شَكٌّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (يَنْبَغِي) يَجِبُ:
(أ) لِمَا فِي (البَزَّازِية) أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(ب) وَلِمَا فِي (الْبَحْرِ): أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي (التَّجْنِيسِ) تَرْجِيحُهُ.
فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ بِهَذَا صِحَّةُ قِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الطَّلَاقِ. فَتَأَمَّلْ.
وَلَا شَك أَنَّ الصَّادِرَ مِنَ الْجَهَلَةِ الْأَغْمَارِ تَصْحِيفٌ، لَا دَخَلَ لِبَحْثِ الْحَقِيقَةِ وَلَا الْمَجَازِ لِنَفْيِ الاسْتِعَارَةِ الْمُرَتَّبِ عَلَى عَدَمِ الْعِلَاقَةِ فِيهِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي كَلَامِ الْغَزِّيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِذْ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ - وَهُوَ التَّسْوِيغ، أَوْ جَعْلُهُ مَارا - غَيْرُ مُلَاحَظِ لَهُمْ أَصْلَا؛ إِذِ الْعَامِّيُّ بِمَعْزِلٍ عَنْ دَرَكِ ذَلِكَ، وَحَيْثُ كَانَ تَصْحِيفًا وَغَلَطا؛ فَجَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ لَا يَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ الْمُدَّعَى.
وَحَيْثُ أُقِرَّ بِأَنَّهُ تَصْحِيفٌ؛ كَيْفَ يَتَّجِهُ لَهُ نَفْيُّ الْعِلَاقَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِمَا ذَكَرَهُ السَّعْدُ، وَغَايَتُهُ إِثْبَاتُ عَدَمِ صِحَّةِ الاِسْتِعْمَالِ، وَلَا مُنْكِرَ لَهُ، بَلْ مُسَلَّمٌ كَوْنُهُ تَصْحِيفًا بِإِبْدَالِ حَرْفٍ مَكَانَ حَرْفٍ، فَلَمْ يَتَعَدَّ الدَّلِيلُ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ، نَعَمْ لَوْ صَدَرَ مِنْ عَارِفٍ تَأَنَّى فِيهِ مَا تَأَنَّى فِي الْأَلْفَاظِ الْمُصَرَّحِ بِعَدَمِ الانْعِقَادِ بِهَا، وَهُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَحَلَّ فَتْوَى الشَّيْخِ زَيْنِ بْنِ نَجِيمٍ وَمُعَاصِرِيهِ، فَيَقَعُ الدَّلِيلُ فِي مَحَلِّهِ حِينَئِذٍ، وَلِهَذَا الْوَجْهِ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مِنْ عامي إِبْدَالُ الزَّايِ جِيمًا، مَعَ أَنَّهُمْ أَضَنُّ مِنَّا بِأَلْفَاظِهِ، إِذْ لَا يَصِحُ عِنْدَهُمْ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ، وَلَمْ نَرَ فِي مَذْهَبِنَا مَا يُوجِبُ
الجزء 1 · صفحة 45
الْمُخَالَفَةَ لَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُلٌ خَطَبَ بِنتَ آخَرَ فَقَالَ: هِيَ لَكَ بِكَذَا]
(76) = سُئِلَ فِي رَجُلٍ خَطَبَ بِنْتَ آخَرَ، فَقَالَ: هِيَ لَكَ بِكَذَا، فَقَالَ الْخَاطِبُ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ: قَبِلْتُهَا مِنْكَ بِذَلِكَ هَلْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ، وَالْحَالُ هَذِهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ، وَالْحَالُ هَذِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(77) = سُئِلَ فِي رَجُلٍ خَطَبَ صَغِيرَةً مِنْ أَبِيهَا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، فَقَالَ الْأَبُ: هِيَ لَكَ عَطِيَّةٌ، فَقَالَ: قَبْلِتُهَا وَعَوَّضْتُهَا مِائَةَ قِرْشٍ، هَلْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ، يَنْعَقِدُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: وَهَبْتُكَ ابْنَتِي فُلَانَةٌ. فَقَالَ الْآخَرُ: قَبِلْتُ.]
?? = سُئِلَ: فِي رَجُل قَالَ لِآخَرَ: وَهَبْتُكَ بِنتِي فُلَانَةٌ. فَقَالَ الْآخَرُ: قَبِلْتُ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْأَبُ، فَزَوَّجَهَا أَخُوهَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَتْ لآخَرَ، هَلِ الصَّادِرُ مِنَ الْأَبِ نِكَاحُ حَيْثُ كَانَ بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ، فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ الثَّانِي أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ عَلَى وَجْهِهِ، فَالصَّادِرُ مِنَ الْأَبِ نِكَاحُ، وَالْحَالُ هَذِهِ فَيَبْطلُ مَا صَدَرَ مِنَ الْأَخِ عَلَى أَي وَجْهِ كَانَ، وَيَجِبُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ خَلَا عَنِ التَّسْمِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَلْفَاظٌ يَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ]
(79) = سُئِلَ: فِي رَجُل خَطَبَ بِكْرًا مِنْ وَالِدِهَا وَفَصَلَ مَهْرَهَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا فِي أَثْنَاءِ الْخِطْبَةِ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ، كَقَوْلِهِ: جِئْتُكَ خَاطِبَا ابْنَتَكَ فُلَانَةٌ. فَقَالَ: هِيَ لَكَ. وَكَقَوْلِهِ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا بِكَذَا، فَقَالَ: هِيَ لَكَ بِهِ، أَوْ صَارَتْ لَكَ بهِ. أَوْ تَزَوَّجْتُهَا بِكَذَا، فَقَالَ: بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. هَلْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ وَلَا أَبُو الزَّوْجَةِ فَسْخَهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ، يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَيَلْزَمُ، وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ وَلَا الْأَبُ فَسْخَهُ، وَالْحَالُ مَا تَقَدَّمَ.
(أ) قَالَ فِي (الْخَانِيَّةِ): لَوْ قَالَ رَجُلٌ: جِئْتُكَ خَاطِبَا ابْنَتَكَ. فَقَالَ الْأَبُ: مَلَكْتُكَ. كَانَ نِكَاحًا.
الجزء 1 · صفحة 46
(ب) وَفِي [الْخُلَاصَةِ] لَوْ قَالَتْ: صِرْتُ أَوْ صِرْتُ لَكَ. فَإِنَّهُ نِكَاحُ عِنْدَ الْقَبُولِ. وَفِيهَا: لَوْ قَالَ زَوْجِي نَفْسَكِ مِنِّي، فَقَالَتْ: بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. فَهُوَ نِكَاحُ. وَكَثِيرًا مَا يَجْرِي بَيْنَ الْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبِ مِنْهُ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ مِنَ الْأَلْفَاظِ، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا، وَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهَا خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ نِكَاحُ آخَرُ لِغَيْرِ الْخَاطِبِ، وَهِيَ زَوْجَةٌ لِلْخَاطِبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ مِنَ الْأَلْفَاظِ]
(80) = سُئِل: فِي رَجُل خَطَبَ بِكْرًا بَالِغَةٌ مِنْ إِخْوَتِهَا أَوْلِيَائِهَا، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فِي مَحَلَّ الْخِطْبَةِ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ، نَحْوُ: كَانَتْ لَكَ بِكَذَا، وَصَارَتْ لَكَ بِكَذَا وَهِيَ لَكَ بِكَذَا فَقَالَ: قَبِلْتُهَا بِذَلِكَ. وَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَسَكَتَتْ رَاضِيَةً بِمَا فَعَلَ إِخْوَتُهَا، هَلْ نَفَذَ نِكَاحُهُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا نِكَاحُ غَيْرُهُ أَمْ لَا؟ أَجَابَ: يَنْفُذُ حَيْثُ عَلِمَتْ ذَلِكَ وَسَكَتَتْ؛ إذْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مِمَّا يَنْعَقِدُ بِهَا عِنْدَنَا النِّكَاحُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الْفَتَاوِي وَالشُّرُوحِ، فَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ غَيْرُهُ عَلَيْهَا وَالْحَالُ هَذِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِقَوْلِ الْأَبِ لِضَيْفِهِ: جَاءَتْكَ]
?? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ وَلَدَتْ زَوْجَتُهُ بِنتَا، وَعِنْدَهُ ضَيْفُ قَالَ لَهُ: مُبَارَكَةٌ. فَقَالَ لَهُ: جَاءَتْكَ. فَقَالَ لَهُ: وَجَزَاؤُهَا رُبْعُ هَذَا الْفَرَسِ فِي مُقَابَلَتِهَا. وَمَاتًا وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا سِوَى مَا ذُكِرَ، هَلْ لِوَرَثَةِ الضَّيْفِ الرُّجُوعُ فِي الْفَرَسِ وَنِتَاجِهَا لِعَدَمِ الْعِقَادِ النِّكَاحِ بِمَا ذُكِرَ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ لِوَرَثَتِهِ الرُّجُوعُ بِالْفَرَسِ وَنتَاجِهَا؛ لِعَدَمِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِمَا ذُكِرَ، قَالَ في (الظَّهِيرِيَّةِ): لَوْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: وَهَبْتُ نَفْسِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَخَذْتُ. قَالُوا: لَا يَكُونُ نِكَاحًا. انْتَهَى فَافْهَمْ صِحَّةَ الْمَأْخَذِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
?? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: مُبَارَكَةُ بِنتُكَ. فَقَالَ لَهُ: جَاءَتْكَ. فَقَالَ لَهُ جَزَاؤُهَا مِائَنَا قِرْشٍ، هَلْ يَنْعَقِدُ نِكَاحُهَا أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَلَا التَّزْوِيجِ، وَلَا بِمَا وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ حَالًا، وَالنِّكَاحُ إِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ التَّجْوِيزِ]
الجزء 1 · صفحة 47
?? = سُئِلَ: فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّجْوِيزِ، هَلْ يَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَنْعَقِدُ إِذَا كَانُوا مِمَّنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ بِهَا حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ، كَمَا أَفْتَى بِهِ أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي الدِّيَارِ الرُّومِيَّةِ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ وَالْحَالُ هَذِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُلٌ خَطَبَ لِآخَرَ صَغِيرَةٌ مِنْ وَلِيِّهَا]
(84) = سُئِل: فِي رَجُل خَطَبَ لآخَرَ صَغِيرَةً مِنْ وَلِيِّهَا، وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُقَدِّمَاتُ النِّكَاحِ لِلْمَذْكُورِ، فَعِنْدَ الْعَقْدِ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْخَاطِبِ: زَوَّجْتُكَ فُلَانَةٌ بِكَذَا، فَقَالَ: قَبِلْتُ. فَهَلْ يَقَعُ النِّكَاحُ لِلْخَاطِبِ أَوِ لِلْمَخْطُوبِ لَهُ لِتَقَدُّمِ النِّيَّةِ وَالْمُقَدِّمَاتِ، أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
(85) = وَإِذَا قُلْتُمْ: يَقَعُ لِلْخَاطِبِ. فَهَلْ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَزُوِّجَتْ لِلْمَخْطُوبِ لَهُ تِلْوَهُ يَجُوزُ؛ لِكَوْنِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؟ وَكَيْفَ الْحُكْمُ؟
(84) ج = أَجَابَ: وَقَعَ النِّكَاحُ لِلْخَاطِبِ، وَلَا عِبْرَةَ لِلْمُقَدِّمَاتِ، فَفِي (البَزَّازِية): خَطَبَ لِابْنِهِ، وَقَالَ أَبُوهَا لِأَبِ الاِبْنِ: زَوَّجْتُ بِنتِي بِكَذَا، فَقَالَ أَبُو الِابْنِ: قَبِلْتُ. صَحْ لِلْآبِ، وَإِنْ جَرَى مُقَدِّمَاتُ أَنَّ النِّكَاحَ لِلابْنِ فِي الْمُخْتَارِ، وَمِثْلُهُ الْوَكِيلُ انْتَهَى.
(85) ج = وَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَعُقِدَ لِلثَّانِي عَلَيْهَا تِلْوَهُ؛ جَازَ؛ إِذْ لَا عِدَّةَ وَالْحَالُ هَذِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُلٌ خَطَبَ بِنْتَ أَخِيهِ لِابْنِهِ فَقَالَ أَبُوهَا زَوَّجْتُ بِنْتِي لِابْنِكَ]
(86) = سُئِل: فِي رَجُلٍ خَطَبَ لِابْنِهِ بِنْتَ أَخِيهِ، فَقَالَ أَبُوهَا: زَوَّجْتُكَ بِنتِي فُلَانَةٌ بِكَذَا لِابْنِكَ، فَقَالَ أَبُو الِابْنِ: تَزَوَّجْتُ، هَلْ يَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَنْعَقِدُ، وَجْهُهُ أَنَّ التَّزَوجَ غَيْرُ التَّزْوِيجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
?? = سُئِلَ: عَنْ رَجُل خَطَبَ لِابْنِهِ بِنتَ آخَرَ، فَقَالَ زَوَّجْتَنِي بِنتَكَ لِابْنِي. فَقَالَ:
زَوَّجْتُكَ. وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ. فَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ الظَّاهِرُ عَدَمُ انْعِقَادِهِ أَصْلًا:
الجزء 1 · صفحة 48
أَمَّا لِلْأَبِ؛ فَلِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْقَبُولِ.
وَأَمَّا لِلابْنِ؛ فِلِأَنَّ الْمُجِيبَ خَصَّ الْأَبَ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ. وَإِنَّمَا سَمَّيْنَاهُ مُجِيبًا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ. وَلِذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ، وَاللَّهُ أعلم.
[رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ: زَوِّجُ ابْنَتَكَ لِابْنِي. فَقَالَ الْأَبُ: وَهَبْتُهَا لَكَ.]
= سُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: زَوِّجُ ابْنَتَكَ مِنَ ابْنِي. فَقَالَ أَبُو الْبِنتِ: وَهَبْتُهَا لَكَ، فَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ: صَحَ النِّكَاحُ لِلابْنِ، وَلَوْ كَانَ مَكَانُ (وَهَبْتُهَا لَكَ) (زَوَّجْتُهَا لَكَ) فَقَالَ: قَبِلْتُ. صَحَ النِّكَاحُ لِلْأَبِ؛ إِذْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ خَطَبَ لِابْنِهِ، فَقَالَ أَبُوهَا لِأَبِ الِابْنِ: زَوَّجْتُ بِنتِي بِكَذَا، فَقَالَ أَبُو الِابْنِ: قَبِلْتُ. صَحَ لِلأَبِ. وَإِنْ جَرَى مُقَدِّمَاتُ أَنَّ النِّكَاحَ للابن فِي الْمُخْتَارِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مَا صَرَّحُوا بِهِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْخِطْبَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ: زَوِّجُ ابْنَتَكَ مِنِ ابْنِي الَّذِي هُوَ تَوْكِيلٌ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ زَوَّجْتَنِي بِنتَكَ، وَزَوِّجُنِي بِنتَكَ حَتَّى احْتَاجَ الْأَوَّلُ إِلَى الْقَبُولِ بَعْدَهُ دُونَ الثَّانِي، فَلَمَّا صَارَ وَكِيلًا عَنْهُ بِهِ؛ صَارَ قَوْلُهُ: زَوَّجْتُهَا لَكَ. مَعْنَاهُ: زَوَّجْتُهَا لِابْنِكَ (لأَجْلِكَ)، كَمَا فِي (وَهَبْتُهَا لَكَ)؛ إِذْ لَا فَرْقَ فِي انْعِقَادِهِ عِنْدَنَا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْهِبَةِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَهُ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهَا، وَتَكَرَّرَ وُقُوعُهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَا وَلَا بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهَا غَيْرَ مَا هُنَا مِنْ قَوْلِهِ (وَهَبْتُهَا لَكَ) وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ (زَوَّجْتُهَا لَكَ) كَـ (وَهَبْتُهَا لَكَ) إِذْ مَا جَازَ فِي هَذِهِ؛ جَازَ فِي الْأُخْرَى، وَعَلَيْكَ أَنْ تَتَأَمَّلَ فِي الْمَسْأَلَة؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ فِي (وَهَبْتُهَا لَكَ) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ (لِأَجْلِكَ) بِخِلَافِ (زَوَّجْتُهَا لَكَ) وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى عُرْفِ رَسَاتِيقَ بِلَادِنَا كَانَ (زَوَّجْتُهَا لَكَ) مِثْلَ (وَهَبْتُهَا لَكَ) بِلَا فَرْقٍ؛ لأَنَّهُمْ تَعَارَفُوهُ بِمَعْنَى (لِأَجْلِكَ). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا قَالَ وَكِيلُ الْوَلِيِّ لِوَكِيلِ الْخَاطِبِ زَوَّجْتُكَ فُلَانَةٌ لِمُوَكِّلِكَ]
?? = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ وَكَّلَ أَخُوهَا فِي نِكَاحِهَا لِزَيْدٍ رَجُلًا، فَوَكَّلَ زَيْدٌ عَمْرًا فِي قَبُولِ نِكَاحِهِ الْمَذْكُورِ. فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ فُلَانَةٌ لِمُوَكِّلِكَ بِكَذَا، فَقَالَ: قَبِلْتُ. وَمَاتتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ مَا دَفَعَ بَعْضَ الْمَهْرِ، هَلْ وَقَعَ النِّكَاحُ لِزَيْدٍ أَمْ لَا؟ وَيَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ؟
أَجَابَ: لَمْ يَقَعْ لِزَيْدِ، وَلَهُ اسْتِرْدَادُ مَا دَفَعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 49
[نِكَاحُ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
(90) = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا عَقَدَ أَهْلُ الذَّمَّةِ نِكَاحًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ رَفَعُوا ذَلِكَ إِلَيْنَا، فَظَهَرَ فَسَادُ ذَلِكَ النِّكَاحِ عِنْدَنَا، فَهَلْ يَسُوغُ لِلْحَاكِمِ إِبْطَالُهُ؟
أَجَابَ الْمَسْأَلَهُ ذَاتُ تَفْصِيلِ: إن كان الْفَسَادَ لِعَدَمِ الشُّهُودِ أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ وَهُمْ يَدِينُونَهُ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ عِنْدَ الْإِمَامِ تَرَافَعُوا أَوْ لَا، وَإِنْ فِي عِدَّةِ مُسْلِمٍ أَبْطَلْنَاهُ تَرَافَعُوا أَمْ لَا، وَإِنْ لِلْمَحْرَمِيَّةِ وَتَرَافَعَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ رَفَعَ أَحَدُهُمَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَسْلَمَتْ نَصْرَانِيَّةٌ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا هَلْ يُقَرَّانِ عَلَى النِّكَاحِ]
?? = سُئِلَ فِي نَصْرَانِيَّةٍ أَسْلَمَتْ، فَعُرِضَ الْإِسْلَامِ عَلَى زَوْجِهَا النَّصْرَانِي فَأَسْلَمَ، هَلْ يُقَرَّانِ عَلَى نِكَاحِهِمَا السَّابِقِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ، يُقَرَّانِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فَاسِدًا أَوْ كَانَ فَاسِدًا لَا لِحُرْمَةِ الْمَحَلَّ، بَلْ لِفَقْدِ شَرْطِهِ حَيْثُ اعْتَقَدُوهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا يُتَعَرَّضُ لِنَصْرَانِيِّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً فِي الْعِدَّةِ]
(92) = سُئِلَ فِي نَصْرَانِي تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةٌ مُتَوَفِّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَلَمْ يَتَرَافَعَا إِلَى قَاضِ، هَلْ يُتَعَرَّضُ لَهُمَا وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ وَيُعَذِّرَانِ، أَمْ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمَا، وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَنَتْرُكُهُمْ وَمَا يَدِينُونَ؟
أَجَابَ: صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا قَاطِبَةً رَحِمَهُمُ اللهُ أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لِأَهْل الذَّمَّةِ إِذَا تَنَاكَحُوا فَاسِدًا، وَلَا يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ إِذَا عَلِمَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ، فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ، وَلَا يُعَزّرَانِ حَيْثُ كَانَا رَاضِيِّيْنِ وَلَمْ يَتَرَافَعًا بِالْخُصُومَةِ لَدَى قَاضِ مِنْ قُضَاةِ الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سَمَاعُ الشَّاهِدَيْنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ]
?? = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الشُّهُودُ كَلَامَ الْعَاقِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ، هَلْ يَصِحُ أَمْ لَا يَصِحُ؟
أَجَابَ الْأَصَحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَامَّةُ: أَنَّ سَمَاعَ الشُّهُودِ كَلَامَ الْعَاقِدَيْنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 50
[إِذَا زَوَّجَ صَغِيرَتَهُ فِي مَرَضِهِ صَحَّ]
(94) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ زَوَّجَ صَغِيرَتَهُ الْقَاصِرَةَ فِي مَرَضِهِ لِرَجُلٍ بِمَهْرٍ مَعْلُومٍ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ بِمَجْلِسِ الشَّرْعِ ثُمَّ مَاتَ، هَلْ يَقْدَحُ فِي النِّكَاحِ كَوْنُ الْأَبِ فِي الْمَرَضِ؟ وَهَلْ لأَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ النَّازِلَةِ رُتْبَتُهُمْ عَنْ رُتْبَةِ الْأَبِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلنِّكَاحِ بِإِبْطَالٍ أَوْ غَيْرِهِ أم لا؟
أَجَابَ: لَيْسَ لِغَيْرِهِ إِبْطَالُ النِّكَاحِ؛ إِذِ الْوِلَايَةُ لَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الْمَرَضِ مَعَ سَلَامَةِ الْعَقْلِ الْمُرَتِّبِ عَلَيْهَا صَلَاحُ التَّصَرُّفِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[امْرَأَةٌ أَخْبَرَهَا ثِقَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا مَاتَ وَصَدَّقَتْ تَعْتَدُّ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ]
(95) = سُئِلَ: فِي امْرَأَةٍ أَخْبَرَهَا ثِقَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا الْغَائِبَ مَاتَ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا صِدْقُهُ، هَلْ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ لَهَا ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي (البَزَّازِية وَالْجَوْهَرَةِ) وَغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَوْ أَخْبَرَتْهُ جَارِيَةٌ أَنَّ سَيِّدَهَا أَعْتَقَهَا، لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا]
(96) = سُئِلَ: فِي الْجَارِيَةِ لَوْ قَالَتْ لِرَجُلٍ: كُنْتُ أَمَةٌ لِفُلَانٍ فَأَعْتَقَنِي، هَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِنْ كَانَتْ ثِقَةٌ عِنْدَهُ، أَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهَا صَادِقَةٌ لأَنَّ الْقَاطِعَ ظَاهِرٌ وَلَا مُنَازِعَ، وَأَخْبَرَتْ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَصِحَّةُ النِّكَاحِ لَا تَمْنَعُ مَا يَطْرَأُ، صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا فِي (الْكَرَاهِيَةِ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الاتِّفَاقُ عَلَى قَدْرِ الْمَهْرِ لَيْسَ بِعَقْدٍ]
?? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ بِكْرًا مِنْ أَبِيهَا بِحُضُورِ جَمْعِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارِ الْمَهْرِ، وَتَفَرَّقًا عَنْ غَيْرِ عَقْدِ نِكَاحِ شَرْعِيَّ، فَبَعْدَ مُدَّةٍ حَضَرَ أَبُوهَا لَدَى قَاضِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَفْرِضَ نَفَقَتَهَا، وَأَنْ يَسْتَدِينَ وَيُنْفَقَ لِيَرْجِعَ عَلَى الْخَاطِبِ، فَفَرَضَ بِحُضُورِ الْخَاطِبِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ الْقَاضِي هَلْ حَصَلَ عَقْدٌ
الجزء 1 · صفحة 51
شَرْعِيٌّ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ هَلْ مَا تَقَدَّمَ يَكُونُ عَقْدًا شَرْعِيًّا أَمْ لَا؟ حَيْثُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ؟
أَجَابَ: لَا يَكُونُ مَا تَقَدَّمَ عَقْدا؛ حَيْثُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا رُجُوعَ لِلْأَبِ عَلَى الْخَاطِبِ؛ لِبَيْنِ عَدَمِ صِحَّةُ الْفَرْضِ وَالْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ؛ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ زَوْجَةٌ، بَلْ هِيَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَجْنَبِيَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا يُشْتَرَطُ التَّعْرِيفُ لِصِحَّةِ النِّكَاح]
?? - سُئِلَ: فِي بَالِغَةٍ وَكَّلَتْ شَقِيقَهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عَرَّفَاهَا بِتَعْرِيفِ وَالِدِهَا فَقَطْ فَهَلْ لَا يُقْبَلُ تَعْرِيفُ الْوَالِدِ وَحْدَهُ وَلِمَنْزِلَتِهِ بِالشَّهَادَةِ مِنْهُ لِفَرْعِهِ؟ وَهَل الْعَقْدُ الصَّادِرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: الْعَقْدُ الصَّادِرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ صَحِيحٌ لَا كَلَامَ فِي صِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا التَّعْرِيفُ لأجل الْحَاجَةِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ، وَيَصِحُ مِنْ أَبِيهَا وَابْنِهَا وَزَوْجِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِشْهَادُ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي حِلٌ إِقْدَامِ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا عَدْلانِ كَتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ، وَأَمَّا صِحَّةُ النِّكَاح مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْرِيفُ أَصْلَا، فَافْهَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ
[لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ بِنْتِ أُخْتِهَا]
(99) = سُئِلَ: عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ بِنْتِ أُخْتِهَا، هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟
(100) = وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَدَخَلَ الزَّوْجُ عَلَى بِنْتِ بِنْتِ أُخْتِ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا قَبْلَهَا، وَأَتتْ مِنْهُ بِبِنْتِ طَرْحٍ، ثُمَّ أَتتْ بِابْنِ مِنْهُ حَيَّ بَلَغَ سِنُّهُ سَنَةٌ، فَأَعْلَمَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِعَدَمِ جَوَازِ إِدْخَالِهَا عَلَى خَالَةِ أُمَّهَا، فَامْتَنَعَ عَنْهَا، فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ النِّكَاحِ، وَمَا يَتَرَتِّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَطْءِ جَاهِلًا بِحُرْمَةِ الْوَطْءِ؟
(101) = وَنَسَبِ الِابْنِ الْحَيَّ؟
??? = وَوُجُوبِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى؟
الجزء 1 · صفحة 52
?? ج = أَجَابَ: أَمَّا الْجَوَازُ فَلَا قَائِلَ بِهِ إِلَّا عُثْمَانُ الْبَنِّيُّ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، وَمَنْ لَا يُعْبَأُ بِهِمْ مِنَ الْخَوَارِجِ.
(100) ج = وَأَمَّا الْوَطْءُ فَهُوَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ يَنْدَرِئُ بِهِ حَدُّ الزِّنَا عَنْهُ، فَلَا يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا، وَلَا يُضْرَبُ حَيْثُ كَانَ جَاهِلًا بِحُكْمِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِحُرْمَتِهِ.
(101) ج = وَأَمَّا الْوَلَدُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَحُكِمَ بِبُنُوَّتِهِ لَهُ.
(102) ج = وَأَمَّا الْمَهْرُ فَالْوَاجِبُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِذَا كَانَ مِثْلَ الْمُسَمَّى فَقَدْ وَجَبَ قَبْضُ ذَلِكَ بِهِ، وَمِنَ الْآنَ لَا عُذْرَ لَهُ فِي وَطءِ الطَّارِئَةِ، فَيُؤْخَذُ بِهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُطَلَّقَ الْأُولَى أَوْ تَمُوتَ فَتَحِلُّ بِنِكَاحِ جَدِيدٍ، فَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْهَادِي الْبَدِيعُ الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ أَعْلَمُ.
[تَحِلُّ زَوْجَةُ ابْنِ الزَّوْجَةِ]
??? = سُئِلَ: فِي زَوْجَةِ ابْنِ الزَّوْجَةِ، هَلْ تَحِلُّ لِلرَّجُل أَمْ تَحْرُمُ؟
أَجَابَ: تَحِلُّ، قَالُوا: لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ زَوْجَهُ مَنْ تَبَنَّاهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ لَهُ، وَلَا تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِ الأُمِّ وَلَا أُمهُ، وَلَا بِنْتُ زَوْجِ الْبِنْتِ وَلَا أُمُّهُ، وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الْأَبِ ولا بنتهَا، وَلَا أُمَّ زَوْجَةِ الاِبْنِ وَلَا بِئْتُهَا، وَلَا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ وَلَا زَوْجَةِ الرَّابِّ، وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.
بَابُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ
[يَصِحُ نِكَاحُ الْمُكَلَّفَةِ بِغَيْرِ رِضًا الْوَلِيِّ]
(104) - سُئِلَ فِي حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ بِكْرٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِن ابْنِ عَمِّهَا، وَهُوَ كُفْءٌ لَهَا، هَلْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ عَنْهَا أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَنْعَقِدُ نِكَاحُهَا، وَلَا يَتَوَفَّفُ عَلَى رِضًا عَمَّهَا، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللهُ أعلم.
[بِكْرٌ بَالِغَةٌ زَوْجَهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا وَهِيَ بَالِغَةٌ]
(105) = سُئِلَ: فِي بِكْرِ بَالِغَةٍ زَوْجَهَا أَبُوهَا مِنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَرَدَّتِ النِّكَاحَ حينَ بَلَغَهَا، فَهَلْ وَالْحَالَهُ هَذِهِ يَرْتَدُّ النِّكَاحُ بَرَدُّهَا أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 53
(106) وَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي الرَّدْ بِيَمِينِهَا أَمْ لَا؟ =
(105) ج = أَجَابَ: نَعَمْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهَا.
(106) ج = وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي الرَّدْ بِيَمِينهَا، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[صَغِيرَةٌ زَوْجَهَا أَبُوهَا مِنِ ابْنِ عَمِّهَا وَقَبِلَ أَبُوهُ]
(107) = سُئِلَ فِي صَغِيرَةٍ زَوَّجَهَا أَبُوهَا بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهَا لِابْنِ عَمِّهَا الصَّغِيرِ، وَقَبِلَ عَنْهُ أَبُوهُ، وَقَدْ أَقْدَمَ أَبُوهَا عَلَى ذَلِكَ شَارِطًا ضَمَانَ أَبِيهِ الْمَهْرَ لِعَجْزِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ عَنِ المهر، فَأَبَى الأبُ الضَّمَانَ، فَهَلْ يَصِحُ النِّكَاحُ أَمْ لَا؟
??? = وَهَلْ إِنْ صَحَ النِّكَاحُ وَرُفِعَ إِلَى قَاضِ يَرَى عَدَمَ صِحَّتِهِ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَهْرِ أَوِ التَّفْرِيق بِالْإِعْسَارِ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَضَى بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ فَرَّقَ بِالْإِعْسَارِ يَصِحُ قَضَاؤُهُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلافُ وَيُمْضِيهِ الْحَنَفِيُّ أَمْ لَا؟
(107) ج = أَجَابَ: إِنْ كَانَ صَدَرَ مِنْ أَبِيهَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ؛ فَالنِّكَاحُ غَيْرُ صَحِيح؛ لأنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُ تَعْلِيفُهُ بِالشَّرْطِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ صَدَرَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ فَهُوَ صَحِيحٌ.
??? ج = وَمَعَ صِحْتِهِ لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ يَرَى عَدَمَ صِحَّتِهِ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَهْرِ، أَوْ يَرَى التَّفْرِيق بِالْإِعْسَارِ بَعْدَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا؛ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا يَصِحُ تَزْوِيجُ الْأَبِ إِذَا عُرِفَ مِنْهُ سُوءُ الِاخْتِيَارِ]
(109) = سُئِلَ: فِي الْأَبِ إِذَا عُلِمَ مِنْهُ سُوءُ الاخْتِيَارِ وَعَدَمُ النَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ؛ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الْقَابِلَةَ لِلتَّخَلْقِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ بِغَيْرِ كُفْءٍ، هَلْ يَصِحُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ:
(أ) قَالَ ابْنُ فِرِشْتَهُ فِي (شَرْحِ الْمَجْمَعِ): لَوْ عُرِفَ مِنَ الْأَبِ سُوءُ الِاخْتِيَارِ لِسَفَهِهِ أَوْ لِطَمَعِهِ لَا
الجزء 1 · صفحة 54
يَجُوزُ عَقْدُهُ اتَّفَاقًا.
(ب) وَمِثْلُهُ فِي (الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ).
(ج) وَقَالَ فِي (الْبَحْرِ) فِي شَرْحِ قَوْلِ (الْكَنْزِ): (وَلَوْ زَوَّجَ طِفْلَهُ غَيْرَ كُفْءٍ أَوْ بِغبْن فَاحِشِ صَحَ وَلَمْ يَجُزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ (الْأَبِ وَالْجَدِّ) أَطْلَقَ فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ: بِأَنْ لَا يَكُونَ الْأَبُ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ مُجَانَةٌ أَوْ فِسْفًا، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
(د) قَالَ فِي (فَتْحِ الْقَدِيرِ): وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْقَابِلَةَ لِلتَّخَلُّقِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ شِرِّيرٌ أَوْ فَاسِقٌ، فَهُوَ ظَاهِرٌ سُوءُ اخْتِيَارِهِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ النَّظَرِ هُنَا مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلَا يُعَارِضُهُ ظُهُورُ إِرَادَةِ مَصْلَحَةٍ تَفَوَّتُ ذَلِكَ؛ نَظَرًا إِلَى شَفَقَةِ الْأُبُوَّةِ. انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَبَ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِسُوءٍ الِاخْتِيَارِ؛ لَمْ يَصِحٌ عَقْدُهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَا بِأَكْثَرَ فِي الصَّغِيرِ بِغَبنِ فَاحِشٍ، وَلَا مِنْ غَيْرِ الْكُفْء فِيهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ بِسَبَبِ الْفِسْقِ أَوْ لَا، حَتَّى لَوْ زَوَّجَ بِنتَهُ مِنْ فَقِيرٍ أَوْ مُحْتَرِفِ حِرْفَةٍ دَنِيئة وَلَمْ يَكُنْ كُفْئا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، فَقَصْرُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ كَلَامَهُمْ عَلَى الْفَاسِقِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي. وَقَدْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ.
(هـ) وَفِي (الظَّهِيرِيَّةِ) يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَقُلْ: (إِنَّهُ بَاطِلٌ) وَهُوَ الْحَقُّ، وَلِذَا قَالَ في (الذَّخِيرَةِ) فِي قَوْلِهِمْ: (فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ) أَيْ: يَبْطُلُ. انْتَهَى كَلَامُ (الْبَحْرِ)، وَالْمَسْأَلُةُ شَهِيرَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْغَيْر] ِ
(110) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ مِنْ آخَرَ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ الْعَاقِلَةَ، وَسَمَّى الْمَهْرَ، وَقَبِلَ الْأَبُ، وَرَكَنَ قَلْبُهَا إِلَى الْخَاطِبِ، وَأَحْضَرَ الْمَهْرَ، وَمَا بَقِيَ إِلَّا الْعَقْدُ، فَرَجَعَ الْأَبُ لطرُوّ خَاطِب عَالِمٍ بِخِطْبَةِ الْأَوَّلِ، فَمَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي ذَلِكَ؟
أَجَابَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، حُرْمَةُ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ الْغَيْرِ، قَالَ فِي (الذُّخِيرَةِ) كَمَا نَهَى النَّبِيُّ وَ عَنْ الْإِسْتِيَامِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ؛ نَهَى عَنِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ الْغَيْرِ، وَأَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدٌ مُقَدَّرٌ يُعَزرْ، وَكَمَا تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ تَحْرُمُ إِجَابَتُهَا؛ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَيُعَزِّرُ الْمُجِيبُ إِلَيْهَا الْقَادِرُ عَلَى الْمَنْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 55
[لَوْ زَوْجَتِ الْأُمُّ الصَّغِيرَ مَعَ وُجُودِ الْعَمِّ]
(111) = سُئِلَ: فِي امْرَأَةٍ زَوْجَتِ ابْنَهَا الصَّغِيرَ الْيَتِيمَ صَغِيرَةً سِنُّهَا سَبْعُ سَنَوَاتٍ أَوْ دُونَ ذَلِكَ بِمَهْرٍ مَعْلُومٍ، مَعَ وُجُودِ عَمِّهِ عَصَبَتِهِ وَإِمْكَانِ مُرَاجَعَتِهِ، فَمَاتتِ الْبِنْتُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ عَمُّهُ عَصَبَتُهُ، هَلْ يَلْزَمُ الْيَتِيمَ مَهْرُهَا أَمْ لَا؛ لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ بِمَوْتِهَا؟
أَجَابَ: لَا يَلْزَمُ الْيَتِيمَ مَهْرُهَا؛ لأنَّ الأُمَّ لَا تَمْلِكُ تَزْوِيجَ ابْنِهَا مَعَ الْعَمِّ الْمَذْكُورِ، فَبَطَلَ النِّكَاحُ بِمَوْتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا قَبْلَ إِجَازَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحُ فُضُولِيَّ، وَهُوَ يَبْطُلُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَوْ زَوَّجَ الْعَمُّ مَعَ عَدَمِ غَيْبَةِ الْأَبِ]
??? = سُئِلَ: فِي عَمَّ صَغِيرَةٍ زَوْجَهَا مَعَ وُجُودِ أَبِيهَا، فَلَمَّا عَلِمَ رَدَّ النِّكَاحَ هَلْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَرْتَدُّ بِرَدَّ الْأَبِ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا غَيْبَةٌ يَفُوتُ الْكُفْءُ الْخَاطِبُ بِانْتِظَارِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[صَغِيرَةٌ زَوْجَهَا خَالُهَا مَعَ وُجُودِ الْعَصَبَةِ]
??? = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ زَوَّجَهَا خَالُهَا فَبَلَغَتْ وَرَدَّتِ النِّكَاحَ، هَلْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهَا أم لا؟
أَجَابَ: إِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ عَصَبَةٌ فَزَوَّجَهَا الْخَالُ مَعَهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهَا إِذَا بَلَغَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ فَلَهَا خِيَارُ الْفَسْخِ بِالْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَزْوِيجُ الْأَصْغَرِ مَعَ وُجُودِ الْأَكْبَرِ]
(114) = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ لَهَا أَخَوَانِ بَالِغَانِ عَاقِلَانِ شَقِيقَانِ، أَحَدُهُمَا أَصْغَرُ سِنًّا مِنَ الْآخَرِ، فَهَلْ إِذَا زَوْجَهَا الْأَصْغَرُ سِنًا يَجُوزُ؟ سَوَاءٌ أَجَازَهُ الْأَكْبَرُ سِنًا أَوْ فَسَخَهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَصْغَرِ سِنًّا؛ حَيْثُ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْوِلَايَةِ، وَلَا يُرَدُّ نِكَاحُهُ بِرَدَّ الْآخَرِ؛ إِذْ هُمَا فِي الْوِلَايَةِ سَوَاءٌ؛ وَلِكُلِّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنِّكَاحِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَعَدُّدُ الْأَوْلِيَاءِ الْمُتَسَاوِينَ قُوَّةً وَدَرَجَةً]
(115) = سُئِلَ فِي يَتِيمَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَبْنَاءِ عَمَّ، كُلُّهُمْ فِي الْقُوَّةِ وَالدَّرَجَةِ سَوَاءٌ، عَقَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَقْدَ نِكَاحِهِ عَلَيْهَا لِنَفْسِهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ، هَلْ يَنْفُذُ نِكَاحُهُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لِبَقِيَّتِهِمْ رَدُّهُ أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 56
أَجَابَ: لَيْسَ لَهُمْ رَدُّهُ، وَهِيَ مَسْأَلَهُ تَعَدُّدِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُتَسَاوِينَ قُوَّةً وَدَرَجَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[أم الأَبِ أَوْلَى مِنَ الْأُمُ فِي التَّزويج]
(116) = سُئِلَ: فِي صَغِيرِ هُوَ ابْنُ عَمَّ صَغِيرَةِ، وَلَهُمَا جَدَّةٌ أُمُّ أَبِ، وَهِيَ وَصِيَّةٌ عَلَيْهِمَا حَاضِرَةٌ، وَلِكُلِّ مِنْهُمَا أُمْ حَاضِرَةٌ وَابْنُ عَمَّ عَصَبَةٍ غَائِبٍ، فَوِلَايَةُ النِّكَاح لِمَنْ مِمَّنْ ذُكِرَ؟
أَجَابَ: إِنْ أَمْكَنَ اسْتِطَلَاعُ رَأْيِ ابْنِ الْعَمِّ لَا تَمْلِكُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا الْإِنْكَاحَ، بَلِ الْوِلَايَةُ لَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَ (فِي الْبَحْرِ) عَنِ (الْقِنْيَةِ) أَنَّ أُمَّ الْأَبِ أَوْلَى فِي التَّزْوِيجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَزْوِيجُ الْمُشْتَهَاةِ وَحَضَانَتُهَا لِلْأُمِّ حَيْثُ لَا عَصَبَةَ]
??? = سُئِلَ: فِي بِكْرِ مُشْتَهَاةٍ لَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ، لَهَا أُمَّ عَازِبَةٌ، وَأُمُّ أُمَّ مُتَزَوِّجَةٌ بِجَدِّهَا أَبِ أُمَّهَا، وَأُمَّ أَبِ عَازِبَةٌ، وَعَمَّةٌ مُتَزَوْجَةٌ بِأَجْنَبِيَّ فَمَنْ يَحْضُنُهَا مِنْهُنَّ وَمَنْ يُزَوِّجُهَا مِنْهُنَّ؟
أَجَابَ الْحَضَانَةُ وَالتَّزْوِيجُ لِلْأُمْ حَيْثُ لَا عَصَبَةَ لَهَا، أَمَّا التَّزْوِيجُ فَلِمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ قَاطِبَةً بِقَوْلِهِمْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ فَالْوِلَايَةُ لِلْأُمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ.
(أ) قَالَ فِي (النَّهْرِ): هَذَا التَّرْتِيبُ يَعْنِي تَرْتِيبَ (الْكَنْزِ) هُوَ الْمُفْتَى بِهِ، كَمَا فِي (الْخُلَاصَةِ).
(ب) وَحُكِي عَنْ خُوَاهَرْ زَادَهُ وَعُمَرَ النَّسَفِيٌّ تَقْدِيمُ الْأُخْتِ عَلَى الْأُمِّ، لِأَنَّهَا مِنْ قَوْمِ الْآبِ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ مَا مَرَّ عَنِ (الْقِنْيَةِ) مِنْ تَقْدِيمِ أُمَّ الْأَبِ عَلَى الْأُمِّ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ انْتَهَى.
فَقَدْ عَلِمْتَ بِهِ ضَعْفَ مَا فِي (الْقِنْيَةِ) لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِمَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَأَمَّا الْحَضَانَةُ فَلِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأُمَّ وَالْجَدَّةَ أَوْلَى بِهَا حَتَّى تَحِيضَ، وَمَحَلُ الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ الْمُقَابِلَةِ لِهَذِهِ فِي الْمُشْتَهَاةِ: أَنَّهَا تُدْفَعُ لِلْأَبِ، فَمَحَلُهُ إِذَا كَانَ أَبْ أَوْ عَصَبَةٌ، وَالْمَوْضُوعُ هُنَا أَنْ لَا عَصَبَةٌ. فَافُهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الزَّوْج أَنَّ أَخَاهَا زَوْجَهَا بِالْوَكَالَةِ عَنِ الْأَبِ]
??? = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ زَوْجَهَا أَخُوهَا فَبَلَغَتْ، فَاخْتَارَتِ الْفَسْخَ بِخِيَارِ الْبُلُوغ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ أَخَاهَا زَوْجَهَا بِالْوَكَالَة عَنْ أَبِيهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَادَّعَتْ أَنَّهُ زَوْجَهَا بِالْوِلاية لِغَيْبَةِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَهَا الْخِيَارُ، فَهَلْ إِذَا أَثْبَتَ الزَّوْجُ دَعْوَاهُ يَبْطُلُ خِبَارَهَا أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 57
??? = وَهَلْ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَأَرَادَ تَحْلِيفَهَا عَلَى ذَلِكَ تَحْلِفُ أَمْ لَا؟
??? ج = أَجَابَ: نَعَمْ إِذَا أَثْبَتَ الزَّوْجُ دَعْوَاهُ يَبْطُلُ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَائِبًا عَنِ الْأَبِ، فَكَأَنَّ الْأَبَ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلنِّكَاحِ وَقَدْ نَصُوا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ إِذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَ أَوِ الصَّغِيرَةَ مَعَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ بِغَيْبَتِهِ وَثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لَهُ بِالْغَيْبَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِذَلِكَ، فَلَهُمَا خِيَارُ الْبُلُوغ؛ لِأَنَّهُ زَوَّجَ بِالْوِلَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ زَوَّجَ بَعْدَ تَوْكِيلِ سَابِقٍ فَلَا خِيَارَ لَهُمَا، وَمِثْلُ الْوِكَالَةِ السَّابِقَةِ الْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ لَا خِيَارَ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ فَلَهُمَا الخيار.
??? ج = وَعَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي الْمَسَائِلِ السِّتَّةِ: يَجِبُّ أَنْ تَحْلِفَ، لَكِنْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَهُوَ تَوْكِيلُ الْأَبِ لِلْأَخِ فَافُهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا زَوَّجَ الْأَخُ أُخْتَهُ لِغَيْرِ كُفْءٍ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ]
??? = سُئِلَ: فِي بَالِغَةٍ عَاقِلَةٍ خَطَفَهَا أَخُوهَا وَزَوَّجَهَا لِغَيْرِ كُفْءٍ، هَلْ لِأَبِيهَا الاعْتِرَاضُ وَفَسْخُ النِّكَاحِ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ إِذَا طَلَبَ الْأَبُ ذَلِكَ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ أَمْ لَمْ يَدْخُلْ مَا لَمْ تَلِدْ أَوْ يَظْهَرُ حُبْلُهَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ الْإِمَامِ: أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ النِّكَاحُ مِنْ أَصْلِهِ.
قَالَ فِي (الْخَانِيَّةِ): وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ قَاضٍ يَعْدِلُ، وَلَا كُلُّ وَليَّ يُحْسِنُ الْمُرَافَعَةَ، وَفِي الْجُنُو بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي مَذَلَّةٌ، فَسَدُّ الْبَابِ بِالْقَوْلِ بِعَدَمِ الانْعِقَادِ أَصْلًا. انْتَهَى.
وَهَذَا إِذَا زَوْجَهَا أَخُوهَا بِإِذْنِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَرَدَّتْهُ؛ يَرْتَدُّ بِرَدْهَا، وَلَا حَاجَةً إِلَى التَّفْرِيقِ وَالاعْتِرَاضِ مِنَ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ فِيهِ، وَإِنْ أَجَازَتْهُ؛ فَهُوَ كَمُبَاشَرَتِهَا بِنَفْسِهَا، فَلِأَبِيهَا طَلَبُ الْفَسْخِ وَالتَّفْرِيقِ مِنَ الْقَاضِي، فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ؛ لِوُقُوعِ النِّكَاحِ غَيْرَ نَافِذٍ مِنْ أَصْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بِكْرْ بَالِغَةٌ زَوْجَهَا أَخُوهَا لِأُمِّهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِإِذْنِهَا]
??? = سُئِلَ: فِي بِكْرِ بَالِغَةٍ زَوْجَهَا أَخُوهَا لِأُمَّهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِإِذْنِهَا، فَفَسَخَ مَنْ لَهُ حَقُ الاِعْتِرَاضِ نِكَاحَهَا مِنْهُ، ثُمَّ زَوَّجَهَا مِنْ كُفْءٍ بِإِذْنِهَا، وَدَخَلَ بِهَا، هَلْ يَصِحُ النِّكَاحُ الثَّانِي وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ مُعَارَضَتُهَا أَمْ
الجزء 1 · صفحة 58
لَا؟
أَجَابَ: تَزْوِيجُهُ لَهَا بِإِذْنِهَا كَتَزَوجِهَا بِنَفْسِهَا، وَهِيَ مَسْأَلَهُ مَنْ نَكَحَتْ غَيْرَ كُفْءٍ بِلا رِضًا أَوْلِيَائِهَا، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْفَتْوَى، فَأَفْتَى كَثِيرٌ بِعَدَمِ انْعِقَادِهِ أَصْلًا، وَهِيَ رِوَايَةٌ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ:
(أ) ففي (الْمِعْرَاجِ) مُعْزِيًا إِلَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ: وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ.
(ب) وَفِي (الْكَافِي) وَ (الذَّخِيرَةِ) وَبِقَوْلِهِ أَخَذَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَاضِ يَعْدِلُ، وَلَا كُلُّ وَلِيَّ يُحْسِنُ الْمُرَافَعَةَ، وَالْجُذُو بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي مَذَلَةٌ فَسَدُّ الْبَابِ بِالْقَوْلِ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ أَصْلًا. انْتَهَى.
وَقَدْ أَكْثَرَ عُلَمَاؤُنَا مِنَ النَّقْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَعَلَى هَذَا النِّكَاحُ هُوَ الثَّانِي؛ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ الِاعْتِرَاضُ فَفَسْخُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى قضَاءِ الْقَاضِي فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فَنِكَاحُ الْأَوَّلِ بَاقٍ إِلَى أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِ الْوَلِي، فَيُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، وَيُجَدِّدُ عَقْدَ الثَّانِي إِنْ شَاءَتْ، وَحَيْثُمَا عُلِمَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ؛ فَالْعَمَلُ بِهَا، بِإِبْقَاءِ الثَّانِي أَحْسَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الأُمُّ تُزَوِّجُ الْيَتِيمَةَ الَّتِي لَا عَصَبَةَ لَهَا]
(122) = سُئِلَ: فِي يَتِيمَةٍ نَاهَزَتِ الْبُلُوغَ وَلَا عَصَبَةَ لَهَا، وَلَهَا أُمِّ، هَلْ لِلْأُمِّ تَزْوِيجُهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ كُفْءٍ؟
??? = وَهَلْ لِشَيْخِ بِلَادِهَا أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهَا وَيَمْنَعَهَا مِنَ التَّزَوجِ لِيُزَوِّجَهَا هُوَ لِمَنْ أَرَادَ، وَيَأْكُلَ مَهْرَهَا، أَمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَيُمْنَعُ عَنْهُ شَرْعًا؟
???ج = أَجَابَ: نَعَمْ لِلْأُمِّ أَنْ تُزَوِّجَهَا، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ ذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَلَى الْحَاكِمِ أَيْضًا.
(123) ج = وَأَمَّا شَيْخُ الْبِلَادِ فَلَا قَائِلَ بِوِلَايَتِهِ فِي النِّكَاحِ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادِ، فَإِنْ تَجَرَّاً عَلَى ذَلِكَ كَانَ نِكَاحُهُ بَاطِلا، وَأَكْلُهُ الْمَهْرَ إِنَّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ النَّارَ وَالسَّعِيرَ؛ بِإِجْمَاعِ نَقَلَةِ الشَّرْعِ الْمُنِيرِ عَنِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، فَيَجِبُ مَنْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ؛ فَهُوَ بِغَيْرِ شَكٍّ هَالِكٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَزْوِيجُ الْوَلِيِّ الْفَاسِقِ]
(124) = سُئِلَ: مِنْ طَرَفِ رَجُلٍ مِنْ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ اسْمُهُ حَسَنٌ عَنْ تَزْوِيجِ الْأَخِ لأَبِ أُخْتَهُ
الجزء 1 · صفحة 59
الْقَاصِرَةَ، حَيْثُ لَا أَبَ وَلَا جَدَّ وَلَا شَقِيقَ، قَائِلًا: الْأَخُ الْمُزَوِّجُ فَاسِقٌ، وَلَا وِلَايَةَ لِلْفَاسِقِ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيُّ، وَلَا يَصِحُ عِنْدَكُمْ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهُ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَقَدْ أُشْكِلَتِ الْمَسْأَلَهُ عَلَيَّ، وَمُرَادِي الِاحْتِيَاطُ عِنْدَكُمْ حَيْثُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ عِنْدَنَا، وَلَكُمُ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ مِنَ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ.
أَجَابَ نَظْما بِقَوْلِهِ:
يا حَسَنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ .... وَمَنْ لَهُ لَطَائِفُ الْأَحْوَالِ
وَمَنْ حَوَى خَصَائِلَ الْكَمَالِ .... مَعَ وَرَعٍ يَجُلُّ عَنْ مَقَالِي
قَدْ وَصَلَ الْمَكْتُوبُ يَا ذَا الْفَضْلِ .... وَفِيهِ مَاذَا عَقَدَ غَيْرُ الْعَدْلِ
وَعَقَدَ غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَمَا .... يَقُولُ نُعْمَانُ إِمَامُ الْعُلَمَا
إِن زَوَّجَ الْبِنْتَ الَّتِي لَمْ تَبْلُغ .... غَيْرُهُمَا هَلْ ذَاكَ مِمَّا يَنْبَغِي
وَيُبْتَغَى بِهِ النِّكَاحُ الْحِلَّ .... وَعُقْدَةُ الْفَرْجِ بِهَا تَنْحَلُّ
فَخُذْ لِمَا جِئْتَ إِلَيْهِ سَائِلا .... جَوَابَ حَقٌّ لَمْ يُصَادِفٌ بَاطِلا
يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْفُسَّاقِ .... فِي مَذْهَبِ النُّعْمَانِ بِاتِّفَاقِ
وَغَيْرُ جَدٌ وَابٍ يَلِيهِ .... حَتَّى النِّسَاءُ عِنْدَنَا تَلِيهِ
كَذَا الْجَمْعُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ .... لَكِنْ بِتَرْتِيبِ لَدَى الْأَعْلَامِ
فَالْأَخُ لِلَّابِ إِذَا مَا وُجِدًا .... أوْلَى بِهَا مِنْهُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَا
وَعِنْدَ نَقْصِ الْمَهْرِ مِنْهُ يَبْطُلُ .... كَانَ نَقْصًا فَاحشا يُقَلِّلُ
فَالْحِيلَةُ التَّزْوِيجُ مَرَّةُ بِلا .... مَهْرٍ وَأُخْرَى بِالَّذِي قَدْ أَبْدِلا
حَتَّى يَصِحُ مَا خَلَا يَقِينًا .... بِمَهْرٍ مِثْلِ يُوجِبُ التَّبْيِينَا
وَهَذِهِ مَذْكُورَةٌ مَشْهُورَةٌ .... وَفِي صِحَاحٍ كُتُبِنَا مَزْبُورَةٌ
هَذَا وَقَدْ وَسَّعَ ابْنُ ثَابِتٍ .... أَمرَ النِّكَاحِ لِلدَّلِيلِ الثَّابِتِ
الجزء 1 · صفحة 60
فَلِلَّذِي قَلَّدَهُ السَّلَامَةُ .... مِنْ كُلِّ مَا يَعْقُبُهُ الْمَلَامَةُ
وَلَمْ يَضِلُّ أَمْرٌ عَلَى الْعِبَادِ .... إِلَّا أَتَى الْوُسْعُ عَلَى الْمُرَادِ
هَذَا وَلَوْلَا مَذْهَبُ النُّعْمَانِ .... ضَاقَ حَالُ النَّاسِ فِي الْإِحْصَانِ
فَاللهُ يَسْقِيهِ سَحَابَ الرَّحْمَةِ .... كَمَا جَلَا عَنْهُمْ شَدِيدَ الْغُمَّةِ
يَا رَبُّ خَيْرُ الدِّينِ يَرْجُو الْخَاتِمَةَ .... بِالْخَيْرِ فَاغْفِرْ ذَنْبَهُ يَا رَاحِمَهُ
قَوْلُهُ: (يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْفُسَّاقِ) أَيْ: بِعَقْدِ الْأَوْلِيَاءِ الْفُسَّاقِ، فَفِيهِ حَذْفُ الْمَوْصُوفِ وَإِبْقَاءُ الصِّفَةِ.
وَقَوْلُهُ: (فَالْأَخُ إِلَى آخِرِهِ). (الْأَخُ) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ (لَهُ أَنْ يَعْقِدَ) وَ (مَا) نَافِيَةٌ وَ (أَوْلَى) نَائِبُ فَاعِل (وُجِدَ)، وَأَلِفُ (وُجِدًا) لِلْإِطْلَاقِ كَأَلِفِ (يَعْقِدَا).
وَقَوْلُهُ: (فَالْحِيلَةُ إِلَى آخِرِهِ) مَعْنَاهُ: مَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ أَنْ يُعْقَدَ النِّكَاحُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَهْرٍ، وَمَرَّةً بِلَا مَهْرٍ، فَيَصِحُ النِّكَاحُ يقِينِ، لِأَنَّهُ مَعَ التَّسْمِيَةِ رُبَّمَا يَقَعُ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَمَعَ عَدَمِهَا يَقَعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَا مَحَالَةَ، فَيَصِحُ قَطْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[امْرَأَةٌ ثَيِّبٌ زَوْجَهَا وَكِيلُهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ]
(125) = سُئِلَ: فِي امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ وَكَلَتْ رَجُلًا أَجْنَبِيَّا فِي تَزْوِيجِهَا مِنْ رَجُلٍ، فَنَقَصَ الْوَكِيلُ عَنْ مَهْرٍ مِثْلِهَا، هَلْ لِأَخِيهَا شَقِيقِهَا الْاعْتِرَاضُ؟ فَيُكَمِّلُ الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَإِنِ امْتَنَعَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا؟
???= أَجَابَ: نَعَمْ لِلْأَخِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أُخْتِهِ وَبَيْنَ الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يُكَمِّلُ مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ لَهُ الاعْتِرَاضَ بِسَبَبِ التَّنْقِيصِ عَنْ مَهْرٍ مِثْلِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ حَقَّ الْفُرْقَةِ عِنْدَ امْتِنَاعِ الزَّوْجِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ حَصَلَ التَّفْرِيقُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا تَمَامُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ لَهَا، فَالْحَاصِلُ إِمَّا يُكَمِّلُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَتَسْتَمِرُّ حَلِيلَتُهُ، وَإِلَّا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَيُسَلَّمُ لَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وَهَذِهِ الْفُرْقَةُ مِمَّا تَحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ الْقَاضِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا أَشْهَدَتْ عَلَى خِيَارِ الْبُلُوغِ وَلَمْ تَتَقَدَّمْ إِلَى الْقَاضِي]
(126) = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا أَشْهَدَتْ عَلَى خِيَارِ الْبُلُوغِ فِي نِكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَقْتَ بُلُوغِهَا وَلَمْ تَتَقَدَّمْ
الجزء 1 · صفحة 61
إِلَى الْقَاضِي هَلْ تَسْتَمِرُّ عَلَى خِيَارِهَا أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ تَسْتَمِرُّ مَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا كَمَا فِي الشُّفْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُل قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ. ثُمَّ قَالَ بِمَجْلِسٍ لِرَجُلٍ: لَيْتَكَ تُزَوِّجُنِي فُلَانَةٌ. هَلْ إِذَا زَوَّجَهُ يحنث أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَحْنَث؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجُ، بَلْ زُوِّجَ، وَالْمُزَوِّجُ فُضُولِيٌّ بِلَا شَكٍّ وَالْحَالُ هَذِهِ، فَإِذَا أَجَازَ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ لَا يَحْنَث، وَالْإِجَازَةُ بِالْفِعْلِ كَأَنْ يَبْعَثُ إِلَيْهَا أَشْيَاءَ مِنَ الْمَهْرِ وَإِنْ قَلَّ، أَوْ يُقَبِّلُهَا، أَوْ يَلْمِسُهَا بِشَهْوَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا، وَبِلَا شَهْوَةٍ فِي قَوْلٍ، أَوْ هَنَّاهُ النَّاسُ فَسَكَتَ، أَوْ أَخَذَ فِي تَجْهِيزِهَا، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي (الْمُحِيطِ) فَذَلِكَ كُلُّهُ إِجَازَةُ بِالْفِعْلِ، فَلَا يَحْنَث، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا نَصَّبَ وَصِيًّا فِي تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ الْقَاصِرَةِ]
??? = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا نَصَّبَ زَيْدٌ عَمْرًا وَصِيَّا فِي تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ الْقَاصِرَةِ مِنْ أَخِ الْمُوصَى لَهُ، فَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَأَثْبَتَ وَصِيَّتَهَ لَدَى حَاكِمِ شَرْعِيٌّ حَنْبَلِي يَرَى صِحَتَهَا وَحَكَمَ بِهَا، وَنَفَّذَهُ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ، فَهَلْ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُنَفِّذِ صَحِيحٌ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ أَمْ لَا؟
??? = وَهَلْ لِلْمُوَصَى لَهُ تَزْوِيجُهَا بِمَنْ نَصَّ لَهُ الْمُوصِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
??? ج = أَجَابَ: نَعَمْ هُوَ صَحِيحٌ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ؛ إِذْ هُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
??? ج = وَلِلْمُوَصَّى لَهُ تَزْوِيجُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[خَطَبَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ أُخْتَهُ فَأَجَابَهُ وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَقْدِ لِأَجْلِ الْمَهْرِ]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ مِنْ آخَرَ أُخْتَهُ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ، وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا بَعْدَ أَنْ أَجَابَهُ الْأَخُ إِلَى خِطْبَتِهِ، وَامْتَنَعَ عَنِ الْعَقْدِ حَتَّى يَدْفَعَ جَمِيعَ الْمَهْرِ، فَعَقَدَهُ فُضُولِيٌّ بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَإِذْنِهِ، وَغَابَ الْأَخُ، فَقِيلَ لَهَا:
الجزء 1 · صفحة 62
إِنَّ أَخَاكَ زَوَّجَكِ مِنْهُ. فَمَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا؛ بِنَاءً عَلَيْهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُزَوِّجَ فُضُولِيٌّ، فَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ: إِنْ أَجَازَتْ نِكَاحَ الْفُضُولِي الْمَذْكُورِ؛ جَازَ وَصَارَ كَوِكَالَةٍ مِنْهَا سَابِقَةٍ، وَإِنْ رَدَّتِ النِّكَاحَ ارْتَدَّ، وَلَهَا الْأَقل مِنَ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَتَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِيهَا. وَالْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّ نِكَاحَ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفٌ لَا بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الإِجَازَةِ، وَالْإِجَازَةُ لَهَا، لَا لِأَخِيهَا، وَإِذَا رَدَّتِ النِّكَاحَ؛ وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، وَتَقَرَّرَ الْأَقَلُ مِنَ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِالشُّبْهَةِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ الْمَهْرُ بِتكَرُّرِ الْوَطْء الصَّادِرِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَالْحَالُ هَذِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْمَهْرِ
[إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ؛ صَحَ النِّكَاحُ]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ زَوَّجَ بِنتَهُ الصَّغِيرَةَ لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ مُشَارٍ إِلَيْهِ مِنَ الْبَلُّوطِ، وَقِيمَتُهُ لا تُسَاوِي الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ الَّتِي هِيَ الْمَهْرُ الشَّرْعِيُّ، فَهَلْ صَحَ النِّكَاحُ أَمْ لَا؟
(13) 2 = وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَمَا يَجِبُ لَهَا مِنَ الْمَهْرِ؟
??? ج = أَجَابَ: صَدَّ النِّكَاحُ الْمَذْكُورُ.
??? ج = وَيَجِبُ لَهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِالْوَطْءِ أَوْ بِالْمَوْتِ، فَيُنْظُرُ إِلَى قِيمَةِ الْبَلُوطِ مَهُمَا كَانَتْ، فَتُحْسَبُ ثُمَّ يُكَمَّلُ لَهَا عَلَى الْعَشَرَةِ، وَيَجِبُّ تَسْلِيمُهَا لَهُ إِذَا طَلَبَهَا هُوَ بَعْدَ دَفْعِ ذَلِكَ، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لِلْخَاطِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَى]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ مِنْ آخَرَ أُخْتَهُ، وَدَفَعَ لَهُ شَيْئًا يُسَمَّى مِلَاكًا وَدَرَاهِمَ أَيْضًا مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الزَّوْجَةِ اتخاذُ طَعَامٍ بِهِ، وَلَمْ يَتِمَّ أَمْرُ النِّكَاحِ، هَلْ لِلْخَاطِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِذْنِ مِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ بِاتِّخَاذِهِ وَإِطْعَامِهِ لِلنَّاسِ؛ صَارَ كَأَنَّهُ أَطْعَمَ النَّاسَ بِنَفْسِهِ طَعَامًا لَهُ، وَفِيهِ لَا يَرْجِعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا عَقَدَ عَمُّ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ وِكَالَةٍ مِنْهَا عَلَى مَهْرٍ مُعَيَّنٍ]
(134) = سُئِلَ فِي رَجُلٍ خَطَبَ بِكْرًا بَالِغَةٌ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهَا مُقَدِّمَاتُ النِّكَاحِ، فَعَقَدَ عَمُّهَا
الجزء 1 · صفحة 63
عَلَيْهَا بِغَيْرِ وِكَالَةٍ مِنْهَا عَلَى مَهْرٍ مُعَيَّنٍ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ صِفَاحًا فِي اصْطِلاحِهِمْ، لَكِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، ثُمَّ إِنَّ أَبَاهَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا بِكَذَا أَزْيَدَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الرِّضَا أَوَّلًا، فَوَكَّلَتْ وَالِدَهَا وَزَوَّجَهَا بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، هَلْ يَلْزَمُ الْمَهْرُ الْأَوَّلُ أَمِ الْمَهْرُ الثَّانِي وَلَا عِبْرَةً بِتَزْوِيجِ عَمَّهَا لَهَا بِغَيْرِ وِكَالَةٍ مِنْهَا؟
أَجَابَ: لَا عِبْرَةً بِتَزْوِيجِ عَمِّهَا لَهَا بِغَيْرِ وِكَالَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ إِجَازَةٍ لَا حِقَةٍ، وَالنِّكَاحُ هُوَ الثَّانِي، وَيَجِبُ مَا سَمَّى الْأَبُ فَقَط وَالْحَالُ هَذِهِ، فَإِنْ كَانَ بَلَغَهَا نِكَاحُ الْعَمِّ فَسَكَتَتْ، ثُمَّ وَكَّلَتِ الْأَبَ فَالنِّكَاحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَتَثْبُتُ التَّسْمِيَتَانِ فِي الْأَصَحُ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ، وَفِيهَا أَقَوَالٌ:
(أ) قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يَجِبُ كِلَا الْمَهْرَيْنِ.
(ب) وَذَكَرَ فِي (الْمُنْيَةِ): أَنَّهُ الْأَصَحُ.
(ج) وَذَكَرَ عِصَامٌ: أَنَّهُ يَجِبُ الثَّانِي فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا.
(د) وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الثَّانِي؛ إِلَّا إِذَا قَصَدَ الزَّيَادَةَ عَلَى الْأَوَّلِ، فَيَجِبُ الثَّانِي فَقَطْ، وَالْحَالُ هَذِهِ بِدَلَالَةِ حَلِفِهِ عَمَلًا بِقَوْلِ عِصَامِ وَالْقَاضِي، وَهُوَ مَقْصُودُ الْأَبِ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ فِي مُصَنِّفَاتِهِمْ. وَفِي إِيجَابِ التَّسْمِيَتَيْنِ إِجْحَافُ بِالزَّوْجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَبَضَ الْعَمُّ مَهْرَ بِنْتِ أَخِيهِ الْبَالِغَةِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهَا]
(135) = سُئِلَ: فِي عَمَّ قَبَضَ مَهْرَ بِنْتِ أَخِيهِ الْبَالِغَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا وِكَالَةٍ سَابِقَةٍ، وَلَا إِجَازَةٍ لَا حِقَةٍ، وَاسْتَهْلَكَهُ، وَمَاتتْ عَنْ بِنْتِ وَأُمَّ، وَمَنْ ذُكِرَ مِنَ الزَّوْجِ وَالْعَمْ فَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ اعْلَمْ أَنَّ الْعَمَّ فِي قَبْضِ الْمَهْرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ، فَالدَّفْعُ إِلَيْهِ كَالدَّفْعِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فَبِالدَّفْعِ إِلَيْهِ لَمْ يَبْرَ الزَّوْجُ، فَالْمَهْرُ بَاقٍ بِذِمَّتِهِ دَيْنَا لَهَا، وَبِمَوْتِهَا صَارَ مَعَ مَا تَرَكَتْهُ إِرْثا عَنْهَا لِوَرَثَتِهَا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، يَتَقَاضَى بِهِ الزَّوْجُ، وَالزَّوْجُ يَرْجِعُ عَلَى الْعَمُ بِمَا قَبَضَهُ جَمِيعَهُ حَيْثُ اسْتَهْلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ وَاسْتَهْلَكَهُ، فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ مَالِكُهُ، غَايْتُهُ لَهُ الْمَقَاصَّةُ بِمِثْلِ مَالِهِ، وَإِنِ اشْتُبِهَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ فَانْظُرْ فِي الْفَصْلِ الْعِشْرِينَ مِنْ دَعْوَى الْمَهْرِ مِنْ (جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ) يَظْهَرُ لَكَ هَذَا التَّحْرِيرُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الزَّوْجَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْعَمَّ بِمَا قَبَضَ، وَلِوَرَثَتِهَا مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ، وَلِلْعَمِّ مَا بَقِيَ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ تَرِكَتِهَا. تَدَبَّرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 64
[تَجْدِيدُ النِّكَاحِ]
(136) = سُئِلَ: فِي يَتِيمَةٍ زَوَّجَهَا ابْنُ ابْنِ عَمَّهَا الْعَصَبَةُ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَقَبَضَ أَكْثَرَ وَمَاتَ، وَبَلَغَتْ هَلْ لَهَا طَلَبُ مَهْرٍ مِثْلِهَا وَالرُّجُوعُ بِمَا دَفَعَهُ الزَّوْجُ لِابْنِ ابْنِ عَمِّهَا، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّا عَلَيْهَا؟
??? = وَهَلْ يَجِبُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ بِبُلُوغِهَا أَمْ لَا؟
(136) ج = أَجَابَ اعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ بِغَيْنِ فَاحِشَ لَا يَصِحُ.
??? ج = وَيَجِبُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَ بِغَبْنِ يَسِيرٍ يَصِحُ لِتَسَاهُلِ النَّاسِ فِيهِ، وَلَيْسَ لِابْنِ ابْنِ الْعَمَ قَبْضُ شَيْءٍ مِنَ الْمَهْرِ، وَتَرْجِعُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ، وَهُوَ - أَي: الزَّوْجُ - يَرْجِعُ بِمَا دَفَعَهُ فِي تَرِكَةِ ابْنِ ابْنِ الْعَمُ إِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ، وَإِلَّا تَأَخَّرَتِ الْمُطَالَبَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا قَبَضَ الْأَبُ الْمَهْرَ وَاسْتَهْلَكَهُ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ]
??? = سُئِلَ فِي رَجُلٍ خَطَبَ صَغِيرَةً مِنْ أَبِيهَا، وَدَفَعَ لَهُ مَالًا عَلَى جِهَةِ التَّزْوِيجِ، وَمَاتٌ بَعْدَ أَنِ اسْتَهْلَكَ الْمَالَ وَلَمْ يَتَّفِقِ التَّزْوِيجُ، وَمَاتَ الْخَاطِبُ وَمَضَتْ مُدَّةُ سِنِينَ، وَالآنَ وَلَدُهُ يُطَالِبُ المَخْطُوبَةَ بِمَا دَفَعَ أَبُوهُ إلَى أَبِيهَا، فَهَلْ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ؟ وَالْحَالُ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضُ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكُ مَالًا أَصْلًا وَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ: مَا قَبَضَهُ الأَبُ وَاسْتَهْلَكَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ، يُطَالَبُ بِهِ فِي إِرثهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرْثٌ لَا يَلْزَمُ أَحَدًا مِنْ وَرَثَتِهِ وَفَاؤُهُ، فَلَا يَلْزَمُ الْمَخْطُوبَةَ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[الرِّشْوَةُ مِنْ أَجْلِ الزَّوَاج]
??? = سُئِلَ فِي امْرَأَةٍ أَبَى أَقَارِبُهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ لَهُمُ الزَّوْجُ كَذَا، فَوَعَدَهُمْ بِهِ هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَلْزَمُ، وَلَوْ دَفَعَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ قَائِمًا أَوْ هَالِكًا؛ لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ، كَمَا فِي (البَزَّازِية) وَغَيْرِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[لَا يَجِبُ مَا جُعِلَ لِلسُّمْعَةِ فِي الْمَهْرِ]
(140) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ بِمَهْرٍ عَلَى أَنَّ مِنْهُ كَذَا سُمْعَةٌ، هَلْ يَجِبُ ما جُعِلَ لِلسُّمْعَةِ أم لا؟
الجزء 1 · صفحة 65
أَجَابَ: لَا يَجِبُ مَا جُعِلَ لِلسُّمْعَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ الْمَهْرُ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ سُمْعَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا سَمَّى الْمَهْرَ مَرَّتَيْنِ بِقِيمَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ]
(141) = سُئِلَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ تَوَاضَعَ الزَّوْجُ مَعَ الْأَبِ عَلَى أَنْ يَدْخُلَا إِلَى الْمَحْكَمَةِ وَيَعْقِدَا النِّكَاحَ ثَانِيَا عَلَى سَبْعِينَ؛ خَشْيَةٌ مِنْ كَثْرَةِ الْمَحْصُولِ، فَهَلِ الْمَهْرُ هُوَ الْأَوَّلُ أَمْ يَبْطلُ بِالتَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ؟
أَجَابَ الْمَهْرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمِائَةُ وَالْعِشْرُونَ، حَيْثُ ثَبَتَتِ الْمُوَاضَعَةُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ أَوْ بِنُكُولِهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ عَلَى شَيْءٍ لَهَا، وَشَيْءٍ لِأَبِيهَا، وَشَيْءٍ لِعَمِّهَا]
(142) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ لِأَبِيهَا، وَعِشْرِينَ كِسْوَةً لَهَا، وَخَمْسَةٍ لِعَمِّهَا، هَلِ الْجَمِيعُ لَهَا أَمْ لِكُلِّ مَا سُمِّي؟
أَجَابَ: الْكُلُّ لَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ فَتَعَرَّضَ شَخْصٌ يَقُولُ: إِنَّهَا فَلَّاحَتِي وَلِي كَذَا]
(143) = سُئِلَ فِي رَجُل تَزَوَّجَ زَوْجَةٌ، فَتَعَرَّضَ لَهُ شَخْصٌ يَقُولُ: هَذِهِ فَلَاحَتِي، وَأَطْلُبُ عَلَيْهَا خِلْعَةٌ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ حَكَمَ بِذَلِكَ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ؛ كَفَرَ، وَالْمَفْرُوضُ عَلَى حُكّامِ الْمُسْلِمِينَ وَفَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِنُصْرَةِ الدِّينِ كَف يَدِ الْمُتَعَرِّضِ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وَإِلَّا وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَهَاوِي الْمَهَالِكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بِكْرَانِ زُوِّجَتَا مِنْ رَجُلَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَجَدَ زَوْجَتَهُ ثَيْبًا فَرَدَّهَا وَأَخَذَ زَوْجَةَ الْآخَر]
(144) = سُئِلَ فِي بِكْرَيْنِ زُوجَتا مِنْ رَجُلَيْنِ، وَدَخَلَ كُلِّ بِزَوْجَتِهِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ وَجَدَ زَوْجَتَهُ ثَيِّبًا وَرَدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَاسْتَرَدَّ نَظِيرَتَهَا قَهْرًا عَلَى زَوْجِهَا، بَعْدَ أَنْ هَجَمَ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا لَيْلًا
الجزء 1 · صفحة 66
بِالْقَرْيَةِ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْفَلَّاحِينَ، وَيُرِيدُ فَسْخَ النَّكَاح، وَزَوْجَتُهُ تَدْعِي أَنَّهُ افْتَضَّ بَكَارَتَهَا، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَيَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ؟
(145) = وَهَلْ إِذَا رَمَاهَا بِالزِّنَا يَجِبُ اللَّعَانُ بِطَلَبِهَا؟
(146) = وَهَلْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا وُجِدَتْ ثَيِّبًا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالزِّنَا، فَيَلْزَمُهَا قَتْلُ أَوْ حَدٌ أوْ تَعْزِيرٌ؟
(147) = وَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
(144) ج = أجاب: لا عِبْرَةً بِقَوْلِهِ: وَجَدْتُهَا ثيبا؛ لأَنَّهُ لَوْ وَجَدَهَا كَذَلِكَ حَقِيقَةٌ؛ فَعَلَيْهِ كَمَالُ الْمَهْرِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَيْسَ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ بِهِ.
(146) ج = وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الثّيَابَةِ الزِّنَا؛ لأنَّ البَكَارَةَ تَزُولُ بِوَثْيَةٍ أَوْ حَيْضَةٍ أَوْ كِبَرِ سِنَّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ شَيْءٌ، وَمَنْ فَعَلَ بِهَا شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَقَدْ عَصَى الله تعالى.
(147) ج = وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَالْمَهْرُ جَمِيعُهُ تَقَرَّرَ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَة.
(145) ج = وَإِذَا رَمَاهَا بِالزِّنَا وَطَالَبَتْهُ وَجَبَ اللعَانُ.
وَعَلَيْهِ رَدُّ نَظِيرَتِهَا إِلَى مَوْضِعِ غَصْبِهَا مِنْهُ، وَيُحْبَسُ إِلَى أَنْ يُحْضِرَهَا، وَاللَّهُ أعلم.
[دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ فَادَّعَى أَنَّهَا ثَيِّبٌ وَادَّعَتْ أَنَّهَا بِكْر]
ٌ (148) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ فَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهَا ثَيِّبًا، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ جِئْتُهَا مِرَارًا فَوَجَدْتُهَا ثَيِّبًا. فَمَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ في ذَلِكَ؟
أَجَابَ: الْحُكْمُ وُجُوبُ جَمِيعِ الْمَهْرِ وَتَقَرُّرُهُ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ وَكَمَالِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي الْبَكَارَةِ لِنَفْيِ الْعَار ِعَنْهَا، وَإِذَا أَتهمَهَا بِغَيْرِهِ، يُعَزِّرُ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّهَا، وَإِنْ قَذَفَهَا بِصَرِيحِ الزِّنَا؛ وَجَبَ عَلَيْهِ اللَّعَانُ بِطَلَبِهَا، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[زَوْجَهَا أَخُوهَا بِالْوِكَالَةِ وَقَبَضَتِ الْأُمُّ مَهْرَهَا]
(149) = سُئِلَ فِي كَبِيرَةٍ زَوْجَهَا أَخُوهَا بِالْوِكَالَةِ عَنْهَا، وَقَبَضَتْ أُمُّهَا مَهْرَهَا، وَصَرَفَتْهُ فِي جِهَازِهَا بِلا إِذْنِهَا وَلَا عَلْمِهَا، وَمَاتَ الزَّوْجُ فَادَّعَتْ عَلَى وَصِيِّهِ، فَقَالَ: دَفَعَ الزَّوْجُ لِأُمِّكِ وَصَدَّقَتْهُ الْأُمُّ، هَلْ لِلْبِنْتِ
الجزء 1 · صفحة 67
أَخُذُ الْمَهْرِ مِنْ تَرِكَتِهِ أَوْ تَرْجِعُ عَلَى أُمِّهَا بِمَا قَبَضَتُهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: اعْلَمْ أَنَّ الدَّفْعَ لِلْأُم كَالدَّفْعِ لِلْأَجْنَبِيَّ، فَلَهَا أَخُذُ الْمَهْرِ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنُ عَلَيْهِ، وَمَا قَبَضَتْهُ الْأُمُّ مَضْمُونٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ، فَيُوَفَّى بِهِ مَهْرُهَا، وَالْوَصِيُّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ وَالرُّجُوعِ عَلَى الْأُمِّ بِمَا قَبَضَتُهُ مِنْهُ، وَالْحَالُ هَذِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ادَّعَى دَفْعَ الْمَهْرِ لِأُمِّهَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ لَهَا وَيَرْجِعَ عَلَى الْأُمِّ]
(150) = سُئِلَ فِي رَجُل تَنَازَعَ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي مَهْرِهَا: الزَّوْجَةُ تَدَّعِي مَهْرَهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: دَفَعْتُ إِلَى أُمَّكِ وَالْأُمُّ تُنْكِرُ، هَلْ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تُطَالِبَهُ بِمَهْرِهَا؟ وَهُوَ إِنْ أَثْبَتَ عَلَى الْأُمِّ شَيْئًا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، وَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ: لَا وِلَايَةَ لِلْأُمْ فِي قَبْضِ الْمَهْرِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْبِنْتُ كَبِيرَةً أو صَغِيرَةً، وَلَا وِصَايَةَ لَهَا عَلَيْهَا، فَلِلْبِنْتِ أَخَذُ الْمَهْرِ مِنْ زَوْجِهَا، وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَى الْأُمَّ إِنْ أَثْبَتَ أَخْذَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[السَّفَرُ بِالزَّوْجَةِ]
(151) = سُئِلَ: فِيمَنْ تَزَوَّجَتْ فِي بَلَدٍ، وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، هَلْ تُجْبَرُ عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ إِذَا طَلَبَهَا لِبَلَدِ آخَرَ، وَإِنْ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ السَّفَرِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا طَلَبَهَا لِذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا بِامْتِنَاعِهَا أَمْ لَا؟
أَجَابَ: اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ فِي ذَلِكَ، فَظَاهِرُ الرَّوَايَةِ أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى أَنْ تُسَافِرَ مَعَهُ إِذَا أَوْفَاهَا الْمُعَجَّل.
(أ) وَذَكَرَ فِي (جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ) أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، فَهُوَ إِفْتَاءٌ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(ب) وَأَفْتَى أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَارُ، وَتَبِعَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ رِضَاهَا.
(ج) وَصَرَّحَ فِي (شَرْحِ الْمُخْتَارِ) بِذَلِكَ، قَالَ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إِذَا أَوْفَاهَا الْمُعَجَّلَ وَالْمُؤَجَّلَ وَكَانَ مَأْمُونًا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا.
(د) قَالَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ: وَبِهِ يُفْتَى، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الشَّهَابُ الْحَلَبِيُّ قَاطِعَا بِهِ، وَصُورَةُ إِفْتَائهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَهْرٌ حَالٌ أَوْ مُؤَجَّلٌ، وَكَانَ مَأْمُونَا عَلَيْهَا، وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا؛ فَلَهُ نَقْلُهَا حَيْثُ أَرَادَ، وَلَيْسَ لَهَا الاِمْتِنَاعُ حِينَئِذٍ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ مُدَّةَ
الجزء 1 · صفحة 68
امْتِنَاعِهَا وَتَكَرَّرَ إِفْتَاؤُهُ بِذَلِكَ كَمَا هُوَ مُسَطَّرٌ بِفَتَاوَاهُ. وَكَذَا أَفْتَى غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَمِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا بِهِ، وَنَحْنُ نُفْتِي بِهِ لِمُوَافَقَتِهِ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَانْتِفَاءِ الْمَضَارَّةِ، مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُونًا عَلَيْهَا، وَكَوْنِ الطَّرِيقِ آمِنًا، مَعَ أَنَّهُ عمَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ} [الطلاق: 1]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا بَعَثَ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ دَرَاهِمَ وَاخْتَلَفَا هَلْ هِيَ مِنَ الْمَهْرِ أَمْ هَدِيَّةٌ]
(152) = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا بَعَثَ الْخَاطِبُ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ شَيْئًا مِنْ جِنْسِ النَّقْدَيْنِ أَوْ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ ثُمَّ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَقَالَ الزَّوْجُ إِنَّمَا بَعَثْتُهُ لِيُحْسَبَ مِنَ الْمَهْرِ وَقَالَتْ هُوَ هَدِيَّةٌ هَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا أَمْ قَوْلُهُ؟ أَجَابَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ، يَعْنِي بِيَمِينِهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ الْمُمْلِكُ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِجِهَةِ التَّمْلِيكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لِلْأَبِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بِمَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ]
(153) = سُئِلَ: هَلْ لِلْأَبِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بِمَهْرِ ابْنَتِهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ حَيْثُ كَانَتْ صَغِيرَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا، وَسَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا، أَوْ كَانَتْ بِكْرًا بَالِغَةٌ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا وَلَمْ تَنْهَ عَنْ قَبْضِهِ، وَإِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً ثَيِّبًا لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ إِلَّا بِوِكَالَةٍ عَنْهَا، دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَزَوَّجَ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ بِمَهْرٍ مَعْلُومٍ]
(154) = سُئِلَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْجَمَاعَ بِمَهْرٍ مَعْلُومٍ، هَلْ لِأَبِيهَا الْمُزَوِّحِ الْمُطَالَبَةُ بِمَهْرِهَا وَحَبْسُهُ بِهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ لِلْأَبِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بِمَهْرِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُوطًا، وَإِنْ زُوِّجَتْ يَوْمَ وُلِدَتْ، وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى دَفْعِ الْمَهْرِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ؛ إِذْ هُوَ بَدَلُ الْبُضْعِ، وَقَدْ مَلَكَهُ فَيُطَالَبُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ أَوْ يَظْهَرَ إِعْسَارُهُ لِقَاضِيهِ. هَذَا أَصْحُ مَا قِيلَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِرْسَالُ مَبْلَغ قَبْلَ الدُّخُولِ لِمَصَالِحِ الزَّوْجَةِ]
(155) = سُئِلَ: فِيمَا تُعُورِفَ فِي تَزْوِيجِ الْأَبْكَارِ مِنْ إِرْسَالِهِ مَبْلَغَا مَعْلُومًا، مُسَمًّى بِالشُّرُوطِ، يَصرِفُهُ
الجزء 1 · صفحة 69
أَهْلُ الزَّوْجَةِ فِي حَمَّامِهَا وَأُجْرَةِ الْمَاشِطَةِ وَثَمَنِ حِنَّاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَبْلَغا آخَرَ لِتَنْجِيدِ لُحُفِهَا وَفُرُشِهَا وَتَبيض أَوَانِيهَا النُّحَاسِ، وَإِرْسَالِهِ طَعَامًا مُهَيَّةٌ إِلَى بَيْتِ الْعَرُوسِ لَيْلَةَ الْبِنَاءِ بِهَا، إِذَا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ بَلَدِهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، بِحَيْثُ إِذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ لَا يُرْسِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَشْتَرِطُ نَفْيَ ذَلِكَ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَهَلْ يَكُونُ هَذَا دَاخِلَا تَحْتَ قَوْلِهِمُ: الْمَشْرُوطُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا، فَيَكُونُ لَازِمًا شَرْعًا أَمْ لَا؟
أَجَابَ الْمُقَرِّرُ فِي الْكُتُبِ مِنْ قَوْلِهِمُ الْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ، يُوجِبُ إِلْحَاقَ مَا ذُكِرَ بِالْمَشْرُوطِ، فَيَؤُولُ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ يَؤُولُ مُقْتَضَاهُ إِلَى أَنَّهُ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْمَبْلَغ الَّذِي سَمَّاهُ مِنَ النَّقْدِ، وَعَلَى الْمَبْلَغَ الْمُسَمَّى بِالشُّرُوطِ الَّذِي يُصْرَفُ فِي الْحَمَّامِ وَأَجْرَةِ الْمَاشِطَةِ وَثَمَنِ الْحِنَّاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَبْلَغِ الَّذِي يُنَجَّدُ بِهِ فُرُشُهَا وَيُبَيَّضُ بِهِ أَوَانِيهَا، وَإِرْسَالِ الطَّعَامِ الْمُهَيَّأ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَبْلَغ الَّذِي يُرْسَلُ إِلَى بَيْتِ الْعَرُوسِ لَيْلَةَ الْبِناءِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ كَانَ لَازِمًا لُزُومَ الْمَهْرِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَعَدَمِ جَهَالَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لِإِرَادَةِ مَا سَيُصْرَفُ أُجْرَةً لِلْحَمَّامِ وَالْمَاشِطَةِ وَثَمَنِ الْحِنَّاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي وَقْتِهِ؛ أَوْجَبَ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ؛ إِذْ لَا يُعْلَمُ كَمْ أَجْرَةُ الْحَمَّامِ وَكَذَا وَكَذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِذَا فَسَدَتْ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ. هَذَا إِذَا ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ أَنَّهُ مِنَ الْمَهْرِ، وَإِنْ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْعُدَّةِ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمِ بِالْكُلْيَةِ، إِلَّا أَنْ يَتبَرعَ الزَّوْجُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الْعُدَّةِ، لَا أَنَّهُ مِنْ مُسَمَّى الْمَهْرِ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ وَوُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ.
(أ) وَفِي (الْخَانِيَّةِ) مَا هُوَ كَالصَّرِيح فِي ذَلِكَ، قَالَ فِيهَا: رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَثَوْبٍ، وَلَمْ يَصِفِ الثَّوْبَ؛ كَانَ لَهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ بِهَا؛ كَانَ لَهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُتعَتُهَا أَكْثَرَ، فَيَكُونُ لَهَا ذَلِكَ، انْتَهَى.
(ب) وَقَدْ جَعَلَ فِي (الْبَحْرِ) تَسْمِيَةَ الثَّوْبِ لَغْوًا.
(ج) وَقَدْ زَاغَ فَهُمُ صَاحِبِ الْبَحْرِ، وَأَخِيهِ صَاحِبِ النَّهْرِ فِيهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُدَّةِ يُوَضح الْكَلَامَ وَيَنْفِي الْمَلَامَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سَلَّمَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ إِلَى زَوْجِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْمُعَجَّلِ]
(156) = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ سِنُّهَا نَحْو تِسْعِ سِنِينَ، زَفَّهَا وَالِدُهَا عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ قَبْضِ جَمِيعِ مُعَجَّلِ صَدَاقِهَا، وَالْآنَ يُرِيدُ اسْتِرْدَادَهَا إِلَيْهِ، وَالْمُطَالَبَةَ بِالْمُعَجَّلِ، وَهِيَ تَدَّعِي البُلُوغَ وَتَنْهَاهُ عَنْ قَبْضِهِ، هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الْبُلُوغِ حَيْثُ احْتُمِلَ، وَيُمْنَعُ الْأَبُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 70
أَجَابَ: نَعَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي دَعْوَى الْبُلُوغ، فَيُمْنَعُ الْأَبُ مِنْ مُطَالَبَةِ الزَّوْجِ؛ لِانْقِطَاعِ وِلَايَتِهِ بِالْبُلُوغِ وَالنَّهْيِ، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَأَقَرَّ بِقَبْضِ مَهْرِهَا]
(157) = سُئِلَ: عَنْ وَالِدِ بِكْرٍ صَغِيرَةٍ زَوْجَهَا لِصَغِيرٍ وَقَبِلَ لَهُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا أَبُوهُ بِمَهْرٍ مَعْلُومٍ، وَأَقَرَّ أَبُوهَا بِقَبْضِهِ مِنْ أَبِيهِ الْمُتَوَفَّى، هَلْ يَصِحُ إِفْرَارُهُ بِقَبْضِهِ أَمْ لَا يَصِحُ؟
158 = وَإِذَا قُلْتُمْ يَصِحُ إِقْرَارُهُ بِذَلِكَ: هَلْ إِذَا ادَّعَى الْأَبُ أَنَّ إِقْرَارَهُ كَانَ كَاذِبًا تَصِحُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا تَصِحُ؟ كَيْفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟
(157) ج = أَجَابَ: نَعَمْ يَصِحُ إِقْرَارُ الْأَبِ بِقَبْضِ الْمَهْرِ وَالْحَالُ هَذِهِ.
(158) ج = وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِقْرَارَ كَانَ كَاذِبًا، وَلَا تَصِحُ دَعْوَاهُ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَمُحَمَّدٍ لِتَنَاقُضِهِ، وَاسْتَحْسَنَ أَبُو يُوسُفَ تَحْلِيفَ الْمُقِرِّ لَهُ، فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّ إِقْرَارَهُ كَانَ كَاذِبًا، وَعَلَى قَوْلِهِ الْفَتْوَى كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي غَالِبٍ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِقْرَارُ الْأَبِ بِقَبْضِ مَهْرِ ابْنَتِهِ مِنَ الزَّوْجِ]
(159) = سُئِلَ: فِي إِقْرَارِ الْأَبِ بِقَبْضِ مَهْرِ ابْنَتِهِ مِنَ الزَّوْج مَا حُكْمُهُ؟
أَجَابَ:
(أ) قَالَ فِي (الْبَحْرِ): وَإِقْرَارُ الْأَبِ بِقَبْضِ الصَّدَاقِ عِنْدَ إِنْكَارِهَا وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِنْ كَانَتْ وَقْتَهُ بَالِغَةٌ، وَإِلَّا فَمَقْبُولٌ.
(ب) وَفِي (البَزَّازِية): أَقَرَّ الْأَبُ بِقَبْضِ الصَّدَاقِ إِنْ بِكْرًا صُدِّقَ، وَإِنْ ثَيِّبًا لَا، وَقَدْ صَرَّحُوا قَاطِبَةً بِأَنَّ الْأَبَ [(120)، س (122)] يَمْلِكُ قَبْضَ صَدَاقِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإقْرَارَ، وَالَّذِي يَتَحَرَّرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْأَبَ إِذَا أَقرَّ بِقَبْضِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ يَصِحُ إِجْمَاعًا، وَبِصَدَاقِ الشَّيِّبِ الْبَالِغَةِ لَا يَصِحُ إِجْمَاعًا، وَبِصَدَاقِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهَا نَهْي، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَبَضَ مَهْرَ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا]
الجزء 1 · صفحة 71
(160) = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ زَوْجَهَا أَبُوهَا وَقَبَضَ مَهْرَهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ، وَصَرَفَ عَلَى بَابِ الْقَاضِي فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا لَمْ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَصْرِفُ عَلَى بَابِ الْقَاضِي مَا هُوَ أَجْرَةٌ، لَا مَا هُوَ رِشْوَةٌ، وَهَذَا إِذَا أَعْطَى بِنَفْسِهِ لِلْقَاضِي، أَمَّا إِذَا أَخَذَ بِيَدِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَنْعُهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَخَذَ أَجْرَةَ مِثْلِهِ أَوْ أَزِيدَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُصَرِّحٌ بِهِ فِي الْكُتُبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَمَرَ الْأَبُ زَوْجَ الصَّغِيرَةِ أَنْ يَدْفَعَ الْمَهْرَ لِغَرِيمِهِ فَمَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ]
(161) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ عَقَدَ نِكَاحَهُ عَلَى صَغِيرَةٍ بِمَهْرٍ قَدْرُهُ مِائَنَا قِرْشٍ، وَأَمَرَهُ أَبُوهَا بِدَفْعِ الْمِائَتَيْنِ لِغَرِيمِ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَوْفَاهَا لَهُ، وَمَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الْمَهْرِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ إِرْثا عَنْهَا عَلَى الْأَبِ إِنْ كَانَ حَيًّا، وَعَلَى تَرِكَتِهِ إِنْ كَانَ مَيْتًا أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لِلزَّوْجِ ذَلِكَ فِي تَرِكَةِ الْأَبِ إِنْ كَانَ مَيْتا، وَإِنْ كَانَ حَيًّا يُطالبُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ الْمَهْرَ لَهَا، فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَيُوَرَّثُ وَيُقَسَّمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالزَّوْجُ لَهُ مِمَّا تَرَكَتِ النِّصْفُ فَيُطَالِبُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَفَسَخَ الْقَاضِي نِكَاحَهَا]
(162) = سُئِلَ فِي بِكْرِ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا غَيْبَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَفَسَخَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ نِكَاحَهَا عَلَى مَذْهَبِهِ الْقَائِلِ بِهِ، وَمَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَهُ هَلْ لِوَرَثَتِهِ الرُّجُوعُ بمَا قَبَضَتُ أَمْ لا؟
أَجَابَ: نَعَمْ لِوَرَثَتهِ الرُّجُوعُ بِهِ؛ إِذْ وَرَثَتُهُ تَقُومُ مَقَامَهُ فِي طَلَبِ مَا هُوَ وَاجِبٌ لَهُ، وَرَدُّ مَا قَبَضَتْ وَاجِبٌ لَهُ شَرْعًا لَوْ كَانَ حَيَّا، فَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِيمَا هُوَ لَهُ قَطْعًا وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[لا يَلْزَمُ إِلَّا مَا سُمِّيَ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ زِيدَ عَلَيْهِ]
(163) = سُئِلَ نَظْمًا:
يَا سَيِّدِي أَفْتِي سَائِلًا وَافَاكَا .... يَرْجُو جَوَابًا شَافِيًا فُتْيَاكَا
هَلْ يُلْزَمُ الزَّوْجُ بِمَا لَمْ يجب .... بذكره تَسْمِيَةٌ فِي الْمَهْر
منْ أَبْيَضَ أَوْ أَزْرَقَ وَغَيْرِهِ .... تَفَضْلُوا دُمْتُمْ بِمَحْضِ خَيْرِهِ
الجزء 1 · صفحة 72
أجاب:
الْحَمْدُ لِلهِ الْحَمِيدِ الصَّمَدِ .... الْوَاحِدِ الْفَرْدِ الَّذِي لَمْ يَلِدِ
لَا يُلْزَمُ الزَّوْجُ بِمَا لَمْ يُذْكَرِ .... مِنْ أَبْيَضَ أَوْ أَزْرَقَ أَوْ أَسْمَرَ
وَالْفَرْضُ مَا سُمِّيَ وَقْتَ الْعَقْدِ .... أَوْ زِيدَ مِنْ عَرَضٍ لَهَا أَوْ نَقْدِ
هَذَا جَوَابُ الْحَقِّ بِالتَّمْكِينِ .... قَدْ قَالَهُ الْفَقِيرُ خَيْرُ الدِّين
مُصَلِّيًا وَحَامِدًا مُسَلِّمًا .... مُبَجِّلًا مُعَلِّمًا مُكَرِّمًا
[طَلَبَتْ مَهْرَهَا وَادَّعَى الزَّوْجُ إِيصَالَهُ إِلَى الْأَبِ]
(164) = سُئِلَ: فِي امْرَأَةِ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا بِمَهْرِهَا الْمَشْرُوطِ تَعْجِيلُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا صَغِيرَةً، وَالْآنَ بَلَغَتْ وَتَطْلُبُهُ مِنَ الزَّوْجِ، وَهُوَ يَدَّعِي إِيصَالَهُ لِلْأَبِ، فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا، نَرْجُو الْجَوَابَ بِالنَّقْلِ الصَّرِيحِ وَالْقَوْلِ الصَّحِيحِ؟
أَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَثُرَ النَّقْلُ فِيهَا وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَحَاصِلُ مَا هُوَ الْمَرْضِيُّ فِيهَ لِعُلَمَائِنَا:
(أ) فَأَمَّا صَاحِبُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَوْجَبُ، وَصَاحِبَاهُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِذِمَّتِهِ يَدَّعِي أَنَّهُ وَفَّاهُ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكَرِ بِيَمِينِهِ.
(ب) وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إِنْ كَانَ الزَّوْجُ بَنَى بِهَا - أَيْ: دَخَلَ - فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهَا مِقْدَارُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَعْجِيلِهِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَرْأَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُعَجَّلِ، فَإِذَا اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ لَزِمَ بِهَا الْعَمَلُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُدَافِعًا لِمَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بِالْبُرْهَانِ، بَلِ اخْتِلَافُ بِاخْتِلافِ عَادَةِ الْأَزْمَانِ، فَهُوَ اخْتِلَافُ عَصْرِ وَأَوَانٍ، لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[زَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُوَلِّيَتَهُ لِلْآخَرِ وَإِحْدَاهُمَا لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ]
(165) = سُئِلَ: فِي رَجُلَيْنِ زَوَّجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوَلَّيْتَهُ لِلْآخَرِ، وَاسْتُوْفِيَ الْمَهْرَانِ، وَإِحْدَاهُمَا لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ، هَلْ لِلْآخَرِ حَبْسُ مُوَلْيَتِهِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ وَلِيُّ الصَّغِيرَةِ الصَّغِيرَةَ أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 73
أَجَابَ: يُجْبَرُ وَلِيُّ الَّتِي لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ عَلَى تَسْلِيمِهَا، وَلَا يُجْبَرُ الْآخَرُ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا وَإِنْ سَلَّمَهَا يَسْتَرِدَّهَا حَتَّى تُطِيقَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[اخْتَلَفَ الْأَبُ مَعَ الزَّوْجِ فِي كَوْنِهَا تُطِيقُ الْوَطْءَ]
(166) = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا أَرَادَ الزَّوْجُ الدُّخُولَ بِزَوْجَتِهِ الصَّغِيرَةِ قَائِلًا: إِنَّهَا تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَالْأَبُ يَقُولُ: لَا تُطِيقُهُ مَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي ذَلِكَ؟
أَجَابَ: إِنْ كَانَتْ ضَخْمَةٌ سَمِينَةٌ تُطِيقُ الرِّجَالَ وَسَلَّمَ الْمَهْرَ الْمَشْرُوطَ تَعْجِيلُهُ يُجْبَرُ الْأَبُ عَلَى تَسْلِيمِهَا لِلزَّوْجِ، عَلَى الْأَصَحُ مِنَ الْأَقْوَالِ، فَيَنْظُرُ الْقَاضِي إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْرُجُ أَخْرَجَهَا، وَنَظَرَ إِلَيْهَا إِنْ صَلَحَتْ لِلرِّجَالِ أَمَرَ أَبَاهَا بِدَفْعِهَا لِلزَّوْجِ، وَإِلَّا لَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ أَمَرَ بِمَنْ يَثْقُ بِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنْ قُلْنَ: إِنَّهَا تُطِيقُ الرِّجَالَ وَتَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ؛ أَمَرَ الْأَبَ بِدَفْعِهَا إِلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ قُلْنَ: لَا تَحْتَمِلُ؛ لَا يَأْمُرُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَرَبَتْ مِنْ زَوْجِهَا لِكَوْنِهَا لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ]
(167) = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ لَا تَتَحَمَّلُ الْوَطْءَ خَافَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَهَرَبَتْ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا، فَآوَتْهَا أُمُّهَا هَلْ يَلْزَمُ أُمَّهَا التَّعْزِيرُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَلَزْمُ أُمَّهَا التَّعْزِيرُ بِذَلِكَ، بَلْ حَيْثُ كَانَتْ لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ لَا يَصِحُ تَسْلِيمُهَا لِلزَّوْجِ، وَتُرَدُّ إِلَى أَبِيهَا حَتَّى تُطِيقَ، فَيُسَلِّمُهَا وَلِيُّهَا الْأَحَقُّ بِإِمْسَاكِهَا لَهُ بَعْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا يَصِحُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَهَبَ مَهْرَ مُوَلِّيَتِهِ لِغَيْرِهِ]
(168) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: زَوِّجُ ابْنَتِي الصَّغِيرَةَ، وَتَزَوَّجْ بِمَهْرِهَا، فَزَوَّجَهَا بِإِذْنِهِ لِرَجُلٍ، وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا، وَتَزَوَّجَ أَخْتَهُ، وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا، وَدَخَلَ كُلُّ بِزَوْجَتِهِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرِ، وَبَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ وَمَاتَ أَبُوهَا، هَلْ إِذَا وَكَّلَتْ أَخَاهَا أَوْ غَيْرَهُ فِي طَلَبِ مَهْرِهَا مِنْ زَوْجِهَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى الدَّفْعِ؟ وَكَذَلِكَ مِنْ جَانِبِ أُخْتِ الزَّوْجِ إِذَا وَكَّلَتْهُ فِي خَلَاصِ مَهْرِهَا مِنْ زَوْجِهَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنْ تُوَكَّلَ فِي خَلَاصِ مَهْرِهَا، وَلَا يَصِحُ أَنْ يَهَبَ أَبُو الصَّغِيرَةِ مَهْرَهَا لِعَمِّهَا أَوْ غَيْرِهِ، إِذْ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ، بَلْ هُوَ خَالِصُ مِلْكِهَا لَا يَمْلِكُ أَبُوهَا هِبَتَهُ وَلَا الْإِبْرَاءَ مِنْهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنِ لَا تَصِحُ، فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ لَهُ دَيْنَا عَلَى زَوْجِ ابْنَتِهِ فَوَهَبَهُ لِأَخِيهِ؛ لَا
الجزء 1 · صفحة 74
تَصِحُ الْهِبَةُ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَهْرَ الثَّابِتَ بِذِمَّةِ الزَّوْجِ لَا يَبْرَأُ عَنْهُ إِلَّا بِإِبْرَاءِ زَوْجَتِهِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ أَوْ هِبَتِهَا أَوْ دَفْعِهِ لَهَا أَوْ لِمَأْذُونِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[زَوْجَهَا أَبُوهَا بِمَهْرِ مِثْلِ عَمَّتِهَا]
(169) = سُئِلَ: فِي بِكْرِ بَالِغَةٍ زَوْجَهَا أَبُوهَا بِمِثْلِ مَهْرٍ عَمَّتِهَا، هَلْ يَجُوزُ النِّكَاحُ بِمِقْدَارِ مَهْرِهَا نُقُودًا أَوْ أَمْتِعَةً مَعْلُومَةَ الْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ؟
??? = وَهَلْ إِذَا تَعَوَّضَ لَهَا كَرْمًا عَنِ الْمَهْرِ يَلْزَمُهَا أَمْ لَا، حَيْثُ لَمْ تَأْذَنْ صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةٌ؟
(169) ج = أَجَابَ: نَعَمْ، يَجُوزُ النِّكَاحُ وَلَهَا مِثْلُ مَهْرٍ عَمَّتِهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، عُلِمَ أَنَّهَا أُمْهِرَتْ بِهِ عَلِمَ الزَّوْجُ بِمِقْدَارِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ؛ فَلَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ عِلْمِهِ بِهِ إِنْ شَاءَ قَبْلَ النِّكَاحَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي (الذَّخِيرَةِ، وَمَجْمَعِ الْفَتَاوِي) وَكَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ.
??? ج = وَلَا يَلْزَمُهَا أَخُذُ الْكَرْمِ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا إِذْنٌ بِهِ صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا أَجَّلَتِ الْمُبَانَةُ الْمَهْرَ الْمُؤَجَّلَ إِلَى الْبَيْنُونَةِ]
(171) = سُئِلَ: فِي الْمُبَانَةِ إِذَا أَجَلَتْ مَا كَانَ مِنَ الْمَهْرِ مُؤَجَّلًا إِلَى أَقْرَبِ الْأَجَلَيْنِ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، هَلْ يَتَأَجَلُ وَلَا تَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنِ التَّأْجِيلِ بَعْدَهُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ، يَتَأَجَلُ، وَلَا تَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ؛ إذْ كُلُّ دَيْنِ أَجَلَهُ صَاحِبُهُ يَلْزَمُ تَأْجِيلُهُ إِلَّا فِي مَسَائِلَ، ذَكَرَهَا صَاحِبُ الأَشْبَاهِ فِي كِتَابِ الْمُدَايَنَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ وَلَمْ يُسَمِّ مَهْرًا لِلْمَرْأَةِ]
(1) = سُئِلَ: مِنْ غَزَّةَ مِنْ مَوْلَانَا الشَّيْخِ صَالِحِ ابْنِ الْعَلَامَةِ صَاحِبِ التَّنْوِيرِ (التَّمَرْتاشِيِّ) بِمَا صُورَتُهُ يَقُولُ الْفَقِيرُ: إِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِنْتَ زَيْدٍ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا هَلْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِمَهْرٍ مِثْلِهَا، أَوْ يُقَالُ لَهَا اصْبِرِي حَتَّى يَطَأَهَا أَوْ يَمُوتَ، فَالْمَرْجُو تَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْإِطْنَابُ فِي الْجَوَابِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَلَامِ؟
أَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ صَرَّحَ بِهَا الزَّيْلَعِيُّ، وَالْكَمَالُ، وَابْنُ مَلَكٍ، وَابْنُ السَّاعَاتِي، وَصَاحِبُ كَمَالِ الرِّوَايَةِ. وَغَيْرُهُمْ.
الجزء 1 · صفحة 75
(أ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ أَوْ نَفَاهُ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا الْمَهْرَ فِي الْعَقْدِ أَوْ نَفَاهُ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، إِنْ وَطِئَ أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَكَذَا إِذَا مَاتَتْ هِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ فِي مِثْلِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَيَتَأَكَّدُ وَيَتَقَرَّرُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، أَوِ الدُّخُولِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ شَيْءٌ، وَكَذَا بِالدُّخُولِ وَالْمَوْتِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. انْتَهَى.
(ب) وَفِي (فَتْحِ الْقَدِيرِ) فِي شَرْح قَوْلِهِ: (وَلَنَا أَنَّ الْمُتْعَةَ خَلَفٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ) قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا سُلِّمَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ، بَلْ بِقَبُولِهَا الْعَقَدَ عَلَى نَفْسِهَا الْمُلْصَقَ بِهِ الْمَالُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ)، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَيْرَ أَنَّ بِالدُّخُولِ يَتَقَرَّرُ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ.
(جـ) وَفِي (شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَلَكَ): وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ فِي الْعَقْدِ مَهْرًا أَوْ شَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ؛ تَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ إِنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ، لَا بِالدُّخُولِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ دَخَلَ بِهَا؛ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ مَاتَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ. انتهى.
فَقَدْ جُعِلَ الْعَقْدُ سَبَبَ الْوُجُوبِ، وَالدُّخُولُ وَالْمَوْتُ إِنَّمَا هُمَا مُؤَكَّدَانِ لَهُ، كَمَا فِي صُورَةِ التَّسْمِيَةِ، وَالْعَقْدُ مُوجِبْ، وَأَحَدُهُمَا مُؤَكَّدٌ لَهُ؛ إِذْ هُوَ قَبْلُ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ، وَلِذَلِكَ بِالطَّلَاقِ يَسْقُطُ نِصْفُ الْمُسَمَّى فِي صُورَةِ التَّسْمِيَةِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ فِي عَدَمِهَا، وَلَا شَكٍّ أَنَّ لَهَا فِي صُورَةِ التَّسْمِيَةِ وَمَهْرِ الْمِثْل: الْمُطَالَبَةَ قَبْلَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ قَاطِبَةً.
(د) وَفِي (فَتْحِ الْقَدِيرِ) أَيْضًا: وَيَصِحُ الرَّهْنُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسَمَّى فِي كَوْنِهِ دَيْنًا. انْتَهَى.
وَقَدِ اسْتَعْمَلَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي صُورَةِ التَّسْمِيَةِ:
فَفِي (الْهِدَايَةِ): فَلَهَا الْمُسَمَّى إِنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ.
وَفِي (مُلْتَقَى الأَبْحُرِ): لَزِمَ الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَنِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَفِي مَتْنِ (الْكَنْزِ): وَإِنْ سَمَّاهَا أَوْ دُونَهَا؛ فَلَهَا عَشَرَةٌ بِالْوَطْءِ أَوِ الْمَوْتِ، وَهَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْمُتُونِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَصْحَابَ الْمُتُونِ سَاوَوْا فِي التَّعْبِيرِ فِي لُزُومِ الْمُسَمَّى، وَفِي لُزُومِ مَهْرِ الْمِثْلِ بِأَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ بِأَحَدِهِمَا يَتَأَكَّدُ لُزُومُ الْبَدَلِ وَكَانَ قَبْلُ لَازِمًا لَكِنْ عَلَى شرَفِ السُّقُوطِ بِالطَّلَاقِ؛ لأنَّ الطَّلَاقَ
الجزء 1 · صفحة 76
قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْجَبَ فَسَادَ سَبَبِ الْمِلْكِ: إِمَّا فِي الكُلِّ فِي صُورَةٍ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ، أَوْ فِي النِّصْفِ فِي وُجُودِهَا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي (فَتْحِ الْقَدِيرِ)، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ طَلَاقٌ، فَالسَّبَبُ صَحِيحٌ مُوجِبْ لِإِشْغَالِ الذَّمَّةِ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَاجِبٌ شَرْعًا حُكْمًا لَهُ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ إِنْ لَمْ يُسَمَّ إِبَانَهُ لِشَرَفِ الْمَحَلُ لإِظْهَارِ خَطَرِهِ، فَلَا يُسْتَهَانُ بِهِ، وَإِذَا فَقَدْ تَأَكَّدَ شَرْعًا بِإِظْهَارِ شَرَفِهِ مَرَّةً بِإِظْهَارِ الشَّهَادَةِ، وَمَرَّةً بِإِلْزَامِ الْمَالِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي (الْفَتْحِ) فَلَوْ لَزِمَهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لَزِمَتْ الِاسْتِهَانَةُ بِهِ وَجَرَيَانُ الْبَدْلِ فِيهِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ، فَالدُّخُولُ أَوِ الْمَوْتُ شَرْطٌ فِي تَقَرُّرِهِ وَتَأْكُدِهِ، لَا فِي أَصْلِ وُجُوبِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: يَجِبُ إِنْ وَطِئَ أَوْ مَاتَ. لَا يُفِيدُ نَفْيَ الْوُجُوبِ بِعَدَمِهِمَا، إِنَّمَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يُوجِبُ الْعَدَمَ، وَهِيَ مَسْأَلَهُ مَفهُومِ الشَّرْطِ الْمُقَرَّرَةُ الْمُحَرَّرَةُ عِنْدَهُمْ، وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لِلْمُفَوَّضَةِ بِالْمَوْتِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عُلَمَاؤُنَا عَنْهُ، وَإِلَّا فَفِي (الْمِنْهَاجِ) لِلنَّوَوِيُّ: وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَهُمَا يَعْنِي: قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْوَطْءِ - لَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأَظْهَرِ كَالطَّلَاقِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْمَحَلَّيُّ) فِي شَرْحِهِ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَالْوَطْءِ فِي تَقَرُّرِ الْمُسَمَّى، فَكَذَا في إيجاب مَهْرِ الْمِثْلِ فِي التَّفْوِيضِ. انْتَهَى.
وَكَذَا مَالِكُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَةٍ نَفْيِ الْمَهْرِ، فَأَرَادُوا بِذَلِكَ تَحْقِيقَ الْمُخَالَفَةِ، كَمَا هُوَ دَأَبُهُمْ فِيمَا يُخَالِفُونَ فِيهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَمْرُ هَذَا الْفَرْعِ نَقْلًا وَتَفَقُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَبْسُ الْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ]
??? = سُئِلَ: فِي الرَّجُلِ يُدْعَى عَلَيْهِ بِمَهْرِ زَوْجَتِهِ الْمُعَجَّلِ، وَيَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، هَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَهُ مَعَ دَعْوَاهُ الْإِعْسَارَ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَكْثَرَتْ عُلَمَاؤُنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا، وَفِيهَا اخْتِلَافُ الْفَتْوَى، أَمَّا الْمُتُونُ وَهِيَ غَالِبًا لَا تَمْشِي إِلَّا عَلَى ظَاهِرِ الرَّوَايَةِ فَهِيَ قَاطِبَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْبِسُهُ فِي الْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي قَالُوا لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الِالْتِزَامِ دَلِيلُ الْيَسَارِ، وَالْخَصَّافُ ذَكَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْعُسْرَةَ أَصْلٌ فِي بَنِي آدَمَ، فَالْمَدْيُونُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَالطَّالِبُ يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ.
وَذَكَرَ فِي (الْمَبْسُوط) فِيمَا إِذَا وَجَبَ الدَّيْنُ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. انْتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 77
فَقَدْ نُسِبَ كُلِّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ إِلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي (الْبَحْرِ لِابْنِ نَجِيمٍ) بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَوْقٍ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي (الْمُخْتَصَرِ) يَعْنِي (الْكَنْرَ) خِلَافُ ظَاهِرِ الرَّوَايَةِ وَالْمُفْتَى بِهِ، وَقَدْ نَقَلَ الطَّرْسُوسِيُّ فِي (أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ) فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ، هَذَا وَنَحْنُ نُفْتِي بِحَبْسِهِ فِي الْمَهْرِ الْمُعَجِّلِ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي مُنْذُ زِيَادَةٍ عَلَى سِتِّينَ سَنَةٌ، أَخْذَا بِمَا فِي الْمُتُونِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَا يَكُونُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا نَفَقَةَ لِمَنْ لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ]
(174) = سُئِلَ: فِي صَغِيرَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ، هَلْ لَهَا نَفَقَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَمْ لَا؟
(175) = وَهَلْ يُحْبَسُ فِي مَهْرِهَا أَمْ لَا؟
(174) ج = أَجَابَ: لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ عَلَى زَوْجِهَا إِذْ هِيَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا احْتِبَاسُ وَالْحَالُ هَذِهِ.
(175) ج = وَأَمَّا الْمَهْرُ: فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ طُولِبَ بِهِ وَحُبِسَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي ظَاهِرِ الرَّوَايَةِ. وَفِي (الْبَقَالِي) قِيلَ: لَيْسَ لِلأَبِ أَنْ يُطَالِبَ الزَّوْجَ بِمَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ بِحَالٍ يَنْتَفِعُ بِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ الْجَدِيدُ الْأَصَحُ، هَذَا إِذَا كَانَ مُوسِرًا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَجِبُ إِنْظَارُهُ إِلَى الْمَيْسَرَةِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة [البقرة: (280)]، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ مَهْرٍ شَارِطًا عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ مِنْ أَخِيهَا]
(176) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ زَوَّجَ آخَرَ ابْنَتَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ قِرْشًا، مُنْقِصًا لَهَا عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، شَارِطًا عَلَى الْآخَرِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ مِنِ ابْنِهِ الْبَالِغِ بِعِشْرِينَ وَعَقَدَ لِابْنِهِ فِي غَيْبَتِهِ بِذَلِكَ، فَرَدَّ الابْنُ النِّكَاحَ، فَمَا الْحُكْمُ؟
أَجَابَ: نِكَاحُ الاِبْنِ قَدِ ارْتَدَّ بِرَدِّهِ، وَشَرْطُ الْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ أَخَاهَا الَّذِي هُوَ ابْنُهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ مَا لَهَا فِيهِ نُفْعٌ، وَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَنْعَدِمُ الرِّضَا بِالْمُسَمَّى، فَيُكَمَّلُ مَهْرُ مِثْلِهَا لَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[زَوَّجَ أَخَاهُ الْيَتِيمَ ثُمَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ تَزَوَّجَ خَالَتَهَا مُرِيدًا بِذَلِكَ فَسْخَ نِكَاحِ الْأُولَى]
??? = سُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ أَخَاهُ الْيَتِيمَ زَوْجَةً، وَدَفَعَ مَهْرَهَا وَمَاتَ، وَانْقَضَتْ عِدَّةُ زَوْجَتِهِ، وَبَلَغَ
الجزء 1 · صفحة 78
الْيَتِيمُ فَتَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا، وَهِيَ خَالَةُ الْأُولَى، مُخْتَارًا فَسْخَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِالْفَسْخِ بَعْدُ فَمَا حُكْمُ نِكَاحَيْهِمَا؟
أَجَابَ: أَمَّا الْأُولَى فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ، وَلَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ بِالْبُلُوغِ بِشَرْطِ الْقَضَاءِ، وَمَا لَمْ يُقْضَ بِهِ فَهُوَ بَاقٍ حَتَّى يَتَوَارَثا بِالْمَوْتِ قَبْلَهُ وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ غَيْرُ صَحِيحِ لِمَا فِيهِ مَنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَالَةِ وَبَيْنَ بِنْتِ أُخْتِهَا، وَإِذَا قُضِيَ بِفَسْخِ نِكَاحِ الْأُولَى يَسْتَرِدُ الْمَهْرَ الَّذِي دَفَعَهُ الْمَيِّتُ؛ إِذِ الْفَسْخُ بِخِيَارِ الْبُلُوغ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ كَيْ لَا يَلْزَمَ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ اغْتِرَارًا بِصُورَةِ الْعَقْدِ، وَيَجِبُ لَهَا بِالْوَطْءِ وَإِنْ تَكَرَّرَ الْأَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُجَدِّدَ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ فَسَخَ الْقَاضِي نِكَاحَ الْأُولَى جَازَ؛ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ
الجَمْعُ بَيْنَهُما، وَيُثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ بَعْدَ الْوطء مِنْ وَقْتِ التَّفْرِيقِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِيهَا لأَنَّهُ نِكَاحُ فَاسِدٌ، وَلَا نَفَقَةً فِي عِدَّةُ النكاح الْفَاسِدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْقَسْمِ
[لَمْ يَجِبْ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْبَيْتُوتَةِ]
??? = سُئِلَ: فِي النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالنَّوْمِ كَمَا هُوَ عَلَيْنَا؟
أَجَابَ: الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْقَسْمَ هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْبَيْتُوتَةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّازِيُّ أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَأَمَّا الْمَأْكَلُ وَالْمَشْرَبُ وَالْمَلْبَسُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالنَّفَقَةِ عِنْدَهُمْ فَلَا تَجِبُّ فِيهِ التَّسْوِيَةُ عَلَى أَحِدٍ عِنْدَنَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ مِنِ اعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ، كَمَا حَرَّرَهُ شُرَاحُ (الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ) فِي مَحَلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَوْ سَافَرَ الرَّجُلُ وَأَقَامَ فِي بَلْدَةٍ لَهُ فِيهَا زَوْجَةٌ لَا يَجِبُ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى]
??? = سُئِلَ: فِي الرَّجُلِ إِذَا سَافَرَ مِنْ بَلْدَة لَهُ بِهَا زَوْجَةٌ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأولى زِيَادَةٌ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَهُ بِهَا زَوْجَةٌ أُخْرَى، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا قَسْمًا بِمِقْدَارِ مَا أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى أَمْ لَا؟
الجزء 1 · صفحة 79
أَجَابَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَمَا مَضَى فَهُوَ هَدَرٌ، قَالَ فِي (الْمَبْسُوطِ):
وَإِنْ سَافَرَ الرَّجُلُ مَعَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ لَحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ طَالَبَتْهُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا مِثْلَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَعَ الْأُخْرَى فِي السَّفَرَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِأَيَّامٍ سَفَرِهِ مَعَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ، وَلَكِنْ يَسْتَقْبِلُ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ إِحْدَاهُمَا شَهْرًا، ثُمَّ خَاصَمَتْهُ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ، قُضِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَدْلَ بَيْنَهُمَا، وَمَا مَضَى فَهُوَ هَدَرٌ، غَيْرَ أَنَّهُ هُوَ فِيهِ آثمٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ بَعْدَ الطَّلَب مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَمَا مَضَى قَبْلَ الطَّلَبِ لَيْسَ مِنَ الْقِسْمَةِ فِي شَيْءٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا مَضَى قَبْلَ نِكَاحِ إِحْدَاهُمَا لا يُعتبرُ فِي حَقِّ الَّتِي جَدَّدَ نِكَاحَهَا، فَكَذَلِكَ مَا مَضَى قَبْلَ طَلَبِهَا. انْتَهَى
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِيمٌ بِالْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيل.
كِتَابُ الرَّضَاعِ
[لَا تَحْرُمُ أُمُّ الصَّغِيرِ عَلَى الْأَبِ لَوْ أَرْضَعَتْهُ أُمُّهَا وَأُمُّ الْأَبِ]
??? = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا أَرْضَعَتِ الصَّغِيرَ الرَّضِيعَ أُمُّ أُمِّهِ أَوْ أُمَّ أَبِيهِ، هَلْ تَحْرُمُ أُمُّهُ عَلَى أَبِيهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا تَحْرُمُ أُمُّهُ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ بِذَلِكَ كَـ (الْكَنْزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْقُدُورِيُّ، وَتَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ، وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ) وَأَكْثَرُ كُتُبِ الْمَذْهَبِ شُرُوحًا وَمُتُونَا وَفَتَاوِيَ كَـ (الْخَزَانَةِ، وَالدُّرَرِ وَالْغُرَرِ، وَقَاضِي خَانْ، وَالْوَلْوَالِجِيَّةِ)
(أ) وَعِبَارَةُ قَاضِي خَانُ: لَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمُرْضِعَةٍ وَلَدِهِ، وَأُخْتِ وَلَدِهِ مِنَ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ أُخْتِ وَلَدِهِ مِنَ النَّسَبِ جَائِزٌ، إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلَدَ مَوْطُوءَتِهِ، فَإِنَّ الْجَارِيَةَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ وَادَّعَيَاهُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ ابْنَةٌ مِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى؛ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْلَيَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَتْ أُخْتَ وَلَدِهِ مِنَ النَّسَبِ، وَنَظَائِرُهَا كَثِيرٌ. انْتَهَى.
(ب) وَفِي (الْحَاوِي الزَّاهِدِي): إِذَا أَرْضَعَتْهُ أُمُّ أُمِّهِ لَا تَحْرُمُ أُمُّهُ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعِ انْتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 80
أَقُولُ: وَبِذَلِكَ تَبَيَّنَ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا نُسِبَ إِلَى (الْوَاقِعَاتِ): الصَّبِيُّ إِذَا أَرْضَعَتْهُ أُمُّ أُمِّهِ حُرِّمَتْ أُمُّهُ عَلَى أَبِيهِ، إِذْ صَارَتْ أُخْتَ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعِ. انْتَهَى.
وَكَيْفَ تَحْرُمُ وَلَيْسَتْ بِنتَهُ وَلَا رَبِيبَتَهُ؟ وَقَدِ اسْتَثْنَوْا قَاطِبَةٌ أُمَّ الْأَخِ وَأُخْتَ الِابْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. فَقَالُوا إِلَّا أُمَّ أَخِيهِ، وَأُخْتَ ابْنِهِ، فَالْقَائِلُ بِحُرْمَةِ أُمِّ الرَّضِيعِ عَلَى أَبِيهِ غَيْرُ مُصِيبٍ، بَلْ هُوَ غَارِقٌ فِي الْوَهْمِ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ.
[لَوْ أَرْضَعَتْ صَغِيرَةً فَتَزَوَّجَهَا أَخُو الْمُرْضِعَةِ]
??? = سُئِلَ: فِي امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْ صَغِيرَةً رَضْعَةً وَاحِدَةً، وَلِلْمُرْضِعَةِ أَخٌ شَقِيقٌ تَزَوَّجَهَا، هَلْ إِذَا رُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى قَاضِ شَافِعِي بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا وَحَكَمَ لَهُ بِصِحَّةِ التَّزْوِيجِ حُكْمًا مُسْتَوْفِيًا شَرَائِطَهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَيُمْضِيهِ الْقَاضِي الْحَنَفَيُّ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: نَعَمْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَإِذَا رُفِعَ إِلَى قَاضِ حَنَفِيٌّ يُمْضِيهِ، قَالَ فِي (التَّتَارْخَانِيَّةِ) وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ وَقَضَى فِيهِ قَاضِ بِقَضِيَّة، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى قَاضِ آخَرَ يَرَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي الْقَضِيَّةِ أَمْضَى قَضَاءَ الْأَوَّلِ وَلَا يَنْقُضُهُ، وَلَوْ نَقَضَهُ كَانَ بَاطِلًا انْتَهَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِشَاعَةُ الرَّضَاعَةِ]
??? = سُئِلَ: فِي بِكْرِ بَالِغَةٍ تَوَارَدَ عَلَى خِطْبَتِهَا أَبْنَاءُ عَمِّهَا، فَعَقَدَ عَلَيْهَا أَحَدُهُمْ، فَأَشَاعُوا أَنَّهُمُ ارْتَضَعُوا مِنْ ثَدْيِ وَاحِدٍ، هَلْ يُعْمَلُ بِإِشَاعَتِهِمْ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يُعْمَلُ بِإِشَاعَتِهِمْ، وَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمُ الَّذِي قَالُوهُ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ رَضَعَ مِنْ أُمِّ زَوْجَتِهِ]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ أَقَرَّ بَعْدَ النَّكَاحِ وَالدُّخُولِ بِزَوْجَتِهِ: أَنَّهُ رَضَعَ مِنْ أُمَّهَا، وَأُمُّهَا أَيْضًا أَخْبَرَتْ بِإِرْضَاعِهِمَا، ثُمَّ أَكْذَبَا أَنْفُسَهُمَا وَقَالَا: أَوْهَمْنَا. فَهَلْ يَصِحُ رُجُوعُهُمَا أَمْ لَا؟
أَجَابَ: حَيْثُ لَمْ يَثْبُتِ الزَّوْجُ عَلَى الْإِقْرَارِ؛ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَصِحُ الرُّجُوعُ، قَالَ في (التَّتَارْخَانِيَّةِ) نَاقِلَا عَنِ (الْمُحِيطِ): لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ النِّكَاحِ: هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْتُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُ. لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا الْمَنْطِقِ وَقَالَ: هُوَ حَقٌّ كَمَا
الجزء 1 · صفحة 81
قُلْتُ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ الْجُحُودُ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَقْرَارِ إِنَّمَا يُوجِبُ الْفُرْقَة بِشَرْطِ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمْ.
[إِجْبَارُ الْأُمِّ عَلَى إِرْضَاعِ ابْنِهَا الْيَتِيمِ]
(184) = سُئِلَ: فِي رَضِيعِ يَتِيمِ لَهُ أُمَّ وَجَدٌ أَبُو أَبِ، وَلَيْسَ لِلْيَتِيمِ وَلَا لِجَدِّهِ مَالٌ. هَلْ تُجْبَرُ أُمُّهُ عَلَى إِرْضَاعِهِ؟
(185) = وَهَلْ تَفْرِضُ عَلَى جَدِّهِ أُجْرَةَ إِرْضَاعِهَا لِه أَمْ لَا؟
(184) ج = أَجَابَ: نَعَمْ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى إِرْضَاعِهِ.
(185) ج = وَلا يُفْرَضُ عَلَى جَدِّهِ جَمِيعُ أَجْرَةِ إِرْضَاعِهَا لَهُ، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَبْ مُعْسِرٌ وَلَا مَالَ لِلصَّغِيرِ تُجْبَرُ الأُمُّ عَلَى إِرْضَاعِهِ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا صَرَّحَ به في (الْبَحْرِ) نَقْلَا عَنِ (الْخَانِيَّةِ) فَمَا بَالُكَ بِالْجَدِّ الْمُعْسِرِ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أُمَّهُ ذَاتُ يَسَارٍ بِاللَّبَنِ، وَالْمُعْسِرُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ فَتُجْبَرُ وَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِمَا فِي (الْخَانِيَّةِ) نَفْلًا عَنِ الْخَصَّافِ وَزَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَتُجْعَلُ الْأَجْرَةُ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كِتَابُ الطَّلَاقِ
[إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَرُدُّكِ قَاضٍ وَلَا وَالٍ]
(186) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَرُدُّكِ قَاضٍ وَلَا وَالٍ وَلَا عَالِمٌ. هَلْ يَكُونُ بَائِنَا أَمْ رَجْعِيًّا؟
أَجَابَ: هُوَ رَجْعِيٌّ، وَلَا يَمْلِكُ إِخْرَاجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيَّ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا قَالَ: أُطَلِّقُ زَوْجَتِي ثَلَاثِينَ]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: أَتُطَلِّقُ زَوْجَتَكَ الْغَيْرَ الْمَدْخُولَةِ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ: الْكُلَّ. فَقِيلَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى تِلْوَهَا: هَلْ تَطْلُقُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ فَقَالَ: ثَلَاثِينَ غَيْرَ نَاوِ الْحَالَ، هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَقَعُ حَيْثُ نَوَى الِاسْتِبْعَادَ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ السُّؤَالَ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَطَلْقُهَا الْكُلَّ، أُطَلِّقُهَا ثَلَاثِينَ. وَصِيغَةُ الْمُضَارِعُ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ، فَإِذَا
الجزء 1 · صفحة 82
نَوَاهُ فَقَدْ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ هُوَ مَجَازٌ فِي الاسْتِقْبَالِ فَهُوَ مُحْتَمَلُ، فَيَصْدُقُ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِبْعَادِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ، وَمِمَّا فِي (الْبَحْرِ، وَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيَّ) أَخَذْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَرَاجِعْهَا إِنْ شِئْتَ.
[إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ]
??? = سَئِلَ: فِي رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَةَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَاذَا عَلَيْهِ شَرْعًا بِذَلِكَ؟
أَجَابَ: أَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ فِي دِينِهِ فَقَدْ عَصَى رَبَّهُ كَمَا رَوَاهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ (مُصَنَّفِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِي) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا؟ قَالَ إِذًا قَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضي اللَّه عنهُ لِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ ثُمَّ يَرْكَبُ الْحَمُوقَةُ ثُمَّ يَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخرَجًا [الطلاق: (2)) وَأَنْتَ لَمْ تَتَّقِ اللهَ فَلَمْ أَجِدْ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَ قُطْنِي عَنْ مُجَاهِدٍ. انْتَهَى.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقِ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ جَزَمَتِ الْمُتُونُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ أَوْ بِكَلِمَةٍ؛ بِدْعِيٌّ (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) مَا لَمْ يَعْفُ الْمُهَيْمِنُ الْغَفَّارُ، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ فَقَدْ عَدِمَ أَهْلَهُ، وَحَلَّ مَا كَانَ بِذِمَّتِهِ مِنَ الْمَهْرِ الْمُؤَجَّلِ إِلَى حِينِ الْفُرَاقِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ لَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ: الْإِنْفَاقُ وَالْكِسْوَةُ، إِنْ طَالَتْ وَإِلَيْهَا احْتَاجَتْ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِ التَّزَوُّجُ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعِ سِوَاهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ مَعَهَا فِي أَمْتِعَةِ الْبَيْتِ فَجَمِيعُ مَا يَخُصُّهَا بِالصَّلَاحِيَّةِ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَصَّتْ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى طَرِيقِ الظَّنِّ]
(189) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ سُئِلَ عَنْ حِنْطَةٍ: كَمْ مِقْدَارُ أَمْدَادِهَا؟ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا مِائَةٌ وَعَشَرَةُ أَمْدَادٍ لَا أَزْيَدُ وَلَا أَنْقَصُ عَلَى طَرِيقِ الظَّنِّ، فَخَطَرَ لَهُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّيَقُنِ أَنَّهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فَقَالَ مُتَّصِلًا مِنْ غَيْرِ فَصْلِ: أَوْ وَعِشْرُونَ، وفِي نَفْسِ الْأَمْرِ هِيَ كَمَا رَدَّدَ، وَأَضْرَبَ ثَانِيَا فَهَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ أَوْ وَعِشْرُونَ مُبْطِلًا لِكَلَامِهِ الْأَوَّلِ وَمُلْغِيًا لَهُ، فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَلَا يَكُونُ لَا أَزْيَدُ وَلَا أَنْقَصُ مَانِعًا مِنِ اتصال قَوْلِهِ: أَوْ
الجزء 1 · صفحة 83
عِشْرُونَ بِقَوْلِهِ: أَنَّهَا مِائَةٌ وَعَشَرَةُ أَمْدَادٍ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَمْنَعُ الأَتصَالَ، فَكَأَنَّهُ حَلَفَ أَنَّهَا مِائَةٌ وَعَشَرَةُ أَمْدَادٍ وَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَبِمِثْلِهِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ فِي (الْبَحْرِ) فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوَّلًا. وَفِي شَرْحِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ أَبْرَأْتِينِي مِنْ مَهْرِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ]
(190) = سُئِلَ فِي رَجُل قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ أَبْرَأْتِينِي مِنْ مَهْرِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَأَبْرَأَتُهُ، فَقَالَ: رُوحِي طَالِقٌ، رُوحِي طَالِقٌ، رُوحِي طَالِقٌ. قَاصِدًا بِكُلِّ طَلْقَةٍ، هَلْ طُلْقَتْ ثَلَاثًا أَمْ وَاحِدَةً؟
(191) = وَهَلْ إِذَا قَصَدَ التَّأْكِيدَ وَأَرَادَ وَاحِدَةً وَصَدَقَ دِيَانَةٌ؛ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا جَبْرًا عَلَيْهَا أَمْ لَا؟
??? ج = أَجَابَ: حَيْثُ نَوَى التَّأْسِيسَ كَمَا ذَكَرَ؛ وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَنْوِ تَأْسِيسًا وَلَا تَأْكِيدًا.
(191) ج = وَإِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ؛ يَقَعُ طَلْقَتَيْنِ: وَاحِدَةٌ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْبَرَاءَةُ، وَأُخْرَى بِالتَّنْجِيزِ بَعْدَهُ. فَتَأَمَّلْ. و الله أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي إِنْ وُجِدَ؛ لَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى نِكَاحِهِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أعلم.
[إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَى مَا نَوَيْتُ]
(192) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَى مَا نَوَيْتُ. هَلْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ إِذْ هَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ الصَّرِيحِ وَلَا مِنَ الْكِنَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ بِسَبَبِ الْفَسْخِ]
(193) = سُئِلَ فِي امْرَأَةٍ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا قَاضٍ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ بَعْدَ الدُّخُولِ، بِسَبَبٍ جُذامٍ حَدَثَ بِهِ، وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا الْأَوَّلِ الَّذِي فُسِخَ نِكَاحُهُ مِنْهَا، وَلَهَا بِذِمَّتِهِ مَهْرٌ، هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ بِسَبَبِ الْفَسْخِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا يَسْقُطُ، وَلَهَا أَخُذُهُ مِنْ مِيرَاثهِ؟
أَجَابَ: لَا يَسْقُطُ، وَلَهَا أَخُذُهُ مِنْ مِيرَاثهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْفُرْقَةُ بِطَلَبِهَا؛ لِتَأْكُدِهِ بِالدُّخُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَسْخُ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا تَسْتَحِقُ بِهِ الْمَرْأَةُ نِصْفَ الْمَهْرِ]
الجزء 1 · صفحة 84
(194) = سُئِلَ: فِي امْرَأَةٍ طَلَبَتِ الْفُرْقَةَ مِنْ قَاضِ شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ، بِسَبَبٍ عُسْرِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ عَنِ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ، فَفَسَخَ الْقَاضِي النِّكَاحَ بِذَلِكَ السَّبَبِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى قَاعِدَةٍ مَذْهَبِهِ، هَلْ لَهَا مَعَ ذَلِكَ نِصْفُ مَهْرِهَا أَمْ لَيْسَ لَهَا شَيْءٌ؟ أَجَابَ: لَا مَهْرَ لَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[طَلَاقُ مَنْ يَفْعَلُ أَفْعَالَ الْمَجَانِينِ]
(195) = سُئِلَ: فِيمَا إِذَا كَانَ يَفْعَلُ أَفْعَالَ الْمَجَانِينِ فِي الْأَحَايينِ حَتَّى صَارَ إِلَى حَالَةٍ حَكَمَ الْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ بِحَبْسِهِ بِالْبيمارسْتَانِ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ جُنُونٌ، فَهَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ مَعْتُوهَا، فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَقَعُ طَلَاقُهُ أَمْ لَا يَقَعُ؟
أَجَابَ: إِنْ كَانَ حِينَ يُلَمُ بِهِ لَا يَسْتَقِيمُ كَلَامُهُ وَأَفْعَالُهُ إِلَّا نَادِرًا وَيَضْرِبُ وَيَشْتُمُ؛ فَالَّذِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْفَهْمِ مُخْتَلِفًا فَاسِدَ التَّدْبِيرِ، لَكِنْ لَا يَضْرِبُ وَلَا يَشْتُمُ فَهُوَ الْمَعْتُوهُ، وَعَلَى كُلِّ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ حَالَتَئذِ؛ إِذِ الْمُصَرَّحُ بِهِ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِ الْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمُبَرْسَمُ، وَالْمَدْهُوشِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمَصْرُوعِ فِي حَالِ نُزُولِ ذَلِكَ، وَلَوْ عُرِفَ بِهِ الْجُنُونُ مَرَّةً فَقَالَ: عَاوَدَنِي الْجُنُونُ، فَتَكَلَّمْتُ بِذَلِكَ وَأَنَا مَجْنُونٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْجُنُونِ مَرَّةً؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[طَلَاقُ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُبْرَسَمِ]
(196) = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ عُرِفَ بِالْجُنُونِ مَرَّةً طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا، وَاعْتَرَفَ لَدَى قاضِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا اعْتَرَفْتُ لِأَنِّي تَوَهَّمْتُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ فِي الْجُنُونِ هَلْ يُصَدِّقُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَجْنُونَ وَالْمُبَرْسَمَ فِي عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ سَوَاءٌ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَدْ:
(أ) قَالَ فِي (الْخَانِيَّةِ): لَوْ طَلَّقَ الْمُبَرْسَمُ امْرَأَتَهُ فَلَمَّا صَحَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي إِنْ رَدَّهُ إِلَى حَالَةِ الْبَرْسَامِ، وَقَالَ: قَدْ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي فِي حَالَةِ الْبَرْسَامِ. فَالطَّلَاقُ غَيْرُ وَاقِعِ، وَإِنْ لَمْ يَرْدَّهُ إِلَى حَالَةِ الْبَرْسَامِ؛ يَقَعُ قَضَاءٌ، قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِقْرَارُهُ بِذَلِكَ فِي حَالَةِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ. انْتَهَى.
هَكَذَا نَقَلَهُ فِي (الْبَحْرِ)) وَمِثْلُهُ فِي (جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ).
(ب) وَفِي (البَزَّازِية): طَلَّقَ الْمُبَرِّسَمُ، فَلَمَّا صَحَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ لِأَنِّي تَوَهَّمْتُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ فِي الْبَرْسَامِ، إِنْ كَانَ في ذِكْرِهِ وَحِكَايَتِهِ، صُدِّقَ، وَإِلَّا لَا، ثُمَّ ذَكَرَ
الجزء 1 · صفحة 85
فَرْعًا يَتَعَلَّقُ بِالصَّبِيَّ ثم قَالَ بَعْدَهُ وَأَفْتَى الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ فِيهِ وَغَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَرْسَامِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى غَيْرِ الْوَاقِعِ انتهى.
فَقَدْ عُلِمَ بِهَذِهِ النُّقُولِ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاء فِي وَاقِعَةِ الْحَالِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ وَحِكَايَتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى غَيْرِ الْوَاقِعِ، وَتَقَدُّمُهُ إِلَى الْقَاضِي وَاعْتِرَافُهُ بِهِ لَدَيْهِ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، هَذَا فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجُنُونِ؛ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ لَمْ تَلُمِّي بِنْتَكِ تَكُونِي طَالِقًا]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ لَمْ تَلُمِّي بِنتك وَتَحْفَظِيهَا عَنْ وُجُوه النَّاسِ تَكُونِي طَالِقًا. فَلَمَّتْهَا وَحَفِظَتْهَا جُهْدَهَا، وَصَارَتِ الْبِنْتُ تَخْرُجُ إِلَى الْمَحِلَّةِ أَحْيَانًا، هَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ عِنْدَ صِهْرِهِ سَمْنًا عَتِيقًا، وَصِهْرُهُ يُنْكِرُ]
??? = سُئِلَ: فِي رَجُل حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ عِنْدَ صِهْرِهِ سَمْنًا عَتِيقًا، وَصِهْرُهُ يُنْكِرُ ذَلِكَ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّهِ وَيَقَعُ الطَّلاقُ، أَمِ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَلَا يُصَدَّقُ صِهْرُهُ عَلَيْهِ؟ أَفْتُونَا وَلَكُمُ الثَّوَابُ.
أَجَابَ: لَا يُصَدَّقُ صِهْرُهُ فِي حَقِّهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ صَرِيحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَحْرِ، فَرَاجِعْهُ إِنْ شِئْتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: هِيَ طَالِقٌ هِيَ طَالِقٌ]
(199) = سُئِلَ: فِي رَجُل قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: هِيَ طَالِقٌ، هِيَ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. هَلْ يَقَعُ وَاحِدَةً أَمْ شِتَانِ؟
أَجَابَ: تَقَعُ وَاحِدَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَالَ لِغُلَامٍ خُذْ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ وَارْمِ بِهَا زَوْجَتِي وَلَمْ يَذْكُرِ الطَّلَاقَ]
الجزء 1 · صفحة 86
??? سُئِل: فِي رَجُل قَالَ لِغُلَامٍ عِنْدَهُ: خُذْ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ مِنَ الْأَرْضِ وَارْمِهَا لِزَوْجَتِي عَنِّي، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ لَفْظَ الطَّلَاقِ، هَلْ يَقَعُ عَلَى زَوْجَيْهِ بِهِ طَلَاقٌ أم لا؟
أَجَابَ: لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِذِ الْعَدَدُ إنما يُفيدُ الْعِلْمَ عُرْفًا وَشَرْعًا إِذَا اقْتَرَنَ بِالِاسْمِ الْمُبْهَمِ، وَلَا طَلَاقَ هُنَا مَلْفُوظٌ، فَكَانَ لَغْوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ضَاعَ نَعْلُ صَغِيرَتِهِ فَرَأَى نَعْلًا بِرِجْلِ غُلَامٍ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ نَعْلُ ابْنَتِهِ وَحَلَفَ أَبُوهُ أَنَّهُ نَعْلُ ابْنِهِ]
(201) = سُئِلَ: فِي رَجُلِ اشْتَرَى لِصَغِيرَتِهِ نَعْلًا فَضَاعَ، فَرَأَى نَعْلًا بِرِجْلِ صَغِيرٍ، فَقَالَ: هُوَ نَعْلُ بِنتِي فَأَنْكَرَ أَبُوهُ، فَحَلَفَ كُلُّ مِنْهُمَا بِالطَّلَاقِ أَنَّ النَّعْلَ نَعْلُ وَلَدِهِ، وَتَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ تَحَقَّقٍ، فَهَلْ يَقَعُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا الطَّلَاقُ أَمْ لَا يَقَعُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟
أَجَابَ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْحَالُ هَذِهِ، كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ عُلَمَاؤُنَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْفُرُوعِ الْمُشَابِهَةِ لِهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى غَيْبَتِهِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ بِلَا نَفَقَةٍ وَلَا مُنْفِقٍ]
(202) = سُئِلَ فِي رَجُلٍ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ الْغَيْرِ الْمَدْخُولَةِ عَلَى غَيْبَتِهِ عَنْهَا مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ بِلَا نَفَقَةٍ وَلَا مُنْفِقٍ، وَغَابَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِلَا نَفَقَةٍ وَلَا مُنْفِقٍ، فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: ذَكَرَ الْبَزَّازِيُّ وَالْعِمَادِيُّ وَصَاحِبُ الْفَيْضِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ، وَعَلَّلُوا بِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ غَائِبٌ عَنْهَا.
قَالَ فِي (جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ): وَالْحَقُّ فِي مِثْلِهِ أَنْ يُعْتَبَرَ الْعُرْفُ: (أ) فَلَوْ كَانَ عُرْفُهُمْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْغَيْبَةُ الْمُبْتَدَأَةُ؛ لَا يَحْنَث قَبْلَ الْبِنَاءِ.
(ب) وَلَوْ يُرَادُ بِهِ الْغَيْبَةُ الْمُطْلَقَةُ، يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ، وَلَوْ قَبْلَ الْبِنَاءِ انْتَهَى.
وَلَا شَكٍّ فِيمَا قَالَهُ، وَعُرْفُ بِلَادِنَا إِرَادَةُ الْغَيْبَةِ الْمُطْلَقَةِ فَيَحْنَث، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ بِتَزَوُّجِ فُلَانٍ بِفُلَانَةٍ]