الجزء 1 · صفحة 7
حصر المسائل وقصر الدلائل
تأليف
الْعَلَامَةِ الْمُحَدِّثِ
أبي حفص عمر بن مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ زِلْقَمَانَ النَّسَفِي الْحَنَفِي
المتوفى (537)
اعتنى به: لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
والله المستعان
الحمد لله الذي شرفنا بخدمة العلم وأهله، ورغبنا في طلبه وحمله والصلاة على رسوله المصطفى محمد وآله الذي جعله قدوة للعالمين، وأرسله رحمة للمؤمنين، وعلى آله وأصحابه بحار العلم وجباله.
قال الشيخ الإمام نجم الدين عمر بن محمد بن أ أحمد النسفي - غفر الله له ذنوبه ويصره عيوبه: ولما من الله عليّ بتشهيد تصانيف سارت في البلاد، وطارت في الأعواد والأنجاد، وراقت الكبراء والأمجاد، وكان فيها نظم الخلافيات مفردة عن النكات وأحب كبراء الزمان، وفرسان الميدان، أن أخرج لهذا الكتاب تلوّا لا يكون عن الدلائل خلوّا؛ تتميما للفائدة، وتعميما للعائدة، فتوخيت مسرتهم، وتحريت محبتهم، وشرعت فيه مستعينا بالله مستخيرًا، وكفى به هاديًا ونصيرا، وسميته بكتاب حصر المسائل وقصر المسائل، وهذا مشرع الكتاب، وفهرست الأبواب:
الباب الأول: قول أبي حنيفة على خلاف قول صاحبيه.
الباب الثاني: قول أبي يوسف على خلاف قول صاحبيه.
الباب الثالث: قول محمد على خلاف قول صاحبيه.
الباب الرابع: قول أبي حنيفة على خلاف قول أبي يوسف، ولا قول لمحمد.
الباب الخامس: قول أبي حنيفة على خلاف قول محمد، ولا قول لأبي يوسف.
الباب السادس: قول أبي يوسف على خلاف قول محمد، ولا قول لأبي حنيفة.
الباب السابع: ما تفرد كل واحد من أصحابنا الثلاثة فيه بقول على حدة.
الباب الثامن: ما قاله زفر خلافًا لقول أصحابنا الثلاثة.
الباب التاسع: ما قاله الشافعي خلافًا لقول أصحابنا - رحمهم الله.
الباب العاشر: جوابات مالك بن أنس رحمه لله.
وفي كل باب ذكر الكتب على ترتيب مختصر الكافي، والله الموفق لإتمامه والقابل والمكافئ.
باب قول أبي حنيفة على خلاف قول صاحبيه ـ رحمهم الله
الجزء 1 · صفحة 9
مسألة: قال أبو حنيفة رحمه الله: يكبر المقتدي مقارنا بالتكبير مع الإمام وتحقيقا للإتمام الذي أمر به النبي؛ لقوله: «إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه».
وقالا: يكبر بعد تكبير الإمام؛ لقوله في هذا الحديث: «فإذا كبر فكبروا»، والفاء للتعقيب
قلنا: وقد يكون للقرآن كما في قوله: «وإذا قرأ فأنصتوا».
مسألة: قال: ويكتفي الإمام بقوله: سمع الله لمن حمده إذا رفع رأسه من الركوع؛ لقوله: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده قولوا: ربنا لك الحمد، وهذه قسمة، وهي تقتضي قطع الشركة، كما في قوله: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).
وقالا: يجمع الإمام بينهما لِمَا روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد.
قلنا: ذاك في النقل.
مسألة، وإذا وضع أنفه على الأرض في السجود بدون الجبهة من غير عذر جاز، وقد أساء.
وقالا: لا يجوز، وروى أسد عنه مثل قولهما.
ووجههما قوله: «لا يقبل الله تعالى صلاة من لم يمس أنفه الأرض كما تمس بجبهته.
قلنا: ذاك دليل الكراهة، وقد قال النبي: أمرت أن أسجد على سبعة آراب اليدين والركبتين، والقدمين، والوجه، وأشار إلى الأنف»؛ ولأنهما عظم واحد، فبأي طرفيه وضع كفاه؛ ولهذا جاز عند العذر، فلو لم يكن الأنف عضوا يقام به هذا الركن لما جاز كوضع الخد والذقن.
ولو قرأ القرآن في الصلاة بالفارسية، أو افتتح الصلاة بذكر الله تعالى بالفارسية، أو تشهد فيها، أو خطب للجمعة بها جاز.
وقالا: لا يجوز إذا كان يحسن العربية.
أما القراءة فلأنه مأمور بقراءة القرآن، والله تعالى يقول: {إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَانَا عربيا} الزخرف:.
الجزء 1 · صفحة 10
قلنا: وقد قال أيضًا: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْتَهُ حُكْمًا عَرَبِيّاً) الرعد/، والحكم بالفارسي حكم به، فكذا القراءة، وهذا لأنَّ القرآن لا يتبدل بتبدل اللغات، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} الشعراء /، وقال: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى الأعلى) /.
مسألة: وإذا وجد الدجاجة في البئر، ولا يدري متى وقعت فيها وماتت، فإن كانت غير منتفخة حكم بنجاستها منذ يوم وليلة، وإن كانت منتفخة فمنذ ثلاثة أيام ولياليها.
وقالا: يحكم بنجاستها للحال؛ لوقوع الشك في نجاستها قبل هذا الزمان؛ لاحتمال وقوعها فيه الآن.
قلنا: عَمِلْنا بغالب الظنِّ احتياطا.
الأرواث كلها نجسة نجاسة غليظة، والزيادة على قدر الدرهم مانعة لإجماع الأمة على نجاستها، وعدم الضرورة في إصابتها؛ فإنّ التجافي عنها ممكن فصار كخرء الدجاجة، ونجو الكلب، ورجيع الآدمي.
وقالا: لا يمنع حتى يفحش و نجاستها خفيفة لعموم البلوى فيها، وامتلاء الطرق بها.
قال في خرء ما لا يؤكل لحمه من سباع الطيور كالبزاة والعقبان والنسور: نجاسته خفيفة، ولا يمنع حتى يفحش؛ لأنَّ فيه ضرورة، فإنها تذرق من الهواء فلا يتحامى عن ذلك.
وقالا: هي غليظة، وما زاد على قدر الدرهم مانع؛ لأنه لا تعم به البلوى؛ هذا تخريج الهندواني.
وقال الكرخي: هذا الخرء طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف كخرء ما يؤكل لحمه.
وقال محمد نجس نجاسة غليظة؛ لأنه مستحيل غيره طبع الحيوان إلى نتن وخبث ولا ضرورة فيه؛ لأنَّه لا تعم به البلوى بخلاف الروث.
ولو ترك المسح على الجبائر والمسح لا يضره لم يجز عندهما، ذكر ذلك وسكت عن قوله، فقيل: هو بالإجماع، والصحيح أنه قولهما على الخصوص؛ وإنما قالا ذلك؛ لأنَّ عليها الله كُسرت إحدى زنديه يوم أحد فأمره النبي بالمسح على الجبائر والأمر للوجوب.
الجزء 1 · صفحة 11
وله أنه سقط غسل ما تحته فيسقط أصلا كاليد المقطوعة، وليس كالرجل في الخُفَّ؛ لأنها لو بدت غسلت، وهذا إذا بدا لا يُغسل، وحديث علي الله ففي المكسور، وهناك إذا بدا غسل ولا كذلك المجروح، وفيه الاختلاف.
مسألة، ولا يجوز المسح على الجورب الذي هو غير منعل؛ لأنه لا يسافر فيه، فأشبه اللفافة.
وقالا: إذا كان ثخينا جاز لرواية المغيرة أنَّ النبي مسح على الجوربين.
قلنا: ذلك في المُنعلين.
مسألة: قال: خروج المُصلى من الصلاة فرض؛ لأنَّه أحد حدّي الصلاة فكان فرضًا كالآخر - وهو الافتتاح.
وقالا ليس بفرض لقوله صلى الله عليه و سلم لابن مسعود: (فقد تمت صلاتك).
قلنا: معناه أفعال صلاتك والتحلل فرض؛ لأنَّه من أفعالها، ويظهر ذلك في المسائل الاثني عشرية: طلوع الشمس في صلاة الفجر بعد ما قعد قدر التشهد، وخروج وقت الجمعة، ومضي يوم وليلة للمقيم الماسح على الخفين، ومضي ثلاثة أيام ولياليها للمسافر الماسح، وخروج وقت الصلاة لصاحب العذر، وتذكر فائتة، والعاري إذا وجد كسوة، والمتيمم إذا وجد الماء، والمُومى إذا قدر على قيام أو قعود، والأمي إذا تعلم سورة، والماسح على الجبائر إذا سقطت جبائره عن برء، وسقوط الخفٌ من غير تكلُّف أنَّ الصلاة تفسد في هذه المواضع عنده خلافاً لهما.
مسألة، وإذا شرع في صلاة العيد بالوضوء، ثم أحدث فيها فله أن يتيمم ويتم ويبني؛ لأنَّ الافتتاح بالتيمم جائز، فالبناء أولى؛ لأنَّ حكمه أسهل.
وقالا: لا يجوز؛ لأنه لا يخاف الفوت بخلاف المفتتح.
قلنا: هو يوم زحمة، فعسى أن تزول الشمس قبل وصوله إلى الماء فيفوته
مسألة، قال: الجُنب في المصر إذا لم يجد الماء جاز له التيمم لتحقق العجز.
وقالا: لا يجوز؛ لأنه نادر.
وقيل: هو اختلاف زمان لا برهان.
مسألة، قال في المحبوس في المخرج في المصر إذا لم يجد ماءً ولا تُرابا نظيفا أنَّه يُؤخر الصلاة إلى أن يجد ماء يُطهره.
الجزء 1 · صفحة 12
وقالا: يتشبه بالمصلين كالعاجز عن الصوم يتشبه بالصائمين. قلنا: إمساك بعض النهار قربة كما في غداة الأضحى، فأما الصلاة بغير طهارة فهي عبث.
وروى أبو حفص قول محمد مع قول أبي حنيفة؛ وما ذكرناه بدءًا فهو رواية عن أبي سليمان.
مسألة، قال: خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر بأن يصير ظل كل شيء مثليه عنده.
وقالا: مثله؛ لإمامة جبريل نبينا صلوات الله عليه في عصر اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله.
وله: أن جبريل أمه في ظهر اليوم الثاني حينئذ، والآخر ناسخ للأول.
مسألة: قال: ولا يَفْصل المُؤذِّن بين أذان المغرب وإقامتها بالجلوس؛ لأنَّ في تأخير المغرب وعيدا وفيه تأخير.
وقالا: يجلس بينهما جلسة خفيفة؛ لأنهما ذكر ان متجانسان متقدمان على صلاة الفرض؛ فيفصل بينهما بالجلوس كما في خُطبتي الجمعة.
قلنا: هذان متغايران هيئة فيقع الفصل بينهما بالسكوت، ولا كذلك الخطية
قال: ويكره الكلام عند أذان الخطبة وإقامتها عنده؛ لقوله: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام.
وقالا: لا بأس به لقوله: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
والشفق هو البياض عنده؛ وهو قول أبي بكر وعائشة ومعاذ وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز.
وقالا: هو الحمرة، وهو قول ابن عمر وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت.
ودليل أبي حنيفة: قول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي: لغروبها (إلى غَسَقِ الَّيلِ} الإسراء: أي: اجتماع ظلمته، وذاك بعد غيبوبة البياض.
مسألة، وسجود الشكر ليس بقربة عنده، بل يُكره؛ لأنه ركن واحد من الصلاة فلا يتنقل به وحده كالركوع.
وقالا: هو قُربة، قد روي أنَّ النبي كان يفعل ذلك، وذكر القاضي الإمام محمد بن أبي بكر الطوسي في كتابه الطبقات عن حميد، عن أنس؛ قال: كان إذا جاءه ما يَسُرُّه سجد الله شُكرًا.
الجزء 1 · صفحة 13
وعن جابر أنه كان إذا رأى المبتلى خرَّ ساجدًا، وإذا رأى القرد خر ساجدا، وإذا استيقظ من منامه خرَّ ساجدًا شكرا الله تعالى، وهو قول الشافعي.
قلنا: كان ذلك بدءًا، ثم نسخ لحديث النهي عن البتيراء، وهي ركعة واحدة، فما دونها أولى.
مسألة: الوتر، فرض أي عملا عنده لقوله: «أوتروا يا أهل الإيمان)؛ والأمر للإلزام.
وقالا: هو سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله تعالى فرض على عباده في كل يوم وليلة خمس صلوات.
قلنا: وقد قال: «إنَّ الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر، والزيادة من جنس المزيد عليه.
ويظهر الاختلاف فيما إذا تذكر في الفجر أنَّ عليه الوتر يبطل الفجر عنده - خلافا لهما - وفيما إذا صلَّى العشاء بغير وضوء ناسيا والوتر بوضوء، ثم ظهر ذلك أنَّه يُعيد العشاء وحده عنده.
وعندهما: يُعيد الوتر أيضًا.
مسألة والنفل أربعًا أربعًا أفضل عنده ليلا ونهارًا؛ لأنَّ أكثر السنن ونوافل النبي كذلك، ولأنه أدوم تحريمة؛ فكان أشق على البدن، وقد قال لعائشة: «إنما أجرك على قدر نصبك».
وقالا: بالليل مثنى مثنى أفضل؛ لقوله: صلاة الليل مثنى مثنى، وفي كل ركعتين يُسلّم.
قلنا: معناه شفعا غير وتر، وفي كل ركعتين يتشهد؛ سماه تسليمًا لِمَا فيه من السلامين، كما سُمِّي تشهدًا لِمَا فيه من الشهادتين.
مسألة، وإذا قهقه الإمام في موضع السلامِ فسدت صلاة المسبوقين عنده؛ لأنها تفسد الجزء الذي تلاقيه من صلاة الإمام فيمنع المسبوقين عن البناء، ولا بناء عن الإمام؛ فيخرج بفساد هذا الجزء من صلاته.
وقالا: لا تفسد صلاتهم؛ لأنه لا تفسد صلاة الإمام؛ فأشبه السلام والكلام.
قلنا: السلام متمم مُحلل، والكلام بمعناه، والقهقهة: ية مفسدة قاطعة. وإذا أم الأمي في الأميين والقارئين فصلاةُ الكلِّ فاسدة عنده؛ لأنهم تركوا القراءة مع القدرة عليها فتفسد صلاتهم، كما لو لم يقرأها وهم قارئون.
الجزء 1 · صفحة 14
ووجه ذلك: أنهم لو اقتدوا بقارئ منهم كانت قراءتُهُ قراءةً لهم
وقالا: صلاة الإمام ومن كان بمثل حاله جائزة؛ لأن الإمام معذور أم بمعذورين وغير معذورين، فأشبه إمامة العاري عُراة ولابسين، وإمامة صاحب الجرح أصحاب الجراح والسالمين.
قلنا: لباس الإمام لا يكون لباسًا للمُقتدين، وكذلك صحته لا تصير صحة لهم بخلاف القراءة.
مسألة، وإذا قرأ الإمام أو المنفرد من المصحف فسدت صلاته عنده؛ لأنَّه تلقن من المُصحفِ فسار كتلقيه من إنسان.
وقالا: يجوز؛ لأنَّ عائشة أمرت ذكوان بالإمامة في رمضان، وكان يقرأ من المصحف.
قلنا: معناه أنَّه كان ينظر في المصحف خارج الصلاة فيحفظ آيات، ثم يقومُ فيُصلِّي شفعًا، ثم ينظرُ فيصلي شفعًا آخر، يدلُّ عليه أنهما قالا: إنَّه مكروه؛ لأنَّه صنع أهل الكتاب، ولا يُظنُّ بعائشة أنها ترضى بالمكروه.
مسألة، ويُكرَهُ عد الآي والتسبيحات بالأصابع في الصلاةِ؛ لأنَّه اشتغال بما لا يعنيه وإزالة اليد عن موضع السنة فيه.
وقالا لا يكره؛ لقول النبي لأولئك النسوة: «أعددتها بالأنامل، فإنَّهنَّ مسؤولات مستنطقات يوم القيامة.
قلنا: ليس في الخبر أنَّ ذلك كان في الصلاة
مسألة: في المُتنفّل إذا شرع قائما ثم قعد من غير عُذر جاز عنده؛ لأن الافتتاح كذلك جائز، وحكم البناء أسهل.
وقالا: لا يجوز؛ لأنَّ الشُّروع ملزم، وقد شَرع قائما فصار كالنَّذر.
وقلنا: الشُّروع مُلزم لِمَا تقتضيه التحريمةُ، وتحريمة النفل لا تقتضي القيام، فأمَّا النَّذر بالصلاةِ قائمًا فالتزام له نصَّا فأشبه النذر بالحج ماشيا، أنَّه مُلزم للمشي؛ حتى لو تركه لزمه الدم، ولا كذلك الشروع فيه ماشيا، فإنَّه لو تركه لم يلزمه شيء.
مسألة في الإمام إ ذا حصرعن القراءة فله أن يستخلف غيره لتحقق العجز، فصار كسبق الحدث.
وقالا: لا يجوز، لأنَّه يندر، ولا يغلب.
قلنا: إذا وقع فلا بد من مخلص
الجزء 1 · صفحة 15
مسألة: ولو قرأ في الصلاةِ آيةً قصيرة جاز عنده؛ لقوله تعالى: (فَأَقْرَهُوا مَا تيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ} المزمل: من غير اشتراط التطويل.
وقالا: لا يجوز إلا أن تكون آية طويلة أو ثلاث آيات قصار؛ لأنَّه لا يُسمى قارناً بهذا القدر، فلا يُكتفى به اعتبارًا بما دون الآية.
قلنا: ما دون الآية لا يتعلق به حكم القراءة؛ فإنَّ الجُنب والحائض لا يمنعان عن قراءته، ولا كذلك الآية.
مسألة، وإذا فاتته مكتوبة فصلى بعدها صلوات يوم وليلة وهو ذاكر لذلك، فعليه أن يقضي المتروكة لا غير عنده؛ لأنَّ الترتيب يَسْقُط بكثرة الفوائت، والكثرة بها يثبت، فإذا ثَبَتَ بوجود الأخيرة استندت إلى أوَّلِها، فيثبت سقوط الترتيب الذي هو حكمها كما قلنا في مرض الموت.
وقالا: يقضيها ويعيد خمسًا بعدها؛ لأنَّه أدَّى الخمس عند قِلَّةِ الفائتة ففسدت.
قلنا: لا، بل توقف حكمها لاحتمال حصول الكثرة، كما يتوقف ظهر الصحيحِ المُقيم يوم الجمعة لاحتمال شهود الجمعة.
مسألة، ولو فاته ظهر من يوم وعصر من يوم، ولم يدر أيهما الأول، وتحرى فلم يقع تحرّيه على شيءٍ صلَّى الظهر، ثم العصر، ثم أعاد الظهر، فإن كان ترك الظهر أولا فالظهر الثاني يقع، نفلا، وإن كان ترك العصر أولا فالظهر الأولى تقع نفلا، وتحصل مراعاة الترتيب يقينًا.
وقالا عليه ظهر وعصر لا غير؛ لأنَّ الفائت صلاتان فلا يُؤمر بالثلاث ويسقط الترتيب بالعجز، كما في النسيان.
مسألة، وإذا صلَّى في السفينة قاعِدًا وهي تجري وهو يقدر على القيام جاز عنده؛ لأنَّ الغالب فيه دوران الرأس؛ والغالب كالمتحقق.
وقالا: لا يجوز؛ لأنه ترك فرضًا وهو قادر عليه.
وقلنا: ألحقناه بالعاجز اعتبارًا للغالب.
مسألة، وإذا تلا آية السجدة بالفارسية وسمعها غيره لزمته سجدة التلاوة عنده؛ علم بها السامِعُ أو لم يعلم؛ لأنَّه قرآن على الإطلاق عنده، حتى أجاز هذه القراءة لمن يُحسن العربية، ولمن لا يُحسنها، فأشبه القراءة بالعربية.
الجزء 1 · صفحة 16
وعندهما: إن علم بها وجب، وإلا فلا؛ لأنَّه قرآن من وجه عندهما، حتى قالا: يجوز ممن لا يحسن العربية لا غير، فإن علم بها وجب، وإلا فلا.
مسألة في المرأة إذا رأت في أيامها ما لا يكون حيضًا، أي: يوما أو يومين قبل أيامها كذلك، وبالجمع يتم ثلاثاً فالحال موقوف؛ فإن رأت في الشهر الثاني مثله فهذا والأول حيض، وإلا فهو استحاضة عنده؛ لأن المَرْنِي في أَيَّامِها ليس بنصاب ليُستتبع ما قبله، ولا وجه لنقض العادةِ إلَّا بالإعادة. وقالا: المجموع حيض؛ لأنَّ ما رأت في أيامها أصل وإن قل فيستتبع ما قبله؛ ولأنَّ أبا يُوسف يرى نقض العادةِ بمرَّة، ومحمد يرى الإبدال إذا أمكن. مسألة، وفي النفساء إذا طهرت في الأربعين، ثم رأت في آخر أربعين دما فكله نفاس عنده كالطهر في العشرة في الحيض.
وقالا: إذا كان الطُّهر خمسة عشر يوما فصل، وما بعده حيض؛ لأنَّه طُهر تام.
مسألة، وإذا خطب للجمعة بتحميد أو تسبيح أو تهليل أو تكبير كفى؛ لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللهِ} الجمعة: قالوا أراد به الخطبة، وهذا ذكر لحديث عثمان، وهو كالإجماع.
وقالا لا يجوز، إلا أن يكون كلامًا يُسمَّى خُطبة؛ لأنَّه هو المأثور المتوارث.
قلنا: ذاك المُستَحب، فأمَّا المنصوص والمجمع عليه فما قلناه. مسألة، في الصحيح المُقيم وغيره إذا صلَّى الظهر في بيته ثم خرج يُريد الجمعة بطل ظهره عنده، فيعيدها إذا لم يدرك الجمعة؛ لأنَّه اشتغل بما هو من خصائص الجمعة - وهو السَّعي إليها - فانتقض بذلك ظهره؛ كما لو شرع فيها.
وقالا: لا يبطل إذا لم يدرك الجمعة؛ لأنَّ البطلان بالمعارضة وهي بوجودها، ولم يوجد، فصار كخروجه بعد فراغ الإمام.
قلنا: الاشتغال بما هو من خصائصها كإدراكها في حق المُعارضة د والمناقضة.
مسألة: وإذا نفر الناس قبل أن يُقيد الإمام ركعة بسجدة لم يُجمع؛ فإن كان بعد ذلك جمع، وقال: إذا نفروا بعد شروعه فيها جمع.
الجزء 1 · صفحة 17
وقال زفر: إذا نفروا قبل قعوده قدر التشهد لم يُجمع؛ لأنَّ الجماعة شرط الأداء؛ فيُشترط دوامها كالوقت.
وقالا: هي شرط الشروع دون الأداء؛ لأن حاجة الإمام إلى الجماعة كحاجة الجماعة إلى الإمام حتى لم تصح جمعة أحد الفريقين بدون الآخر، والإمام شرط العقد لهم لا شرط الأداء، حتى لو اقتدوا في القعدة كفى لصحة الاقتداء، فكذا الجماعة يكون شرطا العقد للإمام.
وقال أبو حنيفة: هي شرط العقد دون الأداء، لكن الجماعة شاركوا الإمام قصدا؛ فلا حاجة إلى مؤكد، والإمام لم يُشارك الجماعة قصدًا؛ فإنَّه شرع وما شرعوا بعده، فالآن ثبتت المشاركة حكمًا، فلا بُدَّ مِن مؤكِّد وهو المشاركة في ركعة تقيده بالسجود؛ ونظيره مُصلّي الظهر إذا قام إلى الخامسة قصدا للتنفل خرج من الظهر للحالِ، فإذا قام إليها غير قاصد للنفل لم يتنقل عن الفَرْض ما لم يقيد بالسجدة.
مسألة، ولا جمعة على الأعمى وإن وجد قائدًا عنده؛ لأنه عاجز بنفسه، فلا يُجعل قادرًا بغيره لاحتمال أن يمتنع مَن يُعينه عن الإعانة في الطَّريقِ.
وقالا يلزمه إذا وجد قائدًا لأنَّه استطاع إليه سبيلا.
وجوابه ما مر، والحج على هذا الاختلاف.
مسألة، والنسوان لا يحضرن الجماعات اليوم والعجائز لهنَّ الخروج في الجمعة والعيدين وشهود الجماعة في العشاء والفجر دون الظهر والعصر والمغرب عنده؛ لأنَّ الغلبة لأهل الصلاح في الجمعة والعيدين فلا تقعُ فتنة، وفي العشاء نام الفُسَّاقُ، وفي الفجر لم يخرجوا بعد، فأما في الظهر والعصر والمغرب فيتوهم الفتنة.
وقالا لهن شهود كل الصلوات استشهادًا بالمُتفق عليه، والفرق ما قلنا. مسألة، ويُكبر للتشريق من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم النحر وهي ثماني صلوات عنده؛ لأنه أقل ما قيل فيه - وهي متيقن - والأصل في الأذكار ترك الجهر بها إلا ما ورد به الإطلاق، فلا يزاد على هذا بالشك.
الجزء 1 · صفحة 18
وقالا من فجر عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهي ثلاث وعشرون صلاة، وهي أكثر ما قيل فيه أخذا بالاحتياط في زيادة العبادة.
مسألة قال وشرائطها المصر وأداء المقيمين المكتوبة بجماعة مستحبة لقوله الا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، وإذا شرط المصر شرط سائرها، كما في الجمعة.
وقالا: هي على كل مَن يُصلِّي مكتوبة؛ لأنها شرعت عقيبها. مسألة، وإذا استشهد الصبي والمجنون غُسل عنده؛ لأنَّ الشهادة صفة مدح يستحقها الإنسان بفعله فلا يكون غير المخاطبين من أ أهله كالعدالة. وقالا: لا يُغسل كالعاقل البالغ، والفرق ما قلن.
مسألة: قال في المقتول بالمُثقل عَمْدًا: إنَّه يُغسل عنده؛ لأنَّه لا يُوجب القصاص عنده، بل يُوجب المال، فصار كقتل الخطأ.
وقالا: لا يُغسل؛ لأنَّه يوجب القصاص عندهما فأشبه القتل بالسيف.
مسألة: الجنب إذا قتل غُسل عنده؛ لأنَّ حنظلة بن عامر استشهد يوم أحد فغسلته الملائكة، وكان ذلك تعليما للبشر؛ ولأنَّ الشهادة تمنع وجوب الغسل، ولا يسقط الغسل الواجب كالنجاسة العينية.
وقالا: لا يُغسل؛ لأن السيف محاء للذنوب كما رُوي
قلنا: هو محاء للذنوب ومانع حدوث النجاسة، لكنه غير رافع للنجاسة الثابتة كما في النجاسة الحقيقية، والله أعلم بالصوا ب.
كتاب الزكاة
مسألة قال: ولا تُضَم أثمان الإبل المُزكَّاة إلى ما عنده من الدراهم والدنانير أو مال التجارة؛ لقوله صلى عليه و سلم: «لا ثنا في الصدقة)، وفي الضم ثنا لاتحاد المال والحول.
وقالا: يُضم لأنها من جنسها، فصار كثمن الطعام المعشور و العبد المؤدى عنه صدقة فطره.
وقلنا: العشر لا يتعلّق بالحول، وصدقة الفطر لا تتعلق بالمال ولا ثنا.
مسألة، وأقل نصاب في البقر ثلاثون، ففيها تبيع أو تبيعة، وهي التي جاوزت حَوْلاً، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين فيجب فيها مُسنٌ أو مُسنَّةٌ - وهي التي جاوزت حَوْلَين - لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر مُعاذا بأخذ ذلك.
الجزء 1 · صفحة 19
وفي الزيادة على أربعين عن أبي حنيفة ثلاث روايات، قال في الأصل): في الزيادة بحسابها، وفي كل واحدٍ جُزء من ثلاثين جزءا من تبيع، أو جُزء من أربعين جزءًا مِن مُسِنَّةٍ إلى أن يصير ستين ففيها تبيعان، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} التوبة:؛ والزيادة مالٌ، وما دون النصاب في نفي الزكاة عنه نص وإجماع، وبين كل عقدين من ستين إلى ما فوقها وَقَصٌ بِالنَّص والإجماع أيضًا، ولا نص ولا إجماع من أربعين إلى ستين فيجب مراعاة هذه الأعداد بإيجاب هذه الأجزاء.
وروى الحسن عنه أنه لا شيء في الزيادة حتى يصير خمسين؛ فيجب فيها مع المُسِنَّةَ رُبع مُسنَّة أو ثلث تبيعة؛ لأنَّ ما بين الثلاثين والأربعين وَقَص، وفي العقد فرض، وكذلك من ستين إلى ما فوقها؛ فكذا ما بينهما، وقد قال النبي المعاذ: «لا تأخذ صدقة البقر ما بين الأربعين إلى الخمسين، وما بين الخمسين إلى ستين، فجعل الخمسين. حدا كالستين.
وروى أسد بن عمرو عنه أنَّه قال: لا شيء عليه، لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، وهذا قولهما؛ لأنَّه لو وجب في الخمسين شيء كان ثلث تبيعة أو ربع مسن، وإيجاب الكسور خلاف الأصول، بخلاف الستين فما فوقها.
مسألة: وقال فيمَن تَزوج امرأة على إبل سائمة بأعيانها فقَبَضَتْها بعد تمام الحول؛ فلا زكاة عليها - وهو قوله الآخر - لأنَّ ملكها فيها واه، فإنَّه يبطل بردتها، وبمطاوعتها ابن زوجها، ويتنصف بطلاقه قبل الدخول.
وقالا - وهو قوله الأول -: عليها زكاتها لأنها ملكتها ملكًا تاما حتى ملكت التصرُّفَ فيها قبل القبض، فصارت كالموروثة.
قلنا: لا وَهَاء في ملك الموروث، وفي هذا وهاء.
مسألة، والخيل إذا كانت غير سائمة أو هي سائمةٌ ذُكور فلا شيء فيها بالإجماع؛ فإن كانت ذكورًا وإناثًا فكذا عندهما.
الجزء 1 · صفحة 20
وقال أبو حنيفة وزفر: إن شاء أدَّى عن كل فرس دينارًا أو عشرة دراهم وإن شاء قومها، واعتبر ذلك بنصاب الذهب والفضة، وإن كانت كله إناثًا فقد روى الكرخي عنه الوجوب فيها؛ لإمكان تحصيل النَّسْل منها بالمستعار من الفَحْل، وروى الطحاوي عنه أنَّه لا شيء فيها؛ لأنها لا تتناسل بأنفسها.
لهما قول النبي: اليس في الخيل والرقيق صدقة».
ولأبي حنيفة ما روى الكرخي في جامعه الصغير» بإسناده عن ابن مسعود: «أن النبي أوجب في كل فرس دينارًا»، وعن عمر مثل مذهبنا، وحديث نفي الصدقة محمول على غير السائمة، وعلى الذكور وحدها، أو معناه: لا صدقة فيها من عَيْنها، أو لا صدقة فيها يأخذها السلطان
مسألة، ولا زكاة فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين؛ فيجب فيها درهم، ولا فيما زاد على عشرين مثقالاً من ذهب حتى يبلغ أربعة مثاقيل؛ لقوله صلى الله عليه و سلم: «ليس فيما دون أربعين درهم صدقة، وقوله لمعاذ: «لا تأخذ من الكسور شيئًا».
وقالا - وهو قول الشافعي -: يجب فيما زاد بِقَدْره قَل أو كَثُر؛ لقوله: في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وفي الزيادة بحساب ذلك.
قلنا: يُقدر الزيادة بما قلنا بدليل ما روينا، ولأنَّ الإيجاب في الكسور إيجاب ما لا يُعرَف، ولا يُقدر على أدائه؛ فإنَّ في مائتين وسبعة إذا مضت عليها سنتان للسنة الأولى خمسة دراهم وسبعة أجزاء من أربعين جزءا من درهم، وفي السنة الثانية زكاة مائتين ودرهم وثلاثة وثلاثون جزءًا من أربعين جزءا من درهم؛ وهذا لا يُعرف.
مسألة، وإذا كان له فضة لا تبلغ نصابًا مِن الذَّهب كذلك، وبالضَّمِّ يصيرانِ نصابًا؛ لم يُضمَّا عند الشافعي، وهو القياس كما في الإبل والبقر والغنم.
الجزء 1 · صفحة 21
وعندهما يُضمُّ باعتبارِ الأجزاء حتى لو كان أحدهما ثلث النصابِ فلا بُدَّ من أن يكون الآخر ثلثي النصاب، ولو كان أحدهما ربعًا يُشترط أن يكون الآخر ثلاثة أرباع، وكذا النصف وسائر الأجزاء اعتبارًا بالمعز والضأن في أنَّ كمال العدد شرط وهو أربعون.
وعند أبي حنيفة يضم بالقيمة؛ فتجب الزكاة في عشرة دنانير وخمسين درهما إذا كانت قيمة الدنانير مائة وخمسين درهما، أو قيمة الدراهم عشرة دنانير، وكذا ما أشبهه؛ لأنَّ الضم يوصف أنها قيم الأشياء؛ فوجب التتميم بالتقويم كعروض التجارة.
وقال: الديون على ثلاث مراتب عنده:
قوي: كالقَرْضِ، وغلة، وبدل مال التجارة؛ وفيها الزكاة، وإنما يُخاطب بالأداء إذا قبض أربعين منها، وكذا فيما زاد.
ووسط كبدل مال لم يكن للتجارة، وغلة مال هو كذلك، ويُخاطب بالأداء عند قبض مائتين منها.
وضعيف كبدل ما ليس بمال وهو المهر، وبدل الخُلعِ والقصاص والكتابة والسعاية؛ ويُخاطب بأداء زكاته إذا قبض مائتين، وحال عليه الحول بعد القبض.
وقيل: هي عنده على أربع مراتب، والرابع: الميراث والوصية.
فإذا صار له ذلك وقبضه بعد حولٍ، ففي رواية كتاب الزكاة هو كالدين الوسط، وفي نوادر الزكاة: هو كالدِّين الضعيف.
وقالا في الديون كلها يُخاطب بأداء قدر ما قبض قل أو كثر إلَّا الكتابة والدية قبل الحكم بها، ففي ذلك وجوب الأداء إذا حال الحول بعد قبض النصابِ.
والكرخي ألحق الوسط بالضعيف على قول أبي حنيفة، فصارت على مرتبتين.
فدليلهما: أنَّ عين الدين ملحق بالعَيْن حكمًا، لكن ليس في يديه، فإذا صار شيء منه في يديه خوطب بأداء زكاته كما في مال الغائب.
ودليل أبي حنيفة: أنَّه كالعين حكمًا لا حقيقة لكونه معدوما؛ وإنما جعل مالاً لحاجة الناس إليه في المعاقدات، فيُعتبر ببدله أنَّه مال أو ليس بمال، وهو للتجارة أو ليس لها.
فأمَّا التَّقدير بأربعين فهو فرع ما مرَّ في الزَّائِدِ على النصاب.
الجزء 1 · صفحة 22
مسألة: وإذا مر التاجر على العاشر بالرّطاب لم يأخذ منه الزكاة عنده. وقالا يأخذ لأنها مال التجارة، وقد صار في حماية الإمام فصارت كغيرها. وله: قوله: «اليس في الخضراوات صدقة)، أي زكاة يأخذها الإمام، لكن يؤديها بنفسه إلى الفقراء.
وقال: يجب العشر في كل خارج سواء كان يبقى أو لا يبقى؛ قل أو كثر؛ لعموم قوله: «ما سقته السماء ففيه العشر، وما سُقي بغرب أو دالية أو سانية ففيه نصف العشره.
وقالا: لا عُشر فيما لا يبقى؛ لقوله: «ليس في الخضراوات صدقة.
قلنا: معناه: ليس فيها زكاة يأخذها العاشر إذا مرَّ بها عليه التاجر.
وقالا أيضًا: لا عشر في أقل من خمسة أو سق؛ لقوله: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، ولأنه قربة فيُشترط لها النصاب كالزكاة.
قلنا: الخبر محمول على الزكاة في مال التجارة، وكان ما دونها لا تبلغ قيمته مائتي درهم يومئذ وليس كالزكاة؛ لأنَّ اشتراط النصاب فيها لثبوت الغنى – وهو شرط - وههنا لا يُشترط المالك متصفا بالغنى.
مسألة، ولو وَكَّل رجلا بأداء زكاة المال، وسلَّم ماله إليه، ثُمَّ رَكَّى بنفسه، ثُمَّ أدى الوكيل أو أمر أحد الشريكين صاحبه بأداء زكاة المال المشترك بينهما، ثُمَّ أدى بنفسه زكاة حصته، ثُمَّ أدَّى الآخر؛ ضَمِن المُؤدِّي عنده، علم بأداء الموكل أو لم يعلم؛ لأنه أمر بأداء الزكاة، وحين زكَّى الأمر ثُمَّ أَدَّى المأمور لم يکن ذلك أداء الزكاة فضمن.
وقالا: لا يضمن؛ لأنَّه أمر بتمليك المال من الفقير وقد فعل.
قلنا: بلى، ولكن بطريق الزكاة
مسألة، وإذا وجد معدن في دار مملوكة فكله لمالكها عنده؛ لأنَّ الدور ملكت في الأصل على قطع الحقوق عنها.
وقالا: فيه الخمس؛ لقوله: وفي الركاز الخمس.
قلنا: هو محمول على الموجود فيما لم يملك، ولو وجده في أرض مملوكة، فكذلك عنده في رواية كتاب الزكاة، وقال في «الجامع الصغير): يجب فيه الخُمس؛ لأنَّ الأرض فيها حق وهو العُشر والخراج.
الجزء 1 · صفحة 23
ووجه الأوّل: أنَّه لا حق في الأرض أيضًا إلا العشر والخراج.
مسألة، وإذا أجر أرضه العشرية فعُشرها على المؤاجر عنده؛ لأنَّ الخراج له معنى فقد أخذ بدله، وهو الأجر.
وقالا: هو على المُستأجر؛ لأنَّ وجوبه في الخارج وهو له حقيقة، وجوابه ما قلنا في المزارعة، وهو في الخارج على الحصة عندهما لهذا.
وعنده - على قول مَن يُجيز المزارعة - عُشر حِصّة المزارع على رب الأرض لما مر.
مسألة، ولا يجوز للمرأة أن تدفع زكاة مالها إلى زوجها عنده؛ لأنَّ المنافع
بينهما متصلة؛ ولهذا لم تُقبل شهادة أحدهما للآخر، فلم يتحقق الدفع. وقالا يجوز، لقوله الزينب امرأة عبد الله بن مسعود حين سألته عن التَّصدق على زوجها: «لك أجران أجر الصلة وأجر الصدقة.
قلنا: كانت تلك صدقة نفل؛ لأنها لم تكن غنية.
مسألة، ومن كان له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائنا درهم؛ فإن شاء أدى خمسة دراهم، وإن شاء أدَّى خمسة أقفزة، فإن ازداد الشعر أو انتقص بعد الحول، فإن أدَّى من عينه أدَّى خمسة أقفزة، وإن أدَّى القيمة، فعندهما: يُعتبر قيمته عند الأداء؛ لأنَّه مُخَيَّر بين أداء العين وبين أداء القيمة، فيُعتبر قيمته حين يختار.
وقال أبو حنيفة: يُعتبر قيمته يوم تمام الحول؛ لأنَّ الواجب حينئذ أداء القيمة دون العين؛ لأنه يتضرّر بوجوب تمليك بعضه إذا كان عينًا واحدةً كالجارية ونحوها، ولهذا لم يجب في خمس من الإبل تمليك بعضها، وإذا وجبت القيمة حينئذ لم تتغير بتغير السعر بعده؛ لكن مع هذا تُملَّك تمليك جزء منه أيضًا لرضاه بالضَّرر.
مسألة، ولو كانت الزيادة والنقصان في العين بالجفاف والبلل ونحوهما؛ فإن أدى من عينه أدَّى خمسة أقفزة، وإن أدَّى القيمة اعتبرت قيمته عند حَوَلانِ الحول في الزيادة، ويوم الأداء في النقصان بالإجماع؛ لأن الزيادة مستفادة بعد الحول ولا زكاة فيها، والنقصان فوت بعض النصاب فيفوتُ بزكاته.
الجزء 1 · صفحة 24
مسألة، ومن أحيى أرضًا ميتةً بغير إذن الإمام لم يملكها عنده؛ لأنها لعامة أهل الدار فلا يملكها أحد إلا بتمليك، ولا يخص بها أحد إلا بتخصيص من هو نائب عنهم.
وقالا: يملكها لقوله: «من أحيى أرضًا ميتة فهي له».
قلنا: كان هذا إذنًا لقوم لا نصباً لشرع.
مسألة، وللفارس من الغزاة سهمان عنده، وعندهما: ثلاثة أسهم لما روي أن النبي أعطى الزبير بن العوام خمسة أسهم، سهما لقرابته، وسهما لابنه، وسهما له، وسهمين لفرسه.
كتاب الصوم
مسألة، إذا صام رمضان المسافر بنية واجب آخر، فهو عن رمضان عندهما؛ لأنَّ الإفطار رخصة، وقد تركها فالتحق بالمقيم، ويكون عما يؤدي عند أبي حنيفة؛ لأنَّ له ألا يصومه فله أن يصرفه إلى الأهم، وهو ما نواه؛ لأنه قد تقرر، فأما صوم الشهر فتقرره بإدراك العدة، فإن صامه عن النفل فهو عن رمضان في أصح الروايتين عنه؛ لأن الأهم هذا.
مسألة: الصائم إذا داوى الجائفة والأمة بدواء، ووصل إلى الجوف فسد صومه عنده لوصول الغذاء إلى جوفه في حال صومه وهو ذاكر له، فأشبه الأكل. وقالا: لا يفسد؛ لأنَّه لم يصل إليه من منفذ أصلي فأشبه الطعن برمح، ووصل سنانه إلى جوفه.
قلنا: إذا انفصل السنان أفطر.
مسألة: إذا أصبح في شهر رمضان ناويًا الفطر، ثم نوى الصوم قبل الزوال، ثم أفطر متعمدا، فلا كفارة عليه عنده؛ لأنَّ الإفطار ناقص لتمكن الشبهة فيه، فإنَّه غير صائم عند بعض أهل العلم.
وقالا عليه الكفارة؛ لأنَّه إفطار كامل فإن صومه صوم عندنا.
وقلنا: الاختلاف أورث الشبهة.
مسألة، ولو أكل ناسيا فظن أنه أفطر فأكل متعمدا، فلا كفارة عليه بالإجماع للشبهة، فإن علم أنَّه لم يفطر ومع ذلك أكل متعمدا، فلا كفارة عليه عنده؛ لأنه أفطر بالأول قياسًا، فصار شبهة في الثاني فأوجب قصورًا.
وقالا عليه الكفارة؛ لأنَّه لما علم أنه لم يفطر لم يشتبه عليه الحال، فلم يصر شبهة.
وقلنا: شبهة الدليل فوق شبهة الاشتباه.
الجزء 1 · صفحة 25
مسألة: عبد بين اثنين فليس عليهما شيء من صدقة فطره عنده؛ لأنه لا يرى قسمة الرقيق للتفاوت الذي لا يمكن تعديله، فلم يتم لأحدهما نصاب. وقالا على كل واحد منهما بحصته من الرؤوس دون الأشقاص؛ لأنهما يريان قسمة الرقيق؛ لأنه حيوان، فأشبه الإبل والبقر والغنم.
قلنا: التعديل ثمة ممكن للتقارب.
مسألة، وصدقة الفطر من الزبيب نصف صاع عنده في رواية؛ لأنه يؤكل كله، فأشبه الحنطة بخلاف الشعير؛ لأنَّه تُلقى نخالته، ويؤكل ليه بخلاف التمر؛ لأنه يلقى نواه، ويؤكل ما سواه.
وقالا صاع، وهو قوله في رواية؛ لأنَّه لا يتغذى به مرة، ويتفكه به أخرى؛ فأشبه التمر بخلاف الحنطة.
مسألة: المعتكف إذا خرج من غير حاجة فسد اعتكافه عنده و، وإن قل؛ لأنَّ الاعتكاف هو الإقامة، والخروج نقيضها فينقضها.
وقالا: ما لم يكن أكثر النهار لا يفسده دفعًا للحرج.
وقلنا: الحرج فيما يضطر إليه، وقد أعذرناه في ذلك، وهو الخروج إلى
التطهير وإلى الجمعة، والله أعلم.
كتاب المناسك
مسألة: لا حج على الأعمى عنده لما مر في الجمعة.
مسألة: قال: المجاورة في المسجد الحرام تكره عنده؛ لأنه تقل الحرمة عند كثرة المشاهدة.
وقالا: لا تكره لقوله تعالى: {أن طَهَرا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْعَتَكِفِينَ} البقرة:، وفي ذلك رفع سيئاتهم.
قلنا: العكوف نفس المقام دون الدوام، ويندب إلى طول المكث إجلالاً دون الملازمة المؤثرة إملالًا.
مسألة ولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفات إلا بوجود إحرام) الحج والجماعة فيهما جميعًا عنده، حتى لو صلى الظهر وحده أو كان فيها غير محرم بالحج لم يصل العصر إلا في وقت العصر عنده؛ لأنَّ تعجيل الصلاة قبل وقتها معدول به عن القياس، فلا يعدو مورد النص، والنص ما ورد به إلا عند اجتماع هذين الشرطين.
الجزء 1 · صفحة 26
وقال زفر: يُشترط الإحرام والجماعة في العصر وحدها؛ لأنَّ التغيير وقع فيها لا غير، فإنَّ الظهر في وقتها، فيشترط ذلك في العصر وحدها لا غير. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يُشترط الجماعة لا فيها ولا في العصر، ويُشترط الإحرام للحج في العصر وحدها؛ لأن جواز تعجيل العصر للتفرغ للوقوف، والحاج المنفرد يحتاج إليه، فيجوز له ذلك.
وقلنا الصلاة لا تمنعه عن الوقوف فلم يستقم هذا.
مسألة، والتَّمتُّع أفضل من الإفراد بالإجماع عند أصحابنا في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة أنَّ الإفراد أفضل من التَّمتَّع؛ لأنَّ المُتمتع يقع كل سفره للعمرة، والمفرد يقع سفره للحجة فكان أولى.
ووجه الظاهر أنه جمع بين القُربتين فكان أولى من الإفراد كالقرآن والعمرة وإن قدمت أفعالها لم يكن السفر واقِعا لها؛ لأنَّها تبع للحج، والعبرة للأصل، كمن سعى إلى الجمعة وبدأ بالسُّنَّةِ.
قال: كوفي أتى مكة واعتمر في أشهر الحج، ثُمَّ خرج إلى البصرة، ثم عاد إلى مكة، وحج من عامه ذلك فهو مُتمتّع، وعليه دم المتعة عنده؛ لأنَّه على جناح السفر الأول ما لم يلم بأهله، فصار كما لو لم يخرج من مكة حتَّى حج من عامه ذلك.
وقالا: لا يكون متمتعا؛ لأنَّه أنشأ سفرًا غير الأول حقيقة، فصار كما لو عاد إلى الكوفة، ثم جاء مكة من عامه ذلك وحج.
وقلنا: إذا عاد إلى الكوفة زال السَّفر الأوَّل وهذا سفر آخر، والمُتمنع من حصل له نُسُكان في سفرٍ واحدٍ، فلزمه دم شكرًا لذلك؛ فلو أنَّه أفسد عُمرته ثم خرج إلى البصرة، ثم عاد وقضاها وحجّ مِن عامه فهو عند أبي حنيفة ليس بمتمتع تع؛ لأنَّه على جناح سفره الأوّل، فكأنَّه لم يخرج من مكة، وأهل مكة لا متعة لهم، قال الله تعالى: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} البقرة:.
وعندهما: هو مُتمتّع؛ لأنَّه كخروجه إلى الكوفة، فإذا عاد فهو آفاقي؛ فتكون له المتعة.
الجزء 1 · صفحة 27
مسألة، وتأخير نُسك الحج عن زمانه أو مكانه يوجب الدم عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: لا يوجب فيهما جميعا.
وقال محمد: يُوجب في المكان دون الزَّمان، أما المكان فالحلق للتحلل من الحج والعمرة خارجا من الحرم، وأمَّا الزَّمان فتأخير الحلق وطواف الزيارة عن أيام النحر، وتأخير رمي الجمار إلى آخر أيام التشريق.
والحجة لأبي حنيفة أنَّه أدخل نقصا فيه، فأَشْبَه مُجاوزة الميقات بغير إحرام والإفاضة من عرفات قبل الغروب.
وحجة أبي يوسف ما رووا أن رجلا: قال يا رسول الله، حلقتُ قبل أن أذبح، فقال: «افعل، ولا حرج، وقال آخر حلقت قبل أن أرمي، قال: «افعل، ولا حرج، فما سُئل عن تقديم أو تأخير إلا قال ذلك ... .
قلنا: لم يكن بلغهم بيان أحكام المناسك فلم يصر جناية قبل السماع، ألا ترى أن آخر سأله ذلك اليوم فقال: سعيتُ قبل أن أطوف فقال: «أفعل، ولا حرج»، وذلك لا يجوز بالإجماع.
وحجة محمد أنَّ هذا الخبر ورد في الزَّمان، فنفينا الحرج به، لا خبراً في المكان، وهو نقص حقيقة فلم يعذر.
وإذا حلق المُحرم شعر المحاجم فعليه دم عنده لأنه يُقصد بالإزالة للحجامة فأشبه حلق شعر الرأس.
وقالا فيه الصدقة؛ لأنه قليل كشعر السَّاقِ والسَّاعِد والصدر.
قلنا: ذلك لا يُحلق قصدًا.
مسألة، وإن ادهن بزيت فعليه دم؛ لأنه أصل الطيب، ولهذا لو جعل فيه طيبا أوجب الدم، وليس وجوبه لذلك الطيب، فقد صار مستهلكًا كالطعام الذي جعل فيه الزعفران، بل لكونه أصل الطيب.
وقالا: فيه الصدقة؛ لأنه دون دهن المطيب، فيوجب دون الدم وهو الصدقة.
مسألة، وإذا غسل رأسه ولحيته بالخطمي فعليه دم عنده؛ لأنه يزيل الشعث، ويقتل الهوام، فصار كالحَلْق.
وقالا عليه صدقة لأنه دون الحلق.
ولو أكل الزعفران وحده أو طيباً آخر - وهو كثير - فعليه دم، وفي القليل صدقة، والكثير أن يلتزق بكل فمه أو أكثر، والقليل ما دونه.
الجزء 1 · صفحة 28
وعن أبي يوسف ومحمد: إنَّه لا شيء عليه؛ لأنه استهلاك له، لا استعمال له كأكله في الطعام.
ووجه الظاهر: أنه استعمله في عضو وهو الفم فيلزمه الدم.
ولو رمي الجمرات في اليوم الثالث قبل الزوال جاز عنده استحسانًا.
وعندهما لا يجوز قياسا؛ لأنه يوم تُرمى فيه الجمرات الثلاث فيكون بعد الزوال كاليوم الثاني بخلاف اليوم الأول؛ لأنَّه جمرة واحدة، وهي جمرة العقبة.
ووجه قوله: أنَّ هذا يوم الرمي بالإجماع، ولم يد فيه نص بتخصيص بعضه، فيجوزُ في كُلِّه كاليوم الأول.
مسألة: ويجوز ذبح دم الإحصارِ قبل يوم النحر عنده؛ لأنَّه دم كفَّارة حتَّى لا يحل له أكله منه؛ فكان كجزاء الصيد وسائر الكفارات بخلاف دم القران والمتعة؛ لأنَّه دم نُسك.
وقالا: لا يجوز قبل يوم النحر؛ لأنَّه أقيم مقام الحلق؛ لأن التحلل به يقع ولا يجوز ذلك قبل يوم النحر كذا هذا.
ودم إحصار العمرة يجوز في كل وقت بالإجماع.
مسألة، ولو ذبح المُحرِم صيدا فأكله قبل أن يُؤدِّي جزاءه دخل ضمان ما أكل في ضمان الجزاء بالإجماع؛ فإن أكله بعد ما أدى جزاءه فعليه قيمة ما أكل أيضًا عند أبي حنيفة تحملته؛ لأنه تناول محظور إحرامه فيلزمه الجزاء كلبس المخيط ونحوه، وإنما قلنا: إنه أتى محظور إحرامه؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علق إباحة الأكل في حديث أبي قتادة بعدم الإشارة والدلالة من المُحرِم، فإذا باشره كان أولى بالحرمة.
وقالا: لا يضمن شيئًا، وعليه التوبة والاستغفار لأنه ميتة؛ ولا ضمان في تناول الميتة، وصار هذا كما لو أكله محرم، آخر، ولأنه لو كان محظور إحرامه لحل بعد ما حلّ من إحرامه كلبس المخيط.
قلنا: حرمته في حق هذا المُحرَّم لكونه ميتة، ولكونه محظور إحرامه، وفي حق غيره لكونه ميتة نجسة فحينئذ، وبعدما حل بقي كونه ميتة.
مسألة، والإشعار مكروه عند أبي حنيفة لأنه مثلة، ولأنَّه تعذيب الحيوان من غير حاجة، والإحرام سبب لتحريم ما كان حلالاً، فاستحال أن
الجزء 1 · صفحة 29
يكون سببًا للإحلال ما كان حراماً.
وعندهما مباح.
وعند الشافعي: سُنَّةٌ، وروى أنَّ النبي أَشْعَر ناقته القصواء في صحفة سنامها الأيمن
قلنا: يحتمل أن يكون معناه: أعلمها بعلامة لا أن أدماها؛ فإنَّ الإشعار هو الإعلام، أو كانت في الابتداء حين كانت العرب تنهب كل مال إلَّا الهدي ولا يُعرف ذلك إلا بالإشعار، ففَعَل ذلك ليقع الأمن به؛ وذلك عند الحاجة جائز، ثُمَّ نُسخ بنص تحريم المثلة.
مسألة: العيب الفاحش في الهدايا والضحايا يمنع الجواز بالإجماع، وهو كفوات الأذن والإلية وغير ذلك، وفي تقديره عن أبي حنيفة أربع روايات:
في رواية: الربع، لأنَّه كالكُل في المسح بالرأس والحَلْقِ في الحج.
والثانية: الثلث لقوله: الثلث كثير».
والثالثة: الزائد على الثلث؛ لأنَّ الوصية بالثلث جائزة لقلته، ولا يجوز زيادة لكثرته.
والرابعة – وهو قولهما: أنَّ ما دون النصف عفو، والزَّائد عليه مانع، وفي النصف روايتان، قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: الثلث مانع، قد ذكرت له قولين في النصف فقال: قولي مثل قولك.
قيل: معناه: أخذتُ بقولك في النصف، وقيل: بل معناه أن تقديري بالثلث اجتهاد كتقديرك بالنصف.
مسألة: وإذا قتل المُحرِمُ صيدا وضمن قيمته، وبلغ قيمته جذعًا أو نحوها فاشتراه بها ذبحه جاز، بالإجماع، فإن بلغ قيمته حَمَلًا أو عناقًا لم يَجُز ذبحه عنده؛ لأنه صغير فلم يَجُزُ كما في الأضحية.
وقالا - وهو قول ابن أبي ليلى -: يجوز؛ لأنَّه يجوز في الهدايا، والضحايا في الجملة؛ فإنَّ الأضحية إذا ولدت ولدا ذبح معها، وكذا الهدي، فكذا في المشتراة بقيمة المقتول.
وقلنا: جاز ثُمَّ تبعًا، والكلام في إفراده أصلا.
مسألة، وإذا أحرم وفي يده صيد أمر بإرساله بالإجماع؛ لأنَّ التَّعرُّض للصيد في الإحرام حرام، فلو أرسله غيره ضَمِنه له عنده؛ لأنه أتلف ملكه.
وعندهما لا يضمن؛ لأنَّ فعل ما يلزم صاحبه فعله.
الجزء 1 · صفحة 30
قلنا: كان عليه ترك التَّعرُّض له لا إبطال ملكه، وكان يقدر على إرساله على وجه يأخذه بعد إحلاله، وهذا فَوَّت عليه ذلك، وأتلف ملكه فضمنه له.
مسألة، والمأمور بإفراد الحج عن غيره إذا قرن وجب عليه رد نفقة الأمر عنده؛ لأنَّه أمر المأمور أن يصرف النفقة إلى قطع الطريق لما أمره به، وقد صرفه إليه وإلى عبادة أُخرى أداها بنفسه؛ لأنَّ الأمر لم يأمره به؛ فلا يقع عن الأمر، بل عن المأمور، فكان مخالفًا في الإنفاق فيَضْمَنه له.
وقالا: يجوز؛ لأنَّه أتى بما أمر به، وزاد شيئًا لنفسه، والأمر لا يتضرر به؛ فجاز كما لو اتجر في حجه لنفسه.
قلنا: ليس في ذلك صرف بعض النفقة إلى عبادة أخرى لنفسه.
مسألة: والمأمور بالحج عن غيره إذا سار في بعض الطريق، ثُمَّ مات يبتدئ حجة أخرى من منزل الآمر عنده؛ لأنَّه لما مات انقطع عمله فصار كأَنَّه لم يفعل شيئًا.
وقالا: يؤمر غيره بالحج من مبلغ هذا الذي مات، كالذي يخرج من بيته للحج فيموت في الطريق، وقد أوصى بأن يحج عنه من هذا الموضع.
قلنا: لأنَّ أمره انصرف إلى موضع أمره، فكذ في مسألتنا.
مسألة، ومن خرج للحج فأغمي عليه قبل الإحرام فأحرم عنه أصحابه، وقضوا به المناسك جاز عنده؛ لأنَّه لما خرج مع هذه الرفقة فقد استعان بهم فيما يحتاج إليه دلالة، فصار كالإحرام بأمره مشافهة، ولهذا لو أغمي عليه بعد الإحرام قضوا به المناسك محمولاً جاز.
وقالا: لا يجوز؛ لأنَّ إحرامهم عنه إيجاب الأفعال عليه، ولا ولاية لهم
عليه، بخلاف قضاء المناسك به؛ لأنه إسقاط عنه ولهم ذلك.
قلنا: هو ملتزم لهذا الالتزام دلالة.
الجزء 1 · صفحة 31
مسألة، ومن جاوز الميقات بغير الإحرام، ثم أحرم ومضى عليه حتى أتمه فعليه دم بالإجماع؛ لإدخال النقص فيه، فإن عاد إلى الميقات، وأعاد التلبية قبل أن يشتغل بالأفعال سقط ذلك الدم عندنا - خلافًا لزفر - فإن عاد محرما ولم يلبه لم يسقط عند أبي حنيفة؛ لأنَّ إحرامه داخل الميقات وقع ناقصا، وارتفاعه يكون بحقيقة الإنشاء إن أمكن، وبما هو في معنى الإنشاء إن تعذر، وفسخُ الإحرام غير ممكن فاشترطنا ما هو في معنى الإنشاء وهو التلبية عند الميقات فلا يكمل بدونها.
وقال: يسقط لأن وجوب الدَّم بترك المرور بالميقات محرما لا بترك التلبية؛ لأنه لو أحرم قبل أن يصل إليه ومرَّ به مُحرما، ولم يُلب عنده لم يلزمه دم؛ فصح ما قلنا، فقد تلافي ذلك بالعود إليه محرمًا، فلا يضره ترك التلبية.
وقلنا: إذا أحرم قبل الوصول إليه وقع إحرامه كاملا فصح مُضيه فيه.
مسألة، ولو أحرم المكَّيُّ بعُمرة، ثم أحرم بحجة بعدما طاف للعمرة ثلاثة أشواط أو أقل عندهما يرفض العمرة فيحج، ثم يقضي العمرة بعد ذلك، وهذا استحسان؛ لأنَّ رفض العمرة أيسر وأداؤها في كل وقت ممكن بخلاف الحج؛ ولهذا يفعل كذلك إذا لم يطف للعمرة شيئًا.
قال أبو حنيفة: يرفض الحجة لأنَّ إحرامه بالحج بعد اشتغاله بأفعال العمرة، فصح في حق الإيجاب دون الأداء؛ لأنَّ الجمع أداء غير ممكن، وإذا صح للوجوب لا للأداء لم يُؤدِّ الحج، بل يؤدي العُمرة، ولهذا يفعل كذلك إذا طاف للعمرة أربعًا أو زيادة بخلاف ما إذا لم يطف شيئًا؛ لأن إحرامه بالحج في هذه الحالة صح في حق الإيجاب والأداء جميعا، والله أعلم.
كتاب النكاح
مسألة، الصابئة تحلُّ بالنكاح للمسلم عند أبي حنيفة؛ لأنَّ الصابئين قوم من النصارى يُعظَّمون الكواكب تعظيم القبلة).
وقالا: لا تحل؛ لأنهم يعبدون الكواكب، فصاروا كعبدة الأوثان.
وقالوا: ليس هذا باختلاف على الحقيقة، وإنما هو لاشتباه مذهبهم؛ وحل ذبيحة الصابي على هذا الاختلاف.
الجزء 1 · صفحة 32
مسألة، وإذا كان للصغير أو للصغيرة جد وأخ لأب وأم أو لأب فالولاية في التزويج للجد عنده.
وعندهما لهما جميعا.
مسألة، والجد عنده كالأب، ولهذا قال في الميراث: إنَّه للجد لا للأخ - خلافا لهما - والمسألة موضعها كتاب الفرائض.
مسألة: ولو زَوَّج الأب ابنه الصغير امرأة بمهر فيه غبن فاحش، أو زَوَّج ابنته الصغيرة، ونقص عن مهرها نقصاناً فاحشًا، أو زوجها بغير كفء جاز عنده.
وقالا: لا يجوز؛ لأنها ولاية نظر فلا يملك بها ما فيه ضرر كبيع مالهما بغبن. وله أنَّ النكاح عقد عُمر، ويشمل على مقاصد ومصالح، والأب كامل الرأي وافر الشفقة، فالظاهر أنَّه ما رضي بهذا النقص إلا لمنافع رآها تربو على هذا، بخلاف غير الأب والجد؛ لأنَّه قاصر الشَّفقة، فلا يُظن به ذلك، والنقصان ظاهر فرددناه، بخلاف تصرُّف الأب في المال؛ لأنَّه لا غرض فيه إلَّا المالية، وقد رأيناه بخسًا في ذلك فأبطلناه.
مسألة، وإذا قال الوليُّ: زَوَّجت الصغير أو الصغيرة أمس لم يُصدَّق إلَّا ببينة أو بتصديق الصغير بعد البلوغ عند أبي حنيفة رحم الله أي: إذا ادعى الزوج ذلك عند القاضي فأقر الأب، وكذا مولى العبد إذا قال: زوجته فلانة أمس، وكذا وكيل الرَّجُل، وكذا وكيل المرأة؛ لأنَّه أقرّ على الغير فلا ينفذ إلا بالدليل.
وقالا: يُصدق؛ لأنه يملك الإنشاء فيملك الإقرار به، كالمولى إذا قال: زوجت أمتي من هذا الرَّجُل أمس جاز.
وقلنا: ذلك إقرار على نفسه؛ لأنَّ منافع بضعها له، ولا كذلك فصول الخمسة.
مسألة، وإذا زَوَّج الرجل ابنته البكر البالغة رجلًا ثُمَّ اختلف الزوجان، فقال الرجل: إنَّها سكتت فهو رضًا، وقالت هي: رددت، فالقول قولها لإنكارها نكاحه، ولا تستحلف على ذلك عند أبي حنيفة.
وعندهما: تُستحلف.
الجزء 1 · صفحة 33
مسألة: ولا يجري الاستحلافُ عنده بالنكاح والفيء في الإيلاء والرَّجعة والرق والولاء والنسب، وتتحقق فيها الدعوى من الجانبين، وعندهما يُستحلف، وكذا في دعوى الأمة على مولاها بالاستيلاد، فأما المولى إذا ادعى ذلك على الأمة فهو إقرار منه لها، ولا يُعتبر جحودها.
وقالا: المقصود من الاستخلاف النكول وهو كالإقرار، والقضاء بالإقرار في هذه الأشياء جائز، ولهذا أجري الاستخلاف في الأموال.
وقال أبو حنيفة النكول ليس بإقرار، بل هو بذل وإباحة، وذلك لا يجري في الأنفُس والفروج بخلاف الأموال، ولهذا إذا قال لغيره: أنا كفيل لك بما أقر به فلان لك؛ فادَّعى على فلان فأنكر فاستحلف فنكل، فإنَّه لا يؤخذ الكفيل، ولو كان إقرارًا لأخذه كما لو أقر.
مسألة والبكر إذا زالت بكارتها بالفجور فسكوتها عند تزويجها رضا عنده.
وقالا: يشترط نطقها لقوله: «الشَّيب تُشاوَر».
ووجه قوله: أنَّ الشرع جعل سكوت البكر رضا بعلة الحياء، والحياء في هذه قائم، فيقضى بقيام حكمه، ودليل ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذنها صماتها بناءً على قول عائشة: إنها لتستحيي يا رسول الله.
مسألة، قال: ذمية طلقت أو مات زوجها الذمي فلها أن تتزوج قبل أن تحيض ثلاثا في الطَّلاق، وقبل أن تمضي أربعة أشهر وعشرا في الوفاة خلافًا لهما.
وقالا: النكاح باقي ما بقيت العِدَّة، ونكاح المنكوحة باطل.
الجزء 1 · صفحة 34
ووجه قوله: أنَّ النكاح زال بالطَّلاقِ أو الموت، فيجوز نكاحها كما بعد ثلاث حيض ومُضِيّ الأشهر؛ وهذا لأنَّ العِدَّة إنَّما تَجِبُ على المؤمنات لقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَربَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوو) إلى قوله تعالى: {وَإِن كُن يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} البقرة:، وكذا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} البقرة: هذا خطاب للمسلمين، فإن كانت الذّمِّية كتابية تعتدُّ مِن مُسلم لم تَجُز لذمي ولا المسلم أن يتزوجها حتَّى تنقضي عدتها؛ لأنَّ العِدة ههنا تجب صيانة لماء المسلم.
مسألة، وإذا تزوّج الذُّمي ذات رحم محرم منه فحكمه حكم الصحيح عنده خلافًا لهما، حتى لو طلب أحدهما من القاضي التفريق لم يفعل عنده القاضي، وقضى فيه بالنفقة، ولا يزول إحصانه بوطئه، ويُحد قاذفه بعد إسلامه عنده – خلافًا لهما.
وقالا: هو فاسد حقيقة فلا يُمكن القول بصحته، لكنا لا نتعرض لهم إذا لم يُرفع ذلك إلينا، كما لا نتعرض الشركهم وعبادتهم الأوثان؛ ولهذا لا يورث بهذا النكاح.
ووجه قوله: أنَّ المسلمين أعطوا لهذا العقد حكم العقود الصحيحة حيث لم يتعرضوا لهم، وقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف كتب إلى الحسن البصري: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا المجوس ونكاح محارمهم؟ فكتب إليه أمَّا بعد فإنَّك مُتَّبع ولستَ بمُبتدع والسلام.
مسألة، وإذا أُعطي له حكم الصحة ثبتت الأحكام التي تُبنى عليه، بخلاف التوارث؛ لأنَّ القياس ألا يورث بنكاح ما؛ لأنَّه يبطل بالموت، وإنَّما ورثناه بالنص، وهو قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} النساء:)، والزوجية المطلقة بالنكاح الصحيح المطلق، وعلى هذا المُطلقة ثلاثا، وأم الموطوءة، والجمع بين الأختين، والجمع بين الخمس.
الجزء 1 · صفحة 35
مسألة، والذَّمِّي إذا تزوّج ذمية على أن لا مهر لها لم يجب شيء عنده، ولو ترافعا إلى القاضي لا يقضي به، وكذا لو أسلما - خلافًا لهما.
وقالا: لم يُشرع النكاح إلا بمال، قال تعالى: {أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَلِكُم} النساء:.
ووجه قوله: أنَّ تملك البضع بمال شُرع ابتداءً لا بقاء، وقد صح في الابتداء بغير مال في حقهم لاعتقادهم ذلك، وإذا ترافعا أو أسلما فهو حالة البقاء، والمال ليس بشرط حالة البقاء.
مسألة، والحربيَّة إذا خرجت إلينا مُرغمةً باتت من زوجها ولا عدة عليها عنده لقوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} الممتحنة:، ولأنَّ العِدَّة إنَّما تجب صيانة لملك النكاح، ولا حرمة لملك الحربي.
وعندهما عليها العِدَّة؛ لأنَّها مُسلِمة بانت من زوجها بعد دخوله بها، فتلزمها العدة كما لو كانا في دار الإسلام أو الذمية، فأسلمت هي وعُرض عليه الإسلام فأبى وفرق بينهما.
قلنا: الدمي أملاكه محترمة بعقد الأمي.
مسألة، وإذا مات الزوجان واختلف ورثتهما في تسمية المهر فالقول قول من أنكر التسمية، ولا يُقضى بشيء عنده.
وعندهما: يُقضَى بمهر المثل؛ لأنَّه عوض فيه كالمسمى، وذلك لا يسقط بموتها، فكذا هذا.
ووجه قوله: أنَّ القضاء بمهر المثل من المهمات بدلالة سبق النكاح يُؤدِّي إلى القضاء به مرارًا؛ لأنَّا إذا قضينا لهؤلاء بشيء لا نأمن من مجيء ورثتهم بعدهم فيدعون كذلك ثم ورثتهم، وذلك بعيد.
قال في الأصل: ألا ترى أنَّ ورثة علي بن أبي طالب لو ادعوا على ورثة عمر بن الخطَّابِ مَهْر أم كلثوم بنت علي الله في ميراث عُمر لم أقض ذلك إِلَّا ببينة على مسمى، وهذا بخلاف المُسمَّى لأنَّ شهود التسمية ينقرضون فينقطع ذلك، ولا يُقال: شهود النكاح ينقرضون أيضًا فينقطع؛ لأن الشهادة على النكاح بالتسامع مقبولة، فيتوهم ألا ينقطع.
الجزء 1 · صفحة 36
مسألة، وإذا تزوج امرأة على خادمِ قُضي بخادمِ وسط قيمتها أربعون دينارًا إن كان سمي سوداء، أو خمسون دينارًا إن كان بيضاء، وهذا قول أبي حنيفة.
وقالا يختلف ذلك بالرخص والغلاء.
وقيل: هو ... اختلاف زمان لا برهان
مسألة، وإذا تزوج امرأة على جارية ولم يدفع إليها فاكتسبت اكتسابًا، ثم طلقها قبل الدخول بها؛ فنصف الجارية يُردُّ على الزوج، والنصف الآخر لها بالإجماع؛ والأكساب كلها مهر للمرأة عنده.
وقالا: يتنصف أيضًا؛ لأنها تملك بملك الأصل فيتنصف بتنصف الأصل كالولد.
ووجه قوله: أنها حدثت على ملكها فيكون لها، وليست بمهر حتى تُنصف؛ لأنها غير معقودة عليها لا حقيقةً ولا حكمًا، أَمَّا حقيقة فلان العقد لم يُضف إليها، وأمَّا حكمًا فلأنَّها ليست من أجزاء المعقود عليه، فلم يثبت فيها حكمه بخلاف الولد، ولو دفع إليها فاكتسب بعد ذلك، فالكسب لها والجارية بينهما.
مسألة، وإذا تزوج امرأة على دار على أن ترد هي عليه ألف درهم أو عبداً بعينه، فالدار تُقسم عليهما حتى لو كانا سواءً فالنصف مهر، والنصف مبيع، لا شفعة في شيء منها عنده.
وقالا: يثبت في المبيع حق الشفعة؛ لأنَّ العقد اشتمل على نكاح وبيع؛ فيعتبر كل واحد منهما على حدة.
ووجه قوله: أن البيع ههنا تبع للنكاح؛ فقد انعقد بلفظة النكاح، فلو جعل أصلا كان هذا نكاحا في بيع فكان يفسد البيع، وحيث جاز ثبت أنه جعل تبعا في نكاح، ولا شُفعة في النكاح عندنا خلافًا للشافعي.
مسألة، ولو تزوجها على هذا الدَّنَّ من الخل فإذا هو خمر، فلها مهر المثل عنده لأنه أشار وسَمَّى، والإشارة أبلغ في التعريف؛ لأنَّها تقطع الشركة، فتعلق الحكم بالمشار إليه وهو ليس بمال فبطلت التسمية، فوجب مهر المثل كما في تسمية الميتة والدم.
وقالا لها مثل ذلِك الدَّن خَلَّا؛ لأنَّه سمّى ما هو مال فصحت التسمية، ثم فسدت بالإشارة، فوجب مثل ما سمَّى كما في الهلاك والاستحقاق).
الجزء 1 · صفحة 37
مسألة: ولو تزوجها على ألف إن أمسكها في هذه البلدة، وعلى ألفين إن أخرجها منها صح الشرط الأول وفسد الثاني عنده.
وقالا يصحان جميعا؛ لأنَّه عقد عقدين على بدلين، وخير نفسه في أحدهما فصحا كما لو قال له: إن خطت هذا الثوب خياطة رومية فلك كذا، وإن خطته خياطة تركية فلك كذا صحا جميعًا؛ فكذا هذا.
ووجه قوله: أنَّ الشرط الأوّل لا خطر في وجوده، فإنَّه لو اقتصر عليه صح، والشرط الثاني فيه خطر؛ لأنَّه تعلق وجوده بانفساخ الشرط الأول فبطل الثاني دون الأول؛ فإن وُجد الأوّل وجب الألف، وإن وُجد الثاني فلها مهر مثلها لا ينقص عن الألف؛ لأنَّ الزوج رضي به، فلا يزاد على الألفين؛ لأنَّ المرأة رضيت به.
مسألة، ولو قال لها: تزوّجتك على ألف أو ألفين، أو قال: على هذا العبد أو على هذا العبد، فعندهما للزوج الخيار يدفع إليها أيهما شاء؛ لأنَّ الأقل متيقن، وفي الزيادة شكٍّ، فيجب الأقل، ويجعل الخيار في الزيادة إلى الزوج؛ لأنه هو الذي خير نفسه حيث ذكره بكلمة «أو» وهو للتخيير.
وعند أبي حنيفة يُعتبر مهر المثل، فإن كان مهر المثل مثل أدناهما أو دونهما فلها الأدنى إلا أن يرضى الزوج بتسليم الأعلى، ولو كان مثل أعلاهما أو فوقهما فلها الأعلى إلَّا أن ترضى هي بقبض الأدنى، فإن كان بينهما فلها مهر المثل.
وجه قوله: أنه لا يمكن إيجاب أحدهما عينا؛ لأنه لو وجب أحدهما غير عين، ولا يمكن إيجاب أحدهما غير عين؛ لأنَّه لا يملك تسليمه، فصرفنا إلى مهر المثل، ولكن لا ينقص عن أدناهما لرضاه، به، فلا يزاد على أعلاهما لرضاها به.
مسألة، وإذا تزوج امرأتين بألف إحداهما لا يحل له نكاحها بأن) كانت منكوحة غيره أو معتدته، أو ذات رحم محرم منه، فعندهما ينقسم عليهما على اعتبار مهر مثلهما، فما أصاب حصَّة التي لا يحل نكاحها سقط، وما أصاب حصة الأخرى يثبت؛ لأنَّه جعل الألف بدل البضعين، فينقسم كما في التي صح نكاحها.
الجزء 1 · صفحة 38
وعنده: الألف تملكها التي صح نكاحها؛ لأنه إنما ينقسم إذا استويا في الاستحقاق؛ فإذا لم تستحق إحداهما، وقد سمَّى الألف مهرا في النكاح فهو للتي صح نكاحها، وصارت تسميتهما تسمية أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، قال الله تعالى: {يَمَعْشَرَ المِنْ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ} الأنعام: والرسل أتوا من الإنس.
مسألة، وامرأة العنين إذا مضى حَوْل، ولم يصل إليها الزوج خيرت؛ فإن اختارت نفسها بانت منه في ظاهر الرواية.
وروى ابن زياد عن أبي حنيفة أنها إذا اختارت نفسها فرق القاضي بينهما، ولا تقع الفُرقة من غير تفريق؛ لأنَّ الزوج وجب عليه الإمساك بالمعروف، وقد عجز عنه فقد) لزمه تسريحها بالإحسان، وقد امتنع عنه فصار ظالما، والقاضي نصب لدفع الظلم فينوب عنه بالتسريح.
ووجه الظاهر - وهو قولهما -: إنَّ الشرع خيرها لدفع الضرر عنها؛ فيعتبر بتخيير الزوج.
مسألة، وخلوة المجبوب صحيحة عنده، ويجب لها كمال المهر؛ لأنَّ المستحق بهذا العقد هو المُستحق دون الوطء؛ وقد مكنته من ذلك.
وقالا: هي غير صحيحة؛ لأنَّه عاجز عن الوطء حقيقة ولو كان عاجزا ظاهرا بصوم أو حيض لم يصح؛ فهذا أولى.
وجوابه ما قلناه.
مسألة، وإذا تزوّج أمة في عِدة حُرَّة لم يجز عنده؛ لأنَّ نكاح الحُرَّة مانع مين نكاح الأمة، وهو باق في العِدَّة من وجه، فيبقى المنع كنكاح الأخت في عدة الأخت.
وقالا يجوز؛ لأنَّ النَّهي ورد عن نكاح الأمة على الحُرة، وفي العدة لا يكون نكاح الأمة على الحُرة أ، كما في اليمين إذا حلف ألا يتزوج عليها امرأة فتزوج تلك في عِدَّة هذه عن بينونة لم يحنث.
قلنا: المقصود في اليمين ألَّا يُدخل قَسْمَها في قَسْمِها، فلا يغيظها ولم يفعل، والمنع ههنا عن إدخال فراشها على فراشها وقد فعل.
مسألة، ومن أعتق أُمَّ ولده ووجبت عليها العِدَّة بثلاث حيض لم يتزوج أختها في عدتها عنده خلافًا لهما.
الجزء 1 · صفحة 39
وقالا: يملك نكاح أختها قبل إعتاقها، فبعد إعتاقها أولى لزوال حل الوطء
ووجه قوله أنَّ فراش أُمّ الولد قبل إعتاقها ضعيف؛ لأنَّه يملك نقل الفراش إلى غيره بالتزويج ويقطع نسب الولد بالنَّفي، وبعد العتاق قوي فراشها حتى لا يملك نقلها، ولا نفي ولدها في العِدَّة، فيمنع نكاح الأخت كفراش المعتدة عن نكاح.
وعندهما: وإن صح نكاح أختها لا يطأ المنكوحة حتى تمضي عدة المعتقة كيلا يصير جامعا بينهما وطنا حكمًا؛ لأنَّ حُكم الوطء في هذه المُعتدة باق.
مسألة، وإذا زوج أمته رجلًا ثُمَّ قتلها المولى قبل دخوله بها سقط المهر عنده؛ لأنه حبسها عن الزوج حبسًا دائمًا فليس له أن يُطالبه بمهرها كما إذا غيبها بمكان لا يقدر عليها؛ وهذا لأنَّ التسليم بإزاء التسليم واج).
وقالا: لا يسقط؛ لأنها ماتت بسبب، والموت يُنهي النكاح، فتقرر وجوب المهر، ولا يسقط كما لو قتلها أجنبي، وكالحُرَّة إذا زوجت نفسها ثم قتلت نفسها.
وقلنا: قتل الأجنبي ليس بحبس من العاقد المُستحق للمهر، وقتل الحرة أيضًا ليس بحبس؛ لأنَّها تصير قاتلة نفسها عند الموت، وبعد الموت هي عاجزة من كل فعل فلا توصف بالحبس.
مسألة، وإذا أذن لعبده بالنكاح وقع ذلك على الجائز والفاسد جميعا عنده خلافًا لهما، ويظهر هذا في مسألتين:
إحداهما، أنه إذا دخل في المنكوحة على الفساد فالمهر عليه يؤاخذ به في الحال عنده.
وعندهما لا يؤاخذ به إلا بعد العتاق
والأخرى، أنَّه لو تزوج أخرى بهذا الإذن لم يجز عنده نكاح خلافًا لهما.
وقالا: المقصود من الإذن بالنكاح تحصين العبد، وذاك بالصحيح، فلا يقع على الفاسد.
ووجه قوله: أنه أطلق الأمر بالنكاح، فيقع على الصحيح والفاسد كالتوكيل بالبيع، والمقصود باطن، والإطلاق ظاهر.
مسألة، والحُرمة تثبت بالرضاع إلى سنتين ونصف عند أبي حنيفة.
وعندهما إلى سنتين لا غير.
وعند زفر: إلى ثلاث سنين.
الجزء 1 · صفحة 40
ووجه قولهما: قول الله تعالى: {وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} البقرة:، وقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} الأحقاف:؛ وأقل مدة الحمل ستة أشهر، فيقع للفصال حولان.
ولأبي حنيفة قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا، والاستدلال به من وجهين.
أحدهما: أن المراد من قوله: وحمله هو الحمل على اليد دون الحمل في البطن، فقد قال في أول الآية: (حَمَلَتْهُ أُمَّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهَا} الأحقاف:، وصرف هذا إلى الأول تكرار، والكلام إذا أمكن حمله على الإفادة فلا يُحمل على الإعادة.
والثاني، أنه ذكر سنتين ثم ذكر لهما مُدَّة، فكان لكل واحد منهما بكمالهما كالأجل المضروب لِدَيْنين، ثُمَّ قيام الدلالة على خروجها مدة للحمل لا يدل على خروجها مدة للآخر بكمالها، على أنَّ حَوْلين ثبت مدة بالآية التي تلاها، ثم لا يمكن قطع الولد من اللبن بمرة، فلا بُدَّ مِن زيادة تقطع بها العادة بخلط غذائه باللبن تارةً وبالطَّعام أُخرى، وأقل مُدَّة تنقل بها العادة ستة أشهر اعتبارًا بزمان الحر والبرد.
ووجه قول زفر: أنَّ سنتين ونصف ثبت مُدَّة بالآية التي احتج بها أبو حنيفة، وستة أشهر زاد على ذلك للمعقول الذي قُلنا، وقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ) البقرة: هو محمول عن الرضاع المُستَحق؛ لا يُستحق على الوالد نفقة الإرضاع بعد الحولين.
مسألة، ولو جعل لبن امرأة في طعام وهو على حاله لم يستهلكه به، فأكل الصبي كله لم تثبت حُرمة الرضاع عنده.
وقالا: تثبت؛ لأنه شرب اللبن وأكل الطعام، فثبت حرمة الرضاع بالشرب كما لو أفرده.
ووجه قوله: أنَّ هذا اللبن صار تبعًا للطعام سواء كان غالبًا عليه أو مساويًا له أو مغلوبًا فيه؛ لأنَّ غير المائع يستتبع المائع، ولهذا يؤكل هذا ولا يُشرب، فصار الحكم للطعام.
الجزء 1 · صفحة 41
مسألة، رجل تزوج امرأة في عقدة وثنتين في عقدة وثلاثا في عقدة، ولا يُدرى كيف تَزوَّجَهُنَّ، ومات قبل البيان، ولم يكن دخل بواحدة منهن، فميراث النساء بينهُنَّ عنده على أربعة وعشرين سهما: سبعة للتي تزوجها وحدها، والباقي نصفه للثنتين، ونصفه للثلاث؛ لأن نكاح الواحدة صحيح بكل حال نقدم أو تأخر أو تخلَّل؛ لأنَّ نكاح أحد الفريقين مع الثلاث لا يجوز وهو المتأخر، فإن صح نكاح الواحدة مع الثّنتين فلها ثلث ميراث، وإن صح مع الثلاث فلها ربع الميراث، فنحتاج إلى حساب له ثلث وربع وأقله اثنا عشر، لها الثلث في حال، وهو أربعة والربع في حال وهو ثلاثة، فثلاثة ثابتة بيقين، والربع يجب في حال ولا يجب في حال فيتنصف فينكسر فيضعف فيصير أربعة وعشرين، لها الثلث في حال وهو ثمانية، وربع في حال وهو. ستة، فستة ثابتة بالإجماع، وسهمان يثبتان) في حال، ويسقطان في حال؛ فيثبت أحدهما ويضم إلى سنة فيصير سبعة، والباقي وهو سبعة عشر بين الفريقين نصفين؛ لأنَّ كل فريق يستحق ذلك في حال ولا يستحق في حال، فاستويا فكان بينهما نصفين الكل واحدة أربعة أسهم، وعندهما ثمانية أسهم مما بقي وهو سبعة عشر للثنتين بينهما نصفين، وتسعة أسهم من ذلك للثلاث أثلاثا، لكل واحد ثلاثة على اختلاف التخريج.
أما أبو يوسف فهو يعتبر المنازعة، وهو يقول: لا منازعة للثنتين في السهم السابع عشر؛ لأنهما يدعيان ثلثي الميراث لا غير، فالسهم السابع عشر للثلاث؛ لأنهن يدعين ثلاثة أرباع الميراث بقي ستة عشر سهما، استوت منازعتهما - أعني: الفريقين - في ذلك فيكون بينهما نصفين.
وعند محمد: يعتبر الأحوال فإن صح نكاح الثنتين فلهما ثلثا الميراث سنة عشر سهما، وإن لم يصح فلا شيء لهما، فلهما عند الاشتباه نصف ذلك وهو ثمانية.
والثلاث إن صح نكاحهن فلهنَّ ثلاثة أرباع الميراث وهي ثمانية عشر؛ لأنَّ الواحدة ترث معهُنَّ، وإن لم يصح فلا شيء لهن؛ فيكون لهن نصفها وهو تسعة.
الجزء 1 · صفحة 42
مسألة، ولو تزوج امرأة وابنتيها في عُقُدِ مُتفرّقة، ولا يُدرى الأولى منهن، ومات قبل الوطء والبيان فلهُنَّ مهر واحد؛ لأنَّ الصحيح نكاح إحداهن لا غير؛ لأنَّه إن تزوج الأم أولا لا يجوز أن يتزوج عليها ابنتها، وإن تزوج البنت أولا لا يجوز أن يتزوج عليها أمها ولا أختها، ثم هذا المهر يقسم بين الأم والبنتين عندهما أثلاثا؛ لأنَّ نكاح كل واحدة يصح في حال، ولا يصح في حالين، فاستوين في حكم الاستحقاق، وصار هذا كما لو تزوج امرأة وأمها وبنتها في عقد مفترقة، ولا يدري أولاهن فالمهر بينهن أثلاثا، فكذا هذا.
وعند أبي حنيفة: المهر بينهن نصفين: نصف للأم ونصف لهما؛ لأنَّ المعنى المفسد للنكاح الأمومية والبنتيَّة، والبنتان تتنازعان بمعنى واحد كالأم فاستويتا؛ والميراث أيضًا على هذا الاختلاف.
مسألة، والزوج إذا دخل بامرأته برضاها قبل أن يُعطيها مهرها فلها أن تمنع نفسها عنه حتى يعطيها مهرها، ولا تبطل نفقتها بهذا الامتناع لأنه بحق، وهذا قول أبي حنيفة.
وقالا: ليس لها الامتناع، ولو امتنعت سقطت نفقتها؛ لأنها سلمت كل المعقود عليها برضاها، وهو الوطء مرة، فإنَّ المهر يتأكد به حتى لا يسقط شيء منه بالطلاق بعده، فيبطل حق المنع بعده كالبائع إذا سلم المبيع.
ووجه قوله: أنَّ المهر يقابل كل الوطئات الموجودة في هذا النكاح؛ لأنَّ كل الـ وطء تسلط على البضع المُحترم فلا يجوز إخلاؤه عن العوض، فتسليمها بعضها لا يبطل حقها في منع باقيه؛ كمن باع أشياء فسلَّم بعضها لا يبطل حقه في منع باقيها، وإنَّما يتأكَّد المهر بوطء الأوّل؛ لأنَّ ما وراءه مجهول فلم يصح الانقسام، لكن إذا وجد بعده شيء آخر وصار معلوما جاز أن يُزاحم الأول؛ كالعبد يجني، فبقية رقبته مشغولة بالجناية، ثم يجني على آخر فيصير كذلك إلى ما لا يتناهى.
الجزء 1 · صفحة 43
مسألة، وإذا طلبت المرأة النفقة من الزوج عند القاضي، وامتنع الزوج أمره القاضي بالإنفاق عليها، ولا يبيع القاضي عروضه في هذا، وهكذا في سائر الديون عنده خلافًا لهما، وهي مسألة الحَجْر على الحُرِّ السفيه؛ وتُعرف في كتابه.
مسألة، والأب إذا وجبت نفقته على الابن وهو غائب وله مال حاضر فللأب بيع عروضه عنده؛ لأنه كامل الشفقة فلا يبخس بحق الولد، وفي بيع العروض نظر للغائب فيملك بيعه واستيفاء حقه منه.
وقالا: ليس له ذلك؛ لأنَّه لا ولاية له على الولد الكبير؛ ولهذا لا يملك ذلك عند حضرته؛ ولهذا لا يملك بيع عقاره حال غيبته؛ ولهذا لا تملك الأم والزوجة وسائر المحارم ذلك.
قلنا: لا حاجة إلى حفظ عين ماله وهو حاضر، ولا حاجة إلى حفظ العقار فإنَّه محفوظ بنفسه، ولا ولاية للأم والزوجة عليه بحال، ولا تصير نفقة سائر المحارم دينا إلَّا بقضاء والقضاء على الغائب باطل، ونفقة الوالدين ثابتة بغير قضاء، ولهما أخذ ذلك من ماله بكل حال.
مسألة: وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت وادعى كل واحد منهما لنفسه وأحدهما عبد مأذون له في التجارة والآخر حر، فالقول قول الحُرِّ عنده.
وقالا: القول قولهما؛ لأنَّ المأذون كالحر في تجارته، حتى لو اختلف حر وعبد في ثوب هو في أيديهما فهو لهما.
ووجه قوله: أنَّ يد الحر حقيقيَّة ويد العبد مجازية؛ لأنَّها لمولاها أو للغرماء، والحقيقي عند التَّنازُع أولى بالاعتبار، فأما ما استشهد به ففي التجارة جُعِلا سواء دفعا للضرر عمن تعاقد، ومتاع البيت بين الزوجين ليس للتجارة فرجحنا بما قلنا.
مسألة، رجل ادعى نكاح امرأة، وادعت هي أنه تزوج أختها قبلها، والأخت غائبة، وأقاما جميعا البيئة على ذلك، فعنده: يقضى بنكاح الحاضرة؛ لأنَّه أثبت الحُجَّة ولم يثبت نكاح أختها قبلها ببينة الحاضرة؛ لأنها قامت لغائبة، فلم يثبت ما يدفع نكاح الحاضرة.
الجزء 1 · صفحة 44
وقالا: يُوقف الأمر إلى حضور الغائبة أخذا بالاحتياط في باب الحرمات؛ لأنها لو حضرت وأقامت هذه البينة على ذلك يظهر) بطلان نكاح الحاضرة، واحتيج إلى التفريق بينهما والقضاء بأنه لاقاها حراماً.
وقلنا: قد) لا يظهر ذلك، فل يجوز إبطال المتيقن بالمُتوهم، والله أعلم بالصوا.
كتاب الطلاق
مسألة، وإذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، ثُمَّ راجعها في الحيض، فطهرت من حيضها، فطلقها في هذا الطُّهر لم يُكره عند أبي حنيفة هذا الطلاق الثاني.
وقالا: يكره؛ لأنَّه بالطلاق في الحيض أفسد الطُّهر الذي يعقبه، حتى لو طلقها في هذا الطُّهر ثانيا قبل الرجعة كُره، فصار كما لو أفسده بالوطء فيه.
ووجه قوله: أنَّ الرَّجعة ترفع حكم الطلاق، فصار كأن لم يكن، وعلى هذا لو طلقها في طهر لم يُجامعها فيه، ثم راجعها، ثم طلقها ثانيا، وكذا لو فعل ذلك في شهر واحد في حق الآيسة والصغيرة.
وهما يقولان: إنَّ الطُّهر أو الشهر بطلاق واحد فيه خرج من أن يكون وقتا لطلاق السنة فيه، حتى لو أوقع الثاني قبل الرجعة كُره.
هو يقول: إنَّ الرَّجعة رفعت حكم الطلاق فصار كأن لم يكن، وعلى هذا لو أخذ يد امرأته للشهوة ثم قال له): أنت طالق ثلاثا للسُّنَّة تقع عليها الثلاث متتابعة عنده؛ لأنه يقع الأول، ويصيرُ مُراجعًا لها بالمس عن شهوة فيقع الثاني ثم يصير مُراجعا لها، ثُمَّ يقع الثالث.
وعندهما بالرَّجعة الواحدة لا يصير الطُّهر الواحد وقتًا للسُّنَّة ثانيا وثالثا؛ فيقع الثاني في طهر آخر، والثالث في طهر ثالث.
مسألة، وإذا قال لِمُطلَّقته: راجعتُكِ فقالت مجيبة له: قد انقضت عدتي، صدقت عند أبي حنيفة؛ لأنها أمينة في هذا.
وقالا: لا تُصدَّق؛ لأنَّه لما راجعها فقد حجرها عن الإخبار، فلا يصحُ خبرها؛ كما لو سكتت ساعة.
وقلنا: هذا لو صحت رجعته، ولم تصح؛ لأن قولها: انقضت عدتي إخبار عن أمر سابق - وهو الانقضاء - وذلك مقارن لرجعة الزوج أو متقدم عليها، فَلَمْ تَصِحٌ رجعته.
الجزء 1 · صفحة 45
مسألة، وزَوج المعتدة المملوكة إذا ادعى أنه راجعها فصدقه المولى وكذَّبته الأمة، فالقول قولها عند أبي حنيفة؛ لأنها هي الأمينة.
وقالا: القول قول المَوْلى؛ لأنَّ الاستحقاق عليه.
قلنا: الملك له، ولكن الإخبار إليها شرعًا.
مسألة، وإذا أقرت المُطلَّقة بانقضاء عدتها بالحيض لم تُصدَّقُ في الأقل من ستين يوما عنده، ولكن في تخريجه روايتان في رواية محمد عنه: نجعل كأنه طلقها في أوّل الطُّهر؛ لأنَّ المسنون هو التطليق في طهر لا جماع فيه، فطهرها خمسة عشر يوما؛ لأنَّه لا غاية لأكثره، وحيضها خمسة - وهي الوسط؛ لأنَّ الأكثر والأقل نادران - فثلاثة أطهار خمسة وأربعون، وثلاث حيض خمسة عشر يوما، صارت ستين يوما.
وفي رواية الحسن بن زياد عنه: نجعل كأنه طلقها في آخر الطُّهر تحرُّزًا عن تطويل العدة، ثم حيضها عشرة وطهرها خمسة عشر، وتقدير الطُّهر بالأقل نظرا للمرأة، وتقدير الحيض بعشرة نظرًا للزوج؛ فطهران ثلاثون، وثلاثة حيض ثلاثون، والكل ستون.
وعندهما تُصدَّق في تسعة وثلاثين يوما، ويجعل كأنه طلقها في آخر الطُّهر والحيض ثلاثة، والطُّهر خمسة عشر يوما بناءً على الأقل فيهما جميعا، وهي أمينة فتصدق فيما يحتمل.
قلنا: الاتفاق الأقل فيهما جميعًا نادر في غاية الندرة فلم يُعتبر.
مسألة: وإذا سافر بامرأته ثُم أبانها أو مات عنها؛ فإن كان إلى منزلها ما دون السفر عادت إليه كما لو كانت عند غير أهلها، فإن كانت مدة سفر إلى بيتها لكن إلى مقصودها دونه سارت إلى مقصدها؛ لأنه ليس بإنشاء سفر، فإن كان إلى كل واحد منهما مدة سفر وهي في المفازة سارت إلى أدنى بقعة إليها فيها الأمن، فإن كانت في مأمن تربَّصت فيه عنده؛ لقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يترين} البقرة:، وفي السفر ترك ذلك.
وقالا: إذا وجدت محرمًا خرجت معه إلى أيهما شاءت؛ لأنه ليس بإنشاء سفر فلا تُمنع عن ذلك.
الجزء 1 · صفحة 46
قلنا: إذا كان مسيرة سفرٍ فهو، سفر، ولأنَّ العِدَّة أمنع للخروج من عدم المحرم؛ إذ لا يُباح لها الخروج في العِدَّة مع وجود المحرم في المصر. مسألة، ولو مات زوج أم الولد ومولاها وبين موتهما أقل من شهرين وخمسة أيام ولا يُعلم أيهما مات أولا اعتدت أربعة أشهر وعشرا؛ لأن المولى إن مات أولا لم يلزمها عدة المولى؛ لأنَّها منكوحة وتُعتق، ويلزمها عدة وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرا، وإن مات الزوج أوَّلاً وهي أمة يلزمها شهران وخمسة أيام، وبموت مولاها لم تلزمها بعد ذلك عدة موت المولى؛ لأنها معتدة عن نكاح فلزمها في حال أربعة أشهر وعشرا وفي حال نصفه؛ فتعتد بالأكثر احتياطًا، فإن كان بين موتهما شهران وخمسة أيام أو أكثر اعتدت بأربعة أشهر وعشرا، ويستكمل فيها ثلاث حيض؛ لأنَّ المولى إن مات أولًا لم يلزمها عدته، وبعد موت الزوج يلزمها أربعة أشهر وعشرا.
مسألة، ولو مات الزوج أولًا لزمتها شهران وخمسة أيام، وإن مات المولى بعده لزمتها ثلاث حيض عدة المولى؛ فيُجمع بينهما احتياطا، فإن لم يُعرف ما بينهما اعتدت أربعة أشهر وعشرا، واستكملت فيها ثلاث حيض عندهما لهذا.
وعند أبي حنيفة /: تعتد بأربعة أشهر وعشرا، ولا يُشترط الحيض فيها؛ لأنَّه إذا لم يُعرف قدر ما بينهما يجعل كموتهما جميعا كما في الهدم والغرق؛ فلم يلزمها عدة المولى، وفي المسألة الأولى علمنا ما بين موتين فاعتبرنا الأحوال.
وشهادة القابلة عنده على الولادة لا تُقبل إلا بمؤيد، وهو ظهور الحبل أو إقرار الزوج بالحبل، أو قيام الفراش حتى أنَّ المُعتدة عن وفاة إذا أكذبها الورثة في الولادة، وفي الطلاق البائن إذا أكذبها الزوج، وفي تعليق الطلاق بولادة المرأة لا تُقبل إلَّا ببينة، ولا تُعتبر شهادة القابلة إلَّا وحدها بما قلنا.
وقالا: يُقضى بشهادة القابلة وحدها في كل ذلك؛ لقول النبي: «شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه.
الجزء 1 · صفحة 47
ووجه قول أبي حنيفة: أنَّ هذه دعوى فلا تثبت إلَّا بحجة؛ فإذا أقر بالحبل فقد ائتمنها على الولد فيُصدَّق في دعوى ردّ الأمانة، وكون الحبل منه ظاهرا أدلّ على هذا من الإقرار، وحال قيام الفراش حال الائتمان، وأيضا شهادة القابلة علامة ظاهرة لذلك في العُرف، فاعتبرناه إذا انضم إليها هذا المؤيد.
مسألة، ولو قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق وقد كان أقر بالحبل، فقالت: ولدت؛ صدقت في حق الطلاق من غير شهادة القابلة عنده؛ لأنه أقر بإيداع الولد، فصح دعواها الرد، وفي حق النَّسَب لا يُصدق؛ لأنَّه لا يتعيَّن إلَّا بشهادة القابلة.
وقالا: ادعت الحنث فلا يُصدَّق إلَّا بحجة، وشهادة القابلة حجة في هذا.
مسألة، وبلوغ الغلام والجارية بالسِّنِّ عندهما بتمام خمسة عشر؛ لِمَا رُوي عن ابن عمر لا أنه قال: عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، وعُرضت عليه في السنة الثانية فأجازني.
قلنا: ليس فيه أنه علم، سنه، ولأنَّه كان يُجيز غير البالغ أيضًا؛ لِمَا رُوي أنَّ رجلًا عُرض ابنه على النبي صلى الله عليه وسلم فرده فقال: يا رسول الله، أترد ابني وتُجيزُ رافعا وابني يصرع رافعا؟! فأمرهما فاصطرعا فصرعه؛ فأجازه.
وعند أبي حنيفة: بلوغ الغلام بالسِّنِّ بكمال سنه ثماني عشرة سنة، وللجارية سبع عشرة سنة؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حتى يبلغ أَشُدَّهُ} الأنعام:، قال ابن عباس: ثماني عشرة سنة، وكذا قال القتيبي " - وهو إمام في اللغة - وهذا أشد الصبي، فأمَّا أشد الرجل فهو أربعون سنة، وهو في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} الأحقاف:.
والجارية أسرع إدراكًا، فنقصنا في حقها سنة، وهي تستجمع الطبائع كلها وهي أربعة.
مسألة، رجل قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب، ثم دخلت المرأة الدار.
الجزء 1 · صفحة 48
رُوي عنهما أنَّه يقع الطلاق؛ لأنَّ المُعلَّق يقع عند وجود الشَّرطِ مِن غير قصد منه وإرادة فصار كالواقع، والواقع لا يبطل بردته ولحاقه بدار الحرب، فكذا المُعلّق بالشَّرط.
وعن أبي حنيفة قال: إنَّه لا يقع؛ لأنَّه لما ارتدَّ ولحق بدار الحرب فقد زال ملكه، وهو كموته حكمًا، ولو مات ثُمَّ دخلت المرأةُ الدَّارَ لم يقع ذلك المُعلَّق كذا هذا.
مسألة، ولو وهبت المرأة صداقها من زوجها ثُمَّ طلقها قبل الدخول بها فالجملة فيه أن المهر لا يخلو إما أن يكون دينا وهو الدراهم أو الدنانير، أو عينا وهو العروض والحيوان والهبة تكون قبل القبض أو بعده، وهي في الكل أو البعض.
أما في العين إن وهبت الكُلَّ قبل القبض أو بعده، لم يرجع عليها بشيء، وكذا لو وهبت كل الدين قبل القبض استحسانًا، والقياس - وهو قول زُفر: يرجع عليها بالنصف فيهما؛ لأنَّ الطَّلاق قبل الدخول يُوجِب رَدَّ النَّصفِ وقد عجزت عن رده فتجب القيمة، كما لو وهبت ذلك من رجل آخر وامرأته بالقبض، وكما لو قبضت الكل وهو دَيْن ثم وهبت من الزوج.
وجوابه أنه وصل إليه عين ما كان حقه شرعًا قبل الطلاق، فلا يلزمها بعد الطلاق ضمان آخر؛ كمَن عجّل الدين المؤجل ثُم حل الأجل، أو عجل الزكاة ثم حال الحول، وهذا لأنَّ هذا العين لو كان في يدها لم يكن لها أن تُمسكه وتردَّ غيره في الطلاق قبل الدخول، وكذا الدين قبل القبض كالمقبوض في حق من عليه.
الجزء 1 · صفحة 49
وأما في الدين إذا قبضت كُلَّه، ثم وهبت له كُلَّه أو بعضه يرجع عليها بنصف المقبوض؛ لأنه لم يصل إليه عين حقه؛ لأنَّها لو أمسكته وأدت غيره فلها ذلك فصارت بهبة) هذا وهبة مال آخر سواء، ولو قبضت نصفه ووهبت له الباقي عليه) ووهبت له المقبوض أو لم تهبه، فعند أبي حنيفة لا يرجع عليها بشيء إلا إذا وهبت أقل من النصف، فيرجع عليها إلى تمام النصف؛ لأنه وصل إليه عين حقه؛ لأنَّ الدين في حق من عليه متعين له، حتى لو وهبت الكل قبل القبض لم يرجع عليها بشيء، ولولا التعيين لرجع بالنصف؛ كما لو وهبت بعد القبض.
وقالا: يرجع بنصف المقبوض قل أو كثر؛ لأنَّ هبة البعض حط وإبراء فكأنه لم يتزوجها إلا على الباقي، ألا ترى أنَّ في البيع هبة البعض حط في حق الشفعة والمرابحة، ولأنَّها لو وهبت الكُلَّ قبل القبض لم يرجع بشيء عليها، ولو قبضت الكل ثُمَّ وهبت يرجع بنصف الكل، فإذا قبضت النصف رد كل واحد منهما إلى أصله.
وجوابه أنه لو بقي بعد الحَطّ أقل من عشرة لم يجب شيء آخر، ولو كان حَقًّا لكمل عشرة، وفي هبة الكل بعد القبض لم ترد عين حقه، أما ههنا فبخلافه، وكذا لو وهبت من غيره وامرأته بقبضه؛ لأنَّها كأنَّها قبضته ثم استهلكته.
وإذا قال الرجل لامرأته لست لي بامرأة، أو قال: ما أنت لي بامرأة، أو قال لها: لستُ لكِ بزوج، أو قال: ما أنا لكِ بزوج؛ فعند أبي حنيفة: يقع بها الطلاق إذا نوى لأنها تحتمله؛ فإنَّه يقول: لستِ لي بامرأة؛ لأني أبنتك، فصار كقوله: لا نكاح بيني وبينك، ولما احتمل الإخبار بالكذب لم يقع بغير نية.
وعندهما لا يقع وإن نوى؛ لأنَّه إنكار فصار كقوله: لم أتزوجك، أو قال: والله ما أنت لي بامرأة؛ لم يكن طلاقا وإن نوى.
وكذا لو قال له: إنسان هل لك امرأة؟ فقال: لا؛ لم يكن طلاقاً وإن نوى.
الجزء 1 · صفحة 50
وقلنا: ما اختلفنا فيه يصلح إنكارًا ويصلح تطليقا، ويرجح هذا بالنية، بخلاف قوله: لم أتزوجك، لا يصلح تطليقا؛ ولهذا لا يصلح أن يقال: لم أتزوجك لأني أبنتك، وذكر اليمين لا يصلح قران الإنشاء به، وإنما يقترن به بالإخبار عن ماض؛ فكان إنكارًا لا غير، وكذا نفيه بعد السؤال كان إخبارًا لا إنشاء فتعيَّن إنكارا.
مسألة، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثا، وثلاثا إن شاء الله طلقت ثلاثا عند أبي حنيفة ويبطل الاستثناء.
وقالا يصح الاستثناء ولا يقع شيء؛ لأنه ألحق الاستثناء بكلام متصل فيصح، كما لو قال: أنت طالق واحدة وثلاثا إن شاء الله.
ووجه قوله أن قوله و «ثلاثا» لغو من الكلام لا معنى له ههنا أصلا، فيفصل كالمسكوت بخلاف ما استشهد به؛ لأنه وصل الثلاثة بالواحدة، والواحدة تحتمل المزيد عليه فصح، وعلى هذا قوله: أنت حر وحر إن شاء الله، يصح الاستثناء عندهما، ولا يعتق للاتصال صورة.
وعنده: لا يصح الاستثناء ويعتق؛ لأنَّ قوله: وحر لغو ففصل
مسألة، ولو قال لامرأته: أنت طالق إذا لم أطلقك، أو: إذا ما لم أطلقك فإن عني الوقت ونوى الشرط صح، وإن لم ينو شيئًا فعند أبي حنيفة: يُجعل الشرط ههنا، ولا تُطلق ما لم يمت أحدهما كما في قوله: (إن).
وعندهما للوقت، وتطلق إذا سكت، وقالا: كلمة «إذا» للوقت في الأصل، قال الله تعالى: {إِذَا السَّمَاء أَنفَطَرَتْ) الانفطار: فصار كقوله: (متى)، ولهذا إذا قال: طلقي نفسك إذا شئت كان كـ (متى)، ولا يقتصر على المجلس كما في (إن).
ووجه قوله: أنه صالح للوقت - كما قالا - وصالح للشرط، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَمِمُوا إِذَا مَا أَتَّقُوا} المائدة:، قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّل
وقال الشاعر:
استَعْنِ مَا أَعْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَ وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَة فَتَجَمَّل
الجزء 1 · صفحة 51
جزم بـ (إذا) فدل على أنَّه شرط، فنقول: إذا أريد به الوقت وقع للحال، وإن أريد به الشرط لم يقع، فلا يقع للحال مع الشك.
ومسألة قوله: أنت طالق إن شئت على هذا؛ لأنَّ المشيئة صارت في يدها، فإن أريد بها هذا بطل بالقيام عن المجلس، وإن أريد بها ذلك لا يبطل فلا يبطل بالشك.
مسألة، وإذا قال: أنت طالق في غد ونوى آخر النهار؛ صدق عند أبي حنيفة.
وعندهما: لا يُصدَّق في القضاء؛ لأنَّه جعل كل الغد ظرفًا، فإذا أراد آخره أراد تخصيص بعضه وإخراجه من أن يكون ظرفًا فلم يُصدق، كما إذا قال: أنت طالق غدا، ولا فرق بين اللفظين؛ لأنَّه ظرف في الجانبين.
ووجه قول أبي حنيفة: أن قوله: (غدًا) مفعول فعله لأنَّ الفعل يقع عليه، فإن قولك: طلقت امرأة اليوم فعل تعدَّى إلى مفعولين، كقولك: أعطيتُ زيدا درهما وإذا قال: في غد صار الغد ظرفًا لفعله؛ لأنَّ (في) كلمة ظرف إذا تعدى الفعل إليه في الأول اقتضى استغراقه، وإذا كان ظرفًا في الثاني اقتضى وجوده في جزء منه، ألا ترى أنه لو قال الله عليّ أن أصومَ عُمري، لزمه صوم العُمر؛ لأنَّ فعل أ الصوم تعدَّى إليه فاقتضى استغراقه، وإذا قال: في عمري، صار ظرفًا لفعل الصوم، ولما لا بد لتمام الصوم منه - وهو اليوم -، والظرف لا يقتضي استغراقاً، وإذا ثبت هذا ففي قوله: أنت طالق غدا، يقتضي الاستغراق وهو بوقوعه أول النهار، وليكون حكمه ثابتا في كل الغد، وإذا قال في غد كان في جزء من آخر الغد، وكان تعيينه إليه ولم يكن التعيين خلاف الحقيقة، وإذا لم ينو شيئًا كان جزء الأول أولى به للسبق.
مسألة: وإذا قال لها: أنت طالق قبل موت فلان بشهر لم تطلق حتى يموت فلان بعد اليمين بشهر أو أكثر، وإذا مات طلقت مستندا إلى أول الشهر عنده.
وقالا: تطلق بعد الموت مقتصرًا عليه وعلى هذا إذا قال: أنت طالق قبل موتي بشهر أو قبل موتك بشهر لا يقع شيء عندهما؛ لأنه لو وقع وقع بعد الموت والملك زائل فلا يقع شيء.
الجزء 1 · صفحة 52
وعنده: يقع مستندا.
مسألة: ولو كان قال: قبل موتي بشهرين وانقضت عدتها لم ترث عنده وعلى هذا لو قال: آخر عبد أملكه فهو حر، أو قال: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق ثلاثا يقع عنده إذا مات مستندا إلى الملك والنكاح.
وعندهما يقتصر ولا يستند.
ووجه قوله: أنه أضاف الطلاق إلى وقت كائن لا محالة؛ فكان توقيتا لا تعليقا، كقوله: قبل رمضان بشهر؛ لأنَّ الشرط ما يوجد وما لا يوجد كالقدوم ودخول الدار، فأما الموت فكائن.
ودليل ذلك: أنه لو قال لها: أنت طالق قبل موت فلان وفلان بشهر، فمات أحدهما بعد شهر طلقت، ولو كان شرطًا لتوقف على المَوْتَين كما في قوله: أنت طالق قبل قدوم فلان وفلان بشهر أنها لا تطلق بعد قدوم فلان بشرط.
ووجه قولهما: أنَّه علّق الطَّلاق بموتِ موصوف بصفة وهو موته بعد مضي شهر، والموتُ بهذه الصفة غير كائن فأشبه القدوم، وذا لا يستند.
قلنا: القدوم أصله قد يوجد ... وقد لا يوجد، فكان شرطًا محضًا فاقتصر، وقبل رمضان توقيت محض، فلم يتوقف، والموت أصله كائن، وبعد شهر موهوم فيتوقف على وجوده، واستند لكونه توقيتا.
ولو قال: من نكحت فهي طالق وطالق لم يكن إلا السابق.
ولو قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق وطالق وطالق، فتزوجها طلقت واحدة عند أبي حنيفة.
وقالا: ثلاثا.
وجه قوله: أنَّه علقهُنَّ على الترادف فيقعن كما علقهن، كما لو قال: إن تزوجتك فأنت طالق وبعدها أخرى وبعدها أخرى؛ وهذا لأنه لما قال: إن تزوجتك فأنت طالق تعلق الجزاء بشرط؛ لأنَّه لو سكت عليه تعلق به، فلما قال: وطالق، ودخل هذا عليه بعد تعلُّق الأول، والواو لا يوجب القران فلا يقترن به، بل يجتمع إليه إن أمكن، وهذا لا يصير، كأنَّه قال عند التَّزوج: أنت طالق وطالق؛ فوقع الأول لا غير، بخلاف ما إذا أخَّر الشَّرْط؛ لأنَّ الأول لا يتعلق به بل اجتمع ثم تعلق.
الجزء 1 · صفحة 53
ووجه قولهما: أنَّ الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، ولو جمعه بالكلمة فقال: إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثًا طلقت ثلاثًا إذا تزوجها كذا ههنا.
قلنا: ليس كالجمع بها في إرسال فكذا في التعليق.
مسألة، ولو قال لامرأته: أنت طالق ما بين واحدة إلى الثلاث، أو من واحدة إلى الثلاث أو إلى ثلاث، فعند أبي حنيفة يقع ثنتين.
وقالا ثلاثا.
وقال زفر: واحدة، وهو القياس؛ لأنَّ الحدَّ لا يدخل في المحدود، كما في قوله: بعث منك هذه الأرض من هذه الحائط إلى هذه الحائط، وقول أبي حنيفة استحسان.
ووجهه أنَّ الأول يدخل ضرورة؛ لأنَّه لو سقط لصار ما بعده أولًا لكونه حدا فيسقط فلا يبقى، وليس من ضرورة ذلك دخول الأخير.
وقالا: ذكر ما ليس له طول وعرض فيدخل كله، كما في قوله: كل من مالي من واحد إلى عشرة.
قلنا: هنا دلت دلالة الحال على إرادة الكل؛ لأنه يظهر به وجوده، وعلى هذا إذا أقر وقال: له عليَّ مِن درهم إلى عشرة دراهم فعنده: يلزمه تسعة، وعندهما: عشرة، وعند زفر: ثمانية.
ولو شهد شاهد بتطليقة وشاهد بتطليقتين لم يقض بشيء عنده.
وقالا يُقضى بتطليقة، وعلى هذا طلقة وثلاث تطليقات، وعلى هذا لو خيرها في طلقة واحدة فاختارت ثلاثا لم يقع شيء عنده.
وعندهما: تقع واحدة.
وجه قولهما: أنهما اتفقا على الأقل وانفرد أحدهما بالزيادة فيقبل ما اتفقا عليه دون ما انفرد أحدهما به كالطلقة والنصف مع الطلقة، وكما لو قال أحد الشاهدين: طلقها واحدة واحدة، وقال الآخر: طلقها واحدة.
ووجه قوله: أنهما اختلفا في المشهود به لفظا ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلان أحدهما فرد والآخر جمع وهما غيران، بل ضدان، بخلاف ما إذا شهد أحدهما بطلقة ونصف والآخر بطلقة؛ لأنهما شيئان وقد اتفقا على أحدهما وهو الأقل، وكذا واحد على الانفراد، وواحدة وواحدة على التكرار لهذا.
الجزء 1 · صفحة 54
مسألة، والمريض مرض موت إذا قال لامرأته: كنت طلقتك ثلاثا في صحتي وا ب وانقضت عِدَّتك، فصدقته ثم أقرَّ لها بدين أو أوصى لها بوصية، ثم مات، صح عندهما؛ لأنَّ النكاح زال بالكلية فصارت كالأجنبية فصح لها الإقرار والوصية.
وقال أبو حنيفة: لها أقل من الميراث ومما أوصى لها أو أقر لها؛ لأنَّ في الفصل تهمة فلا يُصدقان عليه في حق الورثة، كما لو طلقها بسؤالها ثم فعل ذلك.
وقالا: العدة ثم قائمة فبقي لها حق الإرث، فلا يبطل بحق الورثة، وههنا لا عدة فصار كما لو أبانها ثُمَّ أقرت بانقضاء العدة ثم فعل ذلك.
وقال أبو حنيفة: إنما سقطت العدة ههنا بتصادقهما فيتهمان، وليس كما لو طلقها فأقرت بانقضاء عدتها؛ لأنَّ الطلاق ظاهر لا تهمة فيه، وهي مؤتمنة على الإخبار بانقضاء العدة.
وإذا قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثا على ألف درهم فطلقها واحدة وقعت واحدة، ولا يلزمها شيء من المال عنده؛ لأنَّ كلمة «على» كلمة الشرط، قال الله تعالى: يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} الممتحنة:، فصار إيقاع الثلاث شرطًا للزوم الألف ولم يوجد، وكذا في البيع إذا اشتراه على ألف على أنَّه كاتب، أو على أنَّه خَبَّاز كان شرطًا.
وقال في «السير الكبير: إذا قال الكفار أمنونا سنة بألف فأمنوهم، ثم نقضوا الأمان في نصف السنة استحقوا نصف الألف، ولو قالوا: على ألف لم يستحقوا شيئًا.
وقالا عليها ثلث الألف؛ لأنَّ كلمة على في المبادلات كالباء؛ تقول: بعت بألف وعلى ألف وأجزت بكذا وعلى كذا، فيستويان.
مسألة، ولو قالت: طلقني وضرتي على ألف فطلقها وحدها فعليها بحصتها من الألف لو قسمت على المهرين، بخلاف الأمان؛ لأنه ليس بمعاوضة.
وقلنا: مسألة الضرة على الاختلاف، وعلى هذا لو قالت: طلقني واحدة على ألف فطلقها ثلاثا لم يجب شيء من المال عنده خلافًا لهما.
الجزء 1 · صفحة 55
ولو قالت: طلقني ثلاث ولك ألف دينار ففعل لم يجب المال عنده خلافا لهما، ولو أجابها فقال: أنت طالق ثلاثاً على ألف لم يقع الطلاق عنده إلا بقبولها بعد هذا.
ولو بدأ الزوج فقال: أنت طالق وعليك ألف درهم طلقت بغير قبول عنده، ولا يجب المال.
وقالا: يُشترط القبول ويجب المال؛ لأنَّه مبادلة فكان اشتراطا للمال كما في البيع والإجارة إذا قال: خذ هذا العبد وعليك ألف درهم، أو قال لعبده: أذ ألفا وأنت حر.
ووجه قوله: أنَّ هذا في الظاهر أمر منها بالطلاق، وإخبار منها أنَّ للزوج ألف درهم، أو تطليق من الزوج ودعوى للمال، وقد يذكر للمبادلة، فإذا احتمل لم يجب المال بالشك، ومسألة البيع والإجارة قام الدليل على أنَّه للمبادلة؛ لأ؛ لأنَّ البيع والإجارة لا يصحان إلا بذكر البدل، فأما الطلاق فيكون بمال وغير مال،: فلا يجب بالشك منه)، ومسألة العتق لا رواية فيه فتمنع، وإن سلم فطلب المال مقدم؛ فدل على اشتراطه للعتق.
مسألة: ولو طلقها على ألف درهم على أنَّ للزوج بالخيار ثلاثة أيام فالطلاق واقع والمال لازم، والخيار باطل بالإجماع؛ لأن إثبات الخيار لنفسه إثبات حق النقض، والطلاق لا يحتمل النقض ذلك، فإذا اشترطت المرأة الخيار لنفسها فكذا عندهما؛ لأنَّه اشتراط للخيار في الطلاق أيضًا.
وعند أبي حنيفة: الخيار ثابت، فإن ردت في الثلاث بطل الخلع، وإلا تم؛ لأنه اشتراط الخيار في تحليل المالِ مِن جهتها، فأشبه الخيار في البيع.
مسألة، وإذا قال لامرأته: أنت طالق كيف شئت، فلم تشأ في المجلس حتى قامت فهي واحدة رجعية عنده ـ وإن شاءت في المجلس ـ أو يكون بائنا أو ثلاثا كان كذلك إن نوى الزوج الثلاث.
وقالا: لا يقع شيء إلا بمشيئتها في المجلس، وقالا: هي كلمة توصل بها المشيئة في الطلاق فلا يقع بها شيء بدون المشيئة، كما في قوله: كم شئت، وما شئت، وإذا شئت وإن شئت.
الجزء 1 · صفحة 56
ووجه قوله: إنَّه أوقع الطلاق عليها وخيَّرها في الصفة؛ لأنَّ كلمة «كيف» كلمة استيصاف، والمعدوم لا يستوصف، كما قال الشاعر:
يقول خليلي كيف صبرك بعدنا فقلت وهل صبر فيسأل عن كيف
ولو قال لها: اختاري اختاري اختاري فقالت اخترتُ الأولى، أو قالت: الوسطى، أو قالت: الأخرى طلقت ثلاثًا عنده.
وقالا تطلق واحدة؛ لأنها اختارت واحدة من الثلاث فلا يقع إلا واحدة كما لو قالت: طلقت نفسي واحدة.
ووجه قوله: أنه لما قال اختاري، فقد علق طلاقها بجوابها، فلما قال ثانيا: اختاري؛ فقد علق الطلاق الثاني بما علّق به الطلاق الأول، وكذا الثالث؛ لأنَّه لو صار معلقًا الثاني والثالث بجواب آخر بطل؛ لأنَّ الأول بائن، والبائن لا يلحق البائن، وحيث صح دلَّ على أنَّه تعلَّق بالأول، فإذا أجابت بما أجابت فقد وجد شرط وقوع الثلاث فيقع الثلاث، كما إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق؛ فدخلت الدار مرة طلقت ثلاثا لوجود شرط الكُلِّ، فكذا هذا، ولهذا لو قالت: اخترت نفسي مرة، أو بمرة، أو بواحدة، أو واحدةً، أو اختيارةً، أو اخترت؛ طُلقت ثلاثا؛ لأنَّه جواب الكُل، كما لو قالت اخترتُ الكُلَّ مرة واحدة، ولو قالت: بتطليقة؛ فهي واحدة؛ لأنه صريح في طلقة واحدة.
ولو قال لها: اختاري من الثلاث تطليقتين ما شئت فليس لها أن تختار ثلاثا، ولو اختارت ذلك لم يقع شيء، ولها أن تختار واحدة أو ثنتين؛ وهذا قول أبي حنيفة؛ لأنَّ كلمة (من) للتبعيض فلا يتناول الكل.
وقالا لها أن تختار الثلاث؛ لأنَّ من قد يكون للاستيعاب، كما يُقال: كل من مالي ما شئت.
قلنا: سقطت حقيقة هناك لدلالة الحال، فإنَّه يراد به) الجود وذاك بالتعميم.
الجزء 1 · صفحة 57
مسألة، ولو طلقها واحدة ثم قال بعد ذلك جعلتها ثلاثا كان ثلاثًا عنده؛ لأن الواحدة لا تحتمل الثلاث بنفسه، ولكن يصير ثـ ثلاثا بضم الثنتين إليها، وله ذلك فيتضمن كلامه ذاك تصحيحا لكلام العاقل لقصده الصحة، ألا ترى أنه لو قال لها في الابتداء أنت ثلاثا، ونوى الطلقات وقعن وهي لا تتصف بالثلاث والتطليقات يتّصفن بذلك، فصحت من ذلك الوجه.
وقالا لا يكون إلا واحدة؛ لأنَّ الواحدة لا تحتمل الثلاث، ولهذا لو قال في الابتداء: أنت طالق ونوى ثلاثاً لا يصح؛ لأنه لا يحتمل، فلا يملك إثباته بهذا الطريق أيضًا؛ وجوابه ما مر.
مسألة، ولو قال لامرأته: أنت علي حرام كظهر أُمِّي؛ ونوى الطلاق أو التحريم المطلق أو الظهار فهو ظهارٌ عند أبي حنيفة؛ لأنَّه أفصح بالظهار في آخره فصار بيانًا لمجمل قوله: أنت على حرام.
وقالا إن أراد الطلاق كان طلاقا؛ لأنَّ قوله: أنت علي حراما؛ فيحتمل الطلاق فصحت نيته ولم يبطل ذلك بقوله: كظهر أمي؛ لأن ظهر أمه محرم عليه فلا يبطل حرمة الطلاق بتشبهها به.
قلنا: كله كلام واحد، وهو كناية عن الطلاق صريح في الظهار، والصريح أقوى، فكان أولى.
مسألة، وإذا ارتد المُظاهِر مع امرأته ثُمَّ أسلما، أو ارتدَّ ثُمَّ أسلم، ثُمَّ تزوجها، فالظهار بحالةِ عنده؛ لأنَّه تحريم، وقد صح في حالة الإسلام، والرّدة تُؤكد الحُرمة ولا يُبطلها.
وقالا: يسقط؛ لأنَّ الكُفر يمنع صحة الظهار ابتداءً عندنا – خلافًا للشافعي - فيمنع البقاء كاليمين بالله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 58
قلنا: الظهار في حالة الكفر إنما لا يصح؛ لأنه يوجب حرمة ترتفع بالكفارة، وذلك لا يُتصوّر في حالة الكفر، فأمَّا إذا ظاهر وهو مسلم انعقد على هذا الوجه وفي حالة البقاء لا يوجب إلَّا الحُرمة؛ والكُفر لا يُنافيها بخلاف اليمين بالله تعالى؛ لأنَّ الكفارة فيها مقصودة لقيامها مقام البر، وذلك مقصود، والكفر ينا فيها؛ فأمَّا ههنا فحكمه الحرمة مقصودا، والكفارة ترفعها، والكفر) لا ينا في الحرمة.
مسألة، ولو قال لامرأته: إن قربتك فأنت علي حرام، ونوى به اليمين كان موليا للحال عنده؛ لأنَّ تحريم الحلال يمين فصار كأنه قال: فعلي يمين، فذاك إيلاء للحال بالإجماع.
وعندهما: إذا أقر بها مرة صار مُؤليا؛ لأنَّه يصيرة كأنَّه قال: إن قربتك فوالله لا أقربك، وههنا لا يصير موليا حتى يقربها؛ كذا ههنا.
قلنا: ثُمَّ منع نفسه عن القربان الثاني، وههنا عن القربان الأول، وصار كما لو قال: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي.
مسألة، ولو حلف الذمي ألا يقرب امرأته إن كان بطلاق أو عتاق فهو إيلاء؛ لأنه من أهلهما، وإن كان بعبادة لم يكن إيلاء؛ لأنَّه ليس من أهلها، فإن حلف على ذلك بالله فهو إيلاء عنده؛ لأنه يمين للحال، وطلاق إذا لم يقربها في المدة وهو من أهل اليمين والطلاق جميعا؛ أما اليمين فقد قال النبي في حديث القسامة: «تحلف لكم اليهود خمسين يمينا)، وكذا يحلف في الدعاوى، ولأنه يعتقد حرمة اسم الله تعالى ولهذا يُستحلف به، لكن إذا حنث لا يُؤمر بالكفارة؛ لأنها عبادة، وهو ليس من أهل العبادة.
وأما أهلية الطلاق فظاهر، وقالا: لا يكون إيلاء؛ لأنه يطؤها من غير كفارة تلزمه، فصار كحلفه بحج أو صوم بخلاف حلفه بالطلاق لأنه يقع. وقلنا: لا يمكنه قربانها من غير شيء فإنَّه يحنث وإن لم يؤمر بالكفارة.
الجزء 1 · صفحة 59
مسألة، ولو نفى حبل امرأته وقال هو من الزنا لم يكن قذفا ولا لعان فيه عند أبي حنيفة ولا حد قال: لا ندري لعله ريح، ولأنه تعليق القذف بالشرط معنى؛ لأنَّه قال: إن كان بك حبل فهو من الزنا، وذلك ليس بقذف.
وقالا: إن ولدته لأقل من ستة أشهر بعد قذفها فهو قذف موجب للعان وقطع النسب؛ لأنا تيقنا بـ ا بوجوده عند النفي، فصار كنفي الولد المولود.
وجوابه ما قلنا.
مسألة، ولو نفي الولد ولا عن انتفى إذا كان ذلك حين يولد أو بعده بيوم أو نحوه عند أبي حنيفة، ولم يوقت بشيء غير هذا؛ لأنَّ النَّفي لا يثبت إلَّا بعد الولادة، فيُعتبر بحضرة الولادة.
وروي ابن زياد عنه إلى سبعة أيام؛ لأنَّ النبي عن عن الحسن والحسين في اليوم السابع، وهذا فعل يفعله الملتزم للنسب.
وقالا إلى أربعين يومًا؛ لأنَّ النفاس أثر الولادة فكأن هذا بحضرة الولادة.
فإن كان الزوج غائبًا ثم بلغه الخبر، فعند أبي حنيفة هو كوقت الولادة.
وقالا: إن بلغه في النفاس إلى تمام مُدَّته؛ فإن كان بعد فعند أبي يوسف له أن ينفيه إلى سنتين؛ لأن وقت النفاس قد مضى فيُعتبر وقت الرضاع، وعند محمد له ذلك أربعين يوما.
مسألة، فإن مات الولد المنفي عن ولد فادَّعى الأب هذا الولد؛ فإن كان الولد الأوَّل المنفي أُنثى، والثاني ذكر أو أنثى لا يثبت النسب في قول أبي حنيفة؛ لأنَّ نسب الولد الثاني إلى أبيه؛ فاستغنى عن إثبات النسب عن أُمه، فلم يُشارك الولد الميت بخلاف الذَّكر؛ لأنَّ الثاني يُنسب إليه ويحتاج إلى إثبات النسب كالأول فاشتركا.
وعندهما يثبت لأنَّ بين الولدين أحكام النَّسب من رد الشهادة وعدم جواز أداء الزكاة فاشتركا، والله أعلم بالصواب.
كتاب العتاق
مسألة، وإذا شهد الشاهدان بعتق العبد والعبد ينكر لم يصح عنده.
الجزء 1 · صفحة 60
وقالا يصح؛ لأنه عتاق فلا تشترط الخصومة لثبوته قياسًا على عتاق الأمة، وهذا لأن العتاق حكم شرعي، وهو أنَّه: يصير بحيث لا يتملك إلا بالاستيلاء كالتحريم في النساء، هو صيرورة المرأة بحيث لا يملك نكاحا من حيث تثبت الحرمة في حقه، وذاك حق الله تعالى لا حق لأحد فيه، فلا يشترط لإثباتها خصومة العباد، وصار هذا كالطلاق.
ووجه قول أبي حنيفة: أنَّ العتاق قدرة حكمية رافعة لأسباب الملك موجبة مالكية يملك بها نفسه ومنافعه حتى يكون بذل نفسه له، ويملك التصرف فيه إجازة ونكاحا، وهذا حق الآدمي؛ فيشترط خصومته لإثباته بخلاف الطلاق، فإنَّ المرأة المنكوحة مالكة نفسها ومنافعها، ولا يزداد لها ملك بالطلاق، وإنما يرتفع عنها الحجر والمنع؛ ولأنَّ في الطلاق تحريم الفرج، وحرمة الوطء حق الله تعالى، وكذا في العتاق للأمة تحريم الفرج وبه اعتدت في الكتاب؛ وذلك حق الله تعالى.
وعلى هذا إذا شهد اثنان على رجل أنَّه أعتق أحد عبديه هذين لم يُقبل عنده لعدم الدعوى.
وعندهما يُقبل.
وقال أبو حنيفة: وفي إحدى الأمتين كذلك؛ لأنَّ المجهولة لا يصلح خصما؛ وليس في إعتاق أحد الأمتين منهما تحريم الوطء في حق ملك الموطئ؛ كان العتاق غير نازل في الحين على ما نُبين في المسألة التي تلي هذه. مسألة، وإذا أعتق إحدى أمتيه ثم وطئ إحداهما لم تتعيَّن الأخرى عند العتق.
وعندهما هو بيان أنَّ الحرّة غيرها؛ لأنَّ الوطء تصرُّف لا يَحلُّ إِلَّا في الملك، فيدل فعله على اختيار الملك؛ كبيع إحداهما واستيلادها، وكتابتها، وتدبيرها، وإعتاقها، وكما في تطليق إحدى امرأتيه ثلاثا إذا وطئ إحداهما كان بيانا أنَّ المُطلقة ثلاثا هي الأخرى.
الجزء 1 · صفحة 61
ولأبي حنيفة: أنَّ العتق غير نازل في حق العين منهما، والوطء يُلاقي المُعيَّن فلا يصير بيانًا، كما لو كان العتق مُعلَّقا بشرط: إن دخلت الدار فإحداهما حرة، ثم وطئ إحداهما لا يكون بيانًا بخلاف الوطء في إحدى المطلقتين ثلاثا؛ لأنَّ البيان ثبت بحكم الوطء لا بعينه؛ لأنَّ الطلقات الثلاث محرم، وبين التحريم والوطء الحلال تضاد، أمَّا هنا فلا تضاد بين العتاق وحل الوطء؛ لأن وطء الحُرَّة يحل إذا وُجد سببه.
مسألة، ولو قيد رجل عبده وحلف بعتقه إن قيَّده عشرة أرطال، ثم حلف بعتقه إن حله هو أو غيره، فشهد شاهدان أنَّ في قيده خمسة أرطال قضى القاضي يعتقه بشهادتهما، ثُمَّ حلَّه فإذا هو عشرة أرطال، وظهر أنهما شهدا بباطل ضمنا قيمته لمولاه عنده خلافًا لهما، وهي مسألة قضاء القاضي بشهادة الزور أنه ينفذ ظاهرا وباطنا عنده خلافا لهما، فهَهُنا قضى القاضي بحريته بشهادتهما ونفذ قضاؤه عنده فلم يعتق بالحل بعده فلم يسقط الضمان.
وعندهما لا ينفذ وعتق الآن بالحل.
وفي الشهادة على كونه عشرة أرطال إنَّما ضمنا عنده، وإن كان شرطًا والإعتاق من المولى؛ لأنهما شهدا على تعليق العتق بشيء موجود للحال وهو تنجيز حقيقة، فقد أثبتا العتق فضمنا.
مسألة، ولو شهدا بعتق عبد فقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا وضمنا، ثم جاء آخران فشهدا بإعتاقه قبل شهادتهما لم يسقط الضمان عنهما عنده. قيل: هو فرع مسألة نفوذ قضاء القاضي بشهادة النُّورِ ظاهرا وباطنا عنده، والأمة والعبد في هذا سواء.
وقيل: هو فرع مسألة اشتراط الدعوى في عتق العبد، فلما نال العبد الحرية فلم يحتج إلى الدعوى فلم تقبل الشهادة بدونهما، فإن كان كذلك ففي مسألة الأمة تُقبل.
الجزء 1 · صفحة 62
مسألة: عبد بين شريكين أعتق أحدهما نصيبه بغير إذن صاحبه عتق نصيبه، وصار الباقي كالمكاتب عنده، فإن كان المعتق موسرا فالشريك إن شاء استسعاء في نصف قيمته؛ لأنَّ ماليَّته وقعت في يده فيستخرجه بالسعاية، وإن شاء أعتقه؛ لأنه ملكه، وإن شاء ضمن شريكه؛ لأنه أفسده.
فإن أعتقه أو استسعاه فالولاء مِنْهم؛ لأنَّ الإعتاق بينهما، وإن ضمن الشريك فالولاء كله للضامن؛ لأنَّه ملكه بالضمان، وإذا ضمن فله أن يستسعي العبد فيما ضمن؛ فإذا سعى عتق، وإن كان المعتق معسرًا فليس له أن يضمنه وله الإعتاق والاستسعاء.
وقالا: إذا أعتق أحدهما نصيبه بغير إذن صاحبه عتق الكل، والولاء كله له موسرًا كان أو معسرا، لكن إن كان موسرًا فالساكت يضمنه، ولا يكون له أن يستسعي العبد، وإن كان معسرًا استسعى العبد ولا يضمن المعتق.
واحتجا بقول النبي: مَن أعنق شقصًا من عبد عتق كله، ليس الله تعالى فيه شريك)، وقال النبي: (من أعنق شقصًا من عبد بينه وبين شريكه قوم عليه نصيب شريكه، فيضمن إن كان مُوسرًا وسعى العبد في قيمته إن كان معسرا»، ولأنَّ العتق لا يتجزأ؛ لأنه وصف حكمي تبتنى عليه أحكام شرعية من المالكية والولاية والأهلية، وهي لا تتجزأ، وما لا يتجزأ إذا وجد في البعض ثبت في الكُلِّ مقتضاه شائعًا عليه، تصحيحا له كما في الطلاق والعفو عن القصاص.
ولأبي حنيفة رواية ابن عمر، عن النبي أَنَّه قال: «مَن أعتق شقصًا له في عبد كلف بعتق بقيَّته)، والتكليف يدل على أنَّ العبد لم يعتق كله ولم يزل عتق ما بقي منه.
وما روى عنه فالمشهور روايته عن ابن عمر موقوفا عليه، والأثر لا يُعارِض الخبر.
والحديث الثاني دليلنا لأنَّه قال: وسعى العبد في قيمته إن كان معسرا سماه عبدا فدل أنه لم يعتق كله.
الجزء 1 · صفحة 63
والمعنى في المسألة أنه أعتق بعضه فلا يثبت حكمه في كله كما في البيع والهبة، وهذا لأن الحكم لا يُثبت بقدر السب؛ فإذا وجد السبب في بعضه لا يثبت حكمه في كلّه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة ههنا؛ لأنَّ العتق هو القوة، والقوة هي المالكية والأهلية والولاية واستحقاق الميراث لا يتجزأ لكن القوة على دفع أسباب التمليك عن نفسه يتجزأ؛ لأنَّها يثبت بزوال ملك غيره عن نفسه، والمحل في زوال الملك عنه يقبل التجزئة، فإنَّه لو باع أو وهب بعضه صح فنس هذه القوة ههنا إن لم يثبت تلك القوة.
مسألة، ولو شهد أحد الشَّريكين على الآخر أنَّه أعتقه، وهو يُنكر سعي العبد بينهما كيفما كان عنده، والولاء لهما؛ لأنَّ يسار المعتق لا يمنع السعاية عنده؛ فإنَّ للشريك أن يستسعيه مع يسار المعتق إذا ضمن له فله أن يستسعيه.
وقالا: إن كانا موسرين لم يسع لهما، وإن كانا معسرين سعى لهما؛ فإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرا سعى للموسر عسر وحده؛ لأنَّ يسار المعتق عندهما مانع عن السعاية، فكل واحد منهما في اليسار يدعي الضمان على شريكه دون السعاية، وفي الإعسار يَدَّعي السعاية دون الضمان، والمُوسِر يدعي السعاية إن كان شريكه مُعسرًا، والمُعسر يدَّعي الضمان إن كان الشريك مُوسرًا، والولاء موقوف؛ لأنَّ كل واحد منهما يدعي العتق على الآخر.
والمستسعى في إعتاق أحد الشريكين والورثة والغُرماء في إعتاق المريض كالمكاتب عنده لما قلنا في التجزيء.
وعندهما حر وعليه دين.
مسألة، والعبد المرهون إذا أعتقه الراهن وهو مُعسر سعى وهو حُرٌّ بالإجماع؛ لأنَّ الدين ههنا على الراهن، ولا حق في رقبة العبد. مسألة، ولو شهد شاهدان على الشريك الحاضر أن شريكه الغائب أعتقه لم يقض به عنده؛ لأنه لا قضاء على الغائب.
وقالا: يقضي بينهما؛ لأنه لا تجزئ عندهما، فكان شهادة على عتق نصيب الحاضر فكان خصما.
الجزء 1 · صفحة 64
مسألة: رجلان ملكا عبدًا شراءً أو هبة أو صدقة، والعبد قريب أحدهما عتق نصيبه، ولا ضمان عليه للآخر عنده، وكذا لو كان العبد الواحد فباع نصفه من قريبه عتق عليه ولا يضمن البائع عنده.
وقالا يضمن؛ لأنَّه أعتقه حكمًا، فقد أفسده على شريكه.
ووجه قوله: أنه أفسد نصيب صاحبه برضاه فلا يضمن له، كما لو أعتق نصيبه بإذن شريكه في عبد مُشترك بينهما لأقاربه بينهما، وبيانه أنه أعتقه بقبول التمليك، وكان ذلك برضا شريكه، بل بطلبه؛ لأن التبايع تطلب قبول المشتري، وأحد المشترين يطلب قبول الآخر لصحة قبوله والطلب فوق. الرضا.
مسألة، والمكاتب إذا ملك أخاه أو عمه ونحوهما لم يكات عليه، وله أن يبيعه عنده خلافًا لهما.
قالا: إنه يعتق عليه إذا ملكه وهو حر فيتكات عليه إذا كان مكاتبا؛ كالوالدين والمولودين.
ووجه قوله: أنَّ هذه القرابة تُشبه قرابة بين الأعمام من وجه، فإنَّه لا يحرم منكوحة أحدهما على الآخر، وتُقبل شهادة أحدهما للآخر، وشبه قرابة الولاد من وجه فإنه يحرم الجمع بينهما نكاحًا، وتحرم مُناكحة بينهما فألحقناها بقرابة الولاد في حق العتق عليه إذا ملكه، وبقرابة بين الأعمام في أنَّه لا يتكاتب عليه؛ لأن العتق أسرع نفوذا من الكتابة؛ فإنَّ أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه لم يكن للآخر أن يبطله، ولو كاتبه فللآخر أن يبطله به، وإذا ملك زوجته فعلى هذا.
مسألة، وأم الولد لا قيمة لها عنده حتى أنَّ أم ولد الشريكين إذا أعتق أحدهما نصيبه منها عتق نصيب الآخر بلا سعاية ولا ضمان عنده؛ لأنها تعتق بعد موت المولى من جميع المال ولا يستسعى للغُرماء ولا للورثة في شيء، وكذا لو قتلت سيدها عتقت ولا سعاية عليها؛ فدل على أنها غير متقومة.
وقالا لها قيمة، فإن كان مُوسرًا ضمن وإن كان معسرا سعت؛ لأنَّ المولى يملك منها ما يملك من المُدبَّرة من الوطء والاستخدام والإجارة والكتابة، فكانت متقومة كالمدبرة.
الجزء 1 · صفحة 65
قلنا: حكم الوطء وغير ذلك لقيام الملك ولا كلام فيه، إنما الكلام في التقوم.
مسألة، ولو اشترى أم ولد أو مُدبَّرة وقبضها المشتري وهلكت عنده لم يضمن قيمتها المشتري للبائع عنده، وكذا المكاتب؛ لأن هؤلاء ليسوا بمحل للبيع والقبض بإذن المالك فلم يضمن به.
وقالا يضمن؛ لا؛ لأنَّه مقبوض على سوم الشراء، وجوابه ما مر.
مسألة، وإذا اختلف المولى والمُكاتب في قدر بدل الكتابة فالقول قول العبد مع يمينه عنده.
وقالا يتحالفان، وهو قول أبي حنيفة:
أولا: لأنهما اختلفا في بدل عقد يقبل الفسخ، فصار كالبيع والإجارة.
ووجه قوله الآخر: قول النبي: واليمين على من أنكر) وهو العبد، والتحالف في البيع ثبت بخلاف القياس، ولا يُقاس عليه غيره إذا لم يكن في معناه، وهذا ليس في معناه؛ لأنه مبادلة مال بغير مال.
مسألة، ولو أنَّ رجلا اشترى عبدًا من رجل ثم قال المشتري: إنَّ بائعه كان دبره قبل بيعه، وأنكر البائع ذلك، وجنى العبد جناية فهي موقوفة عنده.
وقالا: هو في كسبه؛ لأنَّ موجب جنايته على المولى، وإذا جعلنا ذلك في کسبه - وكسبه لمولاه - فقد جعلناه على المولى.
ووجه قوله: أنه موجب جناية مدبر على مولاه وهو مجهول، فيعذر الحكم
وإذا قال الرجل لأمته أول ولد تلدينه فهو حر، فولدت ولدا ميتا ثم ولد حبا عتق هذا الحي عنده.
وقالا: لا يعتق؛ لأنه أعتق الولد الأول وهو ميت فلغى، ثم ولدت الحي ولا يمين فلم يعتق.
ووجه قول أبي حنيفة: أنه وإن أطلق الولد لفظاً فقد تقيَّد بالحي دلالة؛ لأنَّه وصفه بالحرية؛ والميت لا يوصف بها.
مسألة، والحربي إذا أعتق عبده الحربي في دار الحرب، ثُمَّ أسلم أو صار ذميا وهو عنده فهو ملكه عند أبي حنيفة؛ لأنها دار قهر واستيلاء؛ ألا ترى أنه لو استرق حُرا فيها صح، فلا يزول ملكه عنه بقوله إذا لم يخل سبيله بيده.
وقالا: يصح ويعتق؛ لأنَّه يصح من الذَّمي في الذمي؛ فكذا من الحربي في الحربي.
الجزء 1 · صفحة 66
وقلنا: لا استيلاء هناك، فإن أعتقه وخلى سبيله عتق لزوال القهر، ولو كان العبد مُسلِمًا عتق بالإعتاق؛ لأنَّ الاستيلاء على المسلم لا يتحقق.
ولو أعتق المُستأمن في دارنا عبده الحربي أو المُسلِم لأنها ليست بدار قهر.
ولو قال المُكاتب أو القِنُّ أو الحربي: كلُّ مملوك أملكه فيما استقبل، أو إلى ثلاثين سنة، أو أبدًا فهو حُرٌّ، فعتق العبد أو أسلم الحربي، ثم ملك عبدا لم يعتق عنده.
وقالا يعتق لأنَّ المُعلَّق بالشرط كالملفوظ به لدى الشرط، فإن كان بعد الحرية صادف الملك فصحَ عتق)، وإن كان قبل الحرية لم يُصادفه فلا يصح، كما لو قال لعبد: إن اشتريتك فأنت حر؛ فاشتراه لنفسه عتق، وإن اشتراه الغيره لم يعتق.
ووجه قوله: أنَّه أضاف العتق إلى ما يملكه هو في المستقبل وهو عبد، فيقع على ملكه ما يقع للعبد، وذاك لا يكفي للعتق فبطل.
مسألة، وإذا دبَّر مكاتبه ثم مات المولى ولا مال غيره فالمكاتب بالخيار إن شاء سعى في ثلثي القيمة، وإن شاء سعى في ثلثي بدل الكتابة عنده.
وعندهما يسعى في أقلهما؛ لأنَّه لم يعتق كُلُّه عنده بالتدبير بل ثلثه، وتوجه له وجها عنق:
أحدهما: أن يسعى في ثلثي قيمته حالا فيعتق بالتدبير.
والثاني: أن يسعى في ثلثي بدل كتابته مؤجلا فيعتق بالكتابة مؤجلا فيختار أيهما شاء.
وعندهما عتق كله فيلزمه أقل المالين حالا؛ لأنَّه لا فائدة في التخيير، فإنَّه لا يختار الأكثر ههنا، وكلاهما حالان.
مسألة، المكاتب إذا اشترى أباه أو أمه أو ولده وتكاتبوا عليه ثم مات المكاتب فإنَّهم لا يقومون مقامه في الأداء مقامه على النجوم، بل يعجلون أو يُردون في الرق عنده.
وقالا: بل يُؤدُّون على النُّجوم لأنَّهم تكاتبوا عليه تبعا له، فيسعون على نجومه كالولد المولود في كتابته؛ وهذا لأنهم صاروا بمنزلته حتى ملك المولى بإعتاقهم كإعتاق المكاتب بخلاف سائر أكساب المكاتب.
الجزء 1 · صفحة 67
ووجه قوله: أنَّ الأجل ثبت شرطًا في العقد، فلا يثبت في حق من لم يدخل تحت العقد لعدم سببه؛ فإنَّ الولد المشترى لم يكن عند العقد فلم يضف إليه العقد، ولا يسري حكمه إلى الولد؛ لأنَّه منفصل بخلاف المولود؛ لأنه يسري إليه حكمه حالة الإيصال، وكان ينبغي في القياس أن يُباعوا بعد موته لفوات المتبوع فيبطل في التبع؛ لكن إذا عجّلوا صار كأنه مات عن وفاء.
مسألة: وإن قتل المكاتب رجلًا عمدًا فصالحه على مال جاز، فإذا أدَّى بَدَل الصلح ثم عتق أو أعتق) ثم أدَّى جاز، وإن لم يُؤدِّ حتى عجز ورُدَّ في الرِّق فالصلح في حق المولى فاسد، ولا يؤاخذ به إلا بعد العتق عنده؛ لأن الصلح عن دم العمدِ ليس من التجارة ولا من التَّكسب؛ لأنَّ إعطاء المال لا عن مال، فلا ينفذ على المولى إلَّا أنَّه يُطالب به في حال الكتابة؛ لأنَّه لا يتناول حق المولى؛ لأنَّه يجب في ذِمَّته ويُؤدِّيه من كسبه، والآن صار في حقه فلم يصح وصار كالعبد المحجور إذا أقر بقتل رجل عمدًا، أو له وليَّان صح فيقتل به، ولو عفا أحدهما وصار مالا لا يُؤاخذ به ما لم يعتق؛ لأنَّ القصاص يتناول روحه صح، والمال حق المولى فلم يصح.
وقالا: لا يبطل لأنه دين وجب عليه واستقرَّ وجوبه؛ لأنه صالح وله ولاية الصلح، فلا يبطل عنه لعجزه كالديون بالإقرار والاستهلاك والشراء، والفرق ما بينا، وإن كان أقر بذلك ولم يقض به حتى عجز لم يؤخذ به؛ لأن إقراره لا يلزم مولاه، فإن جنى ثم عجز قبل أن يقضى عليه خُيّر مولاه بين الدفع والفداء؛ لأنَّه لم يصر دينًا، فإن قضى بالسعاية ثم عجز فهو دين في رقبته يُباع فيه أو يقضي السيد كسائر الديون.
مسألة، والمكاتبة إذا ولدت بنتا ثم ولدت البنت بنتا، ثم أعتق المولى الوسطى عتقت هي بالإجماع، ولا تعتق العليا؛ لأنَّ عتق التَّبع لا يوجب عنق الأصل.
الجزء 1 · صفحة 68
ولا تعتق السفلى عندهما؛ لأنَّها تبع للعُليا لا للوسطى؛ ولهذا تعتق السفلى والوسطى تعتق العليا؛ ولهذا تسعيان في كتابتهما فلا تعتق السفلى بعتق الوسطى لعدم التبعية.
وعند أبي حنيفة: تعتق لأنها تبع للعليا بواسطة الوسطى؛ لأنها تبع الوسطى والوسطى تبع العليا، فكانت تبعًا لهما جميعًا، فتعتق كل واحدة منهما جميعا، وهو كدين على رجل وبه كفيل، وعن الكفيل كفيل؛ إن إبراء الأصيل إبراء لهما، وإبراء كفيل الآخر إبراء له خاصة، وإبراء الكفيل الأول إبراء له؛ وللكفيل الثاني دون الأصيل.
ولو قال رجل: عبدي أو حماري حُرّ عتق العبد عنده.
وقالا: لا يعتق؛ لأنَّ «أو» كلمة شك، فقد وقع الشك في عتقه فلا يعتق.
ووجه قوله: أنَّ الحمار ليس بمحل للحريَّة، فتعين لها العبد لزوال المزاحم.
كتاب المكاتب
مسألة الكتابة تتجزأ عنده كالعتق فإذا كاتب نصف عبده فنصف كسبه لمولاه عنده؛ لأنه ليس بمكاتب، ونصفه للعبد وهو حصة النصف المكاتب.
وقالا: صار كله مكاتبا فاستحق كل كسبه.
مسألة: حربي مستأمن في دارنا اشترى عبدا مسلما، وأدخل دار الحرب عتق العبد عند أبي حنيفة من غير ولاء، وكذا عبد الحربي إذا أسلم في دار الحرب، فباعه من مسلم أو حربي مثله.
وقالا: لا يعتق.
وإذا غنمه المسلمون عتق بالإجماع؛ لأنَّه يُقوّى بالمسلمين، وقهر مولاه فصار كالخروج إلى دار الإسلام.
ووجه قولهما: أنه لم يصر مستوليا على مولاه ولا أعتقه المولى، فلا يعتق كما قبل دخول دار الإسلام وقبل البيع.
ووجه قوله: إن العبد استحقَّ الإزالة عن ملكه؛ ولهذا يُجبر المولى على بيعه، وتعذر بإزالته يؤمر بالبيع، فيقام سبب آخر له أثر في الزوال مقام ذلك، وهو تباين الدار والبيع؛ كامرأة الحربي إذا أسلمت في دار الحر بانت بثلاث حيض إذا تعذر التفريق بينهما بالقضاء بالفرقة لما أن العدة لها أثر في ذلك كما في طلاق الرجعي.
الجزء 1 · صفحة 69
والمكاتب إذا أوصى بثلث ماله، ثم عتق ثم مات لم تجز وصيته عنده خلافًا لهما؛ وهو نظير ما مرَّ في قول المكاتب كل عبد أملكه إلى ثلاثين سنة فهو حر، والله أعلم.
كتاب الولاء
مسألة، وإذا والت المرأة رجلاً على نفسها وعلى ولدها الصغير صح عنده.
وقالا: لا يصح؛ لأنه لا ولاية لها عليه؛ ولهذا لا يصح تصرفها في ماله، ففي نفسه أولى.
وقال أبو حنيفة: الولاء كالنَّسب، والولد ينتفع به؛ فيصح ذلك منها عليه كقبول الهبة ونحو ذلك.
وعلى هذا لو والت رجلا، ثم ولدت فولاؤه ثابت للرجل أيضًا عنده خلافا لهما، وعلى هذا إذا أقرت بولائها لرجل فصدقها وفي يدها ولد صغير لا يُعرف أبوه صار الولد مولى له عنده خلافًا لهما.
مسألة، ولو أقر أنه مولى فلان ولا عتاقة فقال فلان: أنت مولاي - ولا موالاة - فهو مولاه لتصادقهما في الولاء، وإن اختلفا في قوته وضعفه، وليس له أن يتحول بولاية عنه عند أبي حنيفة، وإن كان ولاء المولاة يقبل الفسخ والنقل؛ لأنه أقر بولاية العتاقة أولا، ولم يبطل ذلك بتكذيب المُقر له، وهو نظير من أقر بنسب ولد أمته من فلان إذا كذَّبه فلان، ثم ادَّعى هو النَّسب لنفسه لم يُصدَّق عنده.
وقالا: يُصدَّق؛ لأنَّ الإقرار يبطل بتكذيب فصار كأن لم يكن.
ولأبي حنيفة أنه إذا أقرّ بما لا يحتمل النقض فلا يبطل برد المقر له، كمن شهد على رجل بنسب وردت شهادته لمعنى، ثم ادَّعى الشاهد أنَّه ابنه لم يصح كذا هذا، وكذا إذا أكذبه المقر في الولاء أصلا، ثم أقر بالولاء لآخر لم يصح عنده لهذا.
ولو أقرَّ له بولاء الموالاة وادَّعى المُقرُّ له ولاء العتاقة فهو مولى، لكن له أن يتحوّل عنه ما لم يعقل عنه؛ لأنَّ ولاء العتاقة لم يثبت بمجرد دعواه.
كتاب الأيمان
مسألة، وإذا قال: الله عليَّ المشي إلى الحرم، أو قال: إلى المسجد الحرام فلا شيء عليه عنده.
الجزء 1 · صفحة 70
وقالا عليه حجة أو عمرة اعتبارًا بقوله: الله تعالى علي المشي إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى مكة، وفيه إجماع والكل سواء في المعنى.
ووجه قوله: أنَّ الناس تعارفوا التزام الحجة أو العمرة بذلك، ولا عُرف في هذا، ولا دلالة في إيجابها في اللفظ؛ ولهذا لا يجب بالإجماع في ذكر الذهاب أو الإتيان أو السفر أو الخروج مكان المشي.
مسألة، ولو قال كل ثوب ألبسه من غزلِك فهو هدي؛ فغزلت من قطن اشتراه بعد هذا فنسجه فلبسه، فعليه أن يهديه عنده.
وقالا: لا يُكره إلا أن يكون من قطن يملكه يوم اليمين؛ لأنَّ النَّذر لا يصح إلا في الملك أو مضافًا إلى الملك، والغزل واللبس ليسا من أسباب الملك.
ووجه قوله: أنَّ المرأة تغزل من قطن يملكه الزوج عادة، فتقيد بالعادة، وصار كأنه قال: من قطن أملكه.
مسألة، وإذا حلف لا يأكل رأسًا، ولا يشتري رأسًا فهو على رؤوس البقر والغنم خاصة ما لم ينو غير ذلك عنده؛ لأنها هي التي كانت تُباع في الأسواق في عصره.
وقالا: هو على رؤوس الغنم خاصة، وكانت في عصرهما تُباع هي لا غير؛ فكان اختلاف زمان لا برهان.
ولا يقع على رؤوس الجزور لعدم العُرف إلَّا رواية عن أبي حنيفة، ولا على رؤوس الطَّير إلَّا أن ينويها.
مسألة: ولو حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها لم يحنث عنده؛ لأن حقيقته مستعملة فاقتصرت يمينه عليها؛ كما لو حلف لا يأكل من هذه الشاة لم يحنث من لبنها وسمنها.
وقالا يحنث بها وبخبزها؛ لأنَّ الحنطة في حالة ذكر الأكل يُراد بها ما يُتَّخذ منها؛ فإنَّه يُقال: فلان يأكل من حنطة قرية كذا، ويفهم به ما قلنا.
ويقع على العين أيضًا لأنَّها مُستعملة، وصار كقوله: لا أضع قدمي في دار فلان أنه يحنث ... بالدخول حافيًا وراكبا.
الجزء 1 · صفحة 71
وقلنا: الجمع بين الحقيقة والمجاز ممتنع، وثَمَّ صار وضع القدم عبارة عن الدخول، وكلاهما دخول، أمَّا ههنا الحقيقة مرادةٌ، فلا يقع على المجاز؛ كمن حلف لا يأكل من هذا العنب لم يحنث بأكل عصيره وزبيبه؛ لأن عينه مراد.
مسألة، ولو حلف لا يأكل فاكهة فأكل عنبا أو رمانًا أو رطبا لم يحنث عنده؛ لأنَّ الله تعالى أفردها بالذكر بعد ذكر الفاكهة في قوله تعالى: {فِيمَا نَكِهَةٌ ونخل ورمان} الرحمن:، وقال الله تعالى: {فَابْتَنَا فِيهَا حَنَّا وَعِبَا وَقَضَبا) وزنونا ونخلا} عبس: - إلى أن قال تعالى: {وَقكِهَةً وَأَنَّا} عبس:؛ ولأنَّ الفاكهة ما تُعدُّ للتَّفكه لا غير، وهذه الأشياء الثلاثة لا تعد له خاصة؛ بل قد يُعدُّ العنب لاتخاذ العصير والزبيب وغير ذلك، وكذا التّمر والرمان يُعدان لاتخاذ التمري والرُّماني؛ فإذا احتمل بين الأمرين لم يكن لأحدهما.
وعندهما يحنث؛ لأنَّه من نفس الفواكه عند النَّاس، وتخصيصها في الآية بالذكر للتشريف كما في قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَتَبِكَيْهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ ور ميگنل} البقرة:، وقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ) النساء:.
وقلنا: حقيقته للمغايرة.
مسألة، وإذا حلفت المرأة لا تتحلى لم تحنث باللؤلؤ وحده عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يُسمى به، ولا يُتحلى به عرفا.
وقالا يحنث، لأنه حلية، قال الله تعالى: {وَنَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) النحل:.
وقلنا: هو مجاز كما قال) في هذه الآية: لَحْمًا طَرِيا} النحل: وهو السمك، وهو مجاز.
وقيل: هو اختلاف زمان وكان يُتحلى به وحده في عصرهما.
الجزء 1 · صفحة 72
مسألة: الرجل قال: لا يأكل شحما فأكل شحم الظهر لم يحنث عنده؛ لأنَّه يُسمَّى لحما لا شحما، ومرقته تُسمَّى مرقة اللحم لا مرقة الشحم. وقالا يحنث؛ لأن الله تعالى سماه شحما بقوله: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} الأنعام:، والاستثناء يصح من الجنس.
وقلنا: هو استثناء منقطع بمعنى لكن؛ كما في قوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغُوا إِلَّا سلما) مريم:، وتكلموا في تفسير المسألة؛ قيل: هو اللحم السمين؛ وعلى هذا قول أبي حنيفة أظهر، وقيل: هو شحم الكلية المتصل بالظهور؛ وعلى هذا قولهما أظهر.
مسألة: الرجل حلف لا يشرب من الفرات فشرب منه، فعنده لا يحنث ما لم يشرب منه كرعًا، ولا يحنث بالشرب من الكوز منه، وبالكف مُغترفًا؛ لأنَّ الشُّرب منه ممكن وهو الحقيقة؛ فيتعلق به الحنث كما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز لم يحنث إذا صبَّه في كوز آخر وفي كف ويشرب، بخلاف ما إذا حلف لا يشرب من هذا البئر حيث حنث بالشرب مما استقى منه؛ لأنَّ حقيقته غير ممكن فتعلق بالمأخوذ منها.
وقالا يحنث لأنه يُسمَّى شربا) من الفرات، وفي الكوز لا يُسمى شاربا من ذلك الكوز.
وقلنا: يُسمى مجازا، أما لو حلف لا يشرب من ماء الفرات حنث بذلك كله؛ لأنه شرب من مائه.
مسألة: الرجل حلف لا يشرب ماءً فرانا حنث بشرب كل ماء عذب؛ لأنَّ الفرات هو الماء العذب.
مسألة: الرجل حلف لا يكلم فلانًا دهرًا، قال أبو حنيفة: لا أدري ما مقداره.
وقيل: إذا قال: لا أكلمه دهرًا يُصرف إلى العُمر كله؛ لأنَّ الله تعالى قال: (مِين مِنَ الدَّهْرِ} الإنسان:، والحين أربعون سنة، وهو بعض الدهر؛ فكان أعم من الحين، فاستوعب العمر.
الجزء 1 · صفحة 73
وروى بشر عن أبي يوسف أنَّ التعريف والتنكير عنده سواء، وإنما توقف في تقديره بشيء لأنَّه لا نصَّ فيه من أحد من أرباب اللسان بخلاف الحين والزمان، فإنَّ فيهما نصا عن ابن عباس فإنَّه فسَّر قوله: (تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حين) إبراهيم:) بستة أشهر، والزمان مثله في الاستعمال، ثم توقفه في هذا من جلال قدره في العلم، وكمال ورعه في الدين؛ حيث لم يقف ما ليس له علم، وتوقف عند التعارض في الأدلة ولم يُجازف.
وقالا هو ستة أشهر؛ لأنَّه كالحين والزمان عند الناس؛ يقول الرجل: لم أر فلانًا منذ حين وزمان ودهر، ويُفهم من الكُلِّ شيء واحد.
قلنا: قد روي عن ابن عباس في الحين أنَّه ستة أشهر، وعن ثعلب وابن الأعرابي أن الزمان عند العرب ستة أشهر، وليس في دهر من أحد تقدير بشيء.
مسألة، ولو حلف لا يُكلّم فُلانًا أيامًا أو شهورًا أو سنين ولا نية له، فهي على ثلاثة من كلّ ذلك؛ لأنَّه أقل الجمع الصحيح، هذا هو الصحيح من الجواب، وهو المذكور في الجامع الكبير و نوادر الصوم، وقال في الأيمان النكرة والمعرفة سواء، وفي المعرفة إذا لم ينو شيئًا فعند أبي حنيفة: هي على عشرة أيام، وعشرة أشهر، وعشر سنين؛ لأنها أقصى ما يُطلق عليه لفظة الجمع عند إقرانه بالعدد يُقال: ثلاثة رجال، وثلاثة أيام إلى العشرة، ثم قال: أحد عشر يوما وأحد عشر رجلًا إلى ما لا يتناهى، فيصرف المطلق إليه.
وقالا: هي من الأيام سبعة، ومن الشهور اثنا عشر؛ لأنَّ اللام لتعريف المعهود، والمعهود في الأيام هي أيام الجمعة، ومن الشهور شهور السنة، وتلك سبعة، وهذا اثنا عشر، وفي السنين لا معهود، فيقع على السنين كل العمر؛ لأنَّ المعهود في هذا هو كل الجنس.
كتاب الحدود
الجزء 1 · صفحة 74
مسألة: إذا استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها لم يُحد عند أبي حنيفة؛ لحديث عمر في المرأة التي استسقت راعيا لبنا، فأبى أن يسقيها حتى تُمكِّنه من نفسها ففعلت، قدراً فدرأ الحد عنهما عمر وقال: ذلك مهره؛ ولأنه أعطاها ذلك بدلًا لمنافع بضعها، فصار بمعنى المهر، وإعطاء المهر تمليك المنافع فصار بمعنى المتعة، وفيها إجماع أنه لا حد.
وقالا: يحدان لأنَّ الإجارة ليست بسبب لملك منافع البضع ولا لإباحتها، فكان وجودها كعدمها، كما لو أعطاها مالا من غير شرط، وكما لو استأجرها للخبز أو عمل آخر.
قلنا: إذا أعطاها من غير شرط لم يكن طالبا تمليكها، والاستئجار العمل آخر لم يقع على منافع البضع فلم يصر شبهة.
مسألة، وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرگاهم المُرْكُون وقالوا: هم أحرار؛ فرجم ثم ظهر أنَّ أحدهم عبدا ضمِن المُرْكُون عنده.
وقالا: لا يضمنون.
وكذا إذا رجع المُزكُون عن ذلك؛ لأنَّهم أثبتوا على الشُّهود خبراً فكانوا كشهود الإحصان.
ووجه قول أبي حنيفة: أنَّ الشهادة تصير حجة بالتزكية فكان في معنى العلة، فيضاف الحكم إليها بخلاف الإحصان؛ لأنَّه شرط محض، فلا يُضاف إليه، ولهذه العلة تُشترط الذكورة في المُزكِّي - عنده ههنا خلافًا لهما.
مسألة، ولو شهدوا على غير محصن بالزنا فجلده القاضي فمات، ثم وجد بعضهم عبدا فلا ضمان على أحد عنده، وكذا لو جرحته السياط فلا يجب شيء
وقالا: تجب دية النفس وضمان النقصان في بيت المال لأنَّ تلف النفس أو الطرف حصل بهذا الجلد، وقد ظهر خطأ الإمام؛ فيجب ضمان ذلك في بيت المال كما في الرجم.
ووجه قوله: أن التلف حصل بخرق الجلاد أو لضعف المحل لإقامة الحد؛ فإنَّ الحد الذي هو مشروع غير مُتلف فلم يكن التلف مضافًا إلى الإمام فلم يضمن، وعلى هذا لو رجع الشهود ضمنوا عنده خلافًا لهما.
الجزء 1 · صفحة 75
مسألة، ولو شهد أربعة على رجل بالزنا بامرأة، ثم شهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الذين زنوا بها لم يُحدَّ المشهود عليه بالإجماع؛ لأنَّ الشهود صاروا مجروحين.
ويُحد الشهود الأولون عندهما؛ لأنَّ الآخرين أثبتوا زناهم، وشهادة الأولين على المشهود عليهم لا تُوجب خللا في شهادة الفريق الثاني عليهم.
وهذا ظاهر.
وقال أبو حنيفة: لا يُحدُّون؛ لأنَّ قول الفريق الثاني: هم الذين زنوا بها إثبات زن الشهود مقام زنا الأول، أي هم فعلوا ذلك لا الأول، كما يقول إنسان: زيد دخل هذه الدار، فيقول آخر عمر و هو الذي دخل، فهو إثبات دخول عمرو مقام دخول زيد.
وقد ثبت الزنا بالأول بشهادة الفريق الأول من وجه؛ لأنَّ شهادة الفساق شهادة، والقضاء بها صحيح، فإذا ثبت زنا المشهود عليه بشهادتهم من وجه انتفى الزنا من الشهود الأولين من وجه لِمَا مَرَّ أنه قائم مقامه، وإذا انتفى من وجه لم يُحدُّوا لتمكن الشبهة.
مسألة، ولو شهدوا عليه أربعة أنَّه زنى بفلانة فقال اثنان: إنها طاوعته، وقال اثنان إنَّه استكرهها، فعنده لا حدَّ عليهما.
وقالا: يُحد الرجل دون المرأة؛ لأنهم اتفقوا على أَنَّه زنى زنّا موجبًا للحد عليه، وإن اختلفوا في جانبها فلا يُؤثر في جانبه.
ووجه قوله: أنهم شهدوا على فعلين مختلفين؛ لأن الاثنين شهدا على زنا يُوجب حدين، واثنان على زنا يوجب حدا واحدًا وهما غيران.
مسألة، وإذا ضرب القاذف بعض الحد لم تبطل شهادته في ظاهر الرواية ما لم يضرب تمام الحد؛ لأنَّ رد الشهادة بالحد - وهو اسم للكامل. وروي عن أبي حنيفة: أنه يبطل بإقامة أكثره؛ فإنَّ أكثر الشيء قائم مقام الكل.
الجزء 1 · صفحة 76
وروي عنه أنه تبطل بسوط واحد؛ لأنَّ الله تعالى قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا هُمْ شَهَدَةٌ أَبَداً} النور:، أمر برد الشهادة إذا عجز عن إقامة أربعة شهداء، والعجز ظاهرًا يثبت بمضي مدة، وتلك مجهولة فلا يثبت العجز إلا بتعجيز القاضي بإقامة الحد عليه، فإذا ضربه سوطا بقيت المدَّة في رواية، وشرط الأكثر في رواية، وعلقه بالكل في رواية؛ لأنه لا يتجزأ، فتعلق الحكم بآخره.
مسألة، ولو قال الرجل: زنيت بهذه المرأة فقالت: ما زنى بي، فلا حد عليهما عنده.
وقالا على الرجل الحدُّ؛ لأنَّ إقراره على نفسه صحيح، وإن لم يصح عليها، وصارت كالإقرار بالزنا بغائبة، وكما لو قالت الحاضرة: استكرهني في الزنا.
ووجه قوله: أنَّ الزنا انعدم في حقها بإنكارها، فأورث شبهة العدم في حقه، وكذا لو أقرت هي وهو يُكذِّبها، فعندهما تُحدُّهـ د هي، وعنده: لا يُحدان.
ولو قال الرجل: إنها صدقت حُدَّت؛ لأنَّه ما كذَّبها، ولا يُحدُّ هو؛ لأنَّه لم يقر أربعا.
مسألة، ولا يجب حد الزنا باللواطة في عبده وجاريته وزوجته وفي الأجنبي والأجنبية عنده.
وقالا فيها حد الزنا لقول النبي: اقتلوا الفاعل والمفعول به، وقال أبو بكر الصديق: يحرق بالنار، وقال ابن عباس: ينكس من مكان مرتفع، وعن علي له أنه قال: يُفعل به ما يُفعل بالزاني، وقال بعض الصحابة يحبسان في أنتن موضع حتى يموتا نتنا، وعن بعضهم أنه يُهدم عليهما جدار، فقد اجتمعوا على وجوب الحد، وإن اختلفوا في وجوهه.
الجزء 1 · صفحة 77
ولأبي حنيفة أنَّ اللواطة ليست بزنا، فلا يجب بها حد كإتيان البهيمة، والدليل على أنها ليست كالوطء من القُبل أنها لا تحل بسبب ولا تثبت بها حُرمة المصاهرة، ولا تجب بها العقد ولا العدة في النكاح الفاسد، ولا يثبت الحل للزوج الأول في النكاح الصحيح، وما رواه عنهم فهو دليلنا؛ إذ لو كان هذا زنا عندهم لما اختلفوا في الواجب بها هذا الاختلاف مع وجود النَّص في حد الزنا، ثم إنهم قالوا ذلك على وجه السياسة دون الحد.
مسألة، ولو تزوج ذا رحم محرم منه ووطئها، وعلم بالحرمة لم يحد عنده.
وقالا: يُحدُّ؛ لأنه حرام محض، فكأنه زان، وفيه الحد.
ووجه قوله: أنَّ الزنا وطء لم يتقدَّمه عقد، وقد وجد عقد ههنا فصار كوطء أخته من الرضاعة بملك اليمين؛ ولأنَّ هذا النكاح ينعقد من وجه لكونها محلا له من وجه؛ لأنَّها إن لم تكن محل السكن فهي محل الولد، والنكاح شرع لهما، فتثبت المحلية من وجه بأحدهما.
مسألة، والشاهدان على القذف إذا اختلفا في الزمان أو المكان تقبل شهادتهما عنده؛ لأنها قامت على القول وهو يتكرر فصار كالطلاق والبيع والإقرار.
وقالا: لا تُقبل؛ لأنَّ كل واحد منهما إن كان إنشاء فهما غيران، وليس على كُل قذف شاهدان.
وإن جعل أحدهما على الإنشاء والآخر على الإقرار لم يكن؛ لأنَّ الإنشاء أن يقول: زنيت أو أنت زان والإقرار أن يقول: قذفتك بالزنا، فل يتفقان.
قلنا: يحتمل أن يكون يسمع أحدهما الإنشاء والآخر الإقرار، أو كلاهما الإقرار، وثبت عندهما قذفه فشهد به.
مسألة، وإذا مسَّ أجنبية بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة، ثم تزوج أُمَّها أو بنتها فوطئها لم يسقط إحصانه بذلك حتى أنَّ قاذفه يُحد عند أبي حنيفة، قال: لأنَّ كثيرًا من الفقهاء
قالوا: لا يحرم بهذا. قالا: لا يسقط إحصانه؛ لأنه حرام عندنا.
كتاب السرقة
الجزء 1 · صفحة 78
مسألة، إذا كسر رجل بربط مسلم أو طبله أو مزماره أو دفه أو شيئًا من الملاهي ضَمِن عنده قيمته لغير اللهو؛ لأنَّه استهلك ما لا يُنتفع به من وجه آخر سوى اللهو فلا تبطل قيمته لغير اللهو؛ كاستهلاك الجارية المغنية.
وعندهما: لا يضمن؛ لقول النبي: إذا رأى أحدكم منكرا فلينكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وكسرها أمر بالمعروف وإنكار للمنكر باليد.
قلنا: الإنكار يحصل بالأخذ والمنع بدون الإتلاف.
مسألة، ولو شهدا ب على رجل بسرقة بقرة فقال أحدهما كانت سوداء، والآخر قال: كانت بيضاء قبلت عنده.
وقالا: لا تقبل لأنهما غيران، وليس على كل واحد منهما شاهدان، فصار كما لو قال أحدهما: ثورا، والآخر: كانت بقرة.
ووجه قوله: أنَّ حُجج الشَّرع تُقبل ما أمكن قبولها وأمكن ههنا قبولها لاحتمال اشتماله على اللونين بخلاف الذكورة والأنوثة؛ لأنَّ اجتماعهما ممتنع؛ ولأنهما اختلفا فيما لا يحتاجان إلى إثباته فلا يُعتبر، كاختلافهما في لون ثوب السارق بخلاف الذكورة والأنوثة؛ لأنهما يحتاجان إلى إثباتهما.
مسألة، وإذا أمر القاضي الحداد بقطع يمينه فقطع يساره عمدًا فعليه دية اليد قياسًا، وهو قولهما؛ لأنه خالف.
وفي الاستحسان لا يضمن، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه خالف إلى خير حيث ترك اليمين وهو أنفع له.
فإن فعله خطاً بأن قال للسارق اخرج يمينك فأخرج يساره لم يضمن بالإجماع؛ لأنه لو ضمن الرجع على السارق إذا عمل بأمره، ولا يفيد ذلك.
مسألة، وإذا سرق سرقات فقطع في بعضها للواحد منهم ضمن ما سواه عندهما؛ لأنه لو قطع للكل لم يضمن لهم، وإن لم يقطع ضمن لهم، فإذا قطع لبعضهم دون البعض كان لكل واحد منهم. حكمه
وقال أبو حنيفة: لا يضمن لأحد منهم؛ لأنَّ القطع وقع لهم جميعا؛ لأنَّ النفع لهم، وهو كمن قتل جماعة فاقتصَّ لبعضهم لم يضمن للباقين شيئًا.
الجزء 1 · صفحة 79
مسألة، وإذا سرق من محرم غير ذي رحم نحو امرأة أبيه أو ابنه أو زوج ابنته والدار ليست لولده ولا لوالده أو ابن امرأته أو أبويها، والدار ليست لامرأته لا يُقطع عند أبي حنيفة وهو الاستحسان؛ لأنَّ الخلوة معهن مباحة، والدخول على هؤلاء للزيارة معتاد؛ فأورث شبهة.
وقالا: يُقطع؛ لأنه لا شُبهة في المال ولا في الحرز؛ لأنَّه لا يدخل على هؤلاء إلا عند الاستئذان، وجوابه ما مر.
مسألة، وإذا سرق المؤاجر من المُستأجر في المنزل الذي أجره منه قطع عنده؛ لأنَّه سرق نصابًا مُحرَّزًا، فإن كان المالك يحرزه بهذه الدار كما يُحرزه بدار تملكها؛ ولهذا يُقطع غير المؤاجر.
وقالا: يُقطع؛ لأنَّ له أن يدخلها ... بعد الإجارة للمرمة، والنظر هل تداعى إلى الخراب.
قلنا: له ذلك بإذن المستأجر لا من غير إذنه.
مسألة، وقُطَّاع الطريق إذا أخذوا المال وقتلوا أو قتل أحدهم رجلا، فالإمام إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف لأخذ المال، ثم يصلبهم للقتل، وإن شاء اكتفى بالقتل وهذا قول أبي حنيفة؛ لأنهم جمعوا بين الجنايتين، فللإمام أن يجمع بين جزاءين، وله أن يكتفي بالقتل؛ لأنَّه يأتي على ذلك كله.
وقالا: يقتلهم لا غير؛ لأنَّه يأتي على ذلك كله؛ فصار كمن سرق وزنا، وهو محصن أنَّه يُرجم لا غير.
كتاب السير
مسألة: العبد المملوك للمسلم إذا أبق إلى دار الحرب فأخذوه لم يملكوه عنده خلافًا لهما.
وقالا: هو مال مسلم استولى عليه الكفار فيملكونه، كالفرس إذا انقلبت إليهم.
ووجه قوله: أنَّ العبد لمَّا انفصل عن دار الإسلام زالت أيدي أهل الإسلام عنه فوقعت في يد نفسه؛ لأنَّه كانت له يد معتبرة، وكان لا يظهر لقيام أيدي أهل الدار وقد زالت وظهرت يده، فلا يتحقق استيلاء الكفار عليه فلا يملكونه بخلاف الفرس المُنفلت؛ لأنَّه لا يد له.
الجزء 1 · صفحة 80
مسألة: حربي أسلم في دار الحرب، ثم ظهر المسلمون على الدار وهو هناك، فجميع ماله الذي في يده له؛ لأنَّه عُصم ماله بالإسلام عن الاستيلاء عليه، وكذا ما كان له في يد مسلم وديعة أو ذمّيّ؛ لأنَّ المودع يُحرزه له، أما ما كان له وديعة عند حربي، أو كان غصبه بعد إسلامه منه مسلم أو ذمي فهو فيء للمسلمين عنده؛ لأنَّه غير مُحرَّز؛ فإنَّ الحربي يده غير مُحرَّزة، فإنَّه لا يُحرز مال نفسه؛ فكيف يُحرز مال غير؟!
وأما غصب المسلم والدِّمي فلأنهما لا يحرزانه لصاحبه أيضا كمال ضائع فيملك بالاستيلاء بخلاف الوديعة عند المسلم والدمي؛ لأنهما يُحرزانه لصاحبه.
وعندهما هو له؛ لأنَّ الغصب لا يزيل ملكه فلا يزيل يده، وكذا الوديعة عند حربي؛ لأن يده كيد المودع، وجوابه ما مر.
مسألة الذمي إذا لم يؤد الجزية سنين لم يُطالب بما مضى عند أبي حنيفة خلافًا لهما.
وقالا: هي ديون، اجتمعت فيستوفى كلها كزكوات سنين.
ووجه قوله: أنَّ الجزية إنَّما تؤخذ للصغار دفعا للشر، ويحصل هذا بأخذ جزية سنة واحدة؛ فصار كالحدود إذا اجتمعت.
مسألة، ولو دخل الحربي دارنا بغير أمان فأخذه مسلم؛ فعنده: هو فيء الجميع المسلمين ولا يُخمس.
وقالا: يُخمس، والباقي للآخذ؛ لأنَّه هو المستولي؛ فصار كالركاز. ووجه قوله: أنه أخذه بقوة المسلمين فكان للكل.
مسألة، ولو أسلم ههنا ثُم أخذه مسلم، فهو فيء لهم عنده؛ لأنه كما دخل دارنا ثبت عليه قهر أهل الدار.
وقالا: هو حر؛ لأنَّه أسلم قبل أن يُقهر ويُؤخذ، وجوابه ما قلنا.
مسألة، وإذا جرى بين المسلم المستأمن في دار الحرب وبين من أسلم هناك بيع درهم بدرهمين أو ربا آخر أو قمار، وأخذ المسلم المستأمن ذلك حل له عنده؛ لأن مال الذي أسلم هناك لا عصمة له عندنا، فصار كمال الحربي ومال الحربي يجوز أخذه برضاه للمسلم المستأمن.
وقالا: لا يحل؛ لأنه ربا جرى بين المسلمين وقمار كذلك وهو حرام، وجوابه ما مر.
الجزء 1 · صفحة 81
مسألة، ولو جرى ذلك بين مسلم مستأمن وبين حربي هناك حل عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف، وبه أخذ الشافعي، ويُعرف في بابه.
والمرتد إذا مات أو قتل أو قضى بلحوقه بدار الحرب وترك مالا اكتسبه قبل الردة فهو لورثته المسلمين، وما اكتسبه بعد الردة فهو فيء يوضع في بيت المال عنده، أما كسب حالة الإسلام فلِمَا رُوي عن علي له أنه قتل المستورد العجلي بالردة وقسَّم ماله بين ورثته المسلمين؛ ولأنَّ المرتد يلزمه حكم الإسلام؛ ولهذا يُجبر عليه، وقد بقى في ماله حكم الإسلام؛ ولهذا يُقسم للحال فوجب نقله بعد موته إلى ورثته المسلمين، وأمَّا كسب حالة الردة فهو فيء؛ لأنَّ ملكه غير صحيح، ولهذا قال: لا تنفذ عقوده؛ فلم يصر لورثته المسلمين، بل كحربي مقهور في أيدينا وكان كسبه فينا.
وقالا كلاهما لورثته المسلمين، أما كسب حالة الإسلام فلما مر، وأمَّا كسب حالة الردة؛ فلان ملكه صحيح عندهما، ولهذا قالا بنفوذ عقوده، وكان ككسبه حالة الإسلام.
وقال الشافعي: كلاهما في لا ميراث؛ لأنه كافر، وقد قال: «لا يرث المسلم الكافر.
وقلنا: نحن نورث المسلم المسلم، فإنه يستند إلى وقت الردة.
مسألة، وإذا ارتد أهل مصر وغلبوا عليه وهو متصل بدار الحرب ولم يبق فيه مسلم ولا ذمي آمنا بالأمان الأول، وأظهروا فيها أحكام الكفر صارت دار حرب؛ فإن انتقص شيء من هذه الشروط الثلاثة لم تصر دار حرب عنده وقالا: إذا غلب أهل الشرك عليها، وأظهروا أحكام الشرك صارت دار حرب، ولا يُشترط الاتصال وزوال أمان الكُلِّ الأَوَّل؛ لأنَّ غلبتهم عليه وإظهار أحكام الشرك من أعلام دار الحرب فيكتفى به.
ووجه قوله: أنَّ هذا المصر كان من دار الإسلام بهذه الشروط الثلاثة فلا تصير دار الحرب ما دام فيه شيء من هذه الأعلام.
الجزء 1 · صفحة 82
مسألة، ومن قصد قتل إنسان بالعصا في المصر نهارًا فقتله المقصود بالسيف لزمه القصاص عنده؛ لأنَّه قتل نفسًا معصومة متقومة عمدا بغير حق، وهو غير مضطر إليه؛ لأنَّ العون يلحقه، والقتل بالعصا لا يتعجل.
وقالا: لا قصاص عليه؛ لأنَّه قتله دافعا مضطرًا؛ فصار كما لو قصد قتله بالسيف نهارًا، وكما لو قصد قتله بالعصا ليلا، أو في المفازة بالعصا نهارًا أو ليلا).
قلنا: السيف لا يُلبث، وبالليل وفي المفازة لا يلحقه العون.
مسألة، ولو أن مسلمين أسيرين في دار الحرب قتل أحدهما صاحبه عمدًا أو خطأ فلا شيء عليه عند أبي حنيفة من قصاص أو دية، لكن في الخطأ عليه الكفارة؛ لأنَّ الأسير مقهور في أيدي أهل الحرب يتبعهم في السفر والإقامة؛ فصار كالذي أسلم هناك.
وقالا تجب الدية في ماله في العمد والخطأ؛ لأنهما من أهل دارنا، ومقامهم فيها عارض فصارا كالمسلمين)، وإنما لم يجب القصاص في العمد؛ لأنها ليست بدار استيفاء العقوبات، ولهذا لا يُقام فيها الحدود، وإنما تجب الدية في ماله لعدم العاقلة.
مسألة، وإذا استولى الكفار على عبد مسلم وأحرزوه بدارهم، ثم استولى عليهم مسلمون، وصار بالقسمة لأحد منهم، ثم فقأ إنسان عينه فضمنه مالكه قيمة العينين، وسلَّم إليه الجثة، ثم جاء المالك القديم، فإنَّه يأخذ العبد بقيمته أعمى عند أبي حنيفة.
وقالا: يأخذه بقيمته بصيرًا؛ لأنَّه فواتُ الوصف، فلا يسقط به شيء من قيمته؛ كما لو عمي بآفة سماوية.
ووجه قوله: أنَّ الطرف بصير أصلا بالتناول؛ فإذا فات بعض الأصل تسقط حصته من القيمة.
كتاب الغصب
مسألة، وزوائد المغصوب لا تُضمن بالبيع والتسليم عنده.
وقالا: تُضمن؛ لأنَّه وُجد من الغاصب سببا ضمان:
أحدهما: الغصب؛ وقد وُجد في الأصل.
والثاني: البيع والتسليم؛ وقد وُجد ذلك في الأصل مع الزيادة، فله أن يُضمنه الزيادة لوجود سبب الضمان فيها.
الجزء 1 · صفحة 83
ووجه قوله: أن ضمان الأصل واجب بالغصب، فلا يتصور إيجابه بالتسليم؛ لأنَّ إثبات الثابت مستحيل، ولا يمكن ضمان الزيادة بدون الأصل؛ لأنها تبع الأصل في الإتلاف، فلا يمكن جعلها أصلا في الضمان، فامتنع التضمين ضرورة.
مسألة، ولو فقأ عيني عبد إنسان أو قطع يديه أو رجليه، وأراد المالك إمساك الجثة لنفسه لم يكن له أن يُضمن الجاني شيئًا عنده.
وقالا له أن يُضمنه نقصان العمى ونحوه؛ ولأنَّه جناية على مال، فكان المالك بالخيار، إن شاء ضمنه قدر النقصان وأمسك الأصل، وإن شاء سلم الكل، وضمنه قيمة الكُل، كما في تحريق الثوب.
ووجه قوله: أن ضمان العينين أو اليدين أو الرجلين كضمان كُلِّ النَّفس؛ فلا تجب إلا بتسليم النفس؛ كيلا يكون جمعا بين البدل والمبدل في ملك واحد.
مسألة، وإذا غصب ثوبًا فصبغه بالسواد فهو نقصان عنده كالتحريق ونحوه.
وعندهما هو زيادة فيه؛ كما لو صبغه بالحمرة ونحوها.
وقيل: هو اختلاف عصر و زمان دون اختلاف حجة وبرهان؛ فإنَّ النَّاس ما كانوا يلبسون السَّواد في زمن أبي حنيفة، وكانوا يلبسون في زمنهما.
مسألة، وإذا غصب من إنسان ذهبًا أو فضة فصاغه شيئًا لم ينقطع عنه حق المال عنده خلافًا لهما؛ لأنَّ التركب الحاصل بهذه الصياغة ملك الغاصب؛ لأنَّه حاصل بصنعة وهو مال متقوم؛ لأنَّه منتفع مرغوب فيه محرز، والأصل ملك المغصوب منه ومراعاة حقيهما واجبة ما أمكن، ولا يمكن مراعاة حقيهما بإبقاء كل حق على صاحبه؛ لأنَّ الملك انتفاع ولا ينتفع أحدهما بملكه إلا بملك صاحبه، ولا ولاية له عليه لينتفع بملكه، ولا يمكن المهايأة لأنهما لا يتجانسان؛ فوجب قطع أحدهما ببدل لتحصل النظر لهما، وحق الغاصب قائم من كل وجه، وحق المغصوب منه قائم من وجه مستهلك من وجه؛ لأنه كان ذهبًا وفضة يصلح لاتخاذ كل شيء، والآن بالصياغة صار كشيء واحد، فكان حقه أولى بالقطع كما في غصب الحديد إذا اتخذه سيفا أو سكينًا.
الجزء 1 · صفحة 84
ووجه قول أبي حنيفة: أنه ليس للغاصب فيه حقٌّ مُتقدم بنفسه؛ لأنَّ الجودة الحاصلة بهذه الهيئة في مال الربا لا تتقوم بنفسها، ولهذا لو غصب حُليًّا فكسره فأخذه المغصوب منه لم يكن له أن يضمنه لتفويت الجودة شيئا.
مسألة، وإذا غصب جلد ميتة فدبغها بماله قيمة فالمالك إن شاء أخذه، وضمن له ما زاد الدباغ فيه، وإن شاء تركه، وضَمَّنه قيمة جلد طاهر لا زيادة به، وللغاصب حبسه حتى يستوفي حقّه، كالبائع له حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن، فإن هلك بعد حبسه سقطت قيمة الزيادة كما سقط الثمن بهلاك المبيع قبل القبض، فإن استهلكه ضمن قيمة الجلد للمالك عندهما؛ لأنه استهلك مال غيره فيضمن كما لو دبغه بما لا قيمة له.
وعند أبي حنيفة: لا يضمن؛ لأنه محبوس عنده ببدل استحقه على صاحبه، فيكون مضمونًا عليه بهذا البدل لا بالقيمة كالمبيع في يد البائع.
مسألة: المغصوبة إذا زنت عند الغاصب فحبلت، فردها على المالك فولدت عنده، ثم ماتت في نفاسها لم يضمن الغاصب شيئًا عندهما؛ لأنها لما تعيبت عند الغاصب بالحبل ولما ردها زال ذلك العيب فزال الضمان، ثم النفاس عيب حادث عند المالك فلا يضمن به الغاصب.
وعند أبي حنيفة: يضمن الغاصب قيمتها يوم علقت؛ لأنها هلكت عند المغصوب منه بسبب كان عند الغاصب فصار كتلفها عنده، كما إذا غصبها فجنت عنده بجناية، ثم ردَّها فدفعها المولى بالجناية كان له الرجوع على الغاصب بقيمتها، كذلك ههنا.
كتاب الوديعة
مسألة: المودع إذا سافر بالوديعة فهلك الوديعة لم يضمن عنده إلَّا إذا كان نهاه عن ذلك، أو كان الطريق مخوفًا؛ لأنَّ الأمر بالحفظ مطلق لا تقيد فيه بزمان أو مكان؛ إلَّا إذا نهى فيتقيَّد، أو كان الطريق مخوفًا فيكون ناهيا دلالة فيتقيد أيضا.
وقالا: إذا كان حمله مؤنة يضمن؛ لأنَّه غير راض به دلالة لما يلحقه من المؤنة فيُقيَّد بالمصر دلالة.
قلنا: يلحقه المؤنة في ملكه فلا يأباه.
الجزء 1 · صفحة 85
مسألة، وإذا أودع عند رجلين شيئًا فاقتسما) للحفظ - وهو مما يُقسم - ثم وضع أحدهما ما في يده في يد شريكه ضمن عند أبي حنيفة؛ لأنه ترك الحفظ، ولا يضمن القابض؛ لأنه مودع المودع وهو غير ضامن عنده.
وقالا: لا يضمنان؛ لأنَّه لمَّا أودع عندهما مع علمه أنَّه لا يمكنهما الاجتماع على حفظه في مكان واحد أبدًا، فقد رضي بالمهايأة بالحفظ وبالقسمة للحفظ، فيملكان كل ذلك.
وجوابه: أنَّ المُصرَّح به حفظهما، فأما المهايأة أو القسمة فضروري، والضرورة تندفع بالقسمة فيما يقسم؛ فلا يجوز المهايأة فيما لا يقسم، فلا تجوز القسمة.
مسألة، ولو أودع رجلان عند رجل وديعة فغاب أحدهما فطلب الحاضر حصته منها لم يعطه عند أبي حنيفة، ولو فعل ذلك ضمن نصفه؛ لأنه مأمور بالحفظ لا بالقسمة، وفي إعطائه نصيبه قسمة.
وعندهما له ذلك يضمن؛ لأنَّ للحاضر قبض نصيبه منها لنفسه، فيجب على المودع إعطائه إياه إذا طلب.
قلنا: وللغريم أن يأخذ حقه من وديعة كانت لغريمه عند إنسان، ثم ليس للمودع إعطاؤه ذاك.
مسألة: ولو أودع المودع الوديعة عند آخر فهلك عند الثاني ضمن الأول عند أبي حنيفة دون الثاني؛ لأنَّ الثاني أمين قبض الوديعة من يد أمين، فلا يضمن كما لو قبضه بإذن المالك، وهذا لأنه قبضها ليحفظها، والأول استحفظه بالتسليم إليه فلم) يضمنها، وأمَّا الأوَّل فيضمن؛ لأنه حافظ لها بيده حتى لو هلكت قبل غيبته لم يضمن، فلمَّا غاب ضَمِن لترك الحفظ، والثاني لم يعمل شيئًا فيضمن به.
وقالا يضمن الثاني أيضًا؛ لأنَّه قبض مال غيره بغير إذنه، فيضمن كما ضمن الأول بتسليمه مال غيره إلى غيره بغير إذنه.
وقلنا: لا، بل قبضه بإذن نائب المالك فلم يضمن، والله أعلم.
كتاب العارية
مسألة، وإذا استعار أرضًا للزراعة، وكتب كتابًا كتب عندهما أنه أعارني أرض كذا ولا يكتب أطعمني؛ لأنَّ الإعارة لفظة معلومة، والإطعام لفظة مشتبهة؛ فكان الأول أولى.
الجزء 1 · صفحة 86
وعند أبي حنيفة: يكتب أنَّه أطعمني؛ لأنَّ الإعارة تكون للزراعة وغيرها من المنافع، والإطعام يختص بالإعارة للزراعة، فكان أولى لقطع الإبهام وتمام الإفهام.
كتاب الشركة
مسألة، شريكا عنان أخر أحدهما دينًا على آخر من شركتهما، فإن كان العاقد هو صح؛ لأنَّ حقوق العقد يرجع إليه إن كان العاقد شريكه كأن قال كل واحد منهما لصاحبه اعمل فيه برأيك فكذلك لإجازته ما صنع صاحبه؛ فإن لم يقل هذا لم يجز تأخير في نصيبه، ولا في نصيب شريكه عند أبي حنيفة؛ لأنه لو جاز كان قسمة الدين قبل القبض وهو باطل؛ لأنَّه تميز نصيب أحدهما من الآخر فيتعجل أحدهما ويتأجل الآخر.
وقالا: يجوز في نصيب نفسه؛ لأنه يملك الإسقاط فيملك التأخير، ولا يجوز في نصيب الآخر؛ لأنه لا ولاية له عليه ولم يرض به.
مسألة: ولو شارك المسلم المرتد شركة مفاوضة فهي موقوفة بالإجماع لعدم التساوي بينهما، فإن أسلم نفذت، وإن قتل بطلت أصلا عند أبي حنيفة كسائر تصرفاته.
وعندهما: نفذت عنانا؛ لأنهما لو شاركا شركة عنان نفذت عندهما لنفاذ تصرفاته عندهما. وشركة العنان لا تبتنى على المساواة، فكان حكمها حكم سائر العقود.
مسألة، وإذا اشترى أحد المفاوضين جارية لنفسه ليطأها بغير إذن شريكه فهي بينهما بالشركة، فإن كان بإذنه فهي له، والبائع يطلب ثمنها من أيهما شاء للكفالة الثابتة بالمفاوضة، ولا يضمن المشتري نصف الثمن للآخر، وإن أدَّى من مال الشركة عند أبي حنيفة؛ لأنَّ الذي أذن شرع بها؛ إذ لولا إذنه لما اختص بها تمام التبرع؛ لئلا يرجع عليه بالثمن.
وقالا: يرجع عليه بنصفه؛ لأنه قضى دين نفسه بمال الشركة فيرجع عليه بنصفه كما في ثمن الطعام والكسوة.
وقلنا: ذلك يصح من غير إذن فلم يكن بالإذن متبرعًا، أما ههنا بخلافه. وإذا كفل أحد المتفاوضين لإنسان عن إنسان بأمره بمال لزمه ذلك على شريكه عند أبي حنيفة.