الجزء 1 · صفحة 7
محمود النظائر شرح الأشباه والنظائر
تأليف
أبو الكلام شفيق القاسمي المظاهري
أستاذ دار العلوم زكريا ديوبند
اعتنى به: لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بين يدي الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد المحمود في العالمين وعلى آله وصحبه الغُرِّالميامين ومن تبعهم من الفقهاء والعلماء وطلبة العلم أجمعين وبعد:
محمود النظائرشرح الأشباه والنظائرجهد عشرين عاما لكتاب البحر العلامة زين الدين ابن نجيم رحمه الله (م:970هـ) والذي اقتدى واقتبس من الإمام جلال الدين السيوطي (م:911) كما اقتدى السيوطي تاج الدين السبكي (م:771) والعلم رحم بين أهله فأهل العلم يقتبسون نور العلم من الذين يسبقونهم.
وإن من أن أنفع الكتب للفقهاء كتب القواعد الفقهية، والتي تعتني بالمأخذ، و القواعد والأصول فتجتمع لهم مسائل كثيرة، بكلمات يسيرة، فاهتموا بها قديما وحديثا، فقسموا القواعد الفقهية على أربعة أنواع: الأول: القواعدالخمس الكبرى، والثاني: القواعدالكلية. والثالث: القواعد المذهبية والرابع: الضوابط.
أما القواعد الكبرى: فيندرج تحت كلّ منها جلّ أبواب الفقه، فعددها عند الجمهور خمس، الأولى قاعدة ((الأمور بمقاصدها)) والثانية ((اليقين لا يزول بالشّك)) الثالثة ((المشقّة تجلب التّيسير)) والرابعة ((الضّرريزال)) والخامسة ((العادة محكّمةٌ)) والحنفية يضيفون إليها قاعدة ((لاثواب إلا بالنية)).
الجزء 1 · صفحة 9
وأماالقواعد الكلية: فهي قواعد أضيق مجالاً من سابقاتها - وإن كانت ذوات شمول وسعة - حيث يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، مثل: ((إعمال الكلام أولى من إهماله)) ((التابع تابع)) ((الخراج بالضمان))
والثالث: القواعد المذهبية: وهي ماتجمع فروع باب واحد في مذهب معين، مثل: ((الأجروالضمان لايجتمعان)) عندالحنفية ((الرخص لا تناط بالمعاصي)) عند الشافعية.
والرابع: الضوابط: ما تجمع مسائل من باب واحد فحسب مثل: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) ((وكل ماء لم يتغير أحد أوصافه طهور)).
وقد شرحت الأشباه والنظائر -لابن نجيم- للمبتدئين في هذا الفن الشريف، وعملي فيه أنني ذكرت الأدلة للقواعد الكبرى، وشرحت النصوص، وكتبت معاني الكلمات، ونقلت التعريفات لاصطلاحات الفقهاء، وبينت تراجم العلماء، وشكلت الكلمات، وكل ذلك من العلماء السابقين والفضل بعد الله لهم، ولست إلاّ جامع الورود والأزهارمن حدائق منتشرة، ولاأنسى أن أذكر بأنني تركت ما خفي عليَّ.
وفي الختام أشكر إدارة مدرسة مظاهر العلوم - سيلم- جنوب الهند. وعلى رأسهم مديرها ومدير دارالعلوم زكريا بديوبند فضيلة الشيخ المقري المحدّث محمد أنيس خان /حفظه الله ورعاه- على تذليل العقبات التي يتعرض لها طلبة العلم عند التصنيف والتأليف.
والجدير بالذكرإنه هو المسؤل عن جميع المؤسسات الإسلامية التي تركها أبونا العالم الجليل والكبير فضيلة الشيخ محمد شفيق خان بن حافظ بيان خان / رحمه الله، المتوفي لسبع خلون من رمضان 1434هـ يوم الأربعاء.
كما لا أنسى أن أشكرالجواد والسخي والتاجرالكبيرالشيخ الحاج محمد فاروق بن محمد هاشم من سكان مدينة آمبور- تامل نادو. جنوب الهند- الذي هو ملجأ لعلماء الحق ومأواهم، وناصرهم، وينتظر الفرص لينفق أمواله للعلم وطلبته. اللّهم متّع المسلمين والعلماء بطول حياته، وضاعف ثواب جميل حسناته، وبارك فيه وفي ذريته.
الجزء 1 · صفحة 10
وأشكر من أعماق قلبي المهندس الداعي إلى الله قديرأحمد بن سيد عبد الحفيظ / حفظه الله، والأخ الفاضل الكريم محمد فياض بن محمد يوسف من سكان مدينة مدراس (شيناي حاليا) اللذان قدّما أموالا لطبع هذا الكتاب. جزاهما الله خيرا في الدنيا والآخرة وبارك فيهما وفي أموالهما.
وسميت الكتاب بـ" محمود النظائر" نسبة إلى سماحة الشيخ فقيه الأمة سيدي ومولاي المفتي محمود حسن- كنكوهي-" برَّدَ الله مضجعه وجعل الجنة مثواه" المتوفي:18/ربيع الثاني 1417هـ الموافق 2/ 9/1996م.
هذا إنني مركب من الجهل والسهو والنسيان، وقد جبلت عليه، فكونوا كالنحلة التي لا تجلس إلاّ على الأزهار والورود، والله تعالى جلت قدرته أسأله سؤال الضارع والخاشع أن يتقبل هذا التاليف وسائر تاليفاتي ويجعلها ذخرا في الآخرة لي ولوالدي ولذريتي ولإخوتي ولمن أحسن إليّ، إنه سميع قريب مجيب للدعوات. صلى الله تعالى وسلم على حبيبنا وشفيعنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد أبوالكلام خان بن محمد شفيق خان
(ابوالكلام شفيق القاسمي المظاهري)
أستاذ مدرسة مظاهرالعلوم سيلم. ودارالعلوم زكريا. ديوبند
لست خلت من شهر جمادى الثانية سنة1440 هـ
الجزء 1 · صفحة 11
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (¬1)
¬
(¬1) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وبعد! يقول العبد الفقير المحتاج إلى الرب الجليل، محمد أبوالكلام بن محمد شفيق خان القاسمي المظاهري الديوبندي، أبواي من ديوبند وسيلمي مولدا وموطنا، ولدت في مدينة. سيلم. قال الجرجاني: الوطن الأصلي: هو مولد الرجل والبلد الذي هو فيه. التعريفات: 253. قال ابن نجيم: والوطن الأصلي هو وطن الإنسان في بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دارا وتوطن بها مع أهله وولده، وليس من قصده الارتحال عنها بل التعيش بها. البحر الرائق:2/ 147.
وأما في الحيوانات فالمعوّل عند الفقهاء مكان الولادة، قال ابن الهمام في بحث جزاء الصيد: والمعول عليه في كونه. الصيد. بريا وبحريا التوالد في البر والبحر لا مع كونه مثواه فيه. فتح القدير:3/ 67.
قال الجلال السيوطي رحمه الله: روى الحاكم في المستدرك وابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس، أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال: «هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب». قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه.
وروى ابن جرير وابن مردويه في تفسيريهما وأبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «أن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب لتعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال له عيسى: وما باسم الله؟ قال المعلم: لا أدري، فقال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمان الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة»، وهذا حديث غريب جدا.
قال ابن كثير: وقد يكون صحيحا موقوفا أو من الإسرائيليات لا من المرفوعات. انظر: تدريب الراوي:1/ 49. قال الإمام الذهبي: آفته إسماعيل بن يحيى؛ كذبه الدّارقطنيّ. تلخيص كتاب الموضوعات: 52. قال ابن قتيبة: تكتب. بسم الله. - إذا افتتحت بها كتاباً أو أبتدأت بها كلاماً - بغير ألف لأنها كثرت في هذه الحال على الألسنة في كل كتاب يكتب وعند الفزع والجزع وعند الخبر يرد والطعام يؤكل فحذفت الألف استخفافاً
فإذا توسّطت كلاماً أثبتّ فيها ألفاً نحو. أبدأ باسم الله. وأختم باسم الله. وقال الله عز و جل:. اقرأ باسم ربّك. و. فسبّح باسم ربّك العظيم. وكذلك كتبت في المصاحف في الحالتين مبتدأة ومتوسطة. أدب الكاتب: 184. قال البغوي في تفسيره: وأسقطت الألف من الاسم طلبا للخفة وكثرة استعمالها وطولت الباء قال القتيبي ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين وفرجوا بينهما، ودوروا الميم. تعظيما لكتاب الله تعالى وقيل: لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالا على سقوط الألف، ألا ترى أنه لما كتبت الألف في "اقرأ باسم ربك".1 - العلق. ردت الباء إلى صيغتها ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله ولا مع غير الباء. تفسير البغوي:1/ 50.
وقال ابن عابدين رحمه الله: أما البسملة فتجب في ابتداء الذبح ورمي الصيد والإرسال إليه، لكن يقوم مقامها كل ذكر خالص. وفي بعض الكتب أنه لا يأتي بالرحمن الرحيم لأن الذبح ليس بملائم للرحمة، لكن في الجوهرة أنه لو قال " بسم الله الرحمن الرحيم " فهو حسن وفي ابتداء الفاتحة في كل ركعة. قيل وهو قول الأكثر، لكن الأصح أنها سنة، وتسن أيضا في ابتداء الوضوء والأكل، وفي ابتداء كل أمر ذي بال، وتجوز أو تستحب فيما بين الفاتحة والسورة على الخلاف الآتي في محله إن شاء الله تعالى وتباح أيضا في ابتداء المشي والقيام والقعود. وتكره عند كشف العورة أو محل النجاسات، وفي أول سورة براءة إذا وصل قراءتها بالأنفال كما قيده بعض المشايخ، قيل وعند شرب الدخان أي ونحوه من كل ذي رائحة كريهة كأكل ثوم وبصل. وتحرم عند استعمال محرم، بل في البزازية وغيرها يكفر من بسمل عند مباشرة كل حرام قطعي الحرمة، وكذا تحرم على الجنب إن لم يقصد بها الذكر. اهـ. ط ملخصا مع بعض زيادات. وأما الحمدلة فتجب في الصلاة، وتسن في الخطب، وقبل الدعاء وبعد الأكل، وتباح بلا سبب، وتكره في الأماكن المستقذرة، وتحرم بعد أكل الحرام، بل في البزازية أنه اختلف في كفره. حاشية ابن عابدين:1/ 9. وقال الطحطاوي: والصحيح أنه إن استحل ذلك عند فعل المعصية كفر، وإلا لا، وتلزمه التوبة إلا إذا كان على وجه الاستخفاف فيكفر أيضا. الطحطاوي على مراقي الفلاح: 6.
وقد رأيت مشائخنا بأنهم أحيانا يكتفون على ((بسم الله)). في الرسائل فذلك أيضا ثابت. حدثنا أبو هند يحيى بن عبد الله بن حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي بالكوفة قال: حدثني عمي محمد بن حجر قال: حدثني عمي سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه عبد الجبار بن وائل، عن أمه أم يحيى، عن وائل بن حجر قال: لما بلغنا ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت، وافدا عن قومي حتى قدمت المدينة، فلقيت أصحابه قبل لقائه فقالوا: قد بشرنا بك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن تقدم علينا بثلاثة أيام فقال: قد جاءكم وائل بن حجر ثم لقيته عليه السلام، فرحب بي، وأدنا مجلسي، وبسط لي رداءه فأجلسني عليه، ثم دعا في الناس، فاجتمعوا إليه، ثم اطلع المنبر، وأطلعني معه فأنا من دونه، ثم حمد الله وقال: يا أيها الناس، هذا وائل بن حجر أتاكم من بلاد بعيدة من بلاد حضرموت طائعا غير مكره بقية، أبناء الملوك، بارك الله فيك، يا وائل، وفي ولدك، وفي ولد ولدك، ثم نزل وأنزلني معه وأنزلني منزلا شاسعا من المدينة، وأمر معاوية بن أبي سفيان أن ينزلني إياه، فخرجت وخرج معي حتى إذا كنا ببعض الطريق قال: يا وائل، إن الرمضاء قد أصابت باطن قدمي فأردفني خلفك، قلت: ما أضن عنك بهذه الناقة، ولكن لست من أرداف الملوك، وأكره أن أعير بك قال: فألق إلي حذاءك أتوقى به من حر الشمس قال: ما أضن عنك بهاتين الجلدتين، ولكن لست ممن يلبس لباس الملوك، وأكره أن أعير بك، فلما أردت الرجوع إلى قومي أمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب ثلاثة منها: كتاب لي خالص يفضلني فيه على قومي، وكتاب لي ولأهل بيتي بأموالنا هنالك، وبكتاب لي ولقومي، في كتابي الخالص، بسم الله من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية: أن وائلا يستسعى ويترفل في الأقبال حيث كانوا من حضرموت، وفي كتابي الذي لي ولأهل بيتي، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية لأبناء معشر، وأبناء ضمعاج أقيال شنوءة بما كان لهم فيها من ملك ومراهن، وعمران، وبحر، وملح، ومحجر، وما كان من مال أترثوه وماء ينابع وما لهم فيها من مال بحضرموت أعلاها وأسفلها على الذمة والجوار، الله لهم جار، والمؤمنون على ذلك أنصار، وفي الكتاب الذي لي ولقومي، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى وائل بن حجر والأقوال العياهلة من حضرموت بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من الصرمة التبعة، ولصاحبها الثيمة لا جلب ولا جنب ولا شغار ولا وراط في الإسلام، لكل عشرة من السرايا ما يحمل القراب من التمر من أجبا فقد أربى، وكل مسكر حرام.
الحديث بطوله انظر: المعجم الكبير للطبراني:22/ 48.
الجزء 1 · صفحة 12
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ (¬1)
وَصَلَّى الله عَلَى سَيِّدِنَا (¬2) مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ. (¬3) وَبَعْدُ!
¬
(¬1) على إنعامه، وإحسانه.
(¬2) اختلف الفقهاء في استعمال كلمة،، السيد'' فالصحيح الجوازلنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره فإليك التفصيل من الموسوعة: ورد لفظ الصلوات الإبراهيمية في كتب الحديث والفقه مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر. سيدنا. قبل اسمه عليه الصلاة والسلام. وأما إضافة لفظ. سيدنا. فرأى من لم يقل بزيادتها الالتزام بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم لأن فيه امتثالا لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من غير زيادة في الأذكار والألفاظ المأثورة عنه، كالأذان والإقامة والتشهد والصلاة الإبراهيمية.
وأما بخصوص زيادة. سيدنا. في الصلاة الإبراهيمية بعد التشهد، فقد ذهب إلى استحباب ذلك بعض الفقهاء المتأخرين كالعز بن عبد السلام والرملي والقليوبي والشرقاوي من الشافعية، والحصكفي وابن عابدين من الحنفية متابعة للرملي الشافعي، كما صرح باستحبابه النفراوي من المالكية.
وقالوا: إن ذلك من قبيل الأدب، ورعاية الأدب خير من الامتثال، كما قال العز بن عبد السلام.
أجمع المسلمون على ثبوت السيادة للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى علميته في السيادة. قال الشرقاوي: فلفظ. سيدنا. علم عليه صلى الله عليه وسلم.
ومع ذلك خالف بعضهم وقالوا: إن لفظ السيد لا يطلق إلا على الله تعالى؛ لما روي عن أبي نضرة عن مطرف قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، قال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يسخر بكم الشيطان. وفي حديث آخر أنه جاءه رجل فقال: أنت سيد قريش، فقال صلى الله عليه وسلم: السيد الله.
قال ابن الأثير في النهاية: أي هو الذي يحق له السيادة، كأنه كره أن يحمد في وجهه، وأحب التواضع. ومنه الحديث لما قالوا: أنت سيدنا، قال: قولوا بقولكم أي ادعوني نبيا ورسولا كما سماني الله، ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم، فإني لست كأحدهم ممن يسودكم في أسباب الدنيا.
وأضاف ابن مفلح إلى ما سبق: والسيد يطلق على الرب، والمالك، والشريف، والفاضل، والحكيم، ومتحمل أذى قومه، والزوج، والرئيس، والمقدم.
وقال أبو منصور: كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمدح في وجهه وأحب التواضع لله تعالى، وجعل السيادة للذي ساد الخلق أجمعين. وليس هذا بمخالف لقوله لسعد بن معاذ رضي الله عنه حين قال لقومه الأنصار: قوموا إلى سيدكم. أراد أنه أفضلكم رجلا وأكرمكم. وأما صفة الله جل ذكره بالسيد فمعناه: أنه مالك الخلق، والخلق كلهم عبيده. أي فلا يطلق لفظ السيد بهذا المعنى على غير الله تعالى. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر أراد أنه أول شفيع، وأول من يفتح له باب الجنة، قال ذلك إخبارا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثا بنعمة الله عنده، وإعلاما منه؛ ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: ولا فخر أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها.
وقال السخاوي: إنكاره صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون تواضعا منه صلى الله عليه وسلم وكراهة منه أن يحمد ويمدح مشافهة، أو لأن ذلك كان من تحية الجاهلية، أو لمبالغتهم في المدح، وقد صح قوله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم. وقوله للحسن رضي الله عنه: إن ابني هذا سيد. وورد قول سهل بن حنيف رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: " يا سيدي " في حديث عند النسائي في عمل اليوم والليلة، وقول ابن مسعود: " اللهم صل على سيد المرسلين. وفي كل هذا دلالة واضحة وبراهين لائحة على جواز ذلك، والمانع يحتاج إلى إقامة دليل، سوى ما تقدم؛ لأنه لا ينهض دليلا مع الاحتمالات السابقة.
تسويد غير النبي صلى الله عليه وسلم:
اختلف الفقهاء في جواز إطلاق لفظ السيد على غير النبي صلى الله عليه وسلم: فذهب جمهورهم إلى جواز إطلاق لفظ السيد على غير النبي صلى الله عليه وسلم واستدلوا بقول الله تعالى في يحيى عليه السلام: {وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} أي أنه فاق غيره عفة ونزاهة عن الذنوب. وقوله عز وجل في امرأة العزيز: {وألفيا سيدها لدى الباب} أي زوجها وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: من السيد؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قالوا: فما في أمتك من سيد؟ قال: بلى، من آتاه الله مالا، ورزق سماحة، فأدى شكره، وقلت شكايته في الناس.
وبقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار وبني قريظة: قوموا إلى سيدكم. يعني سعد بن معاذ.
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي رضي الله عنهما - كما ورد في الصحيحين - إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وكذلك كان.
وقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله، قال صلى الله عليه وسلم: وأي داء أدوى من البخل. وبقوله صلى الله عليه وسلم: كل بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها.
ومنه حديث أم الدرداء رضي الله عنها: حدثني سيدي أبو الدرداء. وبقول عمررضي الله عنه لما سئل: من الذي إلى جانبك، فأجاب: هذا سيد المسلمين أبي بن كعب رضي الله عنه.
وقالوا: إنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في حديث متواتر أن السيد من أسماء الله تعالى؛ ولأن إطلاق لفظ السيد على الله عز وجل لكونه سبحانه مالك الخلق أجمعين، ولا مالك لهم سواه، وإطلاق هذا اللفظ على غير الله تعالى لا يكون بهذا المعنى الجامع الكامل، بل بمعان قاصرة عن ذلك. الموسوعة الفقهية الكويتية:11/ 349. أمّا كلمة. سلّم. يجوزبصيغة الماضي، ويحتمل الأمر.
(¬3) سئلت هل ثبت بلسانه الشريف كلمة [صلى الله عليه وسلم] فأقول: نعم! عن فضالة بن عبيد قال: سمع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجلًا يدعو في صلاته فلم يمجّد ربّه، ولم يصلّ على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «عجل هذا، إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربّه، والثّناء عليه، ثمّ ليصلّ على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ ليدع بما شاء».المعجم الكبير للطبراني:18/ 307. وقد تعود بعض الناس في بعض مدن الهند بأنهم يقرؤن بعد كل صلاة مكتوبة في الدعاء: {إنّ اللّه وملائكته يصلّون على النّبيّ ياأيّها الّذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليمًا} ثم المؤتمون يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صرح علماؤنا بأن هذا الالتزام بدعة سيئة.
هل في الصحابة رضوان الله عليهم أحد اسمه. محمد. فالجواب نعم! قال الطحاوي: قد كان في زمن أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة قد كانوا مسمّين بمحمّد متكنّين وقال أبو راشد بن حفص الزّهريّ: أدركت أربعة من أبناء أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلهم يسمى محمدا، ويكنى أبا القاسم: محمّد بن عليّ، ومحمّد بن أبي بكر، ومحمّد بن طلحة، ومحمّد بن سعد بن أبي وقاص عن عبد الرّحمن ابن أبي ليلى، قال: نظر عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه إلى ابن عبد الحميد، وكان اسمه محمّدًا، ورجل يقول له: فعل اللّه بك وفعل يا محمّد، ويسبّه، فدعاه عمر، فقال: " يابن زيد، ألا أرى محمّدًا يسبّ بك، واللّه لا تدعى محمّدًا أبدًا ما دمت حيًّا، فسمّاه عبد الرّحمن، وأرسل إلى بني طلحة، وهم سبعة، وسيّدهم وكبيرهم محمّد بن طلحة ليغيّر أسماءهم، فقال محمّد: أذكّرك اللّه يا أمير المؤمنين، فواللّه لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بأبي القاسم، منهم محمّد بن طلحة ومحمّد بن الأشعث ومحمّد بن أبي حذيفة. شرح معاني الآثار:4/ 336.
وقال ابن الاثير: سمّاني محمّدًا، فقال عمر: قوموا، فلا سبيل إلى شيء سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ".أخرجه الثّلاثة. أسد الغابة:5/ 93.
ولا يخفى عليك بأن هناك أفراد سميت أسمائهم ب محمد قبل البعثة.
الجزء 1 · صفحة 13
فَإِنَّ الْفِقْهَ (¬1) أَشْرَفُ الْعُلُومِ قَدْرًا، وَأَعْظَمُهَا أَجْرًا، وَأَتَمُّهَا عَائِدَةً، (¬2) وَأَعَمُّهَا فَائِدَةً، (¬3) وَأَعْلَاهَا مَرْتَبَةً، وَأَسْنَاهَا (¬4) مَنْقَبَةً، يَمْلَأُ الْعُيُونَ نُورًا، وَالْقُلُوبَ سُرُورًا، وَالصُّدُورَ انْشِرَاحًا، وَيُفِيدُ الْأُمُورَ (¬5) اتِّسَاعًا وَانْفِتَاحًا.
¬
(¬1) الفقه: هو العلم بالشّيء والفهم له والفطنة وفقه، كعلم: فهم، وكمنع: سبق غيره بالفهم و ككرم: صار الفقه له سجية، والفقه في العرف: الوقوف على المعنى الخفي يتعلّق به الحكم، وإليه يشير قولهم: هو التّوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد أعني أنه تعقل وعثور يعقب الإحساس والشعور فنقل اصطلاحا إلى ما يخص بالأحكام الشّرعيّة والفرعية عن أدلتها التفصيلية، فخرج الاعتقاديات، وهو الفقه الأكبر المسمّى بعلم أصول الدّين، والخلقيات المسمّى بعلم الأخلاق والآداب، وقيل: الفقه في الاصطلاح عبارة عن العلم بالأحكام الشّرعيّة العملية، المكتسب من الأدلّة التفصيلية لتلك الأحكام، فدخل فيه بالعلم جميع العلوم، وخرج بالأحكام العلم بالذوات والصّفات والأفعال، وبالشرعية: العلم بالأحكام غير الشّرعيّة سواء كانت عقلية كأحكام الهندسة، أو غيرها كأحكام النّجوم، وبالعملية: العلم بالأحكام الشّرعيّة الّتي تتعلّق ببيان الاعتقاد كمسائل الكلام، وبالمكتسب: العلم بكون أركان الإسلام من ديننا، فإن كونها من الدّين بلغ في الشّهرة حدا علمه المتدين وغيره وعلم الله بتلك الأحكام فإنّه غير مكتسب، وبالأدلة: علم الرّسول بالأحكام، فإنّه مستفاد من الوحي على رأي وعلم المقلّد بها كالأحكام الّتي يتلفقها العوام من أفواه الفقهاء، والعلم بالأحكام المكتسبة من الأدلّة الفقهيّة
وبالتفصيلية: علم الخلاف، فإن الأدلّة المذكورة فيه إجمالية ألا يرى أنهم يستدلون في دعاواهم بالمقتضى وبالنافي من غير تعيين المقتضى والنافي، قال بعض الفضلاء: الفقه في الاصطلاح: هو علم المشروع وإتقانه بمعرفة النّصوص بمعانيها والعمل به، ويعبر عنه بأنّه معرفة الفروع الشّرعيّة استدلالا والعمل بها، وإنّما لم يذكر الإمام العمل، حيث قال: الفقه معرفة النّفس ما لها وما عليها، لأن العمل بالشّيء بعد العلم به لما كان من شأنه أن يوجد البتّة لكون العمل بدونه كالمعلوم صار كالمعلوم المحقق، مصداقه قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعملون} أثبت لهم العلم بالتوكيد القسمي، ثمّ نفاه عنهم حيث لم يعملوا به والمراد بالعمل به الإتيان بالفرائض المؤقتة في أوقاتها، وبغيرها مطلقًا، والاجتناب عن المنهيات كذلك، لا التّلبّس بها دائما، وإلّا لم يوجد فقيه أصلا والتّحقيق الأتم هو أن لا يرى ما لها ما عليها فيتركه ويرى ما عليها ما لها فيأتي به. الكليات: 691.
(¬2) - منفعة، قال ابن منظور: قال اللّيث: يقول هذا الأمر أعود عليك أي أرفق بك وأنفع لأنه يعود عليك برفق ويسر. والعائدة: اسم ما عاد به عليك المفضل من صلة أو فضل، وجمعه العوائد. قال ابن سيده: والعائدة المعروف والصّلة يعاد به على الإنسان والعطف والمنفعة. لسان العرب:3/ 316.
(¬3) الفائدة: ما أفاد اللّه تعالى العبد من خير يستفيده ويستحدثه، وجمعها الفوائد. وقال:. أفدته أنا: أعطيته إياه. لسان العرب:3/ 340.
(¬4) سنا: سنت النار تسنو سناءً: علا ضوءها. قال ابن منظور: وقد أسنى البرق إذا دخل سناه عليك بيتك أو وقع على الأرض. لسان العرب:14/ 403. المنقبة: هي الطّريق بين الدّارين. الفقه أضوء العلوم طريقةً.
(¬5) المسائل الفقهية.
الجزء 1 · صفحة 14
هَذَا لِأَنَّ مَا بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ مِنَ الِاسْتِقْرَارِعَلَى سُنَنِ النِّظَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى وَتِيرَةِ (¬1) الِاجْتِمَاعِ وَالِالْتِئَامِ، إنَّمَا هُوَ بِمَعْرِفَةِ الْحَلَالِ (¬2) مِنَ الْحَرَامِ، وَالتَّمْيِيز بَيْنَ الْجَائِزِ وَالْفَاسِدِ فِي وُجُوهِ الْأَحْكَامِ، (¬3) بُحُورُه زَاخِرَةٌ، وَرِيَاضُه نَاضِرَةٌ، وَنُجُومُه زَاهِرَةٌ، وَأُصُولُه ثَابِتَةٌ وَفُرُوعُه (¬4) نَابِتَةٌ، لَا يَفْنَى بِكَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ كَنْزُه، وَلَا يَبْلَى عَلَى طُولِ الزَّمَانِ عِزُّه.
وَإِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ كُنْهَ (¬5) صِفَاتِهِ ... وَلَوْ أَنَّ أَعْضَائِي جَمِيعًا تَكَلَّمُ (¬6)
وَأَهْلُه قِوَامُ (¬7) الدِّينِ وَقُوَّامُه، وَبِهِمْ ائْتِلَافُه وَانْتِظَامُه، وَإِلَيْهِمِ الْمَفْزَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمَرْجِعُ (¬8) فِي التَّدْرِيسِ وَالْفَتْوى، (¬9) خُصُوصًا أَنَّ أَصْحَابَنَا رَحِمَهُمُ الله لَهُمْ خُصُوصِيَّةُ السَّبَقِ فِي هَذَا الشَّأْنِ.
¬
(¬1) الوتيرة: الطّريقة.
(¬2) الحلال: في الشرع ما أباحه الكتاب والسنة أي ما أباحه الله، سمي به لانحلال عقدة عنه وضده الحرام- ويطلق على الخارج من الإحرام قال السيد: "الحلال كل شيء لا يعاقب عليه باستعماله". التعريفات الفقهية: 81.
(¬3) الحكم: ما يثبت جبراً، أو هو عبارة عن قطع الحاكم المخاصمة وحسمه. وعند الأصوليين: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير. التعريفات الفقهية: 80.
(¬4) والفروع جمع فرع ضدّ الأصل وفي العرف ما يبتنى على غيره والمراد بها الأشياء الثّابتة أحكامها بالأصول المتقدّمة من الفرض والواجب والمسنون والمندوب والحلال والحرام والمكروه كراهةً تحريميّةً وتنزيهيّةً. الغمز:1/ 23.
(¬5).الكنه، بالضّمّ: جوهر الشّيء. عن ابن الأعرابيّ. و. أيضاً:.غايته. ونهايته. يقال: أعرفه كنه المعرفة. وبلغت كنه هذا الأمر: أي غايته. تاج العروس.36/ 489.إنني لا أستطيع أن أذكر حقيقة علم الفقه.
(¬6) قال أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى المتوفى: 502هـ:
قال أبو الوفاء: أَيادِيَ لَا أَسْطيعُ كُنهَ صِفَاتِها ... ولَو أَنَّ أَعضائِي جَميعًا تَكَلَّمُ.
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء:1/ 446
(¬7) قام بالأمر يقوم به قيامًا فهو قوّام وقائم واستقام الأمر وهذا قوامه بالفتح والكسر وتقلب الواو ياءً جوازًا مع الكسرة أي عماده الّذي يقوم به وينتظم ومنهم من يقتصر على الكسر. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير:2/ 520.
(¬8) قال أبو علي: لما اتفقا في الظرفية، اتفقا في البناء، لأن المَبِيتَ والمَجْلِسَ ظرفان من المكان، والمَضْرِبَ من الضِّراب، والمَنْتِج من النِّتاج، ظرفان من الزمان، يراد بهما أوان النِتاج و الضِّراب. قال: وربما بَنَوا المصدر على المَفْعِل، كما بَنَوا المكان عليه، إلاّ أنّ تفسيره وجملته على القياس، كما ذكرت لك، وذلك {قولك}: (المَرْجِعُ) قال تعالى: "إلى الله مَرْجِعُكُم" و "المَحِيضُ". التعليقة على كتاب سيبويه:4/ 147
(¬9) قال العسكري: الفرق بين المسألة والفتيا: أن المسألة عامة في كل شئ والفتيا سؤال عن حادثة، وأصله من الفتاء وهو الشباب والفتى الشاب والفتاة الشابة وتقول للامة وإن كانت عجوزا فتاة لانها كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الكبيرة، والفتوة حال الغرة والحداثة، وقيل للمسألة عن حادثة فتيا لانها في حالة الشابة في أنها مسألة عن شئ حدث. معجم الفروق اللغوية: 495. قال القاضي عبد النبي: اعلم أن فتيا على وزن دنيا اسم مأخوذ من فتا بالفتح مصدر فتى على وزن علم كما أن تقيا اسم مأخوذ من تقى والفتوى بالفتح لغة في فتيا كما أن تقوى لغة في تقيا وأصل فتوى فتيا الياء مقلوبة عن الواو للخفة. وقال بعضهم إن أفتى فرع فتوى وفتوى فرع فتيا وفتيا فرع فتا مصدرا فافتا فرع المصدر بوسائط وهذا الفعل في المزيد من الأفعال المتصرفة يقال أفتى يفتي إفتاء واستفتى يستفتي استفتاء وفي المغرب أن فتوى مأخوذ من فتى ومعنى فتيا حادثة مبهمة والافتاء تبيين ذلك المبهم والاستفتاء السّؤال من الافتاء واشتقاقه اشتقاق صغير وربما يمال فتوى كما يمال تقوى ودعوى ويجعل حركة الفاء تابعة لحركة الواو في الفتوى لا في التّقوى والدّعوى ويكتب الألف في كلها على صورة الياء لأن الحرف الرّابع مقصور إلّا وقت الإضافة إلى المضمر فيقال فتواه ودعواه وتقواه بخلاف فتوى العلماء ودعوى الخصماء وتقوى الأتقياء وجمع الفتوى فتاوى بفتح الواو والمفتي من يبين الحوادث المبهمة. وفي الشّرع هو المجيب في الأمور الشّرعيّة. والنوازل الفرعية. أولئك هم خير البريّة. دستور العلماء:3/ 12. الفتاوى والواقعات وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون عنهم لما سئلوا عنذلك ولم يجدوا فيها رواية عن أصحابالمذهب المتقدمين. وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهم وهلم جرا. فمن أصحا ابي يوسف ومحمد مثل عصام بن يوسف وابن رستم ومحمد بن سماعة وأبي سليمان الجرجاني وأبي حفص البخاري وغيرهم ومن أصحاب أصحابهم ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل ونصر بن يحي وأبي نصر القاسم بن سلام وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذاهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم بعده.
الجزء 1 · صفحة 15
وَالنَّاسُ لَهُمْ أَتْبَاعٌ، وَالنَّاسُ فِي الْفِقْهِ عِيَالٌ ((¬1)) عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ.
وَلَقَدْ أَنْصَفَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله حَيْثُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَلْيَنْظُرْ إلَى كُتُبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ الله" كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ وَهْبَانَ ((¬2)) عَنْ حَرْمَلَةَ، (¬3)
وَهُوَكَالصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنْهُ، (¬4) لَهُ أَجْرُه وَأَجْرُ مَنْ دَوَّنَ الْفِقْهَ وَأَلَّفَه وَفَرَّعَ أَحْكَامَه عَلَى أُصُولِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَإِنَّ الْمَشَايِخَ الْكِرَامَ قَدْ أَلَّفُوْا لَنَا (¬5) مَا بَيْنَ مُخْتَصَرٍ (¬6) وَمُطَوَّلٍ مِنْ مُتُونٍ (¬7) وَشُرُوحٍ وَفَتَاوَى، وَاجْتَهَدُوا فِي الْمَذْهَبِ وَالْفَتْوَى وَحَرَّرُوا وَنَقَّحُوا، شَكَرَ الله (¬8) سَعْيَهُمْ، إلَّا أَنِّي لَمْ أَرَ لَهُمْ كِتَابًا يَحْكِي (¬9) كِتَابَ الشَّيْخِ تَاجِ
¬
(¬1) محتاجون إليه في الفقه. قال الزبيدي: وعال عياله عولاً وعؤولاً، كقعود، {وعيالةً، بالكسر: كفاهم معاشهم، قاله الأصمعيّ، قال غيره: مانهم، وقاتهم، وأنفق عليهم، ويقال:} علته شهراً: إذا كفيته معاشه، وقيل: إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وغيرهما. تاج العروس:30/ 71.
(¬2) عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الحارثي الدمشقيّ، أمين الدين.000 - 768 هـ = 000 - 1367 م.: فقيه حنفي، أديب. ولي قضاء حماة. وتوفي في نحو الأربعين من عمره. له " قيد الشرائد - خ " منظومة ألف بيت، ضمنها غرائب المسائل في الفقه، و " عقد القائد - خ " شرح قيد الشرائد، مجلدان، في شستربتي.4536. والصادقية، و " أحاسن الأخبار في محاسن السبعة الأخيار - خ " يعني القراء السبعة، و " المتثال الأمر في قراءة أبي عمرو - خ " منظومة في 127 بيتا. الأعلام للزركلي:4/ 180
(¬3) حرملة التّجيبي.166 - 243 هـ = 782 - 858 م. حرملة بن يحيى التجيبي، مولاهم، المصري، أبو عبد الله: فقيه، من أصحاب الشافعيّ. كان حافظا للحديث، له فيه. المبسوط. و. المختصر. مولده ووفاته بمصر. الأعلام للزركلي:2/ 174
(¬4) حيث جمع رضي الله عنه القرآن الكريم بمشورة عمررضي الله عنه فجمعه زيد بن ثابت وجماعة معه، فكذلك دون الإمام أبوحنيفة رحمه الله الفقه أولاً، مع تلاميذه.
(¬5) الفرق بين التاليف والتصنيف، قال الحموي: قد ألفوا: التأليف جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد سواء كان لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر أو لا. وعليه فيكون التأليف أعم من الترتيب ذكره السيد السند. قال بعضهم وأعم من التصنيف وهو جعل كل صنف على حدة قال ابن أحمر: سقيا لحلوان ذي الكروم. وما صنف من تينه ومن عنبه.
فالتأليف لكونه مطلق الضم أعم من التصنيف لكونه جعل كل صنف على حدة ولهذا قال بعضهم التأليف يرجع معناه إلى جمع كلام الغير وضمه فحسب والتصنيف إبراز صفات المعاني وإثبات الأفكار الغريبة على وجه لم يسبق إليه والمؤلف من يجمع كلام غيره ويضمه بإيقاع الألفة من غير ابتكار معنى من عنده وقال بعضهم واضع العلم أولى باسم المصنف من المؤلف وإن صح أيضا فيه لأن العلم مطلقا بمعنى الإدراك جنس وما تحته مما في الظن واليقين نوع فواضع العلم لما لاحظ الغاية المقصودة له فوجدها تترتب على العلم بأحوال شيء أو أشياء من جهة خاصة وضعه ليبحث عنه من تلك الجهة فقيد ذلك النوع من العلم بعارض كلي فصار صنفا وقيل لواضعه صنف العلم أي جعله صنفا متناسبا فهو باسم المصنف أوفق. غمز:1/ 29
(¬6) المختصر: هوتقليل اللفظ وتكثير المعنى. المطول: زيادة اللفظ على ما يؤدي أصل المراد.
(¬7) الوقاية.، و. الكنز.، و. مختصر القدوريّ.، وهي المراد بقولهم: المتون الثلاثة، وإذا أطلقوا المتون الأربعة أرادوا هذه الثلاثة: و. المختار.، أو. المجمع ..
واعلم أنّه قد اشتهر أنّ المتون موضوعة لنقل أصل المذهب ومسائل ظاهر الرواية، وهذا حكم غالبيّ لا كليّ، فإنّه كثيراً ما يذكر أرباب المتون مسألةً هي من تخريجات المشائخ المتقدّمين، مخالفةً لمسلك الأئمّة المتبوعين: كمسألة العشر في العشر في باب نجاسة الحوض وطهارته، فإنّها من تحديدات المشائخ المتقدّمين، وأصل المذهب خال عن هذا، كما ستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكذا ما اشتهر أنّ المتون موضوعة لنقل مذهب الإمام أبي حنيفة، حكم غالبيّ لا أكثري، فكثيراً ما ذكروا فيها مذهب صاحبيه إذا كان راجحاً، كما في بحث السجدة بالجبهة والأنف وغيره. عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية:1/ 41
(¬8) جزى الله لجهدهم.
(¬9) يماثل.
الجزء 1 · صفحة 16
الدِّينِ السُّبْكِيّ الشَّافِعِيّ (¬1) مُشْتَمِلًا عَلَى فُنُونٍ (¬2) فِي الْفِقْهِ. وَقَدْ كُنْتُ لَمَّا وَصَلْت فِي شَرْحِ الْكَنْزِ إلَى تَبْيِيضِ (¬3) الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، أَلَّفْتُ كِتَابًا مُخْتَصَرًا فِي الضَّوَابِطِ وَالِاسْتِثْنَاءَاتِ مِنْهَا، سَمَّيْتُه، بِـ"الْفَوَائِدِ الزَّيْنِيَّةِ فِي الْفِقْهِ الْحَنَفِيَّةِ" وَصَلَ إلَى خَمْسِمِائَةِ ضَابِطَةٍ، فَأُلْهِمْتُ أَنْ أَضَعَ كِتَابًا عَلَى النَّمَطِ (¬4) السَّابِقِ مُشْتَمِلًا عَلَى سَبْعَةِ فُنُونٍ.
¬
(¬1) تاج الدين السّبكي.727 - 771 هـ = 1327 - 1370 م. عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر: قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث. ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها. نسبته إلى سبك. من أعمال المنوفية بمصر. وكان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء في الشام وعزل، وتعصب عليه شيوخ عصره فاتهموه بالكفر واستحلال شرب الخمر، وأتوا به مقيدا مغلولا من الشام إلى مصر. ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق، فتوفي بالطاعون. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض مثله. من تصانيفه " طبقات الشافعية الكبرى - ط " ستة أجزاء، و " معيد النعم ومبيد النقم - ط " و " جمع الجوامع - ط ". أصول الفقه، و " منع الموانع - ط " تعليق على جمع الجوامع، و " توشيح التصحيح - خ " في أصول الفقه، و " ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح - خ " في فقه الشافعية، و " الأشباه والنظائر - خ " فقه، و " الطبقات الوسطى - خ " و " الطبقات الصغرى - خ " وله نظم جيد، أورد الصفدي بعضه في مراسلات دارت بينهما. الأعلام للزركلي:4/ 185
(¬2) أنواع في الفقه. قال الزبيدي: وفنّن النّاس: جعلهم {فنوناً، أي أنواعاً} تاج العروس:35/ 516
(¬3) التبييض في اصطلاح المصنفين عبارة عن كتابة الشيء على وجه الضبط والتحرير من غير شطب بعد كتابته كيف ما اتفق. غمز عيون البصائر:1/ 31
(¬4) قال ابن منظور:؛ قال أبو عبيدة: النمط هو الطّريقة. يقال: الزم هذا النّمط أي هذا الطريق. والنمط أيضاً: الضرب من الضّروب والنوع من الأنواع. يقال: ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك النّوع والضّرب. لسان العرب:7/ 417
الجزء 1 · صفحة 17
يَكُونُ هَذَا الْمُؤَلَّفُ النَّوْعَ الثَّانِيَ مِنْهَا:
الْأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ الَّتِي تُرَدُّ إلَيْهَا وَفَرَّعُوا الْأَحْكَامَ عَلَيْهَا (¬1) وَهِيَ أُصُولُ الْفِقْهِ (¬2) فِي الْحَقِيقَةِ، وَبِهَا يَرْتَقِي الْفَقِيهُ (¬3) إلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ وَلَوْ فِي الْفَتْوَى، وَأَكْثَرُ فُرُوعِهَا ظَفِرْتُ بِهِ فِي كُتُبٍ غَرِيبَةٍ (¬4) أَوْعَثَرْتُ بِهِ فِي
¬
(¬1) قال الزبيدي: يقال: فرّع من هذا الأصل مسائل، أي جعلها فروعه، فتفرّعت، وهو مجاز، يقال: هو حسن التّفريع للمسائل. تاج العروس:21/ 489. قال الحموي: الأوّل معرفة القواعد الّتي تردّ إليها وفرّعوا الأحكام عليها: أي تردّ الفروع إليها والمراد بردّ الفروع إليها استخراجها منها. الغمز:1/ 32
(¬2) اعلم أن هناك فرق بين القواعد الفقهية، وأصول الفقه فأذكرها من كتا بي القواعد الفقهية المحمودة:
الفرق بين " قواعد الفقه " و " أصول الفقه ": أصول الفقه عبارة عن العلم الذي يبحث فيه عن إثبات الأدلة للأحكام والذي يد ل المجتهد إلى كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها
مثل: الأمر للوجوب.
والنهي للتحريم.
والأمر لا يقتضي التكرار.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-.661 - 728هـ: إن أصول الفقه هي الأدلة العامة، والقواعد الفقهية عبارة عن الأحكام العامة.
مثل: الضرر يزال، درأ المفاسد أولى من جلب المصالح، العادة محكمة.
فيستطيع أن يطبق هذا الحكم العام على جزئ آخر كلّ من له علاقة بالفقه.
مثال ذلك: قاعدة " القديم يترك على قدمه" وجزئيته: إن طريق دار زيد قديمة، فيستخرج من القاعدة العمومية أنه ما دامت طريق دار زيد قديمة يجب أن تبقى لقدمها.
وألخص لكم ماقال الشيخ علي الندوي المتخرج من جامعة أم القرى مكة المكرمة- زادها الله شرفا وكرامة- في كتابه العظيم " القواعد الفقهية" عن فوارق بين المصطلحين.
1 - إن أصول الفقه ميزان وضابط للاستنباط الصحيح، وقواعد هذا الفن هي وسط بين الأدلة والأحكام فهي التي يستنبط منها الحكم من الدليل التفصيلي، و موضوعها دائما: 1 - الدليل 2 - الحكم.
وأما القواعد الفقهية: فهي قضية كلية أو أكثرية جزئيتها بعض مسائل الفقه، وموضوعها دائما: هو فعل المكلف.
2 - القواعد الأصولية: هي قواعد كلية، تنطبق على جميع جزئياتها وموضوعاتها.
أما القواعد الفقهية فإنها أغلبية يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات، وتكون لها مستثنيات.
3 - القواعد الأصولية ذريعة لاستنباط الأحكام الشرعية العملية، القواعد الفقهيةعبارة عن مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها، أوضابط فقهي تحيط بها، فالغرض منها تقريب المسائل الفقهية و تسهيلها. 4 - القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الفروع، أما أصول الفقه فالفرض يقتضي وجودها قبل الفروع؛ لأنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط، ككون ما في القرآن مقدما على ماجاءت به السنة، إن نص القرآن أقوى من ظاهره.
كما أن المولود يدل على والده، والتمرة على شجرها، كذلك الفروع دلت على هذه الأصول، فليس معناه بأن الولد والتمر مقدمان على الوالد والشجر. فكذلك ليست الفروع مقدمة على الأصول بل هي دالة كاشفة لها.
5 - القواعد الفقهية تشبه أصول الفقه من ناحية و تخالفها من ناحية أخرى، أما جهة المتشابهة: فهي أن كلا منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات.
أما جهة الاختلاف: فهي أن قواعد الأصول: عبارة عن المسائل التي تشتملها أنواع من الأدلة التفصيلية يمكن استنباط التشريع. الأحكام. منها.
وأما قواعد الفقه: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها أحكام الفقه نفسها يصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المذكورة في أصول الفقه. ثم إن الفقيه إن أوردها كأحكام جزئية، فليست قواعد، وإن ذكرها في صورة قضايا كلية تندرج تحتها الأحكام الجزئية فهي القواعد الفقهية.
وكل منها: أي القواعد الكلية، و الأحكام الجزئية، داخل في مدلول الفقه على وجه الحقيقة، وكل منها متوقف عند المجتهد على دراسة الأصول التي يبني عليها كل ذلك.
6 - إن معظم مسائل الأصول الفقه لا ترجع على خدمة حكمة الشريعة ومقصدها على عكس القواعد الفقهية فإنها تمهد الطريق للأصول إلى أسرار الأحكام وحكمها، و تخدم المقاصد الشرعية العامة والخاصة.
7 - القواعد الفقهية مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياس واحد يجمعها، أو إلى ضابط فقهي يربطها، فهي ثمرة للأحكام الفقهية الجزئية المتفرقة، وإن الفقيه المستوعب للمسائل يربط بين هذه الجزئيات برباط هي القاعدة.
(¬3) الفقيه من يدقق مسائل الشرع ولو ثلاث مسائل، مع أدلتها، ومشايخنا يطلقون على من لم يكن له اجتهادمتفقه كما في القنية.
(¬4) كتب بعيدة عن عامة أهل العلم. الكتب التي ذكرها هي الكتب المتداولة بين المتأخرين فما هووجه الغرابة؟ وجه الغرابة إن ما وقع له من جهد جمعها لم يتفق لغيره. رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 18
غَيْرِ مَظِنَّةٍ (¬1) إلَّا أَنِّي بِحَوْلِ الله وَقُوَّتِهِ لَا أَنْقُلُ إلَّا الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ أَوْ رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ غَالِبًا.
وَحُكِيَ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا طَاهِرٍالدَّبَّاسَ (¬2) جَمَعَ قَوَاعِدَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ الله سَبْعَ عَشْرَةَ قَاعِدَةً وَرَدَّه إلَيْهَا.
¬
(¬1) الجوهريّ: مظنّة الشّيء موضعه ومألفه الّذي يظنّ كونه فيه، والجمع المظانّ. يقال: موضع كذا مظنّة من فلان أي معلم منه. لسان العرب:13/ 274.بفتح الميم وكسر الظاء.
(¬2) محمّد بن محمّد بن سفيان أبو طاهر الدباس الفقيه قال ابن النجار إمام أهل الرّأي بالعراق درس الفقه على القاضي أبي خازم صاحب بكر القمي وكان من أهل السّنة والجماعة صحيح المعتقد تخرج به جماعة من الأئمّة وروى بسنده إلى الخليل بن أحمد القاضي سمعت القاضي أبا طاهر الدباس الفقيه يسأل عن قول الصّوفيّة إن النّظر إلى الوجه الحسن كالنظر إلى البستان الحسن فقال نعم إذا نظر إلى الوجه الحسن المعبرة كما ينظر إلى البستان للنزهة حل ذلك له وله شعر
شعر: وإذا طلبت العلم فاعلم أنه ... كالحمل فانظر أي شيء تحمل
وإذا علمت بأنّه متفاضل .. .فاشغل فؤادك بالذى هو أفضل .. قال الصّيمريّ ومن أقران أبي الحسن عبيد الله الكرخي أبو طاهر الدباس كان يوصف بالحفظ ومعرفة الرّوايات بخيلًا بعلمه وضنينا به وولي القضاء بالشّام وخرج منها إلى مكّة فمات بها قال ابن النجار وذكر بعض العلماء أنه ترك التدريس فى آخر عمره وسافر إلى الحجاز وجاور بمكّة وفرغ نفسه للعبادة إلى أن أتاه أجله رحمه الله تعالى. الجواهر المضية:2/ 116. قال الذهبي: محمد بن أحمد بن الحسين ابن الدواتي: أبو طاهر الدباس. [المتوفى: 493 هـ] شيخ بغدادي .... مات في شعبان. تاريخ الإسلام:10/ 745 الدّواتي: من يحمل الدواة. الدباس نسبة إلى بيع الدبس الماكول.
الجزء 1 · صفحة 19
وَلَه حِكَايَةٌ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْهَرَوِيِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ الله، فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ سَافَرَ إلَيْهِ وَكَانَ أَبُوطَاهِرٍ ضَرِيرًا، يُكَرِّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ بِمَسْجِدِهِ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ مِنْهُ، فَالْتَفَّ الْهَرَوِيُّ بِحَصِيرٍ (¬1) وَخَرَجَ النَّاسُ، وَأَغْلَقَ أَبُو طَاهِرٍ بَابَ الْمَسْجِدِ وَسَرَدَ مِنْهَا سَبْعَةً، (¬2) فَحَصَلَتْ لِلْهَرَوِيِّ سَعْلَةٌ فَأَحَسَّ بِهِ أَبُو طَاهِرٍ فَضَرَبَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لَمْ يُكَرِّرْهَا فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَجَعَ الْهَرَوِيُّ إلَى أَصْحَابِهِ وَتَلَاهَا عَلَيْهِمْ. (¬3)
الثَّانِي: الضَّوَابِطُ (¬4) وَمَا دَخَلَ فِيهَا وَمَاخَرَجَ عَنْهَاوَهُوَأَنْفَعُ الْأَقْسَامِ لِلْمُدَرِّسِ وَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي، فَإِنَّ بَعْضَ الْمُؤَلِّفِينَ يَذْكُرُ ضَابِطَةً وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ أَشْيَاءَ، فَأَذْكُرُ فِيه أَنِّي زِدْتُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ أُخَرَ، فَمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمَزِيدِ ظَنَّ الدُّخُولَ وَهِيَ خَارِجَةٌ كَمَا سَتَرَاهُ وَلِهَذَا وَقَعَ مَوْقِعًا حَسَنًا عِنْدَ ذَوِي الْإِنْصَافِ، وَابْتَهَجَ بِهِ مَنْ هُوَ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ.
¬
(¬1) في نسخة ((بحصيرة))
(¬2) قال الحموي: وسرد منها سبعة: شبه قراءتها منتظمة متسقة بسرد الدرع على طريق الاستعارة التبعية وكان الصواب أن يقول سبعا لأن المعدود مؤنث على ما هو القاعدة المشهورة. الغمز:1/ 36
(¬3) قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله رحمة واسعة: حكى القاضي أبو سعيد الهروي: أن بعض أئمة الحنفية بهراة بلغه أن الإمام أبا طاهر الدباس إمام الحنفية بما وراء النهر، رد جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، فسافر إليه. وكان أبو طاهر، ضريرا وكان يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس منه فالتف الهروي بحصير، وخرج الناس، وأغلق أبو طاهر المسجد وسرد من تلك القواعد سبعا، فحصلت للهروي سعلة فأحس به أبو طاهر فضربه وأخرجه من المسجد، ثم لم يكررها فيه بعد ذلك، فرجع الهروي إلى أصحابه، وتلا عليهم تلك السبع. قال القاضي أبو سعيد: فلما بلغ القاضي حسينا ذلك رد جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد. الأشباه والنظائر: 7. علمت بما ذكر بأنه التبس كلمة الهروي على البعض. ويتساءل الطالب نفسه لماذا كتم الدباس العلم؟ فالجواب: إن القواعد التي أنشأها لم تكتمل بعد، وكان يريد إخراجها بعد التكميل قاله البعض وهو توجيه حسن للاجتناب من سوء الظن بالعلماء. ولا يخفى عليك بأن هناك كانت جماعة تخفي علمها عن غيرهم، فكان شيخنا مفتي محمود حسن كنكوهي يذكر هذه القصة ثم يبتسم. فافهم.
(¬4) والفرق بين الضابط والقاعدة أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد، هذا هو الأصل.
الجزء 1 · صفحة 20
الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ (¬1)
الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الْأَلْغَازِ. (¬2)
¬
(¬1) معرفة الجمع والفرق: أي الفن الثالث من الفنون السبعة معرفة ما يجتمع مع آخر في حكم فأكثر ويفترق منه في حكم آخر فأكثر كالذمي والمسلم بأنهما يجتمعان في أحكام ويفترقان في أحكام كما سيتضح لك ذلك في موضعه. الغمز:1/ 38
(¬2) الألغاز، جمع لغز قال في الصحاح: ألغز في كلامه إذا عمى مراده، والاسم اللغز والجمع الألغاز مثل رطب وأرطاب، وأصل اللغز جحر اليربوع بين القاصعاء والنافقاء يحفر مستقيما إلى أسفل ثم يعدل عن يمينه وشماله عروضا يعترضها فيخفي مكانه بتلك الألغاز. انتهى. قال الزبيدي: والألغوزة، بالضمّ: ما يعمّى به من الكلام، وهو مجاز. وأصل اللّغز الحفر الملتوي. تاج العروس:15/ 317. وجمعه: ألغاز. وفال حاجي خليفة: علم الألغاز. وهو: علم يتعرف منه دلالة الألفاظ على المراد، دلالة خفية في الغاية، لكن لا بحيث تنبو عنها الأذهان السليمة، بل تستحسنها، وتنشرح إليها، بشرط أن يكون المراد من الألفاظ الذوات الموجودة في الخارج، وبها يفترق من المعمى، لأن المراد من الألفاظ: اسم شيء من الإنسان، وغيره.
وهو من: فروع علم البيان، لأن المعتبر فيه وضوح الدلالة، كما سيأتي. والغرض فيهما: الإخفاء، وستر المراد، ولما كان إرادة الإخفاء على وجه الندرة، عند امتحان الأذهان، لم يلتفت إليهما البلغاء، حتى لم يعدوهما أيضا من الصنائع البديعة، التي يبحث فيها عن الحسن العرضي.
ثم هذا المدلول الخفي: إن لم يكن ألفاظا، وحروفا، بلا قصد دلالتهما على معان آخر، بل ذوات موجودة يسمى: اللغز، وإن كان ألفاظا وحروفا دالة على معان مقصودة، يسمى: معمي.
وبهذا يعلم: أن اللفظ الواحد، يمكن أن يكون: معمى، ولغزا، باعتبارين، لأن المدلول إذا كان ألفاظا، فإن قصد بها معان أخر يكون: معمى. وإن قصد: ذوات الحروف، على أنها من الذوات، يكون: لغزا. وأكثر مبادي هذين العلمين: مأخوذ من تتبع كلام الملغزين، وأصحاب المعمى. وبعضها: أمور تخييلية، تعتبرها الأذواق، ومسائلها: راجعة إلى المناسبات الذوقية، بين الدال والمدلول الخفي، على وجه يقبلها الذهن السليم. ومنفعتهما: تقويم الأذهان، وتشحيذها. ومن أمثلة الألغاز:
قول القائل في القلم:.شعر. وما غلام راكع ساجد * أخو نحول دمعه جاري
ملازم الخمس لأوقاتها * منقطع في خدمة الباري.
وآخر في الميزان: شعر.
وقاضي قضاة يفصل الحق ساكتا * وبالحق يقضي لا يبوح فينطق
قضى بلسان لا يميل، وإن يمل * على أحد الخصمين فهو مصدق
ومن الكتب المصنفة فيه أيضا: كتاب: الألغاز. للشريف، عز الدين: حمزة بن أحمد الدمشقي، الشافعي. المتوفى: سنة أربع وسبعين وثمانمائة. وصنف فيه: جمال الدين: عبد الرحيم بن حسن الأسنوي، الشافعي. المتوفى: سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. وتاج الدين: عبد الوهاب بن السبكي. المتوفى: سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. ومن الكتب المصنفة فيه:.الذخائر الأشرفية، في الألغاز الحنفية. للقاضي: عبد البر بن الشحنة الحلبي. وهو الذي انتخبه: ابن نجيم، في الفن الرابع من. الأشباه.، وذكر أن:.حيرة الفقهاء.، و. العدة.، اشتملا على كثير من ذلك، لكن الجميع ألغاز فقهية. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:1/ 149.
الجزء 1 · صفحة 21
الْخَامِسُ: الْحِيَلُ (¬1)
السَّادِسُ: الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ (¬2)
¬
(¬1) الحيل جمع حيلة، وهي الحذق في تدبير الأمور، وهي تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، وأصلها الواو، واحتال طلب الحيلة. كذا في المصباح.
واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى في التعبير عن ذلك؛ فاختار كثير التعبير بكتاب الحيل.
واختار كثير كتاب المخارج واختاره في الملتقط وقال أبو سليمان: كذبوا على محمد رحمه الله تعالى ليس له كتاب الحيل، وإنما هو الهرب من الحرام والتخلص منه حسن. قال الله تعالى {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} وذكر في الخبر أن {رجلا اشترى صاعا من تمر بصاعين فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أربيت هلا بعت تمرك بالسلعة ثم ابتعت بسلعتك تمرا} وهذا كله إذا لم يؤد إلى الضرر بأحد انتهى. الأشباه: ابن نجيم.
الحيلة: اسم من الاحتيال، وهي التي تحول المرء عما يكرهه إلى ما يحبه. التعريفات: 94.
قال الزبيدي: وفي المصباح:! الحيلة: الحذق في تدبيير الأمور، وهو تقلّب الفكر حتّى يهتدي إلى المقصود. وقال الراغب: الحيلة: ما يتوصّل به إلى حالة مّا في خفية، وأكثر استعماله فيما في تعاطيه حنث قد يستعمل فيما في استعماله حكمة، ولهذا قيل في وصفه تعالى: وهو شديد {المحال أي الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة، وعلى هذا النّحو وصف بالمكر والكيد، لا على الوصف المفهوم، تعالى اللّه عن القبيح. تاج العروس:28/ 369.
(¬2) الأشباه: جمع شبه و شبه. بكسر الشين وسكون الباء، و فتح الشين والباء.: المثل.
النظائر: جمع نظيرة: المساوي والمماثل. وفي اصطلاح الفقهاء: المسائل الفقهية التي يشبه بعضها بعضا مع اختلاف في الحكم لأمور خفية أدركها الفقهاء بدقّة أنظارهم. وأما عند غيرهم: فالمسائل التي يتشابه بعضها مع بعض سواء كانت فقهية أو نحوية أو غيرها، فسمى بعض المفسرين لمجموعة آيات يشبه بعضها بعضا بـ " الأشباه النظائر "
وقد ذكر الإمام جلال الدين السيوطي عن المثيل والشبيه النظير، ما يثلج الصدر فقال: مسألة: ما الفرق بين المثيل والشبيه والنظير؟.
الجواب: المثيل أخص الثلاثة، والشبيه أعم من المثيل وأخص من النظير، والنظير أعم من الشبيه، وبيان ذلك أن المماثلة تستلزم المشابهة وزيادة، والمشابهة لا تستلزم المماثلة فلا يلزم أن يكون شبه الشيء مماثلاً له، والنظير قد لا يكون مشابهاً، وحاصل هذا الفرق أن المماثلة تقتضي المساواة من كل وجه، والمشابهة تقتضي الاشتراك في أكثر الوجوه لا كلها، والمناظرة تكفي في بعض الوجوه ولو وجهاً واحداً، يقال هذا نظير هذا في كذا وإن خالفه في سائر جهاته، ويؤيد هذا الذي قلته من المنقول ما نقله الشيخ سعد الدين في شرح العقائد عن الأشعرية أن المماثلة عندهم إنما تثبت بالاشتراك في جميع الأوصاف حتى لو اختلفا في وصف واحد انتفت المماثلة، وأما اللغويون فإنهم جعلوا المثيل والشبيه والنظر بمعنى واحد. الحاوي للفتاوي:2/ 259
الجزء 1 · صفحة 22
السَّابِعُ: مَا حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ (¬1) وَصَاحِبِيهِ وَالْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ (¬2) مِنَ الْمُطَارَحَاتِ (¬3) وَالْمُرَاسَلَاتِ (¬4) وَالْمُكَاتَبَاتِ وَالْغَرِيبَاتِ
¬
(¬1) عن إسمعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة أن ثابت بن النّعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار والله ما وقع علينا رق قطّ ولد جدي فى سنة ثمانين وذهب ثابت إلى عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفى ذريّته قيل هو من رهط حمزة الزيات فيكون من قبيلة الصّديق وكان خزازا يبيع الخزّ والصّحيح أن الإمام ولد سنة ثمانين وقيل إحدى وستّين وقيل ثلاث وستّين وأجمعوا على أنه مات سنة مائة وخمسين ببغداد فى رجب أو شعبان وقيل فى شوّال.
وقال شيخ مشايخنا مولانا محمد زكريا رحمه الله: واتفقوا على أن كنيته أبوحنيفة مؤنث حنيف، وهو الناسك أو المسلم. والأوجه في تكنيته أنه رأس الفروع والشرائع في الحنيفية البيضاء. وقيل سبب تكنيته بذلك ملازمته للدواةالمسماة حنيفة، بلغة العراق. وقيل: كانت له بنت تسمى بذلك، وردّبأنه لايعلم له ولد ذكر ولا أنثى غير حماد. أوجز المسالك إلى موطأ مالك:1/ 176.
وعن الأصمعي قلت لأبي يوسف لقد بلغ الله فيك الأماني هل وددت أكثر ممّا أنت فيه قال وددت أن لي زهد مسعر بن كدام وفقه الإمام وفى رواية قال وددت أن لي مجلسا من أبي حنيفة بنصف ما أملك وكان ماله أزيد من ألفي ألف قال الأصمعي ولم تتمنى هذا قال فى النّفس حزازات كنت أسألها عنه قلت وفيه رائحة تصف البخل وروى عن عاصم بن يوسف قال قلت لأبي يوسف اجتمع النّاس على أنه لا يتقدمك فى العلم أحد فقال ما علمي عند علم الإمام إلّا كنهر صغير فى جانب الفرات.
وعن المعلى بن منصور قال أبو يوسف ما اتّفق قولي وقوله إلّا وجدت لها فى قلبي قوّة وما فارقته فى مسئلة إلّا وفى قلبي أمثال الجبال من الضعف والريبة.
وعن عطيّة بن أسباط ختن ابن المبارك على أخته قال كان إذا قدم الكوفة أستعار من زفر كتبه فكتبه مرارًا. وسئل أمالك أفقه أم هو؟ قال هو أفقه من ملأ الأرض مثل مالك.
وعن ابن المبارك قال: أن الله خلقه رحمة لهذه الأمة وعنه لولاه لكنت ممّن يبيع الفلوس أو من المبتدعة.
قال الكردري: فإن قلت ليس لأبي حنيفة كتاب مصنف قلت هذا كلام المعتزلة ودعواهم أنه ليس له فى علم الكلام تصنيف وغرضهم بذلك نفي أن يكون الفقه الأكبر وكتاب العالم والمتعلم له لأنّه صرح فيه بأكثر قواعد أهل السّنة والجماعة ودعواهم أنه كان من المعتزلة وذلك الكتاب لأبي حنيفة البخاريّ وهذا غلط صريح فإنّي رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملّة والدّين الكردري البزاتقني العماديّ هذين الكتابين وكتب فيهما أنّهما لأبي حنيفة وقال تواطأ على ذلك جماعة كثير من المشائخ انتهى.
ومن تصانيفه وصاياه لأصحابه وقد شرحت الفقه الأكبر وضمتنه وصاياه بحمد الله ولعلي إذا ظفرت بالعالم والمتعلم أشرحه بعون الله وتوفيقه ولم يكن الإمام قدريا ولا جبريا ولا مرجيا ولا معتزليا بل سنيا حنفيا وتابعه يكون حنفيا.
وعن إبراهيم بن فيروز عن أبيه قال رأيته جالسا فى المسجد يفتي أهل المشرق والمغرب والفقهاء الكبار وخيار النّاس كلهم حضور فى مجلسه
وعن أبي حيّان التوحيدي الملوك عيال عمر إذا ساسوا والفقهاء عيال أبي حنيفة إذا قاسوا والمحدثون كلهم عيال على أحمد بن حنبل إذا أسندوا.
عن مقاتل بن حيّان أدركت التّابعين ومن بعدهم فما رأيت أحدا مثله، عالم بالحلال والحرام والنجاة من النّار مع ورع مستكمل وخدمة دائمة.
وعن أبي يوسف أن الإمام كان يفتي فى المسجد الحرام إذ وقف عليه الإمام جعفر الصّادق بن محمّد الباقر الإمام رضي الله عنهما وعن آبائهما الكرام ففطن الإمام فقام فقال يا بن رسول الله لو علمت أول ما وقفت لما قعدت وأنت قائم فقال اجلس وأفت النّاس على هذا أدركت آبائي. ذكر الغرنوي عن زفر عن الإمام أنه قال بلغت الغاية فى الكلام حتّى صرت مشارا إليه للأنام وكنت أجلس بقرب حلقة حمّاد فسئلت عمّن له زوجة أمة كيف يطلقها للسّنة فلم أهتد إلى جواب المسئلة فقلت لها سلي حمادا وأخبريني بالجواب فسألت حمادا فأخبرتني فقلت لا حاجة لي فى علم الكلام فتحولت إلى حلقة حمّاد وكان إذا ذكر المسئلة أحفظ قوله فإذا كرر كنت أحفظ أنا الجواب ويخطئ أصحابه فقال لا يجلس فى الحلقة قبالتي غيرك فلزمته عشر سنين .. ثمّ اعلم أن بعض المتكلين قالوا نمسك عن تفضيل الصّحابة بعضهم على بعض والجمهور على خلافه ولكن اختلفوا فقال أكثرهم الصّديق أفضلهم وقال الخطابية الفاروق أفضلهم وقال الرواندية العبّاس أفضلهم وقال الرافضة عليّ أفضلهم واتفق أهل السّنة على تقديم الشّيخين ووافقهم أيضا فيه المعتزلة ثمّ اختلفوا فقال أقلهم وهو رواية عن الإمام ثمّ عليّ ثمّ عثمان وقال أكثرهم ثمّ عثمان ثمّ عليّ وهو الأصح من مذهب الإمام كما يعرف من كتاب الفقه الأكبر ونصائحه ثمّ تمام العشرة المبشرة بالجنّة ثمّ أهل بدر ثمّ أهل أحد ثمّ أصحاب بيعة الرضوان وزعم طائفة منهم ابن عبد البران من توفّي من الصّحابة الكرام حال حياته أفضل ممّن بقي بعد مماته عليه السّلام وهذا اطلاق غير مرضي عند العلماء الأعلام ... وعن الحسن بن زياد أنه كان يقول ليس لأحد أن يقول برأيه مع نص عن كتاب الله أو سنة عن رسول الله أو إجماع عن الأمة وإذا اختلف الصّحابة على أقوال نختار منها ما هو أقرب الى الكتاب أو السنه ونحبتنب عمّا جاوز ذلك فالاجتهاد موسع على الفقهاء لمن عرف الإختلاف وقاس فأحسن القياس وعلى هذا كانوا.
وروى عنه ما جاء عن الله ورسوله لا نتجاوز عنه وما اختلف فيه الصّحابة أخترناه وما جاء عن غيرهم أخذنا وتركنا.
وروى أنه كان كثيرا يقرأ هذه الآية فى خلال كلامه {فبشر عباد الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وفيه دليل على أنه لم يبدع لفظ الإستحسان فإنّه موجود فى الكتاب وكذا فى السّنة فقد ورد ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
وعن أبي يوسف انه كان إذا وردت حادثة قال الإمام هل عندكم أثر فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به وإن اختلف الآثار أخذ بالأكثر وإلّا أخذ بالقياس.
وقد ذكر عبد المجيد الخوارزميّ عن محمّد بن مقاتل أن رجلا جاء وقال للإمام ما تقول فيمن لا يرجو الجنّة ولا يخاف النّار ولا يخاف الله ويأكل الميتة ويصلي بلا ركوع ولا سجود ويشهد بما لم يره ويبغض الحق ويحب الفتنة. فقال أصحابه أمر هذا الرجل مشكل. فقال الإمام: هذا رجل يرجو الله تعالى لاالجنة ويخاف الله تعالى لا النّار ولا يخاف الظّلم عليه من الله فى عدله ويأكل السّمك والجراد ويصلي على الجنائز ويشهد بالتّوحيد ويبغض الموت وهو حق ويحب المال والولد وهما فتنة فقام السّائل وقبل رأسه وقال أشهد أنّك وعاء للعلم.
وذكر العلامة حسام الملّة السغناقي أن رجلا جاء إليه وقال بواو أم بواوين فقال بواوين فقال بارك الله فيك كما بورك في لا ولا فلم يعلم الحاضرون ما قالا فقال الحاضرون ما هذا الكلام فقال سألني عن التّشهّد بواو أم بواوين فقلت بهما فقال بارك الله فيك كما بورك فى شجرة لا شرقية ولا غربية.
وذكر الديلمي عن عليّ بن عثام قال لما فر الإمام إلى المدينة وكان فيها حسين بن زيد العلوي واليا من جهة بني العبّاس فقال لغلامه خذ بلجام دابّة الشّيخ وقل له من خير النّاس بعد النّبي عليه السّلام فقال العبّاس فسكت وكان غرض أستاذه حمّاد فقال الشّيطان مات أستاذكم حمّاد فاسترحنا منه فقال الإمام أستاذنا مات وأستاذكم من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم فتحير الرافضي وكشف عورته فغمض الإمام بصره فقال الشّيطان يا نعمان منذكم أعمى الله بصرك فقال مذهتك الله سترك فبادر الإمام إلى الخروج من الحمام وأنشأ يقول: شعر .. أقول وفى قولي بلاغ وحكمة .. وما قلت قولا جئت فيه بمنكر
إلّا يا عباد الله خافوا إلهكم .. ولا تدخلوا الحمام إلّا بميزر ..
وروى عنه أنه قال كنّا لا ننصرف من عند حمّاد إلّا بفائدة فقال لنا يومًا إذا وردت عليكم مسئلة معضلة فاجعلوها سوالا على صاحبها فوعيته فبعد مدّة ذهبت إلى دار المنصور فخرج إلى ربيع الحاجب وكان يعاديني فقال إن أمير المؤمنين يأمرنا بقتل رجل ولا ندري ما هو أنقتله قلت يا أبا العبّاس إن أمير المؤمنين يأمر بالحقّ أو الباطل قال بل بالحقّ قلت أنفذ الحق حيث كان قال وكان الرّبيع أراد أن يوثقني فربطته.
وروي أن امرأة كانت مجنونة لها لقب إذا دعيت بذلك شتمت فدعاها رجل به فقذفت أبويه وهما حيّان فرفعت إلى ابن أبي ليلي فأقام عليها حدّين قائمة فى المسجد فى مجلس واحد فقال الإمام المجنونة لا تحد والخصم أبواه وهما فى الأحياء ولا تحد إلّا بطلبهما ولا يوالي بين الحدين حتّى يجف الأول ولا يقام الحدان لو قذف جماعة بكلمة ولا تقام الحدود فى المساجد ولا تحد قائمة ولا تمد فى الحدود.
وذكر الحلبي عن أبي يوسف قال جاء إليه رجل، فقال: حلفت أن لا أكلم امرأتي أو تكلمني وحلفت هى أيضا مثله فأفتى سفيان بأن أيهما كلم الآخر حنث فقال الإمام كلمها ولا حنث عليك فأنكر سفيان وقال أنه يبيح الفروج فلمّا اجتمعا أعاد الرجل السّؤال فأعاد الإمام الجواب فقال سفيان من أين هذا؟ قال لما شافهته باليمين الثّاني سقط الأول، لأنّها كلمته. فقال سفيان: فتح لك من العلم ما لم يفتح لنا.
وعن عبد العزيز بن خالد عن الإمام قال أتاني رجل وقال ماتت أختي وفى بطنها ولد يتحرّك فقلت اذهب وشق بطنها وأخرج الولد ففعل فجاءني بعد سبع سنين ومعه غلام قال أتعرفه قلت لا قال هو الذى أفتيت بشق بطن أمه واخراجه فأخرجته وسميته بمولى أبي حنيفة رحمة الله عليه .. وذكر الإمام الحلبي عن وكيع قال كنّا عنده إذ جاءته امرأة وقالت مات أخي وأعطوني من تركته دينارا قال من قسم تركتكم قالت داود الطّائي قال لعلّه مات عن ستّ مائة دينار وبنتين لهما الثّلثان أربع مائة دينار وأم لها السّدس مائة دينار والمرأة لها الثّمن خمسة وسبعون دينار أو اثنى عشر أخا وأخت وهى أنت لك أخ ديناران وأنت لك دينار واحد قالت نعم!
وسئل الامام عمّن حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان قال يسافر بها ويقربها
وادّعى رجل النّبوّة وطلب من النّاس أن يمهلوه حتّى يأتي بالعلامة على صدقه فقال الإمام من طلب منه العلامة كفر لأنّه يوهم صدقه والمفتاح باب النّبوّة وفيه رد كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النّبيين. وذكر الإمام المرغيناني أن رجلا جاء إليه وقال حلفت أن لا أغتسل من هذه الجنابة فأخذ الإمام يده وانطلق به حتّى إذا مر على قنطرة نهر دفعه فى الماء حتّى انغمس فى الماء ثمّ خرج فقال قد طهرت وبررت لأن اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ولم يحصل منه فعل.
وسئل عن امرأة صعدت السّلم فقال لها زوجها إن صعدت فأنت طالق وإن نزلت أيضا قال يرفع السّلم وهى قائمة عليه ثمّ يوضع على الأرض أو ترفع المرأة وتوضع على الأرض ولا يحنث لأنّها ما نزلت ولا طلعت.
وحكى أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار وقال إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه فلمّا كبر دفع إليه الكيس وأمسك المال فلم يجد الصّبي مخرجا فجاء إلى الإمام وقص عليه فدعا الوصيّ وقال له ادفع الألف لأنّك أمسكت المال والرجل إنّما يمسك ما يحب ويعطي ما لا يحب
وكان الإمام إذا شكلت عليه مسئلة قال لأصحابه ما هذا إلّا لذنب أحدثته وكان يستغفر وربما قام وصلى فتنكشف له المسئلة ويقول رجوت أنّي تيب عليّ فبلغ ذلك فضيل بن عياض فبكى بكاء شديدا ثمّ قال ذلك لقلّة ذنب فأما غيره فلا يتنبّه لهذا.
وعن الحسين بن مالك عن الإمام أنه قال وقع بين المنصور وامرأته مشاجرة فاختارت الإمام ليكون حكما فدعاه المنصور وجلست امرأته وراء السّتر فقال المنصور كم يحل للرجل من الحراير قال أربع قال ومن الإماء قال ما شاء بلا عدد قال هل يجوز لأحد خلاف فى ذلك قال لا قال الخليفة اسمعي ما قال قالت سمعت قال الإمام يا أمير المؤمنين إنّما تحل الأربع لمن عدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فلا تحل إلّا واحدة قال الله تعالى {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} الآية فسكت الخليفة وقام أبو حنيفة فلمّا بلغ الإمام منزله بعثت الحرّة إليه بخمسين ألف درهم وبجارية حسناء معها وبمركب شكرا لما صنع فجاء الخادم بكل ذلك إليه فلم يقبل منه شيأ وقال ما أردت بهذا الكلام تقربا إلى أحد ولا إلتماسا للبر من المخلوق ولم يمس منه شيئا ولم ينظر إليه حتّى رفع من بين يديه. وروى أنه سكن بمكّة في رمضان وتمكن من مائة وعشرين عمرة لكل يوم أربع عمرات وممّا قيل فيه شعر. نهارا أبي حنيفة للإفادة .. وليل أبي حنيفة للعبادة. وودع نومه خمسين عاما .. لطاعته وخداه الوسادة.
وعن الحسن بن زياد أنه رأي على بعض جلسائه ثيابًا رثّة فقال ارفع هذا المصلى وخذ الألف الّتى تحته واصلح بها حالك قال إنّي موسر قال صحّ في الحديث أن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر النّعمة عليه فغير ثيابك حتّى لا يغتم بك صديقك ..
وذكر الإمام الحلبي عن يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال كان يخرج كل يوم من السجن فيضرب ليدخل في القضاء فيأبى فلمّا ضرب رأسه وأثر ذلك في وجهه بكى فقيل له في ذلك فقال إذا رأته أمّي بكت واغتمت وما عليّ أشد من غم أمّي روي أنّها قالت يا نعمان أن علما أوردك مثل هذا لحري أن تفر منه فقلت تعلمت لله لا للدنيا.
وذكر أنه قال ما صليت صلاة منذ مات حمّاد إلّا استغفرت له ولوالدي ولمن تعلم منى أو تعلمت منه.
وروى عنه أنه قال ما مددت رجلي نحو سكّة حمّاد قطّ وكان بينهما مقدار سبع سكك. وعن بشر بن الوليد قال قال أبو يوسف لقيني الأعمش وقال صاحبكم يخالف ابن مسعود حيث لا يجعل بيع الأمة طلاقها، وابن مسعود جعل بيع الأمة طلاقها، قلت انت حدّثتنا بذلك: قال: كيف؟ قلت حدّثتنا عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنه عليه السّلام خير بريرة بعد ما اشترتها عائشة، ولو كان بيع الأمة طلاقها ما كان للتخير فائدة، قال أفيه ذلك؟ قلت: نعم. انتهى. من الجواهر المضية في طبقات الحنفية:2/ 499. قال الإما م الذهبي رحمه الله عنه: فأفقه أهل الكوفة عليّ، وابن مسعود، وأفقه أصحابهما: علقمة، وأفقه أصحابه: إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم: حمّاد، وأفقه أصحاب حمّاد: أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم: محمّد، وأفقه أصحاب محمّد: أبو عبد الله الشّافعيّ رحمهم الله تعالى. سير أعلام النبلاء:5/ 531.
حدّثنا جعفر بن محمّد بن حسين بن حازم، حدّثني إبراهيم بن محمّد الرّمّانيّ أبو نجيح، سمعت حسن بن زياد، سمعت أبا حنيفة، وسئل من أفقه من رأيت? قال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد لمّا أقدمه المنصور الحيرة بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ النّاس قد فتنوا بجعفر ابن محمد فهيىء له من مسائلك الصّعاب فهيّأت له أربعين مسألةً ثمّ أتيت أبا جعفر وجعفر جالس، عن يمينه فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لا يدخلني لأبي جعفر فسلّمت وأذن لي فجلست ثمّ التفت إليّ جعفر فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا قال: نعم هذا أبو حنيفة ثمّ أتبعها قد أتانا ثمّ قال: يا أبا حنيفة هات من مسائلك نسأل أبا عبد الله فابتدأت أسأله فكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا فربّما تابعنا وربّما تابع أهل المدينة وربّما خالفنا جميعاً حتّى أتيت على أربعين مسألةً ما أخرم منها مسألةً ثمّ قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أنّ أعلم النّاس أعلمهم باختلاف النّاس؟. سير أعلام النبلاء:6/ 364.
وقال شيخ مشايخنا مولانا محمد زكريا رحمه الله: وأمّا وفاته رضي الله عنه وسبب وفاته فقال ابن حجر: إن المنصور طلبه للقضاء وأن قضاة بلاد الإسلام من تحت أمره 'فامتنع' فحلف وغلظ إن لم يفعل يحبسنه'وليشّددن عليه' فامتنع' فحبسه 'وكان يرسل له'إن أحببت الخلاص فاقبل ' فيمتنع' ولما شد د الامتناع أمر أن يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط ' وينادى عليه في الأسواق' فأخرج وضرب ضرباً موجعاحتى سال عنه الدم على عقبيه' ثم أعيد إلى الحبس' وضيّق عليه تضيقا شديدا ' حتى فى مأكله ومشربه ثم فعل به كذلك في الثاني والثالث ' ثم هكذا إلى عشرة أيام فبكى' وأكد الدعاء فتوفي بعد خمسة أيام. أوجز المسالك إلى موطأ مالك:1/ 177.
وقد طولت هذا المقام لكي يعرف الطالب إمامنا. رحمه الله رحمة واسعة.
(¬2) المراد بالمتقدّمين من فقهائنا هم الذين أدركوا الأئمّة الثلاثة، ومن لم يدركهم فهو من المتأخّرين، هذا هو الظاهر من إطلاقاتهم في كثير من المواضع، وذكر عبد النبيّ الأحمدنكري في. جامع العلوم. نقلاً عن صاحب. الخيالات اللطيفة.: إنّ الخلف عند الفقهاء من محمّد بن الحسن إلى شمس الائمّة الحلواني، والسلف من أبي حنيفة إلى محمّد، والمتأخّرون من الحلوانيّ إلى حافظ الدين البخاريّ. انتهى.
وذكر الذهبيّ في مفتح كتابه. ميزان الاعتدال في نقد أسماء الرجال.: إنّ الحدّ الفاصل بين المتقدّمين والمتأخّرين هو رأس ثلاثمئة.
ويخدش ما ذكره عبد النبيّ أنّهم كثيراً ما يطلقون المتأخّرين على من قبل الحلوانيّ؛ فقد قال في. الهداية. في. كتاب الصوم. في. بحث قضاء المجنون الصوم.: هذا مختار بعض المتأخّرين. انتهى. قال في. العناية.: منهم أبو عبد الله الجرجانيّ، والإمام الرّستغفنيّ، والزاهد الصفّار. انتهى. مع أن الجرجانيّ متقدّم على الحلوانيّ، فإنّ الحلوانيّ من رجال المئة الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين أو تسع وأربعين، أو ثمان وأربعين بعد أربعمئة على ما يأتي ذكره.
وأبو عبد الله محمّد بن يحيى الجرجانيّ مات سنة ثمان أو سبع وتسعين وثلاثمئة. كما ذكره الكفويّ، وغيره.
وكذا الرّستغفنيّ: بضم الراء المهملة، وضم التاء المثناة الفوقيّة، بينهما سين مهملة ساكنة، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء نسبةً إلى رستغفن قرية بسمرقند، [حاليا في ازبكستان] واسمه عليّ بن سعيد، متقدّم على الحلوانيّ، فإنّ الرّستغفنيّ من تلامذة أبي منصور الماتريديّ، المتوفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة. والله أعلم. عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية.1/ 73.
(¬3) - المطارحات: وهي مسائل عويصة. يقصد بها: تنقيح الأذهان. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.2/ 1282.
(¬4) والمطارحات جمع مطارحة وهي أن يطرح أحد العالمين على الآخر مسألة فيتكلمان فيها أشفاها.
والمراسلات جمع مراسلة وهي أن يراسل كل واحد من العالمين إلى الآخر بمسألة يسأله عنها سواء كان بمكاتبة أو رسول وعلى هذا فعطف المكاتبات على المراسلات من عطف الخاص على العام. غمز عيون البصائر:1/ 39.
وقد ذكر ابن نجيم رحمه الله في باب المطارحات بعضها فأسوق منها بعبارته: لمّا جلس أبو يوسف رحمه اللّه تعالى للتّدريس من غير إعلام أبي حنيفة رحمه اللّه فأرسل إليه أبو حنيفة رحمه اللّه رجلًا فسأله عن خمس مسائل:
الأولى: قصّار جحد الثّوب وجاء به مقصورًا، هل يستحقّ الأجر أم لا؟ فأجاب أبو يوسف رحمه اللّه: يستحقّ الأجر.
فقال له الرّجل: أخطأت فقال: لا يستحقّ فقال: أخطأت، ثمّ قال له الرّجل: إن كانت القصارة قبل الجحود، استحقّ، وإلّا لا.
الثّانية: هل الدّخول في الصّلاة بالفرض أم بالسّنّة؟ فقال: بالفرض
فقال: أخطأت.
فقال: بالسّنّة.
فقال: أخطأت فتحيّر أبو يوسف رحمه اللّه.
فقال الرّجل: بهما لأنّ التّكبير فرض، ورفع اليدين سنّة.
الثّالثة: طير سقط في قدر على النّار، فيه لحم ومرق؛ هل يؤكل أم لا؟ فقال يؤكل فخطّأه.
فقال: لا يؤكل فخطّأه ثمّ قال: إن كان اللّحم مطبوخًا قبل سقوط الطّير يغسل ثلاثًا ويؤكل وترمى المرقة وإلّا يرمى الكلّ.
الرّابعة: مسلم له زوجة ذمّيّة ماتت وهي حامل منه؛ تدفن في أي المقابر؟ فقال أبو يوسف رحمه اللّه في مقابر المسلمين.
فخطّأه، فقال في مقابر أهل الذّمّة فخطّأه، فتحيّر أبو يوسف فقال: تدفن في مقابر اليهود، ولكن يحوّل وجهها عن القبلة حتّى يكون وجه الولد إلى القبلة لأنّ الولد في البطن يكون وجهه إلى ظهر أمّه.
الخامسة: أمّ ولد لرجل، تزوّجت بغير إذن مولاها فمات المولى، هل تجب العدّة من المولى؟ فقال: تجب، فخطّأه ثمّ قال: لا تجب فخطّأه ثمّ قال الرّجل: إن كان الزّوج دخل بها لا تجب وإلّا وجبت.
فعلم أبو يوسف تقصيره فعاد إلى أبي حنيفة رحمه اللّه فقال: تزبّبت قبل أن تحصرم كذا في إجارات الفيض. الأشباه والنظائر لابن نجيم: 364.
الجزء 1 · صفحة 23
وَأَرْجُو مِنْ كَرَمِ الله الْفَتَّاحِ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ إذَا تَمَّ بِحَوْلِ الله وَقُوَّتِهِ يَصِيرُ نُزْهَةً لِلنَّاظِرِينَ، وَمَرْجِعًا لِلْمُدَرِّسِينَ، وَمَطْلَبًا لِلْمُحَقِّقِينَ، (¬1) وَمُعْتَمَدًا لِلْقُضَاةِ وَالْمُفْتِيِيْنَ، وَغَنِيْمَةً لِلْمُحَصِّلِينَ، وَكَشّافًا لِكَرْبِ الْمَلْهُوفِينَ. (¬2)
هَذَا لِأَنَّ الْفِقْهَ أَوَّلُ فُنُونِي (¬3)، طَالَ مَا أَسْهَرْتُ فِيهِ عُيُونِي (¬4) وَأَعْمَلْتُ بَدَنِي إعْمَالَ الْجِدِّ مَا بَيْنَ بَصَرِي وَيَدِي وَظُنُونِي.
¬
(¬1) التحقيق: إثبات المسألة بدليلها. و التدقيق: إثبات المسألة بدليل دق طريقه لناظريه.
(¬2) محزونين. وقال ابن منظور: ويقال: لهف لهفاً، فهو لهفان، ولهف، فهو ملهوف أي حزين. لسان العرب.9/ 322.
(¬3) [الفنّ]: الجنس من العلم ونحوه، وجمعه: فنون. ويقال: أخذ في أفانين الكلام: أي أجناسه. شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم:8/ 5058. اعتنيت به عناية فائقة بالنسبة للعلوم الأخرى’وهذا هو المراد بأول فنوني.
(¬4) يقول زرنوجي:
بقدر الكد تكتسب المعالى ... .... ومن طلب العلى سهر الليالى
تروم العز ثم تنام ليلا .... يغوص فى البحر من طلب اللآلى
علو الكعب بالهمم العوالى .... وعز المرء فى سهر الليالى.
تركت النوم ربى فى الليالى ... لأجل رضاك يامولى الموالى.
ومن رام العلى من غير كد ... .... أضاع العمر فى طلب المحال
فوفقنى إلى تحصيل علم .. .... وبلغنى إلى أقصى المعالى ..
قيل: اتخذ الليل جملا تدرك به أملا. تعليم المتعلم طريق التعلم للزرنوجي: 33.
الجزء 1 · صفحة 24
وَلَمْ أَزَلْ مُنْذُ زَمَنِ الطَّلَبِ أَعْتَنِي بِكُتُبِهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَأَسْعَى فِي تَحْصِيلِ مَا هُجِرَ مِنْهَا سَعْيًا حَثِيثًا، إلَى أَنْ وَقَفْتُ مِنْهَا عَلَى الْجَمِّ الْغَفِيرِ، وَأَحَطْتُّ بِغَالِبِ الْمَوْجُودِ فِي بَلَدِنَا الْقَاهِرَةِ مُطَالَعَةً وَتَأَمُّلًا بِحَيْثُ لَمْ يَفُتْنِي مِنْهَا إلَّا النَّزْرُ الْيَسِيرُ، كَمَا سَتَرَاهُ عِنْدَ سَرْدِهَا، مَعَ ضَمِّ الِاشْتِغَالِ وَالْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ ابْتِدَاءِ أَمْرِي، كَـ: كِتَابِ الْبَزْدَوِيِّ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ (¬1)، وَالتَّقْوِيمِ لِأَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ، وَالتَّنْقِيحِ (¬2) وَشَرْحِه وَشَرْحِ شَرْحِهِ وَحَوَاشِيهِ، وَشُرُوحِ الْبَزْدَوِيِّ مِنَ الْكَشْفِ الْكَبِيرِ وَالتَّقْرِيرِ، حَتَّى اخْتَصَرْتُ تَحْرِيرَ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَسَمَّيْتُه" لُبَّ الْأُصُولِ".ثُمَّ شَرَحْتُ الْمَنَارَ شَرْحًا جَاءَ، بِحَوْلِ الله وَقُوَّتِهِ، فَائِقًا عَلَى نَوْعِهِ.
فَنَشْرَعُ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى بِحَوْلِه وَقُوَّتِه، فِيمَا قَصَدْنَاهُ مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ بَعْدَ تَسْمِيَتِه بِالْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ (¬3) تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ بَعْضِ فُنُونِهِ، سَائِلًا الله تَعَالَى الْقَبُولَ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مُؤَلِّفَه وَمَنْ نَظَرَ فِيه، إنَّهُ خَيْرُ مَأْمُولٍ وَأنْ يَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَ الْحَاسِدِينَ وَافْتِرَاءَ الْمُتَعَصِّبِينَ.
¬
(¬1) قال الإمام الذهبي عنه: شيخ الحنفيّة، عالم ما وراء النّهر، أبو الحسن، عليّ بن محمّد بن الحسين بن عبد الكريم البزدويّ، صاحب الطّريقة في المذهب. قال السّمعانيّ: ما حدّثنا عنه سوى صاحبه أبي المعالي محمد بن نصر الخطيب. قال: وكان إمام الأصحاب بما وراء النّهر، وله التّصانيف الجليلة. درّس بسمرقند. ومات بكسّ في رجب، سنة اثنتين وثمانين، وكان أحد من يضرب به المثل في حفظ المذهب، وولد في حدود سنة أربع مائة. سير أعلام النبلاء:14/ 89. وقال الزركلي عنه: فقيه أصولي، من أكابر الحنفية. من سكان سمرقند، نسبته إلى " بزدة " قلعة بقرب نسف. له تصانيف، منها " المبسوط - خ " كبير، و " كنز الوصول - ط " في أصول الفقه، يعرف بأصول البزدوي، و " تفسير القرآن " كبير جدا، و " غناء الفقهاء " في الفقه. الأعلام للزركلي:4/ 329.
(¬2) التنقيح والاسم الكامل: تنقيح الأصول. للفاضل، العلامة، صدر الشريعة: عبيد الله بن مسعود المحبوبي، البخاري، الحنفي. المتوفى: سنة 747، سبع وأربعين وسبعمائة. وهو: متن لطيف مشهور. أوله:.إليه يصعد الكلم الطيب .. الخ.
ذكر فيه: أنه لما كان فحول العلماء، مكبين على مباحث كتاب. فخر الإسلام البزدوي.، ووجد بعضهم: طاعنين على ظواهر ألفاظه، أراد تنقيحه، وحاول تبيين مراده، وتقسيمه على قواعد المعقول، موردا فيه: زبدة. مباحث المحصول. و. أصول ابن الحاجب.، مع تحقيقات بديعة، وتدقيقات غامضة منيعة، قلما توجد في الكتب، سالكا فيه مسلك الضبط، والإيجاز.
(¬3) قال الحموي: والأشباه جمع شبه والشّبه والشّبيه المثل والنّظائر جمع نظير وهو المناظر والمثل والمراد بها المسائل الّتي تشبه بعضها بعضًا مع اختلافها في الحكم لأمور خفيّة أدركها الفقهاء بدقّة أنظارهم. غمز عيون البصائر: 1/ 38.
الجزء 1 · صفحة 25
وَلَعَمْرِي (¬1) إنَّ هَذَا الْفَنَّ لَا يُدْرَكُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا يُنَالُ، بِسَوْفَ وَلَعَلَّ، وَلَوْ أَنِّي، وَلَا يَنَالُه إلَّا مَنْ كَشَفَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، وَشَمَّرَ وَاعْتَزَلَ أَهْلَه، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ، وَخَاضَ الْبِحَارَ، وَخَالَطَ الْعَجَاجَ، (¬2) يَدْأَبُ فِي التَّكْرَارِ
¬
(¬1). العمر بالفتح وبالضّمّ وبضمّتين: الحياة، يقال: قد طال عمره وعمره، لغتان فصيحتان. فإذا أقسموا فقالوا: لعمرك، فتحوا لا غير، كما سيأتي قريبا، ج أعمار، وفي البصائر للمصنّف: العمر والعمر واحد، لكن خصّ القسم بالمفتوحة. تاج العروس:13/ 123.العمر. بالضّمّ والفتح البقاء إلّا أنّ الفتح غلب في القسم حتّى لا يجوز فيه الضّمّ ويقال لعمرك ولعمر اللّه لأفعلنّ كذا وارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف. المغرب في ترتيب المعرب: 327. قال ابن عابدين رحمه الله: ويمكن أن يكون المراد بقولهم لعمري وأمثاله ذكر صورة القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط لأنه أقوى من سائر المؤكدات، وأسلم من التأكيد بالقسم بالله تعالى لوجوب البرّ به، وليس الغرض اليمين الشرعي وتشبيه غير الله تعالى به في التعظيم حتى يرد عليه أن الحلف بغير اسمه تعالى وصفاته، عز وجل مكروه كما صرح به النووي في شرح مسلم، بل الظاهر من كلام مشايخنا أنه كفر إن كان باعتقاده أنه حلف يجب البر به، وحرام إن كان بدونه كما صرح به بعض الفضلاء، وذكر صورة القسم على الوجه المذكور لا بأس به، ولهذا شاع بين العلماء، كيف وقد «قال - عليه الصلاة والسلام - قد أفلح وأبيه» وقال عز من قائل - {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72]- فهذا جرى على رسم اللغة وكذا إطلاق القسم على أمثاله اهـ. رد المحتار:1/ 18.قلت: وهذا من أحسن ماقيل لأن العلماء ذكروا مثل هذه الكلمات فلا ينبغي أن يحملها على غيرهذا المحمل الجميل. وقد قال العيني رحمه الله: قوله: " أفلح وأبيه " الواو في " وأبيه " للقسم. فإن قلت: قد نهى رسول الله- عليه السلام- أن يحلف الرجل بأبيه، فكيف هذا؟ قلت: ليس هذا حلفا؛ إنما هو كلمة جرت عادةالعرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف؛ والنهي إنماورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به، ومضاهاته بالله سبحانه وتعالى. شرح أبي داود للعيني:2/ 236. وقال النووي: قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: أفلح وأبيه إن صدق. هذا ممّا جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم من كان حالفًا فليحلف باللّه وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وجوابه أنّ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم أفلح وأبيه ليس هو حلفًا إنّما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف والنّهي إنّما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به اللّه سبحانه وتعالى فهذا هو الجواب المرضي وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل النّهي عن الحلف بغير اللّه تعالى واللّه أعلم. شرح النووي على مسلم:1/ 168.
(¬2) قال ابن منظور: والعجاج: الغبار، وقيل: هو من الغبار ما ثوّرته الرّيح، واحدته عجاجة، وفعله التّعجيج. لسان العرب:2/ 319.
الجزء 1 · صفحة 26
وَالْمُطَالَعَةِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَيُنَصِّبُ نَفْسَه لِلتَّأْلِيفِ وَالتَّحْرِيرِ بَيَاتًا (¬1) وَمَقِيلًا (¬2)، لَيْسَ لَه هِمَّةٌ إلَّا مُعْضِلَةً يَحِلُّهَا، أَوْ مُسْتَصْعَبَةً عَزَّتْ عَلَى الْقَاصِرِينَ إلَّا وَيَرْتَقِي إلَيْهَا وَيَحِلُّهَا، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ الله يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ.
وَهَا أنَاذَا أَذْكُرُ الْكُتُبَ الَّتِي نَقَلْتُ مِنْهَا مُؤَلَّفَاتِي الْفِقْهِيَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عِنْدِي فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَةٍ.
فَمِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ (¬3): النِّهَايَةُ (¬4) وَغَايَةُ الْبَيَانِ (¬5)، وَالْعِنَايَةُ (¬6)، وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ (¬7) وَالْبِنَايَةُ (¬8)، وَالْغَايَةُ (¬9)، وَفَتْحُ الْقَدِيرِ (¬10).وَمِنْ شُرُوحِ الْكَنْزِ (¬11): الزَّيْلَعِيُّ (¬12) وَالْعَيْنِيُّ (¬13) وَمِسْكِينٌ (¬14).وَمِنْ شُرُوحِ الْقُدُورِيِّ (¬15): السِّرَاجُ
¬
(¬1) ظل يفعله ليلا، قال ابن منظور: بات يبيت ويبات بيتوتة. ابن سيده: بات يفعل كذا وكذا يبيت ويبات بيتاً وبياتاً ومبيتاً وبيتوتة أي ظلّ يفعله ليلًا. لسان العرب:2/ 16.
(¬2) قال ابن منظور: الليث: القيلولة نومة نصف النهار وهي القائلة قال يقيل وقد قال القوم قيلاً و قائلةً و قيلولةً و مقالاً و مقيلاً الأخيرة عن سيبويه. والمقيل أيضاً: الموضع. لسان العرب:5/ 3796.
(¬3) علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، أبو الحسن برهان الدين.530 - 593 هـ = 1135 - 1197 م.: من أكابر فقهاء الحنفية نسبته إلى مرغينان. من نواحي فرغانة. كان حافظا مفسرا محققا أديبا، من المجتهدين. ازبكستان حاليا.
من تصانيفه: " بداية المبتدي - ط " فقه، وشرحه " الهداية في شرح البداية - ط " مجلدان، و " منتقى الفروع " و " الفرائض " و " التجنيس والمزيد - خ " في الفتاوى، و " مناسك الحج " و " مختارات النوازل - خ " في الأزهر وجامعة الرياض. الأعلام للزركلي.4/ 266. وللحنابلة أيضا الهداية، وذلك لأبي الخطاب. الجواهر المضية في طبقات الحنفية:2/ 441.
(¬4) قال حاجي خليفة: وشرح. الهداية.:القاضي، بدر الدين: محمود بن حمد، المعروف: بالعيني.
المتوفى: سنة 855، خمس وخمسين وثمانمائة. الهداية. في: مجلدين. وسمّاه:.النهاية. وأتمه في: عشري المحرم، سنة 850، خمسين وثمانمائة، بالقاهرة. وهو في: سن التسعين.
ابتدأ في: صفر، سنة 817،.2/ 2036. سبع عشرة وثمانمائة، من كتاب. المضاربة.، لما قرأ عليه رجل من الأعجام. ثم تمادى الحال إلى: سنة 837، سبع وثلاثين وثمانمائة. ثم شرع فيه، وشرح: كتابا، كتابا، في التواريخ المختلفة. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:2/ 2022. يبدو والله أعلم السّغناقي أيضا شرح الهداية بهذا الاسم وقال الزركلي: السّغناقي.000 - 711 هـ = 000 - 1311 م. الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السغناقي: فقيه حنفي. نسبته إلى سغناق. بلدة في تركستان. له. النهاية في شرح الهداية - خ. ثلاث مجلدات، و. شرح التمهيد في قواعد التوحيد -خ. و. الكافي - خ. شرح أصول الفقه للبزدوي، منه نسخة بخطه، في مجلد ضخم بالمكتبة العربية في دمشق، أخذت خطه عن الصفحة الأخيرة منها، و. النجاح. في الصرف. توفي في حلب.
(¬5) - أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الفارابيّ الإتقاني العميدي، أبو حنفية، قوام الدين: فقيه حنفي. ولد في إتقان. بفاراب. وورد مصر وبغداد، وسكن دمشق ودرّس بها، ثم عاد إلى القاهرة فاستوطنها إلى أن مات. وكان كثير الإعجاب بنفسه، شديد التعصب لمذهبه من كتبه شرح على الهداية في فقه الحنفية سماه. غاية البيان - خ. ست مجلدات منه. الأعلام للزركلي:2/ 14. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أمير كاتب بن أمير عمر بن العميد أمير غازي أبو حنيفة الاتقاني الحنفيّ وسماه الحسيني في ذيله لطف الله ولد باتقان في شوّال سنة 685 واشتغل ببلاده ومهر وتقدم إلى أن شرح الأخسيكثى وذكر أنه فرغ منه بتستر سنة 716 وقدم دمشق في سنة 720 ودرس وناظر وظهرت فضائله - قاله ابن كثير ودخل مصر ثمّ رجع فدخل بغداد وولي قضاءها ثمّ قدم دمشق ثانيًا في شهر رجب سنة 747 وولي بها تدريس دار الحديث الظّاهريّة بعد وفاة الذّهبيّ وتدريس الكنحية ثمّ نزل عنهما وتكلم في رفع اليدين عند الرّكوع والرّفع وادّعى بطلان الصّلاة من فعل ذلك وصنف فيه مصنفاً فرد عليه السّبكيّ وغيره حتّى أن بعض الحنفيّة .. وفارق دمشق ودخل الديار المصرية في صفر سنة 751 فأقبل عليه صرغتمش وعظمه وجعله شيخ المدرسة الّتي بناها ونظم في ذلك قصيدة مدحه بها وكان ذلك في جمادى الأولى سنة 757 وذكر أن ابتداء عمارتها في رمضان سنة 56 واختار لحضوره الدّرس طالعاً قال والقمر في السنبلة والزهرة في الأوج وكان تثليث المشتري والقمر فدرس ذلك اليوم وأقبل عليه صرغتمش إقبالاً عظيما وقدر أنه لم يعش بعد ذلك سوى سنة ونصف بل أقل من ذلك وكان لما قدم دمشق صلى مع النّائب وهو يلبغا فرأى إمامه يرفع يديه عند الرّكوع والرّفع منه فأعلم الاتقاني يلبغا أن صلاته باطلة على مذهب أبي حنيفة فبلغ ذلك القاضي تقيّ الدّين السّبكيّ فصنف رسالة في الرّد عليه فوقف عليها فجمع جزءا في تبيين ما قال وأسند ذلك عن مكحول النّسفيّ أنه حكاه عن أبي حنيفة وبالغ في ذلك إلى أن أصغى إليه النّائب فلم يزل السّبكيّ إلى أن بين بطلان كلامه ووهاه فرجع الأمير عنه ثمّ دخل القاهرة فاستمر في معاداة الشّافعيّة واختص بصرغتمش حتّى شرط في مدرسته قصرها على الحنفيّة دون غيرهم وكان كثير الباو شديد التعاظم متعصباً لنفسه جدا قال في شرحه للأخسيكثى لو كان الأسلاف في الحياة لقال أبو حنيفة اجتهدت ولقال أبو يوسف نار البيان أوقدت ولقال محمّد أحسنت ولقال زفر أتقنت ولقال الحسن أمعنت واستمرّ هكذا حتّى ذكر غالب أعيان الحنفيّة وقال الصّفدي في ترجمته كان متعصباً على الشّافعيّة متظاهرا بالغض منهم يتمنّى تلافهم واجتهد في ذلك بالشّام فما أفاد ودخل مصر وهو مصر على العناد وكان شديد الإعجاب - انتهى وشرح الهداية شرحاً حافلاً وحدث بالموطأ رواية محمّد بن الحسن بإسناد نازل جدا وذاكره عز الدّين ابن جماعة أن بينه وبين الزّمخشريّ اثنين فأنكر ذلك وقال أنا أسن منك وبيني وبينه أربعة أو خمسة وكان يكثر أكل الثوم الني والزنجبيل الأخضر - أخبرني بذلك الشّيخ محب الدّين ابن الوحدية وكان قد لازمه وأخذ عنه وقال الحسيني كان أحد الدهاة وقال ابن حبيب كان رأسا في مذهب أبي حنيفة بارعاً في اللّغة والعربية كثير الإعجاب بنفسه شديد التعصب على من خالفه وقرأت بخط القطب فقيه فاضل صاحب فنون من العلم وله معرفة بالأدب والمعقول درس بمشهد أبي حنيفة ببغداد وقدم دمشق في مضان سنة 721 ثمّ دخل إلى العراق سنة 722 وقرأت بخط غيره ثمّ قدم دمشق من العراق سنة 747 وكان إمامًا متفنناً علامة مناظراً وقدم مصر سنة ثمان وأربعين 748 ثمّ رجع إلى دمشق فأقام بها قلت ثمّ قدم مصر واستوطنها إلى أن مات في حادي عشرى شوّال سنة 758.الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.1/ 496.
(¬6) العناية شرح الهداية لمحمد بن محمّد محمود أحمد الرّومي البابرتي الحنفيّ ومن تصانيفه شرح المشارق وشرح البزدويّ وشرح المنار وشرح ألفية ابن المعطي وشرح التّلخيص في المعاني والبيان وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح السّراجيّة ومقدمة في الفرائض وشرح تلخيص الخلاطي للجامع الكبير قطعتين قال محب الدّين بن الشّحنة في شرح الهداية ولم يكمل وحاشية على الكشّاف إلى تمام الزهراوين وله شرح على وصيّة الإمام توفّي سنة ستّ وثمانين وسبعمئة. اسماء الكتب المتمم لكشف الظنون: 210.
(¬7) معراج الدراية وهو للشيخ، الإمام، قوام الدين: محمد بن محمد البخاري، الكاكي. المتوفى: سنة 749، تسع وأربعين وسبعمائة. سماه:.معراج الدراية، إلى شرح الهداية. فرغ من تأليفه: في 21، إحدى وعشرين محرم، سنة 745، خمس وأربعين وسبعمائة. أوّله:.الحمد لله خالق الظلام، والضياء .. الخ. ذكر فيه: أنه أراد بعد فقدان كتبه، أن يجمع الفرائد، من فوائد المشايخ والشارحين، ليكون ذلك المجموع كالشرح. وبين فيه: أقوال الأئمة الأربعة من الصحيح والأصح، والمختار، والجديد، والقديم، ووجه تمسكهم. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:2/ 2022. وقال خير الدين: الكاكي.000 - 749 هـ = 000 - 1348 م. محمد بن محمد بن أحمد الخجنديّ السنجاري، قوام الدين الكاكي: فقيه حنفي سكن القاهرة وتوفي فيها. من كتبه. معراج الدراية - خ. في شرح الهداية، فقه، و. جامع الأسرار - خ. في شرح المنار، و. عيون المذاهب الكاملي - خ. مختصر جمع فيه أقوال الأئمة الأربعة، وأهداه إلى السلطان شعبان بن محمد. الملك الكامل. الأعلام للزركلي:7/ 36.
(¬8) محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني الحنفي،.762 - 855 هـ = 1361 - 1451 م.: مؤرخ، علامة، من كبار المحدثين. أصله من حلب ومولده في عينتاب. وإليها نسبته. أقام مدة في حلب ومصر ودمشق والقدس. وولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية ونظر السجون، وتقرّب من الملك المؤيد حتى عدّ من أخصائه. ولما ولي الأشرف سامره ولزمه، وكان يكرمه ويقدمه. ثم صرف عن وظائفه، وعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي بالقاهرة. من كتبه. عمدة القاري في شرح البخاري - ط. أحد عشر مجلدا، و. مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار - خ. مجلدان، في مصطلح الحديث ورجاله، و. العلم الهيب في شرح الكلم الطيب - خ. لابن تيمية، و. عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - خ. كبير، انتهى فيه إلى سنة 850 هـ و. تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر. كبير، منه جزء مخطوط، و. مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - خ. حديث، و. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار - خ. ثماني مجلدات، و. البناية في شرح الهداية - ط. ست مجلدات، في فقه الحنفية. الأعلام للزركلي:7/ 163.
(¬9) قال رياض زاده: الغاية شرح الهداية. للسروجي وصل فيه إلى آخر القاف على قول ابن الشّحنة شارح الهداية. وقال الفاضل طشكبري زاده انتهى فيه إلى كتاب الإيمان وهو أحمد بن إبراهيم بن عبد الغنيّ السروجي ولد في سنة سبع وثلاثين وستمئة وتوفّي سنة عشر وسبعمئة. اسماء الكتب المتمم لكشف الظنون: 216.
(¬10) قال حاجي خليفة عن فتح القديرمبينا: وهوللشيخ، الإمام، كمال الدين: محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف: بابن همام الحنفي. المتوفى: سنة 861، إحدى وستين وثمانمائة.
إلى كتاب: الوكالة. في: مجلدين. وسمّاه:.فتح القدير، للعاجز الفقير. أوّله:.الحمد لله رب العالمين على ما ألهم .. .ابتدأ: سنة 829، تسع وعشرين وثمانمائة، عند الشروع في إقرائه، بعد قراءته: تسع عشر سنة، على وجه الإتقان، والتحقيق، على الشيخ، الإمام، سراج الدين: عمر بن علي الكتاني، المعروف: بقارئ الهداية. المتوفى: سنة 773.صاحب تعليقة: على. الهداية. ثم أكمله: المولى، شمس الدين: أحمد بن قورد، المعروف: بقاضي زاده، المفتي.
المتوفى: سنة 988، ثمان وثمانين وتسعمائة. إلى آخر الكتاب. وسمّاه:.نتائج الأفكار، في كشف الرموز والأسرار. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:2/ 2022. وقال خير الدين: ابن الهمام.790 - 861 هـ = 1388 - 1457 م. محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد ابن مسعود، السيواسي ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام: إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقى والمنطق. أصله من سيواس. ولد بالإسكندرية، ونبغ في القاهرة. وأقام بحلب مدة. وجاور بالحرمين. ثم كان شيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية بمصر. وكان معظما عند الملوك وأرباب الدولة. توفي بالقاهرة. من كتبه. فتح القدير - ط. في شرح الهداية، ثماني مجلدات في فقه الحنفية، و. التحرير - ط. في أصول الفقه و. المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة - ط. و. زاد الفقير - ط. مختصر في فروع الحنفية. الأعلام للزركلي:6/ 255.
(¬11) الكنز أي كنز الدقائق: النّسفي.000 - 710 هـ = 000 - 1310 م. عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين: فقيه حنفي، مفسر، من أهل إيذج. من كور أصبهان. ووفاته فيها. نسبته إلى " نسف " ببلاد السند، بين جيحون وسمرقند. له مصنفات جليلة، منها " مدارك التنزيل - ط " ثلاثة مجلدات، في تفسير القرآن، و " كنز الدقائق - ط " في الفقه، و " المنار - ط " في أصول الفقه و " كشف الأسرار - ط " شرح المنار، و " الوافي - خ " في الفروع، و " الكافي - خ " في شرح الوافي، و " المصفى - خ " في شرح منظومة أبي حفص النسفي، في الخلاف، و " عمدة العقائد - خ ". الأعلام للزركلي:4/ 68.
(¬12) الزّيلعي.000 - 743 هـ = 000 - 1343 م. عثمان بن علي بن محجن، فخر الدين الزيلعي: فقيه حنفي. قدم القاهرة سنة 705 هـ فأفتى ودرّس، وتوفي فيها. له " تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق - ط " ست مجلدات، فقه، و " تركة الكلام على أحاديث الأحكام " و " شرح الجامع الكبير " فقه. الأعلام للزركلي:4/ 210.
(¬13) اسمه. رمزالحقائق شرح كمز الدقائق. للعلامة بدر الدين العيني.
(¬14) ملّا مسكين.000 - بعد 811 هـ = 000 - بعد 1408 م. محمد بن عبد الله الهروي، معين الدين المعروف بملّا مسكين: فقيه من علماء الحنفية. من أهل هراة. سكن سمرقند، وبهذه صنف كتابه. شرح كنز الدقائق - ط. في الفقه، وفرغ من تأليفه سنة 811 وله. بحر الدرر. في التفسير، و. روضة الجنة. في تاريخ هراة. كتب خير الدين:.الأعلام للزركلي:6/ 237.
قال ابن عابدين: وفي شرح الأشباه لشيخنا المحقق هبة الله البعلي، قال شيخنا العلامة صالح الجنيني: إنه لا يجوز الإفتاء من الكتب المختصرة كالنهر وشرح الكنز للعيني والدر المحتار شرح تنوير الأبصار، أو لعدم الاطلاع على حال مؤلفيها كشرح الكنز لمنلا مسكين وشرح النقاية للقهستاني، أو لنقل الأقوال الضعيفة فيها كالقنية للزاهدي، فلا يجوز الإفتاء من هذه إلا إذا علم المنقول عنه وأخذه منه، هكذا سمعته منه وهو علامة في الفقه مشهور والعهدة عليه. اهـ. الدر المختار وحاشية ابن عابدين. رد المحتار:1/ 70.
قال شيخنا المفتي سعيد أحمد البالنفوري شارح البخاري والترمذي باللغة الاردية- بارك الله في حياته-: إن العلماء ينصون بأنه لا يجوز الإفتاء بكتاب كذا وكذا ثم هم ينقلون عنها. والذي يدل أنه من الجائز النقل والبيان من تلك الكتب للعارف. هذا إن ملّا مسكين ومنلا مسكين كلاهما واحد. يدغمون النون في اللام معناه العلامة في التركية. ملحوظة: في النسخ المطبوعةالهندية ((المسكين)) وفي المخطوطة ((مسكين)) وهو الصحيح.
(¬15) مختصر القدوري. في فروع الحنفية. للإمام، أبي الحسين: أحمد بن محمد القدوري، البغدادي، الحنفي. المتوفى: سنة 428، ثمان وعشرين وأربعمائة. أوله:.الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين .. الخ. وهو: الذي يطلق عليه لفظ:.الكتاب. في المذهب. وهو: متن متين، معتبر، متداول بين الأئمة الأعيان، وشهرته: تغني عن البيان. قال صاحب. مصباح أنوار الأدعية.: إن الحنفية يتبركون بقراءته في أيام الوباء، وهو كتاب مبارك، من حفظه يكون أمينا من الفقر، حتى قيل: إن من قرأه على أستاذ صالح، ودعا له عند ختم الكتاب بالبركة، فإنه يكون مالكا لدراهم على عدد مسائله.
وفي بعض شروح. المجمع.: إنه مشتمل على: اثني عشر ألف مسألة. انتهى. كشف الظنون:2/ 1631.
الجزء 1 · صفحة 27
الْوَهَّاجُ، (¬1) وَالْجَوْهَرَةُ (¬2)، وَالْمُجْتَبَى (¬3) وَالْأَقْطَعُ (¬4).وَمِنْ شُرُوحِ الْمَجْمَعِ (¬5): لِلْمُصَنِّفِ (¬6) وَابْنِ الْمَلَكِ (¬7)، وَرَأَيْت شَرْحًا لِلْعَيْنِيِّ (¬8) وَقْفًا، وَشَرْحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ (¬9)، وَشَرْحُ الْوَافِي لِلْكَافِي (¬10)، وَشَرْحُ الْوِقَايَةِ (¬11)
¬
(¬1) قال خير الدين: أبو بكر بن علي بن محمد الحداد الزّبيدي.000 - 800 هـ = 000 - 1397 م.: فقيه حنفي يماني. من أهل العبادية، من قرى. حازة وادي زبيد. في تهامة. والحازة اسم لما قارب الجبل. استقر في زبيد وتوفي بها. قال الضمدي:.له في مذهب أبي حنفية مصنفات جليلة لم يصنف أحد من العلماء الحنفية باليمن مثلها، كثرة وإفادة. تبلغ كتبه نحو 20 مجلدا، منها. السراج الوهاج - خ. ثماني مجلدات، في شرح مختصر القدوري، فقه، و. الجوهرة النيرة - ط. مجلدان، في شرح مختصر القدوري أيضا، و. سراج الظلام - خ. في شرح منظومة الهاملي، فقه، وكتاب. التفسير. قال الشوكاني: تفسير حسن مشهور الآن عند الناس يسمونه تفسير الحداد. الأعلام للزركلي:2/ 67.
(¬2) وهو أيضا لصاحب السراج الوهاج.
(¬3) يقول قاسم قطلو بغا: مختار بن محمود بن محمد، الزاهدي، الغزميني، نجم الدين، أبو الرجاء. شرح "مختصر القدوري" وله كتاب "القنية" وله رسالة سماها "الناصرية" صنفها لبركة خان. توفي سنة ثمان وخمسين وستمائة.
قلت: الغزميني -بالمعجمتين- نسبة إلى قصبة من قصبات خوارزم. تفقه المذكور على سديد الخياطي، وبرهان الأئمة، وغيرهما. تاج التراجم لابن قطلوبغا: 295.
كتب خير الدين: الزّاهدي الغزميني.000 - 658 هـ = 000 - 1260 م. مختار بن محمود بن محمد، أبو الرجا، نجم الدين، الزاهدي الغزميني: فقيه، من أكابر الحنفية. من أهل غزمين. بخوارزم. رحل إلى بغداد والروم. من كتبه. الحاوي في الفتاوي - خ. و. المجتبى - خ. شرح به مختصر القدوري في الفقه، و. الناصرية. رسالة صنفها لبركة خان في النبوة والمعجزات، و. زاد الأئمة. و. قنية المنية لتتميم الغنية - ط. الأعلام للزركلي.7/ 193.
(¬4) الأقطع.000 - 474 هـ = 000 - 1081 م. أحمد بن محمد بن محمد، أبو نصر البغدادي المعروف بالأقطع: فقيه حنفي، من تلاميذ القدوري. برع في الفقه والحساب. قيل: اتهم بالمشاركة في سرقة، فقطعت يده اليسرى، وعرف بالأقطع. ونفى الصفدي في الوفيات ذلك، وقال: إن يده قطعت في حرب كانت بين المسلمين والتتار. وخرج من بلده. بغداد. سنة 430 فأقام برامهرمز، في الأهواز، مدرسا إلى أن توفي. له. شرح مختصر القدوري - خ. الجزء الأول منه، في الفقه، منه نسخ في الأزهرية واستامبول ودار الكتب.737. الأعلام للزركلي:1/ 213.
(¬5) أحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء، مظفر الدين، ابن الساعاتي، البغدادي الأصل البعلبكي. سكن بغداد ونشأ بها. وبرع في الفقه. وكتب الخط المنسوب. وصنف كتاب "مجمع البحرين" جمع فيه بين "مختصر" القدوري و"المنظومة" مع زوائد أحسن. وأبدع في اختصاره، وشرحه في مجلدين. وله كتاب "البديع" في الأصول جمع فيه بين أصول فخر الإسلام علي البزدوي والأحكام للآمدي.
قلت: وله "الدر المنضود في الرد على فيلسوف اليهود" يعني ابن كمونة. وكان رحمه الله موجودا سنة تسعين وستمائة. تاج التراجم لابن قطلوبغا: 95.
(¬6) إن ابن الساعاتي المذكور آنفا رحمه الله شرح كتابه مجمع البحرين بنفسه.
(¬7) ابن ملك.000 - 801 هـ = 000 - 1398 م. عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكرماني، المعروف بابن ملك: فقيه حنفي، من المبرزين. له " مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار - ط " في الحديث، و " شرح تحفة الملكوك - خ " لمحمد ابن أبي بكر الرازي، فقه، و " شرح مجمع البحرين لابن الساعاتي - خ " فقه، و " شرح المنار - ط " في الأصول، و " بدر الواعظين وذخر العابدين - خ " وغير ذلك. الأعلام للزركلي.4/ 59. قلت: إن كلمة. فرشتا. كلمة فارسيىة معناها: الملك. بفتح الميم.
(¬8) لم أجد إلى الآن اسم ذلك الكتاب الذي ألفه بدر الدين العيني.
(¬9) منية المصلي، وغنية المبتدي للشيخ، الإمام، سديد الدين، الكاشغري. هو: محمد بن محمد.
المتوفى: سنة 705.أوّله:.الحمد له رب العالمين .. الخ. وهو: كتاب معروف، متداول بين الحنفية. وقد شرحه: ابن أمير الحاج. شرحا بسيطا. في مجلدين. قال: التقطت ما كثر وقوعه من مصنفات المتقدمين. كشف الظنون:2/ 1886.
(¬10) لعله الكافي شرح الوافي، قال حاجي خليفة: الوافي، في الفروع. للإمام، أبي البركات: عبد الله بن أحمد، حافظ الدين، النسفي، الحنفي. المتوفى: سنة 710، عشر وسبعمائة. وهو: كتاب مقبول، معتبر. أوّله:.الحمد لمن منّ على عباده بإرسال رسله .. الخ. قال: كان يخطر ببالي إبان فراغي، أن أؤلف كتابا جامعا لمسائل:.الجامعين.، و. الزيادات. حاويا لما في:.المختصر.، و. نظم الخلافيات. مشتملا على: بعض مسائل الفتاوى، والواقعات. فألفته، وأتممته: في أسرع وقت. وسميته:.بالوافي. ولو وفقت لشرحه، لأرسمه. بالكافي.
واكتفيت فيه بالعلامات:.فالحاء.: لأبي حنيفة. والسين.: لأبي يوسف. والميم.: لمحمد. والزاي.: لزفر. والفاء.: للشافعي. والكاف.: لمالك. والواو.: رواية أصحابنا. ثم شرحه. وسمّاه:.الكافي. .كشف الظنون:2/ 1997.
(¬11) صدر الشريعة الأصغر.000 - 747 هـ = 000 - 1346 م. عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي البخاري بالحنفي، صدر الشريعة الأصغر ابن صدر الشريعة الاكبر: من علماء الحكمة والطبيعيات وأصول الفقه والدين. له كتاب " تعديل العلوم - خ " و " التنقيخ - ط " في أصول الفقه، وشرحه " التوضيح - ط " و " شرح الوقاية - ط " لجده محمود، في فقه الحنفية، و " النقاية، مختصر الوقاية - ط " مع شرح القهستاني، و " الوشاح " في علم المعاني. توفي في بخارى. الأعلام للزركلي:4/ 198.
الجزء 1 · صفحة 28
وَالنُّقَايَةِ (¬1)، وَإِيضَاحُ الْإِصْلَاحِ (¬2)، وَشَرْحُ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْعَلَّامَةِ الْفَارِسِيِّ، (¬3) وَتَلْخِيصُ الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ (¬4) وَالْبَدَائِعُ لِلْكَاسَانِيِّ (¬5)، وَشَرْحُ التُّحْفَةِ (¬6) وَالْمَبْسُوطُ شَرْحُ الْكَافِي (¬7)،وَالْكَافِي لِلْحَاكِمِ
¬
(¬1) وهو أيضا لصدر الشريعة الأصغر، كما مر. وهو بضم النون، وهناك كتاب ثان بكسرالنون. ذكره حاجي خليفة.
(¬2) ابن كمال باشا.000 - 940 هـ = 000 - 1534 م. أحمد بن سليمان بن كمال باشا، شمس الدين: قاض من العلماء بالحديث ورجاله. تركي الأصل، مستعرب. قال التاجي: قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه. تعلم في أدرنه، وولي قضاءها ثم الإفتاء بالآستانة إلى أن مات. له تصانيف كثيرة، منها. طبقات الفقهاء - خ. و. طبقات المجتهدين - خ. و. مجموعة رسائل - ط. تشتمل على 36 رسالة، ورسالة في. الكلمات العربية - ط. نشرت في المجلد السابع من مجلة المقتبس، و. رسالة في الجبر والقدر - خ. و. إيضاح الإصلاح - خ. في فقه الحنفية، و. رجوع الشيخ إلى صباه - ط. مجون، سيأتي ذكره في ترجمة التيفاشي، و. تاريخ آل عثمان. و. تغيير التنقيح - ط. في أصول الفقه. الأعلام للزركلي:1/ 133.
(¬3) ابن بلبان.675 - 739 هـ = 1276 - 1339 م. علي بن بلبان بن عبد الله، علاء الدين الفارسيّ، المنعوت بالأمير: فقيه حنفي، سكن القاهرة وتوفي بها. من كتبه " المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية - خ " و " الأحاديث العوالي - خ " و " شرح تلخيص الجامع الكبير للخلاطي - خ " جزء منه، و " السيرة النبويّة " مختصر، و " المناسك " و " الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان - خ " تسع مجلدات، و " تحفة الصديق في فضائل أبي بكر الصديق - خ ". الأعلام للزركلي.4/ 268.
(¬4) وهو ابن مازة. قد ذركرناه.
(¬5) الإمام: أبو بكر بن مسعود الكاشاني، الحنفي. المتوفى: سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
شرحا عظيما. في: ثلاث مجلدات. وسماه:.بدائع الصنائع، في ترتيب الشرائع. ولما أتمه: عرض على المصنف، فاستحسنه، وزوجه ابنته: فاطمة الفقيهة. فقيل: شرح. تحفته.، وتزوج ابنته.
وهذا الشرح: تأليف يطابق اسمه معناه. أوله:.الحمد لله العلي القادر .. الخ. ذكر فيه: أن المشايخ لم يصرفوا هممهم إلى الترتيب سوى أستاذه. والغرض الأصلي من التصنيف في كل فن: هو تيسير سبيل الوصول إلى المطلوب، ولا يلتئم هذا المرام، إلا بترتيب تقتضيه الصناعة، وهو: التصفح عن أقسام المسائل وفصولها، وتخريجها على قواعد أصولها، ليكون أسرع فهما. وإنه رتب المسائل في هذا الشرح: بالترتيب الصناعي، الذي يرتضيه أرباب الصنعة. انتهى. كشف الظنون:1/ 371. ويقال: الكاساني. بالمهملة.
الكاساني بفتح أوله وسكون الألفين بينهما سين مهملة مفتوحة وفي آخرها نون هذه النّسبة إلى كاسان وهي بلدة وراء الشاش. اللباب في تهذيب الأنساب:3/ 75.
(¬6) وهو للحافظ بدر الدين العيني المتوفي 855 منحة السلوك شرح تحفة الملوك، ذكره مولانا عبد الحي اللكنوي في السعاية.
(¬7) شرح الكافي كثير من أهل العلم ومنهم: محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، شمس الأئمة.000 - 483 هـ = 000 - 1090 م.: قاض، من كبار الأحناف، مجتهد، من أهل سرخس. في خراسان. أشهر كتبه " المبسوط - ط " في الفقه والتشريع، ثلاثون جزءا، أملاه وهو سجين بالجب في أوزجند. بفرغانة. وله " شرح الجامع الكبير للإمام محمد " منه مجلد مخطوط، " شرح السير الكبير للإمام محمد - ط " وهو شرح لزيادات الزيادات للشيباني، و " الأصول - خ " في أصول الفقه، و " شرح مختصر الطحاوي - خ ". وكان سبب سجنه كلمة نصح بها الخاقان ولما أطلق سكن فرغانة إلى أن توفي. الأعلام للزركلي:5/ 315.
الجزء 1 · صفحة 29
الشَّهِيدِ (¬1) وَشَرْحُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ لِمُلَّا خُسْرو (¬2) وَالْهِدَايَةُ، (¬3) وَشَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ (¬4)، وَشَرْحُ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ (¬5) وَالِاخْتِيَارُ. (¬6)
¬
(¬1) قال حاجي خليفة: الكافي في: فروع الحنفية. للحاكم، الشهيد: محمد بن محمد الحنفي. المتوفى: سنة 334، أربع وثلاثين وثلاثمائة. جمع فيه: كتب محمد بن الحسن. المبسوط.، وما في جوامعه. وهو: كتاب معتمد في نقل المذهب. قال سبب قتله: وقيل كان سبب ذلك: أنه لما رأى في كتب محمد مكررات وتطويلات، جنسها، وحذف مكررها، فرأى محمدا في منامه، وقال لم فعلت هذا بكتبي، فقال: لأن الفقهاء كسالى، فحذفت المكرر، وذكرت المقرر تشهيرا.
فغضب محمد، وقال: قطعك الله -تعالى - كما قطعت كتبي، فابتلي بالأتراك، حتى جعلوه على رأس شجرتين، فقطع نصفين. كشف الظنون:2/ 1851. قال الحموي: أما الكافي فقد شرحه المشايخ منهم شمس الأئمة السرخسي وهو المشهور بالمبسوط. انتهى. وهو يوافق ما ذكره المصنف لكن قال في المبسوط فرأيت الصواب في تأليف شرح المختصر وهو كما ترى يدل على أنه شرح المختصر لا شرح الكافي كذا قيل. أقول لا مانع من كون السرخسي أطلق على الكافي مختصرا وإن لم يسمه الحاكم الشهيد بالمختصر باعتبار أن الحاكم الشهيد جمع كتب ظاهر الرواية التي صنفها محمد بن الحسن في كتابه المسمى بالكافي على وجه الاختصار بحذف المكرر وذكر المقرر فأطلق عليه السرخسي مختصرا بهذا الاعتبار. غمزعيون البصائر:1/ 48. وفي بعض النسخ ((كافي)) والصحيح ((الكافي))
وكتب خير الدين: محمد بن محمد بن أحمد، أبو الفضل المروزي السلمي البلخي، الشهير بالحاكم الشهيد.000 - 334 هـ = 000 - 945 م.: قاض وزير. كان عالم. مرو. وإمام الحنفية في عصره. ولي قضاء بخارى. ثم ولاه الأمير الحميد. صاحب خراسان. وزارته. وقتل شهيدا في الريّ. من كتبه. الكافي- خ. و. المنتقى. كلاهما في فروع الحنفية. الأعلام للزركلي:7/ 20.
(¬2) ملّا خسرو.000 - 885 هـ = 000 - 1480 م. محمد بن فرامرز بن علي، المعروف بملا - أو منلا أو المولى - خسرو: عالم بفقه الحنفية والأصول. رومي الأصل. أسلم أبوه. ونشأ هو مسلما، فتبحر في علوم المعقول والمنقول، وتولى التدريس في زمان السلطان محمد بن مراد، بمدينة بروسة. وولي قضاء القسطنطينية، وتوفي بها، ونقل إلى بروسة. قال ابن العماد: صار مفتيا بالتخت السلطاني، وعظم أمره، وعمر عدة مساجد بقسطنطينية. من كتبه. درر الحكام في شرح غرر الأحكام - ط. فقه، كلاهما له، مجلدان، و. مرقاة الوصول في علم الأصول - ط. رسالة، وشرحها. مرآة الأصول - ط. و. حاشية على المطول - خ. في البلاغة، و. حاشية على التلويح - ط. في الأصول، و. حاشية على أنوار التنزيل وأسرار التأويل - خ. كتبت سنة 947.الأعلام للزركلي:6/ 328.
(¬3) يقول الإمام الذهبي عنه: المرغيناني. العلاّمة، عالم ما وراء النّهر، برهان الدّين، أبو الحسن عليّ بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغينانيّ الحنفيّ، صاحب كتابي "الهداية" و"البداية" في المذهب. كان في هذا الحين، لم تبلغنا أخباره، وكان من أوعية العلم رحمه الله. سير أعلام النبلاء:15/ 386. ويقول ابن قطلوبغا: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني، برهان الدين المرغيناني، الرشداني. صاحب "الهداية" وكتاب "البداية" و"كفاية المنتهي" في نحو ثمانين مجلدا، وكتاب "التجنيس والمزيد" و"مناسك الحج".مات سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. قلت: وله كتاب "مختار مجموع النوازل" وكتاب في "الفرائض".تاج التراجم لابن قطلوبغا: 207.
(¬4) الجامع الصغير للإمام الرباني محمد بن الحسن الشيباني وشرحه كثير من العلماء ومنهم:
أبو المحاسن الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الفرغاني المشهور بقاضيخان. ومن تصانيفه الفتاوي المشهورة وشرح الزّيادات وشرح أدب القاضي للخصاف وغير ذلك توفّي سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة. اسماء الكتب المتمم لكشف الظنون:120.
(¬5) علي الإسبيجابي.454 - 535 هـ = 1062 - 1141 م. علي بن محمد بن إسماعيل، بهاء الدين الأسبيجاني السمرقندي: فقيه حنفي، ينعت بشيخ الإسلام. من أهل سمرقند. وبها وفاته. له كتب، منها " الفتاوى " و " شرح مختصر الطحاوي ". الأعلام للزركلي.4/ 329.
(¬6) أبو الفضل الموصلي.599 - 683 هـ = 1203 - 1284 م. عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجدالدين أبو الفضل: فقيه حنفي، من كبارهم. ولد بالموصل، ورحل إلى دمشق، وولي قضاء الكوفة مدة. ثم استقر ببغداد مدرسا، وتوفي فيها. له كتب، منها " الاختيار لتعاليل المختار - ط " فقه، شرح به كتابه " المختار - خ " في فروغ الحنفية. الأعلام للزركلي.4/ 135.
الجزء 1 · صفحة 30
وَمِنَ الْفَتَاوَى: الْخَانِيَّةُ، (¬1) وَالْخُلَاصَةُ (¬2)، وَالْبَزَّازِيَّةُ، (¬3) وَالظَّهِيرِيَّةُ، (¬4) وَالْوَلْوالِجِيَّةُ، (¬5) وَالْعُمْدَةُ، (¬6) وَالْعُدَّةُ، (¬7) وَالصُّغْرَى، (¬8) وَالْوَاقِعَاتُ (¬9) لِلْحُسَامِ الشَّهِيدِ، وَالْقُنْيَةُ (¬10)، وَالْمُنْيَةُ (¬11) وَالْغُنْيَةُ (¬12)، وَمَآلُ
¬
(¬1) الخانية وهو فتاوى قاضي خان. قد ذكرناه.
(¬2) خلاصة الفتاوي. للشيخ، الإمام: طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد، البخاري. المتوفى: سنة 542، اثنتين وأربعين وخمسمائة. وهو كتاب، مشهور، معتمد. في مجلد. ذكر في أوله: أنه كتب في هذا الفن خزانة الواقعات، وكتاب النصاب، فسأل بعض إخوانه تلخيص نسخة قصيرة، يمكن ضبطها. فكتب الخلاصة جامعة للرواية، خالية عن الزوائد مع بيان مواضع المسائل، وكتب فهرست الفصول، والأجناس على رأس كل كتاب؛ ليكون عوناً لمن ابتلي بالفتوى.
وللزيلعي المحدث تخريج أحاديثه. كشف الظنون:1/ 718.
(¬3) البزازية، في الفتاوى. للشيخ، الإمام، حافظ الدين: محمد بن محمد بن شهاب، المعروف: بابن البزاز الكردري، الحنفي. المتوفى: سنة سبع وعشرين وثمانمائة. وهو: كتاب جامع.
لخص فيه: زبدة مسائل الفتاوى، والواقعات، من الكتب المختلفة، ورجح ما ساعده الدليل.
وذكر الأئمة: أن عليه التعويل. وسماه:.الجامع الوجيز. فرغ من جمعه وتأليفه: كما ذكره في أواسط كتابه: عام اثنتي عشرة وثمانمائة. أوله:.حمدا لمن دعا إلى دار السلام .. الخ.
قيل لأبي السعود المفتي: لم، لم تجمع المسائل المهمة، ولم تؤلف فيها كتابا؟ قال: أنا أستحيي من صاحب. البزازية. مع وجود كتابه، لأنه مجموعة شريفة، جامعة للمهمات، على ما ينبغي. انتهى. كشف الظنون:1/ 242.
(¬4) الفتاوى الظهيرية. لظهير الدين، أبي بكر: محمد بن أحمد القاضي، المحتسب ببخارا، البخاري، الحنفي. المتوفى: سنة 619، تسع عشرة وستمائة. أولها:.الحمد لله المتفرد بالعلاء، المتوحد بالبقاء .. الخ. ذكر فيها: أنه جمع كتابا من الواقعات والنوازل، مما يشتد الافتقار إليه، وفوائد غير هذه. كشف الظنون:2/ 1226.
(¬5) عبد الرشيد بن أبي حنيفة بن عبد الرزاق، أبو الفتح، ظهير الدين، الولوالجي:.467 - بعد 540 هـ = 1074 - بعد 1145 م. فقيه حنفي. ولد ومات في ولوالج. ببدخشان. وتفقه ببلخ. افغانستان. له. الفتاوى الولوالجية - خ. مجلدان. الأعلام للزركلي:3/ 353.
(¬6) عمدة الفتاوى لابن مازة. مرذكره.
(¬7) العدة. لعلاء الدين، هو: محمود بن عبد الله المروزي. المتوفى: سنة 606. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:2/ 1130.
(¬8) وهو لابن مازة. ذكرناه.
(¬9) الفتاوي: وتسمّى الواقعات، وهي مسائل استنبطها المتأخّرون من أصحاب محمّد، وأصحاب أصحاب محمّد فمن بعدهم في الواقعات التي لم توجد فيها رواية عن الأئمّة الثلاثة. عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية:1/ 37.
(¬10) القنية: للزاهدي وهو مختار بن محمود بن محمّد الزّاهديّ وهو من علماء دولة بركة خان هذا اول من اسلم من اولاد جنكيز خان ومن تصانيفه شرح القدوريّ والرسالة المشهورة بالناصرية الفها لبركة خان في ذكر بعض المعجزة النّبويّة عليه افضل التّحيّة والتّسليم وزاد الائمة والمجتبى في الاصول وقيل ادب الائمة والجامع في الفرائض قال الفاضل طاشكبرى زاده في مفتاح السّعادة وكان على مذهب الاعتزال ولهذا لا يعتمد على فتواه توفّي سنة ثمان وخمسين وستمئة. اسماء الكتب المتمم لكشف الظنون: 234. وقال الزركلي: الزّاهدي الغزميني.000 - 658 هـ = 000 - 1260 م. مختار بن محمود بن محمد، أبو الرجا، نجم الدين، الزاهدي الغزميني: فقيه، من أكابر الحنفية. من أهل غزمين. بخوارزم. رحل إلى بغداد والروم. من كتبه. الحاوي في الفتاوي - خ. و. المجتبى - خ. شرح به مختصر القدوري في الفقه، و. الناصرية. رسالة صنفها لبركة خان في النبوة والمعجزات، و. زاد الأئمة. و. قنية المنية لتتميم الغنية - ط. الأعلام للزركلي:7/ 193.
(¬11) المنية أي منية المفتي.
(¬12) الغنية أي غنية المفتي. أو غنية الفقهاء. المنية والغنية كلاهما ل يوسف بن أحمد. أو ابن أبي سعيد ابن أحمد. السجستاني.000 - بعد 638 هـ = 000 - بعد 1240 م.: فقيه حنفي. سكن سيواس. بتركيا. واشتهر بكتابه " منية المفتي - خ " رأيته في مغنيسا. الرقم 811. ومنه نسخ كثيرة في دار الكتب وتونس وطوبقبو وغيرها. فرغ من تأليفه سنة 638 وله " غنية المفتي - خ " في دار الكتب.1321 فقه حنفي. سماه كشف الظنون " غنية الفقهاء ".الأعلام للزركلي:8/ 214.
الجزء 1 · صفحة 31
الْفَتَاوَى، (¬1) وَالتَّلْقِيحُ لِلْمَحْبُوبِيِّ، (¬2) وَالتَّهْذِيبُ لِلْقَلَانِسِيِّ، (¬3) وَفَتَاوَى قَارِي الْهِدَايَةِ، (¬4) وَالْقَاسِمِيَّةُ (¬5) وَالْعِمَادِيَّةُ، (¬6) وَجَامِعُ الْفُصُولَيْنِ (¬7) وَالْخَرَاجُ لِأَبِي يُوسُفَ، (¬8) وَأَوْقَافُ الْخَصَّافِ، (¬9) وَالْإِسْعَافُ (¬10) وَالْحَاوِي
¬
(¬1) الاسم الثاني المعروف الملتقط في الفتاوى الحنفية. وذلك للسّمرقندي محمد بن يوسف بن محمد بن علي ابن محمد العلويّ الحسني أبو القاسم، ناصر الدين، المدني السمرقندي.000 - 556 هـ = 000 - 1161 م.: فقيه حنفي، عالم بالتفسير والحديث والوعظ من أهل سمرقند. حج سنة 542 وأقام في عودته مدة ببغداد. ومات بسمرقند. وقيل: قتل بها صبرا. وكان شديد النقد للعلماء والأئمة. له تصانيف، منها. الفقه النافع - خ. و. جامع الفتاوى. و. بلوغ الأرب من تحقيق استعارات العرب. و. رياضة الأخلاق. و. مصابيح السبل. مجلدان، في فروع الحنفية، و. الملتقط في الفتاوى الحنفية - خ. ويسمى. مآل الفتاوى. أتمه في شعبان سنة 549.الأعلام للزركلي:7/ 149.
(¬2) التلقيح الاسم الكامل: تلقيح العقول، في فروق المنقول للشيخ، الإمام، صدر الشريعة الأول: أحمد بن عبيد الله المحبوبي، الحنفي. كشف الظنون:1/ 481.
(¬3) تهذيب الواقعات في فروع الحنفية للشيخ: أحمد القلانسي. كشف الظنون:1/ 517.
(¬4) فتاوى قارئ الهداية. سراج الدين: عمر بن إسحاق الغزنوي، الهندي، الحنفي. المتوفى: سنة 773، ثلاث وسبعين وسبعمائة. كشف الظنون:2/ 1227.
(¬5) الفتاوى القاسمية. وهي: للشيخ: قاسم بن قطلوبغا الحنفي، تلميذ: ابن الهمام. المتوفى: سنة تسع وسبعين وثمانمائة. كشف الظنون:2/ 1227. وقال الزركلي: ابن قطلوبغا
802 - 879 هـ = 1399 - 1474 م. قاسم بن قطلوبغا، زين الدين، أبو العدل السودوني. نسبة إلى معتق أبيه سودون الشيخوني. الجمالي: عالم بفقه الحنفية، مؤرخ، باحث. مولده ووفاته بالقاهرة. قال السخاوي في وصفه: " إمام علامة، طلق اللسان، قادر على المناظرة، مغرم بالانتقاد ولو لمشايخه، مع شائبة دعوى ومساجحة! " له " تاج التراجم - ط " في علماء الأحناف. الأعلام للزركلي:5/ 180.
(¬6) المرغيناني " عبد الرحيم " عبد الرحيم بن أبي بكر أبو الفتح المرغيناني فتاوى فصول الاحكام في أصول الاحكام - المعروف بفصول عمادي. فقه حنفي. - كلكته 1827. معجم المطبوعات العربية والمعربة:2/ 1740. انتهى. المرغيناني.000 - نحو 670 هـ = 000 - نحو 1272 م. عبد الرحيم بن أبي بكر بن علي، أبو الفتح زين الدين الفرغاني السمرقندي المرغيناني: فقيه حنفي، من أعيان المفتين. له. فصول الإحكام في أصول الأحكام - ط. الأعلام للزركلي.3/ 344.
(¬7) محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري المرغيناني، برهان الدين.551 - 616 هـ = 1156 - 1219 م.: من أكابر فقهاء الحنفية. عدّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل. وهو من بيت علم عظيم في بلاده.
ولد بمرغينان. من بلاد ما وراء النهر. وتوفي ببخارى. من كتبه. ذخيرة الفتاوى - خ. خمسة أجزاء، و. المحيط البرهاني - خ. أربع مجلدات، في الفقه، و. تتمة الفتاوي - خ. و. الواقعات. و. الطريقة البرهانية. الأعلام للزركلي.7/ 161.
(¬8) أبو يوسف. يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف.113 - 182 هـ = 731 - 798 م.: صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه. كان فقيها علامة، من حفاظ الحديث. ولد بالكوفة. وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه " الرأي " وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد. ومات في خلافته، ببغداد، وهو على القضاء. وهو أول من دعي " قاضي القضاة " ويقال له: قاضي قضاة الدنيا!، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه، على مذهب أبي حنيفة.
وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب. من كتبه " الخراج - ط " و " الآثار - ط " وهو مسند أبي حنيفة، و " النوادر " و " اختلاف الأمصار " و " أدب القاضي " و " الأمالي في الفقه " و " الرد على مالك ابن أنس " و " الفرائض " و " الوصايا " و " الوكالة " و " البيوع " و " الصيد والذبائح " و " الغصب والاستبراء " و " الجوامع " في أربعين فصلا، ألفه ليحيى بن خالد البرمكي، ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به. قلت: وللمعاصر محمد زاهد الكوثري " حسن التقاضي، في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي - ط ". الأعلام للزركلي.8/ 193.
(¬9) الخصّاف.000 - 261 هـ = 000 - 875 م. أحمد بن عمر بن مهير الشّيباني، أبو بكر المعروف بالخصاف: فرضيّ حاسب فقيه. كان مقدما عند الخليفة المهتدي باللّه، فلما قتل المهتدي نهب فذهب بعض كتبه. وكان ورعا يأكل من كسب يده. توفي ببغداد. له تصانيف منها. أحكام الأوقاف - ط. و. الحيل - ط. و. الوصايا. و. الشروط. و. الرضاع. و. المحاضر والسجلات. و. أدب القاضي - خ. كما في تذكرة النوادر، و. النفقات على الأقارب. و. درع الكعبة. و. الخراج. الأعلام للزركلي:1/ 185.
(¬10) إبراهيم بن موسى بن أبي بكر الطرابلسي، برهان الدين.853 - 922 هـ = 1449 - 1516 م.: فقيه حنفي. ولد في طرابلس الشام، وأخذ بدمشق عن جماعة، وانتقل إلى القاهرة وتوفي بها. من كتبة. الإسعاف لأحكام الأوقاف - ط. الأعلام للزركلي.1/ 76.
الجزء 1 · صفحة 32
الْقُدْسِيُّ، (¬1) وَالْتتمَةُ (¬2) وَالْمُحِيطُ الرَّضَوِيُّ، (¬3) وَالذَّخِيرَةُ (¬4) وَشَرْحُ مَنْظُومَةِ النَّسَفِيِّ، المُصَفّى (¬5) وَشَرْحا مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ (¬6) لَهُ وَلِابْنِ الشِّحْنَةِ، (¬7) وَالصَّيْرَفِيَّةُ، (¬8) وَخِزَانَةُ الْفَتَاوَى، (¬9) وَبَعْضُ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، (¬10) وَبَعْضُ
¬
(¬1) الحاوي القدسي في الفروع. للقاضي، جمال الدين: أحمد بن محمد بن نوح القابسي، الغزنوي، الحنفي. المتوفى في حدود: سنة 600، ستمائة،.593.
ذكره ابن الشحنة في هوامش الجواهر المضية، قال: وإنما قيل فيه القدسي؛ لأنه صنفه في القدس، نقلته من خط تلميذه حسن بن علي النحوي. انتهى. ثم رأيت في ظهر نسخة منه أن مصنفه الشيخ، الإمام: محمد الغزنوي، والله سبحانه وتعالى أعلم. أوله:.الحمد لله، الذي هدانا لدين الإسلام 000 الخ. وجعله على ثلاثة أقسام:
قسم في أصول الدين، وقسم في أصول الفقه، وقسم في الفروع، وأكثر فيها من ذكر الفروع المهمة في كراريس يسيرة. كشف الظنون:1/ 627. قال الحموي في شرح الأشباه: والحاوي القدسي: قيل والحاوي لأصحابنا اثنان الحاوي القدسي وأظنه لرجل متأخر كان يسمى قاضي القدس ولا أعرف تفصيل ترجمته والحاوي الحصيري وهو للشيخ محمد بن أنوش الحصيري كان من تلامذة شمس الأئمة السرخسي وترجمته بذيل تاريخ بغداد للسمعاني ولم يذكره عبد القادر في طبقاته ولا الشيخ قاسم بن قطلوبغا. انتهى.
أقول بقي حاو ثالث وهو حاوي الزاهدي مؤلفه صاحب القنية وهو عزيز الوجود ورأيت عند بعض شيوخنا منه نسخة. غمزعيون البصائر.1/ 50. قال الشيخ أنورشاه: ثم اعلم أن - «الحاوي» - ثلاثة: «الحاوي» للحصيري، والزاهدي، والقدسي، وما ذكرناه، فهو في «الحاوي» للقدسي. فيض الباري:4/ 485.
(¬2) التّرجماني عبد الرحيم بن عمر بن عبد الله، علاء الدين الترجمتاني.000 - 654 هـ = 000 - 1247 م.: فقيه حنفي. له. يتيمة الدهر في فتاوى أهل العصر - خ. في مكتبة الأزهر. الأعلام للزركلي.3/ 347.
(¬3) محمد بن محمد، رضيّ الدين السرخسي.000 - 571 هـ = 000 - 1175 م.: فقيه
من أكابر الحنفية. أقام مدة في حلب، وتعصب عليه بعض أهلها فسار إلى دمشق، وتوفي فيها. له. المحيط الرضوي - خ. أجزاء منه، في الفقه، وهو كبير في زهاء اربعين مجلدة، وثلاثة كتب أخرى باسم. المحيط. أحدها في عشر مجلدات، والثاني في أربع، والثالث في جزءين، و. الطريقة الرضوية - خ. فقه، و. الوسيط - خ. و. الوجيز - خ. في إسطنبول. الأعلام للزركلي.7/ 25.
(¬4) كتب حاجي خليفة: ذخيرة الفتاوى المشهورة: بـ. الذخيرة البرهانية. للإمام، برهان الدين: محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري. المتوفى: سنة 616.اختصرها من كتابه المشهور بـ. المحيط البرهاني. كلاهما مقبولان عند العلماء. أوله:.الحمد مستحق الحمد والثناء .. الخ. قال الإمام برهان الدين: أن سيدنا الإمام الصدر، والشهيد حسام الدين، وهو عم المص، جمع مسائل قد استفتى عنها. وأحال جواب كل مسألة إلى كتاب موثوق به، أو إلى الإمام يعتمد عليه. وهي وإن صغر حجمها، فقد حوت كثيرا من الأحكام.
وقد جمعت أنا في حداثة سني، وعنفوان عمري، في إفتاء ما رفع إلي من مسائل الواقعات أيضا، وضممت إليها أجناسها من الحادثات. وجمعت أيضا جمعا آخر استفتي مني مدة مقامي بسمرقند، وذكرت فيها جواب. ظاهر الرواية.، وأضفت إليها من واقعات النوادر، وما فيها من أقاويل المشايخ. وكان يقع في قلبي أن أجمع بين هذه الأصول الثلاثة، وأمهد لها أساسا وأجعلها أصنافا وأجناسا. وقد انضم إلى ما وقع في قلبي التماس بعض الأحباب فشرعت في هذا الجمع، وأوضحت أكثر المسائل بالدلائل وسميت المجموع بـ. الذخيرة. وشحنته بالفوائد الكثيرة. كشف الظنون.1/ 823.
(¬5) وهو صاحب كنز الدقائق قد ذكرناه.
(¬6) منظومة: ابن وهبان. في: فروع الحنفية. وهو: الشيخ: عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقي. المتوفى: سنة 768، ثمان وستين وسبعمائة. وهي: قصيدة رائية. من: بحر الطويل.
أولها: بداءتنا بالحمد أجدر .. الخضمنها: غرائب المسائل. وهي: نظم جيد متمكن. في: أربعمائة بيت. سماها:.قيد الشرائد، ونظم الفرائد. أخذها من: ستة وثلاثين كتابا. ورتبها على ترتيب:.الهداية. ثم شرحها: في مجلدين. وسمّاه:.عقد القلائد، في حل قيد الشرائد. كشف الظنون.2/ 1865. إنّ ابن وهبان نظم قصيدة، ثم شرح تلك القصيدة بنفسه. وبعده شرح تلك القيصيدة ابن الشحنة الآتي ذكره.
(¬7) عبد البر بن محمد بن محمد، أبو البركات، سريّ الدين، المعروف بابن الشحنة:.851 - 921 هـ = 1448 - 1515 م. قاض فقيه حنفي. له نظم ونثر. ولد بحلب، وانتقل إلى القاهرة. وتولى قضاء حلب ثم قضاء القاهرة، وصار جليس السلطان الغوري وسميره. وصنف كتبا، منها. غريب القرآن - خ. و. تفصيل عقد الفرائد - خ. شرح به منظومة ابن وهبان في فقه الحنفية، و. الذخائر الأشرفية في ألغاز الحنفية - ط. و. زهر الرياض - خ. رسالة في الفقه. وتوفي بالقاهرة. الأعلام للزركلي:3/ 273. والشحنة حافظ البلد: حاشية الطحطاوي: 510.
(¬8) الفتاوى الصيرفية. للإمام، مجد الدين: أسعد بن يوسف بن علي البخاري، الصيرفي، المعروف: بآهو. أولها:.الحمد لله الواحد القهار، الملك الجبار .. الخ. قال بعض تلاميذته: إنه لما كتب أجوبة الأئمة، الذين يعتمد على أجوبتهم القاضي وقت القضاء، فبعضها منصوص في كتب الأئمة، وبعضها مقيس على أجوبتهم، وانتخب من كتب المتقدمين والمتأخرين مسائل عجيبة، ولم يرتبها، ولم يجانسها.
فرتبها وجنسها: بعض طلبته. وزاد: في بعضها بإجازته، ما يجانسه من مسموعاته، بلفظ: قلت، ووضع علامات. كشف الظنون.2/ 1225.
(¬9) وقد ألف أكثر من واحد الفتاوى باسم. خزانة الفتاوى. ومنهم: الشيخ، الإمام: طاهر بن أحمد البخاري، الحنفي، السرخسي. المتوفى: سنة 542، اثنتين وأربعين وخمسمائة. صاحب. الخلاصة. وهو كتاب، معتبر. قليل الوجود. ومنهم: أحمد بن محمد بن أبي بكر الحنفي.
صاحب:.مجمع الفتاوي. وهو مجلد. أوله:.أحمد الله حمداً، بعدد ما أظهر من معدن الإنسان .. الخ. ذكر فيه أنه جمعه من الفتاوي، وأورد فيها غرائب المسائل. كشف الظنون:1/ 702.
(¬10) خزانة الأكمل في الفروع. ست مجلدات. لأبي يعقوب: يوسف بن علي بن محمد الجرجاني، الحنفي. ذكر فيه أن هذا الكتاب محيط بجل مصنفات الأصحاب، بدأ بكافي الحاكم، ثم بالجامعين، ثم بالزيادات، ثم بمجرد ابن زياد، والمنتقى، والكرخي. وشرح الطحاوي، وعيون المسائل، وغير ذلك. واتفق بدايته يوم الأضحى. يوم عيد الأضحى. سنة 522، اثنتين وعشرين وخمسمائة. كشف الظنون:1/ 702.
الجزء 1 · صفحة 33
السِّرَاجِيَّةِ (¬1) وَالتَّتَارْخَانِيَّة، (¬2) وَالتَّجْنِيسُ، (¬3) وَخِزَانَةُ الْفِقْهِ، (¬4) وَحَيْرَةُ الْفُقَهَاءِ، (¬5) وَمَنَاقِبُ الْكَرْدَرِيِّ، (¬6) وَطَبَقَاتُ عَبْدِ الْقَادِرِ (¬7)
¬
(¬1) الأوشي علي بن عثمان بن محمد بن سليمان، أبو محمد، سراج الدين التيمي الأوشي الفرغاني الحنفي.000 - بعد 569 هـ = 000 - بعد 1173 م.: ناظم قصيدة " بدء الأمالي - ط " في العقائد، ومصنف " نصاب الأخبار لتذكرة الأخيار - خ " اختصر به كتابه " غرر الأخبار ودرر الأشعار " في ألفاظ الحديث النبوي، في التيمورية والقادرية، و " الفتاوى السراجية - خ " في البصرة 526 صفحة، فرغ من تأليفه سنة 569. الأعلام للزركلي.4/ 310. وينسب الفتاوى السراجية إلى الغزنوي عمر بن إسحق بن أحمد الهندي الغزنوي، سراج الدين، أبو حفص.704 - 773 هـ = 1304 - 1372 م.: فقيه، من كبار الأحناف. الأعلام للزركلي.5/ 42. ولكن الزر كلي يشك فيه.
(¬2) زاد المسافر، في الفروع. وهو المعروف:.بالفتاوى التاتارخانية. لعالم بن علاء الحنفي.
المتوفى: سنة 786، ست وثمانين وسبع مئة. كشف الظنون:2/ 947.قام بجمعه وترتيبه وترقيمه وتعليقه بنحو عشرة آلاف من الأحاديث والآثار صديقنا وحبينا مولانا شبير أحمد القاسمي حفظه الله ورعاه المفتي والمحدّث بمدرسة شاهي مراد آباد الهند. ولقدشاركه فضل الله وعنايته حيث أتم هذا العمل العظيم في مدة قصيرة.
(¬3) التجنيس والمزيد، وهو لأهل الفتوى غيرعتيد. في: الفتاوى. لصاحب الهداية، وقد ذكرناه. أوله:.الحمد لله القديم الحليم .. الخ. ذكر فيه: أن الصدر الأجل: حسام الدين، أورد المسائل مهذبة في تصنيف، وذكر لها الدلائل، ورتب الكتب دون المسائل، ولم يتيسر له الختام، فشرع في إتمامه، وتحسين نظامه، وأنزل ذكر ما ذكره من الأبواب، من الأسما إلى حروف مجردة عن الألقاب. فأشار بالنون: إلى. نوازل أبي الليث. وبالعين: إلى. عيون المسائل. وبالواو: إلى. واقعات الناطفي. وبالتاء: إلى. فتاوى: أبي بكر بن الفضل. وبالسين: إلى. فتاوى: أئمة سمرقند. وبالزاي: إلى. الزوائد. وبالجيم: إلى. أجناس الناطفي. وبـ غر: إلى. غريب الرواية.، لأبي شجاع. وبـ نس: إلى. فتاوى: النجم: عمر النسفي. وبـ شر: إلى شرح الكتب المبسوطة. وبـ فت: إلى الفتاوى الصغرى. للصدر، الشهيد. وبالميم: إلى المتفرقات.
قال: وهذا الكتاب لبيان ما استنبطه المتأخرون، ولم ينص عليه المتقدمون، إلا ما شذ عنهم في الرواية. انتهى. كشف الظنون:1/ 352.
(¬4) خزانة الفقه. للإمام، أبي الليث: نصر بن محمد الفقيه، السمرقندي، الحنفي. المتوفى: سنة 383، ثلاث وثمانين وثلاثمائة. كشف الظنون:1/ 703.
(¬5) الكردري. عبد الغفور بن لقمان بن محمد، شرف القضاة، تاج الدين، أبو المفاخر الكردري.000 - 562 هـ = 000 - 1167 م.: من أئمة الحنفية. أصله من كردر. قرية بخوارزم. تولى قضاء حلب، وتوفي فيها. له كتاب في " أصول الفقه " و " شرح التجريد " و " شرح الجامع الصغير " و " شرح الجامع الكبير " و " حيرة الفقهاء " جمع فيه ما يحار في حله العلماء. الأعلام للزركلي.4/ 32. حيرة الفقهاء: قال والدي رحمة الله عليه وهو منهم وفي الحيرة وحيرة الفقهاء بكسر الحاء. اسماء الكتب المتمم لكشف الظنون: 138.
(¬6) محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكردري البريقيني الخوارزمي الشهير بالبزازي.000 - 827 هـ = 000 - 1424 م.: فقيه حنفي. أصله من. كردر. بجهات خوارزم. تنقل في بلاد القرم والبلغار وحج، واشتهر. وكان يفتي بكفر. تيمورلنك. من كتبه. الجامع الوجيز - ط. مجلدان، فتاوى في فقه الحنفية، و. المناقب الكردرية - ط. في سيرة الإمام أبي حنيفة، و. مختصر في بيان تعريفات الأحكام - خ. و. آداب القضاء - خ. الأعلام للزركلي.7/ 45.
(¬7) "الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية"وهولعبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم، محيي الدين، أبو محمد، ابن أبي الوفاء القرشي. مولده سنة ست وتسعين وستمائة.
سمع وحدّث وأفتى ودرّس. وصنف كتاب "العناية في تخريج أحاديث الهداية" وكتاب "الوسائل في تخريج أحاديث الدلائل" ويسميه أيضا "المجموع" وشرح معاني الآئار للطحاوي، وكتاب "الدرر المنيفة في الرد على ابن أبي شيبة عن الإمام أبي حنيفة" وكتاب "الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية" وكتاب "ترتيب تهذيب الأسماء واللغات" وكتاب "البستان في فضائل النعمان"و"مختصر" في علوم الحديث و"مسائل مجموعة" في الفقه، وقطعة منشرح "الخلاصة" في مجلدين، و"تفسير آيات" و"فوائد".توفي تاسع ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة. تاج التراجم لابن قطلوبغا.: 197.
الجزء 1 · صفحة 34
الْفَنُّ الْأَوَّلُ: قول في الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى:
[لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ] (¬1)
¬
(¬1) أدلة القاعدة اعلم! إن النية والقصد، والإرادة سواء في اللغة. قال الله جل جلاله: {ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورًا رحيمًا} مهاجرا أي: مريدا للهجرة، على إرادته يترتب الأجر.
وقال تعالى: {من كان يريد ثواب الدّنيا فعند اللّه ثواب الدّنيا والآخرة وكان اللّه سميعًا بصيرًا.134.} قال ابن كثير: يا من ليس له همّه إلّا الدّنيا.
وقال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا} وقال تعالى: {ومن يرد ثواب الدّنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشّاكرين}
وقال تعالى: {إنّ الّذين كفروا ويصدّون عن سبيل اللّه والمسجد الحرام الّذي جعلناه للنّاس سواءً العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}
وقال تعالى: {وما آتيتم من ربًا ليربو في أموال النّاس فلا يربو عند اللّه وما آتيتم من زكاة تريدون وجه اللّه فأولئك هم المضعفون}
وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدّنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب}
وقال تعالى: {ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللّه واللّه رءوف بالعباد}
وقال تعالى: {ومثل الّذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات اللّه وتثبيتًا من أنفسهم كمثل جنّة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطلّ واللّه بما تعملون بصير} أراد بفعله رضوان الله، فالأجر والمثوبة بالنية.
وقال تعالى: {لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم واللّه غفور حليم} كسب القلب هو النية، والإرادة.
وقال تعالى: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلّا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من اللّه ولهم عذاب عظيم} هذه الآيات: تدل على أن العمل له علاقة بالقلب والإرادة، وأن الإرادة مؤثرة فيه وجوداوعدما.
الأحاديث النبوية: [1]- عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» صحيح البخاري:1/ 6.
2 - ... عن أنس بن مالك: أن رجلا من الأنصار من بنى عمرو بن عوف قال: يا رسول الله إنك رغبتنا فى السواك، فهل دون ذلك من شىء؟ قال: «إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك، إنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له». السنن الكبرى للبيهقي:1/ 41.
3 - عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور» المعجم الكبير للطبراني.6/ 185.
4 - عن سعد بن أبي وقاص، أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» صحيح البخاري.1/ 20.
5 - عن أبي الدرداء؛ يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي بالليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه". صحيح ابن خزيمة:1/ 579. اكتفيت على هذا القدر وإلا هناك أدلة كثيرة بمكن إيرادها.
الجزء 1 · صفحة 35
صَرَّحَ بِهِ الْمَشَايِخُ (¬1) فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْفِقْهِ أَوَّلُهَا فِي الْوُضُوءِ، سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهَا شَرْطُ الصِّحَّةِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَوْ لَا، كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
وَعَلَى هَذَا قَرَّرُوا حَدِيثَ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى (¬2)، إذْ لَا يَصِحُّ بِدُونِ التَّقْدِيرِ لِكَثْرَةِ وُجُودِ الْأَعْمَالِ بِدُونِهَا، فَقَدَّرُوا مُضَافًا أَيْ حُكْمُ الْأَعْمَالِ. وَهُوَ نَوْعَانِ أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ (¬3) وَاسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ، (¬4) وَدُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ الصِّحَّةُ (¬5) وَالْفَسَادُ. (¬6)
¬
(¬1) قال الإمام مولانا عبد الحي اللكنوي: المراد: بالمشايخ؛ في قولهم: هذا قول المشايخ: من لم يدرك الإمام. كذا في. وقف. النهر. عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية.1/ 71.
(¬2) هنا أمران: الأول ما معنى إنه من باب المقتضى، الثاني: وما معنى إنه من باب المضمر: فالجواب: إذا كان صحة الكلام موقوفالأجل حكم من الأحكام الشريعة يقال: إنه من باب المقتضى،’’اسم مفعول’’أي الكلمة المقدرة. والنص الذي يطلب أي يقتضي وهو،،اسم فاعل’’وإذاكانت اللغة هي التي تقتضي التقديرلصحة النص فيقال: إنه من باب المضمر. إن قول النبي صلى الله عليه وسلم. إنّما الأعمال بالنيات. أي صحة العمل موقوف على النية، هل هذا التقدير الذي قدرنا لأجل الشرع أم لأجل اللغة. فاختلف العلماء الحنفية بأنفسهم فيه، فقال البعض: إن دلالة النص من باب المقتضى، وقال الآخرون إن دلالته من باب المضمر. والمصنف يميل إلى الأول. واليك ماذكرصاحب دستور العلماء: اقتضاء النص: في أصول الفقه دلالة الشرع على أن هذا الكلام لا يصح إلا بالزيادة عليه. وأيضا اقتضاء النص جعل غير المنطوق منطوقا لتصحيح المنطوق، وتفصيله أن الشرع متى دل على زيادة شيء في الكلام لصيانته عن اللغو ونحوه. فالحاصل أعني صيانة الكلام هو المقتضي بالكسر والمزيد هو المقتضي بالفتح. دستور العلماء: 1/ 102.
(¬3) الثواب: هو عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم وقيل: الجزاء كيف ما كان من الخير. والشر، إلا أن استعماله في الخير أكثر، وفي الشر على طريقة {فبشرهم بعذاب أليم} [والثواب يتعلق بصحة العزيمة والجزاء يتعلق بالركن والشرط]
والثواب الذي يعطى أجرا لا يتصور بدون العمل، بخلاف مطلق الثواب، والإثابة: إعطاؤه والثواب والعقاب على استعمال الفعل المخلوق، لا على أصل الخلق، ويعاقب عليه بصرف الاستطاعة التي تصلح للطاعة إلى المعصية، لا على إحداث الطاعة. الكليات: 328.
وقال التهانوي: ما يستحق به الرحمة والمغفرة من الله تعالى والشفاعة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل الثواب هو إعطاء ما يلائم الطبع. كشاف اصطلاحات الفنون:1/ 543.
(¬4) العقاب: هوجزاء الشر والنكال أخص منه. الكليات: 653.
(¬5) الصّحّة مصدر. وهي عند الفقهاء عبارة عن كون الفعل مسقطا للقضاء في العبادات أو سببا لترتب ثمراته المطلوبة منه شرعا في المعاملات وبإزائه البطلان. قواعد الفقه: 347.
(¬6) الفساد: عند الفقهاء ما كان مشروعا بأصله لا بوصفه وهو مرادف للبطلان عند الشافعي رحمه الله تعالى وقسم ثالث مباين للصحة والبطلان عندنا. قواعد الفقه: 411. يقول محمد التها نوي: عند الفقهاء من الشافعية هو البطلان وعند الحنفية من الفقهاء كون الفعل مشروعا بأصله لا بوصفه، والبطلان كونه غير مشروع بواحد منهما. فعلى هذا الفاسد والباطل متباينان وهو مقتضى كلام الفقه والأصول، فإنّهم قالوا إنّ حكم الفاسد إفادة الملك بطريقه، والباطل لا يفيده أصلا، فقابلوه به وأعطوه حكما يباين حكمه وهو دليل تباينهما. وأيضا فإنّه مأخوذ في مفهومه أنّه مشروع بأصله لا بوصفه، وفي الباطل أنّه غير مشروع بأصله فبينهما تباين، فإنّ المشروع بأصله وغير المشروع بأصله متباينان، فكيف يتصادقان. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم:2/ 1271.
وقد يطلق في المعنى الأعمّ من الفاسد والباطل فيكون لفظ الفاسد مشتركا بين الأعمّ والأخصّ المشروع بأصله لا بوصفه في العرف، أو مجازا عرفيا في الأعمّ وهو أولى لأنّه خير من الاشتراك. فالفاسد بالمعنى الأعمّ ما لا يكون مشروعا بوصفه أعمّ من أن يكون مشروعا بأصله أوّلا.
الجزء 1 · صفحة 36
وَقَدْ أُرِيدَ الْأُخْرَوِيُّ بِالْإِجْمَاعِ (¬1)، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَانْتَفَى الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، إمَّا لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ (¬2) وَلَا عُمُومَ لَهُ، أَوْ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِهِ مِنْ صِحَّةِ الْكَلَامِ بِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْآخَرِ.
وَالثَّانِي أَوْجَهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ (¬3) لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْوَسَائِلِ لِلصِّحَّةِ وَلَا عَلَى الْمَقَاصِدِ أَيْضًا. (¬4)
وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ الْوُضُوءَ الَّذِي لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ، لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ وَلَكِنَّهُ مِفْتَاحٌ لِلصَّلَاةِ. (¬5) وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتِ النِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِآيَةِ {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}
¬
(¬1) الإجماع: في اللغة العزم والاتفاق، وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين في أمة محمد -عليه الصلاة والسلام- في عصر على أمر ديني. التعريفات: 10. إن الوضوء الغير المنوي مثاب عليه عند المتقدمين، وغير مثاب عند المتأخرين، ذكره الحموي عن خزانة المفتيين.
(¬2) المشترك ما وضع لمعنى كثير كالعين ومعنى الكثير ههنا ما يقابل الوحدة. عموم المشترك هو أن يراد المعنيان معا. قواعد الفقه:391 - و: 488.وفي بعض النسخ ((وإمّا لأنه مشترك))
(¬3) الشافعية.
(¬4) وقد سألني طالب، مامعنى العبادة المقصودة؟ وغير المقصودة؟ فرأيت أن الامام أبا الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد. المتوفى: 595هـ. قد ذكر هذا المعنى فقال في بحث النية: وسبب اختلافهم تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني: غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين، ولذلك وقع الخلاف فيه، وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة، والفقه أن ينظر بأيهما هو أقوى شبها فيلحق به. بداية المجتهد ونهاية المقتصد:1/ 15.
(¬5) ومنهم ابن مازة في المحيط البرهاني. وقال ابن الهمام: سلمنا أن كل عبادة بنية، والوضوء لا يقع عبادة بدونها وبذلك قضينا عهدة الحديث، وليس الكلام في هذا بل في أنه إذا لم ينو حتى لم تقع عبادة سببا للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أو لا؟ ليس في الحديث دلالة على نفيه ولا إثباته، فقلنا نعم لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره لا لذاته فكيف حصل المقصود وصار كستر العورة وباقي شروط الصلاة لا يفتقر اعتبارها إلى أن تنوى، فمن ادعى أن الشرط وضوء هو عبادة فعليه البيان. فتح القدير:1/ 33. فقال: صورة الخلاف إنما تتحقق بيننا وبين الشافعي في نحو من دخل الماء مدفوعا أو مختارا لقصد التبرد أو مجرد قصد إزالة الوسخ. فتح القدير:1/ 32.
الجزء 1 · صفحة 37
وَالْأَوَّلُ أَوْجُهُ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ بِقَرِينَةِ عَطْفِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَلَا تُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ (¬1) الْحَقِيْقِيَّةِ عَنِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ وَالْأَوَانِي لِلصِّحَّةِ. (¬2) وَأَمَّا اشْتِرَاطُهَا فِي التَّيَمُّمِ فَلِدَلَالَةِ آيَتِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ الْقَصْدُ، (¬3)
وَأَمَّا غُسْلُ الْمَيِّتِ، فَقَالُوا (¬4) لَا تُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ (¬5) لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ (¬6) عَنْ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِينَ.
¬
(¬1) النّجس: النجس: بفتح الثاني يعم النجاسة الحكمية التي هي الحدث. والنجاسة الحقيقية التي هي الخبث أي عين النجاسة. والنجس بكسره ما كان ملوثا بالنجاسة كالثوب والبدن إذا كان ملوثا بالنجاسة - والنجس بالفتح على نوعين مرئي وهو ما يرى أثره بعد اليبس كالدم والقذر وغير ذلك. وغير مرئي وهو ما لا يرى أثره بعد اليبس كالبول والماء النجس - وأيضا قالوا النجاسة نوعان غليظة وخفيفة الغليظة ما ورد في نجاسته نص ولم يعارضه نص آخر اختلف الناس فيه أم اتفقوا وإن عارضه نص آخر فهو خفيفة اتفقوا أم اختلفوا. دستور العلماء:3/ 273.
(¬2) لتكون العبادة صحيحة.
(¬3) قال القاضي عياض المالكي رحمه الله جل جلاله عند ذكره حديث الطهور شطر الإيمان:
وفى هذا الحديث أيضاً حجة على من يرى [أن] الوضوء لا يفتقر إلى نيّة. وهذه المسألة مما اختلف الناس فيها على ثلاث مقالات، فقال الأوزاعى وغيره: الوضوء والتيمم جميعاً لا يفتقر إلى نية، وقال مالك فى المشهور عنه: إنهما يفتقران إلى نيّة. وروى عن مالك قوله تارة أن الوضوء يجزئ بغير نيّة، وقال أبو حنيفة: أما التيمّم فلا بد فيه من نية، وأما الوضوء فلا. فأما الأوزاعى ومن وافقه فيحتج بالأوامر التى وقعت بالوضوء ولم تذكر فيها النية، ويحتج أيضاً بأن الوضوء ليس من العبادات كالصلاة وشبهها، وإنما وجب لغيره، وكان شرطاً فى صحته، فحلّ محل غسل النجاسة وستر العورة، وشبه ذلك من شروط الصلاة المجزئة بغير نية، ويحتج مالك عليه بحديث: " الأعمال بالنيات " وبهذا الحديث المتقدم، وأنه لو لم يكن من أكبر العبادات لم يجعله شطر الإيمان، فإذا أوجب ذلك كونه عبادةً افتقر إلى نية عند المخالف وعندنا، وعليه من الحجاج كثير، وأما تفرقة أبى حنيفة بين الوضوء والتيمم فضعيفة؛ لأن البدل إذا افتقر إلى نية فأحرى أن يفتقر المبدل منه، وأشبه ما وجه له به قول الله تعالى: {فتيمّموا صعيدًا طيّبًا}،والتيمم القصد، والمقصود منوى. إكمال المعلم بفوائد مسلم:2/ 7. وقد ذكرت قول القاضي عياض لأن البعض يرى بأن الحنفية كثّر الله جماعتهم هم منفردون بأن النية لا تحتاج في الوضوء، بل الإمام الأوزاعي، وفي قول الإمام مالك مع الحنفية في النية.
(¬4) لفظ: قالوا؛ يستعمل فيما فيه اختلاف المشائخ. كذا في. النّهاية .. عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية:1/ 68.
(¬5) الشرط لغة عبارة عن العلامة ومنه أشراط الساعة وأصطلاحا هو تعليق شئ بشيء بحيث إذا وجد الأول وجد الثاني. وقيل: الشرط ما يتوقف عليه وجود الشيء ويكون خارجا عن ما هيته ولا يكون مؤثرا في وجوده وقيل الشرط ما يتوقف ثبوت الحكم عليه وأيضا يطلق على القبالة سواء تضمن ذكر شرط أولا ومنه يقال للطحاوى رحمه الله شرطيا أي كاتب القبالة. قواعد الفقه: 336. هل النية واجبة لغسل الميت فاختلف فيه العلماء، والصجيح المعتد إن سال الماء على جسد الميت يرتفع الإثم عن المكلفين، قال الكاساني رحمه الله: ولو لم يكن فيهن امرأته ولكن معهن رجل كافر علمنه غسل الميت ويخلين بينهما حتى يغسله ويكفنه، ثم يصلين عليه ويدفنه؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف وإن لم يكن بينهما موافقة في الدين. بدائع الصنائع:1/ 305. وإن الرسول صلى الله عليه وسلم ماغسّل حنظله وكان التغسيل واجبا عليه لأنه كان جنبا، وليس هو في حكم الشهيد الدنيوي عند الإمام، كما في البدائع. فهل أثم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ فالجواب: لا، لأن التغسيل قد تحقق من الملائكة، ولأن الشروط يراعى حصولها لاتحصيلها.
(¬6) غسل الميت حق واجب على الأحياء بالسنة واجماع الأمة، كذا في النهاية، ولكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين، كذا في الكافي، والواجب هو الغسل مرة واحدة والتكرار سنة. الفتاوى الهندية:1/ 158
الجزء 1 · صفحة 38
وَيَتَفَرَّعُ (¬1) عَلَيْهِ: أَنَّ الْغَرِيقَ يُغَسَّلُ ثَلَاثًا (¬2) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ نُوِيَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ مِنَ الْمَاءِ يُغْسَّلُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُنْوَفَثَلَاثًا، وَعَنْهُ يُغْسَّلُ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (¬3)
¬
(¬1) فرع ضد الأصل وفي العرف ما يبتنى على غيره والمراد بها الأشياء الثابتة أحكامها بالأصول المتقدمة من الفرض والواجب والمسنون والمندوب والحلال والحرام والمكروه كراهة تحريمية وتنزيهية. الغمز:1/ 24.وفي نسخة: ((وتفرّع عليه))
(¬2) يعني قياسا على الغسلات الثلاث المزيلة للمحدث على وجه الكمال. ووجه غسله مرتين قياسا على الثوب النجس بالنجاسة غير المرئية. إذا غسل مرة ثم أضيف إليه ثوب آخر طاهر، فإنه يغسل ما بقي. ووجه غسله مرة قياسا على إزالة الحدث بمرة. كذا قيل.
وقيل يغسل ثلاثا ليكون مؤدى على وجه الكمال فرضا وسنة فالأولى فرض والثانية والثالثة سنة، أو الثانية سنة والثالثة تكميل لها، أو الثالثة تقع فرضا على ما نصوا عليه في الوضوء والغسل من الاختلاف فليتأمل. الغمز:1/ 60.
(¬3) قال ابن الهمام: وهل يشترط للغسل النية، الظاهر أنه يشترط لإسقاط وجوبه عن المكلف لا لتحصيل طهارته هو وشرط صحة الصلاة عليه عن أبي يوسف في الميت إذا أصابه المطر أو جرى عليه الماء لا ينوب عن الغسل لأنا أمرنا بالغسل انتهى ولأنا لم نقض حقه بعد.
وقالوا في الغريق يغسل ثلاثا في قول أبي يوسف وعن محمد في رواية إن نوى الغسل عند الإخراج من الماء يغسل مرتين وإن لم ينو فثلاثا جعل حركة الإخراج بالنية غسله وعنه يغسل مرة واحدة كأن هذه ذكر فيها القدر الواجب. شرح فتح القدير.2/ 106.
قال الحموي: قيل يشكل على هذا ما ذكره قاضي خان في فتاواه حيث قال: ميت غسله أهله من غير نية الغسل أجزأهم ذلك. انتهى. فإنه صريح في أنه لا يشترط في كونه مجزيا عنهم النية. وفي التتارخانية: والنية في غسله أي الميت ليست بشرط. انتهى.
أقول لا صراحة فيما نقله عن قاضي خان وعن التتارخانية لاحتمال أن يكون معنى قول قاضي خان أجزأهم ذلك في حق طهارته، بمعنى أن الطهارة وقعت صحيحة حتى تصح في أن يصلى عليه.
ومعنى قول التتارخانية ليست بشرط أي في صحة الغسل وهذا لا ينافي بقاء الفرض في ذمتهم من حيث عدم النية؛ ومن ثم قال المحقق في الفتح الظاهر اشتراط النية فيه لإسقاط وجوبه عن المكلف لا لتحصيل طهارته؛ وهي شرط صحة الصلاة عليه. انتهى. .الغمز:1/ 60.
قيل وهل يتعين كونه من مباشرة الغسل بخصوصه أو يكفي صدورها من أحد المكلفين؟ الظاهر الثاني.
الجزء 1 · صفحة 39
وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَهِيَ شَرْطُ صِحَّتِهَا إلَّا الْإِسْلَامَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إنَّ إسْلَامَ الْمُكْرَهِ صَحِيحٌ. (¬1)
وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الْكُفْرِ، (¬2) كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي بَحْثِ التُّرُوكِ، وَأَمَّا الْكُفْرُ فَيُشْتَرَطُ (¬3) لَهُ النِّيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ كُفْرَ الْمُكْرَهِ غَيْرُ صَحِيحٍ (¬4)
¬
(¬1) منهم الزيلعي وقال: قال قاضيخان في فتاويه فيما يكون كفرا من المسلم وما لا يكون ما نصه، وكذا إسلام المكره إسلام عندنا إن كان حربيا وإن كان ذميا لا يكون إسلاما اهـ. فليحفظ هذا فإنه مقيد لما أطلقوه من قولهم إسلام المكره صحيح، والله الموفق. تبيين الحقائق:2/ 195.
(¬2) (( ... لأن الشهادة وهي التلفظ بالسان شرط الإسلام إلا عند العجز، سواء عجز حقيقي، أو حكمي وهو الإكراه.
(¬3) وفي بعض النسخ ((تشترط)) بالتاء.
(¬4) ذكر الكاساني: قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «الإسلام يعلو ولا يعلى» فوجب اعتبار المحتمل دون الغالب إعلاء لدين الحق، وذلك في الحكم بإيمان المكره على الإيمان والحكم بعدم كفر المكره، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو أكره على الإسلام فأسلم ثم رجع يجبر على الإسلام، ولا يقتل بل يحبس ولكن لا يقتل، والقياس أن يقتل لوجود الردة منه وهي الرجوع عن الإسلام. بدائع:7/ 178.
الجزء 1 · صفحة 40
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا، يُكَفَّرُ (¬1) إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَيْنَهُ كُفْرٌ، كَمَا عُلِمَ فِي الْأُصُولِ مِنْ بَحْثِ الْهَزْلِ. (¬2)
فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ مُطْلَقًا، وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ (¬3) إلَّا بِهَا، فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً أَوْ نَفْلًا، وَإِذَا نَوَى قَطَعَهَا لَا يَخْرُجُ عَنْهَا إلَّا بِمُنَافٍ، (¬4) وَلَوْ نَوَى الِانْتِقَالَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَتِ (¬5) الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى وَشَرَعَ بِالتَّكْبِيرِ، صَارَ مُنْتَقِلًا وَإِلَّا فَلَا.
وَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَصِحُّ الْإِمَامَةُ (¬6) بِدُونِ نِيَّتِهَا خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ (¬7)، كَمَا فِي الْبِنَايَةِ، إلَّا إذَا صَلَّى خَلْفَهُ نِسَاءٌ، فَإِنَّ اقْتِدَاءَهُنَّ بِهِ بِلَا نِيَّةِ الْإِمَامِ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ. (¬8)
وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. (¬9)
¬
(¬1) قال المطرزي:.الكفر. في الأصل السّتر يقال كفره وكفّره إذا ستره. المغرب: 411.
قال ابن منظور: وكفّر الرجل: نسبه إلى الكفر. وكلّ من ستر شيئًا، فقد كَفَرَه وكَفّرَه. لسان العرب:5/ 146.
(¬2) ((الهزل: هو أن لا يراد باللفظ معناه لا الحقيقي ولا المجازي وهو ضد الجد. قواعد الفقه: 552.وقال أصحاب الموسوعة: الهزل: ضد الجد، أو هو اللعب، وهو في اللغة: مأخوذ من هزل في كلامه هزلا: إذا مزح.
وفي الاصطلاح: ألا يراد باللفظ المعنى الحقيقي ولا المجازي، بل يراد به غيرهما. والهزل لا ينافي الأهلية، إلا أنه يؤثر في بعض الأحكام بالنسبة للهازل .. الموسوعة الفقهية:7/ 165. قال الجصاص: قوله تعالى: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب- إلى قوله- إن نعف فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوا لعبا فأخبر الله عن كفرهم باللعب بذلك وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أي وجه قالوه من جد أو هزل فدل على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر فاعله. أحكام القرآن:4/ 349.
(¬3) الجنازة، بالكسر: الميت، ويفتح، قال ابن دريد: زعم قوم أن اشتقاقه من الجنز بمعنى الستر، قال ابن سيده: ولا أدري ما صحته وقد قيل: هو نبطي. أو الجنازة، بالكسر: الإنسان الميت، وبالفتح: السرير أو عكسه، أي بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت، أو بالكسر: السرير مع الميت أو الميت بسريره. وقال الفارسي: لا يسمى جنازة حتى يكون عليه ميت، وإلا فهو سرير أو نعش. تاج العروس:15/ 73.
(¬4) بشيء يخالف أصل الصلاة كالكلام’والإنحراف عن القبلة’ والحدث’ والتسليم.
(¬5) الصلاة الثانية.
(¬6) تعريف الإمامة: ربط صلاة المؤتم بالامام بشروط. وشروطها: كما ذكره الشرنبلالي: وشروط صحة الإمامة للرجال الأصحاء ستة أشياء:
1 - الإسلام 2 - والبلوغ. 3 – والعقل 4 - والذكورة 5 – والقرءاة 6 - والسلامة من الأعذار: كالرعاف والفأفأة والتمتمة واللثغ وفقد شرط: كطهارة وستر عورة.
(وفيه فأفأة) أي حبسة في اللسان وغلبة الفاء على الكلام، وقال الليث: الفأفأة في الكلام كأن الفاء تغلب على اللسان. تاج العروس:1/ 341. وقال الليث: {التمتمة في الكلام أن لا يبين اللسان، يخطيء موضع الحرف فيرجع إلى لفظ كأنه التاء والميم، وإن لم يكن بينا. وقال المبرد: التمتمة: الترديد في التاء. تاج العروس:31/ 338
اللثغ، محركة، واللثغة، بالضم: تحول اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين أو اللام أو الياء، أو من حرف إلى حرف، أو أن لا يتم رفع لسانه وفيه ثقل، لثغ، كفرح، فهو ألثغ. وكنصره: جعله ألثغ. القاموس المحيط: 787
ج -[شروط صحة الاقتداء]
وشروط صحة الإقتداء أربعة عشر شيئا:
1 - نية المقتدي المتابعة مقارنة لتحريمته.
2 - ونية الرجل الإمامة شرط لصحة اقتداء النساء به.
3 - وتقدم الإمام بعقبه عن المأموم.
4 - وألا يكون أدنى حالا من المأموم.
5 - وألا يكون الإمام مصليا فرضا غير فرضه.
6 - وألا يكون مقيما لمسافر بعد الوقت في رباعية.
7 - ولا مسبوقا.
8 - وألا يفصل بين الإمام والمأموم صف من النساء.
9 - وألا يفصل نهر يمر فيه الزورق.
10 - ولا طريق تمر فيه العجلة.
11 - ولا حائط يشتبه معه العلم بانتقالات الإمام فإن لم يشتبه لسماع أو رؤية صح الاقتداء في الصحيح.
12 - وألا يكون الإمام راكبا والمقتدي راجلا أو راكبا غير دابة إمامه.
13 - وألا يكون في سفينة والإمام في أخر غير مقترنة بها.
14 - وألا يعلم المقتدي من حال إمامه مفسدا في زعم المأموم كخروج دم وقيء لم يعد بعده وضوءه. نورالإيضاح ونجاة الأرواح: 63.
(¬7) يقول الإمام الذهبي عنه: [في اوزبكستان نهر جيحون من أنهار الجنة سمي بذلك تلك المنطقة ب بلاد ماوراء النهر]. الفقيه العلامة شيخ ما رواء النهر أبو حفص البخاري الحنفي فقيه المشرق، ووالد العلامة شيخ الحنفية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حفص الفقيه.
ارتحل وصحب محمد بن الحسن مدة، وبرع في الرأي وسمع من: وكيع بن الجراح، وأبي أسامة وهذه الطبقة.
قال الشيخ محمد بن أبي رجاء البخاري: سمعت أحمد بن حفص يقول: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم عليه قميص، وامرأة إلى جنبه تبكي فقال لها: لا تبكي فإذا مت فابكي فلم أجد من يعبرها لي حتى قال لي إسماعيل والد البخاري: إن السنة قائمة بعد.
قال عبد الله بن محمد بن عمر الأديب: سمعت الليث بن نصر الشاعر يقول: تذاكرنا الحديث: "إن على رأس كل مائة سنة من يصلح أن يكون علم الزمان"، فبدأت بأبي حفص أحمد بن حفص فقلت: هو في فقهه وورعه وعمله يصلح أن يكون علم الزمان. ثم ثنيت بمحمد بن إسماعيل البخاري، فقلت: هو في معرفة الحديث، وطرقه يصلح أن يكون علما ثم ثلثت بأحمد بن إسحاق السرماري فقلت: رجل يقرأ على منبر الخليفة ههنا يقول: شهدت مرة أن رجلا وحده كسر جند العدو عنى نفسه فإنه يصلح أن يكون علم الزمان. قالوا نعم.
مولد أبي حفص الفقيه: سنة خمسين ومائة. وسمع أيضا من: هشيم بن بشير وجرير بن عبد الحميد والرواية عنه تعز.
أخبرنا الحسن بن علي أخبرنا جعفر بن منير أخبرنا أبو طاهر السلفي أخبرنا المبارك بن عبد الجبار أخبرنا هناد بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ حدثنا أبو نصر أحمد بن سهل بن حمدويه، حدثنا أحمد بن عمر بن داود حدثنا أبو حفص أحمد بن حفص، عن جرير عن منصور، عن ربعي عن علي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة: بالله وحده لا شريك له وأن الله بعثني بالحق، وبالبعث بعد الموت وبالقدر خيره وشره".
مات أبو حفص ببخارى في المحرم سنة سبع عشرة ومائتين. سير أعلام النبلاء:8/ 314. الوالد يسمى بأبي حفص الكبير و ابنه بأبي حفص الصغير.
(¬8) وينبغي أن تكون نية إمامة اانساء في بداية صلاة الإمام.
(¬9) قال الكاساني: وأما نية إمامة النساء فشرط لصحة اقتدائهن به عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ليس بشرط، حتى لو لم ينو لم يصح اقتداؤهن به عندنا، خلافا لزفر، قاس إمامة النساء بإمامة الرجال، وهناك النية ليست بشرط كذا هذا، وهذا القياس غير سديد. بدائع الصنائع:1/ 128. قال الشامي: ظاهر إطلاقه أنه لا تصح صلاتها بلا نية الإمام إمامتها في الجمعة والعيدين أيضا، فالنية شرط فيهما أيضا. قال في النهر: وبه قال كثير إلا أن الأكثر على عدمه فيهما، وهو الأصح كما في الخلاصة، وجعل الزيلعي الأكثر على الاشتراط وأجمعوا على عدمه في الجنازة اهـ. وظاهر عود الضمير في صلاتها على المرأة المحاذية أي لإمام أو لمقتد أنها لو اقتدت غير محاذية لأحد اقتداؤها وإن لم ينوها إلا إذا نفى إمامة النساء كما في القهستاني، وحينئذ فلا يشترط لصحة اقتداء المرأة نية الإمام إمامتها إلا إذا كانت محاذية وإلا فلا يشترط، وقدم المصنف في بحث النية أن فيه اختلافا، وقدمنا هناك عن الحلية أنه يشترط أن لا تتقدم بعد وتحاذي أحدا من إمام أو مأموم، فإن تقدمت وحاذت لا يبقى اقتداؤها ولا تتم صلاتها. اهـ. وذكر في النهاية هنا أن هذا قول أبي حنيفة الأول. وظاهره أن قوله الأخير اشتراط النية مطلقا والعمل على المتأخر كما لا يخفى. ()
الجزء 1 · صفحة 41
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَاقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ. وَهَلْ يَحْنَثُ؟ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: يَحْنَثُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً (¬1) إلَّا إذا أَشْهَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَلَا يَحْنَثُ قَضَاءً، وَكَذَا لَوْ أَمَّ النَّاسَ هَذَا الْحَالِفُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ صَحَّتْ وَحَنِثَ قَضَاءً، وَلَا يَحْنَثُ أَصْلًا إذَا أَمَّهُمْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (¬2) وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. (¬3)
¬
(¬1) وقد فصل امر الديانة والقضاء إمام العصرالشيخ مولانا أنور شاه الكشميري رحمه الله. المتوفى: 1353هـ. فقال: الفرق في معنى الدّيانة والقضاء: واعلم أنهم فسروا الدّيانة بما بينّه وبين الله، والقضاء بما بينه وبين الناس، وفهم منه بعضهم أن الدّيانة تقتصر على معاملة الرجل نفسه، فإذا شاع وبلغ إلى ثالث خرج عن معنى الدّيانة إلى القضاء، وهذا غلط فاحش، فإن مدار الديانة والقضاء ليس على الاشتهار وعدمه، بل يبقى الأمر تحت الديانة ما لم يرفع إلى القاضي، وإن كان اشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار، فإذا رفع إليه فقد خرج عن الدّيانة ودخل تحت القضاء، ولو لم يسمعه قرينك.
ثم إن القاضي من تولى من جهة الأمير لتنفيذ الأحكام وإجرائها، بخلاف المفتي فإنه يعلم مسائل الشريعة عند الاستفتاء ولا يحتاج إلى نصب الأمير، ولا له إجراء الأحكام. وقد علمت مرةً فيما سبق أن المفتي يحتاج إلى علم المسألة فقط، ويجيب على الاحتمالات والتقديرات أيضاً. مثلاً لو كان الأمر كذلك كان الجواب ذلك بخلاف القاضي فإنه يحتاج إلى علم الواقعة، ولا تعلّق له بالتقديرات، فإنه نصب لإجراء المسائل، ولا يكون إلا بعد التحقيق عما في الواقع. إذا علمت هذا فاعلم أن مسائل الدّيانات كلها يفتي بها المفتي ولا يحكم بها القاضي، وهكذا مسائل القضاء، يحكم بها القاضي ولا علاقة بها للمفتي، فإن الدّيانة والقضاء قد يتناقضان حكماً، أي يكون حكم الدّيانة نقيض ما في القضاء. وقد صرحوا أنه لا يجوز لأحدهما أن يحكم بحكم الآخر، والمفتون اليوم غافلون عنه، فإن أكثرهم يفتون بأحكام القضاء.
ووجه الابتلاء فيه: أن المذكور في كتب الفقه عامةً هو مسائل القضاء، وقلّما تذكر فيها مسائل الدّيانة. نعم، تذكر تلك في المبسوطات، ولا تنال إلا بعد تدرّب تام، ولعل وجهته أن القاضي في السلطنة العثمانية لم يكن ينصب إلا حنفياً، بخلاف المفتيين فإنهم كانوا من المذاهب الأربعة، وكان القاضي الحنفي ينفّذ ما أفتوا به، فشرع المفتون تحرير حكم القضاء لينفّذ القاضي، فاشتهرت مسائل القضاء في الكتب، وخملت مسائل الديانة، ثم لا يجب أن تتفق الديانة والقضاء في الحكم بل قد يختلفان.
ففي «الكنز»: إن ولدت ذكراً فأنت طالق واحدة، وإن ولدت أنثى فثنتين، فولدتهما ولم يدر الأول تطلق واحدةً قضاءً. وثنتين تنزهاً، أي ديانة. فههنا أخذ القاضي بالجانب المتيقن والمفتي بالأحوط. ولو قال في هذه المسألة بعينها: إن ولدت أنثى فثلاثة، فولدتهما، فهي ثلاثة ديانةً وواحدة قضاءً، فاختلف الحكمان حلاً وحرمةً. ثم الأحوط ههنا واجب كما صرحوا به، لا أنه مستحب، وهكذا الإقالة في الغرر الفعلي واجبة عندنا ديانة وليست بمستحبة. فظهر أن الدّيانة لا تكون مستحبةً كما زعم أن العمل بالقضاء يكون واجباً، وبالديانة يكون مستحباً، فليس الفرق بينهما من هذه الوجوه. ثم لي تردد ههنا وهو أنك قد علمت أن الديانة والقضاء قد يتخالفان حلاً وحرمةً، فإن عمل الرجل المبتلى به بالديانة وكانت الديانة فيه مثلاً أنه حرام، ثم رفعه إلى القاضي فحكم بالحل، فهل يرتفع من قضائه تلك الديانة أم لا؟ وهل يصير هذا الأمر حلالاً له بقضاء القاضي بعد ما كان حراماً له؟ فلا نقل فيه عندي غير جزئية واحدة تروى عن صاحبيه وهي: أن الزوج الشافعي إن طلق امرأته الحنفية طلاقاً كنائياً، ثم أراد الرجوع لأن الكنايات رواجع في مذهبه، وأبت أن ترجع إليه لأنها بوائن عندها، فإن حكم القاضي الشافعي بالرجوع نفذ ظاهراً وباطناً، ويصح رجوعه. وليست عندي ضابطة كلية يستفاد منها أنه متى ترتفع الديانة من القضاء ومتى لا ترتفع.
ولذا أتردد في ارتفاع الكراهة ديانةً فيما حكم القاضي بالرجوع في الهبة عند ارتفاع الموانع السبعة، لأن القضاء بالرجوع مع بقاء الكراهة ديانةً أيضاً ممكن، ولكني متردد فيه. والذي يظهر أنه يرتفع تارةً، وتارةً لا يرتفع.
وأول ما تنهبت على الفرق بين القضاء والديانة من كلام التّفتازاني في «التلويح» لما ذكر صاحب «التوضيح» مسألة الاستعارة بين السبب والحكم في باب الحقيقة والمجاز، وقال: لو نوى بالشراء الملك وبالعكس يصدّق فيما عليه ولا يصدق فيما له. قال التفتازاني: وفيما له أيضاً ديانة يفتي به المفتي ولا يحكم به القاضي. ففهمت منه أن القضاء أمر غير الفتوى. ثم لم أزل أفتش عن هذا الفرق في عبارات الفقهاء حتى وجدت في أصول العمادي لابن أبي صاحب «الهداية» مقدمةً ممهدةً لذلك وقد بسطه الطحاوي في «مشكل الآثار» أيضاً وهذا الفرق معتبر في المذاهب الأربعة. ففي قصة امرأة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك». وبحث عليه النووي هل كان هذا قضاءً أو فتوى؟ فإن كان الثاني فإنه يصح أن يفتى به كل عالم، وإن كان الأول فإنه لا يجوز إلا للقاضي. وعند الطحاوي ما يدل على أن هذا الفرق كان دائراً في السلف أيضاً: حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن عطاء عن السائب قال: سألت شريحاً. فقال: إنما أقضي ولست أفتي. وهذا صريح في أن القضاء غير الإفتاء. وأن القاضي لا يجوز له أن يحكم بالدّيانة ما دام قاضياً وجالساً في مجلس القضاء، فإذا تحوّل عنه والتحق بسائر الناس، فإنه مفتى كسائرهم ويسوّغ له ما يسوغ لهم.
فالحاصل: أن الزوج إن استقين بخبر المرضعة جاز له أن يقبل شهادتها، ويعمل بالديانة ويفارقها، فإن بلغ الأمر إلى القضاء لا يجوز له أن يحكم بتلك الشهادة. ومن ههنا تبيّن أن مراد ابن الهمام رحمه الله تعالى من التنزه والتورع: الكراهة تنزيهاً دون الاحتياط فقط. فيض الباري شرح البخاري:1/ 272.
(¬2) الجنازة بالكسر والفتح: الميّت بسريره، وقيل: بالكسر: السرير، وبالفتح: الميّت. شرح أبي داود للعيني:3/ 88.
(¬3) الصحيح ان اقتدى به إنسان لايحنث قضاء ان لم يشهد، قال الشامي: مطلب حلف لا يؤم أحدا. لقوله لأنه أمهم. أي في الظاهر قال في الظهيرية وقصده أن لا يؤم أحدا أمر بينه وبين الله تعالى ثم قال وذكر الناطفي أنه إذا نوى أن لا يؤم أحدا فصلى خلفه رجلان جازت صلاتهما، ولا يحنث لأن شرط الحنث أن يقصد الإمامة ولم يوجد. اهـ. وظاهره أنه لا يحنث قضاء أيضا ففي المسألة قولان، ويظهر لي الثاني لأن شروعه وحده أولا ظاهر في أنه لم يرد الإمامة، وصحة اقتدائهم به لا يلزم منها نيته ولذا لو أشهد لم يحنث مع صحة اقتدائهم لأن نية الإمام الإمامة شرط لحصول الثواب له لا لصحة الاقتداء. قوله ولو في الجمعة. لأن الشرط فيها الجماعة وقد وجد فتح. وعبارة البحر عن الظهيرية: وكذلك لو صلى هذا الحالف بالناس الجمعة، فهو على ما ذكرنا اهـ ومقتضاه أنه إن أشهد لا يحنث أصلا وإلا حنث قضاء لا ديانة إن نوى لكن في البزازية ولو أشهد قبل دخوله في الصلاة في غير الجمعة أن يصلي لنفسه لم يحنث ديانة ولا قضاء اهـ ومفهومه أنه في الجمعة يحنث قضاء وإن أشهد، ولعل وجهه أن الجماعة شرط فيها فإقدامه عليها ظاهر في أنه أم فيها تأمل. قوله لعدم كمالها. قال في الظهيرية: لأن يمينه انصرفت إلى الصلاة المطلقة اهـ أي والمطلقة هي الكاملة ذات الركوع والسجود وما بحثه في الفتح من أنه ينبغي إذا أم في الجنازة إن أشهد صدق فيهما، وإلا ففي الديانة خلاف المنقول كما في النهر.
قلت: وبحث الفتح وجيه إلا إذا حلف أن لا يؤم أحدا في الصلاة فتنصرف الصلاة إلى الكاملة أما بدون ذكر الصلاة فالإمامة موجودة في الجنازة تأمل. رد المحتار:3/ 830.
الجزء 1 · صفحة 42
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ فُلَانًا فَأَمَّ النَّاسَ نَاوِيًا أَنْ لَا يَؤُمَّهُ وَيَؤُمَّ غَيْرَهُ فَاقْتَدَى بِهِ فُلَانٌ حَنِثَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ انْتَهَى؛ وَلَكِنْ لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ (¬1).
وَسُجُودُالتِّلَاوَةِ كَالصَّلَاةِ. وَكَذَاسَجْدَةُ الشُّكْرِعَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهَا مشْرُوعَةً، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي سُنّيَتِهَا لَا فِي الْجَوَازِ (¬2) وَكَذَا سُجُودُ السَّهْوِ (¬3)،وَلَاتَضُرُّهُ نِيَّةُ عَدَمِهِ وَقْتَ السَّلَامِ. (¬4)
¬
(¬1) لإمامة هذا الرجل المحلوف عليه.
(¬2) قال البغوي رحمه الله: باب سجود الشّكر.
عن أبي موسى مالك بن عبد الله، أو عبد الله بن مالك، قال: «شهدت عليا حين أتي بالمخدج، فلما رآه سجد سجدة الشكر»
قال الشيخ الإمام: سجود الشكر سنة عند حدوث نعمة طالما كان ينتظرها، أو اندفاع بلية ينتظر انكشافها، أو رؤية مبتلى بعلة أو معصية، ويخفي سجوده عن المعلول، حتى لا يحمله ذلك على الكفران، ويظهر للعاصي لعله يتوب.
روي عن أبي بكرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان «إذا جاءه أمر يسر به خر ساجدا شاكرا لله تعالى».وروي أنه صلى الله عليه وسلم «رأى نغاشا فسجد شكرا لله».وسجد أبو بكر حين بلغه فتح اليمامة شكرا. وسجد علي حين أتي بالمخدج شكرا، وهذا قول أكثر أهل العلم .. شرح السنة للبغوي:3/ 316.
قال ابن منظور: في الحديث أنه رأى نغاشيا فسجد شكرا لله تعالى والنغاش القصير وورد في الحديث أنه مر برجل نغاش فخر ساجدا ثم قال أسأل الله العافية وفي رواية أخرى مر برجل نغاشي النغاش والنغاشي القصير أقصر ما يكون الضعيف الحركة الناقص الخلق ونغش الماء إذا ركبه البعير في غدير ونحوه والله عز وجل أعلم. لسان العرب:6/ 488.
وفي الموسوعة الفقهية: اختلف الفقهاء في مشروعية السجود للشكر، فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وأبو يوسف ومحمد وعليه الفتوى، وهو قول ابن حبيب من المالكية وعزاه ابن القصار إلى مالك وصححه البناني إلى أنه مشروع. لما ورد من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر سرور - أو: بشر به - خر ساجدا شاكرا لله. وسجد أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين فتح اليمامة حين جاءه خبر قتل مسيلمة الكذاب.
وسجد علي رضي الله عنه حين وجد ذا الثدية بين قتلى الخوارج، وروي السجود للشكر عن جماعة من الصحابة.
وروى أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه فسجد النبي صلى الله عليه وسلم شكرا لله. وذكر الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم سجد لرؤية زمن، وأخرى لرؤية قرد، وأخرى لرؤية نغاشي. قال الحجاوي: النغاشي قيل: هو ناقص الخلقة، وقيل: هو المبتلى، وقيل: مختلط العقل. واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سجدة. ص.: سجدها داود توبة، وأسجدها شكرا، وبحديث كعب بن مالك رضي الله عنه عند البخاري أنه " لما بشر بتوبة الله عليه خر ساجدا.
وذهب أبو حنيفة ومالك على المشهور عنه، والنخعي على ما حكاه عنه ابن المنذر إلى أن السجود للشكر غير مشروع.
قال البناني: وجه المشهور عن مالك عمل أهل المدينة، وذلك لما في العتبية أنه قيل لمالك: إن أبا بكر الصديق سجد في فتح اليمامة شكرا، قال: ما سمعت ذلك، وأرى أنهم كذبوا على أبي بكر، وقد فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين فما سمعت أن أحدا منهم سجد. الموسوعة الفقهية الكويتية:24/ 247. وقد طولت الكلام على هذه المسئلة لأن بعض الطلبة يظنون بأن الإمام أبا حنيفة هوالذي لا يرى سجدة الشكر بل معه جماعة من العلماء كما سبق. وقال ابن الهمام:
وكون سجدة الشكر قربة وهو كما هو قول محمد أوجه لأنه مقتضى الأدلة السمعية المتكثرة،. فتح القدير:1/ 524. وقال بعده: روى أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جاءه أمر سر به خر ساجدا لله تعالى»، وروى عبد الرحمن بن عوف قال «خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بقيع الغرقد فسجد فأطال، فقال: إن جبريل - عليه السلام - أتاني فبشرني أن من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا، فسجدت شكرا لله» رواه العقيلي في تاريخه وأحمد والحاكم بنحوه وقال على شرط الشيخين.
وفي أبي داود بإسناد حسن «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فخررت ساجدا فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا شكرا لربي»، وروى البيهقي بإسناد صحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خر ساجدا لما جاء كتاب علي من اليمن بإسلام همدان»، وروى الشيخان عن كعب بن مالك أنه لما جاءته البشارة بتوبته خر ساجدا.
وروى الحاكم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد مرة لرؤية زمن، ومر به أبو بكر فنزل وسجد شكرا لله، ومر عمر فنزل وسجد شكرا لله» انتهى. وسجد أبو بكر - رضي الله عنه - عند فتح اليمامة وقتل مسيلمة، وعمر - رضي الله عنه - عند فتح اليرموك، وعلي عند رؤية ذي الثدية مقتولا بالنهروان، والحمد لله ولي كل نعمة. فتح القدير:1/ 524.
وختاما أنقل لكم كيفية أداء سجدة الشكر: "وهيئتها" أن يكبر مستقبل القبلة ويسجد فيحمد الله ويشكر ويسبح ثم يرفع رأسه مكبرا "مثل سجدة التلاوة" بشرائطها. حاشية الطحطاوي:500.
(¬3) لا بد له من النية.
(¬4) لو سلم ولم يخطر في بباله أن عليه سجدة السهو، ثم تذكر بعد السلام بأن عليه سجدة السهو، فيسجد وتصح صلاته.
الجزء 1 · صفحة 43
وَأَمَّا النِّيَّةُ لِلْخُطْبَةِ فِي الْجُمُعَةِ (¬1) فَشَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، (¬2) حَتَّى لَوْ عَطَسَ بَعْدَ صُعُودِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لِلْعُطَاسِ غَيْرُ قَاصِدٍ لَهَا لَمْ تَصِحُّ، كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ. (¬3) وَخُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: يُشْتَرَطُ لَهَا مَا
¬
(¬1) في نسخة. في الخطبة للجمعة.
(¬2) لأن النية شرعت لتميز العبادة بعضها عن بعض فالخطبة متنوعة فلذا تجب فيها النية. وفي بعض السخ ((فشرط صحتها))
(¬3) وأما قول صاحب الهداية بأن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: الحمد الله فأرتج عليه فنزل وصلّى.
يقول ابن الهمام عنه: بأن هذه القصة لم ينقل في كتب الحديث وهي في كتب الفقه: وهي أنه لما خطب في أول جمعة ولي الخلافة صعد المنبر فقال: الحمد لله، فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب بعد وأستغفر الله لي ولكم، ونزل وصلى بهم لم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعا منهم، إما على عدم اشتراطها.
وإما على كون نحو الحمد لله ونحوها تسمى خطبة لغة وإن لم تسم به عرفا، ولهذا «قال - صلى الله عليه وسلم - للذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى بئس الخطيب أنت» فسماه خطيبا بهذا القدر من الكلام، والخطاب القرآني إنما تعلقه باعتبار المفهوم اللغوي؛ لأن الخطاب مع أهل تلك اللغة بلغتهم يقتضي ذلك؛ ولأن هذا العرف إنما يعتبر في محاورات الناس بعضهم لبعض للدلالة على غرضهم، فأما في أمر بين العبد وربه تعالى فيعتبر فيه حقيقة اللفظ لغة، ثم يشترط عنده في التسبيحة والتحميدة أن تقال على قصد الخطبة، فلو حمد لعطاس لا يجزئ عن الواجب، ومقتضى هذا الكلام أنه لو خطب وحده من غير أن يحضره أحد أنه يجوز، وهذا الكلام هو المعتمد لأبي حنيفة فوجب اعتبار ما يتفرغ عنه، وفي الأصل قال فيه روايتان، فليكن المعتبر إحداهما المتفرعة على الأخرى لا بد من حضور واحد كما قدمنا، ولا تجزئ بحضرة النساء وحدهن وتجزئ بحضرة الرجال صم أو نيام أو لا يسمعون لبعدهم ولو عبيدا أو مسافرين. فتح القدير:2/ 60. وقال حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي المصري الحنفي "وصح الاقتصار في الخطبة على" ذكر خالص لله تعالى "نحو تسبيحة أو تحميدة" أو تهليلة أو تكبيرة لكن "مع الكراهة" لترك السنة عند الإمام وقالا لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة وأقله قدر التشهد إلى قوله عبده ورسوله حمد وصلاة ودعاء للمسلمين والتسبيحة ونحوها لا تسمى خطبة وله قوله تعالى: {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] من غير فصل بين كونه ذكرا طويلا يسمى خطبة أو لا. مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح: 196
الجزء 1 · صفحة 44
يُشْتَرَطُ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، سِوَى تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ. ...
وَأَمَّا الْأَذَانُ فَلَا تُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ النِيَّةُ وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ لِلثَّوَابِ عَلَيْهِ. (¬1) وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، (¬2) فَشَرَطَ الْجُرْجَانِيُّ (¬3) لِصِحَّتِهِ النِّيَّةَ، (¬4) وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ (¬5) كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ، (¬6) وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ يُصَلِّي
¬
(¬1) والصحيح أنه لا يشترط النية للثواب كما نقل المصنف عن العيني رحمه الله وسيأتي بأذن الله قريبا.
(¬2) قبلة اليهود إلى التابوت الذي معهم إذا خرجوا. من بيت المقدس. وإذا قدموا بيت المقدس نصبوه إلى الصخرة وصلوا إليه فلما رفع اجتهدوا فأدى اجتهادهم إلى الصلاة إلى موضعه وهو الصخرة وليس في التوراة الأمر بذلك. أما النصارى فاجتهدوا وجعلوا الشرق قبلة وكان عيسى قبل الرفع يصلي إلى الصخرة. انظر: روح المعاني:1/ 410.
(¬3) هو: محمد بن يحيى بن مهدي أبو عبد الله الجرجاني الفقيه أحد الأعلام ذكره صاحب الهداية فى باب صفة الصلاة تفقه على أبي بكر الرازي وتفقه عليه أبو الحسين القدوري وأحمد بن محمد الناطفي وكان يدرس بالمسجد الذي بقطيعة الربيع وحصل له الفالج فى آخر عمره مات سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة فى يوم الأربعاء لعشر بقين من رجب ودفن إلى جانب قبر أبي حنيفة وجرجان فتحها يزيد بن المهلب فى أيام سليمان بن عبد الملك قال ابن النجار وحدث عن عبد الله بن إسحاق بن يعقوب البصري وأبي أحمد الغطريفي روى عنه أبو سعد إسمعيل بن علي السمان الرازي فى معجم شيوخه وأبو نصر الشيرازي فى فوايده وذكرا أنهما كتبا عنه ببغداد وذكره الخطيب فى التاريخ ولم يذكر له رواية فأعدناه كذلك. الجواهر المضية في طبقات الحنفية:2/ 143
(¬4) شرط الجرجاني لصحة الاستقبال نية عين القبلة، قال ابن الهمام:.قول صاحب الهداية. احتراز عن قول الجرجاني إن العين فرض الغائب أيضا لأنه المأمور به ولا فصل في النص، وثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عينها، فعنده يشترط وعند غيره لا. فتح القدير:1/ 270. وقال كذلك قبله بصفحتين: ولا يشترط نية استقبال القبلة وإن نوى مقام إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فالصحيح أنه لا يجزئه إلا أن ينوي به جهة الكعبة، فإن نوى المحراب لا تجوز ثم من يشترط نية الكعبة ينوي العرصة ولا بد.
(¬5) بأن نية عين القبلة ليس بشرط كما في المبسوط، وغير خاف عليك بأن الجرجاني متأخر.
(¬6) قال إمام العصر مولانا انور شاه: يطلق لفظ المبسوط على مبسوط محمد وشروحه لعلها تبلغ عدة شروح، والتمييز بالإضافة إلى مصنفه، مثل أن يقال: مبسوط محمد ومبسوط السرخسي، وكذلك حال الجامع الصغير، وله شروح تبلغ خمسين شرحاً. العرف الشذي شرح سنن الترمذي:1/ 170.
الجزء 1 · صفحة 45
فِي الصَّحْرَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ يُصَلِّي إلَى مِحْرَابٍ، كَذَا فِي الْبِنَايَةِ. (¬1) وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَلَا تُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ النّيةُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا.
وَلَا تُشْتَرَطُ لِلثَّوَابِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ، (¬2) بَلْ يُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ (¬3) فَاسِدَةً بِغَيْرِ تَعَمُّدِهِ كَمَا لَوْ صَلَّى مُحْدِثًا عَلَى ظَنِّ طَهَارَتِهِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ. (¬4)
¬
(¬1) قال العيني: وبعض المشايخ قالوا: إن كان يصلي في المحراب فكما قال الحامدي، وإن كان يصلي في الصحراء فكما قال الفضلي، كذا في شرح الطحاوي. البناية شرح الهداية:2/ 141.
(¬2) لوأن رجلا صلى وحسب زعمه أنه صلى بجميع شرائط الصلاة فإنه يثاب، وإن كانت الشرائط تركت جهلا منه. قال ابن عابدين: قال في مختارات النوازل: وأما الثواب فيتعلق بصحة عزيمته وهو الإخلاص، فإن من توضأ بماء نجس ولم يعلم به حتى صلى لم تجز صلاته في الحكم لفقد شرطه، ولكن يستحق الثواب لصحة عزيمته وعدم تقصيره اهـ.
فعلم أنه لا تلازم بين الثواب والصحة فقد يوجد الثواب بدون الصحة كما ذكر، وبالعكس كما في الوضوء بلا نية فإنه صحيح، ولا ثواب فيه، وكذا لو صلى مرائيا لكن الرياء تارة يكون في أصل العبادة، وتارة يكون في وصفها والأول هو الرياء الكامل المحيط للثواب من أصله كما إذا صلى لأجل الناس، ولولا هم ما صلى، وأما لو عرض له ذلك في أثنائها فهو لغو، لأنه لم يصل لأجلهم بل صلاته كانت خالصة لله تعالى، والجزء الذي عرض له فيه الرياء بعض تلك الصلاة الخالصة. نعم إن زاد في تحسينها بعد ذلك رجع إلى القسم الثاني، فيسقط ثواب التحسين. رد المحتار:6/ 425
(¬3) وإن كانت العبادة فاسدة.
(¬4) لم يذكر التحقيق رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 46
وَأَمَّا الزَّكَاةُ؛ فَلَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ (¬1): أَنَّ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ كَرْهًا وَوَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَتُجْزِيهِ لِأَنَّهُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ أَخْذِهَا، فَقَامَ أَخْذُهُ مَقَامَ دَفْعِ الْمَالِكِ بِاخْتِيَارِهِ. ضَعِيفٌ (¬2)،وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَرْهًا. (¬3)
¬
(¬1) الأسبيجابي: أسفيجاب بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة، وكسر الفاء، وسكون التحتية، ثم جيم، فألف موحدة، مدينة مما وراء النهر في حدود تركستان، وهي ثغر، غير أن العجم كثيراً ما يبدلون الفاء باءً. ذيل لب اللباب في تحرير الأنساب: 63. في الفقه الحنفي إذا ذكر الاسبيجابي فالمراد به: أحمد بن منصور أبو نصر الأسبيجابي القاضي أحمد شراح مختصر الطحاوي متبحر فى الفقه ببلاده ذكره أبو حفص عمر بن محمد النسفي فى القند فى تاريخ سمرقند فقال دخل سمرقند وأجلسوه للفتوى وصار الرجوع إليه فى الوقايع فانتظمت له الأمور الدينية وظهرت له الآثار الجميلة ووجد بعد وفاته صندوق له فيه فتاوي كثيرة كان فقهاء عصره أخطأوه فيها فوقعت عنده فأخفاها فى بيته لئلا يظهر نقصانهم وما تركها فى أيدي المستفتين لئلا يعملوا بغير الصواب وكتب سوالاتهم ثانيا وأجاب على الصواب ولم يذكر السمعاني هذه النسبة. الجواهر المضية في طبقات الحنفية.1/ 127.وقد أشار إليه صاحب الجواهر المضيئة.
(¬2) ومن امتنع من أداء الزكاة أخذها الإمام كرها ووضعها موضعها، لقوله تعالى: {خذ من أموالهم} [التوبة: 103] وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «خذها من أغنيائهم» وهذا لأن حق الأخذ كان للإمام في الأموال الظاهرة والباطنة إلى زمان عثمان - رضي الله عنه - بهذه النصوص، ففوضها في الأموال الباطنة إلى أربابها مخافة تفتيش الظلمة إلى أموال الناس، فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام، فإذا علم أنهم لا يؤدون طالبهم بها ; وما أخذه الخوارج والبغاة من الزكاة لا يثنى عليهم لأنه عجز عن حمايتهم، والجباية بالحماية، ويفتى أهلها بالإعادة فيما بينهم وبين الله تعالى لعلمنا أنهم لم يأخذوها بطريق الصدقة ولا يصرفونها مصارفها.
واختلف المتأخرون فيما يأخذه الظلمة من السلاطين في زماننا. قال مشايخ بلخ: يفتون بالإعادة كالمسألة الأولى. وقال أبو بكر الأعمش: يفتون بإعادة الصدقة لأنها حق الفقراء ولا يصرفونها إليهم، ولا يفتون في الخراج لأنه حق المقاتلة وهم منهم حتى لو ظهر على الإسلام عدو قاتلوه.
قال شمس الأئمة السرخسي: الأصح أن أرباب الأموال إذا نووا عند الدفع التصدق عليهم سقط عنهم جميع ذلك، وكذا جميع ما يؤخذ من الرجل من الجبايات والمصادرات؛ لأن ما بأيديهم أموال الناس، وما عليهم من التبعات فوق مالهم، فهم بمنزلة الغارمين والفقراء، حتى قال محمد بن سلمة: يجوز أخذ الصدقة لعلي بن عيسى بن ماهان والي خراسان. ومن مات وعليه زكاة أو صدقة فطر لم يؤخذ من تركته، وإن تبرع به الورثة جاز، وإن أوصى به يعتبر من ثلثه لأنها عبادة، فلا تتأدى إلا به أو بنائبه تحقيقا لمعنى العبادة؛ لأن العبادة شرعت للابتلاء ليتبين الطائع من العاصي، وذلك لا يتحقق بغير رضاه وقصده، ولأنه مأمور بالإيتاء، ولا يتحقق من غيره إلا أن يكون نائبا عنه لقيامه مقامه، بخلاف الوارث لأنه يخلفه جبرا، وقضية هذا أنه لا يجوز أداء وارثه عنه إلا أنا جوزناه استحسانا، وقلنا بسقوطه عنه بأداء الوارث، لحديث الخثعمية حيث قال - عليه الصلاة والسلام -: «فدين الله أولى». الاختيار لتعليل المختار:1/ 104.
(¬3) في اللغة يجوز. كرها. بفتح الكاف، وضمها، وأحسن من فصّله من المتقدمين محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور. المتوفى: 370هـ. فقال: كره: ذكر الله تبارك وتعالى الكره والكره في غير موضع من كتابه، واختلف القراء في فتح الكاف وضمها، فأخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: قرأ نافع وأهل المدينة في سورة البقرة: {وهو كره لكم} بالضم في هذا الحرف خاصة، وسائر القرآن بالفتح، وكان عاصم يضم هذا الحرف أيضا، والذي في الأحقاف {إحسانا حملته أمه كرها ووضعته}، ويقرأ سائرهن بالفتح، وكان الأعمش وحمزة والكسائي يضمون هذه الأحرف الثلاثة، والذي في النساء: {لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها} ثم قرءوا كل شيء سواها بالفتح، قال وقال بعض أصحابنا: نختار ما عليه أهل الحجاز أن جميع ما في القرآن بالفتح إلا الذي في البقرة خاصة، فإن القراء قرءوه بالضم، قال أحمد بن يحيى: ولا أعلم ما بين الأحرف التي ضمها هؤلاء وبين التي فتحوها فرقا في العربية ولا في سنة تتبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، إلا أنه اسم وبقية القرآن مصادر، وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكره والكره لغتان فبأي لغة قرىء فجائز إلا الفراء فإنه زعم أن الكره ما أكرهت نفسك عليه، والكره ماأكرهك غيرك عليه، جئتك كرها وأدخلتني كرها، وقال الزجاج في قوله: {وهو كره لكم} يقال كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية. وقال: وكل ما في كتاب الله من الكره بالفتح. فالضم. فيه جائز إلا هذا الحرف الذي في هذه الآية. تهذيب اللغة:6/ 11.
الجزء 1 · صفحة 47
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَالسَّاعِي لَا يَأْخُذُ عَنْهُ الزَّكَاةَ كَرْهًا، (¬1) وَلَوْ أَخَذَ لَا يَقَعُ عَنْ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهَا بِلَا اخْتِيَارٍ، وَلَكِنْ يُجْبِرُهُ بِالْحَبْسِ (¬2) لِيُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ انْتَهَى.
¬
(¬1) الْكُرْهُ بِالضَّمِّ الْمَشَقَّةُ وَبِالْفَتْحِ الْإِكْرَاهُ. مختار الصحاح: 269
(¬2) قال الحموي: قال في الظهيرية: ثم الزكاة تجب على التراخي في رواية ابن شجاع عن أصحابنا، وعن محمد - رحمه الله - على الفور، وعنه إذا حال عليه حولان ولم يؤد أثم ولم تقبل شهادته. وإذا وقف الإمام عليه عزره وحبسه وطالبه. انتهى. وظاهره أن هذا أعني التعزير والحبس في زكاة الأموال الظاهرة لا الباطنة، إذ الدفع فيها إلى الفقراء مفوض إلى أربابها فلا مطالبة للإمام فيها. الغمز:1/ 69. قال الشيخ مفتي عميم الإحسان:
الأموال الباطنة: هي النقود وعروض التجارة إذا لم يمر بها على العاشر.
الأموال الظاهرة: هي التي يأخذ زكاتها الإمام وهي السوائم وما فيه العشر أو عروض التجارة إذا مر بها على العاشر. التعريفات الفقهية: 36
الجزء 1 · صفحة 48
وَخَرَجَ عَنْ اشْتِرَاطِهَا لَهَا، مَا إذَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ النِّصَابِ بِلَا نِيَّةٍ فَإِنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ عَنْهُ. (¬1) وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ زَكَاةِ الْبَعْضِ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ. (¬2)
قَالُوا: وَتُشْتَرَطُ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فِي الْعُرُوضِ (¬3) وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلتِّجَارَةِ، (¬4) فَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا لِنفسه نَاوِيًا أَنَّهُ إنْ وَجَدَ رِبْحًا بَاعَهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. وَلَوْ نَوَى التِّجَارَةَ فِيمَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ الْعُشْرِيَّةِ (¬5) أَوْ الْخَرَاجِيَّةِ (¬6) أَوْ
¬
(¬1) (( ... قال الكاساني: وكذا لو وهب النصاب من الفقير ولم تحضره النية أصلا سقطت عنه الزكاة. بدائع الصنائع:2/ 22.
(¬2) يسقط بقدره عند الطرفين وعند أبي يوسف لايسقط. كذا في الهداية. وقال الزيلعي: لا تجب الزكاة في مال هلك بعدما وجبت الزكاة فيه، ولو هلك بعضه سقطت عنه بحسابه،. تبيين الحقائق:1/ 270. وقال الشلبي. ت:1021هـ. في حاشية التبيين: سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن وكذا تسقط بالردة عندنا خلافا للشافعي وكذا تسقط بموت من عليه من غير وصية فلا تؤخذ من تركته، ولا يؤمر الوصي والوارث بأدائها.
(¬3) العرض، بالتحريك: متاع الدنيا وحطامها، وأما العرض بسكون الراء فما خالف الثمنين الدراهم والدنانير من متاع الدنيا وأثاثها، وجمعه عروض، فكل عرض داخل في العرض وليس كل عرض عرضا. والعرض: خلاف النقد من المال؛ قال الجوهري: العرض المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنهما عين. قال أبو عبيد: العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا يكون حيوانا ولا عقارا، تقول: اشتريت المتاع بعرض أي بمتاع مثله، وعارضته بمتاع أو دابة أو شيء معارضة إذا بادلته به. لسان العرب:7/ 170
(¬4) أي عند الشراء.
(¬5) الأرض العشرية ما فيها عشر أو نصف عشر وليس فيها الخراج وهي ما أسلم أهله طوعا أو فتح عنوة وقسمت على جيش المسلمين وإن تركت عند أهلها من الكفرة فهي خراجية. قواعد الفقه: 168.واختلف علماءالهند هل العشر واجب في الأراضي الهندية أم لا؟ فقال شيخنا مفتي محمود حسن كنكوهي لايجب العشر فيها، لأن الحكومة الهندية الكافرة سيطرت على هذه الأراضي، ثم وهبتها للمسلمين وفي مثلها لايجب العشر. والشيخ مفتي محمد شفيع، و الشيخ أشرف علي التها نوي ومفتي عزيز الرحمن الديوبندي، ومجمع الفقه الإسلامي الهندي يرون فيها العشر.
(¬6) الأرض الخراجية وهي التي يؤخذ منها الخراج. قواعد الفقه: 168.
الجزء 1 · صفحة 49
الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ الْمُسْتَعَارَةِ (¬1) لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَارَنَتْ مَا لَيْسَ بَدَلَ (¬2) مَالٍ بِمَالِ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخُلْعِ (¬3) وَ الْمَهْرِ وَالْوَصِيَّةِ، لَا تَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي السَّائِمَةِ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ إسَامَتِهَا لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ أَكْثَرُ الْحَوْلِ، (¬4) فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ فَفِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ إنْ قَارَنَتْ الشِّرَاءَ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْحَمْلَ وَالرُّكُوبَ أَوْ الْأَكْلَ فَلَا زَكَاةَ أَصْلًا.
وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي الصَّوْمِ فَشَرْطُ صِحَّتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ وَلَوْ عَلَّقَهَا (¬5) بِالْمَشِيئَةِ صَحَّتْ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُبْطِلُ الْأَقْوَالَ، وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ مِنْهَا (¬6).
¬
(¬1) ((العاريّة: هي بتشديد الياء تمليك منفعة بلا بدل، فالتمليكات أربعة أنواع: فتمليك العين بالعوض بيع، وبلا عوض هبة، وتمليك المنفعة بعوض إجارة، وبلا عوض عارية. التعريفات: 146. وهي طلب العارية.
(¬2) بفتح الدال.
(¬3) قال الجرجاني: الخلع: إزالة ملك النكاح بأخذ المال. التعريفات: 101. الخلع بالفتح مصدر وبالضم اسم لغة الإزالة واستعمل في إزالة الزوجية بالضم وفي غيرها بالفتح وشرعا إزالة ملك النكاح المتوقفة قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه كالمباراة. قواعد الفقه: 281. الخلع: بضم الخاء المعجمة وسكون اللام. معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية:2/ 46
(¬4) قال الزبيدي: {والسوام} والسائمة: الإبل الراعية.، وقيل: كل ما رعى من المال في الفلوات إذا خلي {وسومه يرعى حيث شاء.} والسائم: الذاهب على وجهه حيث شاء. يقال: سامت السائمة وأسامهاهو أي: أرعاها أو أخرجها إلى الرعي. ومنه قوله تعالى: {فيه تسيمون} وقال ثعلب: سمت الإبل: إذا خليتها ترعى. وقال الأصمعي: السوام والسائمة: كل إبل ترسل ترعى ولا تعلف في الأصل. وفي الحديث: " في سائمة الغنم زكاة " وفي حديث آخر: " السائمة جبار "، يعني أن الدابة المرسلة في مرعاها إذا أصابت إنسانا كانت جنايتها هدرا. تاج العروس:32/ 431. وقال محمد التهانوي: تطلق على الراعية عادة من الإبل والبقر والغنم والخيل. يقال سامت الماشية أي رعت فهي سائمة، فلا يجب في الحمير والبغل لأنهما غير سائمتين عادة. وفي الشرع اعتبر الرّعي في أكثر السّنة. ولذا فسّرت بالمكتفية بالرعي في أكثر الحول، كذا في جامع الرموز والبرجندي. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم:1/ 921.الدّرّ: اللّبن.
(¬5) ولوعلق النية أي لو قال: أصوم غدًا إن شاء الله تصح النية والصوم.
(¬6) من الأقوال. وينوي في الفرض والسنة والنفل.
الجزء 1 · صفحة 50
وَالْفَرْضُ (¬1) وَالسُّنَّةُ وَالنَّفْلُ فِي أَصْلِهَا سَوَاءٌ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي الْحَجِّ فَهِيَ شَرْطُ صِحَّتِهِ أَيْضًا فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا. وَالْعُمْرَةُ كَذَلِكَ، وَلَا تَكُونُ إلَّا سُنَّةً. (¬2)
وَالْمَنْذُورُ كَالْفَرْضِ وَلَوْ نَذَرَ (¬3) حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْأُضْحِيَّةَ. (¬4) وَالْقَضَاءُ فِي الْكُلِّ كَالْأَدَاءِ مِنْ جِهَةِ أَصْلِ النِّيَّةِ.
¬
(¬1) قال ابن الهمام: وأقسامه. الصوم: فرض، وواجب، ومسنون، ومندوب، ونفل، ومكروه تنزيها وتحريما. فالأول رمضان، وقضاؤه، والكفارات للظهار والقتل واليمين، وجزاء الصيد، وفدية الأذى في الإحرام لثبوت هذه بالقاطع سندا ومتنا والإجماع عليها. والواجب: المنذور. والمسنون: عاشوراء مع التاسع، والمندوب: صوم ثلاثة من كل شهر ويندب فيها كونها الأيام البيض، وكل صوم ثبت بالسنة طلبه والوعد عليه كصوم داود - عليه الصلاة والسلام - ونحوه.
والنفل: ما سوى ذلك مما لم تثبت كراهته. والمكروه تنزيها: عاشوراء مفردا عن التاسع ونحو يوم المهرجان. وتحريما: أيام التشريق والعيدين. فتح القدير:2/ 303.
(¬2) عن جابر. أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن يعتمروا هو أفضل. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول بعض أهل العلم قالوا: العمرة ليست بواجبة. سنن الترمذي:2/ 262. والكاساني يرى وجوب العمرة، فقال: فقد اختلف فيها [أي العمرة] قال أصحابنا إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا الإطلاق لا ينافي الواجب وقال الشافعي إنها فريضة وقال بعضهم هي تطوع .. وبه نقول أن العمرة واجبة ولكنها ليست بفريضة وتسميتها حجة صغرى في الحديث يحتمل أن يكون في حكم الثواب لأنها ليست بحجة حقيقة. وأما. شرائط وجوبها فهي شرائط وجوب الحج؛ لأن الواجب ملحق بالفرض في حق الأحكام. بدائع:2/ 227. ووروى ابن الهمام: عن محمد بن الفضل من مشايخ بخارى: انها فرض كفاية. انظر: فتح القدير:3/ 139.
قلت: والمشهوروالعمل في المذهب أنها سنة. وفي الهندية: الباب السادس في العمرة: وهي في الشرع زيارة البيت والسعي بين الصفا والمروة على صفة مخصوصة وهي أن تكون مع الإحرام، هكذا في محيط السرخسي العمرة عندنا سنة وليست بواجبة ويجوز تكرارها في السنة الواحدة. الفتاوى الهندية:1/ 237
ليس للعمرة إلا ركن واحد وهو الطواف. وأما السعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير من واجباتها.
(¬3) النذر: بفتح فسكون ج نذور مص نذر ونذر وأنذر، إيجاب الفعل المشروع على النفس بالقول تعظيما لله تعالى. معجم لغة الفقهاء: 477.نذر الشَّيْء نذرا ونذورا أوجبه على نَفسه.
النذر: إيجاب ما وجب من جنسه لله تعالى بعينه حتى لا يجب اتباع الجنازة بالنذر لأنه ليس بواجب من جنسه. ولا الوضوء لأنه ليس بواجب بعينه بل واجب للصلاة. دستور العلماء: 3/ 274
(¬4) قال الشامي: لو نذر أن يضحي شاة، وذلك في أيام النحر، وهو موسر فعليه أن يضحي بشاتين عندنا شاة للنذر وشاة بإيجاب الشرع ابتداء إلا إذا عنى به الإخبار عن الواجب عليه، فلا يلزمه إلا واحدة، ولو قبل أيام النحر لزمه شاتان، بلا خلاف لأن الصيغة لا تحتمل الإخبار عن الواجب إذ لا وجوب قبل الوقت، وكذا لو كان معسرا ثم أيسر في أيام النحر لزمه شاتان. اهـ. والحاصل أن نذر الأضحية صحيح لكنه ينصرف إلى شاة أخرى غير الواجبة عليه ابتداء بإيجاب الشرع إلا إذا قصد الإخبار عن الواجب عليه، وكان في أيامها ومثله ما لو نذر الحج لأن الأضحية والحج قد يكونان غير واجبين، بخلاف حجة الإسلام فإنها نفس الواجب عليه لأنها اسم لفريضة العمر كصوم رمضان وصلاة الظهر فلا يصح النذر بها بخلاف ما قد يكون تطوعا واجبا كالصلاة والصوم. رد المحتار:3/ 737.
الجزء 1 · صفحة 51
وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ (¬1) فَهِيَ شَرْطُ صِحَّتِهِ وَاجِبًا (¬2) كَانَ أَوْ سُنَّةً أَوْ نَفْلًا، أَمَّا الْكَفَّارَاتُ (¬3) فَالنِّيَّةُ شَرْطُ صِحَّتِهَا عِتْقًا أَوْ صِيَامًا أَوْ إطْعَامًا، وَأَمَّا الضَّحَايَا (¬4) فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، (¬5) لَكِنْ عِنْدَ الشِّرَاءِ لَا عِنْدَ الذَّبْحِ.
¬
(¬1) الاعتكاف: هو لغة: اللبث، وشرعا: لبث ذكر في مسجد جماعة، أو امرأة في مسجد بيتها بنية. التعريفات الفقهية: 31.قال القاضي عبد النبي: الاعتكاف: من العكوف وهو الحبس والإقامة. وشرعا هو لبث في مسجد مع الصوم والنية. والمعنى اللغوي موجود فيه مع زيادة. وفي كنز الدقائق سن لبث في مسجد جماعة بصوم ونية. وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يصح إلا في مسجد يصلي فيه الخمس. وعنه أن الواجب لا يجوز في غير مسجد الجماعة والنفل فيه يجوز فيه. وعنه أن كل مسجد به إمام ومؤذن معلوم ويصلي فيه الخمس بالجماعة فإنه يعتكف فيه. وأفضل ما يكون في المسجد الحرام ثم في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم في بيت المقدس ثم في الجامع ثم في كل مسجد أهله أكثر. قال الشيخ هو سنة. وقال القدوري مستحب. وقال صاحب الهداية والصحيح أنه سنة مؤكدة. والصحيح التفصيل فإن كان منذورا تعليقا أو تنحيزا فواجب. وفي العشرة الأواخر من رمضان سنة، وفي غيره من الأزمنة مستحب وأقل الاعتكاف النفل ساعة فهو على ثلاثة أقسام.
وأما شروطه فالنية فلا يجوز بلا نية - ومسجد جماعة - والصوم وهو شرط في الاعتكاف الواجب وليس بشرط في التطوع - والإسلام - والعقل - والطهارة عن الجنابة والحيض والنفاس - ولا يشترط البلوغ - والذكورة - والحرية - وإنما قلنا إن أقل الاعتكاف النفل ساعة لما في التبيين وليس لأقل الاعتكاف التطوع تقدير على الظاهر حتى لو دخل المسجد ونوى الاعتكاف إلى أن يخرج منه صح. دستور العلماء: 1/ 95
(¬2) واجبا كالنذر، والسنة كما في العشر الأخير من رمضان، هل هو سنة في كل مسجد أو في كل مدينة علماء الهند يرون بأنه يكفي في مسجد واحد لرفع الإثم عن الجميع، وعلماء باكستان يرون بأن السنة لا تكتمل إلا بالاعتكاف في جميع مساجد القرية والمدينة. ومثال النفل كالاعتكاف لساعة.
(¬3) قال الشيخ مفتي عميم الإحسان: الكفارة: ما يكفر أي يغطى به الإثم، وشرعا: ما كفر به من صدقة وصوم ونحوهما سمى به، لأنه يكفر الذنب ويستره ككفارة اليمين. التعريفات الفقهية: 182.
قال ابن الأثير: قد تكرر ذكر «الكفارة» في الحديث اسما وفعلا مفردا وجمعا. وهي عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة: أي تسترها وتمحوها. وهي فعالة للمبالغة، كقتالة وضرابة. النهاية في غريب الحديث والأثر:4/ 189
(¬4) قال النسفي رحمه الله: الأضاحي جمع الأضحية على وزن الأفعولة والأضحى على الأفعل كذلك ويكون الأضحى جمع أضحاة أيضا وهي الشاة التي يضحى بها وبها سمي يوم الأضحى ولذلك يجوز تأنيثه فيقال دنت الأضحى والضحية كذلك وجمعها الضحايا وقد ضحى بها تضحية إذا ذبحها في هذا اليوم. طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية:105.
(¬5) معناه لو نوى عند الشراء ولم ينو عند الذ بح تجزئه، ولو اشترى ولم ينو الأضحية ثم نوى تصح الأضحية.
الجزء 1 · صفحة 52
وَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِلَا إذْنٍ، (¬1) فَإِنْ أَخَذَهَا مَذْبُوحَةً وَلَمْ يَضْمَنْهُ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ ضَمِنَهُ لَا تُجْزِيهِ كَمَا فِي أُضْحِيَّةِ الذَّخِيرَةِ، وَهَذَا إذَا ذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إذَا ذَبَحَهَا عَنْ مَالِكِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَهَلْ تَتَعَيَّنُ الْأُضْحِيَّةُ بِالنِّيَّةِ؟ قَالُوا: إنْ كَانَ فَقِيرًا وَقَدْ اشْتَرَاهَا بِنِيَّتِهَا تَعَيَّنَتْ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا (¬2) وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَمْ تَتَعَيَّنْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ مُطْلَقًا فَيَتَصَدَّقُ بِهَا الْغَنِيُّ بَعْدَ أَيَّامِهَا حَيَّةً. (¬3) وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ. قَالُوا: وَالْهَدَايَا (¬4) كَالضَّحَايَا.
¬
(¬1) الفرق بين الإذن والإجازة، فالإذن لما سيقع، والإجازة لما وقع: ويظهر منه أيضا أن الإذن يكون بمعنى الإجازة إذا كان لأمر وقع وعلم به الآذن. رد المحتار.3/ 167.
(¬2) لو اشتراها في أيام الأضحية، ولو نوى بعد الشراء لايجب على الفقير، ويتعين بالشراء في أيام الأضحية ولولم يتلفظ باللسان. ولوملكها بدون الشراءونواها لايلزم.
(¬3) إذا لم يذبحها يتصد قها، وإن أراد بيعها في أيامها فللغني ذلك باتفاق الروايات، كذا ذكره الحموي.
(¬4) الهدي: بالفتح السيرة السويّة وأيضاً اسم لما أهدي إلى الحرم من النّعم أو ما ينقل للذبح من النعم إلى الحرم، والهدي: من ثلثة من الإبل والبقر والغنم. التعريفات الفقهية: 242.الشيخ مفتي عميم الإحسان.
الجزء 1 · صفحة 53
وَأَمَّا الْعِتْقُ (¬1) فَعِنْدَنَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَضْعًا بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنَ الْكَافِرِ وَلَا عِبَادَةَ لَهُ، فَإِنْ نَوَى وَجْهَ الله تَعَالَى كَانَ عِبَادَةً مُثَابًا عَلَيْهَا، وَإِنْ أَعْتَقَ بِلَا نِيَّةٍ صَحَّ وَلَا ثَوَابَ لَهُ إنْ كَانَ صَرِيحًا. (¬2)
وَأَمَّا الْكِنَايَاتُ (¬3) فَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ النِّيَّةِ فَإِنْ أَعْتَقَ لِلصَّنَمِ (¬4) أَوْ لِلشَّيْطَانِ صَحَّ وَأَثِمَ. (¬5)
¬
(¬1) العتق: في اللغة القوة، وفي الشرع: هي قوة حكمية يصير بها أهلًا للتصرفات الشرعية. التعريفات: 147قال القاضي: الإعتاق: في اللغة إعطاء القوة من العتق الذي هو القوة يقال عتق الطائر إذا قوي وطار عن وكره. وفي الشرع هو إثبات قوة شرعية تثبت في المحل عند زوال الرق والملك. والرق عجز حكمي لا يقدر به على التصرفات والولايات فإن الشارع حكم بعجز الرقيق عن تلك التصرفات فإذا زال عنه ذلك العجز يقدر الإنسان على تلك التصرفات الشرعية. دستور العلماء: 1/ 97.وفي عام 1948م أصدرت هيئة الأمم المتحدة إعلانًا عالميًا تضمن حظر الرِّق وتجارة الرقيق، وقد التزمت بهذا الإعلان أكثر دول العالم. الموسوعة العربية العالمية (/ 4)
(¬2) العتق فيه معنى القربة، لا أنه قربة محضة، فروعي جهة غيره لتشوق الشارع إلى الإعتاق، فجرى بذلك مجرا صلاتهم وصيامهم. عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر. مخطوطة.
(¬3) قال الجرجاني: الكناية: كلام استتر المراد منه بالاستعمال، وإن كان معناه ظاهرًا في اللغة، سواء كان المراد به الحقيقة أو المجاز، فيكون تردد فيما أريد به، فلا بد من النية، أو ما يقوم مقامها من دلالة الحال، كحال مذاكرة الطلاق ليزول التردد ويتعين ما أريد منه. التعريفات: 187
(¬4) قال ابن منظور: صنم: الصنم معروف واحد الأصنام يقال إنه معرب شمن وهو الوثن قال ابن سيده وهو ينحت من خشب ويصاغ من فضة ونحاس والجمع أصنام وقد تكرر في الحديث ذكر الصنم والأصنام وهو ما اتخذ إلها من دون الله وقيل هو ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي الصنمة والنصمة الصورة التي تعبد وفي التنزيل العزيز واجنبني وبني أن نعبد الأصنام قال ابن عرفة ما تخذوه من آلهة فكان غير صورة فهو وثن فإذا كان له صورة فهو صنم وقيل الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة ينحت ويعبد والصنم الصورة بلا جثة ومن العرب من جعل الوثن المنصوب صنما وروي عن الحسن أنه قال لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولها صنم يعبدونها. لسان العرب:12/ 349.
(¬5) وفي النهر: و يصح العتق أيضا بتحرير لوجه الله أي: لذاته لا لغرض من الأغراض، و كذا للشيطان وهو واحد شياطين الإنس والجن، أي: مردتهم والنون فيه أصلية إن كا نت من شطن بعد عن الخير، وزائدة إن كانت من شاط بمعنى هلك،.وللصنم. وهو صورة إنسان من خشب وذهب أو فضة فإن كان من حجر فهو وثن بأن يقول: أنت حر لوجه الشيطان أو الصنم لأن الإعتاق هو الركن المؤثر في إزالة الرق، وصفة القربة لا تأثير لها في ذلك وينبغي أن المسلم إذا أعتق للصنم أن يكفر. النهر الفائق:3/ 11. وفي الدر المختار:.و يصح أيضا بتحرير لوجه الله والشيطان والصنم وإن أثم و كفر به أي بالإعتاق للصنم المسلم عند قصد التعظيم؛ لأن تعظيم الصنم كفر. وعبارة الجوهرة: لو قال للشيطان أو للصنم كفر. الدر المختار وحاشية ابن عابدين:3/ 650. قال العيني: روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا: لا طلاق إلا لعدة، ولا عتاق إلا لوجه الله، ومعنى: لا عتاقة إلا لوجه الله، أي: لذات الله أو لجهة رضاء الله، قيل: أراد البخاري بإيراد هذا الرد على الحنفية في قولهم: إذا قال الرجل لعبده: أنت حر للشيطان أو للصنم، فإنه يعتق لصدوره من أهله مضافا إلى محله عن ولاية فنفذ، ولغت تسمية الجهة وكان عاصيا بها. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: تصحيح الحديث المذكور، والآخر: بعد التسليم أن المراد به أن يكون نية المعتق الإخلاص فيها، لأن الأعمال بالنيات، فإذا لم يكن خالصا في نيته يكون عاصيا بذكر غير الله، كما ذكرنا، وترك هذا لا يمنع وقوع العتق لقضية: أنت حر، والباقي لغو. عمدة القاري: 13/ 87
الجزء 1 · صفحة 54
وَإِنْ أَعْتَقَ لِأَجْلِ مَخْلُوقٍ صَحَّ، وَكَانَ مُبَاحًا لَا ثَوَابَ وَلَا إثْمَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّصَ الْإِعْتَاقُ لِلصَّنَمِ بِمَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ كَافِرًا، أَمَّا الْمُسْلِمُ إذَا أَعْتَقَ لَهُ قَاصِدًا تَعْظِيمَهُ كَفَرَ، كَمَا يَنْبَغِي (¬1) أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ لِمَخْلُوقٍ مَكْرُوهًا، (¬2) وَالتَّدْبِيرُ (¬3) وَالْكِتَابَةُ (¬4) كَالْعِتْقِ، وَأَمَّا الْجِهَادُ، (¬5) فَمِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ خُلُوصِ النِّيَّةِ.
¬
(¬1) ((كلمة {ينبغي} يستعمل للوجوب أيضا، وهنا للوجوب.
(¬2) لأنه لا يعبد، ويحتمل أن يكون الإعتاق لمحبة الخلق.
(¬3) ((وقال الشيخ محمد التهانوي: والتدبير عند أهل الشرع إعتاق المملوك بعد الموت بلا فصل. وقيل عتقه بعد الموت وتعليق العتق بالموت فالمملوك مدبّر بالفتح والمالك مدبّر بالكسر. والمدبّر بالفتح نوعان: مطلق وهو من علّق عتقه بمطلق موت المولى، ومقيّد وهو من علّق عتقه إلى مدة غلب موته قبلها، كما تقول أنت حرّ إن مت إلى مائتي سنة كذا في جامع الرموز. وفي فتاوى عالمكير نقلا عن البدائع: المقيّد هو أن يعلّق عتق عبده بموته موصوفا بصفة أو مشروطا بشرط نحو أن يقول إن متّ من مرضي هذا أو من سفري هذا فأنت حرّ، ونحو ذلك مما يحتمل أن يكون موته على تلك الصفة ويحتمل أن لا يكون كذلك، وكذا إذا ذكر مع موته شرطا آخر يحتمل الوجود والعدم فهو مدبّر مقيد. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم:1/ 402.
(¬4) وقال الشيخ محمد التهانوي: هي عند الفقهاء عقد بين المولى ومملوكه على أن يؤدّي ذلك المملوك مالا معلوما بمقابلة عتق يحصل له عند أدائه، فخرج العتق على ماله لأنّه ليس بعتق بل هو في معنى اليمين، سمّي هذا العقد بها لأنّ الغالب أنّ العبد يكتب لمولاه وثيقة في ذلك والمولى يكتب لعبده وثيقة، فالكتابة إعتاق المملوك يدا حالا ورقبة مآلا، ويسمّى ذلك المملوك مكاتبا كذا في البرجندي. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم:2/ 1359.
(¬5) قال الجرجاني: الجهاد: هو الدعاء إلى الدين الحق. التعريفات: 80. الجِهَاد: بكسر الجيم- أصله: المشقة، يقال: «جهدت جهادا»:بلغت المشقة.
وشرعا: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق على مجاهدة النفس بتعليم أمور الدين، ثمَّ العمل بها، ثمَّ على تعليمها، وعلى مجاهدة الشيطان بدفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وعلى مجاهدة الفسّاق باليد، ثمَّ اللّسان، ثمَّ القلب، وأما مجاهدة الكفار فباليد، والمال، واللسان، والقلب: الدّعاء إلى الدّين الحق، والمحاربة عن أدائه عند إنكارهم عنه وعن قبول الذمة.
فائدة:
الجهاد شرع بعد الهجرة اتفاقا، وللعلماء قولان مشهوران: هل كان فرض عين أو كفاية؟ وقال الماوردي: كان فرض عين على المهاجرين دون غيرهم ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح على كل من أسلم إلى المدينة والإسلام، وقال السهيلي: كان عينا على الأنصار دون غيرهم ويؤيده مبايعتهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليلة العقبة على أن يؤووه وينصروه فيتخرج من قولهما أنه كان عينا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء ويؤيد هذا ما وقع في غزوة (بدر)، وقد كان عينا في الغزوة التي يخرج فيها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعلى من عينه ولو لم يخرج، وأما بعده ففرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعين الإمام، وتتأدى الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، لأن الجزية بدل عنه، وإنما يجب في السنة مرة اتفاقا فبدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوى. قال بعضهم: والتحقيق أن جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية:1/ 543
الجزء 1 · صفحة 55
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ (¬1) فَكَالْعِتْقِ إنْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ فَلَهُ الثَّوَابُ، وَإِلَّا فَهِيَ صَحِيحَةٌ فَقَطْ. وَأَمَّا الْوَقْفُ (¬2) فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَضْعًا بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنَ الْكَافِرِ، فَإِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فَلَهُ الثَّوَابُ، وَإِلَّا فَلَا. (¬3)
¬
(¬1) قال الشيخ عميم الإحسان: الوصيّة تمليك مضاف إلى بعد الموت. قواعد الفقه: 544. وقال المطرزي:.أوصى. فلان إلى زيد لعمرو بكذا. إيصاءً وقد وصّى. به توصيةً والوصيّة والوصاة اسمان في معنى المصدر ومنه قوله تعالى حين الوصيّة اثنان ثمّ سمّي الموصى به وصيّةً ومنه {من بعد وصيّة توصون بها} والوصاية: بالكسر مصدر الوصيّ وقيل الإيصاء طلب شيء من غيره ليفعله على غيب منه حال حياته وبعد وفاته. المغرب في ترتيب المعرب: 487.
(¬2) - الوقف لغة: الحبس. وشرعا: حبس العين على ملك الواقف والتّصدّق بالمنفعة وعندهما حبس العين على ملك الله تعالى فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته إلى العباد. قواعد الفقه: 546. قال شيخنا المفتي محمود حسن كنكوهي رحمه الله: إن الكفار لوقدموا تبرعات للمسجد فيجوزأخذها لأنهم يعتبرونها قربة. هذاولا يغيبّنّ عن البال بأن العتق يصح ولو كان لغيرالقربة، فأمّا الوقف فلا بدّ أن يكون قربة ولو كان عند الكفار.
قال الأكمل: الحبس قربة، وهو لا يصح من الكافرين، ونص الخصاف على صحته من الكافرين، فيحمل على اختلاف الراويات أو المحل، وهو الظاهر’’.عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر. مخطوطة. ص:12.
(¬3) للمسلم، وإلاّ فأي ثواب للكافر.
الجزء 1 · صفحة 56
وَأَمَّا النِّكَاحُ (¬1) فَقَالُوا إنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْعِبَادَاتِ حَتَّى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ، (¬2) وَهُوَ عِنْدَ الِاعْتِدَالِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ إعْفَافَ نَفْسِهِ وَتَحْصِينَهَا وَحُصُولَ وَلَدٍ، وَفَسَّرْنَا الِاعْتِدَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ شَرْحِ الْكَنْزِ. (¬3)
¬
(¬1) النكاح: في اللغة الجمع والضم - وفي الشرع عقد يرد على ملك المتعة قصدا. وهو سنة في حال اعتدال الشهوة - وواجب عند غلبتها وتوقانها. ومكروه إذا خاف الجور - والأقرب أن يقال إن له حالة رابعة وهي أنه حرام - وممنوع - إذ لم يقدر على الجماع. وقد يطلق النكاح على الوطئ من قبيل إطلاق الشيء على غايته وغرضه كما في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح ". أي اصنعوا قبلة ولمسا من أزواجكم حالة الحيض إلا القربان من ما تحت الأزار. دستور العلماء:3/ 289
(¬2) ((قيل: ما خلق مباح أحب من النكاح، وأبغض من الطلاق.
(¬3) (( ... قال ابن نجيم في البحر: وصفته فرض وواجب وسنة وحرام، ومكروه.
ومباح أما الأول فبأن يخاف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه إلا به؛ لأن ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلا به يكون فرضا.
وأما الثاني فبأن يخافه لا بالحيثية المذكورة إذ ليس الخوف مطلقا مستلزما بلوغه إلى عدم التمكن وبه يحصل التوفيق بين قول من عبر بالافتراض وبين من عبر بالوجوب وكل من هذين القسمين مشروط بشرطين:
الأول: ملك المهر والنفقة فليس من خافه إذا كان عاجزا عنهما آثما بتركه كما في البدائع.
الثاني: عدم خوف الجور فإن تعارض خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وخوف الجور لو تزوج قدم الثاني فلا افتراض بل مكروه كما أفاده في فتح القدير، ولعله؛ لأن الجور معصية متعلقة بالعباد والمنع من الزنا من حقوق الله تعالى وحق العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى تعالى، وأما الثالث فعند الاعتدال وسيأتي بيانه، وأما الرابع فبأن يخاف الجور بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه؛ لأنه إنما شرع لمصلحة من تحصين النفس وتحصيل الثواب وبالجور يأثم ويرتكب المحرمات فتنعدم المصالح لرجحان هذه المفاسد، وأما الخامس فبأن يخافه لا بالحيثية المذكورة، وهي كراهة تحريم، ومن أطلق الكراهة عند خوف الجور فمراده القسم الثاني من القسمين.
وأما السادس: فبأن يخاف العجز عن الإيفاء بمواجبه كذا في المجتبى يعني في المستقبل. البحر الرائق:3/ 85. وقد ذكر المؤلف بيان الاعتدال بعد صفحتين بقوله: أن محل الأول حالة الاعتدال كما في المجمع والمراد بها حالة القدرة على الوطء والمهر والنفقة مع عدم الخوف من الزنا والجور وترك الفرائض والسنن فلو لم يقدر على واحد من الثلاثة أو خاف واحدا من الثلاثة فليس معتدلا فلا يكون سنة في حقه كما أفاده في البدائع. البحر الرائق:3/ 86. وهناك بحث لطيف ذكره ملك العلماء الكاساني أنقله لك لكي تتمتع بعلمه. فقال رحمه الله:
واختلف أصحابنا فيه، قال بعضهم: إنه مندوب ومستحب. وإليه ذهب من أصحابنا الكرخي.
وقال بعضهم: إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، بمنزلة الجهاد وصلاة الجنازة.
وقال بعضهم: إنه واجب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في كيفية الوجوب، قال بعضهم: إنه واجب على سبيل الكفاية، كرد السلام.
وقال بعضهم: إنه واجب عينا، لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين، كصدقة الفطر والأضحية، والوتر. بدائع الصنائع:2/ 228.
الجزء 1 · صفحة 57
وَلَمَّالَمْ تَكُنِ النِّيَّةُ فِيهِ شَرْطَ صِحَّتِهِ، قَالُوا: يَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ الْهَزْلِ، لَكِنْ قَالُوا لَوْعَقَدَ بِلَفْظٍ لَايَعْرِفُ مَعْنَاهُ فَفِيهِ خِلَافٌ. وَالْفَتْوَى عَلَى صِحَّتِهِ، عَلِمَ الشُّهُودُ أَوْ لَا، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. (¬1) ...
وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْقُرَبِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، بِمَعْنَى تَوَقُّفِ حُصُولِ الثَّوَابِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ بِهَا إلَى الله تَعَالَى مِنْ نَشْرِ الْعِلْمِ تَعْلِيمًا وَإِفْتَاءً وَ تَصْنِيفًا.
وَأَمَّا الْقَضَاءُ، (¬2) فَقَالُوا إنَّهُ مِنْ أشْرَفِ الْعِبَادَاتِ، (¬3) فَالثَّوَابُ عَلَيْهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ إقَامَةُ الْحُدُودِ (¬4) وَالتَّعَازِيرِ، (¬5) وَكُلُّ مَا يَتَعَاطَاهُ (¬6) الْحُكَّامُ (¬7) وَالْوُلَاةُ، (¬8) وَكَذَا تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ (¬9) وَأَدَاؤُهَا.
¬
(¬1) ((قال الحموي: أقول: فيه إيذان بأن فهم الشاهدين ليس بشرط وصححه في الخلاصة.
وفي الجوهرة: يشترط السماع والفهم وهو الصحيح. انتهى. فقد اختلف التصحيح في ذلك. غمز عيون البصائر:1/ 77. لو علم الشاهدان بأن عملية النكاح يجري الآن فذلك يكفي، فهم الشهود معاني الكلمات التي يتلفظ بها العاقدان أولا؟.
(¬2) قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء اعلم: بأن القضاء بالحق من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات لأجله أثبت الله تعالى لآدم عليه السلام اسم الخلافة فقال جل جلاله: {إنّي جاعل في الأرض خليفةً} وأثبت ذلك لداود عليه السلام فقال عز وجل: {يا داود إنّا جعلناك خليفةً في الأرض} وبه أمر كل نبي مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النّبيّون} وقال الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتّبع أهواءهم} وهذا لأن في القضاء بالحق إظهار العدل وبالعدل قامت السماوات والأرض ورفع الظلم وهو ما يدعو إليه عقل كل عاقل وإنصاف المظلوم من الظالم واتصال الحق إلى المستحق وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ولأجله بعث الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وبه اشتغل الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم. المبسوط للسرخسي:16/ 114.
إنني قاض لحكومة تامل نادو لمدينة. سيلم. فيحلولي بأن أنقل هنا الأصول التي كتبه سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه لأبي موسى الأشعري سيد القراء في عصر الرسالة: عن أبي المليح الهذلي، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك بحجة، وأنفذ الحق إذا وضح، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ولا يطمع الشريف في حيفك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى واجعل لمن ادعى بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذ بحقه وإلا وجهت القضاء عليه فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلود في حد أو مجرب في شهادة زور أو ظنين في ولاء أو قرابة، إن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات وإياك والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذخر، فإنه من يصلح نيته فيما بينه وبين الله ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشنه الله، فما ظنك بثواب غير الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليك».سنن الدارقطني:5/ 368. فمن هو القاضي: القاضي: هو الذي تعين ونصب من جهة من له الأمر لأجل القضاء، أي فصل الخصومات وحسم الدعاوى والمنازعات وغير ذلك، قال النسفي: "القاضي الحاكم المحكم أي المنفذ المتقن" قال في "البحر": "شرائط القاضي ثمانية وفصّلها بقوله: وفي الحاكم العقل والبلوغ والإسلام والحرّية والسمع والبصر والنطق، والسلامة عن حد القذف، ويكون مولى للحكم دون سماع الدعوى فقط".
وفي "الكنز": "أهله أهل الشهادة، والفاسق أهل للقضاء إلا أنه لا ينبغي أن يقلد، ولو كان عدلاً ففسق لا ينعزل"وفي "رد المحتار": "ثم القاضي تتقيّد ولايته بالزمان والمكان والحوادث". قاضي القضاة: هو رئيس القضاة أي المتصرف في القضاء. التعريفات الفقهية: 169.
(¬3) في بعض النسخ ((إنه من العبادات))
(¬4) الحدود: جمع حد، وهو في اللغة المنع، وفي الشرع: عقوبة مقدرة وجبت حقًا لله تعالى. التعريفات: 83.
(¬5) التعزير: في الأصل: الرد والردع وهو المنع، وفي الشرع: هو التأديب دون الحد.
وفي الكشاف: العزر: المنع، ومنه التعزير لأنه منع من معاودة القبيح.
والتعزير يكون بالحبس وقد يكون بالصفع أو تعريك الأذن أو الكلام العنيف أو نظر القاضي إليه بوجه عبوس أو الضرب.
والتعزير على أربع مراتب: فتعزير الأشراف كالدهاقنة والقواد وغيرهم: الإعلام والجر إلى باب القاضي، وتعزير أشراف’ الأشراف كالفقهاء والعلوية: الإعلام فقط بأن يقول بلغني أنك فعلت كذا فلا تفعل، وتعزير الأوساط كالسوقية: الإعلام والجر والحبس، وتعزير الأخساء: الإعلام والجر والضرب والحبس.
وفي التاتارخانية: التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي والوالي جاز، وفي جملة ذلك: الرجل الذي لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال. كذا في التقرير. انيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء: 62.
(¬6) يتناوله، يفعله
(¬7) قد ذكر الفقهاء الفرق بين الحاكم والقاضي، فقالوا: الحاكم: منفذ الحكم، والقاضي الذي تعين ونصب من جهة السلطان لأجل فصل وحسم الدعاوى والمخاصمات توقيفاً لأحكامها المشروعة. التعريفات الفقهية: 75.
(¬8) الولاية: بالفتح ويكسر هي تنفيذ القول على الغير شاء الغير أو لا، ومن له الولاية وَلِيٌ أيضاً يطلق على البلاد التي يتسلط عليها الوالي، وبالكسر الخطة والإمارة، وأيضاً الولاية قرابة حكميّة حاصلة من العتق أو من الموالاة، وعند الصوفية، الولاية عبارة عن فناء العبد في الحق وبقائه به، فالولي: عندهم هو الفاني به والباقي به والفناء عندهم نسيان ما سوى الحق سبحانه حيث لا يشتغل قلبه إلى غير الحق سبحانه وتعالى. التعريفات الفقهية: 239.
(¬9) أن يكون الرجل شاهدًا لأمر. أمّا أدائها: يعني الشهادة لذلك الأمرعند الاحتياج بها.
الجزء 1 · صفحة 58
وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ (¬1) فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ صِفَتُهَا بِاعْتِبَارِ مَا قُصِدَتْ لِأَجْلِهِ، فَإِذَا قُصِدَ بِهَا التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَاتِ أَوْ التَّوَصُّلُ إلَيْهَا كَانَتْ عِبَادَةً، كَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ (¬2) وَاكْتِسَابِ الْمَالِ وَالْوَطْءِ.
¬
(¬1) المباح: هو ما استوى طرفاه يعني ما ليس بفعله ثواب ولا لتركه عقاب. التعريفات الفقهية: 192. جمعه: مباحات. الإباحة هي الإذن بإتيان الفعل كيف شاء الفاعل قاله السيد وفي كشاف المصطلحات هي في اللغة الإظهار والإعلان وقد يرد بمعنى الإذن والإطلاق وفي الشرع حكم لا يكون طلبا ويكون تخييرا بين الفعل وتركه والفعل الذي هو غير مطلوب وخير بين إتيانه وتركه يسمى مباحا وجائزا والحلال أعم من المباح على ما في جامع الرموز في كتاب الكراهية حيث قال كل مباح حلال بلا عكس كالبيع عند النداء حلال غير مباح لأنه مكروه
الإباحة في الأكل أو الهبة هي عبارة عن إعطاء الرخصة والإذن بأن يأكل ويتناول بلا عوض. قواعد الفقه: 155. وقال الحموي: وأما المباحات إلخ أقول: حق العبارة أن يقول: وأما المباحات فلا تفتقر إلى النية إلا إذا أريد الثواب عليها فتفتقر إليها وأما المسنونات والمندوبات فتفتقر إليها في إيقاعها طاعة ليثاب عليها، وأما الواجبات فما كان منها عبادة يفتقر إليها وما لم يكن عبادة لا يفتقر إليها، كقضاء الديون ورد المغصوب لأن المقصود منها ومن سائر المعاملات إيصال النفع إلى الآدمي. الغمز:1/ 78.
(¬2) تعريف النوم: هو فترة طبيعية تحدث للإنسان بلا اختيار منه تمنع الحواس الظاهرة والباطنة عن العمل مع سلامتها واستعمال العقل مع قيامه، فيعجز العبد عن أداء الحقوق. بحر. رد المحتار:1/ 141.
الجزء 1 · صفحة 59
وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ (¬1)،فَأَنْوَاعٌ: فَالْبَيْعُ لَايَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، وَكَذَا الْإِقَالَةُ وَالْإِجَارَةُ، لَكِنْ قَالُوا: إنْ عَقَدَ بِمُضَارِعٍ لَمْ يُصَدَّرْ بِسَوْفَ وَ السِّينِ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ فَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِيجَابَ (¬2) لِلْحَالِ كَانَ بَيْعًا، وَإِلَّا لَا. بِخِلَافِ صِيغَةِ الْمَاضِي فَإِنَّ الْبَيْعَ بِهَا لَايَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، وَأَمَّا الْمُضَارِعُ الْمُتَمَحِّضُ (¬3) لِلِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ كَالْأَمْرِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِهِ وَلَا بِالنِّيَّةِ. وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ. (¬4) وَقَالُوا: لَايَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ (¬5) لِعَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِهِ مَعَهُ.
¬
(¬1) المعاملة: عند العامة يراد بها التصرف من البيع ونحوه، وفي كلام الفقهاء أهل العراق المساقاة في لغة الحجازين، وعند الصوفية ما يقرب إليه تعالى وما يبعد منه من الأعمال.
المعاملات: تطلق على مجموع الأحكام الشرعية المتعلقة بأمر الدنيا باعتبار بقاء الشخص كالبيع والشراء والإجارة وغيرها. التعريفات الفقهية: 209.
(¬2) الإيجاب: هو ماصدر أولاً من أحد المتعاقدين. القبول: هو ماصدر ثانياً من أحدالمتعاقدين. تعريفات ومصطلحات فقهية في لغة معاصرة: 38.
(¬3) الخالص من محض. ولم أجد تمحض في القواميس.
(¬4) قال المصنف في الشرح: لأن التحقيق أنه لا يتقيد بذلك لانعقاده بكل لفظين ينبئان عن معنى التملك والتمليك ماضيين أو حالين كما في الخانية لكن ينعقد بالماضي بلا نية وبالمضارع بها على الأصح، كذا في البدائع، وإنما احتيج إليها مع كونه حقيقة للحال عندنا على الأصح لغلبة استعماله في الاستقبال حقيقة أو مجازا، كذا في البدائع وهو المراد بقول بعضهم أنه ينعقد في المستقبل بالنية وفي القنية إنما يحتاج إلى النية إذا لم يكن أهل البلد يستعملون المضارع للحال لا للوعد والاستقبال، فإن كان كذلك كأهل خوارزم لا يحتاج إليها.
وإنما قيده به في الهداية لإخراج المستقبل فقط أمرا أو مضارعا مبدوءا بالسين أو سوف كما في الخانية ما لم يؤد معناهما فيقال إن دل الأمر على المعنى المذكور انعقد به كخذه بكذا، فقال أخذته، فإنه كالماضي يستدعي سابقة البيع إلا أن استدعاء الماضي سبق البيع يحسب الوضع واستدعاء خذه بطريق الاقتضاء كما لو قال بعتك فخذ عبدي هذا بألف، فقال فهو حر عتق ويثبت اشتريت اقتضاء ويصير قابضا بخلاف ما لو قال وهو حر فلا يعتق كقوله هو حر.
وفي الخانية لو قال بعد الإيجاب أنا آخذه لا يكون بيعا، ولو قال أخذته جاز، ولو قال لقصاب زن من هذا اللحم كذا بدرهم ففعل لا يكون بيعا وكان للآمر الامتناع من أخذه، ولو قال زن لي من موضع كذا من هذا اللحم بكذا درهما فوزنه من ذلك الموضع كان بيعا وليس له الامتناع اهـ.
وبهذا علم أن ما في الحاوي القدسي من أن المضي منهما شرط في كل عقد إلا النكاح تساهل.
والحاصل كما في الهداية أن المعتبر في هذه العقود هو المعنى ألا ترى إلى ما قالوا لو قال وهبتك أو وهبت لك هذه الدار بألف درهم أو قال هذا العبد بثوبك هذا فرضي كان بيعا إجماعا، ولو قال أتبيعني عبدك هذا بألف، فقال نعم، فقال أخذته فهو بيع لازم فوقعت كلمة نعم إيجابا، وكذا تقع قبولا فيما لو قال اشتريت منك هذا بألف. البحر الرائق:5/ 286.
(¬5) لايصح البيع مع الهزل. الفرق بين الهزل والمزاح: أن الهزل يقتضي تواضع الهازل لمن يهزل بين يديه والمزاح لا يقتضي ذلك، ألا ترى أن الملك يمازح خدمه وإن لم يتواضع لهم تواضع الهازل لمن يهزل بين يديه والنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يمازح ولا يجوز أن يقال يهزل، ويقال لمن يسخر يهزل ولا يقال يمزح. معجم الفروق اللغوية: 557. وقال ابن عابدين: ففي التحرير وشرحه: الهزل لغة اللعب. واصطلاحا: أن لا يراد باللفظ ودلالته المعنى الحقيقي ولا المجازي بل أريد به غيرهما، وهو ما لا تصح إرادته منه. وضده الجد، وهو أن يراد باللفظ أحدهما. رد المحتار:3/ 239. قال الله عزوجل: {ياأيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّا أن تكون تجارةً عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إنّ اللّه كان بكم رحيمًا} لعدم الرضي بحكم البيع مع ذلك الهازل.
الجزء 1 · صفحة 60
وَأَمَّا الْهِبَةُ، (¬1) فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ. قَالُوا لَوْ وَهَبَ مُمَازِحًا صَحَّتْ، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَكِنْ لَوْلُقِّنَ الْهِبَةَ وَلَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ تَصِحَّ، لَا لِأَجْلِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطُهَا، وَإِنَّمَاهُوَ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ الرِّضَا. (¬2) ...
¬
(¬1) الهبة في اللغة التبرع بما ينتفع به الموهوب وفي الشرع: تمليك العين بلا عوض. ويقال لفاعله واهب ولذلك المال موهوب ولمن قبله الموهوب له. قواعد الفقه: 550.
(¬2) قالوا لو وهب مازحا لصحت. كما في البزازية. قيل ليس ما في البزازية يفهم منه ما ذكر، لأن المذكور فيها وفي الولوالجية: لو قال هب لي على وجه المزاح، فوهب.
وقيل: وسلم جاز إذ المزاح إنما وقع في طلب الهبة ثم وقعت هي بلا مزاح ظاهر، أو مستجمعة لشرائطها؛ والظاهر يكفي في مثل ذلك فلا يقال إن الهبة تصح بلا نية بل لو صدق الموهوب له على ذلك لا تصح. فتأمل.
ثم إن المؤلف ذكر في البحر كما هنا أيضا حيث قال فيه: أطلقها، أي الهبة، فشمل ما إذا كان على وجه المزاح فإن الهبة صحيحة كذا في الخلاصة، واعترض العلامة المقدسي في كتابه الرمز شرح نظم الكنز، فقال: ليس في الخلاصة ما يفيد دعواه إلخ. إنما يفيد أنه إن طلب الهبة مزحا لا جدا فوهبه جدا وسلمه صحت الهبة. لأن الواهب غير مازح، وقد قبل الموهوب له قبولا صحيحا. وقد وقع للمؤلف مثل هذا في كتاب الأشباه. وأزلنا هذا الاشتباه في حاشيته. لكن في الخانية ما يؤيد ما فهمه المؤلف فإنه ذكر حكاية الشيخ ابن المبارك، لما مر بقوم يضربون الطنبور، فوقف عليهم وقال هبوه مني حتى تروا كيف أضرب فدفعوه إليه فضربه على الأرض وكسره وقال: أرأيتم كيف أضرب؟ قالوا: أيها الشيخ خدعتنا.
وإنما قال ذلك احترازا عن قول الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - في كسر الملاهي، أنه يوجب الضمان وهذا دليل ما مر أن هبة المازح جائزة. انتهى.
قيل وفيه بحث إذ لا دليل على أنهم مزحوا بالهبة بل ظاهر طلبه الهبة الجدية فأجابوه بها.
غايته أنه وعدهم أن يضرب وأراد الكسر وأفهمهم أنه أراد مثل ضربهم فلما وهبوه وملك تصرف بما أراد من ضربها على الأرض وهو إمام جليل القدر في الزهد والعلم، له في ذلك مؤلفات ما يظن به الاكتفاء بالمزاح والله تعالى أعلم.
ويدل على ما قلنا من أن الهبة جدية قول صاحب الخزانة فيها: جازت الهبة لاستجماع الشرائط.
وقيل يحتمل أن دليل الهبة المقام هي هبة الملاهي للمشهور بالعلم والزهد كما ذكرت غير مناسبة فالظاهر أنه كان مزحا ونقله عن الخزانة لا يدل على المدعي إذ المراد بالشرائط التكليف. غمز:1/ 81.
الجزء 1 · صفحة 61
وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهَا لَمْ تَصِحَّ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْإعْتَاقِ؛ فَإِنَّهُمَا يَقَعَانِ بِالتَّلْقِينِ مِمَّنْ لَايَعْرِفُهُمَا؛ (¬1) لِأَنَّ الرِّضَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فيهِمَا وَلِذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِمَا يَقَعَانِ. (¬2)
وَأَمَّا الطَّلَاقُ: (¬3) فَصَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ.
¬
(¬1) قال ابن الهمام: والذي يظهر من الشرع أن لا يقع بلا قصد لفظ الطلاق عند الله تعالى. ... شرح فتح القدير:4/ 5.قال الحموي: قال الفقيه أبو الليث: لا تقع ديانة وقال مشايخ أوزجند لا تقع أصلا صيانة لأملاك الناس عن الإبطال بالتلبيس. الغمز:1/ 81
(¬2) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال كان الرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلق امرأته ويقول كنت لاعبا ويعتق مملوكه ويقول كنت لاعبا ويزوج ابنته ويقول كنت لاعبا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من قالهن لاعبا فهن جائزات عليه الطلاق والعتاق والنكاح فأنزل الله عز وجل في ذلك {ولا تتخذوا ءايات الله هزوا} المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية:8/ 431. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاث ليس فيهن لعب، ومن تكلم بشيء منهن لاعبا فقد وجب عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح".
أخرجه ابن عدي في كامله (6/ 2033)، من طريق غالب بن عبيد الله الجزري، عن الحسن، عن أبي هريرة. قال ابن عدي: ولغالب أحاديث منكرة المتن. اهـ. المطالب العالية محققا:8/ 433
(¬3) قال المرغيناني رحمه الله: الطلاق في الشرع عبارة عن رفع العقد الحكمي، وإزالة الملك عن محله، وإسقاط الحق وإزالته عن المحل، تختلف أسماؤه باختلاف أنواعه، فإزالة حق البضع يسمى طلاقا، وإزالة الرق عن العبد يسمى إعتاقا، وإسقاط حق القصاص يسمى عفوا، وإسقاط الدين عن ذمة المديون يسمى براءة، وهو تصرف مشروع إذا صدر من أهله مضافا إلى محله، فركنه قوله: أنت طالق أوطلقتك. والأهلية فيه كون المطلق عاقلا وبالغا، والمحلية فيه كون المرأة منكوحة. وحكمه زوال الملك عن المحل أوانتقاص الحل. وقيل الطلاق مصدر من طلق يطلق من باب نصر ينصر، وقيل هو مصدر من باب التفعيل كالتسليم والسلام. والأصل فيه الحظر عندنا. مختارات النوازل:1/ 96. عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامراته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه. سنن الدارقطني:4/ 35. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين:2/ 214.
الجزء 1 · صفحة 62
فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ إلَيْهَا، (¬1) فَلَوْ طَلَّقَ غَافِلًا أَوْ سَاهِيًا (¬2) أَوْ مُخْطِئًا وَقَعَ حَتَّى قَالُوا: إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُصَحَّفَةِ قَضَاءً، (¬3) وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَهَا بِاللَّفْظِ. ...
¬
(¬1) إلى النية. يقول الإمام ابن الهمام: ثم قولنا لا يتوقف على النية معناه إذا لم ينو شيئا أصلا يقع لا أنه يقع وإن نوى شيئا آخر، لما ذكر أنه إذا نوى الطلاق عن وثاق صدق ديانة لا قضاء، وكذا عن العمل في رواية كما سيذكر، ولا بد من القصد بالخطاب بلفظ الطلاق عالما بمعناه أو بالنسبة إلى الغائبة كما يفيده فروع: هو أنه لو كرر مسائل الطلاق بحضرة زوجته ويقول: أنت طالق ولا ينوي طلاقا لا تطلق، وفي متعلم يكتب ناقلا من كتاب رجل قال: ثم وقف وكتب امرأتي طالق وكلما كتب قرن الكتابة بالتلفظ بقصد الحكاية لا يقع عليه.
ولو قال لقوم تعلمت ذكرا بالفارسية فقولوه معي فقال: زن من بسه طلاق فقالوه لم يحكم عليهم بالحرمة، وكذا لو لم يعتقدوه ذكرا واعتقدوه شيئا آخر، كذا نقل من فتاوى المنصوري. فتح القدير:4/ 4.
(¬2) السّهو: الغفلة عن المعلوم.
(¬3) وأما المصحف فهو خمسة ألفاظ تلاق و تلاغ و طلاغ وطلاك وتلاك ويقع به في القضاء ولا يصدق إلا إذا أشهد على ذلك قبل التكلم بأن قال امرأتي تطلب مني الطلاق وأنا لا أطلق فأقول هذا ويصدق ديانة. فتح القدير:4/ 8.
جاء رجل إلى مولانا محمد قاسم النانوتوي رحمه الله مؤسس دارالعلوم ديوبند، (المتوفي:4/جمادي الأولى 1297 هـ الموافق:1880 م) وقال: إنني طلقت زوجتي ثلاثا فهل لي من سبيل إليها بغيرالحلالة؟ فقال الشيخ ليس لك عليها سبيل. فألحّ الرجل، وقال: خذ مني مالاً، فقال: طلقتها ثلاثا فانتهى الأمر. فذهب الرجل إلى من يسمي نفسه عالما شرعيا، فأباح الزوجة، وقال: لم يقع الطلاق على زوجتك، لأنك قلتها: أنت تالخ. وإن الطلاق يقع بكلمة: أنت طالق. فجاء الرجل فرحا ومسرورا، إلى الشيخ، وقال: يا شيخ! لم يقع الطلاق. فقال الشيخ: كيف؟ فقال الرجل: إنني قلتها: أنت تالخ، فماقلتها: أنت طالق. فردعليه الشيخ قائلا: إن زواجك أيضا لم ينعقد، لأنك قلت عند النكاح: خبلت، ولم تقل: قبلت. فبه لاينعقد النكاح. حسب قول المفتي الماجن.
الجزء 1 · صفحة 63
قَالُوا: لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا وَيَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَقَعْ وَلَوْ كَتَبَتْ امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَتْ لَهُ اِقْرَأْ عَلَيَّ فَقَرَأَ عَلَيْهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا لِعَدَمِ قَصْدِهَا بِاللَّفْظِ. (¬1)
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ. وَقَالُوا: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ؛ نَاوِيًا الطَّلَاقَ مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يَقَعْ دِيَانَةً وَوَقَعَ قَضَاءً. (¬2)
وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ طَلَاقَ الْمُخْطِئِ وَاقِعٌ قَضَاءً لَا دِيَانَةً، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا قَضَاءً وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا دِيَانَةً، (¬3) وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ إنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا هَازِلًا، يَقَعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ هَزْلَهُ بِهِ جِدًّا. (¬4)
¬
(¬1) قال قاضي خان: بأن الكتابة أقيمت مقام العبارة باعتبار الحاجة. وما كانت حاجة هنا للزوج، فلا يقع. وفي بعض النسخ بدل ((لعدم قصدها)) ((لعدم قصده))
(¬2) يعني أن الحكم الشرعي يتعلق بنفس الكلام أراده أو لم يرده حتى لو أراد أن يقول: سبحان الله فجرى على لسانه أنت طالق، أو أنت حر يقع الطلاق أو العتاق نعم لو أراد في أنت طالق رفع حقيقة القيد يصدق ديانة لا قضاء، والكناية تحتاج إلى النية أو ما يقوم مقامها من دلالة الحال ليزول ما فيها من استتار المراد. شرح التلويح على التوضيح:1/ 234.قال ابن الهمام: ثم قولنا لا يتوقف على النية معناه إذا لم ينو شيئا أصلا يقع لا أنه يقع وإن نوى شيئا آخر، لما ذكر أنه إذا نوى الطلاق عن وثاق صدق ديانة لا قضاء، وكذا عن العمل في رواية كما سيذكر، ولا بد من القصد بالخطاب بلفظ الطلاق عالما بمعناه أو بالنسبة إلى الغائبة كما يفيده فروع: هو أنه لو كرر مسائل الطلاق بحضرة زوجته ويقول: أنت طالق ولا ينوي طلاقا لا تطلق، وفي متعلم يكتب ناقلا من كتاب رجل قال: ثم وقف وكتب امرأتي طالق وكلما كتب قرن الكتابة بالتلفظ بقصد الحكاية لا يقع عليه.
ولو قال لقوم تعلمت ذكرا بالفارسية فقولوه معي فقال: رن من بسه طلاق فقالوه لم يحكم عليهم بالحرمة، وكذا لو لم يعتقدوه ذكرا واعتقدوه شيئا آخر، كذا نقل من فتاوى المنصوري. فتح القدير للكمال ابن الهمام:4/ 4.
(¬3) قال ابن عابدين ردا على ابن نجيم: أن الصريح لا يحتاج إلى النية، ولكن لا بد في وقوعه قضاء وديانة من قصد إضافة لفظ الطلاق إليها عالما بمعناه ولم يصرفه إلى ما يحتمله كما أفاده في الفتح، وحققه في النهر، احترازا عما لو كرر مسائل الطلاق بحضرتها، أو كتب ناقلا من كتاب امرأتي طالق مع التلفظ، أو حكى يمين غيره فإنه لا يقع أصلا ما لم يقصد زوجته، وعما لو لقنته لفظ الطلاق فتلفظ به غير عالم بمعناه فلا يقع أصلا على ما أفتى به مشايخ أوزجند صيانة عن التلبيس وغيرهم من الوقوع قضاء فقط. وعما لو سبق لسانه من قول أنت حائض مثلا إلى أنت طالق فإنه يقع قضاء فقط، وعما لو نوى بأنت طالق الطلاق من وثاق فإنه قضاء فقط أيضا. وأما الهازل فيقع طلاقه قضاء وديانة لأنه قصد السبب عالما بأنه سبب فرتب الشرع حكمه عليه أراده أو لم يرده كما مر، وبهذا ظهر عدم صحة ما في البحر والأشباه من أن قولهم إن الصريح لا يحتاج إلى النية إنما هو القضاء. أما في الديانة فمحتاج إليها أخذا من قولهم: ولو نوى الطلاق عن وثاق أو سبق لسانه إلى لفظ الطلاق يقع قضاء فقط أي لا ديانة لأنه لم ينوه. وفيه نظر لأن عدم وقوعه ديانة في الأول لأنه صرف اللفظ إلى ما يحتمله، وفي الثاني لعدم قصد اللفظ، واللازم من هذا أنه يشترط في وقوعه ديانة قصد اللفظ وعدم التأويل الصحيح. أما اشتراط نية الطلاق فلا بدليل أنه لو نوى الطلاق عن العمل لا يصدق ويقع ديانة أيضا كما يأتي مع أنه لم ينو معنى الطلاق وكذا لو طلق هازلا. رد المحتار:3/ 251.
(¬4) ذكر ابن الهمام سببه فقال: لأنه مكابر باللفظ فيستحق التغليظ. فتح القدير:4/ 5.
الجزء 1 · صفحة 64
وَقَالُوا: لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ (¬1)، وَلَا نِيَّةُ الْبَائِنِ، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ (¬2) فِي الْمَصْدَرِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ أَمَةً، وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ.
وَأَمَّا كِنَايَاتُهُ فَلَا يَقَعُ بِهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ دِيَانَةً، سَوَاءً كَانَ مَعَهَا مُذَاكَرَةُ الطَّلَاقِ أَوْ لَا؟ وَالْمُذَاكَرَةُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي الْقَضَاءِ إلَّا فِي لَفْظِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَيَنْصَرِفُ إلَى الطَّلَاقِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ مِنْ قَوْمٍ يُرِيدُونَ بِالْحَرَامِ الطَّلَاقَ.
وَأَمَّا تَفْوِيضُ (¬3) الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ، (¬4) فَمَا كَانَ مِنْهُ صَرِيحًا لَا تُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ، وَمَا كَانَ كِنَايَةً اُشْتُرِطَتْ لَهُ. ...
¬
(¬1) معناه أنك مطلّقة والسوال ما طلقه زوجه كيف صارت مطلقة؟ فالجواب إنه من باب المقتضى، ولاعموم للمقتضى فيقدر ما هو الواجب وترتفع الضرورة بتقدير الواحد، فلا تصح نية الثلاث.
(¬2) وفي بعض النسخ ((اثنتين))
(¬3) التفويض بلفظ التخيير وبلفظ الأمر باليد وبلفظ المشيئة.
(¬4) قال ابن الهمام رحمه الله: والظهار لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر فيصح أن يراد به معان مختلفة ترجع إلى الظهر معنى ولفظا بحسب اختلاف الأغراض، فيقال ظاهرت: أي قابلت ظهرك بظهره حقيقة، وإذا غايظته أيضا وإن لم تدابره حقيقة باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهرته إذا نصرته باعتبار أنه يقال قوى ظهره إذا نصره، وظاهر من امرأته وأظهر وتظاهر واظاهر وظهر وتظهر إذا قال لامرأته أنت علي كظهر أمي، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر على اعتبار جعل ما يلي به كل منهما الآخر ظهرا للثوب، وغاية ما يلزم كون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازا، وكونه مجازا لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازا أيضا، وإنما عدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التبعيد لأنه كان طلاقا وهو مبعد ثم قيل: الظهر هنا مجاز عن البطن لأنه إنما يركب البطن فكظهر أمي: أي كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه عموده، لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات. وقيل خص الظهر لأن إتيان المرأة من ظهرها كان حراما، فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ. وفي الشرع: هو تشبيه الزوجة أو جزء منها شائع أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد ولو برضاع أو صهرية، وزاد في النهاية قيد الاتفاق احترازا عما لو قال أنت علي كظهر فلانة، وفلانة أم من زنى بها أو بنتها لم يكن مظاهرا، وسنذكر ما هو التحقيق إن شاء الله تعالى.
ولا فرق بين كون ذلك العضو الظهر أو غيره مما لا يحل النظر إليه، وإنما خص باسم الظهار تغليبا للظهر لأنه كان الأصل في استعمالهم وشرطه في المرأة كونها زوجة، وفي الرجل كونه من أهل الكفارة فلا يصح ظهار الذمي كالصبي والمجنون، وركنه للفظ المشتمل على ذلك التشبيه، وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة. واختلف في سبب وجوبها فقال في المنافع: تجب بالظهار والعود لأن الظهار كبيرة فلا يصح سببا للكفارة لأنها عبادة أو المغلب فيها معنى العبادة، ولا يكون المحظور سببا للعبادة فعلق وجوبها بهما ليخف معنى الحرمة باعتبار العود الذي هو إمساك فيكون دائرا بين الحظر والإباحة فيصح سببا للكفارة الدائرة بين العبادة والعقوبة. وقيل سبب وجوبها العود، والظهار شرط، ولفظ الآية يحتملهما وهي قوله تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] إلى آخره، فيمكن حمل ترتيبها عليهما أو على الأخير، لكن إذا أمكن البساطة صير إليها لأنها الأصل بالنسبة إلى التركيب، فلذا قال في المحيط سبب وجوبها العزم على الوطء، والظهار شرط وهو بناء على أن المراد من لفظ العود في الآية العزم على الوطء.
واعترض بأن الحكم يتكرر بتكرر سببه لا شرطه، والكفارة تتكرر بتكرر الظهار لا العزم وكثير من مشايخنا على أنه العزم على إباحة الوطء بناء على إرادة المضاف في الآية: أي يعودون لضد ما قالوا أو لتداركه نزل القول منزلة المقول. ويرد عليه ما يرد على ما قبله، وهذا بناء على عدم صحة إرادة ظاهرها وهو تكرار نفس الظهار كما قال داود للحديثين اللذين يروونهما فإن ظاهرهما عدم تعلقهما بتكرره ويرد أن بمجرد العزم لا تتقرر الكفارة عندنا كما نص عليه في المبسوط، حتى لو أبانها أو ماتت بعد العزم لا كفارة عليه قال: فهذا دليل على أنها غير واجبة لا بالظهار ولا بالعود، إذ لو وجبت لما سقطت بل موجب الظهار ثبوت التحريم، فإذا أراد رفعه وجب عليه في رفعه الكفارة عندنا كما تقول لمن أراد الصلاة النافلة يجب عليك إن صليتها أن تقدم الوضوء. وعند الشافعي - رحمه الله - هو سكوته بعد ظهاره قدر ما يمكنه طلاقها.
ورد بأن شرعية الكفارة لرفع الحرمة والجناية، والظهار لم يوجب تحريم العقد ليكون الإمساك عن طلاقها جناية، وأيضا فقد يكون الإمساك عن طلاقها ليسعى في أمر الكفارة وتحصيلها أو للتروي في طلاقها أو التكفير فلا يكون مجرده بعد الظهار جناية فلا ينتهض سببا للكفارة.
واعلم أن هذه الحرمة لا ترفع إلا بكفارة لا بملك ولا بزوج ثان، حتى لو طلقها بعد الظهار ثلاثا فعادت إليه بعد زوج آخر أو كانت أمة وملكها بعد ما ظاهر منها لا يحل قربانها حتى يكفر فيهما، وللمرأة أن تطالبه بالوطء وعليها أن تمنعه من الاستمتاع بها حتى يكفر، وعلى القاضي أن يجبره على التكفير دفعا للضرر عنها بحبس، فإن أبى ضربه ولا يضرب في الديني، ولو قال قد كفرت صدق ما لم يعرف بالكذب وألفاظه صريح وكناية وستأتي. فتح القدير: 4/ 246.
الجزء 1 · صفحة 65
وَأَمَّا الرَّجْعَةُ (¬1) فَكَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدَامَتُهُ، (¬2) لَكِنْ مَا كَانَ مِنْهَا صَرِيحًا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا، وَكِنَايَتُهَا تَحْتَاجُ إلَيْهَا (¬3).
وَأَمَّا الْيَمِينُ بِالله (¬4) فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَيَنْعَقِدُ إذَا حَلَفَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا. وَكَذَا إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (¬5) كَذَلِكَ.
¬
(¬1) تعريف الرجعة: الرجعة في الطلاق هي استدامة الملك القائم في المدة وهو ملك النكاح. الرّجعة ردّ وإعادة إلى الحالة الأولى. ولها شروط كما قال البابرتي: إحداها تقديم صريح لفظ الطلاق أو بعض ألفاظ الكناية كما تقدم. والثانية أن لا يكون بمقابلته مال. والثالثة أن لا يستوفى الثلاثة من الطلاق. والرابعة أن تكون المرأة مدخولا بها. والخامسة أن تكون العدة قائمة ولا خلاف في مشروعيتها لأحد لثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع. العناية شرح الهداية:/ 158.
(¬2) بقاءه.
(¬3) يقول الكاساني رحمه الله: الكناية فنوعان: نوع هو كناية بنفسه وضعا، ونوع هو ملحق بها شرعا في حق النية، أما النوع الأول: فهو كل لفظ يستعمل في الطلاق ويستعمل في غيره نحو قوله: أنت بائن، أنت علي حرام، خلية، برئية بتة، أمرك بيدك، اختاري، اعتدي، استبرئي رحمك، أنت واحدة، خليت سبيلك، سرحتك، حبلك على غاربك، فارقتك، خالعتك - ولم يذكر العوض - لا سبيل لي عليك، لا ملك لي عليك، لا نكاح لي عليك، أنت حرة، قومي، اخرجي، اغربي، انطلقي، انتقلي، تقنعي، استتري، تزوجي، ابتغي الأزواج، الحقي بأهلك ونحو ذلك.
سمي هذا النوع من الألفاظ كناية؛ لأن الكناية في اللغة اسم لفظ استتر المراد منه عند السامع، وهذه الألفاظ مستترة المراد عند السامع. بدائع الصنائع:3/ 105.
(¬4) قال المطرزي: ي م ن: واليمين. خلاف اليسار وإنما سمي القسم يمينا لأنهم كانوا يتماسحون بأيمانهم حالة التحالف وقد يسمى المحلوف عليه يمينا لتلبسه بها. ومنها. الحديث «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها» وهي مؤنثة في جميع المعاني. المغرب في ترتيب المعرب: 515.
(¬5) لوقال: والله لا أدخل الدار، فدخل عامدا أوساهيا أومخطأ أو مكرها يحنث.
الجزء 1 · صفحة 66
وَأَمَّا نِيَّةُ تَخْصِيصِ الْعَامِ فِي الْيَمِينِ فَمَقْبُولَةٌ دِيَانَةً اتِّفَاقًا، وَقَضَاءً عِنْدَ الْخَصَّافِ (¬1)، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ إنْ كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا.
وَكَذَلِكَ اخْتَلفُوا هَلْ الِاعْتِبَارُ لِنِيَّةِ الْحَالِفِ أَوْ لِنِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ؟ وَالْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْحَالِفِ إنْ كَانَ مَظْلُومًا، لَا إنْ كَانَ ظَالِمًا، (¬2) كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. وَالْخُلَاصَةِ. (¬3) ...
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ (¬4) وَالْوَكَالَةُ (¬5) فَيَصِحَّانِ بِدُونِهَا، وَكَذَا الْإِيدَاعُ (¬6) وَ الْإِعَارَةُ وَكَذَا الْقَذْفُ وَالسَّرِقَةُ.
¬
(¬1) يقول عنه الإمام القدوة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي. المتوفى: 748هـ. رحمه الله وكان والده رحمه الله يخلص الذهب من الغش فسمي بالذهبي قال شيخنا ومولانا محمد يونس شيخ الحديث بمظاهرعلوم سهارنفور الهند يوما: إن الذهبي يخاف من البخاري. انتهى كلام شيخنا وذلك يدل على علو مرتبة الذهبي: العلامة، شيخ الحنفية، أبو بكر أحمد بن عمرو بن مهير الشيباني، الفقيه، الحنفي، المحدث. حدث عن: وهب بن جرير، وأبي عامر العقدي، والواقدي، وأبي نعيم، وعمرو بن عاصم، وعارم، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وخلق كثير. ذكره ابن النجار في "تاريخه". وقال محمد بن إسحاق النديم: كان فاضلا، صالحا فارضا، حاسبا، عالما بالرأي، مقدما عند المهتدي بالله، حتى قال الناس: هو ذا يحيي دولة أحمد بن أبي دواد ويقدم الجهمية.
صنف للمهتدي كتاب: "الخراج" فلما قتل المهتدي، نهبت دار الخصاف، وذهبت بعض كتبه. صنف كتاب "الحيل" وكتاب "الشروط الكبير" ثم اختصره، و"الرضاع"، و"أدب القاضي"، و"العصير وأحكامه"، و"أحكام الوقوف"، و"ذرع الكعبة والمسجد والقبر".
ويذكر عنه زهد وورع وأنه كان يأكل من صنعته رحمه الله، وقل ما روى وكان قد قارب الثمانين. مات ببغداد سنة أحدى وستين ومائتين. سير أعلام النبلاء:10/ 285. قال ابن عابدين: الخصاف كبير في العلم يجوز الاقتداء به. رد المحتار.3/ 21.
(¬2) وقد ذكر السرخسي. المتوفى: 483هـ. هذه القاعدة فقال: فإن الحالف إن كان ظالما فاليمين على نية من يستحلفه لا على نية الحالف ولا يعتبر بنيته على ما بينته في هذا النوع من الشبهة. المبسوط:30/ 380. مثاله: رجل سرق أو أخذ مال الآخر فالمأخوذ منه لا يستطيع بسبب من الأسباب أن يصارد منه ماله’ فأخذ ماله من السارق أو الآخذ دون علم منه ’ ثم هذا السارق استحلفه فله أن يحلف بأنه والله ما أخذ ماله وينوي مال نفسه.
(¬3) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليمين على نية المستحلف. صحيح مسلم:3/ 1274. قال الإمام البخاري: قال النبي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم لامرأته هذه أختي وذلك في الله وقال النخعي إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف وإن كان مظلوما فنية المستحلف. صحيح البخاري:9/ 22.
(¬4) الإقرار: هو في الشرع إخبار بحقّ لآخر عليه. التعريفات: 33.
(¬5) الوكالة. بالكسر: مصدر الوكيل والفتح لغة ومنه: وكّله. بالبيع فتوكّل به أي قبل الوكالة له. وقوله: " للمأذون له أن يتوكّل لغيره " أي يتولى الوكالة له وهو قياس على التكفّل من الكفالة وقولهم: " الوكيل: الحافظ والوكالة: الحفظ " فذاك مسبّب عن الاعتماد والتفويض. ومنه: رجلٌ (وَكَلٌ): ضعيفٌ جبان يكل أمره إلى غيره. وقوله تعالى: وما أنت عليهم بوكيل}.المغرب:2/ 369. وقال ابن منظور: والاسم الوكالة والوكالة ووكيل الرجل الذي يقوم بأمره سمّي وكيلاً لأن موكّله قد وكل إليه القيام بأمره فهو موكول إليه الأمر والوكيل على هذا القول فعيل بمعنى مفعول أي إليك التبليغ والدعوة وأما القيام بأمورهم ومصالحهم فليس إليك. لسان العرب:6/ 4910. وقال الشيخ مفتي عميم الإحسان: الوكالة: بالفتح والكسر اسم من التوكيل وهي شرعاً: تفويض أحد أمره لآخر وإقامته مقامه، ويقال لذلك الشخص: موكل ولمن أقامه وكيل والأمر موكل به. التعريفات الفقهية: 239.
(¬6) - الفرق بين الوديعة والامانة: الوديعة: هي أمانة تركت عند الغير للحفظ قصدًا. واحترز بالقيد الأخير من الأمانة، وهي ما وقع في يده من غير قصد، كإلقاء الريح ثوبًا في حجر غيره، وكالعبد الآبق في يد آخذه، واللقطة في يد واجدها، وغير ذلك، والفرق بينهما بالعموم والخصوص، فالوديعة خاصة والأمانة عامة، وحمل العام على الخاص صحيح دون عكسه، ويبرأفي الوديعة عن الضمان إذا عاد إلى الوفاق، ولا يبرأ في الأمانة. التعريفات للجرجاني: 251. الإيداع: هو إحالة المالك محافظة ماله لآخر ويسمى المستحفظ: مودعاً بكسر الدال، والذي يقبل الوديعة: وديعاً ومستودعاً بكسر الدال. التعريفات الفقهية: 40.
الجزء 1 · صفحة 67
وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى قَصْدِ الْقَاتِلِ الْقَتْلَ، لكِنْ قَالُوا: لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ أَمْرًا بَاطِنِيًّا أُقِيمَتْ الْآلَةُ مَقَامَهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ عَادَةً كَانَ عَمَدًا وَوَجَبَ الْقِصَاصُ فيْهِ، وَإِلَّا فَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ عَادَةً، لَكِنَّهُ يُقْتَلُ غَالِبًا فَهُوَ شِبْهُ عَمَدٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ.
وَأَمَّا الْخَطَأُ (¬1) بِأَنْ يَقْصِدَ مُبَاحًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا كَمَا عُلِمَ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، قَالُوا: إنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِالْقَصْدِ، فَجَوَّزُوا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قِرَاءَةَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَذْكَارِبِقَصْدِ الذِّكْرِ، وَالْأَدْعِيَةِ بِقَصْدِ الدُّعَاءِ، لَكِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: لَوْقَرَأَ بِقَصْدِ الذِّكْرِ لَاتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَأَجَبْنَا عَنْهُ فِي
¬
(¬1) - الخطأ في القتل. الخطأ: ضد الصواب. التصرف الذي لم يقصده الانسان. معجم لغة الفقهاء: 197
الجزء 1 · صفحة 68
شَرْحِ الْكَنْزِ بِأَنَّهُ فِي مَحِلِّهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ. (¬1) وَقَالُوا: إنَّ الْمَأْمُومَ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِنِيَّةِ الذِّكْرِ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ. (¬2)
¬
(¬1) فقال ابن نجيم في الشرح: ثم اعلم أنهم قالوا هنا وفي باب ما يفسد الصلاة إن القرآن يتغير بعزيمته فأورد الإمام الخاصي كما نقله عنه السراج الهندي في التوشيح بأن العزيمة لو كانت مغيرة للقراءة لكان ينبغي أنه إذا قرأ الفاتحة في الأوليين بنية الدعاء لا تكون مجزئة، وقد نصوا على أنها مجزئة.
وأجاب بأنها إذا كانت في محلها لا تتغير بالعزيمة حتى لو لم يقرأ في الأوليين فقرأ في الأخريين بنية الدعاء لا يجزئه. اهـ. والمنقول في التجنيس أنه إذا قرأ في الصلاة فاتحة الكتاب على قصد الثناء جازت صلاته؛ لأنه وجدت القراءة في محلها فلا يتغير حكمها بقصد. اهـ.
ولم يقيد بالأوليين ولا شك أن الأخريين محل القراءة المفروضة فإن القراءة فرض في ركعتين غير عين، وإن كان تعيينها في الأوليين واجبا وذكر في القنية خلافا فيما إذا قرأ الفاتحة على قصد الدعاء فرقم لشرح شمس الأئمة الحلواني أنها لا تنوب عن القراءة اهـ. البحرالرائق:1/ 210. قوله في المتن: وواجبها قراءة الفاتحة وضم سورة. وهل وجوب الضم في الفرض فقط أم فيه وغيره فالذي كان يفيده شيخنا العلامة المحقق قاضي القضاة شمس الدين الغزي - رحمه الله تعالى - أنه لا فرق بين الفرض وغيره في وجوب الضم أخذا من إطلاقات المشايخ فإنهم لم يخصوا ذلك بالفرض وقد وقفت في القنية على ما يقتضي تخصيص ذلك بالفرض قال فيها في باب السنن ما نصه ولو خاف أنه لو صلى سنة الفجر بوجهها تفوته الجماعة ولو اقتصر فيها بالفاتحة وتسبيحة في الركوع والسجود يدركها فله أن يقتصر عليها؛ لأن ترك السنة جائز لإدراك الجماعة فترك سنة السنة أولى وعن القاضي الزرنجري لو خاف أن يفوته الركعتان يصلي السنة ويترك الثناء والتعوذ وسنة القراءة ويقتصر على آية واحدة ليكون جمعا بينهما، وكذا في سنة الظهر. اهـ.
وفي اليتيمة سئل عبد الرحيم عمن نسي قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين من التطوع هل يلزمه سجود السهو فقال يلزمه قيل له فلو تركها عامدا قال يكره. اهـ. تتارخانية وكتب أيضا ما نصه أو ثلاث آيات كما سيأتي متنا وشرحا. اهـ. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق:1/ 105.
وقال الحموي: في الولوالجية: من قرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب، إن قرأها بنية الدعاء لا بأس به وإن قرأها بنية القراءة لا يجوز؛ لأن صلاة الجنازة محل الدعاء وليس بمحل القراءة. انتهى. الغمز:1/ 93. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: من قرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب، إن قرأ بنية الدعاء فلا بأس به، وإن قرأ بنية القراءة لا يجوز أن يقرأ؛ لأن صلاة الجنازة محل الدعاء، وليست محل القراءة. المحيط البرهاني:2/ 180.
(¬2) لأنه مأمور بالذكر في صلاة الجنازة، وإن القرآن من الذكرفلا تحرم، وأما المصلي وراء الإمام فمأموربالسكوت والإنصات عندنا. فائدة: اتفق اهل المذاهب الأربعة بأن تكبيرات الجنازة أربعة. وقال ابن عبد البر: قال إبراهيم النخعي قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس مختلفون فمنهم من يقول كبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعا ومنهم من يقول خمسا وآخر يقول سبعا فلما كان عمر جمع الصحابة فقال لهم انظروا أمرا تجتمعون عليه فأجمع أمرهم على أربع تكبيرات وقال سعيد بن المسيب كل ذلك قد كان خمس وأربع فأمر عمر الناس بأربع. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد:6/ 339.
الجزء 1 · صفحة 69
وَأَمَّا الضَّمَانُ (¬1) فَهَلْ يَتَرَتَّبُ فِي شَيْءٍ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ؟ فَقَالُوا: فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَبِسَ ثَوْبًا ثُمَّ نَزَعَهُ وَمِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ لَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ، (¬2) وَإِنْ قَصَدَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ بِلُبْسِهِ. (¬3)
وَقَالُوا فِي الْمُودَعِ: إذَا لَبِسَ ثَوْبَ الْوَدِيعَةِ ثُمَّ نَزَعَهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَعُودَ إلَى لُبْسِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ. (¬4)
وَأَمَّا التُّرُوكُ كَتَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَذَكَرُوهُ فِي الْأُصُولِ فِي بَحْثِ،،مَا تُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ،،عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} فَذَكَرُوهُ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ؛ وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ (¬5) النَّهْيِ.
وَأَمَّا لِحُصُولِ الثَّوَابِ، فَإِنْ كَانَ كَفًّا، وَهُوَ أَنْ تَدْعُوَهُ النَّفْسُ إلَيْهِ قَادِرًا عَلَى فِعْلِهِ فَيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ رَبِّهِ فَهُوَ مُثَابٌ، وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ عَلَى تَرْكِهِ، (¬6) فَلَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَاوَهُوَ يُصَلِّي، وَلَا يُثَابُ الْعِنِّينُ
¬
(¬1) الضمان: عبارة عن رد مثل الهالك إن كان مثليّاً أو قيمته إن كان قيميّاً. التعريفات الفقهية: 134. القيمي: أي غير المثلي وهوشرعاً، ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به في القيمة. التعريفات الفقهية: 179.
(¬2) وإن لم يؤدي الجزاء، فإن أدى الجزاء وكان من قصده أن يعود إليه فلا بدّ أن يؤدي الجزاء مرة ثانية.
(¬3) وفي العالمكيرية: إذا لبس المحرم المخيط على الوجه المعتاد يوما إلى الليل فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فصدقة كذا في المحيط سواء لبسه ناسيا أو عامدا عالما أو جاهلا مختارا أو مكرها هكذا في البحر الرائق. الفتاوى الهندية:1/ 242. قال الحموي: أقول هذا مقيد بما إذا لم يكفر للأول وقال في النهر: أو نزع الثوب ليلا وعاود لبسه نهارا أو عكسه، تجب شاة إلا أن يعزم على الترك عند الخلع، فإن عزم ثم لبس تعدد الجزاء إن كفر للأول اتفاقا. انتهى. وإلا فكذلك عندهما خلافا لمحمد. انتهى.
وفي البحر للمصنف - رحمه الله -: لو كان ينزعه ليلا ويعاوده نهارا أو عكسه يلزمه دم واحد، ما لم يعزم على الترك عند النزع، فإن عزم عليه ثم لبس تعدد الجزاء كفر للأول أم لا وفي الثاني خلاف لمحمد. غمزعيون البصائر:1/ 94.
(¬4) وفي عمدة ذوي البصائر: هذا قول صاحب الظهيرية.
(¬5) مسؤلية النهي.
(¬6) قال العيني: التروك إذا كان المقصود فيها امتثال أمر الشارع وتحصيل الثواب فلا بد من النية فيها وإن كانت لإسقاط العذاب فلا يحتاج إليها فالتارك للمعاصي محتاج فيها لتحصيل الثواب إلى النية. عمدة القاري:1/ 32.
الجزء 1 · صفحة 70
عَلَى تَرْكِ الزِّنَا، (¬1) وَلَا الْأَعْمَى عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ إلَى الْمُحَرَّمِ.
وَعَلَى هَذَا قَالُوا (¬2) فِي الزَّكَاةِ: لَوْ نَوَى (¬3) مَا لِلتِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْخِدْمَةِ كَانَ لِلْخِدْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَهُوَ مَا إذَا نَوَى فِيمَا كَانَ لِلْخِدْمَةِ أَنْ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ حَتَّى يَعْمَلَ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ عَمَلٌ، فَلَا تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالْخِدْمَةُ تَرْكُ التِّجَارَةِ فَتَتِمُّ بِهَا.
قَالُوا وَنَظِيرُهُ الْمُقِيمُ وَالصَّائِمُ وَالْكَافِرُ وَالْمَعْلُوفَةُ وَالسَّائِمَةُ، حَيْثُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًاوَلَا مُفْطِرًا وَلَا مُسْلِمًا وَلَا سَائِمَةً (¬4) بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، (¬5) وَيَكُونُ مُقِيمًاوَصَائِمًا وَكَافِرًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا تَرْكُ الْعَمَلِ، كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
وَمِنْ هُنَا وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ يَعْنِي فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ عَنْ الْمَشَايِخِ، (¬6) صَحَّ لَنَا وَضْعُ قَاعِدَةٍ لِلْفِقْهِ؛ هِيَ الثَّانِيَةُ:
¬
(¬1) لعدم القدرة عليه، نعم يثاب على عدم المباشرة ومن مقدمات الوطي لو اجتنب بعد ما اشتهى قلبه وكف نفسه.
(¬2) خلاصة ما قال الفقهاء في الزكاة.
(¬3) وفي نسخة ((لو نوى في ما كان للتجارة))
(¬4) السائمة: هي حيوانات مكتفية بالرعي في أكثر الحول. التعريفات: 116. قال ابن الهمام:
والسائمة التي ترعى ولا تعلف في الأهل. وفي الفقه: هي تلك مع قيد كون ذلك لقصد الدر والنسل حولا أو أكثره، وسيأتي تفسير السائمة في الهداية ونذكر هناك الخلاف. فلو أسيمت للحمل والركوب لم تكن السائمة المستلزمة شرعا لحكم وجوب الزكاة، بل لا زكاة فيها، ولو أسامها للتجارة كان فيها زكاة التجارة لا زكاة السائمة. فتح القدير:2/ 172.
(¬5) لايكون المقيم مسافرا، ولاالصائم مفطرا، ولا الكافر مسلما، ولا المعلوفة سائمة ولا السائمة معلوفة بمجرد النية.
(¬6) وقوله وما قدمناه يعني في المباحات وهو أن المباح يختلف صفة باعتبار ما قصد لأجله.
وقوله ومما سنذكره عن المشايخ من بيع العصير ومن الهجر فوق ثلاث. الغمز:1/ 97.
الجزء 1 · صفحة 71
[الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا] (¬1)
¬
(¬1) معنى القاعدة: أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الأمر. أمور: جمع أمر، معناه اللغوي الفعل والحال إذ يقال أمورفلان مستقيمة أي أحواله، وقد ورد في الآية الشريفة {وما أمر فرعون برشيد} يقصد به حال فرعون.
الأمر: يجيء بمعنى طلب الفعل والقول ويجمع على أوامر، وهنا لا يقصد هذا المعنى بل يقصد بالأمر الفعل ويجمع على أمور، وبما أن الفعل هو عمل الجوارح فالقول أيضا يعد من جملة الأفعال؛ لأنه ينشأ من جارحة اللسان.
وهنا قد قرن الفعل بالقصد في قوله: الأمور بمقاصدها، فعليه النية التي لا تقترن بفعل ظاهري لا تترتب عليها أحكام شرعية. الأفعال بلا نية: أما الأفعال بلا نية فحكمها كما يأتي: أن الألفاظ الصريحة لا تحتاج إلى نية ويكفي حصول الفعل لترتب الحكم عليها إذ أن الأفعال الصريحة تكون النية متمثلة بها. درر الحكام في شرح مجلة الأحكام:1/ 19
الجزء 1 · صفحة 72
كَمَا عَلِمْتَه فِي التُّرُوكِ. (¬1) وَذَكَرَ قَاضِي خَانَ فِي فَتَاوَاهُ (¬2):إنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا إنْ قَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ فَلَا يَحْرُمُ (¬3) وَإِنْ قَصَدَ بِهِ لِأَجْلِ التَّخْمِيرِ حَرُمَ، وَكَذَا غَرْسُ الْكَرْمِ عَلَى هَذَا انْتَهَى (¬4). وَعَلَى هَذَا عَصِيرُ الْعِنَبِ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ وَالْخَمْرِيَّةِ.
¬
(¬1) من أن الترك إن كان كفا كان مثابا عليه وإلا فلا. الغمز:1/ 97
(¬2) وهو الإمام الحسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الفرغاني الإمام الكبير المعروف بقاضي خان الإمام فخر الدين تفقه على الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسمعيل بن أبي نصر الصفاري الأنصاري والإمام ظهير الدين أبي الحسن علي بن عبد العزيز المرغيناني ونظام الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي المرغيناني تفقه عليه شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري وذكره أبو المحاسن محمود الحصيري شيخ الإسلام قال هو سيدنا القاضي الإمام والأستاذ فخر الملة ركن الإسلام نقيه السلف مفتي الشرق توفي ليلة الإثنين خامس عشر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة ودفن عند القضاة السبعة وله الفتاوي أربعة أسفار كبار وشرح الجامع الصغير فى مجلدين كبيرين. الجواهر المضية في طبقات الحنفية:1/ 205. وقال الذهبي: العلامة شيخ الحنفية، أبو المحاسن حسن بن منصور بن محمود البخاري الحنفي، الأوزجندي، صاحب التصانيف.
سمع الكثير من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز. ومن إبراهيم بن عثمان الصفاري وطائفة. وأملى مجالس كثيرة رأيتها. سير أعلام النبلاء:/ 386.
(¬3) قال السرخسي: وعن حصين بن عبد الرحمن قال كان لأبي عبيدة كرم بزبالة كان يبيعه عنبا وإذا أدرك العصير باعه عصيرا وفي هذا دليل على أنه لا بأس ببيع العصير والعنب مطلقا ما دام حلوا كما لا بأس ببيع العنب وأخذ أبو حنيفة رحمه الله بظاهره فقال لا بأس ببيع العصير والعنب ممن يتخذه خمرا وهو قول إبراهيم رحمه الله لأنه لا فساد في قصد البائع فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح وإنما المحرم قصد المشتري اتخاذ الخمر منه وهو كبيع الجارية ممن لا يستبرئها أو يأتيها في غير المأتي وكبيع الغلام ممن يصنع به ما لا يحل. المبسوط:24/ 11. وقال أيضا: ألا ترى أن بيع الكرم ممن يتخذ الخمر من عينه جائز لا بأس به وكذلك بيع الأرض ممن يغرس فيها كرما ليتخذ من عنبه الخمر وهذا قول أبي حنيفة وهو القياس، وكره ذلك أبو يوسف ومحمد رحمهما الله استحسانا لأن بيع العصير والعنب ممن يتخذه خمرا أعانة على المعصية وتمكين منها وذلك حرام. المبسوط:24/ 49.
(¬4) ثنا محمد بن أبي حميد عن أبي توبة المصري قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات فأول شيء نزلت: {يسألونك عن الخمر و الميسر} الآية فقيل حرمت الخمر فقيل يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله عز و جل فسكت عنهم ثم نزلت هذه الآية: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فقيل حرمت الخمر بعينها فقالوا يا رسول الله إنا لا نشربها قرب الصلاة فسكت عنهم ثم نزلت {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} الآية قال: فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: حرمت الخمر.
قال: وقدمت لرجل رواية من الشام أو روايا فقام النبي صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و عمر ولا أعلم عثمان إلا معهم فانتهوا إلى الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: خل عنا نشقها فقال: يا رسول الله أفلا نبيعها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:
إن الله لعن الخمر ولعن غارسها ولعن شاربها ولعن عاصرها ولعن موكلها ولعن مديرها ولعن ساقيها ولعن حاملها ولعن آكل ثمنها ولعن بائعها. شعب الإيمان للبيهقي:5/ 4.
الجزء 1 · صفحة 73
وَالْهَجْرُفَوْقَ ثَلَاثٍ دَائِرٌ مَعَ الْقَصْدِ، فَإِنْ قَصَدَ هَجْرَ الْمُسْلِمِ حَرُمَ، وَإِلَّا لَا (¬1)،وَالْإِحْدَادُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ زَوْجِهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ دَائِرٌ مَعَ الْقَصْدِ، فَإِنْ قَصَدَتْ تَرْكَ الزِّينَةِ وَالتَّطَيُّبِ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ حَرُمَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا (¬2).
وَكَذَا قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا قَرَأَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ جَوَابًا لِكَلَامٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (¬3) ...
وَكَذَا إذَا أُخْبِرَ الْمُصَلِّي بِمَا يَسُرُّهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ قَاصِدًا الشُّكْرَ بَطَلَتْ، أَوْ بِمَا يَسُوءُهُ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِالله، أَوْ بِمَوْتِ إنْسَانٍ فَقَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَاصِدًا لَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (¬4).
¬
(¬1) حدثني أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام. البخاري:8/ 19. قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرة فإن كان كذلك جاز ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. فتح الباري:10/ 496.
(¬2) قال ملك العلماء الكاساني: فالإحداد في اللغة عبارة عن الامتناع من الزينة، يقال: أحدت على زوجها وحدت أي امتنعت من الزينة وهو أن تجتنب الطيب ولبس المطيب والمعصفر والمزعفر، وتجتنب الدهن والكحل ولا تختضب ولا تمتشط ولا تلبس حليا ولا تتشوف .. بدائع الصنائع:3/ 208. عن أم عطية- قالت كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار وكنا ننهى، عن اتباع الجنائز. صحيح البخاري.1/ 69.
ثوب عصب. نوع من الثياب اليمنة يعصب غزلها - أي يجمع - ويصبغ قبل أن ينسج أو المراد ثوب يشد على مكان خروج الدم حتى لا تتلوث به. نبذة. قطعة صغيرة. كست أظفار: نوع من العطر والطيب القطعة منه على شكل الظفر وقيل الصواب. كست أظفار. نسبة إلى مدينة على ساحل اليمن.
(¬3) كما لو قيل: ما مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير، أو كان أمامه كتاب وخلفه رجل اسمه يحيى، فقال: ’’يايحي خذ الكتاب،،.إن أراد الجواب وإفادة المعنى له فسدت صلاته، وإن أراد القراءة. شرح فتح القدير.1/ 399.
(¬4) قاصدا الجواب وفي المحيط ما يوضحها: وإذا أخبر المصلي بخبر يسوؤه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأراد جوابه بأن قال له: مات أبوك أو قيل له ماتت أمك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، فهذا يقطع الصلاة، وإن لم يرد جوابه لا تقطع الصلاة وذكر المسألة من غير ذلك وخلاف.
ولو أخبر بخبر يسوؤه بأن قيل له قدم أبوك، فقال: الحمد لله وأراد جوابه قطع الصلاة في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف لا تقطع، وعلى الاختلاف إذا أخبر بما يعجبه فقال: سبحان الله أو قال: لا إله إلا الله وأراد جوابه فمن مشايخنا من قال مسألة الاسترجاع على الخلاف أيضاً، وهذا القائل لا يحتاج إلى الفرق بين مسألة الاسترجاع وبين تباين المسألتين.
ومنهم من قال: مسألة الاسترجاع على الوفاق وهذا القائل يحتاج إلى الفرق لأبي يوسف، والفرق له أن الاسترجاع لإظهار المصيبة الصلاة لأجله، والتحميد لإظهار الشكر والصلاة شرعت لأجله، ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن الجواب منتظم الكلام فيصير كأنه قال: الحمد لله على قدوم أبي وأشباه ذلك، ولو صرح بذلك أليس إنه تفسد صلاته كذا ههنا، أو يقول: الكلام ينبني على قصد المتكلم، فمتى قصد بما قال المتعجب يجعل متعجباً لا مسبّحاً كأنه قال: سبحان الله على قصد التعجب كان متعجباً لا مسبحاً.
ألا ترى أن من رأى رجلاً اسمه يحيى وبين يديه كتاب موضوع قال: يا يحيى خذ الكتاب بقوة وأراد خطابه لا يشكل على أحد أنه متكلم وليس بقارىء، وكذا إذا كان الرجل في سفينة؛ لأنه خارج السفينة قال يا بني إركب معنا وأراد خطابه يجعل متكلماً لا قارئاً وكذا إذا كان تحت المصلي رجل اسمه موسى وفي يديه عصا قال: وما تلك بيمينك يا موسى؟ وأراد خطابه يجعل متكلماً لا قارئاً.
وكذلك لو قال رجل للمصلي بأي موضع مررت؟ فقال بئر معطلة وقصر مشيد وأراد جوابه يجعل متكلماً لا قارئاً.
وكذلك إذا أنشد شعراً فيه ذكر الله تعالى نحو قوله: تبارك ذو العلى والكبر .. يجعل متكلماً حتى تفسد صلاته في هذه الوجوه كذا في مسألتنا، وكذلك إذا قرع الباب على المصلي ونوى من الخارج فقال: ومن دخله كان آمناً وأراد به الجواب والإذن بالدخول تفسد صلاته، وإن أراد قراءة القرآن في هذه السور كلها لا تفسد صلاته، وفي القدوري يقول: وإذا عرض للمصلي شيء في صلاته فذكر الله تعالى يريد به خطاب الغير نحو أن يزجره عن فعل أو أمره به فسدت صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف لا تفسد صلاته.
وإن عرض للإمام فسبح له، فلا بأس به، وكذا إذا سبح يعلم غيره أنه في الصلاة لا تفسد صلاته،.المحيط البرهاني في الفقه النعماني.1/ 384.
قال الإمام الذهبي عن الإمام دارقظني: قال رجاء بن محمد المعدل: كنا عند الدارقطني يوما والقارئ يقرأ عليه، وهو يتنفل، فمر حديث فيه نسير بن ذعلوق، فقال القارئ: بشير، فسبح الدارقطني فقال: بشير، فسبح، فقال: يسير. فتلا الدارقطني: {ن والقلم}.
وقال حمزة بن محمد بن طاهر: كنت عند الدارقطني وهو قائم يتنفل، فقرأ عليه أبو عبد الله بن الكاتب: عمرو بن شعيب، فقال: عمرو بن سعيد. فسبح الدارقطني، فأعاد، وقال: ابن سعيد، ووقف، فتلا الدارقطني: {يا شعيب أصلاتك تأمرك}. فقال ابن الكاتب: شعيب. سير أعلام النبلاء:12/ 417. قلت: لعل هذا مذهبه.
الجزء 1 · صفحة 74
وَكَذَا قَوْلُهُمْ بِكُفْرِهِ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي مَعْرِضِ (¬1) كَلَامِ النَّاسِ، كَمَا إذَا اجْتَمَعُوا فَقَرَأَ {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا}، وَكَذَا إذَا قَرَأَ {وَكَأْسًا دِهَاقًا} (¬2) عِنْدَ رُؤْيَةِ كَأْسٍ. وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ، كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى قَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ. (¬3)
وَقَالَ قَاضِي خَانَ: الْفُقَّاعِيُّ (¬4) إذَا قَالَ عِنْدَ فَتْحِ الْفُقَّاعِ لِلْمُشْتَرِي: صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ: قَالُوا يَكُونُ آثِمًا.
وَكَذَا الْحَارِسُ إذَا قَالَ فِي الْحِرَاسَةِ (¬5):لَا إلَهَ إلَّا الله يَعْنِي لِأَجْلِ الْإِعْلَامِ، بِأَنَّهُ مُسْتَيْقِظٌ بِخِلَافِ الْعَالِمِ إذَا قَالَ فِي الْمَجْلِسِ: صَلُّوْا عَلَى النَّبِيِّ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَا الْغَازِي (¬6) إذَا قَالَ: كَبِّرُوا يُثَابُ. لِأَنَّ الْحَارِسَ وَالْفُقَّاعِيَّ يَأْخُذَانِ بِذَلِكَ أَجْرًا. (¬7) ...
رَجُلٌ جَاءَ إلَى بَزَّازٍ (¬8) لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ ثَوْبًا فَلَمَّا فَتَحَ الْمَتَاعَ قَالَ: سُبْحَانَ الله، أَوْ قَالَ اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ إعْلَامَ الْمُشْتَرِي جَوْدَةَ ثِيَابِهِ وَمَتَاعِهِ كُرِهَ انْتَهَى.
¬
(¬1) وسط كلام الناس.
(¬2) قال ابن منظور: وكأس دهاق: مترعة ممتلئة. لسان العرب:10/ 106.
(¬3) التهاون به والاستهانة والاحتقار.
(¬4) قال الحموي: الفقاعي. نسبة إلى بيع الفقاع وهو شراب يتخذ من الشعير سمي فقاعا لما يعلوه من الزبد. كذا في شمس العلوم. غمز عيون البصائر:1/ 99.
(¬5) حَرَسَه يَحْرُسُه ويَحْرِسُه حَرْسَاً وحِراسةً، بالكَسْر: حَفِظَه. تاج العروس:15/ 531
(¬6) وفي نسخة: القاري.
(¬7) أي عوضا بعد الحراسة، وبيع المتاع.
(¬8) البزّ بالفتح نوع من الثّياب وقيل الثّياب خاصّةً من أمتعة البيت وقيل أمتعة التّاجر من الثّياب ورجل بزّاز والحرفة البزازة بالكسر. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير:1/ 47.
الجزء 1 · صفحة 75
وَفِيهَا أَيْضًا إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ: أَطَالَ الله بَقَاءَك. قَالُوا: إنْ نَوَى بِقَلْبِهِ أَنْ يُطِيلَ الله بَقَاءَهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ عَنْ ذُلٍّ وَصَغَارٍلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ لَهُ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى (¬1).
ثُمَّ قَالَ: رَجُلٌ أَمْسَكَ الْمُصْحَفَ (¬2) فِي بَيْتِهِ وَلَا يَقْرَأُ قَالُوا إنْ نَوَى بِهِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ (¬3) لَا يَأْثَمُ وَيُرْجَى لَهُ الثَّوَابُ (¬4).
¬
(¬1) سئلت هل يجوز الدعاء للصحة أو الشفاء عن الأمراض للكافر؟ قلت: نعم يجوز ذلك، والدليل على ذلك اجتماع الكفار نخص النساء مع أطفالهن على أبواب المساجد في ولايتنا تامل نادو الهند لنقرأ عليهم شيئا من القرآن أو الداعاء حتى يرزقهم الله الشفاء لصغارهم وكبارهم. وعمل المسلمين بالتواتر حجة، وحديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنهم الذي قرأ الفاتحة على الملدوغ. انظر سنن ابي داواود وغيره من كتب الحديث.
(¬2) فائدة مهمة: المصحف: المصحف. بضم الميم وكسرها. جامع الصحف التي كتب فيها القرآن الكريم، مع ترتيب آياته وسوره. وعلل الأزهري هذه التسمية بقوله: إنما سمي المصحف مصحفا لأنه أصحف أي جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين. ويطلق المصحف ويراد به المصاحف العثمانية التي عني عثمان بجمعها والتي أجمع عليها الصحابة كلهم. أما ما جمعه أبو بكر فهي صحف وليست مصحفا، لأنها كانت متفرقة غير مجتمعة.
مصاحف الصحابة: هي مصاحف فردية كتبها بعض الصحابة لأنفسهم، لم يتوخوا فيها مطابقتها لما ثبت في العرضة الأخيرة.
ولذا خالفت هذه المصاحف الفردية المصحف الإمام الذي أجمعت عليه الأمة كلها. وخلاف هذه المصاحف الخاصة مع مصاحف عثمان بالزيادة أو بالنقص أو بالتقديم والتأخير. وأغلب الظن أن القراءات الشاذة غير المقروء بها مردها إلى هذه المصاحف الخاصة التي لم تقم جماعة المسلمين بضبطها وتحريرها.
ولقد اتحدت كلمة المسلمين على عدم القراءة بما تضمنتها هذه المصاحف، بل إن المسلمين لم يعنوا بها فتيلا، ولذا امحت آثارها ودرست ولم يبق منها شيء اللهم إلا بعض مرويات في كتب المصاحف وبعض كتب الحديث والتفسير.
وأبرز هذه المصاحف:
1 - مصحف عمر بن الخطاب.
2 - مصحف علي بن أبي طالب.
3 - مصحف عائشة.
4 - مصحف حفصة.
5 - مصحف أم سلمة.
6 - مصحف عبد الله بن الزبير.
7 - مصحف أبي بن كعب.
8 - مصحف عبد الله بن عباس.
9 - مصحف عبد الله بن مسعود. أنظر: معجم علوم القرآن: 271.
الصحف: لغة: جمع صحيفة، وهي القطعة من الورق أو غيره يكتب فيها.
اصطلاحا: هي الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن الكريم في عهد الصديق رضي الله عنه.
وكانت هذه الصحف مرتبة الآيات بالنسبة لكل سورة، ولكنها كانت غير مقرونة السور بعضها ببعض. وقد كانت هذه الصحف يعنى بها الخلفاء الراشدون، بل إنها كانت بحوزتهم، كلما توفي واحد انتقلت إلى من بعده. معجم علوم القرآن: 174. قلت: والصحيح أن عثمان بن عفان رضي الله عنه طلب من أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها المصحف الذي جمعه أبوبكر الصديق رضي الله عنه ثم رده إليها بعد النسخ.
(¬3) قال العسكري: الفرق بين البركة والزيادة: البركة: هي الزيادة والنماء من حيث لا يوجد بالحس ظاهرا، فإذا عهد من الشئ هذا المعنى خافيا عن الحس، قيل هذه بركة قيل: اشتقاقها من البروك، وهو اللزوم والثبوت، لثبوتها في الشئ. ويوصف بها كل شئ لزمه وثبت فيه خير إلهي. وليس لضدها اسم معروف، فلذلك يقال فيه: قليل البركة، ولا يسند فعل البركة إلا إلى الله، فلا يقال: بارك زيد في الشئ، وإنما يقال: بارك الله فيه. وإلى هذه الزيادة أشير بما روي أنه: لا ينقص مال من صدقة، لا إلى النقصان المحسوس. معجم الفروق اللغوية: 96.
(¬4) أما كتب الوقف يحرم حبسها لغير القراءة. وأمّا كتب نفسه ومصحفه الشخصية يجوز ويثاب يإذن الله
الجزء 1 · صفحة 76
ثُمَّ قَالَ: رَجُلٌ يَذْكُرُ الله فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ قَالُوا: إنْ نَوَى أَنَّ الْفَسَقَةَ يَشْتَغِلُونَ بِالْفِسْقِ وَأَنَا أَشْتَغِلُ بِالتَّسْبِيحِ (¬1) فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ.
وَإِنْ سَبَّحَ فِي السُّوقِ نَاوِيًا أَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَأَنَا أُسَبِّحُ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُسَبِّحَ وَحْدَهُ فِي غَيْرِ السُّوقِ. وَإِنْ سَبَّحَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ سَبَّحَ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَعْمَلُ الْفِسْقَ كَانَ آثِمًا. (¬2)
ثُمَّ قَالَ: إنْ سَجَدَ لِلسُّلْطَانِ فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ التَّحِيَّةَ وَالتَّعْظِيمَ دُونَ الصَّلَاةِ (¬3) لَا يَكْفُرُ. (¬4) أَصْلُهُ أَمْرُ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى السُّجُودِ لِلْمَلِكِ بِالْقَتْلِ فَإِنْ
¬
(¬1) وفي نسخة: بالذكر.
(¬2) إن قصد إعلام الناس يأن هناك فساق يفسقون. لأنه يصير من {إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدّنيا والآخرة واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور: 19]
(¬3) الصلاة: أي العبادة.
(¬4) قال بعض العلماء إن سجد لصاحب القبر يكفر، وقال مولانا شبيرأحمد عثماني رحمه الله: لايكفر المؤمن بسجوده للقبرأو لغير الله بل يبدع ويفسق وذلك لأن الشرك والكفر قبيح لعينه، ولايأمر الله عزوجل للقبيح لعينه لأحد، ولكننا نرى بأن الملائكة، وكذلك إخوة يوسف سجدوا لغير الله، فثبت بذلك أنه فسق وممنوع ليس بكفر.
الجزء 1 · صفحة 77
أَمَرُوهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ فَالْأَفْضَلُ الصَّبْرُ، (¬1) كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ لِلتَّحِيَّةِ فَالْأَفْضَلُ السُّجُودُ انْتَهَى (¬2) ... .
وَقَالُوا: الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ حَرَامٌ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ (¬3) وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ أَوْ لأِكْلِ (¬4) الضَّيْفِ فَمُسْتَحَبٌّ.
¬
(¬1) في نسخة: فا لصبر أفضل.
(¬2) قال الحموي: قيل صورة السجود فيهما واحدة فينبغي أن يسجد وينوي السجود لله تعالى ولا يصبر على القتل. غمز عيون البصائر:1/ 101.
(¬3) عند ما يضره، ويفسد المعدة وإلا فليس بحرام. والدليل على ذلك مارواه الإمام البيهقي في حديث طويل: فقال: " بلى، إذ أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم بسم الله وبركة الله فإذا شبعتم فقولوا: الحمد للّه الّذي هو أشبعنا، وأروانا وأنعم علينا وأفضل فإنّ هذا كفاف هذا. شعب الإيمان:6/ 332. قال ابن ابي العز: الأكل فوق الشبع حرام، ثم المحرم منه هو المتخم وهو ما زاد على الشبع. التنبيه على مشكلات الهداية:5/ 840. قال الإمام محمد بن الحسن: ثم السرف في الطعام أنواع فمن ذلك الأكل فوق الشبع لقوله صلى الله عليه وسلم ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من البطن فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس وقال النبي صلى الله عليه وسلم يكفي ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه ولا يلام على كفاف ولأنه إنما يأكل لمنفعة لنفسه ولا منفعة في الأكل فوق الشبع بل فيه مضرة فيكون ذلك بمنزلة إلقاء الطعام في مزبلة أو شرا منه ولأن مايزيد على مقدار حاجته من الطعام فيه حق غيره فإنه يسد به جوعته إذا أوصله إليه بعوض أو بغير عوض فهو في تناوله جان على حق الغير وذلك حرام ولأن الأكل فوق الشبع ربما يمرضه فيكون ذلك كجراحته نفسه والأصل فيه ما روي أن رجلا تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم نح عنا جشأك أما علمت أن أطول الناس عذابا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا ولما مرض ابن عمر رضي الله عنهما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب مرضه فقيل أنه أتخم فقال ومم ذلك فقيل من كثرة الأكل فقال صلى الله عليه وسلم أما إنه لو مات لم أشهد جنازته ولم أصل عليه
ولما قيل لعمر رضي الله عنه ألا نتخذ لك جوارشا قال وما يكون الجوارش قيل هاضوم يهضم الطعام فقال سبحان الله أو يأكل المسلم فوق الشبع إلا بعض المتأخرين رحمهم الله استثني من ذلك حاله وهو أنه إذا كان له غرض صحيح في الأكل فوق الشبع فحينئذ لا بأس بذلك بأن يأتيه ضيف بعد تناوله مقدار حاجته فيأكل مع ضيفه لئلا يخجل وكذا إذا أراد أن يصوم من الغد فلا بأس بأن يتناول بالليل فوق الشبع ليتقوى على الصوم بالنهار. الكسب: 81.
(¬4) في نسخة: لأكل الضيف.
الجزء 1 · صفحة 78
وَقَالُوا: الْكَافِرُ إذَا تَتَرَّسَ (¬1) بِمُسْلِمٍ فَإِنْ رَمَاهُ مُسْلِمٌ فَإِنْ قَصَدَ قَتْلَ الْمُسْلِمِ حَرُمَ، وَإِنْ قَصَدَ قَتْلَ الْكَافِرِ لَا. (¬2) ...
وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَأَوْرَدْنَا فُرُوعًا كَثِيرَةً شَاهِدَةً لِمَا استنبطناه (¬3) مِنَ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا. ...
وَقَالُوا فِي بَابِ اللُّقَطَةِ (¬4): إنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ رَدِّهَا حَلَّ له رَفْعُهَا (¬5) وَإِنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ نَفْسِهِ كَانَ غَاصِبًا (¬6) آثِمًا.
¬
(¬1) [تترّس] بالترس: إذا اتقى به. -شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم.2/ 746.
(¬2) قال ابن عابدين: أن أبا الليث ذكر في فتاويه أن الكفار لو تترسوا بنبي من الأنبياء هل يرمي فقال يسئل ذلك النبي ولا يتصور ذلك بعد رسولنا ولكن أجاب على تقدير التصور كذا هذا اه. حاشية ابن عابدين:3/ 5. قال الحموي: قيل: عدم التصور ممنوع فقد يتصور ذلك عقلا بعد نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام –. غمز عيون البصائر.3/ 408.
(¬3) وفي نسخة: أسّسناه
(¬4) ((قال القاضي عبد النبي: اللقطة: بضم الأول وسكون الثاني في اللغة الرفع من الأرض - وفي الشرع هي مال يوجد في الطريق أو غيره ولا يعرف له مالك بعينه. سمي بها لأنه يلقط غالبا. دستور العلماء:3/ 125
(¬5) قال البدر العيني وهو من كبار فقهاء الحنفية: هل يجب على اللاقط التقاط اللقطة؟ فروي عن مالك الكراهة، وروي عنه أن أخذها أفضل فيما له بال، وللشافعي ثلاثة أقوال: أصحها: يستحب الأخذ ولا يجب. والثاني: يجب. والثالث: إن خاف عليها وجب، وإن أمن عليها استحب. وعن أحمد: يندب تركها. وفي. شرح الطحاوي.: إذا وجد لقطة، فالأفضل له أن يرفعها إذا كان يأمن على نفسه، وإذا كان لم يأمن لا يرفعها، وفي. شرح الأقطع: يستحب أخذ اللقطة ولا يجب، وفي النوازل: قال أبو نصر محمد بن محمد بن سلام: ترك اللقطة أفضل في قول أصحابنا من رفعه ورفع اللقيط أفضل من تركه، وفي خلاصة الفتاوى: إن خاف ضياعها يفترض الرفع، وإن لم يخف يباح رفعها، أجمع العلماء عليه، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب، وفي فتاوي الولواجي: اختلف العلماء في رفعها، قال بعضهم رفعها أفضل من تركها، وقال بعضهم: يحل رفعها، وتركها أفضل. وفي شرح الطحاوي: ولو رفعها ووضعها في مكانه ذلك فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية. وقال بعض مشايخنا: هذا إذا لم يبرح من ذلك المكان حتى وضع هناك، فأما إذا ذهب عن مكانه ذلك ثم أعادها ووضعها فيه فإنه يضمن. وقال بعضهم: يضمن مطلقا، وهذا خلاف ظاهر الرواية. عمدة القاري:2/ 111.
(¬6) الغصب: في اللغة أخذ الشيء ظلمًا، مالًا كان أو غيره، وفي الشرع: أخذ مال متقوم محترم بلا إذن مالكه، بلا خفية، فالغضب لا يتحقق في الميتة؛ لأن ليست بمال، وكذا في الحر، ولا في خمر المسلم؛ لأنها ليست بمتقومة، ولا في مال الحربي؛ لأنه ليس بمحترم. التعريفات: 162
الجزء 1 · صفحة 79
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنَ (¬1) الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ: إذَا تَوَسَّدَ الْكِتَابَ فَإِنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا يُكْرِهَ. (¬2) ...
وَإِنْ غَرَسَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ قَصَدَ الظِّلَّ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ قَصَدَ مَنْفَعَةً أُخْرَى يُكْرَهُ. (¬3)
وَكِتَابَةُ اسْمِ الله تَعَالَى عَلَى الدَّرَاهِمِ، إِنْ كَانَ بِقَصْدِ الْعَلَامَةِ لَا يُكْرَهُ (¬4) وَلِلتَّهَاوُنِ يُكْرَهُ. وَالْجُلُوسُ عَلَى جَولَقٍ (¬5) فِيهِ مُصْحَفٌ، إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا يُكْرَهُ. (¬6) ...
¬
(¬1) وفي نسخة في الحظر، مكان من. وأما كلمة. التّتارخانيّة. بدون الألف. التّاتارخانيّة. ومع الألف مستعملة.
(¬2) لأنه لم يترك التعظيم بل أراد الحفظ. وفي نسخة. يكره. مكان. كره ..
(¬3) يبدو والله اعلم بأن الغرس في المسجد لايكره. وقال: سراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي. ت 1005هـ. وقد يستأنس لذلك بما في. الحاوي. وما غرس في المساجد من الأشجار المثمرة إن غرس للسبيل وهو وقف العامة كان لكل من دخل المسجد من المسلمين أن يأكل منها، وإن غرس للمسجد لا يجوز وصرفها إلى مصالح المسجد الأهم فالأهم كسائر الموقوف وكذا إن لم يعلم غرض الغارس انتهى. النهر الفائق شرح كنز الدقائق:3/ 318.
(¬4) لا بأس بكتابة اسم اللّه تعالى على الدّراهم؛ لأنّ قصد صاحبه العلامة لا التّهاون، كذا في جواهر الأخلاطيّ. الفتاوى الهندية:5/ 323. قال ابن الهمام: تكره كتابة القرآن وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش. فتح القدير:1/ 169. ولا يغيبن عن البال بأن التهاون غير الاستخفاف، نعم هناك علماء قالوا بأنهما واحد معنى، قال الطحطاوي:. تهاونا بها. أي كسلا فالتهاون غير الاستخفاف وعبارة القاموس تفيد الإتحاد. انظر: حاشية الطحطاوي: 325. فلا بد أن نحمل قول الفقها بأمثال هذه على التكاسل لا على الذل والاستخفاف ليصح المعنى. والفرق بين العلامة والأمارة: أن العلامة: ما لا ينفك عن الشيء، كوجود الألف واللام على الاسم، والأمارة: تنفك عن الشيء، كالغيم بالنسبة للمطر. التعريفات: 36.
(¬5) قال الزبيدي: الجوالق، بكسر الجيم واللّام، وبضمّ الجيم وفتح اللّام وهذه عن ابن الأعرابيّ وكسرها أي مع ضمّ الجيم: وعاء، م معروف، معرب كواله، كما في الفتح، والصواب أنه معرّب جواله بالجيم الفارسيةّ المنقوطة بثلاث من تحت ج: جوالق بالفتح كصحائف. تاج العروس:25/ 129.
(¬6) توسد خريطة. شبه كيس. فيها أخباره أو كتب الفقه، إن لقصد الحفظ لا يكره، وإلّا يكره. ويكره أن يجعل في قرطاس كتب فيه اسم الله تعالى شيء، كانت الكتابة في ظاهره أو باطنه، بخلاف الكيس؛ لأن الكيس يعظم، والقرطاس يستهان. ذكر في كتاب «الاستحسان»: وضع المقلمة على الكتاب، والمصحف عند الكتابة للضرورة: قيل: لا يجوز، وقال القاضي: يجوز. فأمّا لو قصد الإهانة لا يجوز، ولو تهاوناً يكره. الفتاوى البزازية: بهامش الهندية: 6/ 380.
الجزء 1 · صفحة 80
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَشْمَلُهُمَا الْكَلَامُ عَلَى النِّيَّةِ.
وَفِيهَا مَبَاحِثُ: ...
الْأَوَّلُ ... : فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهَا. ...
الثَّانِي ... : فِي بَيَانِ مَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ. ...
الثَّالِثُ ... : فِي بَيَانِ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ. ...
الرَّابِعُ ... : فِي بَيَانِ التَّعَرُّضِ لِصِفَةِ الْمَنْوِيِّ مِنَ الْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ وَالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ. ...
الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ الْإِخْلَاصِ فِيهَا. ...
السَّادِسُ: فِي بَيَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. ...
السَّابِعُ ... : فِي بَيَانِ وَقْتِهَا. ...
الثَّامِنُ ... : فِي بَيَانِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ اسْتِمْرَارِهَا وَفِيهِ حُكْمُهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنَ الْأَرْكَانِ. (¬1) ...
التَّاسِعُ ... : فِي مَحَلِّهَا. ...
الْعَاشِرُ: فِي شُرُوطِهَا. ...
أَمَّا الْأَوَّلُ: فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ. كَمَا فِي الْقَامُوسِ (¬2) نَوَى الشَّيْءَ يَنْوِيهِ (¬3) نِيَّةً مُشَدَّدَةٌ وَتُخَفَّفُ: قَصَدَهُ. (¬4) ...
وَفِي الشَّرْعِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ: قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى الله تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ. (¬5) انتهى.
¬
(¬1) الركن لغة: جانب الشيء الأقوى، وفي الاصطلاح: عبارة عن جزء الماهية.
(¬2) أي في القاموس المحيط، لمجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى. المتوفى: 817هـ. وقال القرطبي عن وزن ومعنى القاموس: هذا الناموس، قال أبو عبيد في مصنّفه: هو جبريل ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قال الهرويّ: وسمّي جبريل ناموسًا؛ لأنّ الله خصّه بالوحي وعلم الغيب. وقال المطّرزي: قال ابن الأعرابيّ: لم يأت في الكلام فاعول لام الفعل سين إلاّ الناموس وهو صاحب سرّ الخير، والجاسوس: وهو صاحب سرّ الشرّ، والجاروس: الكثير الأكل، والفاعوس: الحيّة، والبابوس: الصبيّ الرضيع، والراموس: القبر، والقاموس: وسط البحر، والقابوس: الجميل الوجه، والعاطوس: دابّة يتشاءم بها، والفانوس: النمّام، والجاموس: ضرب من البقر. قال ابن دريد في الجمهرة: جاموس أعجميّ وقد تكلّمت به العرب، وقال غيره: الحاسوس: بالحاء غير معجمة من تحسّسه بمعنى الجاسوس. وقال ابن دريد: الكابوس: هو الذي يقع على الإنسان في نومه، والناموس: موضع الصائد، وناموس الرجل صاحب سرّه. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم:2/ 144.
(¬3) في نسخة. ينوي.
(¬4) قال المصنف في البحر: وفي الصحاح العزم إرادة الفعل والقطع عليه والقصد إتيان الشيء وذكر اليمني في شرح الشهاب ثم النية معنى وراء العلم فهي نوع إرادة كالقصد والعزيمة والهم والحب والود فالكل اسم للإرادة الحادثة لكن العزم اسم للمتقدم على الفعل والقصد اسم للمقترن بالفعل والنية اسم للمقترن بالفعل مع دخوله تحت العلم بالمنوي، وهذا؛ لأن الفعل لا يوجد بدون الإرادة، فإذا قام الرجل من قعوده لا بد وأن يكون مريدا للقيام، وإن لم تعمل إرادته القيام وقد يركع الرجل ويسجد ذاهلا عن معرفة إرادة الركوع والسجود ويستحيل وجودهما بدون الإرادة بالكلية لأن الإرادة صنو القدرة وإنما المفقود العلم لا غير؛ ولذا قلنا للمكره إرادة، وإن كانت فاسدة بمقابلة إرادة المكره لكن قد تذكر النية مقام العزيمة كما في قولنا ونوى الصوم بالليل أي عزم عليه. البحر الرائق.1/ 25.
(¬5) المراد بـ التلويح في قول ابن نجيم رحمه الله. شرح التلويح على التوضيح.:1/ 170 - ألفه: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الشافعي. المتوفى: 793هـ.712 - 793 هـ = 1312 - 1390 م.
الجزء 1 · صفحة 81
وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النِّيَّةُ فِي التُّرُوكِ (¬1) لِأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَّا إذَا صَارَ التَّرْكُ كَفًّا وَهُوَ فِعْلٌ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْي لَا التَّرْكُ بِمَعْنَى الْعَدَمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ الْقُدْرَةِ لِلْعَبْدِ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ.
وَعَرَّفَهَا الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ بِأَنَّهَا شَرْعًا: الْإِرَادَةُ الْمُتَوَجِّهَةُ نَحْوَ الْفِعْلِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ الله تَعَالَى وَامْتِثَالاً لِحُكْمِهِ. (¬2) ...
وَلُغَةً: انْبِعَاثُ الْقَلْبِ نَحْوَمَايَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْدَفْعِ ضَرَرٍ حَالًا أَوْمَآلاً (¬3) انتهى.
الثَّانِي: فِي بَيَانِ مَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ. ...
قَالُوا: الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْعَادَاتِ وَتَمْيِيزُبَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (¬4) وَفَتْحِ
¬
(¬1) جواب سؤال وهو أن الفعل فعلان فعل الجوارح وفعل القلب فيدخل الكف في تعريف النية.
(¬2) ذكر القاضي البيضاوي في. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة.:1/ 20.
(¬3) والمعنى اللغوي أيضا نقل المصنف رحمه الله عن. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة:1/ 19.
(¬4) النهاية والبناية كلاهما للعيني: فقال في البناية: حكم الأعمال وثوابها يلصق بها، ومن جملة الأعمال عمل الصلاة، ولا يمتاز إلا بالنية، لأن ابتداء الصلاة بالقيام وهو يوجد كثيرا ولا عبادة، فاحتاج إلى النية المميزة للعبادة عن العادة، فاشترطت النية. البناية:2/ 138.
الجزء 1 · صفحة 82
الْقَدِيرِ كَالْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ. قَدْ يَكُونُ حِمْيَةً (¬1)،أَوْ تَدَاوِيًا، أَوْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ قَدْ يَكُونُ لِلْاِسْتِرَاحَةِ، وَقَدْ يَكُونُ قُرْبَةً. ... (¬2)
وَدَفْعُ الْمَالِ قَدْ يَكُونُ هِبَةً أَوْ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَقَدْ يَكُونُ قُرْبَةً، كزَكَاةٍ أَوْصَدَقَةٍ. وَالذَّبْحُ (¬3) قَدْ يَكُونُ لِأَكْلٍ فَيَكُونُ مُبَاحًا (¬4) أَوْ مَنْدُوبًا، أَوْلِلْأُضْحِيَّةِ فَيَكُونُ عِبَادَةً أَوْ لِقُدُومِ أَمِيرٍ فَيَكُونُ حَرَامًا أَوْ كُفْرًا (¬5) عَلَى قَوْلٍ.
¬
(¬1) قال الخليل: وحميت المريض حميةً: منعته أكل ما يضرّه. العين:3/ 313.
(¬2) كالاعتكاف، والتعليم والتعلم، و، وانتظارالصلاة، وبعد الصلاة. وقال ابن عابدين: وفي صلاة الجلابي: الكلام المباح من حديث الدنيا يجوز في المساجد وإن كان الأولى أن يشتغل بذكر الله تعالى، كذا في التمرتاشي هندية وقال البيري ما نصه: وفي المدارك - {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6] المراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»، انتهى. فقد أفاد أن المنع خاص بالمنكر من القول، أما المباح فلا. قال في المصفى: الجلوس في المسجد للحديث مأذون شرعا لأن أهل الصفة كانوا يلازمون المسجد وكانوا ينامون، ويتحدثون، ولهذا لا يحل لأحد منعه، كذا في الجامع البرهاني. أقول: يؤخذ من هذا أن الأمر الممنوع منه إذا وجد بعد الدخول بقصد العبادة لا يتناوله اهـ. رد المحتار:1/ 662
(¬3) ذبح الشاة كمنع الشاة كمنع يذبحها ذبحا، بفتح فسكون. [المصدر بفتح الذال وسكون الباء] تاج العروس:6/ 367
(¬4) قال العسكري: أن الحلال هو المباح الذي علم إباحته بالشرع، والمباح لا يعتبر فيه ذلك تقول المشي في السوق مباح ولا تقول حلال، والحلال خلاف الحرام والمباح خلاف المحظور وهو الجنس الذي لم يرغب فيه. معجم الفروق اللغوية: 196.
(¬5) ذكر الحصكفي رحمه الله قاعدة يفرق بين الذبح للأمير وبين الذبح للضيف والقادم ’فقال: إن ذبح ثم قدم الذبيحة للأكل أمامه فلا يكفر ولايكون مكروها، وإن ذبح ثم قدم لغيرالأمير يعد الذبح لغير الله، وهل يكفر فالصحيح عند ابن عابدين مكروه. فقال: والفارق أنه إن قدمها ليأكل منها كان الذبح لله والمنفعة للضيف أو للوليمة أو للربح، وإن لم يقدمها ليأكل منها بل يدفعها لغيره كان لتعظيم غير الله فتحرم، وهل يكفر؟ قولان. بزازية وشرح وهبانية.
قلت: وفي صيد المنية أنه يكره ولا يكفر، لانا لا نسئ الظن بالمسلم أنه يتقرب إلى الآدمي بهذا النحر ونحوه في شرح الوهبانية عن الذخيرة. الدر المختار: 643.
الجزء 1 · صفحة 83
ثُمَّ التَّقَرُّبُ إلَى الله تَعَالَى يَكُونُ بِالْفَرْضِ وَالنَّفْلِ وَالْوَاجِبِ. (¬1)
فَشُرِعَتْ (¬2) لِتَمْيِيزِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ.
فَتَفَرَّعَ (¬3) عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ إلاَّعِبَادَةً و لَا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ كَالْإِيمَانِ بِالله تَعَالَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالنِّيَّةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْأَذْكَارِ لِأَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لَا تَلْتَبِسُ بِغَيْرِهَا، وَمَاعَدَا الْإِيمَانِ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَلَكِنَّهُ مُخَرَّجٌ (¬4) عَلَى الْإِيمَانِ الْمُصَرَّحِ بِهِ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ وَهْبَانَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ إنَّ مَا لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ النِّيَّةَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ (¬5).
¬
(¬1) قال إمام العصر مولانا انورشاه: أن الأدلة على أربعة أنواع: الأول: الدليل قطعي الدلالة والثبوت. ويفيد الفرضية في جانب الأمر، والحرمة في جانب النهي، والثاني: ظني الثبوت والدلالة، ويفيد الكراهة تنزيهاً في جانب النهي، والاستحباب في جانب الأمر، والثالث: ظني الثبوت وقطعي الدلالة، والرابع: بالعكس، وكلا القسمين يفيدان الوجوب أو السنية في جانب الأمر، والكراهة تحريماً في جانب النهي. العرف الشذي:1/ 46.
(¬2) فشرعت النية.
(¬3) وفي النسخ الهندية ((فيفرع))
(¬4) يستنبط. وقال العلماءبأن النية شرط إذا كنت العبادة المذكورة نذرا. وفي نسخة. يخرّج. بدلا من مخرج.
(¬5) قال الحموي: قال بعض المحققين: إنما لم تحتج النية إلى نية لأنها منصرفة إلى الله تعالى بصورتها فلا جرم لا تفتقر النية إلى نية أخرى ولا حاجة إلى التعليل بأنها لو افتقرت إلى نية أخرى لزم التسلسل، ولذلك يثاب الإنسان على نية منفردة ولا يثاب على الفعل منفردا لانصرافها بصورتها إلى الله تعالى، والفعل متردد بين ما لله تعالى وما لغيره.
وأما كون الإنسان يثاب على النية حسنة وعلى الفعل عشرا، إذا نوى فلأن الأفعال هي المقاصد والنيات وسائل. غمز عيون البصائر:1/ 107. وقال القرافي: المشروع في نية العبادة أن ينوي امتثال أمر الله تعالى في إيقاع الصلاة منوية مثلا فإن النية في الصلاة مشروعة شرطا في صحتها وليس المشروع أن ينوي نية الامتثال حتى يلزم التسلسل ويصح أن يقال: إن النية لا تحتاج إلى النية لأنها من قبيل ما صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها ولو لم يقصد فافهم. الفروق للقرافي:1/ 144. قال الكوراني: فإن قلت: فالنية أيضًا عمل من أعمال القلب، فتحتاج إلى نية أخرى وهلم جرا؟ قلت: النية لا تحتاج إلى نية كالضوء، فإنه مضيء لغيره، ولا يحتاج إلى ضوء آخر، وهذا ظاهر إذا رجعت إلى وجدانك. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري:1/ 31. وقال البعض: النية ليست من الأعمال، لأن الأعمال هي حركات البدن، والنية خطرة القلب، وليس من الأعمال. ويدل عليه قوله عليه السلام نية المؤمن خير من عمله، فإذا كانت النية عملا يكون المعنى عمل المؤمن خير من عمله، وهذا لا معنى له.
الجزء 1 · صفحة 84
وَنَقَلَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ َوالْأَذْكَارَ وَالْأذَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ. (¬1)
الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ تَعْيِيْنِ الْمَنْوِيِّ وَعَدَمِهِ: الْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَنْوِيَّ اِمَّاأَنْ يَكُونَ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ عِبَادَةً فَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا ظَرْفًا (¬2) لِلْمُؤَدَّى بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسَعُهُ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ كَالصَّلَاةِ كَأَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ، فَإِنْ قَرَنَهُ بِالْيَوْمِ كَظُهْرِ الْيَوْمِ صَحَّ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، أَوْ بِالْوَقْتِ وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، فَإِنْ خَرَجَ وَنَسِيَهُ لَا يُجْزِيهِ فِي الصَّحِيحِ، وَفَرْضُ الْوَقْتِ كَظُهْرِ الْوَقْتِ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا بَدْلٌ لَا أَصْلٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ أَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ (¬3) فَإِنْ نَوَى الظُّهْرَلَاغَيْرَاُخْتُلِفَ فِيهِ، (¬4) وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ.
¬
(¬1) قال العيني: فإن أداء الدين ورد الودائع والأذان والتلاوة والأذكار وهداية الطريق وإماطة الأذى عبادات كلها تصح بلا نية إجماعا. عمدة القاري:1/ 31.
(¬2) قال قاسم بن قطلوبغا: وكل ما يفضل من الأوقات عن الأداء فهو ظرف. خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار: 65.
(¬3) قال الكاساني: وأما كيفية فرضيتها. فقد اختلف فيها قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن فرض الوقت هو الظهر في حق المعذور وغير المعذور لكن غير المعذور وهو الصحيح المقيم الحر مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة حتما، والمعذور مأمور بإسقاطه على سبيل الرخصة حتى لو أدى الجمعة يسقط عنه الظهر وتقع الجمعة فرضا، وإن ترك الترخص يعود الأمر إلى العزيمة ويكون الفرض هو الظهر لا غير، وعن محمد قولان في قول قال: فرض الوقت هو الجمعة ولكن له أن يسقطه بالظهر رخصة، وفي قول قال: الفرض أحدهما غير عين ويتعين ذلك بتعيينه فعلا فأيهما فعل تبين أنه هو الفرض، وقال زفر وقت الفرض هو الجمعة والظهر بدل عنها وهذا كله قول أصحابنا. بدائع الصنائع:1/ 256.
(¬4) قال ابن الهمام: فإن نوى الظهر لا غير اختلف فيه، قيل لا يجزئه لاحتمال فائتة عليه، وفي فتاوى العتابي الأصح أنه يجزئه وعلم مما ذكر أن من فاتته الظهر فنوى الظهر والعصر في وقت العصر مثلا لا يصير شارعا في واحدة منهما. وفي المنتقى: إن كان في الوقت سعة يصير شارعا في الظهر. وفي الخلاصة: فإن نوى مكتوبتين فائتتين كانت للأولى منهما انتهى. فتح القدير:1/ 267. فإن نوى ظهر اليوم والوقت خرج جازت صلاته، وإن نوى ظهر الوقت والوقت خرج لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 85
قَالُوا: وَعَلَامَةُ التَّعْيِينِ لِلصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ أَيُّ صَلَاةٍ تُصَلِّي يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ بِلَا تَأَمُّلٍ (¬1).وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا مِعْيَارًا (¬2) لَهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسَعُ غَيْرَهَا كَالصَّوْمِ فِي يَوْمِ رَمَضَانَ فَإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ إنْ كَانَ الصَّائِمُ صَحِيحًا مُقِيمًا فَيَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَنِيَّةِ النَّفْلِ، وَوَاجِبٍ آخَرَ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْمُتَعَيَّنِ لَغْوٌ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ سَوَاءٌ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ أَوْ نَفْلًا.
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنْ نَوَى عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَقَعَ عَمَّا نَوَاهُ لَا عَنْ رَمَضَانَ. (¬3) وَفِي النَّفْلِ رِوَايَتَانِ. وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ.
¬
(¬1) وعن محمد بن سلمة: إن كان عند الشروع بحيث لو سئل أية صلاة يصلي يجيب على البديهة من غير تفكر فهي نية تامة، ولواحتاج إلى التأمل لا يجوز. فتح القدير:1/ 266.
(¬2) قال ابن قطلوبغا:.و. النوع. الثاني: أن يكون الوقت معياراً.: أي مقداراً. له.: أي للمؤدّى. وسبباً لوجوبه.: أي يثبت الوجوب به،.كشهر رمضان. أما إنه معيار؛ فلأن الصوم قدر بأيامه، حتى ازداد بزيادتها وانتقص بنقصانها. وأما إنه سبب لوجوبه: فلأنه يضاف إليه، والإضافة تدلّ على الاختصاص، وأقوى وجوهه السببية وسيأتي. ومن حكمه.: أي من حكم هذا النوع الذي جعل الوقت معياراً له وسبباً. نفي غيره.: أي غير المؤدى. فيه.: أي في الوقت ضرورة كونه معياراً، وإذا انتفى غيره،.فيصاب.: أي يتأدى. بمطلق الاسم.، وهو الصوم بأن يقول: نويت أن أصوم،.و. يتأدّى. مع الخطأ في الوصف.: أي في وصف الصوم، بأن ينوي صوم القضاء، أو النذر، أو النفل؛ لأن الوقت لا يقبل الوصف، فلغت نيّته وبقيت نية أصل الصوم، وبها يتأدّى. خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار: 67.
(¬3) قال الحموي: قوله: وأما المسافر فإن نوى عن واجب آخر وقع عما نواه.
لأن له أن لا يصوم فله أن يصرفه إلى ما نوى؛ وقال لا يقع عن رمضان لأنه يفارق المقيم في رخصته الترك فإن لم يترك صار كالمقيم.
كذا في شرح الجامع الصغير للتمرتاشي قيل: المسافر والمريض إذا صاما رمضان يشترط أن ينوي كل منهما ليلا، على قولهما.
قال القاضي خان مريض أو مسافر لم ينو الصوم من الليل في شهر رمضان ثم نوى بعد طلوع الفجر، قال أبو يوسف - رحمه الله - يجزيه.
وبه أخذ الحسن ولم ينبه عليه المصنف - رحمه الله -.انتهى.
أقول قد نبه في البحر على عدم الاشتراط عند قول الكنز، وصح صوم رمضان والنظر المعين بالنية من الليل إلى ما قبل نصف النهار، حيث قال: فإنه لا فرق بين الصحيح والمريض والمسافر والمقيم لأنه لا تفصيل فيما ذكرنا من الدليل.
وقال: زفر لا يجوز الصوم للمسافر والمريض إلا بنية من الليل لأن الأداء غير مستحق عليهما فصار كالقضاء، ورد بأنه من باب التغليظ؛ والمناسب لهما التخفيف.
وفي الخانية مريض أو مسافر لم ينو الصوم من الليل في شهر رمضان ثم نوى بعد طلوع الفجر؟ قال أبو يوسف يجزيهما. انتهى.
وبه أخذ الحسن قال صاحب الكشف الكبير: فهذا يشير إلى أن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يجزيهما. انتهى.
وهذه الإشارة مدفوعة بصريح المنقول من أن عندنا لا فرق كما ذكره في المبسوط والنهاية والولوالجية وغيره. الغمز:1/ 110.
الجزء 1 · صفحة 86
وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا مُشْكِلًا (¬1) كَوَقْتِ الْحَجِّ يُشْبِهُ الْمِعْيَارَ (¬2) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي السَّنَةِ (¬3) إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً. ...
¬
(¬1) قال السرخسي: وبيان الاشكال فيه أن الحج عبادة تتأدى بأركان معلومة، ولا يستغرق الاداء جميع الوقت، فمن هذا الوجه. يشبه الصلاة ولا يتصور من الاداء في الوقت في سنة واحدة إلا حجة واحدة فمن هذا الوجه. يشبه الصوم الذي يكون الوقت معيارا له وفي وقته اشتباه أيضا. أصول السرخسي:1/ 42.
(¬2) تعريف المعيار: المعيار هو ما يقدّر الشّيء به كالمكيال ونحوه. شرح التلويح على التوضيح.1/ 410.
(¬3) قال الزبيدي: {والعام: السنة. كما في الصحاح. قال شيخنا: وعلى اتحادهما جرى المصنف، ففسر كل واحد منهما بالآخر. وقال ابن الجواليقي: ولا تفرق عوام الناس بين} العام والسنة، ويجعلونهما بمعنى فيقولون: سافر في وقت من السنة، أي وقت كان إلى مثله ذلك، وهو غلط، والصواب ما أخبرت به عن أحمد بن يحيى أنه قال: السنة من أي يوم عددته إلى مثله. والعام لا يكون إلا شتاء وصيفا، وليس السنة والعام مشتقين من شيء، فإذا عددت من اليوم إلى مثله فهو سنة يدخل فيه نصف الشتاء ونصف الصيف، والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء، ومن الأول يقع الربع والربع، والنصف والنصف، إذا حلف لا يكلمه {عاما لا يدخل بعضه في بعض، إنما هو الشتاء والصيف،} فالعام أخص من السنة، فعلى هذا تقول: كل عام سنة، وليس كل سنة عاما. وقال الأزهري: " العام: حول يأتي على شتوة وصيفة، وعلى هذا فالعام أخص مطلقا من السنة، وإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف ونصف الشتاء، والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء متواليين. قلت: والذي في المفردات للراغب ما نصه: " فالعام كالسنة لكن كثيرا ما تستعمل السنة في الحول الذي يكون فيه الجدب، والشدة، ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام فيما فيه الرخاء والخصب. قال الله تعالى:.! عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} وقوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} ففي كون المستثنى منه بالسنة والمستثنى {بالعام لطيفة موضعها فيما بعد هذا الكتاب "، ثم قال: " وقيل: سمي العام عاما} لعوم الشمس في جميع بروجها، ويدل على معنى العوم قوله تعالى: {وكل في فلك يسبحون} ". وقال السهيلي في الروض: السنة أطول من العام، وهو دورة من دورات الشمس، والعام يطلق على الشهور العربية بخلاف السنة، فتأمل فيه مع ما نقله شيخنا. ج: {أعوام. .تاج العروس:33/ 157.