الجزء 1 · صفحة 7
كشف الرين عن بيان المسح على الجوربين
للعلامة أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي
توفي سنة (1231هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمد من رجاه لغفران حوبته، وأشكره شكر من تاب عن خطيئته وزلته وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف بريَّته. اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الكريم والسيد السند العظيم سيدنا محمد وعلى إخوانه الأنبياء، وعلى الملائكة المقربين والشهداء، وعلى من دخل في حزبه ونوبته.
أما بعد:
فقد كثر السؤال في سنين سالفة متعددة من أهل العلم وغيرهم من المستفيدين عمن لبس جوربا غير ثخين ولبس عليه مسدا سواء خرزه به أو لا، هل يجوز المسح عليه؟ بأن يقع المسح على الجلد بقدر الفرض أو لا بد أن يكون الجورب الذي لبس المسد عليه ثخينا؟
واضطربت المشايخ والطلبة في ذلك ولم يقفوا على حكم يجزمون به، وكذلك العبد الفقير، فمنَّ الله تعالى بجمع هذه الكلمات لبيان حكم المسألة صريحا فيرتفع الوهم ويثبت الجزم.
فأقول وبالله أنطق وبقدرته أحقق:
قال مولانا أبو البركات حافظ الدين النسفي رحمه الله تعالى وأعاد علينا من بركاته في باب المسح على الخفين): وصح على الموق، والجورب المجلد، والمنعل، والثخين.
قال مولانا محرر المذهب الشيخ زين بن نجيم في شرحه المسمى بالبحر: «جورب مُجلَّد: إذا وُضِعَ الجِلْدُ على أعلاه وأسفله، وجورب مُنْعَلٌ ومنعل: الذي وضع على أسفله جلدة كالنعل للقدم.
وفي المستصفى: «أَنْعَل الخف ونعله، جعل له نعلا»، وهكذا في كثير من الكتب. فيجوز في المنعل تشديد العين مع فتح النون، كما يجوز تسكين النون وتخفيف العين.
وفي فتاوى قاضي خان ثم على رواية الحسن ينبغي أن يكون النعل إلى الكعبين. وفي ظاهر
الجزء 1 · صفحة 9
الرواية إذا بلغ النعل إلى أسفل القدم جاز» .. أهـ. وفي شرح الحلبي للمنية: الجورب هو ما يلبس في الرّجل لدفع البرد ونحوه مما لا يسمى خفا.
وفي القاموس: «الجورب لفافة الرّجل»، فكأن تفسيره باعتبار اللغة لكن العرف خص اللفافة بما ليس بمخيط، والجورب بالمخيط ونحوه الذي يلبس كما يلبس المخيط». [أهـ]
قال في البحر: والثخين ما يقوم على الساق من غير شد ولا يسقط، ولا يشف. وفي التبيين: ولا يُرى ما تحته.
ثم المسح على الجورب إذا كان منعا جائز إتفاقا، وإذا لم يكن منعلا وكان رقيقاً غير جائز اتفاقا، وإن كان ثخينا فهو غير جائز عند أبي حنيفة، وقالا: يجوز.
وعنه أنه رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى، كذا في الهداية) وأكثر الكتب؛ لأنه في معنى الخف» أهـ. أي من حيث صلابته ولزوم الحرج في نزعه المتكرر غالبا في اليوم والليلة، ولما روي من فعله عليه الصلاة والسلام.
وفي الخلاصة: «فإن كان الجورب من مِرْعِزِّي أو صوف لا يجوز المسح عليه».
والمِرْعِزي بميم مكسورة وقد تفتح، وقد يُمدّ مع تخفيف الزاي، وقد تحذف مع بقاء التشديد الزغبة التي تحت شعر العنز، كذا في شرح النقاية.
وفي المجتبى: لا يجوز المسح على الجورب الرقيق من غزل أو شعر بلا خلاف، ولو كان ثخينا يمشي معه فرسخًا فصاعدا كجورب أهل مرو فعلى الخلاف، وكذا الجورب من جلد رقيق على الخلاف، ويجوز على الجوارب اللبدية، وعن أبي حنيفة: لا يجوز. قالوا: ولو شاهد أبو حنيفة صلابتها لأفتى بالجواز ...
قال الشيخ زين في شرح قول حافظ الدين: «وصح على الموق» - نقلا عن قاضيخان) -: .... "ويجوز على الخفّ الذي يكون من الكبد وإن لم يكن مُنعلاً لأنه يمكن قطع المسافة فيه. وفي الخلاصة: وأما المسح على الخفاف المتخذة من اللبود التركية فالصحيح أنه يجوز المسح عليه، ولا يجوز المسح حتى يكون الأديم على أصابع الرجل وظاهر القدمين .. ». أهـ
والظاهر اعتماد ما في قاضيخان لوجود الشرائط فيه.
الجزء 1 · صفحة 10
وفي الإيضاح: «المجلد هو الذي وُضِع الجلد على أعلاه وأسفله والمنعل هو الذي وضع الجلد على أسفله كالنعل للقدم في ظاهر الرواية. وروى الحسن: لا بد أن يكون الجلد إلى الكعب ثم قال: وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لا يجوز المسح على الجوارب وإن كانت منعلة إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعب، ذكره في التحفة). انتهى ملخصا، فمذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه موافق لما عن الحسن.
وفي الهندية نقلاً عن شرح المبسوط للإمام السرخسي: «والصحيح من المذهب جواز المسح على الخفاف المتخذة من اللبود التركية؛ لأن مواظبة المشي فيها سفرًا ممكن به أهـ. وفيها - نقلا عن النهر الفائق والثخين هو الذي ليس مجلدًا ولا منعلا بشرط أن يكون يستمسك على الساق بلا ربط ولا يُرى ما تحته، وعليه الفتوى» أهـ.
وقال في التتارخانية: «ثم بين المشايخ رحمهم الله اختلاف في مقدار النعل الذي يكفي لجواز المسح على الثخين عند أبي حنيفة رحمه الله. قال بعضهم: إذا كان في باطن الخف أديم، وهو ما يلي كف القدم. وقال بعضهم: لا يجوز المسح حتى يكون الأديم إلى الساق ليكون ظاهر القدمين وكَفَّاه مستوراً بالأديم. فعلى قول هذا القائل لو كان المستور بالأديم ما دون الساق
والساق [بلا] جورب لا يجوز المسح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: سألت رحمه الله تعالى: «سألت الإمام الأستاذ رحمه الله تعالى عن تفسير الجورب المنعل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال: أراد به الجلد الرقيق الذي اعتاد الناسُ خَرْزَه على جواربهم، وأراد به الصرم الغليظ نظير الصرم الذي يكون على جوارب أهل مرو» أهـ.
وأفاد صدر هذه العبارة أن المنعل لا يكون إلا ثخينا، فإذا وضَعَ نعل على جورب غير ثخين لا يجوز المسح عليه، وأفاد آخرها أن الجلد لا بد أن يكون مخروزًا على الشورب، فلو لم يكن مخروزًا لا يجوز المسح عليه. فإن قلت ما فائدة عطف الثخين على المجلد والمنعل فإنه يفيد أنه يجوز المسح على المجلد والمنعل وإن كان رقيقا؟ قلت العطف لبيان المتفق عليه والمختلف فيه فإن المجلد والمنعل الثخينين متفق عليه والثخين غيرهما مختلف فيه). وصح رجوع الإمام إلى قولهما.
وما أحسن عبارة «الفوائد السَّمِية في شرح الفرائد السنية» حيث قال: ويجوز أيضا على كل ما يستر الكعب مما يمكن السفر به، كالجوربين إذا كانا مجلدين بأن كان الجلد أعلاهما وأسفلهما، أو منعلين بأن كان الجلد أسفلهما. أما إذا كانا ثخينين لا يشفان من غير أن يكونا منعلين [أو مجلدين] ... » وذكر
الجزء 1 · صفحة 11
الخلاف). وهو يفيد أن المجلدين والمنعلين ثخينان، وقد شرط في الثخين أن يستمسك بنفسه، أي يثبت على الساق من غير أن يشد بشيء؛ فإذا كان كذلك جاز المسح عليه، إلا إذا كان رقيقا يستمسك فإنه لا يجوز المسح عليه. قال العلامة الحلبي فإنا نشاهد ما يكون فيه ضيق يستمسك
على الساق من غير شد ولو كان من الكرباس، وتعريف الثخين بما يمكن متابعة المشي فيه أصوب. قال نجم الدين الزاهدي فإن كان ثخينا يمشى به فرسخا أو فراسخ على هذا الخلاف أهـ. فهذا الذي ينبغي أن يعول عليه.
قال شمس الأئمة في شرح كتاب الصلاة: الجورب أنواع:. منها ما يكون من صوف ومِرْعِزّي) وهو لا يجوز المسح عليه إجماعا.
2. ومنها ما يكون من غزل، فإن كان رقيقا لا يجوز المسح عليه بلا خلاف وإن كان ثخينا مستمسكًا أي يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء ويستر الكعب ستراً لا يبدوا للناظر كما هو جوارب أهل مرو، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز المسح عليه إلا إذا كانا منعلا أو مبطنا، وعلى قولهما يجوز. أهـ
قلت: وهذا صريح في أن المنعل والمبطن لا بد أن يكون ثخينا، وهو نص في المسألة.
3. ومنها ما يكون من شعر ذكر في النوادر أنه لا يجوز المسح عليه. قالوا: إذا كان صلبا مستمسكا يمشي معه فراسخ أو فرسخًا يجب أن يكون على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى.
4. ومنها ما يكون من جلد رقيق، فقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجوز المسح عليه، والمتأخرون قالوا الصحيح أن المسألة على الخلاف. ه. ومنها ما يكون من الكرباس ولا يجوز المسح عليه كيف ما كان».
وفي الحلبي نقلا عن القاموس: «الكرباس بالكسر اسم للثوب من القطن الأبيض أهـ. قال هو معرب، فارسيه بالفتح. ويلحق به كُلُّ ما كان من نوع المخيط كالكتان والإبريسم ونحوهما».
ذكر شمس الأئمة السرخسي في شرحه: "حكي أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى مسح على جوربيه في مرضه الذي مات فيه وقال لعوّاده: فعلتُ ما كنت أمنع الناس عنه، قال رحمه الله تعالى استدلوا به على رجوعه إلى قولهما". وفي الذخيرة قال الصدر الشهيد: “وعليه الفتوى”.
الجزء 1 · صفحة 12
وفي المحيط: “وكان شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى يقول: هذا كلام يحتمل أنه كان رجوعا إلى قولهما، ويحتمل ألا يكون رجوعا، ويكون اعتذارًا لهم [أي]: إنما أخذت بقول المخالف للضرورة، ولا يثبت الرجوع بالشك" .....
وقال الشيخ التمرتاشي صاحب تنوير الأبصار» في شرحه لمنظومة «تحفة الأقران وتحقيق هذا المقام بلا مزيد عليه من الكلام ما قال في الخلاصة: وأما المسح على الجوربين إن كانا ثخينين مُنعلين يجوز المسح عليهما، وإن كانا ثخينين غير منعلين لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما يجوز، والثخين ما يستمسك على الساق من غير أن يُشدّ بشيء. وإن كان الجورب من مُرْعِزي وصوف لا يجوز عليه عندهم، وإن كان الجورب من غزل وهو رقيق لا يجوز المسح عليه، وإن كان [ثخينا] مستمسكا ويستر الكعبين ستراً لا يبدو للناظر على هذا الخلاف. وأجمعوا أنه لو كان منعلًا أو مبطنا يجوز المسح عليه، فإن كان من شعر الصحيح أنه إن كان صلبًا مستمسكًا يمشي معه فرسخًا أو فراسخ على هذا الخلاف، فإن كان ما يلي ظاهر القدم مشقوقا بأن يبدو منه قدمه فإن كان هيأ لذلك الشق خيطا أو سَيْرًا يشدها شدّا يستر قدمه فهو كجورب غير مشقوق، وإن كان يستر بعضه دون بعض فذلك كالخرق، ولو كان من جلد رقيق الأصح أنه على هذا الخلاف" ... ».
فجعل التقسيم في جورب ثخين غير أنه إن كان مجلدا أو منعلا جاز المسح عليه اتفاقا، وإن لم يكن واحدا منهما فهي الخلافية، وصح رجوع الإمام إلى قولهما.
ولا يشك شاك بعد هذه النصوص التي هي صريحة في اشتراط الثخانة مطلقا أنه لا يجوز المسح على مسد لبس على جورب غير ثخين إذا لم تجتمع فيه الشرائط.
وقد اتفقت عبارة التتارخانية وعبارة شمس الأئمة السرخسي وعبارة التمرتاشي على اشتراط الثخانة واستفيد مما تقدم كون الجلد مخروزًا على الجورب، فلو وضع من غير خَرْز لا يجوز المسح عليه. نعم إن نزع المسد وكان الشورب مستجمعا للشروط جاز المسح على الشورب ذاته. واستفيد مما تقدم أنه لا يجوز المسح على الجورب إلا إذا أمكن متابعة المشي فيه فرسخًا أو أكثر، فلو كان مستمسكًا إلا أنه لا يتابع فيه المشي هذه المسافة لا يصح المسح عليه. وانظر هل تتابع المشي فيه منظور فيه إلى اللابس أو إلى الجورب أو الخفّ نفسه حتى لو كان فيه نوع اتساع يعسر على اللابس المشي فيه هذه المسافة ولكنه في ذاته متين يمكن متابعة المشي فيه ولو لغير اللابس والظاهر الثاني ويحرر.
الجزء 1 · صفحة 13
والله أعلم وهو الموفق الهادي
تمت بحمد الله وعونه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم].
كتب هذه الرسالة أحمد بن محمد بن أحمد السحيمي الحنفي الأزهري
عفي عنه آمين